صبره الجميل ﷺ
للنبي محمد ﷺ مواقف في الدعوة إلى الله تدل على صبره، ورغبته فيما عند الله تعالى، ومن المعلوم أنه صبر في جميع أحواله ابتداءً بدعوته السرية حتى لَقِيَ ربه صابرًا محتسبًا، وأمثلة صبره في دعوته كثيرة جدًا لا تحصر، ولكني أقتصر على إيراد الأمثلة التطبيقية الآتية:
المثال الأول: صعوده على الصفا ونداؤه العام: أمر الله نبيه بإنذار عشيرته الأقربين، فقال ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ - وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ - فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٤ - ٢١٦]
فقام رسول الله ﷺ بتنفيذ أمر ربه بالجهر بالدعوة والصدع بها، وإنذار عشيرته، فوقف مواقف حكيمة
[ ١٩٦ ]
أظهر الله بها الدعوة الإسلامية، وبيَّن بها حكمة النبي ﷺ وشجاعته، وصبره، وحسن خلقه، وإخلاصه لله رب العالمين، وقَمَعَ بها الشرك وأهله، وأذلهم إلى يوم الدين.
عن ابن عباس - ﵄ - قال: «لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صعد النبي ﷺ على الصفا فجعل ينادي: "يا بني فهر، يا بني عدي" - لبطون قريش - حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب، وقريش، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ " قالو: نعم، ما جربنا عليك إلا صِدْقًا. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ - مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ١ - ٢] (١).
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، باب وأنذر عشيرتك الأقربين ٨/ ٥٠١، ٧٣٧، برقم ٤٧٧٠، و٦/ ٥٥١، ومسلم بنحوه في كتاب الإيمان، باب قوله: وأنذر عشيرتك الأقربين ١/ ١٩٤، برقم ٢٠٨.
[ ١٩٧ ]
وفي رواية لأبي هريرة - ﵁ - أنه ﷺ ناداهم بطنًا بطنًا، ويقول لكل بطن: "أنقذوا أنفسكم من النار. . . "، ثم قال: "يا فاطمة أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًاَ سأبلها ببلاها» (١).
وهذه الصحية العالمية غاية البلاغ، وغاية الإنذار، فقد أوضح ﷺ لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هو حياة الصلة بينه وبينهم، وأوضح أن عصبية القرابة التي يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار، الذي جاء من عند الله تعالى، فقد دعا ﷺ قومه - في هذا الموقف العظيم - إلى الإسلام، ونهاهم عن عبادة الأوثان، ورغَّبهم في الجنة، وحذَّرهم من النار، وقد
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة الشعراء، باب وأنذر عشيرتك الأقربين ٨/ ٥٠١، برقم ٤٧٧١، ٥/ ٣٨٢، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: وأنذر عشيرتك الأقربين ١/ ١٩٢، برقم ٢٠٦.
[ ١٩٨ ]
ماجت مكة بالغرابة والاستنكار، واستعدت لحسم هذه الصرخة العظيمة التي ستزلزل عاداتها وتقاليدها وموروثاتها الجاهلية؛ ولكن الرسول الكريم ﷺ لم يضرب لصرخاتهم حسابًا، لأنه مرسل من الله - ﷿ -، ولابد أن يبلغ البلاغ المبين عن رب العالمين، حتى ولو خالفه أو رد دعوته جميع العالمين، وقد فعل ﷺ (١).
استمر ﷺ يدعوا إلى الله - تعالى - ليلًا ونهارًا، وسِرًّا وجهارًاً، لا يصرفه عن ذلك صارف، ولا يردُّه عن ذلك راد، ولا يصدُّه عن ذلك صادٌّ، استمر يتتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم، وفي المواسم ومواقف الحج، يدعو من لقيه من: حر وعبد، وقوي وضعيف، وغني وفقير، جميع الخلق عنده في ذلك سواء.
وقد تسلَّط عليه وعلى من اتبعه الأشداء الأقوياء من
_________________
(١) انظر: الرحيق المختوم ص٧٨، وفقه السيرة لمحمد الغزالي ص١٠١، ١٠٢، والسيرة النبوية، دروس وعبر لمصطفى السباعي ص٤٧.
[ ١٩٩ ]
مشركي قريش بالأذية القولية والفعلية، وانفجرت مكة بمشاعر الغضب؛ لأنها لا تريد أن تفارق عبادة الأصنام والأوثان (١) ومع ذلك لم يفتر محمد ﷺ في دعوته، ولم يترك العناية والتربية الخاصة لأولئك الذين دخلوا في الإسلام، فقد كان يجتمع بالمسلمين في بيوتهم على شكل أسر بعيدة عن أعين قريش، وتتكون هذه الأسر من الأبطال الذين عقد عليهم رسول الله ﷺ الأمل بعد الله - تعالى - في حمل العبء والمهام الجسمية لنشر الإسلام، وبذلك تكونت طبقة خاصة من المؤمنين الأوائل قوية في إيمانها، متينة في عقيدتها، مدركة لمسئوليتها، منقادة لأمر ربها، طائعة لقائدها، مطبقة لكل أمر يصدر عنه برغبة وشوق واندفاع لا يعادله اندفاع، وحب لا يساويه حب.
وبهذه المواقف الحكيمة، والتربية الصالحة المتينة استطاع محمد ﷺ أن يؤدي الأمانة، ويرسم لنا طريقًا
_________________
(١) البداية والنهاية ٣/ ٤٠.
[ ٢٠٠ ]
نسير عليه في دعوتنا وعملنا وسلوكنا، فهو قدوتنا وإمامنا الذي نسير على هديه، ونستنير بحِكَمِهِ ﷺ.
