تشبث بعض المستشرقين وأبواقهم المقلدون لهم بما ذكره بعض كتاب السيرة النبوية، وجماعة من المفسرين، وطوائف من المحدثين فى كتبهم، بأقصوصة "الغرانيق" وألصقوها بهجرة الحبشة، وجعلوها سببًا لعودة المهاجرين الأولين إلى مكة.
وهى أقصوصة مختلقة، باطلة فى أصلها وفصلها، وأكذوبة خبيثة فى جذورها وأغصانها، واتخذ أعداء الإسلام منها سلاحًا للطعن فى عصمة رسول الله ﷺ، من تسلط الشيطان عليه، وعصمته فى بلاغه لوحى الله تعالى.
_________________
(١) الآية ١٣ الشورى.
(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأنبياء، باب واذكر فى الكتاب مريم ٦/٥٥٠ رقم ٣٤٤٣، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى ابن مريم ٨/١٣٠ رقم ٢٣٦٥ من حديث أبى هريرة.
(٣) النهاية ٣/٢٦٣، وينظر: الفائق فى غريب الحديث ٣/٤٤، والمنهاج شرح مسلم ٨/١٣٢ رقم ٢٣٦٥.
[ ٤٦٢ ]
.. ورغم أن علماء المسلمين قديمًا وحديثًا بينوا بأوضح ما يكون البيان زيفها وبطلانها؛ إلا أنك تجد من ينتصر لهذه الفرية، ويطبل لها ويزمر من المستشرقين والمبشرين (١) وكذا أبواقهم المقلدون لهم الذين زادوا على أعداء الإسلام الطعن فى رواة السنة الشريفة والكذب عليهم بأنهم يصححون هذه الأكذوبة.
يقول نيازى عز الدين (٢): "بعد نزول الآية: ﴿أفرأيتم اللات والعزى﴾ (٣) ألقى الشيطان نتيجة لتمنى الرسول ﷺ، ألا ينزل الله تعالى ما يغضب قومه من قريش، لأنه كان يطمع بإسلام بعض وجهائهم، فألقى الشيطان فى أمنية الرسول وفى ذهنه بعض الكلمات، فاعتقد أنها من الوحي، فطلب من كتبه الوحي تسجيله وكتابته فى نص القرآن الكريم (٤) وكانت كما يلى: "أفرأيتم اللات والعزى، تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى" فسر القرشيون من المشركين بذلك، وسجدوا مع الرسول فى الصلاة، ولكن بعد فترة نزل جبريل، وعاتب الرسول، وصحح الآية، ناسخًا ما ألقى الشيطان" (٥) .
_________________
(١) ينظر: الإسلام لألفريد هيوم ص٣٥، ٣٦، وتاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان ص٣٤.
(٢) كاتب سورى معاصر، هاجر إلى أمريكا، من مؤلفاته: إنذار من السماء، ودين السلطان – الذى زعم فيه أن السنة المطهرة، وضعها أئمة المسلمين، من الفقهاء والمحدثين، لتثبيت ملك السلطان، ويصرح بأنه – أى السلطان – معاوية بن أبى سفيان ﵁، ويصرح بأن فقهاء المسلمين ومحدثيهم قديمًا، هم جنود السلطان وصار على دربهم علماء المسلمين إلى يومنا هذا.
(٣) الآية ١٩ النجم.
(٤) قوله: اعتقاد الرسول بأنها من الوحي، فطلب الخ، هذه زيادة كاذبة منه على رسول الله فوق كذب القصة.
(٥) إنذار من السماء ص٤٣٧.
[ ٤٦٣ ]
.. ويكرر فى موضع آخر الطعن فى عصمة رسول الله ﷺ، فى البلاغ، وفى عصمته من الشرك، ومن تسلط الشيطان عليه، بتفسير آيات النهى عن الشرك، والنهى عن اتخاذ إله آخر مع الله ﷿، بأنها خطاب من الله ﷿ لرسوله مرة ثانية عن قصة الغرانيق، وكأن حال لسانه يقول: قصة الغرانيق صحيحة، وبصحتها أشرك رسول الله، واتخذ إلهًا آخر، وتأمل كلامه بعد أن سبقه بذكر الآيات التالية قوله تعالى: ﴿ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿ولا تدع مع الله إلهًا آخر لا إله إلا هو كل شئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون﴾ (٢) يقول: "فمن معانى الآيات يتبين أن الله تعالى يكلم الرسول مرة أخرى عن قصة الغرانيق، وأن شفاعتهن لترجى، ويوضح له كيف ألقاها الشيطان إلى لسانه، فأدخلها الرسول خطأ فى القرآن، إلى أن أتى جبريل، ونبهه على الموضوع، فنسخ تلك الآيات وأتى بدلًا عنها بخير منها: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثلاثة الأخرى. ألكم الذكر وله الآنثى﴾ (٣) وبين الله تعالى أسباب ذلك فى الآية: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم﴾ (٤) .
_________________
(١) الآية ٨٧ القصص.
(٢) الآية ٨٨ القصص، ويراجع: ما سبق فى توجيه هذه الآية وما قبلها ص١٢٩ – ١٣٨.
(٣) الآيات ١٩ – ٢١ النجم.
(٤) الآية ٥٢ الحج. وينظر: إنذار من السماء ص٥٢٣.
[ ٤٦٤ ]
أولا: إن هذه الأقصوصة المختلقة تنافى ما هو مقطوع به
ثانيا: قيام الأدلة القطعية من القرآن الكريم على بطلانها
.. ويحاول بعض الشيعة الطعن فى السنة النبوية وأهلها، وعلى رأسهم الإمام البخارى وصحيحه بإيهام القارئ أن فرية الغرانيق موجودة فى صحيح البخارى. إذ يقول جعفر مرتضى العاملى بعد أن ذكر فرية الغرانيق قال: "وأضاف البخارى سجود الإنس والجن إلى مجموع المسلمين والمشركين" (١) ويكذب أحمد حجازى السقا (٢) قائلًا: "فما تقول فى قصة الغرانيق المروية فى كتب الصحاح" (٣) ولم يبين لنا ما هى كتب الصحاح التى روت تلك الفرية؟!.
