روى البخارى ومسلم - رحمهما الله - عن عائشة ﵂، قالت: "كانت إحدانا إذا كانت حائضًا، فأراد رسول الله ﷺ، أن يباشرها، أمرها أن تتزر (١) فى فور حيضتها (٢) ثم يباشرها. قالت: وأيكم يملك إربه (٣) كما كان رسول الله ﷺ، يملك إربه" (٤) .
هذا الحديث وما فى معناه، الذى يبين حدود علاقة الرجل بزوجته وهى حائض، والأحكام المتعلقة بحيضتها، طعن فيه أعداء السنة بحجة أنه يطعن فى عصمة رسول الله ﷺ فى سلوكه، ويخالف بزعمهم القرآن الكريم.
_________________
(١) أى: تشد إزارًا تستر سرتها، وما تحتها إلى الركبة فما تحتها: ينظر: النهاية فى غريب الحديث ١/٤٧، والمنهاج شرح مسلم ٢/٢٠٨ رقم ٢٩٣.
(٢) الفور: بفتح الفاء، وإسكان الواو، معناه: أوله، والمراد: وقعت معظم الحيض وكثرته أهـ ينظر: المصدر السابق ٣/٤٣٠.
(٣) إربه: بكسر الهمزة مع إسكان الراء، ومعناه: عضوه الذى يستمتع به أى: الفرج، ورواه جماعة بفتح الهمزة والراء، ومعناه: حاجته، وهى شهوة الجماع، والمقصود: أملككم لنفسه، فيأمن مع هذه المباشرة الوقوع فى المحرم، وهى مباشرة فرج الحائض، واختار الخطابى هذه الرواية، وأنكر الأولى وعابها على المحدثين. وأقول بصحتهما معًا فى حقه ﷺ أهـ ينظر: المنهاج شرح مسلم ٢/٢٠٨ رقم ٢٩٣، والنهاية ١/٣٩.
(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض ١/٤٨١ رقم ٣٠٢، وكتاب الصوم، باب المباشرة للصائم ٤/١٧٦ رقم ١٩٢٧، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض فوق الإزار ٢/٢٠٧ رقم ٢٩٣، وكتاب الصوم، باب المباشرة للصائم ٤/١٧٦ رقم ١٩٢٧.
[ ٦٩٧ ]
.. يقول أحمد صبحى منصور: "فالبخارى هنا يسند تلك الروايات لأمهات المؤمنين ليجعلهن شهود على أن النبى كان يباشرهن وهن حائضات، ويجعل عائشة فى إحدى الروايات تشير إلى خصوصية النبى الجنسية – فى زعمه – بقولها: "وأيكم يملك إربه كما كان النبى يملك إربه".
وفى روايات أخرى يجعل البخارى من النبى ملازمًا لنسائه لا يفترق عنهن حتى فى المحيض. فيروى أن أم سلمة قالت: "بينما أنا مع رسول الله ﷺ مضطجعة فى خميصة (١) إذ حضت، فانسللت (٢) فأخذت ثياب حيضتى، قال: أنفست؟ (٣) قلت: نعم. فدعانى فاضطجعت معه فى الخميلة" (٤) .
_________________
(١) بفتح الخاء المعجمة، وبالصاد المهملة، كساء أسود له أعلام يكون من صوف وغيره، وأصحاب يحيى ثم أصحاب هشام، كلهم قالوا: خميلة باللام بدل الصاد، وهو موافق لما فى آخر الحديث، قيل: الخميلة. القطيفة، وقيل الطنفسة. وقال الخليل: الخميلة ثوب له خمل أى هدب، وعلى هذا لا منافاة بين الخميصة والخميلة، فكأنها كانت كساء أسود لها أهداب أهـ. ينظر: فتح البارى ١/٤٨٠ رقم ٢٩٨، والنهاية فى غريب الحديث ٢/٧٦.
(٢) بلامين: الأولى مفتوحة، والثانية ساكنة، أى: ذهبت فى خفية بتأن وتدريج أهـ النهاية ٢/٣٥٢.
(٣) بفتح النون، وكسر الفاء، أى: أحضت يقال: نفست المرأة إذا حاضت، ونفست بضم النون من النفاس، قال الحافظ ابن حجر، وهذا قول كثير من أهل اللغة، لكن حكى أبو حاتم عن الأصمعى قال يقال نفست المرأة فى الحيض والولادة، بضم النون فيهما، قال: وقد ثبت فى روايتنا بالوجهين. فتح النون وضمها أهـ فتح البارى ١/٤٨١ رقم ٢٩٨.