فقد بدأ الدعوة بعناصر اختارها ورباها، فلبت الدعوة، وآمنت به، وكانت دعوته عامة للناس، وأثناء هذه الدعوة يُركِّزُ على من يجد عندهم الإمكانات أو يتوقع منهم ذلك، وقد تكوَّن من هذه العناصر نواة القاعدة الصلبة التي ثبتت عليها أركان الدعوة (١).
ومع هذا الجهد المبارك العظيم لم يلجأ رسول الله ﷺ إلى الاغتيال السياسي، ولم يتخلص بالاغتيال من أفراد بأعينهم، وكان بإمكانه ذلك وبكل يسر وسهولة، إذ كان يستطيع أن يكلف أحد الصحابة بقتل بعض قادة الكفر: كالوليد بن المغيرة المخزومي، أو العاص بن وائل السهمي، أو أبي جهل عمرو بن هشام، أو أبي لهب عبد العزى ابن عبد المطلب، أو النضر بن الحارث، أو عقبة
_________________
(١) التاريخ الإسلامي، لمحمود شاكر ٢/ ٦٥.
[ ٢٠١ ]
ابن أبي معيط، أو أُبيِّ بن خلف، أو أُمية بن خلف. . .، وهؤلاء هم من أشد الناس أذية لرسول الله ﷺ، فلم يأمر أحدًا من أصحابه باغتيال أحد منهم أو غيرهم من أعداء الإسلام؛ فإن مثل هذا الفعل قد يُوْدي بالجماعة الإسلامية كاملة، أو يعرقل مسيرتها مدة ليست باليسيرة، كرد فعل من أعداء الإسلام الذين يتكالبون على حربه، والنبي ﷺ لم يؤمر في هذه المرحلة باغتيالهم؛ لأن الذي أرسله هو أحكم الحاكمين.
وعلى هذا يجب أن يسير الدعاة إلى الله فوق كل أرض، وتحت كل سماء، وفي كل وقت، يجب أن تكون الدعوة على حسب المنهج الذي سار عليه رسول الله ﷺ سواء كان ذلك قبل الهجرة أو بعدها، فطريق الدعوة الصحيح هو هديه والتزام أخلاقه وحكمه وتصرفاته على حسب ما أرادها ﷺ (١).
_________________
(١) انظر: التاريخ الإسلامي، لمحمود شاكر ٢/ ٦٥.
[ ٢٠٢ ]
المثال الثاني مع اضطهاد سادات قريش
المثال الثاني: مع اضطهاد سادات قريش: رأت قريش أن تجرب أسلوبًا آخر تجمع فيه بين الترغيب والترهيب، فلترسل إلى محمد ﷺ تعرض عليه من الدنيا ما يشاء، ولترسل إلى عمه الذي يحميه تحذره مغبة هذا التأييد والنصر لمحمد ﷺ، وتطلب منه أن يكف عنها محمدًا ودينه (١).
جاءت سادات قريش إلى أبي طالب، فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنًا وشرفًا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه، وإنا والله لا نصبر على هذا، مِنْ: شَتْم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى نكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين.
فعظم على أبي طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد، وعظم عليه فراق قومه وعداوته لهم، ولم يطب نفسًا
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٣/ ٤١، وفقه السيرة لمحمد الغزالي ص١١٢.
[ ٢٠٣ ]
بإسلام رسول الله ﷺ لهم، ولا خذلانه، فبعث إلى رسول الله ﷺ فقال له: يا ابن أخي، إن قومك جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، للذي كانوا قالوا له، فأبقِ عليَّ وعلى نفسك، ولا تحمِّلني من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك.
فثبت النبي ﷺ على دعوته إلى الله، ولم تأخذه في الله لومة لائم؛ لأنه على الحق، ويعلم بأن الله سينصر دينه ويُعلي كلمته، وعندما رأى أبو طالب هذا الثبات ويئس من موافقة النبي ﷺ لقريش على ترك دعوته إلى التوحيد قال:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أُوسَّد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضةً وأبشر وقر بذاك منك عيونا (١)
_________________
(١) انظر: سيرة ابن هشام ١/ ٢٧٨، وانظر: البداية والنهاية ٣/ ٤٢، وفقه السيرة للغزالي ص١١٤، والرحيق المختوم ص٩٤.
[ ٢٠٤ ]
المثال الثالث مع عتبة بن ربيعة
المثال الثالث: مع عتبة بن ربيعة: بعد أن أسلم حمزة بن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب أخذت السحائب تنقشع، وأقلق هذا الموقف الجديد مضاجع المشركين، وأفزعهم وزادهم هولًا وفزعًا تزايد عدد المسلمين، وإعلانهم إسلامهم، وعدم مبالاتهم بعداء المشركين لهم، الأمر الذي جعل رجال قريش يساومون رسول الله ﷺ، فبعث المشركون عتبة بن ربيعة ليعرض على رسول الله ﷺ أمورًا لعله يقبل بعضها فيُعطَى من أمور الدنيا ما يريد.
فجاء عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة (١) في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرَّقت به جماعتهم، وسفَّهت به أحلامهم، وعِبْتَ به
_________________
(١) يعني: المنزلة الرفيعة. انظر: المصباح المنير، مادة "سطا" ص٢٧٦، والقاموس المحيط، باب الواو، فصل السين ص١٦٧٠.
[ ٢٠٥ ]
آلهتهم ودينهم، وكفَّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، قال رسول الله ﷺ: "قل أبا الوليد أسمع"، قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تريد به شرفًا سوَّدناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به مُلْكًا ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه. . حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله ﷺ يستمع منه، قال: "أقد فرغت يا أبا الوليد؟ " قال: نعم، قال: "فاستمع مني" قال: أفعل، فقال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ - بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ -
[ ٢٠٦ ]
وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت: ٢ - ٥] ثم مضى رسول الله ﷺ فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليها يسمع منه، ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: "قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك" (١).
