والرد عليها
روى البخارى ومسلم عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ، "اللهم! إنما أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته، أو جلدته، فاجعلها له زكاة ورحمة" (١) .
هذا الحديث الذى يبين كمال شفقة رسول الله ﷺ، على أمته، طعن فيه أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة، وزعموا أنه موضوع، وفيه تشويه لصورة الرسول، وطعن فى عصمته فى سلوكه وهديه، إذ لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا لعانًا ولا سبابًا.
_________________
(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب البر والصلة، باب من لعنه النبى ﷺ، أو سبه، أو دعا عليه، وليس هو أهلًا لذلك كان له زكاة وأجرًا ٨/٣٩٦ رقم ٢٦٠١، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الدعوات، باب قول النبى ﷺ من أذيته فاجعله له زكاة ورحمة ١١/١٧٥ رقم ٦٣٦١، والدارمى فى سننه كتاب الرقائق، باب قول النبى ﷺ أيما رجل لعنته أو سببته ٢/٤٠٦ رقم ٢٧٦٥، وأحمد فى المسند ٢/٢٤٣، ٣١٦، ٣٩٠، ٤٤٩، ٤٨٨، ٤٩٣، ٤٩٦ - ٣/٤٠٠، وللحديث شواهد عن عائشة، وجابر بن عبد الله، وأبى سعيد الخدرى، وأنس بن مالك، وأبى السوار عن خاله. سيأتى تخريجها قريبًا.
[ ٧٢٣ ]
.. يقول نيازى عز الدين بعد أن ذكر روايات الحديث السابق قال: "إن وراء هذه الأحاديث منافقين غايتهم تشويه صورة الرسول خدمة لسلطانهم (١) حتى إذا سب وشتم ولعن وجلد أحدًا حتى لو كان بريئًا، استشهد جنوده عليه بأحاديث الرسول هذه، على أن السلطان قد تفضل عليه بذلك الجلد، وتلك الإهانة خيرًا كثيرًا" (٢) .
ويقول جعفر مرتضى العاملى: "نعم، ربما يلعن رسول الله ﷺ، بعض المنافقين، وفراعنة الأمة لكن أتباعهم وضعوا الحديث الذى صيروا فيه اللعنة زكاة، ليعموا على الناس أمرهم، ويجعلوا لعن النبى ﷺ لغوًا، ودعاءه على معاوية بأن لا يشبع الله بطنه باطلًا، فجزاهم الله تعالى عن نبيهم ما يحق بشأنهم" (٣) .
_________________
(١) المراد بالسلطان هنا: معاوية بن أبى سفيان ﵁، وجنوده هم: الفقهاء فى زمانه كما صرح بذلك فى كتابه دين السلطان ص٣٦، ٣٧، ويراجع من نفس المصدر ص١١، ١٠٣، ١١٠، ١١٤، ١١٧، ١١٩، ١٢٤، ٧٩٥، وكذا صرح عبد الحسين شرف الدين فى كتابه أبو هريرة ص١٠٤ حيث قال: "إنما وضع هذا الحديث على عهد معاوية تزلفًا إليه" أهـ المراد نقله.
(٢) دين السلطان ص٤٢١.
(٣) الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٦/١٧٣، ٧/٣١٧.
[ ٧٢٤ ]
.. ويقول عبد الحسين شرف الدين: "قد علم البر والفاجر، والمؤمن والكافر، أن إيذاء من لا يستحق من المؤمنين أو جلدهم أو سبهم أو لعنهم على الغضب ظلم قبيح، وفسق صريح، يربأ عنه عدول المؤمنين، فكيف يجوز على سيد النبيين، وخاتم المرسلين؟ وقد قال: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" (١) وعن أبى هريرة قال: قيل يا رسول الله! ادع على المشركين، قال: إنى لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة" (٢) هذه حاله مع المشركين، فكيف به مع من لا يستحق من المؤمنين؟ " (٣) .
ويجاب عن ما سبق بما يلى:
أولًا: الحديث صحيح سندًا ومتنًا وثابت بأصح الأسانيد فى أصح الكتب بعد كتاب الله ﷿ فقد رواه الشيخان فى صحيحيهما، ولا يصح لنا أن نكذب البخارى ومسلم وروايتهما، اعتمادًا على رأى ليس له من حظ فى توثيق الأخبار، وإقرار الحقائق من قريب أو بعيد.
_________________
(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر ١/١٣٥ رقم ٤٨، وكتاب الأدب، باب ما ينهى عنه من السباب واللعن ١٠/٤٧٩ رقم ٦٠٤٤، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب بيان قول النبى ﷺ سباب المسلم فسوق ١/٣٣٠ رقم ٦٤ من حديث ابن مسعود ﵁.
(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب البر والصلة، باب النهى عن لعن الدواب وغيرها ٨/٣٩٤ رقم ٢٥٩٩.
(٣) أبو هريرة ص١٠٠ – ١٠٤، وينظر: مساحة الحوار ص١١٧، ١١٨، والمواجهة مع رسول الله وآله ص٢٥٧ – ٢٥٩ كلاهما لأحمد حسين يعقوب، ودفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين لصالح الوردانى ص٤٠، ٢٥٧.
[ ٧٢٥ ]
ثانيًا: لم ينفرد أبى هريرة ﵁ برواية الحديث، وإنما شاركه فى روايته جماعة من الصحابة: عائشة (١) وجابر بن عبد الله (٢) وأبى سعيد الخدرى (٣) وأنس بن مالك (٤) وأبى السوار عن خاله (٥) .
