خصائص النبي (ص)
توجد للمتقدمين عدة كتب عن خصائص النبي (ص)، يمكن القول أنها تناسب طائفة خاصة في ذلك الزمان، ومع هذا فإن تكرار ما كتب قبلا لا يروي ظمأ الباحثين عن المزيد من المعارف، وإذا ما شئنا الكتابة بمزيد من التفصيل عن خصائص النبي (ص)، فإن هذا يحتاج إلى مجلد ضخم، ومن هنا فإن ما سيسطر هنا ما هو إلا تحصيل حاصل فاستنباط الخصائص في معظمه من خلال الآيات القرآنية، لأن الله ﵎ هو العارف بخصائص حبيبه، وهو واهب مفتاح هذا الكنز المخفي.
وليغفر لي الله تعالى ما قد يصدر عني من خطأ بسبب نقص في العلم أو سوء في الفهم.
ويتضمن هذا الباب فصلين، يشتمل الأول على خصائص النبي (١)، والثاني على خصائص النبوة، التي غمر فيضها العالم والعالمين. ويلي ذلك توضيح للسنة المحمدية من خلال حديث نبوي شريف ويختم هذا الباب بشرح معاني عدة أسماء مباركة.
وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم.
_________________
(١) أي وجوده الذاتي.
[ ٦٠٣ ]
الفصل الأول
الخاصية الأولى
﴿محمد رسول الله﴾ (سورة الفتح: ٢٩).
تضمنت الآية السابقة اسم النبي (ص) ومنصبه أيضا، والآية السابقة من الناحيتين مظهر للخصائص النبوية.
أ - لأن اسم النبي (ص) يحمل بداخله خاصية بيان وإظهار شأنه (ص).
ومن الواضح أن أحدا من الأنبياء الكرام ﵈ لا يشهد اسمه له بكمالات النبوة، ونورد هنا بعض الأسماء على سبيل المثال:
آدم: معنى آدم قمحي اللون، ويدل اسم أبي البشر هذا على لون بشرته.
نوح: معنى نوح الراحة، فقد جعله أبوه موجبا للراحة.
إسحاق: معنى إسحاق الضاحك، وكان هش الوجه بشوشا.
يعقوب: معنى يعقوب، من يأتي من العقب، وقد ولد توأما مع أخيه عيسو. موسى: أي المخرج من الماء، وقد سمى بهذا الاسم حين أخرج صندوقه من الماء. يحيى: أي طويل العمر، وهذا تعبير عن آمال أبويه فيه وكانا عجوزين.
عيسى: أي أحمر اللون، وسمى بهذا الاسم لحمرة وجهه.
انظروا إلى الأسماء السابقة، وفكروا بإمعان في معانيها لتجدوا أنها لا تشير من قريب أو بعيد إلى عظمة المسمى الروحية أو نبوته.
ولكن اسم «محمد» له شأن خاص. والاسم الذاتي للنبي (ص) هو محمد وأحمد أيضا. ومادة الاسمين الذاتيين واحدة، فهما مشتقان من «حمد».
إذا اجتمع الكمال في الصفات، والجلال في النعوت، والإحسان إلى الغير في الفطرة وفضائل العلم الكثير، فإن هذا كله مجتمعا يعني الحمد، والحمد أيضا يشمل الثناء والتكريم ورفعة الشأن والذكر ومداومة الجود والعطاء وجملة صفات الحمد هذه وجدت بأكمل درجة في ذاته ﷾، وحرف اللام في «الحمد لله» يدل على
[ ٦٠٤ ]
هذا ويكشف الاسم الطاهر (الحميد) عن هذا السر أيضا.
وكأن سيدنا حسان (ابن ثابت) ﵁ المؤيد بروح القدس قد أشار إلى هذا المعنى في البيت المشهور من قصيدته المشهورة.
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد محمد: مبالغة من حمد (مضعف) لأن النبي (ص) محمود عند الله تعالى، ومحمود أيضا عند الملائكة المقربين، ومحمود عند جميع الأنبياء والمرسلين، ومحمود عند أهل الأرض جميعا وأولئك الذين لا يقرون بنبوته يمتدحون أيضا السجايا والشيم التي لزمت وثبتت بأتم درجة في معنى اسم النبي (ص) وذاته الكريمة.
نعم فهو صاحب «المقام المحمود» ورايته الخفاقة تسمى «لواء الحمد» ولكل هذا أطلق على أهل أمته «الحمادون».
والفرق بين معاني محمد وأحمد، هو أن محمدا هو الذي أثنى عليه جميع أهل الأرض والسماء أعظم الثناء، وأحمد هو الذي حمد رب السماوات والأرض وأثنى عليه بأكثر من أهل الأرض والسماوات جميعا، ولهذا فإن اسمه المبارك علم وصفة، وهو بمعانيه دال على كمالات النبوة ومدلول عليها أيضا.
وهذه هي الخصوصية التي لا توجد ولا تتوفر في أسماء سائر الأنبياء ﵈.
ب - ومع الاسم المبارك يوجد علم رسول الله (ص) في سورة الفتح آية ٢٩ (١) وسورة آل عمران آية ١٤٤ (٢) رسول، على وزن فعول بمعنى مرسل من عند الله فقط فلا يبلغ رسالة أحد غيره ولا ينقل كلام أحد غيره فهذا ليس من شأنه، وإذا ما ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم دون إضافة، ورد معرفا باللام، وهو ما يفيد هذا التخصيص.
والآية ﴿محمد رسول الله﴾ (٣)، والآية ﴿وما محمد إلا رسول﴾ (٤) توضحان أن قوله تعالى ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ (٥) وكذا الآيات التي تحمل نفس المعنى في القرآن
_________________
(١) ﴿محمد رسول الله والذين معه﴾ إلى قوله تعالى ﴿مغفرة وأجرا عظيما﴾ سورة الفتح: ٢٩.
(٢) ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ﴾ إلى قوله تعالى ﴿وسيجزي الله الشاكرين﴾ سورة آل عمران: ١٤٤.
(٣) سورة الفتح: ٢٩.
(٤) سورة آل عمران: ١٤٤.
(٥) سورة النساء: ٥٩.
[ ٦٠٥ ]
الكريم إنما قصد بها ذات النبي (ص)، الذي جعله رب العالمين مطاع العالم وسيد الأنبياء والأمم.
وقد آمن بهذه المسألة جميع المسلمين عبر القرون الثلاث عشر الماضية، رغم أنه في زماننا استحدثت عقيدة مفادها أن المراد بالرسول في الآيات الإلهية هو القرآن، ولهذا فرضت طاعة القرآن، ولم تفرض طاعة محمد (ص).
وفيما يتعلق بالآية الكريمة التي زينت عنوان هذا الفصل ﴿محمد رسول الله﴾ نقول يجب حل هذه المسألة بالقرآن الكريم نفسه، فإذا ما تدبر أهل الإيمان في القرآن الكريم وضح لهم بجلاء أن لفظ الرسول أطلق فقط على الأنبياء الكرام أو على الملائكة الذين يؤدون واجب الرسالة، إلا أن لفظ الرسول لم يطلق أبدا على أي كتاب، انظروا إلى الآيات التالية:
ورد على لسان نوح ﵇: ﴿يا قوم ليس بي ضلالا ولكني رسول من رب العالمين﴾ (١).
وعلى لسان هود ﵇:
﴿يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين﴾ (٢).
وعلى لسان موسى ﵇:
﴿وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين﴾ (٣).
﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم﴾ (٤)
وعلى لسان المسيح ﵇:
﴿إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله﴾ (٥).
﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول﴾ (٦).
_________________
(١) سورة الأعراف: ٦١.
(٢) سورة الأعراف: ٦٧.
(٣) سورة الأعراف: ١٠٤.
(٤) سورة الصف: ٥.
(٥) سورة النساء: ١٧١.
(٦) سورة المائدة: ٧٥.
[ ٦٠٦ ]
﴿وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم﴾ (١).
وعلى لسان جبريل ﵇:
﴿قال إنما أنا رسول ربك﴾ (٢).
وهكذا يتضح من الآيات السابقة أن كلا من نوح وهود وموسى وعيسى وجبريل عليهم الصلاة والسلام قد وصف في القرآن الكريم بالرسول.
والأمر الذي يظل قيد البحث هو أن سيدنا ومولانا محمد النبي الأمي ﵌ قد وصف أيضا بأنه رسول، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا ورد لفظ الرسول بمعنى المبلغ، ولماذا لا يفهم هذا معنى بالنسبة لرسول الله (ص)؟.
نذكر فيما يلي الآيات التي يثبت منها أن كلمة «رسول الله» لا يمكن أن تعني أي كتاب من الكتب ولو على سبيل التأويل.
١ - ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق﴾ (٣).
من الواضح أن الرؤيا مختصة بالإنسان لا بالكتاب، والرؤيا جاءت للنبي (ص) لا للقرآن الكريم.
٢ - ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله﴾ (٤).
وقد كان تردد المنافقين على النبي (ص) وكان هؤلاء الناس يخاطبون النبي (ص) كما كان خطاب الله تعالى موجه إلى النبي (ص) وحرف المخاطب الكاف موجود في ثلاثة مواضع.
٣ - ﴿بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم﴾ (٥).
الذهاب والإياب، والنجاة والتأهل، هذه الصفات لا يمكن أن تكون صفات للقرآن الكريم وانظروا فقد وصف الرسول هنا بالتأهل وأنه صاحب أهل وعيال، مثلما وصف بقية المؤمنين أيضا.
_________________
(١) سورة الصف: ٦.
(٢) سورة مريم: ١٩.
(٣) سورة الفتح: ٢٧.
(٤) سورة المنافقون: ١.
(٥) سورة الفتح: ١٢.
[ ٦٠٧ ]
ولنقرأ فيما بعد نجد آيات متعددة ورد فيها ذكر النبي (ص) متضمنا ذكر القرآن الكريم. أ - ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (١).
ولاشك أن ما أنزل إليه «هو القرآن الكريم، ومحمد النبي الأمي (ص) - هو الرسول المخاطب في الآية السابقة، وقد قيل له: بلغ، وفرض التبليغ هنا عائد عليه، وعلينا أن نفكر هنا أيضا، فالمخاطب هنا في «إليك» هو الرسول ليس إلا، فمن غيره نزل عليه القرآن!.
ب - ﴿كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا﴾ (٢).
آياتنا هي القرآن الكريم، ومن يصدق عليه قوله تعالى: أرسلنا رسولا، ثم قوله تعالى «منكم»، لا يدع مجالا للشك أنه ينتمي إلى قريش حسبا ونسبا، وكلام الله، أي القرآن الكريم لا يمكن أن ينسب إلى حسب ونسب. ج - ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ (٣).
فأي شخصية للقرآن تلك التي تشبه الجنس البشري؟ والخلاصة أن القرآن الكريم بعد أن بين اسم النبي (ص) وعلمه، بين أيضا حيثيته لرسول، كما بين أنه مطاع بإذن الله ومفترض الطاعة، ولم يرد في أي موضع من القرآن الكريم.
أن «القرآن رسول الله» والنتيجة هي أن القرآن الكريم قد جزم وقطع بأن سيدنا محمد (ص) هو الرسول الكريم، اتباعه فريضة وإطاعته واجبة على أهل العالم وعلى العالمين جميعا وقد قال تعالى في حقه: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ (٤). كما قال في حقه أيضا: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (٥). وهذه خصوصية أثبتت علو شأن النبي (ص) وعظمته.
وهكذا ثبت من الآيات السابقة أن محمدا (ص)، هو ابن عبد الله، ولدته آمنة،
_________________
(١) سورة المائدة: ٦٧.
(٢) سورة البقرة: ١٥١.
(٣) سورة التوبة: ١٢٨.
(٤) سورة النساء: ٦٤.
(٥) سورة النساء: ٨٠.
[ ٦٠٨ ]
وهو محمد المكي والمدني الأمي الهاشمي القرشي الكناني العدناني، فخر إسماعيل ذبيح الله، ودعاء إبراهيم خليل الله، وبشارة عيسى ﵇».
وقد وجبت طاعته على العالمين جميعا إلى الأبد، وهي فرض عين، وهذا الأمر يعد مما اختص به النبي (ص).
الخاصية الثانية
﴿رسولا منكم﴾ (البقرة: ١٥١)
المخاطب في «منكم» هم قريش مكة الذين كان العرب كلهم يعترفون لهم بالطاعة والولاء، وهم أيضا جميع البشر.
ولهذا فالجدير بالملاحظة هنا هو روعة وفائدة قوله تعالى «منكم».
فمن المعروف أن الأمم الشهيرة قبل النبي (ص) كانت قد أنزلت أئمتهم فوق منزلة البشر.
فعند الهنادكة ما يقرب من اثنين وثلاثين مصطلحا يلقبونهم بالأوتار ومعنى هذا اللقب أن الإله قد أتى في قالب هذا المصلح أي أنه اتخذ لنفسه شكلا ماديا فتلبس بلباس المخلوق سواء كان إنسانا أو أسدا أو خنزيرا أو سلحفاة أو غير ذلك، ومن ثم يبين عن مظاهر قدرته الإلهية.
والنصارى أيضا أنزلوا المسيح منزلة الإله في شكل الإنسان.
وأهل التبت وضعوا «دلائي لاما» في منزلة الخالق.
وأهل إنجلترا جعلوا من كرسي الملك آرثر وسيلة لمعرفة المذنب من غير المذنب.
وجعل أهل النرويج من الصنم المعروف باسم دودين إلها لأوربا.
والتتار جعلوا من أبناء السيدة «النقوا» مجهولي النسب أبناء النور.
ونساء مصر حين شاهدن جمال يوسف أنكرن بشريته واعتبرنه ملكا ﴿ما هذا
بشرا إن هذا إلا ملك كريم﴾ (١).
_________________
(١) سورة يوسف: ١ ٣.
[ ٦٠٩ ]
ووسط هذه الظروف كان محمد (ص) هو الذي كشف هذه الحقيقة وجعل البشرية أفضل درجات الخلق معلنا أنه هو نفسه بشر فهذه الكلمة الشريفة «منكم» أوضحت من ناحية أن الإنسان «أشرف ما كان» ومن ناحية أخرى حولت قصار النظر إلى التحليق في الآفاق، وأزالت سحب الأوهام وكشفت ستارة الظنون، ومزقت حجب الجهل، ورسمت أنظمة الحقيقة على لوح القلب، الحقيقة القائلة بأن كل إنسان رغم أنه يمتلك المواهب والكمالات والقدرة الكاملة للسيطرة على الطبيعة فهو بشر.
وسيدنا محمد (ص) هو سيد الكون لأن إتمام كمالات العبدية كان من خلال عنصره البشري الشريف، وقد ورد في القرآن الكريم على لسان النبي (ص) في موضع آخر:
﴿هل كنت إلا بشرا رسولا﴾ (١).
وهكذا فإن كلمة «منكم» رفعت درجة البشرية وأثبتت أن ذات النبي (ص) أرفع وأعلى من التأويلات الخيالية لقصار النظر وبهذا يثبت أن النبي (ص) هو رسول رب العالمين وهو بشير للناس أجمعين.
الخاصية الثالثة
﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾ (٢).
ثبت من آيات عديدة من القرآن الكريم أن النبي (ص) لم يكن يعرف القراءة ولا الكتابة ويتضح من كلمة «علمك» أن الله ﵎ هو الذي علم النبي (ص).
وفي الدنيا يتم تعليم «التلميذ» عن طريق السمع والبصر أي الحسيات وحين يستقر هذا التعليم في الحواس الإنسانية يطلق عليه اسم «التعلم».
أما تعليم الأنبياء فيبدأ من القلب: ﴿نزله على قلبك﴾ (٣) ولهذا فهناك فرق كبير بين تعليم الله وتعليم العبد، يقول الله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ (٤).
_________________
(١) سورة الإسراء: ٩٣.
(٢) سورة النساء: ١١٣.
(٣) سورة البقرة: ٩٧.
(٤) سورة الأعلى: ٦.
[ ٦١٠ ]
وكون التعليم الرباني فوق النسيان فهذه خاصية لا يمكن أن توجد في أي معلم أو متعلم في الدنيا.
وحين نتدبر القرآن الكريم ونطالع الأحاديث الشريفة بعمق وتمعن ندرك أنهما يتضمنان أحوال الماضي وأخبار المستقبل وأحكام الحاضر، وهنا يتأكد أن النبي الأمي تلقى تعليمه من الله ﷿ الذي عنده علم الماضي والحاضر والمستقبل وهذه الخاصية التي اختص بها النبي (ص) على درجة كبيرة من الأهمية إذ ولد في قوم كانوا يفخرون بأميتهم، ولد في بلد بعيد عن البلدان المتحضرة ثم بقى لأربعين سنة لا يعرف التعليم والتعلم، ولكن حين تولى رب العالمين تعليمه، قام (ص) فنشر جميع العلوم والمعارف والحقائق والمعاني - وكانت أول آية كريمة: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق (*) خلق الإنسان من علق﴾ (١) فإذا دققنا النظر في هذه الآية عرفنا أن تعليمه بدأ بحقيقة خلق الإنسان، وهذه مسألة دقيقة احتار فيها حتى الفلاسفة المنتهون، ولهذا فإن الآية الكريمة مظهر لخاصية النبي (ص).
الخاصية الرابعة
﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (٢)
هناك رواية تتعلق بشرح الصدر وردت في صحيح مسلم عن أنس ﵁ وهذه الواقعة تتعلق بالنبي (ص) في صغره حينما كان في قبيلة حليمة السعدية رضي الله
عنها يقول أنس: إنه كان رأى أثر المخيط في صدر النبي (ص) المبارك (٣).
وهناك رواية أخرى عن شرح الصدر في الصحيحين عن أنس بن مالك بن صعصعة جاء فيها أن واقعة شق الصدر كانت ليلة المعراج عند الحطيم (٤).
وشرح الصدر الذي ذكره القرآن الكريم يؤيد الروايات المشار إليها، وكذلك يدل على معنى أوسع فتدبروا قوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن
_________________
(١) سورة العلق: ٢، ١.
(٢) سورة الشرح: ١.
(٣) صحيح مسلم.
(٤) مسلم والبخاري.
[ ٦١١ ]
يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾ (١).
﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه﴾ (٢).
﴿ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله﴾ (٣).
﴿ويضيق صدري ولا ينطلق لساني﴾ (٤).
﴿قال رب اشرح لي صدري (*) ويسر لي أمري﴾ (٥). وشرح الصدر في الآية الأولى هو الحالة التي تتيسر فيها الهداية الإلهية والتوفيق والسداد، وتجيش في الصدر الرغبة والشوق إلى الدين الحق.
وتفيد الآية الثانية إنه بعد الرغبة الصحيحة والشوق الأصيل ينال الإنسان الدين الحق ثم ينال بعدها أنوار بركات الدين.
وتبين الآية الثالثة أن الذي يميل إلى الكفر يصدق عليه الشرح بالكفر ويستوجب الغضب الإلهي.
والآيتان الرابعة والخامسة تتعلقان بموسى ﵇ حينما أمر بالذهاب إلى فرعون للإنذار والتبليغ فنظر إلى هذه المسؤولية بتخوف وقال: إن صدري يضيق عن هذا، فهذه الحالة قللت من شجاعته، فلما طمأنه الله تعالى قام فدعا بما ورد في الآية الخامسة.
وخلاصة هذه الآيات الخمس أن معنى شرح الصدر بالنسبة للمسلم أن يغلب الصدق والحق، ويطمئن القلب كلية بدرجة تجعله يفوز بالهدى والنور.
ومعنى شرح الصدر بالنسبة للنبي (ص) أن ينال الهمة العالية والعزيمة الراسخة والاستقامة المحكمة من أجل الإبلاغ فلا تشوب قلبه شائبة من خوف نتيجة جبروت ملك أو تسلط كافر، ولا يساوره شعور بالوحدة والمسكنة والعوز.
والآن اقرأوا الآية التي زينت هذا العنوان بعد ربطها بسيرة النبي (ص) الطاهرة حتى تعرفوا أن النبي (ص) حينما أمر بقوله تعالى: ﴿قم فأنذر﴾ (٦) لم يلجأ (ص) إلى عذر ولم
_________________
(١) سورة الأنعام: ١٢٥.
(٢) سورة الزمر: ٢٢.
(٣) سورة النحل: ١٠٦.
(٤) سورة الشعراء: ١٣.
(٥) سورة طه: ٢٥، ٢٦.
(٦) المدثر: ٢.
[ ٦١٢ ]
يظهر نوعا من الخوف ولم يساوره أي شعور بالخوف من التكذيب أو الخوف من القتل.
كان موسى ﵇ مأمورا بالذهاب إلى فرعون واحد لكن أعداء النبي (ص) كانوا مئات الفراعنة، إن فرعون كان حاكما لدولة منظمة، ولهذا عرض قضية قتل موسى على مجلس دولته.
﴿قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه﴾ (١).
ولكن سفاحي العرب لم يكونوا ملتزمين برأي مجلس ولا مشورة أحد، ومع ذلك قام النبي (ص) بالإنذار والتبليغ بعد أن أمر بذلك ومن فوره.
والصدر الذي خلا آنذاك حتى من العلوم الدراسية صار مخزنا للنور والمعرفة ومجمعا للهداية والعرفان، وخرجت منه ألوف من أسرار العلوم والحكمة، فأخرجت أهل الدنيا من الظلمات إلى النور.
فحينما ينظر من يتدبر في الآيات القرآنية، ويرى أن شرح الصدر هو المقام الرفيع الذي طلبه موسى، وأعطيه النبي (ص) قبل أن يطلبه، ثم أجاب على ذلك رب العالمين في صورة الاستفهام التقريري، اتضح أن الآية المذكورة تظهر خاصية عليا للنبي (ص).
الخاصية الخامسة
﴿ووضعنا عنك وزرك﴾ (٢)
الوزر هو الحمل الثقيل، وحمل الوزر هو أن يخف الوزر عن أحد فيحمله بنفسه، وفي هذا المعنى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (٣).
والوزير هو صاحب المنصب الذي يرجع إليه في مهمات الدولة.
_________________
(١) الشعراء: ٣٤ - ٣٦.
(٢) سورة الشرح: ٢.
(٣) سورة الأنعام: ١٦٤.
[ ٦١٣ ]
ولما كلف موسى ﵇ بعبء النبوة دعا:
﴿واجعل لي وزيرا من أهلي (*) هارون أخي﴾ (١).
ومنه يظهر أن أداء فرائض النبوة لم يكن سهلا، ولذا دعا موسى الله في اليوم الأول من نبوته بأن يجعل له وزيرا، ولكن النبي (ص) دخل في هذا الميدان وحيدا، وغمر الكون مثل الشمس بنوره الساطع، إنه (ص) لم ينظر إلى كثرة النجوم ولا إلى الظلمة السائدة، بل رفع وحده راية التوحيد والتبليغ، وبعد هذا الإيثار والتضحية والطاعة تولى الله تعالى نصره وخفف وزره.
والموازرة في لغة العرب تعني المعاونة، وازرت فلانا موازرة أي أعنته على أمره.
فما كان ذلك الوزر؟ تعددت أقوال المفسرين في ذلك، ولابد أن يرجح بعضها على بعض، انظروا بدقة إلى ترتيب الكلام، إن هذه الآية وقعت بين آيتي ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ و﴿رفعنا لك ذكرك﴾ ولذا فمن المعقول أن يكون زمن هذه الآية بين الحالتين.
والآيات التالية توضح معنى هذا الوزر:
١ - ﴿لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين﴾ (٢).
٢ - ﴿فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون﴾ (٣).
إن التزام أهل الضلال بالكفر، وجمودهم على الشرك، ورفضهم للنظر في الدلائل السمعية والبراهين المرئية، وإصرارهم على تقليد الآباء، وفرارهم من تحقيق الحق، وكثرة الفواحش، وانتشار الأباطيل، وفقدان الإنسانية، وطغيان الوحشية، كل ذلك كان ثقيلا على سمع النبي (ص) وبصره، وكان قلبه يتألم كثيرا من جراء تلطخ قومه بمثل هذه النجاسات.
وبعون من الله تعالى بدأت تعاليم النبي (ص) تنتشر، وتنقشع سحب الكفر والضلال، فقد بعث الله تعالى من أقطار البلاد أناسا صالحين جاءوا إلى رسوله (ص)، فصاروا السابقين الأولين في الإسلام، ولم يحصلوا على الغذاء الروحي لأنفسهم فقط،
_________________
(١) سورة طه: ٢٩ - ٣٠.
(٢) سورة الشعراء: ٣.
(٣) سورة يس: ٧٦.
[ ٦١٤ ]
بل أخذوا من النبي (ص) العاطفة القلبية التي مسحت دموع المساكين وداوت المجروحين، فمثلا نشر أبو بكر ﵁ الإسلام في قبائل بني أمية وفهر وتيم ومخذوم وأسد وعدي، وأدخل الشعب الحبشي والبربري والسوداني في جماعة ﴿مسفرة ضاحكة مستبشرة﴾ (١) ورفع خاتم الخلفاء على المرتضى صوت النصرة والمعية في آل هاشم وآل بني طالب، وبلغ طفيل بن عمرو الدوسي هذه الرسالة إلى البادية، وعروة بن مسعود الثقفي إلى قمم الجبال بالطائف، وأنشأ مصعب بن عمير في المدينة المنورة مدرسة للتبليغ، ورفع جعفر بن أبي طالب (الطيار) نداء الرسالة في بلاط النجاشي ملك الحبشة.
وخفف هذا المشهد الميمون عن النبي (ص) العبء وأقر عينه، وصار له قوة في العضد وسندا للظهر وسكينة للقلب؛ والحقيقة أن ذلك كمال اختص به سيدنا محمد النبي
الأمي ..
الخاصية السادسة
﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ (٢)
١ - من ذا الذي لم يسمع صوت الأذان مع نسيم الصباح المنعش ممن يسكنون على امتداد الشاطئ الغربي للمحيط الأطلنطي وحتى الشاطئ الشرقي لنهر «هوانكهو»؟ ومن ذا الذي لم يشعر في صمت الليل أن كلمة «أشهد أن محمدا رسول الله» تزيده حيوية ومتعة؟ (٣).
_________________
(١) سورة عبس: ٣٨ - ٣٩.
(٢) سورة الشرح: ٤.
(٣) أخرج البغوي بإسناده عن أبي سعيد الخدري عن النبي (ص) أنه سأل جبريل ﵇ عن هذه الآية (ورفعنا لك ذكرك) قال: قال الله تعالى: إذا ذكرت، ذكرت معي. وعن ابن عباس يريد الأذان والإقامة والتشهد والخطبة على المنابر. وفيه يقول حسان بن ثابت: أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي مع اسمه إذ قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد (معالم التنزيل على هامش لباب التأويل ٧/ ٢١٩).
[ ٦١٥ ]
هذه هي الكلمات التي تمتع أسماع المستيقظين والنائمين بإخبارهم عن أجمل بداية ونهاية لكيانهم. فهل هناك مثال لرفعة الذكر أسمى من هذا؟
ولماذا لم يتيسر اليوم لملك في ملكه، أو لزعيم في أتباعه، أن يعلن اسمه الميمون ليلا ونهارا ليصل إلى الأسماع، سواء أحب سماعه أحد أو لا؟ إلا أن الإعلان السابق يصل بالضرورة إلى أعماق القلب مرورا بالأسماع.
نعم إن هذه الخاصية السامية قد حصلت لذلك الاسم المختار وحده الذي رفع ذكره رب العالمين، والذي أخبر عنه في كتاب اشعياء بأن بورك له في اسمه.
٢ - انظروا إلى توماس كارلايل، إنه نصراني من رأسه إلى أخمص قدميه، يعد بفضل معرفته للتاريخ واللغة من العلماء الأعلام في انجلترا كلها. ألف كتابه عن أبطال العالم، فلم يختر من بين الأنبياء ﵈ إلا اسم النبي محمد (ص).
فهل ترون أنه نسى معجزات موسى ﵇، وأنه جهل أعماله التي حفظت في أمواج البحر الأحمر وذرات تراب فلسطين؟
ألا يعرف داود الذي جمع شمل أسباط بني إسرائيل بعد التشتت، وأنشأ دولة قوية لم يرها، بل لم يحلم بها أولاد يعقوب إلى الآن؟
ألم يعلم كارلايل أن داود ﵇ جمع بين العبادة والموسيقى، فملأ الهواء بالنغمات والجو بالمناجاة؟ إن تشجيع داود للموسيقى كان من الواجب أن يهز قلب كارلايل الراقص هزا.
هل تظنون أن كارلايل نسى تنبؤات أشعياء التي كانت مادة التأليف لأناجيل متى ويوحنا؟!
هل تعتقدون أنه جهل بركات النبي دانيال التي حملت ملك بابل الكافر والجائر على المحافظة على اليهود وتكريمهم، والذي أنقذ مئات الألوف من المؤمنين من القتل والصلب، وكشف النقاب عن طلسم أحداث المستقبل لمئات السنين بمفتاح تعبير الرؤيا؟ وهل تعتقدون أن كارلايل جهل خدمات شالتي ايل الذي بنى بعد الخلاص من الأسر قصر أورشليم الذي لا يقل عن هيكل سليمان؟
وهل تظنون أن كارلايل لم يعلم كهانة زكريا أي إخباره بالغيب وزهد يوحنا المعمدان وعبادته ووعظه وتذكيره؟
[ ٦١٦ ]
إن الإجابة عن هذه الأسئلة كلها بالنفي.
أيها الأعزة! إن الأستاذ توماس كارلايل مع علمه بهذه الأمور كلها، بل مع الإيمان بها، كان مضطرا لاختيار اسم النبي (ص) من بين الأنبياء جميعا ﵈.
ولا يظن هنا أن كارلايل كان ملتزما باختيار اسم واحد فقط من بين الأنبياء، ولذا اكتفى باسم النبي (ص) فقط لأن هذا المؤلف نفسه لم يتقيد بالعدد الواحد في أصناف الحكماء والشعراء والفلاسفة. وهكذا فلو أراد لأتى بأكثر من اسم في مبحث النبوة.
وهذا يقوي دليلنا أكثر، ويوضح أن كارلايل حينما نظر في ضوء بحثه التاريخي إلى شمس النبوة المحمدية، لم يجد في سماء النبوة التي امتدرت لآلاف السنين كوكبا نبويا آخر يماثل محمدا (ص)، حتى يضعه في جنب هذه الشمس المنيرة في كتابه.
هذا نموذج رفعة الذكر، نصراني صادق في نصرانيته وأستاذ في جامعة مثل كيمبردج تفتخر به انجلترا كلها، يؤمن بألوف الأنبياء ويعلم أسماء مئات منهم، وحينما أراد تقديم نمونج للنبوة قدم اسم سيدنا ومولانا محمد (ص) النبي الأمي، وبهذا تمت كلمة الرب تعالى في القرآن: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (١).
٣ - ثم ينبغي أن نتذكر بيان المؤمنين لرفعة الذكر، فقد أثبتنا بالكتاب المقدس الحالي أن كل نبي من سيدنا إبراهيم ﵇ إلى يعقوب وموسى وداود وسليمان وأشعياء ويرمياه ودانيال وحرقيال وحبقوق وملاخي ويحيى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، قد بين المحامد المحمدية والصفات المصطفوية بأساليب بديعة وعلامات متنوعة. وهذا هو الأمر العظيم الذي لم يحصل لأي نبي آخر.
إن مؤلف الإنجيل الأول القديس متى قد أشار إلى بعض التلميحات التي وردت في الصحف السابقة عن سيدنا عيسى المسيح ﵇. وعلى المنصف أن ينظر إلى تلك الإشارات المجملة ويفكر في طريقة استدلال متى التي استخرجها، ثم لينظر إلى الآيات البينات التي توجد في الكتاب المقدس نفسه وتصدق على ذات النبي (ص) المباركة.
كان القديس متى محبا صادقا للمسيح، وكان مطلعا تمام الاطلاع على محتوى الكتاب المقدس وذلك يؤكد لنا أنه لم يكن ليترك تسجيل تنبؤ في إنجيله يتعلق بالمسيح.
_________________
(١) الأحزاب: ٢١
[ ٦١٧ ]
ونحن أيضا نؤمن بأن مصداق تلك الأخبار التي يذكرها متى هي ذات المسيح ﵇، ثم نتناول تلك التنبؤات التي بقيت إلى عصر متى كتنبؤات (أي أخبار مستقبلية) والتي لا تصدق إلا على النبي (ص).
ويسمع اليهود والنصارى والمسلمون أن الكتاب المقدس الحالي مذكور فيه بوضوح اسم النبي (ص) المبارك ومولده ومهجره، والقبائل التي آمنت به، والأمم التي قاتلته بوضوح تام وهذا في الواقع تفسير قوله تعالى: (ورفعنا لك ذكرك) وبهذا كله يتضح كيف رفع الله تعالى ذكر النبي (ص) قبل قرون بإعلان واضح قوي. ولاشك أن أحدا مهما كان صالحا وعظيما، لم يشارك النبي (ص) في هذه الفضيلة العليا: ﴿فلله الحجة البالغة﴾ (١).
الخصائص السابعة والثامنة والتاسعة
﴿ما ودعك ربك وما قلى (*) وللآخرة خير لك من الأولى (*) ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ (٢).
هذه الآيات الثلاث من سورة الضحى، وقد اتفق المفسرون على أن كلام الله تعالى نزل على النبي (ص) في ابتداء البعثة، وتأخر الوحي، ثم توقف فازداد طلب النبي (ص) وتطلعه والظاهر أن الطلب والشوق لا يمكن أن ينفصلا عن القلق والتردد، فكيف لا يتطلع النبي (ص) إلى الوحي الرباني الذي فتح على القلب والروح باب العلوم والحقائق؟ وكلما طال زمن الهجر نشأت في الشوق إلى الصادق تفسيرات وتأويلات.
١ - فالبداية كانت من عند الله.
٢ - أكرمني برسالته.
٣ - فكيف يكون هذا الصمت الآن؟
٤ - لا يصح أن ينسب الصمت إلى الحضرة الإلهية.
٥ - ومن الأدب أن أنسب السبب إلى نفسي.
٦ - هل أترك في هذه الحالة من القلق والاحتراق والعطش؟
٧ - متى تنتهي هذه الحالة؟
هذه هى الظنون التي قد تعتري قلب المحب الصادق، وفي النهاية انتهى زمن
_________________
(١) سورة الأنعام: ١٤٩.
(٢) سورة الضحى: ٣ - ٥.
[ ٦١٨ ]
الانتظار وانتهت الظنون التي نشأت بسبب اجتماع الشوق والإرادة، أو اللوعة والاحتراق التي أحمت القلب.
حبيبي ما هو الوداع؟
وأين القلى؟
الرب الذي رباك.
والذي رعاك من آدم إلى الآن في أطوار ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ (١).
والذي أحصن وطهر ظهور وبطون آبائك الكرام وأمهاتك العظام. والذي حافظ عليك في اليتم كالدر اليتيم. والذي نجاك من متاعب العيال مع كثرتهم. والذي جعل لك جبل حراء طورا.
والذي ملأ، بدون لمعان النار الظاهري، عينيك نورا وقلبك سرورا، وروحك راحة وإيمانك يقينا.
لا يمكن أن ينسب إليه الوداع والقلى (٢).
والآن نزف إليك بشرى سارة، وهي أن الزمن القادم يكون أطيب وأحسن مما سبق (٣).
إن قوله تعالى ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ (٤) كان بداية لتلك المدرسة، حيث
_________________
(١) سورة الشعراء: ٢١٩.
(٢) جاء في الصحيحين عن جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله (ص) فلم يقم ليلتين أو ثلاثا، فجاءت امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثا، فأنزل الله ﷿ ﴿والضحى والليل إذا سجى (*) ما ودعك ربك وما قلى﴾. ويتضح من هذا أن هذه المرأة استخدمت لفظة قلى فنزلت الآيات السابقة ردا عليها.
(٣) لاشك أن كلمة «الآخرة» في الآية أريد بها دار الجزاء، ولكن جاء إطلاقها بمعنى أوسع أيضا، كما في قوله تعالى: ﴿ثم الله ينشئ النشأة الآخرة﴾ (العنكبوت: ٢٠) وفي قوله تعالى: ﴿ما سمنا بهذا في الملة الآخرة﴾ (ص: ٧) فالآخرة يراد بها الزمن القادم أيضا. قال الخازن: وحمل الآخرة على ظاهرها من خيري الدنيا والآخرة معا أولى (لباب التأويل ٧/ ٢١٥).
(٤) سورة العلق: ١.
[ ٦١٩ ]
تتفتح أبواب المعارف والحقائق، وتتنزل الأنوار والبركات والمشاهدات والتدليات، وتعلو علامة النصر والفتح.
وتلمس وفرة العلوم وكثرة المؤمنين، وقد كان ذلك، فقد استمر كل هذا مع الترتيب والتنزيل. وقد كان هذا التنبؤ في الكتاب المقدس قبلا: حكم على حكم، قليل هنا وقليل هناك، ازدادت كمية العطاء والنوال برضا من النبي (ص) وموافقته، وتقدير العطاء لم يكن بقدر إزالة القلق والاضطراب، بل كان قدره قدر سعة الطلب والشوق ورضا القلب والروح.
هذه هي غاية الفضل والكرم، الوصول إلى الكمال، وهذه هي خاصية النبي (ص)، فالعطاء يزداد حسب رضا النبي (ص) وإتماما لهذه الخاصية أكرم الله تعالى أصحاب النبي (ص) بخلعة الرضوان، فقال تعالى:
ألف - ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ (١).
ب - ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ (٢).
ج - ﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (*) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم﴾ (٣). د - ﴿ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم﴾ (٤). ش - ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ (٥).
ونحن على يقين وإيمان بأن هذا الأمر من شأن النبي (ص) وحده إذ أكرم الله الذين آمنوا به برضاه ولطفه.
وهكذا تحقق الوعد الذي تضمنته الآية الذي صدرنا بها هذا العنوان:
﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ (٦).
_________________
(١) سوره الفتح:١٨.
(٢) سورة البينة: ٨.
(٣) سورة التوبة: ٢٠، ٢١.
(٤) سورة التوبة: ٧٢.
(٥) سورة المائدة: ٣.
(٦) سورة الضحى: ٥.
[ ٦٢٠ ]
وسوف يرى أهل الإيمان المشهد الكامل لذلك يوم الدين، حيث ينالون أكثر مما يطلبون ويسألون، وأكثر مما يتوقعون بمئات الدرجات.
الخاصية العاشرة
(النبي الأمي) (١)
من المؤكد أن أحدا من الأنبياء لم يلقب بالرسول النبي الأمي سوى سيدنا محمد (ص) هذا، والاطلاع على الأقوال الطيبة التي ذكرها العلماء عن كلمة «الأمي» يزيد القراء فرحا وبهجة.
ألف: الأمي نسبة إلى أم القرى، وقد سمى الله تعالى مكة أم القرى.
﴿ولتنذر أم القرى ومن حولها﴾ (٢).
وطبقا لقول المؤرخ الألماني المعروف «سبرينجر» و«سكريدر»، فإن رأي المؤرخين الذي يجعلون البلاد العربية الموطن الأصلي لأبناء سام، سديد جدا، والروايات الإسلامية الصحيحة أيضا تدل على أن أول بلدة نشأت في الجزيرة العربية كانت مكة المكرمة، حيث أقامت القبائل الرحل وتحولت إلى حياة العمران والتمدن بعد حياة البربرية والوحشية، والحاصل أنه يثبت من التاريخ والرواية أن مكة هي أم القرى. ولنعرج الآن على دعاء سيدنا إبراهيم ﵇ الذي دعا به عند تأسيس مكة: ﴿رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات﴾ (٣). ومن دعائه أيضا: ﴿وابعث فيهم رسولا منهم﴾ (٤).
ويتضمن دعاء الخليل أمرين عجيبين؛ الأول: طلب الفواكه والثمرات بكثرة لأهل البلدة التي عرفت بأنها غير ذي زرع. ومن تأثير هذا الدعاء أننا نرى أسواق مكة تتراكم فيها الفواكه والخضروات من مختلف الأنواع. وهذه العلامة الظاهرة تدل على أن الله تعالى شرف دعاء الخليل بالقبول.
_________________
(١) سورة الأعراف: ١٥٧.
(٢) سورة الأنعام: ٩٢.
(٣) سورة البقرة: ١٢٦.
(٤) سورة البقرة: ١٢٩.
[ ٦٢١ ]
والثاني: أن نفس هذا الدعاء يوضح أن أثره لم يقتصر على غذاء الجسم ولذة الفم، بل كانت كلمات الدعاء بالروحانية أقوى، فبعث رسول الوعد ورسول دعاء الخليل، بعث برفعة وشرف، فكان من أهل تلك البلدة تربطه بهم رابطة النسب، ولذا صح أن يقال له الأمي، نسبة إلى أم القرى.
ب - اسم الأمي منسوب إلى الأمة ومعناه: النبي (ص) الذي يكون مخدوما ومطاعا لأمة كبيرة، وتاء الأمة سقطت بسبب النسبة، كما يقال «مكي» في النسبة إلى مكة، وعلى هذا فإن كلمة الأمي تفسيرها موجود في حديث رواه مسلم عن أنس، وفيه: «أذا أكثر الأنبياء تبعا» (١).
ج - اسم النبي (ص) الأمي منسوب إلى الأم، بمعنى أن النبي (ص) مبرأ ومطهر من جميع العيوب والنقائص، بفطرته الطاهرة الزكية وبعصمة من الله تعالى، مثل الولد الذي
يولد من بطن أمه.
وانطلاقا من هذه المعاني أنشدت عائشة الأبيات التالية في النبي (ص)، وسر النبي (ص) بسماعها كثيرا (٢):
ومبرء من كل غبر حيضة وفساد مرضعة وداء مخيل
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت بروق العارض المتهلل
د - الأمي نسبة إلى الأم، بمعنى أن النبي (ص) لم يرغب بعد الولادة في اكتساب العلوم والفنون، ولم ينقش في قلبه حرف كتابة أو قراءة، وهكذا كانت حالة العرب، فإنهم جهلوا الكتابة والقراءة، وكانوا يقضون حياتهم كلها على حالة الطفل الذي لم يذهب إلى مدرسة ولم يتلق دروسا ولم يمسك بيده قلما ولم يجر على لسانه درس. ولهذا سمى اليهود العرب بالأميين، ﴿ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل﴾ (٣).
وقد صار هذا الاسم علما على أهل الجزيرة العربية، يقول تعالى:
﴿وهو الذي بعث في الأميين رسولا﴾ (٤).
_________________
(١) مسلم عن أنس.
(٢) الخصائص الكبرى ١/ ٦٧.
(٣) سورة آل عمران: ٧٥.
(٤) سورة الجمعة: ٢.
[ ٦٢٢ ]
وأطلق الله تعالى هذا اللفظ على الأميين من أهل الكتاب:
﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب﴾ (١).
والحاصل أن لفظ «الأمي» يدل على أن النبي (ص) كان أرفع من طريقة أهل الدنيا في التعلم.
وقد أبان الله تعالى عن هذا المعنى في موضع آخر فقال:
﴿وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون﴾ (٢).
وبملاحظة المعنى السابق ندرك أن اسم النبي (ص) الأمي معجزة كبيرة.
وليعلم أن النبي من النبأ، وهو يطلق على الواقعة العظيمة والإعلام بأمر هام. أي النبي هو من يخبر أهل العالم بالعلوم العالية والوقائع العظيمة. وحينما يضاف هذا اللفظ إلى الله فهو يعني أن النبي يتلقى من الله مباشرة العلوم العالية والشرائع السامية والنواميس الربانية.
وقيل إن النبي مشتق من النباوة أي المكان المرتفع، فالنبي (ص) احتل مكانة عالية لا يصل إليها إنسان بالكسب والاجتهاد والرياضة، بل سبب وصوله إليها هو الاصطفاء الرباني المحض.
ووصفه بالنبي (ص) الأمي دل على أنه بعيد عن معرفة الحرف والكتابة، ومع ذلك صدرت مته باستمرار العلوم العظيمة والآيات الكاملة.
ويعلم أهل السيرة أن النبي (ص) كان يلقب ويدعى بالنبي (ص) الأمي، وكان يفرح بذلك، ولننظر إلى حال أهل زماننا، إن أحدا منهم إذا علم وفهم قليلا أحب أن يلقب بالفاضل والأكمل واللوذعي والألمعي والعلامة وغير ذلك من الألقاب. وقد صار ذلك خاصة كل كاتب وخطيب، فإنه يريد أن يقدر علمه وفضله بأكثر مما هو عليه. ولكن سيدنا محمد (ص) كان يعترف دائما بأميته، ومع ذلك كان يأتي إليه ألوف من العلماء ومئات الحكماء ليتتلمذوا عليه (ص)، وكانوا يصرحون بأنه (ص) بحر في علمه وفهمه، وليس علمهم بجانب علمه إلا قطرة من هذا البحر.
_________________
(١) سورة البقرة: ٧٨.
(٢) سورة العنكبوت: ٤٨.
[ ٦٢٣ ]
انظروا! إن الذي لم يتتلمذ على أحد صار أستاذا للدنيا كلها، يعلمهم محاسن الأخلاق ومحامد الأعمال وتدبير المنزل وسياسة المدن والاقتصاد والسياسة والعمران والعلوم التي تنور العقل والقلب وتجلي الروح، وأبواب مدرسته القدسية لا تقفل أبدا، وليس للالتحاق بها مصروفات أو رسوم، ويجلس فيها البدوي والحضري والحكيم والعامي جنبا إلى جنب كل يستفيد حسب كفاءته وقدرته. وعلى هذا يحمل لقب الأمي معنى قوله (ص): «علمني ربي فأحسن تأديبي» (١) وتتحقق دعوى ﴿ويعلمهم الكتاب﴾ (٢).
٥ - وهناك سبب آخر لهذا اللقب، وهو أن جميع الأنبياء من آدم أبي البشر إلى عيسى بن مريم بينوا النعوت العالية والصفات الجلية للنبي (ص)، فألف الأمي ترمز إلى آدم، وميم الأمي ترمز إلى المسيح وياء النسبة تكشف هذا السر:
أمي وكويا بزبان فصيح از ألف آدم وميم مسيح
أي (أمي يتكلم بلسان فصيح من ألف آدم وميم المسيح)
الخاصية الحادية عشرة
﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ (٣)
كوثر على وزن فوعل، وهو وزن المبالغة، والكثرة بنفسها تدل على الزيادة، وإذا استعملت على وزن المبالغة دلت على الزيادة فوق الزيادة، والكثرة فوق الكثرة، وجاء
في البخاري عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: الكوثر الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر قلت لسعيد بن جبير إن أناسا يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه.
ويصدق وجود الكوثر حديث أنس في الصحيحين، ولذا يصح التفسير المذكور بعد التيقن بوجود حوض الكوثر، فإن الآية التي بدأنا بها هذا العنوان تخبر عن نعم الله
_________________
(١) قطعة من حديث علي أخرجه القاضي عياض في الشفا (١/ ٨٥).
(٢) سورة البقرة: ١٢٩.
(٣) سورة الكوثر: ١.
[ ٦٢٤ ]
تعالى غير المتناهية وعطاياه التي لاحدود لها، ويذكر أشياء كثيرة تحت هذا الخير الكثير، كما ذكر الإمام فخر الدين الرازي (١) منها:
١ - النبوة المحمدية، فإنه لم يعط أحد قبل ذلك هذه النبوة الجامعة والرئاسة العامة والدعوة الكاملة والهداية البالغة.
ومن ثمار هذه النبوة قول الله تعالى في نبيه:
﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (٢).
وقوله تعالى:
﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ (٣).
فصاحب الكوثر هو الذي أمر الله بإطاعته. وصاحب الكوثر هو الذي جعلت طاعته طاعة الله تعالى. وصاحب الكوثر هو الذي سبقت نبوته تاريخ البشر، واتصلت نهايتها بنهاية العالم.
انظروا في كلام رب العالين فهو أيضا يقول: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ (٤).
ويقول: ﴿والله يعلم إنك لرسوله﴾ (٥). فشهادة رب المشرقين والمغربين تصدق وتؤكد الشهادتين، ولذا لا يبقى شك في كون النبوة المحمدية والرسالة المصطفوية خيرا كثيرا.
٢ - ومنها أن المراد بالكوثر الإسلام، الإسلام الذي لن يقبل عند الله دين سواه، الإسلام الذي أعلم به الأنبياء ﵈، الإسلام الذي يجمع سعادة الدارين، ويضمن فلاح الثقلين.
_________________
(١) مفاتيح الغيب (٤٩٨/ ٨) وما بعدها.
(٢) سورة النساء: ٨٠.
(٣) سورة النساء: ٦٤.
(٤) سورة آل عمران: ١٨.
(٥) سورة المنافقون: ١.
[ ٦٢٥ ]
٣ - ومنها أن المراد بالكوثر كثرة الأمة، وهذه الكثرة تفوق الحد والعد وتنمو يوما بعد يوم. تقول الإحصائيات أن عدد المسلمين بالهند في عام ١٨٨١ م كان نحو أربعين مليونا، وفي عام ١٩٢١ م بلغ عددهم نحو سبعين مليونا، أي ضعف ما كانوا عليه قبل أربعين سنة، وهذا في الهند وحدها، ومن المؤكد أن عددهم قد ازداد في الأقطار الأخرى بمثل هذه النسبة.
وفي مقابل ذلك نرى انتقاص العدد في أكثر الأمم، وأنها تمضي إلى بحر الفناء، فالإسلام هو الذي تمتد جذور شجرته الزكية إلى منابع الأرض وهو الذي تغشى غصونه الثمرة جو السماء.
٤ - ومنها أن المراد بالكوثر القرآن الكريم، الكتاب المجيد، وهذا هو الخير الكثير الذي عجزت عن مدحه وثنائه أقلام غصون الأشجار ومداد قطرات البحار، ولو اجتمع عمر نوح وفهم جبرئيل لما أمكن حصر الأسرار القرآنية، إن هذا الكتاب قلزم الحقائق، وكوثر العلوم، ومطلع الأنوار، ومخزن الأسرار.
كانت معجزات الأنبياء ﵈ تظهر في وقت خاص كما أن هذه المعجزة ظهرت في عهدهم المبارك فقط، فتحولت عصا موسى إلى ثعبان ثم عادت إلى سيرتها الأولى، مشهد شوهد في بلاط فرعون بعد جبل الطور، وتلك العصا صارت آلة انفجار الماء لبني إسرائيل، ولما انتهت الحاجة عادت العصا إلى حالتها الأولى، مجرد «خشبة» في يد الآخرين.
ولكن القرآن معجزة سيدنا محمد (ص)، معجزة حية، معجزة خالدة أبدية، فإعجازه موجود ومشهود في كل وقت وآن، وبإمكان كل عالم أن يقدم البرهان على إعجازه في جميع الأحيان، فلا شك أنه الخير الكثير الذي كان لابد أن يتم إعلانه من الرب الرحمن.
٥ - المراد بالكوثر هو الفضائل الكثيرة والمحامد الجميلة والصفات الكثيرة التي اندرجت تحت الوجود النبوي.
ووجود النبي (ص) الكريم قد تجمع في ذاته ألوانا من الصفات الحميدة التي توفرت في ذوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مثل: إنابة آدم، واستقامة نوح، وحلم إسماعيل، وعلم الخليل، ودرس إدريس، وتنفيث شيث، وحقيقة إسحاق، وتبصر
[ ٦٢٦ ]
يعقوب، ونور يوسف، وصلاح صالح، وهدى هود، وجمعية شعيب، ولطف هود، وعبرة عزير، وعظمة سليمان، وهم يحيى، وعدل داود، ودعاء يونس، وإياب أيوب، وذهاب زكريا، وإمامة هارون، وإيناس إلياس، وزهد عيسى، وعلو موسى، وإحسان لقمان، وقيادة الخضر، وسعي عيسى، وكفالة ذي الكفل هذه الألوان المتنوعة التي اجتمعت في شخصيته التي أشرقت كالشمس، فظهر لون شخصيته، ذلك اللون الذي احتوى بداخله جميع الألوان ليشكل منها اللون الخاص، لون رحمة للعالمين.
٦ - المراد بالكوثر السيد الكثير الخير، وقد ذكر هذا المعنى صاحب الصحاح. ولاشك أن النبي (ص) سيد ولد آدم، وقد خاطبه الله تعالى بقوله (يس) ولاشك أنه (ص) سيد كثير الخير، وهو قنديل الهداية الذي بدد ظلام الكفر والشرك، وهو السراج المنير الذي أضاء العيون بالحقيقة؛ وهو الذي نور القلب والروح، وهو العبد الكامل الذي أجلس الإنسانية على عرش السيادة.
والحاصل أن عطية الكوثر من خصائص النبي (ص)، وأدعو الله أن يتمتع عطي الأمة بلطف النبي (ص) يوم القيامة وأن يشربوا من حوض الكوثر فيفرحوا بما آتاهم الله، اللهم اجعلنا منهم.
الخاصية الثانية عشرة
﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا (*) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر وينتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما (*) وينصرك الله نصرا عزيزا﴾ (١)
تخبر الآية عن وقع الفتح المبين، ثم ما ترتب عليه من النتائج من غفران الذنب المتقدم والمتأخر وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز.
وقد فصل العلماء الكلام في الذنب المتقدم والمتأخر، وبينوا معنى غفرانه.
_________________
(١) سورة الفتح: ١ - ٣.
[ ٦٢٧ ]
الف - فأراد البعض بما تقدم وما تأخر زمن ما قبل النبوة، وقالوا: أخبر في الآية عن غفران أمور الجاهلية واعترض على ذلك الإمام السبكي قائلا بأن النبي (ص) لم يتلبس حتى قبل النبوة، بأمر من أمور الجاهلية ولهذا فلا معنى لغفران ذنب لم يرتكبه.
ب - وقد أراد الزمخشري والبيضاوي (١) بالذنب الزلات الصغيرة، وقالوا: إن الله تعالى جعلها موضع لطفه وعنايته.
واعترض الإمام السبكي بأن مثل هذه الزلات أيضا لم تثبت في حق النبي (ص)، وقد اتفق علماء الأمة على عصمة الأنبياء ﵈ بحيث لا تصدر منهم صغائر ولا كبائر، ولهذا لا يستقيم التعليل المذكور.
ج - ثم بين السبكي رأيه في الموضوع، واستحسنه الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي، فقال: إن الآية لا تخبر عن وقوع معصية أو ذنب في الحقيقة، بل تفيد التكريم والتشريف إذ إذا تصور أحد إمكان وقوع زلة فإنها أيضا مغفورة. بل المراد نفي الذنب مطلقا.
ويقول: ليس مقصود الكلام إثبات ذنب ثم غفرانه بعد ذلك.
د - وقد حمل القاضي عياض (٢) ﵀ لفظ المغفرة على التبرئة من العيوب.
هـ - وقد أورد الخازن (٣) في «تفسيره» قول عطاء الخراساني بأن المراد بما تقدم من الذنب ذنب أبويك آدم وحواء ﵉، وبما تأخر منه ذنب الأمة.
وللقراء أن يختاروا من هذه الأقوال ما شاءوا، ولكن الحقيقة أن هناك بقية من القول بعد ما ذكرناه في بيان العلماء وشرحهم. فالوجه الأول للإشكال أن قوله تعالى ﴿ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ واضح في إثبات الذنب، وهذا مخالف لعقيدة جمهور الأمة بالإجماع.
والوجه الثاني أن اللام في قوله «ليغفر» لام كي، ويكون الإشكال هنا هو ما هي العلاقة في جعل فتح مكة سببا للمغفرة؟
_________________
(١) أنوار التنزيل (٣١٧/ ٢).
(٢) الشفا ج ٢ ص ١٣٨.
(٣) لباب التأويل ج ٦ ص ١٥٧. سورة الفتح.
[ ٦٢٨ ]
وقد تبين لي بعد النظر في عديد من أقوال العلماء أن هناك مجالا لمزيد من التوضيح والتعليل.
فالأمر الأول أن المراد بقوله ﴿فتحا مبينا﴾ هو فتح مكة خطأ ففد أخرج الشيخان والترمذي عن أنس أن قوله تعالى ﴿إنا فتحنا لك﴾ نزل عقب صلح الحديبية، فإن صحابة الرسول (ص) قد أحزنهم أن قريشا منعوا النبي (ص) وأصحابه من التقدم بعد الحديبية، فلم يتيسر لهم طواف الكعبة، ولم يبلغ الهدى محله، بل إنهم نحروا الهدي في ذلك المكان وأحلوا.
وهنا انتاب المسلمين شعور الفشل، ولم يقدر كثير منهم الأهمية القانونية والأخلاقية للعهد الذي أبرم بين الفريقين في هذا المكان، فأظهر الله تعالى في القرآن الكريم هذه الأهمية، وأوضح الفوائد والبركات المترتبة على عقد هذا الصلح.
فقد أخرج البخاري في باب عمرة الحديبية عن البراء قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية.
وقد اتضح بهذه الرواية أن الفتح المبين هو صلح الحديبية وبيعة الرضوان، وهنا نسوق فقرات معاهدة الحديبية بعد الجمع بين الروايات العديدة: «هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو:
١ - على أن يخلى بيننا وبين البيت فنطوف به من العام المقبل.
٢ - ولا يدخل مكة بالسلاح إلا السيف في القراب، يخلون له مكة ثلاثة أيام.
٣ - ولا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع من أصحابه أحدا إن أراد أن يقيم بها.
٤ - وعلى أن من جاء قريشا من المسلمين لم يردوه إلى المسلمين.
٥ - ومن جاء المسلمين من قريش يردوه إلى قريش.
٦ - وعلى أن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن دخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.
٧ - وعلى أن الحرب توضع بينهم عشر سنين.
٨ - وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة في صدور سليمة.
