كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: التعريف بالاجتهاد، وحكمته فى حقه ﷺ.
المبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى اجتهاده من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية.
المبحث الأول: التعريف بالاجتهاد، وحكمته فى حقه ﷺ
أولًا: التعريف بالاجتهاد:
أ- من حيث اللغة:
مأخوذ من الجهد، وهو المشقة والطاقة، فيختص بما فيه مشقة ليخرج عنه مالا مشقة فيه.
[ ٥٧٤ ]
.. قال الرازى (١) هو فى اللغة عبارة عن استفراغ الوسع فى أى فعل كان، يقال: استفرغ وسعه فى حمل الثقيل، ولا يقال: استفرغ وسعه فى حمل النواة (٢) ومنه حديث معاذ ﵁ حين بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، وقال له ﷺ: "كيف تقضى إذا عرض لك قضاء" قال: أقضى بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد فى كتاب الله" قال: فبسنة رسول الله ﷺ، قال: "فإن لم تجد فى سنة رسول الله ﷺ، ولا فى كتاب الله؟ " قال: اجتهد رأى ولا آلوا، فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: الحمد الذى وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضى رسول الله" (٣)
_________________
(١) هو: محمد بن عمر بن الحسين القرشى البكرى، يقال له ابن خطيب الرى، ويعرف بالفخر الرازى، إمام فقيه، مفسر، متكلم، أصولى، له مؤلفات عديدة منها: التفسير الكبير المسمى (مفاتيح الغيب) وعصمة الأنبياء، والمحصول فى علم الأصول وغير ذلك، مات سنة ٦٠٦هـ. له ترجمة فى: طبقات المفسرين للداودى ٢/٢١٥ رقم ٥٥٠، وطبقات الشافعية للسبكى ٨/٨١، والبداية والنهاية ١٣/٦٠.
(٢) ينظر: القاموس المحيط ١/٢٨٣، وتهذيب اللغة ٦/٣٧، والنهاية فى غريب الحديث ١/٣٠٨، والمحصول فى علم الأصول ٢/٤٨٩، والإحكام لابن حزم ٨/٦٢٩.
(٣) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأى فى القضاء ٣/٣٠٣ رقم ٣٥٩٢، والترمذى فى سننه كتاب الأحكام، باب ما جاء فى القاضى كيف يقضى ٣/٦١٦ رقمى ١٣٢٧، ١٣٢٨، وقال: حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندى بمتصل، وأخرجه أحمد فى مسنده ٥/٢٣٠، ٢٣٦، ٢٤٢، والخطيب فى الفقيه والمتفقه ١/٤٧٠ أرقام ٥١١ – ٥١٥ والدارمى فى سننه المقدمة، باب الفتيا وما فيه من الشدة ١/٧٢ رقم ١٦٨ قال الشوكانى فى إرشاد الفحول ٢/٣٢٢ هو حديث مشهور له طرق متعددة، ينهض مجموعها للحجية، قلت: والحديث مما تلقاه الناس بالقبول، وأجمعوا على معناه، واشتهر عند أئمة الحديث بغير نكير منهم، وما كان كذلك يحكم به بالصحة، وكان غنيًا عن الإسناد. ينظر: تدريب الراوى ١/٦٧، وأعلام الموقعين ١/٢٠٢، وتلخيص الحبير ٤/٤٤٥ رقم ٢٠٧٦.
[ ٥٧٥ ]
ب- معناه الاصطلاحى:
اختلفت عبارات الأصوليين فى تعريف الاجتهاد اصطلاحًا، اختلافًا يرجع إلى معنى واحد، وهو: بذل الفقيه الوسع، فى تحصيل الأحكام الشرعية الظنية من أدلتها التفصيلية (١) وبهذا تظهر العلاقة بين المعنى اللغوى والاصطلاحى وهى: استفراغ الوسع فى تحصيل شئ.
قال ابن الأثير: والمراد به رد القضية التى تعرض للحاكم من طريق القياس إلى الكتاب والسنة، ولم يرد الرأى الذى يراه من قبل نفسه، من غير حمل على كتاب أو سنة (٢) .
وإذا نظرنا فى المعنى الاصطلاحى رأيناه ينصب على اجتهادات فقهاء الأمة بجميع مداركها من النظر فى النصوص كتابًا وسنة، وفى القياس والإجماع وغيرهما من مدارك الاجتهاد.
واجتهاده ﷺ لا يحتاج إلى النظر فى النصوص من الجهات التى احتاج إليها علماء أمته، لأن النصوص جميعها بينة له ﷺ من جميع هذه الجهات وغيرها.
وأما ما يظهر فى بعض اجتهاداته ﷺ أنه من قبيل القياس، فالحمل فيه لتقريب فهم الحادثة المسئول عنها أو المخبر بها، ولفتح باب الاجتهاد لعلماء أمته ﷺ المؤهلين له، لا لاستنباط الحكم بالنظر فى النصوص (٣) .
_________________
(١) ينظر: المحصول للرازى ٢/٤٨٩، والأحكام للآمدى ٤/١٤١، ومسلم الثبوت وشارحه ٢/٣٦٢، وإرشاد الفحول ٢/٢٩٥، وتقرير الاستناد فى تفسير الاجتهاد للسيوطى ص٢٩.
(٢) النهاية فى غريب الحديث ١/٣٠٨.
(٣) ينظر: آيات عتاب المصطفى ﷺ فى ضوء العصمة والاجتهاد للدكتور عويد المطرفى ص٧٢ - ٧٤.
[ ٥٧٦ ]
.. وبالجملة: فالقسم الثانى من الوحي الإلهى إلى رسول الله ﷺ (الوحي التوفيقى) أو (الوحي الباطنى) على حد تعبير الأحناف (١) وهو: ما قاله رسول الله ﷺ باجتهاده مما يعلم أنه من شرع الله تعالى، فإن وافق قوله أو فعله مراد الله تعالى، فالأمر كما أخبر رسول الله ﷺ، وإن كان الأمر يحتاج إلى تصحيح أو توضيح، أوحى الله تعالى إلى نبيه ﷺ بذلك (٢) .
وهذا أهم ما يفرق به بين اجتهاد النبى ﷺ، واجتهاد علماء أمته أن اجتهاده ﷺ محروس بوحى الله تعالى، فلا يقر على خطأ ومن هنا فهو حجة فى الدين ويحرم مخالفته، وليس كذلك اجتهاد علماء أمته. اللهم إذا كان اجتهاد علماء الأمة فى عصر من العصور وأجمعوا عليه فيحرم مخالفته.
قال الإمام الغزالى (٣): "دل الدليل من الإجماع على تحريم مخالفة اجتهاده ﷺ، كما دل على تحريم مخالفة الأمة كافة، وكما دل على تحريم مخالفة اجتهاد الإمام الأعظم والحاكم، لأن صلاح الخلق فى اتباع رأى الإمام والحاكم وكافة الأمة، فكذلك النبى ﷺ" (٤) .
ثانيًا: الحكمة فى اجتهاد رسول الله ﷺ:
_________________
(١) ينظر: أصول السرخسى ٢/٩٠.
(٢) ينظر: تيسير اللطيف الخبير فى علوم حديث البشير النذير ص٥٤، ويراجع: ص٢٥٨، ٢٥٩.
(٣) هو: محمد بن محمد الغزالى، أبو حامد، الملقب بحجة الإسلام، كان بارعًا فى الفقه، وأصول الدين، والمنطق والفلسفة، من أشهر مصنفاته: المستصفى من علم الأصول، وإحياء علوم الدين، مات سنة ٥٠٥هـ له ترجمة فى: وفيات الأعيان لابن خلكان ٤/٢١٦ رقم ٥٨٨، وطبقات الشافعية لابن هداية الله ص٦٩، وشذرات الذهب ٤/١٠.
(٤) المستصفى ٢/٣٥٥، ٣٥٦.
[ ٥٧٧ ]
.. أمر المولى ﷿ نبيه ﷺ، بالاجتهاد فى قوله تعالى: ﴿وشاورهم فى الأمر﴾ (١) ووجه الاستدلال بالآية: أن المشاورة إنما تكون فيما حكم فيه بطريق الاجتهاد، إذ لا مشاورة فيما نزل به وحى (٢) .
