والرد عليها
سبق أن تقرر لك أن اجتهاد رسول الله ﷺ فى الشريعة الإسلامية لا يخل بعصمته فى أقواله وأفعاله وتقريراته، لأن وحى الله تعالى يراقبه؛ فإن أصاب فى اجتهاده لم يأت تنبيه، فدل على إقرار رب العزة له، وإن خالف اجتهاد الأولى نزل وحى الله تعالى بالتنبيه والتصويب لما هو أولى، وفى الإقرار والتنبيه؛ يصبح اجتهاده ﷺ، وحى وحكم الله النهائى، حجة على العباد واجب الاتباع ويحرم مخالفته بالآيات والأحاديث السابقة الدالة على عصمته ﷺ فى اجتهاده وبإجماع الأمة. إلا أن بعض دعاة الفتنة وأدعياء العلم زعموا أن اجتهاد رسول الله ﷺ ليس من الوحي الإلهى.
ويستدلون على ذلك بحديث المعصوم ﷺ، الوارد فى قصة تأبير النخل بمختلف رواياته عن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: مررت مع رسول الله ﷺ بقوم على رؤوس النخل. فقال: ما صنع هؤلاء؟ فقالوا: يلقحونه يجعلون الذكر فى الأنثى فيلقح، فقال رسول الله ﷺ "ما أظن يغنى ذلك شئ" قال فأخبروا بذلك فتركوه، فأخبر ﷺ بذلك فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنى إنما ظننت ظنًا، فلا تؤاخذونى بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا، فخذوا به، فإنى لن أكذب على الله ﷿".
وفى حديث رافع بن خديج ﵁ (١) قال: قال رسول الله ﷺ: إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به. وإذا أمرتكم بشئ من رأى فإنما أنا بشر" قال عكرمة: أو نحو هذا.
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص١٨ رقم ٢٩، والاستيعاب ٢/٤٨٩ رقم ٧٢٦، وأسد الغابة ٢/٢٣٢ رقم ١٥٨٠، والإصابة ١/٤٩٥ رقم ٢٥٢٦.
[ ٦١٢ ]
.. وفى حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" (١) وهذا الحديث من زمن طويل كان المشجب الذى يعلق عليه من شاء، ما شاء من أمور الشرع التى يراد التحلل منها، فقد أراد بعضهم أن يحذف النظام السياسى كله من الإسلام بهذا الحديث وحده، لأن أمر السياسة أصولًا وفروعًا من أمر دنيانا، فنحن أعلم به، فليس من شأن الوحي أن يكون له فيها تشريع أو توجيه، فالإسلام عند هؤلاء دين بلا دولة، وعقيدة بلا شريعة؛ وأراد آخرون أن يحذفوا النظام الاقتصادى كله من الإسلام كذلك، بسبب هذا الحديث الواحد.
المهم: أن بعض الناس أراد أن يهدم بهذا الحديث الفرد كل ما حوت دواوين السنة الزاخرة، من أحاديث البيوع، والمعاملات، والعلاقات الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية.
وكأن الرسول ﷺ قال هذا الحديث لينسخ به جميع أقواله وأعماله وتقريراته التى تكون السنة النبوية.
_________________
(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا دون ما ذكره ﷺ من معايش الدنيا على سبيل الرأى ٨/١٢٧، ١٢٨ أرقام ٢٣٦١ – ٢٣٦٣.
[ ٦١٣ ]
.. وهذا الغلو من بعض الناس، هو الذى جعل عالمًا كبيرًا مثل المحدث الجليل الشيخ أحمد محمد شاكر – ﵀ – يعلق على هذا الحديث فى مسند الإمام أحمد فيقول: "هذا الحديث مما طنطن به ملحدوا مصر، وصنائع أوروبة فيها، من عبيد المستشرقين، وتلامذة المبشرين، فجعلوه أصلًا يطعنون به فى عصمة رسول الله ﷺ فى اجتهاده، وأخذوا يحجون به أهل السنة وأنصارها، وخدام الشريعة وحماتها، إذا أرادوا أن ينفوا شيئًا من السنة، وأن ينكروا شريعة من شرائع الإسلام، فى المعاملات، وشئون الاجتماع وغيرها، يزعمون أن هذه من شئون الدنيا، ويتمسكون برواية أنس: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" (١) والله يعلم أنهم لا يؤمنون بأصل الدين، ولا بالألوهية، ولا بالرسالة، ولا يصدقون القرآن فى قرارة نفوسهم. ومن آمن منهم فإنما يؤمن لسانه ظاهرًا، ويؤمن قلبه فيما يخيل إليه، لا عن ثقة وطمأنينة، ولكن تقليدًا وخشية، فإذا ما جد الجد، وتعارضت الشريعة، الكتاب والسنة، مع ما درسوا فى مصر أو فى أوروبا، لم يترددوا فى المفاضلة، ولم يحجموا عن
_________________
(١) بل وينكرون أركان الإسلام، انظر إلى ما يزعمه جمال البنا فى كتابه السنة ودورها فى الفقه الجديد ص١٩٣ قائلًا: بيان النبى فى العبادات من صلاة أو زكاة أو صيام أو حج أو شورى الخ، ليس تشريعًا دائمًا لازمًا أهـ. ويرجع من نفس المصدر ص١٧٠، ١٩٥، ٢٠٣، ٢٢٥ وينظر له أيضًا: الأصلان العظيمان ص٢٣٨، وينظر: الإسلام هو القرآن وحده مقال لتوفيق صدقى فى مجلة المنار المجلد ٩/٩١٠، ٩١١، وأضواء على السنة ص٤٢، ٤٤، ٩٣، وقصة الحديث المحمدى ص١٤ – ١٧ كلاهما لمحمود أبو ريه، والإمام الشافعى ص٤٦، ٨٤، ونقد الخطاب الدينى ص١٢٦ كلاهما لنصر أبو زيد، ودراسة الكتب المقدسة لموريس بوكاى ص٢٩٣، ٢٩٩، والكتاب والقرآن قراءة معاصرة لمحمد شحرور ص٥٥٣، وينظر له أيضًا الدولة والمجتمع ص١٥٥، والسلطة فى الإسلام لعبد الجواد ياسين ص٢٤٨.
[ ٦١٤ ]
ذهب بعض علماء المسلمين الأجلاء إلى عدم عصمة رسول الله ﷺ فى اجتهاده
الاختيار، وفضلوا ما أخذوه عن سادتهم، واختاروا ما أشربت قلوبهم، ثم ينسبون نفوسهم بعد ذلك أو ينسبهم الناس إلى الإسلام.
والحديث واضح صريح، لا يعارض نصًا، ولا يعارض عصمته ﷺ فى اجتهاده، ولا يدل على عدم الاحتجاج بالسنة فى كل شأن، كما لا يدل على ما يزعمون أن السنة النبوية ليست كلها وحى.
وإنما الحديث فى قصة تلقيح النخل أن قال لهم: "ما أظن ذلك يغنى شيئًا، فهو لم يأمر ولم ينه، ولم يخبر عن الله، ولم يسن فى ذلك سنة حتى يتوسع فى هذا المعنى إلى ما يهدم به أصل التشريع" (١) أهـ.
ومن اجتهاد النبى ﷺ، وقوله: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" ذهب بعض علماء المسلمين الأجلاء إلى عدم عصمة رسول الله ﷺ فى اجتهاده؛ حيث ذهبوا إلى تقسيم السنة النبوية إلى قسمين:
أ- سنة تشريعية ملزمة ودائمة.
ب- وسنة غير تشريعية غير ملزمة ولا دائمة.
وقصدوا بغير التشريع ثلاثة أنواع:
ما سبيله سبيل الحاجة البشرية، كالأكل والشرب والنوم والمشى والتزاور الخ.
ما سبيله سبيل التجاوب والعادة الشخصية أو الاجتماعية، كالذى ورد فى شئون الزراعة والطب، وطول اللباس وقصره.
ما سبيله سبيل التدبير الإنسانى كتوزيع الجيوش على المواقع الحربية ونحو ذلك.
