لمَّا كان الجهاد ذِروةَ سنام الإسلام وقُبَّتَه، ومنازِلُ أهله أعلى المنازل في الجنة كما لهم الرفعة في الدنيا، فهم الأعلون في الدنيا والآخرة= كان رسول الله - ﷺ - في الذروة العليا منه، فاستولى على أنواعه كلها، فجاهد في الله حقَّ جهاده بالقلب والجَنان، والدعوة والبيان، والسيف والسِّنان (^٢)، فكانت ساعاته موقوفةً على الجهاد بقلبه ولسانه ويده، ولهذا كان أرفعَ العالمين ذكرًا وأعظمَهم عند الله قدرًا.
وأمَره الله تعالى بالجهاد من حين بعثه فقال: ﴿(٥٠) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا﴾ [الفرقان: ٥١ - ٥٢]. فهذه سورة مكية أُمِر فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان وتبليغ القرآن.
وكذلك جهاد المنافقين إنما هو بالحجّة (^٣)، وإلا فهُم تحت قهر أهل الإسلام؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣]، فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواصِّ الأمة وورثةِ الرُّسل، والقائمون به أفرادٌ في
_________________
(١) طبعة الرسالة: «في الجهاد والمغازي والسرايا والبعوث» خلافًا للأصول الخطية والطبعات السابقة.
(٢) ص، ز: «واللسان»، تصحيف.
(٣) المطبوع: «بتبليغ الحجة»، والمثبت من الأصول.
[ ٣ / ٥ ]
العالم، والمشاركون فيه والمعاوِنون (^١) عليه وإن كانوا هم الأقلِّين (^٢) عددًا فهم الأعظمون عند الله قدرًا.
ولما كان من أفضل الجهاد قولُ الحقِّ مع شدة المُعارِض، مثل أن يَتكلَّم به عند من يَخاف سطوتَه (^٣) وأذاه= كان للرسل (^٤) ــ صلوات الله وسلامه عليهم ــ من ذلك الحظُّ الأوفر، وكان لنبيِّنا ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ من ذلك أكملُ الجهاد وأتمُّه.
ولمّا كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعًا على جهاد العبد نفسه في ذات الله، كما قال النبي - ﷺ -: «المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله (^٥)، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (^٦) = كان جهاد النفس مقدَّمًا على جهاد العدو في الخارج وأصلًا له، فإنه ما (^٧) لم يجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أُمِرتْ به وتتركَ
_________________
(١) ج، ن: «العاضُّون»، والمثبت من سائر الأصول.
(٢) ج: «الأقلُّون»، وله وجه، والمثبت هو جادّة المؤلف وشيخه، وبه جاء التنزيل.
(٣) ضبطت الجملة في ز هكذا: «يُتكلم تُخاف سطوتُه».
(٤) ج: «للرسول»، ثم سقط إلى قوله: «لنبيِّنا».
(٥) المطبوع: «في طاعة الله» وفاقًا لبعض روايات الحديث كما سيأتي.
(٦) أخرجه أحمد (٢٣٩٥١، ٢٣٩٥٨) والترمذي (١٦٢١) والنسائي في «الكبرى» (١١٧٩٤) وابن حبان (٤٦٢٤، ٤٧٠٦، ٤٨٦٢) والحاكم (١/ ١٠ - ١١) من حديث فَضالة بن عبيد - ﵁ - بنحوه. قال الترمذي: حديث فَضالة حديث حسن صحيح. ولفظه في الشطر الأول: «في طاعة الله»، وفي بعض الروايات: «في الله»، وفي بعضها: «لله». ولفظه في الشطر الثاني: «هجر الخطايا والذنوب»، وصحَّ باللفظ المذكور من حديث عبد الله بن عمرو عند البخاري (١٠).
(٧) ز: «لمّا»، تصحيف.
[ ٣ / ٦ ]
ما نُهِيتْ عنه، ويحارِبْها في الله= لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، وكيف يمكنه جهاد عدوِّه والانتصافُ منه وعدوُّه الذي بين جنبَيه قاهرٌ له متسلِّط عليه لم يجاهده ولم يحاربه في الله (^١)؟! بل لا يمكنه الخروج إلى عدوِّه حتى يجاهد نفسه على الخروج.
فهذان عدوَّان قد امتُحن العبدُ بجهادهما، وبينهما عدوٌّ ثالث لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يُثبِّط العبدَ عن جهادهما ويَخْذُله ويَرجُف به، ولا يزال يخيِّل له ما في جهادهما من المشاقِّ وتركِ الحظوظ وفوت اللذَّات والمشتهَيات، ولا يمكنه يجاهد (^٢) ذينك العدوَّين إلا بجهاده= كان (^٣) جهاده هو الأصلَ لجهادهما، وهو الشيطان؛ قال تعالى: ﴿(٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]. والأمر باتخاذه عدوًّا تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته ومجاهدته، فإنه (^٤) عدو لا يَفْتُر ولا يَقْصُر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس.
فهذه ثلاثة أعداءٍ أُمِر العبدُ بمحاربتها وجهادها، وقد بُلي العبد بمحاربتها في هذه الدار وسُلِّطت عليه امتحانًا من الله له (^٥) وابتلاءً،
_________________
(١) ز: «في ذات الله».
(٢) كذا في جميع الأصول دون «أن». وفي ق، هامش ج: «جهاد».
(٣) ز: «وكان»، وفي النسخ المطبوعة: «فكان». والمثبت من سائر الأصول، ولعل المؤلف كتبه على توهّم تقدُّم «لمَّا» قبله، كما عبّر في الفقرة السابقة بقوله: «ولمّا كان جهاد أعداء الله = كان جهاد النفس مقدَّمًا».
(٤) المثبت من م، ق، ب. وفي سائر الأصول والمطبوع: «كأنه».
(٥) «له» سقطت من ص، ز، ن.
[ ٣ / ٧ ]
وأُعطِي العبد مددًا وعُدَّةً وأعوانًا وسلاحًا لهذا الجهاد، وأُعطي أعداؤُه مددًا وعُدَّةً وأعوانًا وسلاحًا، وبُلي أحدُ الفريقين بالآخر وجُعل بعضهم لبعض فتنةً؛ ليبلو أخبارَهم ويَمتحن من يتولَّاه ويتولى رسلَه ممن يتولَّى الشيطانَ وحزبه، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠].
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، فأعطى عباده الأسماع والأبصار والعقول والقُوى، وأنزل عليهم كتبه وأرسل إليهم رسله، وأمدهم بملائكته وقال لهم: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]، وأمرهم مِن أمره بما هو من أعظم العون لهم على حرب عدُوِّه (^١)، وأخبرهم أنهم إن امتثلوا ما أمرهم به لم يزالوا منصورين على عدوِّه وعدوِّهم، وأنه إن سُلِّط (^٢) عليهم فلِتَرْكهم بعضَ ما أمروا به ومعصيتهم له، ثم لم يُؤْيِسْهم ولم يقنِّطْهم، بل أمرهم أن يستقبلوا أمرهم ويداوُوا جراحهم ويعودوا إلى مناهضة عدوِّهم= يَنصُرْهم عليهم ويُظفِّرهم بهم، وأخبرهم أنه مع المتقين منهم ومع المحسنين ومع الصابرين ومع المؤمنين، وأنه يَدْفَع عن عباده المؤمنين ما لا يَدْفعون عن أنفسهم (^٣)، بل بدفاعه عنهم انتصروا على عدوهم، ولولا دفاعُه لتخطفهم عدوهم واجتاحهم.
_________________
(١) ج، ن: «عدوِّهم».
(٢) ص، ز، ج، ن: «سلَّطه».
(٣) ص، ز، ج، ن: «نفوسهم».
[ ٣ / ٨ ]
وهذه المدافعة عنهم بحَسَب إيمانهم وعلى قَدْرِه، فإنْ قويَ الإيمانُ قويت المدافعة، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه.
وأَمَرهم أن يجاهدوا فيه حقَّ جهاده، كما أمرهم أن يتَّقوه حقَّ تُقاته. وكما أن حقَّ تقاته أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر= فحق جهاده أن يجاهدَ نفسه ليُسْلِمَ قلبُه ولسانُه وجوارحُه لله (^١) وبالله، لا لنفسه ولا بنفسه، ويجاهدَ شيطانه بتكذيب وعده ومعصية أمره وارتكاب نهيه، فإنه يعِدُ الأماني ويُمنِّي الغرور، ويَعِد الفقر ويأمر بالفحشاء، وينهى عن الهدى والتقى والعفة والصبر وأخلاق الإيمان كلِّها، فجهاده بتكذيب وعده ومعصية أمره، فينشأ له من هذين الجهادين قوّةٌ وسلطانٌ وعدَّةٌ يجاهِدُ بها أعداءَ الله في الخارج بقلبه ولسانه ويده وماله لتكون كلمة الله هي العليا.
واختلفت عبارات السلف في حقِّ الجهاد (^٢):
- فقال ابن عباس: هو استفراغ الطاقة فيه، وأن لا يخافَ في الله لومة لائم.
- وقال مقاتل: اعملوا لله بالحقِّ (^٣) حقَّ عمله، واعبدوه حقَّ عبادته.
_________________
(١) بعده في ج، ن، المطبوع: «فيكون كله لله»، وهو مضروب عليه في ص، ولا يوجد في سائر النسخ.
(٢) الأقوال الآتية في «الكشف والبيان» للثعلبي (١٨/ ٤١٢ - ٤١٣) ط. دار التفسير، والمؤلف صادر عنه أو عن مختصره: «معالم التنزيل» للبغوي (٥/ ٤٠٢). وانظر: «تفسير مقاتل» (٢/ ٣٩١) و«تفسير الطبري» (٥/ ٦٤٠)، (١٦/ ٦٣٩، ٦٤٠).
(٣) «بالحق» سقط من المطبوع.
[ ٣ / ٩ ]
- وقال عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى.
ولم يُصِب من قال: إن الآيتين منسوختان لظنِّه أنهما تضمَّنتا (^١) الأمرَ بما لا يطاق. وحقُّ تقاته وحقُّ جهاده: هو ما يُطيقه كلُّ عبد في نفسه، وذلك يختلف باختلاف أحوال المكلَّفين في القدرة والعجز والعلم والجهل، فحقُّ التقوى وحقُّ الجهاد بالنسبة إلى القادر المتمكن العالم شيء، وبالنسبة إلى العاجز الجاهل والضعيف شيء.
وتأمَّلْ كيف عَقَّب الأمرَ بذلك بقوله: ﴿اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ﴾ [الحج: ٧٨]ــ والحرج: الضيق ــ، بل جعله واسعًا يَسَعُه كلُّ أحدٍ كما جعل رزقَه يسعُ كلَّ حيٍّ، فكلَّف العبد ما (^٢) يسعه العبدُ ورزق العبدَ ما يسعُ العبدَ، فهو يسع تكليفَه ويسعه رزقُه، وما جعل على عبده في الدين من حرج بوجهٍ ما؛ قال النبي - ﷺ -: «بُعثِتُ بالحنيفيَّةِ السَّمْحة» (^٣) أي: بالملة، فهي حنيفيَّة في التوحيد سمحة في العمل.
وقد وسَّع سبحانه على عباده غايةَ التوسعة في دينه ورزقه وعفوه
_________________
(١) م، ق، ب، ج: «تضمَّنا».
(٢) م، ب، ك، ع: «وكلَّف العبد بما».
(٣) أخرجه أحمد (٢٢٢٩١) من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف. وله عدّة شواهد مسندة ومرسلة يصحُّ بها، منها حديث عائشة عند أحمد (٢٤٨٥٥) بنحوه، وحديث ابن عباس عند أحمد (٢١٠٧) والبخاري في «الأدب المفرد» (٢٨٧) بلفظ: سئل النبي - ﷺ - أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: «الحنيفية السمحة»، وقد علّقه البخاري في كتاب الإيمان فقال: «باب الدين يسر وقول النبي - ﷺ -: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة». وانظر: «تغليق التعليق» (٢/ ٤١ - ٤٣).
[ ٣ / ١٠ ]
فصل: مراتب الجهاد
ومغفرته؛ فبسط عليهم التوبة ما دامت الرُّوح في الجسد وفتح لهم بابًا لها لا يغلقه عنهم إلى أن تطلع الشمس من مغربها، وجعل لكل سيئة كفارةً تكفِّرُها من توبةٍ أو صدقةٍ أو حسنة ماحية أو مصيبة مكفِّرةٍ، وجعل لِكُلِّ ما حرَّم عليهم عوضًا من الحلال أنفعَ لهم منه وأطيبَ وألذَّ يقوم مقامه ليستغني العبدُ عن الحرام ويسعه الحلالُ فلا يَضِيق عنه، وجعل لكل عُسْرٍ يمتحنهم به يُسْرًا قَبْله ويسرًا بعده، فلن يغلب عسرٌ يُسرَين، فإذا كان هذا شأنه مع عباده فكيف يكلِّفهم ما لا يسعهم، فضلًا عمَّا لا يطيقونه ولا يقدرون عليه؟!
فصل
إذا عرف هذا فالجهاد أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين.
فجهاد النفس أربع مراتب أيضًا:
أحدها (^١): أن يجاهدها على تعلُّم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها عِلْمُه شقيت في الدارين.
الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرَّها لم ينفعها.
الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه لمن لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه عِلْمُه ولا يُنْجيه من عذاب الله.
_________________
(١) في المطبوع: «إحداها» على الجادة، والمثبت من الأصول له نظائر في كتب المؤلف.
[ ٣ / ١١ ]
فصل: جهاد الشيطان
الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاقِّ الدَّعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمَّل ذلك كلَّه لله.
وإذا استكمل هذه المراتبَ الأربع صار من الربَّانيِّين، فإن السلف مُجْمِعون على أن العالم لا يستحق أن يسمَّى ربانيًّا حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلِّمَه، فمن عَلِم وعَمِل وعلَّم فذاك يُدْعى عظيمًا في ملكوت السماء (^١).
فصل
وأما جهاد الشيطان فمرتبتان:
إحداهما: جهاده على دفع ما يُلقي إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان.
والثانية (^٢): جهاده على دفع ما يلقي إليه من الإرادات والشهوات.
فالجهاد الأول يكون بِعُدَّة اليقين، والثاني بعُدَّة الصَّبر (^٣). قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ (^٤) أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، فأخبر أنَّ إمامة الدين إنما تُنال بالصبر واليقين، فالصبر يدفع الشهوات والإرادات، واليقين يدفع الشكوك والشبهات.
_________________
(١) أُثر هذا من كلام عيسى ﵇. أخرجه أحمد في «الزهد» (٣٣٠) والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٦٦٠) والخطيب في «أخلاق الراوي» (١/ ٩٠) عن عبد العزيز بن ظبيان (لعله من صغار التابعين) قال: قال المسيح ﵇: «من تعلَّم وعمل وعلَّم » إلخ.
(٢) الواو ساقطة من ص، ز.
(٣) المطبوع: «بعدَه اليقين بعدَه الصبر»، تحريف.
(٤) في الأصول: «وجعلناهم»، سهو.
[ ٣ / ١٢ ]
فصل: جهاد الكفار والمنافقين
فصل: جهاد أرباب الظلم والمنكرات والبدع
فصل: لا يتم الجهاد إلا بالهجرة
فصل
وأما جهاد الكفار والمنافقين فأربع مراتب: بالقلب، واللسان، والمال، والنفس. وجهاد الكفار أخصُّ باليد، وجهاد المنافقين أخصُّ (^١) باللسان.
فصل
وأما جهاد أرباب الظلم والمنكرات والبِدَع فثلاث مراتب، الأولى (^٢): باليد إذا قَدَر، فإن عَجَز انتقل إلى اللسان، فإن عَجَز جاهد بقلبه.
فهذه ثلاثَ عَشْرةَ (^٣) مرتبةً من الجهاد؛ ومن مات ولم يَغْزُ ولم يحدِّث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق (^٤).
فصل
ولا يتم الجهاد إلا بالهجرة، ولا الهجرةُ والجهادُ إلا بالإيمان، والراجون رحمةَ الله هم الذين قاموا بهذه الثلاثة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨].
وكما أن الإيمان فرضٌ على كل أحد ففرضٌ (^٥) عليه هجرتان في كل
_________________
(١) ك، ع: «اختصّ باليد اختصّ باللسان»، تصحيف.
(٢) في الأصول عدا م، ق، ب: «الأول».
(٣) م، ب، ج: «ثلاثة عشرة». ق، ن: «ثلاثة عشر».
(٤) كما في حديث أبي هريرة عند أحمد (٨٨٦٥) ومسلم (١٩١٠).
(٥) ك، ع: «الفرض».
[ ٣ / ١٣ ]
فصل: أكمل الخلق عند الله من كمل مراتب الجهاد
وقت: هجرةٌ إلى الله ﷿ بالإخلاص (^١) والتوحيد والإنابة والتوكُّل والخوف والرجاء والمحبة والتوبة، وهجرةٌ إلى رسوله بالمتابعة والانقياد لأمره والتصديق لخبره (^٢) وتقديمِ أمره وخبره على أمر غيره وخبره؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدُنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه (^٣).
وفرض عليه جهاد نفسه في ذات الله وجهادُ شيطانه، فهذا كله فرض عين لا ينوب فيه أحدٌ عن أحد.
وأما جهاد الكفار والمنافقين فقد يكتفى فيه ببعض الأمة إذا حصل منهم مقصوده.
فصل
وأكمل الخلق عند الله ﷿ من كمَّل مراتب الجهاد كلَّها، والخلق متفاوتون في منازلهم عند الله تفاوتَهم في مراتب الجهاد. ولهذا كان أكملُ الخلق وأكرمُهم على الله خاتمَ أنبيائه ورسله، فإنه كمَّل مراتب الجهاد وجاهد في الله حق جهاده، وشرع في الجهاد من حين بُعِث إلى أن توفاه الله ﷿، فإنه لما أنزل الله عليه: ﴿رَحِيمٌ (٢٠) يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ [المدثر: ١ - ٤] شمَّر عن ساق الدعوة وقام في ذات الله أتمَّ القيام (^٤)
_________________
(١) من «فرضٌ» إلى هنا ساقط من ق.
(٢) ز، ن: «بخبره»، وكذا في المطبوع.
(٣) مقتبس من حديث عمر المشهور المتفق عليه: «إنما الأعمال بالنيات ».
(٤) ص، ز، ج، ن: «قيامٍ».
[ ٣ / ١٤ ]
- بيان سنة الله تعالى في امتحان النفوس وابتلائها
ودعا إلى الله ليلًا ونهارًا وسِرًّا وجهارًا، ولمَّا نزل عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] صَدَع بأمر الله لا تأخذه فيه (^١) لومة لائم، فدعا إلى الله الكبيرَ والصغير، والحرَّ والعبد، والذكرَ والأنثى، والأحمرَ والأسود، والجن والإنس.
ولمَّا صدع بأمر الله، وصرَّح لقومه بالدعوة، وبادأهم (^٢) بسبِّ آلهتهم وعيبِ دينهم= اشتد أذاهم له ولمن استجاب له من أصحابه ونالوهم (^٣) بأنواع الأذى. وهذه سنة الله ﷿ في خلقه، كما قال تعالى: ﴿(٤٢) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وقال: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣].
فعزَّى سبحانه نبيه بذلك وأن له أسوةً بمن تقدمه من المرسلين، وعزَّى أتباعه بقوله: ﴿آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقولِه: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ
_________________
(١) ب، ز: «في الله».
(٢) ب، ز، المطبوع: «ناداهم»، تصحيف.
(٣) المطبوع: «ونالوه ونالوهم» زيادة على ما في الأصول.
[ ٣ / ١٥ ]
(٤) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦) [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)] (^١)
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [العنكبوت: ١ - ١٠] (^٢).
فليتأمل العبدُ سياقَ هذه الآيات وما تضمنته (^٣) من العبر وكنوز الحكم، فإن الناس إذا أُرسِل إليهم الرُّسُل بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنَّا، وإما أن لا يقول ذلك بل يستمر على السيئات والكفر (^٤)، فمن قال: آمنَّا امتحنه ربُّه وابتلاه وفَتَنه ــ والفتنة: الابتلاء والاختبار ــ ليتبيَّن الصادقُ من الكاذب، ومن لم يقل: آمنَّا فلا يحسب أنه يُعجز الله ويفوته ويسبقه، فإنه إنما يطوي (^٥) المراحلَ في يديه.
_________________
(١) الآيتان بين الحاصرتين أخلت بهما جميع الأصول، ولعلهما سقطتا على المؤلف سهوًا ..
(٢) انظر: «تفسير أول سورة العنكبوت» لشيخ الإسلام (٣/ ٢٥٣ - جامع المسائل)، فإن المؤلف أفاد منه في الكلام على هذه الآيات.
(٣) ص، ز، ج، ن: «تضمّنت».
(٤) «والكفر» ساقطة من ج، ن. وفي ع: «على الشقاق والكفر».
(٥) ج: «نظر من»، وكذا كان في ص ثم أُصلح «نظر» إلى «نظوي»، وبقيت «من» وهي محرّفة عن الياء في الأصل. وفي ز: «يطوي مِن»، ولعل زيادة «من» منشؤها ما في ص.
[ ٣ / ١٦ ]
وكيف يفرُّ المرء عنه بذنبه إذا كان يَطوي في يديه المراحلا (^١)؟ (^٢)
فمن آمن بالرسل وأطاعهم عاداه أعداؤهم وآذَوه فابتُلي بما يؤلمه، وإن لم يؤمن بهم ولم يُطِعْهم عوقب في الدنيا والآخرة فحصل له ما يؤلمه، وكان هذا المؤلم أعظمَ وأدومَ من ألم اتِّباعهم. فلا بد من حصول الألم لكلِّ نفسٍ آمنت أو رغبت عن الإيمان، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداءً ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، والمُعْرِض عن الإيمان تحصل له اللذةُ ابتداءً ثم يصير في الألم الدائم.
وسئل الشافعي: أيما أفضل للرجل أن يُمكَّن أو يُبتلى؟ فقال: لا يُمكَّن حتى يبتلى. والله ﷿ ابتلى أولي العزم من رُسُله، فلما صبروا مكَّنهم، فلا يظنَّ أحد أنه يَخْلُص من الألم البتة، وإنما تفاوَت أهلُ الآلام في العقول (^٣)، فأعقلهم من باع ألمًا مستمرًّا عظيمًا بألمٍ منقطع يسير، وأسْفَهُهم (^٤) من باع الألمَ المنقطع اليسير بالألم العظيم المستمر.
_________________
(١) ص، ز، المطبوع: «تُطوى المراحلُ»، والمثبت من سائر النسخ موافق للمصادر الآتية.
(٢) البيت لأبي العرب الصقلِّي (ت ٥٠٦) باختلاف يسير في «تاريخ الإسلام» (١١/ ٨٣) و«فوات الوفيات» (٤/ ١٤٥). وقد أنشده المؤلف أيضًا في «طريق الهجرتين» (١/ ٢٧١).
(٣) ك، ع: «بالعقول».
(٤) ج: «أسعدهم». ن، المطبوع: «أشقاهم»، وكلاهما تصحيف.
[ ٣ / ١٧ ]
فإن قيل: كيف يختار العقل (^١) هذا؟ قيل: الحامل له على هذا النَّقْدُ والنسيئة، والنفسُ مُوكَّلة (^٢) بالعاجل؛ ﴿كَلَّا بَلْ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَيَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ (^٣) [القيامة: ٢٠ - ٢١]، ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧]. وهذا يحصل لكل أحد، فإن الإنسان مدنيٌّ بالطبع لا بد له أن يعيش مع الناس (^٤)،
والناس لهم إرادات وتصوُّرات، فيطلبون منه أن يوافقهم عليها، وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه، وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب، تارةً منهم وتارةً من غيرهم، كمن عنده دِين وتُقًى حلَّ بين قوم فُجَّار ظَلَمة ولا يتمكنون من فجورهم وظُلْمهم إلا بموافقته لهم أو سكوته عنهم، فإن وافقهم أو سكت عنهم سَلِم من شرِّهم في الابتداء، ثم يتسلَّطون عليه بالإهانة والأذى أضعافَ ما كان يخافه ابتداءً لو أنكر عليهم وخالفهم، وإن سلم منهم فلا بُدَّ أن يُهان ويُعاقَب على يد غيرهم، فالحزمُ كلُّ الحزم في الأخذ بما قالت أم المؤمنين لمعاوية: من أرضى اللهَ بسخط الناس كفاه الله
_________________
(١) المطبوع: «العاقل»، والمثبت من الأصول. وزِيد في ص، ز بعده: «لِفعل»، ومنشؤه أنه أولًا تصحَّف «العقل» إلى «لِفعل» في ص، ثم ألحقت كلمة «العقل» مصحَّحًا عليها في الهامش دون الضرب على التصحيف في الصُّلب. ولعله عنها نسخت الكلمتان معًا في نسخة ز.
(٢) أي: النفس مجبولة على حب العاجل وإيثاره. واستعمال «موكَّل» بهذا المعنى له نظائر في كتب المؤلف. انظر: «مدارج السالكين» (٢/ ٤٧٠) وتعليقي عليه. وانظر: «تكملة المعاجم» لدوزي (١١/ ٢٠٥).
(٣) كذا في ص، ج، ز، ع بالياء في الفعلين، وهي قراءة أبي عمرو التي كانت سائدة في الديار الشامية في زمن المؤلف، ورواية حفص عن عاصم بالتاء فيهما.
(٤) ك، ع: «بالناس» ..
[ ٣ / ١٨ ]
مؤنة الناس، ومن أرضى الناسَ بسخط الله لم يُغْنُوا عنه من الله شيئًا (^١).
ومن تأمل أحوال العالم رأى هذا كثيرًا فيمن يُعين الرؤساءَ على أغراضهم الفاسدة، وفيمن يعين أهلَ البدع على بِدَعهم (^٢) هربًا من (^٣) عقوبتهم، فمن هداه الله وألهمه رُشْدَه ووقاه شرَّ نفسه امتنع من الموافقة على فعل المحرَّم وصبر على عداوتهم ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، كما كانت الرسلُ (^٤) وأتباعُهم كالمهاجرين والأنصار، ومن ابتلي من العلماء والعباد وصالحي الولاة والتجار وغيرِهم.
ولما كان الألم لا مَخْلَص (^٥) منه البتة عزَّى سبحانه مَن اختار الألم اليسير المنقطع على العظيم المستمر بقوله: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]، فضرب لمدة هذا الألم أجلًا لا بد أن يأتي وهو يوم لقائه، فيلتذُّ العبدُ أعظمَ لذَّةٍ بما تحمَّل من الألم من أجله وفي مرضاته، وتكون لذَّتُه وسروره وابتهاجه بقدرِ ما تحمَّل من الألم في الله ولله.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٤١٤) وأحمد في «الزهد» (٩١٠) وأبو داود أيضًا في «الزهد» (٣٢٩) وأبو القاسم البغوي في «حديث ابن الجعد» (١٥٩٣) عن عائشة موقوفًا عليها بأسانيد صحاح. ورُوي ذلك مرفوعًا عنها عند الترمذي (٢٤١٤) وابن حبان (٢٧٦، ٢٧٧) وغيرهما، ولا يصحّ. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (١٨٠٠) وللدارقطني (٣٥٢٤) و«الضعفاء» للعقيلي (٤/ ٤٣٦).
(٢) ص، ز: «بدعتهم».
(٣) ص، ج: «هو يأمن»، تحريف، وكذا كُتب في ز ثم أُصلح.
(٤) ص، ز، ج، المطبوع: «للرسل».
(٥) ز: «يُخلَص». والمطبوع: «محيص»، تصحيف لأنه يقتضي أن يليه «عنه».
[ ٣ / ١٩ ]
وأكد هذا العزاء والتسلية برجاء لقائه (^١) ليَحمِل العبدَ اشتياقُه إلى لقاء ربه ووليِّه على تحمُّلِ مشقة الألم العاجل، بل ربما غيَّبه الشوق إلى لقائه عن شهود الألم والإحساس به، ولهذا سأل النبيُّ - ﷺ - ربَّه الشوقَ إلى لقائه فقال في الدعاء الذي رواه أحمد وابن حبان (^٢): «اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيِني إذا كانت الحياةُ خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاةُ خيرًا لي، وأسألك خشيتَك في الغيبِ والشهادة، وأسألك كلمةَ الحقِّ في الغضب والرضى، وأسألك القصدَ في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا يَنْفَد، وأسألك قُرَّةَ عَينٍ لا تنقطع، وأسألك الرضى بعد القضاء، وأسألك بردَ العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، وأسألك الشوقَ إلى لقائك في غيرِ ضرَّاءَ مُضرَّةٍ ولا فتنةٍ مُضلَّة، اللهم زَيِّنَّا بزينة الإيمان واجعلنا هداةً مهتدين».
فالشوق يحمِل المشتاقَ على الجِدِّ في السَّير إلى محبوبه، ويقرِّب عليه الطريق ويطوي له البُعدَ (^٣) ويُهوِّن عليه الآلام والمشاقَّ، وهو من أعظم نعمة أنعمها الله (^٤) على عبده، ولكن لهذه النعمة أقوالٌ وأعمال هما السبب الذي تُنال به، والله سبحانه سميع لتلك الأقوال، عليم بتلك الأفعال، وهو عليم
_________________
(١) م، ق، ب: «لقاء ربه».
(٢) أحمد (١٨٣٢٥) وابن حبّان (١٩٧١)، وأخرجه أيضًا النسائي (١٣٠٥، ١٣٠٦) والحاكم (١/ ٥٢٤)، من طريقين عن عمّار بن ياسر - ﵁ -. وهو حديث صحيح. وفي الباب عن زيد بن ثابت وفَضالة بن عُبيد مرفوعًا، وعن عبد الله بن مسعود موقوفًا عليه.
(٣) ص، ز، ك، ع، ن: «البعيد».
(٤) ص، ز، ج، ن: «أنعم الله بها»، والمثبت ورد في هامش ص أيضًا وكتب عليه: «الأصل».
[ ٣ / ٢٠ ]
بمن يصلح لهذه النعمة ويشكرها ويعرفُ قدرَها ويحبُّ المنعم عليها (^١)، فتَصْلُح (^٢) عنده هذه النعمة (^٣)، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]. فإذا فاتت العبدَ نعمةٌ من نِعَم ربه فليقرأ على نفسه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾.
ثم عزَّاهم تعالى بعزاءٍ آخر (^٤)، وهو أن جهادهم فيه إنما هو لأنفسهم، وثمرته عائدة عليهم، وأنه غني عن العالمين، ومصلحة هذا الجهاد ترجع إليهم لا إليه سبحانه، ثم أخبر أنه يُدخلهم بجهادهم وإيمانهم في زمرة الصالحين.
ثم أخبر عن حال الداخل في الإيمان بلا بصيرةٍ (^٥)، وأنه إذا أوذي في الله جعل فتنة الناس له ــ وهي أذاهم له ونيلهم إياه بالمكروه والألم الذي لا بد أن يناله الرسلُ وأتباعُهم ممن خالفهم ــ، جعل ذلك في فراره منه وتركه
_________________
(١) أي يحبُّ العبدُ ربَّه على هذه النعمة. وفي المطبوع: «عليه»، وفي ز ضرب بعضهم على «عليها» وكتب فوقه: «عليه بها»، وكلُّ ذلك توهّمًا أن الضمير يرجع إلى العبد وأن الجار متعلق بـ «المنعم»، وليس كذلك، وإنما يرجع الضمير إلى النعمة ويتعلّق الجار بـ «يحبُّ».
(٢) ج: «فيضع»، تصحيف.
(٣) بعده في المطبوع: «ويصلح بها»، وليست في الأصول.
(٤) وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ في مطلع سورة العنكبوت.
(٥) وذلك في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ﴾ الآية.
[ ٣ / ٢١ ]
فصل: إسلام أبي بكر وخديجة في مبتدأ الدعوة
السببَ الذي ناله به كعذاب الله الذي فر منه المؤمنون بالإيمان.
فالمؤمنون لكمال بصيرتهم فرُّوا من ألم عذاب الله إلى الإيمان، وتحمَّلوا ما فيه من الألم الزائل المُفارق عن قُرب (^١). وهذا لضعف بصيرته فرَّ من ألمِ عذابِ أعداءِ الرسل إلى موافقتهم ومتابعتهم، ففرَّ من ألم عذابهم إلى ألم عذاب الله، فجعل ألم فتنةِ الناس في الفرار منه بمنزلة ألم عذاب الله، وغبن كلَّ الغَبْن؛ إذ (^٢) استجار من الرمضاء بالنار، وفرَّ من ألم ساعةٍ إلى ألم الأبد. وإذا نصر الله جندَه وأولياءه قال: إني كنت معكم، والله عليم (^٣) بما انطوى عليه صدرُه من النفاق.
والمقصود: أن الله سبحانه اقتضت حكمته أنه لا بد أن يمتحنَ النفوسَ ويبتليَها، فيظهَر بالامتحان طيِّبُها من خبيثها، ومن يصلح لموالاته وكرامته ومن لا يصلح، وليمحِّص النفوس التي تصلح له ويُخلِّصها بِكِير الامتحان، كالذهب الذي لا يصفُو ويَخْلُص من غشِّه إلا بالامتحان؛ إذ النفس في الأصل جاهلة ظالمة، وقد حصل لها بالجهل والظلم من الخبث ما يحتاج خروجه إلى السَّبْك والتصفية، فإن خرج في هذه الدار وإلا ففي كِير جهنم، فإذا هُذِّب العبدُ ونُقِّي أُذِن له في دخول الجنة.
فصل
ولما دعا - ﷺ - إلى الله ﷿ استجاب له عبادُ الله من كل قبيلة، فكان
_________________
(١) ك، ع: «قريب».
(٢) في الأصول عدا ج: «إذا»، والمثبت منه أشبه.
(٣) ك، ع: «أعلم».
[ ٣ / ٢٢ ]
فصل: ذكر السابقين إلى الإسلام
حائزَ قصبِ سَبْقِهم صدِّيقُ الأمة وأسبقُها إلى الإسلام أبو بكر - ﵁ -، فآزره في دين الله ودعا معه إلى الله على بصيرة، فاستجاب لأبي بكر: عثمانُ بن عفَّان، وطلحةُ بن عبيد الله، وسعدُ بن أبي وقَّاص.
وبادر إلى الاستجابة له - ﷺ - صدِّيقةُ النساء خديجةُ بنت خُوَيلد، وقامت بأعباء الصدِّيقيَّة، وقال لها: «لقد خشيتُ على عقلي (^١)»، فقالت: أبشِر، فوالله لا يُخزِيك الله أبدًا، ثم استدلَّتْ بما فيه من الصفات والأخلاق والشِّيَم على أن من كان كذلك لا يَخْزى أبدًا (^٢)؛ فعَلِمت بكمال عقلها وفطرتها أن الأعمال الصالحة والأخلاقَ الفاضلةَ والشِّيَم الشريفةَ تُناسِبُ أشكالَها من كرامة الله وتأييده وإحسانه، لا تناسب الخِزْيَ والخِذلان، وإنما يناسبه أضدادُها، فمن ركَّبه الله على أحسن الصفات وأحسن الأخلاق والأعمال إنما يليق به كرامتُه وإتمامُ نعمته عليه، ومن ركَّبه على أقبح الصفات وأسوأ الأخلاق والأعمال إنما يليق به ما يناسبها، وبهذا العقل والصديقية استحقَّتْ أن يُرسِل إليها ربُّها السلامَ منه مع رسولَيه جبريلَ ومحمدٍ - ﷺ - (^٣).
فصل
وبادر إلى الإسلام علي بن أبي طالب (^٤) ابنَ ثمان سنين، وقيل: أكثر من ذلك، وكان في كفالة رسول الله - ﷺ -، أخذه من عمِّه إعانةً له في سنةِ مَحْلٍ (^٥).
_________________
(١) كذا في الأصول، وفي هامش ز والمطبوع: «نفسي» وفاقًا للفظ الحديث.
(٢) أخرجه البخاري (٣، ٤٩٥٣، ٦٩٨٢) ومسلم (١٦٠).
(٣) كما عند البخاري (٣٨٢٠) ومسلم (٢٤٣٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٤) زِيد بعده في ز بخط مغاير: «وهو»، وفي المطبوع: «وكان».
(٥) أي سنة جدب.
[ ٣ / ٢٣ ]
وبادر زيد بن حارثة حِبُّ رسول الله - ﷺ -، وكان غلامًا لخديجة فوهبَتْه لرسول الله - ﷺ - لما تزوَّجها، وقَدِم أبوه وعمُّه في فدائه فسألا عن النبي - ﷺ - فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه فقالا: يا ابنَ عبد المطلب، يا ابنَ هاشم، يا ابنَ سيِّدِ قومه، أنتم أهل حرم الله وجيرانه، تفكُّون العاني وتُطعمون الأسير، جئناك في ابننا (^١) عندك، فامنُنْ علينا وأحسِنْ إلينا في فدائه، قال: «من هو؟» قالوا: زيد بن حارثة، فقال رسول الله - ﷺ -: «فهَّلا غير ذلك؟» قالوا: ما هو؟ قال: «أدعوه فأخيِّرُه، فإن اختاركم فهو لكم، وإن اختارني فواللهِ ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدًا»، قالا: قد زِدتَنا (^٢) على النَّصَف وأحسنت، فدعاه فقال: «هل تعرف هؤلاء؟» قال: نعم، قال: «من هذا؟» قال: هذا أبي وهذا عمي، قال: «فأنا مَن قد علمتَ ورأيتَ صحبتي لك، فاختَرْني أو اخترهما»، قال: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني مكانَ الأب والعمِّ، فقالا: ويحك يا زيد! أتختار العُبودية على الحرية وعلى أبيك وعمِّك وعلى أهل بيتك؟! قال: نعم، قد رأيتُ من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا، فلما رأى رسول الله - ﷺ - ذلك أخرجه إلى الحِجر فقال: «أشهدكم أن زيدًا ابني يرثني وأرثه»، فلما رأى ذلك أبوه وعمُّه طابت نفوسهما فانصرفا، ودُعي زيدَ بن محمَّدٍ حتى جاء الله (^٣) بالإسلام فنزلت ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، فدُعي يومئذ: زيدَ بن حارثة (^٤).
_________________
(١) ز: «ابن لنا».
(٢) المطبوع: «رددتنا»، تصحيف.
(٣) لفظ الجلالة سقط من م، ق، ب.
(٤) أخرج القصة بهذا السياق ابن سعد في «الطبقات» (٣/ ٣٩ - ٤١) والزبير بن بكّار ــ كما في «الاستيعاب» (٢/ ٥٤٣ - ٥٤٥) واللفظ له ــ كلاهما من طريق ابن الكلبي عن أبيه وعن جميل بن مرثد الطائي وغيرهما .. وابن الكلبي ــ هشام بن محمد بن السائب ــ أخباريٌّ نسَّابة، لكنه متروك الحديث كأبيه، وجميل بن مرثد لم أعرفه. ورويت القصة من وجه آخر بسياق أطول، أخرجها تمَّام (١٢٠٠) والحاكم (٣/ ٢١٣) من طريق يحيى بن أيوب بن أبي عقال بن زيد بن حسن بن أسامة بن زيد بن حارثة، عن عمِّه زيد بن أبي عقال، عن أبيه، عن آبائه. قال الحافظ في «الإصابة» (١/ ٦١٥): رجال إسناده مجهولون.
[ ٣ / ٢٤ ]
قال معمر في «جامعه» (^١) عن الزُّهري: «ما علمنا أحدًا أسلم قبل زيد بن حارثة». وهو الذي أخبر الله عنه في كتابه أنه أنعم عليه وأنعم عليه رسولُه وسمَّاه باسمه (^٢).
وأسلم القَسُّ ورقةُ بن نَوفَل وتمنى أن يكون جَذَعًا إذ يُخرِج رسولَ الله - ﷺ - قومُه (^٣). وفي «جامع الترمذي» (^٤) أن رسول الله - ﷺ - رآه في المنام في هيئة حسنة. وفي حديثٍ آخر (^٥): أنه رآى عليه ثيابَ بياضٍ.
_________________
(١) برقم (٢٠٣٩٣) مع «مصنف عبد الرزاق».
(٢) وذلك في سورة الأحزاب: ٣٧.
(٣) كما في حديث عائشة الطويل في بدء الوحي عند البخاري (٣) ومسلم (١٦٠).
(٤) برقم (٢٢٨٨) من طريق عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة بلفظ: «أُرِيتُه في المنام وعليه ثياب بياض، ولو كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذلك». قال الترمذي: «هذا حديث غريب، وعثمان بن عبد الرحمن ليس عند أهل الحديث بالقوي». قلت: بل إنه متروك ذاهب الحديث، وقد اتهمه ابن معين بالكذب. وأخرج ابن أبي شيبة (٣٧٧١٠) والآجري في «الشريعة» (٩٧٣) والبيهقي في «الدلائل» (٢/ ١٥٨) من مرسل التابعي الكبير عمرو بن شُرَحبيل أن النبي - ﷺ - قال: «لقد رأيت القسَّ في الجنة وعليه ثياب الحرير»، ولفظ ابن أبي شيبة: «ثياب خضر».
(٥) بل هو نفس حديث الترمذي السابق.
[ ٣ / ٢٥ ]
ودخل الناس في الدين واحدًا بعد واحدٍ، وقريش لا تنكر ذلك حتى بادأهم بعيب دينهم وسبِّ آلهتهم وأنها لا تضر ولا تنفع، فحينئذٍ شمَّروا له ولأصحابه عن ساق العداوة فحمى الله رسولَه بعمِّه أبي طالب، لأنه كان شريفًا معظَّمًا في قريشٍ، مُطاعًا في أهل مكة، لا يتجاسرون على مكاشفته بشيء من الأذى.
وكان من حكمة أحكم الحاكمين بقاؤه على دينِ قومه لِما في ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأمَّلها.
وأما أصحابه، فمن كان له عشيرة تحميه امتنع بعشيرته، وسائرُهم تصدَّوا له بالأذى والعذاب، منهم عمَّار بن ياسر وأمُّه وأهلُ بيته عُذِّبوا في الله. وكان رسول الله - ﷺ - إذا مرَّ بهم وهم يُعذَّبون يقول: «صبرًا يا آل ياسرٍ فإن موعدَكم الجنة» (^١).
ومنهم بلال بن رباح، فإنه عُذِّب في الله أشدَّ العذاب، فهان على قومه وهانت عليه نفسه في الله، وكان كلَّما اشتد به (^٢) العذاب يقول: أحدٌ أحدٌ،
_________________
(١) أخرجه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» (١٠١٦ - بغية الباحث) ــ ومن طريقه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٦٦٦٢) ــ وابن سعد في «الطبقات» (٣/ ٢٣٠) من حديث عثمان بن عفان - ﵁ -، وفي إسناده انقطاع. وله شاهد بنحوه من حديث أبي الزبير عن جابر عند الطبراني في «الأوسط» (١٥٠٨) والحاكم (٣/ ٣٨٨ - ٣٨٩). وله شواهد أخرى مرسلة من حديث عبد الله بن جعفر - ﵄ -، ويوسف بن ماهَك، ورجال من آل ياسر. انظر: «الطبقات الكبير» لابن سعد (٣/ ٢٣٠) و«شعب الإيمان» (١٥١٥) و«الإصابة» (١١/ ٣٧٥)، (١٣/ ٤٩٣).
(٢) ز، ع: «عليه».
[ ٣ / ٢٦ ]
فصل: هجرة المؤمنين الأولى إلى الحبشة عند اشتداد أذى المشركين
فيمر به ورقة بن نوفل فيقول: إي والله يا بلال! أحدٌ أحدٌ، أما والله لئن قتلتموه لأتخذنَّه حنانًا (^١).
فصل
ولما اشتد أذى المشركين على من آمن، وفُتِن منهم (^٢) من فتن حتى يقولوا لأحدهم: اللَّات (^٣) إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، وحتى إن الجُعَل ليمرُّ بهم فيقولون: وهذا إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم (^٤).
ومرَّ عدوُّ الله أبو جهل بسُميَّةَ أمِّ عمار بن ياسر ــ وهي تُعذَّب وزوجَها وابنَها ــ فطعنها بحربةٍ في فرجها فقتلها (^٥).
وكان الصدِّيقُ إذا مرَّ بأحدٍ من العبيد يعذَّب اشتراه منهم وأعتقه، منهم: بلال، وعامر بن فُهَيرة، وأم عُبَيس، وزِنِّيرة، والنَّهْدية، وابنتها، وجاريةٌ لبني عدي (^٦) كان عمر يُعذِّبها على الإسلام قبل إسلامه. وقال له أبوه: يا بُنيَّ أراك
_________________
(١) ذكره ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٣١٨) ــ عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه مرسلًا. وقوله: «حنانًا» أي مظنَّة حنانٍ من الله فأتمسَّح بقبره متبركًا، كما كانت النصارى تفعل بقبور صالحيهم. انظر: «النهاية» (حنن).
(٢) «منهم» ساقطة من ص. وفي ك، ع تقدَّمت إلى «آمن».
(٣) زِيد في المطبوع: «والعزّى» أخذًا من «سيرة ابن هشام»، وليس في الأصول.
(٤) أسنده ابن إسحاق ــ كما عند ابن هشام (١/ ٣٢٠) ــ عن ابن عباس بإسناد ضعيف.
(٥) فكانت أوَّلَ شهيدٍ في الإسلام. انظر: «مصنف بن أبي شيبة» (٣٤٥٧٠) و«طبقات ابن سعد» (١٠/ ٢٥١).
(٦) ص، ز، ج، ن: «ابن عدي»، وتصحّفت أيضًا بعض الأسماء السابقة في بعض الأصول، والتصحيح من كتب السيرة والتاريخ.
[ ٣ / ٢٧ ]
تعتق رقابًا ضعافًا فلو أنك أعتقت قومًا جُلُدًا يمنعونك، فقال له أبو بكر: «إني أريد ما أريد» (^١).