[ ٦٢٩ ]
وهذه المعاهدة لو رآها سياسي في العالم لعرف أن المسلمين كانوا قد صالحوا بتنازل كبير أو على شروط مجحفة، ولكن هادي الإسلام جعل هذا الصلح فتحا مباركا، ووصفه القرآن الكريم بأنه فتح مبين، وذلك:
الف - لأن قريشا، وهم أعداء المسلمين الحاقدون، وعدوا بالسكوت وعدم المحاربة لعشر سنوات.
ب - وأن الفتح قد أتاح فرصة التنقل الحر للفريقين.
ج - وتمكن المسلمون من نشر الدعوة في قبائل الكفار، ومتى فهم الناس حقيقة الإسلام زالت الشكوك الكاذبة، وبطلت الظنون الخاطئة.
ولفظ «الفتح» يطلق على الانتصار في الحرب، وعلى حل المشكلات، وقد كان هذا بالنسبة للإسلام فتحا مبينا فقد أزيلت العقبات من طريق الدعوة الإسلامية. والآن ننظر إلى كلمة «الذنب» الواردة في آية العنوان:
ألف - أنها تطلق على المعصية، والمعصية تطلق على مخالفة الأحكام الشرعية.
ب - وتأتي بمعنى الإتمام، أي إتمام بالخروج على أحكام وطنية أو حكومية أو قومية، وإذا نظرنا إلى كلمة «الذنب» (بالفتحتين) بمعنى الذيل لعرفنا معنى «الذنب» (بفتح وسكون) أي التهمة التي ألصقت وراء أحد. والذنوب (بفتح الأول)، وهو الدلو الذي ربط في طرف الحبل، وهذا أيضا يرشد إلى المعنى اللغوي، ولذا لا يجب أن يفسر الذنب في الآية بالمعصية، ثم يظن أن هناك معصية ارتكبها النبي (ص). اسمعوا للقرآن يقول على لسان موسى: ﴿ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون﴾ (١).
فمن الواضح أن موسى ﵇ لم يرتكب معصية شرعية لدى فرعون وقومه، ولذا يصح أن نترجمها بالتهمة، وهناك فرق كبير بين التهمة والجريمة، فإن لفظ «التهمة» يطلق على الجريمة التي يعتقد المدعى أنها صدرت من شخص بمخالفة حكم القانون أو الدولة. والجريمة تطلق على فعل الشخص بعد ثبوت مخالفته للدولة أو القانون.
_________________
(١) سورة الشعراء: ١٤
[ ٦٣٠ ]
فأتباع فرعون كانوا ألصقوا بموسى تهمة القتل العمد، وكان عقاب ذلك بعد ثبوته القتل قصاصا. وكان موسى يفهم نظرة أتباع فرعون، ويعلم أنهم لا يراعون بفكرهم العادي شرط النية، ولا يفهمون أن اللطمة الواحدة لا تؤدي عادة إلى الهلاك، أو يغلب على ظن اللاطم كونها مؤدية إلى الهلاك علما أو احتمالا، ولو ضمت هذه النقاط القانونية الضرورية إلى إتمام موسى لكانت تهمة القتل الموجهة إلى موسى أقل مما هو مذكور في البند رقم (٣٢٣) في القانون الجنائي للهند، أي مثل الفعل التأديبي فيما يتعلق بحسن النية وهكذا لا تكون هناك جريمة من وجهة نظر القانون.
ج - ورد في الحديث: (إذا تصافحا لم يبق بينهما ذنب) (١).
قال صاحب مجمع البحار (٢) مبينا معنى الذنب هنا: أي غل وشحناء، فالذنب هنا بمعنى الحقد وضيق الصدر.
د - ورد في آية أخرى من القرآن:
﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين﴾ (٣) فذكر ههنا ذنب واحد للنبي (ص) وللمؤمنين.
وبالنظر إلى الأمور المذكورة أرى أن معنى الذنب في الآية إلصاق التهمة من القوم، والمراد بما تقدم زمن ما قبل الهجرة، وبما تأخر زمن ما بعد الهجرة.
ويعلم علماء السيرة أن التهم التي وجهت إلى النبي (ص) من الكفار قبل الهجرة كانت مختلفة عن تلك التي وجهت إليه بعد الهجرة.
ما اتهم به قبل الهجرة: أنه كاهن، وشاعر، ومجنون، وساحر، وأنه يختلق الأساطير بعد سماعها من الناس، وأنه يأتيه أحد من غير قومه فيدرسه، وغيرها كثير.
ما اتهم به بعد الهجرة: إنه يفرق بين القوم، ويخرب مكة، ويفرق بين أخ وأخ، وبين الأم وولدها، ويهدد تجارتنا ويشتت شمل أمتنا وغيرها كثير.
تهم موجهة إلى المؤمنين: وكانوا يتهمون المؤمنين بأنهم سفهاء، بادي الرأي، أراذل، عبيد لا يلتفت إليهم، وإلى ذلك تشير الآية الكريمة: ﴿تزدري أعينكم﴾ (٤)
_________________
(١) مشكاة المصايح تحقيق الألباني (٤٦٩٤).
(٢) مجمع البحار (١/ ٤٤٦).
(٣) سورة محمد: ١٩.
(٤) سورة هود: ٣١.
[ ٦٣١ ]
وأنهم لو لم يجدوا الأمل لتخلوا عن محمد (ص) كما أشارت الآية الكريمة: ﴿لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى يفضوا﴾ (١) وكان عروة بن مسعود وجه نفس التهمة إلى المسلمين حينما جاء إلى النبي سفيرا لقريش، فقال: إنهم مخلوك. فكان رد أبو بكر عليه ردا مفحما مخزيا.
وعلى ما قلنا يكون معنى الآية أن أول ثمرة طيبة للفتح المبين بالحديبية أن التهم السابقة واللاحقة كلها تذهب وتنتهي بالتقاء المسلمين والكفار فيما بينهم، كأنها دفنت في التراب، وهذا هو المعنى اللغوي لكلمة «غفر» ويتجلى صدق الرسول (ص) وينفتح البصر وتضيئ البصيرة، والكفار أنفسهم يعترفون نادمين بتفاهتهم وسفاهتهم. والتاريخ يشهد على أن هذه النتائج قد تحققت في فترة وجيزة بالصلح.
والبشارة الثانية في قوله تعالى: ﴿ويتم نعمته عليك﴾ (٢) أي الثمرة الثانية لصلح الحديبية إتمام النعمة. وهذه الآية التي نزلت سنة ست من الهجرة، تضمنت الوعد بإتمام النعمة. والآية الكريمة ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ (٣) نزلت في التاسع من ذي الحجة عام ١٠ هجرية، أخبرت بإيفاء ذلك الوعد. ويدخل في إتمام النعمة إتمام نشر الدين وكمال تبليغه وظهور ثمار هذا التبليغ. والتاريخ يشهد أن دعوة الدين التي توقفت في قريش وحلفائهم، قد عادت إلى مجراها، وبدأ الناس يفهمون الإسلام بزوال الموانع، ثم يدخلون فيه أفواجا.
والبشارة الثالثة في قوله تعالى: ﴿ويهديك صراطا مستقيما﴾ (٤) وهي الثمرة الثالثة للصلح. فقد كان أعداء الإسلام يصدون الناس عن هذا الصراط، ويحرمونهم الهداية الربانية، وبالصلح زال هذا الصد وتبين الصراط، فسنحت للنبي (ص) فرصة دعوة الناس إلى طريق الحق، والوصول بهم إلى الغاية السامية.
والبشارة الرابعة قوله تعالى: ﴿وينصرك الله نصرا عزيزا﴾ (٥) وهي النتيجة الرابعة الميمونة للصلح. أي تتحقق النصرة الإلهية بالقوة الكاملة والغلبة الواضحة، وتنشأ
_________________
(١) سورة المنافقون: ٧.
(٢) سورة الفتح: ٢.
(٣) سورة المائدة: ٣.
(٤) سورة الفتح: ٢.
(٥) سورة الفتح: ٣.
[ ٦٣٢ ]
الجاذبية في القلوب، والذوق في الأرواح، وتقبل ألوف مؤلفة من الناس على الحق والصدق، حتى يرى الناس قول الله تعالى: ﴿يدخلون في دين الله أفواجا﴾ (١) واقعا متجسدا.
وقد ذكرت الآية التالية النصرة الإلهية:
﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾ (٢).
نعم من معجزات النصر الإلهي أن يكون النبي (ص) والصديق في الغار، والكفار واقفون على مدخله بحيث لو نظروا إلى موضع أرجلهم لرأوا ما في الغار، ولكن النصر الرباني كان يعمل عمله، فعمى الناس وهم مبصرون. ولم يكن الوصول إلى المدينة بعد الخروج من الغار سهلا، لأن قريشا كانوا أعلنوا عن جائزة لمن يأسر النبي (ص)، وكان عبدة الأصنام يتحرقون شوقا للانتقام، وهكذا كان الطريق إلى مكة محفوفا بالمخاطر والمهالك. إن طريقا طوله حوالي خمسمائة كيلومترا كان فيه مئات من أعداء الدين يصدون ويمنعون، ومع ذلك سار النبي (ص) وأبو بكر سالمين بنصر الله تعالى. وقد خاب وفشل رئيس بتي مدلج من بني كنانة في تعقبهما، وتعقبهما بريدة الأسلمي فأصبح من خدام رسول الله، وقد بشر أهل المدينة بقدوم النبي (ص) أحد اليهود، فيفوز أهل المدينة بالكمال بسبب هذه النعمة الإلهية، ويزداد أتباع الصراط المستقيم يوما بعد يوم، فتعشوا أبصار اليهود من المشهد الذي أخبر عنه حبقوق النبي. (٣)
وبعد ست سنوات أرادت القدرة الربانية والنصرة الإلهية إبراز نتائج صلح الحديبية في جنوب المدينة أي في أم القرى وما حولها.
ويبدو من التفكر في هذه الآيات أن الفتح المبين وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصرة والعزة، كل ذلك يعني في سيرة الرسول الطاهرة دائما إزالة عراقيل الدعوة والقضاء على موانع التبليغ مما ينتج عنه إعلاء كلمة الحق وظهور الصدق وبروز الحقيقة. ولا شك أن هذه الوعود والبشارات تحققت في حياة الرسول (ص) الطيبة من الله تعالى. وعلى هذا فإن الآية الكريمة المزينة للعنوان، مظهر كامل لرفعة شأن النبي (ص)
_________________
(١) سورة النصر: ٢.
(٢) سورة التوبة: ٤٠.
(٣) جاء في صحيفة حبقوق (٣: ٣) إن الله جاء من التيمان والقدوس من جبل فاران.
[ ٦٣٣ ]
ومنصبه العظيم، وهي برهان على ما له من خصائص ينفرد بها عن غيره من الأنبياء والرسل.
ولا يعني كلامنا هذا أن هناك ناحية سلبية لكون النبي (ص) مغفور الذنب، كلا ثم كلا، إن هذا الكلام توضيح مزيد لمدح الرسول (ص). فما معنى عصمة الأنبياء إذا لم يكن الرسول (ص) مغفور الذنب، الرسول الذي جعله الله قدوة للعالمين بقوله: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ إني أؤمن بأن الرسول (ص) هو صاحب المقام المحمود، وهو صاحب الوسيلة وشفيع المذنبين، وله وحده الشفاعة الكبرى، وقوله:
«آدم ومن دونه تحت لوائي، ولواء الحمد بيدي» (١). مرآة لكماله (ص).
فآية العنوان تفيد العصمة الكاملة وتدل على منصب الشفاعة الكبرى للنبي (ص)، وكذلك تفيد إزالة التهم التي ألصقت بالنبي (ص) في حياته المباركة، وأن الشروط التي فرضها العدو الماكر وقت المعاهدة لتحقيق سيادته ولمنع انتشار الإسلام صارت مثل بيت العنكبوت، بل بالعكس دعمت موقف الإسلام واللمين والمسلمين في نشر الدين.
كانت قرش تعتقد أن المسلمين الجدد حينما يصبحون بحكم المعاهدة متهمين أجانب فإن أحدا لن يدخل في الإسلام خوفا من بطش قريش واضطهادهم، كما أن الفرصة ستسنح للمرتدين عن الإسلام للالتجاء إلى قريش والتمتع بالحقوق المدنية دون أن يلحق المسلمون بهم أذى، وهكذا يرتد عشرات من المسلمين عن الإسلام، ولكن خابت هذه الظنون فكان انتشار الإسلام مخيبا لجميع حيلهم، وجعل الله العليم الحكيم نفس هذه المعاهدة فتحا مبينا ونصرا عزيزا.
إن قصار النظر ما كانوا يتصورون أن من خرجا في ظلام الليل من بيتهما واختفيا في الغار هما الشمس والقمر في سماء روحانية العالم كله. ولاشك أن ظلمة الشرك والجهل تبددت بروحانية النبي (ص)، ووصل نور التوحيد إلى كل بيت، وبطل ادعاء النبوة الكاذبة للأسود العنسي ومسيلمة وسجاح بروحانية خليفة الرسول أبي بكر، واستأصلت جذور الضلالة والزيغ.
وهكذا تماما لم يدرك قصار العقل من قريش وقت المعاهدة أن المسلمين الذين كانوا
_________________
(١) مسند أحمد ١/ ٢٨١، الترمذي (٣٦١٥)، ابن ماجة (٤٣٠٨).
[ ٦٣٤ ]
يحبسونهم لأنهم أجرموا بقبولهم الإسلام سوف يتحولون وهم في محبسهم إلى دعاة للإسلام وسوف يتمكنون من إدخال العشرات في الإسلام أيضا.
فعلى الذين يوجهون إلى الإسلام التهمة الكاذبة القائلة بأنه انتشر بالسيف أن يفكروا في هذه المعاهدة، فرغم أن قريشا تعهدت بحماية المرتدين عن الإسلام وتوفير متطلبات الحياة لهم، إلا أن أحدا لم يقبل هذه الحماية ويرتد عن الإسلام. وبإيجاز فإن آية العنوان تبرز خصائص النبوة (ص) واضحة جلية.
ولعل هذا القدر يكفي في هذا المقام، وصلى الله تعالى على نبيه وحبيبه وآله وأزواجه وذرياته وبارك وسلم.
الخاصية الثالثة عشرة
﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ (١)
هذه الآية من سورة الأنفال، وقد روى سعيد بن جبير عن حبر الأمة ابن عباس: أن سورة الأنفال نزلت ببدر (٢)، وهكذا ثبت أن الحادث الذي تشير إليه هذه الآية من أحداث غزوة بدر.
وقد اتقق أهل السير والمغازي على أن النبي (ص) لما رأى جيش قريش قال (٣): «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسلك، اللهم فنصرك الذي وعدتني» فأتاه جبريل وقال: خذ قبضة من التراب فارم بها في وجوههم ثم انظر ماذا يفعل الله تعالى، فأخذ النبي (ص) قبضة من تراب فرمى بها وجوههم، وكان في هذا الجيش نحو من ألف بلغ بهم الكبر والفخر حدا ليس له نهاية، وقد وصل هذا التراب إلى عيون الجميع، وكشف لهؤلاء الذين عميت قلوبهم أن الذين يتعامون عن منزلة الرسول (ص) وشأنه يجدر بهم أن تعشو أبصارهم وتكتحل عيونهم بتراب قدم الرسول الكريم (ص).
_________________
(١) سورة الأنفال: ١٧.
(٢) من الصحيحين.
(٣) لباب التأويل (٣/ ١٥)، الطبري (٢٧٧/ ٢).
[ ٦٣٥ ]
وكان غريبا أن تعمي حفنة من التراب عيون ألف من عميان القلب، ولذا كشف القرآن الكريم هذا السر فقال إن القدرة الإلهية لعبت دورها في ذلك، وقد حيرت أفعال هذه القدرة العقل الإنساني دائما وستبقى هكذا.
وقد رأى البعض أن النفي في قوله «ما رميت» والإثبات في قوله «إذ رميت» والنتيجة في قوله «ولكن الله رمى» كل ذلك يوحي باتحاد الذات والحلول، ولذا رأوا أن هذه الآية تكشف النقاب عن وجه الحقيقة المحمدية، ولكن مثل هذا الفهم مجرد زعم واغترار.
ويقال في حقائق هذه الآية أن واقعة الرمي كانت غريبة نادرة في عيون الأعداء أيضا، وبالنظر إلى خلق النبي (ص) الكريم وعفوه وحلمه ورأفته بأمته، فإنه (ص) لم يكن يجزي السيئة بالسيئة أبدا، ولم تكن يده الكريمة تمتد إلى أحد بالسوء والضر، وقد سمعه الناس بمكة ورأوه نحو ثلاث عشرة سنة لم تصدر عنه كلمة أف، ولم يكن يحرك لسانه فضلا عن يديه، فكيف بمحمد قد تغيرت عادته؟ هل تغيرت فطرته؟ وهل تبقى أخلاق محمد أسوة للناس بعد ذلك؟
إن رب العالمين لم يرض أن يقال مثل هذا الكلام، ولو رمزا في حبيبه محمد (ص)، ولذا أسرع بالرد والنفي فقال «وما رميت»، وبذلك أوضح أن خلق محمد (ص) هو هو كما عرفته الدنيا، إذ ليس له علاقة بهذا الفعل، لا بذاته ولا بإرادته ونيته، بل النبي (ص) قد فعل امتثالا لأمر الله تماما كما يحدث للقوس في يد الرامي، فلا تتكلموا بكلمة في ذات رسول الله (ص)، بل تصوروا هذا الفعل واحدا من مظاهر جلال الله ﵎.
وإثبات الفعل في قوله «إذ رميت» من نفس الجهة التي أثبت فيها الرمي للقوس والنفي في قوله «وما رميت» حقيقته مثل الرامي بالنسبة إلى القوس. فالمحل الأصلي للآية هو الذب عن الرسول (ص)، ودرس للمسلمين بأنه يجب عليهم أيضا الرد على مطاعن الأعداء التي توجه إلى ذات النبي (ص) نتيجة قصور نظرهم وسطحيتهم فمن يقول بصحة الاتحاد والحلول بالنسبة للقوس والرامي وللبندقية ومطلقها؟!!!
نعم إن الآية تبين حقيقة أخرى أيضا، اقرأوا في نفس سورة الأنفال ما طلبه كفار مكة من الله تعالى، ﴿اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء﴾ (١).
_________________
(١) الأنفال: ٣٢.
[ ٦٣٦ ]
انظروا كيف ذهب عقلهم هنا، إنهم دعوا بأمطار الحجارة، ولم يدعوا بأن يفتح الله قلوبهم ويحملهم على قبول الحق إن كان محمد صادقا ودعوته حقة.
وبعد الدعاء وجب إمطار الحجارة عليهم، لأنهم قد جعلوه شرطا لصدق الإسلام، فأمر الرسول (ص) برمي حفنة من التراب عليهم، وحينما تصل إلى عيونهم فإنها تتفتح فيعرفون حينئذ أن أمطار الحجارة من السماء أيضا ليس ببعيد. فالرمي معجزة وكذلك دليل على ما طالب به الجاحدون أنفسهم، وينبغي التذكر ضمن التصريح المذكور أن قصد الرامي من رمي الحجارة إعلان البراءة منهم أيضا، أي من الأشرار الذين ابتعدوا عن الحق والصدق بخبثهم الدفين، بحيث لا يرجى منهم رشادا ولا هداية.
ورمي سيدنا إبراهيم في منى الشيطان المضل، ثم الاستعداد لتنفيذ الحكم الإلهي بكمال الرضى والرغبة كان على ذلك الأصل. وقد اتبع النبي (ص) نفس النمونج في بدر. إن سيدنا إبراهيم كان قد نجح في تخييب نفس شريرة. وفخر الأنبياء محمد (ص) قد رمى حفتة من التراب نحو ألف من الطغاة البغاة فخيب آمالهم وعزائمهم.
وهكذا فآية العنوان مظهر خاصية معيتة من خصائص النبي (ص).
[ ٦٣٧ ]
الفصل الثاني
الخاصية الرابعة عشرة
﴿يتلو عليهم آياته﴾ (١)
لما أسلم عبد الله بن مسعود أراد أن يعمل في خدمة الإسلام وكان يريد أن يعمل عملا صعبا فأخبره الصحابة أن إسماع قريش هذا القرآن أمر صعب. فقال عبد الله: أنا، ثم أتى قريشا وقرأ عليهم القرآن، وعاد بعد فترة وجسمه ملطخ بالدماء وغيرت الجراح معالم وجهه.
وتدل هذه الواقعة على مدى صعوبة تلاوة القرآن على الناس، ولكن النبي (ص) كان مستمرا في هذا العمل ليل نهار، كان يحضر إلى أهل مكة حيث يجتمعون فيتلو عليهم آيات القرآن، ويلقى كل شخص بمفرده فيبلغه الرسالة الإلهية، وكان يقف في كل طريق خارج مكة، ويلقى المارة في ضوء النهار وظلمة الليل، فيتلو عليهم القرآن الكريم ويسمعهم الحكم الإلهي، ولم يترك سوقا شهيرة أو عيدا معروفا من أعياد العرب إلا وذهب إليه فبلغ الدعوة وتلا آيات القرآن ونشر الدين، وتشهد لتلاوته (ص) كل ذرة من ذرات عكاظ، وكل ورقة من أوراق أشجار الطائف.
تفكروا في جرأة تلك الشخصية الفذة وفتوتها ونجدتها وجلادتها فإنه أطلق لسانه في معترك العالم ضد جميع أفراد العالم بل أمم العالم، وأدان الجميع بحق، وكسر زجاج زعمهم بحجر البراهين، ورمى بأوثان الباطل على سندان الحق، لا يخاف الضرب ولا الضرر، بل يفتح قلبه وصدره للرمح والسهم، ولا يمسك لسانه عن إعلان التوحيد، إن نشاطه لا يجمد بجمود الناس، ولا يمكن لطمع المال والحكم أن يصده عن عمله، وهذا التفصيل يوضح مدى صعوبة وخطورة عملية تلاوة الآيات القرآنية، ومن خصائصه (ص) أنه قام بهذا العمل الشاق بأسلوب حسن، فبلغ نداؤه كل غافل وأيقظه من نومه، ثم أيقظ في النهاية الجميع.
ومن يرى اليوم تلاوة القرآن عملا سهلا، عليه أن يدرك أن مسألة تلاوة القرآن
_________________
(١) آل عمران: ١٦٤، الجمعة: ٢.
[ ٦٣٨ ]
الكريم في زمرة المعارضين ليست سهلة اليوم أيضا، وما نراه اليوم من تسهيل في التلاوة هو من بركات تلاوة النبي (ص) وتأثيرها، تلك التلاوة التي تحمل في سبيلها أنواعا من المصائب والنوائب.
وينبغي أن نعرف أن للتلاوة صورتين:
ألف: تلاوة الرجل لنفسه، ولها آدابها، مثل تحسين الصوت وحضور القلب والتفكر في المعاني والتعمق في الحقائق والمعارف.
ب: التلاوة على الآخرين، الآخرين من أعداء الدين، المعارضين للدين، الذين تنبو أسماعهم من الأصغاء له، وتأبى قلوبهم فيهم معانيه، فالمطلوب أن يتلى عليهم القرآن بحيث يتمثل أمامهم الثواب الأبدي، والعذاب الأخروي، والنعم الإلهية والرضوان الرباني، فترتعد أجسامهم وتخفق قلوبهم، وتنفتح عيونهم، وتتوقف طبائعهم عن أطوارها السابقة. إن هذا العمل كان من شأن النبي (ص) دون شك، والقرآن يشهد أنه (ص) قام به خير قيام، ولذا صار هذا الطريق من خصائصه (ص).
الخاصية الخامسة عشرة
﴿ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ (١)
الخطاب في الآية موجه إلى العالمين جميعا، والآية تبين شأن النبي (ص) فهو يعلم الدنيا كلها العلوم التي تجهلها.
أما المسيح صادق اللهجة فقد سبر استعداد المخاطبين وأهلية المستمعين فأعلن:
«إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذلك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق» (٢).
وقول المسيح يدل على أن القدر الذي علمه قومه كان أقل من التعليم الذي بقى، وتدل هذه الفقرة على أن هذه القلة لم تكن بسبب نقص في المسيح، بل سببه أن المستمعين
_________________
(١) البقرة: ١٥١.
(٢) إنجيل يوحنا (١٦/ ١٢ - ١٣). الطبعة العربية اكسفورد ١٨٧١ م.
[ ٦٣٩ ]
كانوا في حالة بدائية لا تناسب التعليم الأعلى. ومثال ذلك أستاذ حاصل على الماجستير يقوم بتدريس طلاب الابتدائية، فلا يلقى إليهم كثيرا من المسائل العلمية لنقص فهمهم، فالواقع أن قدرا صالحا من تعليم المسيح، الأستاذ الصالح، لم يحصل للعالمين في ذلك الوقت.
والآن نتساءل: هل أتم أحد هذا النقص في الدين النصراني في أي عصر من العصرر؟.
وقد اتفق أن اتصلنا بعلماء النصارى بهذا الصدد، فقالوا: إنه قد أكمل هذا النقص يوم الخمسين الذي ورد ذكره في الأصحاح الثاني من سفر الأعمال (١). ويفهم من عبارته أن هذا الحادث وقع بعد رفع المسيح بخمسين يوما، أي في نفس العام الأول. وذكر معنى يوم الخمسين في كتاب الأحبار «الكتاب الثالث لموسى» في الباب الثالث والعشرين، بأنه تقديم قربان النذر أيام عيد الفصح.
نعم، يظهر بكتاب الأعمال (٢)، أن حواري المسح الاثنى عشر كانوا اجتمعوا ذلك اليوم، فسمعوا صوتا قويا، ورأى التلاميذ ألسنة النار على حدتهم فجلسوا عليها جميعا، وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى، فلما صار هذا الصوت اجتمع الجمهور وتحيروا وارتابوا قائلين بعضهم لبعض ما عسى أن يكون هذا، وكان آخرون يستهزؤون قائلين إنهم قد امتلأوا سلافة، فوقف بطرس ورفع صوته وقال لهم: إن هؤلاء ليسوا سكارى، بل هذا ما قيل يوئيل النبي: يقول الله: ويكون في الأيام الأخيرة أني أسكب من روحي على كل بشر وبعد خطاب بطرس انضم إليه نحو ثلاثة آلاف نفس.
وما وقع يوم الخمسين لا داعي للشك فيه، بل ينبغي أن نتأمله ونفكر فيه، والسؤال هنا متى تحقق تنبؤ المسيح عن إتمام ما بقى من تعليم الصدق؟ إن بطرس كان قد قال يوم الخمسين حينما كان ممتلئا بروح القدس: إن هذه الحالة هي التي ذكرت على لسان يوئيل النبي.
وهنا يأتي دور العدالة، يصرح بطرس مع روح القدس بأن تنبؤ النبي يوئيل تحقق،
_________________
(١) أعمال الرسل (١/ ٢).
(٢) أعمال الرسل (٢/ ٢ - ٤١) ملخصا.
[ ٦٤٠ ]
والقساوسة يقولون أن تنبؤ المسيح تحقق، فهل نصدق القساوسة في قولهم هذا، ونكذب بطرس؟
أقول: لا ثم لا، والحاصل أن تنبؤ المسيح لم يتحقق يوم الخمسين. ولا يسع علماء النصارى أن يذكروا يوما آخر سوى ذلك اليوم لتحقق تنبؤ المسيح.
وخلاصة الدليل كله أن النصارى لم يتلقوا الكثير مما بقى من تعليم الصدق، وآية العنوان توضح أن محمدا (ص) هو الذي قام بتعليم العالمين ما لم يكونوا يعلمون.
وصحة هذا الدليل تتجلى بشهادة ضمنية أيضا هي قول المسيح: إن روح القدس يعلم ذلك الصدق الكامل الذي لم يستطعه المسح. ولكن لم يتم يوم الخميس تعليم أمر جديد واحد، بل قال بطرس إن ذلك الحادث تنبؤ النبي يوئيل، أو ذكر حادث صلب المسيح، ولكن لم يتم أيضا تعليم شيء ما.
وفي مثل هذه الحالات ثبت ما برهنا عليه من أن النصارى كانوا في حاجة لتعلم الكثير، أما اليهود الذين جلسوا في مجلس موسى معتدين بأنهم أهل الكتاب، ومفتخرين بفهمه، فقد خاطبهم القرآن الكريم: ﴿وما أويتم من العلم إلا قليلا﴾ (١). ولما ثبتت قلة علم الطائفتين من أهل الكتاب بشهادة المسيح وبإعلان القرآن الكريم وجب أن تلقن الدنيا مرة تعليما كاملا، وحان ذلك الوقت في عهد النبي (ص) الميمون لإتمام النقص الذي دل عليه قوله تعالى ﴿مالم تكونوا تعلمون﴾.
ولما تبين النقص في أهل الكتاب فإن الأقوام الأخرى بالضرورة كانت أقل علما منهم، فالخطاب في الآية للعالمين جميعا، ومنزلة النبي (ص) هي أن يعلم الجميع ما جعله العالم إلى الآن.
ومما يحتاج إلى الشرح في تنبؤ المسيح أنه ورد فيه اسم روح الحق، ولم يرد هذا الاسم في غير هذا الموضع من الأناجيل الأربعة، بل ورد في المواضع الأخرى اسم روح
القدس، واستعمل بطرس كلمة «روح القدس» حين ذكر يوم الخمسين أيضا، وهذا الفرق يدل دلالة واضحة على أن «روح القدس» شيء، و«روح الحق» شيء آخر. وادعاء
_________________
(١) الإسراء: ٨٥.
[ ٦٤١ ]
الأساقفة بأن روح القدس جزء ثالث في التثليث لا اعتداد به، لأن روح القدس لم يلقن أي نصراني تعليما جديدا، ولم يدع عالم نصراني أنه تلقى تعليم الصدق المتبقى الذي تركه المسيح ناقصا.
ووضحت آية العنوان أن شرف تعليم العالمين كان من نصيب سيد الكون محمد (ص)، وهو من خصائصه المميزة.
وللقراء أن يتساءلوا: ما هي الأمور الكثيرة التي لم تتوفر في تعليم المسيح، بل تخلوا منها أسفار اليهود أيضا؟
والإجابة على هذا السؤال يجدها القراء في مبحث «خصائص القرآن» فليراجعوه بروية.
ويجب هنا التنبية على أنه قد ثبت من القرآن أيضا أن هناك بعض الصلحاء الآخرين قد أعطاهم الله تعالى من لدنه علما، فأمكن أن يتم أحد منهم هذا النقص.
والجواب أن عصر أولئك الصلحاء كان قبل المسيح بفترة طويلة، فلا يمكن أن يكونوا مكملين لتعاليم المسيح.
فالنبي (ص) هو زينة منبر العلوم الذي جلس على الأرض وأفاد الملائكة والجن والإنس بالعلوم التي جعلتهم نجوم سماء المعرفة تضيء العالم وأهله.
وهناك فرق بين بين صحابة النبي (ص) وبين تلامذة المسيح ﵇، فعدد حواري المسيح اثنا عشر حواريا، ولكن الذين قاموا بتبليغ دعوته اثنان أو ثلاثة فقط، وعملهم لم يتجاوز نشر أحوال حياة المسيح.
ولكن الجماعة التي أعدها النبي (ص) شملت أناسا كاملين من جميع نواحي الكمال، فنرى أن أبا بكر وعمر اختصا بتعليم السياسة والحكم، واختص أبو عبيدة وخالد بفتح البلدان وقيادة الجيش، ومعاذ وأبو الدرداء ببيان الدين والحكمة، وسلمان وأبو ذر بالزهد والقناعة، وعلي المرتضى وابن مسعود بالحقائق العلمية، وعثمان وابن عوف بتربية اليتامى وإعانة الأيامى، وزيد بن ثابت وأبي بن كعب بالفرائض الإلهية فرضي الله عنهم أجمعين.
وقد ذكرنا هذه الأسماء على سبيل المثال لا حصر ولتقريب الفكرة لأذهان القراء.
[ ٦٤٢ ]
وإلا فكل صحابي في ذلك الجناب المقدس كان سحابة رحمة لمزرعة العلوم.
فحينما نرى أن مرويات عائشة بلغت (٢٢١٠) رواية، ومثلها مرويات ابن عمر، وأنس بن مالك وأن مرويات أبي هريرة بلغت (٥٣٧٤) رواية، وغيرهم من الصحابة المكثرين مثل: ابن عباس وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري ﵃، تيقنا أن كل طالب في هذه المدرسة المحمدية الميمونة يستأهل أن يكون معلما للعالمين.
ولا يغيىبن عن البال أن هؤلاء الصلحاء من العرب وصفوا بأنهم ﴿أميون لا يعلمون الكتاب﴾ (١) لكن تربية النبي (ص) جعلتهم يحتلون مكانة عليا في مجال العلوم والمعرفة، حتى أن أتباعهم الذين ورد فيه ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ (٢) زينوا مجلس التدريس؛ فالحق أن جود النبي (ص) وعطاءه قد عمم العلم وبلغ به ذروة الكمال.
وكان أتباعه هم الذين أنشأوا مئات من المدارس والكتاتيب في أسبانيا وغرناطة وبغداد وصقلية وتونس والجزائر والتركستان والصين وبلاد التتار، تلك التي كان يتلقى فيها الدراسة المسلم وغير المسلم دون تفرقة، ولذا تعترف أوربا دون أدنى إنكار بأن هذه البلاد الإسلامية لها دور الأستاذ والمعلم.
ولو قارنا بين موقف الأساقفة من العلوم الجديدة ومعارضتهم لها، وبين موقف المسلمين من العلوم القديمة ونشرها بصدور مفتوحة، ثم استمرارهم في تأسيس العلوم الجديدة ودعمها وتأييدها لتبين لنا بوضوح أن المسلمين فقط هم الذين قاموا بنشر العلوم في العالم منذ البداية، وكان دأبهم هذا تمسكا بتوجيهات النبي (ص) الكريم (ص)، وهكذا صارت أعمال أتباع محمد (ص) أيضا بيانا لسنن هديه وبرهانا لأسوته الحسنة، وهذه خاصية توجد بكمالها في النبي (ص) وحده.
وإتماما لهذا الحديث أذكر بإيجاز ضيق نظر النصارى في نشر العلوم الحديثة وسعة نظر المسلمين في نفس المجال.
أبدى (دي رومانس) نظريته في «قوس قزح» قائلا بأنه انعكاس أشعة الشمس في المطر، ومن الخطأ أن نظنه قوس حرب للرب أو علامة انتقام منه، بسبب هذه النظرية ألقى
_________________
(١) البقرة: ٧٨.
(٢) الجمعة: ٣.
[ ٦٤٣ ]
القبض عليه، وأرسل إلى روما ولما مات في السجن أحرقت جثته وكتبه. والأمر الذي صدر في إحراق جثته كان يتضمن التصريح بأن إحراقه جاء نتيجة جهوده أيضا للمصالحة بين الكنيسة الرومانية والكنيسة البريطانية، فكأن الساعي إلى الصلح يستحق هذا المصير في نظرهم!
وحبس «برونو» طويلا في عام ١٦٠٠ م ثم أحرق حيا لمجرد قوله في الدنيا: إنها عالم الأسباب أو كأن قوله يشير إلى فكرة وحدة الوجود.
إن كروية الأرض اكتشفت في عصر الخلافة العباسية، ولكن لم يحرك هذا الاكتشاف ساكنا في أوساط المسلمين، وحين وصلت نفس هذه المسألة إلى أوربا قامت قيامتها، وقتل عشرات من الفلاسفة الذين قالوا بكروية الأرض.
والتطعيم ضد الجدري كان معروفا في القسطنطينية منذ مدة، وفي عام ١٧٢١ م ذهبت به السيدة (ماري مونتا) إلى أوربا، فعارضه الأساقفة أشد المعارضة، حتى رفع طلب إلى الملك بأن يحظر استخدامه بحكم سلطته الملكية.
ولما عرف أهل أمريكا طريقة تخدير المرأة وقت الولادة عارضها جميع الأساقفة، وقالوا: توفير الراحة للمرأة وقت الولادة معارضة للعنة الله [التي توجد في الباب الثالث من كتاب التكوين] لذات المرأة!.
وقد أحرق الكاردينال اكسيمنس ثمانية آلاف كتاب في غرناطة لأن محتواها كان يتعارض مع رأي الكنيسة.
وتعتبر حركة البروتستانت حركة إصلاحية متطورة، ويقال عنها إنها منحت الناس حرية العقل والقلب، وإليكم الآن موقف هذه الحركة المتحررة:
أصدر كلفان أمر إحراق السيرفيت لأنه اعتقد في ضوء تحقيقه دخول البدعة في دين المسيح قبل انعقاد «مجلس نيقية»، وبهذا الذنب ألقى في النار الملتهبة التي شوته كالكباب.
وبنفس الذنب أحرق فايتي في مدينة تلوز عام ١٧٢٩ م.
وكان الأسقف لوتير يصف أرسطو بالكذب ويقول إنه خنزير دنس.
أما المسلمون فلم يقصروا في أخذ العلوم لأنها علوم أمم أو بلاد أخرى، ولم
[ ٦٤٤ ]
يتضايقوا من نشرها لأن طلابها ليسوا على دينهم ومن أمتهم. ولإثبات هاتين النقطتين هناك ألوف من الوقائع التي يرويها مؤرخو الإسلام، وقد أورد عشرات منها ديون
بورت، وليودبول، وايدواردكين.
وقد وصل هذا النور إلى المسلمين من المنبع الذي ذكره الله تعالى بقوله: ﴿ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾.
ويعلم القراء باستقراء تاريخ العالم أن اكليل هذه الخاصية يزين رأس صاحب المعراج (ص) وحده.
الخاصية السادسة عشرة
﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ (١)
سبق أن ذكرنا أن الكتاب هو القرآن الكريم، وأن الأحاديث تندرج تحت تعليم الكتاب، ولذا يتحتم ذكر تعليم الحكمة تحت هذه الخاصية، يقول تعالى: ﴿ومن يؤت الحكمة ففد أوتي خيرا كثيرا﴾ (٢). وتوضح هذه الآية أن الحكمة اسم للفضائل المحمودة والمحاسن الكثيرة، وقد ورد إطلاق لفظ الحكمة منفصلا عن منصب النبوة، يقول تعالى:
﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة﴾ (٣).
والجدير بالتأمل هنا ما عبر عنه بالحكمة بعد ذكر الكتاب وتعليم الكتاب، فمن الواضح أن أحوال الناس مختلفو الأمزجة، تختلف عند العمل بالهداية الواضحة والبيان الراشد، وقد أتم النبي (ص) تعليم الصحابة جل الأمور المعقدة بطريقة عملية:
١ - فقد آخى النبي (ص) بين المهاجرين والأنصار أول قدومه المدينة، ثم عقد معاهدة بين المؤمنين ويهود يثرب، وهكذا ضمهم في اتحاد مدني، وتبدأ هذه المعاهدة هكذا: (٤)
_________________
(١) البقرة: ١٢٩، والجمعة ٢.
(٢) البقرة ٢٦٩.
(٣) لقمان: ١٢.
(٤) سيرة ابن هشام (٣/ ١٤٧).
[ ٦٤٥ ]
أ - هذا كتاب من محمد النبي ﷺ بين المؤمنين المسلمين من قريش
ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة. ب - وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين.
ج - وأن بينهم نصرا على من حارب أهل هذه الصحيفة». والمتأمل إذا تعمق كلمات هذه المعاهدة لأدرك أن هذا الفعل عين الحكمة.
٢ - وقد شعر النبي (ص) بعد وصوله المدينة بضرورة عقد حلف مع القبائل التي كانت تسكن في الطريق بين مكة والمدينة، ومحالفته لبني ضمرة وبني مدلج مظهر لهذه
الحكمة.
٣ - كتب في صلح الحديبية «محمد رسول الله» فاعترض عليه سفير قريش، وأصر على معارضته، وأصر كاتب النبي (ص) على بقاء هذه الكلمة كما هي مثبتة على لوح قلبه، وكاد إصرار الفريقين على موقفهما أن يقضي على العهد. فقال النبي (ص):
«أنا محمد رسول الله، ومحمد بن عبد الله فاكتب محمد بن عبد الله» وبهذه الحكمة انتهى النقاش كله.
٤ - كتب كفار مكة إلى كفار يثرب بأن يبدأوا الحرب مع المهاجرين والأنصار، وإلا هاجم أهل مكة مخاطبيهم وقضوا عليهم، وقد خضع أهل يثرب للتهديد، فبدأوا يستعدون للهجوم على المهاجرين والأنصار، ولما بلغ ذلك النبي (ص) ذهب إلى أهل يثرب وقال (ص): «إنكم لا تفهمون مكيدة أهل مكة، إنهم يريدون قتل أقاربكم ﴿الذين أسلموا﴾ بأيديكم ولو اضطررتم لقتال أهل مكة فإنه قتال مع غيركم».
وأثرت هذه الكلمة الموجزة تأثيرا بديعا، فتلاشى بها خطر الحرب الداخلية التي كادت أن تبدأ بين أهل المدينة، وقد أمنت هذه الحكمة مهجر المسلمين وقضت على جذور الفساد (١).
٥ - هجم أهل الطائف وحنين على المسلمين، فانهزموا عند أوطاس وتحصن جيشهم
_________________
(١) عون المعبود (٢٣٥/ ٨).
[ ٦٤٦ ]
في حصن الطائف، فحاصرهم المسلمون، ولما اشتد الحصار على الكفار بدأوا يهربون بتسلق جدار الحصن، وهنا أمر النبي (ص) برفع الحصار، وقد أثر هذا الموقف الكريم في المحاصرين تأثيرا قويا، فلم تمض شهور إلا أسلم أهل الطائف جميعا (١).
٦ - أراد هرقل الهجوم على العرب، ولم يرض النبي (ص) بأن تصبح الجزيرة العربية مسرحا لجيوش روما، فتقدم (ص) إلى نهاية حدود الجزيرة وأقام هناك. وكان في ذلك من الحكمة إذ كان وصول جميع المعونات إلى الجيش الإسلامي أمرا ميسورا. وقد أثرت هذه الخطوة الجريئة في هرقل تأثيرا كبيرا، فتخلى عن فكرة الهجوم على العرب (٢).
٧ - لما تم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة أخرج منها (٣٦٠) صنما، ولكنه لم يحدث أي تغيير في بناء الكعبة الذي مر عليه خمس سنوات فقط، وكانت قريش قد نقصت من طول هذا.
البناء لقلة المال والعتاد. وقد أبدى النبي (ص) رغبته في أن يكون البناء على قواعد إبراهيم، ولكنه تركه على ما كان عليه لكون الناس حديثي عهد بالإسلام، وذلك أن المساهمين في البناء بالمال والجهد ما زالوا على قيد الحياة، ولا شك أن هدم البناء يشق عليهم، ولذا آثر النبي (ص) البناء الداخلي ولم يهتم ببناية الحجارة واللبنات.
وهذه الأمثلة وأشباهها توضح كيف استمر النبي (ص) في تعليم الحكمة في شئون التمدن والأخلاق والمصالح العامة.
وينبغي أن يعلم أن من تعليم الحكمة أن النبي (ص) جعل أحكام الشريعة مبنية على الحكم والعلل. ثم بين علة هذه الأحكام وحكمتها، وكان ذلك ميزة عجيبة له (ص)، فإن الشرائع السابقة لم تهتم بذلك إلا قليلا، بل جعل العمل بالأحكام أمارة للطاعة، وعصيانها أمارة للعصيان فقط، حتى فهم الناس أن مثل الشريعة مثل سيد أمر عبده بنقل حجر من هنا إلى هناك، فلو نقل العبد الحجر صار مطيعا، ولو لم ينقله صار عاصيا، ومع أن السيد لم يقصد بأمره هذا شيئا، ولم يستفد العبد فائدة بطاعته أو عصيانه.
وكذا ينبغي أن ندرك أن النبي (ص) نظم الشريعة لتكون بمثابة الطب الروحي، فذكر
_________________
(١) سيرة ابن هشام (٤/ ١٢١)، البداية والنهاية (٤/ ٣٥٠).
(٢) انظر عن تبوك البخاري (المغازي) ومسلم الزكاة، والبداية (٥/ ٢).
[ ٦٤٧ ]
الأمراض الروحية التي تلحق أي عضو من أعضاء الإنسان، ثم أرشد إلى علاجها وإلى استخدام الأدوية المفردة والمركبة في هذا العلاج، وحدد الأدوية التي تنفع في صحة القلب والحياة الروحية ونشاط الأعضاء الرئيسة، دواء بعد دواء.
وبعد تكميل النفس يبدأ الدور الثاني لتعليم الحكمة من عند رسول الله (ص) ويتلقى الناس الأحكام المفصلة لتدبير المنزل وتربية العائلة.
وفي الدور الثالث تبدأ دروس سياسة المدن، فبين (ص) واجبات الأمم والبلدان وحقوقها بتفصيل واف.
وقام النبي (ص) بكل هذه المساعي بصفته معلما للحكمة، ولا يسع أهل البصيرة إلا أن يعترفوا بأن أحدا لم يؤد هذه الفريضة أفضل من النبي (ص).
وليعلم أن من أسماء الله الحسنى «الحكيم» ونفس هذا الاسم أطلق على كتاب الله تعالى ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ (١) وهذا الكتاب جعل النبي (ص) معلما للحكمة، ولهذا يعرف علو منزلة الحكمة والعلم والمعرفة، ومن هنا تتضح المكانة العالية للنبي (ص).
وعن تعليم النبي (ص) الحكمة أسوق حديثا في ختام هذا المبحث، وهو يساعد في إدراك المعنى العميق للحديث وسعة تعليم النبي (ص) الحكمة، إذ يقول (ص). «الحكمة ضالة المؤمن، إذا وجدها أخذها» (٢).
الخاصية السابعة عشرة
﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ (٣)
توضح الآية أن الناس كانوا تحت أحمال ثقيلة، وكانت أيديهم وأرجلهم مربوطة بالسلاسل، وتحريرهم من هذه الأغلال والسلاسل والقيود والروابط تم على يد النبي (ص)، وكان ذلك من لوازم نبوته العامة، ونبوته (ص) عامة للعرب والعجم، وقد ورد في دعوته (ص) «كافة للناس» ولهذا يجب لفهم معنى الآية المذكورة الاطلاع على القيود
_________________
(١) يس: ١.
(٢) الترمذي (٣٦٨٧)، ابن ماجة (٤١٦٩) ضعيف جدا.
(٣) الأعراف: ١٥٧.
[ ٦٤٨ ]
والأغلال التي كبلت أمم العالم قبل بعثة النبي (ص)، ونحن نذكر هنا بإيجاز أحوال اليهود والنصارى والعرب، فهذه هي الأمم التي يمكن أن تحتل مكانة من حيث التمدن والحضارة:
١ - العرب: ما كانوا يستحيون من الزنا والفجور، بل يفتخرون بأفعالهم القبيحة ويذيعونها في أشعارهم وكلامهم، وكانوا يتعاطون الخمر والمسكرات الأخرى، ولم يكونوا يندمون على ما يصدر منهم من الأعمال القبيحة في حالة السكر.
كانوا يربون القينات أي الجواري للرقص والغناء، وكسبهن بالزنا كان كسبا طيبا عند أصحابهن، وسبايا الحرب يتحولن عندهم إلى قينات، ولم يكن للمرأة أن تحلب ماشية، ولو فعلت امرأة ذلك لهانت الأسرة كلها، والميراث كان خاصا بالرجال البالغين، وكانت النساء والأولاد يحرمون تركة أقاربهم، وقريب الزوج المتوفى يلقى رداءه على الأرملة فتصير زوجة له طوعا أو كرها، وهكذا كان الابن يملك أمه غير الحقيقة، وكانت النساء يخرجن سافرات إلى المجامع العامة، ولم يتحرزن من كشف ما خفي من الجسم لعامة الناس، وكان الرجال والنساء يحفرون الوشم في أجسادهم، والنساء يصلن شعورهن ويتفلجن أسنانهن، ويأخذن طرق الزينة حتى يحسبهن الناس شابات.
وكان الأشراف منهم يئدون بناتهم أو يلقونهم في البئر العميقة، يفتخرون بهذا الصنيع ويرونه أمارة الشرف، ولم تكن هناك قاعدة للزواج ولا طريقة للتفريق بين المحارم وغيرهن من النساء.
وكان الميسر شغلهم الشاغل، وكانت بيوت مشاهيرهم بمثابة دور للقمار، وشاع بينهم الاعتقاد بالأرواح الخبيثة، فكان الناس يؤمنون بأن هذه الأرواح تتصرف في الإنسان، وكانت هناك آلهة خيالية وهمية اخترعوا لها أشكالا وأوثانا منحوتة يعبدونها في معابدهم، وكان لكل قبيلة صنم خاص يرونه مالكا لمصيرهم ولو قام عداء بين قبيلة وأخرى تعدى ذلك إلى الأصنام، وكانت عادة الرهان شائعة بينهم يراهنون بين ثلاثة أو سبعة فرس، وكان الخلاف ينشأ أحيانا في ترتيب الفرس فيؤدي إلى حرب تستمر سنوات.
وكان تحرير العبيد مفخرة، ولكن حق التملك يستمر ثابتا للسيد، فله أن يبيع أو يهب هذا الحق.
[ ٦٤٩ ]
وكانت الأصنام والأرواح تعبد ويسجد لها وتنذر النذور والقرابين، وكانوا يذبحون لها أول نتاج الإبل والبقر والغنم، ويخصصون أحسن قطعة من الأرض الزراعية للأصنام، فلو أتلفت آفة من الأرض أو السماء انتاج هذه القطعة عوضوه بانتاج قطعة أخرى من الأرض وكانوا يشربون دماء المواشي عند الجوع والقحط، ويأكلون لحوم الحيوان بعد قطعها منه وهو حي، ويتطيرون بحركات الحيوان وأصواتهم، ويرقون ويعلقون التمائم وهكذا سيطرت الأوهام على أفكارهم وعقولهم.
وكانوا يحبون الثأر والحقد فيثأرون لما وقع قبل جيل أو جيلين ويرون ذلك شجاعة.
وكانوا يقلدون فواحش وقباح الأمم المجاورة لهم بسرعة. وكانوا يغالون في الفخر بالأنساب، وكانت كل قبيلة تحتقر الأخرى، ويؤدي هذا الاحتقار أحيانا إلى العداء والحرب.
وكانت تقاليد الأسرة مسيطرة عليهم أكثر من الدين والقانون وكانت حرية الرأي تختفي في ظل التقاليد، وكانت القبائل تحالف الأمم المجاورة للقضاء على أعدائها، وتحتال لغزو فارس والروم والأحباش لبلادهم. ومن أشهر أصنامهم:
هبل: وكان طويلا موضوعا على شرفة الجدار الموازي للكعبة، وكانت جميع قبائل العرب تعظمه، وكان أبو سفيان هتف به في غزوة أحد فقال: أعل هبل (١). وقد رأيت عام ١٣٣٩ هـ خارج باب السلام عمودا طويلا من الحجر يدوسه الناس قادمين رائحين، واشتهر بينهم أنه جزء من صنم هبل، ولم يكن في جوانبه الثلاثة تمثال.
وكان من أحفاد شيث ﵇ ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فاتخذ الناس لهم تماثيل، فكان بنو كلب يعبدون ودا، وبنو مدلج سواعا، وبنو مراد يغوث، وبنو همدان يعوق، وبطن من بني همدان نسرا. واللاة: تأنيث الله، ويقال لها ربة أيضا.
ومناة: تأنيث المنان، وكان صنمه على جبل المشلل، وجميع العرب كانت تعترف بألوهية هذين الصنمين، وكانت هذيل ونزال والأوس والخزرج من عباد مناة خاصة.
_________________
(١) البخاري (٤٠٤٣). والبداية والنهاية (٢٤/ ٤).
[ ٦٥٠ ]
والعزى: مؤنث العزيز، وكانت بنو شيبان تعبدها خاصة وتعتقد أن الله يسكن في موضعها في الصيف، وكانت بنو كنانة على نفس الاعتقاد.
ودوار: كان تمثالا لمرأة شابة، وكان الناس يطوفون حوله، وكان أساف بن يعلى ونائلة بنت زيد من جرهم من سكان اليمن، وكانت بينهما علاقة قذرة فارتكبا الفاحشة بعد الوصول إلى مكة المكرمة فعوقبا ووضعت جثتهما دون تدفين نكالا وعبرة، جثة أساف على الصفا وجثة نائلة على المروة، فلما بليت الجثث وصارت رفاتا جعل لهما تمثال عبده الناس بعد مدة (١).
وعبعب: كان حجرا كبيرا في موضع تقديم القرابين.
وعم أنس: إله الزراعة، وكما أن الناس في ولاية أوتار براديش بالهند اختلقوا اسم (خال «الله بخش» فكذلك اخترع اسم هذا الصنم. ومرة قدم في أيام المجاعة لهذا الصنم مائة ثور. وقد ذكر وفد خولان أحواله للنبي (ص) بعد إسلامهم. وذو الكفين: كان صنما من خشب يعبده دوس. ولما أسلم طفيل بن عمرو بن صعصعة أحرقه وجعله رمادا وفلس: كان صنما لطي وأحرق. وسعد: صنم بني ملكان بن كنانة. وذو الشرى: صنم بني حارث بن شكر. وبهم: صنم بني مزنية. وشعير: صنم بني عزة. وذو الخلصة: كان معبود خثم وبجيلة في صورة امرأة متكللة (٢).
والمصائب التي جعلت العرب فريسة لعبادة هذه الأصنام قد عبر الله عنها في الآية بالإصر والأغلال.
وبالتعلم الطاهر للنبي (ص) نجا العرب كلهم من هذه الأغلال والقيود.
والآن نستعرض حالة اليهود:
٢ - اليهود: كان ينبغي أن تقتصر كلمة «اليهود» على القبيلة التي كانت من ولد يهودا ابن يعقوب ﵇، ولكن صار هذا الاسم يطلق الآن على أسباط بني إسرائيل البالغ عددها اثني عشر سبطا، وفيما يلي أسماء ولد إسرائيل (يعقوب ﵇) مرتبة حسب ميلادهم:
_________________
(١) نقلا عن إغاثة اللهفان ص ٣١٠.
(٢) سيرة ابن هشام (١/ ٧٨) وبعدها، البداية (٢/ ١٩٠).
[ ٦٥١ ]
الرقممعناهاسم الأم
١روبينانظر ابناالسيدة لياه
٢شمعونالسمعالسيدة لياه
٣لاويالزوج (لا الفرد) السيدة لياه
٤يهوذاالتحسينالسيدة لياه
٥دانالعادلالسيدة بلها جارية السيدة راحيل
٦نفتاليالمصارعالسيدة بلها جارية السيدة راحيل
٧جادالعسكرالسيدة زلفة جارية السيدة لياه
٨أشيرالحظالسيدة زلفة جارية السيدة لياه
٩إيساخرالأجرة أو الجائزةالسيدة لياه
١٠زيلون (زبرن) الرفيقالسيدة لياه
١١يوسفالمزيدالسيدة راحيل
١٢بن يمين ابن اليد اليمنىالسيدة راحيل
وازداد اليهود كرامة وعزا منذ عهد داود ﵇، وفي عهد ابنه سليمان كان اليهود في أحسن أحوالهم. ولم تمض سنوات على ارتحال سليمان من الدنيا حتى اعتزل ابنه رجعام عشرة أسباط، فلم يبق حكم رجعام إلا على فرقتين، فأطلق على بني رجعام ملوك يهودا، وعلى الفرع الثاني ملوك بني إسرائيل.
وبيت المقدس الذي قبله الله بيتا له صار مهجورا بعد أربعين سنة.
اقرأوا تاريخ اليهود تعرفوا أنه قصة المصائب والمحن. وكانت الوثنية والخيانة بدأت فيهم منذ أواخر عهد سليمان، وقضى بختنصر على الفرعين معا، ومنذ ذلك الوقت امتلاء تاريخهم بالأسر والاضطهاد والنفي والرق. وكانت فلسطين في عهد نيرون (ملك روما) خالية من اليهود تماما، وصدق عليهم قوله تعالى ﴿ملعونين أينما ثقفوا﴾ (الأحزاب: ٦١).
[ ٦٥٢ ]
ولما انتصر قسطنطين صار اليهود حبة بين طبقتي الرحى، لم يكن أحد يعترف ولم يعترف لهم بأي حقوق مدنية في أي بلد.
وكانت حالتهم الدينية سيئة جدا، فقد كذبوا كل نبي من عند الله منذ عهد موسى كليم الله حتى عهد عيسى كلمة الله، ولم يكن بينهم كتاب التوراة، فاعتمدوا في معرفة الحلال والحرام والرضا والسخط على أخبار الأحبار وبيانهم، وقد اجترأ هؤلاء على أكل السحت والميتة وأخذ الربا فبيعت الفتاوى الشرعية، وكانت تفصل في قضايا الثرى والفقير حسب الرشوة.
وقد أكثر الله تعالى من إرسال الرسل والأنبياء إلى هذه الأمة، ولكن اليهود لم يكرموهم ولم يعززوهم، بل لم يتحرجوا من قتلهم أحيانا، وقضت الأوهام على روح الديانة اليهودية، وجعل الزهد المصطنع الشريعة لعنة عليهم، قد وصفهم المسيح ﵇ بالحية وأولادها.
وصمم سيدنا محمد (ص) وضع الإصر والأغلال عن هذه الأمة المخذولة، وأراد أن يمنحهم منزلة كريمة وسط الأمم الأخرى في العالم، وبهذه النية الميمونة عقد النبي (ص) معاهدة عالمية بعد وصوله المدينة، وأكرم بها اليهود بمساواتهم في الحقوق المدنية بالمسلمين.
وكذلك اعتنى بإصلاح حالتهم الدينية، فنجاهم من الفتاوى المصطنعة للأحبار، وعرفهم بالشريعة، وحكم في قضاياهم وفق الأحكام المبينة في التوراة. وكانت هذه الخطوات كلها لإنقاذ هذه الأمة من الإصر والأغلال.