فهذه الأنواع الثلاثة ليس شرعًا يتعلق به طلب الفعل أو الترك، وإنما هو من الشئون البشرية التى ليس مسلك الرسول ﷺ فيها تشريعًا ولا مصدر تشريع (٢) .
_________________
(١) مسند الإمام أحمد ٢/١٧٧ رقم ١٩٣٥ هامش بتصرف.
(٢) ينظر: الإسلام عقيدة وشريعة للإمام الأكبر محمود شلتوت ص٤٩٩، ٥٠٠.
[ ٦١٥ ]
وبهذا التقسيم قال غير واحد من علماء المسلمين (١) وبالغ بعضهم حتى كاد يخرج قضايا المعاملات، والأحوال المدينة كلها من دائرة السنة التشريعية. حيث كان يرى أن كثيرًا من أوامر الرسول ونواهيه فى المعاملات كان أساسها الاجتهاد لا الوحي (٢) حتى انتهى به هذا الاتجاه إلى أن حرم برأيه ما أحلته السنة النبوية؛ وما أجمع المسلمون – من جميع المذاهب والمدارس الفقهية – على حله. وذلك هو (بيع السلم) الذى رخص فيه النبى - صلى الله عليه
_________________
(١) كالأستاذ محمد رشيد رضا فى مجلة المنار المجلد ٩/٨٥٨، والدكتور عبد المنعم النمر فى كتبه: السنة والتشريع، والاجتهاد، وعلم أصول الفقه، والشيخ عبد الجليل عيسى فى كتابه: اجتهاد الرسول، والشيخ على حسب الله فى كتابه التشريع، والشيخ محمد الغزالى فى كتابه كيف نفهم الإسلام نقله= =عن الشيخ محمد المدنى، والدكتور محمد سليم العوا فى العدد الافتتاحى من مجلة المسلم المعاصر، والدكتور يوسف القرضاوى فى كتابه السنة مصدرًا للمعرفة والحضارة ص٤١، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور فى كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، وغيرهم ممن ذكرهم الأستاذ يوسف كمال فى كتابه العصريون معتزلة اليوم ص٥٣ – ٧٢.
(٢) ينظر: السنة والتشريع ص٢٥، ٢٦، وعلم أصول الفقه ص٢٤ كلاهما للدكتور النمر. قال الدكتور القرضاوى: "وما ذهب إليه أى الدكتور النمر، لا يفيده فى دعواه، لأن الاجتهاد إذا أقر كان بمنزلة الوحي لأنه لا يقر على خطأ، كما هو مقرر فى علم الأصول، ولهذا يسميه علماء الحنفية (الوحي الباطنى) أهـ السنة مصدرًا للمعرفة والحضارة ص١٧ هامش. قلت: ولا أدرى لماذا بعد ذلك يؤيد الدكتور القرضاوى أنصار مدرسة تقسيم السنة إلى تشريع، وغير تشريع؟! أليس كل ما يقال فيه أنه سنة غير تشريعية؛ ينطبق عليه ما قاله هنا من إقرار رب العزة لاجتهاد نبيه ﷺ فيصير وحيًا، حتى ولو كانت درجته الإباحة، كما سيأتى تفصيله بعد قليل؟!.
[ ٦١٦ ]
وسلم - لحاجة الناس إليه، بعد أن وضع له الضوابط اللازمة لمنع الغرر والنزاع ويسميه بعضهم (السلف) أيضًا وبه جاء الحديث، ومضى عليه عمل الأمة أكثر من خمسة عشر قرنًا.
فعن الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: قدم النبى ﷺ المدينة، وهم يسلفون فى الثمار السنة والسنتين، فقال: "من أسلف فى تمر، فليسلف فى كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (١) بل قال ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون إلى أجله قد أحله الله فى كتابه، وأذن فيه، ثم قرأ: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ (٢) وكلمة "أشهد" بمثابة القسم، فهذا رأى ترجمان القرآن.
ولكن الدكتور عبد المنعم النمر قال عن السلم: "وهو بيع معدوم موصوف فى الذمة، ويسير عليه كثير من الناس فى الأرياف، مستغلين حاجات الزراع استغلالًا سيئًا، مما يجعلنا نميل إلى تحريمه. من أجل هذا الاستغلال الكريه المحرم فى الإسلام" (٣) .
يقول الدكتور القرضاوى: "وكان أولى بالشيخ هنا أن يقتصر على تحريم الظلم والاستغلال، ولا يتعدى ذلك إلى تحريم التعامل الثابت بالسنة والإجماع" (٤) .
_________________
(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب المساقاة، باب السلم ٦/٤٦ رقم ١٦٠٤، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب السلم، باب السلم فى وزن معلوم ٤/٥٠١ رقم ٢٢٤٠. وينظر: نيل الأوطار ٥/٢٢٦.
(٢) الآية ٢٨٢ البقرة والأثر أخرجه الشافعى فى مسنده ص٢٥٥ رقم ٦٥٩، والبيهقى فى سننه كتاب البيوع، باب جواز الرهن ٦/١٩، ورجال الشافعى كلهم ثقات إلا أبى حسان الأعرج صدوق كما قال الحافظ فى تقريب التهذيب ٢/٣٨٣ رقم ٨٠٧٩ فالإسناد حسن.
(٣) السنة والتشريع ص٤٢، ٤٣ وينظر له أيضًا علم أصول الفقه ص٢٨.
(٤) السنة مصدرًا للمعرفة والحضارة ص١٨، وينظر: السنة والتشريع لفضيلة الدكتور موسى شاهين ص٢٨.
[ ٦١٧ ]
والجواب:
أقول كما قال فضيلة الدكتور موسى شاهين: "غفر الله للقائلين بأن السنة تشريع وغير تشريع، وللقائلين بالمصلحة. غفر الله لهم وسامحهم، لقد فتح هؤلاء وهؤلاء بابًا لم يخطر لهم على بال.
القائلون بأن السنة تشريع وغير تشريع؛ قصدوا بغير التشريع ما ورد منها خاصًا بالصناعات، والخبرات كالزراعة والطب، ولم يخطر ببالهم أن من سيأتى بعدهم سيستدل بتقسيمهم ليدخل المعاملات، وأحاديث البيع، والشراء، والإجارة، ويدخل ما قاله النبى ﷺ من أحاديث فى العادات، وشئون الاقتصاد، والسياسة، والإدارة والحرب، وغير ذلك فى السنة غير التشريعية، وهم من هذا القول برءاء!.
أما ما جعلوه مما سبيله الحاجة البشرية، كالأكل والشرب والنوم الخ من السنة غير التشريعية، فهذا الكلام على عمومه مرفوض، وفى حاجة إلى تحقيق فهل بيان المأكول والمشروب المحرم، والمكروه، والمباح، من السنة غير التشريعية؟.
[ ٦١٨ ]
.. هل حديث: "أحلت لكم ميتتان ودمان: فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال" (١)، وحديث:"أكل الضب على مائدة رسول الله ﷺ" (٢) سنة غير تشريعية؟ اللهم لا.
إن رسول الله ﷺ بمقتضى عصمته، أحل لنا الطيبات، وحرم علينا الخبائث، فالمأكول والمشروب سنة تشريعية من حيث الحل والحرمة، أما أنه أكل نوعًا من الحلال، وترك غيره يأكل نوعًا آخر، فالتشريع فيها الإباحة، إباحة ما أكل وما لم يأكل مما له ينه عنه.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه فى سننه كتاب الأطعمة، باب الكبد والطحال ٢/٢٩٥ رقم ٣٣١٤ والدارقطنى فى سننه كتاب الأشربة، باب الصيد والذبائح ٤/٢٧١ رقم ٢٥ من حديث ابن عمر، وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال فيه ابن الجوزى: أجمعوا على ضعفه، وقال البوصيرى: لكنه لم ينفرد به عبد الرحمن بن زيد عن أبيه، فقد تابعه عليه سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم عن ابن عمر. قال البيهقى: إسناد الموقوف صحيح وهو فى معنى المسند أهـ. ينظر: مصباح الزجاجة ٣/٨٥، قال الشوكانى فى نيل الأوطار ٨/١٤٧ وكذا صحح الموقوف أبو زرعة، وأبو حاتم، وهو فى حكم المرفوع فيحصل الاستدلال بهذه الرواية أهـ بتصرف. وينظر: فتح البارى ٩/٥٨٠ – ٥٨٥ رقمى ٥٥٣٦/ ٥٥٣٧، وتعليق المغنى على الدارقطنى ٤/٢٧١، ٢٧٢.