ثالثًا: ليس فى حديثنا ما يشوه سيرة رسول الله ﷺ، وعصمته فى أخلاقه، لأنه لا خلاف فى أن رسول الله ﷺ مأمور بالغلظة على الكفار والمنافقين عملًا بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير﴾ (٦) .
_________________
(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب البر والصلة، باب من لعنه النبى ﷺ أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلًا لذلك كان له زكاة وأجرًا ورحمة ٨/٣٩٦ رقم ٢٦٠٠، وأحمد فى المسند ٦/٤٥، ١٨٠.
(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها برقم ٢٩٠٢، والدارمى فى سننه كتاب الرقائق، باب قول النبى ﷺ أيما رجل لعنته أو سببته ٢/٤٠٦ رقم ٢٧٦٦، وأحمد فى المسند ٣/٣٣٣، ٣٨٤.
(٣) أخرجه أحمد فى المسند٣/٣٣ وأبو يعلى وإسناده حسن كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٦٦.
(٤) أخرجه مسلم (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها برقم ٢٩٠٣ فى قصة عن أم سليم ﵂، وأخرجه أحمد فى المسند ٣/١٤١ عن أنس فى قصة عن حفصة ﵂.
(٥) أخرجه أحمد فى المسند ٥/٢٩٤، ورجاله رجال الصحيح، كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٩/٤٠٧.
(٦) الآية ٧٣ التوبة، والآية ٩ التحريم.
[ ٧٢٦ ]
.. ولقد تكررت هذه الآية فى القرآن مرتين، فيهما "واغلظ عليهم" ولا مانع من أن يكون، من هذا الإغلاظ سبهم ولعنهم، بدليل ما ورد فى السنة المطهرة، من أنه ﷺ، كان يدعو على رجال من المشركين، يسميهم بأسمائهم حتى أنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شئ أو يتوب الله عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ (١) وليس فى الآية الكريمة نهى عن اللعن، وإنما النهى حسب سبب النزول، عن تعيين أسماء من يلعنهم، لعل الله أن يتوب عليهم (٢) أو يعذبهم فى الدنيا بقتلهم، وفى الآخرة بالعذاب الأليم، فإنهم ظالمون.
وتأمل ختام الآية: ﴿فإنهم ظالمون﴾ والظالمون لعنهم رب العزة بصفتهم دون أسمائهم فى أكثر من آية منها:
قوله تعالى: ﴿فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين﴾ (٣) .
وقوله ﷿: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ (٤) .
_________________
(١) الآية ١٢٨ آل عمران. وينظر: حديث ابن عمر فى صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى باب ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسًا﴾ ٧/٤٢٢ رقم ٤٠٦٩، وحديث أبى هريرة ﵁ فى كتاب التفسير، باب "ليس لك من الأمر شئ" ٨/٧٤ رقم ٤٥٦٠.
(٢) وهو ما حدث فعلًا. فعن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ يوم أحد: اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام. اللهم العن صفوان بن أمية، قال: فنزلت: ﴿ليس لك من الأمر شئئ الآية فتاب الله عليهم، فأسلموا فحسن إسلامهم﴾ أخرجه الترمذى فى سننه كتاب التفسير، باب سورة آل عمران ٥/٢١٢ رقم ٣٠٠٤ وقال: حسن غريب.
(٣) الآية ٤٤ الأعراف.
(٤) الآية ١٨ هود.
[ ٧٢٧ ]
هذا فضلًا عن الآيات التى تلعن اليهود، وتلعن الكاذبين والكافرين، وتلعن بعض عصاة المؤمنين كالذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات وغيرهم. كقوله تعالى: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ (٢) وقوله ﷿: ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾ (٣) .
وقوله تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا فى الدنيا والآخرة﴾ (٤) وقوله سبحانه: ﴿والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين﴾ (٥) .
_________________
(١) الآية ٦٤ المائدة.
(٢) الآية ٧٨ المائدة.
(٣) الآية ١٦١ البقرة.
(٤) الآية ٢٣ النور.
(٥) الآية ٧ النور.
[ ٧٢٨ ]
وجاءت السنة المطهرة، وعلى لسان صاحبها المعصوم ﷺ، تلعن من لعنهم الله فى كتابه، ومنهم عصاة المؤمنين بصفتهم دون تعيين أشخاصهم، حيث جاء لعن الله ولعن رسول الله للسارق (١) والواصلة والواشمة (٢) ولعن من لعن والديه، ومن ذبح لغير الله، ومن آوى محدثًا، ومن غير منار الأرض (٣) والشارب الخمر (٤)
_________________
(١) فعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ، "لعن الله السارق. يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده" أخرج البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحدود، باب قول الله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ ١٢/١٠٠ رقم ٦٧٩٩، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها ٦/١٩٨ رقم ١٦٨٧.
(٢) فعن ابن عمر ﵁ قال: لعن النبى ﷺ، الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب اللباس، باب المستوشمة ١٠/٣٩٣ رقم ٥٩٤٧، ومسلم (بشرح النووى) كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة ٧/٣٥٦ رقم ٢١٢٤.
(٣) فعن عامر بن واثلة قال: كنت عند على بن أبى طالب، فأتاه رجل فقال: ما كان النبى ﷺ يسر إليك؟ قال: فغضب، وقال: ما كان النبى ﷺ يسر إلى شيئًا يكتمه الناس غير أنه قد حدثنى بكلمات أربع قال: فقال ما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: قال لعن الله من لعن والديه، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثًا، ولعن الله من غير منار الأرض" أى حدودها. أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الأضاحى باب تحريم الذبح لغير الله تعالى ٧/١٥٥ رقم ١٩٧٨، والحاكم فى المستدرك ٤/١٦٩ رقم ٧٢٥٤ عن هانئ مولى على بن أبى طالب، وسكت عنه الحاكم والذهبى.