وفي رواية أخرى أن عتبة استمع حتى جاء الرسول ﷺ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]، فقام مذعورًا فوضع يده على فم رسول الله ﷺ يقول: أنشدك الله والرحم، وطلب
_________________
(١) أخرج هذه القصة ابن إسحاق في المغازي ١/ ٣١٣ من سيرة ابن هشام، قال الألباني: وإسناده حسن إن شاء الله. انظر: فقه السيرة للغزالي ص١١٣، وتفسير ابن كثير ٤/ ٦١، والبداية والنهاية ٣/ ٦٢، والرحيق المختوم ص١٠٣.
[ ٢٠٧ ]
منه أن يكف عنه، فرجع إلى قومه مسرعًا كأن الصواعق ستلاحقه، واقترح على قريش أن تترك محمدًا وشأنه، وأخذ يرغبهم في ذلك (١).
لقد تخير رسول الله ﷺ بفضل الله - تعالى -، ثم بحكمته العظيمة هذه الآيات من الوحي؛ ليعرف عتبة حقيقة الرسالة والرسول، وأن محمدًا ﷺ يحمل كتابًا من الخالق إلى خلقه، يهديهم من الضلال، وينقذهم من الخبال، ومحمد ﷺ قبل غيره مُكلَّف بتصديقه والعمل به، والوقوف عند أحكامه، فإذا كان الله - ﷿ - يأمر الناس بالاستقامة على أمره، فمحمد ﷺ أولى الناس بذلك، وهو لا يطلب ملكًا ولا مالًا ولا جاهًا، لقد مكَّنه الله من هذا كله، فعفَّ عنه وترفَّع أن يمد يديه إلى هذا الحطام الفاني؛ لأنه صادق في دعوته، مخلص لربه، ﷺ (٢).
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية ٣/ ٦٢، وتاريخ الإسلام للذهبي، قسم السيرة ص١٥٨، وفقه السيرة لمحمد الغزالي ص١١٤، وهذا الحبيب يا محبّ ص١٠٢، وتفسير ابن كثير ٤/ ٦٢.
(٢) انظر: فقه السيرة لمحمد الغزالي ص١١٣.
[ ٢٠٨ ]
المثال الرابع مع أبي جهل
وهذا موقف من أعظم مواقف الصبر والحكمة التي أوتيها النبي ﷺ، فهو قد ثبت وصدق في دعوته، ولم يرد مالًا، ولا جاهًا، ولا ملكًا، ولا نكاحًا، من أجل أن يتخلى عن دعوته، وقد اختار الكلام المناسب في الموضع المناسب، وهذا هو عين الحكمة والخلق الحسن العظيم.
المثال الرابع: مع أبي جهل: قرر المشركون ألا يألو جهدًا في محاربة الإسلام وإيذاء النبي ﷺ ومن دخل معه في الإسلام، والتعرض لهم بألوان النكال والإيلام.
ومنذ جهر النبي ﷺ بدعوته إلى الله، وبيَّن أباطيل الجاهلية، انفجرت مكة بمشاعر الغضب، وظلت عشرة أعوام تعدُّ المسلمين عصاة ثائرين فزلزلت الأرض من تحت أقدامهم، واستباحت في الحرم الآمن دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وصاحبت هذه النار المشتعلة
[ ٢٠٩ ]
حرب من السخرية والتحقير، والاستهزاء والتكذيب، وتشويه تعاليم الإسلام، وإثارة الشبهات، وبث الدعايات الكاذبة، ومعارضة القرآن، والقول بأنه أساطير الأولين، ومحاولة المشركين للنبي ﷺ أن يعبد آلهتهم عامًا، ويعبدون الله عامًا! إلى غير ذلك من مفاوضاتهم المضحكة!
واتهموا النبي ﷺ بالجنون، والسحر، والكذب والكهانة، والنبي ﷺ ثابت صابر محتسب يرجو من الله النصر لدينه، وإظهاره (١).
لقد نال المشركون من النبي ﷺ ما لم ينالوه من كثير من المؤمنين، فهذا أبو جهل يعتدي على النبي ﷺ ليعفر وجهه في التراب، ولكن الله حماه منه، ورد كيده في نحره، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «قال أبو جهل: هل يُعَفِّر محمد
_________________
(١) انظر: فقه السيرة لمحمد الغزالي ص١٠٦، والرحيق المختوم ص٨٠، ٨٢، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ٢/ ٨٥، ٨٨، ٩١، ٩٣، ٩٤، وهذا الحبيب يا محبّ ص١١٠.
[ ٢١٠ ]
وجهه بين أظهركم؟ قال: قيل: نعم. فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأُعَفِّرنَّ وجهه في التراب، قال: فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته. قال: فما فجئهم (١) منه إلا وهو ينكص على عقبيه (٢) ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار، وهولًا، وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ: "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا". قال: فأنزل الله - ﷿ -: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦] إلى آخر السورة.» (٣)
وقد عصم الله النبي ﷺ من هذا الطاغية ومن غيره، وصبر على هذا الأذى العظيم ابتغاء وجه الله - تعالى -، فضحَّى بنفسه وماله ووقته في سبيل الله تعالى.
_________________
(١) ويقال أيضًا: فجأهم، أي بغتهم. انظر: شرح النووي ١٧/ ١٤٠.
(٢) يرجع يمشي إلى ورائه. انظر: المرجع السابق ٧/ ١٤٠.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب المنافقين، باب قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ ٤/ ٢١٥٤، برقم ٢٧٩٧، وانظر: شرح النووي ١٧/ ١٤٠.
