أفضلية سيد المرسلين - ﷺ -
﴿وكان فضل الله عليك عظيما﴾
•---------------------------------•
الحمد لله الذي بعث في كل أمة شهيدا وجاء بمحمد - ﷺ - على هؤلاء شهيدا وصلى الله تعالى عليه وعلى جميع إخوانه من النبيين والمرسلين صلاة كثيرا كثيرا.
أما بعد:
فمسألة أفضلية شأن سيد المرسلين - ﷺ - إيمان كل مسلم بل هي روح الإيمان وهي مسألة لا تسهل معالجتها لمن يريد ذلك.
فنرى في بعض الأحيان أن المسألة تعالج بأسلوب إما أنه يقدح في ذات الله ﷾ وإما أنه يغض من شأن الأنبياء الآخرين ﵈، فيؤدي ذلك إلى ما نهى عنه في الحديث من "التخيير بين الأنبياء" وهذا مما نهى عنه المسلمون.
ويجب أن نتذكر أن علماء السلف لا يعتبرون حديث "لا تخيروا بين الأنبياء" (١) مانعا من بيان أفضلية النبي - ﷺ - فقد أوضح الإمام أبو نعيم الأصفهاني (٢) والقاضي عياض (٣) المالكي وهما من المتقدمين في بيان هذه المسئلة بجلاء تام.
يقول القرآن الكريم: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾ (سورة البقرة: ٢٥٣).
قد ثبت من هذه الآية وجود التفاضل بين الرسل، فإذا ثبت فضل النبي - ﷺ - على جميع الرسل من القرآن فإن مسألة "التخيير بين الأنبياء" حينئذ لا تكون صادرة من قبل
_________________
(١) أخرجه الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁.
(٢) أبو نعيم مؤلف كتاب حلية الأولياء من أعلام المحدثين ولد سنة ٣٣٦هـ وتوفي سنة ٤٣٠هـ. اسمه أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق.
(٣) كان القاضي عياض قاضيا بغرناطة وكان إماما في الفقه والتفسير والحديث وسائر العلوم الإسلامية. وهو مؤلف كتاب "شارق الأنوار" وكتاب "الشفا". ولد سنة ٤٧٦هـ وتوفي سنة ٥٤٤هـ.
[ ٥١١ ]
آدم ﵇
عبد من عباد الله وإنما هي بيان وتفسير لإرادة الله ﷿، وهذا ما اتفق على جوازه العلماء بل جعلوه واجبا.
ولهذا السبب عقدت العزم على التمسك فقط بالآيات القرآنية وأسأل الله تعالى أن ينجيني مما قد نهى عنه من التخيير كما ألتمس من العلماء الكرام أن يكملوا ما بدأه هذا العبد الفقير ليصلوا به إلى مدارج الكمال.
وهذا البحث في صورته الحالية في رأي كاتب هذه السطور لا يزال ناقصا ويحتاج إلى شرح بعض الموضوعات الدقيقة التي أردت إلحاقها بالنهاية من هذا الكتاب. ولم نذكر هنا من الأنبياء إلا من وردت أسماؤهم في القرآن الكريم، ويمكن لبعض القراء أن يتساءلوا بعد قراءة جزء من البحث، كيف يثبت من هذا فضل النبي - ﷺ - ولكنهم إذا رأوا أن كثيرا من الفضائل التي اختص بها بعض الأنبياء والرسل تتجلى في النبي الأكرم - ﷺ - أيضا، علموا قول الشاعر: "أنت وحدك تمتلك جميع الفضائل التي يمتلكها جميع أهل الفضل".
آدم ﵇: فضائل آدم كثيرة وهي مما اتصفت به شخصية الرسول - ﷺ -.
١ - قال تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾. ذكر الله آدم في هذه الآية كتلميذ رباني، ولاشك أن تتصف النفس القدسية، التي تولى تعليمها الله بكمال العلم وقمة الفضل.
وقال تعالى في شأن النبي - ﷺ -: ﴿ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ (سورة البقرة: ١٥١)
ذكر الله محمدا - ﷺ - في هذه الآية كأستاذ للعالم أجمع.
وكلمة الكتاب في هذه الآية تشتمل على جميع الشرائع الإلهية كما أن كلمة الحكمة تتضمن سائر العلوم الفاضلة والمعارف النافعة. وقوله ﴿ما لم تكونوا تعلمون﴾ يدخل فيه جميع ما في عالم الملكوت من أسرار مكنونة وغوامض مكتومة مما لم يكن يعرفها العالم المادي إلى زمن البعثة النبوية - ﷺ -.
٢ - قال تعالى في آدم: ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي﴾ (سورة طه: ١١٥)
[ ٥١٢ ]
وتظهر هذه الآية ما في آدم ﵇ من صفة البشرية وأن النسيان من لوازم البشر فلا ينبغي لأحد أن يقدح فيه ويعيبه على ما صدر عنه من فعل أو ما ترك ناسيا.
وقال تعالى في شأن الرسول - ﷺ - ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ (١). إن كلمة ﴿سنقرئك﴾ في هذه الآية توضح ما في كلمة ﴿وعلم آدم﴾ من معنى كما تبين لنا أن الله تعالى هو مقرئ النبي - ﷺ -.
وقد نفى النسيان عن النبي - ﷺ - في هذه الآية وأخبر أن الرسالة المحمدية أعظم شأنا وأجل من الغوائل البشرية.
٣ - وقال تعالى في آدم: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه﴾ (سورة البقرة: ٣٧).
يظهر من هذه الآية أن الله أكرم آدم ﵇ بالوحي وطهره من الفعل السيء العاقبة. وذكر الله ما جاء به النبي - ﷺ - من يمن وبركة فقال:
﴿ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور () وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ (سورة الشورى: ٢٤، ٢٥).
وهكذا ورد في هذه الآية ذكر ما أعطاه الله النبي - ﷺ - من كلمات وذكر ما فيها من تأثير وفيوض، تنتفع بها الأمة الإسلامية.
٤ - وقال تعالى عن آدم: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين () فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾ (سورة البقرة: ٣٥، ٣٦). هذه الآية ذكرت فيها الشجرة كشيء ابتلى به آدم وزوجه وكذلك ذكر فيها ظلمهما
_________________
(١) ليعلم أن سهو النبي - ﷺ - مذكور في ثلاثة أحاديث صحيحة. ففي حديث ذي اليدين أنه سلم على ركعتين وفي حديث ابن بحينة أنه قام من الركعتين وفي حديث ابن مسعود أنه صلى الظهر خمس ركعات. وهذه الأحاديث لا تعارض عندنا القرآن. فإن النسيان أمر والسهو أمر آخر، في النسيان يتعرض الذهن للذهول والغفلة والآفة وفي السهو لا يتعرض الذهن لهذه الأشياء وإنما هو شغل والآيتان المذكورتان قد ورد فيهما لفظ النسيان لا السهو. كما وأن النسيان يتعلق بالعلم والسهو بالفعل.
[ ٥١٣ ]
إدريس ﵇
لنفسيهما حين خالفا أمر الله، وخروجهما من الجنة وهبوطهما فكان بعضهم لبعض عدوا.
وقد ذكر القرآن الكريم في أحوال النبي - ﷺ - شجرة أيضا فقال:
﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا () ومغانم كثيرة يأخذونها﴾ (سورة الفتح: ١٨، ١٩).
وهذه الشجرة هي أيضا موضع بلاء نتيجة هذا البلاء رضي الله عن المؤمنين: إخلاص القلب ونزول السكينة على المسلمين وفتوحاتهم في حاضرهم ومستقبلهم.
٥ - أخبر الله عن آدم فقال: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا﴾ (سورة البقرة: ٣٤).
ويظهر من هذه الآية علو شأن آدم وسمو مكانته.
وأخبر الله عن النبي - ﷺ - فقال: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ (سورة الأحزاب: ٥٦).
كلمة ﴿يصلون﴾ تدل على الاستمرار والدوام ويفهم منها أن الملائكة لا يزالون يصلون على النبي، وبما أن الله ﷾ نسب الصلاة إلى ذاته المقدسة فإن ذلك سما بشأن النبي ورفع مكانته.
إدريس ﵇: عاش إدريس ﵇ في فترة ما بين زمان آدم ونوح. قال تعالى في شأنه:
﴿إنه كان صديقا نبيا﴾ وقال في شأن محمد - ﷺ -: ﴿والذي جاء بالصدق﴾ وكذلك ورفى في إدريس: ﴿ورفعناه مكانا عليا﴾ وورد في شأن النبي - ﷺ -. (ورفعنا لك ذكرك﴾ وقد جاء تفسير ذلك في الحديث القدسي فكلما ذكر اسم الله ذكر معه اسم محمد - ﷺ - فليس هناك موضع من الأذان والتكبير والتشهد والخطبة والصلاة لم يذكر فيه اسمه - ﷺ -. أما الدعاء فقد ورد فيه اسمه في الصلاة على النبي - ﷺ - وهذه كلها من مناسك
[ ٥١٤ ]
إلياس ﵇
نوح ﵇
الإسلام. وقد ذكر الأنبياء السابقون كثيرا عن مولد النبي - ﷺ - ومهجره وصفته ومكارم أخلاقه ومحاسنه مثل إبراهيم ويعقوب وموسى وداود وسليمان ويسعياه ويرمياه ودانيال وحزقى ايل وجلقوق وملاكي ويحيى وعيسى فهؤلاء كلهم نعتوا أوصاف النبي - ﷺ - في أساليب رائعة. وهذا مما يدل دلالة واضحة على سمو ذكره - ﷺ -.
وسنذكر التنبؤات المذكورة أعلاه في النهاية من هذا الكتاب مفصلا إن شاء الله.
إلياس ﵇: ثبت برواية الإمام البخاري أن النبي إدريس هو إلياس ولذلك يرد ذكره مع إدريس. وقد ثبت من كتاب الله أن إلياس ﵇ وعظ قومه وكره إليهم عبادة البعل ودعاهم إلى التوحيد.
﴿إذ قال لقومه ألا تتقون () أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين﴾ (سورة الصافات: ١٢٤، ١٢٥).
إن تكذيب الصنم الإله بذكر اسمه يحتاج إلى جرأة وجسارة زائدة لأن ذلك يسبب مواجهته عداء شديد ومجابهة خصومة، وقد شنع النبي - ﷺ - على آلهة العرب المشهورة بأسمائها وأقام بذلك الحجة على المشركين ودعاهم إلى التوحيد قال تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى () ومناة الثالثة الأخرى () ألكم الذكر وله الأنثى () تلك إذا قسمة ضيزى () إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾ (سورة النجم: ١٩ - ٢٣).
وقد تجشم النبي أنواعا من البلاء والمحن لأنه رفع صوته ضد كثير من الأصنام الآلهة.
نوح ﵇: هو أول رسول مرسل من عند الله، ركز جهوده على الدعوة إلى التوحيد وتحمل في سبيل ذلك الشدائد راضيا منشرح الصدو. ورد ذكره في عدة مواضع في القرآن فمنها موضعان ذكر فيهما النبي نوح ونبينا محمد - ﷺ - في آية واحدة، وفي كل من الموضعين قدم ذكر النبي - ﷺ - على نوح ﵇.
ألف - ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ (سورة النساء: ١٦٣).
ب - ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم﴾. (سورة الأحزاب: ٧).
[ ٥١٥ ]
فالآية الأولى تخبر بأن الوحي إلى جميع الأنبياء واحد في حقيقته، والآية الثانية تخبر بأسماء أولي العزم من الرسل.
وتأملوا أيضا فقد روعي في الأسماء التي ذكرت من نوح إلى عيسى الترتيب الزمني، أما اسم النبي - ﷺ - فتقدم ذكره على سائر الأسماء، والترتيب يقتضي أن يذكر بعد عيسى بن مريم.
٢ - قال تعالى في شأن نوح ﵇: ﴿إنا أرسلنا نوحا إلى قومه﴾ (سورة نوح: ١).
هذا وسورة التوبة والشعراء وص وهود كلها تبين أن نوحا لم يرسل إلا إلى قومه أما نبينا محمد - ﷺ - فقال الله في حقه: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو﴾ (سورة الأعراف: ١٥٨).
ويظهر من هذه الآية أن الله جعل رسالة محمد - ﷺ - شاملة للعالم كله.
٣ - حكى الله عن نوح ﵇ قوله: ﴿وما أنا بطارد المؤمنين﴾ (سورة الشعراء: ١١٤).