(٤) فعن ابن عمر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: "لعن الله الخمر وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه" أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الأشربة، باب العنب يعصر للخمر ٣/٣٢٦ رقم ٣٦٧٤، وابن ماجة فى سننه كتاب الأشربة، باب لعنت الخمر على عشرة أوجه ٢/٣١٣ رقم ٣٣٨٠، وأحمد فى المسند ٢/٢٥، ٧١، ٩٧، وأبو يعلى فى مسنده ٩/٤٣١ رقمى ٥٥٨٣، ٥٥٩١، والحاكم فى المستدرك ٢/٣٧ رقم ٢٢٣٥ وصحح إسناده ووافقه الذهبى.
[ ٧٢٩ ]
والراشى والمرتشى (١) ومن حلق أو سلق أو خرق (٢) ومن مثل بالحيوان (٣) وغيرهم ممن هو مشهور فى الأحاديث الصحيحة (٤) .
فهذه الآيات والأحاديث تبين فى صراحة ووضوح جواز لعن من لعنهم الله فى كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ فى سنته المطهرة بصفتهم دون تحديد أشخاصهم، وهذا الجواز فى حق الأنبياء وأممهم على السواء، فهو من اللعن المباح (٥) .
_________________
(١) فعن ابن عمرو ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ الراشى والمرتشى" أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الأقضية، باب كراهية الرشوة ٣/٣٠٠ رقم ٣٥٨٠، والترمذى فى سننه كتاب الأحكام، باب ما جاء فى الراشى والمرتشى فى الحكم ٣/٦٢٣ رقم ١٣٣٧، وابن ماجة فى سننه كتاب الأحكام، باب التغليظ فى الحيف والرشوة ١/٧٢٧ رقم ٢٣١٣، والحاكم فى المستدرك ٤/١١٥ رقم ٧٠٦٦ وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبى.
(٢) فعن أبى موسى الأشعرى ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ لعن من حلق أى رأسه أو لحيته لمصيبة أو سلق – أى رفع صوته بالبكاء عند المصيبة، أو خرق أى ثوبه" أخرجه النسائى فى سننه الصغرى كتاب الجنائز، باب شق الجيوب ٤/٢١ رقم ١٨٦٧، وأحمد فى المسند ٤/٤٠٥،والحديث متفق عليه بلفظ: "إن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة"أهـ.
(٣) فعن سعيد بن جبير قال: مررت مع ابن عمر فى طريق من طرق المدينة، فإذا فتية قد نصبوا دجاجة يرمونها قال: فغضب وقال: من فعل هذا؟ فتفرقوا، فقال ابن عمر: لعن رسول الله ﷺ من يمثل بالحيوان" أخرجه الحاكم فى المستدرك ٤/٢٦١ رقم ٧٥٧٥ وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبى، وأخرجه النسائى فى سننه الصغرى كتاب الضحايا، باب النهى عن المجثمة ٧/٢٣٨ رقم ٤٤٤٢.
(٤) ينظر: الكبائر للذهبى ص١٨٠ – ١٨٧ أرقام: ٤٧٥ – ٥٢٢.
(٥) ينظر: المنهاج شرح مسلم ٨/٣٩٥ رقم ٢٥٩٧.
[ ٧٣٠ ]
وتأمل الآية السابقة: ﴿لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ (١) فداود وعيسى ﵉، لعنوا الذين كفروا من بنى إسرائيل، فإذا لعن رسول الله ﷺ الذين كفروا من قومه لم يكن بدعًا من الرسل: وإذا لعن العصاة من هذه الأمة كما ورد فى القرآن الكريم، وكما أوحى إليه ربه بوحى غير متلو. كنحو الذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم بينة إلا أنفسهم، وكالذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، وكنحو الواصلة والواشمة، والسارق، ومن لعن والديهالخ.
إذا لعن رسول الله ﷺ كل هؤلاء بصفتهم دون أشخاصهم كما أوحى إليه ربه – بوحى متلو أو غير متلو – لم يكن فى ذلك ما يشوه سيرته العطرة، ولا ما يطعن فى عصمته فى سلوكه وهديه وخلقه. لأن المنهى عنه من اللعن تحديد أسماء من يلعن، دون صفة فعلهم، وقد جاء التوجيه الربانى لنبيه ﷺ بذلك، لعل الله أن يتوب عليهم، وهو ما حدث مع بعضهم على ما سبق فى حديث ابن عمر من رواية الترمذى.
رابعًا: ليس فى حديثنا ما يعارض ما ورد فى أحاديث أخرى نحو حديث أبى هريرة قال: قيل يا رسول الله! ادع على المشركين قال: "إنى لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة" وحديث: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" لأن هذه الأحاديث مطلقة، وجاء ما يقيدها، وحمل المطلق على المقيد حينئذ واجب، جمعًا بين ما ظاهره التعارض.
_________________
(١) الآية ٧٨ المائدة.
[ ٧٣١ ]
.. أما حديث أبى هريرة: فقيده ما أخرجه الطبرانى فى الكبير من حديث كريز بن أسامة (١) قال: قيل للنبى ﷺ، العن بنى عامر، قال: إنى لم أبعث لعانًا" (٢) نعم! لم يبعث لعانًا لأناس بأشخاصهم، وإنما بعث رحمة، ولذا لما قالوا له ﷺ: ادع على دوس، فقال: "اللهم اهد دوسًا".