فلما اشتد البلاء أذن الله سبحانه لهم في الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة. وكان أولُ من هاجر إليها عثمانَ بن عفان، ومعه زوجتُه رقية بنت رسول الله - ﷺ -، وكان أهل هذه الهجرة الأولى اثني عشر رجلًا وأربعَ نسوة: عثمان وامرأته، وأبو حذيفة وامرأته سهلة بنت سهيل، وأبو سلمة وامرأته أم سلمة، والزبير، [ومصعب بن عمير] (^٢)، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبي حَثْمة، وأبو سَبْرة بن أبي رُهم، وحاطب بن عمرو، وسهيل بن وهب، وعبد الله بن مسعود (^٣).
خرجوا متسلِّلين سرًّا فوفَّق الله لهم ساعةَ وصولهم إلى الساحل سفينتَين للتجَّار فحملوهم فيها (^٤) إلى أرض الحبشة، وكان مخرجهم في رجبٍ من (^٥) السنة الخامسة من المبعث. وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر فلم يدركوا منهم أحدًا.
_________________
(١) «سيرة ابن هشام» (١/ ٣١٨ - ٣١٩). وانظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٣١٩٣٩) و«معرفة الصحابة» لأبي نُعيم (٨٠٠٦) و«الإصابة» (٦/ ٢٧٦).
(٢) أخلّت به الأصول، واستدرك من المطبوع ومصادر السيرة، وبه يكتمل العدد.
(٣) انظر: «الطبقات» لابن سعد (١/ ١٧٣)، ولعل المؤلف صادر عن «السيرة النبوية» (ق ٢٩ ــ نسخة شستربيتي) للحافظ عبد المؤمن بن خلف الدمياطي (ت ٧٠٥)، وسيأتي تصريح المؤلف بالنقل منه في بعض المواضع.
(٤) «فيها» ساقطة من ك، ع. والوجه: «فيهما» كما في المطبوع.
(٥) ص، ز، ج، ن: «في».
[ ٣ / ٢٨ ]
ثم بلغهم أن قريشًا قد كفُّوا عن النبي - ﷺ - فرجعوا، فلما كانوا دون مكة بساعةٍ من نهار بلغهم أن قريشًا أشدُّ ما كانوا عداوةً لرسول الله - ﷺ -، فدخل من دخل منهم بجوارٍ. وفي تلك المرة دخل ابنُ مسعودٍ فسلَّم على النبي - ﷺ - وهو في الصلاة فلم يردَّ عليه (^١)، فتعاظم ذلك على ابن مسعود حتى قال له النبي - ﷺ -: «إن الله قد أحدث مِن أمره أن لا تَكلَّموا في الصلاة» (^٢).
هذا هو الصواب، وزعم ابنُ سعد (^٣) وجماعة أن ابن مسعود لم يدخل، وأنه رجع إلى الحبشة حتى قدم في المرة الثانية إلى المدينة مع من قدم. ورُدَّ هذا بأن ابن مسعود شهد بدرًا وأَجْهَزَ على أبي جهل (^٤)، وأصحابُ هذه الهجرة إنما قدموا المدينة مع جعفرٍ وأصحابه بعد بدر بأربعِ سنين أو خمسٍ (^٥).
قالوا: فإن قيل: بل هذا الذي ذكره ابن سعد يوافق قولَ زيد بن أرقم: «كنا نقوم في الصلاة فيكلِّم الرجلُ جليسَه حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأُمِرْنا بالسكوت ونُهِينا عن الكلام» (^٦). وزيد بن أرقم من
_________________
(١) «عليه» ساقطة من ص، ج، ز، ن.
(٢) أخرجه أحمد (٣٥٧٥) وأبو داود (٩٢٤) وابن حبان (٢٢٤٣)، وعلّقه البخاري عن ابن مسعود مجزومًا به في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي﴾.
(٣) في «الطبقات» (١/ ١٧٥) فيما أسنده عن شيخه الواقدي عن محمد بن عبد الله (ابن أخي الزهري)، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث مرسلًا.
(٤) كما في البخاري (٣٩٦١، ٣٩٦٢) من حديث ابن مسعود وأنس، وسيأتي مفصلًا في أحداث الغزوة.
(٥) وذلك حين افتتح النبي - ﷺ - خيبر، كما في البخاري (٤٢٣٠) من حديث أبي موسى الأشعري.
(٦) أخرجه البخاري (١٢٠٠، ٤٥٣٤) ومسلم (٥٣٩) بنحوه.
[ ٣ / ٢٩ ]
الأنصار والسورة مدنية، وحينئذٍ فابنُ مسعود سلَّم عليه لما قدم وهو في الصلاة فلم يردَّ عليه حتى سلَّم (^١) وأعلمه بتحريم الكلام، فاتفق حديثه وحديث زيد بن أرقم.
قيل: يُبطل هذا شهودُ ابن مسعود بدرًا، وأهل الهجرة الثانية إنما قَدِموا عام خيبر مع جعفر وأصحابه، ولو كان ابن مسعود ممن قدم قبل ذلك (^٢) لكان لقدومه ذِكر، ولم يَذكر أحد قدومَ مهاجري الحبشة إلا في القَدْمة الأولى بمكة والثانيةِ عامَ خيبر مع جعفر، فمتى قدم ابنُ مسعود في غير هاتين المرّتين (^٣)؟
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاق، قال (^٤): وبلغ أصحابَ رسول الله - ﷺ - الذين خرجوا إلى أرض الحبشة إسلامُ أهل مكة فأقبلوا، فلمَّا بلغهم أن إسلام أهل مكة كان باطلًا لم يدخل أحد منهم (^٥) إلا بجوار أو مستخفيًا. وكان ممن قدم منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد بدرًا وأُحُدًا فذكر منهم عبد الله بن مسعود.
فإن قيل: فما تصنعون بحديث زيد بن أرقم؟ قيل: قد أجيب عنه بجوابين:
_________________
(١) أي النبي - ﷺ - من صلاته، وفي م، ق، ك، ع: «حين سلَّم» أي ابن مسعود.
(٢) ص، ز، ج، ن: «قبل بدرٍ».
(٣) ص، ز، ج، ن، الطبعة الهندية: «ومع من» بدل «المرتين»، والمثبت من سائر الأصول، وكتب عليه «صح» في م. وفي طبعة الرسالة أُثبت كلاهما.
(٤) «قال» ليست في ص، ز، ق. وانظر لقوله: «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٦٤ - ٣٦٦).
(٥) م، ب: «منهم أحد».
[ ٣ / ٣٠ ]
الهجرة الثانية إلى الحبشة
أحدهما: أن يكون النهي عنه قد ثبت بمكة، ثم أُذِن فيه بالمدينة ثم نُهي عنه.
والثاني: أن زيد بن أرقم كان من صغار الصحابة فكان هو وجماعة يتكلمون في الصلاة على عادتهم ولم يبلغهم النهي، فلمَّا بلغهم انتهوا. وزيد لم يخبر عن جماعة المسلمين كلِّهم بأنهم كانوا يتكلمون في الصلاة إلى حين نزول هذه الآية، ولو قُدِّر أنه أخبر بذلك لكان وهمًا منه.
ثم اشتد البلاء من قريش على من قدم من مهاجري الحبشة وغيرهم، وسَطَت بهم عشائرُهم ولقوا منهم أذًى شديدًا، فأذن لهم رسول الله - ﷺ - في الخروج إلى أرض الحبشة مرةً ثانيةً، فكان خروجهم الثاني أشقَّ عليهم وأصعب، ولَقُوا من قريش تعنيفًا (^١) شديدًا ونالوهم بالأذى، وصعب عليهم ما بلغهم عن النجاشيِّ مِن حسن جِواره لهم.
وكان عدةَ من خرج في هذه المرة ثلاثةٌ وثمانون رجلًا ــ إن كان فيهم عمارُ بن ياسر، فإنه يشك فيه، قاله ابن إسحاق (^٢) ــ ومن النساء تسع عشرة امرأةً (^٣).
قلت: قد ذُكر (^٤) في هذه الهجرة الثانية عثمان بن عفان وجماعة ممن شهد بدرًا فإما أن يكون هذا وهمًا وإما أن يكون لهم قَدْمة أخرى قبل بدرٍ،
_________________
(١) ك، ع: «تعسُّفًا»، وهو الظلم.
(٢) كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٣٠).
(٣) ذكره ابن سعد في «الطبقات الكبير» (١/ ١٧٦) عن شيخه الواقدي بأسانيد له عن أم سلمة وبعض التابعين. والمؤلف صادر عن «السيرة النبوية» للدمياطي (ق ٣١).
(٤) كما في المصدرين السابقين.
[ ٣ / ٣١ ]
فيكون لهم ثلاث قَدَمات: قدمة قبل الهجرة، وقدمة قبل بدر، وقدمة عام خيبر، وكذلك قال ابن سعد (^١) وغيره: إنهم لما سمعوا مهاجَرَ رسول الله - ﷺ - إلى المدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلًا ومن النساء ثماني نسوةٍ، فمات منهم رجلان بمكة، وحبس بمكة سبعة نَفَرٍ، وشهد بدرًا منهم أربعة وعشرون (^٢) رجلًا.
فلما كان شهرُ ربيع الأول سنة سبع من هجرة رسول الله - ﷺ - إلى المدينة كتب رسول الله - ﷺ - كتابًا إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام وبعث به مع عمرو بن أُميَّة الضَّمْري، فلما قرئ عليه الكتاب أسلم وقال: لو قدرت أن آتيه لأتيتُه.
وكتب إليه أن يُزوِّجَه أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت فيمن هاجر إلى أرض الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش فتنصَّر هناك ومات، فزوَّجه النجاشيُّ إياها وأصدقها عنه أربعمائة دينار (^٣)، وكان الذي ولي تزويجها خالد بن سعيد بن العاص.
وكتب إليه رسول الله - ﷺ - أن يبعث إليه من بقي عنده من أصحابه ويحملَهم، ففعل وحملهم في سفينتين مع عمرو بن أميَّة الضَّمْري، فقدموا
_________________
(١) في «طبقاته»، والفقرات الآتية فيه أيضًا ضمن ما أسنده عن شيخه الواقدي بأسانيده. والنقل بواسطة «سيرة الدمياطي».
(٢) ك، ع: «سبعة وعشرون»، خطأ.
(٣) كما يدل عليه حديثها عند أحمد (٢٧٤٠٨) وأبي داود (٢١٠٧) والنسائي (٣٣٥٠)، ففيه أن النجاشي أصدقها أربعة آلاف درهم، وهو في الصرف يساوي أربعمائة دينار.
[ ٣ / ٣٢ ]
على رسول الله - ﷺ - بخيبر فوجدوه قد فتحها، فكلَّم رسولُ الله - ﷺ - المسلمين أن يدخلوهم في سُهمانهم (^١) ففعلوا (^٢).
وعلى هذا فيزول الإشكال الذي بين (^٣) حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم، ويكون ابن مسعود قدم في المرة الوسطى بعد الهجرة قبل بدرٍ إلى المدينة، وسلَّم عليه حينئذ فلم يردَّ عليه، وكان العهد حديثًا بتحريم الكلام كما قال زيد بن أرقم، ويكون تحريمُ الكلام بالمدينة لا بمكة. وهذا أنسب بالنسخ الذي وقع في الصلاة والتغيير بعد الهجرة، كجعلها أربعًا بعد أن كانت ركعتين ووجوبِ الاجتماع لها.
فإن قيل: ما أحسنَه من جمعٍ وأبينَه لولا أن محمد بن إسحاق قد قال ما حكيتم عنه أن ابن مسعود أقام بمكة بعد رجوعه من الحبشة حتى هاجر إلى المدينة وشهد بدرًا، وهذا يدفع ما ذكرتم.
قيل: إن كان محمد بن إسحاق قد قال هذا، فقد قال محمد بن سعد في «طبقاته» (^٤): إن ابنَ مسعود مكث يسيرًا بعد مَقْدَمِه ثم رجع إلى أرض الحبشة. وهذا هو الأظهر؛ لأن ابن مسعود لم يكن له بمكة من يَحمِيه، وما
_________________
(١) ن، المطبوع: «سهامهم».
(٢) هنا انتهى النقل من «الطبقات الكبير». وإسهامُ النبي - ﷺ - للقادمين من الحبشة قد ثبت في البخاري (٣١٣٦) ومسلم (٢٥٠٢) من حديث أبي موسى الأشعري، وسيأتي مفصّلًا في أحداث الغزوة.
(٣) ك، ع: «في».
(٤) (١/ ١٧٥).
[ ٣ / ٣٣ ]
حكاه ابنُ سعد قد تضمن زيادة أمرٍ خفي على ابن إسحاق، وابنُ إسحاق لم يذكر من حدَّثه ومحمد بن سعد أسند ما حكاه إلى المُطَّلِب بن عبدِ الله بن حَنْطَب (^١)، فاتفقت الأحاديث وصدَّق بعضُها بعضًا، وزال عنها الإشكال، ولله الحمد والمنة.
وقد ذكر ابن إسحاق (^٢) في هذه الهجرة إلى الحبشة أبا موسى الأشعري عبدَ الله بن قيس، وقد أنكر ذلك عليه أهلُ السير، منهم: محمد بن عمر الواقدي (^٣) وغيره، وقالوا: كيف يخفى ذلك على ابن إسحاق أو على من دونه؟!
قلت: وليس ذلك مما يخفى على من هو دون محمد بن إسحاق فضلًا عنه، وإنما نشأ الوهم أن أبا موسى هاجر من اليمن إلى أرض الحبشة إلى عند جعفر (^٤) وأصحابه لما سمع بهم، ثم قدم معهم على رسول الله - ﷺ - بخيبر، كما جاء مصرحًا به في «الصحيح» (^٥)، فعدَّ ذلك ابنُ إسحاق لأبي
_________________
(١) بل إلى التابعي الفقيه أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي. وأما المطلب بن عبد الله بن حنطب فأسند إليه قصة سبب رجوع المهاجرين من أرض الحبشة. انظر: «الطبقات» (١/ ١٧٤) و«سيرة الدمياطي» (ق ٣٠).
(٢) كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٢٤) في جملة من هاجر إلى الحبشة.
(٣) لم أجد كلام الواقدي في الإنكار عليه. وانظر: «الطبقات» لابن سعد (٤/ ٩٨ - ٩٩) و«الاستيعاب» (٣/ ٩٧٩ - ٩٨٠).
(٤) «إلى عند» شائع في كلام المؤلف وشيخه، وقد عُدَّ لحنًا كما في «درَّة الغوَّاص» (١٩).
(٥) البخاري (٣١٣٦) ومسلم (٢٥٠٢) من حديث أبي موسى، وفيه أنه هو ورهطه الأشعريّون إنما خرجوا من اليمن مهاجرين إلى رسول الله - ﷺ - ولكن ألقتْهم سفينتُهم إلى أرض الحبشة، فأقاموا هناك مع جعفر وأصحابه حتى قدموا جميعًا حين افتتح خيبر.
[ ٣ / ٣٤ ]
فصل: محاولة قريش أن يرد النجاشي عليهم المهاجرين
موسى هجرةً (^١)، ولم يقل: إنه هاجر من مكة إلى الحبشة (^٢) ليُنْكَرَ عليه (^٣).
فصل
فانحاز المهاجرون إلى مملكة أَصْحَمة النجاشي آمنين، فلما علمت قريش بذلك بعثت في أثرهم عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بهدايا وتُحَف من بلادهم إلى النجاشي ليردَّهم عليهم، فأبى ذلك عليهم، وتشفَّعُوا إليه بعظماء جُنده (^٤) فلم يُجِبْهم إلى ما طلبوا، فوَشَوا إليه أن هؤلاء يقولون في عيسى قولًا عظيمًا، يقولون: إنه عبدٌ، فاستدعى المهاجرين إلى مجلسه ومقدَّمهم جعفر بن أبي طالب، فلما أرادوا الدخول عليه قال جعفر: يستأذن عليك حزبُ الله، فقال للآذن: قل له: يعيد استئذانَه، فأعاده، فلما دخلوا عليه قال: ما تقولون في عيسى؟ فتلا عليه جعفر صدرًا من سورة كهيعص، فأخذ النجاشي عُودًا من الأرض فقال: ما زاد عيسى على هذا، ولا هذا العود، فتناخرت (^٥) بطارقته حوله، فقال:
_________________
(١) بل قد عدَّ ذلك النبي - ﷺ - هجرةً حين قال: «ولكم أنتم ــ أهل السفينة ــ هجرتان» كما في البخاري (٤٢٣١) ومسلم (٢٥٠٣)، فقول النبي - ﷺ - يشمل بعمومه الأشعريين فإنهم كانوا في السفينة مع جعفر وأصحابه، ولذا قال أبو موسى الأشعري: «ما من الدنيا شيء هم [أي: الأشعريّون] به أفرحُ ولا أعظمُ في أنفسهم مما قال لهم رسول الله - ﷺ -».
(٢) ق، ن، والنسخ المطبوعة: «أرض الحبشة».
(٣) عليه يُحمَل قول ابن سعد في «الطبقات» (٤/ ٩٩): إن ابن إسحاق لم يذكر أبا موسى فيمن هاجر إلى أرض الحبشة. أي: لم يذكره فيمن هاجر مِن مكة إلى أرض الحبشة.
(٤) طبعة الرسالة: «بطارقته» خلافًا للأصول وللطبعة الهندية.
(٥) أي غضبت وثارت، والنخير في الأصل: مدّ الصوت والنَفَس في الخياشيم، وكثيرًا ما يكون ذلك من المُغضَب إظهارًا لغضبه ونفوره.
[ ٣ / ٣٥ ]
فصل: تعاقد قريش على مقاطعة بني هاشم ومحاصرتهم في الشعب
وإن نخرتم، وإن نخرتم (^١)! ثم قال: اذهبوا فأنتم سُيُوم بأرضي، من سبَّكم غُرِّم. و«السيوم» بلسانهم: الآمنون (^٢). وقال للرسولين: لو أعطيتموني دَبْرًا من ذهب ــ يقول: جبلًا من ذهب ــ ما أسلمتهم إليكما، ثم أمر فرُدَّت عليهما هداياهما ورجعا مقبوحَين (^٣).
فصل
ثم أسلم حمزة عمُّه وجماعة كثيرون وفشا الإسلام، فلما رأت قريش أمرَ رسول الله - ﷺ - يعلو الأمورَ ويتزايد أجمعوا على أن يتعاقدوا على بني هاشم وبني المطلب (^٤) ابنَي عبد مناف (^٥): أن لا يبايعوهم، ولا يناكحوهم، ولا يُكلِّموهم، ولا يجالسوهم حتى يُسلِّموا إليهم رسول الله - ﷺ -. وكتبوا بذلك صحيفةً وعلَّقوها في سقف الكعبة يقال: كتبها: منصور بن عكرمة بن (^٦) عامر بن هاشم، ويقال: النضر بن الحارث، والصحيح: أنه بغيض بن عامر بن هاشم فدعا عليه رسول الله - ﷺ - فشلَّت يدُه، فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنُهم وكافرُهم إلا أبا لهب فإنه ظاهرَ قريشًا على رسول الله - ﷺ - وبني هاشم وبني المطلب.
_________________
(١) لم تتكرّر «وإن نخرتم» في ص، ز، ب، المطبوع.
(٢) ص، ز، ج، ن: «الآمنون بلسانهم».
(٣) مختصر من حديث أم سلمة الطويل عند ابن إسحاق ــ ومن طريقه عند ابن هشام (١/ ٣٣٤ - ٣٣٨) وأحمد (١٧٤٠) وابن راهويه (١٨٣٥) والبيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ٣٠١) ــ، وإسناده جيّد.
(٤) ص، ز، ج: «بني عبد المطلب»، خطأ.
(٥) ج والمطبوع: «وبَنِي عبد مناف»، خطأ.
(٦) في الأصول عدا ج، ن: واو العطف بدل «بن»، وهو خطأ.
[ ٣ / ٣٦ ]
وحُبس رسول الله - ﷺ - ومن معه في الشِّعب شعبِ أبي طالب ليلةَ هلالِ المحرَّم سنةَ سبعٍ من البِعثة، وعُلِّقت الصحيفة في جوف الكعبة، وبقُوا محبوسين محصورين مُضيَّقًا عليهم جدًّا مقطوعًا عنهم المِيرة والمادة نحو ثلاث سنين، حتى بلغهم الجَهدُ وسُمِع أصواتُ صبيانهم بالبكاء من (^١) وراء الشعب.
وهناك عمل أبو طالب قصيدته اللامية المشهورة أولها:
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلًا (^٢)
وكانت (^٣) قريش في ذلك بين راضٍ وكاره، فسعى في نقض تلك (^٤) الصحيفة بعضُ من كان كارهًا لها، وكان القائم بذلك هشام بن عمرو بن الحارث بن حُبَيِّب بن نصر بن مالك (^٥)، مشى في ذلك إلى المُطعِم بن عدي
_________________
(١) «من» ساقطة من م، ق، ب، ك، ع.
(٢) كذا قال المؤلف، ولم أجد من ذكر أنه قال اللاميَّة في الشعب. والذي ذكره ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٢٧٢ - ٢٨٠) أن أبا طالب قالها قبل ذلك يتودَّد فيها أشرافَ قومه ويخبرهم أنه لن يترك النبي - ﷺ - لشيء أبدًا حتى يهلك دونه، ثم إن هذا الشطر لم يرد في أوَّلها كما قال المؤلف بل في أثنائها، وعجزه: عقوبةَ شرٍّ عاجلًا غير آجلِ وقد ورد هذا الشطر أيضًا في ميميَّة تُروى لأبي طالب يحرِّض فيها أبا لهب على نصرته ونصرة رسول الله - ﷺ -. انظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٧١).
(٣) ص، ز، ج، ن: «وكان».
(٤) «تلك» ليست في م، ق، ب، ك، ع.
(٥) كذا ساق المؤلف نسبه تبعًا لابن إسحاق، وقال غيره: « بن حُبيِّب بن جَذِيمة بن مالك». وعلى كلٍّ، كان هشام هذا من المؤلفة قلوبهم الذين أسلموا بعد الفتح. انظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٧٤) و«الدرر في اختصار المغازي والسير» لابن عبد البر (ص ٥٩ - ٦٠) و«نسب قريش» لمصعب الزبيري (ص ٤٢٩) و«جمهرة أنساب العرب» لابن حزم (ص ١٦٦ - ١٧٠) و«الإكمال» لابن ماكولا (٢/ ٢٩٨) و«أسد الغابة» (٤/ ٦٢٨) و«الإصابة» (١١/ ٢٣٤).
[ ٣ / ٣٧ ]
فصل: موت خديجة وأبي طالب وخروج النبي - ﷺ - إلى الطائف
وجماعةٍ من قريش فأجابوه إلى ذلك، ثم أطلع الله رسولَه على أمر صحيفتهم وأنَّه أرسل عليها الأرضة فأكلت جميعَ ما فيها من جَوْرٍ وقطيعة وظلم إلا ذكرَ الله ﷿، فأخبر بذلك عمَّه فخرج إلى قريش وأخبرهم بأنَّ ابنَ أخيه قد قال كذا وكذا، فإن كان كاذبًا خلَّينا بينكم وبينه وإن كان صادقًا رجعتم عن قطيعتنا وظُلْمنا، قالوا: قد أنصفت، فأنزلوا الصحيفة فلما رأوا الأمرَ كما أخبر به رسول الله - ﷺ - ازدادوا كفرًا إلى كفرهم، وخرج رسول الله - ﷺ - ومن معه من الشعب (^١)، قال ابن عبد البر (^٢): بعد عشرة أعوام من المبعث. قال: ومات أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر، وماتت خديجة بعده بثلاثة أيام، وقيل غيرُ ذلك.
فصل
فلما نُقِضت الصحيفة وافق موتَ خديجة وموت أبي طالب، وبينهما يسير، فاشتد البلاءُ على رسول الله - ﷺ - من سفهاء قومه، وتجرَّؤوا عليه وكاشفوه بالأذى، فخرج رسولُ الله - ﷺ - إلى الطائف رجاء أن يُؤووه وينصروه على قومه ويمنعوه منهم (^٣)، ودعاهم إلى الله ﷿ فلم يرَ من
_________________
(١) انظر خبر الصحيفة ونقضها عند موسى بن عُقبة كما في «دلائل النبوة» (٢/ ٣١١)، وابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٧٤ - ٣٧٦)، والواقدي كما في «طبقات ابن سعد» (١/ ١٥٩، ١٧٧، ١٧٨).
(٢) «الاستيعاب» (١/ ٣٧ - ٣٨) باختصار وتصرُّف.
(٣) «منهم» ساقطة من ك، ع.
[ ٣ / ٣٨ ]
يُؤوي ولم يرَ ناصرًا، وآذوه مع ذلك أشدَّ الأذى ونالوا منه ما لم ينله قومه. وكان معه زيد بن حارثة مولاه، فأقام بينهم عشرة أيامٍ لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه (^١) وكلَّمه، فقالوا: اخرج من بلدنا، وأغرَوا به سفهاءَهم، فوقفوا له سِماطَين وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى دَمِيَتْ قدماه، وزيدُ بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شِجاج في رأسه، فانصرف راجعًا من الطائف إلى مكة محزونًا.
وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور دعاءِ الطائف: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقِلَّة حيلتي وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تَكِلُني؟ إلى بعيد يتجهَّمني (^٢)؟ أو إلى عدو ملَّكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، غيرَ أنَّ عافيتك هي (^٣) أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلماتُ وصَلَح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك أو ينزلَ بي سخطُك؛ لك العُتْبى (^٤) حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» (^٥).
_________________
(١) ز: «حاجَّه».
(٢) م، ق، ب: «يتهجَّمنِي»، تصحيف. ومعنى «يتجهَّمني»: يلقاني بالغلظة.
(٣) «هي» ساقطة من م، ق، ب، ك، ع.
(٤) أي إليك أتوب فأرجع عمّا تكره إلى ما تحب، فالعُتبى اسم من الإعتاب، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يُرضي العاتب، تقول: عتبتُ عليه (أو: عاتبته) فأعتبني، أي ترك ما عتبتُ عليه من أجله ورجع إلى ما يُرضيني عنه. انظر: «تهذيب اللغة» (عتب).
(٥) رواه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤١٩ - ٤٢٢) و«تاريخ الإسلام» للذهبي (١/ ٦٤٦) و«تفسير ابن كثير» (الأحقاف: ٢٩) ــ عن يزيد بن زياد (في التفسير: يزيد بن رومان، ولعله تصحيف)، عن محمد بن كعب القُرظي مرسلًا. ورواه بعضهم عن ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن جعفر - ﵁ - موصولًا، أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٤/ ١٣٩) ومن طريقه الضياء في «المختارة» (٩/ ١٧٩ - ١٨١). وهو غريب، والصحيح عن ابن إسحاق الإسناد الأول مرسلًا.
[ ٣ / ٣٩ ]
فأرسل ربه ﵎ إليه ملَكَ الجبال يستأمره أن يُطبِق الأخشَبَين على أهل مكة ــ وهما جبلاها اللذان هي بينهما ــ، فقال: «بل أستأني بهم، لعل الله يُخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا» (^١).
فلما نزل بنخلةَ (^٢) في مرجعه قام يصلي من الليل، فصرف الله إليه نفرًا من الجن فاستمعوا قراءته، ولم يشعر بهم رسول الله - ﷺ - حتى نزل عليه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢] (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٣١) ومسلم (١٧٩٥) من حديث أم المؤمنين عائشة بلفظ: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا».
(٢) هما نخلتان الشامية واليمانية، والمراد هنا اليمانية، وهي وادٍ على الطريق بين مكة والطائف. انظر: «معجم ما استعجم» للبكري (٤/ ١٣٠٤) و«المعالم الجغرافية في السيرة» للبلادي (ص ٣١٧).
(٣) قصة استماع الجن في تلك الليلة جزء من مرسل محمد بن كعب القرظي. وفيه نظر، إذ هو مخالف لحديث ابن عباس عند البخاري (٧٧٣) ومسلم (٤٤٩) أن الجنَّ استمعوا إلى النبي - ﷺ - بنخلة وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر في طريقه - ﷺ - إلى سوق عُكاظ. وفي حديثه أيضًا ما يدل على أن استماعهم كان في ابتداء الإيحاء، بخلاف خروجه - ﷺ - إلى الطائف فإنه كان بعد موت عمه وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين. انظر: «تفسير ابن كثير» (الأحقاف: ٢٩).
[ ٣ / ٤٠ ]
فصل: الإسراء والمعراج
وأقام بنخلةَ أيامًا، فقال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك ــ يعني قريشًا ــ؟ فقال: «يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصرٌ دينَه ومظهر نبيَّه» (^١).
ثم انتهى إلى مكة (^٢) فأرسل رجلًا من خزاعة إلى مطعم بن عدي: «أدخل في جوارك؟» فقال: نعم، ودعا بنيه وقومه فقال: البَسوا السلاحَ وكونوا عند أركان البيت فإني قد أجرت محمدًا، فدخل رسول الله - ﷺ - ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش إني قد أجرت محمدًا، فلا يهجه أحد منكم، فانتهى رسول الله - ﷺ - إلى الركن فاستلمه وصلَّى ركعتين وانصرف إلى بيته، ومطعم بن عدي وولده مُحدِقون به بالسلاح حتى دخل بيته (^٣).
فصل
ثم أسري برسول الله - ﷺ - ــ بجسده على الصحيح (^٤) ــ من المسجد الحرام إلى بيت المقدس راكبًا على البراق صُحبةَ (^٥) جبريل ــ عليهما
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (١/ ١٨٠) عن الواقدي بإسناده إلى محمد بن جبير بن مطعم مرسلًا.
(٢) ج، ن: «حراء» وفاقًا للطبقات.
(٣) «الطبقات الكبير» (١/ ١٨٠). وانظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٨١).
(٤) «بجسده على الصحيح» سقط من م، ق، ب، ك، ع.
(٥) ك، ع: «وصَحِبَه».
[ ٣ / ٤١ ]
الصلاة والسلام ــ، فنزل هناك وصلى بالأنبياء إمامًا وربط البراق بحلقة باب المسجد.
وقد قيل: إنه نزل ببيت لحمٍ وصلى فيه (^١)،
ولا يصحُّ عنه ذلك البتة.
ثم عُرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء الدنيا فاستفتَحَ له جبريل ففتح لهما، فرأى هناك آدم أبا البشر فسلَّم عليه، فرحَّبَ به وردّ ﵇ وأقر بنبوَّته، وأراه الله أرواحَ السُّعَداء من بنيه عن يمينه وأرواحَ الأشقياء عن يساره.
ثم عرج به إلى السماء الثانية فاستفتح له، فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم فلقيهما وسلَّم عليهما، فردَّا عليه ورحَّبا به وأقرَّا بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف الصدِّيق (^٢) فسلَّم عليه ورحَّب به وأقرَّ بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء الرابعة فرأى فيها إدريس، فسلَّم عليه ورحَّب به وأقرَّ بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فلقي فيها هارون بن عمران فسلَّم عليه ورحَّب به وأقر بنبوته.
_________________
(١) روي ذلك من حديث أنس وشدّاد بن أوس، فأما حديث أنس فأخرجه النسائي (٤٥٠). قال ابن كثير في «الفصول» (ص ٢٥٦): إنه حديث غريب منكر جدًّا، وإسناده مقارب، وفي الأحاديث الصحيحة ما يدلّ على نكارته. وأما حديث شدّاد فأخرجه البزار (٣٤٨٤) والطبراني في «الكبير» (٧/ ٢٨٢) والبيهقي في «الدلائل» (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٧) وصححه، وتُعقِّب بأن في إسناده إسحاق بن زِبْرِيق، وقد قال النسائي كما في «تاريخ دمشق» (٨/ ١٠٩): «ليس بثقة عن عمرو بن الحارث»، وروايته هنا عنه.
(٢) «الصديق» ساقط من ص، ج، ز، ن.
[ ٣ / ٤٢ ]
ثم عرج به إلى السماء السادسة، فلقي فيها موسى فسلَّم عليه ورحَّب به وأقرَّ بنبوته (^١)، فلما جاوزه بكى موسى فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي أن (^٢) غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثرُ مما يدخلها من أمتي.
ثم عرج به إلى السماء السابعة، فلقي فيها إبراهيم فسلَّم عليه ورحب به وأقر (^٣) بنبوته.
ثم رُفع إلى سدرة المنتهى، ثم رفع له البيت المعمور، ثم عُرج به إلى الجبار ﷻ، فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى (^٤)، وفرض عليه خمسين صلاةً، فرجع حتى مر على موسى فقال: بم أُمرتَ؟ قال: بخمسين صلاةً، فقال: إن أمتك لا تطيق (^٥) ذلك، ارجع إلى
_________________
(١) ص: «وآمن به»، وكذا في ز ثم أصلحه إلى المثبت. وفي ج: «وآمن بنبوّته».
(٢) ص، ز، ج، ن: «لأن».
(٣) ص، ج، ن: «وآمن»، وكذا في ز ثم أصلحه إلى المثبت.
(٤) قوله: «فدنا منه » روي في البخاري (٧٥١٧) من حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر ــ وليس بالقوي ــ عن أنس، وهو أحد الألفاظ التي تفرّد بها شريك في حديث الإسراء، وأنكرها الحفّاظ عليه. وسيأتي تنبيه المؤلف على غلط شريك في بعض ألفاظ الحديث بعد ثلاثة فصول، ولكن الظاهر أن المؤلف يرى أن هذا اللفظ ــ وكذا لفظ آخر سيأتي ــ ليس مما غلط فيه شريك، بل هو من زياداته المقبولة لعدم مخالفتها للروايات الأخرى، ولذا أورده ضمن سياق قصة الإسراء. وانظر: «تفسير ابن كثير» (الإسراء: ١) و«فتح الباري» لابن رجب (٢/ ١١٤).
(٥) م، ق، ب، ك، ع: «يطيقون». وبكليهما روي الحديث في «الصحيح».
[ ٣ / ٤٣ ]
ربك فسَلْه التخفيف لأمتك، «فالتفت إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار أن نعم إن شئتَ، فعلا به جبريل حتى أتى به الجبَّارَ ﵎ وهو في مكانه» ــ هذا لفظ البخاري في «صحيحه» في بعض الطرق (^١) ــ فوضع عنه عشرًا، ثم نَزَل حتى مر بموسى فأخبره، فقال: ارجع إلى ربك فَسَلْه التخفيف، فلم يزل يتردد بين موسى وبين ربِّه (^٢)
﵎ حتى جعلها خمسًا، فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف، فقال: قد استحييت من ربي ولكن أرضى وأسلِّم، فلما نَفَذ (^٣) نادى منادٍ: «قد أمضيتُ فريضتي وخففت عن عبادي» (^٤).
_________________
(١) يعني المؤلف قوله: «فالتفت إلى جبريل وهو في مكانه»، فهو عند البخاري (٧٥١٧) من طريق شَريك بن أبي نمر عن أنس، وهو إحدى الزيادات التي تفرّد بها شريك هذا في حديث الإسراء. وأما سائر الحديث فمروي من غير طريق، وسيأتي تخريجه.
(٢) ص، ز، ج: «الله» ..
(٣) ك، ع، ن، النسخ المطبوعة: «بَعُد»، والمثبت من سائر النسخ يتوافق مع رواية عند أحمد (١٧٨٣٥) بلفظ: «فلما نفذتُ نادى مناد»، وهو بمعنى لفظ البخاري (٣٨٨٧): «فلمّا جاوزت».
(٤) سياق المصنف لحديث الإسراء مختصر من مجموع رواياته، وهي: - رواية البخاري (٣٤٩، ٣٣٤٢) ومسلم (١٦٣) من طريق الزهري عن أنس عن أبي ذر - ﵄ -. - رواية البخاري (٣٢٠٧، ٣٨٨٧) ومسلم (١٦٤) من طريق قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة - ﵄ -. - رواية مسلم (١٦٢) من طريق ثابت البناني عن أنس. - رواية البخاري (٧٥١٧) من طريق شريك بن أبي نمر عن أنس، وفيها بعض الزيادات المتفرَّد بها عن سائر الطرق، كما سبق.
[ ٣ / ٤٤ ]
- اختلاف الصحابة: هل رأى ربه تلك الليلة أم لا؟
واختلف الصحابة: هل رأى ربه تلك الليلة أم لا؟ فصح عن ابن عباس أنه رأى ربه (^١)، وصح عنه أنه قال: رآه بفؤاده (^٢).
وصح عن عائشة وابن مسعود إنكار ذلك، وقالا: إن قوله: ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] إنما هو جبريل (^٣).
وصحّ عن أبي ذر أنه سأله: هل رأيت ربك؟ فقال: «نور أنى أراه؟»، أي: حال بيني وبين رؤيته النورُ، كما قال في اللفظ الآخر: «رأيت نورًا» (^٤).
وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي (^٥) اتفاق الصحابة على أنه لم يره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ــ (^٦): وليس قول ابن عباس: «إنه رآه» مناقضًا لهذا، ولا قوله «رآه بفؤاده»؛ وقد صح عنه أنه قال: «رأيت ربي ﵎»، ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان بالمدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح ثم أخبرهم عن رؤية ربِّه (^٧) تبارك
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٢٤٦٣) والنسائي في «الكبرى» (١١٤٧٣) وعبد الله بن أحمد في «السنة» (٥٤٧) وغيرهم من طرق عنه.
(٢) أخرجه مسلم (١٧٦) من طريقين عنه، ولفظ أحدهما: «رآه بقلبه».
(٣) أخرجه البخاري (٣٢٣٢ - ٣٢٣٥) ومسلم (١٧٤، ١٧٧) عنهما، وأخرجه مسلم (١٧٥) عن أبي هريرة - ﵁ - أيضًا.
(٤) أخرجهما مسلم في «صحيحه» (١٧٨/ ٢٩١، ٢٩٢).
(٥) في «الرد على الجهمية» (ص ١٤٤).
(٦) «ابن تيمية قدس الله روحه» ليس في م، ق، ب، ك، ع. انظر: «مجموع الفتاوى» (٦/ ٥٠٩) و«منهاج السنة» (٥/ ٣٨٤ - ٣٨٧) و«مسألة في رؤية النبي - ﷺ - ربّه» ضمن «جامع المسائل» (١/ ١٠٣ - ١٠٨).
(٧) «ربّه» ساقط من ق. وفي ز: «رؤيته ﵎».
[ ٣ / ٤٥ ]
وتعالى تلك الليلة في منامه (^١). وعلى هذا بنى الإمام أحمد وقال: نعم رآه، فإن (^٢) رؤيا الأنبياء حق ولا بد، ولكن لم يقل أحمد: إنه رآه بعينَي رأسه يقظةً، ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه، ولكن مرةً قال: رآه، ومرةً قال: رآه بفؤاده، فحكيت عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة من تصرف بعض أصحابه: أنه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوصه موجودة ليس فيها ذلك.
وأما قول ابن عباس: إنه رآه بفؤاده مرتين، فإن كان استناده إلى قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، والظاهر أنه مستنده (^٣) = فقد صح عنه - ﷺ - أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين في صورته التي خُلِق عليها (^٤). وقول ابن عباس هذا هو مستند الإمام أحمد في قوله: رآه بفؤاده، والله أعلم.
_________________
(١) هو حديث اختصام الملأ الأعلى. أخرجه أحمد (٢٢١٠٩) والترمذي (٣٢٣٥) من حديث معاذ بن جبل - ﵁ -. قال الترمذي: حسن صحيح، ونقل عن شيخه أبي عبد الله البخاري أنه قال مثل ذلك. وقد روي الحديث أيضًا عن ابن عباس وأنس وثوبان وغيرهم، ولكن لا يصح منها شيء. وروي من مراسيل عبد الرحمن بن عائش، وطارق بن شهاب، وعبد الرحمن بن سابط بأسانيد حسان. انظر: «العلل» للدارقطني (٩٧٣) و«أنيس الساري» (١١/ ١١٩٩ - ١٢١٤). ولابن رجب رسالة في شرح هذا الحديث الجليل سمَّاها: «اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى» وهي مطبوعة.
(٢) «فإن» سقطت من ق، وتصحفت في ك، ع إلى «قال».
(٣) كما يدل عليه ما أخرجه ابن أبي شيبة (٣٢٤٦٣) والطبري (٢٢/ ٢٢ - ٢٤).
(٤) أخرجه مسلم (١٧٧/ ٢٨٧) عن عائشة مرفوعًا. وقد سبق أن ذلك أيضًا قول ابن مسعود وأبي هريرة موقوفًا عليهما.
[ ٣ / ٤٦ ]
فصل: إخبار النبي - ﷺ - قريشا بالإسراء
وأما قوله تعالى في سورة النجم: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨]، فهو غير الدنوّ والتدلّي في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنوّ جبريل وتدليه كما قالت عائشة وابن مسعود، والسياق يدل عليه فإنه قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ وهو جبريل ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٥ - ٨]، فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المُعلِّم الشديد القُوى، وهو ذو المرة أي: القوة، وهو الذي استوى بالأفق الأعلى، وهو الذي دنا فتدلّى فكان من محمد - ﷺ - قاب (^١) قوسين أو أدنى.
وأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء فذلك صريح في أنه دنو الرب ﵎ وتدلِّيه، ولا تعرُّض في سورة النجم لذلك، بل فيها أنه رآه نزلةً أخرى عند سدرة المنتهى، وهذا هو جبريل؛ رآه محمد - ﷺ - على صورته مرتين، مرةً في الأرض ومرةً عند سدرة المنتهى، والله أعلم.
فصل
فلما أصبح رسول الله - ﷺ - في قومه أخبرهم بما أراه الله ﷿ من آياته الكبرى، فاشتد تكذيبهم له وأذاهم واستضراؤهم (^٢) عليه، وسألوه أن يصف لهم بيتَ المقدس، فجلَّاه الله له حتى عاينه، فطفق يخبرهم عن آياته ولا يستطيعون أن يردوا عليه شيئًا (^٣).
_________________
(١) ص، ز، ج، ن: «قدر»، وهو بمعناه.
(٢) المطبوع: «ضرواتهم». ومعنى «استضراؤهم عليه» أي مُكايدتهم له، من قولهم: «استضريتُ للصيد» إذا خَتَله من حيث لا يشعر.
(٣) أخرجه البخاري (٣٨٨٦) ومسلم (١٧٠) من حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - بنحوه. وأخرجه ابن سعد (١/ ١٨٣) والنسائي في «الكبرى» (١١٢٢٠) من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح.
[ ٣ / ٤٧ ]
فصل: ما روي عن عائشة وغيرها أن الإسراء كان بروحه
وأخبرهم عن عِيرهم في مَسْراه ورجوعه، وأخبرهم عن وقت قدومها وعن البعير الذي يَقْدُمُها (^١)، فكان الأمر كما قال، فلم يَزِدهم ذلك إلا نفورًا وأبى الظالمون إلا كفورًا (^٢).
فصل
وقد نقل ابن إسحاق (^٣) عن عائشة ومعاوية أنهما قالا: إنما كان الإسراء بروحه ولم يفقد جسده، ونقل عن الحسن البصري نحو ذلك، ولكن ينبغي أن يعلم الفرق بين أن يقال: كان الإسراء منامًا وبين أن يقال: كان بروحه دون جسده، وبينهما فرق عظيم، وعائشة ومعاوية لم يقولا: كان منامًا، وإنما قالا: أُسرِي بروحه ولم يفقد جسده، وفرق بين الأمرين، فإن ما يراه النائم قد يكون أمثالًا مضروبةً للمعلوم في الصور المحسوسة، فيرى كأنه قد عُرِج به إلى السماء أو ذهب به إلى مكة أو أقطار الأرض وروحُه لم تصعد ولم تذهب، وإنما مَلَكُ الرؤيا ضرب له المثال.
والذين قالوا: عُرِج برسول الله - ﷺ - طائفتان: طائفة قالت: عرج بروحه وبدنه، وطائفة قالت: عرج بروحه ولم يفقد بدنه، وهؤلاء لم يريدوا أن المعراج كان منامًا، وإنما أرادوا أن الروح ذاتَها أسري بها وعرج بها حقيقةً، وباشرت من
_________________
(١) أي يتقدّمها، ومن قوله تعالى عن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨].
(٢) أخرج أحمد (٣٥٤٦) والنسائي في «الكبرى» (١١٢١٩) بمعناه من حديث ابن عباس. وإسناده صحيح كما قال ابن كثير في «تفسيره» (الإسراء: ١).
(٣) (١/ ٣٩٩ - ٤٠٠)، والإسناد إليهما لا يصحّ، وما نقله عن الحسن ليس صريحًا في ذلك، بل الصريح عنه يخالفه. انظر: «تفسير الطبري» (١٤/ ٦٤٢).
[ ٣ / ٤٨ ]
جنس ما تباشر بعد المفارقة، وكان حالها في ذلك كحالها بعد المفارقة في صعودها إلى السماوات سماءً سماءً حتى يُنتهى بها إلى السماء السابعة فتقف بين يدي الله ﷿ فيأمر فيها بما يشاء ثم تنزل إلى الأرض، والذي كان لرسول الله - ﷺ - ليلة الإسراء أكمل مما يحصل للروح عند المفارقة.
ومعلوم أن هذا أمر فوق ما يراه النائم، لكن لما كان رسول الله - ﷺ - في مقام خرق العوائد حتى يُشقَّ بطنه وهو حي لا يتألم بذلك= عُرِج بذات روحه المقدَّسة حقيقةً من غير إماتة، ومَن سواه لا تَنال ذاتُ روحه الصعودَ إلى السماء إلا بعد الموت والمفارقة، فالأنبياء إنما استقرَّت أرواحُهم هناك بعد مفارقة الأبدان، وروح رسول الله - ﷺ - صعدت إلى هناك في حال الحياة ثم عادت، وبعد وفاته استقرت في الرفيق الأعلى مع أرواح الأنبياء، ومع هذا فلها (^١) إشرافٌ على البدن وإشراقٌ وتعلُّقٌ به بحيث يردّ السلام على من سلَّم عليه.