(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحيض، باب من سمى النفاس حيضًا ١/٤٨٠ رقم ٢٩٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب الاضطجاع مع الحائض فى لحاف واحد ٢/٢١٠ رقم ٢٩٦.
[ ٦٩٨ ]
.. يقول أحمد صبحى: وهكذا لا عمل أمام النبى ولا مسؤوليات ملقاة على عاتقه إلا أن يجلس فى الخميلة مع إحدى زوجاته، ولا يمنعه من ذلك حيض أو غيره، بل هناك أكثر من ذلك. يفترى البخارى أن عائشة قالت: "كان النبى ﷺ، يتكئ فى حجرى وأنا حائض ثم يقرأ القرآن" (١) هكذا ضاقت كل الأماكن واشتد الزحام بحيث يلجأ النبى إلى ذلك تلك هى سنة الرسول التى كتبها البخارى، فما هى سنته فى القرآن؟ يقول تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ (٢) لم يقل رب العزة "فاعتزلهن" فقط، وإنما أيضًا: "ولا تقربوهن".
ونحن نؤمن بأن النبى طبق هذه السنة التى فرضها الله عليه، أما البخارى فيؤكد من خلال أحاديثه أن النبى لم يطبق شرع الله. ولكل إنسان أن يختار. هل ينتصر لله ورسوله، أم ينصر البخارى فى كذبه على الله ورسوله" (٣) وبنفس كلامه قال غيره من أعداء السيرة العطرة (٤) .
ويجاب عن ما سبق بما يلى:
_________________
(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحيض، باب قراءة الرجل فى حجر امرأته وهى حائض ١/٤٧٩ رقم ٢٩٧ ومسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ٢/٢١٤ رقم ٣٠١.
(٢) الآية ٢٢٢ البقرة.
(٣) قراءة فى صحيح البخارى ص٢٠، ٢١، ولماذا القرآن ص٨٩ – ٩١ كلاهما لأحمد صبحى منصور، وينظر: مشروع التعليم والتسامح ص٢٧٧ – ٢٧٩ لأحمد صبحى وغيره.
(٤) ينظر: دين السلطان لنيازى عز الدين ص٥٣١، ٨٧٠، والخطوط الطويلة أو دفاع عن السنة المحمدية لمحمد بن على الهاشمى ص١٢، ٣٧، والخدعة رحلتى من السنة إلى الشيعة لصالح الوردانى ص٧٤، والإسلام بدون حجاب (بحث مستل من شبكة الإنترنت) ص٢٧.
[ ٦٩٩ ]
أولًا: الإمام البخارى – ﵀ – لم يخترع، ولم يؤلف، الأحاديث السابقة وغيرها الواردة فى بيان حدود علاقة الرجل بزوجته أثناء حيضتها، والمبينة الأحكام الشرعية المتعلقة بفترة حيض المرأة.
لقد نقل البخارى – كما نقل غيره من رواة السنة – ما سمعه من شيوخه الثقات مما سمعوه من شيوخهم إلى أن وصل النقل إلى رسول الله ﷺ أو إلى الصحابى الذى روى عن رسول الله ﷺ.
ولنا أن نتساءل. لماذا كل هذا الحقد، والتشنيع على الإمام البخارى، مع أن غيره من علماء الحديث شاركه فى رواية هذه الأحاديث المتعلقة بأحكام الحيض؛ والتى أوردتها جميع كتب الجوامع والسنن تحت اسم كتاب "الحيض"؟.
إن كل هذا الحقد الذى يظهروه فى حق الإمام البخارى، هو جزء يسير مما تخفيه صدورهم نحو عدائهم لسنة المصطفى ﷺ، ولرواتها من الأئمة الأعلام قديمًا وحديثًا.
ثانيًا: ما نقله رواة السنة المطهرة، وعلى رأسهم الإمام البخارى، من الأحاديث المبينة الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة أثناء حيضتها، دين واجب ذكره لتتعلم الأمة المراد بخطاب ربها: ﴿ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإن تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ (١) .
وفى البيان المنقول إلينا ما يبين عصمة رسول الله ﷺ فى سلوكه وهديه ومحاسن أخلاقه الباطنة مع أهل بيته على ما سيأتى بعد قليل.
ثالثًا: ليس فى حديث مباشرة رسول الله ﷺ، نسائه فى المحيض ما يتعارض مع قوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن﴾ بل فى هذا الحديث وغيره البيان العملى للآية الكريمة.