ولا ريب أن الأمر بالمشاورة أمر له بالاجتهاد لاستظهار آراء من معه من المؤمنين ليختار منها باجتهاده ما يراه ﷺ موافقًا للمصلحة، وهذا هو الاجتهاد المطلوب.
وقول من قال أن الآية واردة فى الحروب؛ لا يمنع من ثبوت الاجتهاد له ﷺ بها (٣) إذ الحروب جهاد فى سبيل الله، وهى أحكام شرعية فالاجتهاد فيها يقتضى جواز الاجتهاد فى غيرها إذ لا فارق.
وهنا يرد سؤال:
إذا كان أى نبى عندما يجتهد عرضة لأن يصيب وأن يخطئ، فلماذا يكلهم الله ﷿ إلى الاجتهاد الذى قد يخطئون فيه؟ ولماذا لا يسعفهم بالوحي الذى يفصل فى الأمور والقضايا ولا يحوجهم إلى الاجتهاد؟.
والجواب:
أن الله ﷿ حكمًا فى أن يترك الرسل يجتهدون، ثم ينبههم ويعاتبهم إذا أخطأوا؛ أبين بعضها بالنسبة لنبينا محمد ﷺ على النحو التالى:
الحكمة الأولى:
إقامة الدليل على بشرية الرسول ﷺ وعبوديته، وأنه مع كونه رسولًا، لم يتجاوز أن يكون عبدًا يصيب ويخطئ، كما يصيب البشر ويخطئون؛ ولكنه لا يقر على خطأ.
_________________
(١) جزء من الآية ١٥٩ آل عمران.
(٢) ينظر: الأحكام للآمدى ٤/١٤٤، والمسودة فى أصول الفقه لآل تيمية ص٥٠٨.
(٣) سيأتى بيان الصواب فى اجتهاده ﷺ فى أول المبحث الثانى بعد قليل.
[ ٥٧٨ ]
.. ويدل على هذه الحكمة ويشهد لها قوله ﷺ: "إنما أنا بشر، وإنه يأتينى الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صدق فأقضى له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم؛ فإنما هى قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها" (١) .
الحكمة الثانية:
البرهنة على أمانة الرسول ﷺ فى إبلاغ الرسالة، وعدم كتمانه شيئًا مما أنزل عليه من ربه، إذ لو كتم شيئًا لكتم آيات العتاب ما خالف فيه الأولى؛ يدل على ذلك ما روى عن أنس بن مالك ﵁ قال: "لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا، لكتم هذه الآية: ﴿وإذا تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ (٢) .
الحكمة الثالثة:
تشجيع الأمة على الاجتهاد وإعمال الفكر فيما يعرض لها من قضايا وأحداث لا يجدون فيها نصوصًا، فإن الأحداث تتجدد، ولا تنتهى عند حد، فكيف يواجهها المسلمون ولا نصوص فيها؛ إذا لم يجتهدو ليتعرفوا على أحكامها؟ .
الحكمة الرابعة:
_________________
(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها: كتاب المظالم، باب إثم من خاصم فى باطل وهو يعلمه ٥/١٢٨ رقم ١٢٥٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر ٦/٢٤٥ رقم ١٧١٣ من حديث أم سلمة ﵂.
(٢) الآية ٣٧ اٍلأحزاب، والحديث سبق تخريجه ص٢٦٨.
[ ٥٧٩ ]
.. رحمة للأمة بتأسيس أعظم قاعدة للحكم الإسلامى، وهى التزام الشورى، وترك الاستبداد. ويؤيد هذا ما جاء عن ابن عباس ﵄ قال: "لما نزلت ﴿وشاورهم فى الأمر﴾ قال رسول الله ﷺ: "أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله رحمة لأمتى فمن استشار منهم لم يعدم راشدًا، ومن تركها لم يعدم غيًا" (١) .
قال الإمام ابن جرير: "إن الله ﷿ أمر نبيه ﷺ بمشورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه، ومكايد حربه، تألفًا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام؛ البصيرة التى يؤمن عليها معها فتنة الشيطان، وتعريفًا منه أمته فى الأمور التى تقع بهم من بعده وحلها، ليقتدوا به فى ذلك عند النوازل التى تنزل بهم فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه فى حياته ﷺ يفعله، فأما النبى ﷺ فإن الله تعالى كان يعرفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه وإلهامه إياه صواب ذلك، وأما أمته فإنهم إذا تشاوروا مستنين بفعله ﷺ فى ذلك على تصادق وتآخ للحق، وإرادة جميعهم للصواب، من غير ميل إلى هوى، ولا حيد عن هدى، فالله مسددهم وموفقهم" (٢) .
ويؤيد ما سبق ما روى عن الحسن البصرى قال: "قد علم أنه ليس به إليهم حاجة، وربما قال: ليس له إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعده" (٣) .
_________________
(١) أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان ٦/٧٦ رقم ٧٥٤٣، ونقله الشوكانى فى فتح القدير ١/٣٩٥ ونقل عن السيوطى تحسينه.
(٢) جامع البيان ٤/١٥٣ بتصرف يسير.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/٨٠١ رقم ٤٤١٦ وقال الحافظ فى: فتح البارى، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول الله تعالى ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ ١٣/٣٥٢ سند ابن أبى حاتم حسن، وينظر: تلخيص الحبير ٤/٤٧١.
[ ٥٨٠ ]
.. وقد غرس رسول الله ﷺ هذا المبدأ "الشورى" فى نفوس أصحابه حتى كان يشاورهم فى أمور الدين والدنيا (١) قال أبو هريرة ﵁: "ما رأيت أحدًا قط أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ" (٢) وقد اقتفى أثره ﷺ الخلفاء الراشدون ﵃ وغيرهم ممن ولى أمر المسلمين بعده من صحابته الكرام وولاة المسلمين الأخيار، فكانوا لا يعدلون بالاستشارة فى أمور المسلمين النازلة بهم، كما قال الإمام البخارى: "وكانت الأئمة بعد النبى ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم فى الأمور المباحة، ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبى ﷺ، ثم ضرب البخارى أمثلة لذلك (٣) وهى كثيرة معلومة، لا مجال لذكرها هنا (٤)
_________________
(١) نحو مشاورتهم يوم بدر فى الذهاب إلى عير قريش، وشاورهم أيضًا أين يكون المنزل يوم بدر، وشاورهم فى شأن أسرى بدر، وسيأتى تفصيل ذلك فى دلائل عصمته فى اجتهاده من خلال السنة، وشاورهم يوم أحد أن يقعد فى المدينة أو يخرج إلى العدو، وشاورهم يوم الخندق فى مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة، وشاورهم فى قصة الإفك، واستشار عليًا وأسامة فى فراق عائشة. وغير ذلك. ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/١٢٨، ١٢٩، وفتح البارى ١٣/٣٥٣، ٣٥٤ رقم ٧٣٦٩.
(٢) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب الجهاد، باب ما جاء فى المشورة ٤/١٨٥ رقم ١٧١٤ معلقًا بصيغة التضعيف، وأخرجه البيهقى فى السنن الكبرى ١٠/١٠٩، وذكره الحافظ فى فتح البارى ١٣/٣٥٢ رقم ٧٣٦٩ وقال رجاله ثقات إلا أنه منقطع. لكنه تعضده الآيات والأحاديث.
(٣) البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول الله تعالى ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ ١٣/٣٥١.
(٤) للوقوف على أمثلة من مشاورات الخلفاء الراشدين ﵃. ينظر: فتح البارى ١٣/٣٥٤ – ٣٥٥.
[ ٥٨١ ]
.. وبعد أن فرغت من تعريف الاجتهاد، وحكمته فى حق رسول الله ﷺ، فقد حان الوقت لبيان دلائل عصمته ﷺ فى اجتهاده، فإلى بيان ذلك فى المبحث التالى.
المبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى اجتهاده
من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية
اجتهاد رسول الله ﷺ فى الشريعة الإسلامية، جوازه وعدمه فى حقه، موضوع قديم أعطاه العلماء حقه فى البحث، وجمهور المحققين من العلماء؛ أن رسول الله ﷺ اجتهد فعلًا (١) . واجتهاده ﷺ فى الدين والدنيا، إن وافق مراد الله تعالى، فالأمر كما أخبر به رسول الله ﷺ، وإن كان الأمر يحتاج إلى تصحيح أو توضيح أوحى الله تعالى إلى نبيه ﷺ بذلك.
