تواضعه ﷺ
[معنى التواضع وتكريم الله للمتواضعين]
يقال: تواضع: تذلل وتخاشع (١) والمراد بالتواضع: إظهار التنزل لمن يراد تعظيمه، وقيل: تعظيم من فوقه لفضله (٢).
والتواضع صفة عظيمة وخلق كريم؛ ولهذا مدح الله المتواضعين فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، أي يمشون في سكينة ووقار متواضعين غير أشرين ولا متكبرين، ولا مرحين، فهم علماء، حلماء، وأصحاب وقار وعفة (٣).
والمسلم إذا تواضع رفعه الله في الدنيا والآخرة؛ لقوله
_________________
(١) القاموس المحيط ص٩٩٧.
(٢) فتح الباري ١١/ ٣٤١.
(٣) انظر: مدارج السالكين ٢/ ٣٢٧.
[ ١٣٨ ]
ﷺ: «ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًا، ومن تواضع لله رفعه» (١).
وهذا ما يفتح الله به للمسلم قلوب الناس؛ فإن الله يرفعه في الدنيا والآخرة، ويثبت له بتواضعه في قلوب الناس منزلة ويرفعه عندهم ويجلُّ مكانه (٢) أما من تكبر على الناس فقد توعده الله بالذل والهوان في الدنيا والآخرة؛ لحديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ: «العزُّ إزاره، والكبرياءُ رداءه فمن ينازعني عذبته» (٣).
[أمثلة تطبيقية لتواضع النبي ﷺ]
وقد كان النبي ﷺ أعظم الناس تواضعًا، ومن تواضعه الأمثلة الآتية:
_________________
(١) مسلم ٤/ ٢٠٠١، برقم ٢٥٨٨.
(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/ ١٤٢.
(٣) مسلم مع النووي ١٦/ ١٧٣، برقم ٢٦٢٠، ولفظه "فمن ينازعني عذبته".
[ ١٣٩ ]
المثال الأول: قصة الناقة العضباء
المثال الثاني وصف أبي مسعود لتواضعه ﷺ
المثال الأول: قصة الناقة العضباء: عن أنس ﵁ قال: «كانت ناقة لرسول الله ﷺ تُسمَّى العضباء وكانت لا تُسْبَقُ، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها فاشتد ذلك على المسلمين وقالوا سُبِقَتِ العضباء، فقال رسول الله ﷺ: إن حقًا على الله أن لا يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه» (١).
ورسول الله ﷺ هو الأسوة الحسنة فقد كان متواضعًا في دعوته للناس.
المثال الثاني: وصف أبي مسعود لتواضعه ﷺ: عن أبي مسعود ﵁ قال: «أتى النبي ﷺ رجل فكلَّمه فجعل ترعُد فرائصُهُ فقال له: هوِّن عليك نفسك فإني لستُ بِمَلِكٍ، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد» وزاد الحاكم في روايته عن جرير بن عبد الله: ". . . في هذه
_________________
(١) البخاري مع الفتح ١١/ ٣٤٠، برقم ٦٥٠١.
[ ١٤٠ ]
البطحاء"، ثم تلى جرير ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] (١).
فعلى جميع الناس أن يقتدوا برسول الله ﷺ فقد كان متواضعًا في دعوته مع الناس، فكان يمر بالصبيان فيسلم عليهم، وتأخذه بيده الأمة فتنطلق به حيث شاءت، وكان في بيته في خدمة أهله، ولم يكن ينتقم لنفسه قط، وكان يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب الشاة لأهله، ويعلف البعير، ويأكل مع الخادم، ويجالس المساكين، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى أيسر شيء، فكان متواضعًا من غير ذلة، جوادًا من غير سرف، رقيق القلب رحيمًا بكل مسلم خافض الجناح للمؤمنين، لين الجانب لهم (٢) ﷺ.
_________________
(١) ابن ماجه، برقم ٣٣١٢، والحاكم ٢/ ٤٦٦، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ١٢٨، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ٤/ ٤٩٧، برقم ١٨٧٦، سورة ق، الآية: ٤٥.
(٢) انظر: مدارج السالكين لابن القيم ٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩.
[ ١٤١ ]
المثال الثالث تفضيله ﷺ للأنبياء على نفسه
المثال الثالث: تفضيله ﷺ للأنبياء على نفسه: «وقال له رجل: يا خير البرية! فقال النبي ﷺ: ذاك إبراهيم ﵇» (١) وقال ﷺ: «ما ينبغي لأَحدٍ أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متَّى» (٢).
ولاشك أنه ﷺ أفضل الأنبياء والمرسلين، وسيد الناس أجمعين؛ لقوله ﷺ: «أنا سيد الناس يوم القيامة» (٣) وقال ﷺ: (٤).
ومن تواضعه ﷺ: أنه لم يكن له بوَّابٌ يحجبه عن الناس (٥) وكان يرقي المرضى ويدعو لهم، ويمسح رأس الصبي ويدعو له (٦) وكان يشفع لأصحابه، ويقول: «اشفعوا
_________________
(١) مسلم، برقم ١٣٦٩.
(٢) البخاري، برقم ٤٦٣٠، ومسلم، ٤/ ١٨٤٦، برقم ٢٣٧٦.
(٣) البخاري، برقم ٣٣٤٠ و٣٣٦١ و٤٧١٢، ومسلم، برقم ١٩٤.
(٤) أبو داود برقم ٤٧٦٣ وصححه الألباني، ٣/ ١٣٨.
(٥) البخاري، برقم ١٢٨٣.
(٦) البخاري، برقم ٧٢١٠.
[ ١٤٢ ]
تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء» (١) وقال لأنس ﵁: يا بُنَيَّ على سبيل الملاطفة والتواضع (٢).
ومن تواضعه ﷺ: «أن رجلًا كان يَقمُّ المسجد أو امرأة سوداء، فماتت أو مات ليلًا، فدفنه الصحابة، ففقدها النبي ﷺ أو فقده، فسأل عنها أو عنه، فقالوا: مات، قال: "أفلا كنتم آذنتموني" فكأنهم صغَّروا أمرها أو أمره، فقال: "دلُّوني على قبرها" فدلوه فصلى عليها ثم قال: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ﷿ ينوِّرها لهم بصلاتي عليهم» (٣).
وقال أنس بن مالك ﵁: «خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي أفٍّ قط، وما قال لشيء صنعته لم صنعته؟ ولا لشيء تركته لم تركته؟ وكان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خُلُقًا. . .» (٤).
_________________
(١) البخاري، برقم ١٤٣٢، ومسلم، برقم ٢٦٢٧.
(٢) مسلم، برقم ٢١٥١، ٢١٥٢.
(٣) مسلم، برقم ٩٥٦.
(٤) البخاري بنحوه برقم ٦٠٣٨، والترمذي بلفظه في الشمائل كما تقدم تخريجه.
[ ١٤٣ ]