وكانت شريعة موسى أيضا تتضمن أحكاما صارمة، مثل الانتحار من أجل التوبة وتحريم الدية وتحريم الغنيمة وترك العمل يوم السبت وعدم جواز الصلاة خارج البيع وغير ذلك. والتسهيل في هذه الأحكام وتوسيعها كان أيضا من وضع الإصر والأغلال.
٣ - النصارى: اختار المسيح لنفسه اثنى عشر حواريا، حتى يشهدوا لتعليم المسيح أمام أسباط بني إسرائيل الاثنى عشر، ومع وجود المعلم الكامل مثل المسيح سيطر عليهم النقص، حتى اضطر المسيح مرات لأن يقول لهم: لو كان فيهم حبة خردل من الإيمان لفعلوا كذا وكذا. وكان المسيح يلومهم لأنهم لم يستطيعوا أن يسهروا معه ساعة للاستغفار والدعاء.
[ ٦٥٣ ]
وبعد ذهاب المسيح وقع تلاميذه الاثنا عشر في خلاف شديد حول العقائد والأعمال، وذلك مثل:
١ - هل يجب الالتزام بأحكام الشريعة (التوراة)؟
٢ - هل يجوز التبشير بالنصرانية في الأمم الأخرى أم لا؟
٣ - هل الاختتان خاص ببني إسرائيل، أم لكل من يدخل في النصرانية؟
وجرت مناقشات حادة حول كل مسألة من هذه المسائل.
وبولس اليهودي، الذي لم يكن من الحواريين الاثنى عشر، بل كان يؤذي المسيح ومن آمن به حينذاك، دخل النصرانية فيما بعد، ولما كان أعلم من الحواريين، لذا غلبهم في الكتابة والخطابة، ثم أحدث لهم تعليما جديدا، بدل التعليم الذي أشهدهم عليه المسيح.
وبولس هو الذي جعل رؤياه فوق الشريعة، وأحل ما حرم الله للجيل الجديد.
وهكذا سن بولس في حياته سنة صارت حجة لمن أتى بعده، فكانت المجامع تنعقد واحدا بعد الآخر، ويتم فيها الاتفاق على العقائد الجديدة، ومن يعارضها كان يلقى حتفه دون تأخير.
والأمر الذي تحتم لدى المجامع إصدار القضاء فيه هو ألوهية المسيح وبنوته أي أنه ابن الله، فجعل بعضهم المسيح صاحب ذاتين وروحا واحدة، وجعله بعضهم صاحب ذات واحدة وروحين، وجعله البعض الآخر بشرا في الحياة الدنيا، وابنا بعد الصلب، وقليل منهم بقوا على العقيدة القديمة فلم يجعلوا المسيح أكثر من كونه بشرا نبيا.
والمجامع نفسها اخترعت عقيدة التثليث، اتباعا لتثليث أفلاطون، أي الله والعقل والنفس الكلي. فكانت مسائل أفلاطون عامة في اليونان، ولذا لم يعترض أحد على هذا التثليث، وانتشرت العقيدة القائلة به.
وظهر الخلاف في أقانين التثليث أيضا، فجعل بعضهم أركانه: الله ومريم والمسيح، وبعضهم: الله ويوحنا والمسيح، وبعضهم جعل الله والمسيح أقانيم ثلاثة.
ثم ظهر الخلاف حول روح القدس، فقال بعضهم: ولد المسيح بالله وروح القدس، وقال بعضهم: ولد روح القدس بالله والمسيح.
[ ٦٥٤ ]
وكانت هذه الخلافات تشبه الجراثيم التي تقضي على شجرة النصرانية من جذورها. وكانت كنائس روما والقسطنطينية ومصر والقدس تدعي لنفسها الكرامة والشرف، وتتبادل فيما بينها فتاوى الفسق والكفر، وفي هذه الأيام ظهر فيهم اتجاه التمثل بمريم والمسيح، فترهب ألوف من الرجال والنساء، وكان وجودهم عبئا على العالم المتحضر ووصمة عار على جبين الكنيسة، وقضت عقيدة الكفارة (١) على الرغبة في الأعمال الصالحة، وأطلقت فكرة إنقاذ المسيح للملعونين وأهل النار عنان الطبائع الوحشية. كما أتاحت مسألة الكذب المقدس لكل فرقة فرصة تزويد الوثائق الهامة حسب أهوائها وقياساتها، وهذه المفاسد جعلت النصرانية مكروهة منفرة، كما أن الاضطهاد الذي لقيه النصارى على أيدي براسبير وآردين والأسقف ديكن قد أنسى الناس ظلم هيروديس ونيرو.
وفي مثل هذه الظروف كانت بعثة النبي محمد (ص).
وقد توفرت لنصارى الشام ومصر والعراق في ظل الإسلام حياة الأمن والسلام مع الإبقاء على معتقداتهم، وسلام الإسلام قد وضع عنهم الإصر والأغلال التي أثقلت رؤوسهم وأفكارهم.
٤ - الأمم الهندوكية: أطلق المسلمون على سكان شرقي نهر إندو أو السند اسم إندو أو هندو، وتاريخ هذا البلد وهذه الأمة كان تاريخا مظلما، ولكن توجد آثار تدل على نهضة علمية في هذه البلاد أيضا. وانحطاط الأمة الهندوكية وبلادها ودياناتها وعلمها قد بدأ بحرب (مها بهارت) (٢) وقد وقعت هذه الحرب قبل المسيح بنحو ألف وخمسمائة سنة (٣)، ويحكى أنه لم يبق في الهند كلها شخص لا ينضم إلى أحد الفريقين (كورو-باندو) وقياسنا أن عدد السكان حين ذاك لم يكن أقل من خمسين مليونا، ولكن الحرب قد أتت عليهم، فلم يبق من الطرفين إلا اثنا عشر رجلا، ولما رأى الفاتحون هذا الوضع المقلق أسرعوا بالقضاء على حياتهم.
_________________
(١) أي التكفير عن الذنوب.
(٢) ستيار ته بركاش.
(٣) تحقيق ما للهند من مقولة ص ٢٠٠.
[ ٦٥٥ ]
وقبل المسيح بستة قرون ظهرت ديانة بوذا (١) (بده) وقد اختار بوذا لغة (بالي) ومنع تعليم السنسكريتية وتعلمها، وبحلول الديانة البوذية مكان الديانة الفيدية انعدمت كتب الديانة القديمة حتى لم يبق أحد يعلمها.
وقد ناظرهم (شنكرا جارج) وأثبت فضله العلمي، ولكنه مات في سن ٣٣ سنة أو ٣٤ سنة، إلا أن السنسكريتية احتلت بجهوده مكانتها في البلاط الملكي، ولكنها منيت بالغلو الشعري والاستغراق، وأسدلت ستائر الاستعارة على الحقائق والوقائع (٢).
ومن الكتب القديمة كتاب (مها بهارت) وهو الآخر لم يسلم من تصرف الناس، فقد قيل إن نحو عشرين ألف عبارة (اشلوك) مزورة أضيفت إلى هذا الكتاب (٣).
وقد استمرت قوة الديانة البوذية إلى عهد الملك «أشوكا» ثم دب فيها الانحطاط، ولم تكن مبادؤها تصلح أن تجارى العالم المتحضر، وجماعة الفقراء (بهكشو) التي أعدتها الديانة البوذية هي التي دفعتها إلى الانحطاط وخروجها من البلاد، وكذلك كان لديانة بوران يد في إخراجها أيضا.
وبعد الديانة البوذية ساءت أحوال البلاد كثيرا، فعم الفجور وانتشرت الفواحش، وظهرت عشرات من الفرق مثل: جكرانت، وام مارغى، سهسر بهك، درشنان مكش، شاكت، ننوارك، آوك، رام أياسك، دندى، فقضت على الأخلاق والحضارة (٤).
سيطرت هذه الفرق على الهند كلها، ووضعت الخمر والميسر والفاحشة ضمن تعاليم الدين، وفي مثل هذه الحالة وصل دعاة الإسلام من السند والشمال الغربي
_________________
(١) كان اسم بوذا الأصلي (سدهارته) والاسم العائلي (غوتم) ولقبه التعظيمي (بده) وهو الذي تحول بالعربية إلى بوذا، ومعناه اليقظ، ولد في (كبل وستو) بنيبال من بطن مايا في بيت سرودتا. وكان أبوه حاكما لقوم (ساكهيا) تزوج بوذا امرأة تسمى (سبودا) فولدت له ابنا سماه (راهولا) رهب بوذا في سن التاسعة والعشرين، وكانت ولادته (٥٦٠ ق - م) وتوفى وهو ابن ثمانين سنة ويعد من كبار العالم.
(٢) ستيارته بركاش ص ٣٧٣.
(٣) أيضا ص٣٩١.
(٤) انظر ستيارته بركاش (الباب الحادي عشر) خاص بالفرق المذكورة.
[ ٦٥٦ ]
وجنوب الهند، فعرفوا البلاد بالحقائق والمعارف، فأدرك أهل البصيرة وضعهم السيء، فدخل أغلبهم في الإسلام، وبقى من بقى على الهندوكية.
والحاصل أن هذه هي الإصر والأغلال التي أزالها خدام الإسلام وتعاليم الشريعة الحقة.
٥ - المجوس: كانت دولتهم قائمة في إيران منذ عصر قديم، وقد حكموا نحو ثلث الكرة الأرضية العامرة بالسكان آنذاك، واستتب لهم الأمن بالحكم، وبالأمن مالوا إلى حياة الرغد والدعة، وقد أضعف الترف قلوبهم وأفكارهم وتزلزل أساس دولتهم.
وقد قضت عقيدة ماني على الدستور القديم، وأورثت في طبائع الناس القلق والفوضى، بينما أعلن مزدك مبدأ شيوع المرأة والذهب والأرض، فكثر الظلم والفواحش والعصيان والتمرد، حتى أن الأبناء عشقوا أمهاتهم وسقطت الأميرات صاحبات العرش والسلطة ضحايا العواطف الجنسية البهيمية لضباط الجيش، وأعجب الناس بأدلة تزويج المحرمات الأبدية مكان المحصنات، واعتبر التعفف والطهر شيئا قذرا للجنسين، وخادم كفور مثل فرهاد صار منافسا لمليكه، وابن غاو مثل شيرويه عقر بطن أبيه ببالغ البهيمية ثم تملك شيرين، وجندى فاسد مثل بهرام جوبين اصطلى بنار غرام الملكة بوران دخت (١).
والعداء القديم المستمر بين حكومتي روما وإيران، وغزو بعضها لبعض أظلم البلاد وأوحشها.
فلم يبق أي كيان حقيقي للدين، وانعدمت الكتب المقدسة بهجوم الإسكندر، وفي مثل هذه الظروف أولى الإسلام هذه البلاد عنايته، وحرر تعليم النبي (ص) الطاهر سكان هذه البلاد الواسعة من يد الجور والأنانية والفحش والظلم (٢).
وليدرس القراء ما أوجزنا من أحوال العرب واليهود والنصارى والهنادك والمجوس مرة أخرى حتى يعرفوا ويقدروا كيف أن هذه الأمم القوية انقرضت وبادت بتطاول الدهر وتغيره، وكيف أنها منيت بالعجز والبؤس، وقد أنقذ النبي (ص) هذه الأمم الضائعة من
_________________
(١) الطبري (٢/ ١٣٦).
(٢) الطبري (٢/ ٥٦) وبعدها.
[ ٦٥٧ ]
مهاوى الخزي والهوان برحمته وجوده ونصحه وإخلاصه، وأكرمهم بالمدنية وحسن المعاشرة والأمن العام والعافية البالغة، وهكذا صدق عليه قوله تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ (سورة الأعراف: ١٥٧).
الخاصية الثامنة عشرة
﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ (سورة التوبة: ١٢٨)
١ - الخطاب في قوله «من أنفسكم» للعرب ولقريش، وكان العرب يفتخرون كثيرا بالأنساب، ولا يقيمون وزنا لغير العرب، ويأنفون من طاعة أحد غير العرب، فامتن الله على العرب بأن الرسول العظيم - الذي كانت أولى مسئولياته هداية العرب - من بينهم لا من غيرهم.
وقد أخرج البخاري عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال:
«بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى كنت من القرن الذي كنت منه».
وأخرج مسلم عن وائلة بن الأسقع قال قال رسول الله (ص):
«إن الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم».
وأخرج الترمذي في صحيحه عن العباس بن عبد المطلب قال قلت: يا رسول الله ان قريشا جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم، فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة من الأرض، فقال النبي (ص):
«إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم، من خير فرقهم وخير الفريقين، ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا، وخيرهم بيتا».
٢ - والخطاب في الآية كذلك للعالمين جميعا، ومعنى الآية: إن هذا الرسول الذي عظم شأنه بالرسالة من جنس البشر، فإنه لو كان من الملائكة لم يتحقق الاتحاد والتجانس لفقدان اتحاد الجنس، وأدى ذلك إلى صعوبة التعليم والتعلم، وأعظم نقص يشعر به حين
[ ٦٥٨ ]
ذاك هو الصعوبة التي يتعرض لها أتباع أسوة الرسول (ص) في اتباع الصفات الملائكية، ويسهل العذر لمن كفروا به فيتفوهون بما يريدون.
ولما ثبت كون النبي (ص) من نسل بني آدم ومن الجنس البشري عظم بذلك شأن جميع بني آدم أيضا، وتشجع الحريصون على اتباعه (ص)، وحبب لهم اقتداء الرسول (ص).
٣ - وقد ذكر البغوي والخازن أن ابن عباس والزهري وابن محيصن قرأرا «من أنفسكم» بفتح الفاء من النفاسة، ومعناه أنه من أشرفكم وأفضلكم (١).
وبذلك يثبت كون النبي (ص) أفضل الخلق في طهارة الأصل ولطافة الطبع ونقاء الذات، وإلى ذلك تشير الآية الكريمة.
الخاصية التاسعة عشرة
﴿عزيز عليه ما عنتم﴾ (التوبة: ١٢٨).
فعل «عز يعز» بفتح العين يعني الصعب والشاق.، «عنتم» من العنت بمعنى المشقة والفساد والهلاك والخطأ وغير ذلك. فمعنى الآية: يشق على النبي (ص) كل ما يشق
ويصعب عليكم، ويؤلمه ما يؤلمكم.
وكان النبي (ص) متساويا مع الكفار والمؤمنين في هذه الصفة.
١ - كان النبي (ص) يتألم كثيرا حينما يرى الكفار ملطخين بأعمال الكفر والشرك، ماضين إلى العاقبة السيئه، مصير كل كافر ومشرك، إنهم بإصرارهم على الشرك أشبهوا الشخص الذي يحفر حفرة ليقع فيها فيهلك.
وربما ازداد به الألم حتى أنزل الله تعالى كلامه لتهدئته وتسليته (ص).
يقول تعالى: ﴿فلا يحزنك قولهم﴾ (يس: ٧٦).
ويقول: ﴿ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾ (آل عمران: ١٧٦).
وورد في حادث بدر أنه لما أسر المشركون في بدر، وأتي بهم، بات النبي (ص) تلك
_________________
(١) معالم التنزيل على هامش لباب التأويل (٣/ ١٤٠).
[ ٦٥٩ ]
الليلة ساهرا يتقلب في فراشه، فقال له أصحابه: ما لك لاتنام يا رسول الله؟ فقال:
«سمعت أنين عمي العباس في وثاقه، وهو يقلقني» فقام رجل من الأنصار فأطلق وثاق العباس فارتاح ونام، فلما جاء الأنصاري إلى الرسول (ص) سأله «ما بال العباس لا أسمع أنينه؟» قال الأنصاري: قد أطلقت وثاقه، فقال (ص) «اذهب وأطلق وثاق جميع الأسرى» فأطلق وثاقهم جميعا وأخبر بذلك النبي (ص) فبات مستريح البال (١).
وينبغي أن نقف هنا وقفة المتأمل، فإن هؤلاء الأسرى هم الذين آذوا المسلمين نحو ثلاث عشرة سنة متتالية، فألقوا بعضهم على النار، وأدموا بعضهم، ووضعوا الحجر الثقيل على صدر البعض الآخر، وقتلوا البعض بعد إيذائهم أذى بالغا، ومع ذلك كله وجدوا من النبي (ص) هذا اللطف واللين.
إن العباس عم النبي (ص) كان قد اشترك في الحرب مكرها، كما تقول الروايات الموثوق بها (٢)، ولكن العدالة النبوية لم ترض بأن تفرق بينه وبين الأسرى الآخرين، وقد بلغت الرحمة والرأفة بالنبي (ص) مبلغا حنى أنه (ص) لم يرتح ولم ينم إلا بعد ما بلغه أن جميع الأسرى قد ارتاحوا، وهكذا صدق عليه (ص) قول الله تعالى ﴿عزيز عليه ما عنتم﴾ وخاصة في حق الأعداء المتعطشين لدمائه ودماء المسلمين.
٢ - ولما وصل النبي (ص) مهاجرا إلى المدينة، حقق الله تعالى قوله: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ (الأنفال: ٣٣). في المشركين بمكة، فقد أصابتهم مجاعة شديدة أضعفت أبصارهم.
فحضر أبو سفيان، عدو المسلمين المتحمس، إلى النبي (ص) وقال له: إنك تأمر بالإحسان وصلة الرحم، ونحن أقرباؤك نلتمس منك الرحم، فأحسن إلينا وادع لنا حتى ننجو من هذه المجاعة (٣).
فأمر النبي (ص) ثمامة بن أثال من أمراء نجد بإرسال الطعام إلى مكة فورا، وكان الطعام كثيرا في تلك المنطقة (نجد) وكان ثمامة قد قطع الميرة عن أهل مكة لعدائهم للنبي (ص)، فلما بلغه أمر النبي (ص) أطاعه وعادت الحياة إلى أهل مكة (٤).
_________________
(١) الطبري (٢/ ٢٨٨)، البداية (٣/ ٢٩٩)، ابن سعد (٤/ ١٣).
(٢) ابن سعد (٤/ ١٠)، الطبري (٢/ ٢٨٧).
(٣) البخاري (١٠٠٧).
(٤) البخاري (٤٣٧٢)، ابن سعد (٥/ ٥٥٠).
[ ٦٦٠ ]
وكان ذلك أيضا مظهرا من مظاهر رحمة النبي (ص) وتصديقا لقوله تعالى: ﴿عزيز عليه ما عنتم﴾.
٣ - كانت غزوة الطائف مع من وقع معهم قتال شديد في حنين والأوطاس، وكانوا قد تحصنوا في الطائف بعد انهزامهم في الموقعتين، وكانت قوتهم العسكرية شديدة، فحاصرهم النبي (ص) أياما، فلما بلغه أن الحصار اشتد عليهم وكادوا أن يموتوا جوعا أمر (ص) بفك الحصار فقال له الصحابة معلنين عن وجهة نظرهم العسكرية: إن الفتح قريب، ولكن النبي (ص) أصر على أمره، رحمة منه، ففك الحصار، وهذا هو النموذج الثالث لتحقيق قول الله ﷿: ﴿عزيز عليه ما عنتم﴾ (١).
وتدل هذه النظائر - وأمثالها كثيرة - على أن قلب النبي (ص) الرحيم كان يرق لحالة أعدائه السيئة فلم يكن يتحملها. ورحمته (ص) للمسلمين بلغت غايتها، فإننا نجد في العبادات والمعاملات أمثلة كثيرة لعنايته بالأمة وحرصه على أن لا تقع في المشقة.
وهكذا كان يرى راحته في راحة الأمة، وتعبه في تعبها، فقد ورد في البخاري عن ابن حرام وأنس بن مالك عن النبي (ص) أنه قال:
« فرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت بموسى، قال: فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعني فوضع شطرها، ثم رجع (ص) إلى موسى فقال له مثلما قال سابقا، وفعل ذلك مرارا إلى أن صارت خمسا» (٢).
وهذه الواقعة تتمخض عن نتيجتين:
الأولى: أن النبي (ص) كان في غاية الانقياد والإطاعة لأمر الله تعالى، فلما أمر بالصلوات الخمسين لم يتكلم بكلمة في ذلك.
الثانية: أن النبي (ص) كان في غاية الرأفة بأمته، فلما أخبره نبي مجرب مثل موسى بأن أمته لا تطيق ذلك برزت فطرته الطاهرة الكامنة في قوله تعالى ﴿عزيز عليه ما عنتم﴾ فراجع الله تعالى مرة بعد أخرى، وقد أثمر حسن الأدب هذا والطلب المكرر بتخفيض عدد الخمسين إلى الخمس وبقى ثوابها على ما كان.
_________________
(١) البخاري (٤٣٢٥)، مسلم (١٧٧٨)، البداية (٤/ ٣٤٧).
(٢) البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٢).
[ ٦٦١ ]
وأرى أن موسى ﵇ لو حاول إقناع النبي (ص) بدليل آخر غير قوله «إن أمتك لا تطيق» لم يرض (ص) بمراجعة الله تعالى وطلب التخفيف في عدد الصلوات.
ولم تكن الصلوات الخمسون كثيرة في نظر النبي (ص) بالتظر إلى كمال عبوديته وفرط شوقه ورغبته في العبادة، ولما كان قلبه الشاكر ولسانه الذاكر لا تفتر عن ذكر الله لحظة، فكيف يستكثر الركعات المعدودة في أوقات محدودة، ويستصعب أداءها؟
٤ - كان النبي (ص) في طريقه من المدينة إلى مكة في رمضان، وهو صائم، حتى إذا كان بعسفان طلب الماء ورفعه بيده ليراه الناس فشربه ولم يصم حتى وصل إلى مكة (١) وقد جاء ذلك في رواية ابن عباس عند البخاري، ولكن الروايات الأخرى صرحت بأن النبي (ص) أفطر لأنه عرف أن الصوم في السفر شق على أصحابه، وما شق على أصحابه شق على نفسه (ص) (٢).
٥ - ورد في الصحيحين والسنن عن عائشة في صلاة التراويح أن النبي (ص) صلى بالناس ليلتين ولم يخرج بالثالثة، ولما أصبح (ص) قال:
«قد رأيت صنيعكم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن يفرض عليكم» (٣).
٦ - وفي صحيح مسلم عن أنس قال: كان رسول الله (ص) يصلي في رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه، وجاء رجل آخر فقام أيضا حتى كنا رهطا، فلما حس النبي (ص) أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة (٤).
٧ - وروت أم المؤمنين عائشة فقالت عن عادته (ص): إن كان رسول الله (ص) ليدع العمل وهو يجب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم (٥).
ومجموع هذه الروايات تدل على رسوخ صفة (عزيز عليه ما عنتم) سورة التوبة:
١٢٨ في النبي (ص)، وأن تعب أمته كان يشق عليه كثيرا.
_________________
(١) البخاري (٤٢٧٩).
(٢) كما أخرجه الطحاوي من طريق أبي الأسود عن عكرمة، انظر الفتح (٤/ ١٨١).
(٣) البخاري (١١٢٩)، ومسلم (٧٦١).
(٤) مسلم في كتاب الصيام (٧٧٥/ ١ رقم ١١٠٤).
(٥) البخاري (١١٢٨).
[ ٦٦٢ ]
وصفات الرحمة والرأفة التي توفرت في ذات النبي (ص) نحو أفراد أمته مع كثرتهم قد لا تتوفر في أب نحو أبنائه مع قلة عددهم. ومن هنا نقول: إن رحمة النبي (ص) أعلى وأقوى من رحمة جميع الراحمين سوى رحمة رب العالمين.
الخاصية العشرون
﴿حريص عليكم﴾ (التوبة: ١٢٨)
١ - مادة «حرص» إذا تعدت بحرف «على» فإنها تدل على شدة الطلب، فالآية تصف النبي (ص) بأنه يرغب في نفع أمته غاية الرغبة، وهذا يدل على أمنيته البالغة نحو صلاح الأمة ونفعها ورخائها.
يقول تعالى في سورة يوسف: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ (يوسف: ١٠٣).
وهذه الآية أيضا تفيد أن منتهى نظر النبي (ص) وكمال أمنيته أن تخضع رقاب الناس كافة له وحده لا شريك له، فالدين الواحد للرب الواحد يوحد البشرية ويوفق بين أهلها.
٢ - جاء عظيم قريش عتبة إلى النبي (ص) مرة فقال: «إن أردت مالا فإني أستطيع أن أجمع لك الذهب والمال أكثر من غيرك، وإن أردت سؤددا فإننا نسودك، وإن أردت حكما فإني أخضع لك العرب كافة».
فقال النبي (ص): «إني لا أريد المال ولا أرغب في سود وحكم، إنما أنا رسول رب العالمين، أبلغ رسالته إلى كل من سمع» (١).
٣ - ومرة ضرب أبو جهل النبي (ص)، فبلغ ذلك عمه حمزة، فمشى إلى أبي جهل فضربه ثم عاد إلى النبي (ص) وأخبره بأنه انتقم من أبي جهل، فقال النبي (ص): ليس لي
علاقة بالانتقام وغيره، نعم، يسرني أن تسلم، فاقتنع حمزة بكلامه (ص) وأسلم (٢).
_________________
(١) سيرة ابن هشام (١/ ٣١٣).
(٢) سيرة ابن هشام (٣١٢/ ١)، دلائل النبوة (٢١٣/ ٢، ٢١٤).
[ ٦٦٣ ]
وهذه الوقائع تدل على أن النبي (ص) كان نقي الذيل طاهر الجانب من كل غرض، ولم يكن تعليمه (ص) مبنيا على مصلحة ذاتية، بل كان بمعزل عن مثل هذه الصفات، كانت ذاته رحمة ومنفعة وخلقه لطفا ورأفة.
انظروا إلى أدعيته التي كان يدعو بها حينا بعد آخر، وفي خطبة ألقاها قبل موته بشهر قال: «مرحبا بكم حياكم الله بالسلام، رحمكم الله، حفظكم الله، جبركم الله، رزقكم الله، رفعكم الله، نفعكم الله، أدامكم الله، وقاكم الله، أوصيكم بتقوى الله» (١).
﴿حريص عليكم). وهذه هي خاصية رسولنا (ص): فيا رب صل وسلم دائما أبدا على نبيك خير الخلق كلهم.
الخاصية الحادية والعشرون
﴿بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ (التوبة: ١٢٨)
وصف النبي (ص) في هذه الآية بالرأفة والرحمة.
و«رءوف» صيغة مبالغة من الرأفة و«رحيم» صغة مشبهة من الرحم.
وينبغي أن نتذكر أن صيغ المبالغة (٢) تدل على الكثرة والتوفر في المعنى، وصيغ الصفة المشبهة (٣) تكون مظهرا للصفة اللازمة وللمعنى الثابت.
وعلى هذا يكون معنى «الرءوف» كامل الرأفة والعطف، ومعنى «الرحيم» دائم الرحمة، وقد ورد في سورتي البقرة والحج قوله تعالى:
_________________
(١) مجمع الزوائد (٢٤/ ٩)، ابن سعد (٣٥٦/ ٢).
(٢) أوزان المبالغة عشرة، والكلمات التالية وردت على هذه الأوزان: نجار، علامة، صديق، مسكن، مسعر، معطار، نصير، ضروب، حذر، فاروق. فالمبالغة تعطي معنى الفاعلية.
(٣) تأتي الصفة المشبهة من الفعل اللازم بمعنى الفاعل، وقد وردت الكلمات الآتية على أوزانها: حسن، طيب، صعب، جبان، شجاع، شفيع، مهد، أشيب، عطشان، كريم، وقور، فرح. وقد سميت بهذا الاسم لمشابهتها بالفاعل في المعنى والتصرف.
[ ٦٦٤ ]
﴿إن الله بالناس لرءوف رحيم﴾ (البقرة: ١٤٣، الحج: ٦٥).
ومما يشرف النبي (ص) ويكرمه أن الصفتين اللتين وصف بهما رسول الله قد استعملها رب العزة ﷾ لنفسه.
نعم، عمت الرحمة والرأفة الإلهية جميع العالمين، وتخصصت رأفة النبي (ص) ورحمته بالمؤمنين. وبعد إدراك هذا العموم والخصوص في المعنى يجب على المؤمنين الشكر لأنهم خصوا برحمة ورأفة مضاعفتين.
وبالمناسبة نتساءل هل تحقق هذا الشرف للنبي (ص) في الأسماء الأخرى؟
يروى في شعر حسان بن ثابت البيت التالي:
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
ولو تم استنان سنة حسان بن ثابت المؤيد بروح القدس لوجدنا نحو ثمانين اسما من أسماء النبي (ص) توافق أسماء الله الحسنى. ومن عادة أئمة السيرة النبوية الأعلام أنهم:
١ - يصوغون اسما من المصدر أو الفعل الذي وصف به النبي (ص) في القرآن الكريم.
٢ - ويعدون الصفة التي تم وصفه بها في الحديث النبوي اسما.
٣ - ويجعلون الأعلام الواردة في الأشعار التي أنشدت بحضرة النبي (ص) ضمن أسمائه.
وفعل أئمة السيرة هذا مستحسن، وهو يدل على حسن الأدب وعلى كماله .. والقائمة التي أوردها الزرقاني في «شرح المواهب اللدنية» (١) لأسماء النبي (ص) المباركة مرتبة حسب الحروف الأبجدية مبنية على الأصول الثلاثة المذكورة.
وبعد التصريح بالأصول المذكورة ينبغي القول بأن أسماء النبي (ص) التي ورد التصريح بها في كلام الله تعالى تبلغ (٩٢) اسما. والكلام عن معانيها سيأتي فيما بعد، ولكن نود إيجاز القول في الرأفة والرحمة وهما من أوصاف النبي (ص).
_________________
(١) انظر المواهب اللدنية ج ١ ص ١٨٠ وما بعدها.
[ ٦٦٥ ]
وقد أخرج الشيخان عن ابن مسعود قال: كان رسول الله (ص) يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا (١).
وكان مبدأ النبي (ص) هذا مبنيا على العطف والرأفة، فقد أراد (ص) أن يستمع له المستمعون بنشاط الطبع وحضور القلب حتى تبقى فيهم الرغبة والشوق.
وكان من عادته (ص) أنه كان يتجوز في صلاته إذا سمع بكاء صبي كي تتفرغ له أمه (٢).
ومن عادته (ص) أنه لم يكن يسمح لأحد أن يمشي معه وهو راكب، والصحابة الذين كانوا يلحون عليه كان يركبهم معه أو يعيدهم (٣).
وكان (ص) يؤدي دين المسلم الديون إذا مات قبل دفنه من بيت المال، ولكنه (ص) لم يكن يقبل مال البيت أبدا (٤).
وكان يقول: «لا تغتابوا أحدا أمامي فإني أود أن لا يتغير صفاء قلبي نحوه» (٥).
وربما كان (ص) يدعو لأمته طول الليل، ويحب الأطفال ويسلم عليهم ويمسح رءوسهم، ويركبهم على دابته، ويأكل مع الغلمان على الأرض، وكانت هذه الأمور تصدر منه على سبيل الرأفة والعطف، وهذه الرأفة والرحمة كانتا من خصائصه.
الخاصية الثانية والعشرون
﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ (سبأ: ٢٨).
ورد في الأصحاح الثالث من كتاب الخروج (٦).
١ - فنظر وإذا العليقة تتوقد بالنار والعليقة لم تكن تحترق.
_________________
(١) البخاري (٦٨، ٧٠)، ومسلم (٢٨٢١).
(٢) البخاري (٧٠٧).
(٣) الشفا (١/ ٧٠).
(٤) الشفا (١/ ٧١).
(٥) الشفا (١/ ٧٢).
(٦) الخروج (٣/ ٢ - ١٠).
[ ٦٦٦ ]
٢ - فقال موسى: أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم، لماذا لا تحترق العليقة.
٣ - فلما رأى الرب أنه مال لينتظر ناداه الله من وسط العليقة وقال: موسى موسى، فقال: ها أنا ذا.
٤ - فقال: لا تقترب إلى ههنا، اخلع حذاءك من رجليك، لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة.
٥ - ثم قال: أنا إله أبيك، إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب، فغطى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله.
٦ - فقال الرب: إني قد رأيت مذلة شعبي الذي في مصر، وسمعت صراخهم من أجل مسخريهم، إني علمت أوجاعهم.
٧ - فنزلت لأنقذهم من أيدي المصريين وأصعدهم من تلك الأرض إلى أرض جيدة وواسعة، إلى أرض تفيض لبنا وعسلا، إلى مكان الكنعانيين والحتيين والأموريين والفرضيين والحويين واليبوسيين.
٨ - والآن هو ذا صراخ بني إسرائيل قد أتى إلي ورأيت أيضا الضيقة التي يضايقهم بها المصريون.
٩ - فالآن هلم فأرسلك إلى فرعون وتخرج شعبي بني إسرابل من مصر.
وتظهر الفقرات (٦، ٧، ٨، ٩) هدف نبوة موسى ﵇ ومقصدها بوضوح، وعمل موسى أيضا يؤيد ذلك، فإنه ﵇ لم يتعرض إلا لتخليص بني إسرائيل والذهاب بهم إلى أرض الميعاد، ولم يفعل شيئا نحو أمم العالم الأخرى.
وفي كتاب التثنية (كتاب موسى الخامس والأخير) (١):
«بناموس أوصانا موسى ميراثا لجماعة يعقوب».
وهذه الفقرة قد صرحت بأن شريعة التوراة خاصة ببني إسرائيل، ولو لم تكن هذه الفقرة لأمكن الادعاء بأن شريعة التوراة لكافة العالم، ومن المسلم به أن جميع الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى إلى عصر عيسى ﵇ قد جاءوا لبني إسرائيل خاصة.
_________________
(١) التثنية (٤/ ٣٣).
[ ٦٦٧ ]
نعم، بقى علينا أن نصرح بالذين أرسل إليهم عيسى ﵇. فلندرس لذلك الأصحاح الخامس عشر من إنجيل متى، إنه يحكي قصة امرأة كنعانية لم تكن إسرائيلية وجاءت إلى المسيح ليشفى بقوته المعجزة ابنتها المجنونة، ولكن المسيح قال لها: «لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة. فأتت وسجدت له قائلة يا سيد أعني، فأجاب وقال: ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب» (١).
وهذه الواقعة بكاملها جديرة بالتأمل بقلب هادئ وفهم كامل، فالمسيح ﵇ قال بوضوح: إنه لم يرسل إلى أمة سوى بني إسرائيل، ثم إنه شبه بني إسماعيل بالأولاد والأمم الأخرى بالكلاب. وحرمان الأمم الأخرى بركاته قد أوضحه بدليل أن خبز الأولاد لا يمنح الكلاب.
وورد في إنجيل متى أن المسيح حينما أرسل تلاميذه الاثنى عشر للدعوة أوصاهم قائلا: «إلى طريق أمم لا تمضوا إلى مدينة للسامريين لا تدخلوا» (٢).
ويظهر من هذا أن الدعوة في الأمم الأخرى كانت محظورة البتة، ومنع الإسرائيليون أيضا من الذهاب إلى السامريين.
وهذه الشواهد تكفي لاثبات أن نطاق نبوة المسيح ﵇ ومسئولية حواريه الاثنى عشر في الدعوة كان محصورا في بني إسرائيل أنفسهم.
وبعد أنبياء بني إسرائيل انظروا: أي دين في الدنيا توجد فيه ميزة الدعوة والإرشاد؟.
لعل عامة الناس يظنون أن الدعوة العامة توجد في البوذية ولكن تاريخها الممتد عبر القرون يوضح أن البوذيين لم يبلغوا الدعوة إلى أمة أخرى حتى في عصر ازدهار البوذية، ولم يدخل أحد في دينهم من الإسرائيليين والبابليين والمصريين والحجازيين والمغربيين وغيرهم. وهذه شهادة قوية بأن البوذية كانت مختصة بأمة ومحصورة في منطقة، ولو
_________________
(١) إنجيل متى (١٥/ ٢٤ - ٢٦).
(٢) إنجل متى (١٠/ ٥).
[ ٦٦٨ ]
سلمنا بقول الآريين يتضح أن البوذية لم تكن ديانة مستقلة، بل كان بوذا مجددا لديانة الفيدا (١).
ولننظر إلى ديانة الفيدا، أنها ازدهرت قبل الحرب التي عرفت ب (مهابهارت) ولكن الفيد والكتب الستة (شاستر) ومنوسرتي لا تذكر أبدا أن ديانة الفيدا ديانة دعوية، وكذلك لا تذكر أنه تم تبشير أمة أخرى بها.
وكتاب منو «منو سمرتي» تثق به الفرقتان، الآرية وسناتن، وهو يقسم جميع السكان إلى أربع طبقات. الأولى من بينها طبقة البراهمة، وهي مختصة بتحصيل العلم والفضل وقراءة الفيدا. وهذا التقسيم وما فيه من الإلزام والتقييد يدل على أن السيد منو وأتباعه الذين اجتمعوا لتعلم كتاب «منوسمرتي» لم يجعلوا ديانة الفيدا ديانة دعوية قط.
ونترك هنا ذكر الأديان قليلة الانتشار في العالم ونشير إلى أن سلوك الأمم العظيمة المذكورة قبلا يؤكد ما قلنا.
تأملوا في شريعة موسى ﵇ التي لم تعترف قط لأحد من غير بني إسرائيل بالإمامة. وكنيسة روما التي لم ترض قط بأن يكون غير أوربي خليفة بطرس، وكذلك لم يعين آسيوي قط أسقفا، ولم يعين يهودي أو نصراني أو مغربي مرشدا أو سادن معبد في الديانة الهندوكية.
وهذه التجارب العملية تبرهن على أن أغلب كبار هذه الديانات فهموا أن دياناتهم خاصة بمنطقة معينة وأمة محدودة.
وكون بعثة النبي (ص) عامة لكافة البشر يثبت بآيات أخرى من القرآن الكريم غير آية العنوان هنا، يقول تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض﴾ (الأعراف: ١٥٨).
_________________
(١) قول الآريين هذا ليس صحيحا، فإن بوذا كان قد منع الناس من تدريس اللغة السنسكريتية ودراسة الفيدا، وقد اعترف بذلك مؤلفو البوذية أنفسهم.
[ ٦٦٩ ]
الخاصية الثالثة والعشرون
﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ (الفتح: ١٠)
المبايعة من البيع، والبيع مطلقا في اللغة يعني المبادلة، وفي الشرع هو أخذ الثمن وإعطاء المثمن إذا تراضى الجانبان.
والبيع كذلك يستعمل بمعنى الشراء وبالعكس، بالنظر إلى حالة الجانبين. والحاصل أن المبايعة لابد أن يوجد فيها من الجانبين الإعطاء والأخذ.
والبيعة في الاصطلاح: هي تعهد الإنسان بطاعة الإمام، يلزمه بها نفسه والتزام وفاء العهد أيضا يدخل في هذه الكلمة.
والبيعة التي ذكرتها الآية الكريمة كانت قد وقعت بموضع الحديبية تحت شجرة سمرة، يقول الله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ (الفتح: ١٨).
والحاجة إلى هذه البيعة وحقيقتها أن النبي (ص) كان قد أرسل عثمان بن عفان إلى قريش سفيرا له، وأرسل معه عشرة من الصحابة، وبعد وصولهم بيوم أو يومين بلغ النبي (ص) أن قريشا حبسوا عثمان وقتلوا أصحابه. وكان هذا خبر لو صدق لوجب القتال شرعا وخلقا لتأمين حرمة السفراء، والذين كانوا مع النبي (ص) في هذا السفر ممن جاءوا لأداء العمرة والطواف، ولم يخطر ببالهم أنهم سيواجهون الحرب وسوف يضطر المهاجرون لرفع السيف في وجوه أقاربهم وذويهم، ومن هنا وجبت البيعة المذكورة. ورد في رواية جابر التي أخرجها الشيخان (١) أن عدد المبايعين آنذاك كان أربعمائة وألفا. كان النبي (ص) جالسا في ظل شجرة وقد مد يده للبيعة، وكان عمر يسند يده (ص) بيده حتى لا تتعب، والناس يأتون ثم يرجعون بعد البيعة.
قال سلمة بن الأكوع: إنه بايع على الموت. وقال جابر بن عبد الله: إنه بايع على عدم الفرار.
ويستنبط بالجمع بين الروايات أن ألفاظ البيعة كانت باختيار المبايع ورضاه. ولاشك
_________________
(١) البخاري (٤١٥٣)، ومسلم (١٨٥٦).
[ ٦٧٠ ]
أن الإسلام يقرر مثل هذه الحرية التي لا يكون فيها إجبار وإكراه.
وكان جد بن قيس الأسلمي هو الشخص الوحيد، في هذا الحشد الكبير، الذي توارى وراء إبله ولم يبايع، ومما يدل على حرية الإسلام أنه لم يقع عليه إكراه، نعم، قال (ص) لبيان كرامة المبايعين وشرفهم: «أنتم خير أهل الأرض» (١).
وقد ورد ذكر هذه البيعة في آيات القرآن العديدة، وهذا يدل على أن هذه الواقعة مرتبطة برضوان الله تعالى ارتباطا قويا، قال تعالى:
﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ (التوبة: ١١١).
وقال: ﴿فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به﴾ (التوبة: ١١١).
وقد ذكرت هذه الآية ضمن الخصائص النبوية لأنها تدل على فضل كبير وشرف عظيم للنبي (ص).
تأملوا كيف جعل الله تعالى من بايع على يد النبي (ص) مبايعا على يده تعالى: إن هذا شرف لم يحصل لنبي غيره.
ورد في آية العنوان «يد الله فوق أيديهم» وقال الإمام فخر الدين الرازي (٢): يراد باليد في الموضعين معنى واحد، أو معنيان مختلفان.
الف - فإن أريد به في الموضعين معنى واحد كان معنى الآية: إن منة الله تعالى فوق منتكم. قال تعالى في موضع آخر: ﴿بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان﴾ (الحجرات: ١٧).
وأيضا إن النصر والتأييد الذي ناله النبي (ص) من الله تعالى أرفع وأعلى من النصر والتأييد الذي ناله من الصحابة.
وإطلاق كلمة «اليد» على الغلبة والنصرة والقوة معروف في لغة العرب، يقال: اليد لفلان.
_________________
(١) البخاري (٤١٥٤).
(٢) مفاتيح الغيب (٧/ ٥٤٠).
[ ٦٧١ ]
ب - وإن أريد معنيان مختلفان فإن كلمة «يد الله» (١) تعني حفظ الله، وكلمة «أيديهم» تعني الجارحة الإنسانية. ويكون معنى الآية أن حفظ الله ونصره يكون دائما مع هؤلاء المبايعين.
ويؤيد ذلك ما ورد في هذه السورة نفسها بعد قليل، يقول تعالى:
﴿فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (*) ومغانم كثيرة يأخذونها﴾ (الفتح ١٨، ١٩).
وكان الخلفاء الراشدون ومن تحتهم من الولاة والحكام وقواد الجيش وفاتحي الأمصار من هؤلاء المبايعين. وقد تم على أيديهم فتح بلاد حضرموت وعمان والعراق وفلسطين وسوريا ومصر وأفريقيا والسودان وتونس والجزائر ومالطة وكريت وإيران وخراسان. نعم، هؤلاء الصلحاء هم مظهر معنى الآية وما فيها من البشارة العظمى، فقد تم تمحيص قلوبهم وأنزل الله عليهم السكينة التي ورد ذكر نزولها في أحوال موسى أيضا وفي أيديهم كانت القوة التي أخضعت أيدي العالمين جميعا، ولم يغلب عليهم جيش مدرب لدولة. وكان ذلك أيضا مشهدا لقوله تعالى: ﴿وكف أيدي الناس عنكم﴾ (الفتح: ٢٠).
وهذه البيعة النبوية والاتباع المحمدي وصدقهم وإخلاصهم لذاته (ص) ولأسوته قد حقق لهم ما حازوه من الشرف والفضل والجاه والشوكة والثروة والرفعة ورحمة الله وبركاته.
فهم كانوا تابعين، وهذه الخصائص كلها ترتبط أصلا بذات النبي (ص). وهذا الشرف من خصائصه (ص).
الخاصية الرابعة والعشرون
﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ (الأحزاب: ٤٠).
الخاتم والختم بمعنى واحد، واللام في النبيين للجنس، ولذا يدخل في هذه الكلمة
_________________
(١) لا يأول أهل الحديث كلمة «اليد» بأي شكل من الأشكال، ولكنهم ينزهون الله تعالى عن الجسم وما يلزمه، وهكذا يمتازون عن المجسمة والمعطلة. ومذهبهم في الصفات خال من كل تعقيد وتعسف.
[ ٦٧٢ ]
جميع الأنبياء والرسل. وآية القرآن الكريم هذه تعلن أن سيدنا محمدا رسول الله (ص) ختم به النبوة.
وهذا تنبؤ عجيب، وفيه قوة عجيبة من الله تعالى.
انظروا إلى إيران، قد سمع فيها نداء الملك السماوي طوال آلاف السنين المتتالية عشرات من الصلحاء الطاهرين، والهند تدعي بأنها قد وجد فيها منذ ملايين السنوات أشخاص ألقى عليهم الضوء السماوي أنواره، واقرأوا أحوال بني إسرائيل، فقد وجد فيهم مثنى وثلاث ورباع من الأنبياء في وقت واحد، وقد ادعى المصريون والصينيون بأن النبوة والرسالة قد وجدت فيهم منذ مئات السنين، ولكن منذ أن أعلنت آية العنوان ختم النبوة رأينا أن أهل هذه الأديان أيضا أقفلوا أبوابهم. لماذا لا يجلس المجوس الآن أحدا على عرش اسب وزردشت؟! ولماذا لا يسمع أحد من الآريين حرفا من الصوت السماوي؟ ولماذا لا يعترف بنو إسرائيل في أمتهم وبلدهم بنبوة أحد؟
قرائي الأعزاء: هذا كله من تأثير القدرة الإلهية العظيم، فبعد أن جعل الله النبي (ص) خاتم النبيين، أخرج من أفكار أصحاب سائر الأديان وعقولهم فكرة أن يصفوا أحدا منهم بالنبوة والرسالة والإلهام.
وموقف العالمين هذا وميلهم الطبيعي واتجاههم الفطري يبين مدى عناية الله تعالى، بتخصيص هذه الخاصية بالذات المحمدية، ولا يسع أي إنسان غير مسلم أن يدعي أن النبي (ص) قال ذلك لمدح ذاته، وذلك لما يأتي:
أولا: إن الادعاء سهل، ولكن التحكم في الزمن المستقبل صعب، والقرون الأربعة عشر (١) وكذا الموقف الموحد للأديان العديدة يؤيد ما قلنا، والطبيعة إذا أيدت شيئا فلا حاجة فيه إلى التصنع.
ثانيا: لو أراد النبي (ص) مفخرة لنفسه لأمكنه تكريم أتباعه بالنبوة، وإبراز مكانتهم وتعدادهم أكثر من موسى ﵇ وقد اشتهر لدى العامة أن بعض الصوفية المعلمين ادعى الألوهية، ولكننا نشك في صحة هذه الروايات، ولو ثبت أن أحدا قال: «أنا
_________________
(١) في يوم ٩ ربيع الأول عام ١٣٤٧ هـ يتم أربعة عشر قرنا على مولد الرسول (ص) أي تضاف إلى وقت الهجرة ٥٣ عاما مضت من عمر النبي (ص).
[ ٦٧٣ ]
الحق» أو «سبحاني ما أعظم شأني» فإنه يعني صريحا أنه رأى الادعاء بالألوهية سهلا، ولكن لم يجترئ على ادعاء النبوة. وقد اشتهر الشطر الآتي في مثل هؤلاء: «باخذا ديوانه باش وبامحمد هوشيار» أي كن مع الله ذاهلا، ولكن مع محمد (ص) يقظا.
ونثبت فيما يلي الأحاديث التي رويت بإسناد صحيح عن النبي (ص) في تفسير آية العنوان:
١ - عن أبي هريرة قال قال رسول الله (ص):
«مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه وترك منه موضع لبنة وطاف به النظار يتعجبون من حسن بنيانه إلا موضع تلك اللبنة، فكنت أنا سددت موضع اللبنة ختم بي البنيان وختم بي الرسل» متفق عليه.
وفي رواية: «فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين» (١).
٢ - عن جبير بن مطعم قال: سمعت النبي (ص) يقول:
«إن لي أسماء، أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي» متفق عليه.
٣ - عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال:
«فضلت على الأنبياء بستة: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» رواه مسلم.
٤ - عن أبي أمامة ﵁ قال قال النبي (ص) في خطبة الوداع: «أيها الناس إنه لا نبي بعدي، ولا أمة بعدكم» رواه ابن جرير وابن عساكر.
٥ - روى أحمد والترمذي والحاكم بإسناد صحيح عن أنس مرفوعا:
«أن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي» الترمذي وأحمد، الزرقاني مجلد ٥ ص ٢٧٦.
_________________
(١) البخاري (٣٥٣٥)، ومسلم (٢٢٨٦) مع خلاف في بعض الألفاظ في المصدرين.
[ ٦٧٤ ]
٦ - عن ثوبان قال قال (ص):
«سيكون في أمتي ثلاثون كذابا، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي» رواه مسلم.
٧ - عن عقبة بن عامر قال النبي (ص):
«لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب» رواه الترمذي.
وكلنا نعلم أن عمر الفاروق لم يكن نبيا فثبت أنه لا نبي بعده (ص).
٨ - وفي غزوة تبوك خلف النبي (ص) عليا وراءه، فقال علي: تتركني مع النساء والولدان يا رسول الله؟ قال (ص):
«أما ترضي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» البخاري ومسلم.
كان موسى ﵇ قد مكث في الطور أربعين ليلة لميقات ربه، وخلف بعده أخاه هارون، والنبي (ص) أيضا مكث في غزوة تبوك نحو خمسين يوما خارج المدينة. فالحديث المذكور يشير إلى ذلك، وليست فيه إشارة إلى الخلافة بعد وفاة الرسول (ص)، لأن هارون كان قد توفي قبل موسى بكثير.
٩ - كان علي يقول حينما كان يغسل النبي (ص) غسله الأخير: «بأبي أنت وأمي، لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك، من النبوة والأنباء وأخبار السماء» (١).
وقد صدقت القدرة الإلهية القاهرة هذه الروايات الإسلامية الصحيحة بإفحام أصحاب المذاهب الأخرى، وبذلك يتبين أن ختم النبوة خاصية خاصة بالنبي (ص) نفسه. ويبغي أن نقرأ مع هذه الآية تفسير قوله تعالى:
﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ (المائدة: ٣).
حتى نعلم أن منصب ختم النبوة يناسب النبي (ص) الذي بشر بكمال الدين وإتمام النعمة أيضا.
_________________
(١) نهج البلاغة. ص ٢٠٥ ط تبريز ١٢٢٧ هـ.
[ ٦٧٥ ]
والحاصل أن آية العنوان توضح كون النبي (ص) ختم المرسلين بأقوى الأدلة وأوثق البراهين، فالحمد لله على ذلك.
وبعد هذا إن زعم زاعم من المسلمين أنه نبي فينبغي له أن يقرأ حديث صحيح مسلم، ثم ليدخل في عداد الثلاثين إن رضي بذلك، وإلا فليكف عن زعمه الباطل وليدخل في الإيمان.
الخاصية الخامسة والعشرون
﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (الأنبياء: ١٠٧)
مضى ألوف من الأعلام في الدنيا، وقد تلألأت أسماؤهم في سماء الشهرة مثل النجوم، وألقابهم تلقى ضوءا على شخصياتهم، فقد لقب بعضهم بالملك الكبير، وبعضهم أقوى الأقوياء وبعضهم ابن النور، وبعضهم اليقظان، وبعضهم مربي البقرة، وبعضهم ابن القمر وهكذا، وهذه الألقاب وأمثالها تدل على خاصية بارزة في أصحابها، ولكنها لا تدل على نسبتهم إلى خلائق العالم.
ولكن «رحمة للعالمين» لقب يبين خاصية نسبة النبي (ص) إلى الخلق وعلاقته بالخلق.
إن معنى الرحمة يشمل العطف واللين والرقة والمواساة والتعهد والمودة.
ومن ذا الذي يستطيع أن يقول أنه ليس بحاجة إلى هذه المعاني، وأنه يستغني عن فيوضها؟ كلا لا نجد أحدا يقول هذا.
و«العالم» مشتق من العلمية، أي كل شيء يصلح للبروز والنمو والظهور والاستمرار في الوجود، فهو جدير بأن يسمى بهذا الاسم.
ويستعمل هذا اللفظ كثيرا في التمييز بين الأنواع والأصناف والأجناس، فيقال:
عالم الجماد، وعالم النبات، وعالم الحيوان، والعالم العلوي، والعالم السفلي؛ ويستعمل على سبيل الاستعارة للمعنويات والعواطف والمشاعر، فيقال: عالم الوجد، وعالم الشوق، وعالم الشباب وغير ذلك.
[ ٦٧٦ ]
والحاصل أن استعمال لفظ «العالم» يعم المخلوق المادي والذهني، والعالمين جميع العالم، وهي تحيط بجميع العوالم.
والآن تأملوا وتفكروا في ذلك الشخص المقدس الذي يحب الجميع ويرثى لهم ويواسيهم، ومحبته عامة، يلبي حاجة الجميع بتعليمه، ويغلب بحقائقه على جميع الوساوس، ويضفى فيوضه على الماديات والمعنويات والتصورات والتصديقات، فيقومها ويصدقها.
إن رب العالمين بوصفه محمدا (ص) «رحمة للعالمين» قد أظهر أن تعليم النبي (ص) عام للجميع ونافع، وأنه ليس هناك شيء يستغتى عن رحمته (ص)، كما أن ألوهية الرب عامة، ولا يستغنى شيء عن ربوبيته.
قد يسهل على الأحمق أن يقول إنه لا يحتاج إلى الشمس وحرارتها، ولكن عالما صاحب فكر يصعب عليه أن يقول أنه لا يحتاج إلى تعليم النبي (ص) البتة.
ولينظر إلى العالم وأممه كيف اقتبست هذه الأمم المختلفة بعد النبوة المحمدية من تعليم النبي (ص) مباشرة أو بواسطة، وكيف أنها تمتعت بهذه الثروة بعد تغيير أوضاعها؟ انظروا سيرة الرسول (ص)، وحاولوا فهم معنى كونه رحمة للعالمين من سيرته:
١ - إن «رحمة للعالمين» هو الذي رأى حرب الفجار حين كان عمره أربع عشرة أو خمس عشرة سنة، فكره منذ ذلك الوقت هجوم قوم على قوم وسخط إنسان على إنسان.
٢ - وهو الذي أوجب بفطرته السليمة وطبعه الطيب أحكام حلف الفضول (١) وتسهيل الاستغاثة للمظلومين والمضطهدين وحماية الغرباء وإعانة البائسين.
٣ - وهو الذي علم طريقة تحويل العدو إلى الصديق:
﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ (فصلت: ٣٤).
٤ - وهو الذي منع المؤمنين من الانتقام من الأعداء الذين بالغوا في العداء، وحرموه
_________________
(١) انعقد حلف الفضول في مكة المكرمة، وكان أعضاؤه يحلفون على نصر المظلومين ومنع النساء واليتامى والقضاء على القتل والنهب. وقد دعا إلى هذا الحلف ثلاثة من أشراف العرب اسم كل واحد منهم فضل، فسمى بحلف الفضول، انظر البداية (٢/ ٢٩١)، ابن سعد (١٢٨/ ١).
[ ٦٧٧ ]
الحقوق الشرعية ومنعوه من العبادة، وذلك حينما كان المؤمنون قادرين على الانتقام: ﴿ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدو﴾ (المائدة: ٢).
٥ - وهو الذي رأى ترهب الكهنة وانعزال النساك وفرقة لا مساس اليهودية وفرقة اليونان الكلبية ورهبان وراهبات النصارى ومصائرهم المخزية فتلا عليهم قوله تعالى: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم﴾ (الحديد: ٢٧).
ثم ميز المدنية والإنسانية بإكليل «لا رهبانية في الإسلام» رواه أحمد في مسنده.
٦ - وهو الذي لم يخصص فرقة من اليهود كشعب الله المختار، ولم يسلم مفاتيح السماء فردا واحدا مثل الكاثوليك، ولم يجعل البراهمة وحدهم يملكون إرسال الإنسان إلى النعيم والجحيم. ولم يمنح لقب أبناء السماء بسب الولادة في منطقة خاصة كما فعل أهل الصين.
وهو الذي لم يغلق أبواب الرحمة والفضل على غير المتبعين مثل ما فعل زعماء الزرادشتية والبوذية.
٧ - وهو الذي جعل الرومي واليوناني والمصري والسوداني متساوين، ونرى في مجلسه مدعما السوداني وبلالا الحبشي وفيروز الخراساني وسلمان الفارسي وصهيبا الرومي وأثامة النجدي وعديا الطائي يجلسون جميعا جنبا إلى جنب.
وكذلك نرى ملك الجندل وحاكم عمان وذا الكلاع الحميري المدعي للألوهية وكاهن اليمن ضمادا يجلسون كلهم فرحين في آخر صف بمجلسه (ص).
٨ - وهو الذي منح اليهود المخذولين المغضوب عليهم منزلة أمة مستقلة وأكرمهم بحقوق مساوية في العهود، بعد أن أهانهم وأذلهم النصارى والوثنيون.
٩ - وهو الذي حافظ على الشعوب النصرانية جميعا، حينما كان يلعن المجمع الديني الثاني الجميع الأول، والمجمع الثالث المجمع الثاني زمان تطبيق أمورهم الدينية. وكذلك حافظ على أموال النصارى وأرواحهم، حينما سفكوا الدماء في القدس وروما ومصر حول مناقشة موضع «جسم المسيح في روح واحدة أو روحين».