فعن أبى هريرة قال: قدم الطفيل وأصحابه، فقالوا: يا رسول الله! إن دوسًا قد كفرت وأبت. فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس فقال: "اللهم اهد دوسًا، وائت بهم" (٣) .
أما حديث: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" فمقيد بما روى عن أبى ذر ﵁ أنه سمع النبى ﷺ يقول: لا يرمى رجل رجلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه (٤) إن لم يكن صاحبه كذلك" (٥) .
ففى قوله: "إن لم يكن صاحبه كذلك" تقييد لابد منه، وهو يقرر ما سبق من جواز لعن العصاة بصفة فعلهم دون أشخاصهم، مع التحذير من هذا اللعن، خشية أن يكون صاحبه لا يستحقه بصفة فعله، فيعود اللعن إلى من نطق به.
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٤/٤٤٢ رقم ٤٤٤٧، والإصابة ٣/٢٩٣ رقم ٧٤٠٢.
(٢) أخرجه الطبرانى فى الكبير ١٩/١٨٩ رقم ٤٢٤ قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٧٢ وفيه من لم أعرفهم، وقال الحافظ فى الإصابة ترجمة كريز ٣/٢٩٣ رقم ٧٤٠٢، فيه "الرحال" بمهملتين، لا يعرف حاله، ولا حال أبيه، ولا جده أهـ.
(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل غفار وأسلم ٨/٣١٦ رقم ٢٥٢٤.
(٤) يعنى: رجعت عليه، وفى رواية مسلم: "إلا حار عليه" أى: رجع.
(٥) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأدب، باب ما ينهى عن السباب واللعن ١٠/٤٧٩ رقم ٦٠٤٥، وفى كتاب المناقب، باب منه ٦/٦٢٣ رقم ٣٥٠٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم: يا كافر ١/٣٢٥ رقم ٦١.
[ ٧٣٢ ]
.. والمعنى: من قال لآخر أنت فاسق، أو قال له أنت كافر، فإن كان ليس كما قال. كان هو المستحق للوصف المذكور، وأنه إذا كان كما قال، لم يرجع عليه شئ لكونه صدق فيما قال. ولكن لا يلزم من كونه لا يصير بذلك فاسقًا ولا كافرًا، أن يكون آثمًا فى صورة قوله له: أنت فاسق أو أنت كافر. بل فى هذه الصورة تفصيل:
إن قصد نصحه أو نصح غيره، ببيان حاله جاز.
وإن قصد تعييره وشهرته بذلك، ومحض أذاه لم يجز، لأنه مأمور بالستر عليه، وتعليمه وعظته بالحسنى، فمهما أمكنه ذلك بالرفق لا يجوز له أن يفعله بالعنف، لأنه قد يكون سببًا لإغرائه وإصراره فى ذلك الفعل، كما فى طبع كثير من الناس من الأنفة، لاسيما إن كان الآمر دون المأمور فى المنزلة (١) . وكذلك من لعن آخر، فإن كان أهلًا لها، وإلا رجعت إلى قائلها يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن أبى الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن العبد إذا لعن شيئًا صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها؛ ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينًا وشمالًا، فإذا لم تجد مساغًا، رجعت إلى الذى لعن، فإذا كان لذلك أهلًا، وإلا رجعت إلى قائلها" (٢) .
_________________
(١) ينظر: فتح البارى ١٠/٤٨٠، ٤٨١ رقم ٦٠٤٥.
(٢) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الأدب، باب اللعن ٤/٢٧٧ رقم ٤٩٠٥ وسنده جيد كما قال الحافظ فى فتح البارى ١٠/٤٨١ رقم ٦٠٤٥، وللحديث شاهد عند أحمد فى المسند ١/٤٠٨، ٤٢٥ من حديث ابن مسعود بسند حسن، كما قال الحافظ فى الأماكن السابقة نفسها، وشاهد آخر من حديث ابن عباس أخرجه أبو داود فى الأماكن السابقة نفسها برقم ٤٩٠٨، والترمذى فى سننه كتاب البر والصلة، باب ما جاء فى اللعنة ٤/٣٠٩ رقم ١٩٧٨ وقال: حسن غريب، وقال الحافظ فى الأماكن السابقة نفسها رواته ثقات، ولكنه أعل بالإرسال أهـ.
[ ٧٣٣ ]
خامسًا: ليس فى حديثنا ما يعارض ما ورد عنه ﷺ، أنه لم يكن فاحشًا، ولا لعانًا ولا سبابًا" (١) لأن هذا الحديث مقيد أيضًا بما سبق من الآيات والأحاديث التى تبين مشروعية وجواز أن يعلن رسول الله ﷺ، من أوحى إليه، لعنهم بصفتهم دون ذكر أسماءهم، سواء بوحى متلو أو غير متلو، على ما سبق، وقد جاء حديثنا مؤكدًا لما سبق من الآيات والأحاديث، حيث جاء أيضًا مقيدًا، بما رواه مسلم فى صحيحه من حديث أنس مرفوعًا: "فأيما أحد دعوت عليه من أمتى، بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها له طهورًا، وزكاة، وقربة يقربه بها منه يوم القيامة" (٢) .
فقوله ﷺ: "بدعوة ليس لها بأهل" تقييد يبين المراد بباقى الروايات المطلقة لحديثنا، وأنه إنما يكون دعاؤه رحمة، وكفارة، وزكاة ونحو ذلك، إذا لم يكن المدعو عليه، أهلًا للدعاء عليه، وكان مسلمًا، وإلا فقد دعا على الكافرين والمنافقين، ولم يكن ذلك لهم رحمة (٣) .