[ ٢١١ ]
المثال الخامس وضع السلا على ظهره
المثال الخامس: وضع السَّلا على ظهره ﷺ: ومما أُصيب به محمد ﷺ من الأذى ما رواه ابن مسعود - ﵁ - قال: «بينما رسول الله ﷺ يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نُحِرتْ جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سَلَا (١) جزور بني فلان فيأخذه فيضعه على ظهر محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم (٢) فأخذه، فلما سجد النبي ﷺ وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا أنظر، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ، والنبي ﷺ ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت وهي جويرية، فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى النبي ﷺ صلاته، رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا
_________________
(١) السّلا: هو اللفافة التي يكون فيها الولد في بطن الناقة وسائر الحيوان، وهي من الآدمية: المشيمة. انظر: شرح النووي ١٢/ ١٥١.
(٢) هو عقبة بن أبي مُعيط، كما صرح في رواية لمسلم في صحيحه ٣/ ١٤١٩.
[ ٢١٢ ]
المثال السادس مع عقبة بن أبي معيط
ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا، ثم قال: "اللهم عليك بقريش" ثلاث مرات، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته، ثم قال: "اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط "، وذكر السابع ولم أحفظه، فوالذي بعث محمدًا ﷺ بالحق لقد رأيت الذي سمَّى صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر» (١).
المثال السادس: مع عقبة بن أبي معيط: ومن أشد ما صنع به المشركون ﷺ ما رواه البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير، قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: «أخبرني بأشد ما صنع المشركون
_________________
(١) البخاري مع الفتح، في كتاب الوضوء، باب إذا أُلقيَ على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته ١/ ٣٤٩، برقم ٢٤٠، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين ٢/ ١٤١٨، برقم ١٧٩٤.
[ ٢١٣ ]
برسول الله ﷺ؟ قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر، فأخذ بمنكبه، ودفعه عن رسول الله ﷺ وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]»
وقد اشتد أذى المشركين لرسول الله ﷺ ولأصحابه، حتى جاء بعض الصحابة إلى رسول الله ﷺ يستنصره، ويسأل منه الدعاء والعون، ولكن النبي الحكيم واثق بنصر الله وتأييده، فإن العاقبة للمتقين.
[ ٢١٤ ]
عن خباب بن الأرت - ﵁ - قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، [ولقد لقينا من المشركين شدة]، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد [ما دون عظامه من لحم وعصب]، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليُتَمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» (١).
وهكذا اشتد أذى قريش على رسول الله ﷺ وعلى
_________________
(١) البخاري مع الفتح في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام ٦/ ٦١٩، برقم ٣٦١٢، وفي كتاب مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي - ﷺ - وأصحابه من المشركين بمكة ٧/ ١٦٤، برقم ٣٨٥٢، وفي كتاب الإكراه، باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر ١٢/ ٣١٥، برقم ٦٩٤٣، واللفظ من كتاب الإكراه، وما بين المعكوفين من مناقب الأنصار.
[ ٢١٥ ]
المثال السابع مع زوجة أبي لهب
أصحابه، وما ذلك كله إلا من أجل إعلاء كلمة الله، والصدع بالحق، والثبات عليه، والدعوة إلى التوحيد الخالص، ونبذ عادات الجاهلية وخرافاتها ووثنيتها.
المثال السابع: مع زوجة أبي لهب: لقي النبي ﷺ أشد الأذى، ووصل الأمر إلى تغيير اسمه ﷺ احتقارًا له ولدينه، وحسدًا وبغضًا له، فقد كان المشركون من قريش من شدة كراهتهم للنبي ﷺ لا يُسمُّونه باسمه الدَّال على المدح فيعدلون إلى ضده، فيقولون: مُذمَّم، وإذا ذكروه بسوء قالوا: فعل الله بمذمم، ومذمم ليس هو اسمه ولا يُعرف به، فكان الذي يقع منهم في ذلك مصروفًا إلى غيره بحمد الله تعالى (١).
قال ﷺ: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش، ولعنهم؟! يشتمون مذممًا، ويلعنون مذممًا، وأنا محمد» (٢).
_________________
(١) انظر: فتح الباري ٦/ ٥٥٨.
(٢) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله - ﷺ - ٦/ ٥٥٤، برقم ٣٥٣٣.
[ ٢١٦ ]
والنبي ﷺ له خمسة أسماء ليس منها مُذَمَّمًا (١).
جاءت أم جميل زوجة أبي لهب - حين سمعت ما أنزل الله فيها وفي زوجها من القرآن - إلى رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر الصديق، وفي يدها ملء الكف من حجارة، فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله ﷺ فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر! أين صاحبك؟ قد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، أَمَا والله إني لشاعرة، ثم قالت:
مُذَمَّمًَا عصينا وأمره أبينا ودينه قلينا (٢)
استمر المشركون في إلحاق الأذى برسول الله ﷺ وبأصحابه الذين أسلموا، وبعد أن زاد عدد المسلمين
_________________
(١) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله - ﷺ - ٦/ ٥٥٤، برقم ٣٥٣٢.
(٢) انظر: سيرة ابن هشام ١/ ٣٧٨، ومعنى قولها: قلينا: أي أبغضنا. انظر: تفسير ابن كثير٤/ ٥٢٣.