ويفهم من هذه الآية ما كان عليه نوح من حسن خلق وتعطفه على المؤمنين وبذلك أمر الله النبي - ﷺ - أيضا فقال: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ (سورة الأنعام: ٥٢).
٤ - قال الله لنوح ﵇: ﴿يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك﴾ (سورة هود: ٤٨).
تبين هذه الآية أن الله أنزل بركات على من كانوا مع نوح ﵇ من الأمم لمصاحبتهم إياه.
وقال الله مخاطبا أمة النبي - ﷺ -:
الف - ﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته﴾ (سورة الأحزاب: ٤٣).
ب - ﴿يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ (سورة المائدة: ٦).
ج - ﴿ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام﴾ (سورة الأنفال: ١١).
[ ٥١٦ ]
هود ﵇
صالح ﵇
وفي كل من الآيات الثلاث وعد الله أصحاب محمد - ﷺ - بالصلاة عليهم وتطهيرهم وإتمام النعمة عليهم وإذهاب رجز الشيطان عنهم والربط على قلوبهم وتثبيت أقدامهم ودخل معهم في جميع ما وعدهم الله به ﴿الذين اتبعوهم بإحسان﴾. وهذه البركات كلها نالتها أمة محمد - ﷺ - لاتباعها وحبها لمحمد - ﷺ -.
هود ﵇: (١) اعترض قوم هود ﵇ على نبوته لأنه بشر وورد اعتراضهم في القرآن الكريم هكذا ﴿ما نراك إلا بشرا مثلنا﴾ (سورة هود: ٢٧).
وكان هذا هو اعتراض الكفار على النبي - ﷺ - إذ قالوا ﴿أبعث الله بشرا رسولا﴾ (سورة الإسراء: ٩٤).
وكان الأغنياء من قوم هود يقولون لهود: ﴿وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي﴾ (سورة هود: ٢٧).
ومثل ذلك كان يقول المتكبرون في مكة لأصحاب النبي - ﷺ -: ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء﴾ (سورة البقرة: ١٣).
والذين وصفهم هؤلاء الكفار المغرورون بالسفهاء رأي العالم أنهم هم الذين ملأوا الدنيا أمنا وسلاما ولقنوا درس المساواة وأمدوا جزيرة العرب ومصر وإيران والشام والعراق وفلسطين بالعلوم والحضارة. إذا كان هذا شأن اتباع محمد - ﷺ - فكيف بالنبي ومنصبه الرفيع العلي؟
قال هود للكفار من قومه: ﴿ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك﴾ (سورة هود: ٣١).
وقد وردت نفس الألفاظ في الآية رقم (٥٠) من سورة الأنعام وجاء في أولها كلمة " قل " التي تدل على أن الله أمر نبيه بإبلاغ هذه الألفاظ للناس وذلك ليعلموا أن نبي الله لا يحب لنفسه السمعة الكاذبة بل يكفيه ما قدره الله له من ثناء صادق.
صالح ﵇ (٢): أخبر الله تعالى بأن دعوة صالح ﵇ إنما كانت تدور
_________________
(١) عاش هود ﵇ قبل إبراهيم ﵇.
(٢) عاش صالح ﵇ قبل إبراهيم ﵇.
[ ٥١٧ ]
خليل الرحمن إبراهيم ﵇
حول إثبات التوحيد وإبطال الشرك: ﴿يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب﴾ (سورة هود: ٦١) وكانت دعوة محمد - ﷺ - كما أمره ربه:
﴿قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب () قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين () وأمرت لأن أكون أول المسلمين () قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم () قل الله أعبد مخلصا له ديني () فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين﴾ (سورة الزمر: ١٠ - ١٥).
فتدبروا في هذه الآيات التي شملت جوانب دعوة النبي - ﷺ - كيف كان يعلم التوحيد على أحسن وجه وأروع أسلوب.
خليل الرحمن إبراهيم ﵇: كان النبي - ﷺ - أقرب ما يكون إلى سيدنا إبراهيم ﵇، وإبراهيم ﵇ هو الذي دعا الله ليبعث في مكة رسولا.
قال الله تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾ (سورة النحل: ١٢٣).
ولهذا علينا التفكير في الأمور التالية:
١ - ألقي إبراهيم في النار فذكر ﷾ هذا بقوله: ﴿يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾ (سورة الأنبياء: ٦٩).
وقال ﷾ في شأن نبيه - ﷺ -: ﴿كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله﴾ (سورة المائدة: ٦٤).
٢ - بنى إبراهيم الكعبة المشرفة: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾ (سورة البقرة: ١٢٧).
واختارها النبي - ﷺ - قبلة له فأنزل الله حكمه بذلك حين رأى قلبه يميل إلى ذلك. ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها﴾ (سورة البقرة: ١٤٤).
٣ - حطم إبراهيم الأصنام:
[ ٥١٨ ]
﴿فجعلهم جذاذا﴾ (سورة الأنبياء: ٥٨).
وكذلك طهر النبي - ﷺ - الكعبة من أرجاس ثلاثمائة وستين صنما وأبطل عبادتها إبطالا أبديا: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾ (سورة الإسراء: ٨١).
٤ - تزوج إبراهيم في أول عمره زوجة واحدة واكتفى بها ثم عدد في آخر عمره وعمل النبي - ﷺ - أيضا بهذه السنة الإبراهيمية.
٥ - أذن إبراهيم في الناس بالحج: ﴿وأذن في الناس بالحج﴾ (سورة الحج: ٢٧).
وجاء النبي - ﷺ - بفريضة الحج مع شروط الاستطاعة: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ (سورة آل عمران: ٩٧).
٦ - جعل الله إبراهيم أسوة حسنة يتحلى بالصفة الجليلة ألا وهي البغض لله. ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله﴾ (سورة الممتحنة: ٤).
وكذلك جعل الله النبي أسوة حسنة يتحلى بالصفة الجليلة ألا وهي الحب في الله: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾ (سورة الأحزاب: ٢١).
وبهاتين الصفتين يكمل الإيمان بالله تعالى وفيهما جعل الأب الأعظم، وسيد ولد آدم أسوة حسنة للعالم فعلى الناس أن يعرفوا سيرتهما وأقوالهما وأفعالهما حتى لا يصدر منهم إلا ما هو مقبول عند الله من قول أو فعل أو عمل.
٧ - أشاد الله بخلق إبراهيم ﵇ وأثنى عليه فقال: ﴿إن إبراهيم لأواه حليم﴾ (سورة التوبة: ١١٤).
وكذلك وصف القرآن الكريم خلق النبي - ﷺ - ونوه به فقال: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (سورة القلم: ٤). ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ (سورة آل عمران: ١٥٩).
[ ٥١٩ ]
لوط ﵇
٨ - ذكر القرآن الكريم ما جرى بين إبراهيم وبين منكري وجود الله من مناظرة فقال: ﴿فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب﴾ (سورة البقرة: ٢٥٨).
وكذلك ذكر القرآن الكريم ما أقامه النبي من حجج وبراهين على منكري البعث فقال: ﴿قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم () الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون﴾ (سورة يس: ٧٩ - ٨٠).
وهناك وجه آخر للشبه التام بين واقعتين وهو أن البراهين التي أقامها إبراهيم كانت من الله آتاها الله إبراهيم كما قال تعالى: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم﴾ (سورة الأنعام: ٨٣)
كما أن البراهين التي احتج بها النبي هي أيضا من الله أوحى إليه بها. وكلمة " قل " في الآية المذكورة تكشف عن هذا السر.
لوط ﵇ (١): هو ابن أخي إبراهيم ﵇ وأول من آمن بإبراهيم بعد سارة هاجر إلى الله حبا لخليل الرحمن، وتغرب في البلاد.
١ - هدده قومه بالنفي: ﴿لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين﴾ (سورة الشعراء: ١٦٧).
وقد هم الناس بإخراج النبي - ﷺ - كذلك، أخبر بذلك القرآن الكريم: ﴿نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول﴾ (سورة التوبة: ١٣).
٢ - أخبر الله سبحانه عن حال قوم لوط ﵇ بهذه الألفاظ الجامعة. ﴿كانت تعمل الخبائث﴾ (سورة الأنبياء: ٧٤)
وقال تعالى يمدح النبي ويثنى عليه: ﴿ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ (سورة الأعراف: ١٥٧).
_________________
(١) عاش لوط قبل سنة ١٨٩٨ من مولد المسيح ﵇ ولا يعرف زمن وفاته.
[ ٥٢٠ ]
إسماعيل ﵇
إسحاق ﵇
٣ - ذكر القرآن الكريم نزول الملائكة لنصرة لوط ﵇ وتدمير أعدائه: ﴿يالوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك﴾ (سورة هود: ٨١).
وقال الله لنبيه - ﷺ - يخبره عن إمداده إياه بالملائكة: ﴿يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين﴾ (سورة آل عمران: ١٢٥).
إسماعيل ﵇: يخبر القرآن عن صفة إسماعيل ﵇ فيقول: ﴿كان صادق الوعد﴾ (سورة مريم: ٥٤).
وذكر الله سبحانه على لسان المؤمنين إنجاز ما وعد به النبي فقال: ﴿قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله﴾ (سورة الأحزاب: ٢٢).
٢ - وكذلك أخبر عن صفة إسماعيل فقال: ﴿وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة﴾ (سورة مريم: ٥٥).
هذه الآية تخبرنا بأنه يجب أن تبدأ الدعوة أولا بالأسرة والأهل.
وقال تعالى للنبي - ﷺ -:
أ - ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها﴾ (سورة طه: ١٣٢)
ب - ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ (سورة الشعراء: ٢١٤)
ويفهم من هاتين الآيتين أن النبي - ﷺ - بلغ عشيرته الأقربين رسالته كما بلغها أهله.
٣ - قال تعالى: ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ (سورة البقرة: ١٢٥).
والواضح أن إسحاق وذريته لا يدخلون في هذا العهد وابن إسماعيل وهو النبي - ﷺ - قد أعلن للناس أمر الله تعالى وهو ما ذكره القرآن الكريم:
﴿فولوا وجوهكم شطره﴾ (سورة البقرة: ١٤٤).
ويتضح من هذا الحكم أن النبي - ﷺ - بين أن الكعبة هي قبلة مساجد الدنيا كلها.
إسحاق ﵇: فلما أفرد القرآن ذكر إسحاق ﵇ مفردا وإنما يذكر اسمه
[ ٥٢١ ]
مع إبراهيم (١) أو إسماعيل أو يعقوب ﵈.
١ - قال تعالى: ﴿وبشرناه بإسحاق﴾.
هذا يدل على أن إسحاق بشر بولادته قبل أن يولد وكفى به فضيلة وعلوا.
٢ - وأخبر سبحانه عن النبي - ﷺ - أن عيسى قال للناس فيه: ﴿ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ (سورة الصف: ٦).
يعقوب ﵇: (٢) ذكر القرآن الكريم وعظ يعقوب إلى بنيه: ﴿إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون﴾ (سورة البقرة: ١٣٣).
وهذه هي الرسالة التي دعا النبي - ﷺ - العالم كله إليها: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ (سورة البقرة: ٢١، ٢٢).
٢ - وكان من تعاليم يعقوب ﵇: ﴿ولا تيئسوا من روح الله إنه لا يايئس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ (سورة يوسف: ٨٧).
وذلك أيضا هو تعليم النبي - ﷺ - لأمته: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ (سورة آل عمران: ١٣٩)
_________________
(١) كان عمر إبراهيم مائة سنة كاملة حين ولد له إسحاق، وكان ابن أربعين سنة حين تزوج ربقة وهي حفيدة نحور أخي إبراهيم ﵇، وكان ابن ستين سنة حين ولد له توأمان عيسو ويعقوب. قضى معظم حياته في أرض فلسطين وتوفي وعمره ١٨٠ سنة ودفن بجنب أبيه.
(٢) لما بلغ أشده توجه إلى بيت خاله وتزوج ابنتين له. قضى هناك عشرين سنة ثم رجع إلى الشام ولقبه الله بإسرائيل في عودته. توفي إسحاق بعد عودته. وبعد وصوله إلى الشام ألقى إخوة يوسف يوسف في غيابة الجب ولما علم بوجود يوسف قدم مصر مع أبنائه وأحفاده وأزواجه الذين كانوا ٦٨ رجلا. وقضى بها ١٧ سنة. وتوفي وعمره ١٤٧ سنة. حنطوا نعشه بالعطور أربعين يوما، حملوه إلى كنعان ودفنوه في مقبرة إبراهيم ﵇.