وبهذا التعلُّق رأى موسى قائمًا يُصلي في قبره (^٢) ورآه في السماء السادسة، ومعلوم أنه لم يُعرَج بموسى من قبره ثم رُدَّ إليه، بل ذلك مقام روحه واستقرارها، وقبرُه مقام بدنه واستقراره إلى يوم معاد الأرواح إلى أجسادها؛ فرآه يصلي في قبره ورآه في السماء السادسة، كما أنه هو - ﷺ - في أعلى مكان في الرفيق الأعلى مستقِرًّا هناك وبدنُه في ضريحه غير مفقود، وإذا سلّم عليه المُسلِّم رد الله عليه روحه حتى يردَّ ﵇ ولم يفارق الملأ الأعلى.
ومن كَثُف إدراكُه وغَلُظت طباعُه عن إدراك هذا فلينظر إلى الشمس في علو محلِّها، وتعلُّقها وتأثيرها في الأرض، وحياة النبات والحيوان بها؛ هذا
_________________
(١) ز: «فلهذا»، تصحيف.
(٢) كما في حديث أنس عند مسلم (٢٣٧٥) وغيره.
[ ٣ / ٤٩ ]
فصل: الإسراء كان مرة واحدة، والرد على من قال بخلافه
وشأن الروح فوق هذا، فلها شأن وللأبدان شأن، وهذه النار تكون في محلِّها وحرارتُها تؤثر في الجسم البعيد عنها، مع أن الارتباط والتعلُّق الذي بين الروح والبدن أقوى وأكمل وأتم، فشأن الروح أعلى من ذلك وألطف.
فقل للعيون الرُّمْدِ: إياكِ أن تَرَي سنا الشمس فاستغشِي ظلامَ اللياليا (^١)
فصل
قال الزهري (^٢): عرج برسول الله - ﷺ - إلى بيت المقدس وإلى السماء قبل خروجه إلى المدينة بسنة.
وقال ابن عبد البر (^٣) وغيره: كان بين الإسراء والهجرة سنة وشهران. انتهى.
وكان الإسراء مرةً واحدةً. وقيل: مرتين، مرةً يقظةً ومرةً منامًا، وأرباب هذا القول كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك (^٤) وقوله: «ثم استيقظت» وبين سائر الروايات. ومنهم من قال: بل كان مرتين؛ مرةً قبل الوحي لقوله في حديث شريك: «وذلك قبل أن يوحى إليه» (^٥)، ومرةً بعد الوحي كما دلت عليه
_________________
(١) البيت من قصيدة ذكرها في «مدارج السالكين» (٣/ ٣١)، ولعلها للمؤلف نفسه.
(٢) في المطبوع: «قال موسى بن عقبة عن الزهري»، وليس في الأصول، لكنّ الرواية كذلك، أخرجها البيهقي في «الدلائل» (٢/ ٣٥٤) وابن عبد البر في «التمهيد» (٨/ ٥٠).
(٣) في «الاستيعاب» (١/ ٤٠).
(٤) هو شريك بن عبد الله بن أبي نمر، وروايته لحديث الإسراء عن أنس عند البخاري (٧٥١٧).
(٥) قوله: «لقوله إليه» ساقط من ص، ز.
[ ٣ / ٥٠ ]
سائر الأحاديث. ومنهم من قال: بل ثلاث مرات: مرةً قبل الوحي ومرتين بعده. وكل هذا خبط، وهذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل الذين إذا رأوا في القصة لفظةً تخالف سياق بعض الرواة (^١) جعلوه مرةً أخرى، فكلما اختلف (^٢) عليهم الرواة عدَّدوا هم الوقائعَ، والصواب الذي عليه أئمة النقل (^٣) أن الإسراء كان مرةً واحدةً بمكة بعد البعثة.
ويا عجبًا لهؤلاء الذين زعموا أنه مرارًا! كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تُفرَض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسًا فيقول: «أمضيت فريضتي (^٤) وخففت عن عبادي»، ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين ثم يحطها عشرًا عشرًا؟!
وقد غلَّط الحُفَّاظ شَريكًا في ألفاظٍ من حديث الإسراء، ومسلم أورد المسند منه (^٥) ثم قال: «فقدَّم وأخر وزاد ونقص» ولم يسرد الحديث، وأجاد - ﵀ - (^٦).
* * *
_________________
(١) ك، ع: «الروايات».
(٢) م، ق، ب، ك: «اختلفت».
(٣) ك، ع: «أئمة أهل النقل».
(٤) م، ق، ب: «فرضي»، والمثبت هو لفظ الحديث، وقد سبق.
(٥) برقم (١٦٢/ ٢٥٩) من طريق ثابت البُناني عن أنس، ثم ذكر طريق شريك هذا (١٦٢/ ٢٦٢) وذكر طرفًا منه ثم قال: «وساق الحديث بقصته نحو حديث ثابت البناني، وقدّم فيه شيئًا وأخّر وزاد ونقص».
(٦) هنا انتهت نسخة الكتانية (ك). وتبدأ نسخة أحمد الثالث (ث).
[ ٣ / ٥١ ]
فصل
في مبدأ الهجرة التي فرق الله فيها بين أوليائه وأعدائه،
وجعلها مبدأً لإعزاز دينه، ونصَرَ عبدَه ورسوله (^١)
قال الزهري (^٢): حدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان وغيرهما قالوا: أقام رسول الله - ﷺ - بمكة ثلاث سنين من أول نبوته مستخفيًا، ثم أعلن في الرابعة، فدعا الناس إلى الإسلام عشر سنين يوافي الموسم كلَّ عام يتبع الحاجَّ في منازلهم، وفي المواسم (^٣) بعُكاظ ومَجَنَّة وذي المجاز؛ يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلِّغ رسالات ربِّه ولهم الجنة، فلا يجد أحدًا ينصره ولا يجيبه، حتى إنه لَيسأل عن القبائل ومنازلها قبيلةً قبيلةً ويقول: «يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله، تفلحوا وتَمْلِكوا بها العرب
_________________
(١) ص، ز: «ونُصرةِ رسوله»، واستدرك «عبده» في هامش ز.
(٢) في الأصول عدا ج، ن: «الترمذي»، تصحيف، والمثبت منهما موافق لـ «سيرة الدمياطي» (ق ٣٤) وهو مصدر المؤلف. وهو وهم من الدمياطي، والصواب أن القائل هو الواقدي كما في «طبقات ابن سعد» (١/ ١٨٤). ومنشأ الوهم ــ والله أعلم ــ أن ابنَ سعد روى الخبر عن شيخه الواقدي بعدة أسانيد له، فقال: «أخبرنا محمد بن عمر [الواقدي] قال: حدثني أيوب بن النعمان عن أبيه عن عبد الله بن كعب بن مالك (ح) قال: وحدثنا محمد بن عبد الله عن الزهري (ح) قال: وحدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان، وغير هؤلاء أيضا قد حدثني، قالوا: أقام رسول الله - ﷺ - ». فللواقدي ثلاثة أسانيد للخبر، وهي مفصولة بـ (ح) التحويل، فلعل الحاء التي بعد الإسناد الثاني سقطت من النسخة التي نقل منها الدمياطي فتداخل الإسنادان هكذا: « عن الزهري قال: حدثني محمد بن صالح » إلخ.
(٣) ز، ع: «الموسم».
[ ٣ / ٥٢ ]
فصل: أول دعاء النبي - ﷺ الأوس والخزرج إلى الإسلام في المواسم
وتَدين لكم العجمُ، فإذا آمنتم كنتم ملوكًا في الجنة»، وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئ كذاب (^١)،
فيردُّون على رسول الله - ﷺ - أقبحَ الرد ويؤذونه ويقولون: أُسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك؛ وهو يدعوهم إلى الله، ويقول: «اللهم لو شئتَ لم يكونوا هكذا».
قال: وكان مَن سُمِّي لنا من القبائل الذين أتاهم رسول الله - ﷺ - ودعاهم وعرض نفسه عليهم: بنو عامر بن صعصعة، ومُحارِب بن خَصَفة، وفَزارة، وغسّان، ومُرَّة، وحَنِيفة، وسُلَيم، وعَبْس، وبنو نَصْر (^٢)، وبنو البَكَّاء، وكِنْدة، وكلب، والحارث بن كعب، وعُذْرة، والحضارمة؛ فلم يستجب منهم أحد.
فصل
وكان مما صنع الله لرسوله - ﷺ - أن الأوس والخزرج كانوا يسمعون من حُلفائهم من يهود المدينة أن نبيًّا من الأنبياء مبعوث في هذا الزمان سيخرج،
_________________
(١) صحّ من غير وجه أن رسول الله - ﷺ - وقف بسوق ذي المجاز ينادي: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»، وأبو لهب وراءه يكذّبه ويأمر الناس بتكذيبه .. أخرجه أحمد (١٩٠٠٤) والحاكم (١/ ١٥) من حديث ربيعة بن عِباد الدِّيلي. وأخرجه أحمد (١٦٦٠٣) أيضًا عن شيخٍ من بني مالك بن كنانة حضر ذلك. وأخرجه ابن خزيمة (١٥٩) وابن حبان (٦٥٦٢) والحاكم (٢/ ٦١٢) وغيرهم من حديث طارق بن عبد الله المحاربي بإسناد صحيح، وهو طرف من حديث طويل يأتي في فصل في قدوم وفد قومه على النبي - ﷺ - (ص ٨١٩).
(٢) المطبوع: «بنو النضر»، وفي مطبوعة «الطبقات»: «بنو نضْر»، كلاهما خطأ، إذ بنو النضر هم قريش، والمذكورون هنا غيرهم من القبائل، فالصواب «بنو نصر» بالصاد المهملة، من قبائل قيس عَيلان بن مُضر، شأن القبائل المذكورة قبلها عدا غسَّان وبني حنيفة. انظر: «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم (ص ٤٨٠ - ٤٨٢).
[ ٣ / ٥٣ ]
فصل: أول من أسلم من الأنصار وبيعة العقبة الأولى والثانية
فنتَّبعه ونقتلكم معه قتلَ عادٍ وإِرَم، وكان الأنصار يحجون البيت ــ كما كانت العرب تحجُّه ــ دون اليهود، فلما رأى الأنصار رسول الله - ﷺ - يدعو الناس إلى الله وتأمَّلُوا أحوالَه قال بعضهم لبعض: تعلمون ــ واللهِ يا قومُ ــ أن هذا الذي تَوَعَّدكم به يهود، فلا يَسبقُنَّكم إليه!
وكان سويد بن الصامت من الأوس قد قدم مكة فدعاه رسول الله - ﷺ -، فلم يُبْعِد ولم يُجِب (^١).
ثم قدم مكّة أنسُ بن رافع أبو الحَيْسَر في فِتيةٍ من قومه من بني عبد الأشهل يطلبون الحِلْف (^٢)، فدعاهم رسول الله - ﷺ - إلى الإسلام، فقال إياس بن معاذ ــ وكان شابًّا حدثًا ــ: يا قومِ، هذا والله خير مما جئنا له، فضربه أبو الحيسر وانتهره فسكت، ثم لم يتمَّ لهم الحلف فانصرفوا إلى المدينة (^٣).
فصل
ثم إن رسول الله - ﷺ - لقي عند العقبة في الموسم ستة نفرٍ من الأنصار كلهم من الخزرج، وهم: أبو أمامة أسعد بن زُرارة، وعوف بن الحارث، ورافع بن مالك، وقُطْبة بن عامر، وعُقْبة بن عامر، وجابر بن عبد الله بن
_________________
(١) هذا والذي قبله أسنده ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٢٥، ٤٢٨) و«دلائل النبوة» (٢/ ٤١٩، ٤٣٣) ــ عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه.
(٢) أي مِن قريش ليوالوا الأوس ــ وبنو عبد الأشهل منهم ــ فينصروهم على أعدائهم من الخزرج.
(٣) أسنده ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٢٧) و«الدلائل» (٢/ ٤٢٠) ــ بإسناد حسن عن محمود بن لَبِيد الأشهلي - ﵁ -. والمؤلف صادر عن «جوامع السيرة» لابن حزم (ص ٦٩) هنا وفي الفقرة السابقة.
[ ٣ / ٥٤ ]
رئاب؛ فدعاهم رسول الله - ﷺ - إلى الإسلام فأسلموا.
ثم رجعوا إلى المدينة فدعَوا إلى الإسلام، ففشا الإسلام فيها حتى لم تبقَ دار إلا وقد دخلها الإسلام، فلما كان العام المقبل (^١) جاء منهم اثنا عشر رجلًا: الستة الأُوَل (^٢) خلا جابرَ بن عبد الله، ومعهم: معاذ بن الحارث بن رفاعة أخو عوف المتقدم، وذكوان بن عبد قيس (^٣) ــ وقد أقام ذكوان هذا بمكة حتى هاجر إلى المدينة، فيقال: إنه مهاجري أنصاري ــ، وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، وأبو الهيثم بن التَّيِّهان، وعُوَيمُ (^٤) بن مالك؛ هم (^٥) اثنا عشر (^٦).
وقال أبو الزبير عن جابر: إن النبي - ﷺ - لبث عشر سنين يتبع الناس في
_________________
(١) ص، ز، ع: «القابل».
(٢) ص، ز، ج: «الأولى».
(٣) ز: «عبد الله بن قيس»، خطأ.
(٤) ق، ب، ص، ز، ن، النسخ المطبوعة: «عُوَيمر»، خطأ لأن عويمر بن مالك هو أبو الدرداء - ﵁ -، وهو إنما أسلم يوم بدر أو بعده. والمذكور في مصادر السيرة هنا هو «عويم بن ساعدة» من بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، فما وقع هنا في اسم أبيه إما وهم من المؤلف أو أنه نسبه إلى جدّه الأعلى.
(٥) «هم» ليست في م، ق، ب.
(٦) المؤلف ذكر أحد عشر اسمًا وسقط عليه واحد، وهو: «العبّاس بن عُبادة بن نضلة» من بني عوف بن الخزرج. وهو أيضًا يقال له: مهاجري أنصاري، لأنه أقام بمكة حتى هاجر. وهؤلاء الاثنا عشر بايعوا النبي - ﷺ - بيعة العقبة الأولى، وهي مثل بيعة النساء المذكورة في آخر الممتحنة. انظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٢٨ - ٤٣٣) و«طبقات ابن سعد» (١/ ١٨٥ - ١٨٧). وانظر حديث عبادة بن الصامت عند البخاري (١٨) ومسلم (١٧٠٩) لصيغة البيعة.
[ ٣ / ٥٥ ]
منازلهم في الموسم ومَجَنَّة وعُكاظ ومنازلهم من منى: «من يؤويني، ومن ينصرني حتى أبلِّغ رسالاتِ ربي فله الجنة؟»، فلا يجد أحدًا ينصره ولا يؤويه، حتى إن الرجل ليَرْحَل من مُضَر أو اليمن إلى ذي رَحِمه فيأتيه قومه فيقولون له: احذَرْ غلام قريش لا يفتنك (^١)، ويمشي بين رحالهم (^٢) يدعوهم إلى الله وهم يشيرون إليه بالأصابع؛ حتى بعثنا الله من يثرب، فيأتيه الرجل منَّا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيُسْلمون بإسلامه، حتّى لم تبقَ دار من دُور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يُظهرون الإسلام، وبعثَنا اللهُ إليه، فائتمرنا واجتمعنا وقلنا: حتى متى رسول الله - ﷺ - يُطرَد في جبال مكة ويُخاف، فرحلنا حتى قدِمنا عليه في الموسم فواعَدْنا بيعةَ العقبة (^٣)، فقال له عمُّه العباس: يا ابن أخي، ما أدري ما هؤلاء القوم الذين جاءوك، إني ذو معرفة بأهل يثرب، فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين، فلما نظر العباسُ في وجوهنا قال: هؤلاء قوم لا نعرفهم، هؤلاء أحداث، فقلنا: يا رسول الله، على ما (^٤) نبايعك؟ قال: «على السمع والطاعة في النَّشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا (^٥)
في الله لا تأخذكم لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدِمْتُ عليكم،
_________________
(١) ز: «يفتنكم»، وفي هامشه مثل المثبت وعليه «خ».
(٢) م، ق، ن، النسخ المطبوعة: «رجالهم» بالجيم، خطأ.
(٣) وهي بيعة العقبة الثانية. ولفظ «المسند»: «فواعَدْناه شِعْبَ العقبة».
(٤) في «المسند» وغيره: «علامَ» على الجادّة. والمثبت من الأصول لغة ضعيفة. انظر: «المحتسب» لابن جنِّي (٢/ ٣٤٧) و«شرح الشافية» للرضي (٢/ ٢٩٧) و«شواهد التوضيح» لابن مالك (ص ٢٢٧) ط. دار الكمال المتحدة.
(٥) كذا في الأصول، وفي المصادر: «أن تقولوا» ..
[ ٣ / ٥٦ ]
وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم؛ ولكم الجنة»، فقمنا نبايعه فأخذ بيده أسعدُ بن زُرارة ــ وهو أصغر السبعين ــ فقال: رويدًا يا أهل يثرب، إنّا لم نضرب إليه أكباد المَطيِّ إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مفارقةُ العرب كافَّةً وقَتْلُ خياركم وأن تَعَضَّكم السيوفُ، فإما أنتم تصبرون (^١) على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من (^٢) أنفسكم خيفةً فذروه، فهو أعذر لكم عند الله، فقالوا: يا أسعد أَمِطْ عنَّا يدك! فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها؛ فقمنا إليه رجلًا رجلًا فأخذ علينا يعطينا بذلك الجنة (^٣).
ثم انصرفوا (^٤) إلى المدينة وبعث معهم رسول الله - ﷺ - عمرو بن أم مكتوم ومصعب بن عمير يُعلِّمان مَن أَسلَم منهم القرآن، ويدعوان إلى الله ﷿،
_________________
(١) ص، ز، ج، ع: «أن تصبروا»، وهو لفظ ابن حبان، والمثبت من ق لفظ أحمد والبيهقي إلا أن عندهما زيادة «قوم» بعد «أنتم».
(٢) ص، ز: «على»، والمثبت هو لفظ المصادر، ويوضِّحه أن في بعض الروايات: «تخافون من أنفسكم جُبنًا» أو «جُبَينةً».
(٣) أخرجه أحمد (١٤٤٥٦، ١٤٦٥٣) وابن حبان (٦٢٧٤) والحاكم (٢/ ٦٢٤) والبيهقي في «الدلائل» (٢/ ٤٤٢) من حديث ابن خُثيم عن أبي الزبير به، قال الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤/ ٣٩٩): هذا إسناد جيّد على شرط مسلم، وحسَّنه الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٧/ ٢٢٢). وأخرجه أحمد (١٥١٩٢) وأبو داود (٤٧٣٤) والترمذي (٢٩٢٥) والحاكم (٢/ ٦١٢ - ٦١٣) من حديث سالم بن أبي الجعد عن جابر مختصرًا جدًّا. قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(٤) أي هؤلاء الاثنا عشر الذين بايعوه بيعة العقبة الأولى، المذكور خبرهم قبل حديث جابر السابق.
[ ٣ / ٥٧ ]
فنزلا على أبي أمامة أسعدَ بنِ زرارة (^١).
وكان مصعب بن عمير يؤمهم وجمَّع بهم لمّا بلغوا أربعين (^٢).
فأسلم على يديهما بشر كثير، منهم: أُسَيد بن الحُضَير وسعد بن معاذ، وأسلم بإسلامهما يومئذٍ جميعُ بني عبد الأشهل الرجال والنساء، إلا الأُصَيرِم عمرو بن ثابت بن وَقْش، فإنه تأخر إسلامُه إلى يوم أحدٍ فأسلم حينئذ وقاتَل فقُتِل قبل أن يسجد لله سجدةً، فأُخبر عنه النبي - ﷺ - فقال: «عمل قليلًا وأُجِر كثيرًا» (^٣).
_________________
(١) انظر الخبر عند موسى بن عقبة كما في «دلائل النبوة» للبيهقي (٢/ ٤٣٠ - ٤٣٣)، وابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٣٤)، والواقدي كما في «طبقات ابن سعد» (٣/ ١٠٩ - ١١٠). وانظر حديث البراء عند البخاري (٣٩٢٥).
(٢) ذكره أحمد في «مسائله» رواية الكوسج (٢/ ٥٧٧). وذكره أيضًا موسى بن عقبة عن الزهري ولكنّه لم يذكر عددهم، وذكر الواقديُّ أنهم كانوا اثني عشر رجلًا. ويخالفه ما رواه ابن إسحاق ــ كما عند ابن هشام (١/ ٤٣٥) وأبي داود (١٠٦٩) وغيرهما، وقد سبق (١/ ٤٥٦) لفظه وتخريجه ــ من حديث كعب بن مالك: أن أسعد بن زرارة هو أوَّل من جمع بهم، وكانوا أربعين رجلًا. قال البيهقي في «الدلائل» (٢/ ٤٤١): ويَحتمِل أن لا يخالف هذا قولَ الزهري، وكأن مصعبًا جمع بهم بمعونة أسعد بن زرارة فأضافه كعب إليه، والله أعلم. وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٥/ ٣٢٩) وما سيأتي (ص ٧٥ - ٧٦).
(٣) أخرجه البخاري (٢٨٠٨) من حديث البراء مختصرًا دون ذكر اسمه ولا تحديد الوقعة التي أسلم فيها وقُتل. وأخرجه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٩٠) و«مسند أحمد» (٢٣٦٣٤) ــ وابن سعد في «الطبقات» (٤/ ٢٤١) بإسنادين حسنَين عن أبي هريرة - ﵁ - مطوّلًا، ولفظ النبي - ﷺ - عند ابن إسحاق: «إنه لمن أهل الجنّة».
[ ٣ / ٥٨ ]
وكثر الإسلام بالمدينة وظهر ثم رجع مصعب إلى مكة، ووافى الموسم ذلك العامَ خلقٌ كثير من الأنصار من المسلمين والمشركين، وزعيم القوم البراء بن مَعْرُور، فلما كانت ليلةُ العقبة ــ الثلثُ الأول من الليل ــ تسلَّل إلى رسول الله - ﷺ - ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان، فبايعوا رسول الله - ﷺ - خُفيةً من قومهم ومن كفَّار مكة على أن يمنعوه ممَّا يمنعون منه نساءَهم وأبناءهم وأُزُرَهم (^١)، فكان أول من بايعه ليلتئذ البراءُ بن معرور (^٢)، وكانت له اليد البيضاء إذ أكَّد العقدَ وبادر إليه، وحضر العباس عمُّ رسول الله - ﷺ - مؤكدًا لبيعته كما تقدم، وكان إذ ذاك على دين قومه. واختار رسول الله - ﷺ - منهم تلك الليلة اثني عشر نقيبًا وهم: أسعد بن زُرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر ــ وكان إسلامه تلك الليلة ــ، وسعد بن عُبادة، والمنذر بن عمرو، وعُبادة بن الصامت، فهؤلاء تسعة من الخزرج؛ ومن الأوس ثلاثة: أُسَيد بن الحُضَير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر، وقيل: بل أبو الهيثم بن التَّيهان مكانه.
وأما المرأتان: فأم عُمارة نُسَيبة بنت كعب بن عمرو ــ وهي التي قتل مسيلمة ابنَها حبيبَ بن زيد ــ، وأسماء بنت عمرو بن عدي.
_________________
(١) أي أنفسهم، فإنه يُكنى عن النفس بالإزار. «النهاية» (أزر).
(٢) كذا في حديث كعب بن مالك وسيأتي تخريجه، وظاهر حديث جابر السابق أن أسعد بن زُرارة أول من بايع، وذكر ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٤٧) ــ أن بني النجار أيضًا يزعمون ذلك، وبنو عبد الأشهل يقولون: بل أبو الهيثم بن التيهان أول من بايع.
[ ٣ / ٥٩ ]
فلما تمَّت هذه البيعةُ استأذنوا رسول الله - ﷺ - أن يميلوا على أهل العقبة بأسيافهم، فلم يأذن لهم في ذلك. وصرخ الشيطان على العقبة بأبعد صوتٍ سُمع: يا أهل الأخاشب (^١)، هل لكم في محمَّد والصُّباة معه قد اجتمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «هذا أزبُّ العقبة، أما والله يا عدوَّ الله لأتفرَّغنَّ لك»، ثم أمرهم أن ينفضُّوا إلى رحالهم (^٢).
فلما أصبح القومُ غدت عليهم جِلَّة قريش وأشرافُهم حتى وصلوا (^٣) شِعبَ الأنصار فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه بلغنا أنكم لقيتم صاحبنا البارحة وواعدتموه أن تبايعوه على حربنا، وايمُ اللهِ ما حيٌّ من العرب أبغضَ إلينا أن ينشب بيننا وبينه (^٤) الحرب منكم، فانبعث من كان هناك من الخزرج من المشركين يحلفون لهم بالله: ما كان هذا وما علمنا، وجعل عبد الله بن أُبيٍّ يقول: هذا باطل وما كان هذا، وما كان قومي ليفتاتوا عليَّ بمثل هذا، لو كنتُ بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني، فرجعت قريش من عندهم.
ورحل البراء بن معرور فتقدم إلى بطن يَأجَجَ (^٥)، وتلاحق أصحابه من
_________________
(١) هكذا في الأصول، وهو لفظ الواقدي، و«الأخاشب» هي الجبال، والمراد أهل مكة، فإن مكة وادٍ محيطٌ بالجبال. وفي المطبوع: «الجباجب»، وهي رواية ابن إسحاق، وهي منازل بمنًى. انظر: «النهاية» (جبب).
(٢) صحَّ ذلك من حديث كعب بن مالك، وسيأتي تخريجه.
(٣) ج، ن: «دخلوا».
(٤) ج، ع: «بينهم».
(٥) ويقال أيضًا: «يأجِج» بكسر الجيم، وادٍ من أودية مكة شمال التنعيم، ووادي التنعيم يصب فيه، يعرف اليوم باسم «ياج» أو «وادي بئر مقيت». انظر: «معجم المعالم في السيرة» (ص ٣٣٧) و«معجم معالم الحجاز» (ص ١٨٤٧) كلاهما لعاتِق البلادي.
[ ٣ / ٦٠ ]
المسلمين. وتطلَّبتهم قريش (^١)، فأدركوا سعد بن عبادة فجعلوا يدَه إلى عنقه بِنِسعةٍ، وجعلوا يضربونه ويجُرُّون شعرَه حتى أدخلوه مكة، فجاء مطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية فخلَّصاه من أيديهم، وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكُرُّوا إليه، فإذا سعد قد طلع عليهم، فرحل (^٢) القوم جميعًا إلى المدينة (^٣).
وأذِنَ رسول الله - ﷺ - للمسلمين في الهجرة إلى المدينة، فبادر الناس إلى ذلك، فكان أولَ من خرج إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة، ولكنها احتبست دونه ومُنِعت من اللَّحاق به سنةً وحيل بينها وبين ولدها، ثم خرجت بعد السنة بولدها إلى المدينة وشيَّعها عثمان بن أبي طلحة (^٤).
_________________
(١) وذلك أن قريشًا تنطَّسوا الخبر ــ خبر مبايعة الأنصار ــ فعلموا أنه قد كان، فخرجوا في طلب القوم بعد أن قد نفروا من منى. «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٤٩).
(٢) ص، ز، ج، ن: «فوصل». والمثبت من سائر الأصول موافق لما في «طبقات ابن سعد» و«سيرة الدمياطي» (ق ٣٧ ب) نقلًا عنه، وهو مصدر المؤلف.
(٣) خبر بيعة العقبة الثانية أخرجه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٤٠ - ٤٤٣، ٤٤٧ - ٤٥٠) و«مسند أحمد» (١٥٧٩٨) و«صحيح ابن حبان» (٧٠١١) و«دلائل النبوة» (٢/ ٤٤٤) ــ من حديث كعب بن مالك - ﵁ -، بإسناد جيّد. وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» (١/ ١٨٨ - ١٩٠) عن الواقدي بأسانيده. وسياق المؤلف مجموع من الروايتين رواية ابن إسحاق ورواية الواقدي.
(٤) نسبه إلى جدِّه، هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، ولم يكن - ﵁ - مسلمًا يؤمئذ، وخبر تشييعه لأم سلمة أخرجه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٦٩ - ٤٧٠) ــ عن أم سلمة بإسناد حسن.
[ ٣ / ٦١ ]
فصل: خروج النبي - ﷺ - من مكة مهاجرا مع أبي بكر
ثم خرج الناس أرسالًا يَتْبع بعضهم بعضًا، ولم يبق بمكة من المسلمين إلا رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعلي ــ أقاما بأمره لهما ــ، وإلا من احتبسه المشركون كَرهًا. وقد أعدَّ رسولُ الله - ﷺ - جهازه ينتظر متى يؤمر بالخروج، وأعدَّ أبو بكر جهازه.
فصل
فلما رأى المشركون أصحابَ رسول الله - ﷺ - قد تجهَّزوا وخرجوا وحملوا وساقوا الذراريَّ والأطفال والأموال إلى الأوس والخزرج عرفوا أن الدار دارُ مَنَعة، وأن القوم أهلُ حلقة وبأس وشوكة، فخافوا خروج رسول الله - ﷺ - إليهم ولحوقَه بهم فيشتدُّ عليهم أمره، فاجتمعوا في دار الندوة ولم يتخلَّف أحدٌ من ذوي الرأي (^١) والحِجا منهم ليتشاوروا في أمره، وحضرهم وليُّهم وشيخُهم إبليس ــ لعنه الله ــ في صورة شيخ كبير من أهل نجد مشتملِ الصمَّاء في كسائه، فتذاكروا أمر رسول الله - ﷺ -، فأشار كل أحدٍ منهم برأي، والشيخ يردُّه ولا يرضاه، إلى أن قال أبو جهل: قد فرق لي فيه رأي ما أراكم (^٢) وقعتم عليه، قالوا: ما هو؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلامًا نَهْدًا جَلْدًا ثم نُعطيه سيفًا صارمًا فيضربونه ضربةَ رجلٍ واحد، فيتفرَّق دمُه في القبائل، فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك ما تصنع، ولا يُمكنها معاداة القبائل كلِّها، ونسوق إليهم ديته، فقال الشيخ: للهِ درُّ الفتى! هذا والله الرأي، فتفرقوا على ذلك وأجمعوا عليه، وجاء جبريل بالوحي من عند ربِّه ﵎ فأخبره بذلك، وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك
_________________
(١) ج، ن: «أهل الرأي».
(٢) ز، ع: «رأي من آرائكم ما». وفي ص مثله دون «ما».
[ ٣ / ٦٢ ]
الليلة (^١).
وجاء رسول الله - ﷺ - إلى أبي بكر نصف النهار في ساعةٍ لم يكن يأتيه فيها متقنِّعًا فقال له: «أَخرِج مَن عندك»، فقال: إنما هم أهلك يا رسول الله، فقال: «إن الله قد أذن لي في الخروج»، فقال أبو بكر: الصحابةَ يا رسول الله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «نعم»، قال أبو بكر: فخذ بأبي وأمي إحدى راحلتيَّ هاتين، فقال رسول الله - ﷺ -: «بالثمن» (^٢).
وأمر عليًّا أن يبيت في مضجعه تلك الليلة، واجتمع أولئك النفر من قريش يتطلَّعُون مِن صير الباب ويرصدونه يريدون بَيَاته ويأتمرون أيهم يكون أشقاها، فخرج رسول الله - ﷺ - عليهم فأخذ حفنةً من البطحاء فجعل يذرُّه على رؤوسهم وهم لا يرونه وهو يتلو: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩]، ومضى رسول الله - ﷺ - إلى بيت أبي بكر فخرجا من خوخةٍ في دار أبي بكر ليلًا، وجاء رجل فرأى القوم ببابه فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمَّدًا، قال: خبتم وخسرتم! قد والله مرَّ بكم وذرَّ على رؤوسكم التراب، قالوا: والله ما أبصرناه، وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، وهم: أبو جهل، والحكم بن العاص، وعقبة بن أبي مُعَيط، والنضر بن الحارث، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، وطُعَيمة بن عدي،
_________________
(١) أسنده ابن سعد (١/ ١٩٣ - ١٩٤) عن الواقدي بأسانيد له متعددة وقد دخل حديث بعضهم في بعض. وأسنده ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٨٠ - ٤٨٢) ــ عن ابن عباس بنحوه، وإسناده ضعيف لأن ابن إسحاق أبهم اسم شيخه ولم يسمِّه.
(٢) أخرجه البخاري (٢١٣٨، ٥٨٠٧) من حديث عائشة - ﵂ -.
[ ٣ / ٦٣ ]
وأبو لهب، وأبيُّ بن خلف، ونُبَيه ومُنبِّه ابنا الحجاج. فلما أصبحوا قام عليٌّ عن الفراش، فسألوه عن رسول الله - ﷺ -، فقال: لا علم لي به.
ثم مضى رسول الله - ﷺ - وأبو بكر إلى غار ثور فدخلاه، وضرب العنكبوت على بابه (^١).
وكانا قد استأجرا عبد الله بن أُريقِط اللَّيثي (^٢) وكان هاديًا ماهرًا بالطريق وكان على دين قومه، وأَمِناه على ذلك وسلَّما إليه راحلتيهما، وواعداه (^٣) غار ثور بعد ثلاثٍ.
_________________
(١) نسج العنكبوت على فم الغار ذكره ابن سعد (١/ ١٩٥) ضمن خبر الهجرة الذي أسنده عن الواقدي عن شيوخه. وأسنده ابن سعد أيضًا والبزار (٤٣٤٤) والطبراني في «الكبير» (٢٠/ ٤٤٣) والبيهقي في «الدلائل» (٢/ ٤٨٢) من حديث أنس بن مالك، وزيد بن أرقم، والمغيرة بن شعبة. وإسناده واهٍ. وله شاهد من حديث ابن عباس عند أحمد (٣٢٥١) والطبري في «تفسيره» (١١/ ١٣٦) وغيرهما. وفي إسناده عثمان الجزري، وليس بعثمان بن عمرو بن ساج كما ظنَّه غير واحد، فإن ذاك متأخر عن طبقة عثمان هذا، وإنما هو عثمان المشاهد، وهو لا يُعرف بضبط ولا عدالة، بل قال أحمد كما في «الجرح والتعديل» (٦/ ١٧٤): «روى أحاديث مناكير، زعموا أنه ذهب كتابه»، على أنَّ ابن كثير حسَّن إسناده في «البداية والنهاية» (٤/ ٤٥١) وكذا ابنُ حجر في «الفتح» (٧/ ٢٣٦). وله شاهد مرسل عن الحسن البصري في «مسند أبي بكر» لأبي بكر المروزي (٧٣)، ولكن الإسناد إلى الحسن واه. وانظر: «الضعيفة» للألباني (١١٢٨، ١١٢٩).
(٢) كذا في الأصول والمطبوع، وكذا في موضع من «الطبقات» (١/ ١٩٦)، وفي سائر المواضع: «الدِّيلي»، وهو الصواب الموافق لحديث عائشة عند البخاري (٢٢٦٣). ويظهر من «تاريخ الإسلام» (١/ ٧٥٠) أنه تصحيف قديم في بعض الروايات.
(٣) م، ق، ب: «ووعداه».
[ ٣ / ٦٤ ]
وجَدَّت قريش في طلبهما وأخذوا معهم القافة حتى انتهوا إلى باب الغار فوقفوا عليه، ففي «الصحيحين» (^١) أن أبا بكر قال: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرَنا، فقال: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن، إن الله معنا»، وكان النبي - ﷺ - وأبو بكر يسمعان كلامهم فوق رؤوسهما، ولكن الله سبحانه عمَّى عليهم أمرهما.
وكان عامرُ بن فهيرة يرعى عليهما غنمًا لأبي بكر، ويتسمَّع ما يقال بمكة ثم يأتيهما بالخبر، فإذا كان السحر سرح مع الناس (^٢).
قالت عائشة: وجهَّزناهما أحَثَّ الجهاز، وضعنا لهما سُفرةً في جراب، فقطَّعت أسماءُ بنت أبي بكر قطعةً من نطاقها فأوكت به الجراب، وقطَّعت الأخرى فصيَّرتها عصامًا لفم القربة، فبذلك لُقِّبت ذاتَ النطاقين (^٣).
وذكر الحاكم في «مستدركه» (^٤) عن عمر قال: «خرج رسول الله - ﷺ - إلى
_________________
(١) البخاري (٣٦٥٣) ومسلم (٢٣٨١) من حديث أنس بن مالك عن أبي بكر الصديق - ﵄ -.
(٢) الذي في حديث عائشة عند البخاري (٣٩٠٥) أن عبد الله بن أبي بكر هو الذي كان يتسمّع الأخبار ويأتيهما بها، وأما عامر بن فُهيرة فيُريح الغنم عليهما ليشربا من لبنها.
(٣) أخرجه البخاري (٣٩٠٥) بنحوه، والمؤلف صادر عن «سيرة الدمياطي» (ق ٣٩) وهو عن «طبقات ابن سعد» (١/ ١٩٦).
(٤) (٣/ ٦) من طريق محمد بن سيرين عن عمر. رجاله ثقات إلا أنه مرسل؛ ابن سيرين لم يُدرك عمر. وله طريق آخر عن عمر عند اللالكائي في «شرح السنة» (٢٤٢٦) والبيهقي في «الدلائل» (٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧)، ولكنه ضعيف جدًّا. وله شاهد من مرسل ابن أبي مليكة عند أحمد في «فضائل الصحابة» (٢٢) والفاكهي في «أخبار مكة» (٢٤١٠) بإسناد صحيح.
[ ٣ / ٦٥ ]
الغار ومعه أبو بكر، فجعل يمشي ساعةً بين يديه وساعةً خلفه، حتى فطن له رسول الله - ﷺ - فسأله فقال: يا رسول الله، أذكر الطَّلَب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرَّصَد فأمشي بين يديك، فقال: «يا أبا بكر، لو كان شيء، أحببتَ أن يكون بك دوني؟» قال: نعم والذي بعثك بالحق، فلمّا انتهى (^١) إلى الغار قال أبو بكر (^٢): مكانَك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار، فدخل واستبرأه حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبرئ الجُحْرة فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ الجحرة، فدخل واستبرأ ثم قال: انزل يا رسول الله، فنزل.
ومكثا في الغار ثلاث ليالٍ حتى خَمَدت عنهما نارُ الطلب، فجاءهما عبد الله بن أريقط بالراحلتين فارتحلا، وأردف أبو بكر عامر بن فُهَيرة، وسار الدليلُ أمامهما، وعين الله تكلؤهما وتأييده يَصْحَبُهما وإسعادُه يُرْحِلُهما ويُنْزِلهما.
ولما يئس المشركون من الظفر بهما جعلوا لمن جاء (^٣) بهما دية كل واحدٍ منهما، فجدَّ الناسُ في الطلب، والله غالب على أمره، فلما مرُّوا بحي بني مدلج مُصْعِدين من قُدَيد (^٤) بصر بهم رجل من الحي فوقف على الحي وقال: لقد رأيت آنفًا بالساحل أسودةً ما أُراها إلا محمدًا وأصحابه، ففطن بالأمر سُراقة بن مالك فأراد أن يكون الظفر له خاصَّةً ــ وقد سبق له من
_________________
(١) ث: «انتهيا»، وهو لفظ الحاكم.
(٢) «أبو بكر» سقط من ص، ز، ج، ع.
(٣) ص، ز: «جاءهم».
(٤) واد مشهور ــ ولا يزال يعرف بهذا الاسم ــ كثير العيون والقرى، يقطعه الطريق من مكة إلى المدينة على نحو من ١٢٥ كيلًا. انظر: «معجم معالم السيرة» (ص ٢٤٩).
[ ٣ / ٦٦ ]
الظفر ما لم يكن في حسابه ــ، فقال: بل هما (^١) فلان وفلان خرجا في طلب حاجة لهما، ثم مكث قليلًا، ثم قام فدخل خِباءه وقال لخادمه: اخرجي بالفرس من وراء الخباء وموعدُكِ وراء الأكمة، ثم أخذ رُمْحَه وخَفَض عاليَه يخطُّ به الأرض حتى ركب فرسه، فلما قَرُب منهم وسمع قراءةَ رسول الله - ﷺ - ــ وأبو بكر يُكثر الالتفات، ورسولُ الله - ﷺ - لا يلتفت ــ قال أبو بكر: يا رسول الله، هذا سراقة بن مالك قد رَهِقَنا، فدعا عليه رسول الله - ﷺ - فساخت يدا فرسه في الأرض، فقال: قد علمتُ أن الذي أصابني بدعائكما، فادعُوَا الله لي، ولكما عليَّ أن أرد الناس عنكما، فدعا له رسول الله - ﷺ -، فأُطلِق، وسأل رسول الله - ﷺ - أن يكتب له كتابًا، فكتب له أبو بكر بأمره في أديم، وكان الكتاب معه إلى يوم فتح مكة، فجاءه بالكتاب فوفى له رسول الله - ﷺ - وقال: «يوم وفاءٍ وبِرّ».
وعرض عليهما الزاد والحُملان فقالا: لا حاجة لنا به ولكن عَمِّ عنا الطلبَ، فقال: قد كُفِيتم، ورجع فوجد الناس في الطلب فجعل يقول: قد استبرأت لكم الخبر، وقد كفيتم ما هاهنا؛ فكان أول النهار جاهدًا عليهما وآخرَه حارسًا لهما (^٢).
_________________
(١) ص، ز، ج، ن: «هم»
(٢) أخرجه البخاري (٣٩٠٦، ٣٩١١) وابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٨٩ - ٤٩٠) والواقدي كما في «طبقات ابن سعد» (١/ ١٤٨ - ١٤٩) والطبراني في «الكبير» (٧/ ١٣٤، ١٣٥ - برقم ٦٦٠٢، ٦٦٠٣)، كلهم من حديث سراقة بن مالك بنحوه، إلا أن سياق البخاري مختصر ليس فيه ذكر مجيئه بالكتاب يوم الفتح وقول النبي - ﷺ - له: «يوم وفاء وبر». وأخرج البخاري بعضَه بنحوه من حديث البراء بن عازب عن أبي بكر - ﵁ - (٣٦١٥)، ومن حديث أنس (٣٩١١).
[ ٣ / ٦٧ ]
فصل: مروره - ﷺ - بخيمتي أم معبد الخزاعية
فصل
ثم مرّ في مسيره ذلك حتى نزل (^١) بخيمتَي أمِّ معبد الخزاعية، وكانت امرأةً برزةً جلدةً تحتبي بفناء الخيمة ثم تُطعم وتَسقي من مرَّ بها، فسألاها هل عندها شيء؟ فقالت: واللهِ لو كان عندنا شيء ما أَعْوَزَكم القِرَى، والشاء عازب ــ وكانت سنةً شَهباء (^٢) ــ، فنظر رسول الله - ﷺ - إلى شاةٍ في كسر الخيمة، فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد؟» قالت: شاة خلَّفها الجهد عن الغنم، فقال: «هل بها من لبن؟» قالت: هي أجهد من ذلك، قال: «أتأذنين لي أن أحلُبها؟» قالت: نعم بأبي وأمي، إن رأيت بها حَلَبًا فاحلُبْها، فمسح رسول الله - ﷺ - بيده ضرعها وسمَّى الله ودعا فتفاجَّت عليه ودَرَّت، فدعا بإناءٍ لها يُرْبِض الرَّهط (^٣)، فحلب فيه حتى علته الرَّغوة، فسقاها فشربت حتى رويت، وسقى أصحابَه حتى رووا ثم شرب، وحلب فيه ثانيًا حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها وارتحلوا.
فقلَّما لبثت أن جاء زوجُها أبو معبد يسوق أعنُزًا عِجافًا يتساوكن هزلًا، فلما رأى اللبن عَجِب وقال: من أين لك هذا والشاءُ عازب، ولا حلوبة في البيت؟ فقالت: لا والله، إلا أنه مرَّ بنا رجل مبارك كان من حديثه كَيت وكَيت، من حاله كذا وكذا، قال: والله إني لأراه صاحبَ قريشٍ الذي تطلبه، صِفِيه لي يا أم معبد، قالت: ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم
_________________
(١) م، ق، ب، ث: «مرّ».
(٢) و«الشاء عازب» أي في مرعًى بعيدٍ لكونها سنةً شهباء، أي سنةَ جدبٍ وقحط.
(٣) في هامش ص: «قوله: يربض الرهط، أي يرويهم حتى يناموا ويمتدّوا على الأرض» اهـ. انظر: «النهاية» (ربض).
[ ٣ / ٦٨ ]
تَعِبْه ثُجْلة، ولم تُزْرِ به صَعْلة (^١)، وسيم قسيم، في عينيه دَعَج، وفي أشفاره وَطَف، وفي صوته صَحَل (^٢)، وفي عنقه سطع، أَحْوَرُ أكحل، أزجُّ أقرن (^٣)، شديد سواد الشعر، إذا صمت علاه الوقار، وإن تكلم علاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه مِن بعيد، وأحسنه وأحلاه مِن قريب، حُلْوُ المنطق فصلٌ لا نَزْرٌ ولا هَذْر، كأنّ مَنطِقَه خَرَزات نظمٍ يتحدَّرن، رَبْعة لا تقتحمه عينٌ مِن قصر ولا تَشنَؤُه من طول؛ غُصْن بين غصنين، فهو أنضر (^٤) الثلاثة منظرًا وأحسنهم قدرًا، له رفقاء يحفُّون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود (^٥)،
لا عابس ولا مُفْنِد (^٦). فقال أبو معبد: هذا والله صاحب قريش الذي ذُكِر من أمره ما ذُكِر، ولقد هممتُ أن أصحَبَه، ولأفعلنَّ إن وجدتُ إلى ذلك سبيلًا.
_________________
(١) أبلج الوجه: مُسفِره مُشرِقه. والثجلَة: عِظَم البطن، ويُروى: «نُحلة» أي: الدّقّة والضَّمَر. والصَّعلة: عِظم الرأس.
(٢) القسيم: مثل الوسيم، الحسن الوضيء. والدَّعَج: شدة السواد. والوَطَف: الطول. والصَّحَل: البُحَّة.