_________________
(١) الآية ٢٢٢ البقرة.
[ ٧٠٠ ]
.. وهذا البيان كما هو معلوم؛ من مهامه ﷺ فى رسالته، لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (١) فهل فى بيانه ﷺ، للآية الكريمة، ونقل هذا البيان بالسند الصحيح، ما يشوه سيرته العطرة؟ أو يطعن فى عصمته فى سلوكه وهديه كما يزعم أعداء السنة؟.
إن الآية الكريمة تتحدث عن وجوب اعتزال الرجل زوجته الحائض، وعدم الاقتراب منها، حتى تطهر من حيضتها. فهل الاعتزال وعدم الاقتراب هنا، كما هو مفهوم عند اليهود؟ من إهمال الزوجة الحائض، واعتبارها نجسة، فلا يأكل ولا يشرب معها، ولا يسكن معها فى بيت واحد؟.
إن هذا السؤال ورد على لسان أصحاب رسول الله ﷺ، وهو وارد على لسان كل مسلم إلى يوم الدين، كيف يتعامل مع زوجته الحائض؟ فجاءت الإجابة، وجاء البيان القولى والعملى مع رسول الله ﷺ بإباحة كل شئ من الزوجة الحائض إلا الجماع.
_________________
(١) الآية ٤٤ النحل.
[ ٧٠١ ]
.. فعن أنس بن مالك ﵁، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لو يؤاكلوها، ولم يجامعوهن فى البيوت. فسأل أصحاب النبى ﷺ، النبى ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ الآية (١) فقال رسول الله ﷺ: "اصنعوا كل شئ إلا النكاح" فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر، فقالا: يا رسول الله! إن اليهود تقول كذا وكذا. فلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ، حتى ظننا أن قد وجد عليهما (٢) فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبى ﷺ، فأرسل فى آثارهما. فسقاهما. فعرفا أن لم يجد عليهما" (٣) .
فتأمل أمر رسول الله ﷺ: "اصنعوا كل شئ إلا النكاح" إنها كلمة جامعة جاءت جوابًا عن موقف اليهود من المرأة الحائض، وجاءت تفسيرًا وبيانًا لقول رب العزة: ﴿فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ فقوله: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ تفسير لقوله: ﴿فاعتزلوا النساء فى المحيض﴾ والمراد: اعتزالهن، وعدم قربانهن بالجماع مادام الحيض موجودًا (٤) .
وهذا يعنى أن المراد بالاعتزال وعدم القران، إنما المراد به الفرج فقط، وما عدا ذلك من مؤاكلة، ومشاربة، واجتماع معهن فى البيوت، ومباشرتهن، ونحو ذلك، فهو حلال كما قال المعصوم ﷺ، "اصنعوا كل شئ إلا النكاح".
_________________
(١) الآية ٢٢٢ البقرة.
(٢) يقال: وجد عليه. يجد وجدًا ومواجدة أى غضب. والنهاية ٥/١٣٦.
(٣) سبق تخريجه ص٢٠٤.
(٤) ينظر: تفسير القرآن العظيم ١/٣٧٨، ٣٨٠.
[ ٧٠٢ ]
.. وتأمل: كيف تغير وجه رسول الله ﷺ من كلمة عباد بن بشر، وأسيد بن حضير، لما طلبا الرخصة فى الوطء أيضًا تتميمًا لمخالفة الأعداء "إن اليهود تقول كذا وكذا. فلا نجامعهن؟ " فتغير وجه رسول الله ﷺ، لأن تلك الرخصة مخالفة لكتاب الله ﷿ باعتزال النساء فى المحيض، وعدم قربانهن بالجماع!.
وعندما ظنا ﵄، أن رسول الله ﷺ، قد غضب عليهما بعث فى آثارهما رسولًا ليحضرا عنده، فسقاهما من لبن جاء إليه هدية، فعرفا حينئذ أنه ﷺ، لم يغضب عليهما.
وفى هذا الحديث النبوى القولى: "اصنعوا كل شئ إلا النكاح" والذى جاء تفسيرًا وبيانًا للآية الكريمة، طبقه رسول الله ﷺ، عمليًا، فجاء بيانه للآية الكريمة ﴿فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن﴾ بيانًا قوليًا وعمليًا.
