اعتراف المنصفين من علماء اليهود والنصارى برسالته ﷺ
أولًا: اعتراف المنصفين من علماء اليهود: لاشك أن من حكمة القول مع أهل الكتاب في دعوتهم إلى الله - ﷿ - الاستشهاد عليهم بشهادة علماء أهل الكتاب المنصفين، الذين وفقهم الله - تعالى - وقبلوا الحق، وبيَّنوه ولم يكتموه، وهذا من باب قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦].
وأذكر على سبيل المثال من هؤلاء العلماء الذين يعترف اليهود بأنهم كانوا منهم فأقروا بالإسلام وأنه الدين الحق ما يلي:
١ - عبد الله بن سلام ﵁ وأرضاه: لو لم يسلم من اليهود في زمن النبي ﷺ إلا سيد اليهود على الإطلاق وابن سيدهم، وعالمهم وابن عالمهم، وخيرهم وابن خيرهم، باعترافهم وشهادتهم، لكان في
[ ٣٢٠ ]
مقابلة كل يهودي على وجه الأرض، فكيف وقد تابعه من الأحبار والرُّهبان من لا يُحصي عددهم إلا الله (١).
وقد آمن هذا الرجل بالله وبرسوله ﷺ، فعن أنس - ﵁ - قال: «بلغ عبد الله بن سلام مقدم النبي ﷺ المدينة فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبيٌّ، قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة، وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال رسول الله ﷺ: "خبَّرني بهنَّ آنفًا جبريلُ" قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقال رسول الله ﷺ: "أما أول أشرط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ (٢)
وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان
_________________
(١) انظر: هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى لابن القيم ص٥١٤، ٥٢٥.
(٢) وفي رواية للبخاري برقم ٣٩٣٩: «فزيادةُ كَبِدِ الحوت» ..
[ ٣٢١ ]
الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها"، [قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله] قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْتٌ، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بَهَتُوني عندك، فادعهم [فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي]، [فأرسل نبي الله ﷺ فأقبلوا]، فدخلوا عليه فقال لهم رسول الله ﷺ:، قالوا: ما نعلمه - قالوا للنبي ﷺ، قالها ثلاثًا مرارًا - فقال رسول الله ﷺ: "فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ " قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، وأخبرنا وابن أخبرنا، [خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا]، قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا: أعاذه الله من ذلك، حاشا لله ما كان ليسلم، قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا حاشا لله ما كان ليسلم، قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال: "يا ابن سلام اخرج عليهم"،
[ ٣٢٢ ]
[فخرج عليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله]، [يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق، فقالوا: كذبت]، [شرُّنا وابن شرِّنا، ووقعوا فيه]، [فأخرجهم رسولُ الله ﷺ]» (١).
وعن عبد الله بن سلام - ﵁ - قال: «لما قدم النبي ﷺ المدينة انجفل الناس قِبَلَهُ، وقيل: قَدِمَ رسولُ الله ﷺ، قَدِمَ رسولُ الله ﷺ، قَدِمَ رسولُ الله ﷺ ثلاثًا، فجئت في الناس لأنظر، فلما تبيَّنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذَّاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال:
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب الأنبياء، باب خلق آدم وذريته ٦/ ٣٦٢ (رقم ٣٣٢٩)، ومناقب الأنصار، باب هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة ٧/ ٢٥٠ (رقم ٣٩١١)، وباب حدثني حامد بن عمر، عن بشر بن المفضل ٧/ ٢٧٢ (رقم ٣٩٣٨)، وكتاب التفسير، سورة البقرة، باب قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا ««««««﴾. ٨/ ١٦٥ (رقم ٤٤٨٠)، وألفاظ الحديث من المواضع الأربعة، وانظر: البداية والنهاية ٣/ ٢١٠.
[ ٣٢٣ ]
يا أيها الناس، أفشُوا السلام، وأطعِمُوا الطعامَ، وصِلُوا الأرحامَ، وصلُّوا بالليلِ والناسُ نيامٌ، تدخُلُوا الجنَّةَ بسلام» (١).