[ ٥٢٢ ]
يوسف ﵇
٣ - حضر بنو يعقوب الآثمون يطلبون منه أن يستفر لهم: ﴿يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين﴾ (سورة يوسف: ٩٧).
فأجابهم يعقوب: ﴿سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم﴾ (سورة يوسف: ٩٨).
خاطب الله تعالى جميع أهل الأرض وأخبرهم بمكانة النبي - ﷺ - وأنه رحمة للعالمين.
﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾ (سورة النساء: ٦٤).
ولكي نعرف مكانة الرسول العظمى علينا أن نقف وقفة تأمل أمام قول الله ﴿واستغفر لهم الرسول﴾ وهذا هو السر في ورود التأكيد على أن نصلي على النبي - ﷺ - في أول الدعاء وآخره. فقد كان بإمكان الرعيل الأول الحضور إلى النبي ليسألوه أن يدعو لهم فلما انقضى ذلك العصر الميمون لم يبق للناس من طريق إلا أن يصلوا على النبي - ﷺ - ليستحقوا بذلك رحمة الله وبركاته. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد في الأولين والآخرين وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
يوسف ﵇: وصف يوسف في الحديث الشريف بالكريم " الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ".
ووردت في القرآن قصة رؤياه: ﴿إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾ (سورة يوسف: ٤).
تحققت رؤيا يوسف هذه بعد بضع سنوات وخر له إخوته سجدا حين ذهبوا للقائه وقد تحققت رؤياه ولكن بعد مدة طويلة لقى فيها يوسف شدائد ومحنا لعداء إخوته له وواجه إخوته أيضا مصائب كثيرة بعد فراق يوسف لأنهم ما كانوا يعلمون أن وجوده فيهم يمن وبركة لهم.
وقد ذكر القرآن الكريم رؤيا النبي أيضا فقال: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون﴾ (سورة الفتح: ٢٧).
[ ٥٢٣ ]
شعيب ﵇
تحققت هذه الرؤيا بعد سنة واحدة وقد عاش النبي - ﷺ - ثماني سنوات بعيدا عن مكة، ونكب أهلها خلال هذه الفترة بالجدب والحرب، وإذا كانت رؤيا يوسف فيها شيء من الاستعارة فإن رؤيا النبي - ﷺ - أوضح وأظهر من أي استعارة فقد ظهرت عيانا وإلى ذلك تشير كلمة "بالحق" في الآية المذكورة.
٢ - وجهت إلى يوسف التهمة باسم امرأة العزيز، ووجهت التهمة إلى النبي باسم امرأة زيد كذلك، وإذا كان هناك فرق داخلي بين الواقعتين فهو رمي يوسف بالفاحشة واتهام النبي - ﷺ - بأنه تزوج من زوجة ابنه.
٣ - كانت مؤامرة إخوة يوسف ضد يوسف ﵇ هى: ﴿اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا﴾ (سورة يوسف: ٩).
وكانت مؤامرة قريش ضد النبي - ﷺ - هى: ﴿وإاذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك﴾ (سورة الأنفال: ٣٠).
نجحت مؤامرة إخوة يوسف فألقوه في غيابة الجب ولكن الله حفظ النبي - ﷺ - من شر أعدائه.
٤ - دخل إخوة يوسف عليه يقولون له: ﴿يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا﴾ (سورة يوسف: ٨٨).
وكذلك ابتلى أهل مكة بالجدب ومسهم الضر بعد هجرة النبي إلى المدينة وهو ما ورد في الآية التالية:
﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم﴾ (سورة الدخان: ١٠، ١١) وبذلك فسر ابن مسعود ﵁ هذه الآية كما في صحيح البخاري.
٥ - أوفى يوسف لإخوته الكيل من مصر. وأمر النبي - ﷺ - ثمامة بن أثال أن يرسل الغلة من نجد إلى أهل مكة.
شعيب ﵇: أرسل شعيب ﵇ نبيا إلى قوم مشركين أغنياء مطففين الكيل ولذلك كانت مواعظه في معظمها خاصة في الأموال بعد دعوته لهم بالتوحيد.
[ ٥٢٤ ]
١ - ذكر القرآن الكريم مواعظ شعيب لقومه فقال: ﴿ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾ (سورة هود: ٨٥)
وقد أرشد النبي - ﷺ - أيضا أمته إلى ذلك كما تدل عليه الآيات التالية: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾. (سورة المطففين (١ - ٣).
٢ - وأخبر سبحانه عن شعيب ﵇: ﴿قال الملأ الذين استكبروا من قومة لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا﴾ (سورة الأعراف: ٨٨).
وكذلك ذكر القرآن الكريم ما لقيه أصحاب النبي - ﷺ - من نفي وما قاموا به من نصرة الله ورسوله فقال: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله﴾ (سورة الحشر: ٨).
٣ - قال الكفار لشعيب حين أعجزتهم أدلته: ﴿يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول﴾ (سورة هود: ٩١).
وحدث هذا للنبي - ﷺ - مع الكفار إذ تقول الآية الكريمة ﴿وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب﴾ (سورة فصلت: ٥).
وأجابه اليهود بمثلى ما أجابه المشركون: ﴿وقالوا قلوبنا غلف﴾. (سورة البقرة: ٨٨).
٤ - قال قوم شعيب ﵇ له: ﴿يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾ (سورة هود: ٨٧).
ومن المعروف أن هؤلاء القوم المرابين كانوا يتمنون أن يرضوا نبيهم بصلاتهم، ويستمروا أيضا في أكل الربا بالبقاء على شركهم الموروث، فإذا لم يتمكنوا من الجمع بين الصلاة وبين أكل الربا، تركوا مثل هذه الصلاة، وإذا لم يتمكنوا من الجمع بين هذه
[ ٥٢٥ ]
كليم الله موسى ﵇
الصلاة والوثنية رفضوا مباشرة أي أمر لنبيهم، ومن الممكن أن يكون قد تمنى هذا رجل من الأغنياء في زمن النبي - ﷺ - أيضا قبل أن يدخل الإسلام قلبه، فأنزل الله الآية التالية للقضاء على أمنية مثل هؤلاء حتى يكمل إيمان المسلمين. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ (سورة البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩).
ويرى كاتب هذه السطور أنه (إذا رفع أحد أمره إلى القاضي المسلم يطلب مبلغ القرض مع الربا فعلى القاضي أن يرفض دعواه كلية لأن الحصول على رأس المال إنما يتوقف على التوبة "إن تبتم".
كليم الله موسى ﵇: يمتاز موسى ﵇ بين أنبياء بني إسرائيل بميزة خاصة. وفي التوراة لم يرسل نبي إلى بني إسرائيل كموسى. (التثنية [ص:٣٣]).
١ - يخيل إلى حين أدرس أخبار موسى ﵇ أنه ولد يتيما. ويؤيد ظني هذا وحي الله إلى أم موسى أن تلقي موسى في اليم وقولها لابنتها قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون، وعدم ذكر أبي موسى في الموضعين، والله أعلم وكان النبي - ﷺ - يتيما كذلك قبل قدومه إلى هذه الدنيا.
٢ - ربت آسية موسى فاستوجبت الفضيلة وكذلك عاملت حليمة السعدية النبي - ﷺ - معاملة الأم لابنها فاحتلت مكانة " ﵂ ".
٣ - نجا موسى من أعدائه وكذلك نجا النبي - ﷺ - ممن حاصروه من المشركين وذر الرماد على عيونهم وأخذ طريقه إلى غار ثور.
٤ - عرفت ابنتا شعيب موسى ﵇ لما كان يتصف به من صفة القوة والأمانة وعرفت خديجة النبي - ﷺ - لما كان يتصف به من صفة الصدق والأمانة ففدته بنفسها.
٥ - ذكر الله تكليمه لموسى في قوله: ﴿فلما قضى موسى الأجل وسار بأهل﴾: إلى قوله ﴿رب العالمين﴾ سورة القصص: ٢٩، ٣٠)
جاء ذكر هذه الرؤية بكلمة النار والوادي والشجرة والنداء.
[ ٥٢٦ ]
وجاء ذكر رؤية النبي أيضا في القرآن. وفيما يلي الآيات التي تتعلق برؤيته - ﷺ -: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا﴾ (سورة الإسراء: ١).
وقال تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ إلى قوله ﴿من آيات ربه الكبرى﴾ (سورة النجم: ١٣ - ١٨).
وقال: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ (سورة النجم: ١١).
وقال: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ (سورة النجم: ١٠).
ولا يعلم أحد على وجه الدقة ما في هذه الرؤية من الروحانية والمشاهد العينية واليقين القلبي إلا الله ورسوله، ولكن جزالة اللفظ وفخامة المعنى وعلو المفهوم يجعل هذه الكيفية متصورة متشكلة في العقل البشري، ويتلذذ بها القلب والعقل مع ما في هذا الأمر من استعجاب وحيرة.
٦ - اتبع فرعون موسى وبني إسرائيل وكاد يدركهم إذ نادى بنو إسرائيل: (إنا لمدركون﴾ (سورة الشعراء: ٦١).
فأجابهم موسى: ﴿كلا إن معي ربي سيهدين﴾ (سورة الشعراء: ٦٢).
تدبروا قليلا، فموسى ﵇ لم يدخل معه قومه في المعية الربانية فقد كانوا لا يزالون على المكانة المنحطة التي لا تؤهلهم لهذه المعية. ومثل ذلك وقع للنبي - ﷺ - كان هو وأبو بكر في غار ثور والكفار قد وصلوا إليه، كان لسان أبي بكر لا ينطق، ولكن قلبه يموج حزنا وغما وهنالك قال النبي - ﷺ -: (لا تحزن إن الله معنا) (سورة التوبة: ٤٠).
إذا تأملنا في قول موسى " معي " وقول النبي " معنا " علمنا ما يملكه النبي - ﷺ - من قوة العاطفة حيث أشرك صاحبه معه في المعية الإلهية التي كانت له وحده.
٧ - كفر بنو إسرائيل بموسى حين أمرهم بالجهاد وأجابوه: ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون﴾ (سورة المائدة: ٢٤).
فعاقبهم ربهم على ذلك وقال:
[ ٥٢٧ ]
(فإنها محرهة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلاتأس على القوم الفاسقين﴾ (سورة المائدة: ٢٦).
ثم غفر لهم خطيئتهم هذه بعد أربعين سنة، فجاهدوا مع يوشع بن نون بعد ما توفي موسى فانتصروا.
ومثل هذا وقع للأعراب في زمن النبي - ﷺ - قال تعالى: ﴿قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا﴾ (سورة الفتح: ١٦).
نزلت سورة الفتح سنة سبع من الهجرة ولم يدع هؤلاء المخلفون إلى الجهاد في حياة النبي - ﷺ - لأن القرآن قد كان أخبرهم حين استأذنوا النبي للجهاد:
﴿فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا﴾ (سورة التوبة: ٨٣).
وفي السنة الحادية عشرة من الهجرة دعا أبو بكر جميع القبائل والأفراد إلى الجهاد فاجتمعوا له زرافات ووحدانا. وتبين منه فضل النبي - ﷺ - حيث كانت خطيئة بني إسرائيل وخطيئة المسلمين من الأعراب واحدة إلا أن بني إسرائيل غفر لهم ذنبهم بعد أربعين سنة قضوها حائرين متغربين، وغفرت للمسلمين خطيئتهم خلال أربع سنوات، كما ثبت منه أن دعوة أبي بكر إلى الجهاد كانت من أمر الله، وخلافته كانت كخلافة يوشع بن نون. ويكتمل وجه الشبه هنا حين نرى أن الأرض الموعودة بشر بها موسى قومه، وتمت هذه البشرى على يد يوشع بن نون وكذلك بشر النبي أصحابه بالأرض الموعودة وتم ذلك في خلافة أبي بكر وعمر.
٨ - وذكر القرآن الكريم ما صار إليه أمر عداوة فرعون لبني إسرائيل وظلمه لهم فقال: ﴿فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل﴾ (سورة الشعر اء: ٥٧ - ٥٩).
وكذلك هجم الكفار بخيلهم ورجلهم على النبي - ﷺ - والمسلمين فذكر الله مصيرهم فقال: ﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا﴾ - إلى - ﴿وكان الله على كل شيء قديرا﴾ (سورة الأحزاب: ٢٥ - ٢٧)
[ ٥٢٨ ]
هارون ﵇
٩ - لما بشر موسى بالنبوة قال: ﴿رب اشرح لي صدري﴾ (سورة طه: ٢٥).