ويجاب عن هذه الفرية، وما اشتملت عليه من افتراءات أخرى بما يلى:
أولًا: إن هذه الأقصوصة المختلقة تنافى ما هو مقطوع به من عصمة رسول الله ﷺ، فى عقيدته من الشرك والشك والضلال والغفلة، وعصمته من تسلط الشيطان عليه، وكذا عصمته من الخطأ والسهو فى أمر التبليغ، وهو ما قام عليه إجماع الأمة، والأدلة القطعية من الكتاب والسنة، والسيرة العطرة، على ما سبق تفصيله (٤) .
ثانيًا: قيام الأدلة القطعية من القرآن الكريم على بطلانها، وأقرب دليل يشير إلى فساد هذه القصة ما يلى:
_________________
(١) الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٣/١٣٨، وينظر: أبو هريرة لعبد الحسين شرف الدين ص١١٦، ودفاع عن السنة المحمدية أو الخطوط الطويلة لمحمد بن على الهاشمى ص١٢، ٤١.
(٢) كاتب مصرى معاصر، حصل على العالمية فى الدعوة من جامعة الأزهر، ورفض الأزهر تعيينه بالجامعة، من مؤلفاته التى شكك فيها فى مكانة السنة النبوية، كتابيه دفع الشبهات عن الشيخ الغزالى، وحقيقة السنة النبوية، وغيرهما.
(٣) دفع الشبهات عن الشيخ الغزالى ص٣٠.
(٤) يراجع: دلائل عصمته ﷺ فى عقله ص٤٨، والجواب عن شبهاتهم من القرآن على عدم عصمته ﷺ ص١١٣، ودلائل عصمته ﷺ فى نقل الوحي وتبليغ الرسالة من خلال القرآن والسنة والسيرة ص٢٦٤.
[ ٤٦٥ ]
١- ما ذكره رب العزة فى أول سورة النجم، مؤكدًا بالقسم على عصمة نبيه ﷺ، فى تبليغ وحيه، وأنه لا يخرج كلامه عن الحق، قال تعالى: ﴿والنجم إلى هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى﴾ (١) فكيف ينتظم هذا مع ذكر فى نفس السورة من نطقيه ﷺ عن الهوى؟ بل وترديده ما يلقيه إليه الشيطان، على أنه آيات قرآنية إلهية؟! هذا مع قوله تعالى: ﴿ولو تقول عليه بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ (٢) . فها هو يتقول عليه، ولا يفعل به شيئًا؟ هل يعقل هذا؟!.
وإذا كانت هذه الآيات من سورة الحاقة، قد نزلت بعد سورة النجم، فإن ذلك لا يضر؛ مادامت الآية تعطى قاعدة كلية، ولا تشير إلى قضية خارجية خاصة، والقاعدة الكلية هنا: عصمته ﷺ فيما يبلغ عن ربه ﷿.
٢- ما جاء فى نفس السورة بعد الموضع الذى زعموا أنه ذكرت فيه الفرية من ذم أصنام المشركين "مناة، واللات، والعزى" والإنكار على عابديها، وجعلها أسماء لا مسمى لها، وأن التمسك بعبادتها أوهام وظنون. قال تعالى: ﴿إن هى إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾ (٣) .
فلو أن القصة صحيحة لما كان هناك تناسب بينها، وبين ما قبلها وما بعدها، ولكان النظم مفككًا، والكلام متناقضًا. وكيف يطمئن إلى هذا التناقض السامعون، وهم أهل اللسان والفصاحة، وأصحاب عقول لا يخفى عليها مثل هذا، ولاسيما أعداؤه الذين يلتمسون له العثرات والزلات.
_________________
(١) الآيات ١-٤ النجم.
(٢) الآيات ٤٤ – ٤٧ الحاقة.
(٣) الآية ٢٣ النجم.
[ ٤٦٦ ]
.. فلو أن ما روى كان واقعًا لشغب عليه المعادون له، ولارتد الضعفاء من المؤمنين، ولثارت ثائرة مكة، ولاتخذ منه اليهود بعد الهجرة متكئًا يستندون إليه فى الطعن على النبى ﷺ، والتشكيك فى عصمته، ولكن شيئًا من ذلك لم يكن.
٣- إن بعض الروايات الواردة فى القصة ذكرت أن فيها نزل قوله تعالى: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذًا لاتخذوك خليلًا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا﴾ (١) .
وهاتان الآيتان، حتى لو لم تكونا سبب النزول، فهما تردان القصة؛ لأن الله ذكر أنهم كادوا يفتنونه، ولولا أن ثبته لكاد أن يركن إليهم، ومفاداه أن الفتنة لم تقع، وأن الله عصمه وثبته حتى لم يكن يركن إليهم، فقد انتفى قرب الركون فضلًا عن الركون. فالأسلوب القرآنى جاء على أبلغ ما يكون فى تنزيه ساحته ﷺ عن ذلك، وهم يرون فى أخبارهم الواهية، أنه زاد على الركون، بل افترى بمدح آلهتهم، وهذا ينافى ما تدل عليه الآية، وهو توهين للخبر لو صح، فكيف ولا صحة له؟ (٢) .
٤- وقال تعالى: ﴿قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصًا له الدين. وأمرت لأن أكون أول المسلمين. قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم. قل الله أعبد مخلصًا له دينى. فاعبدوا ما شئتم من دونه﴾ (٣) . وتأمل الأسلوب الإنكارى التوبيخى فى قوله ﴿فاعبدوا ما شئتم﴾ وهى أشد من مجرد مدح الأصنام.
_________________
(١) الآيتان ٧٣، ٧٤ الإسراء، وينظر: جامع البيان لابن جرير ١٧/١٣١.
(٢) الشفا ٢/١٢٧، ١٢٨ بتصرف، وينظر: السيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة للدكتور محمد أبو شهبة ١/٣٧١، ٣٧٢، وحياة محمد للدكتور محمد هيكل ص١٤٤.