[ ٢١٧ ]
وكثر عددهم ازداد حنق المشركين على المسلمين، وبسطوا إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء، ولما رأى رسول الله ﷺ ذلك، ورأى أنه في حماية الله ثم عمه أبي طالب، وهو لا يستطيع أن يمنع المسلمين مما هم فيه من العذاب - فقد مات منهم من مات، وعُذِّب من عذب حتى عمي وهو تحت العذاب - فأذن رسول الله لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة، فكان أهل هذه الهجرة الأولى اثنى عشر رجلًا، وأربع نسوة، ورئيسهم عثمان بن عفان ﵁، ذهبوا فوفَّقَ الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين، فحملوهم فيها إلى أرض الحبشة، وكان ذلك في رجب، في السنة الخامسة من البعثة، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر فلم يدركوا منهم أحدًا، ثم بلغ هؤلاء المهاجرين أن قريشًا قد كفوا عن النبي ﷺ فرجعوا إلى مكة من الحبشة، وقبل وصولهم مكة بساعة من نهار بلغهم أن الخبر كذب، وأن قريشًا أشد ما كانوا عداوة
[ ٢١٨ ]
لرسول الله ﷺ فدخل من دخل مكة بجوار، وكان من الداخلين ابن مسعود، ووجد أن ما بلغهم من إسلام أهل مكة كان باطلًا، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار - كابن مسعود - أو مستخفيًا، ثم اشتد البلاء من قريش على من دخل مكة من المهاجرين وغيرهم، ولقوا منهم أذىً شديدًا، فأذن لهم رسول الله ﷺ في الخروج إلى الحبشة مرة ثانية، وكان عدد من خرج في هذه المرة الثانية ثلاثة وثمانين رجلًا، إن كان فيهم عمار بن ياسر، ومن النساء تسعة عشرة امرأة، فكان المهاجرون في مملكة أصحمة النجاشي آمنين، فلما علمت قريش بذلك أرسلت للنجاشي بهدايا وتحف ليردهم عليهم، فمنع ذلك عليهم، ورد عليهم هداياهم، وبقي المهاجرون في الحبشة آمنين حتى قدموا إلى رسول الله ﷺ عام خيبر (١).
_________________
(١) انظر: زاد المعاد لابن القيم ٣/ ٢٣، ٣٦، ٣٨، والرحيق المختوم ص٨٩، وهذا الحبيب يا محب ص١٢٠، وسيرة ابن هشام ١/ ٣٤٣، والبداية والنهاية ٣/ ٦٦، = = والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ٢/ ٩٨، ١٠٩، وتاريخ الإسلام للذهبي، قسم السيرة ص١٨٣.
[ ٢١٩ ]
المثال الثامن حبسه ﷺ في الشعب
المثال الثامن: حبسه ﷺ في الشعب: ولما رأت قريش انتشار الإسلام، وكثرة من يدخل فيه، وبلغها ما لقي المهاجرون في بلاد الحبشة، من: إكرام وتأمين، مع عودة وفدها خائبًا، اشتد حنقها على الإسلام، وأجمعوا على أن يتعاقدوا على بني هاشم، وبني عبد المطلب، وبني عبد مناف، وأن لا يبايعوهم، ولا يناكحوهم، ولا يكلموهم، ولا يجالسوهم، حتى يسلِّموا إليهم رسول الله ﷺ وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في سقف الكعبة، فانحاز بنو هاشم، وبنو عبد المطلب مؤمنهم وكافرهم إلا أبا لهب، فإنه بقي مظاهرًا لقريش على رسول الله ﷺ وعلى بني هاشم، وبني عبد المطلب.
وحُبِسَ رسول الله ﷺ في شعب أبي طالب ليلة هلال محرم، سنة سبع من البعثة، وبقوا محصورين محبوسين،
[ ٢٢٠ ]
مضيقًا عليهم جدًا، مقطوعًا عليهم الطعام والمادة نحو ثلاث سنين حتى بلغهم الجهد، وسُمِعَ أصوات صبيانهم بالبكاء من وراء الشعب، ثم أطلع الله رسوله على أمر الصحيفة، وأنه أرسل عليها الأرضة فأكلت جميع ما فيها من جور وقطيعة وظلم إلا ذكر الله - ﷿ -، فأخبر عمه بذلك، فخرج إلى قريش فأخبرهم أن محمدًا قد قال كذا وكذا، فإن كان كاذبًا خلينا بينكم وبينه، وإن كان صادقًا رجعتم عن قطيعتنا وظلمنا، قالوا: قد أنصفت، فأنزلوا الصحيفة، فلما رأوا الأمر كما أخبر به رسول الله ﷺ ازدادوا كفرًا إلى كفرهم، وخرج رسول الله ﷺ ومن معه من الشعب بعد عشرة أعوام من البعثة، ومات أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر، وماتت خديجة بعده بثلاثة أيام، وقيل غير ذلك (١).
_________________
(١) انظر: زاد المعاد ٣/ ٣٠، وسيرة ابن هشام ١/ ٣٧١، البداية والنهاية ٣/ ٦٤، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ٢/ ١٠٩، ١٢٧، ١٢٨، وتاريخ الإسلام للذهبي - قسم السيرة ص١٢٦، ١٣٧، والرحيق المختوم ص١١٢.
[ ٢٢١ ]
المثال التاسع مع أهل الطائف
ولما نُقِضَتِ الصحيفة وافق موت أبي طالب وموت خديجة وبينهما زمن يسير، فاشتد البلاء على رسول الله ﷺ من سفهاء قومه، وتجرؤوا عليه فكاشفوه بالأذى، فازدادوا غمًا على غم حتى يئس منهم، وخرج إلى الطائف رجاء أن يستجيبوا لدعوته أو يؤووه أو ينصروه على قومه، فلم ير من يؤوي، ولم ير ناصرًا، وآذوه مع ذلك أشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينله من قومه (١).
المثال التاسع: مع أهل الطائف: في شوال، من السنة العاشرة من النبوة، خرج النبي ﷺ إلى الطائف لعله يجد في ثقيف حسن الإصغاء لدعوته والانتصار لها، وكان معه زيد بن حارثة مولاه، وكان في طريقه كلما مر على قبيلة دعاهم إلى الإسلام، فلم تُجِبْه واحدة منها.