(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الصيد والذبائح، باب إباحة الضب ٧/١٠٩ رقم ١٩٤٤ من حديث ابن عمر ﵁ وفى نفس المصدر أرقام ١٩٤٥ – ١٩٥١ من حديث ابن عباس وغيره.
[ ٦١٩ ]
.. وأما الأوانى: فقد نهى ﷺ عن الأكل والشرب فى صحائف الذهب والفضة (١) وهذا تشريع قطعًا. أما أنه ﷺ أكل فى قصعة من الفخار، ونحن نأكل فى الأوانى الفاخرة غير الذهبية والفضية، فهذا من المباحات والإباحة تشريع (٢) .
وأما الهيئة: فهناك هيئات مأمور بها، وهيئات منهى عنها، وهيئات أخرى كثيرة مباحة، والكل تشريع.
فقوله ﷺ: "يا غلام سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك" (٣) هيئة أكل مشروعة (٤) . و"نهى رسول الله ﷺ أن يتنفس فى الإناء" (٥) هيئة ممنوعة شرعًا فى نفس الإناء، ومستحبة خارج الإناء (٦) .
_________________
(١) فعن حذيفة مرفوعًا: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج. ولا تشربوا فى آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا فى صحافها. فإنها لهم فى الدنيا" أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة ٧/٢٨١، ٢٨٢ رقم ٢٠٦٧، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأشربة، باب آنية الفضة ١٠/٩٨ رقم ٥٦٣٣.
(٢) سيأتى مزيد من بيان شرعية المباح ص٤٢٠.
(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام والأكل باليمين ١٩/٤٣١ رقم ٥٣٧٦، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب ٧/٢٠٩ رقم ٢٠٢٢ من حديث عمر بن أبى سلمة ﵁.
(٤) ينظر: مجلة الأزهر عدد ربيع الآخر ١٤١٨هـ ص٦٣٠ مقال "التيا من فطرة إلهية وأفضلية تاريخية".
(٥) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأشربة، باب النهى عن التنفس فى الإناء ١٠/٩٥ رقم ٥٦٣٠، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الأشربة، باب كراهية التنفس فى نفس الإناء واستحباب التنفس ثلاثًا خارج الإناء ٧/٢١٧ رقم ٢٦٧ من حديث أبى قتادة ﵁.
(٦) ينظر: فتح البارى، وشرح النووى فى الأماكن السابقة نفسها.
[ ٦٢٠ ]
.. أما أنه ﷺ أكل بأصابعه ويده؛ ونحن نأكل بالملاعق والشوك، والسكاكين، فهو من المباحات المشروعة. فماذا فى الأكل والشرب من السنة غير التشريعية؟!!.
إن قصدوا بالسنة غير التشريعية فى ذلك السنة غير الملزمة، وهى المباحات كان الخلاف بيننا لفظيًا. وإن قصدوا ما هو مطلوب على وجه الوجوب أو الندب، وما هو منهى عنه على وجه الحرمة أو الكراهة فهو غير مسلم.
ومثال ذلك يقال فى الأفعال الجبلية التى وقعت منه ﷺ مما لا يخلو البشر عنه من حركة وسكون، على اختلاف أنواع الحركة المحتاج إليها بحكم العادة من قيام، وقعود، ونوم، وركوب، وسفر، وإقامة، وقيلولة تحت شجرة، أو فى بيت، وتناول مأكول ومشروب معلوم حله. ومن أمثلته: تتبعه ﷺ الأكل من جوانب الصحفة (١) . وأكله القثاء بالرطب (٢) وأنه ﷺ كان يحب الحلو البارد (٣)
_________________
(١) فعن أنس بن مالك ﵁ قال: رأيت النبى ﷺ يتتبع الدباء من حوالى القصعة، قال: فلم أزل أحب الدباء من يومئذ" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها كتاب البيوع، باب الخياط ٤/٣٧٢ رقم ٢٠٩٢، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الأشربة، باب جواز أكل المرق ٧/٢٤٢ رقم ٢٠٤١.
(٢) فعن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب ﵃ قال: رأيت النبى ﷺ يأكل الرطب بالقثاء" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأطعمة، باب القثاء بالرطب ٩/٤٧٥ رقم ٥٤٤٠، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الأشربة، باب أكل القثاء بالرطب ٧/٢٤٥ رقم ٢٠٤٣.
(٣) فعن عائشة ﵂ قالت: كان أحب الشراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد" أخرجه الترمذى فى سننه كتاب الأشربة، باب ما جاء أى الشراب كان أحب إلى رسول الله ﷺ ٤/٢٧٢ رقم ١٨٩٥، وفى الشمائل، باب ما جاء فى صفة شراب رسول الله ﷺ ص١٢٤ رقم ١٩٥، وأحمد فى المسند ٦/٣٨، ٤٠، والحاكم فى المستدرك ٤/١٥٣ رقم ٧٢٠٠ وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبى.
[ ٦٢١ ]
وكان يحب الحلوى والعسل (١) وسائر ما روى عنه فى هيئة لباسه، وطعامه، وشرابه، ونومه، وكيفية مشيه، وجميع ما نقل عنه من شمائله ﷺ، مما لم يظهر فيه قصد القربة.
ومن ذلك ما كرهه عيافة لا شريعة، كتركه أكل الضب (٢) بخلاف تركه أكل الثوم والبصل والكراث، فيستحب التنزه عنه ما أمكن (٣) .
ويلتحق بالجبلى: كل فعل فعله رسول الله ﷺ مما علمت إباحته شرعًا، إباحة مطلقة له ولأمته.
_________________
(١) فعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يحب العسل والحلوى" جزء من حديث طويل أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الطلاق، باب لم تحرم ما أحل الله لك ٩/٢٨٧ رقم ٥٢٦٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ٥/٣٣١ رقم ١٤٧٤.
(٢) فعن ابن عباس ﵄ أن خالد بن الوليد ﵁ قال: "أتى النبى ﷺ بضب مشوى، فأهوى إليه ليأكل، فقيل له: إنه ضب، فأمسك يده. فقال خالد: أحرام.. هو؟ قال: لا، ولكنه لا يكون بأرض قومى، فأجدنى أعافه، فأكل خالد، ورسول الله ﷺ ينظر" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها كتاب الأطعمة، باب الشواء ٩/٤٥٣ رقم ٥٤٠٠، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الصيد، باب إباحة الضب ٧/١٠٩ – ١١٢ أرقام: ١٩٤٥، ١٩٤٦، ١٩٤٨.
(٣) ونحو ذلك أيضًا المحرمات عليه ﷺ يستحب التنزه عنها أمكن نحو أكل الزكاة، وأكل ماله رائحة كريهة، والأكل متكئًا.
[ ٦٢٢ ]
.. كما روى أنه ﷺ: أكل التمر (١) وشرب العسل (٢) واللبن (٣) ولبس جبة شامية ضيقة الكمين (٤) ودخل مكة وعليه عمامة سوداء (٥) .
فهذا ونحوه لا دليل يدل على أنه يستحب للناس كافة أن يفعلوا مثله، بل إن فعلوا فلا بأس، وإن تركوا فلا بأس، ما لم يكن تركهم رغبة عما فعله ﷺ واستنكافًا، فمن رغب عن سنته وطريقته فليس منه.
_________________
(١) فعن أنس بن مالك ﵁ قال: "رأيت النبى ﷺ مقعيًا يأكل تمرًا" أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الأشربة، باب استحباب تواضع الأكل ٧/٢٤٦ رقم ٢٠٤٤.