(٣) الآيات ١١ – ١٥ الزمر.
[ ٤٦٧ ]
ثالثا: مخالفة القصة لحقائق تاريخ السيرة العطرة
.. فكل هذه الآيات وغيرها مما سبق ذكره فى مواضع عصمته ﷺ (١) مما يكذب هذه القصة، ويظهر زيفها ووضعها على رسول الله ﷺ.
ثالثًا: مخالفة القصة لحقائق تاريخ السيرة العطرة، إذ أن سورة النجم تحمل الحديث عن المعراج، وكان المعراج بعد السنة العاشرة من البعثة باتفاق، أما قصة الغرانيق هذه فإن رواياتها تبين أنها كانت فى السنة الخامسة للبعثة، إبان الهجرة الأولى للحبشة، فى رمضان منها؛ وهذا مما يؤكد بطلان تلك المرويات، ويحقق كذبها ووضعها على رسول الله ﷺ. يضاف إلى ذلك أن الرسول ﷺ قبل إسلام عمر ﵁، ما كان يصلى عند الكعبة جهارًا نهارًا آمنًا أذى المشركين له، حتى كانوا ربما مدوا أيديهم إليه، وإنما كان يصلى إذا خلا المسجد منهم، وعمر ﵁ قد أسلم فى السنة السادسة، وهذه فى الخامسة، وبذلك يبطل هذا القول، وهو صلاته بحضورهم على هذه الهيئة. ومن المعلوم أن معاداتهم لرسول الله ﷺ، كانت أعظم من يقروا بهذا القدر من القراءة، دون أن يقفوا على حقيقة الأمر؛ فكيف أجمعوا على أنه عظم آلهتهم حتى خروا سجدًا دون أن يتحققوا ذلك منه ﷺ (٢) .
_________________
(١) يراجع: ص١١٣ - ١٨١.
(٢) الفصول الزكية فى سيرة خير البرية للدكتور عبد الموجود عبد اللطيف ص٢٨٤، ٢٨٥.
[ ٤٦٨ ]
رابعا: ذهب جماهير علماء الأمة من المحدثين
رابعًا: ذهب جماهير علماء الأمة من المحدثين، ومن المحققين الذين جمعوا بين المعقول والمنقول إلى إنكار القصة، والجزم بوضعها واختلاقها (١) وإليك نماذج من أقوالهم:
_________________
(١) القصة أخرجها ابن جرير الطبرى فى تفسيره جامع البيان ١٧/١٨٦، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨/٢٥٠٠ رقم ١٣٩٩٨، وابن المنذر، ثلاثتهم من طرق عن سعيد بن جبير مرسلًا، ووصلها البزار فى مسنده، وكذا الطبرانى، وابن مردويه، والضياء فى المختار ة من طريق آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقال ابن جبير فيما أحسب، شك فى أن القصة بمكة، وأخرجه النحاس بسند فيه الواقدى عن ابن عباس، وابن مردويه من طريق الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس، وابن جرير فى تفسيره ١٧/١٨٦ من طريق العوفى عنه، وعن محمد بن كعب القرظى، ومحمد بن قيس، وأبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبى العاليه، وكلها مرسلة، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨/٢٥٠٢ رقم ١٤٠٠٣، عن السدى، وموسى بن عقبة فى المغازى عن الزهرى، ومن طريق موسى بن عقبة أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٢/٢٨٥، ورواها الطبرانى مرسلة عن عروة بن الزبير، وفى سنده ابن لهيعة، ولا يحتمل هذا منه، كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/٧٢. وينظر: ٦/٣٢ – ٣٤، والمعنى فى الروايات السابقة كلها للقصة واحد، كما قال الحافظ فى فتح البارى كتاب التفسير، باب سورة الحج ٨/٢٩٣، وينظر: مناهل الصفا فى تخريج أحاديث الشفا للسيوطى ص٢٢١.
[ ٤٦٩ ]
قال القاضى عياض: "إن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون، المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم ومن حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين التابعين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها، ضعيفة واهية، والمرفوع فيه حديث ابن عباس (١) وضعفه الأئمة أيضًا. ثم نقل القاضى عن الحافظ البزار قوله: "هذا الحديث – أى فرية الغرانيق – لا نعلمه يروى عن النبى ﷺ، بإسناد متصل يجوز ذكره إلا بهذا الإسناد وهو: "يوسف بن حماد، عن أمية بن خالد، عن شعبة، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال ابن جبير: فيما أحسبه". وضعفه الإمام البزار بما يلى:
تفرد أمية بن خالد بنقل هذا الحديث مسندًا عن شعبة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وغير أمية بن خالد يرويه مرسلًا عن سعيد بن جبير عن النبى ﷺ، ومن غير ذكر ابن عباس.
وقوع الشك فى حديث شعبة، فسعيد بن جبير، وإن كان معتمدًا لكن تردد أن النبى ﷺ، كان بمكة فى هذه القضية، أو بغيرها.
رواية الكلبى لهذا الحديث عن أبى صالح عن ابن عباس، مضعفة أيضًا بأن الكلبى غير ثقة، وأن أبا صالح لم يسمع من ابن عباس، ففيها انقطاع، والمنقطع من أقسام الضعيف (٢) فلا يحتج به (٣) .
_________________
(١) الشفا ٢/١٢٥، ١٢٦، وقال بقوله الإمام القسطلانى صاحب المواهب اللدنية، وشارحه الزرقانى ٢/١٥ فى فاتحة كلامهما، ثم ذهبا إلى ما ذهب إليه ابن حجر، وسيأتى بيان كلام ابن حجر والتعقيب عليه أهـ.
(٢) وإذا كان من العلماء من يحتج بالضعيف إذا كثرت طرقه، وبناء عليه يعتمد حديث الغرانيق كابن حجر، فإنا سنعرف رأيه، ثم نناقشه فيه بعد قليل.
(٣) نسيم الرياض فى شرح الشفا للخفاجى ٤/٨٧، وينظر: الشفا ٢/١٢٦.