وإليك نماذج من هذا البيان العملى:
بيانه ﷺ عمليًا طهارة جسد المرأة الحائض، وجواز النوم معها فى ثيابها، والاضطجاع معها فى لحاف واحد، وذلك ما دل عليه حديث أم سلمة السابق، عندما حاضت، وذهبت فى خفية لتأخذ ثياب حيضتها، وظننت عدم جواز نومها وهى حائض مع رسول الله ﷺ فإذ به ﵊، يقول لها: أنفست؟ فتقول: نعم. فيدعوها رسول الله ﷺ، للنوم معه فى لحاف واحد كما قالت: "فدعانى فاضطجعت معه فى الخميلة" (١) .
_________________
(١) الحديث سبق ذكر كاملًا وتخريجه ص٤٧٤.
[ ٧٠٣ ]
فهذا الفعل وقع منه ﷺ، للبيان التشريعى للآية الكريمة، وردًا على ما فهمته أم سلمة، من عدم طهارتها جسديًا عندما حاضت، وظنت عدم جواز نومها مع زوجها رسول الله ﷺ، فى لحاف واحد. وليس الأمر كما يزعم أعداء عصمته، بأن الأماكن ضاقت به ﷺ، ولا مسئولية ملقاة على عاتقه، إلا أن يجلس فى الخميلة مع إحدى زوجاته، ولا يمنعه من ذلك حيض أو غيره!.
وقد دل على ذلك البيان التشريعى أيضًا قول ميمونة زوج النبى ﷺ قالت: "كان رسول الله ﷺ، يضطجع معى وأنا حائض، وبينى وبينه ثوب" (١) ودل عليه أيضًا قول عائشة ﵂ "كنت أنا ورسول الله ﷺ، نبيت فى الشعار (٢) الواحد، وأنا طامث (٣) أو حائض فإن أصابه منى شئ غسل مكانه ولم يعده (٤) وصلى فيه، ثم يعود، فإن أصابه منى شئ فعل ذلك، ولم يعده، وصلى فيه" (٥) .
_________________
(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب الاضطجاع مع الحائض فى لحاف واحد ٢/٢١٠ رقم ٢٩٥.
(٢) بكسر المعجمة، وبالعين المهملة: الثوب الذى يلى الجسد، لأنه يلى الشعر. النهاية ٢/٤٢٩.
(٣) بطاء مهملة، وثاء مثلثة أى حائض، وقول الراوى حائض بعد طامث ذكر تأكيدًا. ينظر: النهاية ٣/١٢٥، وحاشية السندى على النسائى ١/١٥١ رقم ٢٨٤.
(٤) بإسكان العين وضم الدال أى: لم يجاوزه إلى غيره بل اقتصر عليه. حاشية السندى الأماكن السابقة نفسها.
(٥) أخرجه النسائى فى سننه الصغرى كتاب الطهارة، باب مضاجعة الحائض ١/١٥٠ رقم ٢٨٤، وأبو داود فى سننه كتاب الطهارة، باب الرجل يصيب منها ما دون الجماع ١/٧٠ رقم ٢٦٩ وفيه جابر بن صبح – صدوق – كما قال الحافظ فى تقريب التهذيب ١/١٥٣ رقم ٨٧١ وبقية رجاله ثقات – فالإسناد حسن.
[ ٧٠٤ ]
وفى هذا الحديث الأخير: زيادة على حديث أم سلمة وميمونة ﵄، وتلك الزيادة هى بيان الحكم للرجل إذا أصاب ثوبه شئ من حيض زوجته وهى نائمة معه فى لحاف واحد، فما عليه إلا بغسل مكان ما أصابه من دم الحيض فقط ولا يتجاوزه، وإذا صلى مع ذلك صحت صلاته.
ويبين رسول الله ﷺ، عمليًا صحة الصلاة فى المكان الذى توجد فيه المرأة الحائض، بل وصحة الصلاة فى ثوبها.
فعن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ، يصلى بالليل، وأنا إلى جنبه، وأنا حائض، وعلى مرط (١) لى، وعليه بعضه" (٢) . وعن ميمونة زوج النبى ﷺ، قالت: صلى رسول الله ﷺ، وعليه مرط بعضه عليه، وعليها بعضه، وهى حائض" (٣) .
_________________
(١) أى: كساء لها من صوف أو غيره. ينظر: النهاية ٤/٢٧٣.
