والرد عليها
روى البخارى ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: "دخل على رسول الله ﷺ وعندى جاريتان تغنيان (١) بغناء بعاث (٢) فاضطجع على الفراش (٣) وحول وجهه. ودخل أبو بكر فانتهرنى وقال: مزمارة الشيطان (٤) عند النبى ﷺ! فأقبل عليه (٥) فقال: دعهما. فلما غفل غمرتهما فخرجتا. وكان يوم عيد يلعب فيه السودان (٦) بالدرق (٧) والحراب، فإما سألت (٨)
_________________
(١) زاد فى رواية مسلم: "تغنيان وتضربان" أى بالدف الذى لا جلاجل فيه.
(٢) أى: بما قال بعضهم لبعض من فخر أو هجاء، وبعاث: بضم الموحدة وبعدها مهملة اسم حصن للأوس، ويوم بعاث يوم مشهور من أيام العرب، كانت فيه مقتلة عظيمة للأوس على الخزرج، وكانت تلك الوقعة قبل الهجرة بثلاث سنين وهو المعتمد. ينظر: فتح البارى ٢/٥١١ رقم ٩٤٩، والنهاية ١/١٣٨.
(٣) وفى رواية مسلم: "مسجى بثوبه" أى ملتف به.
(٤) بكسر الميم يعنى: الغناء أو الدف، لأن المزمارة أو المزمار مشتق من الزمير، وهو الصوت الذى له صفير، ويطلق على الصوت الحسن وعلى الغناء، وسميت به الآلة المعروفة التى يزمر بها، وإضافتها إلى الشيطان من جهة أنها تلهى، فقد تشغل القلب عن الذكر أهـ فتح البارى ٢/٥١٢ رقم ٩٤٩، والنهاية ٢/٢٨٢.
(٥) وفى رواية مسلم: "فكشف النبى ﷺ" أى عن وجهه الشريف، حيث تقدم أنه ﷺ، كان ملتفًا بثوبه أهـ.
(٦) هم أناس من الحبشة، كما جاء فى رواية مسلم: لقد رأيت رسول الله ﷺ يقوم على باب حجرتى. والحبشة يلعبون بحرابهم فى مسجد رسول الله ﷺ ٠
(٧) جمع درقة، ويروى بالكاف عوض القاف، والمراد: يرقصون وفى أيديهم الحراب جمع حربة، وهى من آلات الحرب. ينظر: المنهاج شرح مسلم ٣/٤٥٤ رقم ٨٩٢، والنهاية ٢/١٠٧.
(٨) هذا تردد منها، هل كان أذن لها فى ذلك ابتداء منه، أو عن سؤال عنها، وهذا بناء على أن "سألت" بسكون اللام على أنه كلامها، ويحتمل أن يكون بفتح اللام، فيكون كلام الراوى، وسيأتى تحقيق ذلك قريبًا.
[ ٧١٠ ]
النبى ﷺ، وإما قال: تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم. فأقامنى وراءه، خدى على خده، وهو يقول: دونكم يا بنى أرفدة (١) حتى إذا مللت قال: حسبك؟ (٢) قلت: نعم. قال: فاذهبى" (٣) .
هذا الحديث الذى يبين محاسن ومكارم أخلاقه ﷺ مع أهل بيته. طعن فيه بعض أدعياء العلم بحجة أنه يطعن فى عصمة رسول الله ﷺ فى سلوكه، حيث أن الحديث فى نظرهم ينسب إليه ﷺ، استماعه وفى عقر داره إلى الغوانى يتغنين، كما ينسب إليه فى نظرهم دعوته زوجته الشابة إلى مشاهدة حفلة راقصة فى المسجد الخ.
يقول عبد الحسين شرف الدين الموسوى: "إن رسول الله أبعد عن اللعب، وأرفع عن العبث، وأعرف بحرمات الله ورسوله من أن يوسع للجهال مجالًا إلى اللهو فى المسجد بمحضر منه، وإن أوقاته الشريفة المفعمة بالمهمات الأخروية والدنيوية، لا يتسع للهو منها شئ، وحاشا لله أن يشغل مسجده الشريف بعبث أو لهو أو لغو ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا﴾ (٤) .