[ ٤٧٠ ]
قال القاضى عياض: "فقد بين لك أبو بكر البزار ﵀ أنه لا يعرف من طريق يجوزه ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه، مع وقوع الشك فيه الذى لا يوثق به ولا حقيقة معه" (١) .
قلت: وفى ذلك رد على قول الإمام السيوطى فى رواية ابن عباس الموصولة، بأن إسنادها جيد (٢) زد على ذلك ما نقله القاضى عن القاضى بكر بن العلاء المالكى فى بيانه لضعف القصة من حديث ضعف سندها واضطراب متنها بقوله: "لقد بلى الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلق بذلك الملحدون، مع ضعف نقلته واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته: فقائل يقول إنه فى الصلاة، وآخر يقول: قالها فى نادى قومه، حيث أنزلت عليه السورة؛ وآخر يقول: قالها وقد أصابته سنة، وآخر يقول: بل حدث نفسه فسها، وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه، وأن النبى ﷺ لما عرضها على جبريل، قال: ما هكذا أقرأتك؛ وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبى ﷺ قرأها؛ فلما بلغ النبى ﷺ ذلك قال: والله ما هكذا نزلت؛ إلى غير ذلك من اختلاف الرواة" (٣) .
وقال الإمام الرازى: "أهل التحقيق قالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة، ونقل عن الحافظ ابن خزيمة، أنه سئل عن هذه القصة فقال: هذا وضع من الزنادقة، وصنف فيه كتابًا، كما حكى عن الإمام البيهقى قوله: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم فى أن رواة هذه القصة مطعون فيهم" (٤) .
_________________
(١) الشفا ٢/١٢٦.
(٢) مناهل الصفا ص٢٢١.
(٣) الشفا ١/١٢٥.
(٤) التفسير الكبير ١٢/٥١ وقال أبو حيان فى تفسيره البحر المحيط ٦/٣٨٢ معقبًا على كلام البيهقى: ولذلك نزهت كتابى عن ذكره فيه أهـ المراد نقله. وقال الشوكانى فى فتح القدير ٣/٤٦١ "ولم يصح شئ من هذا، ولا ثبت بوجه من الوجوه". وينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٥/٤٣٨.
[ ٤٧١ ]
وقال الإمام ابن حزم: "وأما الحديث الذى فيه "وإنهن الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى" فكذب بحت موضوع، لأنه لم يصح قط من طريق النقل، فلا معنى للاشتغال به، إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد" (١) .
وقال فضيلة الشيخ محمد الصادق عرجون بعد أن فند الروايات التى ذكرها الإمام السيوطى فى تفسيره، وأجاد فى الرد عليها بما يغنى عن ذكره قال: "ليس فى روايات فرية الغرانيق، رواية قط متصلة الإسناد على وجه الصحة، ولم يذكر فى جميع الروايات صحابى قط على وجه موثق، وما ذكر فيه باسم ابن عباس، فكلها ضعيفة واهية خلا رواية سعيد بن جبير على الشك فى إسنادها إلى الحبر ابن عباس، والشك يوهيها" (٢) .
خامسًا: القصة لم يخرجها أصحاب الكتب الصحاح:
فرية الغرانيق لم يخرجها أحد من أصحاب الصحاح، ولا أحد من أصحاب الكتب المعتمدة كالسنن الأربعة، ومسند الإمام أحمد، كما زعم كذبًا بعض أعداء السنة المطهرة والسيرة العطرة (٣) والذى رواه البخارى فى صحيحه عن ابن عباس: "أن النبى ﷺ قرأن النجم وهو بمكة، فسجد معه المسلمون والمشركون، والجن، والإنس" وفى رواية للبخارى أيضًا عن ابن مسعود قال: "أول سورة أنزلت فيها سجدة "والنجم" قال: فسجد رسول الله ﷺ، وسجد من خلفه، إلا رجلًا رأيته أخذ كفًا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرًا، وهو أمية بن خلف" (٤) .
_________________
(١) الفصل فى الملل والنحل ٢/٣٠٨، ٣٠٩، ٣١١.
(٢) محمد رسول الله ﷺ ٢/٦٩.
(٣) يراجع: قول أحمد حجازى السقا ص٣١٠.
(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب فاسجدوا لله واعبدوا ٨/٤٨٠ رقمى ٤٨٦٢، ٤٨٦٣.
[ ٤٧٢ ]
.. فأنت ترى هنا أن البخارى اقتصر على هذا الجزء الصحيح من القصة، وليس فيه البتة فرية الغرانيق! فأين هذا مما يزعمه بعض الرافضة من إيهام القارئ أن فرية الغرانيق ذكرها الإمام البخارى فى صحيحه؟! (١) .
سادسًا: سؤال بعضهم:
"كيف سجد المشركون عند نهاية السورة لقوله تعالى: ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾ (٢) مع أنهم يرفضون السجود لله؟ قال تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورًا﴾ (٣) .
فالجواب:
إن سجود أهل الشرك كان لما سمعوه من أسرار البلاغة الفائقة، والفصاحة البالغة، وعيون الكلم، الجوامع لأنواع من الوعيد والإنكار، والتهديد والإنذار، وقد كان العربى يسمع القرآن فيخر له ساجدًا (٤) .
يقول الأستاذ سيد قطب: "سجود المشركين كان لاعتبارين:
الاعتبار الأول: كامن فى ذلك السلطان العجيب لهذا القرآن. ولهذه الإيقاعات المزلزلة فى سياق هذه السورة خصوصًا إذا كان القارئ هو سيدنا رسول الله ﷺ، الذى تلقى هذا القرآن مباشرة من مصدره، وعاشه وعاش به، وأحبه حتى لكان يثقل خطاه إذا سمع، من يرتله داخل داره، ويقف إلى جانب الباب يسمع له حتى ينتهى.
وفى هذه السورة بالذات كان يعيش لحظات عاشها فى الملأ الأعلى، وعاشها مع الروح الأمين، وهو يراه على صورته الأولى.