قال الإمام الشاطبى: "فاعلم أن النبى ﷺ مؤيد بالعصمة، معضود بالمعجزة الدالة على صدق ما قال وصحة ما بين، وأنت ترى الاجتهاد الصادر منه معصومًا بلا خلاف، إما بأنه لا يخطئ البتة، وإما بأنه لا يقر على خطأ إن فرض، فما ظنك بغير ذلك؟ " (٢) والأدلة على عصمة رسول الله ﷺ فى اجتهاده كثيرة يشهد بها كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ، وإجماع الأمة.
_________________
(١) قال الآمدى فى الإحكام ٤/١٤٣ وهو المختار. قلت: وهو الراجح والصحيح، وهو مذهب عامة الأصوليين والفقهاء الإمام مالك والشافعى وأحمد واتباعهم، ومذهب جمهور أهل الحديث. ينظر: الإحكام لابن حزم ٥/١٢٥ - ١٣٣، والمستصفى للغزالى ٢/٣٥٠ - ٣٥٤، والإبهاج فى شرح المنهاج ٢/٢٤٦، وأصول السرخسى ١/٥، والمسودة فى أصول الفقه لآل تيمية ص٥١٠.
(٢) الموافقات ٢/٤٥٨ ويراجع من نفس المصدر ٢/٤٠٤، وإرشاد الفحول ٢/٣١٣.
[ ٥٨٢ ]
أولًا: الأدلة من القرآن الكريم على عصمته ﷺ فى اجتهاده:
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا﴾ (١) ووجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة فى موضعين:
الأول: أن الله تعالى أمر فيها بطاعته سبحانه وطاعة رسوله، وطاعة الله تعالى إنما تكون بامتثال جميع ما نزل به وحيه تعالى على الرسول ﷺ، وطاعة الرسول ﵊، إنما تكون بامتثال كل حكم يخبر به سواء كان عن وحى أو عن اجتهاد، وإلا لم يكن لتخصيص طاعة الرسول ﷺ بعد طاعة الله فائدة فى الذكر. وبالتالى فالأمر بطاعته دليل على عصمته فى اجتهاده.
الثانى: أن الله تعالى أمر فى هذه الآية الكريمة المتنازعين فى شئ بالرد إلى الله وإلى الرسول. والرد إلى الله رد إلى وحيه المنزل على الرسول ﷺ سواء أكان متلو وهو القرآن، أم غير متلو وهو السنة. والرد إلى الرسول يقتضى أن يكون الأمر المردود إليه غير داخل فى الوحي وإلا لزم التكرار، والذى لا يدخل فى الوحي وتجب طاعة الرسول ﷺ فيه هو ما أمر به باجتهاده بدليل قوله تعالى: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ (٢) ووجه الاستدلال به أن الله تعالى قد سوى بين الرسول ﷺ وبين أولى الأمر - وهم العلماء - فى الاستنباط. فلو لم يكن الاجتهاد جائزًا للرسول ﷺ، وتجب طاعته فيه لعصمته؛ لما كان الأمر بالرد أى فائدة!!.
وقوله تعالى: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ (٣) ووجه الاستدلال بالآية من ناحيتين:
_________________
(١) الآية ٥٩ النساء.
(٢) جزء من الآية ٨٣ النساء.
(٣) جزء من الآية ٤٢ المائدة.
[ ٥٨٣ ]
الأولى: أن الله تعالى جعل الرسول ﷺ بالخيار فى الحكم بينهم، فإن شاء حكم، وإن شاء أعرض ولم يحكم، أى أن الأمر مفوض إليه ﷺ، فإن رأى – باجتهاده – مصلحة وحسن قبول منهم لحكمه حكم بينهم وإلا أعرض عنهم ولا ضرر عليه منهم.
الثانية: أن تقييد أمره بالحكم بينهم (بالقسط) يشعر بزيادة تنبيهه ﷺ على تحرى الصواب فيما يحكم به، وهو دليل على أن الله تعالى أذن له أن يحكم بينهم باجتهاده، لأنه لو كان الحكم بالوحي لم يكن لهذا القيد فائدة بالنسبة للرسول ﷺ لأنه لا يحكم إلا بالقسط فدل ذلك على عصمته فى اجتهاده فيما يحكم فيه.
وقوله سبحانه: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾ (١) .
ووجه الاستدلال بالآية: أمر رب العزة عباده بتحكيم رسول الله ﷺ فى كل شأن من شئون حياتهم، وينقادوا لحكمه انقيادًا مطلقًا لا معارضة فيه، وإلا فلا يستحقوا وصف الإيمان.
وإذا كان حكم رسول الله ﷺ على ما سبق – من الآيات السابقة – يكون بوحى وباجتهاده؛ دل ذلك على عصمته فى اجتهاده، وإلا لما وجب التسليم لحكمه ﷺ تسليمًا مطلقًا.
والآية ترد قول الذين شذوا بتجويز الخطأ عليه ﷺ فى اجتهاده، وقد أشار التاج السبكى إلى رد هذا القول الشاذ بقوله: "والصواب أن اجتهاده ﵊ لا يخطئ" (٢) .
وقوله ﷿: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما آراك الله ولا تكن للخائنين خصيما﴾ (٣) .
_________________
(١) الآية ٦٥ النساء.
(٢) جمع الجوامع ٢/٣٨٧ وينظر: الشفا ٢/١١٥، ١١٦، وشرح الزرقانى على المواهب ٧/٢٦١ والخصائص الكبرى للسيوطى ٢/٣٤٨، ودلالة القرآن المبين لعبد الله الغمارى ص٤٢، ٤٣.
(٣) الآية ١٠٥ النساء.
[ ٥٨٤ ]
فهذه الآية الكريمة احتج بها العلماء على حكم رسول الله ﷺ باجتهاده؛ وأن هذا الحكم معصوم فيه، بدلالة قوله تعالى: ﴿بما أراك الله﴾ فإذا أقره رب العزة على اجتهاده فى حكمه فهو حكم الله فى النهاية.
وفى الصحيحين وغيرهما عن أم سلمة ﵂ قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله ﷺ فى مواريث بينهما قد درست، ليس عندهما بينة، فقال رسول الله ﷺ: "إنكم تختصمون إلى، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن (١) بحجته من بعض، وإنما أقضى بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار، يأتى بها إسطامًا (٢) فى عنقه يوم القيامة. فبكى الرجلان، وقال كل منهما: حقى لأخى فقال رسول الله ﷺ: "أما إذ قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق، ثم استهما (٣) ثم ليحلل لك واحد منكما صاحبه" (٤) وفى رواية: "إنى إنما أقضى بينكم برأيى فيما لم ينزل على فيه" (٥) .
_________________
(١) اللحن: الميل عن جهة الاستقامة، يقال: لحن فلان فى كلامه، إذ مال عن صحيح المنطق. والمراد: إن بعضكم يكون أعرف وأفطن وأقدر على عرض حجته من غيره. النهاية ٤/٢٠٨.
(٢) إسطامًا، ويروى: سطامًا – بكسر السين وفتح الطاء: هى الحديدة التى تحرك بها النار وتسعر. أى أقضى له ما يسعر به النار على نقسه ويشعلها، أو أقطع له نارًا مسعرة. النهاية ٢/٣٢٩.
(٣) أى: اقترعا.
(٤) أخرجه أحمد فى المسند ٦/٣٢٠، والحديث سبق تخريجه من رواية البخارى ومسلم ص٣٩١.
(٥) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الأقضية، باب قضاء القاضى إذا أخطأ ٣/٣٠٢ رقم ٣٥٨٥ من حديث أم سلمة، وعزاه الحافظ فى فتح البارى ١٣/١٨٥ رقم ٧١٨١ إلى أبى داود وسكت عنه وما سكت عنه فهو دائر بين الصحة والحسن كما قال فى هدى السارى ص٦ وكذا صرح التهانوى فى قواعد فى علم الحديث ص٨٩.