_________________
(١) بفتح الهمزة، وسكون الراء، وكسر الفاء، وقد تفتح، لقب للحبشة، وقيل اسم جنس لهم، والمعنى: عليكم بهذا اللعب الذى أنتم فيه أهـ المنهاج شرح مسلم ٣/٤٥٤ رقم ٨٩٢.
(٢) استفهام بدليل قولها: "قلت نعم" تقديره حسبك أى: هل يكفيك هذا القدر؟ ينظر: المصدر السابق الأماكن السابقة نفسها.
(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها: كتاب العيدين، باب الحراب والدرق يوم العيد ٢/٥١٠ رقم ٩٤٩، ٩٥٠، وباب سنة العيدين لأهل الإسلام برقم ٩٥٢،ومسلم (بشرح= =النووى) كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة فى اللعب الذى لا معصية فيه، فى أيام العيد ٣/٤٥٠ رقم ٨٩٢.
(٤) الآية ٥ الكهف. وينظر: أبو هريرة ص١٥٨، والمراجعات له أيضًا ص٣١٧.
[ ٧١١ ]
.. ويقول هشام آل قطيط: "كيف يتسنى لأم المؤمنين، بعد وقوفها وراء النبى أن تضع خدها على خده؟ هل كانت أطول قامة من النبى؟ أم أنها تشبثت بعنقه كما يتشبث الأطفال بعنق الكبار فى لعبة الـ ()؟.
ولأن أم المؤمنين لم تتطرق لذلك، ولم نحضر المشهد، فالأفضل أن نقول: لا ندرى! وكيف للخليفة أبى بكر أن يمنع المغنيات فى بيت النبى وبحضوره والنبى ساكت لا يتكلم.
هل أن أبا بكر أفضل من النبى؟ وأى نبى هذا الذى يسكت وأحد أصحابه يمنع المغنيات؟ وأى نبى هذا الذى يدعوا زوجته الشابة إلى مشاهدة هذه الحفلة الراقصة فى المسجد والنظر إلى الأجانب، وتضع خدها على خده، ثم يقوم حتى تملى هى من المشاهدة؟ بالله عليكم ألا ينطبق على هذه الأحاديث قول الشاعر:
إذا كان رب البيت بالدف ضاربًا *** فشيمة أهل البيت كلهم الرقص؟ (١) .
ويجاب عن ما سبق بما يلى:
أولًا: الحديث صحيح سندًا ومتنًا ولا يتعارض مع عصمة رسول الله ﷺ، فى سلوكه وهديه، بل فيه البيان العملى مع أهل بيته، لما هو مباح للأمة فى أيام العيد.
وهذا البيان فهمه أئمة السنة قديمًا وحديثًا بما لا يتعارض مع عصمته ﷺ، وتأمل مواضع إخراج هذا الحديث فى كتب السنة تجد صدق ما أقول؛ فالإمام البخارى أخرج الحديث فى عدة مواضع من صحيحه أولها كتاب العيدين، باب الحراب والدرق يوم العيد، ثم كرره فى باب سنة العيدين لأهل الإسلام.
_________________
(١) حوار ومناقشة كتاب عائشة أم المؤمنين ص٣٢ – ٣٤، وينظر: الصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى ١/١٨، والخطوط الطويلة أو دفاع عن السنة المحمدية لمحمد بن على الهاشمى ص١٢، وقراءة فى صحيح البخارى لأحمد صبحى منصور ص٢٦، ودين السلطان لنيازى عز الدين ص٥٣٠.
[ ٧١٢ ]
.. وهو كما ترى صريح فى بيان أن حديث عائشة، يستفاد منه السنة والشرع لأهل الإسلام فى العيدين، من جواز اللعب واللهو والرقص والغناء، بما لا معصية فيه؛ وهذا ما تضمنه عنوان الباب الذى ذكر تحته الحديث من صحيح الإمام مسلم، فى كتاب العيدين.