(٣) الأزج: دقيق الحاجبين مع طولهما. والأقرن: مقرون الحاجبين. ويخالفه وصفُ هند بن أبي هالة للنبي - ﷺ - عند الترمذي في «الشمائل» (٨) بإسناد ضعيف: «أزجُّ الحواجب، سوابغ في غير قرن، بينهما عِرق يُدرُّه الغضب». ويمكن أن يُجمَع بينهما بأن يقال: كان بين حاجبيه - ﷺ - فرجة دقيقة لا تتبيّن إلا لمتأمل. انظر: «جمع الوسائل في شرح الشمائل» للملا علي القاري (١/ ٣٦).
(٤) ص، ز، ع، ن: «أنظر»، تصحيف.
(٥) أرادت أن أصحابه يخدمونه ويجتمعون عليه ..
(٦) المُفْنِد: من تكلّم بالفَنَد، وهو الكذب، ثم قالوا للشيخ إذا هَرِم وخَرِف: قد أفند، لأنه يخلّط في كلامه. ويصحّ أن يُضبط: «مُفنَّد»، أي الذي يُنسب إلى الفَنَد أو يُتَّهم به.
[ ٣ / ٦٩ ]
وأصبح صوتٌ بمكة عاليًا يسمعونه ولا يرون القائل:
جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقَين حلَّا خيمتي أمِّ مَعبدِ
هما نزلا بالبِرِّ وارتحلا به فأفلح من أمسى رفيقَ محمدِ
فيا لَقُصَيٍّ ما زوى الله عنكم به من فعال لا تُجازى وسُؤدَدِ
ليَهْنِ بني كعب مكانُ فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمَرصَدِ
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشاةَ تشهد (^١)
قالت أسماء: ما درينا أين توجَّه رسول الله - ﷺ -، إذْ أقبل رجل من الجنِّ من أسفل مكة فأنشد هذه الأبيات، والناس يتبعونه يسمعون (^٢) صوته وما يرونه حتى خرج من أعلاها، قالت: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجَّه رسول الله - ﷺ - وأن وَجْهَه إلى المدينة (^٣).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «الكبير» (٣٦٠٥) والآجري في «الشريعة» (١٠٢٠) والحاكم (٣/ ٩) وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٢٢٦٥، ٢٢٦٦) والبيهقي في «الدلائل» (١/ ٢٧٦ - ٢٨٠)، كلهم من طريق حزام بن هشام عن أبيه عن جدّه حُبيش بن خالد - ﵁ -، وهو أخو أم معبد - ﵂ -. قال العلائي في «الفرائد المسموعة» (٢/ ٧١٧): هذا حديث حسن محفوظ من رواية حزام بن هشام. وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» (١/ ١٩٦ - ١٩٨) والحاكم (٣/ ١١) من حديث أبي معبد الخزاعي بمثله، ولكن إسناده واهٍ بمرَّة. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (٢٦٨٦). تنبيه: وفي القصة ذكرُ أبياتٍ لحسّان بن ثابت جاوب بها الهاتف لم يذكرها المؤلف، وقد أثبتها ناسخ ز في الهامش، مطلعها: لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم وقُدِّس من يسري إليهم ويغتدي
(٢) م، ق، ع: «يستمعون».
(٣) ذكره ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٨٧)، قال: حُدِّثت عن أسماء. وأسند الواقدي كما في «طبقات ابن سعد» (١/ ١٩٦، ١٠/ ٢٧٣) عن عبد الله بن كيسان مولى أسماء وعن غيره نحوَه إلا أن فيه: «ما شعرت قريش أين وجه رسول الله - ﷺ -»، وهو أولى إذ يَبعد أن لا تكون أسماء تدري أين توجه رسولُ الله - ﷺ - مع أبيها.
[ ٣ / ٧٠ ]
فصل: وصوله - ﷺ المدينة واستقبال الأنصار له
فصل
وبلغ الأنصارَ مخرجُ رسول الله - ﷺ - من مكة وقصدُه المدينة، فكانوا يخرجون كلَّ يومٍ إلى الحرَّة ينتظرونه أولَ النهار، فإذا اشتدَّ حرُّ الشمس رجعوا إلى منازلهم، فلما كان يومُ الاثنين ثاني عشر ربيع الأول على رأس ثلاثَ عشرةَ سنةً من نبوَّته خرجوا على عادتهم فلما حَمِي حرُّ الشمس رجعوا، فصعد رجل من اليهود على أُطُمٍ من آطام المدينة لبعض شأنه فرأى رسولَ الله - ﷺ - وأصحابه مُبيِّضين يزول بهم السراب، فصرخ بأعلى صوته: يا بني قَيْلَةَ! هذا صاحبكم قد جاء، هذا جدُّكم (^١) الذي تنتظرونه (^٢)؛ فثار (^٣) الأنصار إلى السلاح ليتلقَّوا رسول الله - ﷺ -، وسُمِعت الوَجْبَة (^٤) والتكبير في بني عمرو بن عوف، وكبَّر المسلمون فرحًا بقدومه وخرجوا للقائه، فتلقَّوه وحيَّوه بتحية النبوة، وأحدقوا به مُطِيفِين حولَه والسكينةُ تغشاه والوحي ينزل عليه، واللهُ (^٥)
مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير،
_________________
(١) أي: حظُّكم ودولتكم. وبنو قَيلة هم الأوس والخزرج، نَسَبَهما إلى أمِّهما، وهي قيلة بنتُ كاهل بن عُذْرة القُضاعيَّة.
(٢) م، ق، ب، ج، ث: «تنتظرون».
(٣) ص، ز، ج، ع، ن: «فبادر». والمثبت من باقي الأصول هو لفظ البخاري.
(٤) الوجبة: صوت الساقط إذا سقط فتُسمع له هَدَّة.
(٥) في المطبوع: «﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ ﴾ [التحريم: ٤]» خلافًا للأصول، ولا يصحّ البتة، فإن الآية لم تنزل إلا بعد ذلك بسنوات، والمؤلف لم يقصد إيرادها وإنما اقتبس منها فصاغ ما يناسب المقام ..
[ ٣ / ٧١ ]
فسار حتى نزل بقباء في بني عمرو بن عوف فنزل على كلثوم بن الهِدْم، وقيل: بل على سعد بن خيثمة، والأول أثبت، فأقام في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلةً وأسَّس مسجد قباء، وهو أول مسجدٍ أُسِّس بعد النبوة (^١).
فلما كان يومُ الجمعة ركب بأمر الله له فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمَّع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي.
ثم ركب فأخذوا بخطام راحلته: هلمَّ إلى العدد والعُدَّة والسلاح والمنعة، فقال: «خلُّوا سبيلها فإنها مأمورة»، فلم تزل ناقته سائرةً به لا تمرُّ بدار من دور الأنصار إلا رغبوا إليه في النزول عليهم، ويقول: «دعوها فإنها مأمورة»، فسارت حتى وصلت إلى موضع مسجده اليوم بركت، ولم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلًا ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها الأول، فنزل عنها وذلك في بني النجار أخوالِه - ﷺ - (^٢). وكان من توفيق الله لها، فإنه أحب أن ينزل على أخواله يكرمهم بذلك.
فجعل الناس يكلمون رسول الله - ﷺ - في النزول عليهم، وبادر أبو أيوب
_________________
(١) أخرجه ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٩٢ - ٤٩٤) والواقدي كما في «طبقات ابن سعد» (١/ ٢٠٠) بأسانيدهما. وهو عند البخاري (٣٩٠٦) عن عروة بن الزبير بنحوه دون ذكر من نزل عليه النبي - ﷺ - من بني عمرو بن عوف.
(٢) انظر الخبر عند موسى بن عقبة كما في «دلائل النبوة» للبيهقي (٢/ ٥٠١)، وعند ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٩٤ - ٤٩٥). وأخرجه ابن سعد (١/ ٢٠٣) بنحوه من مرسل شُرَحبيل بن سعد. وروي نحوه من حديث أنس وابن عمر ولكن إسناديهما واهيان بمرّة. انظر: «الضعيفة» (٦٥٠٨) و«أنيس الساري» (٢٠٧٦).
[ ٣ / ٧٢ ]
الأنصاري إلى رَحْلِه فأدخله بيته، فجعل رسول الله - ﷺ - يقول: «المرء مع رحله» (^١)، وجاء أسعد بن زُرارة فأخذ بزِمام راحلته فكانت عنده.
وأصبح كما قال قيس بن صِرمة (^٢) الأنصاري ــ وكان ابن عباس يختلف إليه يتحفظ هذه الأبيات ــ:
ثَوَى في قريش بضعَ عشرةَ حِجّةً يُذَكِّر لو يلقى حبيبًا مُواتيا
ويَعْرِض في أهل المواسم نفسَهُ فلم يَرَ من يؤوي ولم ير داعيا
فلما أتانا واستقرت به النَّوى وأصبح مسرورًا بطَيْبةَ راضيا
وأصبح لا يخشى ظُلامة ظالمٍ بعيد، ولا يخشى من الناس باغيا
بذلنا له الأموالَ مِن جُلِّ (^٣) مالنا وأنفُسَنا عند الوغى والتآسيا
نُعادي الذي عادى من الناس كلِّهمْ جميعًا وإن كان الحبيبَ المُصافيا
ونعلم أن الله لا ربَّ غيرُه وأن كتابَ الله أصبح هاديا (^٤)
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (١/ ٢٠٣) عن الواقدي. وله شاهد من حديث ابن الزبير عند الطبراني في «الأوسط» (٣٥٤٤) والبيهقي في «الدلائل» (٢/ ٥٠٩)، وإسناده ضعيف. انظر: «مجمع الزوائد» (٦/ ٦٦).
(٢) كذا في جميع الأصول، وهو وهم أو سبق قلم، وإنما هو: أبو قيس، صرمة بن قيس.
(٣) ج، ث، ن: «حِلِّ». وكذا في بعض المصادر.
(٤) أخرجها الأزرقي في «أخبار مكة» (٢/ ١٤٧) والدينَوَري في «المُجالسة» (٣/ ١٤٨ - ١٤٩) والحاكم (٢/ ٦٢٦ - ٢٦٧) والبيهقي في «الدلائل» (٢/ ٥١٣ - ٥١٤) من طرق عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري. قال: سمعت عجوزًا من الأنصار تقول: رأيت ابن عبّاس يختلف إلى صِرمة بن قيس يتعلّم منه هذه الأبيات. وذكرها ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٥١٢) مع اختلاف يسير، ومجموعها أربعة عشر بيتًا.
[ ٣ / ٧٣ ]
قال ابن عباس: كان رسول الله - ﷺ - بمكة فأُمِر بالهجرة وأُنزِل عليه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠] (^١).
قال قتادة: أخرجه الله من مكة إلى المدينة مُخْرَجَ صدقٍ (^٢). ونبيُّ الله يعلم أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل الله سلطانًا نصيرًا، وأراه الله ﷿ دار الهجرة وهو بمكة، فقال: «أُرِيت دارَ هجرتكم سَبْخةً ذاتَ نخلٍ بين لابتين» (^٣).
وذكر الحاكم في «صحيحه» (^٤) عن علي بن أبي طالب أن النبي - ﷺ - قال لجبريل: «من يهاجر معي؟» قال: أبو بكر الصديق.
قال البراء: أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله - ﷺ -: مصعبُ بن عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يُقرئان الناس القرآن، ثم جاء عمَّار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين راكبًا، ثم جاء رسول الله - ﷺ -،
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٩٤٨) والترمذي (٣١٣٩) والحاكم (٢/ ٢٤٣) وصححه، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٢) أخرجه الطبري (١٥/ ٥٥).
(٣) أخرجه البخاري (٢٢٩٧) من حديث عائشة - ﵂ -.
(٤) (٣/ ٥) وقال: صحيح الإسناد والمتن. قلتُ: كذا قال مع أن شيخه فيه أبو أحمد علي بن محمد بن عبد الله المروزي، وقد قال عنه هو نفسه لمَّا سئل عنه ــ كما في «لسان الميزان» (٦/ ٢٢) ــ: هو أشهر في اللِّين من أن تسألني عنه، وقال أيضًا: كان يكذب. وقال الدارقطني كما في «سؤالات السهمي» (٤٠٧): ضعيف جدًّا. وله طريقان آخران عند ابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢٨٩) وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٨/ ١٦٨) لكنّهما أيضًا واهيان.
[ ٣ / ٧٤ ]
فما رأيت الناس فرحوا بشيء فرَحَهم به حتى رأيتُ النساء والصبيان والإماء يقولون: هذا رسول الله قد جاء (^١).
وقال أنس: شهدتُه يوم دخل المدينة، فما رأيت يومًا قطُّ كان أحسنَ ولا أضوأ من يوم دخل المدينة علينا، وشهدته يوم مات فما رأيت يومًا قط كان أقبحَ ولا أظلمَ من يوم مات (^٢).
فأقام في منزل أبي أيوب حتى بنى حُجرته ومسجده.
وبعث رسول الله - ﷺ - وهو في منزل أبي أيوب زيدَ بن حارثة وأبا رافع ــ وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم ــ إلى مكة، فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وسودةَ بنتِ زمعة زوجته، وأسامة بن زيد وأمِّه أم أيمن. وأما زينب فلم يُمكِّنْها زوجُها أبو العاص بن الربيع من الخروج. وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبي بكر وفيهم عائشة، فنزلوا في بيت حارثة بن النُّعمان (^٣).
فصل
في بناء المسجد
قال الزهري (^٤): بركت ناقة رسول الله - ﷺ - عند موضع مسجده، وهو
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٩٤١).
(٢) أخرجه ابن سعد (١/ ٢٠١) وأحمد (١٣٥٢٢) والدارمي (٨٩) والحاكم (٣/ ٥٧) وصححه على شرط مسلم، واختاره الضياء (٥/ ٦٦).
(٣) ذكره الواقدي بأسانيده كما في «طبقات ابن سعد» (١/ ٢٠٣)، (١٠/ ٦٢ - ٦٣، ١٥٨).
(٤) أسنده عنه الواقدي كما في «طبقات ابن سعد» (١/ ٢٠٥ - ٢٠٦) بطوله، إلا بيتًا ارتجزه بعض الصحابة، وسيأتي التنبيه عليه. وسيأتي أيضًا ذكر بعض الشواهد لفقرات هذا الخبر.
[ ٣ / ٧٥ ]
يومئذ يصلي فيه رجال من المسلمين، وكان مِرْبدًا لسهلٍ وسهيلٍ غلامين يتيمين من الأنصار، وكانا في حِجر أسعد بن زرارة، فساوم رسول الله - ﷺ - الغلامين بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نَهَبُه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله - ﷺ - حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير، وكان جدارًا ليس له سقف وقبلته إلى بيت المقدس، وكان يصلي فيه ويجمِّع أسعدُ بن زرارة قبل مَقْدَمِ رسول الله - ﷺ -، وكان فيه شجرُ غرقدٍ ونخل وقبور للمشركين، فأمر رسول الله - ﷺ - بالقبور فنُبِشت، وبالنخل والشجر فقطعت وصُفَّت في قبلة المسجد، وجُعِل طولُه مما يلي القبلة إلى مؤخَّره مائةَ ذراع، وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه، وجُعل أساسُه قريبًا من ثلاثة أذرع، ثم بنوه باللَّبِن وجعل رسول الله - ﷺ - يبني معهم وينقل اللبن والحجارة بنفسه ويقول:
اللهم لا عيشَ إلا عيشُ الآخرهْ فاغفر للأنصار والمهاجرهْ
وكان يقول:
هذا الحِمال لا حِمالُ خيبر هذا أبرُّ ربَّنا وأطهر (^١)
وجعلوا يرتجزون وهم ينقلون اللَّبِن، ويقول بعضهم في رجزه:
لئن قعدنا والرسول يعملُ لذاك منا العمل المُضَلَّلُ (^٢)
_________________
(١) إلى هنا أخرجه البخاري (٣٩٠٦) وعبد الرزاق (٩٧٤٣) من حديث الزهري عن عروة بنحوه مختصرًا. وأخرج البخاري (٤٢٨) ومسلم (٥٢٤) بعضَه من حديث أنس، وليس فيه هذا البيت الأخير. وقوله - ﷺ -: «هذا الحمال » أي الحجارة التي تُحمل للبناء أفضل عند الله مما يُحمَل مِن خيبر من التمر ونحوه.
(٢) هذا البيت ذكره ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٩٦)، وليس في خبر الزهري عند الواقدي.
[ ٣ / ٧٦ ]
فصل: مواخاة النبي - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار
وجَعَل قبلتَه إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثةَ أبواب: بابًا في مؤخَّره، وبابًا يقال له باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه رسول الله - ﷺ -. وجَعل عُمُدَه الجذوع، وسُقِف بالجريد، وقيل له: ألا نَسْقُفُه؟ فقال: «لا، عريش كعريش موسى» (^١)، وبنى بيوتًا إلى جانبه بيوتَ الحُجَر باللَّبِن، وسَقَفها بالجذوع والجريد، فلمّا فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بناه لها شرقيَّ المسجدِ يليه، وهو مكان حجرته اليوم، وجعل لسودة بنت زمعة بيتًا آخر.
فصل
ثم آخى رسول الله - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلًا: نصفُهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار؛ آخى بينهم على المواساة، ويتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل الله ﷿: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] ردَّ التوارثَ إلى الرَّحِم دون عقد الأخوة (^٢).
وقد قيل: إنه واخى (^٣) بين المهاجرين بعضهم مع بعض مواخاةً ثانيةً
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٥١٣٥) عن خالد بن معدان مرسلًا، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣١٦٢) من مرسل الحسن. وله شواهد أخرى مرسلة وموصولة يصحُّ بمجموعها. انظر: «الصحيحة» للألباني (٦١٦).
(٢) «طبقات ابن سعد» (١/ ٢٠٤) عن الواقدي. وانظر حديث عقد المؤاخاة في دار أنس عند البخاري (٢٢٩٤) ومسلم (٢٥٢٩) من حديث أنس؛ وحديث التوارث بها ونَسْخه عند الطيالسي (٢٧٩٨) والدارقطني (٤١٢٧) من حديث ابن عباس، وعند الدارقطني (٤١٥٨) والحاكم (٤/ ٣٤٥) من حديث الزبير بن العوام.
(٣) ث، ع، النسخ المطبوعة: «آخى». والمثبت من سائر الأصول لغة فيه.
[ ٣ / ٧٧ ]
واتَّخذ فيها عليًّا أخًا لنفسه (^١)، والثبت الأول. والمهاجرون كانوا مستغنين بأخوة الإسلام وأخوة الدار وقَرابة النسب عن عقد مواخاةٍ، بخلاف المهاجرين مع الأنصار (^٢).
ولو واخى بين المهاجرين لكان أحقَّ الناس بأخوته أحبُّ الخلق إليه ورفيقُه في الهجرة، وأنيسُه في الغار، وأفضل الصحابة، وأكرمُهم عليه: أبو بكر الصديق، وقد قال: «لو كنتُ متخذًا من أهل الأرض خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن أخوة الإسلام أفضل» (^٣)، وفي لفظ: «ولكن أخي وصاحبي» (^٤).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٧٢٠) والحاكم (٣/ ١٤) وابن عدي في «الكامل» (٢/ ١٦٦) من حديث ابن عمر قال ــ واللفظ للحاكم ــ: إن رسول الله - ﷺ - آخى بين أصحابه، فآخى بين أبي بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف، فقال علي: يا رسول الله إنك قد آخيتَ بين أصحابك فمن أخي؟ قال: «أما ترضى يا عليُّ أن أكون أخاك؟». وإسناده واه، ووسمه شيخ الإسلام بالكذب. انظر: «منهاج السنة» (٥/ ٧١) و«الضعيفة» (٣٥١).
(٢) ولكن مع هذا، لا يمنع أن يكون النبي - ﷺ - آخى بين أفراد قلائل من المهاجرين بعضهم مع بعض تنزيلًا لذوي السعة واليسار منهم منزلةَ الأنصار، لا سيما وأن بعضهم لم يكن من قريش حتى يستغني بقرابة النسب عن عقد المؤاخاة؛ فقد ثبت من غير وجه أن النبي - ﷺ - آخى بين عبد الله بن مسعود والزبير بن العوّام. انظر: «سير أعلام النبلاء» (١/ ٤٦٧) و«الفتح» (٧/ ٢٧١) و«الصحيحة» (٣١٦٦). هذا، وسيأتي في قصة عمرة القضية (ص ٤٥٥) إثبات المؤلف لمواخاة المهاجرين بعضهم مع بعض قبل الهجرة على الحق والمواساة، فإما أن المؤلف تغيّر رأيه هناك، أو أن مقصوده بالنفي هنا هو نفي أن يكون آخى بينهم بعد الهجرة.
(٣) أخرجه البخاري (٣٦٥٧) من حديث ابن عباس، وأخرجه أيضًا هو (٤٦٦، ٣٦٥٤) ومسلم (٢٣٨٢) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٤) أخرجه البخاري (٣٦٥٦) من حديث ابن عباس، ومسلم (٢٣٨٣/ ٤) من حديث ابن مسعود - ﵁ -.
[ ٣ / ٧٨ ]
فصل: موادعة النبي - ﷺ - يهود المدينة
فصل: تحويل القبلة
وهذه الأخوة في الإسلام وإن كانت عامةً كما قال: «وددت أنَّا قد رأينا إخواننا»، قالوا: ألسنا إخوانك؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواني قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يَرَوني» (^١) = فلِلصِّديق من هذه الأخوة أعلى مراتبها، كما له من الصحبة أعلى مراتبها، فالصحابة لهم الأخوة ومزيَّةُ الصحبة، ولأتباعه بعدَهم الأخوة دون الصحبة.
فصل
ووادع رسول الله - ﷺ - مَن بالمدينة من اليهود، وكتب بينه وبينهم كتابًا (^٢)، وبادَرَ حَبْرُهم وعالمُهم عبد الله بن سلام فدخل في الإسلام، وأبى عامتُهم إلا الكفر (^٣).
وكانوا ثلاث قبائل: بنو قَينُقاع، وبنو النَّضِير، وبنو قُريظة؛ وحاربتْه الثلاثة، فمنَّ على بني قينقاع، وأجلى بني النضير، وقَتل بني قريظة وسبى ذريتهم، ونزلت سورة الحشر في بني النضير، وسورةُ الأحزاب في بني قريظة.
فصل
وكان يصلي إلى قبلة بيت المقدس ويحبُّ أن يُصْرَف إلى الكعبة، وقال لجبريل: «وددتُ أن الله صرف وجهي عن قبلة اليهود»، فقال: إنما أنا عبد، فادعُ ربك وسَلْه؛ فجعل يُقلِّب وجهَه في السماء يرجو ذلك، حتى أنزل الله
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٤٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) انظر خبر الموادعة عند موسى بن عقبة كما في «البداية والنهاية» (٦/ ٣٦ - ٣٧)، وابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٥٠١)، والواقدي في «مغازيه» (١/ ١٧٦).
(٣) انظر خبر عبد الله بن سلام واليهود عند البخاري (٣٣٢٩، ٣٩١١) من حديث أنس.
[ ٣ / ٧٩ ]
عليه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] (^١). وذلك بعد ستة عشر شهرًا من مقدمه المدينةَ، قبلَ وقعةِ بدرٍ بشهرين (^٢).
قال محمد بن سعد (^٣): أخبرنا هاشم بن القاسم، قال: حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي قال: «ما خالف نبيٌّ نبيًّا قطُّ في قبلةٍ ولا في سُنَّة، إلا أن رسول الله - ﷺ - استقبل بيت المقدس حين قدم المدينة ستة عشر شهرًا»، ثم قرأ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا﴾ الآية [الشورى: ١٣].
وكان في جَعْل القبلة إلى بيت المقدس ثم تحويلِها إلى الكعبة حِكَمٌ عظيمة، ومحنةٌ للمسلمين والمشركين واليهود والمنافقين.
فأما المسلمون فقالوا: سمعنا وأطعنا، وقالوا: آمنا به كل من عند ربنا، وهم الذين هدى الله ولم تكن كبيرةً عليهم.
وأما المشركون فقالوا: كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع إلى ديننا، وما رجع إليها إلا لأنها الحق.
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (١/ ٢٠٨) عن الواقدي بإسناده إلى ابن عباس وغيره. وله شاهد من حديث البراء عند البخاري (٣٩٩) بنحوه دون ذكر قول النبي - ﷺ - لجبريل وجوابه.
(٢) نصّ عليه سعيد بن المسيِّب كما في «الطبقات» (١/ ٢٠٨). وفي حديث البراء عند البخاري: «صلى نحو بيت المقدس ستة عشر ــ أو سبعة عشر ــ شهرًا». أي: إن تحويل القبلة كان في رجب أو شعبان، قبل وقعة بدر بشهر أو شهرين.
(٣) في «الطبقات» (١/ ٢٠٩).
[ ٣ / ٨٠ ]
وأما اليهود فقالوا: خالف قبلةَ الأنبياء قبله، ولو كان نبيًّا لكان يصلي إلى قِبلة الأنبياء.
وأما المنافقون فقالوا: ما يدري محمد أين يتوجَّه؛ إن كانت القبلة الأولى حقًّا فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحقَّ فقد كان على باطل. وكثرت أقاويل السفهاء من الناس، وكانت ــ كما قال الله ــ كبيرةً إلا على الذين هدى الله، وكانت محنةً من الله امتحن بها عبادَه ليرى من يتَّبع الرسولَ منهم ممن ينقلب على عقبَيه.
ولمّا كان أمرُ القبلة وشأنُها عظيمًا وطَّأَ سبحانه قبلها أمرَ النسخ وقُدرتَه عليه، وأنه يأتي بخيرٍ من المنسوخ أو مثلِه (^١)، ثم عقَّب ذلك بالتوبيخ لمن تَعَنَّت رسولَه ولم يَنْقَدْ له، ثم ذكر بعده اختلافَ اليهود والنصارى وشهادةَ بعضهم على بعضٍ بأنهم ليسوا على شيء، وحذَّر عبادَه من موافقتهم واتِّباع أهوائهم، ثم ذكر كفرَهم وشركَهم به وقولَهم: إن له ولدًا، سبحانه وتعالى عما يقولون.
ثم أخبر أن له المشرق والمغرب وأينما يولي عبادُه وجوهَهم فثَمَّ وجهُه، وهو الواسع العليم، فلِعَظَمته وسعته وإحاطته أينما توجَّه العبدُ فثَمَّ وجه الله.
ثم أخبر أنه لا يسأل رسوله عن أصحاب الجحيم الذين لا يتابعونه ولا
_________________
(١) وذلك في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، وكذلك سيشير المؤلف إلى الآيات التي بعدها إلى الآية (١٣٤) التي تليها آياتُ تحويل القبلة.
[ ٣ / ٨١ ]
يصدِّقونه، ثم أعلمه أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى لن يَرْضَوا عنه حتى يتبع ملَّتَهم، وأنه إن فعل ــ وقد أعاذه الله من ذلك ــ فما له من الله من ولي ولا نصير.
ثم ذكَّر أهلَ الكتاب بنعمته عليهم، وخوَّفهم من بأسه يومَ لقائِه.
ثم ذكَر خليلَه بانيَ بيتهِ الحرام وأثنى عليه ومدحه، وأخبر أنه جعله إمامًا للناس يأتمُّ به أهل الأرض، ثم ذكر بيتَه الحرام وبناءَ خليله له، وفي ضمن هذا أن بانيَ البيتِ كما هو إمام الناس فكذا (^١) البيت الذي بناه إمام لهم، ثم أخبر أنه لا يرغب عن ملَّة هذا الإمام إلا أسفهُ الناس، ثم أمر عباده أن يأتمُّوا به، ويؤمنوا بما أنزل إليهم وإلى إبراهيم وإلى سائر النبيين، ثم رد على من قال: إن إبراهيم وأهل بيته كانوا يهودًا أو نصارى؛ وجعل هذا كله توطئةً ومقدِّماتٍ بين يدي تحويل القبلة، ومع هذا كلِّه فكَبُر ذلك على الناس إلا من هدى الله منهم.
وأكَّد سبحانه هذا الأمر مرةً بعد مرة بعد ثالثة، وأمر به حيث ما كان رسولُه ومن حيث خرج، وأخبر أن الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم هداهم إلى هذه القبلة، وأنها هي القبلة التي تليق بهم وهم أهلها، لأنها أوسطُ القِبَل وأفضلُها، وهم أوسط الأمم وخيارهم، فاختار أفضل القِبَل لأفضل الأمم، كما اختار لهم أفضلَ الرُّسُل وأفضلَ الكتب، وأخرجهم في خير القرون، وخصَّهم بأفضل الشرائع، ومَنَحهم خيرَ الأخلاق وأسكنهم خيرَ الأرض، وجعل منازلَهم في الجنة خيرَ المنازل، ومَوقِفَهم في القيامة خير
_________________
(١) ز، ع: «فكذلك».
[ ٣ / ٨٢ ]
فصل: شرع الأذان
المواقف، فهم على تَلٍّ عالٍ والناس تحتهم (^١)، فسبحان من يختصُّ برحمته من يشاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك لئلا يكونَ للناس عليهم حجة، ولكن الظالمون الباغون يحتجُّون عليهم بتلك الحجج التي ذُكِرَت، ولا تُعارَض الرسل إلا بها وبأمثالها من الحجج الداحضة، وكلُّ من قدَّم على أقوال الرسول سواها فحجَّتُه من جنس حجج هؤلاء.
وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك ليُتمَّ نعمتَه عليهم وليهديَهم، ثم ذكَّرهم نِعَمه عليهم بإرسال رسوله إليهم وإنزال كتابه عليهم ليزكِّيَهم به ويُعلِّمَهم الكتاب والحكمة ويعلِّمَهم ما لم يكونوا يعلمون. ثم أمرهم بذكره وشكره، إذ بهذين الأمرين يستوجبون إتمامَ نِعَمه والمزيدَ من كرامته، ويستجلبون ذِكْرَه لهم ومحبَّته لهم، ثم أمرهم بما لا يتم لهم ذلك إلا بالاستعانة به، وهو الصبر والصلاة، وأخبرهم (^٢) أنه مع الصابرين.
فصل
وأتمَّ نعمته عليهم مع القبلة بأن شرع لهم الأذان في اليوم والليلة خمس مرات وزادهم في الظهر والعصر والعشاء ركعتين أُخرَيين بعد أن كانت ثنائيةً (^٣)، وكل هذا كان بعد مَقدَمه المدينة.
_________________
(١) جاء ذلك في حديث كعب بن مالك عند أحمد (١٥٧٨٣) وابن حبان (٦٤٧٩) والحاكم (٢/ ٣٦٣)، وفي حديث جابر عند مسلم (١٩١/ ٣١٦) بمعناه.
(٢) م، ق، ب، ث: «وأخبر» دون ضمير النصب.
(٣) قالت عائشة: «فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأُقِرَّت صلاة السفر وزِيد في صلاة الحضر». أخرجه البخاري (٣٥٠) ومسلم (٦٨٥).
[ ٣ / ٨٣ ]
فصل: نزول آية الإذن بالقتال
فصل
فلما استقر رسول الله - ﷺ - بالمدينة وأيده الله بنصره وبعباده المؤمنين، وألَّف بين قلوبهم بعد العداوة والإحن التي كانت بينهم، فمنعته أنصارُ الله وكتيبة الإسلام من الأسود والأحمر، وبذلوا نفوسهم دونه، وقدَّموا محبَّته على محبَّةِ الآباء والأبناء والأزواج، وكان أولى بهم من أنفسهم= رَمَتْهم العربُ واليهود عن قوسٍ واحدة، وشمَّروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب، والله تعالى يأمرهم بالصبر والعفو والصفح حتى قويت الشوكة واشتدَّ الجَناح، فأذن لهم حينئذ في القتال ولم يَفرضْه عليهم فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (^١) [الحج: ٣٩].
وقد قالت طائفة: إن هذا الإذن كان بمكةَ والسورةُ مكية. وهذا غلط لوجوه:
أحدها: أن الله لم يأذن بمكة لهم في القتال، ولا كان لهم شوكة يتمكَّنُون بها من القتال بمكة.
الثاني: أن سياق الآية يدلُّ على أن الإذنَ بعد الهجرة وإخراجِهم من ديارهم، فإنه قال: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠]، وهؤلاء هم المهاجرون.
_________________
(١) كذا ضبطت الآية في م بكسر التاء من ﴿يُقَاتِلُونَ﴾، وهي قراءة أبي عمرو بن العلاء وغيره، وقرأ حفص عن عاصم وغيره بفتح التاء. انظر: «النشر» (٢/ ٣٢٦).
[ ٣ / ٨٤ ]
الثالث: أن قوله تعالى: ﴿اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: ١٩]، نزلت في الذين تبارزوا يومَ بدرٍ من الفريقين (^١).
الرابع: أنه قد (^٢) خاطبهم في آخرها بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [الحج: ٧٧]، والخطاب بذلك كلُّه مدني، وأمّا الخطاب بـ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فمشترك.
الخامس: أنه أمر فيها بالجهاد الذي يعمُّ الجهادَ باليد وغيره، ولا ريب أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة، وأمّا جهاد الحجَّة فأمر به في مكة، كقوله: ﴿(٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ﴾ أي: بالقرآن ﴿بِهِ جِهَادًا﴾ [الفرقان: ٥٢] فهذه سورة (^٣) مكية، والجهاد فيها هو التبليغ وجهاد الحجة، وأما حقُّ الجهاد المأمور به في سورة الحجِّ فيدخل فيه الجهاد بالسيف.
السادس: أن الحاكم روى في «مستدركه» (^٤) من حديث الأعمش عن
_________________
(١) كما في «صحيح البخاري» (٣٩٦٥، ٣٩٦٦) من حديث علي وأبي ذرّ، وسيأتي في أحداث الغزوة.
(٢) «قد» ليست في م، ق، ب، ث.
(٣) ج: «السورة».
(٤) (٢/ ٢٤٦). وأخرجه أحمد (١٨٦٥) والترمذي (٣١٧١) والنسائي (٣٠٨٥) والبزار (١/ ٦٩، ١٩٤) والطبري (١٦/ ٥٧٤) وابن حبان (٤٧١٠) والطبراني في «الكبير» (١٢/ ١٦) والحاكم (٢/ ٦٦، ٣/ ٧) والضياء في «المختارة» (١٠/ ٣٥٩) من طرق عن الأعمش به. وصححه ابن حبان والحاكم والضياء والمؤلف، وحسَّنه الترمذي والبزّار، إلا أن الترمذي ذكر أنه رواه غير واحد عن الثوري عن الأعمش عن مسلم عن سعيد بن جبير مرسلًا. وانظر: «العلل» للدارقطني (٢٢).
[ ٣ / ٨٥ ]
فصل: فرض القتال، ووجوب الجهاد بالمال
مسلم البَطِين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لمّا خرج رسول الله - ﷺ - من مكة قال أبو بكر: أخرَجُوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون، ليَهْلِكُنَّ؛ فأنزل الله ﷿: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]، وهي أول آية نزلت في القتال. وإسناده على شرط «الصحيحين».
وسياق السورة يدل على أن فيها المكيَّ والمدنيَّ، فإن قصة إلقاء الشيطان في أُمنيَّةِ الرسول مكية، والله أعلم.
فصل
ثم فَرَض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم فقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠].
ثم فرض عليهم قتال المشركين كافَّةً؛ وكان محرَّمًا، ثم مأذونًا فيه، ثم مأمورًا به لمن بدأهم (^١) بالقتال، ثم مأمورًا به لجميع المشركين، إما فرض عينٍ على أحد القولين، أو فرض كفاية على المشهور.
والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين: إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد؛ فعلى كل مسلم أن يُجاهِد بنوعٍ من هذه الأنواع.
وأما الجهاد بالنفس ففرض كفاية، وأما الجهاد بالمال ففي وجوبه قولان، والصحيح وجوبه لأن الأمر بالجهاد به وبالنفس في القرآن سواء، كما قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١].
_________________
(١) ص، ز: «بادأهم».
[ ٣ / ٨٦ ]
وعلَّق النجاةَ من النار (^١) به ومغفرةَ الذنب ودخولَ الجنة فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٠ - ١٢]. وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك أعطاهم ما يحبون من النصر والفتح القريب فقال: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾ أي: ولكم خصلة أخرى تحبونها في الجهاد، وهي: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣].
وأخبر سبحانه أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وأعاضهم (^٢) عليها (^٣) الجنة، وأن هذا العقد والوعد قد أودعه أفضلَ كتبه المنزلةِ من السماء، وهي التوراة والإنجيل والقرآن، ثم أكّد ذلك بإعلامهم (^٤) أنه لا أحدَ أوفى بعهده منه ﵎ (^٥)، ثم أكد ذلك بأنْ أمرهم بأن يستبشروا ببيعهم الذي عاقدوه عليه، ثم أعلمهم أن (^٦) ذلك هو الفوز العظيم (^٧).
_________________
(١) ث، ع: «النيران»، وتصحّف في م، ق إلى «القرآن»! وهو ساقط من ب.
(٢) ص، ز: «أعطاهم».
(٣) م، ص: «عليهما»، وهو محتمل في ق، ب.
(٤) ص، ز، ع: «بإعلامه».
(٥) من قوله: «ثم أكد ذلك » إلى هنا سقط من ق لانتقال النظر.
(٦) م، ق، ب، ث: «بأن».
(٧) وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].
[ ٣ / ٨٧ ]
الترغيب في الجهاد وما ورد من الأحاديث في فضله
فليتأمل المعاقد (^١) مع ربه عقدَ هذا التبايُع ما أعظمَ خطرَه وأجلَّه، فإن الله ﷿ هو المشتري، والثمنُ: جنات النعيم والفوز برضاه والتمتع برؤيته هناك، والذي جرى على يده هذا العقد أشرفُ رسله وأكرمهم عليه من الملائكة ومن البشر. وإن سلعةً هذا شأنها لقد هُيِّئت لأمرٍ عظيم وخطب جسيم:
قد هَيَّأوك لأمرٍ لو فَطِنْتَ له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهَمَلِ (^٢)
مهر المحبّة والجنة بَذْلُ النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من المؤمنين، فما لِلجَبان المُعْرِض المُفلس وسومَ هذه السلعة؟! تالله ما هُزِلت فيستامها المفلسون، ولا كسدت فيُنفِّقُها بالنسيئة المُعْسرون؛ لقد أقيمت للعرض في سوقِ مَن يزيد (^٣)، فلم يرضَ ربُّها لها بثمنٍ دونَ بذل النفوس (^٤)، فتأخر البطَّالون وقام المحبون ينظرون أيُّهم يصلح أن تكون نفسُه الثمنَ، فدارت السلعة بينهم ووقعت في يدِ ﴿وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى﴾ [المائدة: ٥٤].
لمَّا كَثُر المدَّعُون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى الخليُّ حُرقة الشجيِّ (^٥)، فتنوع المدعون في الشهود، فقيل: لا تثبت هذه الدعوى إلا ببينةِ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
_________________
(١) ق، ن: «العاقد»، وتصحّف في ج إلى: «العاقل».
(٢) البيت من لامية العجم للطُّغْرائي، والرواية فيها: «قد رشَّحُوك».
(٣) النسخ المطبوعة: «يريد» بالراء، خطأ.
(٤) ز، ع: «النفس».
(٥) أي لادّعى الفارغ الخالي من المحبّة أنه ممن شجاه هموم الوصل وأحزان الشوق.
[ ٣ / ٨٨ ]
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، فتأخر الخلق كلُّهم، وثبت أتباعُ الرسول في أفعاله وأقواله وهديه وأخلاقه فطولبوا بعدالة البينة وقيل: لا تُقبَل العدالةُ إلا بتزكيةِ ﴿الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]، فتأخر أكثر المُدَّعِين للمحبة، وقام المجاهدون فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم فسَلِّمُوا ما وقع عليه العقد فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، وعقدُ التبايع يوجب التسليم من الجانبين؛ فلما رأى التجّار عظمةَ المشتري، وقدرَ الثمن، وجلالةَ مَن جرى عقد التبايع على يديه، ومقدارَ الكتاب الذي أثبت فيه هذا العقد= عرفوا أن للسلعة قدرًا وشأنًا ليس لغيرها من السِّلَع، فرأوا من الخسران البيِّن (^١) والغَبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخسٍ دراهمَ معدودةٍ تذهب لذتُها وشهوتها وتبقى تبِعَتُها وحسرتُها، وأنَّ (^٢)
فاعل ذلك معدود في جملة السفهاء، فعقدوا مع المشتري بيعةَ الرِّضوان رضًى واختيارًا من غير ثبوت خيار، وقالوا: واللهِ لا نُقيلك ولا نَستقيلك، فلما تمَّ العقدُ وسلَّموا المبيعَ قيل لهم: قد صارت نفوسكم وأموالكُم لنا، والآن فقد رددناها عليكم أوفرَ ما كانت وأضعافَ أموالِكم معها؛ ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] لم نُثامِنْكم بنفوسكم (^٣) وأموالكم طلبًا للربح عليكم، ولكن ليظهر أثرُ الجود والكرم في قبول المعيب والإعطاءِ عليه أجلَّ الأثمان، ثم جمعنا لكم بين الثمن والمُثْمَن.
_________________
(١) ج: «المبين».
(٢) أي رأوا أن فاعل ذلك إلخ. وفي ز: «فإن» ..
(٣) المطبوع: «لم نبتعْ منكم نفوسكَم» خلافًا للأصول.
[ ٣ / ٨٩ ]
وتأمل هاهنا قصة جابر، وقد اشترى منه النبي - ﷺ - بعيرَه ثم وفَّاه الثمن وزاده وردَّ عليه البعير (^١)، وكان أبوه قد قُتِل مع النبي - ﷺ - في وقعة أُحُدٍ، فذكَّره بهذا الفعل حالَ أبيه مع الله، وأخبره أن الله أحياه وكلَّمه كِفاحًا وقال: «يا عبدي تمنَّ عليَّ» (^٢).
فسبحان من عَظُم جودُه وكرمه عن (^٣) أن يحيط به علم الخلائق؛ لقد أعطى السِّلْعة وأعطى الثمن ووفَّق لتكميل العقد، وقَبِل المبيعَ على عيبه وأعاض عليه أجلَّ الأثمان، واشترى عبده من نفسه بماله، وجمع له بين الثمن والمثمن، وأثنى عليه ومدحه بهذا العقد، وهو الذي وفَّقه له وشاءه منه.
فحيَّهلًا إن كنتَ ذا همةٍ فقد حدا بك حادي الشوق فاطْوِ المراحلا
وقُل لمنادي حبِّهم ورضاهم إذا ما دعا: لبيك ألفًا كواملا
ولا تنظر الأطلال من دونهم فإنْ نظرتَ إلى الأطلال عُدن حوائلا
ولا تنتظر بالسير رفقةَ قاعدٍ ودَعْه فإن الشوق يكفيك حاملا
وخذ منهمُ زادًا إليهم وسِرْ على طريق الهدى والحبِّ تصبحُ واصلا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٠٩٧) ومسلم (٧١٥).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٠١٠) وابن ماجه (١٩٠) وابن حبان (٧٠٢٢) والحاكم (٣/ ٢٠٤)، وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، وصححه ابن حبان والحاكم والمؤلف في «حادي الأرواح» (٢/ ٦٧١). وروي بنحوه من طريق آخر عند أحمد (١٤٨٨١) وأبي يعلى (٢٠٠٢) وغيرهما، وإسناده حسن أيضًا. وانظر: «الصحيحة» (٣٢٩٠) و«أنيس الساري» (٣/ ٢٣١٨).
(٣) «عن» ليست في م، ق، ب، ث، المطبوع.
[ ٣ / ٩٠ ]
وأحْيِ بذكراهم سُراكَ إذا وَنَتْ (^١) ركابُك فالذِّكْرى تُعيدك عاملا
وإمّا تخافَنَّ الكَلال فقل لها أمامكِ وِرْد الوَصْلِ فابغي المَناهلا
وخذ قبَسًا من نورهم ثم سِرْ به فنورهمُ يهديك ليس المشاعِلا
وحيَّ على وادي الأراك فقِلْ به عساك تراهم ثَمَّ إن كنتَ قائلا
وإلا ففي نَعمانَ عند مُعرِّفِ الـ أحبَّة فاطلبهم إذا كنتَ سائلا
وإلا ففي جمعٍ بليلته فإنْ تَفُت فمنًى يا ويحَ من كان غافلا
وحيَّ على جنات عدنٍ فإنها منازلُك الأُولى بها كنت نازلا
ولكنْ سَباك الكاشحون لأجل ذا وقفتَ على الأطلال تبكي المنازلا
وحيَّ على يوم المزيد بجنة الـ خلود فجُدْ بالنفس إن كنتَ باذلا
فدَعْها رسومًا دارساتٍ فما بها مَقِيلٌ وجاوِزْها فليست منازلا
رسومًا عفت ينتابها الخلق كم بها قتيل وكم فيها لذا الخلق قاتلا
وخذ يمنةً عنها على المنهج الذي عليه سرى وفد المحبَّة آهلا
وقل ساعدي يا نفسُ بالصبر ساعةً فعند اللِّقا ذا الكدُّ يصبح زائلا
فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويصبح ذو الأحزان فرحانَ جاذِلا (^٢)
لقد حرَّك الداعي إلى الله وإلى دار السلام النفوسَ الأبية والهممَ العالية، وأَسْمَعَ منادي الإيمان من كانت له أذن واعية، أسمَعَ ــ واللهِ ــ من كان حيًّا، فهزَّه السماعُ إلى منازل الأبرار وحدا به في طريق سيره، فما حطَّت رحالُه إلا بدار القرار؛ فقال: «انتدب الله لمن خرج في سبيله ــ لا يخرجه إلا إيمان بي
_________________
(١) ص، ج، ز، ع، ن: «دَنَتْ»، تصحيف، وهو على الصواب في هامش ز. و«سُراك» تصحّف في المطبوع إلى «شراك». والسُّرى: سير الليل.
(٢) يبدو أن الأبيات للمؤلف، وهي في «مدارج السالكين» (٣/ ٨).
[ ٣ / ٩١ ]
أو (^١) تصديق برسلي ــ أن أَرْجِعَه بما نال من أجرٍ أو غنيمة، أو أُدخِله الجنة؛ ولولا أن أشقَّ على أمتي ما قعدتُ خلف سرّيةٍ، ولوَدِدتُ أنِّي أُقتَل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل (^٢)» (^٣).
