خصائص الإسلام
الفصل الأول
الإسلام دين التوحيد
ثبت للعالم اليوم أن مسألة التوحيد هي معيار صدق كل دين ودليل حقيته.
ونرى الآن أن الوثنيين يضطرون أثناء مناظرتهم لأن يصفوا آلهتهم بالوسائط، ويحاول أهل التثليث والثنويون إثبات التوحيد في التثليث والثنوية، وأهل ويدانت يعتزون بالقول ب «دوتياستي».
لكن الحقيقة أن الإسلام هو الدين الواحد والوحيد الذي بين التوحيد على الوجه الأكمل.
فالإسلام يعلن أن دعوة جميع الأنبياء والرسل قامت على مبدأ التوحيد وحده، قال تعالى:
﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ (الأنبياء: ٢٥). وقال:
﴿وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ (الزخرف: ٤٥). ومن تعليم الإسلام وحده:
﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا﴾ (النساء: ٣٦).
ويبين التوحيد فيقول:
﴿أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي﴾ (الشورى: ٩).
وقال عن توحيد الخلق وتوحيد القدرة:
﴿إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب (*) ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز﴾
(الحج: ٧٣، ٧٤).
[ ٨٩١ ]
وندرك بالنظر والتعمق في الآيات السابقة أنها تثبت الألوهية والربوبية والرحمة والولاية والقدرة لله تعالى وحده لا شريك له، وبذلك ينتفي الشرك الجلي والخفي.
وتوحيد الإسلام هو الذي يثبته كلام الله العزيز، ويؤكده العلم والعقل والسمع في كل موضع وخطوة.
وتوحيد الإسلام هو الذي شيدته براهين الفطرة الصحيحة والعقل السليم، وخوطب به كل قلب سليم متمتع بالحياة الروحية.
وليس توحيد الإسلام كتثليث النصرانية الذي يصفه القساوسة بأنه أعلى من الفهم والعقل، ويوجبون الإيمان به دون فهم، إذ الإسلام يقيم حجته في بداية الدعوة على كل إنسان فيقول:
﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ (الحج: ٤٦).
تضمنت هذه الآية ألفاظ القلوب والعقول والآذان والسمع والأبصار والعمى، وبذلك يثبت أن الإسلام يخاطب العقل والسمع والبصر والقلب والبصيرة، وعلى هذه البراهين يكون أساس إثبات التوحيد.
والإسلام هو الذي أفرد، لبيان التوحيد بصورة كاملة، عناوين التوحيد في العبادة، والتوحيد في الاستعانة، والتوحيد في القدرة، والتوحيد في التصرف والتوحيد في الذات، والتوحيد في الصفات ودعم كل عنوان وما ورد فيه من المسائل بآيات القرآن وأحاديث النبي (ص). فتدبروا الآيات التالية بتعمق حتى يزداد علمكم بعناوين التوحيد السابقة ويقوى الإيمان واليقين، قال تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾.
قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: وتقديم المفعول لقصد الاختصاص أي تقديم قوله إياك على نعبد ونستعين يفيد أن العبودية والاستعانة تختصان بالله تعالى (١). وقال عن التوحيد في الاستعانة في سورة يوسف:
﴿والله المستعان﴾ (آية: ١٨).
_________________
(١) الكشاف ص ٩.
[ ٨٩٢ ]
وقال في سورة الأنبياء:
﴿وربنا الرحمن المستعان﴾ (آية: ١١٢).
وورد في الحديث الشريف:
«اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (١).
وقال تعالى عن توحيد العلم على لسان الملائكة:
﴿سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾ (البقرة: ٣٢).
ويصرح عيسى ﵇ يوم الحشر أمام الخلائق بحضرة الرب تعالى:
﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام العيوب﴾ (المائدة: ١١٦).
وقال: ﴿وعنده علم الساعة﴾ (الزخرف: ٨٥). وقال: ﴿أنما أنزل بعلم الله﴾ (هود: ١٤). وقال: ﴿وعنده مفاتح الغيب﴾ (الأنعام: ٥٩).
ومن أسماء الله الحسنى اسم العليم.
وإذا نظرنا في القرآن لمعرفة اقتران اسم العليم بالأسماء الحسنى الأخرى عرفنا أنه استعمل في الصور الآتية:
عليم قدير، وعليم خبير، وعليم حكيم، وواسع عليم، وعليم حليم، والخلاق العليم، وعزيز عليم، وفتاح عليم، وسميع عليم، وشاكر عليم، وبذلك يثبت أن كمال العلم مستوجب للقدرة والخبرة والحكمة والسعة والحلم والخلق والعزة والفتح والسمع والشكر. والعلم المقرون بهذه الصفات أرفع وأعلى من علم الإنسان والملائكة مهما كان علمهما أعلى وأرفع.
واقرأوا الآيات التالية عن التوحيد في القدرة:
﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ (القمر: ٤٩).
﴿وبارك فيها وقدر فيها أقواتها﴾ (فصلت: ١٠).
_________________
(١) عون المعبود ٣٨٤/ ٤.
[ ٨٩٣ ]
﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر﴾ (المؤمنون: ١٨).
﴿والله على كل شيء قدير﴾ (البقرة: ٢٨٤).
﴿وهو على جمعهم إذا يشاء قدير﴾ (الشورى: ٢٩).
إن هذه الآيات تبين أن تكوين كل شيء تم تقديره، وإعدامه أو إيجاده مرهون بقدرته تعالى، وقدرته هي المسيطرة على بركات السماء وقوى الأرض، والمادة والروح من مخلوقاته وتحت قدرته، والنصرة والهزيمة والرقي والانحطاط وتغير الأزمان والفصول وخواص الجماد والنبات والحيوان والإنسان والملائكة وأحوالها وكوائفها تحت قدرته. وهذه هي القدرة التي لا يحيط بها قانون القدرة الذي عرفه الإنسان، ولا يمكن لتجارب الإنسان وعاداته حصرها. فالله تعالى هو الذي تفرد بهذه الصفة وتوحد بها.
وقد توسع في بيان التوحيد في الذات والصفات فقال تعالى:
﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا﴾ (طه: ١٤).
﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾ (آل عمران: ١٨).
﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم (*) نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (*) من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان﴾ (آل عمران: ٢ - ٤).
﴿هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء﴾ (آل عمران: ٦).
﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (*) غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول﴾ (غافر: ٣، ٢).
﴿وقال ربكم ادعوني استجب لكم﴾ (غافر: ٦٠).
﴿الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس﴾ (غافر: ٦١).
﴿ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو﴾ (غافر: ٦٢).
﴿الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين (*) هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين﴾ (غافر: ٦٤، ٦٥).
[ ٨٩٤ ]
﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ (الأنعام: ١٠٣).
﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (*) له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم﴾ (الشورى: ١١، ١٢). ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ (النحل: ٧٤).
﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم﴾ (البقرة: ٢٥٥).
﴿قل هو الله أحد (*) الله الصمد (*) لم يلد ولم يولد (*) ولم يكن له كفوا أحد﴾ (الإخلاص: ١ - ٤).
أيها القراء! إني جمعت هذه الآيات هنا، ولو تكلمت عن معانيها وفوائدها لاحتاج ذلك إلى كتاب ضخم.
ومن يتدبر يعرف أن التوحيد الذي يعلمه الإسلام ويقدمه القرآن أرفع وأعلى من توحيد الفلاسفة، الذي هو مجموعة الألفاظ والأشكال الفرضية مثل الجوهر والعرض والقديم والحادث والهيولى والمادة وهو التوحيد الذي لا تبقى فيه ذات الله وصفاته.
وكذلك يرتفع توحيد الإسلام عن عقيدة التجسيم التي تصف كلماتها الله تعالى شيئا مجسما. ومن عقيدة التنزيه التي تعتبر نفي الصفات تقديسا، إن الآيات القرآنية تعطي المعرفة الصحيحة، وبهذه المعرفة يضيء القلب السليم بنور اليقين، كما أن أسلوب الإسلام هذا في بيان التوحيد له ميزة خاصة.
[ ٨٩٥ ]
الفصل الثاني
الإسلام دين الروحانية
١ - إن الجوهر البارز للدين من حيث هو دين هو أن توجد فيه الروحانية، والدين الذي يخلو من الروحانية لا يستحق أن يسمى دينا، بل هو جمعية أو هيئة ولا يوجد دين من الأديان القديمة إلا وادعى الروحانية فيه، لكن إلى أي مدى تصح هذه الدعوى وبصرف وجوه النظر عن هذا هل فهم مفهوم الروحانية بطريقة صحيحة.
ومن المسلم به أن الإنسان عبارة عن روح وجسم. وحاجات الجسم تتحقق بالأشياء بالجسمانية والمادية، فالأشياء التي توصف بالترف والتنعم والرخاء والراحة والرغد والمسرة كلها جسمانية، واللذة التي تحصل باستعمالها تتصف أيضا بالمادية.
وهنا يأتي التساؤل: ما هي الأشياء التي يتحقق بها سرور الروح وفرحها؟ وبأي شكل يتحقق هذا السرور الروحي؟ والخطاب هنا لا يوجه إلى الذين ينكرون وجود الروح ويجهلون الروحانية، فإن قصدنا تقديم الإسلام إلى أديان العالم، وليس نقد آراء منكري الأديان.
ألف: لم يذكر بوذا الروحانية بألفاظ واضحة، وهو يرى أن الكمال الأعلى للإنسان وروحه يتمثل في التحرر من قيود الراحة والألم ويتضح بعد التعمق في تعليمه أن دروسه لم تجاوز بيان الأخلاق الإنسانية.
ب - إن تعليم موسى ﵇ يتضمن بيان التوحيد، ولكن بالقدر اللازم لمراتب الإيمان البدائية. ويتضمن تعليمه رد الشرك، ولكن بالقدر الذي يلزم لرد الشرك الأعظم. وبعد ذلك لا يوجد ذكر للروحانية والسبب هو هبوط فطرة أفراد الأمة وإقبالهم على الدنيا.
ج - إن زبور داود فتح باب المناجاة، وعلم العباد طريقة التضرع في جناب الله تعالى والإنابة إليه، ولكن الهدف الأكبر في هذه المناجاة أيضا هو الانتصار على الأعداء وإبادتهم وسحقهم، وتلونت جميع المناجاة بهذا اللون إلا القليل منها.
[ ٨٩٦ ]
د - وأسمع المسيح ﵇ كلمة حكومة السماء وملكوتها، وهذه الألفاظ تدل على الروحانية دون شك، وذكر حب الإنسان لخالقه بقلب بسيط، وكان ذلك درسا للروحانية المحضة، لكن للأسف لم يرزق أتباعه الذوق والوجدان والتحمل، فاضطر أن يصرح بأن «روح الحق» سوف يكمل هذا الأثر (١).
٢ - والحديث الشريف سمى تعليم الروحانية «الإحسان» وورد شرح معناه في حديث أبي هريرة عند الشيخين (٢) وحديث عمر الفاروق في صحيح مسلم (٣):
«الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
وهذا الحديث ذكر مقامين:
الأول: أن يصل الإنسان بنفسه إلى المقام الذي يكون فيه مهبط الرحمة.
والثاني: أن يحتل المقام الذي يشاهد فيه أنوار المعرفة.
وعلم بهذا الحديث أن مقصود الروحانية أن تصبح رابطة القلب ونسبة الروح مع رب العالمين، ويتحقق هذا المقصود بالعبودية لله والذي بينه الإسلام في شرح هذا المقصود وتوضيح كيفية الوصول إليه كثير جدا ولا يساوي ما ذكرته الأديان الأخرى بالنسبة له.
ولذا صح أن نقول: إن الإسلام هو دين الروحانية.
العبودية: بين الإسلام بوضوح تام العبودية، لأن بناء الروحانية يقوم على هذا الأساس.
فذكر أن مظهر العبودية هو القلب واللسان والجوارح، وإليكم بيان هذا باختصار شديد:
ألف: واجبات القلب خمس:
١ - النية، وهي الفارق بين العادة والعبادة، وبها تفاوت مراتب العبادة.
٢ - الإخلاص، ومقصده وحدة المطلوب.
_________________
(١) إنجيل يوحنا ١٦/ ١٣.
(٢) البخاري ١/ ١١٤ - الإيمان، ومسلم ١/ ٣٩ - الإيمان.
(٣) مسلم ١/ ٣٧ - الإيمان.
[ ٨٩٧ ]
٣ - الصدق، ومقصده وحدة الطلب.
٤ - الإنابة، وهي الرجوع إلى الله مع السعي والتوجه الكاملين، والتوبة هي المرحلة الأولى للإنابة.
٥ - المحبة، وبها تروى حبة القلب، وهذه الحبة تزهر وتثمر فتنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة.
ب - وواجبات اللسان خمس:
١ - الشهادة بالوحدانية والرسالة.
٢ - دوام الذكر.
٣ - التزام الدعاء، وينبغي أن يتضح أن الدعاء لقصد خاص شيء، والتزام الدعاء لأداء فريضة العبودية شيء آخر، وهذا هو المطلوب هنا.
٤ - الدعوة، وتتضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٥ - التعليم، ويدخل فيه إعلام الجهال وتثقيفهم ونشر العلوم الشرعية.
ج - ومن واجبات الجوارح:
١ - واجبات السمع، وهي الإصغاء لكلام الله وأوامر رسوله، والاستماع للنصح وكلمة الحق.
٢ - واجبات البصر، وهي مشاهدة الكون بعين العبرة والخبرة، واستخدام البصر والبصيرة.
٣ - واجبات الذوق، وهي أكل الحلال، واجتناب الحرام والمسكرات.
٤ - واجبات الأعضاء، وهي الخضوع والخشوع.
٥ - واجبات الجسم، وهي إطاعة القلب وعدم استخدام عضو ضد الضمير الطاهر.
فهذه الأقسام الخمسة عشرة تسمى في مجموعها بالعبودية.
الفناء والبقاء: ينبغي شرح الكلمتين لإيضاح مفهوم الروحانيات. والمقام الأول الذي أشار إليه الحديث بقوله «فإنه يراك» يسمى عند أهل التقوى مقام الفناء، وليس المراد بهذه الكلمة الفناء اللغوي، بل هو إزالة غير الله والوصول إلى شهود الحق بعد التغيب عن الأنانية.
[ ٨٩٨ ]
ويدخل في هذا الفناء: التوبة والتذكرة والورع والزهد والإخبات والتبتل والخوف والرجاء.
والبراهين السابقة توضح أن الإسلام يعرض أمام مشاهد الإنسان وفكره وتدبره كل ذرة من الكون لإثبات مسألة التوحيد.
وهو ينور مصابيح العلم والعقل والتجربة والمشاهدة في طريق الذوق السليم والوجدان الصحيح، ثم يذهب بسالك هذا الطريق إلى المراحل التالية: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وأتاهم تقواهم﴾ (محمد: ١٧).
﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى﴾ (مريم: ٧٦).
﴿فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا﴾ (التوبة: ١٢٤).
وبعد الوصول إلى الغاية المقصودة يبشره بالبشارة العظيمة:
﴿يا أيتها النفس المطمئنة (*) ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾ (الفجر: ٢٧، ٢٨). والشرك ضد التوحيد وقد ذكر أدلة رد الشرك على حدة:
﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ (الأنبياء: ٢٢).
﴿أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم﴾ (الأنبياء: ٢٤).
والإسلام هو الذي أخبر أن الدعوة الأولى والأخيرة لجميع الرسل هي هذه الكلمة:
﴿اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ (الأعراف: ٥٩).
وهذه هي الكلمة المقدمة التي تثبت ألوهية رب العالمين في القلوب، وهي الكلمة التي تطهر القلوب من شرك الغير.
وهذه هي الكلمة التي تمنح الإيجاب بقاء، والسلب فناء، وقد تكررت هذه الآية في سورة الأعراف أربع مرات، وفي سورة الأنعام مرتين، وفي سورة آل عمران مرتين أيضا.
وقال تعالى في بيان التوحيد:
﴿قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض﴾ (الأنعام: ١٤).
[ ٨٩٩ ]
فهل تبقى حاجة لاتخاذ غير الله وليا ونصيرا؟ وهل يعقل أن يملك أحد غيره القلوب؟ كلا، يقول تعالى: ﴿قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء﴾ (الأنعام: ١٦٤).
وقال: ﴿ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه﴾ (القصص:
٨٨).
والذين يدعون غير الله، سواء دعوا من الأنبياء عيسى وعزيرا ﵈ وغيرهما من الصالحين، أو دعوا الآلهة الخيالية أخبروا من عند الله ما يخبر بينه تعالى وبين غيره.
والنصراني الذي يؤمن بأن المسيح أخذ وصلب ودفن قامت عليه حجة الله بأنه لا يكون إلها.
والمسلمون الذين يؤمنون بأن الحسين ﵇ استشهد في كربلا جائعا عطشان وأهين جسده، قامت عليهم حجة الله تعالى بأن مثل هذا الشخص لا يكون معبودا.
و(كرشن مهاراج) الذي رأى بعينيه عاصمته تنهب وتخرب، وقد أهلك نفسه بإلقائها في الثلج حزنا على ذلك، لن يكون معبودا أبدا.
وسدهارت كوتم الذي عرف ب «بوذا» أي اليقظان، وأحرقت جثته في سهول نيبال بموضع (كسن آراء) وقسم رماده إلى ثمانية مواضع، وبنى في كل منها معبد، لن يكون معبودا مقدسا (١).
ورسو لنا محمد (ص)، الذي بقي مريضا من ٢٨ صفر سنة ١١ إلى ١٣ ربيع الأول، وتوفي عشية ذلك اليوم، ودفن في القبر في ١٤ منه بعد المغرب، والذي وصف بإمام الأنبياء وسيد المرسلين، لن يكون معبودا ومسجودا، والحاصل أن الآية المذكورة بمعانيها قد أحكمت التوحيد إحكاما.
والفناء يتضمن الرغبة وتعظيم الأوامر والنواهي والتصفية والتهذيب والاستقامة
_________________
(١) يقدم كل بوذي الزهور أمام تمثال بوذا، ويردد نشيدا في مدح بوذا، بلغة (بالي) وهو يتضمن خمس عشرة كلمة في الثناء على بوذا، منها (بهكوا) أي المعبود، و(ارهم) أي المقدس.
[ ٩٠٠ ]
والصبر والتفويض والثقة والتسليم والإخلاص والتواضع والفقر والغنى والتأسف والحزن والاغتراب والغيبة.
ويندرج تحت البقاء الحياء والرضا والشكر والصدق والإيثار والفتوح والمروءة والانبساط والأدب والأنس والذكر والعلم والحكمة والتعظيم والسكينة والطمأنينة والغيرة والشوق والذوق والشهود والسرور والتمكين والمكاشفة والحياة بالعلم والحياة بالوجود والبسط والصحو والمعرفة واليقين والصدق والتحقيق (١).
وتعريف هذه المقامات وتفصيل أحوالها، وشرح علاقتها بالنفس والقلب والروح، ونتائج هذه العلاقة، يحتاج إلى كتاب ضخم. ثم إن ماهيتها أرفع من البيان، وهي تتعلق بالأحوال.
وبهذا الإجمال يفهم القراء أن الدين الذي يحتوي على القدر المذكور من الروحانية هو الذي يستحق أن يسمى دينا روحانيا.
لقد تركت هذه المباحث الدقيقة، لأن القراء يستطيعون أن يفهموا المنزلة الخاصة التي احتلها الإسلام في بيان الروحانية.
_________________
(١) ينبغي ألا توقع ألفاظ المقامات التي ورد ذكرها تحت الفناء والبقاء في شبهة أو خطأ لأن المراد من هذه الألفاظ المعاني اللغوية فقط وهي مصطلحات علم الإحسان (التقوى والورع) التي يدرك معانيها علماء هذا العلم إدراكا جيدا، كما أن هذه الألفاظ تثبت بكتاب الله وسنة رسول الله (ص).
[ ٩٠١ ]
الفصل الثالث
الإسلام معلم الأخلاق الحميدة
قال النبي (ص): «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال» (١).
وبين الإسلام أن منبع الأخلاق الرذيلة أربعة: الجهل والظلم والشهوة والغضب.
١ - ومن تأثير الجهل أنه يبرز الشيء الحسن في صورة القبيح، والقبيح في صورة الحسن، ويقدم الكمال في صورة النقص، والنقص في صورة الكمال. وقد حكى القرآن قول يوسف ﵇:
﴿أصب إليهن وأكن من الجاهلين﴾ (يوسف: ٣٣).
٢ - ومن تأثير الظلم وضع الشيء في غير محله. وذلك أن يوضع السخط موضع الرضا، والبخل موضع الجود، والبذل موضع البخل، والشدة موضع اللين، واللين موضع الشدة، والكبر موضع التواضع، والتواضع موضع الوقار.