(٢) تقدمت رواية عائشة ﵂ أنه ﷺ كان يحب العسل والحلوى. وسبق تخريجها.
(٣) فعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أتى بلبن قد شيب بماء، وعن يمينه أعرابى، وعن يساره أبو بكر، فشرب. ثم أعطى الأعرابى، وقال: الأيمن فالأيمن" أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الأشربة، باب استحباب إدارة الماء واللبن ٧/٢١٨ رقم ٢٠٢٩ والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأشربة، باب شرب اللبن بالماء ١٠/٧٧ رقم ٥٦١٢.
(٤) فعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنت مع النبى ﷺ فى سفر فقال: يا مغيرة! خذ الإداوة فأخذتها ثم خرجت معه. فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عنى، فقضى حاجته، ثم جاء وعليه جبة شامية ضيقة الكمين الحديث أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين ٢/١٦٨ رقم ٢٧٤، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الصلاة، باب الصلاة فى الجبة الشاميه ١/٥٦٤ رقم ٣٦٣.
(٥) فعن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامه سوداء بغير إحرام" أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام ٥/١٤٢ رقم ١٣٥٨.
[ ٦٢٣ ]
.. والتحقيق: أنه من الخطأ أن نطلق هذا الإطلاق "السنة غير التشريعية" على ما سموه الحاجة البشرية أو الأفعال الجبلية، أو ما يصدر عنه ﷺ، بوصفه إمامًا ورئيسًا للدولة المسلمة، أو بوصفه قاضيًا فكل هذه الأمور التى أطلقوا عليها، سنة غير تشريعية، منها الواجب شرعًا، ومنها المحرم شرعًا، ومنها المكروه، ومنها المندوب، ومنها المباح، وحتى إذا أردنا كيفية هذه الأمور نجد منها الممنوع شرعًا، كما سبقت الإشارة إليه قريبًا.
أما القائلون بالمصلحة كمصدر من مصادر التشريع فقد اشترطوا لها ألا تصادم نصًا من الكتاب أو السنة الصحيحة، فهم أخذوا بمراعاة المصالح فيما لم يرد فيه قرآن أو حديث صحيح، أما ما ورد فيه قرآن أو حديث صحيح فالمصلحة فيما جاء به النص (١) .
واعتقد كما قال الدكتور فتحى عبد الكريم. "أن القائلين بالسنة التشريعية، والسنة غير التشريعية قد فاتهم المعنى الدقيق للتشريع الإسلامى، حيث قصر بعضهم وصف التشريع على الواجب، والحرام، ونفاه عن المندوب والمكروه، والمباح، وأدخل بعضهم المندوب والمكروه فى التشريع، ونفاه عن المباح وحده" (٢) .
وفى ذلك يقول العلامة الدكتور عبد الغنى عبد الخالق – ﵀: "هذا وإخراج الأمور الطبيعية من السنة أمر عجيب، وأعجب منه: أن يدعى بعضهم ظهوره، مع إجماع الأمة المعتبرين على السكوت عنها، وعدم إخراجها. ولست أدرى: لم أخرجها هؤلاء؟! أأخرجوها: لأنها لا يتعلق بها حكم شرعى؟.
_________________
(١) وفى هذا رد مختصر على الدكتور النمر، حيث حرم "السلم" بحجة أنه يتعارض مع مصلحة الناس. يراجع نص كلامه السابقة ص٤١٥.وينظر: السنة والتشريع للدكتور موسى شاهين ص٢٢ – ٢٤.
(٢) السنة تشريع لازم ودائم ص٤٤، وينظر: دراسات فى السنة للدكتور محمد المنسى ص٢٢٨.
[ ٦٢٤ ]
.. وكيف يصح هذا مع أنها من الأفعال الاختيارية المكتسبة، وكل فعل اختيارى من المكلف لابد أن يتعلق به حكم شرعى: من وجوب أو ندب أو إباحة أو كراهة أو حرمة.
وفعل النبى ﷺ الطبيعى مثل الفعل الطبيعى من غيره، فالأبد أن يكون قد تعلق به واحد من هذه الأحكام؟ وليس هذا الحكم الكراهة، ولا الحرمة، لعصمته ﷺ فى أحواله كلها، وليس الحكم الوجوب ولا الندب: لعدم القربة فيه.
فلم يبق إلا الإباحة وهى حكم شرعى؛ فقد دل الفعل الطبيعى منه ﷺ على حكم شرعى، وهو الإباحة فى حقه، بل وفى حقنا أيضًا ﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة﴾ (١) .
ولقد أجمع الأصوليون فى باب أفعاله ﷺ على أن أفعاله الطبيعية تدل على الإباحة فى حقه ﷺ، وفى حق أمته، وكل يحكى الاتفاق على ذلك عن الأئمة السابقين (٢) .
أم أخرجوها: لأنهم ظنوا أن الإباحة ليست حكمًا شرعيًا؟ وهذا لا يصح أيضًا: فإن الأصوليين مجمعون على شرعيتها – أى الإباحة – اللهم إلا فريقًا من المعتزلة ذهب إلى عدم شرعيتها؛ فهما منهم: أن الإباحة انتفاء الحرج عن الفعل والترك (٣) وذلك ثابت قبل ورود الشرع، وهو مستمر بعده، فلا يكون حكمًا شرعيًا.
_________________
(١) الآية ٢١ الأحزاب.
(٢) ينظر: المحصول ١/٥٠١، والإحكام للآمدى ١/١٥٩،والموافقات للشاطبى ٤/٤٣٧،والإبهاج فى شرح المنهاج ٢/٢٦٤،والمعتمد فى أصول الفقه ١/٣٣٤، والبرهان للجوينى ١/١٨١،والبحر المحيط ٤/١٧٦، وفواتح الرحموت ٢/١٨٠، وإرشاد الفحول ١/١٦٥.
(٣) ينظر: التقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٢/١٤٤.
[ ٦٢٥ ]
.. والجمهور ينكرون أن هذا المعنى ثابت قبل ورود الشرع، وأنه لا يسمى حكمًا شرعيًا. ولكنهم يقولون: ليس هذا هو معنى الإباحة الشرعية، إنما هى خطاب الشارع بالتخيير بين الفعل والترك من غير بدل. ولا شك أن هذا حكم شرعى؛ وأنه غير ثابت قبل ورود الشرع. ولو التفت هذا الفريق إلى هذا المعنى لم ينازع فيه؛ فليس هناك خلاف حقيقى بينهما.
فالإباحة حكم شرعى يحتاج إلى دليل؛ والفعل الطبيعى منه ﷺ يدل عليه. ونظرة واحدة فى باب أفعاله ﷺ فى أى كتاب من كتب أصول الفقه، ترشدك إلى الحق فى هذا الموضوع (١) .
ويقول الإمام الشاطبى فى رده على من قال: "ترك المباح طاعة على كل حال". قال: "بل فعل المباح طاعة بإطلاق؛ لأن كل مباح ترك حرام. ألا ترى أنه ترك المحرمات كلها عند فعل المباح، فقد شغل النفس به عن جميعها. وهذا الثانى أولى؛ لأن الكلية هنا تصح، ولا يصح أن يقال كل مباح وسيلة إلى محرم أو منهى عنه بإطلاق، فظهر أن ما اعترض به لا ينهض دليلًا على أن ترك المباح طاعة" (٢) .
قلت: ويشهد لهذا قول الإمام السرخسى فى أصوله: "ترك العمل بالحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ حرام، كما أن العمل بخلافه حرام" (٣) .
_________________
(١) حجية السنة للدكتور عبد الغنى عبد الخالق ص٧٨ – ٨١،وينظر: الإحكام للآمدى ١/١١٤،والمحصول للرازى ١/٢٠، والبرهان للجوينى ١/ ١٠٦ – ١٠٨، وأصول السرخسى ١/١٤، والإبهاج فى شرح المنهاج ١/٦٠، والبحر المحيط ١/٢٤١، ٢٧٥،والمستصفى ١/٧٥، وإرشاد الفحول ١/١٨٦، وأصول الفقه لمحمد الخضرى ص٦٠، والمحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول ﷺ لأبى شامة ص٤٠ – ٢٠٨، وأفعال الرسول ﷺ للدكتور عمر سليمان الأشقر.
