وصايا النبي ﷺ عند موته
عن ابن عباس ﵄ قال: يوم الخميس وما يوم الخميس (١) «اشتد برسول الله ﷺ وجعه فقال: ائتوني أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي التنازع [فقال بعضهم: إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله،] [فاختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول: قرِّبوا يكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله ﷺ: [قوموا] وفي رواية: دعوني فالذي أنا فيه خير (٢) مما
_________________
(١) يوم الخميس وما يوم الخميس؛ معناه: تفخيم أمره في الشدة والمكروه، والتعجب منه، وفي رواية في أواخر كتاب الجهاد عند البخاري: «ثم بكى حتى خضب دمعه الحصى». وفي رواية لمسلم: «ثم جعلت تسيل دموعه حتى رأيتها على خديه » انظر: فتح الباري ٨/ ١٣٢، وشرح النووي على صحيح مسلم.
(٢) المعنى: دعوني من النزاع والاختلاف الذي شرعتم فيه فالذي أنا فيه من مراقبة الله تعالى والتأهب للقائه، والفكر في ذلك خير مما أنتم فيه، أو فالذي أعانيه من كرامة= = الله تعالى الذي أعدها لي بعد فراق الدنيا خير مما أنا فيه من الحياة .. وقيل غير ذلك. انظر: فتح الباري ٨/ ١٣٤، وشرح النووي.
[ ٣٨٦ ]
تدعونني إليه، أوصيكم بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم به، (١) وسكت عن الثالثة أو قال: فأنسيتها» (٢)
قال ابن حجر رحمه الله تعالى: "وأوصاهم بثلاث" أي في تلك الحالة، وهذا يدل على أن الذي أراد أن يكتبه ﷺ لم يكن أمرًا متحتمًا؛ لأنه لو كان مما أُمر بتبليغه لم يتركه لوقوع اختلافهم ولعاقب الله من حال بينه وبين تبليغه، ولبلَّغه لهم لفظًا كما أوصاهم بإخراج المشركين (٣) وغير ذلك، وقد عاش بعد هذه المقالة أيامًا وحفظوا عنه أشياء لفظًا فيحتمل أن يكون مجموعها ما أراد أن يكتبه والله أعلم (٤).
_________________
(١) وأجيزوا الوفد: أي أعطوهم، والجائزة العطية، وهذا أمر منه - ﷺ - بإجازة الوفود وضيافتهم وإكرامهم تطييبًا لنفوسهم وترغيبًا لغيرهم من المؤلفة قلوبهم ونحوهم، وإعانة لهم على سفرهم. انظر: فتح الباري ٧/ ١٣٥ وشرح النووي.
(٢) البخاري برقم ٤٤٣١، ٤٤٣٢، ومسلم برقم ١٦٣٧ ..
(٣) وهذه الوصية وإن كانت لعموم الأمة، فليس لكل أحد أن يقوم بإخراج المشركين بنفسه من جزيرة العرب، إنما الأمر راجع لولي أمر المسلمين، وهو الذي يقوم به عندما يرى مناسبته.
(٤) فتح الباري ٨.
[ ٣٨٧ ]
والوصية الثالثة في هذا الحديث يحتمل أن تكون الوصية بالقرآن، أو الوصية بتنفيذ جيش أسامة ﵁. أو الوصية بالصلاة وما ملكت الأيمان، أو الوصية بأن لا يتخذ قبره ﷺ وثنًا يُعبد من دون الله، وقد ثبتت هذه الوصايا عنه ﷺ (١).
وعن عبد الله بن أبي أوْفَى ﵁ «أنه سُئِلَ هل أوصى رسول الله ﷺ؟. . . قال: أوصى بكتاب الله ﷿» (٢). والمراد بالوصية بكتاب الله: حفظه حسًّا ومعنى، فيكرم ويصان، ويتبع ما فيه: فيعمل بأوامره، ويجتنب نواهيه، ويداوم على تلاوته وتعلمه وتعليمه ونحو ذلك (٣).
وقد أوصى ﷺ بكتاب الله تعالى في مناسبات كثيرة: منها أنه ﷺ أوصى به في خطبته في عرفات (٤) وفي خطبته
_________________
(١) فتح الباري ٨.
(٢) مسلم برقم ١٦٣٤، البخاري برقم ٢٧٤٠، ٤٤٦٠، ٥٠٢٢.
(٣) الفتح ٩.
(٤) مسلم، برقم ١٢١٨.
[ ٣٨٨ ]
في منى (١) وعندما رجع من مكة في غدير خم قال: «. . . وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، [هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة] فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي. . .» ثلاث مرات (٢) وأوصى بكتاب الله تعالى عند موته ﷺ (٣).