وقد أثنى الله على هذا العالم الرباني، فعن سعد بن أبي وقاص قال: «ما سمعت النبي ﷺ يمشي (٢) على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية» (٣) ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠].
_________________
(١) ابن ماجه في كتاب الأطعمة، باب إطعام الطعام ٢/ ١٠٨٣ (رقم ٣٢٥١) بلفظه، والترمذي في صفة القيامة، باب حدثنا محمد بن بشار ٤/ ٦٥٢ (٢٤٨٥)، وأحمد في المسند ٤/ ٤٥١، وانظر: صحيح ابن ماجه ٢/ ٢٢٢.
(٢) قد ثبت عنه - ﷺ - أنه شهد لأناس كثير بالجنة، ومنهم العشرة المبشرون بالجنة، فقيل بأن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - يعني من الأحياء، لأن عبد الله بن سلام - ﵁ - عاش بعد موتهم، ولم يتأخر معه من العشرة غير سعد وسعيد، ويؤخذ هذا من قول سعد - ﵁ -: يمشي على الأرض. انظر: فتح الباري ٧/ ١٢٩، ١٣٠.
(٣) البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب مناقب عبد الله بن سلام ٧/ ١٢٨ (رقم (٣٨١٢)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عبد الله بن سلام ٤/ ١٩٣٠ (رقم ٢٤٨٣).
[ ٣٢٤ ]
زيد بن سعنة أحد أحبار اليهود ﵁
٢ - زيد بن سعنة، أحد أحبار اليهود ﵁: قال - ﵁ -: «ما من علامات النبوة شيءٌ إلا وقد عرفتها في وجه رسول الله ﷺ حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، وقد اختبرتهما، فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، وأشهدك أن شطر مالي - فإني أكثرها مالًا - صدقة على أمة محمد ﷺ. قال عمر: أو على بعضهم، فإنك لا تسعهم. قلت: أو على بعضهم. فخرج عمر وزيد إلى رسول الله ﷺ، فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وآمن به، وصدَّقه، وبايعه، وشهد معه مشاهد كثيرة، ثم توفي في غزوة تبوك مُقبلًا غير مدبر» (١) ﵁ ورحمه.
_________________
(١) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وعزاه إلى الطبراني، وقال: رجاله ثقات ٨/ ٢٤٠، وتقدم تخريجه كاملًا مطولًا في حلم النبي - ﷺ -، والقصة هنا مختصرة، فارجع إليها في مجمع الزوائد للهيثمي، ٨/ ٢٣٩، ٢٤٠.
[ ٣٢٥ ]
من أسلم عند الموت
٣ - من أسلم عند الموت: «أتى رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يُعزِّي بها نفسه على ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله، فقال رسول الله ﷺ: "أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي؟ " فقال برأسه هكذا، أي: لا. فقال ابنه: إي والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: "أقيموا اليهودي عن أخيكم"، ثم وَلِيَ كفنَه، وحنَّطهُ، وصلَّى عليه ﷺ» (١).
هذه ثلاثة أمثلة لاعترافات أحبار اليهود بأن محمدًا ﷺ حقًّا، وأن صفته موجودة في التوراة، ويعرفه اليهود كما يعرفون أبناءهم ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ
_________________
(١) أحمد في المسند ٥/ ٤١١، وقال ابن كثير: هذا حديث جيد قوي، له شواهد في الصحيح عن أنس - ﵁ - انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٢٥٢، ومجمع الزوائد ٨/ ٢٣٤.
[ ٣٢٦ ]
ثانيا اعتراف المنصفين من علماء النصارى
فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
وممن أسلم من اليهود عند الموت ما جاء في حديث أنس ﵁ قال: «إن غلامٌ يهوديٌّ يخدم النبيَّ ﷺ، فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه، فقال له: "أسلم"، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم، فأسلم، [وفي رواية النسائي، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله]، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار» (١).