أي الإساءة في استخدام الحقوق، وبالتالي دعوى الاستحقاق على هذه الإساءة.
قال تعالى في القرآن: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ (لقمان: ١٣).
أي غصب حقوق الله ووضعها لغيره ظلم عظيم.
٣ - ومن تأثير الشهرة أنها تمنى الحرص والبخل وضيق القلب، والتهجم على حقوق الغير، وتذهب الوقار وعفة النفس.
وقد ورد في الحديث: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه» (٢).
_________________
(١) مسند أحمد ٢/ ٣٨١.
(٢) الترمذي ٤/ ٤٣٣ - الوصايا.
[ ٩٠٢ ]
وقال تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ (الإسراء: ٣٢).
٤ - ومن تأثير الغضب أنه يورث الكبر والحقد والحسد والبغي والسفه. قال رجل للنبي (ص): عظني، قال (ص): «لا تغضب» ثلاثا (١). وقد بين الإسلام أن منبع الأخلاق الحميدة أربعة:
الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل.
١ - ومن نتائج الصبر تحمل المصائب وكظم الغيظ والكف عن الأذى والحلم والتواضع ورباطة الجأش وعدم التحامل.
وقد ورد ذكر الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعا، وأمر بالصبر في ستة عشر موضعا. وقال الإمام أحمد بن حنبل: الصبر نصف الإيمان، والشكر نصفه الآخر (٢).
٢ - ومن نتائج العفة اجتناب الرذائل والقباح، والطهارة في القول والعمل. ومن العفة ينشأ الحياء، وهو يؤثر في كل خلق حسن، والعفة تقضي على الكذب والبخل والفجور.
٣ - ومن نتائج الشجاعة احترام النفس وطلب مكارم الأخلاق وإعانة الآخرين بالمال والنفس والابتعاد عن الطيش والغضب وإعطاء العقل زمام النفس. ورد في الحديث الشريف:
«ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (٣).
٤ - ومن نتائج العدل اعتدال الأخلاق والاقتصاد في الأمور بالابتعاد عن الإفراط والتفريط.
ويقرر العدل أن الجود والسخاء ما كان بين البخل والإسراف، ويقرر العدل أن الحياء ما كان بين الذل والاستهتار، ويقرر العدل أن الشجاعة ما كان بين الجبن والتهور، ويقرر العدل أن الحلم ما كان بين الكبر والهوان، والتصريحات السابقة تبين مدى مساهمة
_________________
(١) البخاري ٥١٩/ ١٠ - الأدب.
(٢) مدارج السالكين ٢/ ١٥٢.
(٣) البخاري ٥١٨/ ١٠ - الأدب، ومسلم في البر والصلة ٢٠١٤/ ٤.
[ ٩٠٣ ]
الإسلام في شرح مفهوم الأخلاق الحميدة وقد جاء في القرآن:
﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) (الأعراف: ١٩٩). وأخرج مسلم عن النواس بن سمعان أنه (ص) قال: «البر حسن الخلق» (١). وفي الصحيحين: «خياركم أحاسنكم أخلاقا» (٢).
وأخرج الترمذي وأبو داود عن أبي الدرداء أن النبي (ص) قال:
«ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وأن الله ليبغض الفاحش البذيء» (٣).
وأخرج الترمذي عن جابر أن رسول الله (ص) قال:
«إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون» (٤).
وورد في رواية الترمذي: «إن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة» (٥).
ويثبت بهذه الأحاديث أن اكتمال الإيمان والقرب من الرسول (ص) ورضا المولى يتوقف على الخلق الحسن، وينبغي أن نذكر في معرض الحديث عن الخلق الحسن أنه يتعلق بذات الإنسان نفسه وبأبناء جنسه وبرب العالمين أيضا، فتعلقه بذاته أن يرى نفسه ناقصا ويعتقد أن عمله أيضا ناقص، وينتج عن ذلك دوام السعي والاستمرار في تحسين الخلق، وتعلقه بأبناء جنسه يجعله يتحمل أذى الآخرين ولا يسعى لإيذائهم، وتعلقه برب العالمين يجعله يرى معاملته مع رب العالمين مستوجبة للشكر، ولا ينطق بقلبه ولسانه غير كلمة الأدب والشكر تجاه أحكام الله وأفعاله.
_________________
(١) مسلم في البر والصلة ٤/ ١٩٨٠.
(٢) البخاري ١٠/ ٤٥٦ - الأدب، ومسلم ٤/ ١٨١٠ - الفضائل.
(٣) سنن الترمذي ٤/ ٣٦٢ - البر والصلة.
(٤) سنن الترمذي ٤/ ٣٧٠ - البر والصلة.
(٥) أيضا.
[ ٩٠٤ ]
هذه هي الأخلاق الحسنة التي أتمها الإسلام قولا وعملا، وإليكم مزيدا من التفصيل:
* يوجب الإسلام نصيب الفقراء والمساكين في مال الزكاة، ويقرر أن يصرف إليهم ثمن هذا الدخل.
* ومن خمس الغنيمة يصرف الخمس إلى المساكين واليتامى وجوبا. * وكذلك يصرف خمس الفيئ إلى المساكين واليتامى.
* ويعطى أبناء السبيل أيضا من هذه الأبواب الثلاثة، وبهذا النظام يصير عالم الإسلام كله بيتا للمسافر.
* والدولة الإسلامية مسئولة عن الغارمين وديونهم.
* وخصص ثمن الزكاة لتحرير العبيد، وفي نفس الصيغة أوجب التبرع.
فإن وجدت ديانة تصدر أوامر بتخصيص جزء معين من ميزانيتها لصالح الفقراء والمساكين واليتامى والأيامى والعبيد والغارمين، فليخبر بها العالم من يعرفها.
والإسلام يؤكد الالتزام بالعهود، ويمهل لمدة أربعة أشهر بعد نقض المعاهدة من الجانب الآخر إذا اقتضى الأمر البلاغ الأخير، والإسلام لا يدعو إلى الخلق الحسن رياء وتظاهرا، بل إنه يلزم به القلب والفكر مثل الجوارح، تدبروا الأحكام التالية:
﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا﴾ (الأعراف: ٣٣).
والحكم الثاني:
﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾ (النحل: ٩٠).
والحكم الثالث:
﴿وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامي والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم﴾ (النساء: ٣٦). وروى البخاري أن النبي (ص) قال:
[ ٩٠٥ ]
«والله لا يؤمن» (ثلاثا) قيل من يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه» (١).
وفي مسلم: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» (٢).
وفي الصحيحين: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» (٣). وأخرج البخاري عن سهل بن سعد أن النبي (ص) قال:
«أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا» (٤).
وأخرج أبو داود عن علي أن من آخر كلام النبي (ص):
«الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم» (٥).
وقال الله تعالى: ﴿ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور (*) واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت
الحمير﴾ (لقمان: ١٩، ١٨).
ومن توجيه الإسلام الخلقي نحو الأمة والوطن:
١ - ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ (الحجرات: ٩).
٢ - ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب﴾ (الحجرات: ١١).
٣ - ﴿اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا﴾ (الحجرات: ١٢).
ونحو أتباع الأديان الأخرى:
١ - ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾ (الممتحنة: ٨).
_________________
(١) البخاري ١٠/ ٤٣٣ - الأدب.
(٢) مسلم ١/ ٦٨ - الإيمان.
(٣) البخاري ١٠/ ٤٣٧ - الأدب، ومسلم ٤/ ٢٢٨٦ - الزهد.
(٤) البخاري ٩/ ٤٣٩ - الطلاق.
(٥) أبو داود ١٤/ ٦٤ رقم ٥١٣٤.
[ ٩٠٦ ]
٢ - ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ (النساء: ٥٨).
وهناك عشرات الأحكام مثل ذلك، وهذه الأخلاق تمسك بها المسلمون في القرون الوسطى، وبلغوها غيرهم من الناس بالعلم والعمل.
أما تاريخ الأديان الأخرى غير الإسلام فهو بلا شك معلوم لدى أهل النظر.
[ ٩٠٧ ]
الفصل الرابع
حل الإسلام مشكلة العدل والرحمة
النصرانية المعاصرة قائمة على أصلين:
١ - أن آدم أخطأ، وتلوث بنوه جميعا بذلك الخطأ.
٢ - وشاءت رحمة الله أن يطهر الناس من الذنوب، ولكن قضت عدالة الله أن يتحمل الإنسان عقاب ذنوبه.
وحل الله تعالى هذه المشكلة فأرسل ابنه إلى الدنيا فصار ملعونا ودخل جهنم وتحمل الألم والعقاب فصار كفارة للعصاة، وهكذا تم مقتضى العدل، فغفر الله الرحيم عندها للعصاة عصيانهم.
وقد صحح الإسلام الأصلين:
الف: فقال عن خطأ آدم إنه تم العفو عنه بالتوبة وتطهر آدم من الذنب، ولذا لا يصح تحميل بني آدم الذنب:
١ - ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم﴾ (البقرة: ٣٧).
٢ - ﴿ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ (طه: ١٢٢).
ب - وبين الإسلام فيما يتعلق بالعدل والرحمة أن معاقبة البرئ بدل المذنب ظلم، ولذا لا يصح دخول المسيح الطاهر جهنم ملعونا.
وعلى هذا يتنافى أمر عقاب البرئ بغية الرحمة بالعصاة.
١ - يعفى عن التقصير في حقوق الله بالتوبة، والله تعالى يكتب الرحمة على نفسه في حقوقه ويعامل بالرأفة والشفقة.
٢ - أما حقوق العباد فإن الله تعالى يعامل فيها بالعدل، وتقريرا لهذا المبدأ قال النبي (ص): «يغفر كل ذنب للشهيد إلا الدين».
[ ٩٠٨ ]
وينبغي أن نتذكر أن تقسيم الحقوق على هذا الأساس ووضع كل قسم تحت نظام العدل والرحمة هو القرار الذي تفرد الإسلام بإصداره، أما النصرانية المعاصرة والتائهون في وادي التناسخ فإنهم قد عقدوا هذه المسألة تعقيدا.
ومن خصائص الإسلام أنه أقام العدل بعيدا عن الإفراط والتفريط.
[ ٩٠٩ ]
الفصل الخامس
الإسلام هو حامي العلم والعلماء
شرح فضيلة العلم وذكر أدلة شرفه في العصر الحاضر تحصيل حاصل، لأن جميع الأمم والدول في العالم في هذا العصر اعترفت نظريا وعمليا بأن العلم لا تساويه صفة إنسانية أخرى، لكن حينما بدأ الإسلام في الحجاز والجزيرة العربية كان العالم كله غافلا عن سر فضيلة العلم بل جهل العالم الكتابة والقراءة، وكان أهله يفتخرون بهذه الحالة، وكذلك اليهود والنصارى كانوا بعيدين عن الدراسة، والتعليم الذي وجد لدى الأساقفة لم يتجاوز تعلم حروف الإنجيل ولم يدخل فيه الترجمة والتفسير. وبجانب هذا حلت الأساطير محل العلم الحقيقي وكتبت عند اليهود في صورة الرواية ثم اكتسبت منزلة الوحي.
وكانت الهند تحت سيطرة (شري مد بهاكوت) والبرانات الثمانية عشر، وفي حالة أرقى كانت ملحمة (مها بهارت، ورامائن) منتهي العلم، وهكذا كانت حال الصين وإيران، أما أوربا فكانت مسكن الجهل، وجاء الإسلام فحمى العلم وصار مأمن العلماء وملجأهم.
٢ - إن كتب الهنادك واليهود مليئة بتقديس الآلهة والملائكة، والإنسان أمامهم دائما يوضع في صورة العابد والناسك، لكن الإسلام أخبر بأن أبا البشر مسجود الملائكة والآلهة أيضا، وسبب ذلك هو تفوقه عليهم في صفة العلم. والتوضيح الذي ورد في سورة البقرة يهدف إلى إبراز فضل العلم نفسه.
وانظروا الآن في تفسير الآية ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ (المائدة: ٤)، إن الكلب الذي كان نجس العين اكتسب منزلة الجارحة الإنسانية في الاصطياد بعد التعلم، ويكون صيده في حكم صيد الإنسان.
وبالتدقيق في المثالين، ونعلم أن الإسلام جعل كلب الصيد مساويا لجارحة الإنسان بالتعليم، وجعل الإنسان مسجود الملائكة بفضل العلم، وهذا يوضح لنا مدى إبراز الإسلام لفضيلة العلم.
[ ٩١٠ ]
قال الله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ (المجادلة: ١١).
فالعلم هنا ذكر مع الإيمان في علو المنزلة، وجاء في بداية الوحي القرآني:
﴿إقرأ وربك الأكرم (*) الذي علم بالقلم (*) علم الإنسان ما لم يعلم﴾ (العلق: ٣ - ٥).
تدبروا كيف حث الإسلام بأسلوب رزين على العلم، وبين كون القلم ذريعة لنشر العلوم وكون الإنسان قابلا للتعليم وتلقيه العلوم الناشئة المتجددة، وكيف تم ترغيب الإنسان في التزود بالعلوم بعد استخدام وسائل القراءة والتحرير.
والقرآن الكريم بين لنا صفة أدعية بعض الأنبياء فذكر أن نوحا ﵇ دعا فقال: ﴿رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات﴾ (نوح: ٢٨).
وإبراهيم ﵇ دعا فقال:
﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ (إبراهيم: ٣٥).
ودعا سليمان ﵇ ربه:
﴿رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ (ص: ٣٥).
ودعا زكريا ﵇:
﴿رب هب لي من لدنك ذرية طيبة﴾ (آل عمران: ٣٨).
ولكن نبينا محمدا (ص)، الذي هو خلاصة الكون وسيده، دعا الله تعالى دعاء مزيدا جامعا فقال (ص): ﴿رب زدني علما﴾ (طه: ١١٤).
وبذلك يتبين أن درجة العلم أعلى من جملة النعم، والنبي (ص) لقب في القرآن بخاتم النبيين ورحمة للعالمين. وبجانب ذلك وصف الله رسوله فقال: ﴿ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ (البقرة: ١٥١). والآيتان تدلان بوضوح على فضل العلم.
فلا شك أن الإسلام علم العلوم عامة، وهو الذي بلغ بصدر رحب علوم السابقين
[ ٩١١ ]
الأولين والأنصار والمهاجرين لمن دخل في الإسلام من الناس والبلاد، تدبروا الأمثلة التالية:
إن الإمام أبا عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة صاحب الصحيح الذي يحتل المنزلة الأولى بين الكتب الستة، كان من سكان بخارا، والمغيرة هو أول من دخل في الإسلام من أجداده، والإمام الهمام أبو حنيفة نعمان بن ثابت من أهل فارس، وكان جده قد دخل في الإسلام، ولم يكن سيبويه وأبو علي والزجاج وهم أئمة اللغة والنحو من العرب، ولم يكن إمام اللغة إسماعيل بن محمد الجوهري والأستاذ مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي من سكان الجزيرة العربية، وكان أبو الفرج الذي زادت شهرة مؤلفاته بالعربية من سكان مالطة. وولد ابن خلدون مؤسس فلسفة التاريخ والعمران في تونس - والمؤرخ الشهير برهان الدين من الموصل. وولد المقريزي في بعلبك. والإمام مسلم صاحب الصحيح، والإمام أبو داود صاحب السنن وإن كانا من أصل عربي ولكنهما لم يسكنا الجزيرة العربية.
ويتضح بهذه النظائر أن الإسلام بتعهده للعلم وعنايته به قد فتح من البداية أبواب العلم على جميع الأمم، فافتتحت مدارس العلم من وسط الهند إلى آخر السودان، ومن بلاد خراسان إلى حدود المغرب في خير القرون.
وقد عبر الله تعالى عما تحقق من الشرف والكرامة للأنبياء ﵈ على جملة الخلائق عبر عنه بالعلم، فقال تعالى: ﴿يا أبت إني قد جاءني من العلم﴾ (مريم: ٤٣)، وقال تعالى: ﴿ولقد آتينا داود وسليمان علما﴾ (النمل: ١٥). وقال: ﴿وإنه لذو علم لما علمناه﴾ (يوسف: ٦٨). والناس يستشهدون على ثبوت التأكيد لطلب العلم بالمقولة المشهورة: «اطلبوا العلم ولو في الصين» وهذه الألفاظ لم تثبت عن النبي (ص) بالسند الصحيح، ولكن القرآن الكريم أورد واقعة موسى ﵇، الذي كان من الرسل أولي العزم، وصاحب كتاب، ووصل لتعلم بعض المسائل إلى الخضر ﵇، وأبدى رغبته بقوله: ﴿على أن تعلمن مما علمت رشدا﴾ (الكهف: ٦٦).
والله تعالى قدم العلماء أيضا لإثبات دلائل التوحيد، كما أنه أكد هذا الأمر بشهادته وشهادة الملائكة، قال تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم
[ ٩١٢ ]
قائما بالقسط﴾ (آل عمران: ١٨).
وذكر الله تعالى شهادة علماء أهل الكتاب لإثبات النبوة المحمدية أيضا:
١ - ﴿أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماؤا بني إسرائيل﴾ (الشعراء: ١٩٧).
٢ - ﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ (الرعد: ٤٣).
فكما أن أدلة الإسلام مبنية على العلم، فكذلك طولب أتباع الأديان الأخرى بأن يبرهنوا على دعاويهم بالعلم، قال تعالى:
١ - ﴿قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا﴾ (الأنعام: ١٤٨).
٢ - ﴿نبئوني بعلم إن كنتم صادقين﴾ (الأنعام: ١٤٣).
وقد شنع الإسلام على أهل الزيغ بأنهم يتقولون دون علم:
١ - ﴿فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾ (آل عمران: ٦٦).
٢ - ﴿ولا تفف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ (الإسراء: ٣٦).
وتمسكا بهذه الآيات والأحكام أنجز المسلمون عبر القرون ما شهد به أهل أوربا كلها. وحينما قامت الدولة العباسية في بغداد، والدولة الأموية في الأندلس والدولة الفاطمية في مصر، جرى بينها التنافس في سبيل العلم وحماية العلماء، فكانت كل دولة تسعى أن تتفوق في نشر العلم والعناية به. وقد وجد مرصد في سمرقند مقابل مرصد الأندلس، وقد نشرت بغداد العلوم والفنون في الهند والصين وتتارستان، وكذلك نشرتها الأندلس في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وأثرت هذه البلاد بالعلم.
وكان الفلاسفة من اليهود والنصارى والهنادكة والمصريين وأهل الصين واليونان في بلاط ملوك الإسلام محترمين ومكرمين، مثل أهل الحجاز وحضرموت واليمن وأبناء المهاجرين والأنصار، وكانت العلوم الرياضية والفلسفة والهيئة منتشرة مثل العلوم النقلية والأدب والنحو، كانت المدارس في بلاد الشرق والغرب وافريقيا متاحة لعامة الشعب، وكانت في كل مدرسة مكتبة وسكن للطلاب. وكانت في بغداد المدرسة النظامية التي أنشأها الوزير نظام الملك، وكانت توفر الطعام لنحو ٦٠٠٠ طالب، وتقاس عليها
المدارس الأخرى.
[ ٩١٣ ]
والطريقة التي قدم بها الإسلام العلم إلى الخلائق كانت مجهولة لدى الأمم الماضية.
فالإسلام يقسم العلوم إلى قسمين:
ألف - الجلي، ويحصل بثلاث وسائل:
١ - البصر، فتحصل به العلوم التي تتعلق بالمعاينة والاكتشاف.
٢ - والسمع، وتحصل به العلوم التي تنبني على الاستفاضة.
٣ - والقلب، وتحصل به العلوم التي هي مجموعة التجارب الإنسانية.
ب - الخفي، ويحصل أيضا بثلاث وسائل:
١ - الإيمان، ويمنح اليقين في الجزء المجهول.
٢ - الفراسة الصادقة، وهي تطلع على سر الأمور الخفية بعد الحواس العشر.
٣ - المعرفة، وتبدأ بنهاية الماديات.
وقد ذكر الإسلام علما آخر أيضا، وهو وهبي وليس كسبيا، ويقال له العلم اللدني، وهو خاص بالأنبياء ﵈.
ويتلقى طالب هذا العلم درسه برحمة المبديء الفياض الخاصة، ويكون علمه سلطانا على العلوم والبراهين الأخرى، وتكتمل في ظل هذا العلم: العبودية والمتابعة والصدق ونتيجة هذا الكمال هي نفي الادعاء، وصاحب هذا العلم إذا أنجز عملا اعترف بقوله «ما فعلته عن أمري». وإنه يتكلم في جملة العلوم بالنطق الميمون، ويوضع على رأسه تاج: ﴿وما ينطق عن الهوى (*) إن هو إلا وحي يوحى﴾ (النجم: ٤٤٣).
