بلاغة النبي ﷺ
مما يدل على تأثير القرآن العظيم في القلوب ما قاله جبير بن مطعم ﵁: «سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطُّور، فَلَمَّا بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ - أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ - أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧] كاد قلبي أن يطير [وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي]» (١).
وهذا يدل على تأثير القرآن الكريم في القلوب، وكذلك أحاديث رسول الله ﷺ؛ فإنها الوحي الثاني ولها
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة الطور، بابٌ: حدثنا عبد الله بن يوسف، ٦/ ٦٨، برقم ٤٨٥٤، وما بين المعكوفين من الطرف رقم ٤٠٢٣ من كتاب المغازي ٥/ ٢٥، وأخرجه مسلم بنحوه في كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح، ١/ ٣٣٨، برقم ٤٦٣.
[ ٢٧٣ ]
المثال الأول: قصة ضماد ﵁
تأثير في القلوب أيضًا، ومما يدل على تأثير كلام رسول الله ﷺ في القلوب وبلاغته الأمثلة الآتية:
المثال الأول: قصة ضماد ﵁: «عندما قدم ضماد ﵁ مكة، وكان يرقي من الجن، فسمع سفهاءَ من أهل مكة يقولون: إن محمدًا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يديَّ، فلقيه فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح (١) وإن الله يشفي على يديَّ من شاء، فهل لك (٢)؟ فقال رسول الله ﷺ: إن الحمدَ لله، نحمدُهُ، ونستعينه، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده وسوله. أما بعد، فقال: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات. فقال: لقد سمعت قول
_________________
(١) المراد بالريح هنا: الجنون ومس الجن. شرح النووي على صحيح مسلم ٦/ ٤٠٦.
(٢) أي فهل لك رغبة في رقيتي، وهل تميل إليها؟ انظر: المرجع السابق ٦/ ٤٠٦.
[ ٢٧٤ ]
المثال الثاني مع الطفيل بن عمرو ﵁
الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بَلَغْنَ ناعوس البحر (١) فقال؛ هات يدك أُبَايِعْكَ على الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: وعلى قومك؟ قال: وعلى قومي» (٢).
المثال الثاني: مع الطفيل بن عمرو ﵁: ومن بلاغته ﷺ ما جاء عن الطفيل بن عمرو ﵁ أنه كان شاعرًا، وسيِّدًا في قومه، فقدم مكة، فحذرته قريش من مقابلة الرسول ﷺ، وقالوا: إن كلامه كالسحر فاحذره أن يدخل عليك وعلى قومك ما أدخل علينا؛ فإنه يُفرِّق بين المرء وزوجه، وبين المرء وابنه، فما زالوا يحذرونه، حتى حلف أن لا يدخل المسجد إلا وقد سدَّ أُذنيه، فسد أذنيه بقطن، ثم دخل المسجد، فأعجبه فقال في نفسه: إني امرؤ
_________________
(١) قيل: ناعوس البحر، وقيل: قاموس البحر، وهو وسطه، ولُجّتَه، أو قعره. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٦/ ٤٠٧.
(٢) مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، ٢/ ٥٩٣، برقم ٨٦٨.
[ ٢٧٥ ]
ثَبْتٌ ما تخفى عليَّ الأمور: حُسْنُها وقُبْحُها، والله لأَسْمَعَنَّ منه؛ فإن كان أمره رُشدًا أخذته منه وإلا اجتنبته، فنزع القطن فلم يسمع كلامًا أحسن من كلامِه، فلحقه إلى بيته ودخل معه وأخبره الخبر، وقال: اعرض عليَّ دينك؟ فعرض عليه ﷺ الإسلام فأسلم (١).
فينبغي للدعاة إلى الله ﷿ أن يعتنوا بتذكير الناس بالقرآن الكريم، وبسنة محمد ﷺ. والله المستعان.
_________________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ١/ ٣٤٥.
[ ٢٧٦ ]
[الوجه الأول الإعجاز البياني والبلاغي]