وبالجملة: فكل ما سبق من الآيات والأحاديث – ومن بينها حديثنا – والتى تدل على مشروعية وجواز لعن عصاة الأمة. فيها رد على المخصيصين لعنه وسبه ﷺ على الكافرين والمنافقين فقط (٤) .
_________________
(١) الحديث أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأدب، باب ما ينهى عن السباب واللعن ١٠/٤٧٩ رقم ٦٠٤٦، وأحمد فى المسند ٣/١٢٦ من حديث أنس، وله شاهد من حديث ابن عمرو أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء ١٠/٤٧٠ رقم ٦٠٣٥ وشاهد عن عائشة أخرجه الترمذى فى سننه كتاب البر والصلة، باب ما جاء فى خلق النبى ﷺ ٤/٣٢٤ رقم ٢٠١٦، وفى الشمائل المحمدية ص١٩٧ رقم ٣٣٠.
(٢) سبق تخريجه ص٤٩٣.
(٣) ينظر: المنهاج شرح مسلم للنووى ٨/٤٠٠ رقم ٢٦٠٣.
(٤) يراجع: نص كلام جعفر مرتضى، وعبد الحسين شرف الدين ص٤٩٢، ٤٩٣.
[ ٧٣٤ ]
سادسًا: فإن قيل: كيف يدعو رسول الله ﷺ على من ليس هو بأهل للدعاء عليه أو يسبه أو يلعنه أو يجلده؟ فالجواب ما أجاب به العلماء من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن المراد ليس بأهل لذلك عند الله تعالى، وفى باطن الأمر، ولكنه فى الظاهر مستوجب له، فيظهر له ﷺ استحقاقه لذلك بأمارة شرعية، ويكون فى باطن الأمر ليس أهلًا لذلك، وهو ﷺ، مأمور بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، والأحاديث فى الدلالة على ذلك كثيرة، اكتفى منها بما روى عن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: بعث على بن أبى طالب ﵁، إلى رسول الله ﷺ، من اليمن بذهيبة فقسمها بين أربعة، فقال رجل يا رسول الله، اتق الله. فقال: ويلك! أولست أحق أهل الأرض أن يتقى الله. ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد، يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا لعله أن يكون يصلى، فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس فى قلبه، فقال ﷺ: "إنى لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم" (١) .
ففى قوله: "إنى لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم" دلالة على ما أجمع عليه العلماء فى حقه ﷺ، من الحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر (٢) .
_________________
(١) مختصر من حديث طويل، أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم ٤/١٧٢ رقم ١٠٦٤، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وإلى عاد أخاهم هودًا﴾ ٦/٤٣٣ رقم ٣٣٤٤.
(٢) ينظر: تلخيص الحبير ٤/٤٦٥ رقم ٢١٠٠، ونيل الأوطار ١/٢٨٩، والشفا ٢/١٩٦، وشرح الزرقانى على المواهب ٧/١٨٤.
[ ٧٣٥ ]
والوجه الثانى: أنه أراد أن دعوته عليه، أو سبه، أو جلده، كان مما خير بين فعله له عقوبة للجانى، أو تركه والزجر له بما سوى ذلك فيكون الغضب لله تعالى، بعثه على لعنه وسبه، ولا يكون ذلك خارجًا عن شرعه. ويشهد لصحة هذا الوجه، ما رواه مسلم فى صحيحه بسنده عن عائشة قالت: دخل على رسول الله ﷺ، رجلان فكلماه بشئ، لا أدرى ما هو، فأغضباه، فلعناهما وسبهما، فلما خرجا. قلت: يا رسول الله، ما أصاب من الخير شيئًا ما أصابه هذان قال: وما ذاك؟ قالت: قلت لعنتهما وسببتهما. قال: أو ما علمت ما شرطت عليه ربى؟ قلت: اللهم! إنما أنا بشر. فأى المسلمين لعنته أو سببته، فاجعله له زكاة وأجرًا" (١) .
وفى المسند عن أنس أن رسول الله ﷺ، دفع إلى حفصة ابنة عمر رجلًا، فقال لها احتفظى به، قال: ففعلت حفصة، ومضى الرجل، فدخل رسول الله ﷺ، وقال: يا حفصة ما فعل الرجل؟ قالت: غفلت عنه يا رسول الله فخرج، فقال رسول الله ﷺ: قطع الله يدك، فرفعت يديها هكذا، فدخل رسول الله ﷺ، فقال: ما شأنك يا حفصة؟ فقالت: يا رسول الله! قلت قبل لى كذا وكذا، فقال لها: ضعى يديك. فإنى سألت الله ﷿، أيما إنسان من أمتى دعوت الله ﷿ عليه أن يجعلها له مغفرة" (٢) .
فتأمل: كيف أن غضبه ﷺ فى الحديثين السابقين، كان غضبة لله ﷿، فكان دعاؤه فى تلك الغضبة، مما خير بين فعله عقوبة للجانى، أو تركه والزجر له بما سوى ذلك.
وليس فى ذلك الغضب خروج عن شرعه، وعصمته فى سلوكه وخلقه، بل فى ذلك كمال خلقه، ودلالة على بشريته، كما صرح بذلك فى رواية مسلم عن أنس قال: "إنما أنا بشر. أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر".
_________________
(١) سبق تخريجه ص٩٣.
(٢) سبق تخريجه ص٤٩٣.
[ ٧٣٦ ]
.. ولا يفهم من قوله: "وأغضب كما يغضب البشر" أن الغضب حمله على مالا يجب، بل يجوز أن يكون المراد بهذا أن الغضب لله حمله على معاقبته بلعنه أو سبه، وأنه مما كان يحتمل، ويجوز عفوه عنه، أو كان مما خير بين المعاقبة فيه والعفو عنه (١) .