(٢) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الطهارة، باب الرخصة فى الصلاة فى شعر النساء ١/١٠١ رقم ٣٧٠، وابن ماجه فى سننه كتاب الطهارة، باب الصلاة فى ثوب الحائض ١/٢١٠ رقم ٦٥٢ وفيه طلحة بن يحيى النعمان – صدوق يهم – كما قال الحافظ فى التقريب ١/٤٥٢ رقم ٣٠٤٨، وبقية رجاله ثقات فالإسناد حسن لغيره برواية ميمونة ﵂.
(٣) أخرجه ابن ماجة فى سننه الأماكن السابقة نفسها برقم ٦٥٣، وكذا أبو داود فى سننه الأماكن السابقة نفسها برقم ٣٦٩، وفى سند أبى داود شيخه محمد بن الصباح بن سفيان – صدوق – كما قال الحافظ فى التقريب ٢/٨٨ رقم ٥٩٨٤، وكذا شيخ ابن ماجه سهل بن أبى سهل صدوق كما فى التقريب ١/٣٩٨ رقم ٢٢٦٥ وبقية رجالهما ثقات فالإسناد حسن.
[ ٧٠٥ ]
ويبين رسول الله ﷺ، عمليًا جواز مؤاكلة الحائض، والشرب من فضلها فتقول عائشة ﵂: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبى ﷺ، فيضع فاه على موضع فى. فيشرب وأتعرق العرق (١) وأنا حائض، ثم أناوله النبى ﷺ، فيضع فاه على موضع فىَّ" (٢) .
ويبين رسول الله ﷺ، عمليًا جواز تسريح وغسل الحائض رأس زوجها. فتقول عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يدنى إلىَّ رأسه، وأنا فى حجرتى. فأرجله (٣) وأغسله وأنا حائض" (٤) .
ويبين رسول الله ﷺ، عمليًا طهارة ذات المرأة الحائض، وطهارة ثيابها ما لم يلحق شيئًا منها نجاسة، وذلك كله دل عليه عندما كان ﷺ، معتكفًا فى المسجد، وطلب من زوجته عائشة ﵂ أن تناوله ثوب من حجرته.
فعن أبى هريرة ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ فى المسجد. فقال: يا عائشة! ناولينى الثوب" فقالت: إنى حائض. فقال: "إن حيضتك ليست فى يدك" فناولته" (٥) .
ففى قوله: "إن حيضتك ليست فى يدك" معناه: أن النجاسة التى يصان المسجد عنها – وهى دم الحيض – ليست فى يدها، فدل ذلك على أن ذات الحائض طاهرة.
_________________
(١) بفتح العين، وإسكان الراء، هو العظم الذى عليه بقية من لحم. النهاية ٣/١٩٩.
(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ٢/٢١٤ رقم ٣٠٠.
(٣) الترجل، والترجيل: تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه. النهاية ٢/١٨٦.
(٤) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأسها زوجها ٢/٢١٢ رقم ٢٩٧، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحيض، باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله ١/٤٧٨ رقم ٢٩٥.
(٥) أخرج مسلم (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها برقم ٢٩٩.
[ ٧٠٦ ]
وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يتكئ فى حجرى وأنا حائض. فيقرأ القرآن" (١) .
ففى هذا الحديث دلالة واضحة على جواز ملامسة الحائض، وأن ذاتها وثيابها على الطهارة، ما لم يلحق شيئًا منها نجاسة، كما فى الحديث دلالة واضحة على جواز قراءة القرآن بقرب محل النجاسة (٢) وكل هذا منه ﷺ، للبيان التشريعى الذى هو من مهامه فى رسالته، وليس الأمر كما يزعم أعداء عصمته، بأن الأماكن ضاقت به حتى لجأ إلى حجر عائشة يقرأ فيه القرآن!.
ويبين رسول الله ﷺ، عمليًا ما للرجل من امرأة إذا كانت حائضًا فتأتى رواية عائشة السابقة، لتبين بأنه ﷺ كان يباشر نسائه فوق الإزار (٣) وتأتى رواية أنس السابقة "اصنعوا كل شئ إلا الجماع" (٤) لتبين جواز المباشرة تحت الإزار دون الفرج، ويؤيده ما رواه أبو داود بإسناد قوى (٥) . عن عكرمة عن بعض أزواج النبى ﷺ، أن النبى ﷺ، كان إذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها ثوبًا" (٦) ولا تعارض فى ذلك فرواية عائشة محمولة على الاستحباب، لمن لا يضبط نفسه عند المباشرة من الفرج، أما من وثق من نفسه، جاز له المباشرة تحت الإزار دون الفرج (٧) .