عندما وصل إلى الطائف عمد إلى رؤسائها فجلس
_________________
(١) انظر: زاد المعاد ٣/ ٣١، والرحيق المختوم ص١١٣.
[ ٢٢٢ ]
إليهم، ودعاهم إلى الإسلام، فردوا عليه ردًا قبيحًا، وأقام رسول الله ﷺ بين أهل الطائف عشرة أيام، لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، فقالوا: اخرج من بلادنا، وأغروا به سفهاءهم وصبيانهم، فلما أراد الخروج تبعه هؤلاء السفهاء واجتمعوا عليه صَفَّين يرمونه بالحجارة، وبكلمات من السفه، ورجموا عراقيبه حتى اختضب نعلاه بالدماء، وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه، ورجع رسول الله ﷺ من الطائف إلى مكة محزونًا، كسير القلب، وفي طريقه إلى مكة أرسل الله إليه جبريل ومعه ملك الجبال يستأمره أن يطبق الأخشبَيْن على أهل مكة، وهما جبلاها اللذان هي بينهما (١).
عن عائشة - ﵂ - أنها قالت لرسول الله
_________________
(١) انظر: زاد المعاد ٣/ ٣١، والرحيق المختوم ص١٢٢، وهذا الحبيب يا محبّ ص١٣٢، والبداية والنهاية ٣/ ١٣٥.
[ ٢٢٣ ]
ﷺ: «يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: "لقد لقيت من قومك [ما لقيت]، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال (١) فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أسْتَفِق إلا بقرن الثعالب (٢) فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني: فقال: إن الله - ﷿ - قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال وسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك فما شئت (٣)؟ إن شئت أن أُطْبِق
_________________
(١) ابن عبد ياليل بن كلال من أكابر أهل الطائف من ثقيف. الفتح ٦/ ٣١٥.
(٢) وهو ميقات أهل نجد، ويقال له: قرن المنازل، ويعرف الآن بالسيل الكبير. انظر: الفتح ٦/ ٣١٥.
(٣) استفهام، أي: فأمرني بما شئت. انظر: فتح الباري ٦/ ٣١٦.
[ ٢٢٤ ]
عليهم الأخشبين". فقال له رسول الله ﷺ: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» (١).
وفي هذا الجواب الذي أدلى به رسول الله ﷺ تتجلى شخصيته الفذة، وما كان عليه من الخلق العظيم الذي أمده الله به.
وفي ذلك بيان شفقته على قومه، ومزيد صبره وحلمه، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فصلوات الله وسلامه عليه (٢).
_________________
(١) البخاري مع الفتح في كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه ٦/ ٣١٢، برقم ٣٢٣١، ومسلم بلفظه في كتاب الجهاد والسير باب ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين ٣/ ١٤٢٠، برقم ١٧٩٥، وما بين المعكوفين من البخاري دون مسلم.
(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر ٦/ ٣١٦، والرحيق المختوم ص١٢٤.
[ ٢٢٥ ]
وأقام ﷺ بنخلة أيامًا، وصمم على الرجوع إلى مكة، وعلى القيام باستئناف خطته الأولى في عرض الإسلام وإبلاغ رسالة الله الخالدة، بنشاط جديد، وجد وحماس، وحينئذ قال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟ فَرُوي عنه (١) أنه قال: يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصر دينه، ومظهر نبيه.
ثم سار حتى وصل إلى مكة فأرسل رجلًا من خزاعة إلى مطعم بن عدي ليدخل في جواره، فقال مطعم: نعم، ودعا بنيه وقومه فقال: البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمدًا، فدخل رسول الله ﷺ ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المُطْعمُ بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش إني قد أجرت محمدًا فلا يهجه أحد منكم، فانتهى رسول الله ﷺ إلى الركن فاستلمه وصلى ركعتين، وانصرف إلى
_________________
(١) انظر: زاد المعاد، لابن القيم ٣/ ٣٣.
[ ٢٢٦ ]
بيته، والمطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته (١).
وفي هذه المواقف العظيمة التي وقفها النبي ﷺ في رحلته إلى الطائف دليل واضح على تصميمه الجازم في الاستمرار في دعوته وعدم اليأس من استجابة الناس لها، وبَحَثَ عن ميدان جديد للدعوة، بعد أن قامت الحواجز دونها في ميدانها الأول.
وفي ذلك دليل على أن النبي ﷺ كان أستاذًا في الحكمة، وذلك لأنه حينما قدم الطائف اختار الرؤساء وسادة ثقيف في الطائف وقد علم أنهم إذا أجابوه أجابت كل قبائل أهل الطائف.
وفي سيل الدماء من قدمي النبي ﷺ - وهو النبي الكريم - أكبر مثل لما يتحمله الداعية في سبيل الله من أذى واضطهاد.
_________________
(١) انظر: زاد المعاد ٣/ ٣٣، وسيرة ابن هشام ٢/ ٢٨، والبداية والنهاية ٣/ ١٣٧، والرحيق المختوم ص١٢٥.
[ ٢٢٧ ]
المثال العاشر مع أهل الأسواق والمواسم
وفي عدم دعائه على قومه، وعلى أهل الطائف، وعدم موافقة مَلَك الجبال في إطباق الأخْشَبيْن على أهل مكة أكبر مثل لما يتحمله الداعية في صبره على من رد دعوته، وعدم اليأس من هدايتهم، فربما يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا.
ومن حكمته ﷺ أنه لم يدخل مكة إلا بعد أن دخل في جوار المُطْعم بن عدي، وهكذا ينبغي للداعية أن يبحث عمن يحميه من كيد أعدائه؛ ليقوم بدعوته على الوجه المطلوب (١).
