نتائج هذه الدراسة
ومقترحات وتوصيات
الخاتمة
الحمد لله تعالى على فضله العظيم أن وفقنى لإتمام هذه الرسالة، التى ظهر لى من نتائج دراستى فيها التأكيد على ما يلى:
عصمة سيدنا رسول الله ﷺ، من كل ما يمس قلبه، وعقيدته بسوء من التمسح بالأصنام، أو الحلف بها، أو أكل ما ذبح على النصب، ونحو ذلك من مظاهر الكفر والشرك، والضلال والغفلة، والشك، قبل النبوة وبعدها، وفى كل حالاته من رضى وغضب، وجد ومزح.
عصمته ﷺ من تسلط الشيطان عليه، وكفايته منه، وما ورد فى القرآن الكريم، والسنة النبوية من تعرض الشيطان له ﷺ بالأذى فى جسمه، أو على خاطره بالوسوسة، لا يتعارض مع عصمته ﷺ من الشيطان، حيث عصمه ربه ﷿ بعدم تمكن الشيطان من غوايته ﷺ، أو إلحاق ضرر به يضر بالدين.
عصمته ﷺ من كل ما يمس عقله بسوء حتى كان قبل النبوة وبعدها أكمل الناس عقلًا وفطنة، كما كان ﷺ أكمل الناس إيمانًا وخلقًا.
عصمته ﷺ من كل ما يمس أخلاقه بسوء حتى استحقت أن توصف بالعظمة. قال تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (١) وبلغ من عظمة أخلاقه تكافؤها بنسب متفقة، فحلمه مثل رحمته، ورحمته مثل مروءته الخ وهو فى كل ذلك فى أول شبابه كآخر حياته ﷺ.
_________________
(١) الآية ٤ القلم.
[ ٧٤٥ ]
اختصاصه ﷺ بعصمة بدنه الشريف من القتل دون سائر الأنبياء. بدلالة قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقًا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين﴾ (١) فالآية تحدى واضح لقتلة الأنبياء والمرسلين من بنى إسرائيل، بأنهم مهما حاولوا قتله ﷺ، فلم ولن يفلحوا، كما سبق منهم مع أنبيائهم؛ لأن رب العزة خص رسوله ﷺ بتلك العصمة فى بدنه الشريف من القتل بدلالة "من قبل" فتأمل.
عصمته ﷺ فى بدنه من القتل لا يتعارض مع ابتلائه بضروب من المحن والشدائد، لأن رسول الله ﷺ، وسائر الأنبياء والرسل من البشر. هم بحسب ظواهرهم يطرأ عليهم ما يطرأ على سائر البشر من الآفات والتغييرات والآلام والأسقام، وكل ذلك إظهارًا لبشريتهم، وإظهارًا لشرفهم، ورفعة لدرجاتهم، وتسلية لأممهم ليتأسوا بهم فى صبرهم وشكرهم على البلاء.
عصمته ﷺ فى نقل وحى الله تعالى وتبليغه للناس، وعلى ذلك دلائل الكتاب والسنة والسيرة العطرة، وإجماع الأمة فلا يجوز عليه ﷺ خلف فيما أخبر به من الوحي، لا بقصد، ولا بغير قصد، ولا فى حال الجد والهزل، ولا فى حال الصحة والمرض أو أى حال كان؛ والكلام هنا ليس خاصًا بالنبى ﷺ، بل وغيره من الأنبياء كذلك، إذ لا فرق بينهم فى واجب التبليغ.
_________________
(١) الآية ٩١ البقرة.
[ ٧٤٦ ]
عصمته ﷺ فى اجتهاده فى الإسلام، لأنه اجتهاد محروس بوحى الله تعالى، فإن وافق قوله أو فعله مراد الله تعالى، فالأمر كما أخبر رسول الله ﷺ، وإن كان الأمر يحتاج إلى تصحيح أو توضيح أوحى الله تعالى إلى نبيه ﷺ بذلك ويصير اجتهاده فى النهاية، وحى من الله تعالى، وحجة شرعية إلى يوم الدين.
عصمته ﷺ فى سلوكه وهديه، فقد كانت أقواله وأفعاله، وأحواله كلها؛ تشريعًا تقتضى المتابعة والاقتداء إلا ما قام به الدليل على أنه من خصائصه ﷺ، وعلى ذلك دلائل القرآن الكريم، والسنة المطهرة، واتفاق السلف وإجماعهم عليه. وذلك أننا نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله، والثقة بجميع أخباره فى أى باب كانت، وعن أى شئ وقعت؛ وأنه لم يكن لهم توقف ولا تردد فى شئ منها، ولا استثبات عن حاله عند ذلك، هل وقع فيها عن وحى أو اجتهاد، وهل وقع فيها سهوًا أو عمدًا، أو رضًا أو سخطًا، أو جدًا أو مزحًا، أو صحة أو مرضًا، أو أى حال كان.