١٠ - وهو الذي أرشد تعليمه «لوثر» حتى أن معارضيه يتهمونه بالدخول في الإسلام سرا، ومع ذلك لا يتردد في الاستفادة من تعليم النبي (ص)، إلى أن يسوق أوربا من الاعتقاد بالألوهية إلى الاعتقاد بالبشرية ويبعد عن الكنائس عبادة المظاهر.
[ ٦٧٨ ]
١١ - وهو الذي قدم إلى أمم العالم ودولها تعريف الدين الصحيح:
﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾ (الروم: (٣).
فهل يستطع أهل ررما بالرجع إلى كتبهم القدسة، والفلاسفة بارجع إلى توجيهات مرشديهم أن يقدموا هذا التعريف للدين الصحثح؟ وهناك أصل آخر عن الدين الصحيح، يقول تعالى:
﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (الحج: ٧٨).
والأصل الثالث الذي قامت عليه شريعة المصطفى (ص): ﴿ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم﴾ (المائدة: ٦). وبعد التعريف المذكور والأصول السابقة قال:
﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾ (البقرة: ٢٥٦). ١٢ - وهو الذي ارتفعت تعاليمه عن اختلاف الألوان وتبلبل اللسان وتباين الأوطان، واعتبرت ادعاء الحسب والنسب المحض عار من الصدق.
١٣ - وهو الذي قدم دعوة دين (هو الله أحد) إلى الأقارب والأباعد بطريقة متساوية، وجعل من الأحمر والأسود والغربي والشرقي والمتدين وغير المتدين أمة واحدة، فكانت على لسانهم كلمة واحدة، وفي قلوبهم عزيمة واحدة، وفي عقولهم تفكير واحد.
١٤ - وهو الذي فرق بين الترهب والتبتل، وربى الزهاد وهم يتحملون مسؤوليات شئون البيت، وأنذر بسخط الرحمن من يقطع الأرحام خوفا من مصائب الدنيا.
١٥ - وهو الذي شرح أمراض القلوب، وبين أماراتها، وأرشد إلى طرق علاجها، وعرف القلب السليم، وأوضح وسائل إقرار الأمن والسلام.
١٦ - وهو الذي رأى أن الهندوسية تجعل المرأة توهب وتعطى مثل النقود والحبوب، والنصرانية - قبل القرن السابع عشر الميلادي - تجعل المرأة بدون روح أو شيطانا محضا، واليهودية تجعل المرأة آلة لأغراض الشهوانية، ومزدكية إيران ومانويتها تجعلها مطية الرجال مثل الأرض الميتة. وهكذا لم يهتم هؤلاء جميعا بشخصيتها وطبيعتها وحقوقها. وهنا بشر النبي (ص) بالمبدأ الرباني:
[ ٦٧٩ ]
﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ (البقرة: ٢٢٨).
إن «اللام» في علم النحو تأتي للاستحقاق والتخصيص والتمليك، فهي هنا في قوله «لهن» تعطى النساء كثيرا من الحقوق.
وقال (ص): «النساء شقائق الرجال» رواه الترمذي وأحمد والدارمي وابن ماجة.
وقال (ص): «فاتقوا الله في النساء» رواه أحمد وابن ماجة والدارمي.
١٧ - وهو الذي حرر الإنسان من قيود العادات وسلاسل التقليد الأعمى وأغلال التقاليد الموروثة. يقول تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ (الأعراف: ١٥٧).
١٨ - وهو الذي علم الأمم مبدأ الموالاة هع الأمم، وقرر حدود عدم الموالاة أيضا، حتى يكون الحد جامعا ومانعا، فتلا (ص) قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ (المائدة: ٢).
١٩ - وهو الذي كانت وظيفته تزكية الإنسان وتطهيره من جميع الخصال الرذيلة والأخلاق السيئة، يقول تعالى: ﴿ويزكيهم﴾ (آل عمران: ١٦٤).
٢٠ - وهو الذي لا يرى منزلة الإنسان الرفيعة في توفر الثروة والمال، ولا ينفيها عند الفقر والإعدام، بل يجعل الإيمان والعلم مناط الإنسانية، ومدار الاتصاف بالآدمية.
ولفظ الإيمان يحيط بالفرائض الإلهية، ولفظ العلم يشمل واجبات الوجود، انظروا إلى قوله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ (المجادلة: ١١).
ولتقرير فضيلة العلم في الأذهان قال (ص):
«فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» رواه الترمذي.
٢١ - وهو الذي أطلع العالم على سر:
«أبغض الحلال إلى الله الطلاق» رواه أبو داود.
وأفاد أن الطلاق مصير محتوم لحل المشاكل المعينة، وأنه يصير واجبا حين ذاك كقطع عضو من أعضاء الإنسان إذا تسمم مع أن قطعه أمر مكروه على كل حال.
[ ٦٨٠ ]
إن الحديث النبوي ينبه المطلق بأنه مقدم على أمر خطير ليس مبغوضا عند الله فحسب، بل إنه من أبغض الحلال، ولذا يجب عليه أن لا يقدم على الطلاق إلا إذا انسدت عليه جميع الطرق لبقاء صحته وللحفاظ على دينه وعرضه.
٢٢ - وهو الذي أوجب لسد باب الطلاق إجراءات يضمن العمل بها إنقاذ كل متسرع غافل عن العاقبة يغلبه غيظه من مفسدة الطلاق، عن طريق الإجراءات التالية: (الف) الإجراء الأول لفض النزاع بين الزوجين اختيار حكم من أهل الزوج وآخر من أهل الزوجة، حتى يستمعا إلى أحوال الزوجين وشكاويهما ثم يقضيا بينهما بقضاء عادل.
(ب) إن لم يصلحا وظهر التقصير من الزوجة فعلى الزوج أن لا يضاجعها لمدة، وهذا الإجراء مؤثر جدا.
ج - فإن لم يتحقق الصلاح فللزوج أن يضرب الزوجة ضربا خفيفا للتأديب ويتقي الوجه، وهذا الإجراء مؤثر في ناقصات الفهم.
د - فإن لم ينفع الإجراء السابق فللزوج أن يطلق زوجته واحدة، ويتحين لذلك طهرها من الحيض، وهذا الانتظار أيضا في موانع الطلاق الأول.
ويجب بعد الطلقة الأولى أن يسكن الزوجان في بيت واحد، ويبيتا فيه، وهذه المعاشرة تتيح دون شك للزوجين فرصة مراجعة النفس والنظر في الأعمال والمواقف والعادات التي أدت إلى سوء الفهم بينهما، وهكذا قد تسهل هذه المراجعة إصلاح المخطئ منهما لأخطائه ولو وقعت بينهما مجامعة، ولا يمنع منها الطلاق الأول فتكون النتيجة في الغالب زوال التنافر وعودة الانسجام.
هـ - بعد مضي شهر إذا كانت المرأة في الطهر الثاني فللزوج أن يطلقها ثانية، ويظل الزوجان يعيشان معا كما كان بعد الطلقة الأولى. وهنا تكون أمامهما فرصة شهر أخرى يمكن أن يتراجعا فيها ويصلحا ما بينهما ويتخليا عن الغضب والتهور ويتعاملا برفق وتسامح، فلو نجحا في إعادة الأمور إلى مجراها الطبيعي فإن الطلاقين السابقين لا يمنعانهما من ذلك.
و- بعد ذلك يأتي وقت الطلقة الثالثة حينما تدخل المرأة في طهرها الثالث، وهنا
[ ٦٨١ ]
ينبه الشرع الزوج بأنه لو أصر على موقفه ولم يتخل عن إرادة الفراق فإن الزوجة تحرم عليه البتة بعد الطلقة الثالثة، فإن طلقها للمرة الثالثة دون روية فليس مصيره إلا الندم.
فإن لم تستأصل جذور الكراهية بعد هذه التوجيهات وبقى الزوج مصرا على الطلاق فإن الشرع لا يكرهه ولا يجعل عقد الزواج طوق لعنة في عنقه مدى الحياة.
إن تعاليم الرسول الأمين الذي هو رحمة للعالمين لا ترضي بأن تخرج زوجة وفية من البيت هكذا مرة واحدة بمجرد طعن صدر عن جاهل أجنبي، كما يحكى في أمر «سيتا» أو ينعزل الزوج عن الزوجة دون سبب، كما يفعل اليهود الذين يعتبرون المرأة مجرد خادم.
وكذلك لا تقول هذه التعاليم باستحالة التخلص من المرأة مع سوء خلقها وقبح أعمالها إلا بتوجيه تهمة الزنا إليها، كما فهم من تعليم الإنجيل، نعم قد مهد رحمة للعالمين، بعد مراعاة حقوق الزوجين غاية المراعاة الطريق الوسط فلا إفراط ولا تفريط.
٢٣ - وهو الذي قضى على عادة العرب في تقسيم إرث الميت بين أفراد الأسرة الذين يحملون السلاح، وحرمان المرأة والأولاد الصغار والبنت والأخت من الميراث، لقد منح (ص) المرأة حقها من مال الأب إن كانت بنتا، ومن مال الأخ إن كانت أختا، ومن مال الزوج إن كانت زوجة، ومن مال الأولاد إن كانت أما. وقد اختارت عدة أمم غير مسلمة تشريع النبي (ص) هذا في التوريث.
٢٤ - وهو الذي أنقذ الأولاد من الفقر والبؤس بتشريع الوقف على الأولاد، وأنقذ المال من الضياع، والأسرة من الهلاك، وكان العالم قبل ذلك يجهل هذا المبدأ تماما.
٢٥ - وهو الذي قيد جواز الحرب بشروط أولية وهي: الاضطهاد والظلم والحرمان من الحقوق الدينية والوطنية دون سبب، وعدم صيانة أموال المحافظين على الدين الحق وأنفسهم، وعدم استتباب الأمن العام، وتعرض الأديان وأماكن عبادتها للدمار والهدم.
وهذه الحقيقة تتجلى بالآيات التالية:
﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (*) الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع
[ ٦٨٢ ]
وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا﴾ (الحج: ٣٩، ٤٠).
٢٦ - وهو الذي حرم الخمر تحريما باتا، ووصفها بأم الخبائث ولم يسمح بقليل منها «فإنه سيؤدي إلى الكثير» كما سمح بولوس بمزج قليل منها مع الماء للتحميض، قال تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ (المائدة: ٩٠).
وقد ورد تفسير هذا الحكم في قول رسول الله (ص):
«كل ما أسكر كثيره فقليله حرام» (١).
٢٧ - وهو الذي حرم أقسام الزنا كلها التي عرفت في الجزيرة العربية والهند وغيرها بأسماء شتى إخفاء لشناعتها، وأظهر هذا الحكم جيدا في الخطب والأحاديث، يقول تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون (*) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ (المؤمنون: ٥ - ٧).
٢٨ - وهو الذي وضح أصول العفو عن أسرى الحرب ومعاملتهم برفق في حين أن التوراة قد حرمت إنقاذ أرواح بهائم الأعداء ونسائهم فضلا عن أرواحهم أنفسهم، وقالت إن ذلك يستوجب غضب الرب تعالى، قال تعالى:
﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنثموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء﴾ (محمد: ٤).
إن أخذ الفدية والإحسان إلى العدو المعتدي الذي أسر بعد هزيمته لم تعرفه أقوام العالم جميعا، ولم يعمل به أحد، ولكن النبي (ص) عمل بذلك الأصل في أسرى بدر وأحد ومكة وحنين وقد كانوا من ألد أعدائه من قتلة المؤمنين ومحاربي الله والرسول (ص).
٢٩ - وهو الذي عرف الأمة الأمية بالعلم، وأقام منزلته في قلوبهم وشوقهم إليه ثم رفعهم إلى منزلة المعلمين والمقرئين. وقد كانوا قبل ذلك يفتخرون بأميتهم ويرونها رمزا لأمية الطفل المولود حديثا. انظروا إلى قوله جل وعلا:
_________________
(١) عون المعبود (١٠/ ١٢١)، الترمذي (١٨٦٥)، ابن ماجة (٣٢٩٢).
[ ٦٨٣ ]
﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ (الجمعة: ٢).
وقوله: ﴿ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ (البقرة: ١٥١).
٣٠ - وهو الذي بين أمراض القلب، ودل على أماراتها وطرق علاجها، وعرف القلب السليم وأوضح وسائل استتباب الأمن.
٣١ - وهو الذي علم العاصي أسرار التوبة وشرح أجزاءها وخواص كل جزء منها وحقيقتها التركيبية.
٣٢ - وهو الذي رتب أبواب تزكية النفس وتطهير الباطن وبين الأخلاق الفاضلة وأبواب الإحسان بعد التمييز بينه.
٣٣ - وهو الذي عرف التقوى وخشية الله والانقطاع التام والأنس الكامل ومدارج الرجوع ومراتب الإحسان وحقيقة الورع والتوكل وروح الإخلاص والصدق ومقامات القرب والرضا.
٣٤ - وهو الذي جعل بين العبد والمعبود صفة «حبل الله المتين»، ودل على طرق وصول الضالين إلى الهداية السماوية.
٣٥ - وهو الذي علم قطاع الطرق الهداية، والملوك الأخوة، ومنح المماليك الملوكية وأجلس رعاة الإبل على بساط كسرى.
٣٦ - وهو الذي برهن على العلوم الغيبية بآثار الأنفس والآفاق، وعرف بالأعمال وعلاقتها مع الروح، ربالميزان وبالتوازن بين الحق والباطل.
٣٧ - وهو الذي حرر شمال جزيرة العرب من عبودية روما، وجنوبها من عبودية فارس، وقضى على ملوك الطوائف، وعلى القتل والنهب، وجعل الدم الإنساني أغنى الأشياء في العالم، وأنقذ فارس من الفواحش وروما من الترف البهيمي ومد أجنحة الأمن إلى الدنيا كلها، ورفع بنيان السلام وبذل الجهود كلها: ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾.
٣٨ - وهو الذي اتخذ الوسائل للقضاء على مساوئ العبودية، وأوجب المساواة بين
[ ٦٨٤ ]
العبيد ومواليهم في المأكل والملبس وأمر بأن لا يكلف العبيد بما لا يطيقون، وهكذا جعل العبيد جزءا من الأسرة وأعضاء فيها.
٣٩ - وهو الذي منح العبد حق المكاتبة بحيث يستطيع أن يطالب به في المحكمة ويكره مولاه على تحريره إزاء مل معين.
٤٠ - ومن أمر الجميع بمعونة العبد المكاتب بالمال حتى يعتق نفسه وأمر بذلك حتى مولاه أيضا.
٤١ - وهو الذي خصص ثمن دخل الصدقات للحكومة الإسلامية للقضاء على الرق، قال تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾ (التوبة: ٦٠).
٤٢ - وهو الذي أتاح فرصة تحرير العبيد في قانون الشريعة، وتفصيل ذلك موجود في أبواب الطهارة والصوم والحج.
٤٣ - وهو الذي أخبر الموالي بأن تحرير العبيد عتاق من النار (١).
٤٤ - وهو الذي ساوى بين المولى وعبده في الحقوق، وجعل السيد مولى العبد، والعبد مولى السيد.
٤٥ - وهو الذي أورث الصلة والعلاقة بين العبد وبين مولاه بعد تحرره، صلة تثبه صلة الدم، أي أرشد إلى أن العبد يرث مولاه إذا لم يكن له وارث، وهكذا يرث المولى عبده مع الشرط السابق.
٤٦ - وهو الذي منح العبيد حق المصاهرة والقرابة، وأخذ الإمارة والحكومة ونصب الإمامة والولاية، وإعطاء الأعداء الصلح والأمان.
كان الرق شائعا قبل الإسلام في جميع البلاد والأمم والأديان.
فهل بذل أحد قبل النبي (ص) الجهد للقضاء على الرق ورفع مكانة الأرقاء؟ في الهند يوجد المنبوذون بأعداد تفوق أعداد البراهمة والكشتريين والويش، وصفة المنبوذية قد التصقت بهذه الطبقة روحا وجسدا منذ مئات الأجيال وملايين السنوات. والشعوب المنبوذة حرمت جميع الحقوق الاجتماعية والعلمية والدينية وفق القوانين الهندوكية،
_________________
(١) البخاري ٢٥١٧، ومسلم ١٥٠٩.
[ ٦٨٥ ]
وجعلت أموال المنبوذين تحت تصرف البراهمة، ولم يوجب القصاص على أحد من البراهمة في قتل المنبوذ.
أما الإسلام فليس بين أهله منبوذا، فأموال الجميع وأرواحهم مصانة على حد سواء، والجميع سواء في الحقوق الاجتماعية والمدنية وكل يصلح أن يشغل منصب الحاكم والملك في أمور الدنيا، ومنصب الإمامة في أمور الدين.
لقد طال بحثنا في هذه النقطة، وليس من منهج الكتاب تفصيل الكلام في كل نقطة من هذه النقاط، ولذا نختم هذا البحث الطريف هنا، ونود أن نوضح للقراء أن «رحمة للعالمين» ليس خاصية للنبي فحسب، بل اسم وعلم أيضا، ولم يقترحه أحد، ولا سماه به أبوه أو أمه، ولا تخيله شاعر، ولا نطق به عاشق حبيب، بل إنه حقيقة كشف عنها الله تعالى، ومنبع صدق، دل عليه النبي (ص) وبشارة تريد القدرة الربانية إيصالها إلى أذن كل مخلوق، ونداء سار يجعل العالمين يتطلعون إلى المنن الإلهية.
الخاصية السادسة والعشرون
﴿فبهداهم اقتده﴾ (الأنعام: ٩٠)
معنى الاقتداء في اللغة موافقة الثاني للأول.
ونظرة عابرة إلى معنى الآية توضح أنها تأمر النبي (ص) باتباع غيره، ومن الظاهر أن هذا المعنى يعارض اعتقاد كافة المسلمين من أنه (ص) إمام الأنبياء كلهم.
ومن هنا نحتاج إلى تفسير معنى الآية، حتى يتضح أن الآية دالة على فضل النبي (ص). وينبغي للقراء أن يبدأوا التدبر من قوله تعالى ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات﴾ (الأنعام: ٧٥).
إن الله تعالى ذكر في هذا الركوع ثماني عشر نبيا، وقد روعي في هذا الذكر ترتيب بديع غير الترتيب الزمني وترتيب المنزلة:
الأول ترتيب حسب أصول النسب: وقد ذكر في هذا الصنف من الأنبياء: نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈، فإن أنساب أنبياء العالم تنتهي إليهم، وأكثر الأمم تنتسب إليهم من ناحية النسل:
[ ٦٨٦ ]
والثاني الترتيب حسب الملك والقدرة: وذكر منهم داود وسليمان ﵉. والثالث الترتيب حسب مراتب الشكر والصبر: وذكر فيه أيوب ويوسف ﵉.
والرابع الترتب حسب المعجزات وظهور الآيات: وذكر فيه ذكر موسى وهارون.
والخامس الترتيب حسب الزهد والإعراض عن الدنيا: وذكر فيه زكريا ويحيى وعيسى وإلياس ﵈.
والسادس الترتب حسب الدعوة في الأمم المختلفة: وذكر فيه ذكر إسماعيل واليسع ويونس ولوط.
وهنا ينبغي أن نذكر أحوال هؤلاء الأنبياء بإيجاز.
نوح ﵇: هو نوح بن لامك بن متوشالح بن أخنوخ بن يارد بن مهلل إيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ﵇.
وكان عمر نوح خمسمائة سنة حينما ولد له سام وحام ويافث، وعندما كان عمره ستمائة سنة بدأ الطوفان في السابع عشر من الشهر الثاني، فكان المطر ينزل من السماء وينبع الماء من الأرض أربعين يوما، ثم توقفت الزيادة، ونقص الماء في مائة وخمسين يوما، ورست سفينته على جبل أراراط في اليوم السابع عشر من الشهر السابع، ونزل نوح من السفينة إلى الأرض في سنة ٦٠١ من عمره، في السابع والعشرين من الشهر الثاني، أى بقى في السفينة عاما واحدا وأحد عشر يوما، وعاش بعد الطوفان ٣٥٠ سنة. وقد ولد النبي (ص) بعد طوفان نوح بخمسة آلاف وثلاثمائة وخمس وسبعين سنة (١).
إبراهيم ﵇: وهو إبراهيم بن آذر (تارح) بن ناحور بن سروج بن رعو بن فالة ابن عابر بن شالح بن أرفكشاد بن سام بن نوح ﵈.
وكان عصره قبل النبي (ص) ب (٢٥٨٥) سنة، وهاجر من وطنه وعمره ٧٥ سنة، فوصل إلى كنعان، (بلد كنعان بن حام بن نوح.) وقد وعد الله تعالى أن يعطى هذه البلاد أولاده، ثم ذهب إلى مصر، ولما عاد منها أقام في كنعان، ومن هنا انفصل لوط عليه
_________________
(١) سفر التكوين ٦/ ٩، أبو الفداء ١٠/ ١، قصص الأنبياء ص ٤٥ وبعدها.
[ ٦٨٧ ]
السلام الذي كان معه في الهجرة وسكن على شاطىء بحر بارون، وكانت هذه المنطقة للملك سدوم، وقد هجم عليه الملك عيلام مع حلفائه الثلاثة، فأخذوا معهم لوطا أسيرا، فحاربهم إبراهيم ﵇ وخلص لوطا وفاز بغنائم كثيرة. ولما كان عمره ثمانين سنة ولد له إسماعيل ﵇ من بطن هاجر بنت ملك مصر.
وكان عمره ٩٩ سنة حين نزل الأمر بالاختتان فاختتن وختن ابنه إسماعيل، وكان عمره مائة سنة حين ولد له إسحاق. أطلق على إبراهيم خليل الرحمن، ولقب بعمود العالم وآدم الثالث، ويكنى أبا محمد وأبا الأنبياء. وتوفى وعمره ١٧٥ سنة. ومن ذكريات نبوته الخالدة: الكعبة ومناسك الحج.
وكان كل نبي بعد إبراهيم في أي بلد أو أمة من نسل إبراهيم (١).
إسحاق ﵇: كان إبراهيم ابن مائة سنة حين ولد له إسحاق من سارة، وكانت من نسل جد إبراهيم ومن المؤمنين الأولين.
وكان إسحاق ابن أربعين سنة حين تزوج بربقة، وكانت حفيدة شقيق إبراهيم ناحور، وقد ولدت لإسحاق توأمين: عيسو ويعقوب ﵉. وتوفى إسحاق ﵇ وهو ابن مائة وثمانين سنة (٢).
يعقوب ﵇: لقبه إسرائيل، وقد ولدت له زوجته ليئة ست بنين، وراحيل ابتين، وزلفة كذلك، وجاريته بلهة ابنين كذلك.
ولما دعا يوسف يعقوب إلى مصر كان عمر يعقوب مائة وثلاثين سنة، وبقيا مجتمعين في مصر سبع عشرة سنة، وتوفى يعقوب في مصر، فحمل يوسف جنازته إلى كنعان بكل حفاوة كما يفعل بجنازة الملوك، فدفن بجنب إبراهيم وإسحاق، وقدرت وفاة يعقوب في ١٦٨٦ ق. م. (٣).
يوسف ﵇: هو بكر راحيل زوجة يعقوب، ومعنى يوسف: المزيد، وذلك أن أمه قالت عندما ولدته: يزيد في الرب ابنا آخر. ألقى في الجب حينما كان ابن سبع
_________________
(١) سفر التكوين ٣٧/ ١ وبعدها، أبو الفداء ١٣/ ١، قصص الأنبياء ص ٩٣.
(٢) سفر التكوين١/ ٢١ وبعدها، أبو الفداء ١٦/ ١، قصص الأنبياء ص ١٣٠.
(٣) سفر التكوين ٢٥/ ٢٤ وبعدها، أبو الفداء ١٦/ ١، قصص الأنبياء ١٥٤.
[ ٦٨٨ ]
عشرة سنة، فأقام فيه ثلاثة أيام، وأقام ست سنوات في بيت عزيز مصر، ومكث في السجن سبع سنين. وتم له ملك مصر وعمره ثلاثون سنة، ولما كان ابن أربعين سنة لقي أباه يعقوب بعد فراق دام ثلاثة وعشرين عاما، وبعد حكم دام ثمانين عاما توفى وله من العمر مائة وعشر أعوام، ورأى أحفاده وأولادهم.
وكان قد تزوج في مصر أستات بنت فوطى كاهن أون، فولدت له منسى وأفرايم (١).
داود ﵇: هو داود بن يسى بن عوبيد بن بوغر بن سلمون بن نحشون بن عمينا داب بن أرام بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق، ﵈.
كان الابن السابع لأبيه، واشتهر أمره بالحرب التي شنها أهل فلسطين ضد بني إسرائيل.
كان في جيوش الفلسطينيين رجل شجاع اسمه جليات (جالوت) طوله ستة أذرع وشبر، وعلى رأسه خوذة من نحاس، وكان لابسا درعا حرشقيا، وجرموقا من نحاس على رجليه.
كان هذا الفلسطيني يتقدم مبارزا أربعين يوما، ولم يخرج إليه أحد من صفوف إسرائيل، وكان داود خرج إلى ساحة الحرب سائلا عن أخوته الثلاثة الذين اشتركوا في الحرب، فسمع هناك أن شاول ملك إسرائيل أعلن أن الذي يقتل هذا الفلسطيني يغنيه الملك غنى كثيرا ويعطيه بنته ويجعل بيت أبيه حرا في إسرائيل.
فاستأذن داود الملك وخرج لمبارزة جالوت، ومد يده إلى الكنف وأخذ منه حجرا ورماه بالمقلاع وضرب الفلسطيني في جبهته فأصابه الحجر في جبهته وسقط على الأرض فأخذ داود سيفه وقطع به رأسه.
ثم ارتقى داود وصار قائدا للجيش ثم صهرا للملك، ولكن الملك حسده على سطوع نجمه وارتفاع شأنه، فاختبأ داود ثم هرب خوفا على نفسه، وانتهى الأمر بشاول أن هزمه الفلسطينيون في موقع فما كان منه إلا أن انتحر، وكذا انتحر ولي عهده، وهنالك اتفق بنو إسرائيل على أن يكون داود ملكا عليهم، وملك أربعين سنة بنجاح
_________________
(١) سفر التكوين ٢٢/ ٣٠. أبو الفداء ١٧/ ١، قصص الأنبياء ص ١٥٤.
[ ٦٨٩ ]
وعدل ورفعة. وكان عدد زوجات داود تسعا وتسعين، وعدد أبنائه ثمانية عشر، وعدد بناته سبع عشرة، ولم يرثه منهم إلا سليمان، وكانت وفاة داود قبل النبي (ص) بست وثمانين وخمسمائة وألف سنة (١٥٨٦) وكان عمره آنذاك سبعين سنة (١).
سليمان ﵇: ولد من شبشبع بنت اليعام في أورشليم بعد حصول داود على الملك، وتزوج سليمان بنت فرعون مصر.
وفي الشهر الثاني من السنة الرابعة من جلوسه على العرش بنى سليمان البيت للرب، فجعل طوله ستين ذراعا وعرضه عشرين ذراعا، وسمكه ثلاثين ذراعا، وبنى من حوله مبان كثيرة، وقد تم بناء البيت في سبع سنين.
وقد حكم سليمان أربعين سنة بعز ورفعة ومجد، وقد عرف عهده بالأمن والعدالة، وكانت له ألف امرأة لفراشه ما بين حرة وجارية منها ثلاثمائة جارية. وكانت وفاته قبل النبي (ص) بست وأربعين وخمسمائة وألف سنة (١٥٤٦) (٢).
أيوب ﵇: هو أيوب بن موص بن رازح بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵈.
ولد له سبعة بنين وثلاث بنات، وكانت مواشيه سبعة آلاف من الغنم وثلاثة آلاف جمل، وخمسمائة زوج من البقر وخمسمائة أتان وخدم كثيرون جدا، فكان هذا الرجل أغنى أهل المشرق.
ولما نزلت بهم المصيبة كان بنوه وبناته يأكلون ويشربون في بيت أخيهم الأكبر، وإذا بريح شديدة جاءت عبر القفر فصدمت زوايا البيت الأربع فسقط على الغلمان.
وهناك جاء رسول يخبر أن السبائيين أخذوا البقر والأتن وقتلوا الغلمان ولم ينج غيري.
ثم جاء آخر يخبر أن نار الله سقطت من السماء فأحرقت الغنم والغلمان وأكلتهم ولم ينج غيري.
_________________
(١) صموئيل الأول ١٧/ ١٢ وبعدها، قصص الأنبياء ص ٣٦١، أخبار الأيام الأول ١٨/ ١٤.
(٢) صموئيل الثاني الإصحاح الحادي عشر والملوك الأول، تاريخ ابن خلدون ١٤٤/ ١، قصص الأنبياء ٣٧٧.
[ ٦٩٠ ]
ثم جاء آخر يخبر أن الكلدانيين عينوا ثلاث فرق فهجموا على الجمال وأخذوها وقتلوا الغلمان ولم ينج غيري.
وسمع أيوب ذلك كله وخر على الأرض وسجد وقال: عريانا خرجت من بطن أمي، وعريانا أعود إلى هناك.
ثم أصيب أيوب بحكة في جسمه، كان يحك جلده فيتحول إلى قروح، وهكذا تقرح جسده كله، ولكنه لم يتكلم بكلام خاطئ، كان يجلس على الرماد.
استمرت به هذه المصيبة عدة سنين، ثم نزلت به رحمة الله بعد أن تاب واستغفر فتعافى وشفى وكثرت ثروته وماشيته.
ثم أنعم عليه الله بسبعة بنين وسبع بنات. فرأى أربعة أجيال من أولاده وعاش بعد البلاء مائة وأربعين سنة في سعادة ورخاء وعزة ثم توفى. وكان عصره قبل النبي (ص) بنحو
واحد وعشرين قرنا (١).
موسى ﵇: هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب ﵈. وقد ذكر البعض أن عمرام (عمران) ابن قاهث، ولم يذكر بينهما يصهر.
وقد وردت أحواله مفصلة في القرآن الكريم والتوراة. عمر موسى مائة وعشرين سنة، وتوفى في وادي موآب ودفن هناك. وكانت وفاته قبل النبي (ص) بنحو ٢٠٢٢
سنة (٢).
هارون ﵇: كان شقيق موسى وأكبر منه بسنة. توفى قبل موسى بثلاث سنوات في جبل حور (٣).
زكريا ﵇: في مجموعة الكتاب المقدس كتاب خاص بزكريا. وهو معاصر لزروبابل ويبدو أن عصره قبل المسيح بخمسة قرون.
أما زكريا الذي ورد ذكره في سورة آل عمران وسورة مريم من القرآن الكريم فإنه والد
_________________
(١) سفر أيوب (كاملا) أبو الفداء ١٦/ ١.
(٢) العهد القديم ٢٣٧ - ٨٨، تاريخ الطبري ١٩٨/ ١، ابن خلدون ١/ ١٢٠، أبو الفداء ١٨/ ١، قصص الأنبياء ص ١٨٩.
(٣) الطبري ٢٢٣/ ١.
[ ٦٩١ ]
يحيى، وفي بيته كانت خالة المسيح، وقد تم تعميد المسيح بيده. ومن هنا فإنه غير زكريا الذي ذكره الكتاب المقدس، بل تشابهت أسماؤهما فقط.
وزكريا الذي ذكره القرآن الكريم كان إمام بيت المقدس وخادمه، وهو الذي كفل مريم ورباها. وقد ذكر إنجيل لوقا (الأصحاح الأول) زكريا وابنه يحيى.
يحيى ﵇: سمى في الإنجيل بيوحنا المعمدان. هو ابن زكريا ﵇، وذكر القرآن قصة ولادته في سورة آل عمران وسورة مريم، وكانت تسميته من الله تعالى، وبعد بلوغه الرشد سكن في البرية يأكل عسلا بريا وجرادا، ويذكر ويعظ، وكان يدعو الناس إلى التوبة من الذنوب، وكان يعمدهم أي يغسلهم في نهر الأردن للتوبة من الخطايا، ومن هنا جرت عادة التعميد.
وكان يحيى أكبر من المسيح بستة شهور، ولكنه بدأ التذكير قبل المسيح بست سنين.
وكان الحاكم على اليهود في عهده رجلا روميا اسمه هيرودس، كانت له علاقة غير شرعية مع بنت أخيه فيليوس، فأراد أن يتزوجها ورضيت بذلك أم البنت أيضا، ولكن يحيى لم يرض به وعارضه وقال إنه محرم في شريعة اليهود، فحبس الحاكم يحيى.
وكانت أم البنت تحرض الحاكم ضد يحيى، ولكنه لم ينزل عند رغبتها فألحت عليه وأخرجت فتاتها إلى عمها في زينتها ورقصت أمامه فسر منها وطلب إليها أن تطلب ما تتمناه ليحققه لها، فطلبت رأس يحيى ووفى لها عمها الحاكم بذلك وقتل يحيى في السجن وقدم رأسه إلى البنت فأهدته إلى أمها.
وكان ذبح يحيى بعد مضي ثلاثين سنة من عمر عيسى، أي قبل مولد النبي (ص) بإحدى وأربعين وخمسمائة سنة (١).
عيسى ﵇: كان اسم عيسى ﵇ بالعبرية (يشوع) أي المخلص، وقد وافقت أسماء أفراد أسرته أسماء أفراد أسرة موسى ﵇.
فاسمه يشوع كان يوافق اسم خليفة موسى الأول يوشع بن نون، واسم أمه مريم وافق اسم أخت موسى، واسم خاله هارون وافق اسم شقيق موسى هارون، واسم جد عيسى عمران وافق اسم أبي موسى
_________________
(١) إنجيل يوحنا، تاريخ ابن خلدون ٣١٢/ ١ أبو الفداء ٣٤/ ١، قصص الأنبياء ص٤٤٠.
[ ٦٩٢ ]
ذكر القرآن الكريم أن مريم لما كانت في بطن أمها نذرت الأم أن تجعل ما في بطنها من الحمل محررا لخدمة الهيكل.
فلما وضعت أنثى تحيرت، فالبنت لم تكن تصلح لخدمة الهيكل، ولكن المرأة الصالحة ذهبت بمريم كما نذرت إلى بيت المقدس ووضعتها عند الأحبار فقرروا قبول البنت لخدمة الهيكل وكفلها زكريا.
ولما بلغت مريم مبلغ النساء جاءها الملك يبشرها بولادة عيسى من بطنها وإن لم يمسسها بشر، وقد ولد المسيح كما بشر الملك وسمى عيسى (يشوع).
قضى عيسى صباه في مصر، وفكر في أحوال اليهود إلى ثلاثين سنة من عمره، ثم بدأ يبلغ ويدعو الناس، وكان من اجتهاده في الدعوة أنه لم يكن يقيم في مكان واحد أكثر من ليلة؛ وهكذا أرسل صوته إلى كل قرية من قرى بني إسرائيل في فلسطين، وبعد ثلاث سنوات رفعه الله إلى السماء.
وقد اتبع عيسى في هذه المدة اثنا عشر رجلا، منهم واحد تحول إلى الخيانة. ويرى لوقا مؤلف كتاب الأعمال أن عدد الذين آمنوا بالمسيح يبلغ ١٢٤ شخصا.
واليوم عند كتابة هذه السطور يكون التاريخ الميلادي هو ١١ سبتمبر ١٩٢٩ م، ويقال أن التقويم الميلادي ابتدأ بولادة المسيح، ولكن ثبت بالبحث والتفحص أن مولد المسيح كان قبل تلك السنة بأربع سنين (١).
وقد أوردنا المباحث العلمية حول رفع عيسى ونزوله في كتابينا «غاية المرام» و«تأييد الإسلام».
إلياس ﵇: هذا هو الاسم الثاني لإدريس ﵇، ولكنه ليس المراد في الآية، فالآية تذكر ذرية نوح، وإدريس من آباء نوح.
ونسبه هكذا: إلياس بن بنا بن فنحاص بن عميرا بن هارون. ولذا كان زمنه قبل النبي (ص) بنحو تسعة عشر قرنا، واشتهر لدى البعض أن إلياس لا يزال حيا إلى الآن، ولكن لم يثبت عن حياته أية رواية عن النبي (ص)، فالزعم المذكور لا أساس له (٢).
_________________
(١) إنجيل متى وإنجيل لوقا مواضع متفرقة، تارخ ابن خلدون ١/ ٢١٤، أبو الفداء ١/ ٣٤، قصص الأنبياء ص٤٤٣.
(٢) قصص الأنبياء ص ٣٨، وذكر له نسبا خلاف المؤلف.
[ ٦٩٣ ]
إسماعيل ذبيح الله ﵇: هو ابن سيدنا إبراهيم الخليل من بطن هاجر، ولد في فلسطين وهاجر إلى مكة وأخواله في مصر. وقام بالدعوة في الحجاز واليمن وحضرموت.
ساهم في بناء الكعبة مع أبيه، وهو ذبيح الله حامي بيت الله. كان عصره قبل النبي (ص) بنحو ٢٢٤٠ سنة. أجاد اللغات المصرية والبابلية والفلسطينية والعربية. تزوج
بواحدة في مصر وأخرى في الجزيرة العربية.
رزق من الزوجة العربية اثنى عشر ولدا صار كل منهم رئيس قبيلته وحاكم منطقته.
وزوج ابنته من ابن أخيه العيص بن إسحاق.
ونبينا ﵇ من أبناء قيدار وهو الولد الثاني لإسماعيل، وقد تردد ذكره في الكتاب المقدس وتساوى إسماعيل وإسحاق ﵉ في البركات الإلهية، ومع ذلك امتاز إسماعيل ببعض الفضائل:
١ - إنه من بناة بيت الله وحماته، ولم تتحقق هذه الميزة لإسحاق.
٢ - إنه ذبيح الله، ومع أن المسلمين وأهل الكتاب اختلفوا في من هو الذبيح، ولكن الأدلة والآثار القديمة تشهد بذلك لإسماعيل.
٣ - إنه الابن الذي اشترك مع أبيه في العهد الذي عقده الله تعالى مع إبراهيم منذ بدايته ولما يولد إسحاق، ولذا فإنه ابن العهد (١).
٤ - كانت دعوته على نطاق واسع، فبلغت دعوته جميع بطون العرب العرباء، ولكن لم يذكر شيء من ذلك عن إسحاق، لا في النصوص الإسرائيلية ولا الإسلامية. ولذا يغلب على الظن أن دعوته كانت على نطاق ضيق جدا، والعلم عند الله (٢).
اليسع ﵇: أظن أن المراد باليسع هو أشعياء الذي ورد باسمه كتاب في العهد القديم، وقد تضمن نبوءات كثيرة. وكان في أيام عزيا ويوثام. قبل النبي (ص) بنحو ١٣٢٠ عاما.
يونس ﵇: ورد ذكره في القرآن الكريم في سورة الصافات والأنعام والنساء
_________________
(١) سفر التكوين (١٧).
(٢) سفر التكوين، تاريخ ابن خلدون ١/ ٥٤، أبو الفداء ١/ ١٥، قصص الأنبياء ص ١٣٣.
[ ٦٩٤ ]
مع سورة باسمه وقد ذكر النبي (ص) أمام عداس النينوى أنه: «يونس بن متى أخي» وقد سماه الله تعالى في سورة ن صاحب الحوت، وقصته مشهورة جدا (١).
لوط ﵇: هو ابن أخي إبراهيم، هاجر معه إلى مصر وعاد إلى الشام ثم فارقه ونزل إلى سدوم في دائرة الأردن، وكانت منطقة دعوته. واشتد قومه بالفاحشة والعصيان، ولما حاولوا إهانته قلب الله عليهم قراهم وبيوتهم وأمطر عليهم حجارة من السماء (٢).
والآن تدبروا الآية القرآنية السابقة.
لقد حصل للنبي شرف خاص على أساس أصول النسب، فتنقطع الأنساب كلها يوم القيامة ويبقى نسبه (ص).
وتأملوا واضعين في أذهانكم أصول الحكمة، فقد أنقذ (ص) العرب من سيطرة الآخرين، وأوصلهم إلى الحكم.
وآية العنوان تأمر النبي (ص) باستجماع الصفات العالية لجميع الأنبياء ﵈، وهكذا يحصل التطابق الأخلاقي فكأنه قيل: ينبغي أن يكون النبي (ص) في نسبه أساس العالم، وأن يغني الناس عن الانتساب إلى نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب. وليوحد (ص) بين قبائل العرب العديدة والشعوب المختلفة مثل داود، حتى يصيروا أمة واحدة بل شخصا واحدا، ويصدق عليهم قوله (ص): «هم يد واحد على من سواهم» (٣).
وليجعل (ص) البلاد خصبة عامرة بالسلام والصلح مثل سليمان ﵇، وليبن لعبادة الله تعالى معبدا أقدس من بيت المقدس وأبعد من أيدي الأعداء. وليقدم (ص) نموذج صبر أيوب، فقد قال الله تعالى له:
﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ (النحل:١٢٧).
_________________
(١) قصص الأنبياء ص ٤١٩.
(٢) سفر التكوين ١١، ١٩، تاريخ ابن خلدون ١/ ٥٣، أبو الفداء ١/ ١٥، قصص الأنبياء ص ١٤٦.
(٣) أبو داود (٢٧٣٤).
[ ٦٩٥ ]
وليقدم (ص) نموذج عفو يوسف للأعداء والأشقياء، حتى يذهب حقدهم وغلهم وتمتلئ قلوبهم بحب النبي (ص) ورغبة في اتباعه.
وكان من وظيفة النبي (ص) أن يصلح مثل موسى نظراء فرعون المتمردين بالبراهين الصادقة والآيات الباهرة، ويفتح باب النجاة للسحرة، ويتم النعمة بشريعة منيرة بدلا من الطبيعة النارية.
ومن شأنه (ص) أنه رفع المنبر بخطبه والمحراب بإمامته مثل هارون، وأحيى الميتين وعرف جذع النخلة الجاف ألم الحب.
وهو الذي أخبر العالم عن قوة الدعاء مثل زكريا، وبين لأمته آداب الدعاء وأوقاته وألفاظه ومراتبه.
وهو الذي جعل التمر والماء النقي غذاء له ولأهل بيته، كما كان يحيى يتقوت بالعسل البري والجراد، فلم تكن النار توقد في بيته (ص) شهورا.
كان إلياس يشتهر بسقي العطشانين والمسافرين في الصحراء، ونبينا (ص) فجر ينابيع المعرفة في الأرض الصلبة، وقدم الكوثر إلى جميع العطاشى.
وأتم إسماعيل عمارة بيت الله، والنبي (ص) جعلها قبلة فصارت مركز الجن والإنس للعبادة والإنابة إلى الله.
ومكث يونس في بطن الحوت ثلاثة أيام، والنبي (ص) استقر في الغار ثلاثة أيام ولياليها.
وكان الاستغفار يرطب لسان يونس، ولسان النبي (ص) كان ينثر الدر بمعرفة معية الله.
وكانت مواعظ لوط تحرم الخبائث، والنبي (ص) بذل أقصى جهده بهذا الصدد حتى حرم مقدمات الزنا وجميع الوسائل الأخرى التي تؤدي إلى الفجور، وهكذا قدم للأمة نموذجا رائعا للتقوى، بحيث يستطيع كل عبد من عباد الرحمن أن يكون إمام المتقين بعزيمته الصادقة وجهوده المتواصلة.
وحينما يرى القراء أن آية العنوان جعلت النبي (ص) جامعا لجميع هذه الصفات العالية يدركون جيدا أن هذه المنزلة الجامعة أيضا من خصائص النبي ، وصلى الله تعالى على حبيبه الكريم.
[ ٦٩٦ ]
الفصل الثالث
خصائص النبي في الحديث الشريف
جاء في الصحيحين عن جابر قال قال رسول الله (ص):
«أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولا تحل لأحد من قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة».
وورد في رواية مسلم عن أبي هريرة «فضلت على الأنبياء بست» والأول في تلك الرواية: «أعطيت بجوامع الكلم» والسادس «ختم بي النبيون». والثاني: «نصرت بالرعب»، والثالث: «أحلت لي الغنائم»، والرابع: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»، والخامس: «أرسلت إلى الخلق كافة».
وورد في حديث الصحيحين المتفق عليه عن أبي هريرة بعد قوله (ص): «جوامع الكلم ونصرت بالرعب» إعطاؤه (ص) في المنام مفاتيح خزائن الأرض. ويتحقق بالنظر في هذه الروايات مجتمعة أمور ثمانية:
١ - النصر بالرعب.
٢ - كون الأرض مسجدا وطهورا.
٣ - حل الغنائم.
٤ - إعطاء منصب الشفاعة.
٥ - البعثة العامة.
٦ - عطية جوامع الكلم.
٧ - ختم النبوة.
٨ - وضع مفاتيح خزائن الأرض أمام النبي (ص) في المنام.
وهذا بيان موجز عن كل منها:
الأول: نصرت بالرعب:
انظروا إلى العهد النبوي الممتد إلى ٢٣ سنة، كان النبي (ص) يخرج للدعوة داخل
[ ٦٩٧ ]
مكة وخارجها وحيدا في الليل والنهار، ولكن لم يجرؤ أحد على محاولة اغتياله.
وكان (ص) يخرج إلى الأسواق والأعياد حيث يجتمع ألوف الناس وعشرات القبائل، فيدعو إلى التوحيد، فلم يجرؤ أحد من عباد الآلهة والأوثان على مهاجمته.
وقام (ص) بجولات عديدة لدعوة القبائل البعيدة عن مكة والمعروفة بخشونة الأخلاق وسفك الدماء، ولم يكن معه أحد في هذه الأسفار سوى أبي بكر، وكما أنه لم يكن يعرف أحدا منها، كان (ص) يذهب إلى كل مكان للدعوة ويتم حجة الله على الجميع، ولكن لم يجرؤ أحد على التعرض له أو قتاله.
وقبل سفر الهجرة بثلاثة أيام جمع أعداؤه فتى شجاعا من كل قبيلة، وحاصروا بيته (ص)، ولكن لم يجرؤ أحد منهم على الدخول في بيته فانتظروا طول الليل حتى يخرج النبي (ص) بنفسه ليهجموا عليه، ولما خرج (ص) وحيدا أغضبهم بقوله (ص): «شاهت الوجوه، لا ينصرون» (١) ورماهم بالتراب، ومع ذلك لم يرفع أحد منهم رأسه حتى يرى وجهه المشرق.
اجتمع حاكم الطائف وأهلها على عدائه (ص)، ولكن انحصر هذا العداء في رميه بالحجارة ومنعه من الكلام. ثم وفي النهاية حضروا مع حاكمهم ابن عبد ياليل إلى المدينة
ودخلوا في الإسلام.
وتجلت أمثلة «نصرت بالرعب» في أحوال الدول الكبرى المعاصرة له أيضا فقد خرجت دولة اليمن من طاعة فارس، ودخلت في الإسلام دون قتال، ولم تتعرض لها دولة فارس بشيء فإن رعب النبي (ص) كان مستوليا على قلوبهم وعقولهم.
خرج شمال الجزيرة العربية من طاعة روما، فأصدر ملكها أمره بحشد الجيوش والهجوم على الجزيرة العربية، وخرج النيي (ص) لصد هذا الهجوم إلى حدود تبوك، فدخل الرعب في قلب إمبراطور أورشليم الذي كان على بعد شهر، فأمر بإلغاء أوامره العسكرية وجلس لا يحرك ساكنا.
ومن الدول القديمة في الجزيرة العربية إمارة الحيرة وغسان، ومن شعرائهما حسان ابن ثابت وكعب الأنصاري، ولكنهما تركا الملوك المتوجين وحضروا إلى النبي (ص) .. ثم
_________________
(١) أحمد في مسنده ١/ ٣٠٣، ٣٦٨.
[ ٦٩٨ ]
لم تستطع أن تظهر القوة لاستعادة الشاعرين، أو ترسل تهديدا إلى أتباع الرسول (ص).
كانت دول ذي ظليم وذي يزن في ناحية اليمن على اتصال بمكة، وكان لدى كل منهما جيش منظم ومال وفير، ولكن لم تفكر واحدة منهما في العدوان، بل أسلمتا دون
أن تخرجا من بيوتهما.
وكان ذو الكلاع الحميري يجلس في بيته، ويسجد له نحو خمس عشرة ألفا من رجاله وهم يصفونه بالإله، ولكن قلبه يرتعد خوفا من رسول الله الذي أغرق عديدا من المتفرعنين، إن رعب صاحب الرسالة قد غلب على من زعم نفسه معبودا ومسجودا. وصفة النبي (ص) كانت متجلية في كل مكان قريبا كان أو بعيدا، فيروى عن علي أنه قال: من رآه بديهة هابه (١).
كانت هذه هي النصرة الإلهية التي تمثلت في الرعب فزادت من عظمة النبي (ص).
الثاني: كون الأرض مسجدا وطهورا:
لم يكن اليهود والنصارى يصلون خارج كنائسهم، وكان المجوس لا يتعبدون إلا في بيت النار المقدسة، وهكذا كانت حال الهنادكة مع معابدهم.
أما المسلمون فلم تكن صلاتهم في حاجة إلى محراب العبادة، ولم يكونوا هم في حاجة إلى إنسان لقبول التوبة، بل استغنت قلوبهم الحارة وعيونهم المضيئة عن حرارة النار وضوئها، ولذا كانت كل بقعة على وجه الأرض صالحة لسجودهم، ويصدق عليهم قوله تعالى: ﴿يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ (٢). ولهذا جعل الله تعالى الأرض مسجدا لهم.
وقد امتاز بهذا الشرف (ص) الذي أدرك الحقائق فرأى أشياء الكون تترنم بالتوحيد، ورمال الصحراء تعكس الأنوار القدسية، ورأى في كل شيء مظهر الجمال الأزلي ومرآة الجلال القدسي، ودوت ني أذنيه أصوات تسبيح الأحجار وتحميد الأشجار، ورأى جو الماء والأرض مملوءا بالتكبير والتهليل فقد جعلت الأرض كلها مسجدا.
_________________
(١) الترمذي (٣٦٣٨).
(٢) سورة آل عمران: ١٩١.
[ ٦٩٩ ]
والمراد بالطهور الوضوء، وهو غسل أطرافا البدن بالماء وفق توجيه الشرع، والوضوء شرط للصلاة، إلا أن ترك الصلاة لا يجوز في أي ظرف من الظروف. وقد يفهم أن فوت الشرط يفوت المشروط، فحيث لا يوجد ماء للوضوء لا تجب الصلاة، ولكن هل تسقط الصلاة عن الذين يسمعون من كل ورقة شجر صوت التوحيد، ويرون في جميع أوراق الأشجار كتاب المعرفة الإلهية؟
من هنا وجب أن يختار الإنسان وسيلة أخرى للحصول على الطهارة، إن الإنسان خلق من تراب، وهو صائر إلى التراب، والتراب هو مهد المخلوقات، وبه يحصل الكون على قوته، ولذا جعل التراب نفسه طهورا.
أما الهنادكة فيلزم للعبادة عندهم ما يسمى ب «هون» وهو عبارة عن مجموعة تتكون من ٣٦ عنصرا منها السمن، فيلقى منه في النار بقدر ١٦ ملعقة، بحيث تكون كمية كل ملعقة خمس غرامات (١)، ولما كانت الهندوكية تشترط للعبادة وجود «الهون» الذي يتكون من ستة وثلاثين عنصرا، حرم الهنادك العبادة بهذه الطريقة. أما التراب فيوجد في كل مكان، يوجد حيث لا يوجد الماء، ومسح الوجه باليد المتربة في التيمم يظهر ذلك العجز الذي ألجأ المؤمن إلى الطهور بالتراب، والحاصل أن من خصائص النبي (ص) أنه جعل تراب وجه الأرض طهورا لنا، وأنقذنا من هجران الحضرة الإلهية بالاضطرار. الثالث: حل الغنائم:
كانت المغانم الحاصلة في انتصارات موسى ويوشع بن نون تحرق، حتى إنه ورد في التوراة ذكر إحراق البهائم والقرى.
وغزوة بدر هي أول غزوة من غزوات النبي حصلت فيها الغنائم وقد جمعت ثم وزعت، ولكن كان هناك في الجيش الإسلامي من يتحرج من أخذ مال الغنيمة قياسا على شريعة موسى، ولطمأنتهم أنزل الله تعالى قوله: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (*) فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا﴾ (٢)
_________________
(١) ستيارته بركاش ص ٥٧ باب ٣.
(٢) سورة الأنفال: ٦٨، ٦٩.
[ ٧٠٠ ]
وفي موضع آخر:
﴿وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقما (*) وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا﴾ (١).
والمغانم الكثيرة هي التي حصلت للمسلمين من فتوح دولتي فارس والروم. وكان الله تعالى قد وعدهم إياها، فتحقق هذا الوعد في عهد الخلافة الراشدة حينما رحل النبي (ص) إلى عالم البقاء.
والوعد المذكور في الآية كان ثلاثة؛ الأول: المغانم. والثاني: كف أيدي الناس. وتحقيقا لهذا الوعد لم يتمكن أي عدو من الانتصار على الجيش الإسلامي زمن الخلافة الراشدة.
والوعد الثالث: هداية الصراط المستقيم، وقد تحقق هذا الأمر أيضا ببركاته الظاهرة والباطنة، كما حدث في المثالين السابقين، وهذه الآية تدل على فضل عظيم لمن جاهد في عهد الخلافة الراشدة. الرابع: منصب الشفاعة:
١ - الشفاعة من «شفع»، ومعناه ضم شيء مع شيء آخر من جنسه، يطلق في معظم الأحيان على إنجاز شخص ذي مرتبة عالية عملا من الأعمال مع شخص أدنى منه
مرتبة.
٢ - كان كفار العرب أيضا يقولون بالشفاعة، وكذلك اليهود والنصارى، وكان الكفار والنصارى يرون أن الشفيع يستطيع أن ينقذ من عذاب الله من شاء بعزه وكرامته وسيطرته وقدرته الشخصية، وأنه يمنح خاصته من الناس نعم الدنيا والآخرة وأصحاب هذه العقيدة لم يكونوا يذكرون وجود الله تعالى وقدرته، ولكنهم حسبوا أن القدرة الإلهية حاصلة لشفعائهم أيضا، ولذا تغنى عبادة الشفيع عن عبادة الله، ويقدم رضا الشفيع على رضا الله، لأن الله تعالى إن غضب على أحد له شفيع قوي فإن هذا الشفيع ينقذه من غضب الله، ولكن لو غضب الشفيع فإن الله تعالى لا يستطيع أن يجعل ذلك
_________________
(١) سورة الفتح: ٢٠، ٢١.
[ ٧٠١ ]
الشفيع رحيما بالعبد، ونظم هذا المعنى شاعر بنجابي فقال ما معناه: [لو سخط الله فهناك ملاذ، لكن لو سخط المرشد فلا ملاذ].
وقد قال الله تعالى فيهم:
﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ (١). وقال فيهم في موضع آخر:
﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ (٢).
كان النصارى يرون عيسى شفيعا لهم، ثم وصفوه بأنه إله (مثل الله) ويتضرعون إليه في الدعاء والمناجاة، ويسألونه حاجاتهم، ويقولون إنه جلس في يمين الله على عرشه، فمن يدعوه ويسأله فإنه يعصمه ويقضي حاجته عند الله ويحصل منه على مغفرته.
والقرآن الكريم أبطل أولا عقيدة الكفار والنصارى هذه، ورد القرآن بأساليب مختلفة، ثم أثبت الشفاعة الكبرى وحصرها في أصلين: ألف: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ (٣).
﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن﴾ (٤).
والأصل الأول يفيد أن حصول الإذن الإلهي قبل الشفاعة واجب.
ب - ﴿وقال صوابا﴾ (٥).
هذا هو الأصل الثاني، ومعناه أن يكون الشفيع صادقا مستقيما يقول الصواب.
وآية «من أذن له» تدل على أن الشفيع يكون واحدا. ونحن نؤمن بناء على أخبار القرآن والسنة أن ذلك الشفيع هو سيدنا محمد رسول
_________________
(١) سورة يونس: ١٨.
(٢) سورة الزمر: ٣.
(٣) سورة البقرة: ٢٥٥.
(٤) سورة النبأ: ٣٨.
(٥) وأيضا.
[ ٧٠٢ ]
الله (ص). ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ (١).
والمقام المحمود هو مقام الشفاعة، فمتى يقوم النبي (ص) هذا المقام يحمده الأولون والآخرون (٢).
وهناك حديث صحيح أخرجه الشيخان عن أنس يفسر هذه الآية، قال (ص):
«يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يهموا بذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا ض مكاننا، فيأتون آدم فيقولون: أنت آدم أبو الناس، خلقك الله بيده وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، لتشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا. قال فيقول: لست هناكم، قال ويذكر خطيئته التي أصاب أكله من الشجرة وقد نهي عنها، ولكن ائتوا نوحا أول نبي بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض، فيأتون نوحا، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب سؤاله ربه بغير علم، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، قال فيأتون إبراهيم فيقول: إني لست هناكم، ويذكر ثلاث كذبات كذبهن، ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله التوراة وكلمه وقربه نجيا، قال فيأتون موسى فيقول: إني لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب قتله النفس، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وروح الله وكلمته، قال فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدا (ص) عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتوني فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني فيقول: ارفع محمد وقل يسمع واشفع تشفع وسل تعط، قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه فيحد لي حدا فأخرج فأدخلهم الجنة».
قال: فلا أدري في الثالثة أو الرابعة قال: «فأقول يا رب، ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن أي وجب عليه الخلود» وفي رواية البخاري: ثم تلا ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ قال: «وهذا المقام المحمود الذي وعده نبيكم» (٣).
وهذا الحديث يدل على أن النبي (ص) هو الذي خص بمنصب الشفاعة، وكل من آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈ يعتذرون عنها، ويحيلونها إلى النبي (ص).