ومن هنا صرح العلماء؛ بأن إظهار السرور فى الأعياد من شعار الدين (١) وقولهم هذا مستفاد صراحة من هذا الحديث، على ما جاء فى رواية مسلم من قوله ﷺ: "دعهما يا أبا بكر فإنهما أيام عيد" (٢) ففى ذلك تعليل الأمر بتركهما، بأنه يوم عيد، أى: هو وقت سرور. وهناك من العلماء من قاس على يوم العيد فى إظهار السرور، ما فى معناه كيوم العرس (٣) والوليمة والعقيقة والختان، ويوم القدوم من السفر (٤)
_________________
(١) ينظر: فتح البارى ٢/٥١٤ رقمى ٩٤٩، ٩٥٠.
(٢) يراجع: تخريج حديثنا ص٤٨٣.
(٣) فعن عامر بن سعد قال: دخلت على قرظة بن كعب وأبى مسعود الأنصارى فى عرس، وإذا جوار يغنين، فقلت: أنتما صاحبا رسول الله ﷺ، ومن أهل بدر، يفعل هذا عندكم. فقالا: اجلس. إن شئت فاسمع معنا، وإن شئت اذهب، قد رخص لنا فى اللهو عند العرس" أخرجه النسائى فى سننه الصغرى كتاب النكاح، باب اللهو والغناء عند العرس ٦/١٣٥ رقم ٣٣٨٣، والحاكم فى المستدرك ٢/٢٠١ رقم ٢٧٥١ وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى وينظر: حديث الربيع بنت معوذ فى صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب النكاح، باب ضرب الدف فى النكاح والوليمة ٩/١٠٩ رقم ٥١٤٧، وحديث عائشة فى المصدر السابق، نفس الكتاب، باب النسوة اللاتى يهدين المرأة إلى زوجها ودعائهن بالبركة رقم ٥١٦٢.
(٤) ويؤيده ما رواه أبو داود عن أنس قال: لما قدم النبى ﷺ المدينة لعبت الحبشة لقدومه فرحًا بذلك، لعبوا بحرابهم" ولا شك أن يوم قدموه ﷺ كان عندهم أعظم من يوم العيد. الحديث أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الأدب، باب النهى عن الغناء ٤/٢٨١ رقم ٤٩٢٣، وفيه الحسن بن على بن راشد الواسطى شيخ أبى داود – صدوق – كما قال الحافظ فى التقريب ١/٢٠٦ رقم ١٢٦٢ وبقية رجاله ثقات – فالإسناد حسن.
[ ٧١٣ ]
وسائر أسباب الفرح، وهو كل ما يجوز به الفرح شرعًا (١) .
فمن أين نعرف مثل هذه الأحكام إلا من هذا الحديث وما فى معناه!.
ثانيًا: ليس فى إنكار الصديق ﵁ على عائشة ﵂، وما معها من الجوارى وبحضوره ﷺ، إفتئات على رسول الله، بل هو أدب من أبى بكر ورعاية منه لحرمة رسول الله ﷺ، وإجلال لمنصبه، لما تقرر عنده من منع الغناء واللهو فى بيته ﷺ، فبادر إلى إنكار ذلك قيامًا عن النبى ﷺ، مستندًا بذلك إلى ما ظهر له، كما يحتمل أن يكون أبو بكر ظن ان رسول الله ﷺ نام فخشى أن يستيقظ فيغضب على ابنته، فبادر إلى سد هذه الذريعة، فأوضح له النبى ﷺ الحال، وعرفه الحكم مقرونًا ببيان الحكمة بأنه يوم عيد، أى يوم سرور شرعى، فلا ينكر فيه مثل هذا، كما لا ينكر فى الأعراس ونحوها مما يجوز به الفرح شرعًا على ما سبق.
_________________
(١) ينظر: إحياء علوم الدين للغزالى ٢/٣٠٣، ٣٠٤.
[ ٧١٤ ]
.. وبهذا يرتفع الإشكال أيضًا عن إنكار عمر بحضرته ﷺ فى نفس القصة، على ما روى عن عائشة ﵂ قالت: "رأيت النبى ﷺ يسترنى وأنا أنظر إلى الحبشة، وهم يلعبون فى المسجد، فزجرهم عمر (١) فقال النبى ﷺ، دعهم. أمنا بنى أرفدة" يعنى من الأمن (٢) يشير إلى أن المعنى: اتركهم من جهة إنا آمناهم أمنًا.
فإنكار عمر هنا مبنى على أن الأصل تنزيه المساجد عن اللعب فيها بالحراب، فبين له رسول الله ﷺ وجه الجواز.