المثال العاشر: مع أهل الأسواق والمواسم: باشر النبي ﷺ دعوته في مكة بعد عودته من الطائف في شهر ذي القعدة سنة عشر من النبوة، فبدأ يذهب إلى المواسم التي تقام في الأسواق مثل: عكاظ، ومجنة، وذي مجاز، وغيرها، التي تحضرها القبائل العربية للتجارة
_________________
(١) انظر: السيرة النبوية دروس وعبر لمصطفى السباعي ص٥٨، وهذا الحبيب يا محبّ ص١٣٤.
[ ٢٢٨ ]
والاستماع لما يُلقى فيها من الشعر ويعرض نفسه على هذه القبائل يدعوها إلى الله - تعالى -، وجاء موسم الحج لهذه السنة فأتاهم قبيلة قبيلة يعرض عليهم الإسلام كما كان يدعوهم منذ السنة الرابعة من النبوة.
ولم يكتف رسول الله ﷺ بعرض الإسلام على القبائل فحسب، بل كان يعرضه على الأفراد أيضًا.
وكان ﷺ يُرَغِّبُ جميع الناس بالفلاح، فعن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، قال: أخبرني رجل يقال له: ربيعة بن عباد، من بني الديل، وكان جاهليًا، قال: «رأيت النبي ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: "يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"، والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضئ الوجه، أحول، ذو غديرتين، يقول: إنه صابئ كاذب، يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه، فذكروا لي نسب رسول الله ﷺ وقالوا: هذا عمه أبو لهب» (١).
_________________
(١) أخرجه أحمد ٤/ ٣٤١، ٣/ ٤٩٢، وسنده حسن، وله شاهد عند ابن حبان = = برقم ١٦٨٣ (موارد) من حديث طارق بن عبد الله المحاربي، والحاكم المستدرك بإسنادين، وقال عن الإسناد الأول: صحيح على شرط الشيخين، رواته كلهم ثقات أثبات ١/ ١٥.
[ ٢٢٩ ]
وقد كانت الأوس والخزرج يحجُّون كما تحج العرب دون اليهود، فلما رأى الأنصار أحواله ﷺ ودعوته، عرفوا أنه الذي تتوعدهم به اليهود، فأرادوا أن يسبقوهم؛ ولكنهم لم يبايعوا النبي ﷺ في هذه السنة، ورجعوا إلى المدينة (١).
وفي موسم الحج من السنة الحادية عشرة من النبوة، عرض النبي ﷺ نفسه على القبائل، وبينما الرسول ﷺ يعرض نفسه، مر بعقبة مِنَى فوجد بها ستة نفر من شباب يثرب، فعرض عليهم الإسلام، فأجابوا دعوته، ورجعوا إلى قومهم وقد حملوا معهم رسالة الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله ﷺ (٢).
_________________
(١) انظر: زاد المعاد ٣/ ٤٣، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ٢/ ١٣٦، والرحيق المختوم ص١٢٩، والبداية والنهاية ٣/ ١٤٩، وابن هشام ٢/ ٣١.
(٢) انظر: التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ٢/ ١٣٧، وهذا الحبيب يا محبّ ٢/ ١٤٥، = = والرحيق المختوم ص١٣٢، وزاد المعاد ٣/ ٤٥، وسيرة ابن هشام ٢/ ٣٨، والبداية والنهاية ٣/ ١٤٩.
[ ٢٣٠ ]
ثم استدار العام وأقبل الناس إلى الحج سنة اثنتي عشرة من النبوة، وكان من بين حجاج يثرب اثنا عشر رجلًا، فيهم خمسة من الستة الذين كانوا قد اتصلوا برسول الله ﷺ في العام السابق، والتقوا حسب الموعد مع رسول الله ﷺ عند العقبة بمنى، وأسلموا وبايعوا رسول الله ﷺ بيعة النساء (١).
عن عبادة بن الصامت - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: «تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتانٍِ تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروفٍ، فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فَعُوقِب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره
_________________
(١) انظر: زاد المعاد ٣/ ٤٦، والرحيق المختوم ص١٣٩، والتاريخ الإسلامي ٢/ ١٣٩، وهذا الحبيب يا محبّ ص١٤٥، وسيرة ابن هشام ٢/ ٣٨.
[ ٢٣١ ]
الله عليه فأمره إلى الله: إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه" فبايعناه على ذلك» (١).
وبعد أن انتهت المبايعة، وانتهى الموسم بعث النبي ﷺ مع هؤلاء مصعب بن عمير - ﵁ - ليعلم المسلمين شرائع الإسلام؛ وليقوم بنشر الإسلام، وقد قام بذلك - ﵁ - أتم قيام، وفي موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من النبوة حضر لأداء الحج من يثرب ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان، وكلهم قد أسلموا.
فلما قدموا مكة واعدوا النبي ﷺ عند العقبة، وجاءهم على موعدهم، ثم تكلم رسول الله ﷺ، ثم قالوا: يا رسول الله، على ما نبايعك؟ فقال: «تبايعوني على: السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب وفود الأنصار إلى النبي - ﷺ - في مكة ٧/ ٢١٩، برقم ٣٨٩٢، وكتاب الإيمان، باب حدثنا أبو اليمان ١/ ٦٤، برقم ١٨.
[ ٢٣٢ ]
الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة» (١) فقاموا إليه فبايعوه.
وبعد عقد هذه البيعة جعل عليهم رسول الله ﷺ اثنى عشر زعيمًا، يكونون نقباء على قومهم، وكانوا تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، ثم رجعوا إلى يثرب، وعندما وصلوا أظهروا الإسلام فيها، ونفع الله بهم في الدعوة إلى الله تعالى (٢).