والمولعون بالمادة لم يطلعوا إلى الآن على حقيقة المادة، ولا على سبب حركتها، ولكن صاحب العلم المذكور يكشف عن حقيقة الروح، ويصرح بقوله: ﴿الروح من أمر ربي﴾ (الإسراء: ٨٥). وإنه ليطلع على حقائق عالم الأمر فوق عالم الخلق، وينور عين البصيرة بتعليم تلك الحقائق، وينزل غير المحسوس في مكان المعلوم.
وبالنظر في هذا المبحث كله يتضح أن الإسلام هو دين العلم، وهو حامي العلم.
تذييل: وموضوع كون الإسلام حامي العلماء يكتمل بالنظائر التي توضح مواقف
[ ٩١٤ ]
الحكام المسلمين الذين عرفت منزلتهم من الناحية الدينية أيضا من العلماء. هؤلاء أكرموا العلماء غير المسلمين أيضا.
كان الخليفة العباسي المنصور عالما كبيرا بالقرآن والسنة. عين في بلاطه جرجيس بن بختيشوع طبيبا خاصا له وعين من بعده الحسن بن شهلا ثار (وهما نصرانيان)، واحتل نوبخت وأبو سهل (وهما مجوسيان) منزلة عالية.
وكان يتوفل اللينائي (وهو صابئ) من كبار الضباط في بلاط المهدي. واحتل بختيشوع وجبريل (وهما نصرانيان) منصبا عاليا في بلاط هارون الرشيد، وكان يوحنا بن ماسويه مدير قسم السريانية، وشغل البطريق يوحنا وسهل بن سابور (وهما نصرانيان) مناصب عالية في بلاط المأمون، وكان سلموية بن بنان النصراني طبيبا خاصا للمعتصم، وكانت لحنين بن إسحاق النصراني منزلة خاصة في بلاط المتوكل، وكان يوزن له الذهب الخالص مقابل الأوراق التي يترجمها من اللغات الأخرى. غير راتبه الذي يتقاضاه شهريا عن عمله بالإضافة إلى الجوائز الملكية أيضا.
وكان في بلاط الراضي بالله طيفور النصراني والأسقف متى بن يونس النسطوري، وفي بلاط المعتضد كان إبراهيم وسنان ابني ثابت بن مرة وأبي الحسن حفيد ثابت من الموثوق بهم، وكان الناس يحسدون قسط البعلبكي ويحيى بن عدي بن حميد (وهما نصرانيان) على منزلتهما في بلاط الخلافة، وهكذا تطول هذه القائمة كلما بحثنا. وينبغي أن نفكر هل تحققت مثل هذه المنزلة لعالم مسلم تحت رعاية حكومة نصرانية أو حكومة غير مسلمة أخرى؟
بالعكس من ذلك نجد أمثلة كثيرة تبين اتجاها مضادا، فقد أخرج اليهود من الأندلس في ٢٠ مارس عام ١٤٥٢ م بجريمة أنهم درسوا كتب الفيلسوف المسلم ابن رشد. وفي فبراير عام ١٥٠٣ م تم نفي المسلمين من اشبيلية ونواحيها لنشرهم العلوم بين الناس.
وقد يظن أحد أن إجلاء اليهود والمسلمين يمكن أن يكون نتيجة للتعصب الديني والقومي، دون العداء للعلم والمعرفة. ولذا نعرض أمثلة أخرى تدل على أن نفس المعاملة السيئة واجهها علماء النصارى حينما نشروا العلوم العقلية أو اخترعوا علوما جديدة.
حبس البروفيسور برونو حينما بين مسألة وحدة الوجود، وأحرق حيا في عام ١٦٠٠ م بعد حبس طويل، وسفكت دماء كثيرة في أوربا حول مسألة كروية الأرض،
[ ٩١٥ ]
وصرح الأستاذ غليلو بانتظام حركة النجوم فأدى ذلك إلى هلاكه، وأتت السيدة ماري مونتا إلي أوربا عام ١٧٢١م من القسطنطينية بعد أن تعلمت التطعيم ضد الجدري، فتقدمت الكنيسة بطلب إلى ملك انجلترا تطلب منع المعالجة بالتطعيم بالمرسوم الملكي، واكتشفت في أمريكا طريقة تخدير المرأة عند الولادة لتخفيف الألم عنها، ولكن الأساقفة رأوا فيها مخالفة الأمر الرباني الذي يقضي بأن تتألم المرأة في حالة الوضع، فقامت ضجة كبيرة ضد الطريقة المذكورة.
وصرح (البلاج) بأن الموت كان يطرأ على الحيوان قبل آدم أيضا فقتل أثر هذا التصريح، وأمر بقتل كل من رأى رأيه، وبين (دي رومانس) أن قوس قزح ليس قوس الله الحربي، بل إنه ينشأ لوقوع أشعة الشمس على قطرات الماء، فحبس أثر هذا التصريح وقتل ثم أحرقت جثته مع مؤلفاته، وتم إحراق مكتبة الاسكندرية في عهد قيصر يوليوس (٤٨ ق. م.)، بحجة أنها احتوت على الكتب التي تعارض الدين. وأحرق ما بقي من كتبها عن طريق يتوفيل مأمور الاسكندرية، وأحرق كردينال اكسيمس ثمانية آلاف مخطوطة من تراث المسلمين في مكتبة غرناطة، وبهذه الوقائع والتصريحات يتضح جليا أن الإسلام هو حامي العلم والعلماء، وهذه الصفة من خصائصه العليا ..
[ ٩١٦ ]
الفصل السادس
الإسلام دين العمل
ذكرنا في الفصل السابق أن الإسلام دين العلم، ولكن العلم إذا تجرد من العمل فلا فرق بين وجوده، من عدمه، ولذلك قال النبي: «اللهم إني أسألك علما نافعا وعملا متقبلا».
ولما رأى بعض الناس أن الإسلام يدعو إلى التوكل ظنوا أنه ضد العمل. ووقع في هذا الخطأ البعيدون عن الإسلام والقريبون منه أيضا على حد سواء، والسبب الأساسي الأول لهذا الخطأ يرجع إلى عدم فهم معنى التوكل، ولما كان العصر الحاضر عصر الجد والسعي، كره الناس الجمود والكسل، وحينما ظنوا أن الإسلام يدعو إلى مثل هذا الجمود وعدم الشعور بالمسئولية أسرعوا إلى القول بأن الإسلام لا يمكن أن يكون دينا إلهيا. ولكن الحقيقة أن الإسلام لم يفهم على وجهه الصحيح، ولم تدرس سيرة النبي (ص) وأتباعه بطريقة سليمة.
لقد تأثر المسلمون بالأمم المجاورة ورأوا النساك والرهبان والأساقفة، فحسبوا أن الوصول إلى أعلى منزلة من الزهد لا يمكن أن يكون إلا بترك الأفعال والأعمال، ولكن هذا هو فهمهم ونظرتهم، أما الإسلام فإنه يعلم الناس ما يأتي:
١ - ﴿لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون﴾ (التوبة: ٨٨).
٢ - ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (*) وأن سعيه سوف يرى﴾ (النجم: ٣٩، ٤٠).
٣ - ﴿فلا كفران لسعيه﴾ (الأنبياء: ٩٤).
٤ - ﴿ولكل درجات مما عملوا﴾ (الأنعام: ١٣٢).
والعمل على قسمين: عمل للدنيا، وعمل للآخرة. والإسلام رغب في كل منهما. قال تعالى: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ (البقرة: ٢٠١).
[ ٩١٧ ]
وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال:
«احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز» (١).
وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص أنه مرض فعاده النبي (ص) فقال له سعد:
إني أريد أن أتصدق فبين له النبي (ص) هذا الأصل: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» (٢).
ومع هذا الحديث ينبغي أن ننظر إلى أحكام التوريث في القرآن الكريم حتى نعرف كيف حدد الله تعالى الحصص لتقسيم إرث الميت.
أصول الإرث والمواريث: إن الحصص في أصول الإرث من النسب والنكاح والولاء وفي الفرائض ستة وهي: النصف والربع والثمن والثلثان والسدس.
فالمستحق للنصف خمسة: الزوج من تركة الزوجة إن لم يكن لها ولد، والبنت من الملب إذا كانت وحيدة، أو بنت الابن والأخت الواحدة من الأب والأم، أو الأخت الواحدة من الأب، إذالم يكن ابن من الأب والأم.
والربع يستحقه اثنان: الزوج مع ولد الزوجة، والزوجة بعدم الولد.
والثمن تتحقه الزوجة مع الولد.
ويستحق الثلثين أربعة: الزوجتان فأكثر، أو بنات الابن، والأخوات من الأب والأم، أو الأخت من الأب.
ويستحق الثلث ثلاثة: الأم إذا لم يكن للميت ولد وأخوة وأخوات، أولاد الأم، اثنان فأكثر، ويستوي فيه الذكر والأنثى والجد مع إخوة الميت إذا لم يكن هناك صاحب فريضة آخر.
والسدس يستحقه سبعة: الأب إذا كان للميت ولد، والأم إذا كان للميت ولد أو ولد الولد أو أخ وأخت، والجد مع ولد الميت ومع الأخوات إذا كان هناك صاحب فرض، والجدة أو الجدات، وأولاد الأم، وبنات الابن مع البنت من الصلب، والعمات مع الأخت الحقيقية.
_________________
(١) مسلم ٢٠٥٣ - القدر.
(٢) البخاري ٣٦٣/ ٥ - الوصايا، ومسلم ٣/ ١٢٥٠ - الوصايا.
[ ٩١٨ ]
انظروا إلى هذا التقسيم الإجمالي الخاص بعلم الفرائض، ثم تفكروا في موقف الإسلام من المال، وفي الأحكام المفصلة التي شرعها الله تعالى في الإرث، فإن لم يكن بذل الجهد لكسب المال وترك المال للورثة خيرا، فكيف شرعت هذه الأحكام من الله تعالى؟
وبعد تقسيم السهام المذكورة أوجب القرآن الوصية أي إذا كان في المال وفرة، يقول تعالى:
﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين﴾ (البقرة: ١٨٠).
وهناك أمر آخر يخص حفظ المال، يقول تعالى:
﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾ (النساء: ٥).
وأحكام البيع والشراء والتجارة التي وردت في القرآن والسنة تدل أيضا على أن الإسلام دين العمل.
ويعلم جميع كتاب السيرة أن المهاجرين الأولين من أهل مكة كانوا جميعا أهل تجارة، والأنصار الأولون أهل زراعة، ولذلك جاءت آيات الثواب والجهاد في القرآن الكريم في صورة التمثيل بالتجارة والزراعة، ولا يخفى على العاقل احتياجها إلى العمل والجهد.
ولقياس ثروة التجار من الصحابة ينبغي النظر فيما يلي:
الف - كان عبد الرحمن بن عوف من العشرة المبشرة، أنفق في سبيل الله في عهد النبي (ص) المبالغ الآتية:
١ - في المرة الأولى أربعة آلاف درهم، وكانت ربع ماله حينذاك.
٢ - وفي المرة الثانية أربعين ألف درهم.
٣ - وفي المرة الثالثة أربعين ألف دينار.
٤ - وفي المرة الرابعة خمسمائة فرس.
٥ - وفي المرة الخامسة خمسمائة ناقة.
٦ - وبعد النبي (ص) أعطى أمهات المؤمنين بستانا بيع بأربعمائة ألف.
[ ٩١٩ ]
٧ - وأوصى عند موته بخمسين ألف دينار في سبيل الله.
٨ - وكذلك أوصى بتقديم أربعمائة دينار لكل صحابي بدري، وكان عددهم حينذاك مائة.
٩ - وأعطى كذلك ألف فرس في سبيل الله.
١٠ - ولدى تنفيذ الوصية وجدت كمية كبيرة من الذهب الخالص تعبت أيدي الناس في قطعه.
١١ - وبعد الذهب كان عدد الإبل ألفا والفرس مائة والشاة ثلاثة آلاف.
١٢ - وكانت له أربع زوجات رضيت كل منهن بثمانين ألف درهم (١).
ب - كان الزبير ابن عمة النبي (ص) قد أوصى في ماله بأن يقضى منه دينه أولا، ثم يتصدق بالثلث، ثم يقسم على الورثة.
وبلغ الدين مليونا وأربعمائة ألف، وكانت النقود عنده قليلة، والأراضي الزراعية والسكنية كثيرة، كان له أحد عشر بيتا في المدينة، وبيتان في البصرة، وبيت في مصر، وقطعة أرض تم شراؤها بأكثر من سبعة ملايين، فلما تم بيع جميع ذلك حصل مبلغ خمسين مليونا ومائتي ألف، فقضى الدين ونفذت الوصية ونودي أربع سنوات في موسم الحج بأن من له دين على الزبير فليأخذه، ثم قسم ماله. وكان من جوده أنه استعمل ألف خادم في التجارة، وكان ينفق ربحه الشهري في سبيل الله (٢).
وليس قصدي بيان مثل هذه النظائر بالاستيعاب، بل المطلوب هو بيان كيف حبب تعليم الإسلام إلى السابقين الأولين العمل للدنيا والآخرة.
فهل تثبت إزاء ذلك ميزة للبوذية التي شجعت التسول؟ أو لتعليم الفيد الذي أوجب على الإنسان في الربع الأخير من عمره الترهب؟ أو يوجد تعليل لدى النصرانية لتعليمها الذي يقول أن ولوج الجمل في سم الخياط أسهل من دخول الغني في ملكوت السماوات.
_________________
(١) ابن سعد ١٢٤/ ٣ وبعدها، أسد الغابة ٤٨٠/ ٣ وبعدها.
(٢) ابن سعد ٣/ ١٠٨، والاستيعاب ٥١٤/ ٢، وسير أعلام النبلاء ١/ ٦٥، وتهذيب الأسماء ١٩٦/ ١.
[ ٩٢٠ ]
والذين رباهم تعليم الإسلام على خير وجه ووردت صفاتهم بهذه الكلمات:
﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ (النور: ٣٧).
وهذه الصفة برزت في الإسلام وحده، وقد عبر أحدهم عن هذا المعنى بقوله:
اليد في العمل والقلب في ذكر الحبيب، والاهتمام بالعمل إلى الآن من ناحية الاقتصاد والتمدن، والعناية التي أولاها الإسلام الأعمال الصالحة من ناحية التقرب والتدين أمر لم يسبق له نظير، تدبروا الآيات التالية:
١ - ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ (المائدة: ٤٨).
٢ - ﴿واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (*) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا﴾ (الإنسان: ٢٥، ٢٦).
٣ - ﴿واسجد واقترب﴾ (العلق: ١٩).
٤ - ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا﴾ (الأحزاب: ٤١).
٥ - ﴿واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا﴾ (المزمل: ٨).
إن النظر في الكون، وتنوير القلب والعين بصنع الله، وتدبر خصائص البر والبحر وتصريف الأرض والسماء، كل ذلك جزء من العبادة في الإسلام، ومن قام بهذه العبادة نال الدرجة الرفيعة عند الله، يقول تعالى:
﴿إن في خلق السوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون﴾ (البقرة: ١٦٤).
وثبت بهذه الأحكام أن الإسلام دين العمل، إنه يأمر أهله بالعمل لصالح الدنيا وبالعمل لصالح الآخرة. وهذه الأحكام وشمولها من خصائص الإسلام.
[ ٩٢١ ]
الفصل السابع
الإسلام مؤسس الأخوة
من الأخوة ما يكون بين شخصين برابطة الدم، ولسنا في حاجة إلى توضيحها في هذا المقام، ويعترف في هذه الأخوة بحق الأخ من ناحية القانون والعرف والأخلاق، ويكون الأخ مجبولا على عون أخيه منذ طفولته ومع هذا لا يكون نطاق هذه الأخوة جد واسع، إذ توجد في التاريخ أمثلة كثيرة لمعاداة أخ لأخيه بحيث لا تصفو العلاقة بينهما طول العمر. أوردت التوراة كما أورد القرآن الكريم قصة قابيل وهابيل التي تبين أن قتل النفس الإنسانية بدأ بين أخوين.
وهناك أخوة أخرى تقوم على وحدة العقيدة، وهذا هو ما نقصده هنا في هذا الفصل.
إن الأخوة التي تحققت بين المسلمين بفضل النبي (ص) أعلى وأرفع، ومن العبث أن نبحث لها عن نظير في تاريخ العالم، فإن السماء والأرض عجزتا عن الإتيان بنظيرها، وتحقق العمل بالمؤاخاة في مكة والمدينة كليهما. وكان الهدف منها في مكة إيجاد الرابطة بين الصحابة، والنصرة على الحق، والمواساة، بينما كان الهدف منها في المدينة إيجاد الوحدة بين الأصحاب المكيين والأصحاب المدنيين. وكان أساسها توسيع دائرة الحب ودعم أواصر المودة.
مؤاخاة مكة
محمد رسول الله (ص) علي بن أبي طالب
أبو بكر الصديقعمر الفاروق
حمزة بن عبد المطلبالزبير بن الحارثة
الزبير بن العوامعبد الله بن مسعود
عثمان بن عفانعبد الرحمن بن عوف
[ ٩٢٢ ]
مؤاخاة المدينة
بعد الهجرة بخمسة أو ستة شهور، في تلك الأيام كان المسجد النبوي في طور البناء، تم عقد المؤاخاة بين مهاجر وأنصاري لتقوية القلب وشد العضد، وانعقدت المؤاخاة أولا بين خمسين زوجا من الرجال في المسجد النبوي.
ثم انعقدت بعدها في دار أنس، إذ يقول أنس: حالف بين المهاجرين والأنصار في دارنا مرتين أو ثلاثة.
وفي رواية ابن اسحاق أن النبي (ص) قال: «تآخوا في الله أخوين أخوين» ويبدو أن النموذج الذي أقامه النبي (ص) عمل به الصحابة بعده باستمرار إلى أن تم فتح مكة المكرمة وزالت الوحشة من بين القادمين من مكة مهاجرين، وفيما يلي قائمة مؤاخاة المدينة:
المهاجرونالأنصار
١ - أبوبكر الصديق خليفة رسول الله (ص) خارجة بن زهير
٢ - عمر الفاروق أمير المؤمنينعتبان بن مالك
٣ - عثمان بن عفان، أمير المؤمنينأوس بن ثابت الأنصاري
٤ - علي بن أبي طالب، أمير المؤمنينسلمان الفارسي ورسوله الله (ص).
٥ - عبد الرحن بن عوفسعد بن الربيع
٦ - أبو عبيدة عامر بن الجراحسعد بن معاذ
٧ - طلحة بن عبد الله القرشي، أحد العشرة المبشرةكعب بن مالك الأنصاري الخزرجي، شاعر النبي (ص).
٨ - سعد بن زيد بن عمروأبي بن كعب الأنصاري
٩ - الزبير بن العوامسلمة بن سلامة
١٠ - زيد بن حارثةأسيد بن حضير
[ ٩٢٣ ]
أثر المؤاخاة
١١ - بلالأبو رويحة الخثعمي
١٢ - جعفر بن أبي طالب، نزيل الحبشةمعاذ بن جبل
١٣ - عمار بن ياسرحذيفة بن اليمان
١٤ - مصعب بن عميرأبو أيوب الأنصاري
١٥ - أبو الدرداءسلمان الفارسي
١٦ - عبيدة بن الحارث بن المطلبعمير بن حمام بن جموع
١٧ - زيد بن خطابمعن بن عدي العجلاني
١٨ - وهب بن سعد بن أبي سرح القرشيسويد بن عمرو الأنصاري
١٩ - أبو مرثد الغنويعبادة بن الصامت الأنصاري
٢٠ - ذو الشمالين عمير بن عبد عمير الزهرييزيد بن حارث بن قيس
٢١ - عثمان بن مظعونعباس بن عبادة الخزاعي ذو العقبتين
٢٢ - طليب بن عمير بن وهب القرشيمنذر بن عمرو بن خنيس الساعدي
٢٣ - أبو حذيفة بن عتبةعباد بن بشير.
٢٤ - معاوية بن أبي سفيانالحتات بن يزيد (١) ﵃.
أثر المؤاخاة: كان كل أنصاري يذهب بأخيه في الدين إلى بيته، ويعرض أمواله وأمتعته وأراضيه الزراعية والسكنية، ثم يقسمها قسمين، له ولأخيه.
فذهب سعد بن الربيع بعبد الرحمن بن عوف إلى بيته، وكانت له زوجتان فقال لعبد الرحمن اختر إحداهما حتى أطلقها فتتزوجها (٢).
_________________
(١) ابن هشام ٢/ ١٥٠.
(٢) ابن سعد ٣/ ١٢٤ وبعدها.
[ ٩٢٤ ]
وإن مات منهم أحد الأخوين ورثه الآخر في ماله، ولما بنى المهاجرون بيوتهم
وكسبوا المال بالتجارة واستغنوا عن معونة الأنصار انتهى التوارث بين المهاجرين والأنصار.