وقال الله في شأن النبي - ﷺ -: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (سورة الشرح: ١)
١٠ - لما اشتغل موسى بمهام النبوة سأل الله: ﴿واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي﴾ (سورة طه: ٢٩، ٣٠).
وقال الله في شأن نبيه - ﷺ -: ﴿ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك﴾ (سورة الشرح: ٢، ٣).
١١ - قال موسى لربه حين أتاه: ﴿وعجلت إليك رب لترضى﴾ (سورة طه: ٨٤).
وقال الله في شأن نبيه - ﷺ -: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ (سورة الضحى: ٥).
إن الآية الأولى طلب فيها رضا الرب والآية الثانية تنطق برضا محمد - ﷺ -.
هارون ﵇ (١): كان هارون شقيق موسى الأكبر، أكرم بالنبوة لدعاء موسى ربه وسؤاله له في ذلك.
١ - في التوراة أن هارون كان يتعهد المعبد ويؤم الناس جميعا.
وثبت من القرآن الكريم أن النبي - ﷺ - كان يصلي بالناس بنفسه والناس يصلون معه.
قال تعالى: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك﴾ (سورة المزمل: ٢٠).
وقال: ﴿الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين﴾ (سورة الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩).
_________________
(١) توفي هارون ﵇ [بعد] موسى بسنتين سنة ١٤٥٣ ق. م.
[ ٥٢٩ ]
٢ - قال الله على لسان موسى: ﴿وأخي هارون هو أفصح مني لسانا﴾ (سورة القصص: ٣٤).
وذلك يدل على كمال فصاحة هارون وبلاغته.
إن الفصاحة والبلاغة أمر وجداني يصعب تصويرها بالكلمات، ومن الجدير بالذكر أن الفصاحة والبلاغة تتعلق بالألفاظ كما تتعلق بالمعاني، وتتعلق بالأسلوب كما تتعلق بمناسبة الكلام، وكذلك فإن الفصاحة والبلاغة لها شأنها في كل من الألفاظ والمعاني، وأسلوب الكلام، ومناسبة هذا الكلام، وشأن القائل ومنزلة المستمع، فإذا تضمن الكلام هذه الأوصاف كلها فلا شك أنه يبلغ قمة الفصاحة والبلاغة.
وهذه الأوصاف كلها توفرت في كلام النبي - ﷺ - توفرا يجعل الناقد البصير يعترف بقصور باعه وقلة شأنه فيها. وأسوق هنا للنبي - ﷺ - نماذج من أقواله تبين ما فيها من وضوح البيان وإيجاز الكلام وجزالة اللفظ وجمال المنطق:
«- ما هلك امرؤ عرف قدره.
- حبك للشيء يعمي ويصم.
- اليد العليا خير من اليد السفلى.
- الخير كثير وقليله فاعله.
- رحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت فسلم.
- ثلاث منجيات وثلاث مهلكات، فأما المنجيات فخشية الله في السر والعلانية، والاقتصاد في الغنى والفقر، والحكم بالعدل في الرضا والغضب؛ وأما المهلكات فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه.
- لا تزال أمتي بخير ما لم ترى الأمانة مغنما والصدقة مغرما».
وأتطرق الآن إلى ما نحن بصدده:
فأقول إن القرآن الكريم يشير إلى ما يملكه النبي من فصاحة وبلاغة فيقول على لسان أعدائه - ﷺ -: ﴿إن هذا إلا سحر يؤثر﴾ (سورة المدثر: ٢٤).
[ ٥٣٠ ]
اليسع ﵇
داود ﵇
ومهما قال عنه الأعداء إنه سحر أو غير ذلك فإن الواقع يشهد بأن كلامه لم يخرج من فمه إلا وأخذ بمجامع القلوب وتغلغل في النفوس.
وباختصار اعترف العرب بكمال فصاحة النبي وبلاغته، وإذا كان هناك من أنكر نبوته إلا أن أحدا في جزيرة العرب لم ينكر له فصاحته، وقد قلت جزيرة العرب لأن العرب كانت توجد فيهم لهجات مختلفة ولغات متعددة، انظروا حوار النبي - ﷺ - مع أهل الحجاز ثم حواره مع أهل المدينة وهلم جرا. وكذلك تأملوا الكلمات التي وجهها إلى وائل الكندي وقطن العليمي وطهفة النهدي وأبي ثور بن نمط الهمداني وغيرهم من ملوك اليمن وحضرموت لتعرفوا أنه - ﷺ - كان في كل لهجة ولغة بحرا يزخر بالفصاحة ويموج بالبلاغة.
اليسع ﵇ (١): اليسع أو يسع هو الذي ورد في التوراة باسم يوشع بن نون.
١ - ووصف اليسع في سورة الكهف بفتى موسى وورد في القرآن ذكر فتى النبي أيضا وهو زيد.
٢ - واليسع هو الذي ذكر في هذه الآية: ﴿قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما﴾ (سورة المائدة: ٢٣).
وقد جاء ذكر زيد كذلك في القرآن بهذه الكلمات: ﴿أنعم الله عليه وأنعمت عليه﴾ (سورة الأحزاب: ٣٧).
٣ - ورد اسم اليسع في سورة ص، وأخبر الله أنه من الأخيار. وذكر القرآن الكريم نزول الخير على النبي وبالتالي على أمته فقال: ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم﴾ (سورة البقرة: ١٠٥).
داود ﵇: داود ﵇ هو الذي أعاد لبني إسرائيل عزتهم الضائعة وجعل من اثنتي عشرة أسباطا جماعة واحدة وجاهد الكافرين وحفظ لقومه وبلده العزة
_________________
(١) توفي يوشع بن نون قبل ١٤٦٦ سنة من مولد المسيح وعمره ١١٠ سنوات وهو الذي فتح بعد موسى بخمس وأربعين سنة الأرض الموعودة بالخلافة والنبوة. (سفر يشوع ٢٤/ ٢٩).
[ ٥٣١ ]
والكرامة وجمع بين الحكومة والنبوة والدين والدنيا، إنه أشبه ما يكون بالنبي - ﷺ - وهو الذي بشر بني إسرائيل بقدوم النبي - ﷺ - وأخبرهم بآثاره وعلاماته.
١ - قال تعالى يمدح داود ويثني عليه: ﴿ولقد آتينا داود وسليمان علما﴾ (سورة النمل: ١٥)
ولاشك أن العلم نعمة ما فوقها نعمة، ولا سيما علم الأنبياء الذي يتلقونه مباشرة من رب العالمين ولذلك فقد صرح الله بذلك في قوله: (وكلا آتينا حكما وعلما﴾ (سورة الأنبياء: ٧٩).
وقال تعالى في شأن النبي - ﷺ -: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾ (سورة النساء: ١١٣).
وقال: ﴿وقل رب زدني علما﴾ (سورة طه: ١١٤).
الآية الأولى تنص على أن النبي - ﷺ - ألهم جميع المعارف والعلوم مرة واحدة ودلت الآية الثانية على أن علمه كان في تزايد مستمر كل حين بإذن ربه.
قال تعالى في شأن داود ﵇: ﴿ولقد آتينا داود منا فضلا﴾ (سورة سبأ: ١٠)
وقال في شأن النبي - ﷺ -: ﴿وكان فضل الله عليك عظيما﴾ (سورة النساء: ١١٣).
٣ - قال تعالى لداود: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى﴾ (سورة ص: ٢٦).
اسم الأرض يطلق على أرض الميعاد وهذه هي الأرض التي جعل الله فيها داود خليفة وكتب الله الأرض الموعودة لذرية إبراهيم إلى يوم القيامة. وقبل أن يبشر داود بالخلافة في الأرض كان يرعى الغنم فرفع الله درجته وجعله خليفة في الأرض.
في القرآن أخبر النبي أن الله سيستخلف الذين آمنوا في الأرض: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني
[ ٥٣٢ ]
لا يشركون بي شيئا﴾ (سورة النور: ٥٥).
إذا تأملنا هذه الآية وضحت لنا الأمور التالة:
(الف) المخاطبون في هذه الآية هم من كانوا يتصفون قبل نزولها بصفة الإيمان والعمل الصالح.
ب - وعد الله في هذه الآية باستخلاف المؤمنين في الأرض.
ج - هذه الخلافة هبة من عند الله.
د - هذا الاستخلاف إنما يكون في تلك الأرض التي استخلف الله فيها عباده الصالحين من قبل.
هـ - من علامات هذه الخلافة تمكن دين الله الذي ارتضى لهم فيها.
و- ومن علاماتها أيضا قيام الأمن والسلام وتلاشي الخوف والذعر.
ز - الذين يتولون أمور الخلافة هم من عباد الله المخلصين العابدين.
ح - دخل في هذا الوعد أكثر من مسلمين اثنين فإن الضمير في قوله " ليستخلفنهم " للجمع وصيغة الجمع في العربية تكون لأكثر من اثنين.
ويجب هنا تعيين زمن نزول هذه الآية، فهذه الآية من سورة النور، وسورة النور مشتملة على قصة الإفك التي وقعت في غزوة المريسيع في سنة خمس من الهجرة. وأما السر في ذكر الخلافة بعد ذكر قصة الإفك فهو أنه لما أحزن المفترون الكذابون قلب أبي بكر، ونالوا منه، كان وعد الله بالخلافة، وفرج بذلك عن كربه وخفض من حزنه ولله الحجة الباقية، فكانت النتيجة أن الآية نزلت في السنة الخامسة من الهجرة وترتب عليها أن اختير للخلافة من الصحابة من سبقوا إلى الإسلام، واتصفوا بصفة الإيمان والعمل الصالح قبل السنة الخامسة للهجرة.
فهؤلاء الخلفاء الأربعة أسلم كل منهم قبل السنة الخامسة بكثير فيدخل فيهم الحسن ﵁ الذي كانت مدة خلافته تسعة أشهر لأنه تكرم بالإسلام في السنة الثالثة من الهجرة ومن الناحية التاريخية كان أبو بكر وعمر هما أول من استخلفا في الأرض في الإسلام، وبما أن الفضل في خلافة الخلفاء الأربعة يرجع إلى إيمانهم بمحمد - ﷺ - فإن آية الاستخلاف لا تدل إلا على فضل النبي - ﷺ -.
[ ٥٣٣ ]
سليمان ﵇
٤ - قال تعالى في شأن داود ﵇: ﴿وألنا له الحديد﴾ (سورة سبأ: ١٠)
وقال في شأن من آمن بما جاء به النبي - ﷺ - من كلام: ﴿تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء﴾ (سورة الزمر: ٢٣).
سليمان ﵇: هو أشهر أبناء داود وهو الذي خلف أباه فأحسن خلافته من بين سبعة عشر أخا وثماني عشرة أختا له ومن ثم خصه القرآن بقوله: ﴿وورث سليمان داود﴾ (سورة النمل: ١٦)
١ - إن ما جرى بين سليمان ﵇ وبين رسل الملكة سبأ من حوار يدل على أن سليمان لم يكن يقيم لحطام الدنيا وزنا ولا يحسب له حسابا: ﴿أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم﴾ (سورة النمل: ٣٦).
وقال في شأن النبي - ﷺ -: (ووجدك عائلا فأغنى﴾ (سورة الضحى: ٨).
٢ - قال الله في شأن سليمان: ﴿ولسليمان الريح﴾ (سورة سبأ: ١٢).
وقال في شأن نبيه - ﷺ - وأحواله: ﴿إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها﴾ (سورة الأحزاب: ٩).
ذكرت هذه الآية من عمل الريح ما كان في تدمير أعداء الإسلام وتبديدهم وفي رواية لصحيح البخاري قال النبي - ﷺ - "نصرت بالصبا".
وقد وردت كلمة الريح في القرآن لأمة محمد - ﷺ - أيضا وإن اختلف معناها في ذلك الموضع عن هذا المعنى. قال تعالى: ﴿وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ (سورة الأنفال: ٤٦).
والحاصل أن سليمان كان يحكم الريح وكذلك بقيت هذه الريح في حوزة المسلمين الأولين ولما تنازعوا ذهبت هذه الريح وساءت أحوالهم.
٣ - ذكر الله قوة سليمان وعظمته فقال: ﴿وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير﴾ (سورة النمل: ١٧).
[ ٥٣٤ ]
يونس ﵇
وجاء ذكر هؤلاء الثلاثة في أحوال النبي - ﷺ - أيضا. فقال الله في سورة الجن: ﴿استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به﴾ (سورة الجن:٢، ١).