كما يحتمل أن يكون عمر لم يرى رسول الله ﷺ، ولم يعلم أنه رآهم، كما يحتمل أن يكون إنكاره لهذا شبيه إنكاره على المغنيتين، وكان من شدته فى الدين ينكر خلاف الأولى، والجد فى الجملة أولى من اللعب المباح. وأما النبى ﷺ، فكان بصدد بيان الجواز (٣) .
ثالثًا: ليس فى الحديث ما يزعمه دعاة الفتنة من استماع رسول الله ﷺ، للباطل من الغناء على لسان المغنيات بدلالة ما يلى:
_________________
(١) وفى رواية أبى هريرة: "فأهوى إلى الحصباء يحصبهم بها، أى أهوى عمر إلى الحصى الصغار يرميهم بها.
(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها. كتاب العيدين، باب إذا فاته العيد يصلى ركعتين ٢/٥٥٠ رقمى ٩٨٧، ٩٨٨، وكتاب الصلاة، باب أصحاب الحراب فى المسجد ١/٦٥٣ رقم ٤٥٤. ومن حديث أبى هريرة فى كتاب الجهاد، باب اللهو بالحراب ونحوها ٦/١٠٩ رقم ٢٩٠١، ومسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة فى اللعب الذى لا معصية فيه فى أيام العيد ٣/٤٥٢ رقم ٨٩٣.
(٣) ينظر: فتح البارى ٢/٥١٥ رقم ٩٥٠، ٦/١٠٩ رقم ٢٩٠١، والمنهاج شرح مسلم ٣/٤٥٥ رقم ٨٩٣.
[ ٧١٥ ]
ما ورد فى الحديث من أنه ﷺ، تسجى بثوبه، أى: التف به حتى غطى وجهه وأذنه، ففى ذلك إعراض عن ذلك؛ لكون مقامه يقتضى أن يرتفع عن الإصغاء إلى ذلك، لكن عدم إنكاره دال على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذى أقره إذ لا يقر على باطل!.
كما أن فى إعراضه بتغطية وجهه وأذنه؛ بيان لكمال رأفته ﷺ، وحلمه، وحسن خلقه، مع زوجته عائشة وصواحباتها، لئلا يستحيين فيقطعن ما هو مباح لهن (١) .
وحتى على فرض استماعه ﷺ، لغناء الجوارى، فالغناء هنا من نوع المباح وجاء على لسان ممن لم يتخذا الغناء عادة لهما. يدل على ذلك.
ما ورد فى الحديث من قول عائشة ﵂: "وعندى جاريتان من جوارى الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين" (٢) ففى قولها: "وليستا بمغنيتين" معناه: ليس الغناء عادة لهما، ولا هما معروفتان به، وإنما كان غناؤهما بما هو من أشعار الحرب، والمفاخرة بالشجاعة، والظهور والغلبة، وهذا لا يهيج الجوارى على شر، ولا إنشادهما لذلك من الغناء المختلف فيه، وإنما هو رفع الصوت بالإنشاد، ولهذا قالت: "وليستا بمغنيتين" أى ليستا ممن يتغنى بعادة المغنيات من التشويق والهوى، والتعريض بالفواحش، والتشبيب بأهل الجمال، وما يحرك النفوس، ويبعث الهوى والغزل، وليستا أيضًا ممن اشتهر وعرف بإحسان الغناء الذى فيه تمطيط وتكسير، وعمل يحرك الساكن، ويبعث الكامن، ولا ممن اتخذ ذلك صنعة وكسبًا، والعرب تسمى الإنشاد غناء وليس هو من الغناء المختلف فيه، بل هو مباح، وقد استجازت الصحابة غناء العرب الذى هو مجرد الإنشاد والترنم، وفعلوه بحضرة النبى ﷺ، وفى هذا كله إباحة (٣) .
_________________
(١) ينظر: المصادر السابقة فى الأماكن نفسها.
(٢) يراجع: تخريج حديثنا ص٤٨٣.
(٣) ينظر: المنهاج شرح مسلم ٣/٤٥٢ رمق ٨٩٢، وفتح البارى ٢/٥١٣ رقم ٩٤٩.