ذكر المؤاخاة في القرآن: والقرآن الكريم أورد ذكر هذه المؤاخاة في عدة مواضع، قال تعالى: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون﴾ (آل عمران: ١٠٣).
وقد أشار القرآن بقوله «كنتم أعداء» إلى جميع الحروب التي يذكرها الصحابة جيدا، والتي شاركوا فيها هم أو أقاربهم وأحباؤهم وأبناؤهم. وهذه الحروب هي التي كانت تروى أرضا غير ذي زرع بالدماء.
١ - المخاصمة بين بني هاشم وبني أمية في مكة نفسها.
٢ - والخصومة بين قريش ومضر.
٣ - وقريش وحرب الفجار.
٤ - والقتال بين كنانة وبني قيس.
٥ - العداء بين عبد مناف وحلفائها من بني زهرة وبني أسد وبني تميم وبني الحارث وبين بني عبد الدار وحلفائها من بني سهم وبني جمح وبني مخزوم وبني عدي.
٦ - العداء بين ملوك كندة وملوك غسان وملوك الحيرة في الجزيرة، ثم سيطرة فارس على جزء من الجزيرة، وسيطرة الروم على الأخرى، وسيطرة الأحباش على الثالثة، ثم الحرب والتزامات الدائرة بين هذه الدول فيما بينها وتأثير هذه الحرب والنزاعات على القبائل العربية من ناحية خضوعها لهذه القوى تأثيرا مضادا.
٧ - الحروب بين الأوس والخزرج في يثرب.
٨ - مؤامرة يهود بني النضير وبني قيتقاع وبني قضاعة وخيبر وفدك وتيماء، لإشغال القبائل العربية بالحروب المستمرة.
٩ - دسائس نصارى دومة الجندل ونجران والبحرين.
١٠ - حروب القبائل الوثنية انتصارا لآلهتها.
[ ٩٢٥ ]
١١ - خطط الزنادقة والدهريين وتلونهم.
١٢ - الخلاف الشديد بين فرق النصارى الثلاث من الكاثوليكية واليعقوبية والبولوسية، والإضرار بالعرب فى نشر هذا الخلاف وتوسيعه. فهذه هي الأمور التي تدخل ضمن قوله تعالى: ﴿كنتم أعداء﴾.
ثم انتهاء هذه الخلافات والمنازعات، وانعدام الحروب، وذهاب الحقد وروح الانتقام، واستقرار الأمن والسلام، وتوحد أهل الجزيرة واتفاقهم على كلمة واحدة واتجاه واحد وعقيدة واحدة وهدف واحد وإله واحد، وتحول الظالمين إلى أهل عدل محافظين على الأموال والأنفس، وتحول الأعداء الألداء إلى أخوة متحابين بالإيمان، كل ذلك من النعم التي ذكرها الله تعالى في القرآن ومن بها على عباده، وهي أيضا دليل على شرف الإسلام وفضله.
وقد أثنى الله تعالى على طرفي هذه المؤاخاة فقال عن المهاجرين:
﴿الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون﴾ (الحشر: ٨).
دلت هذه الآية على كون المهاجرين مظلومين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، وثباتهم مع ذلك ثم ابتغاءهم فضل ربهم، واستمرارهم في نصر الله ورسوله مع تجردهم من جميع وسائل العيش. ثم بينت الآية على سبيل الحصر أن هؤلاء هم الصادقون. وفي موضع آخر أمر الله تعالى العالمين جميعا بقوله:
﴿وكونوا مع الصادقين﴾ (التوبة: ١١٩).
وقد تم تحديد الصادقين والتعريف بهم في الآية السابقة.
وقال عن الأنصار في نفس الموضع:
﴿والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه
فأولئك هم المفلحون﴾ (الحشر: ٩).
ذكرت الآية السابقة قيام دار الهجرة وعراقة الإيمان وحب المهاجرين، ووصفت الأنصار بالاستغناء عن القلة والكثرة في العطية وبالإيثار في الشدة والعسر. والآيتان
[ ٩٢٦ ]
جديرتان بالرجوع إليهما ثانية وإعادة النظر في محتوى كل منهما:
الف - من إيثار المهاجرين أنهم تركوا الوطن والأهل في سبيل الله ورسوله.
ومن فضائل الأنصار أنهم سبقوا إلى الإيمان قبل الهجرة، وذلك بعد بيعة العقبة.
ب - ومن فضائل المهاجرين أنهم ابتغوا رضوان الله.
ومن فضائل الأنصار أنهم أحبوا المهاجرين وأخلصوا في حبهم هذا على نصرة الله ورسوله وأخلصوا وصدقوا في ذلك.
ومن فضائل الأنصار أنهم آثروا في العسر واستحقوا الفلاح.
وهذه هي الأخوة الإسلامية التي أنشأها الإسلام ونماها وقواها.
وهذا هو الحب الإيماني الذي لم يؤسس على النفع المالي ولا على لذة النفس فهو حب بعيد عن الأغراض وأسمى من الماديات.
وينبغي أن ننظر هنا إلى غزوة أحد حتى نرى زوجة سيد العالمين وأم المؤمنين عائشة تحمل قربة الماء على كتفها وتسقي الغزاة، وتقطر الماء في أفواه الجرحى (١) فهل رأينا مثل
هذا العمل من زوجة ملك في الدنيا؟
استمعوا إلى هذا الصحابي يقول حذيفة العدوي إنه خرج من ميدان اليرموك يبحث عن أخيه الجريح، وكان قد حمل معه الماء فوصل إلى أخيه وبينما هو يسقيه الماء سمع صوت جريح آخر فإذا بأخيه يشير إليه ليسقي هذا الجريح أولا فوصل إليه فوجد أنه هشام ابن العاص ﵁ فبدأ يسقيه الماء لكنه سمع صوت جريح ثالث. فقال له هشام اسقيه أولا، فلما وصل إليه وجده فارق الحياة فعاد إلى هشام فوجده قد انتقل إلى الرفيق الأعلى فرجع إلى أخيه فوجده قد فارق الحياة أيضا.
إننا لن نرى هذا الإيثار إلا في الإسلام، حيث يقدم الإنسان أخاه على نفسه في ساحة الحرب وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.
ولم تنحصر مثل هذه الوقائع في العهد النبوي، بل وجدت في عصور أخرى أيضا، فقد ذكر أن الزهراء جارية خليفة الأندلس، وهي التي سمى باسمها قصر الزهراء،
_________________
(١) البخاري (٧٨/ ٦ - الجهاد).
[ ٩٢٧ ]
قد أوصت عند موتها بأن تخصص تركتها لتحرير المسلمين الذين وقعوا أسرى في أيدي غيرهم، وتم البحث عن الأسرى المسلمين لتطبيق الوصية في أوربا وافريقيا وآسيا، ولكنهم لم يظفروا بأسير واحد، وهنا تم إنفاق مال الجارية في بناء القصر المذكور. وقدرت تكاليف بنائه في تلك الأيام بمبلغ ٤٥٠ مليونا (١).
ويقال إن أتباع الماسونية ينادي أحدهم الآخر في مقرها بكلمة «الأخ». ولكن المقارنة بين أخوتهم وأخوه الإسلام تبين الفرق بينهما وتوضح أن الأخوة الحقة من خصائص الإسلام.
_________________
(١) نفح الطيب (٥٢٣/ ١).
[ ٩٢٨ ]
الفصل الثامن
الإسلام رفع مكانة الإنسان
ينبغي أن ننظر هنا في العقائد التي اعتقدها الناس قبل الإسلام لدى مؤسسي الديانات الكبرى في العالم.
كان اليهود يعتقدون في أن كلا من يعقوب وداود وعزير ﵈ أبناء الله أو أن الواحد منهم هو ابنه الأول، واعتقد النصارى في أن عيسى ﵇ ابن الله المحبوب والقادر المطلق وثالث أقانيم الألوهية واعتقد الهنادك في ٣٣ إلها (١). وهي تسمى «أوتار» على معنى أن الله «يرميشور» بنفسه قد تقمص الجسم المادي وظهر في صورة مادية، وجاء في «مها بهارت» عن «كرشن مهاراج» أنه بذاته خالق العالم وأهله، واعتقد المجوس أن زرادشت كان من عالم الملكوت، واعتقد البوذيون أن بوذا هو الذات المقدسة، وادعى أتباع «سناتن دهرم» من الهنادكة أن الباندو الخمسة كانوا أبناء الكواكب النورية وادعى التتار أن أبناء السيدة آلنقوا كانوا أبناء النور، ويبدو أن هؤلاء رأوا وجوب التمادي في مدح وتكريم أجدادهم وأسلافهم.
ولكن الحقيقة أن العقيدة المذكورة تجعل مكانة الإنسانية أقل وأحط من أن يوجد فيها أمثال يعقوب وداود وعيسى كرشن ورام جندر وزرادشت وبوذا، بل هذه المنزلة العالية التي أوجدوها إنما هي لأشخاص ليسوا بشرا في الحقيقة.
وعلى المنصف من أتباع الديانات المذكورة أن يفكر كيف أهانوا الإنسانية وحطوا من
_________________
(١) ركويد آدي بهاشيا بهومكا (ص ٤٤). أولها أنش، وقد تجلى تسع مرات، ويتجلى مرة كذلك في صورة الإنسان، وثانيها متشه، ويتجلى في صورة السمك، ظهر ببلاد الدكن، وبعد ظهوره جاء فيضان عظيم فبقيت الأرض تحت الماء نحو مليون وسبعمائة وثماني وعشرين ألف سنة، وثالثها: الإله كتش، وعلى ظهره أرسى جبل هندو وانفجر البحر. وقد استخرجت منه أشياء نادرة بلغ عددها أربعة عشر وهي في شكل عروس وفي شكل جوهرة نادرة، وفي شكل زهرة لا يأتي عليها خريف وفي شكل شراب وفي شكل طبيب وفي شكل قمر وفي شكل فيل أبيض له أربعة قرون وفي شكل ماء الحياة وفي شكل امرأة حسناء .. الخ.
[ ٩٢٩ ]
شأنها. ولما كانت البشرية لن تنفك عنهم في الحقيقة، فإن العقيدة المذكورة أساءت إلى مكانتهم، فالإسلام هو الذي رفع مكانة الإنسانية، وأثبت البشرية لعباد الله المختارين فرفع مكانتهم من الناحية الروحية إن الإسلام يفند بقوة الزعم القائل بأن الإنسان لن يصل إلى منزلة الهداية والإرشاد إلا إذا حلت الألوهية في جسمه البشري، ونشأ عن فساد هذا الأصل الخاطئ أن اختار كل ظالم جبار في العالم لنفسه المنزلة التي أثبتها أتباع الديانات الكبرى لمؤسسيها، فقال فرعون مخاطبا رعيته: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ (النازعات: ٢٤)، وقال لأهل بلاطه: ﴿يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري﴾ (القصص: ٣٨)، ولما بين له موسى كليم الله توحيد الله وتقديسه وأوضح له أن رب العالين هو الذي يملك السماء والأرض وما بينهما، لم يؤمن بذلك، ولما بين له أن رب العالمين هو الذي خلق آباءكم الأولين، لم يذهب جنونه، ولما بين له أن رب العالمين هو الذي خلق الكون كله من الشرق والغرب، لم يستقم عقله. ولذا قال بعد الاستماع إلى جميع الأدلة المذكورة: ﴿لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين﴾ (الشعراء: ٢٩).
وهكذا ادعى جبار أحمق أمام إبراهيم ﵇ أنه يملك الموت والحياة، وكان يزعم أن صلب البرئ يعني القدرة على الموت، والعفو عن مستحق القتل يعني الحياة، ومنشأ هذا الخطأ كله هو الجهل الإنساني.
والإسلام يهدي إلى الحفاظ على علو الألوهية، وإلى رفع منزلة الإنسانية إلى وضعها السليم، ولذا صرح القرآن الكريم بأن جميع المتبوعين والمقدمين بشر وعباد قد خلقهم الله تعالى.
﴿وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إلهيم﴾ (الأنبياء: ٧).
﴿وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين﴾ (الأنبياء: ٨).
﴿بل عباد مكرمون (*) لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون﴾ (الأنبياء: ٢٦ - ٢٧).
فقد صرح إثباتا لبشريتهم أنهم لم يستثنوا من الأكل والشرب، وولدوا في وقت محدد، ثم ارتحلوا إذا جاء أجلهم، ودل على فضلهم بأنهم كانوا أهل وحي ورسالة، ولهم درجة ومنزلة، عند الله تعالى.
وقد بين معاملتهم مع الله فألسنتهم وجوارحهم كانت خاضعة لأمر الله وتوجيهه، فلم يكونوا ينطقون بحرف دون إذنه، ولا يتأخرون في امتثال أمره.
[ ٩٣٠ ]
وقد ذكرت هذه الآيات القوة العلمية والعملية أيضا، وأظهرت مراتبهم الروحية.
وهذه هي الأمور التي تدل على رفعة هؤلاء المقدسين وتفوقهم على غيرهم مع كونهم
بشرا.
وقد دل التوضيح المذكور على علو مكانة البشرية، لأنها هي التي استحقت الرسالة وخطاب الله وكلامه، وعليها نزل العلم الإلهي فصارت منبعا له، وهي التي نجحت في اختبار تكميل الأعمال وتطبيقها.
وإبراز هذا الأمر من خصائص الإسلام دون شك، والإنسانية مدينة له بذلك.
[ ٩٣١ ]
الفصل التاسع
الإسلام دين التسامح
وجهت إلى الإسلام تهم كاذبة كثيرة للتشهير به من قبل أعدائه، ومنها أمور وجدت في الطاعنين أنفسهم، ولكنهم مكروا وكادوا فنسبوا إلى الإسلام أعمالهم المخزية، ثم حملوا الإسلام مسئولية أعمال الجهلة من المسلمين قائلين بأنها من نتاج تعاليم الإسلام.
الف - من معاني التعصب أن يعطى أحد فوق حقه وينقص من حق الآخر.
ب - ومنها فرض قيود غير مشروعة على الناس في سبيل الحرية الفكرية والحرية الدينية.
ج - ومنها حرمان الأديان الأخرى حق البقاء تأييدا لدين.
د - ومنها أن يزعم الإنسان أن أتباع دينه هم المستحقون لبركات دينه وأنواره، والآخرون مبعدون عنها.
ونحمد الله تعالى على أن تعليم الإسلام بعيد عن هذه النقائص، وقد ذم القرآن الكريم والرسول (ص) أقسام التعصب هذه، وطهرا ذيل الإسلام من هذه النقيصة إلى الأبد.
ويتأكد نفي أقسام التعصب الأربعة بما يأتي من آيات القرآن ومعاملة المسلمين:
١ - ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ (المائدة: ١).
٢ - ﴿ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا﴾ (المائدة: ٢).
٣ - ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ (المائدة: ٢).
٤ - ﴿وقد آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير﴾ (الشورى: ١٥).
٥ - ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على
[ ٩٣٢ ]
ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ (المائدة: ٨).
٦ - ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بضعنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ (آل عمران: ٦٤).
٧ - ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾ (البقرة: ٢٥٦).
هذه هي بعض آيات القرآن، فهل يستطيع أحد أن يقدم من كتاب مقدس آخر مثل هذه التوجيهات؟ إن نماذج التسامح وصور الحياد التي برزت في عصر النبوة وخلفائه الراشدين والملوك العظام، لا تزال موجودة في الكتب الإسلامية.
والحلف الذي عقده النبي (ص) مع اليهود بعد الوصول إلى المدينة جدير بالنظر والتفكير، مع ملاحظة أن اليهود لم يروا إحسانا قط من حكومة بابل الوثنية، ولا رحمة من حكومة مصر، ولا رعاية أمة المسيح الذي نشأ في نسل يهوداه.
ومعاهدة النبي (ص) مع النصارى تستحق أيضا التفكير، وقد ذكرناها في البداية من هذا الكتاب، وهي دليل قوي واضح على حياد الإسلام ورسوله (ص) وعلى التسامح، ومن أدلة التسامح والحياد موقف أهل السلطة في عهد بني أمية وبني العباس والأندلسيين والفاطميين من الأمم الأخرى التي تمتعت بكافة الحقوق والحريات، وكذلك تمتع اليهود والنصارى في تلك العصور بالمناصب المهمة دون تفريق.
ثم انظروا إلى الهند، كانت كلمة «آريا» تطلق على الأمم العالية على أنها أعلى نسبا من غيرها، ولكن المساحة التي خصصت في كتاب «ستيارته بر كاش» ل «آريه ورت» (١) لم تدخل فيها منطقة مدراس والبنغال والولايات الواقعة في الشمال الغربي، وكذلك خرجت منها معظم مناطق ولاية بيهار. وقد حرم هذا التصنيف ملايين الناس لقب «الأمة الكريمة» أو «الآريا» ومن كرم المسلمين أنهم اعتبروا نهر اندو (اتك) حدا طبيعيا، ولقبوا من يسكن وراءه ب «هندو» وقد انضوى تحت هذا اللقب جميع الأمم التي سكنت هذه المنطقة، وهكذا تحقق بينهم الاجتماع، ولم تكن هناك حاجة إلى تسمية أحد باسم وضيع.
_________________
(١) ستيار ته بر كاش (٣٥٦)، معنى آرياورت: العالم الذي كان يحكمه قوم آريا من الهنادكة.
[ ٩٣٣ ]
ولما تم تعامل المسلمين مع سكان هذه البلاد لقبوهم ب «لاله» ومعناه الأخ الكبير، ولا تزال هذه الكلمة تستعمل في نفس المعنى في ولاية سرحد «الثغور» وهناك قرية ومحطة سكة الحديد تسميان «لاله موسى» وهو اسم وجيه مسلم في هذه المنطقة.
لقد اتهم أورنكزيب بالتعصب، ولكن قائمة أسماء رجال بلاطه الهنادكة تضم عددا أكثر مما تضم قائمة أسماء رجال بلاط أكبر الذي اتفق الناس على تسامحه وحياده، ولم يضم أورنكزيب ولاية (راجبوتانه) الهندوكية إلى مملكته، حينما فتح أربع ولايات مسلمة في منطقة الدكن وضمها إلى مملكته، وكذلك لم يتدخل في عادة حرق الزوجة نفسها مع جثة زوجها، وعادة الزواج في سن مبكرة، ولم يزل عدد السكان الهنادكة حول عاصمتي آكره ودهلى أكثر من عدد السكان المسلمين.
وانظروا إلى الألقاب التي منحت للحكام (راجا) الهنادكة، أنها ألقاب عظيمة، وقد خصصت لهم أيضا قطعة أرض مع كل لقب، وينبغي من ناحية أخرى أن ننظر إلى معاملة الهنادكة للمسلمين أيضا، فقد اعتبروا المسلمين دائما منبوذين، ولكن المسلمين لم يعتبروا أحدا منبوذا، وتركوا التجارة للهنادكة، وأقطعوا الأراضي للمعابد الوثنية والملاجئ، وأنشأوا المساكن للفقراء والبائسين، وأنهم آثروا أرض الهند فجعلوها ملاذ حياتهم ومماتهم على موطنهم الأصلي واختاروا لغة هذه البلاد وفضلوها على لغتهم الأم وجعلوها لغة البلاط والقصور.
فهل يسع معترضا أن يقدم بقوله وفعله نماذج للتسامح وعدم التعصب أكثر وأقوى مما ذكرنا؟
إن التجارة الخارجية كانت بأيدي العرب وأهل الصين، ولما تقدمت الأمم الأوربية إلى الهند رحب بهم ووضعت الضريبة الجمركية عن بضائعهم، ولذا صرح علماء السياسة المعاصرة بأن تسامح المسلمين وعدم تعصبهم هو الذي أدى إلى انتهاء سيطرتهم وزوال ملكهم.
وقد يتحمل مسلم سمح هذا الاعتراض، ولكنه لا يسلم بأن الإسلام يدعو إلى التعصب.
ولعل أحدا يقرأ هذه السطور فيشير إلى غزوات الإسلام وسراياه وإلى حروب العرب ويجعلها علامة للتعصب الديني. ولكن الحقيقة أن مثل هذا الزعم مبني على جهل
[ ٩٣٤ ]
التاريخ وعلل الوقائع.
وقد استوفينا مبحث الغزوات والسرايا في الوسط من هذا الكتاب، وأوضحنا أن غزوات النبي (ص) كانت من الأمة والأسرة التي كان ينتمي إليها النبي (ص) والسابقون الأولون من المسلمين. وقد بالغت أمة النبي (ص) في عداء الإسلام ومحاربته، فوقعت الحروب، ومثل هذا الجدال العائلي لا يمكن أن يكون دليلا على التعصب الديني.
وأود هنا أن أصرح بأن حروب الإسلام لم تكن لنشر تعاليم الإسلام ولا لإكراه الأديان الأخرى، وقد ذكر القرآن الكريم علة الحروب الإسلامية فقال:
﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾ (الحج: ٤٠).