وقال في جنود من الإنس: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا﴾ (سورة النصر: ٢، ١).
وقال في ما كان للطير من خدمة وعمل: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف ماكول﴾.
اتفق المفسرون على أن هذا الحدث كان إرهاصا للنبوة فهو أيضا من فضائل النبي - ﷺ -. وقد استعمل القرآن صيغة الخطاب مرتين، مرة في قوله ﴿ألم تر﴾ ومرة في قوله ﴿ربك﴾ وذلك إن دل على شيء فإنما يدل على أن بيان المفسرين ﵏ توضيح كامل لإرادة الله.
يونس ﵇: (١) أرسل يونس رسولا إلى أرض نينوا، التي ضمت أكثر من مائة ألف نسمة، فكفر أهلها به، فغضب عليهم النبي يونس، وتولى عنهم، فتأسف الناس على ذلك ثم عاد إليهم يونس بأمر ربه فآمن به الناس جميعا.
١ - قال تعالى في شأن يونس ﵇: ﴿فالتقمه الحوت﴾ (سورة الصافات: ١٤٢).
قضى يونس في بطن الحوت ثلاثة أيام سويا. وقضى النبي - ﷺ - أيضا في بطن الغار ثلاثة أيام، ففي القرآن: ﴿إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾ (سورة التوبة: ٤٠).
دخل يونس في بطن الحوت بعد ما هجر الطغاة من قومه ودخل النبي - ﷺ - في بطن الغار بعد ما هاجر من مكة.
_________________
(١) عاش يونس بن متى نحو ٨٦٢ سنة من مولد المسيح.
[ ٥٣٥ ]
٢ - قال تعالى في شأن يونس ﵇: ﴿فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون﴾ (سورة الصافات: ١٤٣، ١٤٤).
وفي هذا دلالة على أن يونس لم يكن غافلا عن ذكر الله حتى في بطن الحوت. وكذلك ما كان محمد - ﷺ - غافلا عن ذكر الله في الغار أيضا بل كان يتمتع بالمعية الربانية كما قال تعالى: ﴿لاتحزن إن الله معنا﴾ (سورة التوبة: ٤٠).
٣ - جاء ذكر ما سبح به يونس في القرآن وهو: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ (سورة الأنبياء: ٨٧).
تأملوا هذه الآية لقد جمعت بين تقديس الله وتقصير العبد. وقد اجتمع هذان الأمران في جواب الرسول للكفار وهو: ﴿قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا﴾ (سورة الإسراء: ٩٣).
وقد سبح النبي - ﷺ - في هذه الآية بحمد ربه وبرأ نفسه من أن يزكيها. وهناك آيات كثيرة جمعت بين هذين الأمرين منها: ﴿فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون﴾ (سورة يس: ٨٣).
ومنها: ﴿سبحانك فقنا عذاب النار﴾ (سورة آل عمران: ١٩١).
٤ - وعد الله الذين آمنوا بالله ورسوله بالنجاة إذا دعوا الله ودعاء يونس: ﴿وكذلك ننجي المؤمنين﴾ (سورة الأنبياء: ٨٨).
أيوب ﵇: (١): من كبار الأنبياء، ورد اسمه في آخر حزب من سورة النساء ويتضح منه أنه نزل عليه الوحي من عند الله.
١ - قال تعالى في صفة أيوب:
_________________
(١) يرى أهل الكتاب أن زمن أيوب ﵇ كان قبل ١٥٢٠ سنة من مولد المسيح، وبعد البلاء كان أيوب قد ملك من الماعز أربعة عشر آلاف ومن الجمال ستين ألفا ومن الثيران ألفا ومن الحمير ألفا. وكان أبا لسبعة أبناء وثلاث بنات، وعاش ١٤٠ سنة.
[ ٥٣٦ ]
﴿إنا وجدناه صابرا﴾ (سورة ص: ٤٤).
والصبر فضيلة عليا من الفضائل المحمودة. ولن يحتل أحد منصبا عاليا دينيا كان أو دنيويا ما لم تتحقق فيه صفة الصبر. وقوة الإرادة والصمود والاستقلال والتوكل على الله ما هي إلا فروع للصبر.
قال الله في صفة نبيه - ﷺ -: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ (سورة النحل: ١٢٧).
وتبين هذه الآية للنبي - ﷺ - صفتين صفة الصبر وصفة الإخلاص. وقال تعالى: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ (سورة الطور: ٤٨).
وهذه الجملة في دنيا المحبة تدخل السرور على القلب والبهجة على النفس.
٢ - قال تعالى في صفة أيوب ﵇: ﴿نعم العبد﴾ (سورة ص: ٤٤).
وقد ثبت كمال عبودية النبي - ﷺ - في مواضع كثيرة، فالإسراء الذي هو مرتبة قصوى من مراتبه - ﷺ - قد ذكر الله فيه نبيه بكلمة العبد حيث قال: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾ (سورة الإسراء: ١).
وكذلك ذكر الله نبيه بكلمة العبد في صفة صلاته فقال: ﴿أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى﴾ (سورة العلق: ٩، ١٠).
وقال: ﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه﴾ (سورة الجن: ١٩).
ولعل هذا هو السر في كون الصلاة معراجا للمؤمنين.
٣ - قال تعالى في صفة أيوب: ﴿إنه أواب﴾ (سورة ص: ٤٤).
أما كيف كان أوابا إلى الله راجعا إليه فيوضحه القرآن فقال: ﴿واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب﴾ (سورة ص:٤١).
تبين من هذا أنه كان يدعو الله في المرض والصحة والشدة والرخاء وأنه كان يراعي الأدب في الدعاء، فلم يكن ينسب المرض والألم إلى الله عزوجل.
[ ٥٣٧ ]
يحى ﵇
وكان النبي - ﷺ - في كل لحظة من لحظات حياته يرجع إلى الله وذلك واضح من هذه الآية: ﴿إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ (سورة الأنعام: ١٦٢، ١٦٣).
زكريا ﵇:
قال تعالى عن زكريا: ﴿ذكر رحمت ربك عبده زكريا﴾ (سورة مريم: ٢).
وقال عن النبي - ﷺ -: ﴿رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا﴾ (سورة الإسراء: ٨٧).
وقال في موضع آخر: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (سورة الأنبياء: ١٠٧).
ذكر الله في هذه الآية النبي - ﷺ - بأنه رحمة أي أنه قد جعل وجوده رحمة، وذلك شرف دونه كل شرف.
ذكر الله دعاء زكريا ﵇ لربه فقال: ﴿إذ نادى ربه نداء خفيا﴾ (سورة مريم: ٣).
وقد تقبل منه هذا الدعاء فبشر بابن اسمه يحيى. وذلك يشير إلى ما كان عليه زكريا من شرف وعز حيث تقبل دعاؤه، ورزق ولدا، رغم ما كان يفقده من أسباب ظاهرية مادية. قال الله ﷿ في شأن نبيه - ﷺ -: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها﴾ (سورة البقرة: ١٤٤).
تدل هذه الآية على ما كان يتمتع به النبي - ﷺ - من عز وشرف فقد تقبل الله منه ما دار بخلده وظهر على وجهه، مع أنه لم ينطقه بلسانه، ولاشك أن هذا كان أمرا عظيما، فهو يتعلق بتحويل قبلة صلى إليها ألوف الأنبياء واعترفوا بقداستها، ولكن الله آثر رضا نبيه - ﷺ - على رضاهم، وقدم النزول عند رغبته على النزول عند رغبتهم فحول القبلة وقال: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾ (سورة البقرة: ١٤٣).
يحى ﵇: هو نتيجة لدعاء أبيه الهرم زكريا الذي دعا ربه في المحراب
[ ٥٣٨ ]
ومحمد - ﷺ - هو أيضا نتيجة لدعاء أبيه إبراهيم الهرم الذي دعا هو وابنه إسماعيل ربهما وهما يبنيان البيت:
١ - ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم﴾ (سورة البقرة: ١٢٧ - ١٢٩).
٢ - قال تعالى في شأن يحى ﵇: ﴿مصدقا بكلمة من الله﴾ (سورة آل عمران: ٣٩).
وصف القرآن عيسى بن مريم بكلمة الله وجعل يحيى مصدقا به. ومما لاريب فيه أن يحيى ﵇ أخبر الناس بقدوم عيسى بن مريم وأطلعهم على فضائله.
وسمى الله نبيه - ﷺ - مصدقا لما بين يديه. ومنه يتبين أن تصديقه للأنبياء كان أوسع وأشمل.
أ - أنبأ الناس بأسماء بعض الأنبياء وبين أخبارهم ممن لم يكن يعرفهم حتى أهل الكتاب مثل هود وصالح وشعيب.
ب - صدق بنبوة بعض ممن كذبه أهل الكتاب مثل سليمان الذي كذبه اليهود والنصارى وعيسى بن مريم الذي كذبه اليهود.
ج - أكبر من ذلك أنه أوضح مبدأ شاملا خفى عن أهل الأرض جميعا وهو أن بني إسرائيل كانوا يدعون بأن النبوة قاصرة على بني إسرائيل دون سواهم من الأمم، وكذلك البارسيون الذين ادعوا بأنه لم يؤت الله النبوة إلا أهل " مه " وهم من أصول فارسية، وبذلك ادعى الهنود وأهل الصين وأهل مصر من القدماء. فكان كل قوم يكذبون غيرهم فيما ادعوا به، وجر ذلك عليهم عداوة وبغضاء، فرقت بين الأمم والبلاد، فجاءالنبي - ﷺ - مصدقا لما بين يديه، وفك هذه العقدة وكشف هذا السر، فتلا عليهم آيات كثيرة وردت بألفاظ مختلفة وأساليب متنوعة:
﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ (سورة فاطر: ٢٤).
﴿ولكل قوم هاد﴾ (سورة الرعد: ٧).
[ ٥٣٩ ]
﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومة﴾ (سورة إبراهيم: ٤).
﴿ويوم نبعث من كل أمة شهيدا﴾ (سورة النحل: ٨٤).
وهذه التعاليم السمحة بقدر وسعتها وشمولها بقدر ما تزيد الشعوب والأمم حبا وودا وتتوطد العلاقات الأخوية فيما بينها.
٣ - وصف الله يحيى ﵇ بالسيد (آل عمران) وخاطب نبيه - ﷺ - أيضا بهذا الخطاب فقال: (يس) أي السيد (١).
٤ - وصف الله يحيى بالحصور أيضا وكان النبي - ﷺ - حصورا.
الحصور في اللغة الممسك (بفتح السن) والمراد به من حفظه الله بنفسه.
وقال الله في نبيه - ﷺ -: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ (سورة المائدة: ٦٧).
وقد ذكر للحصور معنى آخر وهو الممتنع عن الانغماس في الشهوات مع قدرته عليها. ويعلم من له خبرة ومعرفة بالسيرة النبوية أن النبي - ﷺ - لم يتزوج حتى بلغ الخامسة والعشرين من عمره ولما تزوج لم يكن ذلك برغبة منه وإنما كان برغبة من السيدة خديجة ﵂ وقد استجاب لها لأنه لم يكن يرد سؤال أحد. وكذلك يعلم الخبير بالسيرة أنه لم يكن في بيته إلا زوجة واحدة حتى سن الثالثة والخمسين، كانت خديجة ﵂ وحدها حتى الخمسين، وسودة وحدها إلى سن الثالثة والخمسين من عمره. وهاتان الزوجتان اللتان تزوجهما النبي - ﷺ - واحدة بعد الأخرى، كانتا قد فقدتا شبابهما ولا يرضى بنكاح مثلهما إلا من يكون "محصورا " أي من لا تستهويه خصائص الجنس اللطيف. أما ما كان له من نكاح مع غيرهما فيجد القارئ بيانه فيما كتبنا تحت عنوان أمهات المؤمنين، ويتبين أن ذلك لم يكن تنقلا في الشهوات أو تقلبا في الرغبات. واقرأوا قول الله ﷿: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي أتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة
_________________
(١) روى هذا المعنى عن الإمام جعفر الصادق. انظر كتاب الشفا طبع مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر ١٩٥٠م.
[ ٥٤٠ ]
مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين﴾ (سورة الأحزاب: ٥٠).