[ ٧١٦ ]
فتأمل ما ورد فى الحديث: من أنه ﷺ، تسجى بثوبه، واضطجع على الفراش وحول وجهه الشريف، وقول عائشة: "ليستا بمغنيتين" حيث نفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ، تحرزًا عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به.
تأمل ذلك جيدًا يظهر لك بطلان ما زعمه أدعياء العلم، ودعاة الفتنة، فى حق أئمة السنة، وفى حق صاحبها ﷺ، كما يظهر لك سوء فهمهم لحديثنا؟ وإلا فليأتوا لنا بما يخالف ما ورد فى الحديث؛ من أنه ﷺ، لم يتسجى بثوبه، ولم يحول وجهه، واستمع إلى مغنيات معروفات بالغناء، وتغنين بعادة المغنيات، مما يحرك النفوس، ويبعث الهوى والغزل، لا مجرد جوارى لا يعرفن بالغناء، ولا هو عادة لهما، وكل ما فعلنه أن رفعن أصواتهن بإنشاد ما هو من أشعار الحرب والمفاخرة بالشجاعة والظهور والغلبة يوم بعاث؟!.
[ ٧١٧ ]
رابعًا: إن حديثنا يبين عصمة سيدنا رسول الله ﷺ، فى سلوكه وهديه، ويبين ما كان عليه من الرأفة، والرحمة، وحسن الخلق، والمعاشرة بالمعروف مع أهل بيته امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ (١) وخصوصًا إذا كان أهل بيته صغار السن كعائشة القائلة على ما جاء فى رواية مسلم فى ختام حديثنا "فاقدروا قدر الجارية، الحديثة السن، حريصة على اللهو" (٢) .
ولذا لما رأت بعض الحبشة يرقصن فى المسجد، والصبيان حولهم يشاهدون، التمست من رسول الله ﷺ، النظر إليهم، فأذن لهى، على ما جاء فى رواية مسلم فى حديثنا: "قالت: للعابين، وددت أنى أراهم قالت: فقام رسول الله ﷺ، وقمت على الباب أنظر بين أذنيه وعاتقه. وهم يلعبون فى المسجد".
_________________
(١) جزء من الآية ١٩ النساء.
(٢) وفى الحديث عنها قالت: كنت ألعب بالبنات، فربما دخل على رسول الله ﷺ، وصواحباتى عندى، فإذا رأين رسول الله ﷺ فررن، فيقول ﷺ: كما أنت، وكما أنتن" أخرجه النسائى فى سننه الكبرى، كتاب عشرة النساء، باب إباحة الرجل اللعب لزوجته بالبنات ٥/٣٠٦ رقم ٨٩٤٧، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأدب، باب الانبساط إلى الناس ١٠/٥٤٣ رقم ٦١٣٠، ومسلم (بشرح النووى) كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عائشة ٨/٢١٨ رقم ٢٤٤٠، وينظر: حديث مسابقته ﷺ لعائشة فى السنن الكبرى للنسائى كتاب عشرة النساء، باب مسابقة الرجل زوجته ٥/٣٠٣ رقم ٨٩٤٢.
[ ٧١٨ ]
.. وتبين رواية النسائى فى سننه الكبرى، كيف تسنى لها بعد وقوفها وراء النبى ﷺ، أن تضع خدها على خده، مع قصر قامتها إذ تقول: "لعبت الحبشة، فجئت من ورائه ﷺ، فجعل يطأطئ ظهره، حتى أنظر" (١) .
وفى تلك الرواية رد على تساؤل هشام آل قطيط: هل كانت أطول قامة من النبى؟ أم أنها تشبثت بعنقه الخ (٢) كما جاء فى رواية للنسائى فى سننه الكبرى أيضًا أنها قالت: "دخل الحبشة المسجد يلعبون، فقال لى: "يا حميراء! أتحبين أن تنظرى إليهم؟ " فقلت: نعم، فقام بالباب، وجئته، فوضعت ذقنى على عاتقه، فأسندت وجهى إلى خده، قالت: ومن قولهم يومئذ: أبا القاسم طيبًا، فقال ﷺ: "حسبك" فقلت: يا رسول الله، لا تعجل، فقام لى، ثم قال: "حسبك" فقلت: لا تعجل يا رسول الله، قالت: ومالى حب النظر إليهم، ولكى أحببت أن يبلغ النساء مقامه لى، ومكانى منه" (٣) .