وقال: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيامٍ ولا صلاةٍ حتى يرجعَ المجاهد في سبيل الله، وتوكَّل اللهُ للمجاهد في سبيله بأن يتوفّاه أن يُدخله الجنة أو يَرْجِعَه سالمًا مع ما نال مِن (^٤) أجر أو غنيمة» (^٥).
وقال: «غدوة في سبيل الله أو رَوحة خير من الدنيا وما فيها» (^٦).
وقال فيما يروي عن ربه ﵎: «أيُّما عبدٍ من عبادي خرج مجاهدًا في سبيلي ابتغاءَ مرضاتي ضمنتُ له أن أَرْجِعَه بما أصاب من أجر أو
_________________
(١) هكذا في جميع الأصول، وهو الذي في صُلب النسخة اليونينية كما يظهر من فروعها المختلفة، وهو موافق لما عند الكرماني في «شرحه» (١/ ١٥٥)، والذي في أكثر نسخ البخاري: «وتصديق»، وهو كذلك في سائر مصادر التخريج.
(٢) «ثم أقتل» من ث، ز، ع. وسقط من سائر الأصول.
(٣) أخرجه أحمد (٧١٥٧، ٨٩٨٠) والبخاري (٣٦) ــ واللفظ له ــ ومسلم (١٨٦٧/ ١٠٣) والنسائي (٥٠٣٠) وابن ماجه (٢٧٥٣) من حديث أبي زرعة البجلي عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٤) «ما نال من» ساقط من ج، ن، المطبوع.
(٥) أخرجه البخاري (٢٧٨٧، ٣١٢٣) ومسلم (١٨٧٨) من طرق عن أبي هريرة، وسياق المؤلف مجموع من الروايات الثلاث.
(٦) متفق عليه من حديث أنس وأبي هريرة وسهل بن سعد - ﵃ - بألفاظ متقاربة. البخاري (٢٧٩٢ - ٢٧٩٤) ومسلم (١٨٨٠ - ١٨٨٢).
[ ٣ / ٩٢ ]
غنيمة، وإن قبضتُه أن أغفر له وأرحمَه وأُدخلَه الجنة» (^١).
وقال: «جاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة ينجي الله به من الهمِّ والغمِّ» (^٢).
وقال: «أنا زعيم ــ والزعيم: الحميل ــ لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيتٍ في رَبَض الجنة، وبيتٍ في وسط الجنة، وبيتٍ في أعلى غرف الجنة؛ من فعل ذلك لم يَدَعْ للخير مطلبًا ولا من الشرِّ مهربًا، يموت حيث شاء أن يموت» (^٣).
وقال: «من قاتل في سبيل الله من رجل مسلم فُواقَ ناقةٍ وجبت له الجنة» (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥٩٧٧) والنسائي (٣١٢٦) والضياء في «المختارة» (١٣/ ١٥٦) من حديث الحسن البصري عن ابن عمر. وقد روي عن الحسن مرسلًا، كما أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٧٧٦) وذكره الدارقطني في «العلل» (٢٨٨٢) من طريقين عنه، ولعله أشبه. ولكن الحديث صحيح بشواهده، منها حديث أبي هريرة المتفق عليه المتقدّم آنفًا.
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٦٨٠، ٢٢٧١٩) وابن حبان (٤٨٥٥) والحاكم (٢/ ٧٥، ٣/ ٤٩) والضياء في «المختارة» (٨/ ٢٧٣، ٢٨١) من حديث عُبادة بن الصامت. وهو حديث حسن بمجموع طرقه. انظر: «الصحيحة» (٦٧٠، ١٩٤١، ١٩٤٢).
(٣) أخرجه النسائي (٣١٣٣) وابن حبان (٤٦١٩) والحاكم (٢/ ٧١) من حديث فَضالة بن عبيد بإسناد صحيح.
(٤) وأخرجه أحمد (٢٢٠١٤، ٢٢٠٥٠، ٢٢١١٠) وأبو داود (٢٥٤١) والترمذي (١٦٥٧) والنسائي (٣١٤١) وابن حبان (٤٦١٨) والحاكم (٢/ ٧٧) من طرق عن مالك بن يُخامِرَ عن معاذ بن جبل - ﵁ -. قال الترمذي: هذا حديث صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم، وله شاهد من حديث أبي هريرة عند أحمد (٩٧٦٢) وغيره، وسيأتي.
[ ٣ / ٩٣ ]
وقال: «إن في الجنة مائةَ درجةٍ أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فَسَلُوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرشُ الرحمن، ومنه تَفجَّرُ أنهار الجنة» (^١).
وقال لأبي سعيد: «من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا وجبت له الجنة»، فعجب لها أبو سعيد وقال: أَعِدْها عليَّ يا رسول الله، ففعل، ثم قال رسول الله - ﷺ -: «وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض»، قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» (^٢).
وقال: «من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزنةُ الجنة كلُّ خزنةِ بابٍ: أَيْ فُلُ (^٣) هلمَّ، فمن كان من أهل الصلاة دُعِي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان»، فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على من دُعي من تلك الأبوابِ من ضرورة، فهل
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٧٩٠، ٧٤٢٣) من حديث أبي هريرة.
(٢) أخرجه مسلم (١٨٨٤) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٣) م، ق، ب، ث، ز، ع، هامش ص: «أي عبد الله». والمثبت من ص، ج، ن موافق لرواية أبي سلمة عن أبي هريرة. وفي رواية حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: «يا عبد الله هذا خير».
[ ٣ / ٩٤ ]
يُدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ فقال: «نعم وأرجو أن تكون منهم» (^١).
وقال: «من أنفق نفقةً فاضلةً في سبيل الله فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله أو (^٢) عاد مريضًا أو مازَ (^٣) أذًى عن طريق فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جُنَّة ما لم يَخْرِقها، ومن ابتلاه الله في جسده فهو له حِطَّة» (^٤).
وذكر ابن ماجه (^٥) عنه: «من أرسل بنفقةٍ في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم»، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١].
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٨٤١) ومسلم (١٠٢٧/ ٨٦) من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري (١٨٩٧) ومسلم (١٠٢٧/ ٨٥) من حديث حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة. وسياق المؤلف ملفّق من الروايتين.
(٢) في الأصول: «وعاد»، والمثبت من مصادر التخريج الآتية. وقد سقط «أو عاد مريضًا» من م، ب، ث.
(٣) ز، ن، المطبوع: «أماط»، والمثبت من سائر الأصول موافق لمصادر التخريج.
(٤) أخرجه أحمد (١٦٩٠، ١٧٠٠) والنسائي (٢٢٣٣) وأبو يعلى (٨٧٨) وابن خزيمة (١٨٩٢) والحاكم (٣/ ٢٦٥) والضياء في «المختارة» (٣/ ٣١٧، ٣١٨) من حديث أبي عُبَيدة بن الجرّاح. والحديث صححه ابن خزيمة والحاكم والضياء، وضعّفه الألباني في «الضعيفة» (٦٤٣٨) لجهالة حال بعض رواته، ولكن لجميع فقراته شواهد تعضده وتقوّيه.
(٥) برقم (٢٧٦١) من طريق الخليل بن عبد الله، عن الحسن البصري، عن سبعة من الصحابة! قال ابن كثير في «تفسيره»: هذا حديث غريب. وقال الحافظ ابن عبد الهادي ــ كما في «تهذيب التهذيب» (٣/ ١٦٧) ــ: هو حديث منكر، والخليل بن عبد الله لا يُعرَف. ولعل إيراد المؤلف له بهذه الصيغة يوحي بضعفه ــ وسيأتي له نظائر ــ، بخلاف الأحاديث التي ذكرها بصيغة الجزم: «وقال».
[ ٣ / ٩٥ ]
وقال: «من أعان مجاهدًا في سبيل الله، أو غارمًا (^١) في غُرْمه (^٢)، أو مكاتبًا في رقبته أظلَّه الله في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظله» (^٣).
وقال: «من اغبرَّت قدماه في سبيل الله حرَّمهما اللهُ على النار» (^٤).
وقال: «لا يجتمع شُحٌّ وإيمان في قلب رجلٍ، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخانُ جهنَّمَ في وجه عبد»، وفي لفظ: «في قلب عبد»، وفي لفظ: «في جوف امرئ»، وفي لفظ: «في مَنخَرَي مسلم» (^٥).
_________________
(١) م، ث: «غازيا»، تصحيف.
(٢) كذا في الأصول، وفي مصادر التخريج: «عُسْرته».
(٣) أخرجه أحمد (١٥٩٨٧) والطبراني في «الكبير» (٦/ ٨٦) والحاكم (٢/ ٨٩، ٢١٧) وابن عساكر في «معجم الشيوخ» (٦٠٦) من حديث سهل بن حُنَيف. قال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال ابن عساكر: حسن غريب. قلت: في إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد ضعّفه الجمهور لسوء حفظه، وقوّاه البخاري فقال: هو مقارب الحديث. ويشهد لحديثه حديثُ عمر عند أحمد (١٢٦) وغيره: «من أظلَّ رأس غازٍ أظله الله يوم القيامة»، وحديث أبي اليَسَر عند مسلم (٣٠٠٦): «من أنظر مُعسِرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله».
(٤) أخرجه أحمد (١٥٩٣٥) ــ واللفظ له ــ والبخاري (٩٠٧) من حديث أبي عَبْس الأنصاري البدري - ﵁ -.
(٥) أخرجه أحمد (٧٤٨٠، ٨٤٧٩، ٨٥١٢، ٩٦٩٣) والنسائي (٣٠٠٩ - ٣١١٥) وابن حبان (٣٢٥١) والحاكم (٢/ ٧٢) من طرق فيها اختلاف واضطراب، والصواب منها: عن صفوان بن أبي يزيد عن ابن اللَّجلاج عن أبي هريرة. وهو ضعيف لجهالة حال صفوان بن أبي يزيد وابن اللجلاج. وقد روي موضع الشاهد منه ــ دون ذكر الشحّ والإيمان ــ عند أحمد (١٠٥٦٠) والترمذي (١٦٣٣) والنسائي (٣١٠٧، ٣١٠٨) وابن ماجه (٢٧٧٤) وابن حبان (٤٦٠٧) والحاكم (٤/ ٢٦٠) من طرق عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٣ / ٩٦ ]
وذكر الإمام أحمد (^١) عنه: «من اغبرَّت قدماه في سبيل الله ساعةً من نهار فهما حرام على النار».
وذكر (^٢) عنه أيضًا: «لا يجمعُ اللهُ في جوف رجلٍ غبارًا في سبيل الله ودخانَ جهنم، ومن اغبرَّت قدماه في سبيل الله حرَّم الله سائرَ جسده على النار، ومن صام يومًا في سبيل الله باعد الله عنه النار مسيرةَ ألفِ سنةٍ للراكب المستعجل، ومن جُرِح جراحةً في سبيل الله ختم (^٣) بخاتم الشهداء، له نور يوم القيامة لونها لونُ الزعفران وريحها ريحُ المسك، يعرفه بها الأولون والآخرون يقولون: فلان عليه طابع الشهداء، ومن قاتل في سبيل الله فُواقَ ناقةٍ وجبت له الجنة».
وذكر ابن ماجه (^٤) عنه: «من راح روحةً في سبيل الله كان له بمثل ما
_________________
(١) برقم (٢١٩٦٢) من حديث جابر بإسناد صحيح، وتقدَّم نحوه من حديث أبي عبس عند البخاري.
(٢) أي الإمام أحمد في «مسنده» (٢٧٥٠٣) من حديث خالد بن دُريك عن أبي الدرداء. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢٨٨): «رجاله ثقات إلا أن خالد بن دريك لم يسمع من أبي الدرداء ولم يدركه». قلتُ: لكنه صحيح بشواهده إلا قوله: «ومن صام يومًا في سبيل الله باعد الله عنه النار مسيرةَ ألفِ سنةٍ للراكب المستعجل»، فإن الثابت في البخاري (٢٨٤٠) ومسلم (١١٥٣) من حديث أبي سعيد الخدري: « باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا».
(٣) زيد بعده في ث: «له»،، وكذا في ع بخط مغاير. وهو في عامّة نسخ «المسند» كذلك كما ذكره محققوه في هامش التحقيق (٤٥/ ٤٩٥).
(٤) برقم (٢٧٧٥)، وأخرجه أيضًا البزّار (٧٥١٧)، من حديث شَبِيب بن بِشر عن أنس. وشبيب مختلف فيه، وثّقه ابن معين وليّنه أبو حاتم، والحديث حسّنه الألباني في «الصحيحة» (٢٣٣٨).
[ ٣ / ٩٧ ]
أصابه من الغبار مسكًا يوم القيامة».
وذكر أحمد (^١) عنه: «ما خالط قلبَ امرئ وَهَجٌ (^٢) في سبيل الله إلا حرَّم اللهُ عليه النار».
وقال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها» (^٣).
وقال: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عملُه الذي كان يعمله، وأُجري عليه رزقه، وأَمِن الفتان» (^٤).
وقال: «ما من ميت يموت إلا خُتم على عمله، إلا من مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة وأَمِن من فتنة القبر» (^٥).
وقال: «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» (^٦).
_________________
(١) برقم (٢٤٥٤٨)، وأخرجه أيضًا ابن أبي عاصم في «الجهاد» (١٢٢، ١٢٣)، من حديث عائشة. ورجاله ثقات كما قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢٧٩)، إلا أن الدارقطني أعلّه في «العلل» (٣٥٣٦). وله شواهد صحيحة، وقد تقدّم بعضها.
(٢) كذا في عامّة الأصول. وفي ج: «رَهَج»، وهو الموافق للفظ الحديث. والوهج: حرُّ الشمس، والرهج: الغبار.
(٣) أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي.
(٤) أخرجه مسلم (١٩١٣) من حديث سلمان الفارسي.
(٥) أخرجه أحمد (٢٣٩٥١) وأبو داود (٢٥٠٠) وأبو عوانة في «المستخرج» (٧٤٦٣، ٧٤٦٤) وابن حبّان (٤٦٢٤) والحاكم (٢/ ٧٩، ١٤٤) من حديث فَضالة بن عبيد بإسناد صحيح.
(٦) برقم (١٦٦٧)، وأخرجه أيضًا أحمد (٤٧٠) والترمذي (١٦٦٧) والنسائي (٣١٦٩) وابن حبان (٤٦٠٩) والحاكم (٢/ ١٤٣) والضياء في «المختارة» (١/ ٤٥١)، من حديث أبي صالح مولى عثمان عن مولاه عثمان بن عفّان - ﵁ -. قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، وصححه ابن حبان والحاكم والضياء، وحسّنه الألباني.
[ ٣ / ٩٨ ]
وذكر الترمذي (^١) عنه: «من رابط ليلةً في سبيل الله كانت له كألف ليلةٍ صيامِها وقيامِها».
وقال: «مُقام أحدكم في سبيل الله خير من عبادةِ أحدكم في أهله ستِّين سنةً، أما تحبون أن يغفر اللهُ لكم وتدخلون الجنة؟ جاهِدوا في سبيل الله، مَن قاتل في سبيل الله فُواقَ ناقةٍ (^٢) وجبت له الجنة» (^٣).
وذكر أحمد (^٤) عنه: «من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام
_________________
(١) كذا في الأصول، وهو سهو أو سبق قلم، والصواب: «ابن ماجه» كما أُثبت في المطبوع دون تنبيه، فقد أخرجه هو (٢٧٦٦) وابن أبي عاصم في «الجهاد» (١٥٠) والحاكم (٢/ ٨١) من حديث مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن جدّه عبد الله بن الزبير، عن عثمان بن عفّان - ﵃ -. وهذا الإسناد أعلّه الدارقطني في «العلل» (٢٧٠)، وصوّب رواية من رواه عن مصعب بن ثابت عن عثمان بلا واسطة، كما هي عند أحمد (٤٣٣) وسيأتي لفظها، وعلى كلّ فالحديث ضعيف لضعف مصعب وانقطاعه، فإنه لم يُدرك جدّه عبد الله بن الزبير فضلًا عن عثمان بن عفّان - ﵁ -.
(٢) م، ق، ث: «ناقته».
(٣) أخرجه أحمد (٩٧٦٢، ١٠٧٨٦) والترمذي (١٦٥٠) والحاكم (٢/ ٦٨) من حديث أبي هريرة. وفي إسناده هشام بن سعد المدني، وهو صدوق فيه لين، ولكن للحديث شواهد تعضده، لا سيّما لشطره الأخير، وقد قال الترمذي: هذا حديث حسن. وانظر: «الصحيحة» للألباني (٩٠٢).
(٤) برقم (٢٧٠٤٠) من حديث أم الدرداء بإسناد ضعيف.
[ ٣ / ٩٩ ]
أجزأت عنه رباطَ سنة».
وذكر (^١) عنه أيضًا: «حَرَسُ ليلةٍ في سبيل الله أفضل من ألف ليلةٍ يُقام ليلُها ويصام نهارُها».
وقال: «حرِّمت النارُ على عين دَمَعت ــ أو: بكت ــ من خشية الله، وحُرِّمت النار على عين سَهِرت في سبيل الله» (^٢).
وذكر أحمد (^٣) عنه: «من حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعًا لا يأخذه سلطان لم يَرَ النارَ بعينيه إلا تحلَّة القسم، فإن الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]».
وقال لرجل حرس المسلمين ليلةً في سفرهم من أوَّلِها إلى الصباح على ظهر فرسه لم ينزل إلا لصلاةٍ أو قضاء حاجةٍ: «قد أوجبتَ، فلا عليك أن لا تعملَ بعدها» (^٤).
_________________
(١) أي الإمام أحمد في «مسنده» (٤٣٣، ٤٦٣) من حديث مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن عثمان بن عفّان. وإسناده ضعيف كما تقدّم قريبًا.
(٢) أخرجه أحمد (١٧٢١٣) واللفظ له، والدارمي (٢٤٤٥) والنسائي (٣١١٧) والحاكم (٢/ ٨٣) من حديث أبي ريحانة الأزدي - ﵁ -. وفي إسناده لين لجهالة حال أحد رواته، ولكن له شواهد تعضده وتقوّيه. انظر: «الصحيحة» (٢٦٧٣) و«أنيس الساري» (٤/ ٢٨٧٩ - ٢٨٩٠).
(٣) برقم (١٥٦١٢)، وأخرجه أيضًا أبو يعلى (١٤٩٠) والطبراني في «الكبير» (٢٠/ ١٨٥) وابن عدي في «الكامل» (٣/ ١٥٢)، من حديث معاذ بن أنس الجُهَني بإسناد ضعيف جدًّا.
(٤) أخرجه أبو داود (٢٥٠١) والنسائي في «الكبرى» (٨٨١٩) وأبو عوانة في «المستخرج» (٧٤٨١) والحاكم (٢/ ٨٤) من حديث سهل ابن الحنظلية. قال الحافظ في «الإصابة» (١/ ٢٦٠): «إسناده على شرط الصحيح». والصحابي الذي حرسهم فقال له النبي - ﷺ - ذلك هو أنس بن أبي مَرثَد الغَنَوي.
[ ٣ / ١٠٠ ]
وقال: «من بلغ بسهمٍ (^١) في سبيل الله فله درجة في الجنة» (^٢).
وقال: «من رمى بسهم في سبيل الله فهو عِدلُ مُحَرَّرٍ، ومن شاب شيبةً في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة» (^٣).
وعند الترمذي (^٤) تفسير الدرجة بمائة عام، وعند النسائي (^٥) تفسيرها
_________________
(١) ص: «سهمًا»، وهو لفظ النسائي في «الكبرى».
(٢) أخرجه أحمد (١٧٠٢٢) وأبو داود (٣٩٦٥) والنسائي في «المجتبى» (٣١٤٣) و«الكبرى» (٤٣٣٦) وابن حبان (٤٦١٥) والحاكم (٢/ ١٢١)، (٣/ ٥٠) من حديث أبي نَجِيح عمرو بن عبسة السُّلمي - ﵁ - بإسناد صحيح.
(٣) هو جزء من الحديث السابق عند أحمد والحاكم (٣/ ٥٠)، وأخرجه الترمذي (١٦٣٨) مقتصرًا على الشطر الأول منه وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٤) المطبوع: «النسائي» خلافًا للأصول. وهو عند أحمد (٧٩٢٣) والترمذي (٢٥٢٩) من حديث شريك بن عبد الله، عن محمد بن جُحادة، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة مرفوعًا، وقال الترمذي: «حسن صحيح». وقد اختُلف في لفظه، فأخرجه ابن أبي داود في «كتاب البعث» (٦٢) والطبراني في «الأوسط» (٥٧٦٥) وغيرهما بلفظ: «خمسمائة عام»، وبهذا اللفظ ذكره الدارقطني في «العلل» (٢١٤٨) وأعلّه بأن مالك بن مِغْوَل رواه عن ابن جُحادة عن عطاء من قوله مقطوعًا، قال: وهو أصح. وجاء ذكر «مائة عام» أيضًا في حديث كعب بن مرّة، ومعاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، ولكن في أسانيدها مقال. وأصحّ شيء في الباب حديث أبي هريرة عند البخاري (٢٧٩٠) أن «ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض»، ومثله حديث أبي سعيد عند مسلم (١٨٨٤) وقد سبق بتمامه.
(٥) لم أجده عند النسائي، وقد سبق تخريجه والكلام عليه. وقوله: «وعند النسائي خمسمائة عام» ساقط من المطبوع.
[ ٣ / ١٠١ ]
بخمسمائة عام.
وقال: «إن الله يُدخل بالسهم الواحدِ الجنةَ: صانِعَه يحتسب في صنعته الخير، والمُمِدَّ به، والراميَ به. وارْمُوا واركبوا، وأن ترموا أحبُّ إليَّ مِن أن تركبوا. وكل شيء يَلهو به الرجل باطل إلا رميَه بقوسه، وتأديبَه فرسَه، وملاعبتَه امرأته. ومن علَّمه الله الرميَ فتركه رغبةً عنه فنعمةً كفرها». رواه أحمد وأهل السنن (^١).
وعند ابن ماجه (^٢): «ومن تعلم الرمي ثم تركه فقد عصاني».
_________________
(١) أحمد (١٧٣٢١) وأبو داود (٢٥١٣) والترمذي (١٦٣٧) والنسائي في «الكبرى» (٤٤٠٤) وابن ماجه (٢٨١١) وابن خزيمة مختصرًا (٢٤٧٨) والحاكم (٢/ ٩٥) من حديث زيد بن خالد (أو: عبد الله بن زيد الأزرق) عن عقبة بن عامر الجُهَني. وفي إسناده ضعف لجهالة الراوي عن عقبة، وبه أعلَّه ابن حزم في «المحلَّى» (٩/ ٥٥)، ولكنه قد توبع في آخر فقرة منه، تابعه عبد الرحمن بن شِماسة عن عقبة بن عامر عند مسلم (١٩١٩) بلفظ: «من عَلِم الرمي ثم تركه فليس منا ــ أو قال: قد عصى ــ». ولسائره شاهد من مرسل عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عند الترمذي (١٦٣٧) وغيره، انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (٩٠٥). ولوسطه شاهد من حديث عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله وجابر بن عمير الأنصاريين أن أحدهما قال للآخر: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «كل شيء ليس من ذكر الله فهو سهو ولهو إلا أربعًا » فذكر بنحوه وزاد: «وتعلُّمَ السباحة»، أخرجه النسائي في «الكبرى» (٨٨٨٩ - ٨٨٩١) والطبراني في «الكبير» (٢/ ١٩٣). فبمجموع هذه الشواهد يتقوّى الحديث ويعتضد، وقد حسّنه الترمذي وصحّحه ابن خزيمة والحاكم.
(٢) برقم (٢٨١٤) من حديث عقبة بن عامر بإسناد ضعيف، وله متابعة عند مسلم (١٩١٩) بنحوه، وقد سبق لفظها في التعليق السابق.
[ ٣ / ١٠٢ ]
وذكر أحمد (^١) عنه أن رجلًا قال له: أوصني، قال: «أوصيك بتقوى الله، فإنه رأسُ كلِّ شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانيَّةُ الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوةِ القرآن فإنه رَُوحك (^٢) في السماء وذكر لك في الأرض».
وقال: «ذروة سنام الإسلام الجهاد» (^٣).
وقال: «ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتَب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف» (^٤).
_________________
(١) برقم (١١٧٧٤)، وأخرجه أيضًا أبو يعلى (١٠٠٠) والطبراني في «الصغير» (٩٤٩)، عن أبي سعيد الخدري بإسنادين فيهما لين، حسّنه بمجموعهما الألباني في «الصحيحة» (٥٥٥).
(٢) م، ق، ب، ث، ع، هامش ز: «نور لك»، وهو لفظ أبي يعلى والطبراني، والمثبت لفظ أحمد. قال السندي في «حاشيته»: قوله: (روحك في السماء) بضم الراء، أي سبب حياتك عند الله، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]؛ أو بفتح الراء، أي سبب رحمتك؛ والوجه الأول. اهـ باختصار.
(٣) أخرجه أحمد (٢٢٠١٧) بهذا اللفظ، وهو في الأصل جزء من حديث معاذ الطويل، وفيه قوله - ﷺ -: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد». أخرجه أحمد (٢٢٠١٦، ٢٢٠٦٨، ٢٢١٢٢) والترمذي (٢٦١٦) والنسائي في «الكبرى» (١١٣٣٠) وابن حبان مختصًرا (٢١٤) والطبراني في «الكبير» (٢٠/ ٧٣) والحاكم (٢/ ٧٦، ٤١٢) من طرقٍ عن معاذ بن جبل، بعضُها مُعلَّة وسائرها فيها لين أو انقطاع، والحديث محتمل للتحسين بمجموعها. انظر: «العلل الدارقطني» (٩٨٨)، و«جامع العلوم والحكم» (الحديث التاسع والعشرون)، و«إرواء الغليل» (٤١٣)، و«الصحيحة» (١١٢٢، ٣٢٨٤).
(٤) أخرجه أحمد (٧٤١٦) والترمذي (١٦٥٥) والنسائي (٣١٢٠) وابن حبان (٤٠٣٠) والحاكم (٢/ ١٦٠) من حديث أبي هريرة. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
[ ٣ / ١٠٣ ]
وقال: «من مات ولم يَغزُ ولم يُحدِّث به نفسه (^١) مات على شعبة من نفاق» (^٢).
وذكر أبو داود (^٣) عنه: «من لم يغز، أو يجِّهز غازيًا، أو يَخْلُف غازيًا في أهله بخير أصابه الله بقارعةٍ قبل يوم القيامة».
وقال: «إذا ضنَّ الناسُ بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعَيْن (^٤)، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاءً فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم» (^٥).
وذكر ابن ماجه (^٦) عنه: «من لقي الله ﷿ وليس له أثر في سبيله لقي
_________________
(١) م، ق، ب: «ولم يُحدّث نفسه بالجهاد»، إلا أنه في م أُلحق «به» في الهامش مصحَّحًا عليه دون الضرب على «بالجهاد» فاختلَّ السياق. وفي ز، ع، ن: «لم يحدّث نفسه بغزوٍ»، وهو لفظ أحمد والنسائي، والمثبت لفظ مسلم.
(٢) أخرجه أحمد (٨٨٦٥) ومسلم (١٩١٠) وأبو داود (٢٥٠٢) والنسائي (٣٠٩٧) من حديث عمر بن محمد بن المنكدر، عن سُميٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
(٣) برقم (٢٥٠٣)، وأخرجه أيضًا الدارمي (٢٤٦٢) وابن ماجه (٢٧٦٢) والروياني (١٢٠١) والطبراني في «الكبير» (٨/ ٢١١) من حديث أبي أمامة بإسناد حسن.
(٤) هامش ز، المطبوع: «بالعِينة»، والمثبت من سائر الأصول هو لفظ أحمد.
(٥) أخرجه أحمد (٤٨٢٥) من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر. وقد اختُلف في سماع عطاء من ابن عمر، وللحديث طرق أخرى يعتضد ويتقوَّى بها. انظر: «تهذيب السنن» للمؤلف (٢/ ٤٦٥ - ٤٦٧ بتخريجي).
(٦) برقم (٢٧٦٣)، وأخرجه أيضًا الترمذي (١٦٦٦) والحاكم (٢/ ٧٩)، من حديث إسماعيل بن رافع، عن سُميٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وإسماعيل بن رافع ضعيف، وقد تابعه عمر بن محمد بن المنكدر عن سميٍّ به، ولكن بلفظ: «من مات ولم يغزُ ولم يُحدِّث به نفسه مات على شعبة من نفاق»، وقد تقدّم آنفًا.
[ ٣ / ١٠٤ ]
الله وفيه ثُلمة».
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وفسَّر أبو أيوب الإلقاء باليد إلى التهلكة بترك الجهاد (^١).
وصحَّ عنه - ﷺ -: «إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف» (^٢).
وصحَّ عنه: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (^٣).
وصح عنه أن النار أول ما تُسَعَّر بالعالم والمُنفق والمقتول في الجهاد إذا فعلوا ذلك ليُقال (^٤).
وصح عنه أن من جاهد يبتغي عرض الدنيا فلا أجر له (^٥).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٥١٢) والترمذي (٢٩٧٢) والنسائي في «الكبرى» (١٠٩٦١) وابن حبان (٤٧١١) والحاكم (٢/ ٨٤ - ٨٥). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٢) أخرجه مسلم (١٩٠٢) من حديث أبي موسى الاشعري. وأخرجه البخاري (٢٨١٨) ومسلم (١٧٤٢) من حديث عبد الله بن أبي أوفى بنحوه.
(٣) أخرجه البخاري (١٢٣) ومسلم (١٩٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري.
(٤) كما في حديث أبي هريرة الطويل عند مسلم (١٩٠٥) ولفظه: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه »، والتصريح بأن «أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعَّر بهم النار يوم القيامة» روي من طريق آخر عند الترمذي (٢٣٨٢) والنسائي في «الكبرى» (١١٨٢٤) وابن خزيمة (٢٤٨٢) وابن حبان (٤٠٨) والحاكم (١/ ٤١٩)، وقال الترمذي: حسن غريب.
(٥) أخرجه أحمد (٧٩٠٠) وأبو داود (٢٥١٦) وابن حبان (٤٦٣٧) والحاكم (٢/ ٨٥) من حديث ابن مِكرَز عن أبي هريرة. إسناده ضعيف لجهالة ابن مكرز. وله شاهد من حديث أبي أمامة عند النسائي (٣١٤٠) فيمن يغزو يلتمس الأجر والذكر، وإسناده حسن كما قال العراقي في «تخريج الأحياء» (٢/ ١١٧٧).
[ ٣ / ١٠٥ ]
فصل: استحباب القتال أول النهار
وصح عنه أنه قال لعبد الله بن عمرو: «إن قاتلت صابرًا محتسبًا بعثك الله صابرًا محتسبًا، وإن قاتلت مرائيًا مكاثرًا بعثك الله مرائيًا مكاثرًا؛ يا عبد الله بن عمرو، على أي حال قاتلت أو قُتِلتَ بعثك الله على تلك الحال» (^١).
فصل (^٢)
وكان - ﷺ - يَستحِبُّ القتالَ أول النهار، كما يستحب الخروج للسفر أولَه (^٣). فإذا لم يقاتل أولَ النهار أخَّر القتال حتى تزول الشمسُ وتَهُبَّ الرياح وينزل النصر (^٤).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٥١٩) والحاكم (٢/ ٨٥، ١١٢) من حديث العلاء بن عبد الله بن رافع، عن حنان بن خارجة، عن عبد الله بن عمرو. وإسناده ضعيف، فإن العلاء ليس مشهورًا بالثقة وإنما قال عنه أبو حاتم: شيخ يُكتب حديثه، وحنان مجهول لم يروِ عنه غير العلاء. والحديث ضعّفه ابن القطان في «بيان الوهم» (٤/ ٣٦) والألباني في «ضعيف سنن أبي داود - الأم» (٢/ ٣٠٦).
(٢) هنا ورد هذا الفصل في الأصول والمطبوع، وموضعه المناسب أن يكون بعد الفصل الآتي، فإن المؤلف سرد أحاديث فضل الجهاد في الفصل السابق، وأحاديثَ فضل الشهادة في الفصل الآتي، ثم شرع بعده في ذكر هدي النبي - ﷺ - في الجهاد، فهناك موضعه اللائق به. وأخشى أن يكون ألحقه المؤلف في الهامش فأُثبت في غير محلّه.
(٣) أخرج أحمد (١٥٤٤٣) وأبو داود (٢٦٠٦) والترمذي وحسّنه (١٢١٢) وابن حبان (٤٧٥٤) عن صخر الغامدي قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اللهم بارك لأمتي في بكورها»، قال: «وكان إذا بعث سرية أو جيشًا بعثهم من أول النهار». وقد سبق تخريجه مفصَّلًا في فصل في هديه - ﷺ - في سفره (١/ ٥٨٤).
(٤) أخرجه أحمد (٢٣٧٤٤) والبخاري مختصرًا (٣١٦٠) وأبو داود (٢٦٥٥) والنسائي في «الكبرى» (٨٥٨٣) وابن حبان (٤٧٥٧) من حديث النعمان بن مُقرِّن.
[ ٣ / ١٠٦ ]
فصل: الأحاديث في فضل الشهادة
فصل
وقال: «والذي نفسي بيده لا يُكْلَم أحدٌ في سبيل الله ــ والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله ــ إلا جاء يومَ القيامة واللونُ لونُ دمٍ والريح ريح مسكٍ» (^١).
وفي الترمذي (^٢) عنه: «ليس شيء أحبَّ إلى الله من قطرتين أو (^٣) أثرين: قطرة دمعٍ مِن (^٤) خشية الله، وقطرةُ دمٍ تُهَراق في سبيل الله؛ وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضةٍ من فرائض الله».
وصح عنه أن «ما من عبد يموت له عند الله خير (^٥) يسرُّه أن يرجع إلى الدنيا وأنَّ له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد لِما يرى من فضل الشهادة، فإنه يسرُّه أن يرجع إلى الدنيا فيُقتَل مرةً أخرى». وفي لفظ: «فيُقتَل عشرَ مراتٍ لِما يرى من الكرامة» (^٦).
وقال لأمِّ حارثة بن النعمان (^٧) وقد قُتل ابنها معه يوم بدرٍ فسألتْه أين
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٨٠٣) ومسلم (١٨٧٦) من حديث أبي هريرة.
(٢) برقم (١٦٦٩)، وأخرجه ابن أبي عاصم في «الجهاد» (١٠٨) والطبراني في «الكبير» وابن عدي في «الكامل» (٨/ ٢٨٠)، من حديث أبي أمامة. وفي إسناده لين، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
(٣) كذا في الأصول، والذي في مصادر التخريج واو العطف.
(٤) ص، ز، ج، ع، ن: «في».
(٥) كذا في ج، ن، وهو الموافق لمصادر التخريج، وفي سائر الأصول: «شيء». وأُقحِم في المطبوع بعده: «لا» ففسد المعنى.
(٦) أخرج اللفظين البخاري (٢٧٩٥، ٢٨١٧) ومسلم (١٨٧٧/ ١٠٨، ١٠٩) من حديث أنس بن مالك.
(٧) ن، المطبوع: «بنت النعمان»، خطأ. و«حارثة بن النعمان» وهم من المؤلف، إنما هو حارثة بن سُراقة، الأنصاري الخزرجي النجّاري. وأما حارثة بن النعمان ــ وهو أنصاري خزرجي نجّاري أيضًا ــ فقد شهد بدرًا وأُحُدًا والمشاهد كلَّها مع رسول الله - ﷺ -، وعاش إلى خلافة معاوية. وقد ذكره المؤلف على الصواب في كتاب «الروح» (١/ ٢٩٢)، وممّن وقع في هذا الوهم أيضًا ابن حبّان في «الثقات» (٣/ ٧٩). وانظر: «الإكمال» لابن ماكولا (٢/ ٧)، و«الإصابة» (٢/ ٤٢١، ٤٢٧، ٣/ ٨٥).
[ ٣ / ١٠٧ ]
هو؟ قال: «إنه في الفردوس الأعلى» (^١).
وقال: «أرواحُ الشهداء في جوف طيرٍ خُضْرٍ، لها قناديلُ معلقة بالعرش، تسرح من (^٢) الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطَّلع إليهم ربُّك اطِّلاعةً فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أيُّ شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل بهم ذلك ثلاث مراتٍ، فلمّا رأوا أنهم لم يُترَكوا من أن يُسألوا قالوا: يا رب، نريد أن تَردَّ أرواحَنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرةً أخرى، فلما رأى أنْ ليس لهم حاجة تُرِكوا» (^٣).
وقال: «إن للشهيد عند الله خصالًا (^٤): أن يغفر له في أول دفقةٍ (^٥) من
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٥٦٧، ومواضع أخرى) من حديث أنس بن مالك.
(٢) ص، ز، ح، ن: «في»، وهو لفظ الترمذي وغيره، والمثبت لفظ مسلم.
(٣) أخرجه مسلم (١٨٨٧) والترمذي (٣٠١١) وابن ماجه (٢٨٠١) وغيرهم من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -.
(٤) «خصالًا» ساقط من ق، ب. ومكانه بياض في م. وفي ز بعده: «ستة» فوق السطر. وفي ث: «ستّ خصال»، وكذا أُصلح في ع، وهو لفظ الترمذي وابن ماجه وأحمد عن أحد شيخيه في الإسناد. وفي الطبراني: «تسع خصال ــ أو قال: عشر خصال ــ». وعند سعيد بن منصور وغيره كالمثبت دون عدد. والمذكورة في الحديث هنا ثمان خصال.
(٥) في النسخ المطبوعة: «دفعة»، وهو لفظ الترمذي وغيره. والمثبت من الأصول هو لفظ أحمد على ما في بعض نُسَخ «المسند». انظر هامش طبعة المَكنِز (٧/ ٣٨١٨).
[ ٣ / ١٠٨ ]
دمه، ويُرى مقعدَه من الجنة، ويحلى حُلَّة الإيمان، ويُزوَّج من الحور العين، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاجُ الوقار: الياقوتةُ منه خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويُزوَّج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفَّعُ في سبعين إنسانًا من أقاربه». ذكره أحمد وصححه الترمذي (^١).
وقال لجابر: «ألا أخبرك ما قال الله لأبيك؟» قال: بلى، قال: «ما كلَّم الله أحدًا إلا من وراء حجابٍ، وكلَّم أباك كِفاحًا فقال: يا عبدي تمنَّ عليَّ أُعطِك، قال: يا رب، تحييني فأُقتَلَ فيك ثانيةً، قال: إنه سبق مني أنهم إليها لا يُرجَعون، قال: يا ربِّ، فأبلغ مَن ورائي، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]» (^٢).
وقال: «لما أصيب إخوانكم بأُحُدٍ جعل الله أرواحَهم في أجواف طيرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنهارَ الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديلَ من ذهبٍ في ظلِّ
_________________
(١) أحمد (١٧١٨٢) والترمذي (١٦٦٣)، وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٢٧٩٩) وعبد الرزاق (٩٥٥٩) وسعيد بن منصور (٢٥٦٢) والطبراني في «الكبير» (٢٠/ ٢٦٦)، كلهم من حديث مقدام بن معديكرب. وروي أيضًا من حديث قيس الجُذامي عند أحمد (١٧٧٨٣) والطبراني في «مسند الشاميين» (٢٠٤) وأبي نعيم في «معرفة الصحابة» (٥٧٢٢، ٥٧٢٣). وفي أسانيدهما اختلاف، وأصحّ منهما حديث مكحول موقوفًا عليه عند ابن أبي شيبة (١٩٧٢٩، ١٩٨١٥) بإسناد صحيح. وانظر: «علل ابن أبي حاتم» (٩٧٦) و«الصحيحة» للألباني (٣٢١٣) و«أنيس الساري» (٣/ ١٨٩٠).
(٢) حديث حسن، وقد سبق تخريجه (ص ٩٠).
[ ٣ / ١٠٩ ]
العرش، فلما وجدوا طِيبَ مأكلِهم ومشرَبِهم وحُسْنَ مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا، لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله: أنا أبلِّغُهم عنكم»، فأنزل الله على رسوله هذه الآيات: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾» (^١).
وفي «المسند» (^٢) مرفوعًا: «الشهداء على بارقِ نهرٍ بباب الجنة في قبةٍ خضراءَ، يخرج عليهم رزقُهم من الجنة بكرةً وعشيةً».
وقال: «لا تَجِفُّ الأرض من دم الشهيد حتى يبتدرَه زوجتاه، كأنهما ظِئران أَظَلَّتا (^٣) فصيلَيهما بِبَراحٍ من الأرض، بيد كل واحدة منهما حلَّة خيرٌ من الدنيا وما فيها» (^٤).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٥٢٠) وأبو يعلى (٢٣٣١) والحاكم (٢/ ٨٨) واختاره الضياء (١٠/ ٣٤٩) من حديث أبي الزبير عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس مرفوعًا. وإسناده حسن، إلا أن أبا الزبير قد خولف في رفعه، خالفه سالم الأفطس فرواه عن سعيد بن جبير من قوله موقوفًا عليه، أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٧٨٢).
(٢) برقم (٢٣٩٠)، وأخرجه أيضًا أبن حبان (٤٦٥٨) والحاكم (٢/ ٧٤) من حديث ابن عباس بإسناد حسن، واختاره الضياء (١٣/ ٥٨).
(٣) «ظئران»: الظاء لم تُنقط في الأصول فصار في النسخ المطبوعة: «الطيران»، ولا يصحّ بحال، فإن «الفصيل» هو ولد الناقة ولا يُطلق على فَرْخ الطائر. والظِّئر: الناقة تعطف على ولد غيرها، و«أظلّتا» هكذا في جميع الأصول، وفي المطبوع: «أضلّتا»، وفي «المسند»: «أظلَّتا ــ أو قال: أضلَّتا ــ»، ولكليهما وجه.
(٤) أخرجه أحمد (٧٩٥٥) وابن ماجه (٢٧٩٨) وابن أبي شيبة (١٩٦٦٨) من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف.
[ ٣ / ١١٠ ]
وفي «المسند» (^١) والنسائي مرفوعًا: «لأن أُقتلَ في سبيل الله أحبُّ إلي من أن يكون لي المَدَر والوَبَر (^٢)».
وفيهما (^٣): «ما يجد الشهيدُ من القتل إلا كما يجد أحدُكم مسَّ (^٤) القَرْصة».
وفي «السنن» (^٥): «يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته».
وفي «المسند» (^٦): «أفضل الشهداء الذين إن (^٧) يلقَوا في الصفِّ لا يلتفتون حتى يُقتَلوا، أولئك يتلبَّطُون (^٨) في الغُرَف العُلى من الجنة، ويضحك
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «المستدرك»، خطأ مخالف للأصول. والحديث أخرجه أحمد في «المسند» (١٧٨٩٤) والنسائي (٣١٥٣) عن ابن أبي عَمِيرة - ﵁ - بإسناد حسن.
(٢) المطبوع: «أهل المدر والوبر»، وهو لفظ النسائي، والمثبت من الأصول لفظ «المسند».
(٣) «مسند أحمد» (٧٩٥٣) و«سنن النسائي» (٣١٦١)، وأخرجه أيضًا الترمذي (١٦٦٨) والدارمي (٢٤٥٢) وابن ماجه (٢٨٠٢) وابن حبان (٤٦٥٥) من حديث أبي هريرة. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.
(٤) م، ق، ب، ث: «مِن»، والمثبت هو لفظ «المسند».
(٥) «سنن أبي داود» (٢٥٢٢)، وأخرجه أيضًا ابن حبان (٤٦٦٠) من حديث أبي الدرداء. وهو صحيح بشواهده، منها ما تقدّم ضمن حديث المقدام بن معديكرب: «إن للشهيد عند الله خصالًا ».
(٦) برقم (٢٢٤٧٦)، وأخرجه أيضًا سعيد بن منصور (٢٥٦٦) وأبو يعلى (٦٨٥٥) والطبراني في «مسند الشاميين» (١١٦٧) من حديث نُعَيم بن همَّار بإسناد حسن.
(٧) «إن» سقطت من ص، ز، ج.
(٨) ج: «يتطلّعون»، تصحيف. ومعنى «يتلبّطون»: يتمرَّغون ويتقلّبون.
[ ٣ / ١١١ ]
إليهم ربُّك، وإذا ضحك ربُّك إلى عبدٍ في الدنيا فلا حساب عليه».
وفيه (^١):
«الشهداء ثلاثة (^٢): رجل مؤمن جيِّدُ الإيمان لقي العدوَّ فصدق الله حتى قُتِل، فذاك الذي يرفع الناس إليه أعناقَهم ــ فرفع رسول الله - ﷺ - رأسه حتى وقعت قَلَنْسُوَته ــ؛ ورجل مؤمن جيِّدُ الإيمان لقي العدوَّ فكأنَّما يُضرَب جِلده بشَوك الطَّلْح (^٣) أتاه سهم غَرْبٌ فقتله، هو في الدرجة الثانية؛ ورجل جيد الإيمان خلط عملًا صالحًا وآخر سيِّئًا لقي العدوَّ فصدق الله حتى قُتِل، فذاك في الدرجة الثالثة؛ ورجل مؤمن أسرف على نفسه إسرافًا كثيرًا لقي العدو فصدق الله حتى قُتِل، فذاك في الدرجة الرابعة».
_________________
(١) «المسند» (١٤٦، ١٥٠)، وأخرجه أيضًا الترمذي (١٦٤٤) والطيالسي (٤٥) وأبو يعلى (٢٥٢) وغيرهم من طرق (منهم ابن المبارك) عن ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن أبي يزيد الخَولاني، عن فَضالة بن عُبيد، عن عمر مرفوعًا. قال علي بن المديني: «هذا إسناد مصري صالح»، كما نقله ابن كثير في «تفسيره» (الحديد: ١٩) وفي «مسند الفاروق» (٢/ ٢٩٥). وقال الترمذي: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عطاء بن دينار.