_________________
(١) سورة الإسراء: ٧٩.
(٢) تفسير الخازن ١٤٣/ ٤.
(٣) البخاري (٧٤٤٠)، ومسلم (١٩٣).
[ ٧٠٣ ]
والحكمة في ذهاب الناس إلى الأنبياء الآخرين أولا أنهم لو لم يذهبوا إليهم لقال قائل: إنهم لو ذهبوا إلى غير محمد لشفع لهم، فلما ردهم كل نبي، ثبت باليقين أن منصب الشفاعة مختص بالنبي (ص) بحيث لا يشاركه فيه أحد من الأنبياء. وهذا الأمر هو مظهر لخاصية النبي (ص).
الخامس: البعثة العامة:
سبق أن كتبنا عن هذه الخاصية ضمن قوله تعالى:
﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ (سبأ: ٢٨). فليرجع إليها القارئ.
السادس: عطاء جوامع الكلم:
فهم بعض الكتاب بجوامع الكلم القرآن الكريم. ولا يستطيع أحد أن ينكر كون القرآن جامعا. ولكن الحقيقة أن المراد بجوامع الكلم في هذا الحديث: كلام تقدس نظامه ويعرف بالحديث النبوي.
فمن أمعن في الكلمات الطيبة التي خرجت من قلب النبي (ص) ولسانه إلى آذان العالمين تيقن بأنه كلام النبوة، وذلك لإيجازه وسهولته ونقائه وصدقه كأنه خزينة المعاني وكنز الهداية.
ذكرت أحاديثه (ص) في مواضع عديدة من هذا الكتاب. وتنكشف حال الكلام النبوي الجامع للقراء بعد التفكر، ويتضح جيدا أن هذا الكلام الصادق المرتب لا يخرج إلا من فم النبوة، ونورد هنا حديثا واحدا للتيمن والتبرك:
«إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم الله تعالى، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام ماله ودمه وعرضه، إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، التقوى ههنا، التقوى ههنا - ويشير إلى صدره - ألا لا يبيع بعضكم على بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» رواه مسلم والبخاري.
خاصية المعراج: ورد ذكر المعراج في النصف الأول من هذا الكتاب، بأسلوبين
[ ٧٠٤ ]
مختلفين، وينبغي أن نذكره ضمن خصائص النبي (ص) أيضا في هذا الموضع. وأسلوبه هنا يختلف عن السابق إن شاء الله.
وليتذكر القراء أن المعراج من خصائص النبي (ص) التي لم يشاركه فيها أحد من الأنبياء والرسل، وأصل المعراج العروج، وقد ورد في الأحاديث قوله (ص) «عرج بي» ولذا اختص لفظ المعراج بهذه الواقعة المباركة، والمعراج يعني الدرجة والسلم، وبما أن العروج والارتقاء كان درجة بعد درجة حسن هذا التشبيه الظاهري للحادث الباطني.
تعدد المعراج: من العلماء من قال بتعدد المعراج، وفرق بين معاني الإسراء والمعراج، وذكروا لهذه الوقائع سنين وشهورا مختلفة. ولكن المحقق الباحث الحافظ ابن كثير وضح في تفسيره أن القول بتعدد المعراج ليس له سند، كما أنه يتعارض مع الأحاديث الصحيحة.
تحديد الزمن: في حديث أم المؤمنين عائشة في البخاري أن أم المؤمنين خديجة توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين. وفي رواية أخرى: أن وفاتها كانت قبل فرض الصلوات الخمس (١)، وثبت بذلك أن واقعة المعراج كانت بعد وفاة السيدة خديجة، ولا يمكن أن تسبق الهجرة بأكثر من ثلاث سنوات.
يبتدئ ذكر الهجرة بلقاء العقبة الأول الذي قابل فيه ستة من الأنصار النبي (ص)، ولذا تتصل واقعة المعراج بالهجرة اتصالا قريبا. وذكر الإمام ابن عبد البر في مقدمة الاستيعاب (٢): أن الهجرة وقعت في سنة ٥٢ من المولد النبوي، وصرح بأنه فصل الكلام في ذلك في «التمهيد» وقال الزرقاني: إن الإمام ابن عبد البر والإمام ابن قتيبة الدينوري والإمام النووي (تبعا للرافعي) حددوا شهر رجب للمعراج.
وقال الحافظ عبد الغني المقدسي (ت ٦٠٠ هـ) أن الراجح هو السابع والعشرين من رجب، وذكر أن الاتفاق عملا كان على ذلك دائما (٣).
وخلاصة الأقوال السابقة أن واقع المعراج كان في السابع والعشرين من رجب عام ٥٢ من ولادة النبي (ص).
_________________
(١) الإصابة ٢٨٣/ ٤.
(٢) الاستيعاب (ص٤٠ مقدمة).
(٣) انظر لهذا القول البداية والنهاية ٣/ ١٠٩.
[ ٧٠٥ ]
ويظهر بالتقويم الذي أعددته لأحداث السيرة المباركة المستغرقة لثلاث وعشرين سنة، أن اليوم الأول لشهر رجب من عام ٥٢ للولادة النبوية كان جمعة، وعلى هذا يكون اليوم التالي بعد الليلة السابعة والعشرين يوم الأربعاء، وليلة الأربعاء هي ليلة المعراج بالطريق الإسلامي.
رواة أحاديث المعراج ومن أخرجها من المحدثين: نذكر فيما يلي أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث المعراج، وكتب الحديث التي وردت فيها:
١ - حديث أنس بن مالك ﵁:
* صحيح البخاري وابن جرير، بطريق شريك بن عبد الله عن أنس.
* صحيح مسلم، بطريق ثابت عن أنس.
* النسائي وابن ماجة، بطريق يزيد بن أبي مالك عن أنس.
* ابن أبي حاتم، بطريق آخر عن يزيد بن أبي مالك.
* ابن جرير وابن مردويه، بطريق عبد الرحمن بن هاشم عن أنس.
* أحمد والترمذي والبيهقي وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم، بطريق قتادة عن أنس.
* أبو داود وأحمد، بطريق عبد الرحمن بن جبير عن أنس.
* ابن مردويه، بطريق قتادة وسليمان التيمي وعلي بن زيد عن أنس.
* ابن سعد وسعيد بن منصور والبزار والبيهقي وابن عساكر، عن أبي عمران الجوني عن أنس.
٢ - حديث جابر بن عبد الله، صحابي بن صحابي:
* في الصحيحين، عن جابر.
٣ - حديث ابن عباس ﵄:
* الصحيحين، من طريق قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس.
* صحيح مسلم، عن ابن عباس أيضا.
* أحمد وأبو نعيم وابن مردويه بسند صحيح، من طريق قابوس عن أبيه عن ابن عباس.
[ ٧٠٦ ]
* أحمد وأبو يعلى وأبو نعيم وابن مردويه، من طريق عكرمة عن ابن عباس.
* أحمد والنسائي والبزار والطبراني والبيهقي وابن مردويه، من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.
* ابن مردويه، من طريق شهر بن حوشب عن ابن عباس.
٤ - حديث ابن مسعود ﵁:
* صحيح البخاري، من طريق علقمة عن ابن مسعود.
* صحيح مسلم، من طريق مرة الهمداني عن ابن مسعود.
* صحيح مسلم والبيهقي وأبو نعيم، من طريق زر عن ابن مسعود.
* أحمد وابن ماجة وسعيد بن منصور والحاكم، من طريق مؤثر بن غفار عن ابن مسعود.
* الترمذي وابن مردويه، من طريق عبد الرحمن عن ابن مسعود.
* البزار وأبو يعلى والحارث بن أبي أسامة والطبراني وأبو نعيم وابن عساكر، من طريق علقمة عن ابن مسعود.
٥ - حديث مالك بن صعصعة (١):
* صحيح البخاري ومسلم وأحمد ومالك، من طريق قتادة عن أنس.
٦ - حديث أبي ذر:
* الصحيحين، من طريق الزهري عن أنس قال كان أبو ذر يحدث بسنده عن أبي ذر.
٧ - حديث أبي هريرة:
* صحيح مسلم وأحمد وابن مردويه، من طريق أبي سلمة.
* أحمد وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن مردويه، من طريق أبي الصلت.
* ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبزار وأبو يعلى والبيهقي، من طريق أبي العالية عن أبي هريرة.
_________________
(١) قليل الرواية جدا، لم يرو عنه إلا هذا الحديث بطريق صحيح جدا.
[ ٧٠٧ ]
* ابن مردويه، من طريق سليمان التيمي.
* سعيد بن منصور وابن سعد والطبراني في الأوسط وابن مردويه، عن أبي وهب مولى أبي هريرة.
٨ - حديث حذيفة بن اليمان:
* عمار بن شيبة والترمذي والحاكم، وصححاه، والنسائي وابن جرير وابن مردويه والبيهقي، عن حذيفة.
٩ - حديث سمرة بن جندب:
* ابن مردويه، عن سمرة.
١٠ - حديث سهل بن سعد:
* ابن عساكر، عن سهل بن سعد.
١١ - حديث شداد بن أوس:
* ابن أبي حاتم والبيهقي وصححه، والبزار والطبراني وابن مردويه، عن شداد.
١٢ - حديث صهيب:
* الطبراني وابن مردويه، عن صهيب بن سنان.
١٣ - حديث ابن عمر:
* أبو داود والطبراني في الأوسط والبيهقي، عن ابن عمر.
١٤ - حديث ابن عمرو بن شعيب:
* ابن مردويه، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
١٥ - حديث عبد الله بن أسعد بن زرارة، صحابي ابن صحابي:
* البزار وابن قانع وابن عدي والبغوي وابن عساكر، عن عبد الله بن أسعد.
١٦ - حديث أبي أيوب:
* ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي أيوب.
١٧ - حديث أبي حبة:
* الطبراني وابن قانع وابن مردويه، عن أبي حبة.
[ ٧٠٨ ]
١٨ - حديث أبي العمراء:
* الطبراني وابن قانع وابن مردويه، عن أبي العمراء.
١٩ - حديث أبي سعيد الخدري:
* ابن جرير وابن منذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر، من طريق أبي هارون العبدي.
* ابن مردويه، من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد.
* ابن مردويه من وجه آخر، عن أبي نضرة.
* ابن مردويه من وجه آخر، عن أبي نضرة.
* ابن مردويه من وجه آخر، من طريق نقمة عن أبي سعيد.
٢٠ - حديث أبي ليلى:
* الطبراني في الأوسط وابن مردويه، من طريق محمد بن عبد الرحمن.
٢١ - حديث عائشة:
* ابن مردويه والحاكم (وصححه) والبيهقي، من طريق الزهري عن عروة.
٢٢ - حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق:
* ابن مردويه من طريق يحيى بن عباد.
٢٣ - حديث أم هانئ بنت أبي طالب:
* ابن إسحاق وابن جرير، عن الكلبي عن أبي صالح عن أم هانئ.
٢٤ - حديث عمر الفاروق:
* أحمد عن عبيد بن آدم، عن أمير المؤمنين عمر.
* ابن مردويه، من طريق المغيرة بن عبد الرحمن.
٢٥ - حديث أبي سفيان الأموي:
* أبو نعيم عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي سفيان بطريق اليميا (موقوفا).
٢٦ - حديث أمير المؤمنين علي:
* الطبراني، من طريق الحسين عن أبيه.
[ ٧٠٩ ]
* أبو نعيم، من طريق محمد بن الحنفية.
* ابن مردويه، من طريق زيد بن علي عن آبائه عن علي.
٢٧ - حديث عبد الرحمن بن قرط الثمالى:
* سعيد بن منصور والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم (في المعرفة) عن عبد الرحمن بن قرط.
٢٨ - حديث بريدة:
* الترمذي والحاكم (وصححه) وأبو نعيم وابن مردويه والبزار، عن بريدة والصحابة الذين رووا الحديث منهم مكي مهاجر ومدني أنصاري.
وواقعة المعراج وقعت بمكة المكرمة. ولكن لا يصح الرأي القائل بأن ما ذكره الأنصار بهذا الصدد كان مسموعا من المهاجرين. وذلك أن الصحابة الرواة قد صرحوا بأنفسهم برفع الحديث إلى النبي (ص). وهذا دليل كاف، وطبيعي أن الأنصار لما سمعوا من إخوانهم المهاجرين عن المعراج اشتاقوا إلى أن يسمعوه من رسول الله (ص) أيضا، كما أن الرغبة في علو الإسناد وجدت في المحدثين دائما. وليس ذلك قياسا فقط، بل صرحت بذلك بعض الروايات أيضا، ففي حديث شداد بن أوس، قلنا: يا رسول الله كيف أسري بك؟ إن قوله «قلنا» صريح في أن هذا السؤال كان من جمع من الصحابة، وفي رواية مالك بن صعصعة في الصحيحين: أن النبي (ص) حدثهم، فأحاديث المعراج المرفوعة، سواء رواها المهاجرون أو الأنصار، كلها مسموعة من النبي (ص) ومن الصحابة من روى عن النبي (ص) مباشرة وبواسطة صحابي أيضا، مثل ابن عباس وأنس وغيرهما.
فالروايات على نوعين، وهذه التفرقة بين المرويات أيضا تدل على أنهم لم يجرؤوا على وصف المرسل بالمرفوع.
ومما يزيد الطمأنينة والثقة أن أحاديث الصحيحين عن المعراج أكمل وأكثر تفصيلا.
[ ٧١٠ ]
سرد وقائع المعراج
١ - ورد في حديث صحيح مسلم من طريق ثابت عن أنس: «فركبته حتى أتيت بيت المقدس قال فربطته بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين -إلى أن قال-: ثم عرج بي إلى السماء الدنيا» (١).
٢ - وفي رواية لابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي مالك عن أنس ورد التصريح عن الصلاة في بيت المقدس هكذا: «فلم ألبث إلا يسيرا حتى اجتمع ناس كثير ثم أذن مؤذن فأقيمت الصلاة، قال: فقمنا صفوفا ننتظر من يؤمنا، فأخذ بيدي جبريل ﵇ فقدمني فصليت بهم، فلما انصرفت قال جبرئيل: يا محمد أتدري من صلى خلفك؟
قال: قلت لا، قال: صلى خلفك كل نبي بعثه الله ﷿» (٢).
٣ - وورد التصريح التالي عن بيت المقدس في رواية الإمام أحمد عن عبيد بن آدم:
سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟ فقال: ان أخذت عني صليت خلف الصخرة، فقال عمر: لكن أصلي حيث صلى رسول الله (ص) (٣).
٤ - وورد حديث مالك بن صعصعة عن طريق أنس في الصحيحين أيضا (٤). ومالك بن صعصعة قليل الرواية جدا، حتى يرى أكثر المحدثين أنه لم يرو عنه سوى هذا الحديث. وطبيعي في مثل ذلك أنه حفظ الحديث بإتقان ورواه بدقة، فإنه ثمرة حياته وحصيلة عمره. والغالب أن أنسا رأى في رواية الحديث عن ابن صعصعة، بعد روايته مرفوعا، مبعث سرور وفخر. وهنا نثبت نص حديث مالك بن صعصعة، قال: إن نبي الله حدثه عن ليلة أسرى به قال:
«بينما أنا في الحطيم - وربما قال في الحجر - مضطجعا إذا أتاني آت فشق ما بين هذه إلى هذه، أي من ثغرة نحره إلى شعرته، فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب
_________________
(١) مسلم (١٦٢)، تفسير ابن كثير ٢٤١/ ٤.
(٢) تفسير ابن كثير ٤/ ٢٤٦.
(٣) تفسير ابن كثير ٢٦٦/ ٤.
(٤) البخاري ٣٢٠٧، ٣٣٩٣، ٣٤٣٠، ٣٨٨٧، ومسلم ١٦٤.
[ ٧١١ ]
مملوءة إيمانا، فغسل قلبي ثم حشى ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال جبريل، قيل: ومن هو معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه، قال نعم، قيل: مرحبا به فنعم المجئ جاء، ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم، فقال: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح، ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت فردا ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح ففتح فلما خلصت إذا يوسف قال: هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح ففتح، فلما خلصت فإذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح ففتح، فلما خلصت فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد، ثم قال:
مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح فلما خلصت فإذا موسى قال: هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي، ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم رفعت لي سدرة المنتهي، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع لي البيت المعمور فسألت جبريل، فقال: هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم، ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك، ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى فقال: بما أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني
[ ٧١٢ ]
والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فرجعت فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بما أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم، قال: فلما جاوزت نادى مناد: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي».
٥ - وزاد في حديث الشيخين عن أنس قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله (ص) قال: «إن آدم إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل يساره بكى - أخبر جبريل النبي (ص) بأن - هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى» (١).
٦ - قال ابن شهاب الزهري: فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان: قال النبي (ص):
«ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام».
وبعد تحديد الصلوات الخمس أتيت سدرة المنتهى وغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها حبائل اللؤلؤ وإذا ترابها المسك (٢).
_________________
(١) البخاري ٣٤٩، ومسلم ١٦٣.
(٢) نفسه.
[ ٧١٣ ]
سر لقاء الأنبياء الثمانية في السماوات السبع
تضمن لقاء النبي (ص) مع مختلف الأنبياء ﵈ في السماوات المختلقة الكثير من النصائح الدينية.
١ - فكما أن ملوك العالم يعينون أمراء لاستقبال ضيوفهم ابتداء من حدود الدولة وحتى بلاطهم الخاص تكريما للضيوف، فكذلك تم تعيين الأنبياء الكرام لاستقبال النبي (ص) من السماء الأولى إلى السماء السابعة.
٢ - آدم أبو البشر وأول الأنبياء، ولذا كان لصلته بالسماء الأولى معنى خاص، لقد قاسى ألم ترك الجنة ولكنه لما هبط إلى الأرض، وأكرم بخلافة الأرض، وعمرت الأرض بولده، تحول ألمه إلى سرور، والنبي (ص) كان قد ترك «أحب البلاد عند الله»، إلا أن إقامته بالمدينة الطيبة كانت سبب انتشار الدعوة الإسلامية ونشر العلوم، فمن هنا ارتفعت أعلام الفتح والانتصار، وصارت هذه البلدة مقرا لخلفائه أيضا.
٣ - بين يحيى وعيسى ﵉ قرابة، وكان اصطباغ المسيح قد تم على يد يحيى، فهما متماثلان في الزهد والجهد، ومن هنا كان اجتماعهما في مكان واحد، بهدف اطلاعهما على زهد النبي (ص) وتوكله، وإعراضه عن الخلق، وأحواله في المستقبل؛ وكان يحيى قد فوض أمره إلى عيسى، وبشر عيسى بأن إتمام الصدق والحق يتم على يد النبي (ص) ولهذا وجب أن يرى هذان الصالحان إتمام أمانيهما.
٤ - تماثل أحوال يوسف ﵇ تماما أحوال النبي (ص)، فكلاهما صاحب جمال وكمال، وكلاهما واجه الابتلاء، وامتاز بفرط العفو والكرم، وبشرا الأعداء الظالمين: ﴿لا تتريب عليكم اليوم﴾ وآل إليهما الملك والأمر، وارتجلا عن الدنيا بفوز ونجاح وعزة وكرامة.
٥ - قابل النبي (ص) إدريس ﵇ في السماء الرابعة ولإدريس منزلة خاصة في كثرة الدرس والتبحر في التعليم والإرشاد والاعتناء بالتدريس، وهكذا كانت حال النبي (ص)، كما بين القرآن الكريم:
﴿يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ (آل عمران: ١٦٤).
[ ٧١٤ ]
٦ - وفي السماء الخامسة لقي (ص) هارون، وكان مكرما محبوبا لدى قومه، وإماما في المسجد، وكان يكره الفرقة والتشتت؛ وهذه هي الصفات العالية التي تتجلى في سيرة الرسول (ص).
٧ - ولقي (ص) في السماء السادسة موسى، وكان صاحب شريعة وكتاب ومجاهدا وغازيا ومهاجرا ومناظرا. وهو أشبه بالنبي (ص) في هذه الصفات، وله ميزة خاصة بين أنبياء السماوات الخمسة للمحاسن المذكورة.
٨ - وقابل (ص) في السماء السابعة إبراهيم ﵇، وهو باني الكعبة، والقائم على هذا البيت المعمور، وهو إمام الخلق، وخليل الرحمن، وقد طهر الله تعالى الكعبة من الأرجاس والأوثان للنبي (ص)، وجعلها قبلة للأمة المحمدية حسب رغبة نبيه (ص)، والنبي (ص) أحيا الملة الحنيفية، وأحكم مناسك الحج وفق سنة إبراهيم، وأضاف اسمه مع اسمه في الصلاة. وكانت صورته (ص) أشبه بصورة إبراهيم.
وهكذا كانت رفعة مكانة النبي (ص) فوق مقام إبراهيم ﴿البيت المعمور﴾، وبهذا تبين أن النبي (ص) هو صاحب المقام المحمود، وهو الذي يستحق أن يقول: «آدم ومن دونه تحت لوائي» (١).
_________________
(١) مسند أحمد ٢٨١/ ١، ٢٩٥، الترمذي ٣٦١٥.
[ ٧١٥ ]
القرآن الكريم والمعراج
ذكر القرآن الكريم واقعة المعراج في سورتين:
١ - الأولى: سورة بني إسرائيل وجاء في بدايتها قوله تعالى:
﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾ (الإسراء: ١).
إن كلمة «سبحان» تستعمل للتنزيه، وأتى بها في بداية الكلام للدلالة على أن الوقائع التي ذكرت بعدها لا تعجز قدرة الله تعالى عن إحداثها وإيجادها، وتنوين «ليلا»
يدل على الجزء القليل من الليل.
وقوله «باركنا حوله» يبين أن قرب ذلك المكان تكثر الأشجار المثمرة والأنهار الجارية وشجرة الزيتون المباركة. وكان ما حوله مهبط وحي كثير من الأنبياء ومصدر معجزاتهم الباهرة.
ويراد بقوله «من آياتنا» الآثار المرضية التي تردد قصة كرامة وعز بني إسرائيل ومهانتهم وذلهم.
وتدخل فيها الآيات التي رآها النبي (ص) بعد عروجه من المسجد الأقصى في ملكوت السماوات والأرض.
٢ - الثانية: سورة النجم، انظروا إلى الآيات التالية:
الف - ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ (النجم: ١٨).
فسرت «الآيات الكبرى» برؤية النبي (ص) جبريل في صورته الأصلية، أو الأنوار القدسية التي غشيت سدرة المنتهى في صورة التجلي، أو الجنة والنار بهيئة وجودهما، أو عجائب الملكوت بتفاصيلها، ولكن كل ذلك جميعا أقل مما دلت عليه الكبرى، ولذا يصعب حصرها وتفصيلها.
ب - ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾ (النجم: ١٧).
تبين هذه الآية تطلع النبي (ص) إلى الرؤية، وكذا مراعاته لحسن الأدب، وثباته
[ ٧١٦ ]
ورزانته وتحمله واستعداده للرؤية.
وذكر القرآن الكريم في حال موسى:
﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا﴾ (الأعراف: ١٤٣).
والنبي (ص) رأى تلك الأنوار رؤية تامة دون أن يزيغ بصره ويطغى؛ إن القوة الربانية متجلية في أعظم تجليها والبصر المحمدي رهن المشاهدة بكامل قوته.
ج - ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ (النجم: ١١).
في معظم الأوقات نرى أن العين السليمة المبصرة ترى شيئا، والفؤاد يكذب ما رأته، ومثال ذلك أننا نرى كل صباح أن الشمس تطلع مثل صحن مذهب من المشرق، ويبدو حجمه أصغر بملايين المرات من حجم الكرة الأرضية. ولكن الفؤاد يقول: هذا الزعم خداع البصر، فالشمس أكبر من الأرض بملايين المرات، وليس في ذلك شك.
ونرى الأشياء الساقطة على الأرض فتبدو بارزة، ولكن الحقيقة أن ذلك من خداع البصر.
ونرى ضوء الشمس فنحسبه أبيض نقيا، ولكن الفؤاد يخبر بأنه مجموعة مكونة من سبعة ألوان.
وما دام هذا الاختلاف موجودا بين العين والقلب، فمن الخطأ أن نظن أن العين تبصر الحقيقة الأصلية.
ولكن لو اجتمع يقين البصر والفؤاد وثقتهما على أصل الحقائق وحقيقة الانكشافات فلاشك أن هذا المشهد يزيد البصر والبصيرة والله تعالى يريد أن يعرف الناس معرفة حقة أن رؤية النبي (ص) بعيدة عن جميع الظنون والشكوك، ومتملكة لجميع الحقائق والصدق.
د - ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ (النجم: ١٠).
إن الآية السابقة ذكرت كيفية البصر والفؤاد، وهذه الآية تذكر حقائق السمع والقلب. إن قوله: ما أوحى ليس للإجمال بل للتفخيم، ويراد به تفخيم الوحي، ومن يوحى إليه أيضا، وتكمن عظمته الأصلية في كلمة «عبد» وكذا تبرز وتتجلى.
ولاشك أن حادث المعراج واحد من منازل النبي (ص) العليا، وقد استعمل الله
[ ٧١٧ ]
تعالى كلمة «العبد» في ذكر هذا الحادث في السورتين، حتى يتأكد الناس تماما أن أعلى منزلة لخير خلق الله نبيه محمد (ص) هي منزلة العبدية، وأمرنا جميعا بأن نتقدم في تلك المنزلة كل حسب كفاءته وصلاحيته ﴿ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ (البينة: ٥). ومعنى: «الصلاة معراج المؤمنين» أيضا يتضح بهذه النكتة، لأنه ليس هناك شيء أقوى وأكبر من الصلاة لإظهار العبودية وبيان العجز والافتقار وإبراز التعبد والابتهال لله ﷿.
مبحث اليقظة والمنام: رأى بعض العلماء أن الآية الكريمة ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ (الإسراء: ٦٠) تشير إلى المعراج، والتعبير عنه بالرؤيا يدل على أن وقائع المعراج حدثت في المنام.
وقد حل هذا الإشكال إمام اللغة ابن دحية حيث قال: إن الرؤية والرؤيا يستعملان بمعنى واحد، يقول أهل اللغة: رأيت رؤية ورؤيا، مثل قربة وقربى. وبذلك زال الوهم بأن الرؤيا تستعمل للمنام وحده.
وقال الزمخشري (١) (وهو من أئمة اللغة والمعاني والبيان) في تفسيره «الكشاف» تحت هذه الآية: إن هذه الرؤيا تختص بوقعة بدر حيث دل النبي (ص) على مصرع كل كافر، والكفار كانوا يستهزءون بقوله (ص) هذا. ثم أورد بلفظ «قيل» ما يأتي: إنما سماها رؤيا على قول المكذبين حيث قالوا له لعلها [أي حادثة المعراج] رؤيا رأيتها وخيال خيل إليك.
ومثال ذلك في الآيات التالية:
١ - ﴿فراغ إلى آلهتهم﴾ (الصافات: ٩١).
٢ - ﴿أين شركائي﴾ (النحل: ٢٧).
٣ - ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ (الدخان: ٤٩).
ولنستمع الآن إلى المحدثين، أورد الإمام البخاري في كتاب التفسير من صحيحه تحت الآية ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ (الإسراء: ٦٠) عن عكرمة عن ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله (ص) ليلة أسرى به (٢).
_________________
(١) تفسير الكشاف ١/ ٥٣٣.
(٢) البخاري ٤٧١٦.
[ ٧١٨ ]
إن ابن عباس خير هذه الأمة وخير من فسر القرآن بدعاء النبي (ص)، وإنه كذلك من أئمة اللغة والأدب الكبار، ومن قوله:
«أؤمن بأن معراج النبي (ص) كان في اليقظة وبجسمه».
وهذا هو معتقد أكثر أئمة أهل السنة من المحدثين وفقهاء الصحابة والتابعين.
ومن استمر بعد الدليل الواضح على الزعم بأن الإسراء كان في المنام فعليه أن يتأمل الحديث التالي:
عن الشيخين عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله (ص):
«لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه» (١).
والظاهر أن النبي (ص) لو حكى واقعة الإسراء في صورة المنام لما تسنى للكفار السؤال عن آيات بيت القدس، ولما كانت هناك حاجة إلى أن يجلي الله بيت المقدس للنبي (ص)، وأن يرد النبي (ص) على أسئلتهم بالنظر إليه. بل كفاه أن يفحمهم بأنه يحكي ما رآه في المنام، وسبحان الذي أرى عبده آياته الكبرى وذهب به إلى ما وراء الآفاق.
_________________
(١) البخاري ٣٨٨٦، ومسلم ١٧٠.
[ ٧١٩ ]
الفصل الرابع
المعجزات النبوية (ص)
المعجزة مشتقة من العجز، وهي مقابل القدرة، وأخذ هذا المعنى من العجز، وهو مؤخر الإنسان، ويلاحظ هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿كأنهم أعجاز نخل منقعر﴾ (القمر: ٢٠).
ويفهم منه التأخر في أمر، ثم عدم القدرة والعجز.
والعجوز (رجلا كان أو امرأة) من عجز عن كثير من الأمور بسبب تقدم السن.
والقرآن حكى قول قابيل حين رأى غرابا يواري غرابا آخر في التراب:
﴿يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب﴾ (المائدة: ٣١).
وقال الله تعالى لطغاة الكفار:
﴿واعلموا أنكم غير معجزي الله﴾ (التوبة: ٢).
وبعد هذا المعنى اللغوي انتشر استعمال كلمة «المعجزة» في أفعال نبوة أنبياء الله التي تظهر شأن نبوتهم.
ولا يعرف تاريخيا متى استعملت هذه الكلمة في المعنى المذكور، ومن أول من استعملها بهذا المعنى، ولكن الذي أطمئن إليه هو أن هذه الكلمة لم تستعمل في المعنى المذكور في كلام الله ولا في كلام النبي (ص) ولا في كلام نبي آخر. والآن ننتقل إلى تعريف المعجزة:
فالذين أرادوا بالعجزة المعنى المذكور قالوا: المعجزة هي الأمر الخارق للعادة.
وبعد ذلك يقعون في بحث: ما إذا كان من الممكن خرق العادة؟ وتفسر «العادة» باستمرار قوانين الطبيعة، ويفسر «الخرق» ببطلان الاستمرار المذكور، وينقسم الكتاب عند هذه النقطة إلى أقسام:
[ ٧٢٠ ]
الأول: من يقول بوجود قانون محدد للطبيعة. وهؤلاء يتعرضون لمطاعن أهل المعقول كثيرا.
والثاني: من يقول بقوانين الطبيعة، ولكن لا يجوزون خرقها ونسخها، وهؤلاء ينقسمون إلى صنفين:
* من ينكر خرق العادة، وينكر كذلك وجود أو إمكان حادث ثبت وجوده.
* من يؤول الحادث المتحقق وجوده تأويلا يصحح وقوع خرق العادة والثالث: من يعترف بوجود استثناء في قوانين الطبيعة، ولذا يعترف بكل حادث موجود على أنه قانون الطبيعة، وذلك لأن الاستثناء أيضا كان في هذه القوانين.
ويندرج تحت هذه الأقسام الثلاثة كل من أنكر المعجزة أو أولها أو قال بها، وتتعلق هذه الأقسام بلفظ «خرق العادة» ولكن هناك من لا يستعمل لفظ «خرق العادة» في تعريف المعجزة، بل يقول: إن المعجزة فعل نبي الله الذي يعجز الآخرين عن الإتيان بمثله في ذلك الحين، وفي هذا التعريف مخاطر فإذا ما قدر شخص غير نبي على ذلك الفعل في وقت لاحق، فإن ذلك يوجد التباسا في الأمر، والمحققون من العلماء يتجنبون هذه التعقيدات اللفظية فيقولون:
إن كلمة «المعجزة» و«خرق العادة» لم ترد في الصحف السماوية، ولذا فلا حاجة بنا للسير في هذا الطريق الشائك.
إن القرآن الكريم استعمل كلمة «الآية» ووردت في التوراة والإنجيل كلمة العلامة، ولهذا فسوف نستعمل نحن أيضا كلمة «الآية»، وهناك فوائدة أخرى في استعمال كلمة «الآية».
إن كلمة «الآية» واسعة المعنى جدا، فقد جاء إطلاقها على الماديات أيضا، إذ وصف الله تعالى سفينة نوح بالآية فقال:
﴿فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين﴾ (العنكبوت: ١٥).
وجعل تعالى الليل والنهار آيتين فقال:
﴿وآية لهم الليل﴾ (يس: ٣٧).وقال: ﴿ومن آياته الليل والنهار﴾ (فصلت: ٣٧).
وخلق الإنسان من التراب أيضا آية، قال:
[ ٧٢١ ]
﴿ومن آياته أن خلقكم من تراب﴾ (الروم: ٢٠). ووصف لمعان البرق ورعد السحاب بالآية:
﴿ومن آياته يريكم البرق﴾ (الروم: ٢٤). والوضع الحالي للسماء والأرض مع استقامتهما آية:
﴿ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره﴾ (الروم: ٢٥). ووصف الأمن العام والسعة والرغد والترف والخصب بالآية:
﴿لقد كان لسبإ في مسكنهم آية﴾ (سبأ: ١٥). ووصف جثة فرعون التي هي عبرة للعالم بالآية:
﴿لتكون لمن خلفك آية﴾ (يونس: ٩٢).
وأطلق على ناقة صالح أيضا الآية:
﴿هذه ناقة الله لكم آية﴾ (هود: ٦٤، الأعراف: ٧٣)، وهذه الكلمة أطلقت أيضا على عصا موسى ويده حينما تحولتا إلى الثعبان والبيضاء وقت الاختبار.
والماديون لا يلتفتون إلى كون هذه الأشياء المادية آيات حينما يسمعون الآية الأولى، ولكن لو ذكرت لهم مقابل هذه الوقائع واقعة أخرى أقل غرابة منها لأسرعوا إلى إنكارها ووصفوها بخرق العادة.
وإني أقول: إن كل واقعة توصف بالمعجزة لدى العامة هي في الواقع آية، كما أن هذه الوقائع آيات، ولكن قصور الفهم أو قلة التدبر حالت دون اعتبارها آية.
تأملوا، ألم تكن سفينة نوح آية إلهية؟ إن نجاة سفينة صغيرة مع ركابها في طوفان أغرق الجبال أيضا آية دون شك.
أليس وجود الليل والنهار آية؟ كيف لا يكون ظلام الليل ورهبته وسكونه راحة الإنسان والطير والحيوان فيه آية؟ وكيف لا يكون النهار وضوؤه وانشغال الناس فيه بالأعمال وخروج كل حي من مأواه وسعيه في طلب الرزق والتوغل فيه آية؟
أليس خلق الإنسان من التراب آية الله؟ إن الإنسان يصنع لنفسه كثيرا من الأشياء بالتراب أو يجدها في التراب، فالمعادن والفلزات والجواهر والطوب والحجر والذهب
[ ٧٢٢ ]
والفضة والعشب والرزق والفواكه والبيوت والقصور، كل ذلك من التراب؛ والإنسان إن لم يكن من التراب لم تكن له هذه الحقوق فيه.
أليس لمعان البرق آية؟ الجو صاف في النهار، والهواء ساكن، فمن يسكن الهواء ويأتي بريح أخرى من ناحية مقابلة مع السحب فتخفي الشمس ويظلم الجو وتتصادم السحب ويصدر عنها أصوات الرعد، كأن عشرات من الأسود تزأر، فيخاف الصغار، ويرجع الناس إلى بيوتهم تاركين نشاطهم وعملهم، وإذا البرق يلمع فيضيئ مئات الأميال، فيخاف المسافر، ويفرح الفلاح ويرجو الخير فالسماء ستمطر والأرض ستنبت، وبذلك تقضي حاجاته في الدنيا؟
شيء واحد أحدث آثارا مختلفة. فالبرق نفسه يسبب الإرسال السلكي واللاسلكي، وهو يستخدم في الأشعة فيظهر أعصاب الجسم وعظامه المختفية وراء اللحم، ومن يدري ما هي الأوجه الأخرى التي يبدو فيها أثر البرق، وما هي العلوم التي يتجلى فيها البرق آية؟
أليس قيام هذه الأرض آية؟ إن كانت حقيقة الأرض أنها قطعة منفصلة عن الشمس، فكونها في الماضي جزءا من الشمس، وكونها على هذا الأساس حامية مضيئة، آية دون شك، ثم تحولها من الحرارة والضوء وظهورها في صورة مختلفة أخرى آية أخرى دون شك. فهل هذه الآية أقل من آية الثعبان والعصا؟
أليس وجود العالم العلوي وقيامه آية؟ أليس وجود مئات من الثوابت والسيارة وقيامها وسيرها بنظام منضبط، ثم تغير المواسم واختلاف الليل والنهار آية؟
نعم، كل مظهر من مظاهر القدرة الإلهية آية، وحينما تعجز أفهام العامة عن فهمها آية، فإن بيان الأنبياء ﵈ يوضح لهم كيف تكون هذه المظاهر آية.
وإني لا أتردد في الاعتراف بهذه المعجزات التي ثبتت بالقطع، وإن عجز فهم عالم من العلماء [الطبيعيين] عن إدراك علتها وأسبابها؟
والخواص التي أودعها الله في المخلوقات (غير المادية) يعجز الإنسان عن الإحاطة بها، ولم يدع أيضا أي إنسان ذلك قط.
إن الله تعالى يكشف أسرار الكون لرسله المصطفين، إنهم يعلمون ويخبرون
[ ٧٢٣ ]
بالتغير الكيماوي الذي يحول القليل إلى الكثير، والهواء إلى ماء، ولكن لا يكون علمهم ولا تكون خبرتهم مدينة للآلات والمختبرات والعلم التدريجي.
وإننا نقول كل ذلك لنقرب إلى الأفهام معجزات الأنبياء ولكن الإيمان يكون في قدرة قائل ﴿كن فيكون﴾ (البقرة: ١١٧)، وفي نصرته لأنبيائه، وحينما يريد الله تعالى إعلام الناس اصطفاءه لأحد فهو يبرز تلك القوة والقدرة بوساطة الأنبياء، وهذا ما يطلق عليه الآيات الإلهية أي المعجزات، ومعجزات النبي (ص) التي ثبتت بروايات صحيحة
تفوق الحصر وهي أكثر من معجزات كل نبي، وشأنها أعلى من شأن معجزاتهم، ونذكر فيما يلي بعض المعجزات حتى يزداد بها إيمان المؤمنين، وتبرز بها عظمة النبي (ص) ويرسخ عن طريقها حبه في القلوب.
ولما كنت في سبيلي إلى تأليف كتاب مستقل حول المعجزات، اكتفي هنا ببيان بعض الوقائع بإيجاز تحت عناوين مختلفة:
نبع الماء: ورد في القرآن الكريم:
﴿وإذ استقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا﴾ (البقرة: ٦٠).
وهكذا جاء في سورة الأعراف (الآية: ١٦٠) ووردت فيها كلمة «فانبجست» بدل كلمة «فانفجرت» ولفظ الانبجاس يشعر بأن خروج الماء أولا كان قليلا، ولفظ الانفجار يدل على أنه كثر فيما بعد، والآية تدل على أنه حينما كان يندر الماء وييأس القوم من الحياة والراحة حينئذ كانوا يرجعون إلى نبي الله، فكان يدعو الله فينزل الماء برحمة منه وبركة.
ويمكن القول بعد الرجوع إلى كتاب الخروج في التوراة إن هذه الحادثة وقعت في صحراء سور بعد سفر استمر ثلاثة أيام (١). والكتاب المذكور لم يذكر انفجار اثنتي عشرة عينا بعد ضرب موسى بعصاه، بل إنه يبين أنهم وجدوا في موضع ايليم المكان الذي كانت فيه اثنتا عشرة عينا وسبعون نخيلا (٢).
وخبراء تأويل المعجزات من المسلمين أولوا معجزة موسى بأن جريان الماء من الجبل أمر عادي، وغور عين أو نبع لأسباب خارجية أيضا أمر عادي، فحينما سأل موسى الله
_________________
(١) سفر الخروج (١٥/ ٢٢).
(٢) سفر الخروج (١٥/ ٢٧).
[ ٧٢٤ ]
تعالى الماء دله تعالى على العيون المختفية تحت الأرض الصخرية، فأخرجت العيون بالعصا فجرت، ومهما كان هذا التأويل بعيدا عن ألفاظ القرآن، لكن لا يتحقق به نفي المعجزة، إذ من المسلم به أن الهداية تحققت بعلم الله تعالى، والبركة ظهرت بفعل موسى، أما عهد النبي (ص) ففضله أن الماء هنا نبع من الجلد واللحم، بدل الأرض الصخرية، وهذا من أبدع المعجزات، وليعلم أن فوران الماء وفيضانه وقع بذات النبي (ص) مرة بعد أخرى وبأساليب مختلفة، ويمكن تعيين هذه الوقائع بتتبع الأحاديث.
محرم عام ٧ هـ
١ - أخرج مسلم عن جابر قال: سرنا مع رسول الله (ص) في غزوة ذات الرقاع حتى نزلنا وادي أفيح، فقال رسول الله (ص):
«يا جابر ناد بوضوء» قال، قلت: يا رسول الله ما وجدت في الركب من قطرة، قال: «انطلق إلى ابن فلان الأنصاري» قال: فانطلقت إليه فنظرت فلم أجد إلا قطرة في عزلاء شجب منها، فأتيت رسول الله (ص)، فقال: «اذهب فأتني به» فأتيته به، ثم قال: «يا جابر ناد بجفنة» فأتيته بها تحمل، فوضعتها بين يديه، فقال رسول الله (ص) بيده في الجفنة هكذا، فبسطها وفرق بين أصابعه ثم وضعها في قعر الجفنة، وقال: «خذ يا جابر فصب علي وقل: بسم الله» قال جابر: فصببت عليه فرأيت الماء يفور من بين أصابع رسول الله (ص) ثم فارت الجفنة ودارت حتى امتلات، فقال: «يا جابر ناد من كان له حاجة بماء» قال: فأتى الناس فاستقوا حتى رووا، فرفع رسول الله (ص) يده من الجفنة وهي ملأى» رواه مسلم.
وكما ذكرنا في الوسط من هذا الكتاب كان عدد أصحاب النبي (ص) في هذه الغزوة (وهي غزوة ذات الرقاع) أربعمائة نفر.
ذو القعدة عام ٦ هـ
٢ - أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله قال: عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله (ص) بين يديه ركوة فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول الله (ص): «ما لكم؟» قالوا: يا رسول الله ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا نشرب إلا ما في ركوتك، قال: فوضع النبي (ص) يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، قال: فشربنا وتوضأنا؛ قال سالم (الراوي) لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة
[ ٧٢٥ ]
ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة» رواه البخاري.
٣ - وقد روى جابر قصة أخرى وقعت في الحديبية أيضا وقد ذكرها البخاري. وبما أن النبي (ص) كان قد أقام بالحديبية أسبوعا، قلنا جمعا بين الأحاديث أن القصة الأولى وقعت أول يوم، ثم كانت الحاجة إلى الماء بعد ذلك فأتى النبي (ص) بئر الحديبية فجلس على شفيرها فدعا بماء فمضمض ومج في البئر، فمكثنا غير بعيد ثم استقينا (١).
كان هذا النظام ثابتا مستقلا لجيش بلغ عدده ألفا وخمسمائة. وقد روى البخاري هذه القصة عن البراء أيضا، وفيها: ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا (٢).
ويبدو من رواية أحمد أن البئر ساحت، يعني جرت نهرا، قال: فلقد رأيت أحدنا أخرغ بثوب خشية الغرق (٣).
عام ٩ هـ:
٤ - عن عمران بن حصين أنهم كانوا مع النبي (ص) في مسير (٤) فأدلجوا ليلتهم ثم عرسوا فغلبتهم أعينهم حتى ارتفعت الشمس وصلوا صلاة الصبح حينئذ، وجعلني رسول الله (ص) في ركوب بين يديه وقد عطشنا عطشا شديدا، فبينما نحن نسير إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين، فقلنا لها: أين الماء؟ قالت: إنه لا ماء، فقلنا: كم بين أهلك وبين الماء؟ قالت: يوم وليلة، فأتينا بها إلى النبي (ص) فحدثته أنها مؤتمة، فأمر بمزادتيها فمسح في العزلاوين، فشربنا عطاشا أربعين رجلا حتى روينا فملأنا كل قربة معنا وإداوة غير أنه لم نسق بعيرا، وهي تكاد تنض من الملء، ثم قال: هاتوا ما عندكم، فجميع لها من الكسر والتمر حتى أتت أهلها، قالت: لقيت أسحر الناس، أو هو نبي كما زعموا، فهدى الله ذاك الصرم بتلك المرأة، فأسلمت وأسلموا (٥).
إنها لمعجزة عجيبة رأتها امرأة غير مسلمة، وذكرت النبي (ص) فقالت «أسحر الناس» ولكن الذين سمعوها تيقنوا فورا أن السحر ليست فيه قوة تسقى العطشانين وتملأ آنيتهم بالماء.
_________________
(١) البخاري ٣٥٧٧ عن البراء بن عازب.
(٢) البخاري ٤١٥٠.
(٣) مسند أحمد ٤/ ٢٩٢، البداية والنهاية ٩٥/ ٦.
(٤) وهو سفر تبوك كما في فتح الباري ومعارج النبوة.
(٥) البخاري ٣٥٧١ ومسلم ٦٨٢.
[ ٧٢٦ ]
إن السحر تعطيل العين وتحويلها، والساحر يؤثر بقوة السحر في مخيلة المشاهدين وعيونهم، فهم يرون الأشياء على خلاف حقيقتها، ولكن يحدث هذا التغير في عيون الناظرين ومخيلتهم، أما الأشياء فتبقى على أصلها، وأقرب مثال للسحر على من ظنه حية فخاف منه الشخص في الظلام الحبل فيظنه حية، وبهذا الظن تطرأ عليه آثار الخوف والذعر وكأنه رأى حية حقيقية، والواقع أن الحبل حبل، وليس له تأثير.
أما معجزات الأنبياء فهي معجزات حقيقية وأصلية، وبذلك يسمو النبي على الساحر فهو أطهر منه وأزكى.
وقصة سحرة موسى موجودة في القرآن، ويبدو أنهم كانوا مهرة في فنهم، ولذا قال الله فيهم: ﴿وجاءوا بسحر عظيم﴾ (الأعراف: ١١٦).
ولنعلم الآن ماذا كان ذلك السحر العظيم؟
﴿فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ (طه: ٦٦).
ومن نتيجة هذا السحر أنهم ﴿واسترهبوهم﴾ (الأعراف: ١١٦). أي خوفوهم.
وهذا هو غاية ما يستطيع الساحر الوصول إليه، إنه يعرض عليهم فنه حتى يخوفهم.
وهنا أمر الله تعالى موسى أن يلقي عصاه فإذا هي ثعبان يلقف ما أفكوا، ولو كانت حقيقة معجزة موسى مجرد تحول العصا إلى ثعبان في أعين السحرة فقط، لأثرت في قلوب السحرة مثل ما أثرت في قلب فرعون كما حكى عنه تعالى قوله: ﴿إنه لكبيركم الذي علمكم السحر﴾ (طه: ٧١).
ولكن السحرة أدركوا فورا أن عمل موسى فوق السحر وذلك أنهم رأوا أن مئات الحبال والعصي فقدت حقيقتها وتيقنوا أن مشهد لقف ثعبان موسى للحبال والعصي لم يكن تخييلا بل حقيقة وصدقا.
وبعد إدراك هذه الحقيقة تاب السحرة فورا، وآمنوا بموسى، ولم يخافوا - بعد معرفتهم للحقيقة - صلب فرعون لهم، ولا قطعه أيديهم وأرجلهم ولم يمتنعوا عن الإسلام.
انظروا إلى رحمة الله تعالى، إن السحرة حينما جاءوا لمبارزة موسى كانوا مخذولين مقهورين عند الله تعالى، وبعد قليل صاروا لديه من المحبوبين والمنصورين.
[ ٧٢٧ ]
ومثل ذلك حال المرأة التي ورد ذكرها في الحديث السابق الذي أخرجه الشيخان، وقد وردت هنا رواية البخاري وزاد فيه البيهقي (١): أن رواة الحديث أرسلهم النبي (ص) نفسه وقال لهم: إنكما ستجدان امرأة بمكان كذا وكذا، امرأة معها بعير عليه مزادتان إلخ.
وعلى هذا تكون الرواية متضمنة لمعجزة وتنبؤ معا.
٥ - أخرج البخاري عن أنس قال: حضرت الصلاة، فقام من كان قريب الدار من المسجد يتوضأ، وبقى قوم، فأتى النبي (ص) بمخضب من حجارة فيه ماء فوضع كفه فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه، فضم أصابعه فوضعها في المخضب، فتوضأ القوم كلهم جميعا، قلت: كم كانوا؟ قال: ثمانون رجلا (٢).
وفي رواية البيهقي: أن النبي (ص) وضع في المخضب أربعة من أصابعه. وقال أنس: رأيت الماء يفور من بين أصابعه، وقد وقع ذلك في قباء.
وأخرج الشيخان عن أنس بن مالك قال: أتى النبي (ص) بإناء وهو بالزوراء، فوضع يده في الإناء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ القوم. قال قتادة: قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاثمائة (٢).
٦ - وأخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود قال: كنا مع رسول الله (ص) في سفر فقل الماء فقال: اطلبوا فضلة من ماء فجاءوا بإناء، فأدخل يده في الإناء، ثم قال: حي على الطهور المبارك، والبركة من الله، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله (ص) (٣).
وقال النبي (ص) عن هذا الماء: إنه طهور ومبارك، واتفق علماء الأمة على أن الماء الذي نبع من أصابع النبي (ص) كان أكثر بركة وحرمة من ماء زمزم.
وهناك وقائع أخرى مثلها. وبالنظر في خصائص الروايات يتضح أن واقعة انفجار الماء من بين أصابع النبي المباركة تعددت وكثرت. والحقيقة أن هذه المعجزة لو لم تقع في بلد حار جاف مثل الجزيرة العربية، وفي أسفارها الغزوات الطويلة لأدى ذلك إلى هلاك كثير من المجاهدين الذين كانوا يواجهون قلة ملموسة في المال والعتاد.
_________________
(١) انظر لهذه الزيادة الخصائص الكبرى ٢/ ٤٢.
(٢) البخاري ٣٥٧٥.
(٣) البخاري ٣٥٧٢، ومسلم ٢٧٩.
[ ٧٢٨ ]
وأقول أن معجزة شبيهة بهذه توجد في نزول المن والسلوى في عهد موسى ﵇، ولكن منزلة المعجزة المحمدية تفوق معجزة موسى تفوق الماء على الطعام في بقاء الحياة.
وأضيف أيضا أنه وجد في كلام الأنبياء السابقين التنبؤ بمعجزة النبي (ص) هذه وخاصيته هذه، فقد ورد في إشعياء: إن الله يفجر العيون في الصحراء الجافة.
وليست بنا حاجة إلى تأويل هذه الألفاظ، فالواقع أن معجزة نبع الماء قد فجرت الينابيع في الفلوات التي خلت من ماء الشرب، ولله الحمد.
بركة اللبن
الشيء الذي يلي الماء في المنزلة هو اللبن، ورد في حديث المعراج أن النبي (ص) أتى بقدح اللبن والخمر في السماء، فاختار النبي (ص) اللبن، فقال له جبريل: اخترت الفطرة. ولذلك شبه الإسلام أيضا باللبن.
وكل مولود للإنسان يتغذى باللبن، ولن نجد طفلا تغذى بالخمر، وبذلك يثبت أن اللبن سر الفطرة الإنسانية.
وقد ربى داعي الإيمان وهادئ الإسلام (ص) أمته بلبن تعليمه الطاهر، وسقاهم اللبن المعجز أيضا، وكثر ذلك في حياته (ص).
أولا: عقد الإمام البخاري بابا: كيف كان عيش النبي (ص) وأصحابه، أورد فيه حديث أبي هريرة الذي هو مظهر المعجزات النبوية، كما يوضح حقيقة كيف كانت حياة سيد الكون حياة زهد وورع.
يقول أبو هريرة: إني كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإني كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا يشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا يشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم (ص) فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: «يا أبا هر الحق» ومضى فتبعته فدخل فاستأذن فأذن لي، فدخل فوجد لبنا في قدح فقال: «من أين
[ ٧٢٩ ]
هذا اللبن؟» قالوا: أهداه لك فلان، قال: «أبا هر! الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي» قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أخد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت وما هذا اللبن في أهل الصفة، كتت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاءوا أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله به، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: «يا أبا هر خذ فأعطهم» فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد على القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح حتى انتهيت إلى النبي (ص) وقد روى القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إلي فتبسم فقال: «أبا هر بقيت أنا وأنت» قلت: صدقت يا رسول الله، قال: «اقعد فاشرب» فقعدت فشربت، فقال: «اشرب» فشربت، فما زال يقول: «اشرب» حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له ممسكا. قال: «فأرني» فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة» (١).
وهذا حديث واحد ولكنه جمع عدة آيات وعلامات للنبوة كأن أنهار اللبن تجري.
* لا يوجد في بيت سيد العالمين أثر من الغذاء الجسمي.
* والهدية التي أهديت له (ص) ليست إلا قدح لبن لا تكفي إلا ما يشبع رجلا واحدا.
* والرسول يدعو على هذا القدر اليسير أصحاب الصفة جميعا الذين ضحوا في سبيل الدين بأهلهم، ومالهم، وأعرضوا عن ثروة الدنيا إلى المدرسة النبوية. إن ذلك مظهر بارز من مظاهر الخلق المحمدي (ص).
* ومن آيات النبوة في هذا الواقع أن كل فرد شبع بهذا اللبن وبقى اللبن في القدح كما كان حتى أن أبا هريرة حلف للنبي (ص) بأنه لم يبق في بطنه موضع لمزيد من اللبن.
* وهل يظن أحد أن عددا أكبر كان يمكنه أن يأتي على اللبن؟
كلا، لو كانوا مائة ألف أو مليونا لشبعوا جميعا. إن القدرة على تفريغ القدح كان بإمكان من كفى اللبن ببركته ويمنه الجميع.
_________________
(١) البخاري ٦٤٥٢.
[ ٧٣٠ ]
* أعيدوا النظر إلى الحديث، إن النبي (ص) حمد الله تعالى حينما أخذ القدح في يده، هذا هو الشيء الذي يعد روح تعليم النبوة.
* يمكن أن يرى أي شخص آخر غير النبي (ص) هذا الأمر العجيب فيشعر بالعظمة، ويمكن أن يعده البعض من الكمالات الشخصية، أما النبي (ص) فإنه لم يذكر به إلا مالكه والقادر عليه، ونسب النعم والعطايا كلها إلى ذاته ﵎ الذي تجلت ربوبيته بمثل هذه الأمور.
ثانيا: مر النبي (ص) في سفره للهجرة بأم معبد عاتكة بنت خالد بن خليد الخزاعية، وكانت امرأة متقدمة في السن تجلس أمام خيمتها وتسقي المارة وتبيع التمر وغيره؛ وكان أبو بكر مع النبي (ص) حينذاك، وكان يركب خلف النبي (ص) على الناقة. وعلى الناقة الأخرى كان عامر بن فهيرة (١) وعبد الله بن أريقط، وكان خبيرا بهذا الطريق استأجره النبي (ص) في هذا السفر. وتوقف ذلك الركب الميمون عند خيمة أم معبد للاستراحة. وسألوا المرأة هل عندها شيء من الأكل؟ قالت: لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى، وإذا القوم مرملون مسنتون.
وقال حبيش بن خالد (٢) (أخو أم معبد) قتيل البطحاء: فنظر رسول الله (ص) فإذا شاة في كسر خيمتها فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد؟» فقالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم. قال: «تأذنين لي أن أحلبها؟» قالت: إن كان بها حلب فاحلبها، فدعا رسول الله بالشاة فمسحها ومسح ضرعها وذكر اسم الله ودعا بإناء لها يربض الرهط فحلب فيه ثجا حتى ملأه فسقاها وسقا أصحابه فشربوا عللا بعد نهل، حتى إذا رووا شرب آخرهم، ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء فغادره عندها ثم ارتحلوا» (٣).
إن آية النبوة سقت الناس اللبن، ومعجزة الخلق المحمدي أن النبي (ص) كان يسقي رفاق السفر قبله ويشرب بعدهم، ثم يترك بقية كافية لأصحاب البيت.
_________________
(١) كان غلاما أسلم، عذب في الله فاشتراه أبو بكر وأعتقه. قتل يوم بئر معونة سنة أربع من الهجرة ولم يعثروا على جثته.
(٢) أسلم وشهد الفتح مع رسول الله (ص) فقتل يوم فتح مكة هو وكرز بن جابر ولهذا يقال لهما «قتيل البطحا».
(٣) البداية والنهاية ٣/ ١٩٢، أسد الغابة ٤٥١/ ١.
[ ٧٣١ ]
البركة في الطعام
يراد ببركة الطعام المعجزة التي يكفي بها الطعام القليل عددا كبيرا. ويظهر من مطالعة الإنجيل أن هذه المعجزة ظهرت من المسيح أيضا، فإنه قد أشبع جماعة كبيرة بأربعة أرغفة وثلاث سمكات.
وفي معجزات النبي (ص) ورد ذكر مثل هذه الوقائع غي الأحاديث الصحيحة بكثرة:
١ - فعن أنس قال جئت رسول الله (ص) فوجدته جالسا مع أصحابه يحدثهم وقد عصب بطنه بعصابة. وفي رواية: يقرئ أصحاب الصفة سورة النساء وقد ربط على بطنه
حجرا من الجوع.