_________________
(١) أخرجه النسائى فى سننه الكبرى كتاب عشرة النساء، باب إباحة الرجل لزوجته النظر إلى اللعب ٥/٣٠٨ رقم ٨٩٥٥ وفى إسناده محمد بن عمرو بن علقمة صدوق له أوهام كما قال الحافظ فى التقريب ٢/١١٩ رقم ٦٢٠٨ وبقية رجاله ثقات فالإسناد حسن لغيره – لأنه مقو برواية هذا الحديث فى الصحيحين.
(٢) يراجع: نص كلامه السابق ص٤٨٤.
(٣) أخرجه النسائى فى سننه الكبرى كتاب عشرة النساء، باب إباحة الرجل لزوجته النظر إلى اللعب ٥/٣٠٧ رقم ٨٩٥١ وقال الحافظ فى فتح البارى ٢/٥١٥ رقم ٩٥١ إسناده صحيح، ولم أرى فى حديث صحيح ذكر الحميراء إلا فى هذا أهـ قلت: صحت أحاديث أخرى ذكرها الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة تعليقًا على قول الإمام ابن قيم الجوزية "كل حديث فيه يا حميراء فهو كذب" أهـ ينظر: المنار المنيف ص٦٠ رقم ٨٩.
[ ٧١٩ ]
.. ففى تلك الرواية تصريح بأنه ﷺ، ابتدأها بالنظر إلى لعب الحبشة فى المسجد، ولا تعارض بينها، وبين رواية مسلم السابقة، فالجمع بينهما على ما سبق أنها التمست من رسول الله ﷺ النظر إليهم، فأذن لها.
خامسًا: إقرار سيدنا رسول الله ﷺ، للحبشة اللعب فى المسجد بالحراب، ليس لمجرد اللعب، بل لم فيه من تدريب الشجعان على مواقع الحروب، والاستعداد للعدو.
واللعب بالسلاح ونحوه من آلات الحرب؛ وإن كان لا يناسب بيوت الله فى زماننا – إلا أنه يستفاد من إقراره ﷺ للحبشة اللعب فى المسجد بالحراب، أن لعب الصبيان فى المسجد يوم العيد ليس فيه انتهاك لحرمة بيوت الله، ولا يعارضه حديث: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم، وشراركم، وبيعكم، وخصوماتكم؛ ورفع اصواتكم وإقامة حدودكم، وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها فى الجمع" (١) لضعفه (٢) .
كما أن العلماء استفادوا من إقراره ﷺ، جواز أى عمل فى المسجد يجمع بين منفعة الدين وأهله، لأن المسجد إنما وضع لأمر جماعة المسلمين (٣) .
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة فى سننه كتاب المساجد، باب ما يكره فى المساجد ١/٢٤٣ رقم ٧٥٠ وفى إسناده أبو سعيد وهو محمد بن سعيد المصلوب، كذاب، وكذا فى سنده الحارب بن نبهان، ضعيف، كذا قال البوصيرى فى مصباح الزجاج ١/٢٦٤ رقم ٧٥٠، وأخرجه الطبرانى فى الكبير ٨/١٥٦ رقم٧٦٠١، وفيه العلاء بن كثير الليثى الشامى، وهو ضعيف، كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٢/٢٥، ٢٦.
(٢) كما قال البوصيرى، والهيثمى، على ما سبق، وكذا ضعفه الحافظ فى فتح البارى ١/٦٥٤ رقم ٤٥٤ وينظر: تلخيص الحبير ٤/٤٥٦ رقم ٢٠٨٨، والمقاصد الحسنة للسخاوى ص١٧٥ رقم ٣٧٢.
(٣) ينظر: فتح البارى ١/٤٥٦ رقم ٤٥٤، والمنهاج شرح مسلم ٣/٤٥٣ رقم ٨٩٢.