(٢) المطبوع: «أربعة» خلافًا للأصول. والحديث ورد في «المسند» في موضعين متقاربين، ولفظ الأول: «الشهداء ثلاثة فذلك في الدرجة الثالثة»، ولفظ الثاني: «الشهداء أربعة » بنحو لفظ الأول مع زيادة الرابع: «ورجل مؤمن أسرف » إلخ. واللفظ المذكور هنا فيه تداخل بين اللفظين، والظاهر أن منشأه من انتقال النظر، إما من المؤلف وإما من ناسخ نسخة «المسند» التي نقل منها المؤلف.
(٣) زاد في الترمذي وغيره: «من الجُبن». والمعنى أنه اقشعرّ جلده وارتعدت فرائصه من الجبن والفزع عند رؤية العدو حتى كأنما ضُرب جلده بشوك الطلح. انظر: «عارضة الأحوذي» (٧/ ١٤٥)، و«تحفة الأحوذي» (٥/ ٢٢٦).
[ ٣ / ١١٢ ]
وفي «المسند» و«صحيح ابن حبان» (^١): «القتل (^٢) ثلاثة: رجل مؤمن جاهَدَ بماله ونفسه في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يُقتَل، فذلك الشهيد المُمتَحَن في خيمة الله تحت عرشه، لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة؛ ورجل مؤمن قَرَف (^٣) على نفسه من الذنوب والخطايا، جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقي العدوَّ قاتل حتى يُقتَل، فمَصْمَصةٌ (^٤) مَحَتْ (^٥) ذنوبه وخطاياه ــ إنَّ السيف مَحَّاء الخطايا ــ وأُدخل من أيِّ أبواب الجنة شاء، فإن لها ثمانيةَ أبواب ــ ولجهنَّمَ سبعةُ أبواب ــ وبعضها أفضل من بعض؛ ورجل منافق جاهد بنفسه وماله حتى إذا لقي العدوَّ قاتل في سبيل الله حتى يُقتل، فإن ذلك في النار، إن السيف لا يمحو النفاق».
وصحَّ عنه: «لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدًا» (^٦).
وسُئل أي الجهاد أفضل؟ فقال: «من جاهد المشركين بماله ونفسه»،
_________________
(١) «المسند» (١٧٦٥٧) وابن حبان (٤٦٦٣)، وأخرجه أيضًا الطيالسي (١٣٦٣) والدارمي (٢٤٥٥) من حديث عُتبة بن عبد السُّلمي. ورواته ثقات كما قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢٩٤) والحافظ في «بذل الماعون» (ص ١٩٤).
(٢) ن، والنسخ المطبوعة: «القتلى»، وهو لفظ ابن حبان. والمثبت من عامَّة الأصول لفظ أحمد.
(٣) ن، ص، ز، ج، ع، النسخ المطبوعة: «فَرِق»، تصحيف.
(٤) أي الشهادة غَسْلَةٌ له، وأصل المصمصة: صبُّ الماء في الإناء ثم خضخضته حتى يطهر ثم إراقته، ومصمصة الفم كالمضمضة. وفي المطبوع: «فتلك مُمَصْمِصة» خلافًا للأصول وللمسند.
(٥) م، ق، ب: «تحتُّ»، تصحيف.
(٦) أخرجه مسلم (١٨٩١/ ١٣٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٣ / ١١٣ ]
قيل: فأي القتل أشرف؟ قال: «من أُهرِيقَ دمُه وعُقِر جوادُه» (^١).
وفي «سنن ابن ماجه» (^٢): «إن من أعظم الجهاد كلمةَ عدلٍ عند سلطان جائر». وهو لأحمد والنسائي مرسلًا (^٣).
وصحّ عنه أنه لا تزالُ طائفة من أمته يُقاتِلون على الحق لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة (^٤). وفي لفظ: «حتى يُقاتِلَ آخرُهم المسيحَ الدجال» (^٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٥٤٠١) وأبو داود (١٤٤٩) والنسائي (٢٥٢٦) والدارمي (١٤٦٤) من حديث عبيد بن عمير عن عبد الله بن حُبْشي الخثعمي - ﵁ -. وظاهر إسناده أنه حسن وقد اختاره الضياء (٩/ ٢٣٦)، ولكن قد اختلف في إسناده على عبيد بن عمير وصلًا وإرسالًا. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (١٩٤١).
(٢) برقم (٤٠١١) من حديث عطيّة العوفي عن أبي سعيد الخدري بنحوه. وأخرجه أيضًا الترمذي (٢١٧٤) ــ واللفظ المذكور له ــ وأبو داود (٤٣٤٤) وغيرهما. قال الترمذي: «حسن غريب من هذا الوجه». قلتُ: إسناده ضعيف لضعف العوفي، ولكن له متابعات وشواهد تعضده. انظر: «الصحيحة» للألباني (٤٩١).
(٣) أخرجه أحمد (١٨٨٢٨) والنسائي (٤٢٠٩) بإسناد صحيح عن طارق بن شهاب مرسلًا، وإرساله لا يضرّ إن شاء الله، فإن طارق بن شهاب رأى النبي - ﷺ - وإن لم يسمع منه، فروايته مرسل صحابي، وقد اختار الضياء حديثه هذا (٨/ ١١٠). وانظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص ٩٨).
(٤) أخرجه مسلم (١٩٢٣ - ١٩٢٤) بنحوه من حديث جابر ومعاوية وعقبة - ﵃ -. وحديث معاوية أخرجه البخاري (٧١، ٣١١٦، ٣٦٤١، ٧٤٦٠) أيضًا ولكن دون ذكر القتال.
(٥) أخرجه أحمد (١٩٩٢٠) وأبو داود (٢٤٨٤) والحاكم (٢/ ٧١) من حديث عمران بن حُصين - ﵄ - بإسناد صحيح.
[ ٣ / ١١٤ ]
فصل: مجمل هدي النبي - ﷺ - في البيعة والغزو
فصل
وكان - ﷺ - يبايع أصحابه في الحرب على أن لا يفرُّوا، وربما بايعهم على الموت، وبايعهم على الجهاد، كما بايعهم على الإسلام، وبايعهم على الهجرة قبل الفتح، وبايعهم على التوحيد والتزام طاعة الله ورسوله.
وبايع نفرًا من أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئًا، فكان السوط يسقط من يد أحدهم فينزل يأخذه ولا يقول لأحد: ناولني إياه (^١).
وكان يشاور أصحابه في أمر الجهاد ولقاء العدو وتخيُّرِ المنازل، وفي «المسند» (^٢) عن أبي هريرة: «ما رأيت أحدًا أكثر مشورةً لأصحابه من رسول الله - ﷺ -».
وكان يتخلَّف في ساقتهم في المسير فيُزجي الضعيفَ ويُردف المنقطعَ (^٣)، وكان أرفق الناس بهم في السير.
وكان إذا أراد غزوةً ورى بغيرها (^٤)؛ فيقول مثلًا إذا أراد غزوة خيبر: كيف طريق نجدٍ ومياهُها؟ ومَن بها من العدو؟ ونحو ذلك.
_________________
(١) كما في حديث عوف بن مالك الأشجعي عند مسلم (١٠٤٣).
(٢) النسخ المطبوعة: «المستدرك»، خطأ مخالف للأصول. والحديث في «المسند» (١٨٩٢٨) ضمن خبر غزوة الحديبية الطويل الذي رواه الزهري عن عروة عن عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، ففي أثنائه قال الزهري: وكان أبو هريرة يقول (فذكره). قال الحافظ في «الفتح» (١٣/ ٣٤٠): رجاله ثقات إلا أنه منقطع.
(٣) كما في حديث جابر عند أبي داود (٢٦٣٩) والحاكم (٢/ ١١٥). وقوله: «يُزجي الضعيف» أي: يسوق ويدفع المركوب الضعيف ليُلحقه بالرِّفاق.
(٤) أخرجه البخاري (٢٩٤٧) ومسلم (٢٧٦٩/ ٥٤) من حديث كعب بن مالك.
[ ٣ / ١١٥ ]
وكان يقول: «الحرب خَدعة» (^١).
وكان يبعث العيون يأتونه بخبر عدوِّه، ويُطْلِع الطلائع، ويبثُّ الحرس.
وكان إذا لقي عدوَّه وقف ودعا واستنصر الله، وأكثرَ هو وأصحابُه من ذكر الله، وخفضوا أصواتهم (^٢).
وكان يُرتِّب الجيش (^٣) والمقاتِلةَ، ويجعل (^٤) في كل (^٥) جنبةٍ كفؤًا لها، وكان يبارَز بين يديه بأمره.
وكان يلبس للحرب عُدَّته، وربما ظاهَر بين دِرعين، وكان له الألوية والرايات.
وكان إذا ظهر على قوم أقام بِعَرْصَتهم ثلاثًا ثم قفل (^٦).
وكان إذا أراد أن يُغِير انتظر، فإن سمع في الحيِّ مؤذنًا لم يُغِرْ، وإلا أغار (^٧). وكان ربما بيَّتَ (^٨) عدوَّه، وربما فاجأهم نهارًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٠٢٨، ٣٠٣٠) ومسلم (١٧٤٠، ١٧٣٩) من حديث أبي هريرة وحديث جابر - ﵄ -.
(٢) أخرج ابن أبي شيبة (٣٤١٠٢) بإسناد صحيح عن قيس بن عبَّاد ــ وهو مخضرم من كبار التابعين ــ أنه قال: كان أصحاب محمد - ﷺ - يستحبون خفض الصوت عند ثلاث: عند القتال، وعند القرآن، وعند الجنائز.
(٣) ص، ز، ج، ع، ن: «ورتَّبوا الجيش» معطوفًا على «خفضوا».
(٤) ص، ز، ج، ع، ن: «جعل».
(٥) «كل» سقط من م، ق، ب.
(٦) أخرجه البخاري (٣٠٦٥) من حديث أنس. والعرصة: الساحة.
(٧) أخرجه البخاري (٦١٠) ومسلم (٣٨٢) من حديث أنس.
(٨) ص، ز، ج، ن: «يبيِّت». والتبييت: الإغارة ليلًا.
[ ٣ / ١١٦ ]
وكان يحب الخروج يوم الخميس بكرة النهار (^١).
وكان العسكر إذا نزل انضمَّ بعضهم (^٢) إلى بعضٍ حتى لو بُسط عليهم كساءٌ لعمَّهم (^٣).
وكان يرتب الصفوف ويُعَبِّيْهم عند القتال بيده، ويقول: «تقدم يا فلان، تأخر يا فلان» (^٤).
وكان يستحب للرجل منهم أن يقاتِل تحت راية قومه (^٥).
وكان إذا لقي العدوَّ يقول: «اللهم مُنْزِلَ الكتاب، ومُجريَ السحاب، وهازم الأحزاب، اهزِمْهم وانصرنا عليهم» (^٦). وربما قال: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٥ - ٤٦] (^٧).
_________________
(١) تحرّيه - ﷺ - للسفر يوم الخميس أخرجه البخاري (٢٩٤٩) من حديث كعب بن مالك. وأخرج أحمد (١٥٤٤٣) وأبو داود (٢٦٠٦) والترمذي وحسّنه (١٢١٢) من حديث صخر الغامدي قال: كان النبي - ﷺ - إذا بعث سرية أو جيشًا بعثهم أول النهار.
(٢) ق، ن، المطبوع: «بعضه».
(٣) كما في حديث أبي ثعلبة الخُشني عند أحمد (١٧٧٣٦) وأبي داود (٢٦٢٨) وابن حبان (٢٦٩٠) والحاكم (٢/ ١١٥).
(٤) انظر: «مغازي الواقدي» (١/ ٢٢١).
(٥) أخرجه أحمد (١٨٣١٦) وأبو يعلى (١٦٤١) والحاكم (٢/ ١٠٦) من حديث عمَّار بن ياسر بإسناد ضعيف. ولكن يشهد له ما استفاض في السير والمغازي من أن النبي - ﷺ - كان يجعل للمهاجرين راية وللأنصار راية في بعض غزواته.
(٦) أخرجه البخاري (٢٩٦٦) ومسلم (١٧٤٢) من حديث ابن أبي أوفى.
(٧) قاله يوم بدر كما في حديث ابن عبّاس عند البخاري (٢٩١٥).
[ ٣ / ١١٧ ]
وكان يقول: «اللهم أنزل نصرَك» (^١)، وكان يقول: «اللهم أنت عَضُدي وأنت نصيري، وبك أقاتل» (^٢).
وكان إذا اشتد البأس وحمي الحربُ وقصَدَه العدوُّ يُعْلِم بنفسه ويقول:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب (^٣)
وكان البأس إذا اشتد اتَّقَوا به - ﷺ - وكان أقربَهم إلى العدو (^٤).
وكان يجعل لأصحابه شعارًا في الحرب يُعرَفون به إذا تكلموا، وكان شعارهم مرةً: «أَمِتْ أَمِتْ»، ومرةً: «يا منصور»، ومرةً: «حم لا ينصرون» (^٥).
وكان يلبس الدِّرْع والخُوذة ويتقلد السَّيف، ويحمل الرُّمحَ والقوس
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٧٧٦/ ٧٩) من حديث البراء في غزوة حُنين.
(٢) أخرجه أحمد (١٢٩٠٩) وأبو داود (٢٦٣٢) والترمذي (٣٥٨٤) وابن حبان (٤٧٦١) من حديث أنس.
(٣) أخرجه البخاري (٣٠٤٢) ومسلم (١٧٧٦) من حديث البراء في غزوة حُنين.
(٤) أخرجه مسلم (١٧٧٦/ ٧٩) من حديث البراء في غزوة حُنين.
(٥) الأول كان شعارًا للمسلمين في سريّة بعثها النبي - ﷺ - إلى هوازن، كما في حديث سلمة بن الأكوع بإسناد صحيح عند أحمد (١٦٤٩٨) وأبي داود (٢٥٩٦) وابن حبان (٤٧٤٤) وغيرهم. وروي أنه كان شعارًا في غزوة أحد أيضًا، كما سيأتي في موضعه (ص ٢٢٩). والثاني كان شعارًا للمسلمين في غزوة المريسيع مضافًا إليه الشعار الأول. انظر: «مغازي الواقدي» (١/ ٤٠٧) و«المعجم الكبير» (٧/ ١٠١) و«الأوسط» (٦٠١٥) كلاهما للطبراني. والثالث كان شعارًا في غزاة الخندق، كما سيأتي في خبرها (ص ٣١٩).
[ ٣ / ١١٨ ]
العربية، وكان يُتَرِّس (^١) بالترس.
وكان يحبُّ الخُيَلاء في الحرب، وقال: «إن منها ما يحبه الله، ومنها ما يُبغِض؛ فأما الخيلاء التي يحبُّ (^٢) اللهُ فاختيالُ الرجل نفسَه عند اللقاء واختيالُه عند الصدقة، وأما التي يبغض الله ﷿ فاختياله في البغي والفخر (^٣)» (^٤).
وقاتل مرةً بالمَنْجَنيق نصبه على أهل الطائف (^٥).
وكان ينهى عن قتل النساء والوِلدان (^٦)، وكان ينظر في المقاتِلة فمن رآه أنبت قَتَله، ومن لم ينبت استحياه (^٧).
وكان إذا بعث سريةً يُوصيهم بتقوى الله ويقول: «سيروا بسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تمثِّلُوا ولا تَغدِروا، ولا تقتلوا وليدًا» (^٨).
وكان ينهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو (^٩).
_________________
(١) م، ق، ب، المطبوع: «يتترَّسُ»، وهما بمعنى.
(٢) م، ق، ب، ث: «يحبُّها». والمثبت هو لفظ عامّة مصادر التخريج.
(٣) م، ق، ب، ث، هامش ز: «والفجور»، والمثبت موافق لمصادر التخريج.
(٤) أخرجه أحمد (٢٣٧٤٧، ٢٣٧٥٢) وأبو داود (٢٦٥٩) والنسائي (٢٥٥٨) وابن حبان (٢٩٥) من حديث جابر بن عتيك - ﵁ -.
(٥) في ثبوته نظر، كما سيأتي في موضعه (ص ٦٢٠).
(٦) أخرجه البخاري (٣٠١٤) ومسلم (١٧٤٤) من حديث ابن عمر.
(٧) كما سيأتي في حكم بني قريظة لمّا غدروا.
(٨) أخرجه مسلم (١٧٣١) من حديث بريدة.
(٩) أخرجه البخاري (٢٩٩٠) ومسلم (١٨٦٩) من حديث ابن عمر.
[ ٣ / ١١٩ ]
- مجمل هدي النبي - ﷺ - في الغنائم والأسلاب
وكان يأمر أمير سريَّته أن يدعو عدوَّه قبلَ القتال، إما إلى الإسلام والهجرة، أو للإسلام (^١) دون الهجرة ويكونوا كأعراب المسلمين ليس لهم في الفيء نصيب، أو بذل الجزية؛ فأيّها (^٢) أجابوا إليه قُبِل منهم، وإلا استعان بالله وقاتلهم (^٣).
وكان إذا ظفر بعدوِّه أمر مناديًا فجمع الغنائم كلَّها، فبدأ بالأسلاب فأعطاها لأهلها (^٤)، ثم أخرج خُمس الباقي فوضعه حيث أراه الله وأمره به من مصالح الإسلام، ثم يرضخ من الباقي لمن لا سهم له من النساء والصبيان والعبيد (^٥)، ثم قسم الباقي بالسويَّة بين الجيش، للفارس ثلاثةُ أسهم: سهم له وسهمان لفرسه، وللرَّاجِل سهم (^٦)، هذا هو الصحيح الثَّبْت (^٧) عنه.
_________________
(١) م، ب: «الإسلام»، وهو محتمل في ق.
(٢) ز، ن، المطبوع: «فإنْ هم». ص، ج، ع: «فأيّهم». ب: «فأيما». والمثبت من ق، م.
(٣) جاء ذلك في حديث بريدة عند مسلم (١٧٣١)، وقد سبق جزء منه آنفًا.
(٤) وذلك أن النبي - ﷺ - قال: «من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سَلَبه». أخرجه البخاري (٣١٤٢) ومسلم (١٧٥١) من حديث أبي قتادة. وأخرج أبو داود (٢٧٢١) من حديث عوف بن مالك وخالد بن والوليد أن رسول الله - ﷺ - قضى بالسَّلَب للقاتل ولم يُخمِّس السلب. وفي الباب أحاديث أخرى.
(٥) انظر: حديث ابن عباس عند مسلم (١٨١٢)، وحديث عُمير مولى آبي اللحم عند أبي داود (٢٧٣٠) والترمذي (١٥٥٧).
(٦) أخرجه البخاري (٢٨٦٣، ٤٢٢٨) ومسلم (١٧٦٢) وأبو داود (٢٧٣٣) والترمذي (١٥٥٤) من حديث ابن عمر - ﵄ -.
(٧) ز، ع، طبعة الرسالة: «الثابت». ج، ن، الطبعة الهندية: «المثبت».
[ ٣ / ١٢٠ ]
وكان يُنفِّل مِن صُلب الغنيمة بحسب ما يراه من المصلحة. وقيل: بل كان النفل من الخُمس. وقيل ــ وهو أضعف الأقوال ــ: بل كان من خمس الخمس.
وجمع لسلمة بن الأكوَع في بعض مغازيه بين سهم الراجل والفارس فأعطاه خمسة أسهم (^١) لعظم غَنائه في تلك الغزوة (^٢).
وكان يُسوِّي بين الضعيفِ والقويِّ في القسمة ما عدا النفل (^٣).
وكان إذا أغار في أرض العدوِّ بعث سريَّةً بين يديه، فما غنِمت أخرج خُمسه، ونفَّلها ربعَ الباقي، وقسم الباقي بينها وبين سائر الجيش، وإذا رجع فعل ذلك ونفَّلها الثُّلُث، ومع ذلك فكان يكره النَّفْل ويقول: «ليَرُدَّ قويُّ المؤمنين على ضعيفهم» (^٤).
وكان له - ﷺ - سهم من الغنيمة يُدعى «الصَّفِيَّ» إن شاء عبدًا وإن شاء أمةً (^٥) وإن شاء فرسًا، يختاره قبلَ الخمس (^٦).
_________________
(١) كذا في جميع الأصول. والظاهر أنه وهم، والصواب: «أربعة أسهم» كما في المطبوع بلا تنبيه، لأن الراجل له سهم والفارس له ثلاثة أسهم كما سبق آنفًا.
(٢) وهي غزوة ذي قَرَد التي استنقذ فيها سلمةُ لقاح رسول الله - ﷺ - من يد المشركين وحدَه. قال سلمة ــ كما عند مسلم (١٨٠٧) ــ: «أعطاني رسول الله - ﷺ - سهمين: سهمَ الفارس وسهمَ الراجل، فجمعهما لي جميعًا».
(٣) انظر: حديث سعد بن أبي وقاص عند أحمد (١٤٩٣) والبخاري (٢٨٩٦).
(٤) أخرجه أحمد (٢٢٧٦٢) والترمذي (١٥٦١) والدارمي (٢٥٢٩) وابن حبان (٤٨٥٥) من حديث عُبادة بن الصامت. وقال الترمذي: حديث حسن.
(٥) «وإن شاء أمة» سقط من م، ق، ب، ث.
(٦) هذا نصُّ مُرسَل عامر بن شراحيل الشعبي، أخرجه أبو داود (٢٩٩١) بإسناد صحيح.
[ ٣ / ١٢١ ]
قالت: عائشة: «وكانت صفيةُ من الصفي»، رواه أبو داود (^١).
ولهذا في كتابه إلى بني زُهَير بن أُقَيش: «إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأدَّيتم الخمس من المغنم وسهمَ النبي - ﷺ - وسهمَ الصفيِّ= أنتم آمنون بأمان الله ورسوله» (^٢).
وكان سيفه ذو الفقار من الصفي (^٣).
وكان يُسهِم لمن غاب لمصلحة المسلمين، كما أسهم لعثمان سهمَه من بدرٍ ولم يحضرها، لمكان تمريضه لامرأته ابنةِ رسول الله - ﷺ -، فقال: «إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله»، فضرب له بسهمه وأجره (^٤).
وكانوا يشترون معه في الغزو ويبيعون، وهو يراهم ولا ينهاهم، وأخبره رجل أنه ربح ربحًا لم يربح مثلَه أحدٌ، فقال: «وما هو؟» قال: ما زلت أبيع وأبتاع حتى ربحت ثلاثمائة أوقية، فقال: «أنا أنبئك بخير رجل ربحًا»، قال:
_________________
(١) برقم (٢٩٩٤)، وأخرجه أيضًا ابن حبان (٤٨٢٢) والحاكم (٢/ ١٢٨).
(٢) أخرجه أحمد (٢٠٧٣٧، ٢٠٧٤٠) وأبو داود (٢٩٩٩) والنسائي (٤١٤٦) وابن حبان (٦٥٥٧) بإسناد صحيح عن أعرابي من بني زُهَير بن أُقَيش الذي كتب له النبي - ﷺ - هذا الكتاب. وقيل: هو النَّمِر بن تَولَب بن زُهير بن أقيش، الشاعر المعروف.
(٣) وذلك من غنائم بدر. أخرجه أحمد (٢٤٤٥) والترمذي عقب الحديث (١٥٦١) وابن ماجه (٢٨٠٨) والحاكم (٢/ ١٢٩) من حديث ابن عبّاس. وانظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٣٣٩٨٣).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٧٢٦) والطبراني في «الأوسط» (٨٤٩٤) من حديث ابن عمر بإسناد حسن، وهو في البخاري (٣١٣٠، ٣٦٩٨) دون قوله: «إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله»
[ ٣ / ١٢٢ ]
ما هو يا رسول الله؟ قال: «ركعتين بعد الصلاة» (^١).
وكانوا يستأجرون الأُجَراء للغزو على نوعين:
أحدهما: أن يَخرج الرجلُ ويستأجر من يخدمه في سفره.
والثاني: أن يستأجر من ماله مَن يخرج في الجهاد ويسمُّون ذلك الجعائل. وفيها قال: النبي - ﷺ -: «للغازي أجرُه، وللجاعل أجره وأجرُ الغازي» (^٢).
وكانوا يتشاركون في الغنيمة على نوعين أيضًا:
أحدهما: شركة الأبدان.
والثاني: أن يدفع الرجل بعيرَه إلى الرجل أو فرسَه يغزو عليه على النصف مما يغنم، حتى ربَّما اقتسما السهم فأصاب أحدُهما قِدْحَه والآخرُ نَصْلَه ورِيشَه.
وقال ابن مسعود: اشتركت أنا وعمَّار وسعد فيما نصيب يوم بدرٍ، فجاء سعد بأسيرَين، ولم أجئ أنا وعمَّار بشيء (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٧٨٥) عن عبيد الله بن سلمان عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -. وإسناده ضعيف لجهالة عبيد الله بن سلمان.
(٢) أخرجه أحمد (٦٦٢٤) وأبو داود (٢٥٢٦) وأبو عوانة في «مستخرجه» (٧٩٩٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بإسناد صحيح.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٣٨٨) والنسائي (٣٩٣٧) وابن ماجه (٢٢٨٨) من حديث أبي عُبيدة ــ وهو ابن عبد الله بن مسعود ــ عن أبيه. والحديث حسن، فإن أبا عُبيدة ــ وإن لم يسمع من أبيه ــ كان عالمًا بحديث أبيه وصحَّتها ولم يأت فيها بحديث منكر، ولذا استجاز أهل العلم إدخاله في الحديث المسند المتصل. انظر: «شرح علل الترمذي» لابن رجب (١/ ٢٩٨) و«فتاوى شيخ الإسلام» (٦/ ٤٠٤).
[ ٣ / ١٢٣ ]
فصل: سهم ذي القربى
فصل: جواز أكل الغازي لما يصيبه من الطعام دون أن يخمس
وكان يبعث السريَّة فرسانًا تارةً، ورَجَّالةً أخرى، وكان لا يُسهم لمن قَدِم من المدد بعد الفتح.
فصل
وكان يعطي سهم ذي القربى في بني هاشم وبني المطلب دون إخوتهم من بني عبد شمس وبني نوفل، وقال: «إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد» وشبَّك بين أصابعه، وقال: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام» (^١).
فصل
وكان المسلمون يصيبون معه في مغازيهم العسلَ والعنب والطعام فيأكلونه ولا يرفعونه في المغانم؛ قال ابن عمر: «إن جيشًا غنموا في زمان رسول الله - ﷺ - طعامًا وعسلًا فلم يؤخذ منهم الخمس»، ذكره أبو داود (^٢).
وتفرَّد عبد الله بن مُغَفَّلٍ يومَ خيبرَ بجِرابِ شحمٍ وقال: «لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا»، فسمعه رسول الله - ﷺ - فتبسَّم ولم يقل له شيئًا (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٦٧٤١) وأبو داود (٢٩٨٠) والنسائي (٤١٣٧) وأبو يعلى (٧٣٩٩) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٤١) و«دلائل النبوة» (٤/ ٢٤٠) من حديث جُبير بن مُطعِم بإسناد حسن. وهو عند البخاري (٣١٤٠) دون ذكر التشبيك ودون قوله: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام».
(٢) برقم (٢٧٠١)، وأخرجه أيضًا ابن حبان (٤٨٢٥)، من طريقين عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر. وقد أُعلَّ بالإرسال كما في «العلل» للدارقطني (٢٧٦٠). ولكن قد صحَّ عند البخاري (٣١٥٤) من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه قال: «كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه».
(٣) أخرجه مسلم (١٧٧٢/ ٧٢) وأبو داود (٢٧٠٢) والنسائي (٤٤٣٥). وهو عند البخاري (٣١٥٣) ومسلم (١٧٧٢/ ٧٣) من وجه آخر ظاهره أنه استحيى من النبي - ﷺ - فلم يأخذ الجِراب.
[ ٣ / ١٢٤ ]
فصل: النهي عن النهبة
وقيل لابن أبي أوفى: هل كنتم تخمِّسون الطعام في عهد رسول الله - ﷺ -؟ فقال: «أصبنا طعامًا يوم خيبر فكان الرجلُ يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف» (^١).
وقال بعض الصحابة: «كنا نأكل الجوز (^٢) في الغزو ولا نَقْسِمه، حتى إن كنا لنرجعُ إلى رِحالنا وأخرِجَتُنا (^٣) منه مملوءة (^٤).
فصل
وكان ينهى في مغازيه عن النُّهبة والمُثلة وقال: «من انتهب نهبةً فليس منا» (^٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٩١٢٤) وأبو داود (٢٧٠٤) ــ واللفظ له ــ والحاكم (٢/ ١٢٦، ١٣٣) والبيهقي (٩/ ٦٠) بإسناد صحيح.
(٢) كذا في جميع الأصول، وفي ع كُتب عليه: «كذا» وفي الهامش: «لعله: الجَزَر». قلتُ: وهو الذي في جميع مصادر التخريج.
(٣) م، ق، ب، ث، هامش ز، طبعة الرسالة: «وأجرِبَتنا»، والمثبت من سائر الأصول والطبعة الهندية موافق لمصادر التخريج. والأَخرِجة جمع الخُرْج، وهو وعاء مثل الجُوالِق.
(٤) أخرجه سعيد بن منصور (٢٧٣٩)، وعنه أبو داود (٢٧٠٦)، ثم من طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ٦١)، وإسناده ضعيف كما قال البيهقي وابن القطّان وغيرهما. انظر: «معرفة السنن والآثار» (١٣/ ١٨٩) و«بيان الوهم» (٢/ ٥٩٣).
(٥) أخرجه أحمد (٢٠٦١٩) من حديث عبد الرحمن بن سمرة بإسناد جيّد. وأخرجه هو (١٤٣٥١) وأبو داود (٤٣٩١) وابن حبان (٤٤٥٦) من حديث أبي الزبير عن جابر. روي أيضًا من حديث أنس، وعمران بن حصين، وابن عباس؛ إلا أن في أسانيدها مقالًا. انظر: «أنيس الساري» (٣٥٤٠).
[ ٣ / ١٢٥ ]
فصل: النهي عن الغلول والتشديد فيه
وأمر بالقدور التي طبخت من النُّهبى فأُكفئت (^١).
وذكر أبو داود (^٢) عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر فأصاب الناس حاجة شديدة وجَهد، وأصابوا غنمًا فانتهبوها، فإن قدورنا لتغلي إذ جاء رسول الله - ﷺ - يمشي على قوسه فأكفأ قدورنا بقوسه، ثم جعل يرمّل اللحم بالتراب ثم قال: «إن النُّهبة ليست بأحلَّ من الميتة» أو: «إن الميتة ليست بأحلَّ من النهبة».
وكان ينهى أن يركب الرجل دابةً من الفيء حتى إذا أعجفها ردَّها فيه، وأن يلبس ثوبًا من الفيء حتى إذا أخلقه ردَّه فيه (^٣)؛ ولم يمنع من الانتفاع به حال الحرب.
فصل
وكان يشدد في الغلول جدًّا ويقول: «هو عار ونار وشَنار على أهله يوم القيامة» (^٤).
_________________
(١) كما في حديث رافع بن خَدِيج عند البخاري (٢٤٨٨) ومسلم (١٩٦٨). وأصرح منه حديث ثعلبة بن الحكم عند ابن ماجه (٣٩٣٨) والحاكم (٢/ ١٣٤) وغيرهما بإسناد حسن، وكذا الحديثُ الآتي.
(٢) برقم (٢٧٠٥)، وأخرجه أيضًا سعيد بن منصور (٢٦٣٦) وابن أبي شيبة (٢٢٧٦٢)، وإسناده جيّد.
(٣) أخرجه أحمد (١٦٩٩٧) وأبو داود (٢٧٠٨) والدارمي (٢٥٣١) وابن حبان (٤٨٥٠) والطبراني في «الكبير» (٥/ ٢٦، ٢٧) من حديث رويفع بن ثابت الأنصاري بإسناد جيّد. وقد صحَّح الحديث ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ١٣٧) وحسَّنه الحافظ في «الفتح» (٦/ ٢٥٦).
(٤) أخرجه أحمد (٦٧٢٩) والنسائي (٣٦٨٨) ومالك (١٣١٩) وعبد الرزاق (٩٤٩٨) وسعيد بن منصور (٢٧٥٤) وابن أبي شيبة (٣٨١١٧) والطبراني في «الأوسط» (١٨٦٤، ٧٣٧٦) والبيهقي في «السنن» (٦/ ٣٣٦، ٧/ ١٧) من طرق عن عمرو بن شعيب، بعضها عنه عن أبيه عن جدّه مسندًا، وبعضها عنه مرسلًا، والمرسل أشبه. ولكن له شاهد من حديث عُبادة بن الصامت عند أحمد (٢٢٦٩٩، ٢٢٧١٤) وابن ماجه (٢٨٥٠) وابن حبان (٤٨٥٥) والحاكم (٣/ ٤٩) من طرق يقوي بعضها بعضًا. وآخر من حديث العِرباض بن سارية عند أحمد (١٧١٥٤) بإسناد لا بأس به.
[ ٣ / ١٢٦ ]
ولمّا أُصيب غلامُه مِدْعَم قال بعض الصحابة (^١): هنيئًا له الجنة، فقال: «كلَّا، والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبرَ من المغانم لم تُصِبْها المقاسمُ لتشتعل عليه نارًا»، فجاء رجل بشِراك أو شِراكين لما سمع ذلك فقال: «شراك ــ أو: شراكان ــ من نار» (^٢).
وقال أبو هريرة: قام فينا رسول الله - ﷺ - فذكر الغلول فعظَّمَه وعظَّم أمره فقال: «لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاء، على رقبته فرس له حَمحَمة، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتُك؛ على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك؛ على رقبته رِقاع تَخفِق فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك» (^٣).
وقال لمن كان على ثَقَله وقد مات: «هو في النار»، فذهبوا ينظرون
_________________
(١) ج، ن، المطبوع: «قالوا» مكان «قال بعض الصحابة».
(٢) أخرجه البخاري (٤٢٣٤) ومسلم (١١٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) أخرجه البخاري (٣٠٧٣) ومسلم (١٨٣١)، واللفظ للبخاري. والصامت من المال هو الذهب والفضة، والرقاع هي الثياب.
[ ٣ / ١٢٧ ]
فوجدوا عَباءةً قد غلَّها (^١).
وقالوا في بعض غزواتهم: فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا: وفلان شهيد، فقال: «كلَّا، إني رأيته في النار في بردةٍ غلَّها ــ أو: عباءة ــ»، ثم قال رسول الله - ﷺ -: «يا ابنَ الخطاب اذهبْ فنادِ في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون» (^٢).
وتوفِّي رجل يومَ خيبرَ فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: «صلُّوا على صاحبكم»، فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: «إن صاحبكم غلَّ في سبيل الله شيئًا (^٣)»، ففتَّشُوا متاعَه فوجدوا خَرَزًا من خرز يهود لا يساوي درهمين (^٤).
وكان إذا أصاب غنيمةً أمر بلالًا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم، فيُخمِّسها ويَقْسِمها (^٥)، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال: «سمعتَ بلالًا نادى ثلاثًا؟» قال: نعم، قال: «فما منعك أن تجيء به؟» فاعتذر، فقال:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٠٧٤) من حديث عبد الله بن عمرو. قوله: «كان على ثَقَله» أي كان مأمونًا على حفظ أمتعة النبي - ﷺ - في السفر.
(٢) أخرجه مسلم (١١٤) من حديث ابن عباس عن عمر.
(٣) «شيئًا» مكانه بياض في م، وسقط من ق، ب، ث.
(٤) أخرجه أحمد (١٧٠٣١) وأبو داود (٢٧١٠) والنسائي (١٩٥٩) وابن ماجه (٢٨٤٨) وابن حبان (٤٨٥٣) والحاكم (١/ ٣٦٤) من حديث أبي عمرة عن زيد بن خالد الجُهَني - ﵁ -. وقد ضعّف الألباني إسنادَه لجهالة حال أبي عمرة الجهني، ولكن يقوِّي أمرَه قول الحاكم عقب الحديث: أبو عمرة هذا رجل من جهينة معروف بالصدق، وعليه فالإسناد محتمل للتحسين. انظر: «إرواء الغليل» (٧٢٦).
(٥) ص، ز، ج، ع، ن: «فيخمسه ويقسمه» وهو لفظ أبي داود، ثم أُصلح في ز، ع إلى المثبت، وهو لفظ ابن حبان وغيره.
[ ٣ / ١٢٨ ]
فصل: الأمر بتحريق متاع الغال وضربه
«كن أنت تجيء به يوم القيامة، فلن أقبَلَه عنك» (^١).
فصل
وأمر بتحريق متاع الغالِّ وضَرْبِه (^٢)، وحرَّقه الخليفتان الراشدان بعده (^٣).
فقيل: هذا منسوخ بسائر الأحاديث التي ذكرت، فإنه لم يجئ التحريقُ في شيءٍ منها.
وقيل ــ وهو الصواب ــ: إن هذا من باب التعزير والعقوباتِ المالية الراجعة إلى اجتهاد الأئمة بحسب المصلحة، فإنه حرَّق وترك، وكذلك خلفاؤه من بعده.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦٩٩٦) وأبو داود (٢٧١٢) وابن حبان (٤٨٠٩) والحاكم (٢/ ١٢٧) من حديث عبد الله بن عمرو بإسناد حسن.
(٢) جاء ذلك عند أبي داود (٢٧١٣) والترمذي (١٤٦١) والحاكم (٢/ ١٢٨) وغيرهم من حديث سالم بن محمد بن زائدة، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب. وإسناده ضعيف؛ قال الترمذي: «هذا الحديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه وسألت محمدًا (أي البخاري) عن هذا الحديث، فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة، وهو أبو واقد الليثي، وهو منكر الحديث. قال محمد: وقد روي غيرُ حديث عن النبي - ﷺ - في الغال ولم يأمر فيه بحرق متاعه». وانظر: «العلل الكبير» للترمذي (ص ٢٣٧) و«سنن أبي داود» (٢٧١٤) و«العلل» للدارقطني (١٠٣) و«الأباطيل والمناكير» للجورقاني (٢/ ٢٤٧).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٧١٥) والحاكم (٢/ ١٣١) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، إلا أن إسناده إلى عمرو ضعيف. وعقَّبه أبو داود بروايته عن عمرو بن شعيب موقوفًا عليه من قوله، وهو أشبه. وكذا أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٢٧٩) من طريق آخر عن عمرو بن شعيب موقوفًا عليه، قال في آخره: «وبلغني أن أبا بكر وعمر كانا يفعلانه». وانظر: «ضعيف سنن أبي داود - الأم» للألباني (٢/ ٣٥٠).
[ ٣ / ١٢٩ ]
ونظير هذا قتلُ شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة (^١)، فليس (^٢) بحدٍّ ولا منسوخ، وإنما هو تعزير يتعلَّق باجتهاد الإمام (^٣).
فصل
في هديه في الأسارى
كان يَمُنُّ على بعضهم، ويَقتل بعضَهم، ويُفادي بعضَهم بالمال وبعضَهم بأسرى المسلمين؛ قد فعل ذلك كلَّه بحسب المصلحة:
- ففادى بأسارى بدر بمال، وقال: «لو كان المُطْعِم بن عديٍّ حيًّا ثم كلَّمني في هؤلاء النَّتْنَى لتركتُهم له» (^٤).
- وهبط عليه في صلح الحديبية سبعون (^٥) متسلِّحين (^٦) يريدون غِرَّته، فأَسَرهم ثم مَنَّ عليهم (^٧).
_________________
(١) حديث جلد شارب الخمر ثلاثًا ثم قَتلِه إن عاد الرابعة أخرجه أحمد (١٠٧٢٩) وأبو داود (٤٤٨٤) والنسائي (٥٦٦٢) وابن حبان (٤٤٤٧) والحاكم (٤/ ٣٧١) من حديث أبي هريرة بإسناد جيد. وفي الباب عن معاوية، وعبد الله بن عمرو، والشريد بن سُويد في آخرين من أصحاب النبي - ﷺ -. انظر: «أنيس الساري» لنبيل البصارة (٢٥٤) و«نزهة الألباب في قول الترمذي وفي الباب» للوائلي (٤/ ٢١٩٧).
(٢) ز، ع: «فإنه ليس».
(٣) م، ق، ب، ث، هامش ز: «الأئمة».
(٤) أخرجه البخاري (٣١٣٩) من حديث جبير بن مطعم.
(٥) المطبوع: «ثمانون» خلافًا للأصول، وإن كان موافقًا لإحدى روايتي القصة.
(٦) كذا في جميع الأصول بالنصب على الحال، وله وجه. وفي م، ق، ب، ن بنصب «سبعين» أيضًا، وهو خطأ.
(٧) كما في حديث سلمة بن الأكوع الطويل عند مسلم (١٨٠٧). وجاء في حديث أنس عند مسلم أيضًا (١٨٠٨) أنهم كانوا ثمانين رجلًا.
[ ٣ / ١٣٠ ]
- وأسر ثُمامة بن أُثال سيِّدَ بني حنيفة فربطه بسارية المسجد، ثم أطلقه فأسلم (^١).
- واستشار الصحابة في أُسارى بدرٍ، فأشار عليه الصديقُ أن يأخذَ منهم فديةً تكون لهم قوةً على عدوِّهم ويُطلقَهم، لعلَّ الله أن يهديهم للإسلام، وقال عمر: لا والله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكِّنَنا فنضربَ أعناقهم، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدُها، فهَوِي رسولُ الله - ﷺ - ما قال أبو بكر ولم يهو ما قال عمر، فلمّا كان من الغد أقبل عمر فإذا رسول الله - ﷺ - وأبو بكر يبكيان، فقال: أخبرني يا رسول الله، من أي شيءٍ تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدتُ بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيتُ لبكائكما، فقال رسول الله - ﷺ -: «أبكي للذي عَرض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عُرِض عليَّ عذابُهم أدنى من هذه الشجرة»، وأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية (^٢) [الأنفال: ٦٧] (^٣).
وقد تكلم الناس في أيِّ الرَّأيين كان أصوب، فرجحت طائفة رأيَ عمر لهذا الحديث؛ ورجَّحت طائفة رأي أبي بكر لاستقرار الأمر عليه، وموافقته (^٤) الكتابَ الذي سبق من الله بإحلال ذلك لهم، ولموافقته الرحمةَ التي غلبت
_________________
(١) كما في حديث أبي هريرة المتفق عليه، وسيأتي (ص ٣٢٤).
(٢) كذا ضبطت الآية في م، ص، ج: ﴿تَكُونَ﴾، وهي قراءة أبي عمرو، وقرأ الباقون بالياء.
(٣) أخرجه مسلم (١٧٦٣) من حديث ابن عباس عن عمر.
(٤) م، ق، ب، ث: «وموافقة».
[ ٣ / ١٣١ ]
الغضب، ولتشبيه النبي - ﷺ - له في ذلك بإبراهيم وعيسى وتشبيهه لعمر بنُوحٍ وموسى (^١)، ولحصول الخير العظيم الذي حصل بإسلام أكثرِ أولئك الأسرى، ولخروج من خرج من أصلابهم من المسلمين، ولحصول القوة التي حصلت للمسلمين بالفِداء، ولموافقة رسول الله - ﷺ - لأبي بكر أولًا، ولموافقة الله ﷿ له آخرًا حيث استقرَّ الأمر على رأيه ــ فلكمال نظر الصديق كأنّه رأى ما يستقر عليه حكم الله آخرًا ــ، وغلبةِ جانب الرحمة على جانب العقوبة.
قالوا: وأما بكاء النبي - ﷺ -، فإنما كان رحمةً لنزول العذاب بمن أراد بذلك عَرَض الدنيا، ولم يرد ذلك رسول الله - ﷺ - ولا أبو بكر وإن أراده بعض الصحابة، فالفتنة كانت تعمُّ ولا تصيب من أراد ذلك خاصةً، كما هُزِم العسكر يوم حنين بقول أحدهم: لن نُغلَب اليوم من قلة، وبإعجاب كثرتهم لمن أعجبته منهم فهُزِم الجيش بذلك فتنةً ومحنةً، ثم استقرَّ الأمرُ على النصر والظفر، والله أعلم.
- واستأذنه الأنصار أن يتركوا للعباس عمِّه (^٢) فداءَه فقال: «لا تدعون منه درهمًا» (^٣).
- واستوهب من سلمة بن الأكوع جاريةً نفَّلَه إيَّاها أبو بكر في بعض مغازيه، فوهبها له، فبعث بها إلى مكة ففدى بها ناسًا من المسلمين (^٤).
_________________
(١) كما في حديث أبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه. أخرجه أحمد (٣٦٣٢) وابن أبي شيبة (٣٧٨٤٥)، وذكر الترمذي (١٧١٤) طرفًا منه وقال: «هذا حديث حسن، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه». وانظر ما سبق في هامش (ص ١٢٣).
(٢) م، ق، ب: «لعمِّه العباس». ث: «لعمِّه عباس».
(٣) أخرجه البخاري (٢٥٣٧) من حديث أنس.
(٤) أخرجه مسلم (١٧٥٥) من حديث سلمة بن الأكوع.
[ ٣ / ١٣٢ ]
- وفدى رجلين من المسلمين برجلٍ من عُقيلٍ (^١).
- وردَّ سبْيَ هوازن عليهم بعد القسمة، واستطاب قلوب الغانمين فطيَّبوا له، وعوَّض مَن لم يُطيِّب من ذلك بكل إنسان ستَّ فرائضَ (^٢).
- وقَتَل عقبة بن أبي مُعَيط من الأسرى وقتل النضر بن الحارث لشدَّةِ عداوتِهما لِلّاه ورسوله (^٣).
وذكر الإمام أحمد (^٤) عن ابن عباس قال: كان ناسٌ من الأسرى لم يكن لهم مال فجعل رسول الله - ﷺ - فداءَهم أن يعلِّمُوا أولاد الأنصارِ الكتابةَ. وهذا يدل على جواز الفداء بالعمل كما يجوز بالمال.
وكان هديه أن من أسلم قبل الأَسْرِ لم يُسترقَّ.
وكان يَسترقُّ سَبْيَ العرب كما يسترق غيرَهم من أهل الكتاب، وكان عند عائشة سبيَّة منهم فقال: «أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل» (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٦٤١) من حديث عمران بن حُصَين.