إذا نظر مؤرخ هنا وجد أن النبي - ﷺ - لم يتزوج إلا النوع الأول من النساء، ويذكر البعض اسما أو اسمين ضمن النوع الثاني ولكن في هذا شك. ويمكن أن يقول البعض بأن زينب بنت جحش داخلة في النوع الرابع، فنقول نعم إنها بنت لخالته ولكنها معدودة في النوع الأول، وبالجملة فإن من لم يلتفت إلى هذه الأنواع من النساء رغم حصوله على إذن الله بهن وإحلال القرآن لهن، يكون دون أدنى شك إنسانا محصورا بالمعنى سابق الذكر.
٥ - وصف القرآن يحيى ﵇ بكونه نبيا. وقد خوطب النبي - ﷺ - بـ ﴿يا أيها النبي﴾ إحدى عشرة مرة في القرآن.
٦ - قال الله مخاطبا ليحيى ﵇: ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة﴾ (سورة مريم: ١٢).
وقال في شأن النبي - ﷺ -: ﴿يعلمهم الكتاب والحكمة﴾ (سورة الجمعة: ٢).
٧ - وقال في شأن يحيى ﵇: ﴿وحنانا من لدنا﴾ (سورة مريم: ١٣).
وقال في شأن نبيه - ﷺ -: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم﴾ (سورة آل عمران: ١٥٩).
٨ - وقال: ﴿وزكاة﴾ أي طاهرا نظيفا.
وقال في شأن النبي - ﷺ -: ﴿ويزكيهم﴾ (سورة البقرة: ١٢٩).
٩ - وقال في صفة يحيى ﵇: ﴿وكان تقيا﴾ (سورة مريم: ١٣).
وقال فيمن كانوا يصحبون النبي - ﷺ -: ﴿فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها﴾. (سورة الفتح: ٢٦).
١٠ - وأخبر الله بأن يحيى ﵇ كان: ﴿برا بوالديه﴾. (سورة مريم: ١٤).
[ ٥٤١ ]
عيسى المسيح ﵇
أما النبي - ﷺ - فكان يتيما فلم تتحقق له فرصة التعامل مع والديه. إلا أنه قد عاشت في عصره أم أيمن ﵂ وكانت مولاة حبشية ربت النبي - ﷺ - في حجرها فكان يكرمها إكراما ويزورها في بيتها ويناديها بأمي بعد أمي، ويجلس ابنها أسامة على فخذ والحسن على أخرى. وكان العباس عما للنبي - ﷺ - فيناديه بأبي وهذا كله يدل على ما كان يتصف به النبي - ﷺ - من صفة البر والكمال.
عيسى المسيح ﵇: إن سمو شأن المسيح ﵇ واضح بين الأنبياء الكرام. وفي القرآن أن جدته كانت دعت الله وقت ولادة أمه مريم الصديقة:
١ - ﴿إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾ (سورة آل عمران: ٣٦).
وقد علم النبي - ﷺ - أيضا أن يستعيذ بربه ويقول:
﴿وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون﴾ (سورة المؤمنون: ٩٧، ٩٨).
٢ - وورد في القرآن عن مريم وابنها عيسى ﵉: (وآويناهما إلى ربوة﴾ (سورة المؤمنون: ٥٠).
هذه الآية تتعلق بطفولة عيسى ﵇ وهي تدل على أنه نشأ وترعرع في رعاية الله وكنفه.
وقال تعالى في شأن النبي - ﷺ -: ﴿ألم يجدك يتيما فآوى﴾ (سورة الضحى: ٦).
كان عيسى بلا أب وكان النبي - ﷺ - أيضا قد فقد أباه حين ولد فأمرهما سواء في الحرمان من العطف الأبوي والرحمة الأبوية.
٣ - نقل كلام عيسى ﵇ في القرآن الكريم وهو: ﴿إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا﴾ (سورة مريم: ٣٠).
وقال سبحانه في شأن نبيه - ﷺ -: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما﴾ (سورة الكهف:٢، ١)
[ ٥٤٢ ]
٤ - ذكر القرآن الكريم قول عيسى ﵇ فقال: (وجعلني مباركا أين ما كنت﴾ (سورة مريم: ٣١).
وأرشد النبي - ﷺ - أيضا أمته إلى كيفية تحصيل هذه البركة وذكره القرآن فقال: ﴿فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة﴾ (سورة النور: ٦١).
٥ - ذكر عيسى ﵇ الأحكام التي كان العمل بها واجبا في شريعته فقال: ﴿وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا﴾ (سورة مريم: ٣١).
وقال تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ (سورة الحجر: ٩٩).
٦ - قال تعالى في شأن عيسى ﵇: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾ (سورة البقرة: ٨٧ و٢٥٣).
وقال في شأن نبيه - ﷺ -: ﴿وأيده بجنود لم تروها﴾ (سورة التوبة: ٤٠).
وقال: (هو الذي أيدك بنصره﴾ (سورة الأنفال: ٦٢).
وقال: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق﴾ (سورة النحل: ١٠٢).
ذكر القرآن هدف رسالة عيسى ﵇ في الآية التالية: ﴿وإذ قال عيسى ابن مريم يا بنى إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ (سورة الصف: ٦).
ذكر عيسى أن رسالته تهدف إلى أمرين: التصديق بالتوراة، والتبشير برسول يأتي من بعده اسمه أحمد.
ونحن نبين هنا ما بذل عيسى ﵇ من جهود تجاه هذين الأمرين:
الف - التصديق بالتوراة: قال المسيح: " لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس (١) أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض
_________________
(١) جاء في الترجمة التفسيرية ط ٣ القاهرة سنة ١٩٥٢ م " .. جئت لألغي الشريعة أو الأنبياء، ما جئت لألغي بل لأكمل ..
[ ٥٤٣ ]
لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل (١). (إنجيل متى: الأصحاح (٥/ ١٧ - ١٨).
هذا الكلام المعجز القوي يوضح جيدا أن عيسى ﵇ حقق الغرض الأول من رسالته على أحسن وجه.
ب - التبشير بنبي اسمه أحمد: وهنا كلمتان في هذه البشرى تستحقان التفكير. الأولى كلمة " من بعدي " فهي توجب أن من أتى بعد عيسى ينبغي أن يكون هو الذي بشر به عيسى ولا يحول بينهما رجل آخر يدعى رسولا ويسمى أحمد لأنه لو كان كذلك لالتبس الأمر. وهذا المعنى الذي بيناه للآيات ليس مما اخترعناه فقد قال القاضي عياض في "الشفا" والإمام جلال الدين السيوطي في "الخصوصيات الصغرى" وابن دحلان في "إنسان العيون" إن أحمد اسم لم يسم به أحد قبل النبي - ﷺ -.
والكلمة الثانية التي تستحق التفكير هي قوله ﴿اسمه أحمد﴾ ونتساءل هل كان أحمد اسم النبي - ﷺ - في الحقيقة؟ وهنا يجب أن نعلم أن له اسمين ذاتين أحمد ومحمد. أما أحمد فاختارته له آمنة أمه لما قد أمرت بذلك في الرؤيا التي رأتها. وأما محمد فاختاره له جده وكلاهما مشتقان من مادة حمد. فأحمد صيغة اسم التفضيل من " حمد" ومحمد على وزن مفعل من " حمد".
قال ابن القيم ﵀ في " جلاء الأفهام ": وقد ظن طائفة منهم أبو القاسم السهيلي وغيره أن تسميته - ﷺ - بأحمد كانت قبل تسميته بمحمد قالوا ولهذا بشر به المسيح باسم أحمد.
ونحن نسوق هنا أدلة على أن أحمد اسم للنبي - ﷺ -.
ـ[الأحاديث]ـ:
١ - روى ابن سعد في الطبقات الكبرى: عن أبي جعفر محمد بن علي قال: أمرت آمنة وهي حامل برسول الله - ﷺ - أن تسميه أحمد.
٢ - وكذلك روى مر فوعا:
_________________
(١) أو نقطة واحدة من الشريعة حتى يتم كل شئ. [ص:١٢] الطبعة المذكورة.
[ ٥٤٤ ]
عن محمد بن علي يعني ابن الحنفيه أنه سمع علي بن أبي طالب ﵇ يقول قال رسول الله - ﷺ - " سميت أحمد ".
٣ - وروى البيهقي في الخصائص الكبرى: عن ابن عباس قال قدم الجارود بن عبد الله فأسلم وقال والذي بعثك بالحق لقد وجدت وصفك في الإنجيل ولقد بشر بك ابن البتول.
٤ - وروى ابن سعد في الطبقات الكبرى: عن سهل مولى عتيبة أنه كان نصرانيا من أهل مريس وكان يقرأ الإنجيل فذكر أن صفة النبي - ﷺ - في الإنجيل وهو من ذرية إسماعيل اسمه أحمد. ".
٥ - وروى مسلم في صحيحه: عن جبير بن مطعم عن أبيه قال قال رسول الله - ﷺ -:" إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي محا الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب الذي لا نبي بعدي ".
٦ - وقد روى البخاري هذه الرواية في صحيحه أيضا.
ينبغي لنا أن نتدبر حديث الصحيحين فقد ذكر النبي - ﷺ - معنى الماحي والحاشر والعاقب ولم يذكر معنى أحمد ومحمد وبذلك ثبت أن محمدا وأحمد اسمان ذاتيان للنبي - ﷺ - ولو كان واحد منهما اسما وصفيا له لذكر معناه مثل ما ذكر معنى الماحي والحاشر والعاقب.
ـ[الشعر]ـ:
إن الاستشهاد بشعر العرب الموثوق به في واقعة هو أمر يقيني عند أئمة التاريخ كما يعتبر أئمة اللغة الاستشهاد بشعر القدماء أمرا قطعيا في استعمال كلمة من الكلمات.
ـ[الف - ما قيل من شعر قبل ولادة النبي - ﷺ -]ـ:
١ - كان تبع الوارد اسمه في القرآن ملكا من ملوك اليمن حارب الأوس والخزرج واليهود في يثرب فكان أهل يثرب يحاربونه نهارا ويضيفونه ليلا. فلما مضت على ذلك ثلاث ليال ندم تبع وطلب منهم الهدنة فحكموا أجيحة بن الحلاج الأوسي وبنيامين
[ ٥٤٥ ]
القرظي لعقد معاهدة الصلح. فقال أجيحة لتبع: لم حاربتنا ونحن من قومك (١) وأضاف بنيامين اليهودي: وأنت لا تستطيع أن تفتح هذا البلد فقال تبع: لماذا؟ قال بنيامين: هذا البلد مهبط بني قريش. فأنشد تبع الأبيات التالية:
ألقى إلي نصيحة كي أزدجر عن قرية محجورة بمحمد
ثم قال هذه الأبيات:
شهدت على أحمد أنه رسول من الله بارئ النسم
فلو مد عمري إلى عمره لكنت وزيرا له وابن عم
وقال التلمساني بثبوت هذه الأبيات بالتواتر (٢).
٢ - كان قس بن ساعدة الإيادي أسقف نجران ومن حكماء العرب ومن شعره:
الحمد لله الذي لم يخلق الخلق عبث
أرسل فينا أحمد خير نبي قد بعث
لم نحينا منه سدى من بعد عيش واكترث
صلى عليه الله ما حج له ركب وحث.
ـ[ب - ما قيل من شعر في حياة النبي - ﷺ -]ـ:
١ - قال حسان بن ثابت المؤيد بروح القدس يصف النبي - ﷺ -:
متى يبد في الليل البهيم جبينه يلح مثل مصباح الدجى المتوقد
فمن كان أو من قد يكون كأحمد نظام لحق أو نكالا لملحد
هذه الأبيات موجودة في ديوان حسان بن ثابت ﵁. وقد حكى ابن عبد البر شهادة عائشة بهذه الأبيات في كتابه الاستيعاب، فقال: أنشدتها عائشة وقالت: كان والله كما قال فيه شاعره.
٢ - كان كعب بن مالك الأنصاري من صفوة شعراء النبي - ﷺ - وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم في القرآن. وله شعر في غزوة أحد:
_________________
(١) نسب الأوس والخزرج ينتهي إلى أهل اليمن. كانوا قدموا المدينة بعد سيل العرم.
(٢) لولا قول التملساني هذا في هذه الرواية لما ذكرت هنا هذه الأبيات.