(٢) الموافقات ١/١٠٠.
(٣) أصول السرخسى ٢/٧.
[ ٦٢٦ ]
ما ورد عن رسول الله ﷺ من أفعال لم تحصل منه على وجه القرب
.. ومن هنا فكل ما ورد عن رسول الله ﷺ من أفعال لم تحصل منه على وجه القرب، يستحب التأسى به فيها رجاء بركته مثل: أكله، وشربه، ولبسه، ومعاشرته نسائه، وجميع أفعاله المتعلقة بأمور الدنيا، يستحب التأسى به فى جميع ذلك. لأن هذه الأفعال وإن لم تصدر من الرسول ﷺ قربه – إن صح التعبير – فهى فى نفسها قربة؛ نرجوا بفعلها التقرب إلى الله تعالى لما انطوى عليه فعلنا لها عن محبته التى حملنا عليها بقوله ﷺ: "لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من أهله، وماله، والناس أجمعين" (١) .
_________________
(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان باب وجوب محبة رسول الله ﷺ ١/٢٩٠ رقم ٤٤، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان ١/٧٥ رقم ١٥ من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ٦٢٧ ]
.. قال أبو شامة (١): "ولهذا اعتنى الرواة بنقل تفاصيل أحواله فى ذلك كله، واقتدى أهل الدين والعلم من السلف، بسلوك طريقته فى ذلك، وترك التكلف فيما ينوبهم من حاجاتهم، حتى أنه لو قيل لأحدهم لا تركب الحمار، ولا تحلب الشاة، ولا تسلخها، ولا ترقع الثوب، ولا تخصف النعل، ولا تهنأ (٢) البعير، لقال: كيف لا أفعل ذلك وقد رأيت رسول الله ﷺ فعله، أو جاء عنه أنه فعله!! (٣) وقال أيضًا: "إن التأسى به ﷺ فى فعله المباح هو أدنى الدرجات فى استحباب المتابعة فيها، ولهذا أكثر المصنفين من الأصوليين لا يذكرون التأسى به فيها، وما ذكرناه أولى وأصح، وله سر. وهو: أن أصل الفعل وإن كان الإنسان مضطرًا إليه، فمن حيث الحاجة لا يفعله تأسيًا بالنبى ﷺ، بل من حيث إيقاعه على هيئة مخصوصة نقلت عن النبى ﷺ، أو استعمال شئ مخصوص، مع أنه يمكنه استعمال غيره.
_________________
(١) هو: عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسى، الدمشقى، الشافعى، إمام، حافظ، فقيه، مقرئ، نحوى، مؤرخ. من مصنفاته: شرح القصيدة الشاطبية، ومختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، والمحقق من علم الأصول، مات سنة ٦٦٥هـ له ترجمة فى: طبقات المفسرين للداودى ١/٢٦٨ رقم ٢٥٤، وطبقات الحفاظ للسيوطى ص٥١٠ رقم ١١٢٣، وطبقات القراء للذهبى ٢/٥٣٧، وبغية الوعاة للسيوطى ٢/٧٧.
(٢) هنأ فلانًا هنأ: أعطاه طعامًا أو نحوه، وكل أمر أتى بلا تعب فهو هنئ. ينظر: مختار الصحاح ص٧٠٠، والقاموس المحيط ١/٣٤.
(٣) المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول ﷺ ص٨٠.
[ ٦٢٨ ]
.. والفقهاء أرباب المذاهب يستحبون من هذا النوع أشياء، وهو ما إذا أراد الإنسان أن يفعل شيئًا، ذلك الشئ يقع على هيئات مختلفة وقد نقل عن الرسول ﷺ، أنه أوقعه على بعض تلك الهيئات، فأهل العلم يستحبون أن يوقع على تلك الهيئة، نحو استحبابهم سلوك طريق المأزمين (١) والمبيت بذى طوى (٢) ودخول مكة من الثنية العليا، والخروج من الثنية السفلى (٣) ونزوله بالمحصب (٤) وكهيئة الأصابع فى التشهد (٥) .
_________________
(١) بفتح الميم، وإسكان الهمزة، وكسر الزاى. تثنية مأزم: موضع معروف بين عرفة والمشعر. وهو فى الأصل: المضيق فى الجبال حين يلتقى بعضها ببعض، ويتسع ما وراءه. معجم البلدان ٥/٤٠.
(٢) فعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ بات بذى طوى حتى أصبح ثم دخل مكة قال: وكان عبد الله يفعل ذلك" أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب استحباب المبيت بذى طوى ٥/٨ رقم ١٢٥٩، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحج، باب الإهلال مستقبل القبلة ٣/٤٨٢ رقم ١٥٥٣.
(٣) فعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ دخل مكة من الثنية العليا بالبطحاء، ويخرج من الثنية السفلى" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحج، باب من أين يخرج من مكة ٣/٥١٠ رقم ١٥٧٦، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا ٥/٦ رقم ١٢٥٧.
(٤) فعن أنس بن مالك ﵁ "أن النبى ﷺ صلى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحج، باب طواف الوداع ٣/٦٨٤ رقم ١٧٥٦.
(٥) فعن ابن عمر ﵄ قال: "كان النبى ﷺ إذا جلس فى الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليسرى" أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب المساجد، باب صفة الجلوس فى الصلاة ٣/٨٦ رقم ٥٨٠.
[ ٦٢٩ ]
.. وقالوا: يستحب أن لا ينقص فى الغسل من صاع، ولا فى الوضوء من مد، اقتداء برسول الله ﷺ (١) إلى أحكام كثيرة لا تحصى لمن تتبعها.
فمتابعته ﷺ فى تلك الأفعال التى يكاد يقطع فيها بخلوها من القربة، كهيئة وضع أصابع اليد اليمنى فى التشهد، يستحب المحافظة عليها والأخذ بها ما أمكن، تدريبًا للنفس على الجموح، وتمرينًا لها على أخلاق صاحب الشرع، لتعتاد ذلك؛ فلا تخل بعده بشئ مما فيه قربة وإن خفيت.
فإن النفس مهما سومحت فى اليسير تشوقت إلى المسامحة فيما فوقه. فهذا ونحوه هو الذى يظهر لى أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يلاحظه ويراقبه، فأخذ نفسه بالمحافظة على جميع آثاره ﷺ قال نافع (٢): "لو رأيت ابن عمر يتبع آثار رسول الله ﷺ لقلت هذا مجنون" (٣) .
_________________
(١) فعن أنس ابن مالك ﵁ قال: كان النبى ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الوضوء، باب الوضوء بالمد ١/٣٦٤ رقم ٢٠١، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء فى غسل الجنابة ٢/٢٤٠ رقم ٣٢٥.
(٢) هو: أبو عبد الله المدنى، مولى ابن عمر، ثقة، ثبت، فقيه، مشهور. مات سنة ١١٩هـ له ترجمة فى: تقريب التهذيب ٢/٢٣٩ رقم ٧١١٢، ومشاهير علماء الأمصار ص١٠٤ رقم ٥٧٨، وتاريخ الثقات لابن شاهين ص٣٢٢ رقم ١٤٠٣، وتاريخ الثقات للعجلى ص٤٤٧ رقم ١٦٧٩.
(٣) أخرجه الحاكم فى المستدرك ٣/٦٤٧ رقم ٦٣٧٦ وسكت عنه، وحذفه الذهبى من التلخيص، وأخرجه أبو نعيم فى حلية الأولياء ١/٣١٠. وأخرج أبو نعيم أيضًا عن عاصم الأحوال عمن حدثه قال: "كان ابن عمر إذا رآه أحد ظن أن به شيئًا من تتبعه آثار النبى ﷺ".
[ ٦٣٠ ]
.. قلت: واستحباب التأسى بأفعال رسول الله ﷺ الجبلية هو المختار والراجح عندى.