(٢) سيأتي تخريجه (ص ٥٩١).
(٣) قُتلا بعد أن أُسرا في غزوة بدر، وقد استفاض خبر قتلهما صبرًا ــ لا سيما قتل عقبة بن أبي معيط ــ من غير وجهٍ وإن كانت عامّتها مراسيل. انظر: «المصنف» لعبد الرزاق (٩٣٨٩، ٩٣٩٠، ٩٣٩٤) ولابن أبي شيبة (٣٧٨٤٧) و«المراسيل» لأبي داود (٣٣٧) و«سنن البيهقي» (٩/ ٦٤). وانظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٦٤٤) و«مغازي الواقدي» (١/ ١٠٧، ١١٤) و«طبقات ابن سعد» (٢/ ١٧).
(٤) في «مسنده» (٢٢١٦)، وأخرجه أيضًا ابن المنذر في «الأوسط» (٦/ ٢٢٥) والحاكم (٢/ ١٤٠) وعنه البيهقي في «السنن» (٦/ ٣٢٢). وإسناده جيّد.
(٥) أخرجه البخاري (٢٥٤٣) ومسلم (٢٥٢٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٣ / ١٣٣ ]
وفي الطبراني (^١) مرفوعًا: «من كان عليه رقبة من ولد إسماعيلَ فليُعتِقْ من بَلْعَنْبر».
ولما قَسَم سبايا بني المصطلق وقعت جويريةُ بنت الحارث في السبي لثابت بن قيس بن شمَّاس فكاتبَتْه على نفسها، فقضى رسول الله - ﷺ - كتابتها وتزوَّجها، فأُعتِقَ بتزويجه إياها مئةُ أهلِ بيتٍ من بني المصطلق إكرامًا لصهر رسول الله - ﷺ - (^٢)؛ وهي من صريح العرب.
ولم يكونوا يتوقفون في وطء سبايا العرب (^٣) على الإسلام، بل كانوا يطؤوهن (^٤) بعد الاستبراء، وأباح الله لهم ذلك ولم يشترط الإسلام، بل قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فأباح وطء ملك اليمين وإن كانت محصنةً إذا انقضت عدُّتها بالاستبراء.
_________________
(١) «المعجم الكبير» (٥/ ٢٦٧) ــ وعنه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٣٠٦٣) ــ من طريق شُعَيث بن عبيد الله بن زُبَيب بن ثعلبة، عن أبيه، عن جده. وفي إسناده لين، فإن شُعيثًا شيخ أعرابي مُقِلُّ لا يُعرف بالضبط والثقة. ولكن يشهد له حديث أبي هريرة السابق، فإن السبيَّة عند عائشة كانت من بني تميم، وبلعنبر جماعة من بني تميم، وقد جاء ذلك مصرَّحًا في روايةٍ عند البزار (٩٦١٦) والحاكم (٤/ ٨٤) والبيهقي في «السنن» (٩/ ٧٥) ــ وقد ساق مسلم إسناده في المتابعات دون لفظه ــ أن عائشة كانت قد نذرت محرَّرًا من ولد إسماعيل، فجيء بسبيٍ من بلعنبر فقال النبي - ﷺ - لها: «إن سرَّك أن تفي بنذرك فأعتقي محرَّرًا من هؤلاء» فجعلهم من ولد إسماعيل.
(٢) سيأتي تخريجه في غزاة بني المصطلق (ص ٣٠٠).
(٣) ث: «بني المصطلق»، وكذا أثبته المقابِل في ع بعد الضرب على المثبت.
(٤) كذا في جميع الأصول، والجادة إثبات نون الرفع: «يطؤونهن».
[ ٣ / ١٣٤ ]
فصل المنع من التفريق في السبي بين الوالدة وولدها
وقال له سلمة بن الأكوع لما استوهبه الجاريةَ من السبي: يا رسول الله، واللهِ لقد أعجبَتْني وما كشفتُ لها ثوبًا؛ ولو كان وطؤها حرامًا قبل الإسلام عندهم لم يكن لهذا القول معنًى، ولم تكن قد أسلمت لأنها فدى بها أناسًا من المسلمين بمكة، والمسلم لا يفادى به.
وبالجملة فلا يُعرَف في أثرٍ واحد قطُّ اشتراطُ الإسلام منهم قولًا أو فعلًا في وطء المَسبيَّة، فالصواب الذي كان عليه هديه وهدي أصحابه استرقاقُ العرب ووطءُ المَسبيَّات منهم (^١) بملك اليمين من غير اشتراط الإسلام (^٢).
فصل
وكان - ﷺ - يمنع التفريق في السبي بين الوالدة وولدها، ويقول: «من فرَّق بين والدة وولدها فرَّق الله بينه وبين أحبَّته يوم القيامة» (^٣).
وكان يؤتى (^٤) بالسَّبي فيعطي أهلَ البيت جميعًا كراهيةَ أن يفرِّق بينهم (^٥).
_________________
(١) «منهم» ساقط من ص، ع. وفي ج: «ووطء إمائهن».
(٢) وذكر المؤلف هذه المسألة أيضًا في «تهذيب السنن» (١/ ٤٧٧ - ٤٧٨).
(٣) أخرجه أحمد (٢٣٤٩٩) والترمذي (١٥٦٦) والحاكم (٢/ ٥٥) من حديث أبي أيوب الأنصاري بإسناد فيه لين، قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم». وللحديث طريقان آخران عند الدارمي (٢٥٢٢) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ١٢٦) يعتضد ويتقوَّى بهما. وانظر: «بيان الوهم والإيهام» (٣/ ٥٢١) و«تنقيح التحقيق» (٤/ ٩٩).
(٤) م، ق، ب، ث: «يأمر»، وعليه فيكون السياق: «يأمر بالسبي فيُعطى أهلُ البيت جميعًا».
(٥) أخرجه أحمد (٣٦٩٠) وابن ماجه (٢٢٤٨) والطيالسي (٢٨٦) من حديث ابن مسعود. وفي إسناده جابر الجعفي، وهو ضعيف.
[ ٣ / ١٣٥ ]
فصل
في هديه فيمن جسَّ عليه
ثبت عنه أنه قتل جاسوسًا من المشركين (^١).
وثبت عنه أنه لم يقتل حاطِبًا وقد جسَّ عليه، واستأذنه عمر في قتله، فقال: «وما يدريك لعل الله اطَّلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (^٢)؛ فاستدل به من لا يرى قتل المسلم الجاسوس كالشافعي وأحمد وأبي حنيفة. واستدلَّ به من يرى قتله كمالك وابنِ عَقيلٍ من أصحاب أحمد وغيرهما (^٣)، قالوا: لأنه علَّل بعلةٍ مانعة من القتل منتفيةٍ في غيره، ولو كان الإسلام مانعًا من قتله لم يعلِّل بأخصَّ منه، لأن الحكم إذا عُلِّل بالأعم كان الأخصُّ عديمَ التأثير؛ وهذا أقوى، والله أعلم. (^٤) وكان هديه عِتق عبيد المشركين (^٥) إذا خرجوا إلى المسلمين وأسلموا، ويقول: «هم عُتقاء الله ﷿» (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٠٥١) ومسلم (١٧٥٤) من حديث سلمة بن الأكوع.
(٢) أخرجه البخاري (٣٠٠٧) ومسلم (٢٤٩٤) من حديث علي.
(٣) انظر: «الأم» للشافعي (٥/ ٦٠٩) و«الفروع» لابن مفلح (١٠/ ١١٦) و«شرح السير الكبير» للسرخسي (٥/ ٢٢٩) و«البيان والتحصيل» لابن رشد (٢/ ٥٣٦ - ٥٣٧).
(٤) زيد هنا كلمة «فصل» في النسخ المطبوعة، وليس في شيء من الأصول.
(٥) م، ق، ب: «عبيد من المشركين».
(٦) أخرجه أبو داود (٢٧٠٠) والطبراني في «الأوسط» (٤٣٠٧) والحاكم (٢/ ١٢٥) من حديث علي، وإسناده حسن. وله شواهد من حديث أبي بكرة وابن عباس وغيرهما، سيأتي ذكرها في غزوة الطائف (ص ٦٢١، ٦٣٠، ٦٣١).
[ ٣ / ١٣٦ ]
- أن من أسلم على شيء في يده فهو له
وكان هديه أنَّ من أسلم على شيءٍ في يده فهو له، ولم ينظر إلى سببه قبل الإسلام بل يُقرُّه في يده (^١) كما كان قبل الإسلام، ولم يكن يُضمِّن المشركين إذا أسلموا ما أتلفوه على المسلمين من نفس أو مالٍ حالَ الحرب ولا قبله.
وعزم الصديق على تضمين المحاربين من أهل الردَّة ديات المسلمين وأموالهم، فقال عمر: «تلك دماء أصيبت في الله، وأجورهم على الله، ولا دية لشهيد»، فأَصْفَق (^٢) الصحابةُ على ما قال عمر (^٣).
ولم يكن يَرُدَّ أيضًا على المسلمين أعيان أموالهم التي أخذها منهم الكفار قهرًا بعد إسلامهم، بل كانوا يرونها بأيديهم ولا يتعرَّضُون لها، سواءٌ في ذلك العقار والمنقول؛ هذا هديه الذي لا شك فيه.
ولمّا فتح مكة قام إليه رجال من المهاجرين يسألونه أن يرد عليهم دُورَهم التي استولى عليها المشركون، فلم يَردَّ على أحدٍ منهم دارَه، وذلك لأنهم تركوها لله وخرجوا عنها ابتغاء مرضاته، فأعاضهم عليها دورًا خيرًا منها في الجنة، فليس لهم أن يرجعوا فيما تركوه لله. بل أبلغ من ذلك أنه لم يُرخِّص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد نسكه أكثر من ثلاث (^٤)، لأنه قد ترك بلده لله وهاجر منه، فليس له أن يعود ويستوطنه، ولهذا رثى لسعد بن خولة
_________________
(١) ق: «بل يقرّه إلى الله»، تحريف.
(٢) ق، ب، ع، ن: «فاتّفق»، وهو غير محرّر في ز. وهما بمعنى.
(٣) أخرجه أبو عُبيد القاسم بن سلَّام في كتاب «الأموال» (٥٢٣) وسعيد بن منصور (٢٩٣٤) وابن أبي شيبة (٣٣٤٠٠) ــ ومن طريقه البيهقي في «سننه» (٨/ ٣٣٥) ــ بنحوه. وإسناده صحيح، وهو في «صحيح البخاري» (٧٢٢١) مختصرًا دون موضع الشاهد.
(٤) كما في حديث العلاء بن الحضرمي عند البخاري (٣٩٣٣) ومسلم (١٣٥٢).
[ ٣ / ١٣٧ ]
وسماه بائسًا أن مات بمكة ودُفن بها بعد هجرته منها (^١).
فصل
في هديه في الأرض المغنومة
ثبت عنه أنه قسم أرض بني (^٢) قريظة وبني النضير وخيبر بين الغانمين.
وأما المدينةُ ففُتِحت بالقرآن وأسلم عليها أهلها فأُقِرَّت بحالها.
وأما مكةُ ففتحها عنوةً ولم يَقْسِمها، فأشكل على طائفة من العلماء الجمعُ بين فتحها عنوةً وتركِ قسمتها، فقالت طائفة: لأنها دار المناسك، وهي وقف على المسلمين كلِّهم وهم فيها سواء، فلا يمكن قسمتها. ثم مِن هؤلاء مَن منع بيعها وإجارتها، ومنهم من جوَّز بيع رباعها ومنع إجارتها.
والشافعي لمّا لم يجمع بين العَنْوة وبين عدمِ القسمة قال (^٣): إنها فتحت صلحًا، فلذلك لم تُقسَم، قال: ولو فُتِحت عنوةً لكانت غنيمةً فتجب قسمتُها كما تجب قسمة الحيوان والمنقول. ولم يَرَ مَنْعَ بيعِ (^٤) رباع مكة وإجارتها، واحتج بأنها مِلك لأربابها تُورَث عنهم وتُوهَب، وقد أضافها الله سبحانه إليهم إضافة الملك إلى مالكه (^٥)، واشترى عمر بن الخطاب دارًا من
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢٩٥) ومسلم (١٦٢٨) من حديث سعد بن أبي وقاص.
(٢) «بني» سقطت من م، ق، ب، ث.
(٣) م، ق، ب: «قالوا»، خطأ. وانظر لقول الشافعي: «الأم» (٩/ ٢٥٧ - ٢٦٠).
(٤) م، ق، ب، ث: «بأسًا ببيع».
(٥) وذلك في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]. وقد استدل الشافعي به وبالأدلة الآتية في مناظرته لإسحاق في هذه المسألة. انظر: «مناقب الشافعي» لابن أبي حاتم (ص ١٣٦) وللبيهقي (١/ ٢١٣) و«معرفة السنن والآثار» (٨/ ٢١٢ - ٢١٣).
[ ٣ / ١٣٨ ]
صفوان بن أمية (^١)، وقيل للنبي - ﷺ -: أين تنزل غدًا في دارك بمكة؟ فقال: «وهل ترك لنا عَقيل من رباع؟!» وكان عقيل ورث أبا طالب (^٢).
فلما كان أصله - ﵁ - أن الأرض من الغنائم، وأن الغنائم تجب قسمتُها، وأن مكة تُملَك وتُباع رباعُها ودورها، ولم تقسم= لم يجد بُدًّا من كونها فُتحت صلحًا.
ولكن من تأمل الأحاديث الصحيحة وجدها كلَّها دالةً على قول الجمهور وأنها فُتحت عنوةً. ثم اختلفوا لأيِّ شيءٍ لم يَقْسِمها؟
فقالت طائفة: لأنها دار النسك ومحل العبادة، فهي وقف من الله على عباده المسلمين.
وقالت طائفة: الإمام مخير في الأرض بين قِسمتها وبين وقفها، والنبي - ﷺ - قَسَم خيبر ولم يَقْسِم مكة، فدلَّ على جواز الأمرين. قالوا: والأرض لا تدخل في الغنائم المأمور بقسمتها، بل الغنائم هي الحيوان والمنقول، لأن الله تعالى لم يُحلَّ الغنائم لأمة غير هذه الأمة، وأحل لهم ديار (^٣) الكفر
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٩٢١٣) وابن أبي شيبة (٢٣٦٦٢) والفاكهي في «أخبار مكة» (٢٠٧٦) وابن المنذر في «الأوسط» (٦/ ٣٩٨)، وفي إسناده عبد الرحمن بن فَرُّوخ، لم يوثِّقه غير ابن حبان، على أن البخاري قد علّق الخبر مجزومًا به في كتاب الخصومات (باب الربط والحبس في الحرم).
(٢) أخرجه البخاري (١٥٨٨) ومسلم (١٣٥١) من حديث أسامة بن زيد.
(٣) ص، ز: «دار».
[ ٣ / ١٣٩ ]
وأرضهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ إلى قوله: (^١) ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢٠ - ٢١]، وقال في ديار فرعون وقومه وأرضهم: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الشعراء: ٥٩]، فعلم أن الأرض لا تدخل في الغنائم، والإمام مخيَّر فيها بحسب المصلحة، وقد قسم رسول الله - ﷺ - وترك، وعمر لم يقسم بل أقرَّها على حالها وضرب عليها خراجًا (^٢) مستمرًّا في رقبتها يكون للمقاتِلة، فهذا معنى وقفها، ليس معناه الوقفَ الذي يَمنع من نقل الملك في الرقبة، بل يجوز بيع هذه الأرض كما هو عمل الأمة، وقد أجمعوا على أنها تورث والوقفُ لا يورث. وقد نص الإمام أحمد على أنها يجوز أن تُجعل صداقًا، والوقفُ لا يجوز أن يكون (^٣) مهرًا في النكاح. ولأن الوقف إنما امتنع بيعُه ونقلُ الملك في رقبته لما في ذلك من إبطال حق البطون الموقوف عليهم من منفعته، والمقاتِلةُ حقُّهم في خراج الأرض، فمَن اشتراها صارت عنده خراجيَّةً كما كانت عند البائع سواءً، فلا يَبطل حقُ أحدٍ من المسلمين بهذا البيع، كما لم يَبطُل بالميراث والهبة والصداق.
ونظير هذا بيع رقبة المكاتَب وقد انعقد فيه سبب الحرية بالكتابة، فإنه ينتقل إلى المشتري مكاتبًا كما كان عند البائع، ولا يَبطل ما انعقد في حقِّه من سبب العتق ببيعه، والله أعلم.
_________________
(١) «إلى قوله» من ن، هامش ز. وفي ص، ج، ع ذُكر مطلع الآية الأولى متصلًا بالآية التي تليها. وفي م، ق، ب: «وأحل لهم ديار الكفر وأرضهم، كما قال موسى لقومه: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا ﴾».
(٢) م، ق، ب: «خراجها».
(٣) ج: «يُجعل».
[ ٣ / ١٤٠ ]
فصل: تقرير أن مكة فتحت عنوة
ومما يدل على ذلك: أن النبي - ﷺ - قسم نصف أرض خيبر خاصَّةً، ولو كان حكمها حكمَ الغنيمة لقسمها كلَّها بعد الخمس؛ ففي «السنن» و«المسند» (^١): «أن رسول الله - ﷺ - لمّا ظهر على خيبر قسمها على ستةٍ وثلاثين سهمًا، جمع كلُّ سهمٍ مائةَ سهمٍ، فكان لرسول الله - ﷺ - وللمسلمين النصفُ من ذلك، وعزل النصف الباقي (^٢) لمن نزل (^٣) به من الوفود والأمور ونوائب الناس». هذا لفظ أبي داود.
وفي لفظ (^٤): «عزل رسول الله - ﷺ - ثمانية عشر سهمًا ــ وهو الشطر ــ لنوائبه وما ينزل به من أمر المسلمين، فكان ذلك: الوَطِيح، والكتيبة، والسلالم، وتوابعها».
وفي لفظ له أيضًا (^٥): «فعزل نصفَها لنوائبه وما نزل به: الوطيحة والكتيبة وما أُحِيز معها، وعَزَل النصف الآخر فقسمه بين المسلمين: الشق والنطاة وما أُحِيز معها، وكان سهم رسول الله - ﷺ - فيما أُحِيز معها».
فصل
والذي يدل على أن مكة فتحت عنوةً وجوه:
_________________
(١) م، ق، ب، ث: «المسند والسنن». وفي النسخ المطبوعة: «السنن والمستدرك»، خطأ مخالف للأصول. والحديث في «سنن أبي داود» (٣٠١٢) و«مسند أحمد» (١٦٤١٧) بإسناد صحيح عن بُشير بن يسار عن رجال من أصحاب النبي - ﷺ -.
(٢) ص، ز: «نصف الباقي»، خطأ.
(٣) م، ق، ب، ث: «ينزل».
(٤) عند أبي داود (٣٠١٤).
(٥) برقم (٣٠١٣).
[ ٣ / ١٤١ ]
أحدها: أنه لم يَنقل أحد قط أن النبي - ﷺ - صالح أهلها زمن الفتح. ولا جاءه أحدٌ منهم صالحه على البلد، وإنما جاءه أبو سفيان، فأعطاه الأمان لمن دخل داره أو دخل المسجد أو ألقى سلاحَه.
ولو كانت قد فتحت صلحًا لم يقل: من دخل داره أو أغلق بابه أو دخل المسجد فهو آمِن، فإن الصلح يقتضي الأمان العام.
الثاني: أن النبي - ﷺ - قال: «إن الله حبس عن مكةَ الفيلَ وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه أذن لي فيها ساعةً من نهار» (^١).
وفي لفظ: «إنها لم (^٢) تَحِلَّ لأحد قبلي، ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي، وإنما أُحِلَّت لي ساعةً من نهار» (^٣).
وفي لفظ: «فإنْ أحدٌ ترخَّص لِقتال رسول الله - ﷺ - فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعةً من نهار، وقد عادت (^٤) حرمتُها اليوم كحرمتها بالأمس» (^٥).
وهذا صريح في أنها فتحت عنوةً.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٤٣٤) ومسلم (١٣٥٥) من حديث أبي هريرة بنحوه.
(٢) ص، ز، ج، ث، ن: «لا».
(٣) أخرجه البخاري (١١٢) ومسلم (١٣٥٥/ ٤٤٨) من حديث أبي هريرة. ومثله لفظ حديث ابن عباس عند البخاري (١٨٣٣).
(٤) ص، ج: «عاد بها»، تصحيف.
(٥) أخرجه البخاري (١٠٤) ومسلم (١٣٥٤) من حديث أبي شُريح العَدَوي.
[ ٣ / ١٤٢ ]
وأيضًا: فإنه ثبت في «الصحيح» (^١): أنه جعل يوم الفتح خالدَ بن الوليد على المُجنِّبة اليمنى، وجعل الزبير على المُجنِّبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على البياذِقة (^٢) وبطن الوادي فقال: «يا أبا هريرة ادعُ لي الأنصار»، فجاءوا يُهَروِلون فقال: «يا معشر الأنصار هل ترون أوباش قريش؟» قالوا: نعم، قال: «انظروا إذا لقيتموهم غدًا أن تَحصُدوهم حَصْدًا» وأَحْفَى (^٣) بيده ووضع يمينه على شماله، وقال: «موعدكم الصفا»، قال: فما أشرف يومئذ لهم أحدٌ إلا أناموه (^٤)، وصَعِد رسول الله - ﷺ - الصفا وجاءت الأنصار فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله! أبيدت خضراءُ قريش، لا قريش بعد اليوم! فقال رسول الله - ﷺ -: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن».
وأيضًا: فإن أم هانئ أجارت رجلًا فأراد علي بن أبي طالب قتله، فقال النبي - ﷺ -: «قد أجرنا من أَجَرْتِ يا أم هانئ» (^٥). وفي لفظ عنها: لمّا كان يوم
_________________
(١) «صحيح مسلم» (١٧٨٠/ ٨٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) المطبوع: «الحُسَّر»، وهو لفظ رواية أخرى عند مسلم (١٧٨٠/ ٨٤)، وهو جمع الحاسر، أي من لا مِغفَر له ولا درع. والبياذِقة: الرَّجَّالة، فارسي معرّب.
(٣) كذا في ص، ع بالحاء المهملة، وكتبت تحتها «ح» صغيرة فيهما علامةً للإهمال. وكذا هو في النسخ المتقنة من «صحيح مسلم». وفي عامّة الأصول الأخرى وطبعة الرسالة ومطبوعة مسلم: «أخفى» بالخاء المعجمة، تصحيف. ومعنى «أحفى بيده» أي أمالها للحصد والاستئصال. انظر: «المفهم» (٣/ ٦٣٠) و«النهاية» (حفى).
(٤) أي: قتلوه. وتصحَّف في ص، ث إلى: «أبا مُرّة»!
(٥) أخرجه البخاري (٣٥٧) ومسلم (٣٣٦/ ٨٢) من حديثها.
[ ٣ / ١٤٣ ]
فتح مكة أجرتُ رجلين من أحمائي، فأدخلتهما بيتًا وأغلقت عليهما بابًا، فجاء ابنُ أمِّي عليٌّ فتفلَّت (^١) عليهما بالسيف، فذكرتْ حديثَ الأمان وقولَ النبي - ﷺ -: «قد أجرنا من أَجَرْتِ يا أمَّ هانئ» (^٢). وذلك ضحًى بجوف مكة بعد الفتح؛ فإجارتُها له، وإرادةُ عليٍّ قتلَه، وتنفيذُ (^٣) النبي - ﷺ - إجارتَها صريح في كونها فُتحت عنوةً.
وأيضًا: فإنه أمر بقتل مِقْيَس بن صُبابة، وابن خَطَل، وجاريتين (^٤)؛ ولو كانت فتحت صلحًا لم يأمر بقتل أحدٍ من أهلها، ولكان ذكر هؤلاء مستثنًى في عقد الصلح.
وأيضًا: ففي «السنن» (^٥) بإسناد صحيح: أن النبي - ﷺ - لما كان يوم فتح مكة قال: «أَمِن الناسُ (^٦) إلا أربعةَ نفرٍ وامرأتين؛ اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلِّقين بأستار الكعبة».
_________________
(١) ص، ز، ج، ع: «فتقلب»، تصحيف. والمثبت هو لفظ «المسند»، ومعناه: تعرّض لهما فلتةً وبغتة، ومنه الحديث المشهور عند البخاري (٤٦١) وغيره: «إن عِفريتًا من الجنّ تفلَّت عليّ البارحة ليقطع عليَّ صلاتي ».
(٢) أخرجه أحمد (٢٦٩٠٦) ــ واللفظ له ــ وإسحاق بن راهويه (٢١١٤) والنسائي في «الكبرى» (٨٦٣١) بإسناد صحيح.
(٣) المطبوع: «وإمضاء» خلافًا للأصول.
(٤) سيأتي تخريجه في موضعه (ص ٥٠٢).
(٥) لأبي داود (٢٦٨٣) والنسائي (٤٠٦٧)، وأخرجه أيضًا الحاكم (٢/ ٥٤) والضياء في «المختارة» (٣/ ٢٤٨ - ٢٥٠) من حديث سعد بن أبي وقاص بنحوه.
(٦) كذا في الأصول. ولفظ الحديث في المصادر: عن سعدٍ قال: لما كان يوم فتح مكة أمَّن رسولُ الله - ﷺ - الناسَ إلا أربعةَ نفرٍ وامرأتين، وقال: «اقتلوهم » إلخ.
[ ٣ / ١٤٤ ]
فصل: منع المسلم من الإقامة بين أظهر المشركين
فصل
ومنع - ﷺ - من إقامة المسلم بين المشركين إذا قدر على الهجرة من بينهم، وقال: «أنا بريء مِن كلِّ مُسلم يقيم بين أظهر المشركين». قيل: يا رسول الله! ولم؟ قال: «لا تَرايا ناراهُما» (^١).
وقال: «من جامع المشركَ وسكن معه فهو مثله» (^٢).
وقال: «لا تنقطعُ الهجرة حتى تنقطعَ التوبة، ولا تنقطعُ التوبة حتى تَطلُعَ الشمسُ من مغربها» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبوداود (٢٦٤٥) والترمذي (١٦٠٤) وغيرهما من طريق قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله مرفوعًا. وأخرجه الشافعي في «الأم» (٧/ ٨٩) وابن أبي شيبة (٣٣٥٤١) والترمذي (١٦٠٥) والنسائي (٤٧٨٠) عن قيس بن أبي حازم عن النبي - ﷺ - مرسلًا. قال الترمذي: «هذا أصح» أي المرسل، ونقل عن شيخه الإمام البخاري أنه قال: الصحيح حديث قيس عن النبي - ﷺ - مرسل. وقال الدارقطني في «العلل» (٣٣٥٥): هو الصواب.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٧٨٧) والطبراني في «الكبير» (٧٠٢٣) من حديث سمرة بن جندب. وإسناده ضعيف، فيه ثلاثة رواة مجاهيل لم يوثِّقهم إمام معتبر. وله شاهد بإسناد صحيح عن الحسن البصري مرسلًا عند ابن المنذر في «الأوسط» (٦/ ٤٠٥). وروي عن الحسن عن سمرة مسندًا عند الحاكم (٢/ ١٤٢) وغيره، لكن إسناده واهٍ بمرَّة.
(٣) أخرجه أحمد (١٦٩٠٦) وأبو داود (٢٤٧٩) والنسائي في «الكبرى» (٨٦٥٨) والدارمي (٢٥٥٥) من حديث معاوية بإسناد لا بأس به في المتابعات والشواهد. وله شاهد حسن في «مسند أحمد» (١٦٧١) من حديث معاوية، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو، ثلاثتهم عن النبي - ﷺ - بنحوه.
[ ٣ / ١٤٥ ]
وقال: «ستكون هجرة بعد هجرة فخيارُ أهل الأرض ألزمُهم مهاجَرَ إبراهيم، ويبقى في الأرض شرارُ أهلها تلفظهم أرضوهم، تَقْذَرُهم نفسُ الله، ويحشرهم الله (^١) مع القردة والخنازير» (^٢).
فصل
في هديه في الأمان والصلح، ومعاملة رُسُل الكفار، وأخذ الجزية، ومعاملة أهل الكتاب والمنافقين، وإجارةِ من جاءه من الكفار يسمعُ كلامَ الله وردِّه إلى مأمنه، ووفائه بالعهد وبراءته من الغدر
ثبت عنه أنه قال: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا (^٣)» (^٤).
وقال: «المسلمون تتكافأ دماؤُهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمَّتهم أدناهم، لا يُقتَل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده، من أحدث حدثًا فعلى نفسه، ومن أحدث حدثًا أو آوى مُحدِثًا فعليه لعنة الله والملائكة
_________________
(١) سقطت لفظ الجلالة من ث. والذي في جميع مصادر التخريج: «تحشرهم النار»، إلا مطبوعة «حلية الأولياء» (٦/ ٥٤) ففيه كما هنا.
(٢) أخرجه أحمد (٦٨٧١، ٦٩٥٢) وأبو داود (٢٤٨٢) والحاكم (٤/ ٤٨٦، ٥١٠) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. وهو حديث صحيح بمجموع إسنادَيه. انظر: «تهذيب السنن» (٢/ ٢٠٣ بتخريجي) و«أنيس الساري» (٢٢٢٨).
(٣) ص، ز، ج، ع، ن: «عدلًا ولا صرفًا»، والمثبت من م، ق، ب لفظ الشيخين.
(٤) أخرجه البخاري (٧٣٠٠) ومسلم (١٣٧٠) من حديث علي - ﵁ -.
[ ٣ / ١٤٦ ]
والناس أجمعين» (^١).
وثبت عنه أنه قال: «من كان بينه وبين قوم عهدٌ فلا يَحُلَّنَّ عقدةً ولا يشدَّها حتى يمضيَ أمدُه أو يَنبِذَ إليهم على سواء» (^٢).
وقال: «من آمن (^٣) رجلًا على نفسه فقتله فأنا بريء من القاتل». وفي لفظ: «أعطي لواء غدرٍ» (^٤).
وقال: «لكل غادرٍ لواءٌ يوم القيامة يُعرَف به بقدرِ غَدْرَته (^٥)، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان (^٦)» (^٧).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٩٩٣) وأبو داود (٤٥٣٠) والنسائي (٤٧٣٤) والحاكم (٢/ ١٤١) من حديث علي بإسناد صحيح.
(٢) أخرجه أحمد (١٧٠١٥) وأبو داود (٢٧٥٩) والترمذي (١٥٨٠) والنسائي في «الكبرى» (٨٦٧٩) وابن حبان (٤٨٧١) من حديث عمرو بن عبسة. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٣) كذا في ص، ز مضبوطًا بالمدّ على الألف. ومعنى «آمَنَ» أي جعله يأمَن، ويصحّ ضبطه: «أمَّن» وهو بمعناه. ويصحّ أيضًا: «أَمِنَ»، ويؤيّده رواية عند النسائي بلفظ: «إذا اطمأن الرجل إلى الرجل ثم قتله ».
(٤) أخرجه الطيالسي (١٣٨١) وابن حبان (٥٩٨٢) والطبراني في «الأوسط» (٤٢٥٢، ٦٦٤٠) و«الصغير» (٣٨) من حديث عمرو بن الحَمِق الخُزاعي باللفظ الأول أو بنحوه. وأخرجه أحمد (٢١٩٤٦) وابن ماجه (٢٦٨٨) والنسائي في «الكبرى» (٨٦٨٦ - ٨٦٨٨) والحاكم (٤/ ٣٥٣) باللفظ الثاني، وهو أصحُّ إسنادًا من الأول.
(٥) «بقدر غدرته» ساقط من المطبوع.
(٦) «بن فلان» ساقط من ص.
(٧) أخرجه البخاري (٦١٧٧، ٦٩٦٦) ومسلم (١٧٣٥) من حديث ابن عمر. وأخرجه البخاري (٣١٨٦) ومسلم (١٧٣٧) أيضًا من حديث أنس. وأخرجه مسلم (١٧٣٦، ١٧٣٨) من حديث ابن مسعود وأبي سعيد. ولفظ المؤلف مجموع من عدة روايات.
[ ٣ / ١٤٧ ]
فصل في هديه في الأمان والصلح، ومعاملة رسل الكفار، وأخذ الجزية، ومعاملة أهل الكتاب والمنافقين
فصل: أقسام الكفار بعد هجرة النبي - ﷺ -، ومحاربة بني قينقاع إياه
ويذكر عنه أنه قال: «ما نقض قومٌ العهدَ إلا أُدِيل عليهم العدو» (^١).
فصل
ولمّا قدم النبيُّ - ﷺ - المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام:
- قسم صالحهم ووادعهم على أن لا يحاربوه، ولا يظاهروا عليه، ولا يُمالِئُوا عليه عدوَّه، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم.
- وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة.
- وقسم تارَكوه فلم يُصالِحوه ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمرُه وأمرُ أعدائه. ثم مِن هؤلاء من كان يحب ظهورَه وانتصاره في الباطن، ومنهم: من كان يحب ظهور عدوِّه عليه وانتصارَهم، ومنهم: من دخل معه في الظاهر وهو مع عدوه في الباطن ليأمن الفريقين، وهؤلاء هم المنافقون.
فعامل كلَّ طائفة من هذه الطوائف بما أمره به ربُّه ﵎، فصالح يهودَ المدينة وكتب بينه وبينهم كتابَ أمنٍ، وكانوا ثلاث طوائف حول المدينة: بني قَينُقاع، وبني النَّضِير، وقُرَيظة.
فحاربته بنو قينقاع بعد ذلك بعد بدرٍ، وشَرِقُوا بوقعة بدرٍ وأظهروا البغي
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١١/ ٤٥) من حديث ابن عباس بنحوه، وإسناده ضعيف. وأخرجه الخرائطي في «مساوئ الأخلاق» (٣٩٨) والبيهقي في «السنن» (٣/ ٣٤٦) من طريق آخر عن ابن عباس موقوفًا عليه مِن قوله، وإسناده جيِّد.
[ ٣ / ١٤٨ ]
والحسدَ، فسارت إليهم جنود الله يَقْدُمهم عبدُه ورسوله يومَ السبت النصفِ من شوال على رأس عشرين شهرًا من مُهاجَره، وكانوا حلفاءَ عبد الله بن أُبيٍّ ابن سَلول رئيسِ (^١) المنافقين، وكانوا أشجعَ يهود المدينة.
وحامل لواء المسلمين يومئذٍ حمزةُ بن عبد المطلب، واستَخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، وحاصرهم خمس عشرة ليلةً إلى هلال ذي القعدة.
وهم أول من حارب من اليهود، وتحصَّنوا في حصونهم، فحاصرهم أشدَّ الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرُّعبَ الذي إذا أراد خِذلان قوم وهزيمتَهم أنزله عليهم وقذفه في قلوبهم، فنزلوا على حكم رسول الله - ﷺ - في رقابهم وأموالهم ونسائهم وذريتهم، فأمر بهم فكُتِّفُوا، وكلَّم عبدُ الله بن أبي فيهم رسولَ الله - ﷺ - وألحَّ عليه، فوهبهم له وأمرهم أن يَخرجوا من المدينة ولا يُجاوروه بها، فخرجوا إلى أَذْرِعاتِ الشام، فقلَّ أن لبِثُوا بها (^٢) حتى هلك أكثرهم، وكانوا صاغةً وتُجَّارًا، وكانوا نحو الستمائة مقاتلٍ، وكانت دارهم في طرف المدينة.
وقُبِض أموالُهم، فأخذ منها رسول الله - ﷺ - (^٣) ثلاث قِسِيٍّ، ودِرعَين، وثلاثةَ أسياف، وثلاثة رماح؛ وخُمِّست غنائمُهم، وكان الذي تولَّى جمع
_________________
(١) م، ق، ب: «رأس».
(٢) ز، ن: «فيها»، والكلمة ساقطة من ص، ع.
(٣) م، ق، ب: «فأخذ رسول الله - ﷺ - منهم»
[ ٣ / ١٤٩ ]
فصل: نقض بني النضير العهد وإجلاء النبي - ﷺ - إياهم
الغنائم محمد بن مسلمة (^١). والله أعلم (^٢).
فصل
ثم نقض العهد بنو النضير. قال البخاري (^٣): وكان ذلك بعد بدر بستة أشهر، قاله عروة.
وسبب ذلك أنه - ﷺ - خرج إليهم في نفر من أصحابه وكلَّمهم أن يعينوه في دية الكلابِيَّين اللذين قتلهما عمرو بن أميَّة الضَّمْري (^٤)، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم، اجلس هاهنا حتى نقضي (^٥) حاجتك، وخلا بعضُهم ببعضٍ وسوَّل لهم الشيطانُ ــ للشقاء الذي كتب عليهم ــ فتوامروا (^٦) بقتله - ﷺ -،
_________________
(١) خبر غزوة بني فينقاع مختصر مما ذكره ابن سعد في «الطبقات» (٢/ ٢٦)، إلا أنه لم يذكر عددهم. والخبر عند شيخه الواقدي (١/ ١٧٦ - ١٨٠) بأطول منه، وذكر أنهم سبعمائة مقاتل، وكذا ذكر العددَ ابنُ إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٧) ــ عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلًا. وهو الذي سيذكره المؤلف لاحقًا (ص ٢٢٢).
(٢) «والله أعلم» من م، ق، ب. وليس في سائر الأصول.
(٣) في «صحيحه» (المغازي، باب حديث بني النضير) معلًّقًا عن الزهري عن عروة. ووصله عبد الرزاق (٩٧٣٢) وابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٠/ ٣٣٤٥) من طريقين عن الزهري به. وسيأتي قول المؤلف في آخر القصة: إنها كانت سنة أربع من الهجرة. قلتُ: وهو قول عامَّة أهل المغازي، وعلى ما ذكره المؤلف من سبب الغزوة يستحيل أن تكون بعد بدرٍ بستة أشهر، لأن قتل عمرو بن أُميَّة للكلابيَّين كان سنة أربع عقب وقعة بئر مَعُونة. وسينصُّ المؤلف لاحقًا (ص ٢٩١) على خطأ هذا القول.
(٤) وستأتي قصة قتله لهما (ص ٢٨٨).
(٥) ز، ع: «يقضي الله».
(٦) أي تآمروا، بقلب الهمزة واوًا، وله نظائر في هذا الكتاب وغيره من كتب المؤلف.
[ ٣ / ١٥٠ ]
وقالوا: أيكم يأخذ هذه الرحا ويصعد فيُلْقِيها على رأسه يَشْدَخُه بها؟ فقال أشقاها (^١) عمرو بن جحاش: أنا، فقال لهم سلَّام بن مِشْكَم: لا تفعلوا، فواللهِ لَيُخبَرَنَّ بما هممتم به، وإنه لنَقْضُ العهد الذي بيننا وبينه، وجاء الوحي على الفور إليه مِن ربِّه ﵎ بما همُّوا به، فنهض مسرعًا وتوجَّه إلى المدينة، ولحقه أصحابه فقالوا: نهضتَ ولم نشعر بك، فأخبرهم بما همَّت يهودُ به (^٢).
وبعث إليهم رسول الله - ﷺ - أن: «اخرُجوا من المدينة، ولا تساكنوني بها، وقد أجَّلتُكم عشرًا، فمن وُجد بعد ذلك بها ضُرِبت عنقه»، فأقاموا أيَّامًا يتجهَّزون، وأرسل إليهم المنافقُ عبدُ الله بن أبي أن: لا تخرجوا مِن دياركم، فإن معي ألفين يدخلون معكم حِصنكم فيموتون دونكم، وتنصركم قريظةُ وحلفاؤكم من غطفان، وطمع رئيسهم حُيَيُّ بن أخطب فيما قال له وبعث إلى رسول الله - ﷺ -: إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنعْ ما بدا لك! فكبَّر رسولُ الله - ﷺ - وأصحابُه (^٣) ونهضوا إليه، وعليُّ بن أبي طالب يحمل اللواء، فلما انتهى إليهم قاموا على حصونهم يرمونه بالنبل والحجارة، واعتزلتهم قريظةُ وخانهم ابنُ أبيٍّ وحلفاؤهم من غطفان، ولهذا شبه سبحانه قصتهم وجعل
_________________
(١) أي أشقى القبيلة. وفي المطبوع: «أشقاهم» خلافًا للأصول.
(٢) ما ذكره المؤلف من سبب غزوة بني النضير وإجلائهم هو الذي ذكره موسى بن عقبة كما في «الدلائل» (٣/ ١٨٠)، وابن إسحاق عن يزيد بن رُومان مرسلًا كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ١٩٠)، والواقدي (١/ ٣٦٤) عن شيوخه، وابنُ سعد في «طبقاته» (٢/ ٥٣). وروي في سببها قصة أخرى من غدرهم. انظر: «سنن أبي داود» (٣٠٠٤) و«فتح الباري» (٧/ ٣٣١).
(٣) م، ق، ب، ث: «وكبَّر أصحابه».
[ ٣ / ١٥١ ]
مثلهم ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر: ١٦]، فإن سورة الحشر هي سورة بني (^١) النضير (^٢)، وفيها مبدأُ قصتهم ونهايتُها، فحاصرهم رسولُ الله - ﷺ - وقطع نخلهم (^٣) وحرَّق، فأرسلوا إليه: نحن نخرج عن المدينة، فأنزلهم على أن يخرجوا عنها بنفوسهم وذراريِّهم وأنَّ لهم ما حملت الإبل إلا السلاح، وقبض النبيُّ - ﷺ - الأموالَ والحلقةَ (^٤).
وكانت بنو النضير خالصةً لرسول الله - ﷺ -، لنوائبه ومصالح المسلمين، ولم يُخمِّسها لأن الله ﷿ أفاءها عليه ولم يُوجِف المسلمون عليها بخيلٍ ولا ركاب؛ وخمَّس قريظة. قال مالك (^٥): خمَّس رسول الله - ﷺ - قريظة ولم يُخمِّس بني النضير، لأن المسلمين لم يوجفوا بخيلهم ولا ركابهم على بني النضير كما أوجفوا على قريظة.
وأجلاهم إلى خيبر، وفيهم حُيَي بن أخطب كبيرهم. وقبض السلاحَ واستولى على أرضهم وديارهم وأموالهم، فوجد من السلاح خمسين درعًا، وخمسين بيضةً، وثلاثمائة وأربعين سيفًا، وقال: «هؤلاء في قومهم بمنزلة بني
_________________
(١) «هي سورة» ساقط من ق، و«بني» ساقط من ز، ث.
(٢) أخرج البخاري (٤٠٢٩) عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر، قال: «قل سورة النضير».
(٣) ص، ز: «نخيلهم»، وكذا كان في ع ثم أُصلح إلى المثبت.
(٤) سياق خبر الغزوة أشبه بما ذكره ابن سعد في «الطبقات» (٢/ ٥٣). وانظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ١٩٠) و«مغازي الواقدي» (١/ ٣٦٣).
(٥) انظر: «المدونة» (٣/ ١٠) و«النوادر والزيادات» (٣/ ٣٦١).
[ ٣ / ١٥٢ ]
فصل: نقض بني قريظة العهد وغزو النبي - ﷺ - إياهم
المغيرة في قريش» (^١).
وكانت قصتهم في ربيع الأول سنة أربع من الهجرة.
فصل
وأما قريظة فكانت (^٢) أشدَّ اليهود عداوةً لرسول الله - ﷺ - وأغلظَهم كفرًا، ولذلك جرى عليهم ما لم يَجرِ على إخوانهم.
وكان سببُ غزوهم أن رسول الله - ﷺ - لمَّا خرج إلى غزوة الخندق والقوم معه صلح، جاء حُيَي بن أخطب إلى بني قريظة في ديارهم فقال: قد جئتكم بعزِّ الدهر، جئتكم بقريشٍ على سادتها وغطفانَ على قادتها، وأنتم أهلُ الشوكة والسلاح، فهَلُمَّ حتى نناجز محمَّدًا ونفرُغ منه، فقال له رئيسهم: بل جئتني واللهِ بذُلِّ الدهر، جئتني بسحاب قد أراق ماءَه فهو يَرعُد ويَبرُق، فلم يزل يُخادِعه ويَعِده ويُمنِّيه (^٣) حتى أجابه بشرط أن يدخل معه في حصنه يصيبه ما أصابهم، ففعل ونقضوا عهدَ رسول الله - ﷺ - وأظهروا سبَّه، فبلغ رسول الله - ﷺ - الخبر فأرسل يستعلم الأمر، فوجدهم قد نقضوا العهد فكبَّر وقال: «أبشروا يا معشر المسلمين» (^٤).
_________________
(١) ذكره الواقدي في «مغازيه» (١/ ٣٧٥) ضمن خبر الغزوة الذي أسنده عن شيوخه، ثم ذكره ابن سعد (٢/ ٥٤). والمراد ــ والله أعلم ــ أن بني النضير في الشَّرَف والمنعة كبني المغيرة في قريش.
(٢) م، ق، ب، ث، هامش ز: «فكانوا».
(٣) م، ق، ب، ث: «ويُمنِّيه ويَعِده».
(٤) سيأتي تخريجه في أحداث غزاة الخندق.
[ ٣ / ١٥٣ ]
- انقسام الصحابة في أمر النبي - ﷺ الصحابة أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، واختلاف العلماء أيهما كان أصوب
فلما انصرف رسول الله - ﷺ - إلى المدينة فلم يكن إلا أن وضع سلاحَه فجاءه جبريل فقال: أوضعت السلاح؟ إن الملائكة لم تضع أسلحتها، فانهض بمن معك إلى بني قريظة، فإني سائِرٌ أمامَك أزلزل بهم حصونهم وأقذف في قلوبهم الرعب، فسار جبريل في موكبه من الملائكة، ورسول الله - ﷺ - على أثره في موكبه من المهاجرين والأنصار، وقال لأصحابه يومئذ: «لا يصلين أحدٌ منكم العصرَ إلا في بني قريظة» (^١)، فبادَروا إلى امتثال أمره ونهضوا من فورهم، فأدركتهم العصرُ في الطريق، فقال بعضهم: لا نصليها إلا في بني قريظة كما أَمرَنا، فصلَّوها بعد عشاء الآخرة، وقال بعضهم: لم يُرِد منا ذلك وإنما أراد سرعة الخروج، فصلَّوها في الطريق؛ فلم يُعنِّف واحدةً من الطائفتين.