ومع ذلك، فمن كمال شفقته، وخلقه على أمته، سأل ربه ﷿، أن يجعل دعاءه مغفرة ورحمة لمن دعا عليه من أمته.
والوجه الثالث: أن يكون اللعن والسب والجلد، وقع منه ﷺ، من غير قصد إليه، فلا يكون فى ذلك، كاللعنة، والسبة، والجلدة، الواقعة بقصد ونية، ورغبة إلى الله، وطلبًا للاستجابة، بل كل ذلك يجرى على عادة العرب فى وصل كلامها عند الحرج، والتأكيد للعتب، لا على نية وقوع ذلك نحو قولهم: عقرى حلقى، وتربت يمينك، فأشفق من موافقة أمثالها القدر، فعاهد ربه، ورغب إليه، أن يجعل ذلك القول رحمة وقربة (٢) وأشار القاضى عياض إلى ترجيح هذا الوجه (٣) وحسنه الحافظ ابن حجر؛ إلا أنه أخذ عليه أن قوله "جلدته" لا يتمشى فيه، إذ لا يقع الجلد عن غيره قصد إلا أن يحمل على الجلدة الواحدة فيتجه (٤) .
قلت: هى محمولة على الجلدة الواحدة، وسيأتى من حديث أبى السوار عن خاله، وعن ابن عباس، أن الجلدة تقع منه ﷺ، عن غير قصد، وهو ما يرجح عندى هذا الوجه الثالث مع الوجه الثانى ويشهد لرجحان الوجه الثالث ما يلى:
ما روى عن أنس قال: "لم يكن رسول الله ﷺ، فاحشًا، ولا لعانًا، ولا سبابًا، كان يقول عن المعتبة: ماله ترب جبينه" (٥) .
_________________
(١) ينظر: الشفا ٢/١٩٦.
(٢) ينظر: فتح البارى ١١/١٧٦ رقم ٦٣٦١، والمنهاج شرح مسلم ٨/٤٠٠ رقم ٢٦٠٠.
(٣) الشفا ٢/١٩٦، ١٩٧.
(٤) فتح البارى ١١/١٧٦ رقم ٦٣٦١.
(٥) سبق تخريجه ص٤٩٣.
[ ٧٣٧ ]
وعن المغيرة بن شعبة قال: "ضفت (١) مع رسول الله ﷺ، ذات ليلة، فأتى بجنب (٢) مشوى، ثم أخذ السفرة (٣) فجعل يحز، فحز لى بها منه. قال: فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فألقى الشفرة فقال: ماله؟ تربت يداه؟ قال: وكان شاربه قد وفى (٤) فقال له: أقصه لك على سواك أو قصة على سواك" (٥) "فترب جبينه" و"تربت يداه" فى الحديثين، أصلها من ترب الرجل، إذا افتقر، أى: لصق بالتراب، وهى كلمة جارية على ألسنة العرب، لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، ولا وقوع الأمر به، كما يقولون قاتله الله (٦) .
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قلت: يا رسول الله. آنؤاخذ بما نقول: قال: "ثكلتك أمك يا بن جبل، وهل يكب الناس فى النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم"؟! (٧) فقوله: "ثكلتك أمك" أى فقدتك. والثكل فقد الولد، هذا أصل الكلمة فهو دعاء عليه بالموت على ظاهره، ولا يراد وقوعه، بل تأديب وتنبيه من الغفلة، لسوء قوله (٨) .
_________________
(١) أى: كنت ضيفًا عليه.
(٢) أى: قطعة من اللحم المشوى.
(٣) أى: السكين.
(٤) أى: طال وأشرف على فمه.
(٥) أخرجه الترمذى فى الشمائل المحمدية ص١٠٦ رقم ١٥٧، وأبو داود فى سننه كتاب الطهارة، باب فى ترك الوضوء مما مست النار ١/٤٨ رقم ٨٨ ورجاله كلهم ثقات – فالإسناد صحيح.
(٦) ينظر: النهاية فى غريب الحديث ١/١٨١.
(٧) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الصمت ص٣٧ رقم ٦، والترمذى فى سننه مطولًا كتاب الإيمان، باب ما جاء فى حرمة الصلاة ٥/١٣ رقم ٢٦١٦ وقال: حسن صحيح، والنسائى فى سننه الكبرى كتاب التفسير، باب قوله تعالى: "تتجافى جنوبهم عن المضاجع" ٦/٤٢٨ رقم ١١٣٩٤، وابن ماجة، فى سننه كتاب الفتن، باب كف اللسان فى الفتنة ٢/٤٨٦ رقم ٣٩٧٣، وأحمد فى المسند ٥/٢٣١، ٢٣٧، والحاكم فى المستدرك ٤/٣١٩ رقم ٧٧٧٤ وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى.
(٨) ينظر: النهاية ١/٢١٢، ومختار الصحاح ص٨٥.
[ ٧٣٨ ]
ومن ذلك حديث عائشة ﵂، لما قيل له ﷺ، إن صفية زوجه – حائض – قال: عقرى حلقى" (١) فقوله: "عقرى" أى عقرها الله، وأصابها بجرح فى جسدها، وقيل جعلها عاقرًا لا تلد، وقيل عقر قومها.
ومعنى "حلقى" أى حلق شعرها، وهو زينة المرأة، أو أصابها وقوع فى حلقها، أو حلق قومها بشؤمها، أى أهلكهم (٢) .