وأمر ﷺ وأوصى بإنفاذ جيش أسامة ﵁، وقد ذكر ابن حجر رحمه الله تعالى أنه كان تجهيز جيش أسامة يوم السبت قبل موت النبي ﷺ بيومين، وكان ابتداء ذلك قبل مرض النبي ﷺ، فندب الناس لغزو الروم في آخر صفر، ودعا أسامة وقال: " سِرْ إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش. . . " فبدأ برسول
_________________
(١) مسند أحمد، ٢/ ٣٦٨.
(٢) صحيح مسلم برقم ٢٤٠٨.
(٣) البخاري، برقم ٢٧٤٠، ومسلم، برقم ١٦٣٤، ورقم ٢٤٠٨.
[ ٣٨٩ ]
الله ﷺ وجعه في اليوم الثالث فعقد لأسامة لواء بيده فأخذه أسامة، وكان ممن انتدب مع أسامة كبار المهاجرين والأنصار، ثم اشتد برسول الله ﷺ وجعه فقال: "أنفذوا جيش أسامة " فجهزه أبو بكر بعد أن استخلف فسار عشرين ليلة إلى الجهة التي أمر بها، وقتل قاتل أبيه ورجع الجيش سالمًا وقد غنموا. . " (١).
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «بعث النبي ﷺ بعثًا وأمَّر عليهم أسامة بن زيد فطعن بعض الناس في إمارته فقال النبي ﷺ: إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة (٢) وإن كان لمن أحبِّ الناس إليَّ، وإنَّ هذا لمن أحبِّ الناس إليَّ بعده» (٣). وقد كان عُمْرُ أسامة ﵁ حين
_________________
(١) انظر: فتح الباري ٨/ ١٥٢، وسيرة ابن هشام ٤/ ٣٢٨.
(٢) خليقًا: حقيقًا بها. النووي ١٥/ ٢٠٥.
(٣) البخاري ٧/ ٨٦، برقم ٣٧٣٠، ٤٢٥٠، ٤٤٦٨، ٤٤٦٩، ٦٦٢٧، ٧١٨٧، ومسلم برقم ٢٤٢٦.
[ ٣٩٠ ]
توفي النبي ﷺ ثمان عشرة سنة (١).
وأوصى ﷺ بالصلاة وما ملكت الأيمان، فعن أنس ﵁ قال: «كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت: الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، حتى جعل رسول الله ﷺ يغرغر بها صدره ولا يكاد يفيض بها لسانه» (٢).
وعن علي ﵁ قال: «كان آخر كلام النبي ﷺ: الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم» (٣).
[الدروس والفوائد والعبر]
وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة ومنها:
١ - وجوب إخراج المشركين من جزيرة العرب؛ لأن
_________________
(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/ ٢٠٥.
(٢) أحمد بلفظه ٣/ ١١٧، وإسناده صحيح، ورواه ابن ماجه ٢/ ٩٠٠، وانظر صحيح ابن ماجه ٢/ ١٠٩.
(٣) أخرجه ابن ماجه ٢/ ٩٠١، برقم ١٦٢٥، وأحمد برقم ٥٨٥، وانظر: صحيح ابن ماجه ٢/ ١٠٩.
[ ٣٩١ ]
النبي ﷺ أوصى بذلك عند موته، وقد أخرجهم عمر ﵁ في بداية خلافته، أما أبو بكر فقد انشغل بحروب الردة.
٢ - إكرام الوفود وإعطاؤهم ضيافتهم كما كان النبي ﷺ يفعل؛ لأن النبي ﷺ أوصى بذلك.
٣ - وجوب العناية بكتاب الله حسًّا ومعنى: فيكرم، ويصان، ويتبع ما فيه، فيعمل بأوامره ويجتنب نواهيه، ويداوم على تلاوته، وتعلمه وتعليمه ونحو ذلك؛ لأن النبي ﷺ أوصى به في عدة مناسبات، فدل ذلك على أهميته أهمية بالغة مع سنة النبي ﷺ.
٤ - أهمية الصلاة؛ لأنها أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين؛ ولهذا أوصى بها النبي ﷺ عند موته أثناء الغرغرة.
٥ - القيام بحقوق المماليك والخدم ومن كان تحت الولاية؛ لأن النبي ﷺ أوصى بذلك فقال: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم».
[ ٣٩٢ ]
٦ - فضل أسامة بن زيد حيث أمَّره النبي ﷺ على جيش عظيم فيه الكثير من المهاجرين والأنصار، وأوصى بإنفاذ جيشه (١).
٧ - فضل أبي بكر حيث أنفذ وصية رسول الله ﷺ في جيش أسامة فبعثه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
_________________
(١) انظر: فتح الباري ٨/ ١٣٤ - ١٣٥ و٩/ ٦٧.
[ ٣٩٣ ]