ومستند هذا الاختيار علمنا بأن أصحاب رسول الله ﷺ لو اختلفوا فى حكم أمر حرام أو مباح، فنقل الناقل فى موضع اختلافهم فعلًا عن المصطفى ﷺ، فهموا منه أنه لا حرج على الأمة فى فعل مثله (١) وجاحد هذا جاهل بمسالك المنقل على المعنى واللفظ (٢) .
_________________
(١) يراجع: ص٢٠ ما سبق من اختلافهم فى جواز القبلة للصائم، وفى طلوع الصبح على الجنب وهو صائم؛ ورجوعهم إلى فعل رسول الله ﷺ فى ذلك.
(٢) ينظر: المحقق من علم الأصول ص٧٠، ٨٧، والإحكام للآمدى ١/١٧١.
[ ٦٣١ ]
.. وجميع المذاهب المنقولة فى هذه المسألة من الوجوب (١) والإباحة (٢) ضعيفة، وأشدها ضعفًا من ذهب إلى الحظر (٣) والوقف (٤) . ويؤيد هذا الضعف النص والإجماع.
أما النص: فقد سبق ذكر الأدلة القرآنية التى حثت على التأسى برسول الله ﷺ، واتباعه فى فعله على الوجه الذى كان عليه ﷺ، من أجل الهداية والفلاح فى الدارين (٥) .
_________________
(١) ينظر: الإحكام للآمدى ١/١٦٠، والمستصفى للغزالى ٢/٢١٦، وسيأتى بطلان هذا القول بعد قليل.
(٢) ينظر: المحصول للرازى ١/٥٠٣، والمحقق من علم الأصول ص٤٩، وسيأتى بطلان هذا القول بعد قليل.
(٣) القول بالحظر أو التحريم: مبنى على أنه لا يشرع اتباعه ﷺ فى فعله لأنه كالواقع منه من غير قصد أو كالموجود منه اضطرارًا، وهو قول ردئ سخيف كما قال أبو شامة لأنه مبنى على تجويز المعاصى على الأنبياء – عصمهم الله من ذلك – كما أنه مبنى على أن الأصل فى الأشياء التحريم، والعكس صحيح فى أن الأصل فى الأشياء الإباحة. وعلى أى الأصلين بنى هذا القول فهو أشد الأقوال ضعفًا وأسخفها. ينظر: المحقق من علم الأصول ص٤٩، ٧١، ٧٢.
(٤) القول بالوقف: يقترب فى شدة ضعفه من القول بالحظر، وذلك إن أراد الواقفية أن الفعل لا دلالة له، فنقف إلى أن نظفر بدليل؛ فإنه إشارة منهم أيضًا إلى تجويز المعاصى على الأنبياء، وإلا فأدنى درجات هذا الفعل الواقع منهم أن يدل على كونه مباحًا لهم، لا حرج عليهم فيه لإقدامهم عليه، فيكون أيضًا مباحًا بالنسبة للأمة، وإن أراد الواقفية أو بعضهم بمصيره إلى التوقف فى ذلك أن الأدلة تفاوتت فى نظره، فلم تترجح أدلة الوجوب على الندب وكذا بالعكس فهو قريب. ينظر: المصدر السابق ص٧٠ – ٧٣.
(٥) يراجع: ص١٥ – ١٧.
[ ٦٣٢ ]
أما الإجماع: فهو ما علمناه من سيرة الصحابة ﵃ فى رجوعهم إلى أفعاله ﷺ وتقربهم وتأسيهم بها، والمحافظة عليها، وإن لم تلح فيها قربة، ولم يكن لهم توقف ولا تردد فى شئ منها.
فعن سهل بن الربيع بن الحنظلية ﵁ (١) قال: قال لنا رسول الله ﷺ نعم الرجل خريم الأسدى (٢) لولا طول جمته (٣) وإسبال إزاره (٤) فبلغ ذلك خريمًا، فعجل فأخذ شفرة فقطع بها جمته إلى أذنيه، ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه" (٥) .
فتأمل كيف أسرع خريم فامتثل قول رسول الله ﷺ. ولم يقل: وماذا فى طول الشعر؟ ولم يقل: ماذا فى طول الإزار؟ لم يقل: سنة عادة أو سنة عبادة شأن الذين قى قلوبهم مرض، إنما عجل سريعًا فقصر شعره، ورفع إزاره (٦) .
_________________
(١) صاحبى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص٦٦ رقم ٣٤٢، وأسد الغابة ٢/٥٧١ رقم ٢٢٨٧، والاستيعاب ٢/٦٦٢ رقم ١٠٨٣، والإصابة ٢/٨٦ رقم ٣٥٣٨.
(٢) صحابى جليل له ترجمة فى: تاريخ الصحابة ص٩١ رقم ٣٨٧، والاستيعاب ٢/٤٤٦ رقم ٦٤٣، وأسد الغابة ٢/١٦٧ رقم ١٤٤٠.
(٣) هى: ما سقط على المنكبين من شعر الرأس. القاموس المحيط ٤/٩٠، ومختار الصحاح ص١١٢.
(٤) هو: الملابس التى تستر النصف الأسفل من البدن. القاموس المحيط ١/٣٦٠، ومختار الصحاح ص١٥، وإسبال الإزار: نزوله عن الكعبين، أى: العظمتين البارزتين فوق القدم.
(٥) جزء من حديث طويل أخرجه أبو داود فى سننه كتاب اللباس، باب ما جاء فى إسبال الإزار ٤/٥٧ رقم ٤٠٨٩.
(٦) ينظر: المدخل إلى السنة النبوية ص٢٤٧.
[ ٦٣٣ ]
.. فبطل بذلك قول الحظر والوقف، وثبت أنهم فهموا؛ أنهم شرع لهم مثل ذلك القول والفعل قربة، فبطل قول الإباحة، وترجح الندب. ويبطل قول الوجوب ما سبق فى حديث أبى سعيد الخدرى ﵁ من خلع الصحابة ﵃ نعالهم لما رأوا رسول الله ﷺ خلع نعليه (١) فكان من كمال تأسيهم برسول الله أنهم فهموا من خلعه نعليه القربة فبادروا إلى متابعته، أو لم يفهموا قربه، واتبعوه على جارى عادتهم فى اتباعه والتأسى به، مع أنهم لم يعلموا أن ذلك صدر منه وجوبًا أو ندبًا أو إباحة، وهو عين مسألة النزاع مع من يشترط فى شرعية التأسى به ﷺ معرفة صفة فعله؛ فبطل قول الوقف.
وأيضًا: لو كان الاقتداء به ﷺ فى فعله واجبًا ما سألهم "ما حملكم إلقائكم نعالكم؟ " لعلمه بأنه يجب عليهم متابعة فعله، فبطل قول الوجوب.
ثم إنه ﷺ لما سألهم لم فعلوا ذلك، ذكروا أن مستند فعلهم متابعته فى فعله، ولم ينكر عليهم الاستدلال به، فدل ذلك كله على ما سبق من ترجيح استحباب متابعته ﷺ فى فعله.
_________________
(١) سبق ذكر الحديث بنصه وتخريجه ص١٩.
[ ٦٣٤ ]
.. وإنه لدرس لأهل زماننا، ولمن بعدنا أن نتبع هديه ﷺ كما اتبعوا، وأن نسير على نهجه، كما أمرنا ربنا ﷾ فقال: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (١) وصور اتباع السلف هديه ﷺ، وحرصهم على الاقتداء به كثيرة وكثيرة (٢) ودلالاتها متعددة؛ فهم يؤمنون بعصمته فى أحواله كلها، وهم يحبون هديه، ويحرصون على الاقتداء به كل الحرص، لا يفرقون بين الواجب والمندوب، ولا بين الفعل الشرعى والفعل الجبلى، وإنما يفعلون ما فعل، ويتركون ما ترك، يمتثلون أمره، وإن دلت القرائن على أقل من الواجب، ويجتنبون ما نهى عنه، وإن دلت القرائن على أنه دون الحرام.