والاعتبار الثانى: أن أولئك المشركين لم تكن قلوبهم ناجية من الرعشة والرجفة، وهم يستمعون إلى سيدنا محمد ﷺ. إنما كان العناد المصطنع هو الذى يحول بينهم وبين الإذعان.
_________________
(١) يراجع: قول: جعفر مرتضى العاملى ص٣١٠.
(٢) الآية ٦٢ النجم.
(٣) الآية ٦٠ الفرقان. وينظر: الصحيح من سيرة النبى لجعفر مرتضى العاملى ٣/١٤٥.
(٤) السيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة للدكتور محمد أبو شهبة ١/٣٦٧.
[ ٤٧٣ ]
.. ومثل هؤلاء إذا استمعوا إلى سورة النجم من رسول الله ﷺ فأقرب ما يحتمل أن تصادف قلوبهم لحظة الاستجابة التى لا يملكون أنفسهم إذاءها، وأن يأخذوا بسلطان هذا القرآن؛ فيسجدوا مع الساجدين بلا غرانيق ولا غيرها من روايات المفترين" (١) .
قلت: فسجودهم كان معجزة لرسول الله ﷺ، بقهر المشركين، وإجبارهم على السجود، كما قال ﷿: ﴿إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين﴾ (٢) وكما ألقى سحرة فرعون ساجدين لما رأوا معجزة سيدنا موسى ﵇، تلقف ما يأفكون، ألقى كفار قريش سجدًا لمعجزة سيدنا رسول الله ﷺ، وهى معجزة سيخر لها أهل الكفر إلى يوم الدين أهـ.
سابعًا: الرد على المثبتين للقصة:
سبق التنويه على أن بعض المفسرين، والمحدثين، ذكروا قصة الغرانيق فى كتبهم، وقرروا قبول سندها، مع ردهم لما جاء فيها من مدح الأصنام "تلك الغرانيق العلاالخ" وتأويلهم لها.
_________________
(١) فى ظلال القرآن ٦/٣٤٢٠ - ٣٤٢٢.
(٢) الآية ٤ الشعراء.
[ ٤٧٤ ]
.. والجدير بالذكر هنا ما قاله الإمام ابن حجر، لأنه عالم متبحر محقق تابعه فى كلامه أئمة أعلام أيضًا (١) وكذلك لأن كلام الإمام اعتمد على الصناعة الحديثية، فاستحق التنويه والتعقيب بخلاف غيره (٢) قال الإمام ابن حجر بعد تصريحه القاطع فى الحكم على روايات القصة بالضعف والانقطاع قال: "لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلًا، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيحين، أحدهما: ما أخرجه الطبرى عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والثانى: عن أبى العالية (٣) .
_________________
(١) كالسيوطى فى الدر المنثور ٦/٦٥، ومناهل الصفا ص٢٢١، والقسطلانى فى المواهب اللدنية، والزرقانى فى شرحه على المواهب ٢/١٩ – ٢٦، وذلك فى نهاية كلامهما، بعد أن كانا فى فاتحته مع ما قاله القاضى عياض من رد القصة وإبطالها.
(٢) مثل الإمام ابن تيمية فى كتابه الفتاوى ١٠/١٧٠ – ١٧٢ حيث عمم الكلام فى إثبات القصة دون تحقيق منه، على خلاف عادته وقد كفانا فى الرد عليه فضيلة الشيخ عرجون فى كتابه محمد رسول الله ﷺ ٢/٨٧ – ١٠٤، ومثل الشيخ إبراهيم حسن الكورانى، ورأيه فى ثبوت القصة ساقه الألوسى فى روح المعانى ١٠/٢٦٤، ورد عليه بما شفى وكفى، كما قام بالرد على الكورانى أيضًا الشيخ عرجون، ووصف كلامه فى إثبات القصة بأنه رأى متزايد أهوج، خرج فيه عن جادة الأدب مع رسول الله ﷺ، وتهوره فى حماقة لا يعرفها أهل العلم والإيمان. ينظر: محمد رسول الله ﷺ ٢/١٠٥ – ١٢٩.
(٣) جامع البيان ١٧/١٨٦، ١٨٧، ويراجع: تخريج القصة ص٣١٣.
[ ٤٧٥ ]
.. قال الحافظ: وقد تجرأ أبو بكر بن العربى كعادته فقال: ذكر الطبرى فى ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها (١) وهو إطلاق مردود عليه، وكذا رد الحافظ كلام القاضى السابق ذكره، ثم قال: وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلًا، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهى مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض، وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: "ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى" فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره لأنه يستحيل عليه ﷺ، أن يزيد فى القرآن عمدًا ما ليس منه، وكذا سهوًا، إذا كان مغايرًا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته" (٢) .
والكلام مع الإمام الحافظ ابن حجر فيما قاله يجرى على وجوه:
الوجه الأول: يتعلق بروايات القصة والتى ساقها الحافظ ثم عقب عليها بقوله: "وكلها سوى طريق سعيد بن جبير، إما ضعيف، وإما منقطع" (٣) أى فلا تقوم به حجة، وهذا نص قاطع من ابن حجر يضاف إلى نصوص الأئمة السابق ذكرها، فى أن روايات هذه القصة ضعيفة السند، واهية المخرج، لا تصلح للاحتجاج بها، بما فى ذلك طريق ابن جبير على ما سبق.
_________________
(١) ينظر: أحكام القرآن ٣/١٢٩٠.
(٢) فتح البارى، كتاب التفسير، باب سورة الحج ٨/٢٩٣.
(٣) فتح البارى فى الأماكن السابقة نفسها.
[ ٤٧٦ ]
الوجه الثانى: يتعلق بعصمة رسول الله ﷺ، فى بلاغ وحى الله تعالى، وعدم الخطأ فيه، لا عمدًا ولا سهوًا، وكذا عصمته من تسلط الشيطان عليه، وهى عصمة ثابتة له ﷺ، بشهادة القرآن والسنة والتاريخ، وإجماع الأمة على ما سبق شرحه (١) وهو ما يتعارض مع ما جاء فى هذه القصة من تسلط الشيطان عليه، وإلقائه على لسان رسول الله ﷺ، فى ثنايا تلاوته آيات الله المنزلة بالوحي، أخبث كلمات الكفر التى تشيد بالأوثان مدحًا وتعظيمًا، وهو ما ينقض بنيان العصمة من أساسه؟.