[ ٥٨٥ ]
فتأمل قوله ﷺ: "أقضى بينكم برأيى الخ" مع وصف رب العزة هذا الرأى بأنه من عنده فى قوله تعالى: ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ وتأمل مع ذلك قول عمر بن الخطاب ﵁ وهو على المنبر: "يا أيها الناس، إن الرأى إنما كان من رسول الله ﷺ مصيبًا، لأن الله كان يريه، وإنما هو منا الظن والتكلف" (١) وهذا الكلام صريح فيما قررته من أنه ﷺ يحكم باجتهاده، وهو فى هذا الاجتهاد معصوم لا يخطئ فيه.
وقوله تعالى: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون﴾ (٢) وأفرد الضمير فى قوله "ليحكم" لإفادة أن حكم الله ورسوله واحد. قال الأستاذ عبد الله الغمارى: "وفى الآية دليل على أن رسول الله ﷺ معصوم فى أحكامه الاجتهادية لا يخطئ فيها، لأن الله تعالى جعل حكم نبيه حكمه، والخطأ فى حقه تعالى محال. فما زعمه بعض مبتدعة هذا العصر من نسبة الخطأ إليه ﷺ فى بعض أحكامه الاجتهادية ضلال مبنى على جهل، لأن الخطأ الاجتهادى لا يقر عليه ﷺ، إذ ينزل التنبيه وبعد التنبيه والتصحيح لا خطأ، وزاد بعضهم جهلًا وضلالة، فجوز مخالفة بعض قضاياه ﷺ الاجتهادية، إذا اقتضت المصلحة ذلك، ولا أدرى كيف خفيت عليه هذه الآية؟ وآية سورة النساء؟ (٣) وأى مصلحة تقتضى مخالفة حكمه؟ والقرآن ينفى الإيمان عمن لم يسلم له تسليمًا" (٤) .
_________________
(١) سبق تخريجه ص٣٣٥.
(٢) الآية ٥١ النور.
(٣) وهى قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ الآية ٦٥ النساء.
(٤) دلالة القرآن المبين ص١٠٣ بتصرف.
[ ٥٨٦ ]
وقوله ﷿ ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستئذنوه إن الذين يستئذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استئذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم﴾ (١) .
والشاهد فى الآية فى قوله: ﴿فأذن لمن شئت منهم﴾ حيث فوض رب العزة إلى رسوله ﷺ الأمر لمشيئته وإذنه ﷺ بعد وجوب استئذانهم قبل الانصراف عنه فى كل أمر يجتمعون عليه. وفى هذا التفويض من المولى عزوجل لرسوله ﷺ دليل على اجتهاده وعصمته فيه! ولو خالف الأولى فى اجتهاده ينزل التصحيح والتنبيه. وهو دليل عصمته فى اجتهاده. بدليل قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾ (٢) .
فظاهر الآية الكريمة يفيد: أنه ﷺ اجتهد بالأذن لبعض المنافقين فى التخلف عن الخروج إلى تبوك، وكان إذنه على خلاف الأولى فجاء التصحيح والتنبيه على ذلك؛ وهو دليل عصمته فى اجتهاده. وليس فى هذا الإذن ذنب ولا جريمة لسببين:
أولهما: أن الله تعالى لم يتقدم إليه ﷺ فى ذلك بأمر ولا نهى.
_________________
(١) الآية ٦٢ النور.
(٢) الآية ٤٣ التوبة.
[ ٥٨٧ ]
ثانيهما: أنه ﷺ أذن لهم اجتهادًا منه بناء على عموم آية النور من تفويضه بالإذن لمن شاء، فكيف ينسب إليه ذنب أو جريمة؟! بل لو فرض أنه أخطأ لكان مثابًا على اجتهاده غير مؤاخذ بخطئه، ولكنه ﷺ لم يخطئ، لأنه سلك ما هو الأوفق بخلقه العظيم من التيسير على أصحابه، والميل إلى ستر حالهم، وتفويض أمرهم إلى الله تعالى، ولكن الله تعالى أراد منه ﷺ أن يكون شديدًا على المنافقين فهو كقوله تعالى: ﴿يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ (١) فالإذن للمنافقين كان جائزًا بحسب عموم آية النور، ثم نسخ بهذه الآية. كما كان الاستغفار لهم والصلاة عليهم جائزين، ثم نسخا بقوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره﴾ (٢) وفاعل الحكم المنسوخ قبل نسخه لا يكون عاصيًا، بل هو مثاب مبرور.
ويؤيد ما سبق استفتاح الكلام بالعفو، ﴿عفا الله عنك﴾ والآية بحسب الأسلوب العربى، تفيد تكريم النبى وتعظيمه خلافًا لمن وهم ففهم منها عتابه أو تأنيبه، فيستوجب ما فهمه ذلك الواهم (٣) .
وقوله سبحانه: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم﴾ (٤) إن هذه الآية تتحدث عن أمر رسول الله ﷺ للرماة يوم أحد الوارد فى قوله ﷺ: "احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتنمونا قد غنمنا فلا تشركونا" (٥) .
_________________
(١) الآية ٧٣ التوبة، والآية ٩ التحريم.
(٢) الآية ٨٤ التوبة.
(٣) ينظر: خواطر دينية ص٤٣، ٤٤، ودلالة القرآن المبين ص٦٨ كلاهما لعبد الله الغمارى. ويراجع: ص١٤٨ – ١٥١.
(٤) الآية ١٥٥ آل عمران.
(٥) سبق تخريجه ص٣٦١.
[ ٥٨٨ ]
إن هذا الأمر النبوى للرماة يوم أحد أمر اجتهادى منه ﷺ تقتضيه طبيعة المعركة يومها، وهو اجتهاد عصم فيه رسول الله ﷺ، ووافق مراد الله تعالى بدليل عتاب المولى ﷿ للرماة فى الآية السابقة، ووصفهم بالعصاة فى قوله ﷿: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم فى الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين﴾ (١) .
وتأمل: ﴿وتنازعتم فى الأمر وعصيتم﴾ إنه تقرير لعصمة رسول الله ﷺ فى أمره الاجتهادى للرماة يوم أحد، ووصف المخالفين له ﷺ يومئذ بالعصيان، ولكن عفا الله عنهم: ﴿والله ذو فضل على المؤمنين﴾ ٠
_________________
(١) الآية ١٥٢ آل عمران.
[ ٥٨٩ ]
٨- وقوله ﷿: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين﴾ (١) . ووجه الاستدلال بالآية على عصمته ﷺ فى اجتهاده أنها تصرح على ما ورد فى الصحيح من أن أمر رسول الله ﷺ بحرق نخيل بنى النضير وقطعه كان باجتهاده، وهو اجتهاد أقره رب العزة حيث وصفه بإذنه فى وحى متلو، وأنزله جوابًا لسؤال بعض الصحابة كما حاك فى صدورهم وأثر فيها؛ من حيث صواب وخطأ بعضهم فى قطع بعض النخيل وترك بعضه. فعن ابن عباس ﵄ قال: "اللينة النخلة، وليخزى الفاسقين قال: استنزلوهم من حصونهم قال: أمروا بقطع النخل فحاك فى صدورهم. فقال المسلمون: قد قطعنا بعضًا وتركنا بعضًا، فلنسألن رسول الله ﷺ، هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله ﷿: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين﴾ (٢) فهل بعد ذلك شك فى اجتهاده ﷺ فى الشريعة الإسلامية وعصمته فيه؟!.
_________________
(١) الآية ٥ الحشر.
(٢) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب التفسير، باب سورة الحشر ٥/٣٨٠ رقم ٣٣٠٣ وقال: حديث حسن غريب، وأخرجه النسائى فى سننه الكبرى كتاب التفسير، باب قوله: ﴿وليخزى الفاسقين﴾ ٦/٤٨٣ رقم ١١٥٧٤، والحديث سبق تخريجه من حديث ابن عمر فى الصحيحين ص٣٦٢.
[ ٥٩٠ ]
.. نعم أقول: إن رسول الله ﷺ أذن له بالاجتهاد فى الشريعة الإسلامية واجتهد فعلًا، وأن اجتهاده فى بعض الأحيان القليلة كان خلاف حكم الله، فجاء الوحي بتصحيح الحكم والإرشاد إلى ما ينبغى. كما فى قوله تعالى: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم. قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم﴾ (١) .