ولا شك أنه ﷺ، كان أملك الناس لإربه، فهذا من خصائصه، كما صرحت عائشة ﵂، رغم أنف المنكرين لذلك (٨) .
_________________
(١) سبق تخريجه ص٤٧٤.
(٢) ينظر: فتح البارى ١/٤٧٩ رقم ٢٩٧.
(٣) سبق تخريجه ص٤٧٣.
(٤) سبق تخريجه ص٢٠٤.
(٥) كما قال الحافظ فى فتح البارى ١/٤٨٢ رقم ٣٠٢.
(٦) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الطهارة، باب الرجل يصيب ما دون الجماع ١/٧١ رقم ٢٧٢.
(٧) وقيل غير ذلك فى الجمع بين الروايات، وقد اقتصرت على ما هو الراجح عندى. ينظر: فتح البارى ١/٤٨٢ رقم ٣٠٢.
(٨) يراجع: كلام أحمد صبحى منصور السابق ص٤٧٣.
[ ٧٠٧ ]
وبعد:
فهذا بيان رسول الله ﷺ، قولًا وعملًا لقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن﴾ (١) وهو بيان يهم كل مسلم ومسلمة، وعنه سأل أصحاب رسول الله ﷺ قديمًا ورجعوا إليه (٢) وعنه يسأل كل مسلم ومسلمة إلى يوم الدين.
فليختر كل إنسان لنفسه؛ إذا حاضت أخته، أو زوجته، أو أمه، أو خالته، أو الخ هل يعتزلهن فلا يؤاكلهن ولا يشاربهن ولا يساكنهن فى بيت واحد – كما هو حال اليهود؟ أم يكون له قدوة وأسوة بسنة وسيرة المعصوم ﷺ؟!.
إن سنة وسيرة رسول الله ﷺ، فى معاملة المرأة الحائض تمثل قمة التكريم للمرأة، كما تمثل عظمة أخلاقه، وعصمته ﷺ فى سلوكه مع أهل بيته، إذا أصابهن ما كتبه رب العزة على بنات آدم.
فالمرأة فى فترة حيضتها، تكون شبه مريضة أو مريضة يصبها توعك وآلام تجعلها تشعر فى تلك الفترة بالهبوط والضيق.
_________________
(١) جزء من الآية ٢٢٢ البقرة.
(٢) ينظر: سؤال بعضهم لعائشة ﵂ فى سنن النسائى الصغرى، كتاب الحيض، باب ذكر ما كان النبى ﷺ يصنعه إذا حاضت إحدى نسائه ١/١٨٩ رقم ٣٧٥، والموطأ كتاب الطهارة، باب ما يحل للرجل من امرأته وهى حائض ١/٧٤ رقمى ٩٣، ٩٤. وينظر: سؤال معاوية بن أبى سفيان لأخته أم حبيبة زوج النبى ﷺ. فى سنن ابن ماجة كتاب الطهارة، باب ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا ١/٢٠٦ رقم ٦٣٨.
[ ٧٠٨ ]
.. كما أن أغلبية الرجال يشعرون بالاشمئزاز والنفور من الرائحة الشهرية المرافقة للطمث. وقليل منهم الذين يشعرون ببهجة وانجذاب. وشم هذه الرائحة الشهرية لا يقتصر على منطقة الأعضاء الجنسية، بل تمتد فى معظم النساء إلى إفرازات الجلد والنفس (١) وكل هذا ولا شك مما قد يفسد العلاقة بين الرجل وأهله فى تلك الفترة التى تعترى المرأة شهريًا.
فهل تعتزل أخى المسلم: زوجتك الحائض فى تلك الفترة، فلا تؤاكلها، ولا تشاربها، ولا تساكنها، فى بيت واحد، مما قد يزيد الجفاء بينك وبين زوجتك؟.
أم تمتثل لسنة وسيرة المعصوم ﷺ، مع أهل بيته فى تلك الفترة التى تحيض فيها المرأة؛ فيكون لذلك أطيب الأثر فى العلاقة بينك وبين أهل بيتك، ويكون لك الأجر والهداية، والفلاح، جزاء امتثالك وطاعتك لله ﷿ ولرسوله ﷺ؟ اختر لنفسك ما شئت.
اللهم ارزقنى القدوة بنبيك مع أهل بيتى
_________________
(١) ينظر: الطب النبوى والعلم الحديث للدكتور محمود ناظم النسيمى ٢/١١٦.
[ ٧٠٩ ]