الوجه الثالث: يتعلق بالثقة بوحى الله تعالى إلى رسله، فإذا فتح للشيطان أدنى منفذ للتسلط على رسل الله تعالى، وتلقينهم أخبث الكفر، دون أن ينتبهوا إلى ما يلقى إليهم من ذلك، ويبلغوه إلى أممهم فيما يبلغونه عن الله تعالى، لم يبق للأمة ثقة فيما تسمع من رسولها، وهذا بلا شك، هدم لدعوات الرسل، وإبطال لرسالاتهم.
الوجه الرابع: يتعلق بالثقة بنبينا سيد الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ فى معرفته بأسلوب القرآن ومعانيه، معرفة لا تسمو عليها معرفة أحد، لأنه القيم على تمييز أسلوبه وروعة بيانه، والمثل الأعلى فى العلم بحقائقه الإيمانية، فإذا جاز أن يلقى إليه الشطان كلمات أخبث الكفر، فى أثناء تلاوته لآيات الله تعالى، الموطدة لدعائم التوحيد، وهدم الوثنية والشرك – كما تزعم أقصوصة الغرانيق – على سمع جموع المسلمين، والمشركين، ثم لا يتنبه لذلك، ولا يميز بين ما هو قرآن كريم من عند الله تعالى؛ وما هو كفر خبيث من إلقاء الشيطان، فماذا بقى لهذا الرسول الكريم من ثقة فى نفوس المؤمنين به؟.
_________________
(١) يراجع: ص٢٦٤ – ٢٧٨.
[ ٤٧٧ ]
.. فقول الحافظ ابن حجر بعد سوقه كلام القاضيين أبى بكر بن العربى، وعياض: وجمع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها، دل ذلك على أن لها أصلًا. من أغرب قضايا العلم فى منهج الإسلام؛ فالأمر يتعلق بأقصوصة إذا سلمت كانت معولًا هدامًا لأصل أصول الإسلام، بل أصل أصول الدين كله فى جميع رسالات الله تعالى إلى جميع أنبياءه ورسله، لأنها تطعن فى عصمة الأنبياء، وتقرر أن الشيطان صاحب سلطان عليهم، وهذه مزلقة لا ينتهى من يقع فيها إلا إلى هاويه لا قرار لها.
الوجه الخامس: أن قاعدة الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دلت على أن موضوع الروايات له أصل ليست على عمومها، ففى باب العقائد لا يقبل إلا النص الصحيح المقطوع بصحته، وفى غير أبواب العقائد من الأحكام الفرعية، فإن هذه القاعدة مقيدة، كما قال المحدثون. بالضعف الذى يزيله ما يجبره، وذلك إذا كان الضعف ناشئًا عن ضعف حفظ الراوى، أما الضعف الذى لا يزول لقوته، وتقاعد الجابر عن جبره ومقاومته فلا وزن له، ولو جاء من سبعين طريقًا متباينة المخارج، وذلك كالضعف الذى ينشأ من كون الراوى متهمًا بالكذب – كما فى بعض روايات أقصوصة الغرانيق التى جاءت من طريق الكلبى (١) وهو كذوب ولا تجوز الرواية عنه، ومثل ذلك كون الحديث شاذًا (٢) .
_________________
(١) هو محمد بن السائب بن بشير الكلبى، متهم بالكذب، ورمى بالرفض، ورضوه فى التفسير، كما قال الحافظ فى تقريب التهذيب ٢/٧٨ رقم ٥٩٢٠، ولسان الميزان ٩/١٠٤ رقم ١٤٢٢١ وينظر: الضعفاء لأبى نعيم ص١٣٨ رقم ٢١٠، والضعفاء والمتروكين للنسائى ص٢١١ رقم ٥٣٩، والضعفاء الصغير للبخارى ص١٠٥ رقم ٣٢٢.
(٢) ينظر: فتح المغيث للسخاوى ١/٣١١ – ٣١٤، والتبصرة والتذكرة للعراقى ١/٢٩١، وتوضيح الأفكار للصنعانى ١/١٠٩ – ١١٣، والأجوبة الفاضلة لمحمد اللكنوى ص٣٦ وما بعدها.
[ ٤٧٨ ]
.. ثم قال الحافظ ابن حجر: وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها – أى من روايات قصة الغرانيق – على شرط الصحيح، وهى مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض.
قلت: إن هذا التعميم فى الاحتجاج بالمرسل عند من يقول به، ومن لا يقول به غير مسلم، لأن الخلاف فى الاحتجاج بالمرسل إنما هو فى أحكام الفروع، ولا يمكن أن يكون جاريًا فى أصول العقائد، لأنها لا تثبت إلا بدليل صحيح، والمرسل ضعيف عند جمهور المحدثين كما قال الإمام مسلم: "إن المرسل من الروايات فى أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة" (١) وقال ابن الصلاح: "ثم اعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف، إلا أن يصح مخرجه من وجه آخر، وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل، والحكم بضعفه هو المذهب الذى استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث، ونقاد الأثر" (٢) .
الوجه السادس: أن الأمام ابن حجر يرى فى القصة ما هو محال أن يقع من رسول الله ﷺ، وهو الزيادة فى القرآن عمدًا أو سهوًا، بيد أنه لم يشأ أن يقف عند هذه النتيجة التى كانت أمرًا طبيعيًا يسوق إليها البحث العلمى، وينتهى بها إلى أن هذه الأقصوصة أكذوبة باطلة، ما كانت تستحق أن تجول ساحبة ذيولها فى ساحة سيرة سيد المرسلين محمد ﷺ، ولكنه خضع لقواعد الصنعة فى غير محلها – حيث يمس الأمر العقائد – وراح يتشبث بالتأويل فيما رآه محالًا، وحكى من ضروب هذا التأويل أقوالًا كلها بعيدة عن نص روايات القصة. وحتى التأويل الذى استحسنه ورجحه بعض الأئمة، بالتأمل فيه ترى أنه غير مقبول، وترده نص روايات القصة (٣) .