فأخبر أنس بذلك والده فذهب فأجر نفسه بصاع من شعير، فعمدت أم سليم إلى نصف مد من شعير فطحنته وعملت منه الخبز ظنا منها أن النبي (ص) لو جاء وحده لشبع جيدا، وإن جاء أحد معه كفانا. قال أنس: ثم أرسلتني إلى رسول الله (ص)، وفي رواية: قال أبو طلحة لأنس: اذهب فقم قريبا من رسول الله (ص) فإذا قام فدعه حتى يتفرق أصحابه ثم اتبعه حتى إذا قام على عتبة بابه فقل له: إن أبي يدعوك. قال: فذهبت به فوجدت رسول الله (ص) في المسجد ومعه الناس، فقال لي رسول الله (ص): «أرسلك أبو طلحة؟» فقلت: نعم، قال: «بطعام؟».
قلت: نعم، فقال رسول الله (ص) لمن معه: «قوموا» فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته فقال أبو طلحة: أم سليم قد جاء رسول الله (ص) بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله (ص) وقال: يا رسول الله ما عندنا إلا قرص. فلما وصل رسول الله (ص) قال: «هلمي يا أم سليم ما عندك» فأتت بذلك الخبز فأمر به ففت وعصرت عليه أم سليم عكة لها فأدمته، ثم قال فيه رسول الله (ص) ما شاء الله أن يقول. وفي رواية قال: «اللهم أعظم فيها البركة» ثم قال: «ائذن لعشرة» فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا. وهكذا شبعوا كلهم، والقوم ثمانون رجلا (١).
٢ - عن جابر أن أباه توفى وعليه دين فأتيت النبي (ص) فقلت: إن أبي ترك عليه دينا
_________________
(١) البخاري ٢٥٧٨. وانظر فتح الباري ٣٢٩/ ٢.
[ ٧٣٢ ]
وليس عندي إلا ما يخرج نخله ولا يبلغ ما يخرج سنين ما عليه، فانطلق معي لكي لا يفحش علي الغرماء، فمشى حول بيدر من بيادر التمر فدعا ثم جلس عليه، فقال: «انزعوه» فأوفاهم الذي لهم وبقى مثل ما أعطاهم. وفي رواية: وأنا والله راض أن يؤدي الله أمانة والدي ولا أرجع إلى أخواتي تمرة، فسلم والله البيادر كلها حتى أني أنظر إلى البيدر الذي عليه رسول الله (ص) كأنه لم ينقص تمرة واحدة (١).
٣ - عن جابر أن أباه توفى وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود، فكلم النبي (ص) اليهودي ليأخذ تمر نخله بالتي له فأبى، فدخل رسول الله (ص) النخل فمشى فيها، ثم قال لجابر: «جد له فأوف له الذي له» فجد له بعد ما رجع رسول الله (ص) فأوفاه ثلاثين وسقا، وفضلت له سبعة عشر وسقا، فأخبر جابر عمر فقال له عمر: لقد علمت حين مشى فيها رسول الله (ص) ليباركن فيها (٢).
٤ - عن جابر أن أم مالك كانت تهدي للنبي (ص) في عكة لها سمنا، فيأتيها بنوها فيسألون الأدم وليس عندهم شيء، فتعمد إلى الذي كانت تهدى فيه للنبي (ص) فتجد فيه سمنا، فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرته، فأتت النبي (ص) فقال: «عصرتيها؟» قالت: نعم، قال: «لو تركتيها ما زال قائما» (٣).
٥ - عن بنت خباب قالت: خرج خباب في سرية فكان رسول الله (ص) يتعاهدنا حتى يحلب عنزا لنا في جفنة لنا، قالت: وكان يحلبها حتي تطفح وتفيض، فلما رجع خباب حلبها فرجع حلابها (٤).
٦ - عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: كنا مع النبي (ص) ثلاثين ومائة، فقال النبي (ص): «هل مع أحد منكم طعام؟» فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه فعجن، ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها، فاشترى منه شاة، فصنعت وأمر النبي (ص) بسواد البطن أن يشوى، وايم الله ما في الثلاثين والمائة إلا وقد حز النبي (ص) له حزة من
_________________
(١) البخاري ٢٣٩٥، ٢٤٠٥، ٢٧٨١، ٣٥٨٠.
(٢) في الشيخين برواية وهب بن كيسان عن جابر.
(٣) مسلم ٢٢٨٠.
(٤) طبقات ابن سعد ٨/ ٢٩٠ - ٢٩١، مسند أحمد ٣٧٢/ ٦.
[ ٧٣٣ ]
سواد بطنها، فجعل منها قصعتين، فأكلوا أجمعون وشبعنا، ففضلت القصعتان فحملناه على البعير (١).
التأثير في النباتات
حنين الجذع: الحنين في اللغة صوت المشتاق الذي يخرج من فمه من أجل فراق المحبوب. والجذع أصل النخل المقطوع. والحديث الذي نورده هنا أخرجه من المحدثين الإمام البخاري ومسلم وابن خزيمة وابن حبان والشافعي في «مسنده» وأحمد والنسائي والترمذي وابن ماجة والحاكم والبيهقي والطبراني وأبو يعلى. والذين شاهدوا هذه المعجزة ورووا من الصحابة المصلين هم:
سيد القراء أبي بن كعب (ت ١٩ هـ)، جابر بن عبد الله الشهيد (ت ٧٢ هـ)، خادم الرسول أنس بن مالك (ت ٩٢ هـ)، عاشق السنة عبد الله بن عمر (ت ٧٣ هـ)، ابن عم النبي عبد الله بن عباس (ت ٨٨ هـ)، سهل بن سعد الساعدي (ت ٩١ هـ)، أبو سعيد سعد ابن مالك الخدري (ت ٧٨ هـ)، بريدة بن الخطيب الأسلمي (ت ٦٣ هـ)، أم المؤمنين أم سلمة (ت ٥٩ هـ)، مطلب بن أبي وداعة القرشي ﵃.
وقصة ذلك أن المسجد لما بني بالمدينة لم يكن فيه منبر، فكان النبي (ص) يقوم يوم الجمعة إلى نخلة، فاتخذ تميم الداري (٢) للنبي (ص) منبرا بعد إذنه، صنعه له غلام امرأة من الأنصار، وكانت له ثلاث درجات، إحداها للجلوس واثنتان للصعود. فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي. وفي رواية جابر بن عبد الله: سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار، حتى نزل النبي (ص) فوضع يده عليها فسكت. وفي رواية: ثم أمر به فدفن (٣).
وقد أخرج ابن أبي حاتم في كتاب «آداب الشافعي ومناقبه» عن عمرو بن سواد
_________________
(١) البخاري ٢٦١٨، ومسلم ٢٠٥٦.
(٢) هو تميم بن أوس بن خارجة، ينسب إلى الدار وهو بطن من لخم، كان نصرانيا فأسلم.
(٣) البخاري ٩١٨، ٣٥٨٣، ٣٥٨٤، ٣٥٨٥.
[ ٧٣٤ ]
السرحي: قال لي الشافعي (١): ما أعطى الله ما أعطى محمدا (ص) فقلت: أعطى عيسى إحياء الموتى (٢). فقال: أعطى محمد حنين الجذع الذي كان يقف يخطب إلى
_________________
(١) هو محمد بن إدريس القرشي المطلبي، أحد الأئمة الأربعة، ولد سنة ١٥٠ وتوفي سنة ٢٠٢ هـ ودفن بمصر. انه قرب الأئمة إلى النبي (ص) نسبا.
(٢) إننا نؤمن بأن الله تعالى أكرم عيسى بمعجزة إحياء الموتى بإذن الله، وقد ذكر القرآن الكريم خاصته هذه فقال ﴿أحيي الموتى بإذن الله﴾ فهل ظهرت هذه المعجزة على يديه قط؟ ذكر صاحب معالم التنزيل: قال ابن عباس: قد أحيى أربعة أنفس: عازر صديق المسيح أخرجه من قبره بعد ثلاثة أيام. وابن العجوز، مر ميتا على عيسى فأحياه فنزل عن أعناق الرجال ورجع إلى أهله. وابنة العاشر ماتت قبل يوم فأحياها. وسام بن نوح (معالم التنزيل على هامش الخازن ١/ ٢٩٤). وينبغي أن يعلم أن صاحب المعالم أورد هذه الرواية بغير إسناد، ولذا لا يعتد به عند المحدثين. فلنرجع إلى الأناجيل الأربعة حتى نعرف هل نسب فيها شيء مثل هذا إلى عيسى؟
(٣) ورد ذكر عاذر (لعاذر) في إنجيل يوحنا (١٨، ٢/ ١١) فقط وهو فيه أخو مريم التي دهنت الرب بطيب. يقول يوحنا: إن ذلك وقع على بعد ميلين واشتهر في نفس الوقت، فالعجب كيف خفى ذلك على مؤلفي الأناجيل الآخرين؟
(٤) أن الأناجيل ساكتة عن ابن العجوز.
(٥) إن ابنة العاشر التي ذكرت في رواية ابن عباس قد ذكرها لوقا ومرقس بأنها بنت رئيس المجمع (لوقا ٨/ ٤٩، مرقس ٥/ ٣٥) يقول مؤلفو الأناجيل: «جاءوا من دار رئيس المجمع قائلين: ابنتك ماتت، قال المسيح إنها لم تمت، وجاء إلى بيت رئيس المجمع ورأى ضجيجا، فقال: لم تمت الصبية لكنها نائمة، ثم قال لها: قومي، وللوقت قامت الصبية ومشت. ونحن المسلمون نصدق قول المسيح، ونؤمن بأن البنت لم تكن قد ماتت بل أصيبت بسكتة أو ضعف ثم شفيت ببركة المسيح.
(٦) أما قصة إحياء سام بن نوح فإنها لم ترد في الأناجيل. وقصدي من ذكر هذه الإحالات هنا هو الدلالة على أن الأناجيل ساكتة عن قدرة المسيح على إحياء الموتى. أما واقعة حنين الجذع فقد رويت بتواتر وتوفرت لها شهادات. أما المجاميع الإسلامية فإنها قد أوردت رواية أصح وأنبأ من رواية الأناجيل، ذكرها الطبراني وأبو نعيم وابن مندة وابن أبي الدنيا عن أنس بن مالك، وقد ذكرها الإمام ابن عبد البر في «الاستيعاب»، والقاضي عياض في «الثناء» والقسطلاني في «المواهب اللدنية» تقول هذه الرواية: «إن زيد بن خارجة خر ميتا في بعض أروقة المدينة وكان ذلك في خلافة عثمان، فرفع وسجى إذ سمعوه بين العشائين (الطبراني بين الظهر والعصر) والنساء يصرخن حوله يقول: أنصتوا، أنصتوا، فحسر عن وجهه فقال: محمد رسول الله النبي الأمي وخاتم النبيين، كان ذلك في كتاب الأول، صدق صدق، وذكر أبا بكر وعمر وعثمان ثم قال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته» (الشفا ١/ ٢١١). وفي الاستيعاب (٢/ ٥٤٨): =
[ ٧٣٥ ]
جنبه، فلما هيئ له المنبر حن الجذع حتى سمع صوته، كما ورد في رواية النسائي (١) والصحيحين وغيرها (٢).
وكاتب السطور يقول: إن المراد بإحياء الموتى إعادة الحياة إلى أجسام الموتى، التي كانت موجودة فيها قبل. أما بكاء النخل فإنه أعجب، لأنه عبارة عن حدوث صفة إنسانية في جسم نباتي، وليست هذه الصفة عبارة عن مجرد البكاء والارتعاد والارتعاش بل فيها إحساس وشعور بفراق الحبيب وفقدان الشرف، حتى كأن لونا من العشق والحب دخل في هذا الجذع.
وكان الحسن البصري (ت ١١٠ هـ) يذكر هذا الواقع فيقول: أيها الناس، هذه حالة جذع في فراق الرسول، فانظروا إلى أحوالكم.
ولنتذكر أن النبي (ص) أمر بدفن هذه النخلة لأنها صارت مظهرا للصفات الإنسانية.
وهذه النكتة تقوي دليل الإمام الشافعي أكثر.
التأثير على الحيوان
١ - ورد في صحيح مسلم عن جابر قال: غزوت مع رسول الله (ص)، فتلاحق بي النبي (ص) وتحتي ناضح لي قد أعيا، فقال لي:
«ما لبعيرك؟» قلت: عليل، فتخلف رسول الله (ص) فزجره ودعا له، فما زال
_________________
(١) = «ثم قال: أحمد أحمد في الكتاب الأول، صدق صدق أبو بكر الصديق، الضعيف في نفسه، القوي في أمر الله، كان ذلك في الكتاب الأول. صدق صدق عمر بن الخطاب، القوي الأمين في الكتاب الأول، صدق صدق عثمان بن عفان على منهاجهم، مضت أربع سنين وبقيت اثنتان، أتت الفتن، وأكل الشديد الضعيف، وقامت الساعة، وسيأتيكم خبر بئر أريس وما بئر أريس». وليعلم أن هذه الرواية أصح مما ذكرته الأناجيل دون شك. وزيد بن خارجة وأبوه كلاهما من الصحابة ومن رؤساء الأنصار. وهناك تنبؤ في قصر بئر أريس، وذلك أن خاتم النبي (ص) كان في يده (ص)، حتى قبض، وفي يد أبي بكر حتى قبض، وفي يد عمر حتى قبض، وفي يد عثمان فبينما هو عند بئر أريس إذ سقط في بئر، فأمر بها فنزحت فلم يقدر عليه. (البخاري ٥٨٧٢)، أبو داود (٤٢١٥) ومنذ ذلك اليوم قامت الفتنة واختلت الخلافة.
(٢) سنن النسائي ٢/ ١٠٢.
(٣) آداب الشافعي ومناقبه ص ٨٣.
[ ٧٣٦ ]
بين يدي الإبل قدامها يسير، فقال لي: «كيف ترى بعيرك؟» قلت: بخير قد أصابته بركتك (١).
٢ - وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن النبي (ص) بعث رجلا فأتاه فقال: يا رسول الله قد أعيتني ناقتي أن تنبعث فأتاها فضربها برجله، قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لقد رأيتها تسبق القائد (٢).
٣ - وروى أحمد عن بنت لخباب قالت خرج خباب في سرية وكان رسول الله (ص) يتعاهدنا حتى كان يحلب عنزا لنا، فكان يحلبها في جفنة لنا فكانت تمتلئ حتى تطفح، قالت: فلما قدم خباب وحلبها عاد حلابها إلى ما كان (٣).
٤ - وروى البيهقي عن جعيل الأشجعي قال: غزوت مع النبي (ص) في بعض غزواته وأنا على فرس له جعفاء ضعيفة، فكنت في أخريات الناس فلحقني رسول الله (ص) فقال: «سر يا صاحب الفرس» فقلت: يا رسول الله جعفاء ضعيفة فرفع رسول الله (ص) مخفقة معه فضربها بها وقال: «اللهم بارك له فيها» قال: فلقد رأيتني ما أمسك رأسه إن تقدم الناس، قال: فلقد بعت من بطنها باثني عشر ألفا (٤).
٥ - وروى ابن سعد وأبو يعلى والبيهقي وأبو نعيم والحاكم وصححه عن سفينة مولى رسول الله (ص) قال: ركبت سفينة في البحر فانكسرت فركبت لوحا منها، فأخرجني إلى أجمة فيها أسد، إذ أقبل الأسد، فلما رأيته قلت: يا أبا الحارث، أنا سفينة مولى رسول الله (ص)، فأقبل نحوي حتى ضربني بمنكبه ثم مشى معي حتى أقامني على الطريق، قال:
ثم همهم ساعة وضربني بذنبه فرأيت أنه يودعني (٥).
_________________
(١) مسلم ٣/ ١٢٢١، دلائل النبوة للبيهقي ٦/ ١٥١.
(٢) مسلم ٢/ ١٠٤٠ رقم ١٤٢٤، دلائل النبوة للبيهفي ٦/ ١٥٤.
(٣) مسند أحمد ٥/ ١١١، ٣٧٢.
(٤) دلائل النبوة للبيهقي ١٥٣/ ٦، الخصائص الكبرى ٦٣/ ٢.
(٥) دلائل النبوة للبيهقي ٥/ ٦ ٤، الخصائص الكبرى ٢/ ٦٥.
[ ٧٣٧ ]
التأثير على الأفلاك ومعجزة شق القمر
معجزة شق القمر من أشهر معجزات النبي (ص). كان الكفار قد سألوا علماء اليهود: ماذا ينبغي أن نسأل محمدا (ص) كدليل على صدقه؟ قالوا: إن أثر السحر ينحصر في الأرض، فقولوا له يريكم القمر شقين، فلعله لا ييتطيع ذلك. وبعد ذلك سأله الكفار شق القمر (١).
وروى أحاديث شق القمر عبد الله بن مسعود، وأمير المؤمنين علي المرتضى، وجبير بن مطعم النوفلي، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر ﵃.
فقد أخرج الشيخان عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله (ص) فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله (ص): «اشهدوا» (٢). وورد في الرواية لفظ (اشهدوا) بسبب أن شق القمر كان قد وقع بعد طلب الكفار على طريق المعجزة، وإلا ما معنى تأكيد الشهادة؟
وجاء في الصحيحين برواية أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله (ص) أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما (٣).
وفي رواية الصحيحين عن ابن مسعود ورد التصريح التالي: انفلق القمر ونحن مع رسول الله (ص) (٤).
وهكذا ورد التصريح بذلك في رواية جبير بن مطعم عند البيهقي وأبي نعيم، فقال: انشق القمر ونحن بمكة (٥).
ويتضح بهذه التصريحات أن ثلاثة من أجلة الصحابة، وهم: علي وعبد الله بن
_________________
(١) أعتقد أن اليهود أخذوا فكرة شق القمر من فلق البحر الذي كان أكبر معجزات موسى ﵇، فقطعوا باستحالة معجزة مثل معجزة موسى لغيره، فكيف إذا كان بين المعجزتين من التفاوت ما بين الأرض والسماء.
(٢) البخاري ٣٦٣٦، ومسلم ٢١٥٨/ ٤.
(٣) البخاري ٣٦٣٧، ومسلم ٢١٥٩/ ٤.
(٤) البخاري ٣٨٦٩، ومسلم ٢١٥٨/ ٤.
(٥) دلائل النبوة للبيهفي (٢/ ٢٦٨)، ولأبي نعيم (٩٦/ ١).
[ ٧٣٨ ]
مسعود وجبير بن مطعم النوفلي شهود عيان لهذه المعجزة. وحديث عبد الله بن عباس وأنس بن مالك من مراسيل الصحابة.
وفي رواية عبد الله بن عمر عند مسلم احتمالان، والظن الغالب أنه أيضا من شهود العيان، فقد ورد في نهاية روايته: فقال رسول الله (ص): «اللهم اشهد» (١). والقرآن الكريم يصدق هذه المعجزة فيقول:
﴿اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر﴾ (القمر: ٢، ١).
والعلماء يعلمون أن استعمال «اقترب» مكان «قرب» لتأكيد الواقعة والمراد بالساعة إما القيامة - وهذه الوقائع من شق القمر وغيره تنبئ عن قرب وقوعها، كما أن الشمس والقمر والنجوم والكواكب والجبال والأرض كلها تتلف - وإما الوقت المحدد الذي كان في علم الله لواقعة شق القمر. وإطلاق هذا المعنى ثبت في القرآن بالآيات التالية: ﴿لم يلبثوا إلا ساعة﴾ ﴿ما لبثوا غير ساعة﴾. ولكن الساعة وردت في هذه المواضع دون لام التعريف. والمشككون ينتهزون كل فرصة للتشكيك، فقد قالوا هنا: إن القمر لم ينشق في الحقيقة، فقد ورد في رواية أنس قوله: «أراهم» وهو يعني أن عيون الكفار رأت القمر فرقتين، ولم يقع ذلك في الحقيقة، وليتهم رأوا في نفس الرواية قبل قوله «أراهم» كلمات «سألوا أن يريهم آية» هل كان الكفار يريدون بسؤالهم أن يريهم القمر منشقا سواء انشق أم لا؟ كلا، لم يريدوا ذلك، فلفظ «أراهم» إخبار عن وقوع ما طلب بقوله «يريهم».
والآخرون قالوا: في الآية إخبار عن المستقبل بأن القمر سينشق ولكن «اقتربت وانشق» من صيغ الماضي. ثم إن الكفار لما رأوه قالوا: «سحر مستمر» فلو كان متعلقا بالمستقبل كيف عبروا بقولهم «سحر مستمر»؟ ومع التشكيك والإيراد صحت واقعة شق القمر صحة تامة.
_________________
(١) توفي عبد الله بن عمر عام ٧٣ هـ وعمره ٨٦ عاما، وهكذا كان عمره وقت الهجرة ١٣ سنة، وكان إسلامه مع أبيه سنة ست من النبوة، وحادث شق القمر وقع سنة تسع من النبوة، وعلى هذا فشهادته شهادة عين.
[ ٧٣٩ ]
والمشككون القدامى المستنيرون بالهيئة القديمة كانوا يبحثون موضع إمكان خرق الأجرام السماوية والتئامها وعدمه. ولكن الآن لم تبق أرضهم تلك ولا سماؤهم، وبذهابهما ذهبت شبهاتهم واعتراضاتهم، وليتهم اتعظوا بالزلزلة الأرضية، كيف تنشق الأرض بهزات الزلازل وتحدث فيها مغارات، ثم تتحول إلى استوائها الأول بهزة أخرى!.
ومن المطاعن التي نسمعها في عصرنا: لو انشق القمر لورد ذكره في كتب الهنادك والنصارى، واعتراض الهنادكة يصح لو كان عندهم كتاب في التاريخ، ولكن البلد الذي لم يوجد فيه تاريخ البتة ولا مذكرة لوقائع البلد والأمة، كيف يطالب أمة أخرى بذكر وقائعها في تاريخه وكتبه؟
انظروا إلى المصريين، دعاويهم في الحضارة مثل دعاوى الهنادكة بل أكثر، ولكن وقائع موسى لم توجد في كتبهم. فالبلد الذي يخلو تاريخه من مثل هذه الأمور الأرضية لا يتوقع منه أن يدون جميع الوقائع السماوية أيضا.
أما اليهود والنصارى فيؤمنون بصحة كتاب يشوع: قال يشوع: «يا شمس دومي على جبعون، ويا قمر على وادي أيلون، فدامت الشمس ووقف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه فوقفت الشمس في كبد السماء ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل» (١).
فما أعجب توقف الشمس والقمر عن سيرهما مدة اثنتى عشرة ساعة. إن انشقاق القمر حدث بالليل حينما كان الناس ينامون في كثير من البلاد، وألوف منهم كانوا داخل البيوت. ولكن توقف الشمس اثتتى عشرة ساعة أمر كبير من شأنه أن يحرك العالم كله، ومع ذلك لم يرد ذكره في الكتب المعاصرة ليشوع، وأنتم تؤمنون بصحة هذه الواقعة!.
والآن نريد أن نبين أن انشقاق القمر لو وقع في مكة المكرمة في التاسعة ليلا، فماذا كان الوقت في بلدان العالم الكبرى؟
_________________
(١) العهد القديم، سفر يشوع (١٠/ ١٢).
[ ٧٤٠ ]
البلدالساعةالدقيقة
الهند١٢٥٠ بعد منتصف الليل
موريشس١١٢٠ قبل الظهر
رومانيا وبلغاريا٨٢٠ قبل الظهر
وتركيا واليونان وألمانيا==
ولكسمبورع والدنمارك==
والسويد==
آيس لاند، مديريا٥٢٠ نهارا
البرازيل الشرقية٢٢٠ بعد منتصف الليل
البرازيل الوسطى وشيلي٢٢٠ بعد منتصف الليل
كولمبيا البريطانيه١٠٢٠ قبل الظهر
كولون٩٢٤ قبلالظهر
بورما١٥٠ بعد منتصف الليل
أرض الصومال١٠٢٠ ليلا
ومدغشقر١٠٢٠ ليلا
اتحاد ماليزيا٢٢٠ بعد منتصف الليل
جزر سندوك٧٥٠صباحا
انجلترا وأيرلندا وفرنسا٦٦ صباحا
وبلجيكا وأسبانيا٦٦ صباحا
والبرتغال وجبل طارق٦٦ صباحا
والجزائر٦٦ صباحا
بيرو، بنما، جاميكا١٢٠ بعد منتصف الليل
جزر البهامن، أمريكا١٢٠ بعد منتصف الليل
سموا٦٢٠صباحا
نيوزيلندا٦٥٠صباحا
تسمانيا، فكتوريا٥٢٢صباحا
الجنوب الجديد٥٢٢ صباحا
استراليا الجنوبية٤٥٠ صباحا
اليابان وكوريا٤٢٠ بعد الظهر
استراليا الغربية٣٢٠ بعد الظهر
بورنيو الشمالية، جزر الفلبين٣٢٠ بعد الظهر
هونج كونج، الصين٣٢٠ بعد الظهر
وهذا الجدول وفق التوقيت العام المعتمد عليه.
[ ٧٤١ ]
القسم الثاني من المعجزات
وهو الاطلاع على الأخبار والأحداث المستقبلية
لا علم لأحد من البشر عن الزمن المستقبل، قال تعالى:
﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غدا﴾. (لقمان: ٣٤). والغيب لا يملكه إلا رب العالمين:
﴿له غيب السماوات والأرض﴾ (الكهف: ٢٦).
وإنه تعالى يطلع رسله وأنبياءه على الغيب إذا أراد:
﴿فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول﴾ (الجن: ٢٧، ٢٦).
إن الجاحدين للمعجزات المادية والمرتمين في أحضان الشكوك والأوهام كثيرون، ولكن مثل هؤلاء الناس لا يستطيعون أيضا تأويل مسألة الإخبار الصحيح بالأحداث المستقبلية، ولذا يدخل هذا أيضا في المعجزات، وهذه قضية أخرى أن تحتل مسألة إظهار أخبار الغيب لدى البعض منزلة أكبر.
وقد أخرج الشيخان عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: أول ما بدئ به رسول الله (ص) من الوحي الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (١).
والناحية التي تفضل بها رؤيا الأنبياء على رؤيا الصالحين أن رؤيا غير الأنبياء تكون في لون التمثيل أيضا، بينما رؤيا الأنبياء تتجلى فيها الحقيقة وقد ورد في القرآن الكريم ذكر رؤيا إمام الخلائق إبراهيم عن ذبح ابنه إسماعيل، قال إبراهيم ﵇ لابنه إسماعيل: ﴿يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى﴾ (الصافات: ١٠٢). وأجاب ابن خليل الرحمن الراغب في لقب ذبيح الله:
_________________
(١) البخاري ٣ بدء الوحي، مسلم ١٣٩/ ١ رقم ٢٥٢.
[ ٧٤٢ ]
﴿يا أبت افعل ما تؤمر﴾ (الصافات: ١٠٢).
فلنتأمل لقد اعتبر الصورة المرئية في المنام أمرا إلهيا، ومن هنا وجب تنفيذ هذا الأمر.
وقد ذكر الله تعالى رؤيا للنبي (ص) أيضا في سورة الفتح، يقول:
﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين﴾ (الفتح: ٢٧).
وكان المسجد الحرام والحلق والقصر في هذه الرؤيا أيضا في معانيها الأصلية الحقيقية وبعد الرؤيا تأتي مشاهدات النبي (ص) واطلاعاته التي تلقاها من الله ﷿ ثم أخبر بها العالم. ونذكر هنا بعض الأمثلة بإيجاز.
الإخبار عن بعض أحداث المسقبل
١ - عن حذيفة قال (لقد خطبنا النبي (ص) خطبة ما ترك فيها شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره، علمه من علمه وجهله من جهله، إن كنت لأرى الشيء قد نسيت، فأعرفه كما يعرف الرجل الرجل، إذا غاب عنه فرآه فعرفه) (١).
وزاد في صحيح مسلم برواية أبي زيد قال: صلى بنا رسول الله (ص) الفجر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى ثم خطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا.
إخبار عن الجهاد البحري
٢ - عن أنس أن النبي (ص) دخل على أم حرام فنام في بيتها ثم استيقظ، وهو يضحك فقالت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال:
«ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة» قالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا رسول الله (ص) ثم
_________________
(١) البخاري ٦٦٠٤ القدر، مسلم ٤/ ٢٢١٧ الفتن.
[ ٧٤٣ ]
وضع رأسه، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: ما يضحكك يا رسول الله (ص)؟ قال: «ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله» كما قال في الأول، قالت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: «أنت من الأولين» فركبت البحر في زمن معاوية بن أبي سفيان، مع زوجها عبادة بن صامت، فصرعت عن دابتها حين خرجت في العودة، من البحر فهلكت» (١).
تنبؤ عن أحداث في المستقبل
٣ - أخرج البخاري عن عدي بن حاتم الطائي قال: بينما أنا عند النبي (ص) إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال:
«يا عدي، إن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله» قلت فما بيني وبين نفسي: فأين دعار طى الذين قد سعروا البلاد؟ «ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى» قلت: كسرى بن هرمز؟ قال:
«كسرى بن هرمز».
«ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه».
قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم (ص) يخرج ملء كفه (٢).
قال البيهقي: وقد صدق الله تعالى قول رسوله (ص) في هذه الثالثة في زمن عمر بن عبد العزيز، حيث إن الرجل يخرج بمال زكاته فلا يجد له من الفقراء من يقبله فيرجع به
إلى بيته (٣).
_________________
(١) البخاري ٦/ ١٠ رقم ٢٧٨٨، ومسلم ٣/ ١٥١٨ رقم ١٩١٢.
(٢) البخاري ٦/ ٦١٠ رقم ٣٥٩٥.
(٣) دلائل النبوة للبيهقي ٣٢٣/ ٦.
[ ٧٤٤ ]
التنبؤ بفتوح البلدان
٤ - أخرج البيهقي وأبو نعيم عن البراء بن عازب الأنصاري قال: لما كان حين أمرنا رسول الله (ص) بحفر الخندق، عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة لا تأخذ فيها المعاول، فشكوا ذلك إلى النبي (ص)، فلما رآها أخذ المعول وقال:
«بسم الله» وضرب ضربة فكسر ثلثها فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر إن شاء الله» ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض» ثم ضرب الثالثة فقال: «بسم الله» فقطع بقية الحجر فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة» (١).
وجاء هذا التنبؤ حينما هاجمت جيوش الكفار المدينة، وكان العمل يجري في حفر الخندق اتقاء منهم، والإخبار عن فتح تلك البلاد العظيمة في حالة الضعف هذه لا يكون إلا من نبي الله، وقد صدق الله تعالى هذا التنبؤ تماما.
التنبؤ بفتح مصر
٥ - قال النبي (ص): «إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما، إذا رأيتم رجلين يقتتلان في موضع لبنة فأخرج منها».
كان أبو ذر رأى فتح مصر وسكن بها وقال عن خروجه منها: فرأيت عبد الرحمن ابن شرحبيل بن حسنة وأخاه ربيعة يختصمان في موضع لبنة فخرجت منها (٢).
وقد ورد شرح قوله «ذمة ورحما» في حديث كعب بن مالك أخرجه البيهقي وأبو نعيم: بأن أم إسماعيل كانت منهم أي من مصر وقال الزهري: من الناس من يقول: هاجر كانت قبطية هي أم إسماعيل. ومن الناس من يقول: مارية أم إبراهيم قبطية،
_________________
(١) دلائل النبوة للبيهقي ٣/ ٤٢١، وانظر تحفة الأشراف ٢/ ٦٥.
(٢) مسلم ٤/ ١٩٧٠ رقم ٢٥٤٣.
[ ٧٤٥ ]
وهكذا ورد في حديث البيهقي وأبي نعيم اسم مصر صراحة (١).
التنبؤ بقطع البلاد المفتوحة علاقها مع الجزيرة العربية
روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله (ص):
«منعت العراق درهما وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها (٢)، وعدتم من حيث بدأتم» (٣).
قال يحيى: خرج لفظه على لفظ الماضي لأنه ماض في علم الله ﷿، وفي إعلامه بهذا قبل وقوعه ما دل على إثبات نبوته (٤).
والحديث المذكور إخبار عن الزمن الذي انقضى فيه عهد الخلافة الراشدة في المدينة المنورة، وقامت الدولة الأموية في دمشق، فلم يكن المال يأتي إلى الحجاز من تلك البلاد في صورة النقود ولا الحبوب. وهذا التنبؤ لا يزال صادقا منذ اثنى عشر قرنا.
التنبؤ بسوار كسرى يلبسه سراقة الأعرابي
روى البيهقي من طريق ابن عتبة قال قال النبي (ص) لسراقة:
«كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟» (٥).
وفي رواية أخرى للبيهقي أن عمر الفاروق أتى بسواري كسرى (من غنائم إيران) فألبسهما سراقة بن مالك فبلغا منكبيه فقال الحمد لله، سواري كسرى بن هرمز في يدي
_________________
(١) دلائل النبوة للبيهقي ٦/ ٣٢٢.
(٢) القفيز: مكيال معروف لأهل العراق؛ قال الأزهري: هو ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف (٢ ونصف رطل أو رطلان) وهو خمس كيلجات. والمدي: على وزن قفل، مكيال معروف لأهل الشام، قال العلماء: يسع خمسة عشر مكوكا. والإردب: مكيال معروف لأهل مصر يسع أربعة وعشرين صاعا.
(٣) مسلم ٤/ ٢٢٢٠ رقم ٢٨٩٦.
(٤) دلائل النبوة للبيهقي ٣٢٩/ ٦ ونسب فيه هذا القول إلى أبي عبيد الهروي، وهو القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ).
(٥) الخصائص الكبرى ١١٣/ ٢، ودلائل النبوة للبيهقي ٣٢٥/ ٦.
[ ٧٤٦ ]
سراقة بن مالك، أعرابي من بني مدلج. قال الشافعي: وإنما ألبسهما سراقة تصديقا لقول النبي (ص) لسراقة:
«كأني بك قد لبست سواري كسرى ومنطقته وتاجه» (١).
تأملوا الحديث المذكور رغم إيجازه قد اشتمل على ثلاث تنبؤات:
١ - صدق خلافة الفاروق ﵁، فقد تحقق فيها إخبار النبي (ص).
٢ - فتح إيران.
٣ - بقاء سراقة على قيد الحياة إلى فتح إيران. ويتضح مما ورد في كتاب الاستيعاب (٢) أن سراقة توفي عام أربعة وعشرين (٢٤ هـ) من الهجرة، أي عاش بعد فتح إيران عدة سنوات فقط.
القسم الثالث من المعجزات
والآن نذكر التنبؤات التي سبق تدوينها في كتب الحديث، وقد انتشرت بين الناس في العالم الإسلامي، ثم تحققت هذه التنبؤات فيما بعد.
ويدل ذلك على أن الوهم لا يمكن أن يتطرق إلى مثل هذه التنبؤات، وكذلك يدل على أن شروط الساعة التي ورد ذكرها في الأحاديث والتي لم تتحقق إلى الآن (١٣٤٨ هـ) (*) سوف تتحقق في أوقاتها التي قدرها الله لها، وهكذا يزداد بها إيمان المؤمنين.
التنبؤ بما حدث سنة ٣٩٣ هـ.
ورد التنبؤ عن غزوة الهند في سنن النسائي والبيهقي بألفاظ تالية:
عن أبي هريرة قال وعدنا رسول الله (ص) غزوة الهند (٣).
_________________
(١) المصدر المذكور.
(٢) الاستيعاب ٣/ ٥٨٢. (*) تاريخ تأليف الكتاب.
(٣) سنن النسائي (٢/ ٥٦ رقم ٣١٧٥)، ودلائل النبوة للبيهقي (٦/ ٣٣٦).
[ ٧٤٧ ]
وليعلم أن هذا الحديث أورده الإمام النسائي في صحيحه وقد ولد النسائي عام ٢١٥ هـ وتوفي عام ٣٠٣ هـ.
وأول هجوم على الهند قام به السلطان محمود الغزنوي كان عام ٣٩٣ هـ، أي بعد نحو قرن من نشر كتاب سنن النسائي.
وكذلك ينبغي أن نتذكر أن الهند في كتب المسلمين اسم نهر اتك، وعلى هذا سموا الأمم الساكنة ما وراء اتك «هندو» ومن هنا سمى الإنجليز الهند «انديا» بلغتهم.
وعلى هذا يصدق الحديث على نفس الغزوة التي يتم فيها عبور نهر اتك.
التنبؤ بما حدث سنة ٦٥٤ هـ
«لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى» (١).
ورد هذا الحديث في صحيح البخارى وصحيح مسلم، وتوفى البخاري في عام ٢٥٦ هـ، وتوفى مسلم في عام ٢٦١ هـ، وكانت كتبهما قد انتشرت في جميع البلدان الإسلامية في زمان حياتهما، وكانت لها نسخ يتداولها الناس فيما بينهم درسا وتدريسا في الأقطار الإسلامية وتحقق قول النبي (ص) في جمادى الأخرى عام ٦٥٤ هـ، أي بعد وفاة الشيخين بنحو أربعة قرون، وشهود العيان لهذه النار التي ابتدأت ببركان الجبل، ألفوا كتبا مستقلة، وقد شهد الشيخ صفي الدين المدرس بدرسة بصرى أن اليوم الذي ظهرت فيه هذه النار في الحجاز رأى بدو بصرى إبلهم في ضوئها في تلك الليلة وعرفوها، وقد اندلعت هذه النار غرة جمادى الآخرة من الجبل، وفي اليوم الثاني أحس الناس سرعة في حركة الزلزال وقد اشتدت في اليوم الثالث، وفي اليوم الرابع سمع رعد مع الزلزال، كأن الأفلاك ترعد، وفي اليوم الخامس غطى الدخان السماء والأرض والأفق، وبدأ اللهيب يرتفع، والحجر يذوب، فكان المرأى كأن نهرا أحمر ينصب من الجبل، وكان اتجاه النار إلى المدينة يوما بعد يوم، وقد قضى أهل المدينة ليلة الجميعة في المسجد النبوي يذكرون الله ويتضرعون إليه، فلما أصبحوا رأوا أن اتجاه النار قد تغير، والعجيب أن الهواء الذي كان يأتي إلى المدينة عند اشتداد النار في هذا الوقت كان نسيما باردا.
_________________
(١) البخاري (٧٨/ ١٣ رقم ٧١١٨)، ومسلم (٤/ ٢٢٢٧ رقم ٢٩٠٢).
[ ٧٤٨ ]
أخرج الشيخان أن النبي (ص) قال:
«لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك صغار الأعين حمر الوجوه ذلف الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة» (١).
وهذا إخبار عن فتنة التتار، كانت جيوش هولاكو خان قد دمرت خراسان والعراق ونهبت بغداد، ثم انهزموا في آسيا الصغرى هزيمة نكراء. وهذا حدث في سنة ٦٥٦ هـ، ولكنه سجل في الصحيحين قبل خمسة قرون.
التنبؤ بما حدث سنة ٧٠٠ هـ
وقد أخرج الطبراني وأبو نعيم عن ابن مسعود قال قال النبي (ص): «اتركوا الترك ما تركوكم إن أول من يسلب أمتي ملكهم» (٢).
التنبؤ بما حدث سنة ٨٥٥ هـ
وورد ذكر فتح القسطنطينية في مسند الإمام أحمد (٣) وصحيح مسلم (٤) عن أبي هريرة، وفي سنن أبي داود عن معاذ بن جبل.
وتوفى الإمام أحمد بن حنبل في عام ٢٤١ هـ، وكان كتابه «المسند» أمام علماء الأمة وأئمة المحدثين منذ تاريخ التدوين.
والسلطان محمد الفاتح فتح القسطنطينية عام ٨٥٥ هـ = ١٤٥٣ م، أي بعد كتابا (المسند) بستة قرون ورأى العالم مشهد «نعم الأمير ونعم الجيش» كما كان النبي (ص) قال وذلك بعد الهجرة بثمانية قرون ونصف.
_________________
(١) البخاري ١٠٤٦، ٦٠٤ رقم ٢٩٢٨، ٣٥٨٧، ومسلم ٢٢٣٣/ ٤ رقم ٢٩١٢).
(٢) الطبراني في الكبير. ١/ ٢٢٤ رقم ١٠٣٨٩، وفي الأوسط أيضا.
(٣) أحمد في مسنده (٥/ ٢٣٢، ٢٣٤، ٢٤٥).
(٤) مسلم ٢٢٢١/ ٤ رقم ٢٨٩٧، وأبو داود ٤٨٢/ ٤ - الملاحم.
[ ٧٤٩ ]
التنبؤ بما حدث سنة ١٣٤٨ هـ
كان النبي (ص) قال لشيبة بن عثمان وعثمان بن طلحة في فتح مكة يوم الخميس ٢٠ رمضان ٨ هـ، إذ أعطاهما مفتاح بيت الله:
«خذها خالدة تالدة لا ينزعها يا أبا طلحة منكم إلا ظالم» (١)
وهذه الكلمات الموجزة تتضمن ثلاثة تنبؤات:
١ - بقاء نسل أبي طلحة في الدنيا باستمرار.
٢ - ارتباط الحفاظ على مفتاح بيت الله وخدمته بهم.
٣ - تسمية من ينزع منهم المفتاح ظالما.
وعن الأول والثاني يعلم العالم كله أن المفتاح باق في بني شيبة إلى الآن، ونسلهم لا زال باقيا.
وعن الثالث قال المؤرخون أن يزيد سلب المفتاح منهم وبعد ذلك مضت ١٣٣٣ سنة ولم يجترئ أحد على سلبه منهم حتى لا يلقب بالظالم وهو اللقب الذي ذكره رسول الله (ص) لمن يسلبه مفتاح الكعبة من نسل أبي طلحة.
تنبؤ بأحداث واقعة في الزمن الحاضر
أخرج مسلم في صحيحه: قال المستورد القرشي أمام عمرو بن العاص: سمعت رسول الله (ص) يقول:
«تقوم الساعة والروم أكثر الناس» فقال له عمرو: أبصر ما تقول، قال: أقول ما سمعت من رسول الله، قال: لئن قلت ذلك (٢).
فليتأمل القراء أن صحابي الرسول (ص) حدث هذا الحديث حينما كانت عساكر الإسلام ظافرة منتصرة في أقطار العالم كلها، ولم ينهزموا في موقعة في العراق والشام ومصر وخراسان وإيران والسودان، وكانت الهزيمة والانسحاب من نصيب النصارى في
_________________
(١) الطبراني ١١/ ١٢٠ رقم ١١٢٣٤.
(٢) مسلم ٢٢٢٢/ ٤ رقم ٢٨٩٨.
[ ٧٥٠ ]
جميع البلاد، ولم يكن هناك علة مفهومة لكثرة الأمم الأوربية وغلبتها لدى العقل أو الوهم أو القياس.
وكان العالم الإسلامي على هذه الحالة في حياة الإمام مسلم (ت ٢٦١ هـ) ولكن الصحابي يروى الحديث المذكور، والإمام يثبته في كتابه بكامل اليقين والإيمان بصحته. وعلى العالم أن ينظر أحوال أمريكا (وهي في أصلها أوربية) وبريطانيا وإيطاليا والبرتغال والسويد والنروج وسويسرا وأسبانيا وألمانيا وغيرها.
تنبؤ بما يحدث في الزمن المعاصر
أخرج البيهقي والحاكم عن أبي هريرة ومعاوية والطبراني عن عوف بن مالك الأشجعي أن النبي (ص) قال في حديث طويل: «تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» (١).
كان لكل فرد من أفراد الأمة المحمدية منفردا ومجتمعا عند نزول القرآن اسم واحد وهو المسلم، كما ورد في القرآن الكريم ﴿هو سماكم المسلمين﴾ (الحج: ٧٨). وكان هذا الاسم علما للمسلمين إلى بداية عهد أمير المؤمنين علي، ولما خرجت الخوارج ظهرت فرق جديدة وأسماء جديدة، وكل فرقة تفتخر باسمها، وهذا التنبؤ تحقق وصدق ولا يزال يصدق، وملايين المسلمين ودعاويهم المتنوعة يؤيد ما قلنا.
وكان قصد المؤلف بيان معجزات النبي (ص) الخاصة بالأخبار عن الغيب، وما سبق بيانه على سبيل المثال يحقق ولله الحمد، هذا القصد، والحصر صعب وعسير.
القسم الرابع من المعجزات النبوية
من صفات رب العالمين السامية قبول دعاء العباد، وهو الرؤوف الرحيم يقبل دعاء كل عبد إذا دعاه باعتقاد واضطرار، يقول تعالى: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ (النمل: ٦٢).
_________________
(١) سنن البيهقي ٢٠٨/ ١٠، مستدرك الحاكم ١٢٨/ ١، الطبراني ١٧/ ١٨ رقم ١٢٩.
[ ٧٥١ ]
وهو رحمن الدنيا ورحيم الآخرة يقبل خاصة دعاء المطيعين من العباد:
﴿أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ (البقرة: ١٨٦).
وهو العزيز الحكيم يقبل دعاء عباده سريعا حتى يرسخ في قلوب العالمين صدق وعده وكرامة رسوله (ص) وحرمته، وحتى تصير هذه العلامة نفسها معجزة لا يستطيع العالم أن يأتي بنظيرها، وهداية لطلاب طريق الحق، وآية تقرب إلى الله تعالى.
وهناك مئات من النظائر لأن النبي (ص) تكلم بكلام حققه الله تعالى بكامل معانيه ومحتواه.
إن إحصاء مثل هذه النظائر عسير، ولكن واجب مؤلف السيرة أن يعطر نفوس القراء بشذا رياض السيرة العطرة.
١ - أخرج الشيخان عن أنس بن مالك قال: أصابت الناس سنة على عهد النبي (ص)، فبينما النبي (ص) يخطب في يوم جمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا، فرفع يديه، وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته (ص)، فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد وبعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي فقال: يا رسول الله، تهدم البناء وغرق المال فادع الله لنا فرفع يديه فقال: «اللهم حوالينا ولا علينا» فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت وصارت المدينة مثل الجوبة وسال الوادي قناة شهرا، ولم يجئ أحد من ناحية الأحدث بالجود (١).
دعاء يحفظ من القتل
٢ - روى الطبراني في الأوسط أن ضمرة بن ثعلبة أتى النبي (ص) فقال: ادع الله لي بالشهادة، فقال النبي (ص):
_________________
(١) البخاري ٤١٣/ ٢ رقم ٩٣٣، ومسلم ٦١٢/ ٢ رقم ٨٩٧، ودلائل النبوة للبيهقي٦/ ١٤١، وقد روى البيهقي وابن عساكر كلمات دعاء النبي (ص) التي استسقى به، وهي: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا غدقا طبقا عاجلا غير رائث نافعا غير ضار تملأ به الضرع وتنبت به الزع وتحيي به الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون».
[ ٧٥٢ ]
«اللهم حرم دم ابن ثعلبة على المشركين» (١).
فكان هذا الصحابي يحمل على المشركين دون خوف ويخوض صفوفهم ثم يرجع سالما.
دعاء العفة
٣ - أخرج أحمد في «مسنده» والبيهقي في «شعب الإيمان» عن أبي أمامة قال: إن فتى شابا أتى النبي (ص) فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا مه مه، فقال:
«ادنه» فدنا منه قريبا، قال: فجلس، قال: «أتحبه لأمك؟» قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم» قال: «أفتحبه لابنتك؟» قال: لا والله، يا رسول الله، جعلني الله فداءك، قال: «ولا الناس يحبونه لأخواتهم» قال: «أفتحبه لعمتك؟» قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك، قال: «ولا الناس يحبونه لعماتهم» قال: «أفتحبه لخالتك؟» قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك، قال: «ولا الناس يحبونه لخالاتهم» قال: فوضع يده عليه، وقال: «اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه، وحصن فرجه» فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء (٢).
كان النبي (ص) في حواره هذا يهدف إلى إقناع الرجل بأن الشرع لو سمح بالزنا فالزانية لابد وأن تكون بنتا أو أختا أو أما أو خالة أو عمة لغير الزاني، وهذه القرابات القريبة لا يتحمل أحد من الناس أن يوجد فيها الزنا، فطلب السماح بالزنا كما أنه ينافي فطرة الإنسان الغيور هو ينافي كذلك فطرة جميع أفراد البشر، ولذا لا يحب أحد الزنا. وبعد توضيح هذه النكتة دعا النبي (ص) للسائل.
٤ - أخرج البخاري عن ابن عباس أن رسول الله (ص) بعث بكتابه رجلا، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فدعا
عليهم رسول الله (ص) أن يمزقوا كل ممزق (٣).
_________________
(١) مجمع الزوائد (٣٧٩/ ٩).
(٢) مسند أحمد ٥/ ٢٥٦ - ٢٥٧.
(٣) البخاري ١/ ١٥٤ رقم ٦٤، ودلائل النبوة للبيهقي ٣٨٨/ ٤.
[ ٧٥٣ ]
فانظروا إلى الأمة المجوسية وتشريدها من الوطن وكيف أنها تعيش عيشة الفوضى والتشتت.
أخرج البيهقي عن عبد الرحمن بن عبد القاري أن رسول الله (ص) قال: «مزق كسرى ملكه».
فابحثوا الآن على وجه الأرض، هل تجدون فيها كسرى منذ أن أهلك الله بجيش أمير المؤمنين عثمان بن عفان آخرهم؟ وهل تجدون حكما أو سلطانا في الأمة المجوسية؟ كانت نهاية خسرو مفجعة، فقد عشق ابنه زوجة أبيه شيرين وقتل أباه حسدا وغيرة.
٥ - أخرج البيهقي عن عبد الله بن أبي بكر أن بجير بن بجرة وكان من طي أنشد النبي (ص) قوله عن وقعة دومة الجندل:
تبارك سائق البقرات إنى رأيت الله يهدي كل هاد
فمن يك حائدا عن ذي تبوك فإنا قد أمرنا بالجهاد
فقال له النبي (ص): «لا يفضض الله فاك» فأتى عليه تسعون سنة فما تحرك له ضرس ولا سن (١).
دعاء للسائب بن يزيد
أخرج البخاري عن الجعيد بن عبد الرحمن: رأيت السائب بن يزيد ابن أربع وتسعين جلدا معتدلا، فقال: قد علمت ما متعت به سمعي وبصري، إلا بدعاء رسول الله (ص) (٢).
دعاء لعبد الرحمن بن عوف
أخرج الشيخان عن أنس أن النبي (ص) رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة، فقال: «بارك الله لك» (٣).
_________________
(١) دلائل النبوة للبيهقي ٥/ ٢٥١.
(٢) البخاري ٦/ ٥٦٠ رقم ٣٥٤٠.
(٣) البخاري ٩/ ٢٢١ رقم ٥١٥٥، ومسلم ٢/ ١٠٤٢ رقم ٧٩.
[ ٧٥٤ ]
وزاد البيهقي عن أنس أيضا قول عبد الرحمن بن عوف: فلقد رأيتني ولو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب تحته ذهبا أو فضة (١).
دعاء لأنس بن مالك
أخرج الشيخان عن أنس بن مالك قال: دعا لي النبي (ص) فقال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته».
قال أنس فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة اليوم (٢).
وقد روى الترمذي والبيهقي أن أنسا كان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان يجيء منها ريح المسك (٣).
دعاء لمالك بن ربيعة السلولي
أخرج ابن مندة أن النبي (ص) دعا له (مالك بن ربيعة) أن يبارك له في ولده، فولد له ثمانون رجلا (٤).
عاقبة الكبر
أخرج مسلم عن سلمة بن الأكوع أن أباه حدثه أن رجلا أكل عند رسول الله (ص) بشماله، فقال: «كل بيمينك» قال: لا أستطيع، قال: «لا استطعت»، «ما منعه إلا الكبر» قال: فما رفعها إلى فيه (٥).
_________________
(١) دلائل النبوة للبيهقي ٦/ ٢١٩.
(٢) البخاري ١١/ ١٤٤ رقم ٦٣٤٤، ومسلم ٤/ ١٩٢٨ رقم ١٤١.
(٣) الترمذي ٥/ ٦٨٣ رقم ٣٨٣٣، ودلائل النبوة للبيهقي ٦/ ١٩٥.
(٤) الإصابة ٣/ ٣٤٥.
(٥) مسلم ٣/ ١٥٩٩ رقم ٢٠٢١.
[ ٧٥٥ ]
دعاء لجبر العظم المنكسر
أخرج البخاري عن البراء بن عازب أن عبد الله بن عتيك سقط من السلم حينما كان نازلا بعد قتل أبي رافع فانكسرت ساقه، قال عبد الله: فانتهيت إلى النبي (ص) فحدثته فقال لي: «ابسط رجلك» فبسطت رجلي فمسحها فكأنها لم أشتكها قط (١).
_________________
(١) البخاري ٧/ ٣٤٠ رقم ٤٠٣٩.
[ ٧٥٦ ]
الفصل الخامس
أسماء الرسول (ص)
اسم سيدنا وإمامنا ونبينا «محمد»، وهذا الاسم آية عظيمة من آيات القدرة الإلهية على أن مسماه إمام الأنبياء وسيد الكون وما فيه، وقد سبق شرحه تحت آية ﴿محمد رسول الله﴾.
وينبغي أن نشير إلى أسماء بعض أهله، هي بمثابة إرهاص لنبوته (ص)، اسم والده (عبد الله) واسم والدته (آمنة) واسم مرضعته (حليمة)، أي أن قدسيته (ص) تأتي من أن جسده الأطهر تكون بدم العبودية، وأتم مراتب الوجود في بطن الأمن، وارتضع لبن الحلم والأناة، فهل تم اجتماع هذه الأسماء بمحض الصدفة؟ كلا، بل تبرز القدرة على علو شأن هذا المولود السعيد، وتدل على أن المولود الذي تجتمع في كيانه هذه الفضائل لابد أن يكون محمدا حقا.
والآن تأملوا كيف أن المعنى اللغوي لاسم النبي (ص) يتضمن تنبؤا، فإن عالم الغيب والشهادة أظهر للعالمين أن مسمى هذا الاسم يمدح ويثنى عليه في الدنيا بالتوالي وباستمرار وأكثر من أي إشارة في العالم، فمن ذا الذي تتحرك باسمه ألسنة ملايين الناس وتخفق أفئدتهم؟
ومن ذا الذي يصدح باسمه على منارات المساجد العالية فيهز الأسماع؟
ومن ذا الذي تهدى سيرته المقدسة العباد في كل لحظة من لحظات الحياة وعلى كل مستوى وفي كل مكان؟ ومن ذا المحمود في أفعاله ومحمود في تعاليمه؟ ومن ذا الذي وصلت رفعته من الأرض إلى عنان السماء؟ ومن ذا الذي وسع تعليمه البر والبحر؟
١ - لاشك أنه محمد، اسمه محمد، ومسماه أيضا محمد، وللحمد نسبة خاصة بذاته الطيبة.
فاسم مقام شفاعته مقام محمود، ولقبت أمته بالحمادون، وافتح كتابه بالحمد لله رب العالمين.
[ ٧٥٧ ]
نعم اسمه أحمد، وهو أيضا نابع من منبع «الحمد» فبين الاسمين اتحاد تام واشتراك كلي من ناحية المنبع والمصدر، وكذلك يختصان بأنوار وبركات خاصة. إنه محمد، ولذا تمدحه وتثني عليه كل ذرة من ذرات الكون. إنه أحمد، ولذا حمد وأثتى على مالكه وخالقه ورازقه وهاديه ومعطيه، أكثر من قطرات المطر وذرات الرمال.
نعم إنه محمد، وجميع العالم من مادحيه .. إنه أحمد، حمد ربه أكثر من العالم كله.
نعم إنه محب، أحب العدو والصديق جميعا .. إنه حبيب زين إكليل المحبة بالكمال.
١ - إنه محبوب، ولكنه غني عن المحبين.
٢ - إنه مطلوب ولكنه غني عن الطالبين.
٣ - إنه متبوع، واتباعه يجعل المتبعين مطاعين.
٤ - هو نبي وقد أزالت نبوته ألوف الحجب عن عيون البصيرة.
٥ - هو رسول ورسالته ميزت نوع البشر بإتمام النعمة وإكمال الدين ورضوان الرحمن.
٦ - هو عبد وعبوديته أحلت العبودية في عرش الخلافة.
٧ - هو معلم وتعليمه حقق قول المسيح ﵇ وأمله في أنه يعلم الصدق كله.
لقد فتع مدرسته المقدسة، ولم يأخذ على تعليمه أجرا؛ ولم يعلم بالرموز والتمثيلات، ولم يجعل بينه وبين خواص تلاميذه إشارات معينة، بل حملت مدرسته لوحة ﴿يعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ (البقرة: ١٥١)، إن دروسه تبدأ بغاية العلوم والمعارف التي يعرفها الإنسان.
٨ - إنه أمين، واسمه هذا ذكر ليوحنا في رؤياه (١) وبه انطلقت ألسنة قريش (٢)، وبه تظهر حشمته ووقاره، وبه يتضح كونه (ص) أمينا لوحي السماء، وإلى هذا المعنى
_________________
(١) رؤيا يوحنا ١١/ ١٩ - العهد الجديد.
(٢) ابن هشام ٢٠٩/ ١.
[ ٧٥٨ ]
يشير حديث أبي سعيد في صحيح مسلم (١). ومن شعر كعب بن أشرف
أمين محب للعباد مسوم بخاتم رب قاهر للخواتم
٩ - إنه أمي، وكرامة وعزة أم القرى تحققت بالانتساب إليه.
إنه أمي ومعصوم في جميع الأفعال والأقوال مثل وليد رفيع سعيد إنه أمي وتعليمه لا يحتاج إلى الحروف الكتابية والنقوش المرئية.
١٠ - إنه برهان فقد ورد في القرآن ﴿قد جاءكم برهان من ربكم﴾ (النساء: ١٧٤).
وفسر سفيان بن عيينة البرهان في الآية بالنبي (ص) (٢).