وصوامع جميع صومعة وهي في اللغة المبنى الذي يكون مدببا في أعلاه، وكانت خلوات رهبان النصارى على هذه الصورة، وكذلك كانت معابد الهنادكة التي يطلق عليها اسم (مندر) وبيع جمع بيعة وهي كنيسة النصارى، وصلوات معربة صلوة بالعبرية، أي معابد اليهود، والمساجد هي معابد المسلمين المؤمنين.
والآية المذكورة تدل على أن المسلمين أذن لهم بالقتال لتأمين حريات الأديان جميعا، وليقضوا على الفساد، حتى لا تهدم معابد النصارى واليهود والمجوس ومساجد المسلمين.
وطالب التاريخ المبتدئ يعلم أن الفرس حين سيطروا على آسيا الصغرى في عهد برويز هدموا كنائس النصارى، وبعد عشر سنوات تحقق الانتصار للنصارى فأفنوا معابد المجوس (١). وصوامع اليهود كلها هدمت على أيدي الملوك الروم ظلما وتعصبا، حتى إن أرض أورشليم التي هدم بناءها ملك الروم يزدن عام ٨٠ م، قد جعلت مزبلة بأمر من والدة الملك قسطنطين أول ملك نصراني. أما مساجد المسلمين فلم تكن في أمن من هؤلاء لأنهم كانوا جميعا مجوس ونصارى يحملون العداء الشديد للمسلمين.
أقام الله تعالى المسلمين، وحملهم مسؤولية الحفاظ على معابد العالم فأدوا هذه المسؤولية على أحسن طريق، والآية المذكورة تضمنت تنبؤا أيضا، وهو أن حروب
_________________
(١) ابن خلدون ٢٢٣/ ٣، تفسير ابن كثير ٥/ ٣٤١ وما بعد.
[ ٩٣٥ ]
المسلمين حينما تكون للمبادئ المذكورة يتحقق لهم النصر من الله تعالى، فينتصرون على كل أمة تهدم معابد دين آخر، ومن تأثير هذا الكلام الرباني وإعجازه أن الجيش الإسلامي لم ينهزم في موقعة واحدة في زمن أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، بل تحقق له الانتصار في كل حرب، وصدق قول الله تعالى: ﴿وإن جندنا لهم الغالبون﴾ (الصافات: ١٧٣).
وقد أثبتت هذه الانتصارات أن حروب المسلمين وقعت تحقيقا لمبدأ الحفاظ على معابد أديان العالم واحترامها.
فهل يبقى بعد ذلك اعتراض على الحروب الإسلامية؟ وأقول إن من عزيمة المسلمين أنهم تحملوا الحروب وضحوا بأنفسهم غفي سبيل الحفاظ على معابد غيرهم، فهل هناك أمة تستطيع الدلالة على تسامحها بهذه الطريقة؟
اسألوا التاريخ كيف حافظ أعيان النصرانية وملوك الكنيسة في الشام وفلسطين والعراق ومصر قبل الفتح الإسلامي، على أرواح الناس وأموالهم، بل على أرواح أفراد الفرق الأخرى من النصرانية وأموالهم؟.
إن القضايا التي دار حولها سفك الدماء في فرق النصارى على مدى القرون كانت كالتالي:
١ - هل كان المسيح صاحب جسم واحد وروح واحدة.
٢ - هل كان المسيح صاحب جسم واحد وروحين؟
٣ - فإن كان صاحب جسم واحد وروح واحدة، فهل كانت هذه الروح إنسانية أم إلهية؟
٤ - فإن كانت فيه روح إنسانية فمتى بدأت ألوهيته وكيف؟
٥ - وإن كان المسيح صاحب جسم واحد وروحين (إنسانية وإلهية) فأي الروحين كانت غالبة؟
٦ - هل كان هناك تغالب بين الروح الإنسانية والروح الإلهية حينا أو آخر؟
٧ - وصلب المسي هل وقع مع الروح الإلهية أو بدونها؟
٨ - وإن لم تكن معه الروح الإلهية وقت الصلب فكيف تحملت الروح الإنسانية ذنوب المذنبين؟
[ ٩٣٦ ]
٩ - وإن كانت معه الروح الإلهية هل وقع صلب الألوهية أيضا؟ والحاصل أن مثل هذا التعنت والتقعر لوث تعليم المسيح الصافي والصادق وعقده غاية التعقيد، فظهرت بدع جديدة وفرق عديدة زعمت أن رضا المسيح إنما هو في قتل أتباع الغرق الأخرى.
وانتشار الإسلام هو الذي أوقف هذه المأساة الدموية على جزء كبير من الدنيا فقد كانت إيران تحت حكم مبادئ المزدكية، ولم يكن هناك للمرأة حق في الحياة إلا إذا جعلت نفسها شيئا مشاعا للأمة، ولما حاولت بوران دخت وإيران دخت وكانت في الحكم إلغاء العمل بالمبادئ المذكورة وصلت كل منهما من عرش الحكم إلى مقصلة الموت. والحكم الإسلامي هو الذي حافظ على أرواح الناس وأموالهم، وتسامح الإسلام هو الذي وهبهم الحياة.
وقد أورد كتاب «ستيارته يركاش» الأفعال والترانيم الفاحشة الماجنة ل «كوشائين وبيراكي وجيرانكت آجاري، وويشنوآوك، ووام ماركى، وفرق مارك» ووجود مثل هذه الفرق بين الهنادكة كان سببا للقتال والشجار.
والأمم الهندوسية التي دخلت في الهند جعلت سكانها المفتوحين منبوذين، ولا يزال الأمر على ذلك إلى الآن، والأعمال التي قام بها أتباع البوذية والجينية في إبادة أجيال الهنادكة والأعمال التي قام بها أتباع ديانة «شنكر أجارج» لإخراج البوذيين من الهند، هي كلها قصة دموية للتعصب. ومن جراء هذا التعصب والعناد لم ينجح ملك هندوكي في حكم جميع الهند، بل ظلت كل حكومة صغيرة فيها في عراك لع حكومة صغيرة أخرى.
ومن تسامح الإسلام أنه علم جميع الفرق والحكومات البقاء في حدودها، ونفس هذا التوجيه تلقته بريطانيا وبه تمكنت من ذلك في انجلترا وويلز وأيرلندا واسكتلنده، مع أن سكانها كانوا من فرقتي البروتستانت والكاثوليك.
وخلاصة البحث أن الإسلام لم يقر التعصب أبدا بل دعا دائما للتسامح.
[ ٩٣٧ ]
الفصل العاشر
الإسلام دين المحبة
تدبروا كيف يعلم الإسلام معرفة الله؟
١ - الله رب العالمين، أي أنه يراعي ويربي كل شيء توجد فيه صلاحية للنمو ويقبل النماء ويتحرك بمحرك، ويقيم كيانه ويحافظ على خواصه، ويميزه بماهيته وكيفيته، ويوفر له حاجياته، هذا الرب في الإسلام هو الله.
٢ - هو الرحمن، وهذا اللفظ من ناحية اللغة لفظ مبالغة من الرحمة، ومعناه كامل الرحمة.
ومن نتائح هذه الرحمة استمرار الوحي ونزول بركات السماء وانعكاس أنوار المعرفة. وبأمره تقوم السماء والأرض وما بينهما من الخلاء والفضاء ومن منح الرحمن بقاء الطيور والدواب. والرحمن هو الذي يمنح كل عاجز قوة، ويهدي كل ضال، والاستعانة به توصلنا إلى رحمته؛ ورحمته تتصرف وتقدر على كل ما هو موجود من الثرى إلى الثريا.
٣ - هو الرحيم، والرحيم لغويا صفة من الرحم، وصيغ هذا الوزن تتضمن من ناحية معانيها الدوام والاستمرار. وعلى هذا تدل كلمة «الرحيم» على أن الرحم من صفات الله الكاملة اللازمة الدائمة، وقد ورد في حديث الترمذي أن امرأة سألت النبي (ص): أليس الله أرحم بعباده من الأم بولدها؟ قال (ص): «بلى هو كذلك».
وورد في حديث: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (١).
وقال الرسول (ص): «لا يرحم من لا يرحم» (٢).
ولكونه تعالى رحيما جعل ذوي الأرحام (أي الأقرباء من ناحية الأم) ورثة في مال الميت وبرحمته أظهر هذا الحكم على لسان نبيه.
_________________
(١) سنن الترمذي ٤/ ٣٢٤ - البر والصلة.
(٢) البخاري (٤٢٦/ ١ - الأدب، والترمذي ٣١٨/ ٤.
[ ٩٣٨ ]
والرحم من الرحمن، فمن لا يصل رحمه مع الأقارب يقطع صلته مع الرحمن.
٤ - هو الجبار، والجبار في الأسماء الحسنى لا يدل على المعنى الذي تفهمه عامة الناس من الظلم والقهر، بل إن معناه جبر القلوب المنكسرة وكسر آلام البائسين والمتفجعين.
٥ - هو القهار، وليس القهر هنا في معنى الغيظ والغضب، بل في معنى الحكم، كما قال تعالى: ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ (الأنعام: ٦١).
٦ - هو البر، أي محسن ومنعم.
٧ - هو المجيب، أي يقبل دعاء عباده.
٨ - هو الرقيب، أي يحفظ عباده.
٩ - هو التواب، أي يقبل توبة العصاة ويفرحهم بالألقاب الجديدة.
١٠ - هو الوهاب، أي يعطي النعم دون إحصاء.
١١ - هو المقيت، أي يعطي الرزق.
١٢ - هو النور، فمنه ضوء وضياء السماء والأرض والشمس والقمر، وهو الذي منح العيون البصر، وبنوره تنور قلب المؤمن.
١٣ - هو الفتاح، أي يفرج مصائب الإنسان ويحل مشكلاته.
١٤ - هو الرءوف، أي يحب العبد ويؤلف قلبه.
١٥ - هو الحي، أي يحي ويهب الحياة.
١٦ - هو القيوم، أي دائم يهب البقاء.
١٧ - هو العفو، أي يعفو مرة بعد أخرى ويحب العفو.
١٨ - هو الولي، أي محب.
١٩ - هو الهادي، أي يوصل السالكين إلى الغاية.
٢٠ - هو المغني، أي يمنح الغنى ويحفظ العباد من الافتقار إلى الغير.
٢١ - هو المعطي، أي يمنح ويعطي بغير حساب.
[ ٩٣٩ ]
٢٢ - هو الكريم، أي غني عن العوض بعد العطية.
٢٣ - هو الرزاق، أي يعطي من في البر والبحر ما يحتاج إليه لبقاء الجسم والروح ويعطي الغذاء المناسب لكل من يتنفس تحت الثرى.
٢٤ - هو الغفور، أي يستر الذنوب والخطايا ويمحوها.
وقد بلغت الأسماء الحسنى في الإسلام ٩٩ اسما (١). وقد ذكرنا منها ٣٤ اسما، وهي تدل على المحبة وآثارها.
٢٥ - ثم هو الودود، والود في العربية أعلى قسم للحب، وهناك آية جمع الله فيها الرحمة والود فقال: ﴿سيجعل لهم الرحمن ودا﴾ (مريم: ٩٦) وقد جمع في آية أخرى الغفور مع الودود فقال: ﴿وهو الغفور الودود﴾ (البروج: ١٤).
_________________
(١) وقد تحدثت في كتاب لي مطبوع عن شرح أسماء الله الحسنى فمن أراد التوسع فليطالعه.
[ ٩٤٠ ]
ثم انظروا إلى الحب ومشتقاته التي استعملت كثيرا في كلام الله تعالى ورسوله (ص). وقد أثبت الله تعالى في جملة قصيرة من القرآن حب العباد مع الله وحب الله مع العباد، فقال:
﴿يحبهم ويحبونه﴾ (المائدة: ٥٤). ثم أظهر لبيان المقصود نوعية العباد الذين يستحقون محبة الله: ﴿إن الله يحب المحسنين﴾ (البقرة: ١٩٥). ﴿إن الله يحب المقسطين﴾ (المائدة: ٤٢).
﴿إن الله يحب المتقين﴾ (التوبة: ٤).
﴿إن الله يحب التوابين﴾ (البقرة: ٢٢٢).
﴿والله يحب الصابرين﴾ (آل عمران: ١٤٦).
﴿والله يحب المطهرين﴾ (التوبة: ١٠٨).
ويعلم بهذه الآيات أن صفات الإحسان والتوبة والعدل والقسط والتقوى والصبر والطهارة وسيلة لحب الله تعالى، وهناك آيات تبين الذين يحرمون حب الله، قال تعالى: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول﴾ (النساء: ١٤٨).
﴿إن الله لا يحب المعتدين﴾ (البقرة: ١٩٠).
﴿إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا﴾ (النساء: ٣٦).
﴿إن الله لا يحب الخائنين﴾ (الأنفال: ٥٨).
﴿إن الله لا يحب الفرحين﴾ (القصص: ٧٦).
﴿إن الله لا يحب المفسدين﴾ (القصص: ٧٧)
﴿فإن الله لا يحب الكافرين﴾ (آل عمران: ٣٢).
﴿إنه لا يحب المسرفين﴾ (الأعراف: ٣١).
﴿إنه لا يحب الظالمين﴾ (الشورى: ٤٠).
أفادت هذه الآيات أن المجاهرة بالسوء والاعتداء والاحتيال والخدع والخيانة والكفران ونكران الجميل والاختيال والغرور والإفساد والكفر والإسراف والظلم أخلاق ذميمة يحرم مرتكبها حب الله تعالى؛ وهذا البيان الكامل للحب يدل على أن الإسلام دين
الحب.
[ ٩٤١ ]
ولنسمتع الآن إلى أحاديث النبي (ص):
١ - «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا» رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة.
٢ - «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير أورد هذا الحديث ثلاث كلمات هي التواد والتراحم والتعاطف. فالتواد يدل على أن يصل الإنسان في طلب الخير وابتغائه درجة يسهل عليه بعدها التضحية بأغراضه ومقاصده في سبيل مقاصد صديقه.
والتراحم يقتضي أن يشعر الإنسان في قلبه بمصيبة أخيه.
والتعاطف يعني أن يسعى الإنسان للوقوف مع أخيه في آلامه ويحاول تفريجها عنه.
٣ - «إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله تعالى» قالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال: «هم قوم تحابوا بروح الله على أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس»، وقرأ هذه الآية: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ أخرجه أبو داود عن عمر الفاروق.
يبين هذا الحديث أن الولاية الربانية ثمرة التحاب الإيماني الذي يؤدي إلى القرب من الله تعالى.
٤ - يقول الله ﷿ يوم القيامة:
«أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي، يوم لا ظل إلا ظلي» رواه مسلم ومالك عن أبي هريرة.
كلنا نعلم كيف يجلب ظل الوالدين الراحة والدعة، وكيف يجلب ظل الحاكم العطوف الجاه والثروة، وينبغي أن نقيس على ذلك ظل الله ومنزلته الرفيعة وآثاره الطيبة، وإن لم نستطع قياس تلك النعم التي لم ترها عيوننا ولم تسمعها آذاننا ولا فهمت القلوب ماهيتها إلى الآن.
[ ٩٤٢ ]
٥ - ويقول الله تعالى:
«وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتزاورين في والمتباذلين في» أخرجه مالك عن أبي إدريس الخولاني عن معاذ بن جبل.
وقد بين النبي (ص) آثار المحبة وموجباتها فقال:
١ - «المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يكذبه ولا يظلمه، وإن أحدكم مرآة أخيه، فإن رأى أذى فليمط عنه» رواه الترمذي عن أبي هريرة.
٢ - «من ذب عن عرض أخيه رد الله النار عن وجهه يوم القيامة» أخرجه الترمذي عن أبي الدرداء.
٣ - «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة.
وقبل أن أختم هذا البحث أود التصريح بأن لفظ الحب لم يتحدد للدلالة على معنى المحبة في اللغة العربية إلا بعد النظر إلى الأقوال التالية:
* حبب الماء، أي صفا ونقا، وحب البعير، أي جلس وأثبت ركبتيه.
* والحباب هو الصفاء المصحوب بالسمو.
* والحب: هو ما يتقوت به الإنسان ويعيش به.
ولما اشتهر اجتماع حرفي (الحاء والباء) للدلالة على معاني الصفا والنقاء والسمو والاستقرار وسببية الحياة، ثم تقويته بالضمة وهي أقوى الحركات، فجعل لفظ «الحب» مادة للمحبة، فإن كان لدى أحد مثل هذا التعليم الخاص بالمحبة من غير الإسلام فليبينه، أو ليثبت على الأقل وجود هذه المعاني الدقيقة في كلمة (بريم) بالهندية، أو كلمة " Love" بالانجليزية.
والحاصل أن الإسلام هو دين المحبة، وأنه بهذه الخاصية يصير محبوبا للقلوب ومطلوبا للجمهور.
[ ٩٤٣ ]
الفصل الحادي عشر
الإسلام مؤسس المساواة
لا تعني المساواة أن يتساوى جاهل مع عالم، وغادر مع وفي، وكسول عاطل مع من يتحمل المسئولية، فإن ذلك يعني هدم حقوق الإنسانية وحقوق الأخلاق بل المساواة هي أن تحصل لكل واحد من ناحية الشريعة والقانون والأخلاق جميع الحقوق التي حصلت لغيره ممن يعيش نفس البلد أو في ظل نفس الدين.
تضم الراية الملكية الإنجليزية تحتها أقطار انجلترا وويلز وسكوتلنده وأيرلندا، ولكن ليس لأحد من سكان أيرلندا أن يرشح نفسه أو ينتخب رئيسا للوزراء، وينقسم سكان انجلترا من الناحية الدينية إلى قسمين كبيرين، وهما: البروتستانت والكاثوليك. ولكن لم يصل إلى الآن أحد من الكاثوليك إلى منصب رئيس الوزراء، ولم يسمح إلى عام ١٩٤٧ م برفع قضية ضد حاكم للهند، وكانت هناك قوانين خاصة للحفاظ على حقوق الأمبراطور الملكي تختلف عن قوانين المحكمة!!!
والذين يدفعون الضرائب يتمتعون بحقوق أكثر من غيرهم في انتخاب أعضاء البرلمان وغيره.
وكانت هناك تفرقة جلية سواء في أجر الشحن أو القوانين الخاصة بالأجرة والقوانين الخاصة بتصدير البضائع التجارية من الهند إلى انجلترا وبين تلك الخاصة بتصديرها من انجلترا إلى الهند، ثم هناك تفاوت بارز في الحقوق بين أتباع ديانة واحدة، فقد خصصت مقابر خاصة وكنائس خاصة للنصارى الأوربيين، وهكذا تم التفريق بين النوادي والجمعيات.
ويتم انتخاب البابا دائما من الأوربيين، فلم ينتخب في القرون العشرين الماضية بابا واحد من سكان الأرض التي ولد عليها المسيح، ولم ينتخب كذلك الأسقف الأعظم لكنيسة كانتربري من الهند أو مستعمرة أخرى، ولم يعين قط قائد من الأمم الآسيوية في الهند أو في مستعمرة أخرى أو انجلترا.
إن الإسلام نظر إلى هذه الأمور، وقضى على جميع الاحتمالات الداعية إلى عدم
[ ٩٤٤ ]
المساواة، واعتبر كل من دخل في الإسلام مساويا للجميع في جميع الحقوق مهما كان ينتمي إلى بلد أو شعب ما.
١ - إن البرامكة كانوا مجوسا، ولكنهم وصلوا بعد إسلامهم إلى منصب الوزارة في عهد هارون الرشيد.
٢ - والإسلام يمنح كل حر وعبد وغني وفقير حق الانتخاب.
٣ - ونفس هذا الحق ثابت للمرأة.
٤ - وللمرأة والعبد حق إجارة عدو، وعلى القائد مراعاة ذلك.
وكان هناك وزراء من الشيعة لملوك أهل السنة في حكومات بغداد والهند ومصر.
٥ - ولم تكن هناك تفرقة في التجارة بين أموال العرب وغيرهم ولم يحصل أحد على دعم خاص به.
٦ - ولم يفرق بين الغني والفقير في المساجد والمقابر أيضا. ٧ - ومما يدل على مساواة الإسلام قصة عمر الفاروق إذ سافر غلامه إلى الشام.
فكان عمر وغلامه يتناوبان البعير، فإن خلفه كانت عليه غرارتان في إحداهما سويق وفي الأخرى تمر، وبين يديه قربة مملوءة ماء، فلما حان وقت دخول الخليفة في معسكر المسلمين في نهاية سفره وقفت الجيوش مع قوادها لاستقبال الخليفة، وقد اجتمع عدد من الأقوام الأخرى لمشاهدة أبهة الخليفة وشوكته، وبينما هم كذلك إذ رأوا بعيرا خرج من وسط الغبار وتقدم إليه القواد، وقد تعجبوا من ذلك وسأل أحدهم مسلما: هل الراكب خليفتكم؟ فرد عليه المسلم بأن الخليفة من أمسك بزمام البعير يمشي، والراكب غلامه (١). وأعظم من ذلك ما وقع في غزوة بدر إذ كانت الرواحل قليلة يقول ابن سعد عن ابن مسعود قال: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، وكان أبو لبابة وعلي زميلي رسول الله (ص)، فكان إذا كانت عقبة النبي (ص) قالا: اركب حتى نمشي عنك، فيقول: «ما أنتما بأقوى على المشي مني وما أنا أغنى عن الأجر منكما» (٢).
