روى الإمام البخارى فى صحيحه بسنده عن أنس ﵁ قال: "جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله ﷺ، ومعها صبى لها، فكلمها رسول الله ﷺ، فقال: "والذى نفسى بيده، إنكم أحب الناس إلى مرتين" (١) .
_________________
(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مناقب الأنصار، باب قول النبى ﷺ للأنصار أنتم أحب الناس إلى ٧/١٤٢ رقم ٣٧٨٦، وكتاب النكاح، باب ما يجوز أن يخلو الرجل بامرأة عند الناس ٩/٢٤٤ رقم ٥٢٣٤، وكتاب الإيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبى ﷺ ١١/٥٣٤ رقم ٦٦٤٥، ومسلم (بشرح النووى) كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل الأنصار ﵃ ٨/٣٠٦ رقم ٢٥٠٩.
[ ٦٦١ ]
.. بهذه الرواية طعن أعداء السيرة العطرة فى صحيح الإمام البخارى، وأوهموا القارئ بأن الحديث يطعن فى عصمة رسول الله ﷺ فى سلوكه، وفى خلقه العظيم، حيث جاء فى الرواية أنه ﷺ، خلا بامرأة، ثم قال: "إنكم أحب الناس إلى".
يقول أحمد صبحى منصور: "والرواية تريد للقارئ أن يتخيل ما حدث فى تلك الخلوة التى انتهت بكلمات الحب تلك، وذلك ما يريده البخارى بالطبع" (١) .
والجواب:
أولًا: أقول لهؤلاء النابتة الضالة التى تريد الطعن والتشكيك فى صحيح الإمام البخارى، لتسقط مكانته كأصح كتاب بعد كتاب الله ﷿، ولتسقط بسقوطه كل كتب السنة التى تليه، إذ هو بمثابة الرأس، لكتب السنة، وبسقوط الرأس يسقط كل الجسد.
أقول لهم: إن كنتم صادقين فى دعواكم تنزيه الرسول ﷺ، مما يشكك فى سيرته العطرة، وأخلاقه العظيمة، وعصمته فى سلوكه، وتزعمون أن البخارى بإخراجه لهذه الرواية فى صحيحه قد افترى كذبًا على الرسول ﷺ، وشكك فى أخلاقه وعصمته ﷺ - وعصم الله عزوجل - البخارى وغيره من أئمة السنة من ذلك.
وإن كنتم حقًا أهل علم، وبحث عن الحقيقة فلماذا تعمدتم عدم ذكر اسم عنوان الباب الذى ذكر تحته الإمام البخارى هذا الحديث؟ وهو باب "ما يجوز أن يخلوا الرجل بالمرأة عند الناس".
ولماذا تجاهلتم ما قاله شراح الحديث فى بيانهم للمراد من الخلوة، وكيف كانت تلك الخلوة، ولماذا اختلى بها النبى ﷺ؟.
_________________
(١) لماذا القرآن ص٩١، ٩٢، وقراءة فى صحيح البخارى ص٢٢، كلاهما لأحمد صبحى منصور، وينظر: دين السلطان لنيازى عز الدين ص٣٩، ٦٤، ٣٠٩، ودفع الشبهات عن الشيخ الغزالى لأحمد حجازى السقا ص٢١٠.
[ ٦٦٢ ]
نعم تعمدتم عدم ذكر ذلك تلبيسًا منكم وتضليلًا للقارئ، ولأنكم تعلمون كما تعلم الدنيا بأسرها، أن فقه الإمام البخارى فى تراجم أبوابه، التى أعيا فحول العلماء حل ما أبداه فى هذه العناوين من أسرار! إنكم تعلمون أنكم بذكركم عنوان الباب، ينكشف سريعًا كذبكم وتضليلكم! كما أنكم تجاهلتم ما قاله شراح الحديث من أئمة المسلمين، والذين تحرصون على وصفهم بأنهم يقدسون البخارى، ويعبدونه من دون الله "وعصمهم الله من ذلك" تجاهلتم ما فسروه وبينوه من معنى "خلوة الرجل بالمرأة عند الناس" وكيف كانت تلك الخلوة؟.
والنتيجة من تجاهلكم كل ذلك أنكم سفهتم عقول أئمة المسلمين، واستخففتم بعقل القارئ لكم.
ثانيًا: تعالوا بنا لنظهر للقارئ ما حرصتم على كتمانه؛ ولنترك له الحكم بعد ذلك؛ فيمن الصادق البخارى أم أنتم؟ ومن الطاعن والمشكك فى عصمة النبى ﷺ البخارى أم أنتم؟ ومن المحترم لعقل القارئ البخارى أم أنتم؟.