فهذا أصل هاتين الكلمتين، ثم اتسع العرب فى قولهما، بغير إرادة حقيقتهما، ففى ذلك كله دلالة، على استعمال رسول الله ﷺ لما جرت به العادة فى الخطاب، ولا يراد به حقيقته، فكثيرًا ما ترد للعرب ألفاظ، ظاهرها الذم، وإنما يريدون بها المدح، كقولهم: لا أب لك، ولا أم لك، ونحو ذلك. فاشفق ﷺ، على من دعا عليه، بمثل ما سبق، أن يوافق القدر، فسأل ربه ﷿، أن يجعل ذلك القول رحمة وقربة، وهذا من جميل خلقه العظيم.
_________________
(١) الحديث أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع ٥/٩١ رقم ١٢١١، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحج، باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت ٣/٦٨٦ رقم ١٧٦٢.
(٢) ينظر: النهاية ٣/٢٤٦، وفتح البارى ٣/٦٨٩ رقم ١٧٦٢.
[ ٧٣٩ ]
وفى المسند عن خال أبى السوار قال: رأيت رسول الله ﷺ، وأناس يتبعونه، فأتبعته معه، قال: ففجئنى القوم يسعون، قال: وأبقى القوم، قال: فأتى على رسول الله ﷺ، فضربنى ضربة إما بعسيب أو قضيب أو سواك أو شئ كان معه، قال: فوالله ما أوجعنى قال: فبت بليلة، قال: وقلت ما ضربنى رسول الله ﷺ، إلا لشئ علمه الله فى، قال: وحدثتنى نفسى أن آتى رسول الله ﷺ، إذا أصبحت، قال: فنزل جبريل ﵇ على النبى ﷺ، فقال: إنك راع، لا تكسرن قرون رعيتك، قال: فلما صلينا الغداة، أو قال أصبحنا، قال: قال رسول الله ﷺ: "اللهم إن إناسًا يتبعونى، وإنى لا يعجبنى أن يتبعونى، اللهم فمن ضربت أو سببت، فاجعلها له كفارة وأجرًا، أو قال مغفرة ورحمة، أو كما قال" (١) .
فتأمل: كيف أن ضربه هنا كالجلدة، وقعت منه ﷺ، من غير قصد ولا نية للإيذاء، حيث أقر المضروب؛ أنها لم توجعه، وقد دل الحديث على أن الجلدة، وقعت منه ﷺ، عتابًا. على من تبعه، من قومه فى مقام، لم يعجبه ﷺ، أن يتبعوه فيه.
ومن هذا القبيل ما جاء فى ضربه ﷺ، لعبد الله بن عباس ﵄، ملاطفة وتأنيسًا وحثًا له على سرعة إنجاز ما طلبه منه.
فعن ابن عباس قال: "كنت ألعب مع الصبيان، فجاء رسول الله ﷺ فتواريت خلف باب، قال: فجاء فحطأنى – أى ضربنى باليد مبسوطة بين الكتفين – وقال: اذهب وادع لى معاوية الحديث (٢) .
_________________
(١) سبق تخريجه ص٤٩٣.
(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب البر والصلة، باب من لعنه النبى ﷺ الخ ٨/٣٩٩ رقم ٢٦٠٤.
[ ٧٤٠ ]
٧- ومن ذلك أيضًا، ما جاء فى حديث معاذ، وهل نؤاخذ بما تكلمت به ألسنتنا يا رسول الله؟ قال: فضرب رسول الله ﷺ، فخذ معاذ، ثم قال: "يا معاذ ثكلتك أمك وما شاء الله أن يقول له من ذلك الحديث" (١) .
وفى الأحاديث السابقة رد على ما استدركه الحافظ على الوجه الثالث، بأن الجلد لا يقع عن غير قصد الخ، فإن ذلك محمول كما هو ظاهر الأحاديث السابقة على الجلدة الواحدة، من غير قصد ولا نية للإيذاء إلا مجرد العادة الجارية أو التأكيد للعتب. وإذا حملت الجلدة فى الحديث على الواقعة بقصد ونية، وأكثر من جلدة، فيحمل الجلد حينئذ على الوجه الأول السابق، فيزول أيضًا اعتراض الحافظ على حسن الوجه الثالث. والله أعلم.
٨- وعن أنس قال: كانت عند أم سليم يتيمة، فرأى رسول الله ﷺ اليتيمة فقال: أنت هيه! لقد كبرت، لا كبر سنك. فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكى، فقالت أم سليم مالك يا بنية! قالت الجارية: دعى على نبى الله ﷺ، أن لا يكبر سنى، فالآن لا يكبر سنى أبدًا، أو قالت قرنى، فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها (٢) حتى لقيت رسول الله ﷺ، فقال لها: مالك يا أم سليم؟ فقالت: يا نبى الله! أدعوت على يتيمتى؟ قال: وما ذاك يا أم سليم؟ قالت: زعمت أنك دعوت أن لا يكبر سنها، ولا يكبر قرنها، قال: فضحك رسول الله ﷺ، ثم قال: يا أم سليم! أما تعلمين أن شرطى على ربى، أنى اشترطت على ربى فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر. وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه، من أمتى، بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها له طهورًا وزكاة، وقربة يقربه بها منه يوم القيامة" (٣) .
_________________
(١) سبق تخريجه قريبًا، وهذا نص الحاكم.
(٢) أى: تديره على رأسها. المنهاج شرح مسلم ٨/٤٠١ رقم ٢٦٠٣.
(٣) سبق تخريجه ص٤٩٣.