نعم إنه برهان وحجة لله إنه برهان وذاته السعيدة (ص) بنفسها دليل واضح.
١١ - إنه بشر توجه الله بقوله ﴿إنما أنا بشر﴾ (الكهف: ١١٠) ويحق لآدم أن يعتز ببشريته لأن محمدا بشر، نعم إنه بشر وجماله الظاهر وحسنه الأطهر يجسد لأهل اللغة هذا المعنى اللغوي.
١٢ - إنه بشير خاطبه الله تعالى بقوله:
﴿إنا أرسلناك بالحق بشيرا﴾ (البقرة: ١١٩).
إنه مبشر، صدقت نبوة المسيح ببشارته، قال تعالى:
﴿ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ (الصف: ٦).
وإنه مبلغ آلاف البشارات بعد الآلاف إلى أهل الإيمان والإيقان.
١٣ - إنه بينة، أي مجموعة الآيات الباهرة والعلامات الواضحة والدلائل الحقة، ووجوده صدق كله، وكيانه حق كله، وهذه البينة بددت ظلمات أهل الكتاب والمشركين ونورت العالم المظلم، وعليه يصدق المثل القائل: ظهرت الشمس دليلا على الشمس.
١٤ - إنه حبيب الله وصاحب التقرب الذي ورد ذكره في الحديث، للعبد العابد الساجد بهذه الألفاظ: فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ولسانه الذي ينطق به (٣).
١٥ - إنه حليم، والحليم من الحلم بالضم يدل على وفرة العلم، وكمال العقل،
_________________
(١) مسلم (٧٤٢/ ٢ - الزكاة).
(٢) نسب إلى سفيان الثوري في القرطبي (٦/ ٢٧).
(٣) البخاري ٦٥٠٢.
[ ٧٥٩ ]
ومن الحلم بالكسر يدل على أنه متحمل المصائب، يقذفه الأعداء بالحجارة فينثر لهم الدر، ويشتمونه فيرد عليهم بالدعاء.
واسم النبي (ص) هذا كان معروفا لدى الناس قبل النبوة، يقول أبو طالب:
حليم رشيد عادل غير طائش يوالي إلها ليس عنه بغافل
١٦ - إنه خازن، فقد ورد في رواية أحمد: أنا الخازن أضع حيث أمرت (١).
نعم، إنه صاحب خزينة الرب وكنز الرحمن؛ فالعطايا الإلهية تقسم من بيته، ويده المباركة تنثر الدرر.
١٧ - إنه خليل الرحمن، ونشير هنا إلى أن مراتب الحب عند العرب عشر:
(١) العلاقة وهي تعلق القلب الخفيف.
(٢) الإرادة، أي الميل الذي ينشأ بعد العلاقة.
(٣) الصبابة، وصب يصب يعني جريان الماء، وهنا يراد به فرط الشوق.
(٤) الغرام، أي الدين أو الغرامة، وهو هنا الحب اللازم الذي يلصق مثل الدين فلا ينفك.
(٥) الوداد، وهو الإخلاص في الحب ولب الحب، وقد وصف الله تعالى ذاته بالودود.
(٦) الشغف، والشغاف غلاف القلب، والشغف هو الحب الذي يصل إلى قعر القلب.
(٧) العشق، وهو مشتق من العشقة وهي نبات أصغر يلتصق بالشجرة فيجففه، وتأثير العشق يكون هكذا للعاشق، وكان ابن عباس يستفيد بهذه الحالة.
(٨) اليتم وهو الانكسار، والعجز التام، وسمى اليتيم يتيما، لتواضعه وعجزه.
(٩) التعبد، وذلك حينما يتخلى المحب من دعوى تمليك النفس والمال والعرض ويصير عبدا للغير بقلبه وروحه.
(١٠) الخلة، وذلك حينما يخلو القلب من الوسوسة، والعقل من تعقل الغير، والنية والعزيمة من تعبد الغير، والتشوق إليه؛ وقد أكمل هذه المرتبة سيدنا إبراهيم وسيدنا محمد (ص).
_________________
(١) مسند أحمد ٣٢٤/ ٢.
[ ٧٦٠ ]
والمعروف عند العامة أن منزلة الخلة لإبراهيم، وهو خليل الرحمن، ومنزلة الحب لسيدنا محمد (ص)، وهو حبيب الله، ولكن ورد في الأحاديث الصحيحة اتصاف النبي (ص) أيضا بالخلة: إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا.
«ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن» (١).
١٨ - إنه خطيب الأنبياء فقد ورد في حديث الشفاعة:
«كنت إمام النبيين وخطيبهم» (٢).
الف - الخطيب من خطب بمعنى فصاحة اللسان، فالخطيب هو الفصيح والبليغ.
وقد ورد في القرآن أن موسى ذكر صفة فصاحة أخيه هارون فقال ﴿هو أفصح مني﴾ (القصص: ٣٤).
وفي الحديث المذكور أن هذا الشرف مختص بالنبي (ص) بين الأنبياء. وفي حديث صحيح مسلم: «أوتيت جوامع الكلم» (٣).
ومن كمال الفصاحة إبداع المعاني العالية العميقة، الدقيقة الألفاظ، البسيطة والتراكيب الجيدة والعبارات الوجيزة. من هنا كان النبي (ص) خطيب الأنبياء.
ب - والخطيب من الخطابة، والمراد بها من يبين الأوامر والنواهي والمواعظ والأمثال.
ج - والخطيب هو أيضا الشيء الذي يتضمن ألوانا متنوعة، فالخطيب هو الماهر في أنواع الكلام وأساليب الخطاب.
١٩ - إنه خافض، وهذا المعنى يستنبط من آية القرآن التالية:
﴿واخفض جناحك للمؤمنين﴾ (الحجر: ٨٨).
انظروا إلى الطيور كيف تحافظ على بيضها وتربي أفراخها ببالغ العطف والشفقة والذكاء والحذر بعد وضعها تحت جناحيهما. وعطف النبي (ص) على أهل الإيمان ورحمته بهم أقوى وأكبر من هذا المثال.
_________________
(١) البخاري ٣٦٥٦، ومسلم ٤/ ١٨٥٤ - الفضائل.
(٢) الترمذي ٣٦١٣.
(٣) مسلم ٣٧١/ ١ - الصلاة.
[ ٧٦١ ]
٢٠ - إنه خيرة الله، والخيرة بكسر الخاء وفتحها بمعنى الخير، فالنبي (ص) خير الناس، وخير البرية، أي أفضلهم وأكثرهم في أفعال الخير.
٢١ - إنه داع إلى الله، وحق الدعوة لا يحصل إلا بعد الإذن من المدعو إليه.
ومثال ذلك الخادم يدعو شخصا من تلقاء نفسه لتناول الطعام فإذا وصل إلى منزل المضيف تبين له وللمضيف أن ما حدث تصرف شخصي من الخادم تصوروا كيف تحل الندامة في هذا الموقف بالضيف والمضيف، وكيف يتألمان من هذا الصنيع؟
ولكن الله تعالى إذ سمى نبيه داعيا إلى الله زاد في هذا الاسم قوله «بإذنه» وأوضح للعالمين أن محمدا (ص) أعطي سلطة كاملة للقيام بالدعوة وله الحق في أن يستضيف عباد الله في بيته ويدعوهم إلى التقرب والرضوان؛ فهذا الاسم من الأسماء الخاصة للنبي (ص).
٢٢ - إنه رحمة، وقد أطلق عليه (ص) في القرآن «رحمة للعالمين» (الأنبياء: ١٠٧). ووصف الله تعالى نفسه ب ﴿رب العالمين﴾ الفاتحة. وقيل للقرآن ﴿ذكر للعالمين﴾ (يوسف: ١٠٤). والكعبة ﴿مباركا وهدى للعالمين﴾ (آل عمران: ٩٦) وجعل سفينة نوح ومريم وعيسى آية للعالمين. ولكن لم يطلق «رحمة للعالمين» إلا على النبي (ص). وانظروا إلى قوله تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ (الأعراف: ١٥٦) .. ثم تفكروا في السعة التي تضمنها قوله «رحمة للعالمين» وفي البركة والفيض. رحمته (ص) انتفع بها أهل الإيمان فصاروا في الدنيا حاكمين واستحقوا في الآخرة المغفرة والرضوان، وانتفع بها أيضا المنكرون والخاسرون فأمنوا بدعائه (ص) عذاب الدنيا والغرق والحرق والهلاك والدمار.
وكذلك نفعت هذه الرحمة الأطفال والأيتام والأرامل والمسافرين والأسرى والعبيد والإماء والرعية وطبقة الحكام والأمراء، فقد سن لهم (ص) قوانين محكمة وتشريعات نافعة ودستورا واضحا كما وضع أصول المدنية والسياسة، ثم عمل بها في حياته الطيبة وألزم الأمة بها.
وقد عمت رحمته (ص) الطيور والوحوش والمراكب والمواشي التي سن لها قواعد الذبح والصيد والتربية.
ووصلت رحمته (ص) إلى الشوارع والطرق والمشارب والموارد، فقد أصدر (ص) توجيهات لتأمينها وتطهيرها من الأنجاس والأرجاس والقاذورات. وهكذا لم يحرم
[ ٧٦٢ ]
رحمته () عدو استحق القتل والذبح.
ومن هنا يثبت كون النبي (ص) رحمة للعالمين دون شك.
٢٣ - إنه روح الحق، وقد استعمل هذا اللقب أولا المسيح في آخر خطابه الذي ألقاه إلى خلفائه قبل تركه الدذيا (١).
ولنتذكر أن اسم روح القدس استعمل عامة في الأناجيل الأربعة، والمراد به الشخصية الملكية التي يسميها المسلمون جبريل، وهو الذي يطلق عليه النصارى أقنوما من الأقانيم الثلاثة وركنا من أركان التثليث، مع أنهم لا يعرفون شيئا عن وجوده.
نعم هذا هو الموضع الوحيد الذي استعمل فيه لقب روح الحق، وبذلك أعلم عن وظيفته ومنزلته وأماراته. إنه روح الحق من خصائصه تعليم الصدق كله. إنه روح الحق، يرفع الطلاب من الحضيض إلى أعلى مكان في الحياة. إنه روح الحق على لسانه الكلام الذي يمنح الحياة، إنه روح الحق، ومن واجباته إحياء القلوب الميتة حياة روحية، وتعليمه يطهر الظاهر والباطن، ويجلي الفكر وينور القلب.
٢٤ - إنه سيد، خلق للسيادة، وهو غني عن الوصف بهذا اللقب. إنه سيد ويرضى بأن يوصف بعبد سيده (الله تعالى). إنه سيد، وأسباطه وصفوا بالسيادة: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» (٢).
إنه سيد، ووزراؤه أيضا مشرفون بهذا اللقب:
عن أنس قال قال رسول الله (ص) لأبي بكر وعمر:
«هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين» (٣).
إنه سيد، وتلاميذه وأصحابه أيضا عرفوا بهذا الاسم، فقد قال (ص) حينما رأى راحلة سعد بن معاذ: «قوموا إلى سيدكم» (٤).
إنه سيد ولد آدم (٥)، والواضح أن كل مبشر من الأولين والآخرين من ولد آدم، وآدم
_________________
(١) إنجيل يوحنا ١٦/ ١٣.
(٢) الترمذي ٣٧٦٨.
(٣) الترمذي ٣٦٦٤.
(٤) البخاري ٦٢٦٢.
(٥) سنن أبي داود ٤٢٦/ ١٢ - عون المعبود.
[ ٧٦٣ ]
أيضا يدخل تحت هذا العموم، فقد ورد في حديث صحيح: «آدم ودونه تحت لوائي» (١). والحديثان يزيداننا بصيرة في هذا الباب.
٢٥ - إنه شارع، وبيان الشريعة ليس سهلا، كان موسى صاحب شريعة، ولم يكن بعده في بني إسرائيل أحد صاحب شريعة إلى ألفي سنة.
فقال المسيح: لا تظنوا أني جئت لنسخ التوراة، بل جئت لإحكامها (٢).
ولدى الهنادكة كان متو الكبير صاحب كتاب سمرتي في القانون.
وإني أرجو جميع المجالس التشريعية والحكومات الواضعة للأصول والمبادئ في العالم أن ينظروا في هذه الشرائع الثلاث ثم يقدموا تقاريرهم ويبينوا أيا منها أكمل وأشمل للفروع والأصول وحاجيات الإنسان وأصلح وأقوى للمساهمة في الحضارة؟
وحينما يتم فحص شرائع العالم الموجودة في ضوء هذه المبادئ يتضح نفوق شريعة محمد فداه أبي وأمي (ص) على جميع الشرائع دون شك.
٢٦ - إنه شافع، ولكن بعض الناس أساء فهم معنى الشفاعة، فقال: الشفيع هو الذي يغفر الذنوب بقدرته واختياره وأصحاب هذه العقيدة النصارى الذين يرون أن الشفيع بمعنى الغفور.
ولكن لفظ الشفيع لا يتحمل هذا المعنى. وقال البعض: هذا تحميل معنى الشفاعة لأكثر مما يستحق، ولذا أنكروها.
أما الإسلام فقد بنى الشفاعة على أصلين:
١ - من أذن له الرحمن.
٢ - وقال صوابا. (النبأ: ٣٨).
وهذان الأصلان يميزان الشفاعة الإسلامية ويصونانهما من إفراط وتفريط الفريقين ويعدلانهما تعديلا. نعم إنه (ص) صاحب المقام المحمود والتميز بخصائص الشفاعة الكبرى.
٢٧ - إنه شاهد، والشاهد الخير الصادق هو الذي تخرج شهادته الوقائع الصحيحة
_________________
(١) الترمذي ٣٦١٥.
(٢) إنجيل متى ٥/ ١٧.
[ ٧٦٤ ]
من الكتمان إلى الظهور، وتجعل الجاهل عالما والغائب شاهدا.
إنه شاهد، لأنه أعلن شهادة أن لا إله إلا الله أمام العالم كله، وأثبت بشهادته استحقاق الرب تعالى للألوهية والعبودية. إن كثيرا من الأديان والمذاهب ضلت واضطربت في أمر العبادة والاستعانة بغير الله، ولكن النبي (ص) أوضح الحقائق الخفية في هذا الباب.
إنه (ص) أعلن شهادة أن محمدا رسول الله. واتضحت بذلك خصائص النبوة والرسالة وحقيقة الوحي وتم بشهادة النبي (ص) بيان علاقة الأعمال بالروح وترتب الجزاء عليها لزوم الشريعة واستقرار الشرائع والنواميس الإلهية، فالله أكبر، ما أكبر الشهادة التي قام بها الشاهد وما أصدقها. إنه جاء إلى محكمة العالم بشهادته وحيدا، وأقام على شهادته هذه ألوفا من الناس قبل ارتحاله، بل جعلهم شهداء على من يأتي بعدهم، وأكرمهم بسند ﴿وتكونوا شهداء على الناس﴾ (الحج: ٧٨).
٢٨ - إنه صاحب، وقد ذكر المسيح علامة النبي (ص) بأنه يصحبكم. وبهذا يثبت خلود نبوة النبي (ص)، فإنها تستمر مع البشرية إلى بقائها. وكان كفار مكة أيضا يصفون النبي (ص) بأنه صاحب قريش، ومهما كانت نيتهم في استخدامهم لهذا اللفظ إلا أن الله تعالى استعمله في معنى طيب فقال: ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ (التكوير: ٢٢).
وقد وجد في الأنبياء ﵈ من كره أفعال قومه القبيحة واعتزلهم وتنحى عنهم. ولكن الله تعالى مدح النبي (ص) على صبره واستقامته وبين أنه (ص) لا ييأس من إصلاح العصاة ولا يطردهم ولا يحب اعتزالهم، بل إنه صابر، وصبره يتوقف على نصر الله ومعيته. وكذلك أخبر الله تعالى أنكم تقولون له اليوم صاحبكم، وغدا تكون صحبته شرفا وكرامة.
٢٩ - إنه صادع، والصدع هو البيان الواضح الجلي للأمر الإلهي دون مبالاة أحد، ودون إقامة وزن لضغط وتهديد، ودون خوف من مكائد الأعداء وحيلهم.
إنه صادع، لأنه قال بصراحة للعرب الوثنيين والبدائيين السفاكين:
﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ (الأنبياء: ٩٨).
إنه صادع، لأنه أوضح لأمة مثل اليهود المسيطرين على تجارة العرب والمالكين
[ ٧٦٥ ]
لرقابهم بديونهم الربوية، وللنصارى الذين امتدت حكومتهم إلى الشام ومصر واليمن وآسيا الصغرى وأوربا:
﴿قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم﴾ (المائدة: ٦٨).
نعم إنه صادع لأنه قال بوضوح لأتباعه أيضا:
﴿قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا﴾ (الجن: ٢١).
وقال: ﴿قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا﴾ (الجن: ٢٢).
نعم إنه صادع، فإنه بلغ أقاربه وأعزته قول الله تعالى:
﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ (الشعراء: ٢١٤).
٣٠ - إنه صادق، وللصدق منزلة أعلى في المنازل الروحية، فالصدق روح الأعمال ومعيار الأحوال، وهو الباب الذي يوصل إلى جناب ذي الجلال، وهو أساس الدين وعليه يقوم اليقين، وهو الذي سأله خليل رب العالمين: ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ (الشعراء: ٨٤).
وهو الذي انعقد مجلسه قرب مقام الملك الحقيقي:
﴿في مقعد صدق عند مليك مقتدر﴾ (القمر: ٥٥). والصادق هو النبي (ص)، واسم النبي (ص) هذا ذكر ليوحنا في رؤياه، إنه صادق وقد عرف بهذا الاسم في وطنه وحواليه قبل النبوة، وفيه ورد قوله: ﴿والذي جاء بالصدق﴾ (الزمر: ٣٣). وهو الذي احتل متبعوه منزلة الصديقية والمحدثية.
٣١ - إنه مصدوق، يشهد بصدقه السماء والأرض والبر والبحر، وقد لهج بصدقه رهبان النصارى وأحبار اليهود والأئمة والربيون، واعترف بصدقه عباد اللات ومناة والعزى وشهدوا بكذبهم، وامتلأت بصدقه صحف ذي الكفل ودانيال واشعياء ويرمياه وحبقوق وحرقيل وحجي وملاخي وزكريا ويحيى ﵈.
قال العباس بن مرداس (وكان أسقف النصارى قبل إسلامه) في قصيدته التي مدح بها النبي (ص):
[ ٧٦٦ ]
فآمنت بالله الذي أنا عبده وخالفت من أمسى يريد المهالكا
ووجهت وجهي نحو مكة قاصدا وبايعت بين الأخشبين المباركا
نبي أتانا بعد عيسى بناطق من الحق فيه الفضل منه كذالكا
٣٢ - إنه طه، وهو بعيد عن زهرة الحياة الدنيا، ربى بالنعم الباقية، وأتى مع وثيقة ﴿ورضي له قولا﴾ (طه: ١٠٩) ورب العالمين يرعى راحته ورضاه.
٣٣ - إنه طيب، فقد تطهر وتزكى أصله ونسبه وأزواجه وذريته وجسده وعنصره من الأرجاس والأنجاس والعيوب والنقائص والقبائح والرذائل. وهو زكي طاهر يثني عليه الطيبون ويصلي عليه القدوسيون، قال حسان بن ثابت:
صلى الإله ومن يحف بعرشه والطيبون على المبارك أحمد
٣٤ - إنه طاهر، وعالي الحسب والنسب، والآباء الأولون الذين حملوا نوره كانوا طاهرين من السفاح، ومن الرق وعبودية الغير.
إنه طاهر ومطهر أيضا، علم الطهارة وطهر أتباعه في ظاهرهم وباطنهم، فتعليمه كون جماعة ورد فيهم قوله تعالى:
﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ (التوبة: ١٠٨).
وجعل غاية أحكامه وأفعاله. ﴿تطهرهم وتزكيهم﴾ (التوبة: ١٠٣).
٣٥ - إنه عبد الله، والعبودية هي كمال الإنسانية، وتكتمل العبودية في منازل النبوة، والله تعالى حينما يذكر نبيا من أنبيائه بأسلوب الحب والقبول يأتي بلفظ «العبد»:
﴿واذكر عبدنا داود ذا الأيد﴾ (ص: ١٧).
﴿واذكر عبدنا أيوب﴾ (ص: ٤١).
﴿ذكر رحمت ربك عبده زكريا﴾ (مريم: ٢). وعبودية النبي (ص) شجرة طيبة أثمرت ثمارا حلوة: ألف - ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾ (الفرقان: ١).
ب - ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ (الزمر: ٣٦).
ج - ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾ (الإسراء: ١).
[ ٧٦٧ ]
د - ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ (النجم: ١٠).
وقد ثبت أن المسيح أيضا قال في حجر الصديقة مريم: ﴿إني عبد الله﴾ (مريم: ٣٠). ووصف النبي (ص) أيضا بالعبودية في قوله تعالى:
﴿وإنه لما قام عبد الله﴾ (الجن: ١٩).
والفرق بين الموضعين واضح، فالمسيح وصف نفسه بقوله «إني عبد الله»، وهذا القول لم يصحبه الفعل بعد. ولكن النبي (ص) أطلق عليه الرب تعالى بذاته «عبد الله» وذكر في نفس الوقت قيامه (ص) للعبادة والدعوة.
نعم إنه عبد الله، وشهد بعبوديته المعبود والمسجود.
إنه عبد الله، ونجاحه في الدعوة إلى العبودية أكبر.
إنه عبد الله، اقترن اسمه المبارك المحمود في كلمة التوحيد مع كلمة رسول «عبده ورسوله» صارت العبارة مع كلمة رسول جزءا غير منفك؛ فلا يمكن أن يقرأ أحد كلمة التوحيد ولا يقرأ مع اسم الجلالة «وحده لا شريك له» ومع اسم محمد (ص) «عبده ورسوله».
فاللهم إني أيضا أكرر كلمة الشهادة في هذا الموضع، وأفوضها إلى خزائن رحمتك أمانة: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد (ص) نبيا، وبالقرآن إماما.
٣٦ - إنه عفو، والعفو من أسماء الله الحسنى أيضا، وصفات النبي (ص) ظلال الصفات الإلهية، ومحاسنه (ص) مظاهر العطايا الربانية.
١ - فهو الذي عفا عن أعداء جبل التنعيم الثمانين الذين هاجموا جماعة المسلمين أثناء أداء الصلاة.
٢ - وهو الذي عفا عن زينب بنت الحارث التي قدمت له (ص) لحما مسموما واعترفت بجريمتها هذه.
٣ - وهو الذي عفا عن رؤساء قريش بعد انهزامهم مع أنهم هم الذين قاوموا الدعوة
[ ٧٦٨ ]
إلى الإسلام ثلاث عشرة سنة، وأذاقوا من دخلوا في الإسلام صنوفا من الظلم والعذاب.
٤ - وهو الذي عفا عن رئيس المنافقين أبي بن سلول وجماعته في يثرب مرات عديدة وصفح عن مواقفهم المخزية.
٥ - وهو الذي أطلق سراح ستة آلاف شخص من أسرى حنين بمجرد طلب شفوي، يقول حسان:
عفو عن الزلات يقبل عذرهم فإن أحسنوا فالله بالخير أجور وتاريخ العالم عاجز عن تقديم مثل هذه النظائر للعفو والصفح.
٣٧ - إنه فاتح، وإن كان معنى الفتح فتح البلاد والسيطرة على الممالك فلاشك أن سيرة النبي (ص) لا تحتوي على نماذج كثيرة لذلك، وغزوات النبي (ص) الشهيرة التي وقع فيها القتال أيضا هي: بدر وأحد والأحزاب وخيبر وحنين. وفي غزوة خيبر فقط من بين هذه الغزوات تم الاستيلاء على الأراضي التي بقيت تحت سيطرة الأعداء المنهزمين بينما انتقلت ملكيتها إلى المسلمين. أما بقية الغزوات الأربع فقد كانت غزوة أحد والأحزاب في أرض المسلمين، وفي بدر وحنين لم تتم السيطرة على أي منطقة.
ومن هنا وجب البحث في اسم الفاتح؛ في القرآن الكريم وفي سورة الفتح أخبر النبي (ص) بالفتح المبين والنصر العزيز وهذا الفتح كان عبارة عن تأمين أمر واحد هو عدم تدخل قريش في الدعوة إلى الإسلام فيما بعد.
نعم، إنه فاتح لأنه شرح بتعاليمه صدور الجاهلين وأوضح الأسرار الروحية وأزال الموانع التي اعترضت سبيل متبعي الصراط المستقيم، وأعطاهم حريتهم ومتعهم بحريتهم الدينية. كان ملوك عمان وأكيدر والحبشة واليمن والشام يحكمون ويسوسون الناس في بلادهم، ولكن النبي (ص) ملك قلوبهم، وسيطر على أفكارهم فكانوا يفتخرون بافتدائه دون أن يلقبوا بالملوك والحكام.
إنه فاتح القلوب والمسيطر عليها وهو روح سارية وقوة قاهرة.
٣٨ - إنه قاسم، فقد ورد في حديث البخاري: «أنا قاسم والله المعطي» (١).
_________________
(١) البخاري ٣١١٦.
[ ٧٦٩ ]
ويصعب حصر الفيوض والبركات التي عممها (ص)، والتجلي الذي عم البصائر، والنعم التي متع بها العالمين، والعطايا التي ميز بها أهل دينه.
إن الجزيرة العربية التي تعطشت للعلوم والحقائق قد ارتوت بما قسمه النبي (ص)، وقد أخرج (ص) نعم أهل زرادشت وآلاء بني إسرائيل ومقدسات الهنادك من حوزتهم وقسمها على العرب الذين لم يكونوا قد ملكوا شيئا سوى رمال الصحراء وأحجار الجبال، ثم إنهم وزعوا عطاياهم فيما بعد على جميع الناس وبسطوا موائدهم لكل صادر ووارد، وهيأوا مرافق الأكل والشرب للمساكين وأبناء السبيل من الشرق إلى الغرب، تعاملوا معهم على أساس الأخوة والمساواة، وكسبوا الأعداء إلى صفوفهم، وهكذا صار العالم كله اليوم من المنتفعين بعطايا النبي (ص) والمدينين لتعليمه (ص)، ومن لم يفعل حرم هذه الحقائق والمعارف.
٣٩ - إنه المصطفى، وهو من أسمائه الخاصة المباركة فكأنه علم له، وآيات القرآن توضح أن آدم ونوحا وإبراهيم وموسى ﵈ من الأنبياء الصالحين الذين أطلق عليهم كلمة «الاصطفاء» بصفة خاصة، وكان سبب الاصطفاء أو وسيلته نزول الوحي الرباني والكلام الإلهي، والصفات التي امتازوا بها وجدت في النبي (ص) على أكمل وجه. ورد في كتاب التثنية ميزة خاصة للنبي (ص) وهي:
«وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به» (١).
والتفاصيل التي وردت في القرآن الكريم عن نزول الوحي وتواصل التنزيل وكيفية التكميل لم توجد في كتاب آخر، ولهذا فالنبي (ص) هو الشخصية المصطفاة المسماة بالمصطفى واصطفاؤه (ص) أعلى وأفضل من اصطفاء الجميع.
ورد في القرآن الكريم:
﴿إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين﴾ (آل عمران: ٣٣).
ويدخل في آل إبراهيم سيدنا إبراهيم نفسه وآل نبينا (ص) كلاهما، والإتيان بهذا الأسلوب إنما هو للدلالة على أن اصطفاء آل إبراهيم مبني على انضمام النبي (ص).
٤٠ - إنه مطاع، إن ذات الله ﷾ هي المقعودة بالذات من الطاعة. والله
_________________
(١) التثنية ١٨/ ١٨.
[ ٧٧٠ ]
جعل أمارة أهل طاعته إطاعة أنبيائه، ومن عصاهم عصى الله تعالى، وقد سجل الله هذا المبدأ في محكم كتابه فقال: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ (النساء: ٦٤). وبعد هذا المبدأ العام خصص النبي (ص) فقال:
﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (النساء: ٨٠).
ثم قال: ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ (النور: ٥٤).
وقال في صفة جبريل ﴿مطاع ثم أمين﴾ (التكوير: ٢١).
وقال في سورة التحريم: ﴿وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا﴾ (التحريم: ٤).
ومعنى ذلك أن ذلك المطاع السماوي وأمين الوحي الرباني يدخل في أنصار النبي (ص) مثل الملائكة الآخرين وجملة المؤمنين، وبالآيتين اتضح أن النبي (ص) هو أفضل مطاع.
ومن هنا يتضح أن أحدا من الأنبياء والرسل أو الملائكة أو الأئمة أو المرشدين أو الشهداء لا يستطيع الآن أن يدعي أنه مطاع أمام النبي (ص)، أو أن طاعته بدون طاعة النبي (ص) تكون هادية ومقربة إلى الله تعالى، ويكشف عن هذا السر قول النبي (ص):
«لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي» (١).
نعم، يؤمن كل مسلم بأن الوسيلة الوحيدة للتقرب إلى الله تعالى والحصول على مرضاته ومغفرته والنجاة من العذاب هي إطاعة محمد (ص). ونحن نقر بأن أحدا لو ادعى إطاعة موسى واستغنى بذلك عن إطاعة النبي (ص) فإنه يظل بعيدا عن المغفرة والنجاة ومنازل القرب والرضوان.
فالنبي (ص) هو المطاع، وطاعته (ص) هي طاعة الله تعالى. ومنزلة أئمة الدين والأصحاب الكرام أعلى وأرفع من سائر الخلائق، لأنهم أقوى وأكمل في إطاعته (ص).
٤١ - إنه ماحي، فقد أخرج الشيخان عن جبير بن مطعم أن النبي (ص) قال:
_________________
(١) مسند أحمد ٨٧/ ٣.
[ ٧٧١ ]
«إن لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي يوم القيامة، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي».
فإنه (ص) محا الكفر والضلال والشرك وعبادة غير الله، وقضى على العادات والتقاليد وأهواء النفس والكفران والخذلان والعصيان والطغيان.
وإنه (ص) نكس ثلاثمائة وستين صنما للعرب، وتلا عليهم قوله تعالى:
﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾ (الإسراء: ٨١).
وبتوجيهاته (ص) امتنع النصارى عن إطلاق «والدة الله» على السيدة مريم.
وهو الذي أنقذ فارس من أرجاس ماني ومزدك، وقضى على فواحش الفرق الهندوكية مثل وام ماركي وجترانكدي، وهو الذي أنقذ البنات المعصومة من الوأد، والعرائس البريئة من الإحراق حية. وهو الذي جعل الخمر والقمار رجسا ونجسا، وبين حقيقة أن كل مسكر ضار بصحة البشر، وهكذا كان القضاء على المفاسد والرذائل والمكاره والمآثم من خصائص تعليمه الطيب (ص)، ومن هنا حق له (ص) أن يسمى ماحيا.
٤٢ - إنه حاشر، أول من يرفع رأسه من القبر يوم القيامة، ويشاهد كيفية إحياءالموتى، وأول من يلبي منادي الرب تعالى، ويشفع للمذنبين من أمته.
٤٣ - إنه عاقب، جاء بعد الجميع، واجتمع الأنبياء حين إمامته، وهو عديم النظير وعديم المثال، ونهاية بداية النبوة وإتمام غاية الرسالة.
٤٤ - إنه نور، ومن اتبع دينه امتاز ببشارة القرآن ﴿فهو على نور من ربه﴾ (الزمر: ٢٢)، والكتاب الذي جاء به عرف بأنه نور ﴿واتبعوا النور الذي أزل معه﴾ (الأعراف: ١٥٧).
واسمه المبارك في سورة المائدة النور ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين﴾ (المائدة: ١٥). فقد ورد في تفسير الخازن والمعالم تفسير النور بذات النبي (ص). فهو (ص) نور في وضوح الأمر وتبين النبوة، وتعليمه (ص) نور ينور القلوب.
تأملوا دعاء النبي (ص)، وانظروا ماذا كان يسأل ربه كل يوم؟ وهل يرد الله تعالى سؤال أحد؟ كان (ص) يقول:
«اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي بصري نورا، وفي سمعي نورا، وعن يميني نورا، ويساري نورا، وفوقي نورا، وتحتي نورا، وأمامي نورا، وخلفي نورا، واجعل
[ ٧٧٢ ]
لي نورا، وفي لساني نورا، وفي دمي نورا، وفي عصبي نورا، وفي شعري نورا، وفي بشري نورا، اللهم اعطني نورا، اللهم أعظم لي نورا، اللهم اجعلني نورا» (١).
وقال كعب بن زهير في قصيدته: «بانت سعاد»:
«إن الرسول لنور يستضاء به».
٤٥ - إنه المدثر، والتدثير هو إصلاح الطائر لعشه. وبيت النبي (ص) يشبه العش بالنسبة إلى منزلته العالية. وإتمام النبي (ص) وإحكامه لهذا العش إنما هو إكمال حاجات العالمين المادية والخلقية والروحية، وقد تم هذا الإكمال بالإنذار والتهليل وبتطهير الخلائق من العلائق المادية والقلبية، ومن أعمال المدثر تطهير العالمين في ظاهرهم وباطنهم من الرجز والرجس.
٤٦ - إنه المزمل، لأن عينه لا تتحمل النظر إلى الوجه الكالح للعالم المظلم، وأذنه لا تستطيع الصبر على كذب وبهتان دنيا الزور، فيلجأ إلى غار حراء يخلو فيه، وهناك تتجلى له الأنوار القدسية حسب فطرته الطاهرة، وتنكشف له مظاهر الملكوت الأعلى، ويمتع الكلام الأزلي سمعه ثم ينكشف سر الترهب والتبتل.
ومعظم الذين سئموا هذا العالم المظلم، اختاروا طريق الفرار منه. فقد فضل أعلام التاريخ من أمثال بوذا وديوجانس وصاحب الفيد بياس وغيرهم هذا الطريق، واعتبر الآلاف من الرهبان والراهبات بنية صادقة الرهبانية وسيلة ناجحة للتخلص من الدنيا الغادرة، وضحى ألوف الدروايش من الصينيين بحياتهم في سبيل هذه الرياضة.
ولكن القدرة الربانية أرشدت ذلك المزمل إلى سر وصفة التبتل فقام طوال يومه يعمل في هداية البشر وحل مشاكلهم، وقضى طوال ليله في التضرع إلى الله ودعائه. قرب إلى أذهان البعض عاقبة آل فرعون، وسهل تبشيره للبعض عبور بحر الهلاك بسلام وعافية. نعم إنه مزمل، لأنه جاء لآل فرعون بعظة مثل موسى، وللمؤمنين بيقين مثل عيسى، ولسيئ العاقبة بهدى محمد (ص).
٤٧ - إنه مشهود، قال القرطبي: إن الأنبياء ﵈ شهداء، ومحمد (ص) مشهود، وقوله هذا صواب، فإن كلا من يعقوب وموسى وداود وسليمان وإشعياء
_________________
(١) البخاري ٣٥٣٣، ومسلم ١٨٢٨/ ٤ - الفضائل.
[ ٧٧٣ ]
ودانيال ويرمياه وحبقوق ويوحنا وعيسى ﵈ شهدوا للنبي وبشروا بمقدمه، وذكروا صورته ومكان ولادته وهجرته ونزول كلام الله عليه وتعليمه للحق والصدق. فهو امشهود على ألسنة هؤلاء الأنبياء جميعا.
فالكتاب المتحررون الجريئون من أمثال كارلايل والسير ميور واشنطون وجون ديون وايوردجين أثتوا عليه (ص) في يقظة ضميره وحبه لخير البشرية وعيشته الطاهرة وحياته الرزينه ووسائله النزيهة لتحقيق أهدافه السامية.
وكذا تشهد بمشهوديته السماء والأرض اللتان تسمعان كل يوم خمس مرات النداء الملكي لعبوديته ورسالته (ص).
٤٨ - إنه رءوف ورحيم، وهذان الاسمان من أسماء الله الحسنى، وقد ورد في وصف النبي (ص) في كلامه تعالى بالاسمين فقال تعالى: ﴿بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ (التوبة: ١٢٨).
وربما للإيجاز يكفي هذا السند.
٤٩ - إنه مذكر، يتقدم في ظلمة الليل حيث لا يجترئ الركب على التقدم، ويذكر المضطجعين على بسط الرمال والحجارة فيرددون بقلوبهم وألسنتهم الاسم المبارك الذي
ذكروا به.
إنه يذهب إلى مجالس المعارضين وإلى الأسواق السنوية والأعياد البهيجة فيذكر الناس بقوله: «يأيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» (١).
ويذهب إلى الجبال ويرمى بالحجارة ويستمر في تبليغ الغافلين ذكر اسم الله ﷿. وكذلك يظل يذكر الناس رغم حصارهم له وإصابتهم له في عضده ورأسه وأسنانه بجروح دامية.
إنه ملازم فراشه لا تفارقه الحمى لحظة، وفي رأسه صدع وفي جسمه ضعف، ومع ذلك كله يواصل التذكير، ويفكر في مستقبل الأمة فيذكر بوصاياه ونصائحه، وذكر باسم الله، فهو مذكر، وبه ينتهي التذكير.
_________________
(١) البخاري ٦٣١٦، ومسلم ١/ ٥٢٨.
[ ٧٧٤ ]
٥٠ - إنه مبارك، ولفظ البركة مشتق من «برك البعير» أي جلس يتمكن، هذا هو المعنى اللغوي لهذا اللفظ.
ويتضمن لفظ «البركة» معنى الاستقرار والدوام، إنه مبارك فالدين الذي بلغ باق إلى الأبد، وشريعته بعيدة عن النسخ، وهو هادي الجميع إلى يوم القيامة. والإسلام استقر حيث وصل، وجميع البلاد بلاده، وكل موطن في العالم موطنه. وقد أورد حسان بن ثابت هذا الاسم في شعره فقال:
صلى الإله ومن يحف بعرشه والطيبون على المبارك أحمد
وقال سيدنا عباس بن مرداس- وكان نصرانيا - في قصيدته التي مدح بها النبي (ص).
ووجهت وجهي نحو مكة قاصدا وبايعت بين الأخشبين المباركا
٥١ - إنه مهاجر، والقرآن الكريم مملوء بمدائح الأنصار والمهاجرين وفضائلهم وللمهاجرين فضل خاص على الأنصار فالمهاجرون هم الذين أتموا إقامة النبي (ص) فقد تركوا بيوتهم وأهلهم ووطنهم وديارهم، لكنهم لم يتركوا معية النبي (ص)، وهجرة المهاجرين قبلت عند الله تعالى بهجرة النبي (ص). وهو (ص) مهاجر مثل إبراهيم ولوط وإسماعيل وموسى وهارون ﵈ فقد كانوا جميعا مهاجرين. ٥٢ - إنه هاد، وللهداية معنيان:
الأول: إلقاء الهداية في القلب، كما ورد في قوله تعالى:
﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ (القصص: ٥٦).
والثاني: الدعوة إلى الإيمان واليقين وتدعيم هذه الدعوة بالدلائل والبراهين الروحية أو العقلية وبالأفعال الحميدة والأقوال الحكيمة، وأداء الفريضة دون غرض وطمع وبكل أمانة ونصح. ويتم هذا المعنى بذات النبي (ص) كما ورد في القرآن: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ (الشورى: ٥٢).
وكان النبي (ص) قد جمع جميع طرق الهداية والدعوة إلى الحق، فكانت طلاقة وجهه (ص) ودماثة خلقه تنسي الأعداء عداوتهم، كما جعل وضوح بيانه وعذوبة لسانه، كلامه يصل إلى أعماق القلوب.
ولم يسلك النبي (ص) في إيراد الأدلة والبراهين مسلك أهل المنطق والفلسفة، ولم
[ ٧٧٥ ]
يركن إلى أساليبهم المعقدة وألفاظهم المغلقة ومذاهبهم الجدلية، بل اختار (ص) أدلة الآفاق والأنفس، وعرض أمام الإنسان فطرته حتى يحتكم إليها، وجعل بيئته دليلا يهتدى به.
وكان الله تعالى قد كشف لنبيه (ص) قوانين الفطرة التي فطر الناس عليها، ولذا كانت أدلته (ص) تخاطب الطبيعة البشرية وتوقظها وتوجهها.
ثم كان أسوة كاملة للجنس البشري، فكانت أفعاله تصدق أقواله، وهذا التوافق بين الظاهر والباطن والأفعال والأقوال قد جعل النبي (ص) هاديا صادقا للبشرية. وقد ورد في قصيدة ضرار بن الخطاب الفهري التي أنشدها أمام النبي (ص) يوم فتح مكة:
يا نبي الهدى إليك لحاجي قريش ولدت حين بحاء
وقال النابغة الجعدي:
أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى ويتلو كتابا كالمجرة نيرا
٥٣ - إنه ياسن وسيد، سيد الناس وسيد البشر، وقد ثبت صدقه وأمانته للجميع، سواء أقروا بذلك أم لا. وقد أرسل في القرون الماضية ثلاثة أنبياء إلى بعض الأمم، واحد بعد الآخر، ونجحوا في إدخال نسمة طيبة واحدة فقط في الجنة. ولكن هذا السيد وحده نجح في إخراج المئات والألوف من الظلمات إلى النور. إنه لم يخرج من الجزيرة العربية قط، ولكن دعوته سيطرت على جميع قارات العالم. فهو نور للعمى، وضياء للمبصرين، ومزيل لحجب القلوب، وموصل نداء الحق إلى الآذان الصماء، وقاض على التنافر بين بني إسرائيل وبني إسماعيل، ومؤلف بين العرب والعجم، وسيد الأحرار ومولى العبيد.
إن دولة بني أمية وبني العباس والفاطميين والأخشيديين والمغول والأتراك والأفارقة والمغاربة والجزائريين والحجازيين لم تكن الواحدة منها ترى لنفسها مثيلا، وتنكر كل منها أبهة الأخرى وعظمتها، ولكنها جميعا كانت تعتز باتباع النبي (ص)، وترى أن موضع شبر عند عتبته (ص) خير من عرش الملك، فالحق أنه (ص) سيد وسيد الكون.
٥٤ - إنه خاتم النبيين، فقد ورد في القرآن:
﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ (الأحزاب: ٤٠).
إن هذه الآية تحتوي على قوة كهربائية عظيمة، ولها سيطرة بديعة على الطبائع
[ ٧٧٦ ]
البشرية. فقبل نزولها آمنت بنو إسرائيل بألوف الأنبياء والرسل، وآمنت الهند بألوف الآلهة، وأعلنت الصين وإيران نزول الملائكة وأنوارهم على الألوف ولكنهم جميعا سكتوا بعد نزول هذه الآية، وتلاشى تصور النبوة والادعاء بها من أذهان الأمم وقلوبها في جميع البلدان، وقد أقفل الجميع أبواب النبوة في دارهم، وصرحت كل ديانة بصحة معنى الآية واعترفعت لذلك بعملها.
فهذا هو النصر الرباني والكلام الإلهي، نزل فاعترف الجميع به وصدقوه بعملهم.
قال العباس بن مرداس (١):
يا خاتم النبأ إنك مرسل بالحق كل هدى السبيل هداكا
وهنا أختم هذا البحث الموجز عن أعداد اسم أحمد المبارك (٥٤) وفي فرصة أخرى أزيده إلى أعداد محمد (٩٢) إن شاء الله، وهناك أفصل الكلام في شرح المعاني ولطائفها مع الاعتراف بتعذر الإحاطة بها واستقصائها.
_________________
(١) تاريخ دمشق (ص ٢٤٨) ترجمة العباس بن مرداس.
[ ٧٧٧ ]
١ - المعرفة رأس مالي
الفصل السادس
السنة النبوية والطريقة المحمدية
أورد القاضي عياض في كتاب «الشفا» (١) الحديث الآتي عن علي ﵁، وفيه تتضح محاسن أخلاق النبي (ص) ومكارم عاداته، ومنزلة القاضي عياض في الحديث تتضح من خلال كتابه «الإكمال» في شرح صحيح مسلم وكتابه «مشارق الأنوار»، وعنايته ببيان فضائل النبي (ص) وشيمه وخصائله تتضح بكتابه «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» وأمانته في الدين وثقته تكفي لتوثيق الحديث، ومع ذلك تصدق الروايات العديدة الأخرى من خلال الكلمات الواردة في هذا الحديث.
وقد ظفرت عند شرح الحديث بكتاب العلامة أبي عبد الله محمد بن بكر بن أيوب ابن سعد الزرعي الدمشقي الفقيه الحنبلي المفسر الأصولي المعروف بابن قيم الجوزية، وهو «مدارج السالكين» في شرح منازل السائرين للعلامة الحافظ عبد الله بن محمد بن علي الصوفي الهروي. فقد استفدت من الكتابين في هذا الشرح، جزاهما الله عنا خير الجزاء. وفيما يلي متن الحديث:
عن علي ﵁ قال: سألت رسول الله (ص) عن سنته فقال:
«المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والعجز فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة».
١ - المعرفة رأس مالي: رأس المال هو المال الذي لا يمكن بدونه البدء بالتجارة، فبه يبدأ التاجر تجارته. والحديث المذكور وصف المعرفة برأس المال.
_________________
(١) الشفا ١/ ٨٠.
[ ٧٧٨ ]
والمعرفة في اللغة هي العرفان والعلم، وفي اصطلاح العرفاء تطلق على الهداية والنهاية أيضا.
وبداية المعرفة تكون بمعرفة النفس الإنسانية لذاتيتها، فالسعيد من يبدأ بالشعور بمعرفة عيوبه.
ورد في القرآن الكريم وفي الإنجيل عن سيدنا آدم أنه عرف بعد الإدراك فورا أنه عار ثم جمع أوراق الشجر فتستر بها.
وكان هذا هو الدرس الأول من أبينا آدم يعلمنا أن الإنسان حينما يرى عيبا أو نقصا فعليه أن يسارع بإزالته.
وهناك كلمتان تأتيان في اللغة والشرع للدلالة على معنى العرفان، وهما: المعرفة والعلم. والعلم أعلى منزلة من المعرفة عند العلماء، وعند المتصوفين المعرفة أعلى من العلم. يقول الله تعالى:
﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق﴾ (المائدة: ٨٣).
وقال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم﴾ (يونس: ٤٥).
وقال تعالى: ﴿وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم﴾ (يوسف: ٥٨).
وقال تعالى: ﴿الذين آتيهناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ (البقرة: ١٤٦).
وفي هذه الآيات الأربع استعمل لفظ المعرفة، وفاعلها إنسان.
وورد لفظ العلم في الآيات التالية: قال تعالى:
﴿فاعلموا أنما أنزل بعلم الله﴾ (هود: ١٤).
وقال تعالى: ﴿أنزله بعلمه﴾ (النساء: ١٦٦).
وقال تعالى: ﴿قل رب زدني علما﴾ (طه: ١١٤). فالعلم نسب في هذه الآيات إلى ذات رب العالمين. والفرق بين المعرفة والعلم باعتبار المعنى أن المعرفة تطلق على علم ذات الشيء، والعلم يطلق على معرفة أحواله
[ ٧٧٩ ]
الداخلية. ولذا يمكن وصف المعرفة بالتصور ووصف العلم بالتصديق.
وإطلاق رأس المال على المعرفة في الحديث إشارة إلى السلوك في بدايته حينما تبدأ معرفة الإنسان لكونه عبدا ولكون رب العالمين مالكا. وهذه المعرفة مع الشعور تصبح هاديا للإنسان.
وقد فصل أهل التصوف الكلام على أمارة المعرفة وشواهدها يقول شبلي: ليس لعارف علاقة، ولا لمحب شكوى، ولا لعبد دعوى (١).
وسئل الجنيد عن العارف فقال: لون الماء لون إنائه (٢).
ومعنى هذا القول أن ألوان العبودية تعتور على العبد، فحينا يصبر على ابتلاء الرب تعالى، وحينا يشكر له على نعمائه، وقد يهتز قلبه ببشارة الوعود الصادقة، وقد يتضرع ويخشى بوعيد الله ﷻ.
يقول ذو النون: علامة العارف ثلاث:
١ - يغلب نور الورع نور المعرفة.
٢ - لا تعارض عقيدة الباطن حالة الظاهر.
٣ - لا يتردى في محارم الله بكثرة النعم الإلهية (٣).
والحقيقة أن المعرفة تورث الهيبة التي فيها الأنس والانشراح. جاء في الحديث الصحيح: «أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية» (٤).
فالمعرفة نور يودع قلب المؤمن حتى يفهم الصفات ويستخدم الشواهد والبراهين.
والعارف يؤمن بالصفات ويراها فوق التشبيه، وينفي التشبيه ويجتنب التعطيل، ولا يفرق بين الذات والصفات، ثم يستغني عن جميع الوسائل والوسائط والبراهين
_________________
(١) مدارج السالكين ٣/ ٣٣٨.
(٢) نفس المصدر ٣٤٢/ ٣.
(٣) مدارج السالكين ٣٣٨/ ٣.
(٤) نفس المصدر ٣٤٢/ ٣.
[ ٧٨٠ ]
٢ - العقل أصل ديني
والشواهد، ويفوض قلبه وروحه إلى إنعام مالكه، وهنا يحصل له من المعرفة ما يناسبه. ويشير إلى هذا السر قوله تعالى: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ (الفاتحة: ٧).
٢ - العقل أصل ديني: يعتقد النصارى أن العقل لا يتدخل في الدين، وكانوا يقولون عن عقيدة التثليث: إن أساسها فوق فهم البشر.
ويقولون للتلاميذ حينما يعلمونهم التثليث: ابتلعوا هذه اللقمة سواء أحبتها قلوبكم أم لا.
ولكن الإسلام لا يصدر مثل هذه الأحكام، وقد تجلى فضل العقل والعقلاء بآيات القرآن جليا:
﴿كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون﴾ (الروم: ٢٨). ﴿ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون﴾ (العنكبوت: ٣٥). وذم القرآن من خرج عن العقل:
﴿ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون﴾ (يونس: ١٠٠).
وبين أن العلم والعقل متلازمان، وبامتزاجهما تظهر النتائج الصحيحة:
﴿وما يعقلها إلا العالمون﴾ (العنكبوت: ٤٣).
فمن يدرس أحكام الشريعة ويتأمل الحكم التي شرعت لأجلها يتأكد أن علاقة الأحكام الشرعية بالعقل وثيقة جدا. فقد ورد عن الصلاة:
﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ (العنكبوت: ٤٥).
وورد عن الصوم:
﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ (البقرة: ١٨٣).
وقال عن حكمة الزكاة: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ (إبراهيم: ٧).
وعن فوائد الحج قال: ﴿يشهدوا منافع لهم﴾ (الحج: ٢٨).
[ ٧٨١ ]
٣ - الحب أساسي
وقال عن أثر القصاص في الجاني: ﴿ليذوق وبال أمره﴾ (المائدة: ٩٥).
وقال عن نفعه لصاحبه: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ (البقرة: ١٧٩).
وكذلك وصف العقل في موضع بالفطرة الإنسانية، والعقل يدرك تفوق البرهان ولذا قيل للمعارضين: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادين﴾ (النمل: ٦٤).
والعقل يعارض الجبر والإكراه، ولذا صرح القرآن بقوله:
﴿لا إكراه في الدين﴾ (البقرة: ٢٥٦).
وتوضح هذه الشواهد أن شجرة الإسلام الطيبة غرست في أرض العقل وتم إرواؤها بماء العلم.
وقول النبي (ص): «العقل أصل ديني» دليل على أن الدين من الله تعالى:
﴿وما يذكر إلا أولوا الأباب﴾ (البقرة: ٢٦٩).
وقد نرى في شباب الإسلام أنهم يريدون بالعقل عقلهم وفهمهم، وهذا دليل على جهلهم.
فالذين يعجزون عن فهم قوانين الحكومة، والمخترعات الإنسانية كيف يسوغ لهم أن لا يعترفوا بعقل فوق عقلهم، وأن يروا فهمهم أعلى من فهم صاحب الشريعة؟
٣ - الحب أساسي: يكثر في الغزل والتشبيب، استعمال لفظ العشق، ولكن لم يرد هذا اللفظ ومشتقاته في القرآن والسنة. وهذا يدل على ابتذاله وسقوطه وبعده من معنى الحب.
جاء في القاموس: الجنون فنون والعشق من فنه.
ولذا ينبغي النظر في لفظ الحب وقد ورد استعمال هذا اللفظ على خمسة أوجه في لغة العرب:
١ - حبب الأسنان، أي صفت وجلت.
[ ٧٨٢ ]
٢ - حبب الماء، أي صفا وطاب، وعلى هذا المعنى يقال لما ارتفع وصفا من الماء حباب.
٣ - حب البعير، أي وضع ركبته. ولوحظ في هذا الاستعمال معنى اللزوم والثبوت.
٤ - حب، أي أصل الشيء وجذره، ومن هنا جاءت تسمية السويداء حبة القلب. ويجمع الحب على الحبوب.
٥ - حب الماء، أي البركة التي تجمع فيها الماء. وقد لوحظ هنا معنى الحفظ والرعاية. وانظروا الآن إلى هذه المعاني لأصل المادة، ثم لاحظوا أن الحب إذا ورد اسما ورد بضم الحاء، والضمة أقوى الحركات. والقصد من ذلك أن يوجد في الحب وصف الصفاء والبهاء والعلو والارتقاء واللزوم والثبات، ويجعل الحب أصلا لجميع الفضائل، ويعتبر الحفاظ عليه والتمسك به متاع الحياة الإنسانية، إذ يتضمن الحب جميع هذه الأوصاف ويحتوي عليها.
قال الله تعالى في كتابه عن إثبات الحب:
﴿يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ (البقرة: ١٦٥).
وقال تعالى عن حبه لعباده وعن حبهم له، أي عن ثبوت الأمرين:
﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ (المائدة: ٥٤).
وقد ورد بيان هذا الأمر بوضوح في الأحاديث الشريفة أيضا:
١ - «إن أحب الأعمال إلى الله الإيمان بالله ثم الجهاد» (١).
٢ - «أحب العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه» (٢).
٣ - «إن الله يحب أن يؤخذ برخصه» (٣).
٤ - «أحب الأعمال إلى الله الصلاة على أول وقتها» (٤).
_________________
(١) البخاري ٥/ ١٤٨، ومسلم ٨٩/ ١.
(٢) البخاري ٢٩٤/ ١١، ومسلم ٨١١/ ٢.
(٣) مسند أحمد ١٠٨/ ٢، ابن حبان ٥٤٥، ٩١٤ الموارد، ابن خزيمة ٢٠٢٧.
(٤) البخاري ٩/ ٢؛ ٣/ ٦، ومسلم ٨٩/ ١ وأبوداود ٩٤/ ٢.
[ ٧٨٣ ]
والأحاديث السابقة تناولت ذكر حب الله لأعمال عباده، والآية التالية تصرح بحب العباد لذاته ﵎:
﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾ (التوبة: ٢٤).
أثبت في هذه الآية حب الإنسان للأشياء المذكورة فيها، كما ذكر بأن هذا الحب طبيعي قد فطر عليه الإنسان.
وتخبر الآية بعد ذلك أن حب الله ورسوله إن كان غالبا على حب ما ذكر قبلا فهذا هو الصواب المطلوب، ولكن الأمر يصعب إن حدث العكس، والله تعالى يأتي بأمره
فيه.
وقد كشف القرآن الكريم في الحكم السابق سر المدنية والتبتل، وأقام الطريق الوسط بين الإفراط والتفريط بعد ترك الترهب.
وحقيقة حب الله تعالى تكشف بكلمة واحدة هي العبودية، فهي منبع محاسن الأعمال كلها، فبالحب تنشأ صفة الإنابة إلى الله، وهو معدن الخوف والرجاء، والحب ينزل الإنسان في موضع الرضا حينا، وموضع الشكر حينا آخر.
والصبر: هو الصبر الذي ينشأ على الحب، وإلا فهو العجز.
والزهد: هو الزهد الذي ينشأ عن الحب، وإلا فهو عدم القدرة على الحصول على ما يريده المرء.
والحياء: هو الحياء الذي تولد بالحب، ونما في جو الأدب والتعظيم، وإلا فهو خجل الطبع.
والفقر: هو الفقر الذي يكون نحو الحبيب، فيتجذب القلب بجميع قوته إلى جود الحبيب ونواله، وإلا فهو ضيق ذات اليد.
والحاصل أن الحب هو قوة القلوب، وغناء الأرواح، وقرة العيون، وحياة الأبدان، وحياة القلوب، ونجاح الحياة.
وهو الذي يجعل الفوز دائما ومستمرا، ويضع الدوام فوق عرش الرفعة.
[ ٧٨٤ ]
والآن نذكر مدارج الحب:
١ - تبدأ المحبة بالعلاقة، أي علاقة القلب التي تنشأ بشكل ما.
٢ - والإرادة تقوي هذه العلاقة.
٣ - ثم ينشأ الميل، فينجذب المحب إلى الحبيب، كما ينجذب الماء من تلقاء نفسه إلى المكان المنحدر.
٤ - ثم تنشأ الحرقة فيظل القلب محترقا دائما.
٥ - ثم يتدرج الحب فيعرف القلب صفة الوداد.
٦ - ثم يترقى فيسيطر على شغاف القلب ويصل أثر المحبة إلى أعماق القلب. فتهون المصائب وتخف الموانع فتقضى الأيام والليالي في اتخاذ وسائل القرب وإصلاح سبل الوصل، وتنقطع الأفكار إلا فكر المحبوب، ويسود تصوره الجسم فيحكم حبه القلب.
٧ - ثم تأتي حالة العشق، وهذا اللفظ مشتق من العشقة وهو نبات متسلق أصفر يلتوي على الشجر فيصيبه بالاصفرار والهزال وهكذا تصير حالة من أصيب بهذا المرض.