يقول الحافظ ابن حجر – ﵀ – شارحًا المراد من عنوان الباب الذى ذكر الإمام البخارى تحته حديث أنس. قال: قوله: "باب ما يجوز أن يخلوا الرجل بالمرأة عند الناس" أى: لا يخلوا بها بحيث تحتجب أشخاصهما عنهم، بحيث لا يسمعون كلامهما، إذا كان مما يخافت به؛ كالشئ الذى تستحى المرأة من ذكره بين الناس، وأخذ المصنف قوله فى الترجمة: "عند الناس" من قوله فى بعض طرق الحديث "فخلا بها فى بعض الطرق أو فى بعض السكك" وهى: الطرق المسلوكة التى لا تنفك عن مرور الناس غالبًا.
وقوله: "فخلا بها رسول الله ﷺ" أى: فى بعض الطرق، ولم يرد أنس أنه خلا بها بحيث غاب عن أنصار من كان معه، وإنما خلا بها، بحيث لا يسمع من حضر شكواها، ولا ما دار بينهما، من الكلام، ولهذا سمع أنس آخر الكلام فنقله، ولم ينقل ما دار بينهما، لأنه لم يسمعه.
[ ٦٦٣ ]
.. وفى رواية مسلم عن أنس: "أن امرأة كان فى عقلها شئ، فقالت: يا رسول الله! إن لى إليك حاجة، فقال: يا أم فلان! أى السكك شئت، حتى أقضى لك حاجتك، فخلا معها فى بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها" (١) .
قال الإمام النووى – ﵀ – قوله: "خلا معها فى بعض الطرق" أى: وقف معها فى طريق مسلوك، ليقضى حاجتها، ويفتيها فى الخلوة، ولم يكن ذلك من الخلوة بالأجنبية، فإن هذا كان فى ممر الناس، ومشاهدتهم إياه وإياها، لكن لا يسمعون كلامها، لأن مسألتها مما لا يظهره" (٢) .
ومن هنا استفاد الأئمة من هذه الرواية: "أن مفاوضة الأجنبية سرًا لا يقدح فى الدين عند أمن الفتنة، ولكن الأمر كما قالت عائشة ﵂، "وأيكم يملك أربه كما كان ﷺ يملك أربه" (٣) قلت: وإيانا أيضًا معصوم كعصمته ﷺ!.
ثالثًا: ليس فى قوله: "إنكم أحب الناس إلى – مرتين – وفى رواية: ثلاث مرات" ما يطعن فى عصمته ﷺ فى سلوكه وهديه، لأن هذه الكلمة قالها النبى ﷺ جهارًا على ملأ من الناس لنساء وصبيان من الأنصار كانوا مقبلين من عرس.
_________________
(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب قرب النبى ﷺ من الناس وتبركهم به ٨/٩٠ رقم ٢٣٢٦، وأبو داود فى سننه كتاب الأدب، باب الجلوس فى الطرقات ٤/٢٥٧ رقمى ٤٨١٨، ٤٨١٩.
(٢) المنهاج شرح مسلم للنووى ٨/٩١ رقم ٢٣٢٦.
(٣) سيأتى تخريجه ص٤٧٣ وينظر: فتح البارى ٩/٢٤٥ رقم ٥٢٣٤.
[ ٦٦٤ ]
.. يدل على ذلك ما أخرجه البخارى عن أنس بن مالك ﵁ قال: أبصر النبى ﷺ، نساءًا وصبيانًا مقبلين من عرس فقام ممتنًا فقال: "أنتم من أحب الناس إلى" (١) وهو على طريق الإجمال، أى: مجموعكم أحب إلى من مجموع غيركم.
فالكلمة إذن لم يقلها رسول الله ﷺ مغازلًا للمرأة الأنصارية التى اختلى بها ليقضى حاجتها؛ كما يحاول أن يزعم، ويستنتج أعداء الإسلام! وإنما قالها ﷺ، خطابًا لمجموع الأنصار. وتأمل قوله: "إنكم" ولم يقل "إنك".
وليس أدل على ما سبق أن الراوى للحديث أنس بن مالك، سمع هذه الجملة "إنكم أحب الناس إلى" وسمع كم مرة كررها رسول الله ﷺ فإذا كانت الكلمة مقصودًا بها المغازلة؛ فلم جهر بها ﷺ حتى سمعها أنس؟!.
ولم لم يسر بها حتى لا يسمعها أنس إن كان مقصودًا بها ما يزعمه أعداء عصمته ﷺ؟.
_________________
(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مناقب الأنصار، باب قول النبى ﷺ للأنصار: أنتم أحب الناس إلى ٧/١٤٢ رقم ٣٧٨٥، وكتاب النكاح، باب ذهاب النساء والصبيان إلى العرس ٩/١٥٦ رقم ٥١٨٠.
[ ٦٦٥ ]
.. إن هذه الجملة: "إنكم أحب الناس إلى" قالها المعصوم ﷺ: منقبة للأنصار، حيث جعل حبهم من علامات الإيمان، وبغضهم من علامات النفاق، فقال ﷺ: "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله" (١) وفى رواية: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار" (٢) .