_________________
(١) رويت قصة سفر عمر إلى الشام في عدة مصادر، انظر الطبري ٤/ ١٥٨، وفتوح الشام ١/ ١٤٣ وموطأ محمد ص ٣٨٧ باختصار، حلية الأولياء ١/ ٤٧، مصنف ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٩، ٣٦٣.
(٢) ابن سعد ٢/ ٢١، البداية والنهاية ٣/ ٢٦٠.
[ ٩٤٥ ]
والجدير بالذكر هنا أن كل واحد من المجاهدين كان يفدي رسول الله (ص) بنفسه وماله ويرى ذلك كرامة وشرفا له، فكيف كانوا يتحملون أن يمشي رسول الله (ص) على رجليه ويركب غيره إذا جاءت نوبته؟ والجواب أن رسول الله (ص) كان يريد في هذا الموقف الحرج أن يعلم الناس درس المساواة بعمله، وكان بذلك قد تحقق معنى الأمر فوق الأدب ولو لم يكن تعليم النبي هذا لما سجل لنا التاريخ قصة عمر مع غلامه.
ويتعرض التزام مبدأ المساواة لأقسى صور الاختبار حينما يطالب رجل ذو حسب ونسب بتزويج بنته مع رجل أقل منه في النسب. ونجد في تاريخ الإسلام وقائع كثيرة لكسر حواجز النسب، فقد زوج النبي (ص) بنت عمته وهي زينب بنت جحش القرشية من زيد بن حارثة وهو عبد اشتراه حكيم بن حزام ابن أخت خديجة الكبرى من سوق عكاظ (١)، وتزوج أبو حذيفة غلام سالم فاطمة بنت الوليد بن عتبة القرشية، وهي امرأة بارزة من قريش وقد هاجرت (٢). وهذان مثالان لنساء قريش، ولننظر الآن إلى أهل المدينة كان الأنصار يشددون في تزويج بناتهم، فقد رغب سيد قريش هاشم بن عبد مناف، وهو الذي اعترف العرب كلهم بعلو شأنه، رغب أن يتزوج ليلى فقبلت أسرتها ذلك شريطة ألا تذهب إلى مكة (٣)، وكان من حال هذه القبيلة الأبية في الإسلام أن بلالا أعلن يوما في المسجد قائلا: أيها الناس: إني عبد حبشي فقير، وإني في حاجة إلى
الزواج، فهل يزوج أحد بنته؟ وبمجرد أن سمع الناس هذا الطلب عرض عشرات منهم أن يقبل بلال مصاهرتهم (٤).
كان أسامة بن زيد عبدا وابن عبد، ولكن الإسلام رفع شأنه حتى صارت زينب بنت حنظلة زوجته، وكانت زينب هذه من أسرة كريمة عظيمة وكان امرؤ القيس الشاعر المشهور ممن مدحوا جدها، في الإسلام اعتزت حفيدته بخدمة أسامة (٥).
ووقع لعلي في خلافته أنه أعطى غلامه دراهم يشتري بها ثوبين متفاوتي القيمة له
_________________
(١) تفسير الطبري ٩/ ٢٢.
(٢) الاستعياب ٢/ ٥٦٨.
(٣) ذكر ابن سعد هذا الزواج في طبقاته ١/ ٧٩ واسم المرأة فيه سلمى، وليس ليلى، وكذا لم يورد شرط عدم ذهابها إلى مكة.
(٤) ابن سعد ٣/ ٢٣٧.
(٥) ابن سعد ٤/ ٧٢.
[ ٩٤٦ ]
ولنفسه، فاختار الغلام لنفسه ثوبا رخيصا خشنا ولأمير المؤمنين ثوبا غاليا ناعما، فلما أحضرهما إلى علي أخذ الثوب الرخيص لنفسه وأعطى الغلام الغالي وقال له: أنت أحق مني بأجودهما لأنك شاب تميل نفسك للتجمل، أما أنا فليس لي رغبة في التجمل. وتجادل مرة الصحابي أبو ذر مع أحد الزنوج واشتط به الغضب فقال له: يا ابن السوداء. فقال له النبي (ص): «طف الصاع، طف الصاع، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى أو بعمل صالح».
وقد ندم أبو ذر على فعلته وأثرت كلمات الرسول (ص) في نفسه، فألصق خده بالأرض وقال للأسود: قم فطأ على خدي» (١).
وقال أبو مسعود البدري: كنت أضرب غلاما لي بالسوط فأتى النبي (ص) وقال:
«إن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام» فقلت: لا أضرب مملوكا بعده أبدا» (٢).
وكان رسول الله (ص) يعدل صفوف أصحابه يوم بدر، فمر بسواد بن غزية وهو مستنتل من الصف، فطعن في بطنه بالقدح وقال: «استو يا سواد» فقال: يا رسول الله (ص) أوجعتني فأقدني، فكشف رسول الله (ص) عن بطنه وقال: «استقد» قال: فأعتنقه فقبل بطنه وقال: أردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله (ص) (٣).
ومهما كانت نية هذا الرجل فإن قصته توضح نموذج التعليم الإسلامي في المساواة، فالنبي (ص) استعد حتى يقتص منه أحد من أمته وقدم له جسده الشريف، تلك هي المساواة الحقيقية.
وكان المسلمون المخلصون يتحملون كل خسارة في تحقيق هذه المساواة وحمايتها، ولا يرضون بنقص في هذا المبدأ.
كان جبلة بن الأيهم أمير مملكة غسان نصرانيا، ودخل في الإسلام في عهد عمر فكان عمر يكرمه؛ وعرض له يوما أن كان يطوف بالكعبة فزاحمه أعرابي من العامة،
_________________
(١) مع خلاف في البخاري ١/ ٨٤ - الإيمان.
(٢) مسلم ٣/ ١٢٨١.
(٣) ابن هشام ٣/ ٢٧٨، البداية والنهاية ٣/ ٢٧١.
[ ٩٤٧ ]
وداس ثوبه غير قاصد، فاستشاط الأمير غيظا ولطم الأعرابي على وجهه. ورفعت إلى عمر القضية، فحكم بالقصاص إلا أن يعفو الأعرابي، فقال جبلة مستنكرا: كيف وهو سوقة وأنا ملك؟ فقال عمر قولته الحاسمة: إن الإسلام سوى بينكما.
وطلب الأمير الغاضب مهلة يراجع فيها نفسه فر أثناءها إلى أرض الرومان، راجعا إلى النصرانية مرتدا عن الإسلام (١).
إنه رأى مساواة الإسلام بين الأمير والبادي نقصا، ولكن أمير المؤمنين كان معتزا بأن رجلا وضيعا وأميرا من الأسرة المالكة كلاهما متساويان أمام المحكمة الإسلامية.
ويمكن أن يمر قراء الكتاب بهذه الوقائع مرورهم بالقصص والحكايات، ولكن تبدو قيمتها حينما ننظر إلى تاريخ العالم ويتبين لنا بعد البحث خلو هذا التاريخ من أمثالها، وما أكثر هذه النظائر في الإسلام.
_________________
(١) فتوح البلدان ص١٤١، البداية والنهاية ٨/ ٦٣.
[ ٩٤٨ ]
الفصل الثاني عشر
الإسلام أشرك الرعية في الحكم
(الشورى)
ورد في إنجيل متى قول المسيح المعروف: أعطوا ما لقيصر لقيصر (١).
وهذا هو النموذج الذي علمه المسيح للحكم، ولم يجعل للشعب حقا في الحكم سوى رفع الضريبة، وفي يجرويد وسام ويد يوجه فيها الخطاب دائما إلى الملك وبيان نطاق سلطته، وما ورد فيهما يقويان الحكم الشخصي، ولا نجد في الكتابين إشارة إلى حكم الشورى أو إشراك الرعية في الحكم.
أما الإسلام فقد صرح بوضوح ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ (الشورى: ٣٨).
وعلى هذا الأساس تم انتخاب الخلفاء الراشدين. وقد ألقيت لدى انتخاب كل منهم كلمات حرة، وجرت مناقشة حول كون الخلافة في الأنصار أو في قريش. ثم الترجيح بين أفراد قريش بعضهم بعضا، وقدم كل واحد دلائله وآراءه لتأييد من يرى أحقيته بالخلافة، جرى كل ذلك بحرية تامة، وتم إحصاء الآراء وانتخب الأفضل بكثرة الآراء وألقيت إليه مقاليد الأمور السياسية.
وكان هناك مجلس مكون من الأنصار والمهاجرين لتنظيم أمور الخليفة، ومجلس آخر مكون من الذين أسلموا بعد الفتح ومن المسلمين الآخرين. ولم يكن للخليفة أن يفرض ضريبة جديدة على الرعية، وكان المجلسان يناقشان كل ضريبة مفروضة. وكان هناك استشارة عامة حول تعيين القادة العسكريين الكبار، وبداية الحرب ونهايتها وحدث هذا حين بعث أبي بكر الجيش الإسلامي لفتح العراق والشام ومصر، وقيادة خالد وأبي عبيدة، وخلافة عمرو بن العاص في عهد عثمان.
وكان سفر الخليفة بصفته خليفة إلى أي بلد مفتوح يتطلب موافقة المجلس ومثال ذلك سفر عمر إلى حرب الفرس وحرب الروم.
_________________
(١) إنجيل متى ٢١/ ٢٢.
[ ٩٤٩ ]
وكان للخليفة راتب، يقرر على أساس السبق إلى الإسلام وخدماته في سبيل الإسلام، ولم يكن هناك راتب خاص لإدارة شؤون الخلافة، وكان عمر يأخذ راتب البدريين لا أكثر.
وكان على الخليفة أن يعلن خطته المتعلقة بالحكم وأصوله، ونرى ذلك في خطب أبي بكر وعمر أمام المسلمين، كما كان الخليفة مسئولا أمام المسلمين عن أعماله وأفعاله، فكان يستجوب مرة بعد أخرى. وحدث ذلك كثيرا في عهد عمر وعلي، وإذا كان أقدم البرلمانات في أوربا هو برلمان إنجلترا فقد سبقته الخلافة الإسلامية بنحو ثمانية قرون، واتفق العالم اليوم على محاسن حكم الشورى، والناس مدينون في ذلك للإسلام، فإنه أرشدهم إلى هذا النوع من الحكم، ولم يستثن الإسلام أحدم مهما كانت مكانته، من حكم الشورى، وهكذا أمر الله تعالى رسوله. فقال: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ (آل عمران: ١٥٩).
انظروا إلى النبي (ص) الذي هو متبوع الكل وسيد العالم وصاحب الكتاب والشرع والذي لا ينطق إلا با يوحى إليه، يؤمر بالمشاورة، وذلك حتى لا يظن في أحد بكماله وقدسيته أنه مستثنى من هذا الحكم، وفيما يلي بعض وقائع عصر النبوة:
١ - تم إيفاد السفير في الحديبية إلى قريش بعد التشاور والاتفاق على ذلك.
٢ - تم اختيار جبل أحد ساحة للقتال بعد المشاورة، وقد حزن رئيس المنافقين أبي من أن رأيه لم يعط له وزن بازاء رأي الأغلبية.
٣ - عرضت شروط المهاجمين في الأحزاب على رئيسي الأنصار، وهما سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وتم الأخذ برأيهما.
٤ - عرض أمر رفع حصار الطائف على قواد الجيش، ورفع الحصار بعد أن أشاروا بالموافقة.
٥ - جرى التشاور حول مصير أسرى بدر، ونفذ ما اتفقوا عليه.
٦ - وكانت هناك حرية تامة لقاضي قضاة المحكمة العليا، وكان هذا القاضي له مطلق الحرية، ولا يخاف الدولة، وكامل السلطة ولا يوجد عليه أي ضغط.
واليوم يتبع جميع رؤساء الحكومات الدستورية هذه المبادئ، وهي الطريقة المفضلة للحكم.
ومن هنا يظهر أن الإسلام هو الذي هدى أمم العالم إلى هذه المبادئ ومتعهم ببركاتها.
[ ٩٥٠ ]
الفصل الثالث عشر
الإسلام فوق القومية
هناك ثلاثة أمور، تحكم بصفة عامة جميع الأديان وجملة بلاد العالم حكما لا يجرؤ أحد على الخروج عليه. وهي:
١ - النسل أو العرق.
٢ - اللغة.
٣ - اللون.
١ - فالحقوق التي منحت للبراهمة بالهند منحت لهم على أساس العرق دون غيرهم من الكشتريين والويش والمنبوذين، والحقوق التي منح بنو لاوي من الناحية الدينية على بني إسرائيل، والحقوق التي تمتع بها بنو يهوذاه بين أولاد يعقوب في مجال الحكم، والتفوق الذي تحقق لقريش على سائر قبائل العرب، كل ذلك معروف ومسلم به لدى الجميع.
٢ - تحقق لكل لغة نوع من التفوق على غيرها من اللغات بفضل دعم حكومتها فغلبت السنسكريتية على لغة (براكرت وتامل)، والعبرية على غيرها، واللاتينية على لغات أوربا، والإنجليزية على لغات مستعمرات الإنجليز، والفارسية على لغات الهند وكابول وخراسان وتركستان حينما كانت هذه البلاد خاضعة لأهل الفارسية، والعربية على جميع لغات العالم حينما كان العرب يصفون غيرهم بالعجم. وقد تم تقسيم الحقوق الإنسانية على أساس الاشتراك في اللغة أو الاختلاف فيها.
٣ - وكانت هناك تفرقة في الحقوق والمناصب على أساس اللون أيضا، مثل الأحمر والأصفر والأسمر والأبيض والأسود، والمعاملة التي عامل بها الحكام والملوك من يختلف معهم في اللون يبكي عليها تاريخ العالم دما لا دمعا.
ولكن الإسلام، وهو دين الله الواحد هدم أسس هذه التفرقة، ورفع المنحطين، وقدم دينا واحدا لجمع شمل الأمم والبلاد.
١ - فقد قال عن التفرقة على أساس النسل والأصل:
﴿وبدأ خلق الإنسان من طين (*) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين﴾ (السجدة: (٨،٧).
[ ٩٥١ ]
وهكذا أوضح الإسلام للناس أنهم لا يستحقون ميزة على أساس العرق، وكذلك أبوهم آدم ﵇.
ثم قال: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ (الحجرات: ١٣).
٢، ٣ - وقال كلمته الرائعة عن اللغة واللون:
﴿واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾ (الروم: ٢٢).
أي ليس هناك مجال لأحد في الافتخار باللغة أو اللون.
وهكذا ثبت أن أساس توجيهات الإسلام ليس على اختلاف العنصر أو اللغة أو اللون، بل على معرفة الله تعالى؛ ولكل واحد حرية في اختيار طريقة التقرب إلى الله تعالى، ولا شك أن ذلك من خصائص الإسلام.
[ ٩٥٢ ]
الفصل الرابع عشر
الإسلام باق في مهده حتى اليوم
إن الموضع الذي ولد فيه زرادشت وبدأ منه وعظه وتبليغه.
والموضع الذي ولد فيه بوذا ومارس فيه رياضته الشاقة، وألقى أول خطبة حول مبادئه.
والوادي أو البئر الذي شاهد في أتقياء الهنادكة محتويات الويد، ومصر والطريق بينها وبين فلسطين، وفلسطين نفسها التي ارتبطت بها معجزات موسى ويوشع بن نون وفتوحهما وحيث مقر خلافة داود وسليمان، وحيث حكم الأسباط الاثنا عشر.
والجبل والصحراء التي انعقدت فيها مجالس بارس ناته.
وهكذا جميع معادن الأديان القديمة وخزائنها صارت تحت سيطرة الغير، وتلاشت آثارها في منابتها، أو تداخلت فيها الأديان والأمم الأخرى وحصلت فيها على الحقوق المدنية مثلها مثل أصحاب الأديان الناشئة فيها، وهكذا لم تبق هناك ميزة في تلك الأرض للأديان التي نشأت فيها.
ويتبين مدى صحة قولنا بالنظر إلى ما حدث في اصطخر وبلخ ونيبال وبنارس وآريه ورت (بنجاب منطقة البنجاب ومعظم مناطق يوبي) وأبو وألموره وجكن ناته جي وست نرائن وكنكا وجمنا.
وبعد تذكر هذا الدرس الذي يدعو إلى العبرة ننظر إلى الحجاز لنجد أن كل موقع له علاقة تاريخية أو دينية مع نبي الإسلام. لا يزال في حيازة المسلمين، بحيث لم يسيطر عليه أحد غير المسلمين منذ بداية الإسلام إلى الآن.
ولاشك أن للسيطرة الأجنبية تأثيرا ظاهرا أو حيا في اللغة والعادات والمآثر والأديان.
إن صحف المجوس المقدسة لم تبق عندهم. والظاهر أن الإسكندر المقدوني لو لم يسيطر على إيران ولو لم تتعرض إيران لملوك الطوائف والحروب الأهلية لما يئس ملك مثل
[ ٩٥٣ ]
اردشير بن بابك من وصول تلك الصحف إليه قبل ثلاثة قرون من الإسلام، ولو لم تسقط مصر في عصر كليوبترا تحت سيطرة الرومان لما أحرقت مكتبات مصر القديمة.
ولو لم تقع مصر تحت سيطرة دولة قسطنطنية النصرانية بعد سيطرة روما الوثنية لما حرقت مكتبة الإسكندرية الشهيرة على يد البطريق، ولو لم يفرض بوذا حظره على تعلم السنسكريتية، ولو لم يبذل الملك أشوك وخلفاؤه جهودهم لإعدام الكتابات والمؤلفات السنسكريتية لما ضاعت لغة الويد من العالم، ولو لم يكن هناك إجراء قوي من قبل أتباع «الأصول السلمية» (١) للقضاء على كتابات المصلحين القدامى لما دخلت في صحف الهندوكية في كتاب مثل مها بهارت نحو عشرين ألف عبارة (٢) غير أصلية. وهكذا وجد الانتحال سبيله إلى منوسمرتي بحيث أعجز علماء الهندوكية وخاصة (رشى ديانند) عن معرفة الكلام المنتحل من غيره والتمييز بين الأصلي والموضوع.
وقد أشرنا إلى هذه الخسائر ضمن إقامة الدليل على الآثار التي تحدثها السيطرة الأجنبية على دولة ما أو بلد ما.
والآن ينبغي أن ننظر إلى البلاد والأماكن التي تشرفت بقدوم الرسول (ص) ودخل أهلها في الإسلام، إنها لا تزال تحت سيطرة المسلمين، ولغتها هي لغة النبي الكريم (ص)، ومدنيتها هي مدنيته، وكتابها هو الكتاب الذي جاء به الرسول (ص)، وقد ورد في القرآن الكريم تشبيه الإسلام بالشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، والحقيقة أن الإسلام لا يزال على هذه الصفة، فهذا الأمر أيضا من خصائص الإسلام. وقد سبق نفسير هذه الآية في باب خصائص القرآن الكريم.
_________________
(١) مرنجان مرنج.
(٢) اشلوك.
[ ٩٥٤ ]
الفصل الخامس عشر
الإسلام دين المدنية
يعترف المطلع على سر الطبيعة الإنسانية والخبير بإشباع الحاجات الإنسانية بأن الإنسان مدني الطبع.
ولكننا نتعجب إذا رأينا أن عديدا من الأديان جعلت المدنية معارضة للروحانية وعدوة لها.