إن شبهات أعداء الإسلام من المستشرقين حول عصمة سيدنا رسول الله ﷺ قائمة على إنكار نبوته ﷺ، إذ لم تكن لدى معظمهم القناعة العلمية، ولا الإيمان الراسخ بهذه النبوة، وبخاصة أولئك الذين جمعوا بين الاستشراق والتبشير، وألبسوا أفكارهم أردية كنسية متطرفة. فقد نشأوا على أديان أخرى، ونفذوا بشئ من العداء لهذه الشخصية النبوية الكريمة، ودفعوا دفعًا مقصودًا للطعن فى نبوته، وحملوا حملًا مغرضًا لتجريده من صفاتها، وعلى رأسها صفة العصمة.
[ ٧٤٧ ]
إن شبهات أعداء السنة المطهرة – ممن هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا – حول عصمة سيدنا رسول الله ﷺ قائمة على إعلان الكفر صراحة بالشطر الثانى من الوحي الإلهى وهو سنة سيدنا رسول الله ﷺ وسيرته العطرة الواردة فيها، وزعمهم أن فى تلك الأحاديث المتعلقة بسيرة رسول الله ﷺ تشويه لسيرته، وطعن فى عصمته. وهم فيما يزعمون يتسترون بعباءة القرآن الكريم، وفاق تسترهم كل حد، إذ تجرأوا على كتاب ربهم ﷿، ففسروه وأولوه، بما يأتى فى النهاية صراحة بردهم على الله تعالى كلامه، وتطاولهم عليه ﷿ من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
إن القرآن الكريم هو شريعة الإسلام قولًا، ورسول الله ﷺ هو شريعة الإسلام عملًا؛ فحياته ﷺ كلها، وما صدر عنه فيها من أقوال وأفعال وتقريرات حتى الحركات والسكنات، هى تفصيل وبيان وترجمة حية لما اشتمل عليه القرآن الكريم من عقائد، أو عبادات، أو معاملات، أو أخلاق، أو حدود، أو أحوال شخصية الخ. وإذن فلم تكن هذه المفتريات التى زعمها أعداء السنة على سيرة رسول الله ﷺ، الواردة فى صحيح السنة النبوية، لم يكن مقصودًا بها الرسول لذاته، وإنما كانت غايتها تدمير الشريعة وصاحب الشريعة، ثم يأتى من وراء ذلك تدمير المجتمع الإسلامى كله!.
إن رواة السيرة العطرة وأئمتها، لم تكن وظيفتهم بصدد أحداث السيرة إلا تثبيت ما هو ثابت منها بمقياس علمى، يتمثل فى قواعد مصطلح الحديث المتعلقة بكل من السند والمتن، وفى قواعد علم الجرح والتعديل المتعلقة بالرواة وتراجمهم.
فإذا انتهت بهم هذه القواعد العلمية الدقيقة إلى أخبار ووقائع، وقفوا عندها ودونوها، دون أن يقحموا تصوراتهم الفكرية أو انطباعاتهم النفسية، أو مألوفاتهم البيئية إلى شئ من تلك الوقائع بأى تلاعب أو تحوير.
[ ٧٤٨ ]
ليس فى الربط بين القرآن الكريم، والسنة المطهرة فى تحديد شخصية وسيرة المعصوم ﷺ شرك وتأليه لرسول الله ﷺ كما يزعم أعداء السنة، لأن الربط هنا ربط إلهى، وطاعة لله ﷿ وطاعة لرسوله ﷺ. وقد دل على هذا الربط عشرات الآيات القرآنية فى طاعة الله ﷿، وطاعة رسوله ﷺ طاعة مستقلة وأنها من طاعته ﷿.
إن منكرى السنة النبوية فى دعواهم التعارض بين سيرته ﷺ فى القرآن الكريم، وسيرته ﷺ فى السنة المطهرة، مغرضون مفترون فى تكلف التعارض، ولو أرادوا الحق لسألوا، أو قرأوا، والأجوبة عن كل استشكالاتهم فى كتب الأئمة؛ وهم أدرى بالنص، وعلى غيرهم أن يحترم رأيهم. فهم رجال قيدهم رب العزة لحفظ دينه، وأمر عباده بالرجوع إليهم. قال تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ (١) .