ثانيًا: اعتراف المنصفين من علماء النصارى: من حكمة القول مع النصارى في دعوتهم إلى الله الاستشهاد عليهم بشهادة المنصفين من علماء النصارى، ومن وفقه الله منهم للإسلام، فإن هذا من باب ﴿وَشَهِدَ
_________________
(١) البخاري برقم ١٣٥٦، ورقم ٥٦٥٧، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٢١٩.
[ ٣٢٧ ]
النجاشي ملك الحبشة ﵀ ورضي عنه
شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦]، ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:
١ - النجاشي ملك الحبشة ﵀ ورضي عنه: عندما قرأ جعفر بن أبي طالب - ﵁ - على النجاشي (١) صدرًا من سورة مريم، بكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكى أساقفته حين سمعوا ما تُلي عليهم، وقال النجاشي للوفد: (ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟) فقال جعفر - ﵁ -: يقول فيه قول الله: (هو روح الله وكلمته، أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر. . .) فتناول النجاشي عودًا فرفعه، فقال: (يا معشر القسيسين والرهبان، ما يزيد على ما تقولون في ابن مريم
_________________
(١) أصحمة ملك الحبشة، أسلم وحسن إسلامه، وهو معدود في الصحابة، ولم يُهاجر، ولا له رؤية، فهو تابعي من وجه، صحابي من وجه، توفي في حياة النبي - ﷺ - فصلى عليه بالناس صلاة الغائب، ولم يثبت أنه صلى على غائب سواه. انظر: سير أعلام النبلاء ١/ ٤٢٨ - ٤٤٣.
[ ٣٢٨ ]
سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه
ما تزن هذه، وقال للوفد: مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشَّر به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبل نعله. . .) (١).
٢ - سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه: قصة سلمان مشهورة عجيبة (٢) فقد عاش مع مجموعة من علماء النصارى، وعندما كان مع آخر عالم من هؤلاء بعمورية بالروم حضرته الوفاةُ، فأوصى إلى سلمان الفارسي وقال: (قد أظلَّكَ زمان نبي يُبعثُ من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى: بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل، فإنه قد أظلك زمانه).
وسافر سلمان ووجد العلامات التي وصفت
_________________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء ١/ ٤٣٨.
(٢) انظر: قصته وإسلامه - ﵁ - في سير أعلام النبلاء ١/ ٥٠٥ - ٥٥٦.
[ ٣٢٩ ]
هرقل عظيم الروم
له، فأسلم ﵁ (١).
٣ - هرقل عظيم الروم: قال هرقل لأبي سفيان في آخر حديثه: «. . . وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بم يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف فإن كان ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه. . .» (٢).
ثم قال للروم بعد ذلك: يا معشر الروم هل لكم في
_________________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ١/ ٥٠٩، ٥١٠.
(٢) البخاري مع الفتح، كتاب بدء الوحي، باب حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ١/ ٣٢ (رقم ٧)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب كتاب النبي - ﷺ - إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام ٣/ ١٣٩٦ (رقم ١٧٧٣).
[ ٣٣٠ ]
الفلاح والرشد، وأن يثبت مُلككم فتبايعوا لهذا النبي؟ (١) ولكن رغب في ملكه وضنَّ به، فلم يسلم!
وهذا مما يبيِّن أن عدول أهل الكتاب ومنصفيهم قد شهدوا لرسول الله ﷺ وأنه رسول الله حقًّا، فلا يقدح قدح المكذبين بعد ذلك (٢).
وقد أسلم الجمُّ الغفير من علماء النصارى وشهدوا بأن محمدًا ﷺ رسولُ الله إلى الناس أجمعين، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢].
فحريٌّ بجميع النصارى أن يسيروا على طريق علمائهم المنصفين، ويسلموا لله رب العالمين.
_________________
(١) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب بدء الوحي، باب حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ١/ ٣٣ (رقم ٧).
(٢) انظر: هداية الحيارى لابن القيم ص٥٢٥.
[ ٣٣١ ]