فحين نرى الأمير غوتم (بوذا) يترك زوجته الشابة ووليده الوحيد نائمين في البيت، ويهرب ليلا إلى الغابة حيث يمارس أنواعا من الرياضات الشاقة فهل نعتقد أن هذا الرجل اليقظ كان خبيرا بطبيعة الإنسان وأنه مدني بطبعه، وحين نرى الويدي (بياس جي) ينفر من العمران عن الأبوين، فهل نقرر بأنه درس واجبات المدنية؟ ونقرأ في الإنجيل الحوار
الذي يذكر الاختصاء في سبيل الله، فهل نرى أن أتباعه نظروا إلى آدم وحواء نظرة تبجيل وتكريم، ونرى ألوفا من الراهبات معرضات عن واجب التناسل في ظل كنيسة روما السماوية، فهل نتصور أنهن حققن أمر الله تعالى بأن يتصل الإنسان مع زوجته بحكم الطبيعة البشرية؟
ونرى في غابات (آريه ورت) ومغارات جبالها وقممها أشخاصا خرجوا من بيوتهم في أواخر حياتهم بأمر من (منوسمرتي) واضطروا في سبيل الرزق إلى الاعتماد على الوسائل المجهولة، وفقدوا أنيسهم في حالة الضعف وتقدم السن والحاجة، فهل نقضي بأن من وجه هذا الأمر المذكور راعى حقيقة التمدن في هذا الأمر؟ ونرى المصلحين والنساك والرهبان والعباد يحلون بعيدين عن العمران ويوقدون النيران، ويرسلون الشعور، ويمارسون الرياضة، فهل نحكم بأنهم يقدمون المثل الأعلى للإنسانية؟ ونرى مئات البنات تزف إلى تمثال حجري في المعابد، ويتم القضاء على النسل تحت هذا الستار المقدس، فهل نقطع بأن هؤلاء المشرعين عرفوا السر الأكبر لتعمير العالم؟
لاشك أن ذلك كله ناتج من التعليم الذي لم يفهم طبيعة الإنسان، ولم يعرف حكمة طبائعه، ولم يشجع العمل بها.
[ ٩٥٥ ]
والإسلام وحده يزيل تلك الأوهام، ويقضي على تلك الظنون، ويبعد الظلم والجور، ويرفع البشرية إلى سماء المدنية والحضارة، ويوفق بين قوتي الكهرباء الموجبة والسالبة، ويضيء بيت المدنية بأنواره الساطعة.
والإسلام هو الذي يعلن أن ترك التمدن بدعة، فيقول: ﴿ورهبانية ابتدعوها﴾ (الحديد: ٢٧).
حقوق النساء: منح الإسلام المرأة مكانة مساوية في الحضارة، وضمن لها حقوقا مثل حقوق الرجال. قال تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن﴾ (البقرة: ٢٢٨). حقوق الأطفال:
قال تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ (الإسراء: ٣١).
حقوق الوالدين:
قال تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ (البقرة: ٨٣). حقوق الدولة:
قال تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ (النساء: ٥٩).
مجال التعاون:
قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ (المائدة: ٢).
مجال عدم التعاون:
قال تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ (المائدة: ٢).
الأمر بإيفاء العهود:
قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ (المائدة: ١).
التزام العدل في حالة العداء الوطني:
قال تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله﴾ (المائدة: ٨).
الأمر بالحياد فيما بين الذمي المعاهد وبين المسلم غير المعاهد:
قال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم
[ ٩٥٦ ]
من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم لنصر إلا على قوم بينكم وبينهم مثاق﴾ (الأنفال: ٧٢).
لهاتين الطائفتين حق الولاية بينهما كما يشير إليه قوله تعالى:
(والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾.
ذم الفساد:
قال تعالى: ﴿والله لا يحب الفساد﴾ (البقرة: ٢٠٥).
وقال: ﴿ولا تبغ الفساد في الأرض﴾ (القصص: ٧٧).
علامة الخلافة الراشدة:
قال تعالى: ﴿وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾ (النور: ٥٥).
الأمر بأداء الحقوق:
قال تعالى: ﴿فآت ذا القربا حقه والمسكين﴾ (الروم: ٣٨). صفات عباد الرحمن الحسنة الخاصة بحقوق المدينة.
قال تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ (الفرقان: ٦٣).
وقال: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾ (الفرقان: ٦٧).
وقال تعالى: ﴿ولا يزنون﴾ (الفرقان: ٦٨).
وقال تعالى: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ (الفرقان: ٧٢).
فرض شهادة الصدق:
قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ (النساء: ١٣٥). تحريم إخفاء الشهادة:
قال تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ (البقرة: ٢٨٣).
[ ٩٥٧ ]
وبالنظر في هذه الأحكام نعلم مدى عناية الإسلام بشؤون الحضارة والمدنية وسن القواعد الأساسية للحفاظ عليهما وتأمين منافعهما. وهكذا نرى أن الإسلام قد امتاز بالجمع بين الناحية الروحية والناحية المدنية في تشريعاته وأحكامه يريد أن يكون المسلم عبدا صادقا لله، مواسيا لأهل دينه، برا بالوالدين، محافظا على المدنية، مواطنا طيبا وفيا صادقا، محبا للسلم، كارها للفساد، صديقا للجنس البشري.
[ ٩٥٨ ]
الفصل السادس عشر
الإسلام هو الدين النافع
انتفعت به أمم العالم بالواسطة
الإسلام دين علمه رحمة للعالمين، الرسول الأمين، ولذا وجب أن تكون أحكامه رحمة للأمم وللعالم. ولو كانت أحكام النبي (ص) خاصة بالمسلمين لصعب انتفاع الأمم الأخرى بها، ولكن التاريخ يدلنا على أن الإسلام منذ أن نشر تعاليمه وقدم إلى الصديق والعدو مائدة النعمة ودعاهم إليها، بدأ انتفاع الأمم بها وإن ادعت ابتعادها عن الإسلام.
كان المجوس يعتقدون منذ العهد القديم أن (يزدان) خالق النور، و(أهرمن) خالق الظلمات، ولم يكونوا يرون بأسا من الاعتقاد في شخص ما بأنه خالق مثل يزدان، وهم يرون أن جنود يزدان وأهرمن في قتال دائم، كما هو الحال في (آريه ورت) فآلهة الخير وآلهة الشر تتحارب وتتعارك دائما، ولكن أهل الديانتين يعترفون اليوم بتفوق يزدان على أهرمن، وتفوق آلهة الخير على آلهة الشر، وكان المجوس قد تخلوا منذ مدة عن حدود المحرمات الأبدية، فكان بهمن هو والد الملك الإيراني داراب، وكان جده من أمه أيضا، بينما كانت أم داراب، واسمها هما، بنت بهمن نفسه!!. ولم يعترض البلاط الإيراني على هذه القرابة العجيبة ولا على وارث الحكم بها، ولم يتعجب شعب إيران من هذا الموقف، بل وضع تاج بهمن بعد موته على بطن ابنته هما، وأقر الناس بالملك لمن لم يولد بعد راضين طائعين. (١).
ولما سقط دارا بن داراب جريحا بأيدي الجيش اليوناني وكاد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة وصل إليه الاسكندر بن فيلب، فأخذ رأسه ووضعه في حجره، وهنا باح دارا بوصيته للاسكندر، وهي أن يتزوج الاسكندر روشنك بنت دارا التي كان دارا يربيها لنفسه؛ فالجدير بالتفكير أن دارا نفسه اعترف بأنه كان يربي ابنته لنفسه، اعترف بذلك في أحرج ساعات حياته. وهذا يدل على أن هذه العادة القبيحة كانت عامة في إيران، ولشيوعها
_________________
(١) الطبري ٣/ ٢.
[ ٩٥٩ ]
لم يستحي الناس ولم يتحرجوا من ذكرها ومن العمل بها (١).
والمزدكية لاقت القبول السريع في إيران وانتشرت بمجرد أن الناس كانوا قد فقدوا احترام المحرمات الأبدية من ذي قبل. فالمزدكية ترى أن المرأة لا تنسب لرجل معين، بل هي مشاع يحق لكل رجل أن يتمتع بأي امرأة شاء (٢).
وقد أورد البندت ديانند سرسوتي عند ذكر فرق الهندوسية في كتابه «سيتيارته بركاش» أسماء (وام ماركي وجكرانكت وغيرها) ومنها أسماء قذرة لا يستطيع المسلم أن يخطها بقلمه، ويوضح هذا البيان أن الهند تفوقت على إيران في هذه الإباحية، فلا يزال يوجد في مدينة مقدسة مثل كاشي معبد يعرف باسم (الحلقة النيبالية) إنه يدعو الزوار إليه من على ارتفع ١٥٠ قدما، وتضيء أشعة الشمس الساطعة هذه التماثيل التي عجزت عن تقليدها باريس ونيويارك، ويعبد البراهمة هذه التماثيل، ويتحدثون عن كل تمثال منها دون مبالاة باستحياء السامع، وينطقون بكلمات تصم آذان الإنسانية وتعمى أبصارها.
والمؤرخ العادل يعترف بأن الإسلام طهر إيران من تلك اللعنات، ومنح الهنود أبصارا وآذانا، وقضى على الشاهد المفزعة في مسرحيات (ايمفي) بدولة روما التي عرفت بقساوة القلب ووحشية الذئاب.
وهذه الحقائق تبرهن على أن الإسلام لعب دورا هاما في رفع تفكير هذه الأمم وتطهير عقولها ونشر الحضارة بينها.
كان بنولاوي من اليهود قد خصصوا لأنفسهم حقوقا في قرابين النذور والخطايا والقربات. وكان بابا روما خليفة بطرس قد خصص لنفسه مفاتيح أبواب ملكوت السماء، فيفتحها لمن شاء ويغلقها في وجه من شاء.
وكان البراهمة قد ادعوا لأنفسهم قوة إدخال أرواح الموتى في دار الرحمة أو العذاب.
والإسلام هو الذي أنقذ الناس من هذه المهالك والمخازي، فبتعليمه انفصلت السامرية عن بني لاوي وكره البروتستانت الكاثوليك الرومان، وكره الآريون بابوات البراهمة.
_________________
(١) أيضا ٧/ ٢.
(٢) الملل على هامش الفصل ٨٦/ ٢.
[ ٩٦٠ ]
فهل يستطيع إثبات من يرفض هذه الحقيقة، سبق هذه الإصلاحات على ظهور الإسلام؟ وهل يستطيع أن يبرهن على أن أعمال الإسلام العلمية والعملية لم تكن أمام عيونهم وقلوبهم قبل الحصول على هذه الحرية؟
والحقائق المذكورة تدل على أن الإسلام أفاد سكان أوربا وآسيا فمنحهم رقي الفكر وحرية الشعور والتفرقة بين النافع والضار.
يسمى اليهود الملك زوج مائة امرأة وحيد الإله. ويصف بنو إسرائيل الملك صاحب ألف امرأة بأن قلبه يشبه قلب الله. ويمدح الهنادكة (كرشنا) الذي كان يداعب ١٦ ألف امرأة بأنه صاحب ست عشرة زينة، ويعتقد الآرية ورت أن (درويدي) وحدها كانت زوجة شرعية لستة من الباندو، ومن هنا وجب على الجميع أن يفكروا كيف استقامت أفكارهم في تعدد الزوجات. وهل يزعم أحد أن ذلك ناتج عن تعليم النصرانية أو سلوك النصارى؟ كلا، فإن النصرانية ساكتة في التعدد، ونموذجها العملي كان نتيجة القانون
الشرعي الذي تأخر صدوره كثيرا عن الحكم الإسلامي، وفرض على الأوربي ذي الدم البارد الاكتفاء بزوجة واحدة. ولو رجعوا إلى التاريخ لوجدوا أن القرآن نطق بقوله (فواحدة) قبل تنفيذ ذلك القانون بكثير، فحرك قلب كل عاقل لسن مثل هذا القانون.
وبهذه النظائر يجب الاعتراف بأن الإسلام قد منح جميع الأقوام بركات كثيرة بواسطة.
كان الفرس يفتخرون بكأس (جم) الملوءة خمرا، ويرون الكأس المسكرة كأس تصوير العالم.
وكان الآريون يشربون الخمور نذورا على الآلهة وكان النصارى يحكون باعتزاز فعل عيسى بتحويل آنية الماء إلى جرات الخمر وكان البولسيون يمنعون استعمال الماء الخالص، ويلزمون مزجه بقليل من الخمر .. وكان الإيطاليون والعرب والافريقيون يحمون ساحات الحرب بحرارة الخمر .. وكان الرومان قد تخلوا عن مسؤولية القيادة مقابل جرعة واحدة للخمر من كليوبترا.
فهل يذكر أحد من هؤلاء معروف الإسلام الذي أسداه إلى أمم العالم وأديانه بتحريمه الخمر؟ كلا ثم كلا، إن الإسلام هو الذي جعل الخمر أم الخبائث، ووصفها بعدو الروحانية ومبعث الشر والعداء، وهو الذي جعلها من عمل الشيطان وإبليس وأهرمن.
[ ٩٦١ ]
وفي الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ م - ١٩١٨ م) اضطرت انجلترا وروسيا وأمريكا، واحدة بعد الأخرى، إلى تركها، أفليس هذا كله من فيوض الإسلام غير المباشرة؟
كان سكان آريه ورت يقصرون الملوكية على أولاد (بهارت الأعظم) ومن هنا أراقوا دماء الهنود كلهم في أرض (كوروكشتير)، وكان المجوس يخصون (كيان ايران) بالملكية، ومن هنا قضوا على حكومات التتار واليونان وبابل، وكان الصينيون يصفون أسرة (شو) بأبناء السماء ويرون أنهم فوق سكان العالم وسكان الصين، وكان الفرنسيون يقولون بتفوقهم على أوربا ويبدون استحقاقهم في السيطرة عليها، ومن هنا رأوا أنهم أحق بإصدار ميثاق الحكم على البشر.
وعلى هؤلاء جميعا أن يفكروا في نوعية الحكم الذي أرشد الإسلام إلى محاسنه بقوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ (آل عمران: ١٥٩). وبقوله: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ (الشورى: ٣٨).
وهكذا أرشدهم إلى مبدأ الحفاظ على بني الإنسان، والتعاون بين أبناء الوطن.
يقال إن برلمان انجلترا أقدم برلمانات العالم، ولذا يلقب به «البرلمان الأم». وأقول إن ذلك صواب، ولكن هو أقدم من أحكام القرآن المحكمة؟!. إن التاريخ يجيب بلا ثم لا، ولذا يجب الاعتراف بأن جميع الحكومات الديمقراطية في العالم مدينة للإسلام في هذا الأمر، كان في العالم مكان آريه ورت الذين رفعوا راية (برهما، وبشن، ومهيش) وكان هناك الأفلاطونيون الذين آمنوا بحكم الله والعقل الكل والنفس الكل وأهل الكنيسة الإنجليزية الذين آمنوا بالإله الأب وبالإله الابن وبروح القدس، وأهل الكنيسة الروسية الذين آمنوا بالإله الأب وبالإله الابن وبالروح، واليونانيون القدامى الذين آمنوا بالإله الأب وبالإله الابن وبمريم وسموهم الأقانيم، والآريون الذين آمنوا بقدم (برماتما، وآتما، وبرانو).
إن هؤلاء جميعا كانوا منشغلين بنشر تثليثهم، ولكنهم اليوم يعترفون بسمو عقيدة التوحيد ويفتخرون بها، ويصفون تثليثهم بأنه يؤدي إلى التوحيد ويستدلون على ذلك. والمسلمون يفرحون بهذا التقدم من إخوانهم في الإنسانية، ويأملون أن يعترفوا يوما بمعروف الإسلام هذا حبا للخير وإيثارا للعدل، وبعد الوصول إلى هذه الحقيقة يفتحون أذهانهم وقلوبهم للانتفاع من بركات الإسلام والاستنارة بأنواره، فتجد قلوبهم وأرواحهم سعة وفرحا، ثم تقر بهذه الخاصية للإسلام.
[ ٩٦٢ ]
الفصل السابع عشر
الإسلام عمم الهداية الإلهية
للعالم كله مثلما عمم ربوبية الخالق
يدعي بنو اسرائيل أن شرف الوحي الإلهي مختص بأسباط يعقوب، ولم تمنح أمة في العالم هذا الشرف، ويدعي الفرس أن نداء الملك السماوي وصل إلى سلالة ايرج فقط، ونالت أسرة زرادشت وجاماسب فقط هذه الكرامة وحرمتها سائر البلدان، ويدعي سماك (آريه ورت) أن نداء السماء توجه إلى سكان أودية كنكا وجمنا فقط، وحرمته جميع أمم العالم منه، ويدعى أهل الصين أن سكان بلادهم هم المكرمون بكونهم أبناء السماء، ولم يحصل لأحد هذا النور في الشرق الأقصى.
إن هذه الدعاوى عظيمة دون شك، ولها تأثير كبير في إبراز عظمة أمة واحدة فقط، أما نتائج هذه الدعاوى بالنسبة إلى سائر الأمم فهي كما يلي:
أولا: كذبت أمة واحدة أمة أخرى بين يديها وأبطلت ما عندها من الصدق، فلما خص بنو إسرائيل أنفسهم بالوحي الرباني، كذبوا بذلك أديان العالم كلها، وحين ادعى المجوس ما ادعوه فإنهم بذلك كذبوا العالم كله بما فيه بنو إسرائيل، وهكذا يكذب سكان آريه ورت العالمين كلهم وفيهم بنو إسرائيل والمجوس، وادعاء أهل الصين، بأن تعاليم كونفشيوس السماوية خاصة بهم يعني أن بلاد الهند وإيران وكلدان وإسرائيل كلها كانت تتخبط في الظلام.
وهكذا لا يبقى دين يصدقه دين آخر، ولا أمة وصفتها الأمم الأخرى بالصدق. ولما اتهمت كل أمة الأمم الأخرى فكيف يحق لها أن تنجو هي من التهمة؟ إن هذه الأمم جميعا لوثت بصنيعها الجو الصافي وحسبت نفسها بمنجاة من هذا التلوث.
وبعد هذه الدعاوى ضيقت هذه الأديان الشهيرة نطاقها، فخصص بنو إسرائيل منصب الكهانة بأولاد هارون وحدهم وجعل (أتباع سناتن دهرم) نساك (بهويه وهردوار وكاشي) خزنة الجنة والنار (سورك ونرك)، ومنح الكاثوليك الرومان مفاتيح ملك
[ ٩٦٣ ]
السماء البابا لأنه رئيس تلك الكنيسة التي بناها بطرس الذي أعطاه المسيح الخيار التام لملكوت السماء.
وابتعدت كل أمة عن الأخرى، واعتزلتها، فضاع الحب الإنساني وانفصلت الأمم عن بعضها إلى الأبد، كما دخلت الخصائص الوطنية والعادات القومية في المبادئ الدينية عند الجميع، وتدرجت هذه المبادئ إلى الضعف أمام تلك العادات حتى تلاشت.
وجاء الإسلام ليقضي على هذه المفاسد كلها، ويعلن أمام الأمم المذكورة سنة إلهية بقوله تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ (فاطر: ٢٤).
فلماذا يحقر بنو إسرائيل صلحاء الهنادك، ويكذب الهنادك أنبياء بني إسرائيل، ويبطل الفرس دعاوى الإسرائيليين والهنادكة، ويكذب أهل الصين نور الشمس بتكذيبهم علوم هذه الأمم) وحضاراتها؟
تعالوا اتحدوا وتبادلوا بينكم الاحترام (*)، وعظموا دعاة الأديان وهداتها، وانظروا إلى الناموس الإلهي الذي اختار موضعا قرب البحر الأبيض لتوحيد العالم كله، فتيسر نشر الدعوة منه في كل موضع من العالم، وتحقق استخدام وسائل السفر برا وبحرا بعد الإقامة فيه.
إن القدرة الإلهية أرست أساس هذه الحركة منذ خمسة آلاف سنة، وأعدت أمة سكنت في واد غير ذي زرع، واستغنت عن الأرض الخصبة واكتفت من النفائس المادية بما يسد الرمق، واستهدفت الحفاظ على المعبد ورأت سدانتها فخرا لها، حتى بعث الرسول الأمي الكريم (ص) الذي بدل الاختلاف ائتلافا، والافتراق اتفاقا، وكان ذلك في العصر الذي عاشت فيه الأمتان اللتان صور الله تعالى حالتهما بقوله:
﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب﴾ (البقرة: ١١٣).
إن قوله تعالى «وهم يتلون الكتاب» يتعلق بالنصارى الذين سموا سفر اليهود بالعهد القديم والكتاب المقدس، ومع ذلك يقولون في اليهود أنهم ليسوا على شيء.
_________________
(١) (*) (قل يا أهل الكتاب تعالو إلى كلة سواء بيننا وبينكم الآية).
[ ٩٦٤ ]
وكذلك يتعلق باليهود الذين رأوا في الإنجيل أنه يصدق توراة موسى ومع ذلك
ينكرون الإنجيل.
وعلى كل ردد الفريقان (وفد نجران من النصارى وعلماء يثرب من اليهود) القول المذكور وشهدوا على أنفسهم بالتسرع والجهل فحكم الله تعالى عليهم بقوله:
﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين (*) قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين﴾ (المائدة: ٦٧ - ٦٨).
كان عدد اليهود والنصارى في ذلك الوقت أكثر من المسلمين بكثير، فقد كان المسلمون يشكلون نسبة ٢% بينهم، وكان اليهود أصحاب مال وتجارة، وكانت لهم سيطرة على الجزيرة العربية كلها، وكان المسلمون والوثنيون مدينين لهم. وكان النصارى أصحاب جيش وقوة وحكم.