_________________
(١) مقدمة صحيح مسلم، باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن ١/١٦٣.
(٢) علوم الحديث ص٤٩.
(٣) ينظر: محمد رسول الله ﷺ للشيخ عرجون ٢/٨١ – ٨٦ بتصرف.
[ ٤٧٩ ]
.. انظر مثلًا: قول القاضى: "والذى يظهر ويترجح عند ابن العربى (١) وعند غيره من المحققين على تسليمه، أن النبى ﷺ كان كما أمره ربه يرتل القرآن ترتيلًا، ويفصل الآى تفصيلًا فى قراءته، كما رواه الثقات عنه، فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات، ودسه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات، محاكيًا نغمة النبى ﷺ بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار فظنوها من قول النبى ﷺ وأشاعوها" (٢) .
قلت: وهذا التأويل الراجح عند ابن العربى، وارتضاه الحافظ (٣) وغيره ممن تابعه قديمًا وحديثًا، ما أضعفه عند النظر والتأمل، فهو يوقع القائل به فيما فر منه، وهو تسلط الشيطان على رسول الله ﷺ، وعدم عصمته فيما يبلغ عن ربه ﷿، حيث أن التسلط بالمحاكاة كالتسلط عليه بالإجراء على لسانه، كلاهما لا يجوز، وفتح هذا الباب خطر على الرسالات الإلهية.
وإذا سلمنا أن الشيطان هو الذى نطق بهذا المنكر من القول فى أثناء سكوت النبى ﷺ؛ فكيف لم يسمع ما حكاه الشيطان؟! وإذا كان سمعه فلم لم يبادر إلى الإنكار، والبيان فى مثل هذا واجب على الفور؟!.
وإذا لم يسمع النبى! ألم يسمع أصحابه؟ وإذا سمعوا فلم لم يبادروا إلى تنبيه الرسول ﷺ؟!.
وأهون من هذا فى الإبطال وأشد فى الاستغراب ما ذكره موسى بن عقبة فى مغازيه، من أن المسلمين ما سمعوها، وإنما ألقى الشيطان بهذه المقالة فى أسماع المشركين!!.
_________________
(١) أحكام القرآن ٣/١٢٩٠.
(٢) الشفا ٢/١٣٠، وشرحه لعلى القارى ٢/٢٣٤.
(٣) فتح البارى، كتاب التفسير، باب سورة الحج ٨/٢٩٤.
[ ٤٨٠ ]
.. فهل كان الشيطان يسر بها فى آذان المشركين دون المسلمين؟ ثم كيف يتفق هذا الذى اختاروه، وما روى من أن النبى ﷺ حزن حزنًا شديدًا، وأن جبريل قال له: ما جئتك بهذا؟! (١) .
فإذا كان هذا المستحسن عن بعض الأئمة ترده نفس الروايات الضعيفة، فمن باب أولى باقى التأويلات التى ذكر معظمها الإمام ابن حجر وردها كما ردها من سبقه من الأئمة (٢) .
معنى آية التمنى:
وإذ قد انتهينا إلى هذه النتيجة الممحصة، فآية التمنى فى قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم﴾ (٣) لا صلة لها بفرية الغرانيق لما يلى:
آية التمنى فى سورة الحج، وهى مدنية بالاتفاق، ولاسيما وأنه قد ورد فيها الأمر بالأذان فى الناس بالحج، والأمر بالقتال، والأمر بالجهاد، وذكر فيها الصد عن المسجدالحرام، وكل ذلك إنما كان بعد الهجرة، وبعضه أتى بعدها بعدة سنوات، وهذا يعنى أن هذه الآية قد نزلت بعد الغرانيق بسنوات عديدة، لأن قصة الغرانيق قد حصلت فى السنة الخامسة من البعثة، فكيف أخر الله تسلية وتهدئة خاطر الرسول ﷺ هذه السنين الطويلة؟!.
_________________
(١) ينظر: السيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة للدكتور محمد أبو شهبة ١/٣٦٩، والروض الأنف للسهيلى ٢/١٥٣، ١٥٤، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ٥/٤٤٠.
(٢) ينظر: الشفا ٢/١٢٩، ١٣٠، وفتح البارى ٨/٢٩٣، ٢٩٤، ومحمد رسول الله ﷺ ٢/١٣٨ - ١٤٦، والتفسير الكبير للرازى ١٢/ ٥٢ - ٥٥.
(٣) الآية ٥٢ الحج.
[ ٤٨١ ]
إن آية التمنى ليس فيها دلالة على شئ من فرية الغرانيق من قريب أو بعيد، لولا ما افتراه الزنادقة من مراسيل واهية فى أسباب نزولها! وقد فسر آية التمنى كثير من جهابذة علماء الإسلام فى تفاسيرهم المتداولة بين الأمة، ولم يظهر لهم قط حاجة إلى إلصاق القصة بتفسير الآية، ومن هؤلاء المفسرين الجهابذة، أبو حيان فى تفسيره (البحر المحيط) (١) والشوكانى فى تفسيره (فتح القدير) (٢) وأبو بكر بن العربى فى (أحكام القرآن) (٣) على أن معنى الآية لا ينسجم مع مفاد الرواية، فإن التمنى هو: تشهى حصول أمر محبوب ومرغوب فيه (٤) فالرسول ﷺ إنما يتشهى ويتمنى ما يتناسب مع وظيفته كرسول، وأعظم أمنية لإنسان كهذا، هى ظهور الحق والهدى، وطمس الباطل، وكلمة الهوى، فيلقى الشيطان بغوايته للناس ما يشوش هذه الأمنية، ويكون فتنة للذين فى قلوبهم مرض، كما ألقى فيما بين أمة موسى من الغواية ما ألقى، فينسخ الله بنور الهدى غواية الشيطان، ويظهر الحق للعقول السليمة.