أو جاء الوحي بإمضاء حكم اجتهاده ﷺ مع التنبيه بما ينبغى كما فى قوله تعالى: ﴿ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم﴾ (٢) . أو جاء الوحي بإمضاء حكم اجتهاده ﷺ وإقراره على ما سبق تفصيله قريبًا فى الآيات السابقة.
أما زعم الشيعة أن اجتهاد رسول الله ﷺ لا يجوز، فهو زعم مردود عليهم بما سبق من الأدلة القرآنية على اجتهاده ﷺ فى الدين والدنيا وعصمته فيه.
_________________
(١) الآيتان ١، ٢ التحريم. ويراجع: ما سبق فى توجيه هذه الآيات بما لا يتعارض مع عصمته ﷺ ص١٧٠ – ١٨١.
(٢) الآية ٦٧ الأنفال. ويراجع: ما سبق فى توجيه هذه الآية بما لا يتعارض مع عصمته ﷺ ص١٥١ – ١٥٨.
[ ٥٩١ ]
أما زعمهم بأن ما استدل به من الآيات التى تدل على اجتهاده تنسب إليه الخطأ والذنب وهو يخل بعصمته (١) فقد سبق الجواب عن هذه الآيات تفصيليًا بما لا يخل بعصمته ﷺ (٢) .
_________________
(١) ينظر: النص والاجتهاد لشرف الدين الموسوى ص٢٤١، والشيعة فى عقائدهم وأحكامهم لأمير محمد القزوينى ص٩٤، ٣٧٠، والشيعة هم أهل السنة لمحمد التيجانى السماوى ص٣٠٦، ومعالم المدرستين لمرتضى العسكرى ٢/٢٦، ٧٤، والصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى ١/١٩، ٤/ ١٦٨، ٥/٢٩، ٦/٨٦، ٩/٨١، ومساحة للحوار ص١١٧، ١١٩، والمواجهة مع رسول الله ص٢٦٥، كلاهما لأحمد حسين يعقوب، ومنع تدوين الحديث أسباب ونتائج لعلى الشهرستانى ص١٩٣، ودفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص٥٥، ٢٥٧، ٢٦٥، وأهل السنة شعب الله المختار ص٦٩، ٧٠ كلاهما لصالح الوردانى، وتاريخ الإسلام الثقافى والسياسى لصائب عبد الحميد ص٢٩٧.
(٢) يراجع: ص١١٣ – ١٨١.
[ ٥٩٢ ]
وأزيد هنا جوابًا إجماليًا ما قاله الأستاذ محمد عزة دروزة قال: "ولسنا نرى مساسًا بالعصمة النبوية من ناحية تلك الاجتهادات التى عوتب عليها رسول الله ﷺ فى القرآن، فالاجتهادات التى عوتب عليها فى القرآن ليست ذنوبًا يمكن أن يكون صدورها من النبى ﷺ، مناقضًا للعصمة التى يجب الإيمان بها فيه، وإنما هى خلاف لما هو الأولى فى علم الله المغيب عنه فيما لا وحى فيه. والعصمة الواجب الإيمان بها ليست هى التى تجعل النبى ﷺ يمتنع عليه أن يصدر منه أى فعل أو قول أو اجتهاد فى مختلف شئون الحياة والناس، قد يكون فيه الخطأ والصواب، وخلاف الأولى الذى فى علم الله تعالى؛ والذى لا ينكشف له إلا بوحى، مما لا يمكن أن ينتفى عن الطبيعة البشرية النبوية المقررة فى القرآن ولكنها التى تجعله يمتنع عن أى إثم أو جريمة أو فاحشة، أو مخالفة للقرآن قولًا وفعلًا، وعن كتم أى شئ أوحى به إليه، أو تحريفه وتبديله نتيجة لما وصل إليه بنعمة الله وفضله من كمال الخلق والروح والعقل والإيمان والاستغراق فى الله الذى جعله أهلًا للاصطفاء الربانى" (١) أهـ.
_________________
(١) سيرة الرسول ﷺ صورة مقتبسة من القرآن الكريم ١/١٠١ وينظر: الشفا ٢/١١٥، ١١٦، والرسل والرسالات للدكتور عمر سليمان الأشقر ص١٠٢، ١٠٣، ومحمد ﷺ مفخرة الإنسانية لمحمد فتح الله كولن ٢/٢٠٨، ٢٠٩، ومناهل العرفان فى علوم القرآن لمحمد الزرقانى ٢/٤٢١، ٤٢٢.
[ ٥٩٣ ]
ثانيًا: الأدلة من السنة النبوية على عصمته ﷺ فى اجتهاده:
اعتبر العلماء ما قاله رسول الله ﷺ باجتهاده مما يعلم أنه من شرع الله تعالى؛ من وحى السنة المطهرة، وسماه الأحناف بالوحي الباطنى (١) وعللوا ذلك بأنه ما كان الله ﷿ ليترك خطأ يصدر من رسوله المبلغ عنه، مما يترتب عليه وقوع الأمة فيه اتباعًا.
وإذا كانت الحكمة من إرسال الرسل أن لا تكون للناس على الله حجة ﴿رسلًا مبشرين ومنذرين لئلًا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ (٢) فإن ذلك يتم بعصمة المرسل من الوقوع فى أى خطأ، فإن كان اجتهاده صوابًا أقره الوحي، وإن كان غير صواب نبهه الوحي. يدل على ذلك ما يلى:
١- عن أبى قتادة ﵁، أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ، أرأيت إن قتلت فى سبيل الله، تكفر عنى خطاياى؟ فقال له رسول الله ﷺ: نعم. إن قتلت فى سبيل الله، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، ثم قال رسول الله ﷺ كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت فى سبيل الله، أتكفر عنى خطاياى؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم. وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر إلا الدين، فإن جبريل ﵇ قال له ذلك" (٣) .
فتأمل كيف اجتهد رسول الله ﷺ فى الجواب عن سؤال فى الإسلام! وكيف أقره وحى الله؛ مع الاستدراك فى الجواب زيادة "الدين" على ما أجاب به رسول الله ﷺ! وفى ذلك دلالته على جواز الاجتهاد لرسول الله ﷺ فى الإسلام وعصمته فيه.
_________________
(١) ينظر: أصول السرخسى ٢/٩٠.
(٢) الآية ١٦٥ النساء.
(٣) سبق تخريجه ص٢٥٨.
[ ٥٩٤ ]
٢- وعن ابن عباس ﵄ قال: اختصم إلى النبى ﷺ رجلان. فوقعت اليمين على أحدهما، فحلف بالله الذى لا إله إلا هو، ماله عنده شئ. فنزل جبريل على النبى ﷺ، فقال: إنه كاذب إن له عنده حقه، فأمره أن يعطيه حقه، وكفارة يمينه معرفته أن لا إله إلا الله أو شهادته" (١) .
فتأمل دلالة الحديث على حكم رسول الله ﷺ باجتهاده فى أموال الناس، وتأمل كيف أن الحكم فى المسألة الواردة فى الحديث لا بينة فيه، ويتوقف حكمها على يمين أحدهما، فحلف وكان كاذبًا فى حقيقة الأمر، فحكم له رسول الله ﷺ بالناقة – التى سرقها – إذ لا بينة مع المدعى ملكيتها.
_________________
(١) أخرجه أحمد فى المسند ١/٢٩٦، ٢٨٨، ٣٢٢، وفى كلها عطاء بن السائب اختلط، وشريك سئ الحفظ لكنه توبع – فالإسناد ضعيف. لكنه تعضده الآيات والأحاديث الواردة فى هذا المبحث والدالة على عصمته ﷺ فى اجتهاده.
[ ٥٩٥ ]
.. وحكمه ﷺ للحالف – كاذبًا فى حقيقة الأمر – لا حرج عليه ﷺ فى ذلك؛ بناء على الأصل فى الفصل فى الأحكام (البينة على المدعى، واليمين على من أنكر) كما قال ﷺ: "لو يعطى الناس بدعواهم، لا دعى ناس دماء رجال وأموالهم. ولكن اليمين على المدعى عليه" (١) ولكن تأمل كيف أن الله ﷿ لا يرضى لنبيه ﷺ إلا أن يكون حكمه الاجتهادى مطابقًا للواقع، ونفس الأمر، ظاهرًا وباطنًا؛ فنبهه جبريل ﵇ قبل صدور الحكم. فبان بذلك بطلان ما زعمه بعض الشذاذ أن اجتهاد رسول الله ﷺ يخل بعصمته.