ولم يكن إصدار حكم حاسم يقضي على المكانة الدينية للفريقين أمرا سهلا، ومن هنا حثت الآيات الكريمة في بدايتها النبي (ص)، وأخبرت أن اليهود والنصارى لن يضروك شيئا بعد الحكم المذكور مهما سخطوا وتضجروا، فالله تعالى يعصمك منهم.
والحكم هو أن يتخلى اليهود عن تعصبهم ضد النصارى، ويتخلى النصارى عن حقدهم وحسدهم ضد اليهود، وليتبع الاثنان التوراة والإنجيل.
والدليل الذي عند النصارى على دعوة اليهود إلى دين المسيح تتوقف صحته على أن النصارى يصدقون بنبيهم موسى ﵇ وكتابهم التوراة، ونفس هذا الدليل بيد المسلمين بإزاء اليهود والنصارى جميعا، فإن المسلمين يؤمنون بالكتابين ومن جاءا بهما.
إن النصارى يستخرجون لليهود التنبؤات عن المسيح من التوراة، ويخطئونهم.
وهكذا يستخرج المسلمون تنبؤات الكتاب المقدس عن النبي (ص) لليهود والنصارى معا، ويقيمون عليهم الحجة.
وجاءت الخلاصة بأن اليهود صاروا مغضوبا عليهم لرفضهم تعليم المسيح، في حين أن المسيح آمن بالتوراة، وصار النصارى ضالين لجحودهم شريعة موسى التي صدق بها
[ ٩٦٥ ]
المسيح، وفي مثل هذه الحالة ليس الفريقان على شيئ لأنهم أنكروا الكتاب والنبي الذي
وعد به موسى في الكتاب الخامس، والذي ورد خبره في أنجيل يوحنا (١).
والحاصل أن الإسلام هو الذي يمتاز بتوحيد الله تعالى وأنه وحده إله العالمين جميعا، ويجعل الرب الواحد رب العالمين جميعا، ويقدم إلى العالمين كلهم دينا واحدا هو الإسلام، ويجعل جميع الأمم والأوطان تستحق نعم الله تعالى وأنواره على السواء، إنه لا يكذب صالحا، ولا يبطل دينا سابقا، بل يوحدها جميعا بإرجاعها إلى أصولها ويحملها على الإيمان بالألوهية الكاملة مثل الربوبية الخالقة.
فما أيمن الإسلام الذي مد يده إلى جميع الأمم والأقوام ليؤلف بينها، ويوحدها! وما أسعد الأمم التي استجابت لدعوة الداعي المقدس، والتزمت مبدأ الحب العام!
_________________
(١) سفر التثنية ١٥/ ١٨ - ١٩، إنجيل يوحنا ١٢/ ١٦ - ١٦.
[ ٩٦٦ ]
الفصل الثامن عشر
الإسلام دين البر
اتفق فلاسفة يونان القديمة وأوربا الحديثة بعد النظر في الديانة البشرية على أن أساس الدين الصحيح ينبغي أن يقوم على الأصول التالية:
١ - البر.
٢ - الصدق.
٣ - والحسن.
ومراعاة للعنوان أقول كلمة عن البر فقط. قال الله تعالى في القرآن:
﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾ (البقرة: ١٧٧). وقال: ﴿أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾ (الممتحنة: ٨).
وقال: ﴿ولكن البر من اتقى﴾ (البقرة: ١٨٩).
وقال: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ (المائدة: ٢).
وقال: ﴿وأوحينا إليهم فعل الخيرات﴾ (الأنبياء: ٧٣).
وقال: ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (*) والذين هم بآيات ربهم يؤمنون (*) والذين هم بربهم لا يشركون (*) والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (*) أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾ (المؤمنون: ٥٧ - ٦١).
والأحكام التي أصدرها النبي (ص) عن أنواع البر تقوم على الأصول التالية:
١ - الشعور بعظمة الله، ثم تأثر القلب بأدب ممزوج بالاحترام.
٢ - تذكر النعم الإلهية، ثم التحير بعد هذا التذكر، وضعف الآثار الحيوانية بالتحير.
٣ - التعايش من الأقرباء والجيران والأيامى واليتامى وأهل القرية والوطن بالعشرة
[ ٩٦٧ ]
الحسنة والأخلاق الكريمة.
والبر: اللقاء بوجه بشوش، وإماطة الأذى عن الطريق، والسقي من البئر، وإرشاد الضال، والتنوير في الظلام، والإعانة على الحمل، والنداء بالاحترام، والتأني في القول (١).
وتعليم الأب ابنه صدقة (٢).
ووصف الحديث بالخير من هو خير لأهله (٣).
ومن أحسن تربية البنات والأخوات استحق الجنة (٤).
ومن عذب هرة دخل النار (٥) ومن سقى كلبا غفر له (٦). وأكمل هذا العنوان بقول النبي (ص):
«في كل كبد رطبة أجر» (٧).
وبهذه الأحكام يتضح أن الإسلام هو دين البر.
_________________
(١) سنن الترمذي ٣٤٠/ ٤ - البر والصلة.
(٢) سنن الترمذي ٤/ ٣٣٧ - البر والصلة.
(٣) سنن الترمذي ٥/ ٧٠٩ - المناقب.
(٤) سنن أبي داود ١٤/ ٥٦ - عون المعبود.
(٥) البخاري ٥/ ٤١ - المساقاة، ومسلم ٢/ ٦٢٢.
(٦) سنن أبي داود ٧/ ٢٢٢.
(٧) البخاري ٥/ ٤١.
[ ٩٦٨ ]
الفصل التاسع عشر
الإسلام دين التقوى
ألف: الخمر هي أكثر ما يفسد التقوى، ولكن بولوس قال لا تشربوا الماء الصافي، بل اشربوا قليلا من الخمر لإصلاح المعدة وإبعاد أكثر الضعف (١).
إن الأمر بشرب الخمر والنهي عن شرب الماء الصافي قد أديا بأوربا وأمريكا إلى أن نسي الناس شرط «القليل» وصارت الخمر أم جميع الخبائث كما صرح القرآن وذكرت السنة.
ب - وقد فندت الصحة تعليل بولس أيضا، وصرحت بأن الخمر تحدث تأثيرا سيئا في المعدة والكبد والقلب والمخ، وتزيل قوة الأعصاب. فقد تم حظر الخمر في الحرب العالمية (١٩١٤ - ١٩١٨م) على الجنود حفاظا على قوتهم الجسمية، وقد أراد الملك جورج أن يكون نموذجا لجيشه واتبعه قيصر روسيا. وقد منعت أمريكا صنع الخمر في البلاد، وفرضت الحظر على بيعها وشرائها.
وقد صرح خبراء علماء الأخلاق بأن الخمر تفسد الأخلاق، ويقول علماء الاقتصاد أن الخمر تؤدي إلى الفاقة وإضاعة المال، وقال قضاة المحاكم العليا إن الجرائم البشعة مثل القتل والزنا بالإكراه وقطع الطريق تقع في الأغلب من السكارى مدمني الخمور.
ج - وفي الهندوسية أيضا تقدم الخمر لإرضاء الآلهة أو الآلهات، ومن الطبيعي أن العباد والنساء يقبلون على الشيء الذي يرضي الآلهة، وقد سمى بعض الهنادك الخمر «ماء الكنك» إشارة إلى قدسيتها (*).
والإسلام هو الدين الأول الوحيد الذي وصف الخمر بأنها رجس من عمل الشيطان وأم الخبائث.
وحرم منها القليل لأن كثيره مسكر. وبذلك يثبت أن الإسلام دين التقوى.
_________________
(١) رسالة بولس الأولى إلى تيموثاؤس في العهد الجديد ٥/ ٢٣. (*) نهر الكنك مقدس لدى الهنادكة.
[ ٩٦٩ ]
والزنا حرام في الإسلام، وقد أكد القرآن تحريمه فقال:
﴿ولا تقربوا الزنى﴾ (الإسراء: ٣٢).
وبهذا الحكم تم تحريم الأسباب وكل ما يؤدي إلى الزنا، مثل اختلاط الرجال والنساء والمزاح والتفكه ومشاركة الرجال والنساء غير المحارم مكان واحد، ووسائل اختلاب القلوب وإبراز مفاتن الجسد وغير ذلك، ولبيان شدة الحرمة المذكورة قال الله تعالى: ﴿وساء سبيلا﴾ (الإسراء: ٣٢).
وأفاد أن الذي يزني فإنه يمهد السبيل للزنا أن يدخل بيته، والطريق الذي يسلكه للوصول إلى الآخرين، هو الطريق الذي يسلكه الآخرون للوصول إلى بيته، قال تعالى: ﴿ولا متخذات أخدان﴾ (النساء: ٢٥). وقال: ﴿ولا متخذي أخدان﴾ (المائدة: ٥).
وللحفاظ على العفة والتقوى أرشد القرآن الكريم إلى وسيلتها وأوجب العمل بها فقال:
﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾ (النور: ٣٠)، وقال: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن﴾ (النور: ٣١)، وقال بعد الأمر المذكور أيضا: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ (الأعراف: ٣٣).
صرحت الآية الكريمة بتحريم الفواحش، ولكن هناك حكم آخر يصف فيه الإسلام المراحل التي تسبق الفواحش بالإثم، يقول تعالى: ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه﴾ (الأنعام: ١٢٠).
ونتعجب من الذين منحوا الرجال والنساء حرية فاحشة لشرب الخمر، ومن الذين يمتعون أبصارهم بجمال الخدود في المعابد، ومن الذين يصورون عراة لإبراز الجمال، ومن الذين يغتسلون في الحمامات المشتركة بين الرجال والنساء، ومن الذين يغتسلون عراة في موارد الماء إذ لا يعترف هؤلاء بتقوى الإسلام وعفته، ولعل ذلك خوفا منهم من الانكشاف أمام الناس.
ولو قصد الإسلام زيادة عدد أتباعه بإثارة العواطف النفسية لما أمر بحرمة الخمر، ولو فعل ذلك لما كان مورد اعتراض، لأن الشيء الذي تعودت على استعماله البلاد والأديان لن يعد السكوت عليه موضع طعن، وكذلك لم يأمر بأحكام صارمة للقضاء
[ ٩٧٠ ]
على الزنا، ولو فعل ذلك لما طعن أحد من الأمم التي تبيح الزواج بواسطة المحكمة، وتسمح للمتزوجين بالزواج المؤقت لغرض الحصول على الأولاد، ولكن الإسلام ضرب مثلا رائعا للتعفف والتقوى، ذلك لأنه دين العفاف والتقى، وكل ما يعترض به الناس على الإسلام هو أنه أباح تعدد الأزواج.
ولكن انظروا كيف لا يعترض أحد على داود الذي يصفونه بأنه ابن الله الوحيد إذ جعل في بيته مائة زوجة؟ وعلى سليمان الذي يصفونه بصاحب قلب مثل الله إذ كان عنده ألف زوجة؟ وعلى إبراهيم خليل الرحمن إذ كانت عنده زوجات وإماء؟ وعلى كرشن الذي يصفونه بالموحي إليه والمصلح إذ اتخذ لنفسه أخدانا بلغ عددهن ١٦١٠٨ خدنا؟ ولماذا لا يعترض زعماء العصر الحاضر على كرشن الذي يصفونه بالمصلح الأعظم اتخذ لنفسه ثماني ملكات؟
إن هؤلاء لا يحق لهم أن يعترضوا على الإسلام في إباحته التعدد. والشخصيات المكرمة التي ذكرناها لم يوجد في دياناتهم شرط لتعدد الأزواج يمنعهم افتقاده س التعددية ولكن الإسلام شرط التعدد بالعدل، ولو فقد هذا الشرط أو كان هناك خوف على عدم القدرة على تطبيقه فإن الإسلام يأمر في مثل هذه الحالة بالواحدة فيقول: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة﴾ (النساء: ٣).
فهل ورد في الكتاب المقدس لدين ما كلمة «واحدة» أو كلمة تشبه هذا المعنى؟!
وهل هناك دين يثبت أن معنى «واحدة» ورد في كلام المسيح أو موسى أو كرشن أو رام جندر؟
وإن لم يكن ذلك فعلى الجميع أن يعترفوا بأن ذلك أيضا من خصائص الإسلام، وحكم وجود زوجة واحدة الذي تفتخر به أوربا، إنما هو خلاصة مبتورة لحكم ورد في القرآن الكريم.
[ ٩٧١ ]
الفصل العشرون
الإسلام دين الصدق
عرف علماء الإسلام الصدق بما يأتي:
١ - التوافق بين العمل والعلم صدق.
٢ - التطابق بين القلب واللسان صدق.
٣ - التساوي بين السر والعلانية صدق.
٤ - اعتبار الصدق الذي فيه مظنة الخراب خيرا من الكذب الذي فيه الخلاص صدق. وهنا ينبغي النظر في الآيات والأحاديث التالية:
ألف: الصدق من صفات الله تعالى:
﴿قل صدق الله﴾ (آل عمران: ٩٥).
ب - الصدق من صفات الله ورسوله: ﴿وصدق الله ورسوله﴾ (الأحزاب: ٢٢).
ج - ارتفعت منزلة مريم بسبب الصدق:
﴿وصدقت بكلمات ربها﴾ (التحريم: ١٢).
د - ومنزلة الصحابة بسبب الصدق:
﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ (الأحزاب: ٢٣).
هـ - فضل النبي (ص) بسبب تعليم الصدق وتصديقه:
﴿والذي جاء بالصدق وصدق به﴾ (الزمر: ٣٣).
و- ورد حديث ابن مسعود عن الصدق في الصحيحين والموطأ وأبي داود والترمذي:
«إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن
[ ٩٧٢ ]
الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» (١).
ز - وفي سنن النسائي، وقد صححه الترمذي، أن أبا الحوراء سأل الإمام الحسن:
ماذا تعلمت من النبي (ص)؟ قال: تعلمت وحفظت منه قوله (ص):
«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة» (٢).
ح - وأمر الله المؤمنين: ﴿كونوا مع الصادقين﴾ (التوبة: ١١٩).
ط - اشتقت من مصدر الصدق في العربية ثلاث صيغ للفاعل وفق مدارجه العليا، وهي: الصادق، والصدوق، والصديق. والصديق له منزلة عالية حتى أن الأنبياء قد وصفوا به.
فقد قال الله تعالى في إبراهيم:
﴿إنه كان صدسقا نبيا﴾ (مريم: ٤١).
وكذلك وصف يوسف بالصديق.
ووصفت مريم البتول في سورة المائدة بقوله تعالى: ﴿وأمه صديقة﴾ (المائدة: ٧٥).
وورد في سورة النساء وسورة الحديد وصف البارزين من أمة محمد (ص) بالصديقية، قال تعالى: ﴿أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ (الحديد: ١٩).
وبهذه السطور اتضح أسلوب الإسلام البديع الذي اختاره لإبراز المنزلة الرفيعة للصدق.
وبذلك يتحقق طلب فلاسفة العصر الحاضر بضرورة وجود الصدق في دين الفطرة، والحمد لله على أن الإسلام يظهر خصائصه منذ أربعة عشر قرنا.
_________________
(١) البخاري ١٠/ ٥٠٧ - الأدب، ومسلم ٤/ ٢٠١٢ - البر والصلة.
(٢) الترمذي ٤/ ٦٦٨ - صفة القيامة، وفي النسائي ٨/ ٣٢٧ إلى قوله «ما لا يريبك» فقط.
[ ٩٧٣ ]
الفصل الحادي والعشرون
الإسلام دين الحسن والجمال
سمى الناس ملامح المرأة ودلالها فقط حسنا، ولكن ذلك قصور نظر موجه لفترة أيام الشباب فقط، ثم إن مقياس الجمال مختلف متفاوت لدى سكان البلاد المختلفة في العالم، ومن هنا تعسر الوصول إلى تعريف للحسن متفق عليه، ففي شمال روسيا تعتبر العيون الصافية الزرقاء مثل السماء في غاية الجمال، ولكن العرب يكرهون العيون الزرقاء، وأهل أوربا يمدحون الشعر الذهبي، وأهل آسيا يرون الضفائر السوداء حسنة، وأوربا تفتخر باللون الأبيض، ولكن الحبشة يحصرون الجمال فى اللون الأسود.
وليس قصدنا من عنوان «دين الحسن والجمال» إن الإسلام ينظر إلى ذلك الجمال النسائي ويمجده ويصوره، نعم، يضع الإسلام الجمال في منزلة عالية، ويعتبره صنعا ربانيا حسنا. وهذا العالم كله مظهر الجمال، وكل شيء فيه جميل في نظر الإسلام.
الجمال البشري:
قال تعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ (التين: ٤).
ويعم لفظ التقويم التكوين الداخلي والخارجي. ويعلم علماء التشريح أن مخ الإنسان وقلبه وكبده وأحشاءه وأعصابه أحسن وأعلى بكثير من سائر الحيوان. وقد اجتمعت في أسنانه وأمعائه صفات الحيوان الذي يأكل النبات والذي يأكل اللحم.
المظهر الحسن:
قال تعالى: ﴿وصوركم فأحسن صوركم﴾ (غافر: ٦٤).
إن قوله «فأحسن صوركم» يتضمن ما يمتاز به الإنسان، زنجيا كان أو فرنجيا، بين سائر الحيوان من صفاء البشرة ونعومة الجلد واستواء القامة ووسامة الوجه.
صفات الزوجة:
قال تعالى: ﴿لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ (الروم: ٢١).
[ ٩٧٤ ]
فلكون الزوجة سكنا للزوج ووجود المودة والتجاذب بين الزوجين خير لكليهما.
وقال تعالى: ﴿عربا أترابا﴾ (الواقعة: ٣٧).
وهذه هي الميزة التي تميز صنف المرأة.
جمال المواشي والأنعام:
قال تعالى: ﴿ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون﴾ (غافر: ٦).
إن الناس ينظرون إلى البهائم التي تحلب والتي تجر السواقي والعجلات، وهي تجتمع خارج القرية صباح مساء، والناس يمدحون هذه المواشي وأصحابها، وبذلك يفرح هؤلاء الأصحاب فتتهلل وجوههم بشرا. وإلى هذه الحالة تشير الآية المذكورة.
في حيوان الركوب زينة:
قال تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ (النحل: ٨).
إن استخدام هذه الحيوانات لحمل الأمتعة والأشياء وللركوب معروف. ولكن الإسلام أشار بزيادة كلمة «زينة» إلى أنه يهتم بجمال كل شيء أيضا ويحث على تقديره.
الزينة في سائر الأشياء الأرضية:
قال تعالى: ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا﴾ (الكهف: ٧).
فالإسلام هو الذي أبرز كون الأشياء زينة وجمالا للأرض. فالخضرة النابتة على وجه الأرض زينة، والأشجار المرتفعة إلى السماء وأغصانها المتمايلة وأوراقها المورفة كلها تزين الأرض وتزيدها بهاء والأزهار المختلفة اللون والثمار المتنوعة والأوراق الغريبة الأشكال والجبال ذات الخواص المختلفة والثلوج المتراكمة على قمم الجبال والرمال المنبسطة على وجه الأرض وشلالات الماء والمراعي الخصبة والغابات الكثيفة والأودية والأنهار والمعمورة والفلوات، كل ذلك يزيد الكرة الأرضية جمالا وبهاء بأمكنتها وأحوالها وأشكالها.
هذه الأشياء كلها زينة وحلية للأرض. والإسلام هو الذي أبرز محاسنها وجمالها، فهو دين الحسن والجمال، والآية المذكورة تتضمن مع إبراز جمال الصنع الرباني مقارنة أيضا، وهي إشارته إلى العمل الحسن للعبد، فالقدرة الإلهية التي خلقت الإنسان جميلا، وجعلت كل شيء مخزنا للجمال والزينة، كيف لا تتطلب من الإنسان
[ ٩٧٥ ]
أن يحسن عمله؟
إذا دخل أحد قصرا ملكيا، ورأى ما فيه من الأثاث الفاخر الثمين، وشاهد مظاهر التزيين والتحسين، توقع منه الجميع أن لا يفسد فيها شيئا، ولا يرمي فيه القمامة. وهذا هو المتوقع من الإنسان في هذا العالم.
وحيث إن الإنسان متمتع بالجمال في نفسه، وفي المكان الذي يسكن فيه، فمن الطبيعي ألا يقدم الإنسان إلا أحسن الأعمال ولا يطلب إلا الحسنة في الدنيا والحسنة في الآخرة.
جمال كل شيء في خلقه:
قال تعالى: ﴿أحسن كل شيء خلقه﴾ (السجدة: ٧).
هناك ألوف من الطيور والأزهار والأشجار والحيوان الذي يسكن داخل الأرض والذي يزحف ويجري على القوائم ويسكن في البحر. إنها جميعا تتمتع بالحسن والجمال في ألوانها وأوضاعها وخواصها وأصواتها وأفعالها، بحيث يتعسر التفاضل بينها، فتبارك الله أحسن الخالقين.
[ ٩٧٦ ]