وبعد أن تمت بيعة العقبة الثانية ونجح النبي ﷺ في تأسيس وطنٍ للإسلام، انتشر الخبر في مكة كثيرًا، وثبت لقريش أن النبي ﷺ قد بايع أهل يثرب، فاشتد أذاهم على من أسلم في مكة، فأمر النبي ﷺ بالهجرة إلى المدينة،
_________________
(١) أحمد في المسند ٣/ ٣٢٢، والبيهقي ٩/ ٩، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ٢/ ٦٢٤، وحسَّن إسناده الحافظ في الفتح ٧/ ١١٧.
(٢) انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٤٩، والبداية والنهاية ٣/ ١٥٨، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ٢/ ١٤٢، والرحيق المختوم ص١٤٣.
[ ٢٣٣ ]
فهاجر المسلمون، فاجتمع قريش في ٢٦ من شهر صفر سنة ١٤ من النبوة، وأجمعوا على قتل النبي ﷺ، فأوحى الله إلى النبي ﷺ بذلك؛ ولحسن سياسته وحكمته أمر عليًا أن يبيت في فراشه تلك الليلة، فبقي المشركون ينظرون إلى عليٍّ من صِير الباب (١) وخرج رسول الله ﷺ، ومر بأبي بكر، وهاجر إلى المدينة (٢).
وهذه المواقف العظيمة التي وقفها رسول الله ﷺ دليل واضح على حكمة النبي ﷺ، وعلى صبره، وشجاعته، وأنه ﷺ حينما علم بأن قريشًا قد طغت، ورفضت الدعوة بحث عن مكان يتخذ فيه قاعدة للدعوة الإسلامية، ولم يكتف بذلك، بل أخذ منهم البيعة والمعاهدة على نصرة الإسلام، وتم ذلك في مؤتمرين: بيعة العقبة الأولى، ثم
_________________
(١) صير الباب: هو شق الباب. انظر: المعجم الوسيط، مادة "صار" ١/ ٥٣١.
(٢) انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٩٥، والبداية والنهاية ٣/ ١٧٥، وزاد المعاد ٣/ ٥٤، والسيرة النبوية دروس وعبر لمصطفى السباعي ص٦١، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ٢/ ١٤٨، وهذا الحبيب يا محبّ ص١٥٦.
[ ٢٣٤ ]
المثال الحادي عشر جرح وجهه وكسرت رباعيته ﷺ
الثانية، وعندما وجد مكان الدعوة الذي يتخذ قاعدة لها، ووجد أنصار الدعوة أذن بالهجرة لأصحابه، وأخذ هو بالأسباب عندما تآمرت عليه قريش، وهذا لا يعتبر جبنًا، ولا فرارًا من الموت؛ ولكن يعتبر أخذًا بالأسباب مع التوكل على الله تعالى، وهذه السياسة الحكيمة من أسباب نجاح الدعوة، وهكذا ينبغي أن يكون الدعاة إلى الله، فإن النبي ﷺ هو قدوتهم وإمامهم (١).
المثال الحادي عشر: جُرِحَ وجهه وكسرت رباعيته ﷺ: عن سهل بن سعد - ﵁ - أنه سُئلَ عن جرح النبي ﷺ يوم أحد فقال: «جُرِحَ وجه النبي ﷺ وكُسِرَت رباعيته، وهُشِمَتِ البيضة على رأسه، فكانت فاطمة - ﵍ - تغسل الدم، وعليٌّ يمسك، فلما رأت أن الدم لا يرتد إلا كثرة أخذت حصيرًا فأحرقته حتى صار رمادًا،
_________________
(١) انظر: السيرة النبوية دروس وعبر ص٦٨.
[ ٢٣٥ ]
ثم ألزقته فاستمسك الدم» (١).
وقد حصل له هذا الأذى العظيم الذي ترتج لعظمته الجبال، هو نبي الله ﷺ ولم يدع على قومه، بل دعا لهم بالمغفرة، لأنهم لا يعلمون.
فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: «كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (٢).
فالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وعلى رأسهم محمد ﷺ قد كانوا (٣) على جانب عظيم من الحلم والتصبر،
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب لبس البيضة ٦/ ٩٦، برقم ٢٩١١، ومسلم، كتاب الجهاد، باب غزوة أحد ٣/ ١٤١٦، برقم ١٧٩٠.
(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الأنبياء، باب حدثنا أبو اليمان ٦/ ٥١٤، برقم ٣٤٧٧، ١٢/ ٢٨٢، برقم ٦٩٢٩، وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب عزوة أحد ٣/ ١٤١٧، برقم ١٧٩٢، وانظر: شرحه في الفتح ٦/ ٥٢١، وشرح النووي لصحيح مسلم ١٢/ ١٤٨.
(٣) انظر: شرح النووي لمسلم ١٢/ ١٤٨.
[ ٢٣٦ ]
والعفو والشفقة على قومهم ودعائهم لهم بالهداية والغفران، وعذرهم في جناياتهم على أنفسهم بأنهم لا يعلمون (١) قال ﷺ: «اشتد غضب الله على قوم فعلوا هذا برسول الله ﷺ، وهو حينئذ يشير إلى رباعيته، اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله ﷺ في سبيل الله ﷿» (٢).
وفي إصابة النبي ﷺ يوم أحد عزاء للدعاة فيما ينالهم في سبيل الله من أذى في أجسامهم، أو اضطهاد لحرياتهم، أو قضاء على حياتهم، فالنبي ﷺ هو القدوة قد أوذي وصبر (٣).
_________________
(١) شرح النووي على مسلم ١٢/ ١٥٠ بتصرف.
(٢) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب ما أصاب النبي - ﷺ - من الجراح يوم أحد ٧/ ٣٧٢، برقم ٤٠٧٣، ومسلم، كتاب الجهاد، باب: اشتداد غضب الله على من قتله رسول الله ٣/ ١٤١٧، ١٧٩٣.
(٣) السيرة النبوية دروس وعبر ص١١٦.
[ ٢٣٧ ]