إنهم يرون المعصوم ﷺ رسم خطًا، جاء به من عند الله، فالتزموه حبًا وطاعة، ولم يؤولوا، ولم يسوفوا، ولم يهونوا، وإنما امتثلوا على خير وجه، فإنه الدين الذى أمرنا الله به، ورتب السعادة عليه، وأمرنا بالاستقامة التى لا تتفق مع أدنى ميل عنه فقال سبحانه: ﴿فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعمون بصير﴾ (٣) .
وبعد: هذا المعصوم نبيكم ﷺ، وخيار أمتكم ﵃، فكيف أنتم؟ (٤) .
_________________
(١) الآية ١٥٨ الأعراف.
(٢) سبق ذكر بعضها ص١٩ – ٢١.
(٣) الآية ١١٢ هود. وينظر: المدخل إلى السنة النبوية ص٢٤٨، ٢٤٩ بتصرف يسير.
(٤) مقولة قالها الصحابى الجليل أبو سعيد الخدرى ﵁، وأخرجها المروزى فى أول كتابه السنة.
[ ٦٣٥ ]
وإذا كان عمدة الأدلة عند من يذهبون إلى أن السنة المطهرة ليست كلها وحى، أو يذهبون إلى تقسيم السنة إلى سنة تشريعية، وسنة غير تشريعية، إذا كان عمدة أدلتهم جميعًا، اجتهاده ﷺ، وقوله ﷺ: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" فلنحرر القول فى المراد من قوله: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" بعد أن سبق تحرير القول فى اجتهاده ﷺ وعصمته فيه. فإلى نقض دليلهم فى أن السنة المطهرة ليست كلها وحى.
نقض دليل أن السنة المطهرة ليست كلها وحى:
الدليل الأساسى الذى يستند إليه القائلون بأن السنة النبوية ليست كلها وحى؛ وبالتالى يقسمونها إلى سنة تشريعية، وغير تشريعية، هو حديث رسول الله ﷺ الوارد فى قصة تأبير النخل بمختلف رواياته ومنها قوله ﷺ: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" ففى رأى أنصار تقسيم السنة إلى سنة تشريعية وغير تشريعية أنه "لو لم يكن غير هذا الحديث الشريف فى تبيين أن سنته ﷺ ليست كلها شرعًا لازمًا، وقانونًا دائمًا لكفى. ففى نص عبارة الحديث - بمختلف رواياته - تبين أن ما يلزم اتباعه من سنة رسول الله ﷺ إنما هو ما كان مستندًا إلى الوحي فحسب" (١) .
وبالتأمل فى قول بعضهم السابق ترى التصريح بأنهم يعتبرون أن اجتهاده ﷺ ليس من الوحي!.
ولقد صرح بعضهم على ما سبق أن أفعاله الجبلية، وما سبيله الحاجة البشرية من الأكل والشرب والنوم والمشى الخ وما صدر عنه فى المعاملات وشئون الاقتصاد والسياسة، والقضاء والإدارة والحرب الخ من شئون الدنيا التى لا حى فيها (٢) .
_________________
(١) مجلة المسلم المعاصر العدد الافتتاحة ص٣٣ مقال الدكتور محمد العوا (السنة التشريعية وغير التشريعية) .
(٢) يراجع: ص٤١٢ - ٤١٣.
[ ٦٣٦ ]
.. فهل يسندهم ذلك الحديث فى تلك الدعوى الخطيرة؟! أقول: الحديث لا يسندهم فى دعواهم ولا حجة لهم فيه؛ لأن قوله ﷺ: لما مر على قوم يلقحون النخل "ما أظن يغنى ذلك شيئًا" واضح منه أنه كان اجتهادًا منه ﷺ، ولم يرد بذلك صرفهم عما هم فيه؛ بدليل أنهم لما تركوا التأبير، ووصل الخبر إليه ﷺ بين لهم أنه ظن – أى اجتهد – وأنه ما يصح أن يصرفهم الظن – أى الاجتهاد – عن أمر يرونه صوابًا. وتأمل قوله: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنى إنما ظننت ظنًا فلا تؤاخذونى بالظن" فهم غلطوا فى ظنهم أنه نهاهم بوحى، كما غلط من غلط فى ظنه أن الخيط الأبيض والخيط الأسود هو الحبل الأبيض والأسود (١) .
ثم بين لهم رسول الله ﷺ، أنه إذا حدثهم بوحى عن الله تعالى فإنه لن يخطأ فى هذا الوحي.
_________________
(١) حينما نزل قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ جزء من الآية ١٨٧ البقرة، ظن ناس أن المراد أن يظل الصائم يأكل حتى يتبين له الحبل الأبيض من الحبل الأسود، وهذا غلط صححته الآية إذ نزل قوله تعالى "من الفجر" فعلموا أنه إنما يعنى الليل والنهار، وبين لهم ذلك رسول الله ﷺ كما فى صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الصوم، باب قوله (كلوا واشربوا الآية) ٤/١٥٧ رقم ١٩١٧.
[ ٦٣٧ ]
.. وتأمل قوله: "إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإنى لن أكذب على الله تعالى" فالكذب هنا بمعنى "الخطأ" (١) أى: فلن أخطأ فيما أبلغ من وحى الله تعالى؛ ولا يصح أن يكون المراد حقيقة الكذب، لأنه ﷺ معصوم منه، حتى ولو حدث عن غير الله تعالى! إذن فمراده ﷺ، أنه اجتهد، وفى اجتهاده أخطأ؛ بدليل ما جاء فى رواية رافع بن خديج من قوله ﵊: "إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشئ من رأى فإنما أنا بشر".
ولكن: هل هذا الاجتهاد فى قصة تأبير النخل معصوم فيه بوحى؟.
_________________
(١) بدليل ما صح عنه ﷺ من إطلاق هذه اللفظة "الكذب" فى حق بعض أصحابه، ولا يصح حملها على حقيقتها فى حقهم لعدالتهم، وإنما مراده بها "الخطأ" من ذلك قوله صلى الله عليه= =وسلم: "كذب من قال ذلك" فى الرد على ظن أن عامر بن الأكوع قتل نفسه فى غزوة خيبر حيث أصابه سيفه، وهو يبارز "مرحبًا" ملك اليهود. الحديث أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد، باب غزوة خيبر ٦/٤٠٤ رقمى ١٨٠٢، ١٨٠٧ وقوله ﷺ: "كذب أبو النسابل – حبة بن بعكك – ليس كما قال، قد قال قد حللت فانكحى" وذلك فى الرد على أبى السنابل الذى قال لسبيعه بنت الحارث وقد وضعت حملها بعد وفاة زوجها بأيام: إنك لا تحلين حتى تمكثى أربعة أشهر وعشرًا، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: كذب أبو السنابل، ليس كما قال" الحديث أخرجه سعيد بن منصور فى سننه كتاب الطلاق، باب عدة الحامل ١/٣٥٠ رقمى ١٥٠٦، ١٥٠٨، وعلى نحو هذا الاستعمال لكلمة الكذب جاء استعمال الصحابة لها.
[ ٦٣٨ ]
أقول: نعم بدليل قوله بعد ذلك: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه" وقوله: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" حيث صار هذا القول منه اجتهاد بعد اجتهاد (١) وأقره الوحي على اجتهاده الثانى (٢) حيث لم يرد تنبيه أو تصويب ولا حتى عتاب، على هذا الاجتهاد فى القرآن الكريم ولا فى السنة المطهرة، وهو ما يعنى أن رب العزة أقره فى اجتهاده الثانى. أعنى: قوله ﷺ: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه" وقوله: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" وبهذا الإقرار صار اجتهاده هنا فى هذه المسألة وحى من الله تعالى، ولا يجوز مخالفته؛ وهو ما يقر به هنا الخصم حيث استدل بهذا الاجتهاد الثانى على ما يزعم، مع اختلافنا معه فى دلالة الحديث على ما يستدل به.
فالخصم يستدل بقوله ﷺ "أنتم أعلم بأمر دنياكم" على أن ما جاءت به السنة من شئون الدنيا يجوز مخالفته، حيث كل أمة فى زمانها أعلم بهذه الشئون من السنة؟.