٨ - ثم تأتي منزلة التيم بمعنى التعبد والتذلل، وفي هذه الحالة يصير الإنسان عبدا لآرائه وأفكاره، ولا يمكنه التخلص منها.
٩ - وأعلى المنازل العبودية، وهنا يتخلى المحب عن كل ادعاء، ولا يبقى شيء في العالم ملكا له، لا جسمه ولا قلبه ولا روحه ولا أمنيته ولا مراده، وهو نفسه يترك هذه الأشياء كلها، ويكتفي بكون الله معبودا بكل سرور ثم يقتنع بذلك بل يشكر الله على أنه استحق الوصف بالعبودية.
١٠ - وأرفع مما سبق منزلة الخلة، وهنا يظهر الهدف الأسمى للمحب في كل شعرة من الجسم وفي كل نبضة من نبضاته وفي كل دقة من دقات قلبه، وتنعدم العواطف والأماني، ويكون رضا الحبيب الواحد غاية وقصدا للقلب والفكر والروح، بحيث لا يكون الهدف هو الحب بل المحبوب والمطلوب لا يكون إلا مطلوب المحبوب.
والفهم البشري لا يستطيع الوصول في الأغلب إلى هذه الكيفية، وقد وصل إلى هذه المنزلة سيدنا إبراهيم ﵇ وسيدنا محمد (ص). وفي الصلاة في التحيات ورد هذان الاسمان كمعشبه ومشبه به، وأحدهما قدم على الآخر، والآخر يفضل بالإتمام:
[ ٧٨٥ ]
«اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد».
وينبغي أن نذكر هنا الأسباب التي تجلب المحبة، حتى ينالها من يريد من السعداء. فأسباب بقاء المحبة الإلهية ورقيها هي:
١ - قراءة القرآن الكريم، ويدخل فيها تدبر المعاني وفهم المراد الإلهي.
٢ - المواظبة على النوافل والإكثار منها بعد المحافظة على الفرائض.
٣ - دوام الذكر، ويراد به ذكر اللسان والقلب كليهما، وكذلك يدخل في ذلك الذكر بالمال وبالعمل.
٤ - مطالعة أسماء الله وصفاته ومشاهدتها بالقلب.
٥ - تذكر نعم الله تعالى الظاهرة والباطنة، ونعمه المادية والروحية.
٦ - وقوف القلب بكمال الأدب والحضور التام في مقامات العبادة.
٧ - انكسار القلب التام في اتجاه الحضور.
٨ - إشار الحكم الرباني على الأهواء.
٩ - مجالسة المحبين الصادقين.
١٠ - النفور من الأسباب التي تؤدي إلى ابتعاد العبد عن ربه. وبالمواظبة على هذه الأمور يرجى أن ينفجر منبع الحب الكائن في قلب الإنسان الذي كان قد انغلق بالعلائق، فتروى بساتين الأماني:
«اللهم ارزق حبك وحب منيقربتيإلى حبك» (١).
وعلى قارئ الكتاب أن يعيد النظر إلى قول النبي (ص): «والحب أساسي» مرة أخرى، حتى يعرف كيف يكون البناء الذي تأسس على الحب وكيف يكون ساكنه؟. وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن يتذكره كل دارس للسيرة النبوية.
_________________
(١) الترمذي ٥/ ٥٢٢، وأبو نعيم ٢٢٦/ ١ نحوه.
[ ٧٨٦ ]
٤ - والشوق مركبي
٤ - والشوق مركبي: لم يرد لفظ الشوق في القرآن الكريم واستعمل مكانه لفظ اللقاء.
ولعل السبب في ذلك تساؤل علماء الأدب عن الشوق هل يبقى بعد حصول الرؤية أم لا؟ يرى البعض: أن الشوق يطلق على السفر الذي يأخذ المحب إلى الحبيب، فإذا وصل المحب إلى الهدف المنشود فلابد أن ينتهي السفر من تلقاء نفسه.
إلا أن هذا اللفظ ورد في الحديث الشريف، كما رأينا في الحديث الذي نحن بصدده، وكذلك في حديث صحيح آخر:
«أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك» (١).
وجعل الشوق في الحديث الذي نشرحه مركبا، وهذا يعني أن الشوق أثر من آثار الحب، ودرجته أقل من الحب لأن الشوق متولد عنه.
فالشوق جذوة تدفئ القلب، وشرارة تنبعث من القلب. والشوق يجعل الأعضاء والجوارح تنقاد للأعمال وتداوم عليها، وهو الذي يجعل نعم الآخرة أكثر قربا من نعم الدنيا، ويحمل العجزة على السعي المتواصل، وهو الذي يسبر أعماق المغارات، ويرتقي إلى قمم الجبال. وهو الذي ينور طريق الحب الصادق، ولا يترك سالك طريق الحب يستريح قبل الوصول إلى الغاية.
وينبغي أن نتذكر أن مقدار الشوق مبني على مقدار الحب، فيستحيل أن يكثر الحب ويقل الشوق، أو يقل الحب ويكثر الشوق.
فالحق أن السالك ليس له مركب فوق الشوق.
والشوق هو المركب الذي يعبر العقبات، ويجتاز جسر الاختبار الصعب بسهولة ونجاح ثم يصل إلى جنة اللقاء، فطوبى للمشتاقين، وطوبى للمحبين.
٥ - ذكر الله أنسي: يقول الإمام ابن القيم: (٢).
منزلة الذكر هي منزلة القوم الكبرى التي منها يتزودون، والذكر منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل، ومن منعه عزل، وهو قوت قلوب القوم، الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق، ومأواهم الذي
_________________
(١) منسد أحمد ٥/ ١٩١، والنسائي ٣/ ٥٥.
(٢) مدارج السالكين ٤٢٣/ ٢.
[ ٧٨٧ ]
يطفئون به التهاب الطريق، ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب: فإذا مرضنا تداوينا بذكركم فنترك الذكر أحيانا فننتكس إن القرآن الكريم تناول الذكر على عشرة أوجه:
١ - أمر بالذكر أمرا مطلقا مثل قوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا﴾ (الأحزاب: ٤١).
وأمرا مقيدا كما في قوله تعالى:
﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة﴾ (الأعراف: ٢٠٥).
وقوله: ﴿وسبحوه بكرة وأصيلا﴾ (الأحزاب: ٤٢).
٢ - نهى عن نسيان الذكر مثل قوله تعالى:
﴿ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم﴾ (الحشر: ١٩).
٣ - علق الفلاح والنجاة على كثرة الذكر، مثل قوله تعالى:
﴿واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون﴾ (الجميعة: ١٠).
٤ - أثنى على أهل الذكر مثل قوله تعالى:
﴿والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ (الأحزاب: ٣٥).
٥ - أعلن عن خسران الغافلين عن الذكر، مثل قوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون﴾ (النافقون: ٩).
٦ - بين أن الذكر أفضل وأعلى من جميع الأعمال، مثل قوله تعالى:
﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ (العنكبوت: ٤٥).
٧ - يتضح بتدبر القرآن أن جميع الأعمال الصالحة تختتم بالذكر، كقوله تعالى في الأمر بالصلاة:
﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم﴾ (النساء: ١٠٣).
وقوله تعالى في الأمر بما يجب عمله بعد قضاء صلاة الجمعة:
[ ٧٨٨ ]
﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون﴾ (الجمعة: ١٠). وقوله بعد الأمر بالصيام: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ (البقرة: ١٨٥).
وقوله بعد الأمر بالحج:
﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله﴾ (البقرة: ٢٠٠).
ولو كانت نهاية الحياة بالذكر لتحقق للذاكر الوعد بدخول الجنة كما ورد في الحديث النبوي:
«أدخله الله الجنة» (١).
٨ - وصف الذاكرون بالعقل والفهم، مثل قوله تعالى:
﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (*) الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ (آل عمران ١٩٠ - ١٩١).
٩ - ذكر الله موجود مع جميع الأعمال الصالحة، وبهذا يعلم أن الذكر هو روح الأعمال، فقد ورد عن الصلاة:
﴿أقم الصلاة لذكري﴾ (طه: ١٤).
وقد ورد في الحديث ذكر عدة أعمال ثم بين أنها شرعت لذكر الله، كما في قوله (ص) «وإنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» (٢).
وقد ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة تسمية أهل الذكر بالمفردين، أي أهل التفريد والتوحيد (٣).
وأخرج الإمام أحمد في المسند عن أبي الدرداء أن النبي (ص) قال:
_________________
(١) أبو داود ٨/ ٣٨٥.
(٢) أبو داود ٥/ ٣٤١ رقم ١٨٧١.
(٣) مسلم ٢٠٦٢/ ٤ رقم ٢٦٧٦.
[ ٧٨٩ ]
«ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخيرتكم من إنفاق الذهب والفضة وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربون أعناقكم؟» قالوا: وما ذلك يا رسول الله؟ قال: «ذكر الله ﷿» (١). وجاء في صحيح مسلم أن النبي (ص) قال:
«لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله في من عنده﴾ (٢).
وأخرج أيضا عن أبي سعيد الخدري قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: الله ما أجلسكم إذا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك قال: إن رسول الله (ص) خرج على حلقة من أصحابه فسألهم واستحلفهم كما فعلت ثم قال:
«أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكن أتاني جبريل ﵇ فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة» (٣).
سأل أعرابي النبي (ص): أي الأعمال أفضل؟ فقال (ص):
«أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله» (٤).
وقال رجل: أحكام الإسلام كثيرة فدلني على شيء واحد، فقال: «لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله» (٥).
وروى في المسند (٦) وغيره عن جابر أن النبي (ص) جاء فقال:
«أيها الناس! ارتعوا في رياض الجنة.» قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: «مجالس الذكر (٧)، اغدوا وروحوا واذكروا من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة
_________________
(١) مسند أحمد ٥/ ١٩٥.
(٢) مسلم ٤/ ٢٠٧٤.
(٣) مسلم ٤/ ٢٠٧٥.
(٤) حلية الأولياء ٦/ ١١٢.
(٥) الترمذي ٥/ ٤٨٥.
(٦) عن أنس في مسند أحمد ٣/ ١٥٠.
(٧) الترمذي ٥/ ٥١٠.
[ ٧٩٠ ]
الله عنده، فإن الله ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه».
وقد ورد في الترمذي والمسند وغيره أن النبي (ص) روى عن أبيه إبراهيم أنه قال:
«اقرأ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» (١). وقد ورد في الصحيحين عن أبي موسى أن النبي (ص) قال:
مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت» (٢).
وفي الصحيح أن النبي (ص) قال فيما يرويه عن ربه:
«من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم».
وليعلم أن للذكر ثلاث طرق:
أن يذكر اللسان وحده، وهذا أدنى درجة.
أن يذكر القلب وحده، وهذا هو الدرجة الوسطى.
أن يذكر اللسان والقلب معا، وهذا هو أعلى درجة.
وليعلم أن أقسام الذكر أيضا ثلاثة:
ذكر أسماء الله وصفاته ومعانيها، أي الثناء على الرب وتوحيد الله. والأمر والنهي، أي ذكر الحلال والحرام.
وبيان إنعام الله وإكرامه وإحسانه وعطائه. وكذلك مراتب الذكر أيضا ثلاث:
الذكر الذي يقضي على الغفلة والنسيان. والذكر الذي يخلص من القيود ويؤدي إلى بقاء الشهود. والذكر الذي ينسي الإنسان ذكر نفسه ويربطه بذكر الحق. فطوبى لإنسان استهواه ذكر ربه. وطوبى لمؤمن تعلم درس فناء العالم ببقاء رب العالم.
_________________
(١) البخاري ١١/ ٢٠٨ رقم ٦٤٠٧، وفي مسلم ٥٣٩ «مثل البيت».
(٢) البخاري (٣٨٤/ ١٣ رقمه ٧٤٠٥)، ومسلم (٢٠٦١/ ٤).
[ ٧٩١ ]
٦ - الثقة كنزي
٧ - والحزن رفيقي
٦ - الثقة كنزي: والأصل في ذلك واقعة أم موسى، يقول الله تعالى:
﴿فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني﴾ (القصص: ٧).
فالظاهر أن تلك المرأة المؤمنة لو لم تثق بوعد الله تعالى ثقة تامة لم تلق وليدها في النهر بيدها.
ولذا ينبغي أن نفهم أن الثقة إنسان عين التوكل، ومركز دائرة التفويض، وسويداء القلب السليم.
وتتحقق هذه الثقة وقت اليأس، فيعتمد الإنسان على ربه عند المصائب، فلا ينطق بحرف ضده ولا تخطر على باله وسوسة.
وتتحقق الثقة وقت الرجاء فتنكشف للإنسان حقيقة الربوبية السابقة لله تعالى، كما تنكشف للإنسان أيضا حقيقة عدم استحقاقه.
وليعلم أن مثل هذه الثقة تتحقق بفتح عين البصيرة على جميع نظام العالم بأكمله، حينما يشاهد الإنسان أن كل ذرة من الجماد وكل ورقة من النبات وكل جزء من الأرض والسماء متمتع في جوهر وجوده بإنعامه تعالى وغمور بإحسانه.
٧ - والحزن رفيقي: إن الخوف والخشية مرادفان للحزن في الأردية، ولكنها متباينة المعنى في العربية، فالخوف يطلق في الأغلب على الأشياء الحية، والخشية يكثر استعمالها في الأشياء غير الحسية.
والحزن هو هم القلب الذي يزخر في القلب لخير الغير وفلاحه، وإن لم ينطق به اللسان. وقد كثر استعمال الحزن في كتاب الله في شأن الأنبياء والأصفياء.
قال الله تعالى في النبي (ص): ﴿فلا يحزك قولهم﴾ (يس: ٧٦). وذلك أن النبي (ص) كان كثير الرأفة والعطف على الناس، فكان يحزن على العصاة إذا فكر في عواقبهم، ولذا أرشده الله تعالى إلى عدم الحزن عليهم.
وقد ورد في القرآن الكريم قول النبي (ص) لرفيقه في الغار أبي بكر ﴿لا تحزن إن الله معنا) (التوبة: ٤٠) وذلك حينما رأى أن قلبه مهموم متقطع خوفا على النبي (ص).
والحكمة في هذا القول هي قصد تفضيل معية الله التي شملت النبي (ص)
[ ٧٩٢ ]
٨ - والعلم سلاحي
والصديق، وهذا الحزن أفضل وأسمى من الحزن الذي جعله العشق حزنا مخيفا على سلامة الحبيب.
وليعلم أن المعية التي تكمل يتضمنها الاسم الأعظم «الله» أعلى كثيرا من ظلال جميع الأسماء الحسنى، وتكمل كمالات العارف بالسير في اسم ذات جميع الأسماء ورفعتها، وتسقط أسباب الكون وعلله كلها تتلاشى. وقد كان الوحي الذي جاء إلى أم موسى هو:
﴿ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ (القصص: ٧).
تأملوا الآية، إنها تضمنت شارة ضد الخوف الحسي، وبشارة ضد الخوف المعنوي. فالأولى أن الطفل الذي تلقيه في اليم يرده الله تعالى إليها، والثانية أن الطفل يكرم بنعمة النبوة التي لا تدرك بالحواس.
وبعد تدبر هذه الآيات يتضح معنى الحديث المذكور في العنوان، وهو أن الحزن الذي كان يلازم قلب النبي (ص) يتعلق بمغفرة الآثمين من الأمة أو هدايتهم.
كان قلبه (ص) مفعما بحب خلق الله والتعاطف مع عامة الناس والعطف عليهم وكان يفكر في نجاة كل فرد من أفراد الأمة كالراعي الذي يحمل هم كل رأس من غنمه، وهو
يعلم أنه لو تخلفت واحدة منها عن القطيع لصارت فريسة للذئاب، ومن هنا يتبع كل غنمه ينقذها من مهاوي الهلاك.
ولم يفارق هذا الحزن قلبه (ص)، فربما كان يقضي الليل كله داعيا لأمته، وقد وقع أن قضى (ص) ليلته كلها يردد الآية الكريمة:
﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ (المائدة: ١١٨).
٨ - والعلم سلاحي: اعلم أن أهل الزهد والتقوى من المتأخرين جعلوا منزلة العلم أقل من منزلة الحال، ولكن الأمر على العكس من هذا.
فالعلم حاكم والحال محكوم، والعلم هاد والحال تابع، والعلم إمام والحال مأموم، والعلم وسع الدنيا والآخرة، والحال منحصر في صاحبه، والحال كالسيف القاطع يقطع صاحبه إذا لم يحفظه العلم، والحال كالنار التي لا يسيطر عليها أحد، وهو فرس جامح يقع مع صاحبه في الهلاك إذا لم يلجم بالعلم.
[ ٧٩٣ ]
ولكن العلم حياة القلوب ونور البصائر وشفاء الصدور، ورياض العقول، ولذة الأرواح ومؤنس المتوحشين.
والعلم هو الميزان الذي توزن به الأقوال والأحوال والأعمال، وهو الحاكم الذي يحكم بين الشك واليقين والضلال والرشد، وبه تحصل معرفة الله تعالى وتحميده وتمجيده وتوحيده.
وبه يفرق بين الحلال والحرام، وتظهر مدارج المواريث والأرحام.
قال الإمام أحمد بن حنبل (١): الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب مرة أو مرتين في اليوم، وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه.
وفي البحث عن العلم اختار كليم الله موسى ﵇ سفرا طويلا جعل من ثمرته ثلاث مسائل.
والعلم هو ما أمر الله نبيه (ص) بطلبه والدعاء له فقال:
﴿قل رب زدني علما﴾ (طه: ١١٤).
انظروا إلى الكلب والصقر اللذين يربيان للصيد ويوصفان في العربية بالمعلم كيف يصلان بالعلم القليل إلى درجة أن صيدهما يكون حلالا وصيد غيرهما حرام. فهذا الكلب المعلم أو الصقر المعلم يستحق أن يشبه بالجارحة الإنسانية حين يبقى أبناء جنسه نجس العين فلماذا حصلا على هذه المنزلة لقد حصلا عليها بالعلم وحده لا لشيء غيره. وتذكروا أن العلم هو العلم الذي جعلت علامته الأولى إقامة الدليل وهويته الأخيرة رفع الجهل.
وللعلم ثلاث درجات:
١ - العلم الذي يحصل بقوة البصر والسمع وبالخبرة المتواترة.
٢ - والعلم الذي ينشأ في الأجسام الزكية والباطن الطاهر، ويحصل لأنفاسهم الصادقة لأهل الهمم العالية حينما يخيم السكوت في كل ناحية.
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٤٧٠).
[ ٧٩٤ ]
٣ - العلم الذي يسمى بصفة عامة بالعلم اللدني، وهذا العلم ثمرة العبودية ونتاج اتباع الأحكام الحقة، حينما ترسخ مادة الانقياد التام وترقى رغبة الاستنارة بمشكاة النبوة تنفتح المعارف الإيمانية والحقائق الأصلية التي لا يصل إليها خيال أهل المنطق والفلسفة من عند الكريم الجواد المطلق. وهذا العلم دليل نفسه ومدلول غيره.
ولابد هنا من وقفة لتنبيه المعارضين والمعترضين الذين يرددون القول بأن الإسلام نشر بقوة السيف.
تأملوا كيف جعل النبي (ص) العلم سلاحه وجعل الفتوح العظيمة التي حصلت له ثمار العلم فالحقيقة أن مفخرة نبي الله (ص) ليست هي الاستيلاء على بنايات الجص والطوب والحجر والخنادق، فمثل هذه اللعبة قد عرضت أمام العالم كثيرا من جانب الاسكندر وتيمور وهولاكو وبونابرت إلا أن ما تفرد به نبي الله (ص) هو أنه كان يفتح
حصون القلوب ويستولي على الطبائع.
وقد شهد الناس يوم خيبر الجيش الإسلامي يفتح بعض حصون اليهود الذين أشعلوا نيران العداوة والحرب ضد المسلمين في طول البلاد وعرضها، وفد في تلك الأيام على النبي (ص) رؤساء بلاط ملك الحبشة ممن دخلوا في الإسلام، وفي تلك الأثناء أيضا جاء عدة مئات من المسلمين من اليمن، وقد أراد الله تعالى بذلك أن يرى اليهود بأم رؤسهم أنهم يعتمدون في عدائهم لله ولرسوله على حصون الطوب والحجر في تجبرهم واستكبارهم على النبي (ص)، بينما دخل علمه (ص) وراء البحر في الحبشة. ورفرفت رايته على قمم جبال اليمن، مع العلم بأن هذه البلاد لم تخضع قط للحجاز.
والحبشة هي البلد التي فتح جنرالها أبرهة الأشرم اليمن، ثم خرج مع ستين ألفا من الجنود لفتح مكة وهدم الكعبة المشرفة، فألقى رحله على بعد أربعة أميال من مكة. ووقعت الواقعة التي ذكرها القرآن الكريم بواقعة أصحاب الفيل قبل مولد النبي (ص) بخمسين يوما فقط (١).
وما أدرى هؤلاء المهاجمين أن مليكهم سوف يتمنى في يوم من الأيام الخضوع للنبي
_________________
(١) ابن هشام ٤٧/ ١.
[ ٧٩٥ ]
٩ - والصبر ردائي
(ص) ويسجد أهل بلادهم جميعا نحو هذه الكعبة عابدين لله تعالى.
معشر المسلمين! لابد لفتح أمة أو قهرها بالسيف أن يكون لدى المهاجمين رجال عرفوا بقوة السيف والبطش، حتى يضطر الناس لترك دينهم خوفا منهم.
وهنا نتساءل: كيف انقاد للنبي (ص) شجعان أقوياء مثل ضرار بن الأزد وشرحبيل بن حسنة وعدي بن حاتم وعكرمة بن أبي جهل ومقداد بن الأسود الكندي والمقدام بن معدي كرب وخالد بن الوليد والزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب ﵃.
وكيف استولى على سيوفهم راعي الغنم اليتيم الفقير والذي لا يملك سلاحا؟
لاشك أن الشجعان المذكورين لم يتركوا دينهم خوفا على أرواحهم ولم ينقادوا للنبي (ص) خوفا من السيف، وهكذا يتضح أن النبي (ص) كان يملك قوة تقهر الشجعان وتسخر الأبطال، ومن هنا لم يكن في حاجة إلى إعمال السيف ضد الثعالب والذئاب.
والتفكر في هذا الأمر يدل بكل وضوح على أن قول النبي (ص) «العلم سلاحي» مظهر حقيقة لا ترد.
والنجاح الذي حققه النبي (ص) كانت وسيلته العلم الذي منحه الله إياه.
العلم الذي يبدد الظلمة ويخرج السائرين فيها إلى النور.
العلم الذي ينور الأبصار ويبصر القلوب.
العلم الذي ينطبق عليه قوله تعالى:
﴿هذا بصائر للناس﴾ (الجاثية: ٢٠).
٩ - والصبر ردائي: ورد لفظ «الصبر» في القرآن الكريم في تسعين موضعا، وقد أثنى الكتاب الحميد على الصبر بست عشرة طريقة نذكرها بإيجاز:
أولا: أن الله تعالى أمر بالصبر فقال: ﴿قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا﴾ (الأعراف: ١٢٨). ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ (البقرة: ٤٥). ﴿اصبروا وصابروا﴾ (آل عمران: ٢٠٠). ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ (النحل: ١٢٧).
[ ٧٩٦ ]
ثانيا: أنه تعالى نهى عن ترك الصبر فقال:
﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم﴾ (الأحقاف: ٣٥).
﴿فلا تولوهم الأدبار﴾ (الأنفال: ١٥).
﴿ولا تهنوا ولا تخزنوا﴾ (آل عمران: ١٣٩).
ثالثا: أنه تعالى مدح الصابرين فقال:
﴿والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾ (البقرة: ١٧٧).
رابعا: أنه تعالى أثبت حبه للصابرين فقال:
﴿والله يحب الصابرين﴾ (آل عمران: ١٤٦).
خامسا: أنه تعالى أثبت معيته للصابرين، كما في قوله تعالى: ﴿إن الله مع الصابرين﴾ (البقرة: ١٥٣).
وليعلم أن هناك معية عامة، وتكون بالعلم والإحاطة، وهناك معية خاصة ينتج عنها الحفظ والنصرة والتأييد، هي المقصودة في الآية المذكورة: سادسا: أنه تعالى جعل الصبر خيرا لأهله فقال:
﴿ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾ (النحل: ١٢٦). ﴿وأن تصبروا خير لكم﴾ (النساء: ٢٥).
سابعا: أنه تعالى أعلن حسن الجزاء لأهل الصبر فقال:
﴿ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ (النحل: ٩٦).
ثامنا: أنه تعالى أخبر أن أهل الصبر يعطون دون حساب. فقال:
﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ (الزمر: ١٠).
تاسعا: أنه تعالى بشر أهل الصبر فقال:
﴿وبشر الصابرين﴾ (البقرة: ١٥٥).
عاشرا: أنه تعالى ضمن لأهل الصبر النصرة فقال:
[ ٧٩٧ ]
﴿بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين﴾ (آل عمران: ١٢٥).
وورد في الحديث: «واعلم أف النصر مع الصبرا) (١).
حادي عشر: أنه أخبر أن أهل الصبر هم أهل العزم كما في قوله تعالى:
﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ (الشورى: ٤٣).
ثاني عشر: أنه تعالى بين أن أصحاب العمل الصالح. والحظوظ العظيمة هم أهل الصبر فقال:
﴿ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون﴾ (القصص: ٨٠).
﴿وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾ (فصلت: ٣٥).
ثالث عشر: أنه تعالى بين أن أهل الصبر هم ينتفعون بآيات الله ويعتبرون فقال:
﴿أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ (إبراهيم: ٥).
﴿ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام (*) إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ (الشورى ٣٢ - ٣٣).
رابع عشر: أنه تعالى أخبر أن الفوز بالمطلوب والمحبوب والنجاة من الخوف والدخول في الجنة إنما هو لأهل الصبر كما في قوله تعالى:
﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (*) سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ (الرعد: ٢٣، ٢٤).
خامس عشر: أنه تعالى أخبر أن أهل الصبر يحتلون منصب الإمامة كما في قوله تعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا﴾ (السجدة: ٢٤).
سادس عشر: أنه تعالى ذكر الصبر في القرآن الكريم مع الإسلام والإيمان واليقين والتقوى والتوكل والشكر، وبذلك تتضح منزلة الصبر عند الله تعالى.
_________________
(١) مسند أحمد ٣٠٧/ ١.
[ ٧٩٨ ]
وبعد ذكر الأقسام الستة عشر نشير إلى أن الصبر للإيمان مثل الرأس للبدن، فأين الحياة إذا فقد الجسم الرأس، وهكذا إن لم يكن مع الإيمان صبر فأين الإيمان؟ وقال سيدنا عمر الفاروق ﵁: خير عيش أدركناه بالصبر (١).
وفي الحديث الصحيح:
«عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا لمؤمن، إن أصابته سراء شكر كان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» (٢).
ومعنى الصبر في اللغة الحبس، يقال: قتل فلان صبرا. وهذا هو معناه في الآية الكريمة:
﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون وجهه﴾ (الكهف: ٢٨).
والمناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي أن في الصبر يحبس الإنسان قلبه عن البكاء، ولسانه عن الشكوى، وجوارحه عن الجزع. وهكذا نعلم أن الصبر يتقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: الصبر على طاعة الله. والثاني: الصبر عن معصية الله. والثالث: الصبر على ابتلاء الله.
وفي الصنفين الأولين يد لكسب الإنسان، أما الصنف الثالث فليست فيه يد للكسب الإنساني.
ويمكن أن نقول بعد التأمل في أحوال سيدنا يوسف ﵇ أن الصبر على فراق الأب وعلى الإلقاء في البئر من مقامات الصبر أيضا، ولكن رفض طلب امرأة العزيز هو أعلى أقسام الصبر وبخاصة إذا ما نظرنا إلى الأمور الآتية:
١ - الشباب.
٢ - المكان الخالي.
٣ - التجرد.
٤ - توفر مشتهى النفس.
٥ - الغربة حيث لا أقارب ولا حياء منهم.
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ١٥٥.
(٢) مسلم ٤/ ٢٢٩٥ رقم ٢٩٩٩.
[ ٧٩٩ ]
٦ - المحكومية.
٧ - دعوة امرأة جميلة.
٨ - المكر والخداع بكل وسيلة مع الطلب المذكور.
٩ - الإغراء والتملق.
١٠ - التهديد.
فهذه هي الأمور التي يرفع وجودها منزلة يوسف الصديق كثيرا. قال ابن تيمية:
إن منزلة الصبر على الطاعات أكمل وأفضل من الصبر عن اجتناب المحارم، فإن النبي (ص) كان يحب فعل الطاعة أكثر من ترك المعصية، وخسارة عدم الطاعة أفظع من خسارة وجود المعصية (١).
ثم ينبغي أن يعلم أن للصبر ثلاث حالات:
١ - الصبر بالله.
٢ - الصبر لله.
٣ - الصبر مع الله.
١ - فمعنى الصبر بالله أن لا يكون الصبر لنفس الإنسان بل لله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ (النحل: ١٢٧).
٢ - ومعنى الصبر لله أن يكون الدافع إلى الصبر هو حب الله وإرادة التقرب إليه، لا إظهار قوة النفس والرغبة في مدح الناس وثنائهم.
٣ - ومعنى الصبر مع الله أن يجعل العبد نفسه مطيعة لأوامر الله تعالى ومحارمه فيسير حيث يؤمر بالسير، ويقف حيث يؤمر بالوقوف. وهذا هو صبر الصديقين وهو أصعب أقسام الصبر.
وسئل جنيد البغدادي عن الصبر فقال: الصبر تجرع المرارة من غير تعبس (٢).
وقال يحي بن معاذ: إن صبر المحبين أصعب من صبر الزاهدين فإن الصبر عن الحبيب أعجب كما قيل:
الصبر يسد في المواطن كلها إلا عليك فإنه لا يحمد (٣).
وقد أخرج إمام المحدثين البخاري في كتاب الآداب عن النبي (ص) أنه سئل عن
_________________
(١) فتاوى ابن تيمية ١٠/ ٥٧٥، ٥٧٦.
(٢) مدارج السالكين ٢/ ١٥٧.
(٣) أيضا ٢/ ١٥٨.
[ ٨٠٠ ]
١٠ - والرضا رغبتي
الإيمان فقال: «الصبر والسماحة».
وينبغي أن نعلم هنا أن شرح العبد حالته أمام الله لا يدخل في عدم العجر، فقد حكى القرآن عن يعقوب ﵇:
﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ (يوسف: ٨٦).
ومن دعاء أيوب:
﴿إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين﴾ (الأنبياء: ٨٣).
وقال الشاعر العربي:
وإذا عرتك بلية فاصبر لها صبر الكريم فإنه بك أعلم
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
ويعلم قراء سيرة الرسول (ص) مدى ما قاساه النبي في تبليغ الأحكام الإلهية وتعليم المؤمنين ومن معاملة أهل الكفر وتدبير شئون أهل الدنيا وإعلاء كلمة الحق، وكيف تحمل رسول الله (ص) المصائب وصبر على الهموم والأحزان! .. فكان القذر يلقى حينا لدى بابه فكان هذا يؤذيه ويحزنه، وكانت الحفر تحفر حينا في طريقه وتغطى بالألواح الخشبية الرقيقة بعد أن تملأ بالأشواك، حتى يقع فيها (ص) حينما يخرج للصلاة ليلا، وكانوا يشدون عنقه بالرداء ويضعون بعر الإبل على ظهره وهو يصلي ويضحك الكفار عليه ويسخرون منه، كما كان يرمى بالحجارة ويمنع من قراءة القرآن.
وقد مضى عليه (ص) زمن حبس فيه في شعب ومنع منه الأكل والماء، ولكن النبي (ص) صبر على ذلك صبرا أثنى عليه الله تعالى بقوله ﴿وما صبرك إلا بالله﴾ (النحل: ١٢٧).
فالأجدر بمثل هذا الرسول أن يجعل الصبر لباس التجمل والعظمة والوقار فيقول: «الصبر ردائي».
صلى الله تعالى على حبيبه بقدر صبره على بلائه وشكره على آلائه وبارك وسلم.
١٠ - والرضا رغبتي: من الواضح أن أقوال أئمة الزهد والتقوى عن الرضا ثلاثة:
١ - يقول أهل خراسان: إن الرضا أيضا اسم من أسماء المقامات، وهو منتهى التوكل، ويحصل للعبد بالاكتساب.
٢ - ويقول أهل العراق: إن الرضا من جملة الأحوال، وليس من المكاسب بل من المواهب.
[ ٨٠١ ]
٣ - والفريق الثالث حاول الجمع بين القولين فقال: إن الرضا في بدايته كسبي ومن جملة المقامات، وفي نهايته مجرد عطية ربانية ومن جملة الأحوال.
ودليل الفريق الأول أن الله تعالى مدح أهل الرضا وأثنى عليهم ورغبهم فيه، فلو لم يكن هذا المقام كسبيا وكان خارجا عن مقدور البشر لما فعل ذلك. قال النبي (ص):
«ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا» (١).
وقال أيضا:
«من قال بعد ما سمع الأذان، رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، غفرت ذنوبه» (٢).
وهذان الحديثان من النصوص التي تتوقف عليها مقامات الدين، والتأمل فيهما يؤدي إلى ثبوت ما يأتي:
أ - الرضا بألوهية الله وبربوبيته.
ب - والرضا برسالة النبي (ص) وبإطاعته.
ج - والرضا بدين الله.
د - والاعتراف والتسليم بدين الله والانقياد له.
ويمكن أن نقول: إن من اجتمعت فيه هذه الأمور الأربعة فهو صديق.
نعم، إن الادعاء باللسان سهل، ولكن النجاح في الاختبار صعب، وخاصة إذا كان هوى النفس يتعارض مع ما يردده اللسان.
وليعلم أن معنى الرضا بالألوهية هو أن يتحقق التوحيد في الحب والإنابة والتبتل إلى الله. فإن خاف العبد خاف الله وحده، وإن رجا رجا منه وحده، وتنجذب إليه قواه الكلية، ويكون قصد عبادته هو التوحيد في الإخلاص.
ومعنى الرضا بالربوبية أن يتحقق التوحيد في تدبير الله وفي التوكل والاعتماد والاستعانة، ويتقبل العبد كل فعل من أفعال الله برضا وسرور.
_________________
(١) مسلم ١/ ٦٢، مسند أحمد ١/ ٢٠٨.
(٢) مسلم ١/ ٢٩٠.
[ ٨٠٢ ]
ومعنى الرضا برسالة محمد (ص) أن تكون طاعة محمد (ص) نصب عينيه في جميع أحكامه، ويكون تعظيم النبي (ص) مع حبه مقدما على نفسه وروحه، فيتلقى الهداية والحكم والقضاء من عتبته (ص)، ولا يرضي بحكم الغير، وخاصة في علوم الإلهيات حيث لا يكون هناك أي مجال لذلك.
ومعنى الرضا بالإسلام أن يقبل بانشراح تام كل حكم للإسلام من أمر أو نهي، ويرفض كل ما يعارض هذا الحكم حتى لو صدر عن عالم معروف ومشهور.
وربما تجدون الكثير من العلماء والمتصوفين والدراويش والمشايخ يعارضون الأصل المذكور، ولكن الرضا بالإسلام يقتضي أن لا يصدق المؤمنون حكما ليس من الإسلام في شيء وألا يطمئنوا في شيء إليه.
واعلموا أن منزلة الرضا تأتي بعد التوكل والتفويض والتسليم، ولما كان حصوله صعبا لم يجعله الله فرضا، بل شوق إليه ورغب فيه. سئل يحيى بن معاذ: كيف ينال المسلم مقام الرضا؟
فقال: بكماله في أربعة أمور:
١ - أن يقبل العطاء.
٢ - ويرضي بعدم العطاء.
٣ - ويعبد في الانقباض.
٤ - ويحضر أمام الله في الانشرخ (١).
وقيل للحسن بن علي أن أبا ذر يقول: إن الفقر أحب إليه من الغنى، والمرض أحب إليه من الصحة.
فقال: رحم الله أبا ذر، إني أقول: من اعتمد على حسن اختيار الله له لم يتمن سوى ما اختاره الله تعالى (٢).
وقال فضيل بن عياض لبشر الحافي: منزلة الرضاء أعلى من الزهد، لأن من رضي لا يتمنى فوق منزلته (٣).
ومما كتب عمر الفاروق ﵁ إلى أبي موسى الأشعري: الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترض وإلا فاصبر (٤).
_________________
(١) مدارج السالكين ١٧٤/ ٢.
(٢) أيضا ١٧٧/ ٢.
(٣) مدارج السالكين ١٧٤/ ٢.
(٤) نفسه.
[ ٨٠٣ ]
وقال الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿يا أيتها النفس المطمئنة (*) ارجعي إلى ربك راضية مرضية (*) فادخلي في عبادي (*) وادخلي جنتي﴾ (الفجر: ٢٧ - ٣٠).
وهذا هو ما يقال للعبد عند رحيله من الدنيا وبهذا القول يسر المؤمن يوم القيامة إذ يدخل ضمن جماعة عباد الله المصطفين، ويدخل في الجنة، إذ ينال النعمتين كما يشير إلى قوله: ﴿راضية مرضية﴾.
١١ - والعجز فخري: العبارة المشهورة عامة هي العجز فخري إلا أن علماء الحديث صرحوا بأن عبارة الفقر فخري لم تثبت عن النبي (ص).
ذكر صاحب مجمع البحار أيضا عبارة «والعجز فخري» (١).
ومعنى العجز الضعف، ويدخل تحت هذا المعنى أنها عدم القدرة على الفعل المفوض ولا يمكن أن يتناسب هذا مع ذات النبي (ص) لأن حياته كلها سعي واجتهاد ونموذج للجد والعمل الكامل.
فالمراد بالعجز هو العجز لدى الواحد الأحد وهذا المعنى يصدق على جلال رب العالمين وعلى أحوال خاتم النبيين.
انظروا إلى الأثرياء، كيف يكون تكابرهم واغترارهم بعد قليل من النجاح. ثم انظروا إلى سيرة الرسول الأكرم (ص)، الرسول الذي نال النصر من كل ذرة في الأرض وكل نجم في السماء، وخضعت لحكمه النفوس، وارتج لعظمته ما بين السماء والأرض ومع هذا فهو يعترف بعجزه ويتضرع إلى الله الأحد الصمد، كل لحظة وساعة، وهذا العجز هو مغخرة له (ص).
انظروا إلى الكلمات الزاكيات لأدعية الرسول (ص)، التي تزيل غفلة القلب وحجاب الروح، فيستيقظ بها قلب الغافل ويسجد أمام سطوة الله وجبروته.
وكنموذج أذكر دعاء واحدا حتى يتدبر القراء أسلوبه ويدركوا علو منزلته، ويقدروا عجز القلب الذي خرجت منه هذه الكلمات، ويروا كيف أنه يعتز بافتقاره ويربي عليه أتباعه:
_________________
(١) مجمع البحار ٢/ ٣٥١.
[ ٨٠٤ ]
١٢ - والزهد حرفتي
«اللهم إنك ترى مكاني وتسمع كلامي وتعلم سري وعلانيتي ولا يخفى عليك شيء من أمري وأنا الرجل المشفق والمقر المعترف بذنبي وأنا المستغيث، المستجير، أسالك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير ودعاء من خضعت لك رقبته وفاضت لك عبرته، وذل لك جسمه، ورغم لك أنفه أن لا تجعلني بدعائك شقيا، وكن لي رءوفا رحيما يا خير المسئولين ويا خير المعطين» (١).
الله أكبر! هذا هو درس المعرفة الذي لو حضر به المؤمنون بقلوبهم وألسنتهم متضرعين إلى الله لأدركتهم رحمة الله ﷿ وأنار طريقهم الحب ورفعهم الإخلاص والصدق إلى منزلة القبول والكرامة، فطوبى لهم.
١٢ - والزهد حرفتي: الحرفة هي الصنعة أو وجه كسب يتقوت به الإنسان. والزهد في أصل اللغة عدم الرغبة، قال؛ تعالى في سورة يوسف:
﴿وكانوا فيه من الزاهدين﴾ (يوسف: ٢٠).
وفي مصطلح الشرع يطلق الزهد على عدم الرغبة في الدنيا ومالها ومتاعها.
وقال البعض: الزهد هو عدم الاعتماد على الموجود، وعدم التأسف على المفقود (٢).
وقال إمام المحدثين أحمد بن حنبل (٣): الزهد على ثلاثة أقسام:
١ - ترك الحرام، وهذا زهد العامة.
٢ - ترك الزائد من الحلال، وهذا زهد الخاصة.
٣ - ترك كل شيء يمنع من التوجه إلى الله، وهذا زهد العارفين.
والآن ننظر إلى ألفاظ الحديث نظرة تأمل:
الحرفة طريقة يلتزمها الإنسان لمعاشه، وقد جعل النبي (ص) في الحديث «الزهد» حرفته، فمعنى ذلك أن تصرف العناية عن الأشياء والأسباب والوسائل المؤدية إلى غير الله، ويتوجه إلى الله بكل اهتمام وهمة مع عدم المبالاة بالوسائل والوسائط، فالثقة
_________________
(١) المعجم الكبير للطبراني ١/ ١٨٤.
(٢) مدارج السالكين ٢/ ١٠.
(٣) أيضا.
[ ٨٠٥ ]
١٣ - واليقين قوتي
بالرب لا تجعل المتاع الحاضر موجبا للطمأنينة، وفقدان هذا المتاع نفسه لا يشوش القلب، وهذا هو أعلى منزلة الزهد، ولا يعترض عليه بأنه يمنع وسائل الكسب، أو يعارض أصول المدنية.
١٣ - واليقين قوتي: من الواضح أن ذكر اليقين وأهله تردد في عديد من آيات القرآن الكريم: ﴿الذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (*) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ (البقرة: ٤ - ٥).
فالفلاح والهداية ثمرة لليقين.
﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ (السجدة: ٢٤).
أي الإمامة في الدين نتيجة اجتماع الصبر واليقين.
﴿وفي الأرض آيات للموقنين (*) وفي أنفسكم﴾ (الذاريات: ٢٠، ٢١).
وهكذا أكدت الآيات السابقة على ضرورة النظر في الآيات الربانية والتأمل في العلامات الإلهية وأن الانتفاع بهذا النظر والتأمل لا يتحقق إلا لأهل اليقين.
والحاصل أن منزلة الروح من الجسم هي منزلة اليقين من الجسد الإيماني، فاليقين هو روح أعمال القلب، وهو حقيقة المصداقية.
واختلف العلماء في كون اليقين كسبيا أو وهبيا. وإني أرى أنه كسبي بالنظر إلى الأسباب، ووهبي بالنظر إلى أصله.
قال سهل التستري: إن البداية بالمكاشفة، ثم يتدرج الإنسان في مدارج المعاينة والمشاهدة حتى يصل إلى اليقين.
وقال ذو النون المصري: إن علامات اليقين ثلاث:
١ - قلة مخالطة الناس في العشرة.
٢ - وعدم مدح الناس على عطاياهم.
٣ - وعدم ذمهم على منع العطية.
وقال: حقيقة اليقين أن ينظر العبد في كل شيء إلى الله، وأن يرجع إليه في كل أمره، وأن يستعين به في كل حالة (١).
_________________
(١) مدارج السالكين ٣٩٨/ ٢.
[ ٨٠٦ ]
وليعلم أن مراتب اليقين ثلاث إذا فصلت:
فالمرتبة الأولى تتضمن الأوامر والنواهي وعلم المعاد وعلم الأسماء والصفات.
وحينما يثق العبد بصدق هذه العلوم وحقيقتها تحصل له هذه المرتبة.
والمرتبة الثانية لا تبقى فيها حاجة الاستدلال، بل يعتبر الدليل عبثا، وتحل الرؤية مقام السمع، وهذا هو عين اليقين.
والمرتبة الثالثة تتجلى بها شمس الحقيقة، وتزول كلفة اليقين، ويتجلى الحق بكماله. وهذا هو حق اليقين، وهو خاص بالأنبياء ﵈، فتنكشف أمام عيونهم جميع الأسرار والخفايا، وتظهر لهم علوم المعاد مثل ظهور الأشياء المادية للآخرين (١).
وتأملوا فقد جعل النبي (ص) في حديث العنوان «اليقين» قوته أي غذاءه، ومن الظاهر أن نمو الجسم يتوقف على الغذاء وبه يتم تربية الجسم، واتضح من هذا مدى بعد النبي (ص) عن الأسباب المادية.
وحتى نعرف قوة يقين النبي (ص) ينبغي أن نعرف قوة يقين الصحابة ﵃.
تأملوا حال ذلك الصحابي في غزوة أحد الذي أمسك بحبات العنب وجلس يأكلها حتى يستعد للمعركة فسمع النبي (ص) وهو يعد الشهداء بالجنة ألقى حبات العنب قائلا: إنها لحياة طويلة إن بقيت حتى آكل هذه الحبات ودخل المعركة وقاتل بشجاعة حتى استشهد فكتبت له الجنة.
ومثله حال النقيب المحمدي عبد الله بن رواحة الأنصاري، الذي راح يقاتل أعداء الإسلام، فأتاه ابن عم له بعرق من لحم، قال: شد بهذا ظهرك فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، أخذه من يده ثم سمع الحطمة في الناس فقال: وأنت في الدنيا! ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل (٢).
حقا يمزق اليقين حجاب الشك والوهم، فتتجلى الحقيقة، وترتفع درجة الرؤية
_________________
(١) نفسه ٣٩٨ وما بعدها.
(٢) الاستيعاب (٣/ ٨٩٩، ابن هشام ٤/ ٢١).
[ ٨٠٧ ]
١٤ - والصدق شفيعي
الإيمانية إلى الرؤية العينية، يرى صاحب اليقين المغيبات مثل المشاهدات، ويحصل على الحقائق الأصلية والمعارف الروحية.
١٤ - والصدق شفيعي: حينما يتفق شخص مع آخر فيتحالف معه في الأهداف والأغراض يقال له الشفيع. والشفيع في اللغة في معنى الزوج، كما في قوله تعالى: ﴿والشفع والوتر﴾ (الفجر: ٣).
والصدق أصل كل شيء وكمال قوته، انظروا إلى الألفاظ التالية:
١ - العزم الصادق هو الإرادة التي تتصف بالقوة والتمام.
٢ - والحب الصادق هو الحب الذي يكون كاملا وأصليا.
٣ - والخبر الصادق هو الإعلام الذي تكون جميع عناصره كاملة قوية.
والقرآن الكريم قد ذكر عدة مقامات للصدق:
١ - فقد لقن النبي (ص) هذا الدعاء:
﴿رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا﴾ (الإسراء: ٨٠).
فهذا الدعاء يوضح مسألة سؤال مدخل الصدق ومخرج الصدق، والمراد بمدخل الصدق هو توجه العبد إلى الله وإلى الأحكام الإلهية، على أن لا يشوب الريب والشك هذا التوجه له وأن لا يكون له نهاية.
ويدخل في مدخل الصدق هذا دخول النبي (ص) في المدينة المنورة وهو ما كانت بركاته وأنواره غير متناهية.
والمراد بمخرج صدق هو عزيمة العبد الذي يعرض عن الهوى ومقتضى الطبع والنفس، وينفض ذيله من الأمور الترابية المادية.
وليس هناك حجاب أو تقليد أو رجاء نفع أو خوف ضرر يمنع العبد من خروج الصدق هذا.
ويدخل في مخرج الصدق هذا هجرة النبي (ص) من مكة وابتعاده عن الوطن وانقطاعه عن العلائق ومضيه في طريق الهجرة.
[ ٨٠٨ ]
١٥ - والطاعة حسبي
٢ - ﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم) (يونس: ٢).
وهذه الآية تخبر عن وجود قدم صدق وتبشر بها.
والمراد بقدم صدق هو الأعمال الصالحة والأفعال الحسنة التي أتى بها العبد المطيع في حياته الفانية وقدمها إلى جانب رب العزة قبل رحيله إلى القبر.
إن تقديم الأعمال يكون من المؤمن والكافر ومن المطيع والفاسق جميعا، ولكن قدم صدق لا يطلق إلا على أعمال المؤمن.
٣ - ورد في دعاء سيدنا إبراهيم ﵇:
﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ (الشعراء: ٨٤).
ورد في هذه الآية الدعاء بلسان صدق، والمراد بلسان صدق هو الثناء الحسن، وهو يعطي كجزاء حسن للعبد الذي تتصف أفعاله وأعماله وأقواله عند الله ﵎ بالتمام والكمال وفق معيار الصدق.
١٥ - والطاعة حسبي: معنى الطوع الذي اشتقت منه الطاعة هو انقياد الأمر واتباع الحكم، حينما يقوم المطيع باتباع الحكم مع انشراح الصدر ونشاط القلب.
والحسب هو المجد الذي يحصل بالمال أو الدين أو الصفات الحسنة والأخلاق الفاضلة أو الجود والسخاء.
والحديث المذكور يتضمن صنعة التضاد، أي يحسب الناس عامة أن الأشياء التي يتم بها التفوق على الآخرين تؤدي إلى المجد والكمال.
ولكن النبي (ص) جعل الطاعة والعبودية موجبا للتفوق والعلو. ولاشك أن هذه هي الخاصية التي تتجلى بكمال في حياة الأنبياء ﵈ عامة وفي حياة النبي (ص) خاصة.
وكان من شروط الكفار في الحديبية أن من لحق من قريش بالمسلمين يجب رده إلى قريش، ولكن من انضم من المسلمين إلى قريش لا يجب رده.
وبدا هذا الشرط بظاهره مذلة للمسلمين، فرأى عمر الفاروق ﵁ وأسيد ابن حضير وسعد بن عبادة وسهل بن حنيف من المسلمين الغياري الذين كانوا يرددون دعاءهم بقولهم «أعز الإسلام والمسلمين» أن هذا الشرط ينافي حمية المسلمين وعز الإسلام.
[ ٨٠٩ ]
١٦ - والجهاد خلقي
ولما صرحوا للنبي (ص) بمشاعرهم في هذا الأمر لم يرد (ص) أدلتهم ولم يضعف أقوالهم بل قال (ص): «إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري».
وبهذا تبين مدى طاعة النبي (ص) وانقياده للرب، فلم تكن الحمية والحماية الظاهرة والعزة المشهودة وتأليف المسلمين الجدد وتعزير المرتدين لتمنعه (ص) من الإطاعة والانقياد.
وقد أثاب الله تعالى نبيه على هذا العمل العظيم أجرا عظيما مثله أو أعظم منه فجعل طاعته (ص) فرضا على العالمين جميعا:
﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (النساء: ٨٠).
وقال: ﴿إن تطيعوه تهتدوا﴾ (النور: ٥٤).
١٦ - والجهاد خلقي: الجهاد هو استفرع الجهد في عمل ما وأعمال الفكر واستخدام الطاقة في أمر ما، والخلق هو الطبيعة والجبلة والخصلة الخلقية.
والجهاد الشرعي على قسمين: جهاد بالمال، وجهاد بالنفس.
يقول الله تعالى: ﴿وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم﴾ (الصف: ١١).
إن الجهاد بالمال والتضحية به صعب جدا، والإيثار بالنفس أيضا مثله. ورب إنسان لا يبالي بمال في سبيل الحفاظ على النفس، ورب إنسان يخاطر بالنفس في سبيل الحصول على المال.
وعباد الله هم الذين يوفون ويضحون بالمال والنفس معا. وربما يحول المال والنفس بين الإنسان وبين أداء الواجب الشخصي والاجتماعي والخلقي، ولكن عباد الله المخلصين يضحون بكل شيء في سبيل مرضاة الله تعالى، يقول تعالى: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ (الحج: ٧٨).
والمراد بهذا الجهاد تحصيل العلم الإلهي والرضا الرباني والتقرب الإلهي وارتقاء الروح، ويقتضي هذا الجهاد القوة وإخلاص التوجه بالمعنى اللغوي والإيمان والعمل الصالح بالمعنى الشرعي بجميع الوجوه.
ومن معنى الجهاد إخضاع أعداء الله، وإعداد الوسائل المادية والمعنوية لإعلاء كلمة الله.
[ ٨١٠ ]
وسيرة الرسول (ص) تدلنا على أنه (ص) فاق أمته في جميع أقسام الجهاد هذه.
فكانت عزيمة النبي (ص) وإرادته ونيته وأمنيته وراحته وقيامه من أجل الجهاد في سبيل الله.
أما الدعة والراحة التي تخص أهل الحكم، والوهن والضعف الذي يلحق الأمراء، والكسل والجمود الذي يحبه المترفون، فقد كان (ص) بعيدا عنه كل البعد.
كان الجهد والسعي والطلب والرقي والسمو والتحرق والتألم والحزن والشوق من شمائل النبي (ص). وبفضلها وتأثيرها سهل على الصحابة ﵃ التخلي عن الأهل والأسرة والضياع والأمتعة والراحة والدعة، وانقطعوا للجهاد في سبيل الله. وبهذه الصفة العالية تركوا الوطن واعتبروا الحياة الدنيا حياة دنيئة، فهجروا الوطن، وعلموا الدنيا كلها درس الهمة العالية والعزم الراسخ والطلب الصادق والسعي الموفور، حتى ارتجت أرجاء الشرق والغرب بنداء ﴿كلمة الله هي العليا﴾ (التوبة: ٤٠).
وبأسوته (ص) أدرك الناس أن الدنيا دار العمل، وحاسبوا فيها أنفسهم، وتمثلت أمام عيونهم الحياة الروحية التي تتبع الحياة الدنيوية.
وبهذا التعليم والتوجيه تحققت الفوائد الكثيرة والفتوح العظيمة والغنائم الوافرة والنتائج العالية.
فليت أهل الإسلام حسبوا ذلك العلم والعمل مآل الحياة، وجعلوا السعي والطلب طبيعتهم وجبلتهم، حتى يستحقوا لقب الأمة الحية بين أمم العالم الحية.
لا، لا، إن أهداف الأمم التي توصف اليوم بالأمم الحية أهداف منحطة جدا، والواجب على أهل الإيمان السمو والنهوض وذلك بإخلاص النية والعمل، حتى يكونوا مع النبيين والصديقين والشهداء، ويوضع على رءوسهم إكليل سعادة الدارين وهو ما يطلق عليه إكليل الخلافة أيضا.
١٧ - وقرة عيني في الصلاة:
الحج مرة في العمر، كما أن تحديد يوم معين في السنة يكفي لأداء الزكاة، ويأتي صوم رمضان بعد أحد عشر شهرا.
ولكن الصلاة فرضت في اليوم الواحد خمس مرات، والطفل إذا بلغ سبعا يؤمر بالصلاة، ويضرب إذا تركها إن بلغ عشرا.
[ ٨١١ ]
ولا تسقط الصلاة في السفر والحضر والمرض والفقر والغنى والعبودية والحرية والحبس والرق، بل تبقى فريضة كلما كان العبد عائلا. وتفرض الصلاة قبل الأعمال الأخرى وتبقى فريضة بعدها جميعا، وأول ما يسئل عنه العبد يوم القيامة هو الصلاة.
والصلاة هي عماد الدين، وعظمة الإسلام، وعلى هذا الأساس قام بناء الإسلام، تبنى المساجد ويعلن الآذان، ويعين الخطباء والأئمة ويكرم الحفاظ ويزين المحراب من أجل الصلاة ويبدو فضل علماء الدين فوق المنابر.
والصلاة تعلم درس الاجتماع ودرس التنظيم، وتعود الناس على المحافظة على الأوقات، وتجمع مختلفي الاتجاهات في مركز واحد، وتعلم إطاعة الأمير الذي انتخبه القوم.
والصلاة تحمل العبد على تطهير الجسم واللباس والمكان، وتعلمه الاستيقاظ وقت السحر، وتحافظ على صحة الإنسان وماله ووقته بإبعاده عن الملاهي والمسارح ومواضع الفجور، وهي تورث في القلب شعورا وإحساسا يجذب قلب العبد إلى رب العالمين.
والصلاة تكرم الإنسان بالحضور في جانب رب العالمين، وتكشف سر مناجاة العبد لربه، وهي كمال العبودية وتمام الإنسانية، وهي التي تهدي إلى الأخلاق الحسنة وتنهي عن العادات السيئة، وهي المغفرة والرحمة والنور والبرهان، وبها يرسخ يقين علم رب العالمين وقدرته، وبها تقوى صلة الأخوة العالمية بين المسلمين، وبها تقطع مراتب الإحسان وتشع أنوار الرسالة المحمدية. والدين الذي لا صلاة فيه ليس دينا، وقد جاء وصف الصلاة بأنها معراج المؤمنين. ووصف العبد في حالة السجود بكونه أقرب ما يكون إلى الله.
وقد أدرك صلحاء الأمة أن النفس القلقة تجد سكينتها في الصلاة، والقلب الغارق في التفكير يجد لذة الإنابة إلى الله في الصلاة، والصلاة هي التي تؤثر في جسم الإنسان وقلبه وذهنه ونفسه وروحه وسره وعلنه، والصلاة تجعل الإنسان في حالة الخائف الراهب ملكوتي الصفات.
ومن أدلة فضل الإسلام على جميع الأديان أنه هو الدين الذي يأتي بالعبد إلى جناب الله خمس مرات، ويتيح أمامه فرصة التكلم والمناجاة مع الله دون واسطة. وإذا كانت هذه البركات لصلوات عامة المسلمين فلا شك أن صلاة النبي (ص) فاقت صلوات
[ ٨١٢ ]
العالمين نورانية وصفاء.
وهل يمكن المقارنة هنا بأي شكل من الأشكال بين عبادة العبد المذنب الذليل الخائب الخاسر وبين عبادة النبي المصطفى المجتبى وسيد الورى حبيب رب العالمين؟!.
إن الحديث المذكور يلهم المسلمين أن يجعلوا قرة أعينهم في الصلاة، كما جعلها النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم.
[ ٨١٣ ]