إن المتتبع للآيات المتشابهات التى استدل بها أعداء الإسلام، وأعداء السنة، على عدم عصمة رسول الله ﷺ، يرى أنها واردة فى مقام المنة على رسول الله ﷺ، وبيان عظيم مكانته وفضله عند ربه ﷿ فى الدنيا والآخرة، بأعظم ما يكون البيان ويرى بوضوح وجلاء أن كل آية من تلك الآيات تأتى بنوع من الترفق برسول الله ﷺ، فى الخطاب طمأنة لقلبه الطاهر، وتنادى بأن ما ورد من ظاهر تلك الآيات مما يمس عصمته غير مراد، وتنادى بأن ما صدر منه ﷺ من خطأ فى الاجتهاد، ووجه إلى الأخذ بالأصوب منه فيما يستقبل من حوادث لم يؤثر على شئ من عصمته، ولا مما ناله من شرف القرب، والرضا عليه من الله ﷿، مما يمكن أن يقال فيه، إنه مسح بيد الرحمة على القلب الطاهر الرحيم، الذى جعله رب العزة هدى ورحمة للعالمين.
_________________
(١) الآية ٤٣ النحل، والآية ٧ الأنبياء.
[ ٧٤٩ ]
أقترح وأوصى بما يلى
إن ما استدل به أعداء الإسلام من أحاديث على عدم عصمته ﷺ لا حجة لهم فيها، لأن ما استدلوا به أحاديث مكذوبة، وضعيفة، وأخرى صحيحة مع ضعف دلالتها على ما احتجوا به.
إن عصمة رسول الله ﷺ، وسائر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام مبنية على إرادة إلهية، وهى اصطفاء الله ﷿ لهم، وعصمتهم من كل ما يخل بهذا الاصطفاء، قبل نبوتهم وبعدها، وهم فى عالم الغيب لم يخلقوا بعد.
وعليه: فلا معنى لإثارة الخلاف حول عصمة الأنبياء قبل نبوتهم من المعاصى كبائرها وصغائرها من حيث الوقوع وعدمه، أو من حيث امتناعه سمعًا أو عقلًا.
هذه هى أهم نتائج الدراسة فى موضوع: "رد شبهات حول عصمة النبى ﷺ فى ضوء السنة النبوية الشريفة" وإذا كان لى أن أقترح أو أوصى بشئ فى هذا المقام، فإنى أقترح وأوصى بما يلى:
دراسة شبهات أعداء السنة قديمًا وحديثًا، وبيان بطلانها من خلال تدريس تاريخ السنة وعلومها.
إخضاع الكتابات المتعلقة بما يمس عصمة رسول الله ﷺ للتدقيق والتمحيص، وسد منافذ الاجتراء على السيرة النبوية بديار المسلمين، وتجريم ذلك فى جميع الوسائل.
الحكم بالارتداد على منكرى عصمة رسول الله ﷺ، وتنفيذ أحكام الله فيهم بمعرفة القضاء؛ لأن منكر العصمة منكر لوحى الله تعالى.
العمل على أن يكون للمحدثين رابطة على مستوى العالم الإسلامى؛ تجمع شملهم، وتقنن أعمالهم، وتلم شعث جهودهم.
[ ٧٥٠ ]
مواصلة العمل الجاد، وتضافر الجهود، وتشابك الأيدي، وإخلاص النية، كي نبين ما ينطوي عليه الغرض الخبيث الذي يلتقي عليه أعداء الله للنيل من سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم، وسيرته العطرة الواردة فيها، ومن أئمة السنة الأعلام، ومن ثم وقف هذه الحملة الشرسة المسعورة التي تستهدف الإسلام وهدم كل ما يتصل به من قرآن وسنة وسيرة، وتاريخ، وأمة تتداعي عليها الأمم كما تتداعي الأكلة علي قصعتها.
وبعد:
فهذا آخر ما فتح الله عليَّ به، ووفقني لكتابته في هذا البحث الجليل، الذي اعترف فيه بالعجز والتقصير.
ولعلي أكون قد أصبت في بعض مسائله، وشفيت الغليل في شئ من مباحثه؛ فإن يكن ذلك حقًا: فبفضل الله، وهدايته، وحسن توفيقه، وعنايته. وإن كانت الأخري، فذلك من نقصي وتقصيري، وأتوب إلي الله وأستغفره، وأسأله ﷿ الصفح والغفران، فيما زلت فيه قدمي، وانحرف فيه عن جادة الحق قلمي.
اللهم تقبل هذا الجهد الضئيل خالصًا لوجهك الكريم وانفع به المستفيدين
وارزقني دعوة صالحة منهم، ينالني بها عفوك ورضاك وآخر دعوانا
أن الحمد لله رب العالمين وصلي الله علي نبينا محمد خاتم النبيين
وإمام المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين وعلي آله، وصحبه
والمتمسكين بسنته أجمعين.
[ ٧٥١ ]