[ ٥٤٦ ]
غداة أجابت بأسيافها جميعا بنو الأوس والخزرج
وأشياع أحمد إذ شايعوا على الحق ذي النور والمنهج
٣ - وقال عن غزوة خيبر:
ونحن وردنا خيبرا وفروضه لكل فتى عاري الأشاجع ندد
يرى القتل مجدا إن أصاب شهادة من الله يرجوها وفوزا بأحمد
ـ[ج - ما قيل من شعر بعد وفاة النبي - ﷺ -]ـ:
١ - قال حسان في قصيدة له طويلة:
أطالت وقوفا تذرف العين جهدها على الطل الذي فيه أحمد
فبوركت يا قبر الرسول وبوركت بلاد ثرى فيه الرشيد المسدد
٢ - لما قالت الخوارج لعلي بأن يجدد إيمانه أمامهم ويدخل في الإسلام من جديد أنشد علي ﵁:
يا شاهد الخير على فاشهد إني على دين النبي أحمد
من شك في الله فإني مهتدي (١)
٣ - قالت فاطمة بنت محمد - ﷺ - ترثى والدها:
صبت علي مصائب لو أنها صبت على الأيام صرن لياليا
ماذا على من شم تربة أحمد أن لا يشم مدى الزمان غواليا
والغرض من هذه الأدلة كلها أن اسم النبي أحمد مازال معترفا به في كل زمان: قبل ولادته وفي حياته وبعد وفاته على السواء. فكان اليهود والنصارى في جزيرة العرب واليمن ونجران والشام يعرفونه بأحمد وتربط كل طائفة انتصارها بقدومه. وكذلك كان الصفوة من شعرائه وأقربائه ينادونه بأحمد في حياته وبعد موته.
سبق أن ذكرت إن أحدا لم يسم قبل ولادة النبي - ﷺ - بأحمد لا في جزيرة العرب ولا في بلد آخر تكلم أهله بالعربية. أي أن الله صان بشارة عيسى بمحمد طوال مدة ستمائة
_________________
(١) مأخوذ من كتاب الكامل لأبي العباس المبرد.
[ ٥٤٧ ]
سنة إلا خمسا وعشرين فلم يسم أحد بهذا الاسم خلال هذه الفترة الطويلة. ونريد الآن أن نبين مدى استعمال هذا الاسم الميمون تبركا في أمة محمد - ﷺ - بعد وفاته. ولما ارتفع شرط " من بعدي " بقدوم الرسول - ﷺ - وزالت مظنة الالتباس ولم يبق إلا التبرك باسمه اقتضت قدرة الله أنها كما حفظته قبل ولادته، فلا يكون له سمى فكذلك شاءت أن يشيع اسمه بعد وفاته ويثبت كل من سمى باسمه ظهور المبشر بهذا الاسم وصدق بشارة عيسى ﵇ في هذه الدنيا. ولذلك أريد أن أثبت هنا قائمة تشتمل على من سموا باسم أحمد في الإسلام من المحدثين والمفسرين والفقهاء والعلماء والملوك والأمراء. ولو ذهبنا نستوعب هذه الأسماء لاحتجنا إلى كتاب مستقل بذلك ولذا نذكر هنا من هذه الأسماء ما يوافق عدد اسم أحمد بحساب الجمل وهو ٥٣ (١).
ـ[الأئمة المحدثون وعددهم ١٠]ـ:
١ - أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الله إمام أهل السنة والجماعة وأحد الأئمة الأربعة ﵏.
٢ - أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي.
٣ - أحمد بن علي بن شعيب بن علي بن سنان (أبو عبد الرحمن الإمام النسائي).
٤ - أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري المفسر المعروف بأبي إسحاق الثعلبي.
٥ - أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصفهاني (الحافظ أبو نعيم).
٦ - أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي (أبو الحسن ﵀).
٧ - أحمد بن عدي بن ثابت بن أحمد الحافظ أبو بكر المعروف بالخطيب البغدادي.
٨ - أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد سلفة الأصفهاني (الحافظ أبو طاهر).
٩ - أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد الهمداني أبو الفضل الحافظ المعروف ببديع الزمان.
١٠ - أحمد بن عبد الحليم بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني الدمشقي شيخ الإسلام ابن تيمية أبو العباس.
_________________
(١) ١=١+ح=٨+م=٤٠+ د=٤ المجموع=٥٣.
[ ٥٤٨ ]
ـ[الفقهاء المحققون وعددهم ١٩]ـ:
١١ - أحمد بن عمرو بن شريح (أبو العباس ﵀).
١٢ - أحمد بن أبي أحمد المعروف بابن القاص الطبري الفقيه (أبو العباس).
١٣ - أحمد بن عامر بن بشير بن حامد المروزي القاضي أبو حامد.
١٤ - أحمد بن محمد بن أحمد المعروف بابن القحطان البغدادي (أبو الحسين).
١٥ - أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي (أبو جعفر).
١٦ - أحمد بن أبي طاهر محمد بن الأصغر الأميني (الشيخ أبو حامد).
١٧ - أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم الضبي المحاملي.
١٨ - أحمد بن محمد بن جعفر أبو الحسين المعروف بالقدوري.
١٩ - أحمد بن أبي داود فرح بن جرير الأيادي القاضي (أبو عبد الله).
٢٠ - أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الهروي القاشاني (أبو عبيد).
٢١ - أحمد بن علي بن محمد الوكيل أبو الفتح المعروف بابن البرهان.
٢٢ - أحمد بن محمد بن المظفر الخواني (أبو المظفر).
٢٣ - أحمد بن موسى بن يونس بن محمد الأرملي (أبو الفضل شرف الدين).
٢٤ - أحمد بن محمد بن أبي الفضل المعروف بابن الخازن أبي الفضل.
٢٥ - أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد الرازي (أبو الحسين).
٢٦ - أحمد بن محمد الحسين أبو بكر ناصح الدين.
٢٧ - أحمد بن منير بن أحمد الطرابلسي (أبو الحسن مهذب الدين).
٢٨ - أحمد بن علي بن إبراهيم الغساني الأسواتي (القاضي الرشيد).
٢٩ - أحمد بن عبد الغني بن أحمد اللخمي المالكي (أبو العباس).
ـ[أهل التقوى والعرفان وعددهم ٤]ـ:
٣٠ - أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الغزالي (أبو الفتح أخو الإمام الغزالي).
[ ٥٤٩ ]
٣١ - أحمد السرهندي الشيخ الإمام مجدد الألف الثاني الفاروقي.
٣٢ - أحمد المشهور بشاه ولي الله المحدث بن شاه عبد الرحيم (الفقيه الدهلوي).
٣٣ - أحمد البريلوي السيد الإمام المجاهد في سبيل الله.
ـ[الوزراء والأمراء وعددهم ٦]ـ:
٣٤ - أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن سهل الكاتب أبو العباس صاحب كتاب الخراج.
٣٥ - أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي أبو الجلاء الموي.
٣٦ - أحمد بن عبد الملك الأشجعي الأندلسي ذو الوزارتين الأعلى.
٣٧ - أحمد بن هارون الرشيد بن المهدي الهاشمي (أبو العباس).
٣٨ - أحمد بن طولون صاحب الديار المصرية (أبو العباس).
٣٩ - أحمد بن المستنصر بن الظاهر (أبو القاسم).
ـ[الشعراء والأدباء وعددهم ١٢]ـ:
٤٠ - أحمد بن الحسين بن الحسين بن عبد الصمد الجعفي الكوفي أبو الطيب المتنبي.
٤١ - أحمد بن محمد الدارمي المصفى المعروف بالنامي (أبو العباس).
٤٢ - أحمد بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الطباطبا.
٤٣ - أحمد بن محمد الأنطاكي (أبو حامد الشاعر).
٤٤ - أحمد بن جعفر بن موسى البرمكي النديم.
٤٥ - أحمد بن محمد بن العاصي بن محمد الأندلسي (أبو عمرو).
٤٦ - أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب المخزومي الأندلسي القرطبي (أبو الوليد).
٤٧ - أحمد بن محمد الخولاني الأندلسي المعروف بابن الآبار.
٤٨ - أحمد بن يوسف السليكي (أبو نصر).
٤٩ - أحمد بن محمد بن علي الثعلبي الدمشقي (أبو عبد الله).
[ ٥٥٠ ]
٥٠ - أحمد بن محمد بن أحمد الميداني النيسابوري (أبو الفضل).
٥١ - أحمد بن عبد الله بن أحمد اللخمي القاسمي (أبو العباس).
٥٢ - أحمد بن علي بن أحمد بن إلهي (أبو العباس).
ـ[النحاة وعددهم ٢]ـ:
٥٣ - أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي المصري (أبو جعفر).
٥٤ - أحمد بن بكر بن بقية العبدي (أبو طالب).
وبعد:
فإن كل ما ذكرناه إلى الآن كان بيانا لفضيلة خاتم النبين مع بيان فضيلة الأنبياء المرسلين من رب العالمين. وهنالك صفات عالية ومحامد متكاثرة اختص بها النبي - ﷺ - وسنذكرها فيما بعد إن شاء الله.
وقبل أن نختم هذا الباب نعالج هنا بحثا وجيزا حول آية قرآنية على أمل أن يجده القراء مناسبا لهذا الباب.
قال تعالى يخاطب نبيه - ﷺ -: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا﴾ (سورة الأحزاب: ٤٥، ٤٦).
ـ[شاهدا]ـ
وصف القرآن الكريم محمدا - ﷺ - مرة بالشاهد ومرة بالشهيد. تدبروا الآيات التالية:
﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا﴾ (سورة الأحزاب: ٤٥).
﴿إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا﴾ (سورة الفتح: ٨).
﴿وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم﴾ (سورة الحج: ٧٨).
﴿ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ (سورة البقرة: ١٤٣).
﴿وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ (سورة النساء: ٤١).
[ ٥٥١ ]
الشهادة تعني الإخبار بحقيقة الأمر وإقناع الشخص الآخر بذلك الأمر. والشهادة التي قام بها النبي - ﷺ - وبها وصل الناس إلى درجة التيقن، كانت تتعلق بإثبات وجود الله سبحانه وتقديس ذاته وتنزيه صفاته، وسلسلة الوحي والنبوة وبيان الأعمال وما يترتب عليها من الثواب والعقاب وبيان حقيقة الثواب والعقاب، وإثبات وجود عالم المعاد والأرواح وعالم الغيب، فهذه كلها أمور بينها النبي - ﷺ - بوضوح، وكمال علم، ودلائل دامغة، وبراهن قاطعة. وجعل بقوله وعمله قلوب الملحدين والمنكرين والماديين، تؤمن بصدقها، وكان ذلك نصيب النبي - ﷺ - وحده، ومن المعروف أن القدرة الإلهية والحكمة الربانية استشهداه أمام العالم. والحقيقة أن قلة الشهداء وكثرتهم لا تؤثر شيئا على ثبوت أمر أو نفيه. إذ أن ما يدعم الشهادة ويوصلها إلى درجة الصدق هو كون الشاهد ثقة وصادقا أمينا، وقد كان النبي - ﷺ - من الصدق والأمانة لدرجة أن الكفار حين سألوا أبا بكر ﵁ عما حمله على أن يؤمن بمحمد رسولا؟ قال أبو بكر يرد عليهم: ليست هاتان الشفتان لكاذب. وكذلك قال هرقل مجيبا على أبي سفيان: إن الرجل الذي لم يكذب على الخلق لا يمكن أن يكذب على الله. وكان أبو جهل العدو اللدود قد قال: يا محمد! لا أظنك كاذبا ولكن قلبي لا يطمئن لما تقول.
فسواء قبل الناس الشهادة أو لم يقبلوا لم يطعن أحدهم في صدق وأمانة الشاهد، واعتبروا أن النيل من شأنه والطعن في صدقه يرد عليهم شماتة وذلا.
عرض النبي - ﷺ - هذه الشهادة على الجبال والوديان، وملأ ما بين السماء والأرض ابتداء بأشهد أن لا إله إلا الله، وانتزع من عقول الناس وأذهانهم الشكوك والشبهات والظنون الفاسدة. ياله من شاهد جاء بشهادة عظيمة، ونطق بها، فنطق بها الناس معه، من عجم وعرب، في شرق وفي غرب. ولم يقف الشاهد عند هذا الحد بل استمر في تبليغها حتى جعل الألوف المؤلفة من الناس يشعرون بواجبهم الذي أوجبه الله عليهم بقوله: ﴿وتكونوا شهداء على الناس﴾ وجعل الأسود والأحمر، والعبيد والملوك يلتزمون بقول الله: ﴿كونوا قوامين لله شهداء بالقسط﴾ وارتحل من هذه الدنيا وقد شهد بصدقه آلاف من شهداء الغيب، واستنارت بنور شهادته البلاد والشعوب والجزر والوديان على السواء. وقال لهم جميعا وهو في آخر عهده بالدنيا:
[ ٥٥٢ ]
" أنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ " قالوا: بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: " اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد".