٣- ومن اجتهاداته ﷺ المعصوم فيها اجتهاده فى غزوة بدر الكبرى، وكان ذلك فى ثلاثة مواضع: أحدها: فى الإقدام على المعركة، وثانيها: فى موضع نزول جيشه فى بدر، وثالثها: فى شأن الأسرى.
_________________
(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه ٦/٢٤٣ رقم ١٧١١، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا أولئك لا خلاف لهم ٨/٦١ رقم ٤٥٥٢.
[ ٥٩٦ ]
أما الموضع الأول: الاستشارة فى القتال، فكانت عندما "خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد" (١) عندئذ استشار أصحابه فى مواجهتهم فعن أنس بن مالك؛ أن رسول الله شاور حين بلغه إقبال أبى سفيان. قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه. ثم تكلم عمر فأعرض عنه. فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد؟ يا رسول الله! والذى نفسى بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها. ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد (٢) لفعلنا" (٣) فسر النبى ﷺ بذلك ودعى له بخير، غير أنه ﵊ لم يقنعه قول المهاجرين، لأن قتالهم معه أمر لا يشك فيه، فقد باعوا أنفسهم لله وخرجوا من ديارهم وأموالهم فرارًا بعقيدتهم ونصرة نبيهم.
_________________
(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، باب قصة غزوة بدر ٧/٣٣٣ رقم ٣٩٥١ من قول كعب بن مالك ﵁.
(٢) موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلى البحر، وقيل بلد باليمن. أهـ. مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاء لعبد المؤمن البغدادى ١/١٨٧.
(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد، باب غزوة بدر ٦/٣٦٥ رقم ١٧٧٩، وأخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، باب قول الله تعالى: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم﴾ ٧/٣٣٥ رقم ٣٩٥٢ من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ٥٩٧ ]
.. لكن الأنصار لم يكونوا كذلك، إذ إنما عاهدوا رسول الله ﷺ على نصرته فى مدينتهم وديارهم، أما وهو فى بدر فذلك ما لم تقتضه نصوص المعاهدة، فأراد ﷺ استشارتهم فيما هو محدق به وبهم من الخطر، ليكتشف رأيهم فيما يعد خارجًا عن بنود المعاهدة، فكرر طلب الاستشارة قائلًا: "أشيروا على أيها الناس" ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ فقال: أجل. فقال: لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذى بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر فى الحرب، صدق فى اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله.
فسر رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه ذلك، ثم قال: "سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدنى إحدى الطائفتين. والله لكأنى الآن أنظر إلى مصارع القوم" (١) .
وهكذا تمخضت المشاورة هذه برأى صائب سديد، وافقت ما قدره الله تعالى، لنبيه وعباده المؤمنين، واراه إياه، حتى كأنه يرى نتيجة ما هو قادم عليه رأى العين.
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ٢/٢٧٢ نص رقم ٧٢٨، وينظر: زاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/١٧٣، وعيون الأثر لابن سيد الناس ١/٢٤٧، ٢٤٨، وإمتاع الأسماع للمقريزى ص٨١ – ٨٣.
[ ٥٩٨ ]
.. ويشهد بصحة هذه المشاورة، وأنها وافقت ما قدره الله تعالى قوله تعالى: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون. يجادلونك فى الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين﴾ (١) .
الموضع الثانى: الاستشارة فى المنزل، فعندما نزل النبى ﷺ على أقرب ماء من بدر وعرض الأمر على الصحابة، فجاء الحباب بن المنذر (٢) وقال: يا رسول الله! أرأيت هذا المنزل؛ أمنزلًا انزلكه الله تعالى ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ قال: "بل هو الرأى والحرب والمكيدة" فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نتأتى أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبنى عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل فنشرب ولا يشربون، فقال النبى ﷺ: "لقد أشرت بالرأى" (٣) .
_________________
(١) الآيات ٥ – ٧ الأنفال.
(٢) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ١/٦٦٥ رقم ١٠٢٣، والاستيعاب ١/٤٥٨ رقم ٤٨٣ ومشاهير علماء الأمصار ص٣٢ رقم ١١٢، والإصابة ١/٣٠٢ رقم ١٥٥٧.
(٣) السيرة النبوية لابن هشام ٢/٢٧٨ نص رقم ٧٣٥.
[ ٥٩٩ ]
.. وهذه المشاورة وافقت ما قدره الله تعالى، بدليل ما جاء فى مغازى الأموى، أن حباب بن المنذر لما أشار على النبى ﷺ بتغير مكان نزوله يوم بدر؛ ورجع النبى ﷺ إلى رأيه، نزل ملك من السماء، وجبريل جالس عند رسول الله ﷺ، فقال ذلك الملك: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول لك: إن الرأى ما أشار به الحباب بن المنذر" (١) أليس فى ذلك أعظم دليل على أن اجتهاده ﷺ معصوم فيه، بدلاله مراقبة الوحي لهذا الاجتهاد، حيث وافق مراد الله تعالى فجاء الإقرار؟!.
الموضع الثالث: الاستشارة فى شأن الأسرى، فقد انجلت المعركة عن قتل سبعين وأسر سبعين، فضلًا عن الغنائم الكثيرة، وكانت الأسرى أمرًا ذى بال، استدعى أن يجمع له الرأى ويفكر فى أمره، لعددهم الكبير، وما يترتب على الإقدام فى شأنهم من نفع للإسلام والمسلمين.
_________________
(١) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/٥٦٤.
[ ٦٠٠ ]
وذلك ما جعل النبى ﷺ يستشير ذوى الرأى والحجا من أصحابه فى الأمر الذى يصنعه بهم من قتل أو من أو فداء، فقال ﷺ: لأبى بكر وعمر: "ما ترون فى هؤلاء الأسارى؟ " فقال أبو بكر: يا نبى الله! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ: "ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قال: فقلت: لا والله يا رسول الله! ما أرى الذى رأى أبو بكر، ولكنى أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنى من فلان (نسيب لعمر) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، قال: فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، قال: فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول الله ﷺ، وأبو بكر قاعدين يبكيان، فقلت يا رسول الله! أخبرنى من أى شئ تبكى أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله ﷺ: "ابكى للذى عرض على أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجر" شجرة قريبة من نبى الله ﷺ وأنزل الله ﷿: ﴿ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم. فكلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا واتقوا الله إن الله غفور رحيم﴾ (١) فأحل الله الغنيمة لهم" (٢) .
_________________
(١) الآيات ٦٧ – ٧٩ الأنفال.
(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد، باب الإمداد بالملائكة فى غزوة بدر ٦/٣٢٧ – ٣٢٩ رقم ١٧٦٣ من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٦٠١ ]
.. وفى نزول هذه الآيات دليل على مراقبة الوحي لما يجتهد فيه رسول الله ﷺ وفى ذلك شاهد على عصمته ﷺ فى اجتهاده؛ حيث جاء الوحي بإمضاء حكم اجتهاده ﷺ مع التنبيه على ما ينبغى (١) .
٤- ومن اجتهاداته ﷺ التى عصم فيها وجاء الوحي بإقرارها ما روى عن ابن عباس ﵄ أن امرأة جاءت إلى النبى ﷺ فقالت: أن أمى نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال: نعم حجى عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت نعم. قال: فاقضوا الذى له فإن الله أحق بالوفاء" (٢) .
ووجه الاستدلال بالحديث أنه ﷺ اجتهد فى إجابة السائلة واعتبر دين الله بدين العباد، وذلك بيان بطريق القياس، ولم يأت ما يخالف ذلك مما يدل على أن اجتهاده ﷺ وافق مراد الله ﷿ فصار إقرارًا.
وبهذا الإقرار صار اجتهاده ﷺ حجة على العباد لعصمة الله له فيه، وبحكمه ﷺ (قضاء الدين عن الميت) قالت الأمة، وأجمعت عليه (٣) .
٥- ومن هذا النوع أيضًا أجابته ﷺ عمر بن الخطاب حين قبل عمر امرأته وهو صائم؛ فظن أنه فعل أمرًا عظيمًا.