[ ٧٤١ ]
٩- وعن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ بعث إلى معاوية ليكتب له فقال: إنه يأكل، فقال رسول الله ﷺ: "لا أشبع الله بطنه"، زاد البيهقى فى الدلائل: فما شبع بطنه أبدًا" (١) .
فما ورد هنا فى حديث أنس من قوله: "لقد كبرت لا كبر سنك" وفى حديث ابن عباس "لا أشبع الله بطنه" الظاهر من هذا الدعاء، أنه وقع منه ﷺ، بغير قصد ولا نية، بل هو مما جرت به عادة العرب فى وصل كلامها بلا نية؛ ومع ذلك أشفق نبى الرحمة من موافقة أمثالها إجابة، فعاهد ربه، كما فى روايات الحديث، أن يجعل ذلك للمقول له زكاة، ورحمة، وقربة، وهذا إنما يقع منه ﷺ، فى النادر الشاذ من الزمان.
وفيما سبق، فيه الكفاية للدلالة على ترجيح الوجه الثالث، فى معنى حديثنا كما أن فى كل ما سبق رد على استغلال بعض الفرق وأشياعهم حديث ابن عباس السابق للطعن فى معاوية ﵁ (٢) .
وليس فى الحديث ما يساعدهم على ذلك؛ كيف وفى الحديث أنه كان كاتب الوحي لرسول الله ﷺ.
_________________
(١) أخرجه أبو داود الطيالسى فى مسنده ص٣٥٩ رقم ٢٧٤٦، ومسلم (بشرح النووى) كتاب البر والصلة، باب من لعنه النبى ﷺ أو سبه الخ ٨/٣٩٩ رقم ٣٦٠٤، والبيهقى فى دلائل النبوة ٦/٢٤٣.
(٢) ينظر: الصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى ٦/١٧٠، وأبو هريرة لعبد الحسين شرف الدين الموسوى ص١٠٠ – ١٠٤، ومساحة للحوار ص١١٧، ١١٨، والمواجهة مع رسول الله وآله ص٢٥٧ – ٢٥٩ كلاهما لحمد حسين يعقوب، ودفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين لصالح الوردانى ص٢٦٤، ودين السلطان لنيازى عز الدين ص٤٢١.
[ ٧٤٢ ]
.. قال الإمام النووى: "وقد فهم مسلم – ﵀ – من هذا الحديث، أن معاوية لم يكن مستحقًا للدعاء عليه، فلهذا أدخله فى هذا الباب يعنى باب (من لعنه النبى ﷺ، أو سبه، أو دعاء عليه، وليس هو أهلًا لذلك كان له زكاة وأجرًا ورحمة) وجعله غيره من مناقب معاوية، لأنه فى الحقيقة يصير دعاء له" (١) .
وقال الحافظ ابن كثير: "وقد انتفع معاوية ﵁، بهذه الدعوة فى دنياه وأخراه، أما فى دنياه، فإنه لما صار إلى الشام أميرًا، كان يأكل فى اليوم سبع مرات، يجاء بقصعة فيها لحم كثير، وبصل فيأكل منها، ويأكل فى اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئًا كثيرًا، ويقول: والله ما أشبع، وإنما أعيا – أى أتعب – وهذه نعمة، ومعدة يرغب فيها كل الملوك، وأما فى الآخرة فقد اتبع المسلمون هذا الحديث، بالحديث الذى رواه البخارى وغيرهما من غير وجه، عن جماعة من الصحابة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم إنما أنا بشر فأيما عبد سببته، أو جلدته، أو دعوت عليه، وليس لذلك أهلًا فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة" (٢) فركب مسلم من الحديث فضيلة لمعاوية، ولم يورد له غير ذلك" (٣) .
وبالجملة: فحديثنا ليس فيه ما يعارض عصمة رسول الله ﷺ فى سلوكه وهديه، وخلقه العظيم؛ بل فيه كمال شفقته ﷺ على أمته، وجميل خلقه، وكرم ذاته، حيث قصد مقابلة ما وقع منه، بالجبر والتكرم.
وهذا كله فى حق معين فى زمنه واضح، وأما ما وقع منه ﷺ بطريق التعميم لغير معين، حتى يتناول من لم يدرك زمنه ﷺ فلا يشمله" (٤) .
وبعد:
_________________
(١) المنهاج شرح مسلم ٨/٤٠٢ رقم ٢٦٠٤.
(٢) سبق تخريجه ص٤٩٢.
(٣) البداية والنهاية ٨/١٢٢، ١٢٣.
(٤) وفى ذلك رد على التعميم الذى فهمه وزعمه نيازى عز الدين من حديثنا. ويراجع نص كلامه ص٤٩٢.
[ ٧٤٣ ]
.. فهذه نماذج من الأحاديث الصحيحة التى تتناول سيرة سيدنا رسول الله ﷺ، والتى طعن فيها دعاة الفتنة وأدعياء العلم بحجة أنها تطعن فى عصمة رسول الله ﷺ فى سلوكه وهديه، وتشوه سيرته العطرة؛ هذا فى الوقت الذى يطعن فيه بعضهم، بعدم عصمته ﷺ؛ مستدلًا ببعض الآيات المتشابهات.
والحق أن هؤلاء الأدعياء ومحاولة طعنهم فى السيرة العطرة الواردة فى السنة بحجة أنها تتعارض مع عقولهم الزائغة، أو مع كتاب الله ﷿، أو مع العلم أو غير ذلك يكشف عن أنهم لا يعرفون شيئًا أو يتجاهلون ليثبتوا كيدهم للسنة النبوية بل للإسلام! أهـ.
والله ﵎ أعلى وأعلم
[ ٧٤٤ ]