كما استدلوا بقوله السابق، على أن ما يصدر عنه ﷺ بوصفه قاضيًا، أو إمامًا ورئيسًا للدولة، سنة غير تشريعية ليست من الوحي؟ فهل هذه المعانى واردة ومرادة فيما استدلوا به؟.
بالقطع لا. فهذه المعانى ونحوها مستبعدة ولا تصح؛ لأن ما أطلقوا عليه سنة غير تشريعية منه الواجب والمحرم والمكروه والمندوب والمباح شرعًا على ما سبق تفصيله (٣) .
_________________
(١) وقد تكرر هذا الاجتهاد منه، واستدراكه باجتهاد آخر على ما سبق فى أمره ﷺ بالتحريق بالنار ثم رجوعه عن ذلك يراجع: نص الحديث وتخريجه ص٤٠٧.
(٢) سيأتى بعد قليل محاولة لالتماس الحكمة فى عدم تدارك رب العزة لهذا الاجتهاد بالتصحيح فى أول مرة.
(٣) يراجع: ص٤١٦ – ٤١٩.
[ ٦٣٩ ]
.. كما أن ما أطلقوا عليه سنة غير تشريعية وضع له الإسلام قرآنا وسنة، أرقى أنواع التشريع، لأن ما يصدر عن القاضى والحاكم ونحو ذلك مما يطلقون عليه سنة غير تشريعية، له علاقة بالأفراد والجماعات وهذه العلاقة تحكمها دائمًا قواعد وضوابط لئلا يحيف بعض الأطراف على بعض؛ فهل يعقل أن الله ﷿ يترك المعاملات من بيع وشراء، وتفصيل الربا، والرهن، والشركة، وغيرها من المعاملات دون تشريع؟.
وهل يعقل أن يترك القاضى ورئيس الدولة ونحوهم دون تشريع ينظم علاقة كل منهما بمن تحت سلطانهم وحكمهم؟!.
وبالجملة: هل يعقل أن يترك البشرية هملًا فى شئون دنياهم يأكل بعضهم مال بعض، ويظلم بعضهم بعضًا تحت عنوان: "أنتم أعلم بشئون دنياكم"؟.
هل يعقل أن يترك الله تعالى رسالة الإسلام (قرآنًا وسنة) بما فيها من عقيدة وشريعة، ودين ودنيا، لرسول الله ﷺ دون رقابة أو تصحيح؟ فيخطئ، فتعمل الأمة مجتمعة بالخطأ أكثر من خمسة عشر قرنًا حتى يبعث الله لها من يرعى مصالحها، أو يزعم أنه أعلم بمصالحها، ويخالف حكم رسول الله ﷺ فيما جاء به من تشريعات فى شئون الدنيا؟ أظن أن العقل المسلم السليم يستبعد ذلك كل الاستبعاد.
ومن هنا فلا يصح أن يكون المعنى فى قوله ﷺ: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" أن كل فرد أو أمة أعلم من غيرها بشئون ومصالح نفسها فى الأمور الدنيوية؛ لأن هذا المعنى وإن صح فى المباحات، فلا يصح فى الواجبات والمحرمات، فالشرع وحده هو الذى حددها على أنها مصلحة بناء على سبق علمه الذى خلق.
[ ٦٤٠ ]
.. ثم إن هذا المعنى لا يتناسب مع القصة؛ فكما قلت: رسول الله ﷺ اجتهد فى عدم تأبير النخل، وخالف اجتهاده الصواب، فجاء التصحيح لما اجتهد فيه بقوله: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" والمراد: أنتم أيها الذين تلقحون النخل ومن على شاكلتكم من أهل الصناعات والمهارات والخبرات أعلم بصنائعكم منى. وممن ليس من أهل الصناعات، والكلام على التوزيع، على معنى: أن كل أهل صنعة أعلم بها ممن ليسوا من أهلها، كما يقال: أهل مكة أدرى بشعابها.
ويصح أن يكون المعنى أيضًا: أنتم أيها الذين تلقحون النخل أعلم بما يصلح النخل منى وممن لا علم له بالزراعة، أى أنتم أعلم بشئون دنياكم هذه التى تباشرونها، والتى لم تنجح فيها مشاورتى الاجتهادية، أعلم منى ومن مثلى، فالحديث على هذا واقعة عين أو واقعة حال، لا يستدل بها على غيرها أصلًا.
وعلى كل حال لا يصح الاستدلال بالحديث على إباحة التغيير فى المعاملات (١) أو غيرها من شئون الدنيا التى أطلقوا عليها سنة غير تشريعية. لأن الحديث – كما رأيت – تطرق إليه أكثر من احتمال فى معناه، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.
بقى سؤال يطرح نفسه، وربما يثور فى نفوس البعض وهو: لماذا ألهم الله رسوله ﷺ، أن يشير عليهم بهذه الإشارة مع أنها لم تكن فى مصلحتهم؟.
ولماذا جعلهم الله يستسلمون لمجرد الإشارة، وهم المعرفون بالمراجعة والنقاش وكثرة السؤال؟.
_________________
(١) يقول فضيلة الدكتور موسى شاهين: "إدخال المعاملات الممنوعة شرعًا تحت هذا الحديث هو الذى لم نسمع به من قبل، ولم يسبق به الدكتور عبد المنعم النمر على مدى علمى، وأرجو ألا يتبعه فى ذلك أحد" أهـ ينظر: السنة والتشريع ص٣٤.
[ ٦٤١ ]
.. ولماذا لم يتدارك الله هذا الاجتهاد بالتصحيح قبل أن تنتج شيصًا للمسلمين يسخر منه اليهود، وأعداء الإسلام حين يصح نخلهم، ويسوء نخل المسلمين بسبب مشورة نبيهم ﷺ؟.
الجواب: عن ذلك فى محاولة تلمس حكمة لهذه القصة، فإن حصلت بها قناعة واطمئنان فالحمد لله، وإلا فنحن مؤمنون أرسخ الإيمان بأن لله ﷿ فى ذلك حكمة، وهو الحكيم الخبير. ولعل الحكمة فى ذلك تدور حول ثلاث أمور:
أولًا: صرف بلاء الأعداء عن المؤمنين الذين لم تقو شوكتهم بعد: ألم يكن هذا من الجائز أن يطمع الكافرون فى المدينة وتمرها، فيهاجموها من أجل نزول رسول الله ﷺ فيها؟ فخروج التمر شيصًا جعلها غير مطمع، وصرف الله بذلك هجوم الكافرين حتى يستعد المؤمنون؟ احتمال.
ثانيًا: تعليمهم الأخذ بأسباب الحياة بهذا الدرس العملى الذى كان قاسيًا عليهم فتنافسوا بعده فى أسباب الحياة.
ثالثًا: اختبارهم فى صدق إيمانهم، فهذه القصة حتى اليوم فى هذا البحث ابتلاء واختبار، وقد نجح الصحابة ﵃ فى هذا الاختبار القاسى، وهم فى أول الإيمان، نجاحًا باهرًا، فقد استمروا فى طاعة أوامره ﷺ، ولم يرد إلينا ردة أحد بسببها، بل لم يرد عتاب أحد منهم لرسول الله ﷺ عليها رغم خسارتها، مما يشهد لهم بالإيمان الصادق المتين (١) ولعل تلك الحكمة الأخيرة هى أوجه الحكم فى هذه القصة. والله أعلم بحكمته أهـ.
وصلى الله وسلم وبارك على المعصوم
الهادى الأمين، ورزقنى الله حبه، ونصرته
_________________
(١) استفدت جل ما ورد فى نقض دليل أن السنة ليست كلها وحى من "السنة والتشريع" لفضيلة الدكتور موسى شاهين ص٣٢ – ٤٧ بتصرف. وينظر: للاستزادة، السنة تشريع لازم ودائم للدكتور فتحى عبد الكريم ص٣٢، ٣٣، والأنوار الكاشفة لعبد الرحمن اليمانى ص٢٧ – ٤٠، والمدخل إلى السنة للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص٣٧ – ٣٩.
[ ٦٤٢ ]
واتباعه، وشفاعته
[ ٦٤٣ ]