_________________
(١) يراجع: ما سبق فى توجيه هذه الآيات بما لا يتعارض مع عصمته ﷺ ص١٥١ – ١٥٨.
(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب من شبه أصلًا معلومًا بأصل مبين ١٣/٣٠٩ رقم ٧٣١٥، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت ٤/٢٧٩ رقم ١١٤٨ وفيه أنها سألته عن قضاء الصوم عن أمها.
(٣) ينظر: المنهاج شرح مسلم ٤/٢٨٢ رقم ١١٤٨، وفتح البارى ٤/٢٢٨ رقم ١٩٥٢.
[ ٦٠٢ ]
.. فعن عمر ﵁ قال: "هششت (١) فقبلت وأنا صائم، فجئت رسول الله ﷺ، فقلت: إنى صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، قبلت وأنا صائم. قال: "أرأيت لو مضمضت من الماء؟ قلت: إذًا لا يضر. قال: ففيم! " (٢) أى: ففيم تسأل (٣) قال الخطابى: "فإذا كان أحد الأمرين منهما غير مفطر للصائم فالآخر بمثابته (٤) ووجه الاستدلال بالحديث اجتهاده ﷺ فى قياس القبلة على المضمضة فى عدم الأثر على الصوم، ولم يأت ما يخالف ذلك، فصار إقرارًا من الوحي بعصمته ﷺ فيما اجتهد فيه.
٦- وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ صلى ذات ليلة فى المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم ﷺ، فلما أصبح قال: قد رأيت الذى صنعتم، ولم يمنعنى من الخروج إليكم إلا إنى خشيت أن تفرض عليكم، وذلك فى رمضان" (٥) .
_________________
(١) أى نشطت. ينظر: النهاية ٥/٢٢٨.
(٢) أخرجه الدارمى فى سننه كتاب الصيام، باب الرخصة فى القبلة للصائم ٢/٢٢ رقم ١٧٢٤، وأبو داود فى سننه كتاب الصوم، باب القبلة للصائم ٢/٣١١ رقم ٢٣٨٥، وأحمد فى المسند ١/٢١٦، ٣١٣ والحاكم فى المستدرك ١/٥٩٦ رقم ١٥٧٢ وقال: على شرط الشيخين ووافقه الذهبى.
(٣) الفتح الربانى للساعاتى ١٠/٥٣.
(٤) معالم السنن ٣/٢٦٤.
(٥) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التهجد، باب تحريض النبى ﷺ على قيام الليل والنوافل من غير إيجاب ٣/١٤ رقم ١١٢٩، ومسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب فى قيام الليل ٣/٢٩٦ رقم ٧٦١.
[ ٦٠٣ ]
.. ووجه الاستدلال منه على عصمته فى اجتهاده ﷺ أنه توقع أن يترتب على المواظبة على صلاة الليل جماعة فرضها عليهم، كما هى واجبة عليه ﷺ، لأن الأصل فى الشرع المساواة بين النبى ﷺ وبين أمته فى العبادة مالم يدل دليل على الخصوصية، فأداه اجتهاده ﵊ بسبب رحمته بهم إلى عدم الخروج إليهم والصلاة بهم خشية أن تفرض عليهم فيعجزوا عنها (١) وبما أنه لم يرد دليل على الفرضية، فهو بمنزلة الإقرار من رب العزة لما اجتهد فيه ﷺ؛ حيث وافق مراد الله بعدم الفرضية، وهو دليلنا على عصمته ﷺ فى اجتهاده.
٧- وعن أبى هريرة ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ فى بعث فقال: "إن وجدتم فلانًا وفلانًا فاحرقوهما بالنار" ثم قال ﷺ: حين أردنا الخروج: إنى أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا وأن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما" (٢) .
إن قوله: "إن وجدتم فلانًا وفلانًا فاحرقوهما" كان هذا الأمر منه أولًا اجتهادًا، ثم عدل عنه باجتهاد آخر؛ وعلله ﷺ بقوله: "النار لا يعذب بها إلا الله".
وقد استدل بالحديث الحافظ ابن حجر على: "جواز الحكم بالشئ اجتهادًا ثم الرجوع عنه" (٣) وفى الرجوع واستمرار الحكم على ذلك، وعدم ورود ما يخالفه عنه ﷺ هو بمنزلة الإقرار من الله تعالى على هذا الحكم النهائى الذى رجع فيه رسول الله ﷺ. وهو دليل عصمته فى اجتهاده.
_________________
(١) ينظر: فتح البارى ٣/١٧ رقم ١١٢٩.
(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الجهاد، باب لا يعذب بعذاب الله٦/١٧٣ رقم ٣٠١٦.
(٣) فتح البارى ٦/١٧٥ رقم ٣٠١٦.
[ ٦٠٤ ]
.. وبعد: فهذه نماذج من الأحاديث التى تدل على اجتهاده ﷺ فى الشريعة الإسلامية، وعصمة الله تعالى له فيها؛ إما بالإقرار إذا وافق اجتهاده مراده ﷿، وإما بالتصويب والإرشاد إذا خالف اجتهاده مراده تعالى.
وفى كلا الأمرين (الإقرار والتصويب) هو بمنزلة الوحي الإلهى يصير حجة على العباد إلى يوم الدين؛ ويحرم مخالفته خلافًا لمن أجاز ذلك، وزعم أن خطأ رسول الله ﷺ فى اجتهاده دليل على أنه يجوز الاجتهاد فى نفس الأحكام التى اجتهد فيها ومخالفته! (١) .
ونعم أقول: إن بعض اجتهاداته ﷺ لم تصادف الصواب؛ ولكن أين حكم الله تعالى فى الأمر الذى اجتهد فيه ﷺ ولم يصب؟! إن ما يصدر عن النبى ﷺ من اجتهاد - على ما تقرر سابقًا فى أكثر من موضع، إما أن يوافق حكم الله أولًا.
فإن وافق حكم الله على لسان نبيه ﷺ، فهو كما أخبر به ﵊، وإن لم يوافق حكم الله عدله إلى حكمه جلا جلاله. وإذن تصبح الأحكام الدينية التى حكم بها رسول الله اجتهادًا أحكام الله فى النهاية، وقبل لقائه الرفيق الأعلى، وتصير تلك الأحكام حجة إجماعًا بلا شك (٢) ويشهد لصحة ما سبق إجماع الأمة على عصمته ﷺ فى اجتهاده، فإلى بيان ذلك.
_________________
(١) سيأتى ذكرهم والرد عليهم بالتفصيل فى الفصل الثانى ص٤١٢ - ٤٣١.
(٢) حكى الإجماع الإمام الغزالى فى المستصفى ٢/٣٥٥، ٣٥٦. وينظر: مصادر الشرعية الإسلامية للمستشار الدكتور على جريشة ص٣٨، ٣٩، والفقه الإسلامى مرونته وتطوره للإمام الأكبر جاد الحق ص٢٦ - ٣١ والإحكام للآمدى ٤/١٨٧ - ١٨٩.
[ ٦٠٥ ]
ثالثًا: إجماع الأمة على عصمة رسول الله ﷺ فى اجتهاده:
لقد كان معلومًا لدى صحابة رسول الله ﷺ أن الوحي قريب جدًا من رسول الله ﷺ، ومنهم، وأنه لن يترك أمرًا مخالفًا يمر، فما قاله ﵊ باجتهاده دون وحى، فإنما هو من الإسلام وإلا جاء الوحي. يشهد لذلك ما روى عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل" قال سفيان – أحد رجال إسناد هذا الحديث – موضحًا كلام جابر: لو كان شيئًا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن" (١) .
_________________
(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتبا النكاح، باب حكم العزل ٥/٢٦٦ رقم ١٤٤٠، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب النكاح، باب العزل ٩/٢١٥ أرقام ٥٣٠٧ – ٥٢٠٩.