[ ٧٢٠ ]
سادسًا: إقرار رسول الله ﷺ، لزوجته أم المؤمنين عائشة ﵂، النظر إلى لعب الحبشة، فيه بيان لحسن خلقه مع أهله وكرم معاشرته، وفضل عائشة، وعظيم محلها عنده ﷺ، وليس فى نظرها إلى لعب الحبشة، ما يتعارض مع احتجابها من النظر إلى الأجانب، لأنه ليس فى الحديث أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنما نظرت لعبهم وحرابهم، ولا يلزم من ذلك تعمد النظر إلى البدن، وإن وقع النظر بلا قصد صرفته فى الحال.
ومن هنا استفاد العلماء من ذلك، إباحة الرجل لزوجته النظر إلى اللعب واللهو المباح، إذ المكروه فى حق النساء النظر إلى محاسن الرجال، والاستلذاذ بذلك (١) .
وبعد:
فإن رسول الله ﷺ، عصمه ربه فى سلوكه وهديه، وجعله قدوة لأمته، ومبينًا لما أنزل عليه من آيات الله البينات وقد قام رسول الله ﷺ، بهذا البيان قولًا وعملًا على أكمل وجه.
فكان حديثنا بيانًا عمليًا لقول رب العزة: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ (٢) وبيانًا عمليًا لقوله ﷺ: "إن من أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وألطفهم بأهله" (٣) وقوله ﷺ: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلى" (٤) .
_________________
(١) ينظر: المنهاج شرح مسلم ٣/٤٥٣ رقم ٨٩٢، وفتح البارى ٢/٥١٦ رقم ٩٥٠.
(٢) جزء من الآية ١٩ النساء.
(٣) سبق تخريجه ص٤٦٥.
(٤) سبق تخريجه ص٤٦٦.
[ ٧٢١ ]
.. حيث بين حديثنا للأمة أن حسن الخلق فى تطييب قلوب النساء والصبيان بمشاهدة اللعب، أحسن من خشونة الزهد، والتقشف فى الامتناع والمنع منه؛ وخاصة فى أيام العيد، ويقاس على أيام العيد سائر أسباب الفرح، مما يجوز به الفرح شرعًا، شريطة أن يكون هذا اللعب واللهو مما لا معصية فيه، ففى الحديث: "كل شئ ليس فيه ذكر الله، فهو لهو ولعب، إلا أربع، ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فرسه، ومشيه بين الغرضين (١) وتعليم الرجل السباحة" (٢) .
كما أن حديثنا بيانًا عمليًا لقوله تعالى: ﴿فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه﴾ (٣) حيث أفاد إقراره ﷺ، للحبشة اللعب فى المسجد، أن كل ما فيه منفعة للدين وأهله، إذا وقع فى بيت الله عز جل، فلا يعارض الآية الكريمة، كما لا يعد انتهاك لحرمة المسجد.
فهنيئًا لمن اقتدى به ﷺ، وامتثل لهديه مع أهل بيته، فكان من أكمل المؤمنين إيمانًا بحسن خلقه، ولطفه بأهل بيته أهـ.
والله ﵎ أعلى وأعلم
_________________
(١) أى: بين الهدفين فى تعلم الرماية، أو عند التحام القتال. ينظر: النهاية ٣/٣٢٣.
(٢) أخرجه النسائى فى سننه الكبرى. كتاب عشرة النساء، باب ملاعبة الرجل زوجته ٥/٣٠٢ رقم ٨٩٣٩، والطبرانى فى الأوسط ٨/١١٨ رقم ٨١٤٧، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٥/٢٦٩ رجاله رجال الصحيح، خلا عبد الوهاب بن بخت وهو ثقة، وذكر شواهد أخرى للحديث منها عن أبى هريرة ﵁، أخرجه الطبرانى فى الأوسط ٥/٢٧٨ رقم ٥٣٠٩ وقال فيه سويد بن عبد العزيز، قال أحمد متروك، وضعفه الجمهور، ووثقه دحيم، وبقية رجاله ثقات، وعن عمر بن الخطاب ﵁، أخرجه الطبرانى فى الأوسط ٧/١٧٠ رقم ٧١٨٣، وقال فيه المنذر بن زياد الطائى وهو ضعيف أهـ، ينظر: مجمع الزوائد ٥/٢٦٩.
(٣) الآية ٣٦ النور.
[ ٧٢٢ ]