إن النفوس تتهالك على مثل هذا الشاهد الذي جاء وحيدا بالشهادة في هذه الدنيا وارتحل منها وحوله جم غفير، وجمع حاشد من الشهداء على الناس. والحقيقة أن الله وصف النبي - ﷺ - بالشاهد والشهيد فاطلع الدنيا كلها على ميزة سامية للنبي - ﷺ -.
ـ[مبشرا ونذيرا]ـ
والصفة الثانية هي " مبشرا ونذيرا ". تصفحوا القرآن كله ولن تجدوا بين آياته نبيا من الأنبياء وردت في شأنه هاتان الكلمتان. أما النبي - ﷺ - فقد وصف تارة بأنه بشير ونذير وتارة أخرى بأنه مبشر ومنذر. وهاتان الصفتان من أهم صفاته وهما تدلان على علو مرتبته من النبوة لأنهما خاصتان به دون غيره من الأنبياء.
وقد بشر الله المؤمنين ﴿بأن لهم من الله فضلا كبيرا﴾ (سورة الأحزاب: ٤٧).
وقال: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم﴾ (سورة يونس: ٦٤).
وقال: ﴿فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ (سورة الزمر: ١٧ - ١٨).
هذه كلها بشارات روحية وخلقية حث الله عليها المؤمنين وأعدهم لها.
إن الإنذار معناه التخويف. ولكن التخويف لا يؤدي ما للإنذار من معنى بل قد يغير معناه تماما. فالإنذار هو التحذير من شر يصيب المرء في مستقبله. وكان الأنبياء يحذرون قومهم من العواقب الوخيمة المترتبة على أعمالهم السيئة، وينبهونهم على سوء مصيرهم. إن صفة الإنذار تنشأ عن احتراق الفؤاد والتعاطف وتنمو وتترعرع بالرحمة والتقوى، وتزدهر وتنتشر بحب الجنس البشري. وحياة النبي - ﷺ - تدل على أنه كملت فيه هذه الصفات كلها، ومن هنا كان من الطبيعي أن ينبه القوم الضالين على ضلالهم ويحذرهم
[ ٥٥٣ ]
من أخطاره. ورد في الحديث قول النبي - ﷺ -: " إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها فجعل الرجل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها فأنا آخذ بحجزكم عن النار وهم يقتحمون فيها " البخاري (٧/ ١٧٦).
ـ[داعيا إلى الله بإذنه]ـ
بدأ النبي - ﷺ - دعوته إلى الله بنشاط مكثف وبلغ بها إلى قمة النجاح وهذا نصيبه من عند الله.
الف - انظروا إلى خطبته التي ألقاها على جبل الصفا مخاطبا العرب بقوله " يا آل فهر ويا آل غالب ".
ب - وتصوروا تلك الخلوة التي كان يعلم فيها الناس سرا في دار الأرقم بن أبي الأرقم في ظل سفح الجبل بعيدا عن مكة.
ج - وتذكروا الطائف حيث اختضب نعلاه بالدماء وهو يمضي في سبيل الدعوة إلى الله.
د - وألقوا بنظرة على موسم عكاظ حيث كان النبي - ﷺ - ينادي " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"، وأبو لهب الظالم الشقي يمشي وراءه يؤذيه بألفاظ سيئة.
هـ - وتصوروا شعب العقبة ساد فيه الظلام ولا يرضى مسافر من أن يقيم به خوفا من الأخطار، ولكن قافلة يثرب اضطرت إلى النزول به خوفا من صعوبة الطريق وأخطاره. فاتجه إليها الرسول الداعي - ﷺ - في مثل هذا الظلام، وحيدا منفردا آملا أن يجد منهم من يصغى إلى دعوته.
و- وأجيلوا بصركم في وادي جبل التنعيم حيث وجد العدو الماكر رسول الله - ﷺ - وحيدا نائما فأخذ سيفه وأيقظه بوقاحة وتكبر فنظر إليه الرسول - ﷺ - فإذا بيده سيف مصلت يسأله من يمنعك مني يا محمد؟ وفي مثل هذه الساعة الحرجة لم ينس الرسول - ﷺ - واجبه نحو الدعوة إلى الله بل عرض عليه ذلك الاسم المبارك الذي يزيل عند سماعه الحجب
[ ٥٥٤ ]
الكثيفة عن قلب المرء الغافل ويبعث في القلب الميت الحياة من جديد.
ز - وسيروا في طريق الهجرة، رحلة تبلغ مئات الأميال ناقتان تسيران في الجبال الوعرة والمفازة القاحلة الجرداء من غير توقف، ومع النبي - ﷺ - مخلصان ووفى، وهم في خوف كل حين من أن يدركهم العدو وهذا الخوف يدفعهم إلى الأمام بخطى حثيثة. ومع هذا كله لم ينس الرسول - ﷺ - فريضة الدعوة إلى الله فأم معبد الخزاعية وسراقة بن مالك المدلجي وبريدة بن الحصيب الأسلمي وأصحابه السبعون وغيرهم ممن شربوا ماء الحياة وسط هذه الصحراء القاحلة الجدبة ووجدوا فيها معين الحياة.
ح - وصل الرسول - ﷺ - إلى قباء بعد معاناة ثمانية أيام بلياليها، وأتعبت هذه الرحلة الشاقة حتى الراحلة البكماء القوية، ولكن رغبة الرسول - ﷺ - في الدعوة إلى الله واهتمامه بها جعله في اليوم التالي، ينشغل ببناء المسجد الذي يعلو منه كل صباح ومساء نداء "حي على الصلاة " و"حي على الفلاح " يجوب الجبال يوقظ النائمين، ويدعو للصلاة من ملأ الشوق قلوبهم، ولا يزال المسجد يجدد نداء الداعي حتى اليوم.
ط - يتوجه النبي - ﷺ - من قباء إلى المدينة المنورة وأهلها من الرجال والنساء والشيوخ والشباب واليهود والنصارى والصابئون كبيرهم وصغيرهم جميعهم مشتاقون إلى لقائه اشتياق المؤمنين وبينا هو يسير إذ تدركه الصلاة في الطريق فيتوقف للدعوة إلى الله ويصبغ قلوب بني سليم السمحة بصبغة التقوى ويبشرهم برضوان الله عليهم.
ي - وقام بنو أشهل وبنو غفار والأوس والخزرج جميعا، ففرشوا عيونهم وقلوبهم للنبي - ﷺ - في المدينة يقولون له: بأبي وأمي بأبي وأمي إلا أنه - ﷺ - يتوجه إلى عبد الله بن أبي بن سلول بهدف الدعوة إلى الله، ويجلس عنده على الأرض، وهو يشمخ بأنفه، ويغطي وجهه معرضا عنه ويقول: يا محمد! قد آذيتني بغبارك وآذتني ناقتك برائحتها، ولكن النبي - ﷺ - يبتسم ويتلو عليه القرآن ويبلغه الدعوة.
ك - ويدخل ذات ليلة على الربيع بنت معوذ وكانت حديثة عهد بالزواج فيجد عندها بنات صغيرات من بنات الأنصار يغنين أشعارا حماسية بفخر وعنجهية فيلقنهن العقيدة السليمة.
ل - ويقدم على ابنته فيجد ابنتها تكيد بنفسها فيأخذها في حجره ويستمر في الدعوة إلى الله وكذلك يجلس أمام نعش ابنه إبراهيم ويعلم الناس معنى سخط الله ورضاه ويضرب لهم مثلا في الاستقامة.
[ ٥٥٥ ]
م - وفي مرضه الأخير أفاق قليلا، ولكنه قد بلغ من الضعف مبلغا لم يمكنه من الوقوف على قدميه إلا أنه مع ذلك يظل متحمسا للدعوة إلى الله كما كان قبلا. فيحمله عباس وعلي ﵄ إلى المسجد، لم يكن بمقدوره الصعود إلى المنبر ليكمل الدعوة إلى الله فيجلس على سلمه الأول ليكمل الدعوة إلى الله، فينصح الناس بمواعظه المودعة ويعظهم بنصائحه البليغة.
ن - وفي اليوم الأخير حين لم تبق لرحلته إلى الآخرة سوى خمس ساعات. المسلمون مجتمعون في المسجد لصلاة الفجر، والنبي - ﷺ - لشدة ضعفه وصداعه مضطجع على فراشه الذي وطىء من ليف، إلا أن فريضة الدعوة إلى الله تبعث في قلبه الحرارة، فيكشف القناع الذي كان قد ضرب بين المسجد وحجرته، ويبتسم برهة ويشاهد ذلك المنظر: وقوف مئات المسلمين لعبادة إله واحد، بقلب واحد، ووجهة واحدة، ونداء واحد. ثم يتقدم إليهم متهاديا ويضرب لهم آخر مرة مثلا منيرا للدعوة إلى الله.
س - في آخر لحظات حياته وأزواجه وبناته وأسباطه كلهم مجتمعون في حجرة ضيقة لا تسع أكثر من عشرة رجال. في مثل هذه اللحظات يردد لسانه الدعوة إلى الله والترحم بالعباد فيقول: " الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم ".
ع - يلفظ النبي - ﷺ - أنفاسه الأخيرة فيرفع بصره إلى السماء، ثم ينطق بالاسم الطاهر الذي استمر طوال حياته يدعو إليه الناس. ويطبق عينيه عن الدنيا الفانية وهو يقول: " اللهم الرفيق الأعلى ".
إن التاريخ البشري عاجز عن الإتيان برجل قضى كل لحظة من لحظات حياته في الدعوة إلى الله، ولذا فإن الخطاب الرباني له " داعيا إلى الله " إنما هو خاص به وحده - ﷺ - ولهذا السبب عرف الله نبيه - ﷺ - بهذه الصفة.
ـ[سراجا منيرا]ـ
وصف الله الشمس بالسراج في سورة الفرقان وسورة نوح وفي سورة النبأ وصفها بالسراج الوهاج. أما السراج المنير فلم يستعمل لأحد سوى النبي - ﷺ -.
إن للشمس شأنا في النظام الشمسي، لأنها هي مركز الدائرة الذي تدور حوله
[ ٥٥٦ ]
جميع الأجرام الموجودة في هذا النظام، كما أن لهذا العالم المادي حاجة كبيرة إلى الشمس، فإن لضوء حرارتها تأثيرا بالغا على وجود كل شيء ونموه. هذه هي شمس العالم المادي وها هو الله قد أرانا شمس العالم الروحي في نوره (١) ووصف لنا محمد - ﷺ - بأنه " سراج منير ". ولا شك أن النبي - ﷺ - مدار أعظم، تدور حوله نجوم سماء النبوة، والصلة الأولى لدوام عالم الشريعة وبقائها - ﷺ - على نبيه.
إن الشمس تبدد ظلام الليل، وكذا السراج المنير قد بدد ظلمات الكفر والشرك.
إن ضوء الشمس يسود النجوم ويواريها، وكذا شريعة السراج المنير قد سادت جميع الشرائع وسيطرت عليها. إن ضوء الشمس يحول دون ارتكاب الجرائم، وكذا نور السراج المنير قد حال دون ارتكاب المعاصي.
إن الشمس لا تنير في وقت واحد إلا وجها واحدا من الكرة الأرضية. أما السراج المنير فقد بدد بأشعته في وقت واحد ظلمات الجاهلية، وغياهب الجهل، وسواد الكفر والشرك، وحلكة العادات والتقاليد الزائفة، وعتمة التقليد الأعمى، وملأ القلوب بنور الإيمان، وأفعمها بلمعات العقيدة السليمة، وأنار الأبصار بمطالعة الكتاب المبين، وأزال الشك المظلم بالأدلة الساطعة، وأباد الظنون الحالكة بالبراهين القاطعة. واستطاع كل إنسان من خلال هذا النور أن يعرف حقيقة الأشياء ويدرك به كوامن النفس، والذين كانوا قد نسوا حقيقة الإنسانية، أصبحوا الآن كما قال فيهم الرسول - ﷺ - "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " وأولئك الذين كانوا قد ضلوا الطريق أصبحوا الآن هداة على الطريق.
إن الخفافيش لا تبصر إلا في الظلام، وكذا شأن الأشقياء، الذين لا يطيقون الأنوار المحمدية ولا يستنيرون بالرسالة النبوية. أما المؤمنون الصادقون فإنهم يضحون بأرواحهم في سبيل هذا السراج الرباني.
_________________
(١) النور هو أيضا اسم من أسماء القرآن.
[ ٥٥٧ ]