[ ٦٠٦ ]
قال فضيلة الدكتور عبد المهدى عبد القادر: "ويظهر لى من كلام جابر هذا أن جابرًا استدل على شرعية العزل بتقرير الله ﷾ (١) وعليه فجابر يرى أن الوحي لا يقتصر على مراقبة رسول الله ﷺ، وإنما يراقب الأمة كلها، فأيما فعل فعلوه مخالفًا الإسلام نبه الوحي عليه، وأيما فعل فعلوه زمن الوحي وأقرهم عليه الوحي فهو من الإسلام" (٢) وهذا هو الذى يفيده أيضًا ما رواه ابن سعد فى الطبقات عن الواقدى عن شيوخه قال: قد قتل مجذر بن ذياد، سويد بن الصامت، فى وقعة التقيا فيها فى الجاهلية. فظفر المجذر بسويد فقتله، وذلك قبل الإسلام. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلم الحارث بن سويد (٣) ومجذر بن زياد (٤) وشهدا بدرًا. فجعل الحارث يطلب مجذرًا ليقتله بأبيه، فلا يقدر عليه.
فلما كان يوم أحد وجال المسلمون تلك الجولة، أتاه الحارث من خلفه، فضرب عنقه. فلما رجع رسول الله ﷺ من حمراء الأسد، أتاه جبريل، فأخبره أن الحارث بن سويد قتل مجذر بن زياد غيلة، وأمره أن يقتله الحديث" (٥) .
قال ابن الأثير: اتفق أهل النقل على أن الحارث بن سويد هو الذى قتل المجذر بن زياد. فقتله النبى ﷺ (٦) .
_________________
(١) وإن كان ابن دقيق العيد استغربه فقال: استدلال جابر بالتقرير من الله غريب. فتح البارى ٩/٢١٦ أرقام ٥٢٠٧ – ٥٢٠٩.
(٢) المدخل إلى السنة النبوية ص٧٢.
(٣) له ترجمة فى: أسد الغابة ١/٦١٣ رقم ٨٩٩، والإصابة ١/٢٨٠ رقم ١٤٢٣.
(٤) له ترجمة فى: تجريد أسماء الصحابة ٢/٥١، وأسد الغابة ٥/٥٩ رقم ٤٦٧٧، والاستيعاب ٤/١٤٥٩ رقم ٢٥٢٠، وتاريخ الصحابة ص٢٣٨ رقم ١٣٠٥.
(٥) الطبقات الكبرى ٣/٥٥٢.
(٦) أسد الغابة ١/٦١٣ ترجمة الحارث بن سويد رقم ٨٩٩.
[ ٦٠٧ ]
.. وهذا الاتفاق الذى نقله ابن الأثير، يقتضى الحكم بصحة الحديث وإن لم يكن إسناده على شرط الصحة، كما تقرر فى علم الحديث (١) وهو ما ذكره السيوطى فى حكمه على هذا الحديث فى كتابه الباهر فى حكم النبى ﷺ بالباطن والظاهر (٢) .
هذا ودلالة الحديث على مراقبة الوحي للأمة واضحة بإخبار جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ بأن الحارث قتل مجذر غيلة، وأمره أن يقتله وهذه المراقبة للأمة كانوا على يقين بها، وهذا هو الذى يفيده حديث ابن عمر ﵁ قال: "كنا نتقى الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد النبى ﷺ هيبة أن ينزل فينا شئ، فلما توفى النبى ﷺ تكلمنا وانبسطنا" (٣) ومنه حديث عمر حينما سأل رسول الله ﷺ ثلاث مرات فلم يجبه. فقال – أى عمر – ثكلتك أمك يا عمر، ثم قال: وخشيت أن ينزل فى قرآن" (٤) .
_________________
(١) ينظر: تدريب الراوى ١/٦٧، وأعلام الموقعين لابن قيم الجوزية ١/٢٠٢، والاستذكار لابن عبد البر ٢/٩٨ نص رقم ١٥٦٩.
(٢) ص٥٨.
(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب النكاح، باب الوصاية بالنساء ٩/١٦١ رقم ٥١٨٧.
(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، باب غزوة الحديبية ٧/٥١٨ رقم ٤١٧٧.
[ ٦٠٨ ]
.. ومنه حديث سلمة بن صخر البياضى (١) إذ أتى زوجته فى رمضان فقال لقومه: امشوا معى إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: لا والله لا نمشى معك، ما نأمن أن ينزل فيك القرآن، أو أن يكون فيك من رسول الله ﷺ مقالة يلزمنا عارها الحديث (٢) .
ومن إنكار الوحي عليهم حديث زيد بن خالد الجهنى (٣) قال: صلى بنا رسول الله ﷺ: صلاة الصبح بالحديبية فى إثر السماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال أصبح من عبادى مؤمن بى وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بى، كافر بالكواكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بى، مؤمن بالكواكب" (٤) .
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: تجريد أسماء الصحابة ١/٢٣٢، وأسد الغابة ٢/٥٢٥ رقم ٢١٧٦، والاستيعاب ٢/٦٤١ رقم ١٠٢٣، وتاريخ الصحابة ص١١٩ رقم ٥٥٤.
(٢) أخرجه الدارمى فى سننه كتاب الطلاق، باب الظهار ٢/٢١٧ رقم ٢٢٧٣، وأبو داود فى سننه كتاب الطلاق، باب الظهار ٢/٢٦٥ رقم ٢٢١٣، والترمذى فى سننه كتاب الطلاق، باب ما جاء فى كفارة الظهار ٣/٥٠٣ رقم ١٢٠٠ وقال حديث حسن، وأخرجه ابن ماجه فى سننه كتاب الطلاق، باب الظهار ١/٦٤٧ رقم ٢٠٦٢.
(٣) صحابى جليل له ترجمة فى: الاستيعاب ٢/٥٤٩ رقم ٨٤٥، وأسد الغابة ٢/٣٥٥ رقم ١٨٣٢، ومشاهير علماء الأمصار ص٢٣ رقم ٥٤، والإصابة ١/٥٦٥ رقم ٢٨٩٥.
(٤) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب كفر من قال مطرنا بالنوء ١/٣٣٦ رقم ١٢٥ والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم ٢/٣٣٨ رقم ٨٤٦.
[ ٦٠٩ ]
.. وهكذا يتضح أن الوحي كان يراقب تصرفاته ﷺ، ويراقب الأمة أيضًا. وفى كل ذلك دلالته على عصمته ﷺ فى اجتهاده. وعلى ذلك اتفاق السلف وإجماعهم عليه؛ وذلك أنا نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله، والثقة بجميع أخباره فى أى باب كانت، وعن أى شئ وقعت، وأنه لم يكن لهم توقف، ولا تردد فى شئ منها، ولا استثبات عن حاله عند ذلك هل وقع فيها سهو أم لا، وهل وقع عن وحى أو اجتهاد، وأيضًا فإن أخباره وآثاره وسيره وشمائله ﷺ معتنى بها مستقصى تفاصيلها، ولم يرو فى شئ منها استدراكه ﷺ لغلط فى قول قاله، أو اعترافه بوهم فى شئ أخبر به، ولو كان ذلك لنقل كما نقل من قصته ﷺ عما أشار به على الأنصار فى تلقيح النخل (١) وكان ذلك رأيًا لا خبرًا يعنى: فلا يدخله الصدق والكذب (٢) .
قلت: وهذا الذى أدين الله تعالى به فى أخبار النبى ﷺ، فقد كانت أقواله ﷺ وأفعاله كلها تشريعًا تقتضى المتابعة والاقتداء سواء كانت بوحى أو اجتهاد لعصمة رب العزة له فى أحواله ﷺ كلها.
_________________
(١) سيأتى بعد قليل ذكره كاملًا وتخريجه وتوجيهه بما لا يتعارض مع عصمته ﷺ فى اجتهاده.
(٢) ينظر: الشفا ٢/١٣٥، ١٣٦ بتصرف، والمنهاج شرح مسلم ٣/٧٣ رقم ٥٧٤، والمدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى ص٧٣، ٧٤.
[ ٦١٠ ]
.. أما زعم أعداء السنة المطهرة بأن اجتهاد رسول الله ﷺ يؤيد أن السنة المطهرة ليست كلها وحى، وذهاب بعض المسلمين إلى تقسيم السنة إلى قسمين سنة تشريعية ملزمة عامة ودائمة، وسنة غير تشريعية ولا ملزمة واستدلالهم على ذلك باجتهاد رسول الله ﷺ عمومًا، وحديث تأبير النخل خصوصًا. فذلك منهم طعن فى عصمته ﷺ فى اجتهاده.
فإلى تفصيل شبهتهم فى ذلك والرد عليها
[ ٦١١ ]