أما لو أردنا تطبيق الآية على ما يقولون: فإن المراد بالتمنى يكون هو القراءة والتلاوة، وهو معنى شاذ غريب، يخالف الوضع اللغوى، وظاهر اللفظ، أما الشعر المنقول عن حسان بن ثابت، كشاهد على ذلك، فمشكوك فى نسبته إليه (٥) .
_________________
(١) ٦/٣٨٠ – ٣٨٢.
(٢) ٣/٤٦١.
(٣) ٣/١٢٨٧ – ١٢٩٢.
(٤) ينظر: لسان العرب ١/١٤٠ – ١٤٤ حيث ساق شواهد من الحديث والآثار وكلام أئمة اللغة، تدل على أن معنى التمنى والأمنية، هو: الإرادة والمحبة، والرغبة فى حصول الشئ واشتهاء وقوعه أهـ.
(٥) ينظر: الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٣/١٤٤، ومحمد رسول الله ٢/٧٠، ٧٣.
[ ٤٨٢ ]
وحتى لو قبلنا أن المراد بالتمنى هو التلاوة، فإن من الممكن أن يكون المراد من الآية هو: إعلام المولى ﷿ لرسوله ﷺ، بأن من أرسل قبله من الرسل كان إذا تلا ما يؤديه إلى قومه، حرفوا عليه، وزادوا فيما يقوله ونقصوا، كما فعلت اليهود والنصارى فى الكذب على أنبيائهم قال تعالى: ﴿ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ (٢) وقال ﷿: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾ (٤) فأضاف ذلك إلى الشيطان لأنه يقع بوسوسته وغروره، ثم بين الله ﷿ أنه يزيل ذلك ويدحضه بظهور حجته وينسخه بشريعة نبيه ومصطفاه ﷺ، تلك الشريعة التى تعهد رب العزة بحفظها فى قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (٥) .
_________________
(١) جزء من الآية ٤١ المائدة.
(٢) الآية ٤٦ النساء.
(٣) الآية ٧٥ البقرة.
(٤) الآية ١٠٢ البقرة.
(٥) الآية ٩ الحجر، وينظر: تنزيه الأنبياء للموسوى ص١٠٧، ومحمد رسول الله ٢/٧٢ – ٧٨.
[ ٤٨٣ ]
وفى هذه المعانى قال أبو حيان: "ذكر الله تعالى مسلاة لنبيه، باعتبار من مضى من الرسل والأنبياء، وهو أنهم كانوا حريصين على إيمان قومهم، متمنين لذلك، مثابرين عليه، وأنه ما منهم أحد إلا وكان الشيطان يراغمه بتزيين الكفر لقومه، وبث ذلك إليهم، وإلقائه فى نفوسهم، كما أنه ﷺ كان من أحرص الناس على هدى قومه، وكان فيهم شياطين كالنضر بن الحارث، يلقون لقومه، وللوافدين عليه شبهات يثبطون بها عن الإسلام، ولذلك جاء قبل هذه الآية: ﴿والذين سعوا فى آياتنا معاجزين﴾ (١) وسعيهم بإلقاء الشبه فى قلوب من استمالوه، ونسب ذلك إلى الشيطان؛ لأنه هو المغوى والمحرك شياطين الإنس للإغواء لما قال "لأغوينهم" ومعنى: ﴿فينسخ الله ما يلقى الشيطان﴾ يزيل تلك الشبه شيئًا فشيئًا حتى يسلم الناس كما قال: ﴿ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا﴾ (٢) ﴿ثم يحكم الله آياته﴾ معجزاته يظهرها محكمة لا لبس فيها ﴿ليجعل ما يلقى الشيطان﴾ من تلك الشبه وزخارف القول "فتنة" لمريض القلب ولقاسية، وليعلم من أوتى العلم أن ما تمنى الرسول والنبى من هداية قومه، وإيمانهم هو الحق. وهذه الآية ليس فيها إسناد شئ إلى رسول الله ﷺ، إنما تضمنت حالة من كان قبله من الرسل والأنبياء إذا تمنوا" (٣) .
وصفوة القول: أن الذين أثبتوا القصة أجمعوا على رد معناها حيث جمعت بين ضعف السند والمتن، وقوة المعارض من القرآن الكريم، وتاريخ سيرته ﷺ العطرة، وإجماع الأمة على عصمة رسول الله ﷺ من كل ما يخل بالتبليغ، وهذا كله يدعونا إلى أن نصدع بأن قصة الغرانيق مكذوبة، اختلقها الزنادقة الذين يريدون إفساد الدين، والطعن فى عصمة سيد الأنبياء وإمام المخلصين ﷺ.
وبعد:
_________________
(١) الآية ٥١ الحج.
(٢) الآية ٢ النصر.
(٣) البحر المحيط ٦/٣٨١.
[ ٤٨٤ ]
.. فإن الناظر فيما ساقه القوم من شبهه – يلاحظ مدى تحير القوم، وترددهم واضطرابهم، فى تحديد المصدر الذى صدر عنه الوحي الذى جاء به رسول الله ﷺ.
فانظر كم قلبوا من وجوه الرأى فى هذه المسالة؟ فمرة يقولون كذا، ومرة يقولون كذا، كما علمت فى المطالب السابقة. فإن شئت أن تطلع على هذه الصورة المضحكة من البلبلة الجدلية فاقرأ وصفها فى قوله تعالى: ﴿بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر﴾ (١) .
فهذه الجملة القصيرة تمثل لك بما فيها من توالى حروف الإضراب مقدار ما أصابهم من الاضطراب فى رأسهم، وتريك صورة شاهد الزور إذا أحس بحرج موقفه، كيف ينقلب ذات اليمين وذات الشمال.
وإذا كان أعداء الإسلام من المستشرقين يتحيرون ويضطربون فى تحديد مصدر الوحي، فأذيالهم وأبواقهم من أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة هم كذلك يتحيرون ويتناقضون؛ وهم يطعنون فى الوحي المنزل على رسول الله ﷺ.
فإلى بيان ذلك فى المبحث التالى.
_________________
(١) الآية ٥ الأنبياء.
[ ٤٨٥ ]