قال الحافظ ابن حجر: وخصموا بهذه المنقبة العظمى، لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النبى ﷺ، ومن معه، والقيام بأمرهم، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم إياهم فى كثير من الأمور على أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك موجبًا لمعاداتهم، جميع الفرق الموجودين من عرب وعجم، والعداوة تجر البغض، ثم كان ما اختصوا به مما ذكر موجبًا للحسد، والحسد يجر البغض، فلهذا جاء التحذير من بغضهم، والترغيب فى حبهم، حتى جعل ذلك آية الإيمان والنفاق، تنويهًا بعظيم فضلهم، وتنبيهًا على كريم فعلهم، وإن كان من شاركهم فى معنى ذلك مشاركًا لهم فى الفضل المذكور، كل بقسطه" (٣) .
_________________
(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مناقب الأنصار، باب حب الأنصار من الإيمان ٧/١٤١ رقم ٣٧٨٣، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعلى ﵃ من الإيمان وعلاماته، وبغضهم من علامات النفاق ١/٣٤٠ رقم ٧٥ من حديث البراء بن عازب ﵁.
(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى الأماكن السابقة نفسها برقم ٣٧٨٤، وفى كتاب الإيمان، باب علامة الإيمان حب الأنصار ١/٨٠ رقم ١٧، ومسلم (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها برقم ١٢٨ من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٣) فتح البارى ١/٨١ رقم ١٧.
[ ٦٦٦ ]
.. وبعد: فقد ظهر واضحًا جليًا لكل ذى عقل، وقلب سليم، أن الحديث صحيح رواية ودراية، وأن ما زعمه أهل الزيغ من أن لفظ الخلوة فى الحديث محمول على الخلوة المحرمة؛ مردود عليهم بما جاء فى بعض طرق الحديث "فخلا بها فى بعض الطرق أو بعض السكك" وهى الطرق التى لا يخلو منها المارة من الناس.
كما اتضح جليًا أن تلك المرأة التى خلى بها النبى ﷺ، كانت لها مسألة أرادت أن تستفتى فيها النبى ﷺ، وتلك المسألة مما تستحى من ذكره النساء بحضرة الناس، وكانت إجابة النبى ﷺ لها أن تلتمس بعض الطرق أى تلتمس أى جانب من الأماكن العامة التى لا تخلو من مرور الناس غالبًا حتى يسمع حاجتها، ويقضيها لها، وكل هذا صرحت به رواية الإمام مسلم من حديث أنس، راوى الحديث الذى طعنوا فيها من رواية البخارى! ليقطع لسان كل فاجر، ويدفع افتراء كل آثم يطعن فى عصمته ﷺ.
وما ختم به النبى ﷺ، حديثه مع المرأة من قوله: "والذى نفسى بيده إنكم أحب الناس إلى" هذا منه ﷺ، تأكيدًا لما قاله مرارًا من جعله علامات الإيمان حب الأنصار، ومن علامات النفاق بغضهم، ثم إن هذه الكلمة قالها رسول الله ﷺ جهارًا على ملأ من الناس، لنساء وصبيان من الأنصار كانوا مقبلين من عرس، كما سبق من حديث أنس عند البخارى.
فهل بقى بعد كل هذا حجة فى الحديث لمن أرادوا أن يشوشوا به على عصمة سيدنا رسول الله ﷺ فى سلوكه، وفى خلقه العظيم؟! وهم يوهمون البسطاء أنهم من المحبين للنبى ﷺ، المدافعين عنه، فى الوقت الذى يجحدون فيه سنته العطرة، ويطعنون فى عدالة الإمام البخارى، وفى صحيحه الجامع، ويسفهون عقول المسلمين القائلين بقول سلفهم الصالح ﵃، ويستخفون بعقل من يقرئ لهم!.
[ ٦٦٧ ]
.. وبالجملة: أيخشى عاقل، فضلًا عن مؤمن من رسول الله ﷺ، على زوجه، أو ابنته، أو أمه، وهو الذى لم يستطيع كافر أو جاحد، أن يلمس هذا الجانب فى حقه؟.
وقد قال الله تعالى فى حقه: ﴿النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ (١) إن رسول الله ﷺ، مؤتمن على الوحي، وحامل الرسالة، والأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، ولا يثير مؤمن فضلًا عن عاقل مثل ما أثاره أعداء السنة المطهرة فى حديثنا هذا، للإيمان بعصمته ﷺ من الشيطان. وإن ما طنطن به أعداء عصمته ﷺ، يشبه ما طنطنوا به فى قصة أخرى، وكذبوا البخارى فيها، لأنه رواها، وهى قصة أم سليم وأم حرام ﵄.
فإلى بيان شبهتهم فى ذلك والرد عليها فى الفصل التالى
_________________
(١) الآية ٦ الأحزاب.
[ ٦٦٨ ]