واختلف الفقهاء أيهما كان أصوب؟ فقالت طائفة: الذين أخَّروها هم المُصيبون، ولو كنَّا معهم لأخَّرناها كما أخروها، ولما صلَّيناها إلا في بني قريظة امتثالًا لأمره وتركًا للتأويل المخالف للظاهر (^٢).
وقالت طائفة أخرى: بل الذين صلوها في الطريق في وقتها حازوا قَصَبَ السَّبْق، وكانوا أسعدَ بالفضيلتين، فإنهم بادروا إلى امتثال أمره في الخروج، وبادروا إلى مرضاته في الصلاة في وقتها، ثم بادروا إلى اللَّحاق بالقوم، فحازوا فضيلة الجهاد وفضيلة الصلاة في وقتها، وفهموا ما يُراد منهم، وكانوا أفقهَ من الآخرين، ولا سيَّما تلك الصلاة، فإنها كانت صلاة العصر، وهي
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩٤٦) من حديث ابن عمر.
(٢) لعل المؤلف يقصد ابنَ حزم الذي قال في «جوامع السيرة» (ص ١٩٢): «وعَلِم اللهُ تعالى أننا لو كنا هناك ما صلَّينا العصر في ذلك اليوم إلا في بني قريظة ولو بعد أيَّام!».
[ ٣ / ١٥٤ ]
الصلاةُ الوسطى بنصِّ رسول الله - ﷺ - الصحيح الصريح الذي لا مدفع له ولا مطعن فيه، ومجيءُ السنة بالمحافظة عليها والمبادرة إليها والتبكير بها، وأنَّ من فاتته فقد وُتِر أهلُه وماله أو قد حبط عمله، فالذي جاء فيها (^١) أمر لم يجئ مثلُه في غيرها.
وأما المؤخِّرون لها فغايتهم أنهم معذورون، بل مأجورون أجرًا واحدًا لتمسُّكهم بظاهر النص وقصدِهم امتثالَ الأمر. وأما أن يكون هم المصيبون (^٢) في نفس الأمر، ومن بادر إلى الصلاة وإلى الجهاد مخطئًا، فحاشا وكلّا! فالذين صلَّوا في الطريق جمعوا بين الأدلة وحصَّلوا الفضيلتين، فلهم أجران، والآخرون مأجورون أيضًا -﵃-.
فإن قيل: كان تأخير الصلاة للجهاد حينئذ جائزًا مشروعًا، ولهذا كان عقبَ تأخير النبي - ﷺ - العصر يوم الخندق إلى الليل، فتأخيرهم صلاةَ العصر إلى الليل كتأخيره - ﷺ - لها يوم الخندق إلى الليل سواء، ولا سيما فإن (^٣) ذلك كان قبل شَرْع (^٤) صلاة الخوف.
قيل: هذا سؤال قوي، وجوابه من وجهين:
أحدهما: أن يقال: لم يثبت أن تأخير الصلاة عن وقتها كان جائزًا بعد بيان المواقيت، ولا دليل على ذلك إلا قصة الخندق، فإنها هي التي استدل
_________________
(١) «فالذي جاء فيها» ساقط من ج، ن، الطبعة الهندية.
(٢) ق، ص، ز، ث: «المصيبين»، وأُصلح في المطبوع إلى: «أن يكونوا هم المصيبين».
(٣) كذا في الأصول، والجادّة: «أن» كما في المطبوع.
(٤) ن، المطبوع: «شروع»، تصحيف.
[ ٣ / ١٥٥ ]
فصل: محاصرة النبي - ﷺ - بني قريظة ونزولهم على حكمه
بها من قال ذلك؛ ولا حجَّةَ فيها، لأنه ليس فيها بيان أن التأخير من النبي - ﷺ - كان عن عمدٍ، بل لعله كان نسيانًا، وفي القصة ما يشعر بذلك، فإن عمر لما قال له: يا رسول الله! ما كدتُ أصلي العصرَ حتى كادت الشمس تغرب، قال: «والله ما صَلَّيتُها» ثم قام فصلَّاها (^١). وهذا مُشعر بأنه - ﷺ - كان ناسيًا بما هو فيه من الشغل والاهتمامِ بأمر العدو المحيط به، وعلى هذا يكون قد أخَّرها بعُذر النسيان كما أخَّرها بعذر النوم في سفره، وصلَّاها بعد استيقاظه وبعد ذكره لتتأسَّى أمته به.
الجواب الثاني: أن هذا على تقدير ثبوته إنما هو في حال الخوف أو المسايفة عند الدَّهش عن تعقُّل أفعالِ الصلاة والإتيان بها، والصحابة في مسيرهم إلى بني قريظة لم يكونوا كذلك. بل كان أكثرُ (^٢) أسفارِهم إلى العدوِّ قبل ذلك وبعده، ومعلوم أنهم لم يكونوا يؤخِّرون الصلاة عن وقتها؛ ولم تكن قريظة ممن يُخاف فوتُهم، فإنهم كانوا مقيمين بدارهم.
فهذا منتهى أقدام الفريقين في هذا الموضع.
فصل
وأعطى رسول الله - ﷺ - الراية عليَّ بن أبي طالب، واستخلف على المدينة ابن أمِّ مكتوم، ونازل حصون بني قريظة وحصرهم خمسًا وعشرين ليلةً، ولما اشتدَّ بهم الحصار عرض عليهم رئيسهم كعبُ بن أسدٍ ثلاث خصال: إما أن يُسْلموا ويدخلوا مع محمد في دينه، وإما أن يقتلوا ذراريَّهم
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٩٦) ومسلم (٦٣١) من حديث جابر.
(٢) ج: «كان حكمهم». ن، النسخ المطبوعة: «كان حكمهم حكم». كلاهما خطأ.
[ ٣ / ١٥٦ ]
ويخرجوا إليه بالسيوف مُصْلِتين يناجزونه حتى يظفروا أو يُقْتلوا عن آخرهم، وإما أن يهجموا على رسول الله - ﷺ - وأصحابه ويَكبِسوهم يومَ السبت لأنهم قد أمنوا أن يقاتلوهم فيه، فأبوا عليه أن يجيبوه إلى واحدةٍ منهن، فبعثوا إليه أن أرسِلْ إلينا أبا لُبابة بن عبد المنذر نستشيره، فلما رأوه قاموا في وجهه يبكون وقالوا: يا أبا لبابة كيف ترى لنا أن ننزل على حكم محمد؟ فقال: نعم وأشار بيده إلى حَلْقه، يعني أنه الذبح، ثم علم من فوره أنه قد خان الله ورسوله، فمضى على وجهه ــ ولم يرجع إلى رسول الله - ﷺ - ــ حتى أتى المسجد مسجد المدينة، فربط نفسه بسارية المسجد وحلف أن لا يحله إلا رسولُ الله - ﷺ - بيده، وأنه لا يدخل أرض بني قريظة أبدًا. فلما بلغ رسولَ الله - ﷺ - ذلك قال: «دعوه حتى يتوب الله عليه»، ثم تاب اللهُ عليه، وحلَّه رسولُ الله - ﷺ - بيده (^١).
ثم إنهم نزلوا على حكم رسول الله - ﷺ - فقامت إليه الأوسُ فقالوا: يا
_________________
(١) سياق المؤلف مختصر من رواية ابن إسحاق عن أبيه عن معبد بن كعب بن مالك الأنصاري مرسلًا. أخرجها ابن هشام (٢/ ٢٣٤ - ٢٣٧) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ١٥). وقصة أبي لُبابة ذكرها أيضًا موسى بن عقبة ــ كما في «الدلائل» (٤/ ١٣) ــ بنحوه. وله شاهد من حديث عائشة عند أحمد (٢٥٠٩٧) بإسناد ضعيف، وأخرى من مراسيل عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري، ومجاهد، والزهري، وقتادة. انظر: «تفسير الطبري» (١١/ ١٢١، ١٢٢، ٦٥٦؛ ١٩/ ٧٢) و«تفسير ابن أبي حاتم» (٥/ ١٦٨٤، ٦/ ١٨٧٣) .. هذا، وقد زعم سعيد بن المسيّب والزهري وغيرهما: أن أبا لبابة لم يربط نفسه بالسارية حينئذ، بل بعد ذلك لمَّا تخلَّف عن غزوة تبوك، وفي بعض الروايات عن ابن عبَّاس ما يؤيِّد ذلك. انظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٦٥١ - ٦٥٨) و«دلائل النبوة» (٥/ ٢٧٠ - ٢٧٢) و«الاستيعاب» (٤/ ١٧٤١).
[ ٣ / ١٥٧ ]
رسول الله، قد فعلتَ في بني قينقاع ما قد علمتَ وهم حلفاء إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا فأحسِنْ فيهم، فقال: «ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟» قالوا: بلى، قال: «فذلك إلى سعد بن معاذ»، قالوا: قد رضينا، فأرسل إلى سعد بن معاذ وكان في المدينة لم يخرج معهم لجرح كان به، فأُركب حمارًا وجاء إلى رسول الله - ﷺ -، فجعلوا يقولون له وهم كنفتَيه (^١): يا سعدُ، أجمِل في مواليك وأحسِنْ فيهم، فإن رسول الله - ﷺ - قد حكَّمك فيهم لتُحسن فيهم، وهو ساكت لا يرجع إليهم شيئًا، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فلما سمعوا ذلك منه رجع بعضهم إلى المدينة فنعى إليهم القومَ، فلما انتهى إلى النبي - ﷺ - قال للصحابة: «قوموا إلى سيدكم»، فلما أنزلوه قال (^٢): «يا سعد، إن هؤلاء القوم قد نزلوا على حكمك»، فقال: وحكمي نافذ عليهم؟ قالوا (^٣): نعم، قال: وعلى المسلمين؟ قالوا: نعم، قال: وعلى من هاهنا ــ وأعرض بوجهه وأشار إلى ناحية رسول الله - ﷺ - إجلالًا له وتعظيمًا ــ؟ فقال: «نعم، وعليَّ».
فقال: فإني أحكم فيهم أن يُقتل الرجال وتُسبى الذريَّة وتُقسم الأموال، فقال رسول الله
_________________
(١) ج، ن، الطبعة الهندية: «كنفَيه». وفي طبعة الرسالة: «كنفتاه»، والوجه النصب على الظرفية كما في الأصول، أي بجانبيه، يمينَه وشمالَه. وانظر ورود مثلِه في حديثٍ عند مسلم (٢٩٥٧) وأبي داود (١٨٦).
(٢) كذا في عامّة الأصول، وكذلك في «الصحيحين»، أي أنه من قول النبي - ﷺ -. وفي ث، ن، النسخ المطبوعة: «قالوا»، أي الصحابة، وهو مقتضى السياق الآتي بعدُ.
(٣) ص، ع: «قال»، وكذا في الموضع الآتي. والمثبت من سائر الأصول هو الموافق للرواية عند ابن إسحاق والواقدي.
[ ٣ / ١٥٨ ]
- ﷺ -: «لقد حكمت فيهم بحكم الله مِن فوق سبع سماواتٍ» (^١).
وأسلم منهم تلك الليلة نفرٌ قبلَ النزول، وهرب عمرو بن سُعدى (^٢) فانطلق فلم يُعلم أين ذهب، وكان قد أبى الدخول معهم في نقض العهد.
فلما حكم فيهم بذلك، أمر رسولُ الله - ﷺ - بقتل كل من جرت عليه المواسي منهم، ومن لم يُنبت أُلحق بالذريَّة؛ فحُفِر لهم خنادق في سوق المدينة وضُربت أعناقهم، وكانوا ما بين الستمِائة إلى السبعمِائة.
ولم يُقتل من النساء أحدٌ سوى امرأة واحدة كانت طرحت على رأس سُويد بن الصامت (^٣) رحًى فقتلته.
وجعل يذهب بهم إلى الخنادق أرسالًا أرسالًا فقالوا لرئيسهم كعب بن أسد: يا كعب، ما تراه يصنع بنا؟ فقال: أفي كل موطن لا تعقلون؟ ألا ترون الداعي لا ينزع والذاهب منكم لا يرجع؟ هو واللهِ القتل.
قال مالك في رواية ابن القاسم (^٤): قال عبد الله بن أُبيٍّ لسعد بن معاذ في أمرهم: إنهم أحد جناحيَّ ــ وهم ثلاثمائة دارعٍ وستمائة حاسرٍ ــ، فقال: قد آن لسعدٍ أن لا تأخذه في الله لومة لائم.
_________________
(١) لفظ هذا الحديث أشبه بلفظ مرسل علقمة بن وقاص الليثي عند ابن إسحاق، وسيأتي تخريجه. وهو عند البخاري (٣٠٤٣) ومسلم (١٧٦٨) من حديث أبي سعيد بلفظ: «لقد حكمت فيهم بحكم الملك».
(٢) ص، ز، ج، ن، المطبوع: «بن سعد»، خطأ.
(٣) كذا في جميع الأصول، وهو وهمٌ أو سبق قلم، والصواب: «خلَّاد بن سويد بن ثعلبة»، وأما سويد بن الصامت فقُتل قبل وقعة بُعاث ولم يثبت إسلامه. انظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٤٢، ٢٥٤) و«طبقات ابن سعد» (٤/ ٣١٢، ٤٩١) و«دلائل النبوة» (٢/ ٤١٩).
(٤) كما في «البيان والتحصيل» (١٧/ ٥٠٠) نقلًا عن «المستخرجة» للعُتبي.
[ ٣ / ١٥٩ ]
فصل: هدي النبي - ﷺ - في المعاهدين إذا نقض بعضهم العهد ورضي به الباقون
ولمّا جيء بحُيَي بن أخطب إلى بين يديه (^١) ووقع بصره عليه قال: أما والله ما لمتُ نفسي في معاداتك، ولكن من يغالب الله يُغلَب، ثم قال: أيها الناس، لا بأس قَدَرُ الله وملحمة كتبت على بني إسرائيل، ثم جلس فضُرِبت عنقه.
واستوهب ثابتُ بن قيسٍ الزَّبِيرَ بن باطا وأهله وماله، فوهبهم له، فقال له ثابت: قد وهبك رسول الله - ﷺ - لي، ووهب لي مالَك وأهلَك فهم لك، فقال له: سألتك بيدي عندك يا ثابت إلا ألحقتني بالأحبَّة، فضَرَب (^٢) عنقه وألحقه بأحبَّته من اليهود (^٣).
فهذا كله (^٤) في يهود المدينة، وكانت غزوة كل طائفة منهم عَقِيبَ غزوةٍ من الغزوات الكبار، فغزوة بني قينقاع عَقِيبَ بدر، وغزوة بني النضير عقيب أُحُد، وغزوة بني قريظة عقيب الخندق.
وأما يهود خيبر فسيأتي ذكر قصتهم إن شاء الله تعالى.
فصل
وكان هديه أنه إذا صالح قومًا، فنقض بعضُهم عهدَه وصُلْحَه، وأقرهم الباقون ورَضُوا به= غزا الجميعَ وجعلهم كلَّهم ناقضين، كما فعل بقريظة والنضير وبني قينقاع، وكما فعل بأهل مكة. فهذه سنته في أهل العهد، وعلى
_________________
(١) أي بين يدي النبي - ﷺ -.
(٢) م، ق، ب، ث: «فضُربت».
(٣) خبر نزول قريظة على حكم النبي - ﷺ - ذكره ابن إسحاق ــ كما في ابن هشام (٢/ ٢٣٩ - ٢٤٢) و«تفسير الطبري» (١٩/ ٧٤ - ٧٩) ــ مطولًا بنحوه، بعضه من مرسل معبد بن كعب ابن مالك وبعضه من مرسل علقمة بن وقاص، وقصة ثابت الأخيرة عنده من مرسل الزهري. والخبر ذكره أيضًا الواقدي (٢/ ٥١٠ - ٥٢٠) عن شيوخه مطولًا بنحوه.
(٤) م، ق، ب، ث: «حكمه».
[ ٣ / ١٦٠ ]
هذا ينبغي أن يُجرى أهلُ الذمة كما صرح به الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد وغيرِهم.
وخالفهم أصحاب الشافعي فخصُّوا نقضَ العهد بمن نقضه خاصةً دون من رضي به وأقرَّ عليه، وفرَّقوا بينهما (^١) بأن عقد الذمة أقوى وآكد، ولهذا كان موضوعًا على التأبيد بخلاف عقد الهدنة والصلح.
والأولون يقولون: لا فرق بينهما، وعقدُ الذمة لم يوضع للتأبيد، بل بشرط استمرارهم ودوامهم على التزام ما فيه، فهو كعقد الصلح الذي وُضع للهدنة بشرط التزامهم أحكام ما وقع عليه العقد.
قالوا: والنبي - ﷺ - لم يوقِّت عقدَ الصلح والهدنة بينه وبين اليهود لمَّا قَدِم المدينة، بل أطلقه ما داموا كافِّين عنه غيرَ محاربين له، فكانت تلك ذمَّتَهم غيرَ أن الجزية لم يكن نزل فرضُها بعدُ، فلما نزل فرضها ازداد ذلك إلى الشروط المشترطة في العقد، ولم يتغيَّر (^٢) حكمُه وصار مقتضاه التأبيد؛ فإذا نقض بعضهم العهد، وأقرَّهم الباقون ورضوا بذلك، ولم يُعْلِموا به المسلمين صاروا في ذلك كنقض أهل العهد، فأهل العهد والصلح سواءٌ في هذا المعنى، ولا فرق بينهما فيه وإن افترقا من وجه آخر.
يوضح هذا: أن المُقرَّ والراضيَ الساكت إن كان باقيًا على عهده وصلحه لم يَجُز قتاله ولا قتله (^٣) في الموضعين، وإن كان بذلك خارجًا عن عهده
_________________
(١) أي بين المُصالحين وبين أهل الذمة. وفي ز، ع: «بينهم».
(٢) ص، ج، ن: «يغير».
(٣) «ولا قتله» سقط من ص، ز، ع. ثم استُدرك في ز، ع بخط مغاير.
[ ٣ / ١٦١ ]
وصلحه راجعًا إلى حاله الأولى قبل العهد والصلح لم يفترق الحال بين عقد الهُدنة وعقد الذمة في ذلك، فكيف يكون عائدًا إلى حاله في موضع دون موضع؟! هذا أمر غير معقول.
يوضِّحه: أن تجدُّدَ أخذِ الجزية منه لا (^١) يوجب له أن يكون مُوفيًا بعهده مع رضاه وممالأتِه ومواطأتِه لمن نقض، وعدمَ الجزية يوجب له أن يكون ناقضًا غادرًا غير مُوفٍ بعهده= هذا بين الامتناع.
فالأقوال ثلاثة: النقض في الصورتين وهو الذي دلت عليه سنة رسول الله - ﷺ - في الكفار، وعدمُ النقض في الصورتين وهو أبعد الأقوال عن السنة، والتفريقُ بين الصورتين؛ والأول (^٢) أصوبها. وبالله التوفيق.
وبهذا القول أفتينا وليَّ الأمر لما أحرق النصارى أموالَ المسلمين بالشام ودُورَهم، وراموا حَرْقَ جامعهم الأعظم حتى أحرقوا منارته، وكاد ــ لولا دفاع الله ــ أن يحترقَ كلُّه (^٣)، وعلم بذلك من علم من النصارى وواطأوا عليه وأقرُّوه ورضُوا به ولم يُعْلِموا به ولي الأمر، فاستفتى فيهم وليُّ الأمر من حضره من الفقهاء، وأفتيناه بانتقاض عهد من فعل ذلك أو أعان عليه بوجهٍ من الوجوه أو رضي به وأقر عليه، وأن حدَّه القتلُ حتمًا، ولا يُخيَّر الإمام فيه كالأسير، بل صار القتل له حدًّا، والإسلامُ لا يُسقط القتلَ إذا كان حدًّا ممن هو تحت الذمة ملتزمًا لأحكام الملّة (^٤)؛ بخلاف الحربي إذا أسلم، فإن
_________________
(١) كذا في جميع الأصول، والمعنى يستقيم بحذف «لا»، لأنه ليس تقريرًا للمسألة بل توضيح لقول الخصم، وقد أبطله في آخره بقوله: «هذا بين الامتناع».
(٢) أي القول الأول. وفي م، ق، ب، المطبوع: «والأولى»، خطأ.
(٣) وذلك في سنة ٧٤٠. انظر: «البداية والنهاية» (١٨/ ٤١٤).
(٤) ع: «الأمّة». المطبوع: «لأحكام الله».
[ ٣ / ١٦٢ ]
فصل: هدي النبي - ﷺ - فيمن حارب من دخل في عقده
الإسلام يَعْصِم دمه وماله (^١)، ولا يُقتل بما فعله قبل الإسلام، فهذا له حكم والذميُّ الناقضُ العهدِ إذا أسلم له حكم آخر.
وهذا الذي ذكرناه هو (^٢) الذي تقتضيه نصوص الإمام أحمد وأصوله، ونصَّ عليه شيخُ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله روحَه (^٣) ــ وأفتى به في غير موضع (^٤).
فصل
وكان هديه وسنته أنه إذا صالح قومًا وعاهدهم (^٥) فانضاف إليهم عدو له سواهم فدخلوا معهم في عقدهم، وانضاف إليه قوم آخرون فدخلوا معه في عقده= صار حكمُ من حارب من دخل معه في عقده من الكفار حكمَ من حاربه.
وبهذا السبب غزا أهلَ مكة، فإنه لما صالحهم على وضع الحرب بينه وبينهم عشرَ سنين تواثَبَتْ بنو بكر بن وائل فدخلت في عهد قريش وعقدِها، وتواثبت خزاعةُ فدخلت في عهد رسول الله - ﷺ - وعقده، ثم عَدَتْ بنو بكرٍ على خزاعةَ فبيَّتَتْهم وقتلت منهم، وأعانتهم قريش في الباطن بالسلاح، فعَدَّ رسولُ الله - ﷺ - قريشًا ناقضين للعهد بذلك واستجاز غزوَ بني بكر بن وائل لتعدِّيهم على حلفائه، وسيأتي ذكر القصة إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) م، ق: «ذمة ماله»، تصحيف.
(٢) «الذي ذكرنا هو» سقط من م، ق، ب.
(٣) «ابن تيمية قدس الله روحه» ليس في م، ق، ب، ث.
(٤) انظر: «الصارم المسلول» (٢/ ٤٨٨ - ٥١٠) و«الاختيارات» للبعلي (ص ٤٦١).
(٥) ص: «أو عاهدهم».
[ ٣ / ١٦٣ ]
فصل: هدي النبي - ﷺ - في رسل أعدائه إذا وفدوا عليه
وبهذا أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية (^١) بغزو نصارى المشرق (^٢) لما أعانوا عدوَّ المسلمين على قتالهم وأمدوهم بالمال والسلاح وإن كانوا لم يغزونا ولم يحاربونا، ورآهم بذلك ناقضين للعهد، كما نقضت قريش عهد النبي - ﷺ - بإعانتهم بني (^٣) بكر بن وائل على حرب حلفائه، فكيف إذا أعان أهلُ الذمة المشركين على حرب المسلمين؟!
فصل
وكانت تَقْدَم (^٤) عليه رسلُ أعدائه وهم على عداوته فلا يهيجهم ولا يقتلهم. ولما قدم (^٥) عليه رسولا مسيلمةَ الكذاب ــ وهما: عبد الله بن النواحة، وابن أثال ــ قال لهما: «فما تقولان أنتما؟» قالا: نقول كما قال، فقال رسول الله - ﷺ -: «واللهِ لولا أن الرسل لا تُقتل لضربتُ أعناقكما» (^٦)، فجرت سنته أن لا يُقتل رسول.
وكان هديه أيضًا أن لا يحبسَ الرسولَ عنده إذا اختار دينه ويمنعَه (^٧) من اللَّحاق بقومه، بل يردُّه إليهم كما قال أبو رافع: بعثتني قريش إلى النبي - ﷺ -،
_________________
(١) «ابن تيمية» ليس في م، ق، ب، ث.
(٢) ز، ع: «الشرق».
(٣) «بني» من ص، ج. وليس في سائر الأصول.
(٤) ص، ز، ع: «كان يقدَم».
(٥) ص، ز، ج، ن: «قدما»
(٦) حديث صحيح، سيأتي تخريجه (ص ٧٧٠).
(٧) كذا في الأصول عطفًا على «يحبس». وفي ج زيدت «لا» فوق السطر بين واو العطف و«يمنعه». وفي المطبوع: «فلا يمنعه».
[ ٣ / ١٦٤ ]
فصل: مصالحة النبي - ﷺ - قريشا على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، والأحكام المستفادة منها
فلمَّا أتيتُه وقع في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، لا أرجع إليهم، قال: «إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البُرُد، ارجِعْ إليهم، فإن كان في قلبك الذي فيه الآن فارجِعْ» (^١).
قال أبو داود: كان هذا في المدة التي شرط لهم النبي - ﷺ - أن يردَّ إليهم مَن جاءَه منهم وإن كان مسلمًا، وأما اليوم فلا يصلح هذا. انتهى.
وفي قوله: «لا أحبس البُرُد» إشعار بأنَّ هذا حكم يختصُّ بالرسل مطلقًا، وأما ردُّه مَن جاء إليه منهم وإن كان مسلمًا، فهذا إنما يكون مع الشرط كما قال أبو داود، وأما الرسل فلهم حكم آخر، ألا تراه لم يتعرض لرسولَي مسيلمة وقد قالا له في وجهه: نشهد أن مسيلمة رسول الله.
وكان من هديه أن أعداءه إذا عاهدوا واحدًا من أصحابه على عهدٍ لا يضرُّ بالمسلمين بغير رضاه أمضاه لهم، كما عاهدوا حذيفةَ وأباه أن لا يقاتلاهم (^٢) معه - ﷺ -، فأمضى لهم ذلك وقال لهما: «انصرفا، نَفِي لهم بعهدهم ونستعين اللهَ عليهم» (^٣).
فصل
وصالح قريشًا على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين على أن من جاءه منهم مسلمًا ردَّه إليهم، ومن جاءهم (^٤) من عنده لا يردُّونه إليه، وكان
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٧٥٨) والنسائي في «الكبرى» (٨٦٢١) وابن حبان (٤٨٧٧) والحاكم (٣/ ٥٩٨) بإسناد صحيح.
(٢) ص، ز، ج: «يقاتلانهم». ق: «أن لا يقاتلا وهُم».
(٣) أخرجه مسلم (١٧٨٧) من حديث حذيفة.
(٤) م، ق، ب، ث: «جاء» دون ضمير النصب.
[ ٣ / ١٦٥ ]
اللفظ عامًّا في الرجال والنساء، فنسخ الله ذلك في حقِّ النساء وأبقاه في حق الرجال (^١)، وأمر نبيَّه والمؤمنين أن يمتحنوا من جاءهم من النساء، فإن علموها مؤمنةً لم يردُّوها إلى الكفار، وأمرهم بردِّ مهرها إليهم لما فات على زوجها من منفعة بُضْعها، وأمر المسلمين أن يردُّوا على من ارتدت امرأتُه إليهم مهرَها إذا عاقبوا، بأن يجبَ عليهم ردُّ مهر المهاجرة فيردُّوه إلى من ارتدت امرأته، ولا يردُّونه (^٢) إلى زوجها؛ فهذا هو العقاب، وليس من العذاب في شيء (^٣).
وكان في هذا دليل على أن خروج البضع من ملك الزوج متقوَّم، وأنه متقوَّم بالمسمى الذي هو ما أنفق الزوج لا بمهر المثل، وأن أنكحة الكفار لها حكم الصحة لا يُحكم عليها بالبطلان، وأنه لا يجوز ردُّ المسلمة المهاجرة إلى الكفار ولو شُرِط ذلك، وأن المسلمة لا يحل لها نكاحُ الكافر وأن المسلم له أن يتزوج المرأة المهاجرة إذا انقضت عدَّتُها وآتاها مهرها، وفي هذا أبين دلالة على خروج بضعها من ملك الزوج وانفساخِ نكاحها منه
_________________
(١) وذلك في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ إلى قوله: ﴿(١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ﴾ [الممتحنة: ١٠ - ١١].
(٢) أي المهر. وفي المطبوع: «يردّونها»، خطأ.
(٣) لعله يشير إلى مَن قال من المفسرين إن معنى قوله تعالى: ﴿الْكُفَّارِ﴾ أي: غزوتم الكفار فأصبتموهم بعقوبة حتى غنمتم، أو: عاقبتم المرتدة بالقتل. انظر: «النكت والعيون» للماوردي (٥/ ٥٢٣) و«زاد المسير» لابن الجوزي (٨/ ٢٤٣).
[ ٣ / ١٦٦ ]
بالهجرة والإسلام.
وفيه دليل على تحريم نكاح المشركة على المسلم، كما حُرِّم نكاحُ المسلمة على الكافر.
وهذه أحكام استفيدت من هذه الآية (^١)، وبعضُها مجمع عليه وبعضها مختلف فيه، وليس مع من ادعى نسخَها حجة البتة، فإن الشرط الذي وقع بين النبي - ﷺ - وبين الكفار مِن ردِّ من جاءه مسلمًا إليهم إن كان مختصًّا بالرجال لم تدخل النساء فيه، وإن كان عامًّا للرجال والنساء، فالله سبحانه خصَّصَ منه ردَّ النساء ونهاهم عن ردِّهن، وأمرهم بردِّ مُهورهن، وأن يردُّوا منها على من ارتدَّت امرأتُه إليهم من المسلمين المهرَ الذي أعطاها ثم أخبر أن ذلك حكمُه الذي يحكم به بين عباده، وأنه صادر عن علمه وحكمته (^٢)، ولم يأت عنه ما ينافي هذا الحكم ويكون بعده حتى يكون ناسخًا له.
ولمَّا صالحهم على ردِّ الرجال كان - ﷺ - يُمكِّنهم أن يأخذوا مَن أتى إليه منهم، ولا يُكرهه على العَود ولا يأمره به. وكان إذا قتل منهم أو أخذ مالًا، وقد فصل عن يده ولمَّا يَلحقْ بهم، لم ينكر عليه ذلك ولم يَضْمنه لهم، لأنه ليس تحت قهره ولا في قبضته ولا أمره بذلك، ولم يَقتضِ عقدُ الصلح الأمانَ على النفوس والأموال إلا ممَّن هو تحت قهره وفي قبضته، كما ضَمِن لبني جُذَيمة ما أتلفه عليهم خالد من نفوسهم وأموالهم، وأنكره وتبرَّأ منه. ولمّا
_________________
(١) كذا في الأصول، والوجه ــ كما في المطبوع ــ: «من هاتين الآيتين»، وهما العاشرة والحادية عشرة من سورة الممتحنة.
(٢) ص، ز، ج، ن: «علم وحكمة».
[ ٣ / ١٦٧ ]
فصل: مصالحة النبي - ﷺ - أهل خيبر، والأحكام المستفادة منها
كان خالد إنما قتلهم متأوِّلًا، وكان غزوهم بأمر النبي - ﷺ - (^١)، ضَمِنهم بنصف دياتهم لأجل التأويل والشبهة، وأجراهم في ذلك مجرى أهل الكتاب الذين قد عصموا نفوسهم وأموالهم بعقد الذمة ولم يدخلوا في الإسلام.
ولم يقتض عقدُ الصلح أن ينصرهم على من حاربهم ممن ليس في قبضة النبي - ﷺ - وتحت قهره، فكان في هذا دليل على أن المعاهدين إذا غزاهم قوم ليسوا تحت قهر الإمام وفي يده وإن كانوا من المسلمين= أنه لا يجب على الإمام ردُّهم عنهم، ولا منعهم من ذلك، ولا ضمان ما أتلفوه عليهم.
وأخذ الأحكام المتعلقة بالحرب ومصالحِ الإسلام وأهله وأمورِ السياسات الشرعية من سِيَره ومغازيه أولى من أخذها من آراء الرجال؛ فهذا لون، وتلك لون، وبالله تعالى التوفيق.
فصل
وكذلك صالح أهل خيبر لمّا ظهر عليهم على أن يُجليهم منها، ولهم ما حملت ركابُهم، ولرسول الله - ﷺ - الصفراءُ والبيضاءُ والحَلَقةُ وهي السلاح.
واشترط في عقد الصلح أن لا يكتموا ولا يُغيِّبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمةَ لهم ولا عهد، فغيَّبوا مَسْكًا فيه مال وحلي لحُيَي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله - ﷺ - لعمِّ حيي بن أخطب ــ واسمه سَعْية ــ: «ما فعل مَسْك حُيَي الذي جاء به من النضير؟»، فقال:
_________________
(١) ج، ن، المطبوع: «ولما كان إصابته لهم عن نوع شبهة إذ لم يقولوا: أسلمنا وإنما قالوا: صبأنا فلم يكن إسلامًا صريحًا». وكذا كان في ص ثم ضرب عليه الناسخ وكتب المثبت في الهامش مصححًا عليه.
[ ٣ / ١٦٨ ]
أذهبته النفقات والحروب، فقال: «العهد قريب، والمال أكثر من ذلك»، وقد كان حُيَيٌّ قُتل مع بني قريظة لما دخل معهم، فدفع رسول الله - ﷺ - عمَّه (^١) إلى الزبير ليستقرَّه (^٢)، فمسَّه بعذاب، فقال: قد رأيتُ حُيَيًّا يطوف في خِربةٍ هاهنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المَسْك في الخربة (^٣).
فقتل رسول الله - ﷺ - ابنَي أبي الحقيق، أحدُهما زوجُ صفية بنتِ حُيَيِّ بنِ أخطب، وسبى نساءهم وذراريَّهم، وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا، وأراد أن يجليهم من خيبر فقالوا: دَعْنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم؛ ولم يكن لرسول الله - ﷺ - ولا لأصحابه غِلمان يكفونهم مُؤنتها، فدفعها إليهم على أنَّ لرسول الله - ﷺ - الشطرَ من كل شيءٍ يخرج منها من ثمرٍ أو زرع ولهم الشطر، وعلى أن يُقرَّهم فيها ما شاء.
ولم يَعُمَّهم بالقتل كما عمَّ قريظةَ لاشتراك أولئك في نقض العهد. وأما هؤلاء، فالذين عَلِموا بالمَسْك وغيَّبوه وشرطوا له أنه إن ظهر فلا ذمةَ لهم ولا عهد، قَتَلهم بشرطهم على أنفسهم، ولم يتعدَّ ذلك إلى سائر أهل خيبر، فإنه معلوم قطعًا أن جميعهم لم يعلموا بمسك حُيَيٍّ وأنه مدفون في خِربة، فهذا نظير الذمي أو المعاهد إذا نقض العهدَ ولم يمالئه عليه غيرُه، فإن حكم
_________________
(١) «عمَّه» سقط من م، ق، ب، ث.
(٢) م، ق، ب، ث: «يستقرُّه» دون اللام. والمعنى: ليسأله الإقرار وليجعله يُقرّ. ولم أجده في المعاجم بهذا المعنى، وقد استعمله المؤلف أيضًا في «الطرق الحكمية» (١/ ١٠٧)، وابنُ كثير في «البداية والنهاية» (١٤/ ٢٦٠، ٣١٢). وانظر: «تكملة المعاجم» لدُوزي (٨/ ٢٠٧).
(٣) سيأتي الخبر (ص ٣٨٨) مطوَّلًا في «فصل في غزوة خيبر»، وثَمَّ تخريجه.
[ ٣ / ١٦٩ ]
النقض يختصُّ به.
ثم في دَفْعِه إليهم الأرضَ على النصفِ دليلٌ ظاهر على جواز المساقاة والمزارعة، وكونُ الشجر نخلًا لا أثر له البتة، فحكم الشيء حكمُ نظيره؛ فبلدٌ شجرُهم الأعنابُ والتينُ وغيرُهما من الثمار في الحاجة إلى ذلك حكمُه حكمُ بلدٍ شجرُهم النخلُ سواءً ولا فرق.
وفي ذلك دليل على أنه لا يُشترط كونُ البذر من رب الأرض، فإن رسول الله - ﷺ - صالحهم على الشطر ولم يعطهم بذرًا البتة، ولا كان يرسل إليهم ببذر؛ وهذا مقطوع به من سيرته، حتى قال بعض أهل العلم: إنه لو قيل باشتراط كونه من العامل لكان أقوى من القول باشتراط كونه من رب الأرض، لموافقته لسنَّة رسولِ الله - ﷺ - في أهل خيبر.
والصحيح أنه يجوز أن يكون من العامل وأن يكون من رب الأرض، ولا يُشترط أن يختصَّ به أحدُهما، والذين شرطوه (^١) من رب الأرض ليس معهم حجة أصلًا أكثرَ من قياسهم المزارعةَ (^٢) على المضاربة، قالوا: فكما يُشترط (^٣) في المضاربة أن يكون رأسُ المال من المالك والعملُ من المضارب، فهكذا في المزارعة، وكذلك المساقاة يكون (^٤) الشجر من أحدهما والعمل عليها من الآخر. وهذا القياس إلى أن يكون حجةً عليهم أقربُ منه أن يكون حجةً لهم، فإن في المضاربة يعود رأس المال إلى المالك
_________________
(١) ص، ز، ع: «اشترطوه».
(٢) م، ق، ب، ث: «للمزارعة».
(٣) م، ق، ب، ث: «شُرط»، وفي الأوليين يحتمل: «يُشرَط».
(٤) ق: «ويكون».
[ ٣ / ١٧٠ ]
ويقتسمان الباقي، ولو شُرِط (^١) ذلك في المزارعة فسدت عندهم، فلم يُجْرُوا البذرَ مجرى رأسِ المال، بل أجروه مجرى سائر المُغَلِّ (^٢)، فبَطَل إلحاقُ المزارعة بالمضاربة على أصلهم.
وأيضًا: فإن البذر جارٍ مجرى الماء ومجرى المنافع، فإن الزرع لا يتكوَّن وينمو به وحدَه، بل لا بد من السَّقْيِ والعملِ، والبذرُ يموت في الأرض وينشئ اللهُ (^٣) الزرعَ من أجزاءٍ أُخَرَ تكون معه من الماء والريح والشمس والتراب والعمل، فحكم البذر حكم هذه الأجزاء.
وأيضًا: فإن الأرض نظيرُ رأس المال في القِراض (^٤)، وقد دفعها مالكُها إلى المزارع، وبذرُها وحرثها وسقيها نظيرُ عملِ المضارب؛ وهذا يقتضي أن يكون المُزارع أولى بالبذر من رب الأرض تشبيهًا له بالمضارب، فالذي جاءت به السنة هو الصواب الموافق لقياس الشرع وأصولِه.
وفي القصة دليل على جواز عقد الهدنة مطلقًا من غير توقيتٍ بل ما شاء الإمام، ولم يجئ بعد ذلك ما ينسخ هذا الحكم البتة، فالصوابُ جوازه وصحته، وقد نص عليه الشافعيُّ في رواية المُزَني (^٥)، ونصَّ عليه غيرُه من الأئمة؛ ولكن لا يَنهض إليهم ويحاربهم حتى يُعْلِمَهم على سواءٍ ليستووا هم وهو في العلم بنقض العهد.
_________________
(١) م، ق، ب: «شَرَطا».
(٢) أي الغَلَّة. وفي المطبوع: «البقل»، تحريف.
(٣) لفظ الجلالة ليس في ص، ع. واستُدرك في هامش ز بخط مغاير.
(٤) القراض بلغة أهل الحجاز هو المضاربة.
(٥) انظر: «مختصر المزني» مع شرحه «الحاوي الكبير» للماوردي (١٤/ ٣٥٢).
[ ٣ / ١٧١ ]
وفيها دليل على جواز تقرير (^١) المُتَّهَم بالعقوبة، وأن ذلك من السياسة الشرعية، فإن الله سبحانه كان قادرًا على أن يَدُلَّ رسولَه - ﷺ - على موضع الكنز بطريق الوحي، ولكن أراد أن يسنَّ للأمة عقوبةَ المتَّهمين ويوسِّعَ لهم طرقَ الأحكام رحمةً بهم وتيسيرًا لهم.
وفيها دليل على الأخذ بالقرائن في الاستدلال على صحة الدعوى وفسادها، لقوله - ﷺ - لسَعْية لمَّا ادعى نفاد المال: «العهد قريب، والمال أكثر من ذلك».
وكذلك فعل نبيُّ الله سليمان بن داود في استدلاله بالقرينة على تعيين أمِّ الطفل الذي ذهب به الذئب، وادَّعت كلُّ واحدةٍ من المرأتين أنه ابنها (^٢) واختصما (^٣) في الآخَر، فقضى به داودُ للكبرى، فخرجتا على سليمان فقال: بِمَ قضى بينكما نبيُّ الله؟ فأخبرتاه، فقال: ايتُوني بالسكين أشقُّه بينكما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمُك (^٤) الله، هو ابنها؛ فقضى به لها (^٥)؛ فاستدل بقرينة الرحمة والرأفة التي في قلبها، وعدمِ سماحتها بقتله، وسماحة الأخرى بذلك لتصير أسوتها في فَقْد الولد= على أنه ابن الصغرى.
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «تعزير»، خطأ مخالف للأصول، والمراد: جواز استخراج الإقرار من المتّهم بالعقوبة. وانظر مثل هذه العبارة أيضًا في «بدائع الفوائد» (٣/ ١٠٣٧) و«الطرق الحكمية» (١/ ١٤).
(٢) كذا في الأصول، والمعنى أن الذي بقي ابنها.
(٣) كذا في الأصول، والوجه: «اختصمتا».
(٤) ص، ج، ن: «رحمك»، والمثبت لفظ «الصحيحين».
(٥) م، ق، ب، ث: «للصغرى». والقصة في البخاري (٣٤٢٧، ٦٧٦٩) ومسلم (١٧٢٠) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
[ ٣ / ١٧٢ ]
فلو اتفقت مثلُ هذه القضية (^١) في شريعتنا، فقال أصحاب أحمد والشافعي ومالك: عُمِل (^٢) فيها بالقافة، وجعلوا القافةَ سببًا لترجيح المدعي للنسب رجلًا كان أو امرأةً. قال أصحابنا: وكذلك لو وَلَدتْ مسلمة وكافرة ولدَين وادعت الكافرةُ ولدَ المسلمة؛ وقد سئل عنها أحمد فتوقف فيها، فقيل له: ترى القافة؟ فقال: ما أحسنَه (^٣)!
فإن لم توجد قافة وحكم بينهما حاكم بمثل حكمِ سليمانَ لكان صوابًا وكان أولى من القرعة، فإن القرعة إنما يُصار إليها إذا تساوى المدَّعيان من كل وجهٍ ولم يَرْجَحْ أحدُهما على الآخر؛ فلو ترجَّح بيدٍ، أو شاهدٍ واحد، أو قرينةٍ ظاهرة من لوث، أو نكولِ خصمه عن اليمين، أو موافقةِ شاهد الحال لصدقه، كدعوى كلِّ واحد من الزوجين ما يصلح له من قماش البيت وآلاته (^٤)، ودعوى كلِّ واحد من الصانِعَين آلاتِ صَنعته، ودعوى حاسر الرأس عن العمامة عمامةَ من بيده عمامةٌ وهو يشتدُّ عَدْوًا وعلى رأسه أخرى، ونظائر ذلك= قُدِّم ذلك كلُّه على القرعة.
ومن تراجم أبي عبد الرحمن النسائي على قصة سليمان هذه: «باب الحاكم يوهم خلاف الحق ليستعلم به الحق» (^٥). والنبي - ﷺ - لم يقصَّ علينا هذه القصة
_________________
(١) ص، ز، ج، ن: «القصّة».
(٢) م، ق، ب، ث: «يُحكَم».
(٣) م، ق، ب، ث: «أحسنها»، والمثبت موافق للفظ «المغني» (٨/ ٣٨١).
(٤) ص، ز، ن: «والآنية».
(٥) الظاهر أن المؤلف كتبه من حفظه، ولفظه في «السنن الكبرى» مترجمًا به على الحديث (٥٩١٩): «التوسعة للحاكم في أن يقول للشيء الذي لا يفعله: أفعل، ليستبين به الحق». وبنحوه في «المجتبى» على الحديث (٥٤٠٣).
[ ٣ / ١٧٣ ]
لنتخذها سمرًا، بل لنعتبر بها في الأحكام؛ بل الحكم بالقسامة (^١) وتقديم أيمان مدَّعِي القتل هو من هذا استنادًا إلى القرائن الظاهرة، بل ومن هذا رجم الملاعنة إذا التعن الزوج ونكلت عن الالتعان، فالشافعي ومالك يقتلانها بمجرد التعان الزوج ونكولها استنادًا إلى اللوث الظاهر الذي حصل بالتعانه ونُكولها (^٢).
ومن هذا ما شرعه الله سبحانه لنا من قبول شهادة أهل الكتاب على المسلمين في الوصية في السفر وأن أولياء (^٣) الميت إذا اطلعا (^٤) على خيانة من الوصيَّين جاز لهما أن يحلفا ويستحِقَّا ما حلفا عليه، وهذا لَوث في الأموال، وهو نظير اللوث في الدماء وأولى بالجواز منه.
وعلى هذا إذا اطَّلَع الرجلُ المسروقُ مالُه على بعضه في يد خائنٍ معروف بذلك، ولم يتبيَّن أنه اشتراه من غيره، جاز له أن يحلف أن بقية ماله عنده، وأنه صاحب السرقة استنادًا إلى اللوث الظاهر والقرائنِ التي تكشف الأمر وتوضحه. وهو نظير حلف أولياء المقتول في القسامة أنَّ فلانًا قتله سواءً، بل أمر الأموال أسهل وأخفُّ، ولذلك تثبت بشاهد ويمين، وشاهدٍ وامرأتين، ودعوى ونكولٍ؛ بخلاف الدماء. فإذا جاز إثباتها باللوث فإثبات الأموال به بطريق الأولى والأحرى.
والقرآن والسنة يدلان على هذا وهذا، وليس مع من ادعى نسخَ ما دلَّ عليه القرآن من ذلك حجَّةٌ أصلًا، فإن هذا الحكم في سورة المائدة وهي مِن
_________________
(١) م، ق، ب، ث: «في القسامة».
(٢) انظر: «الأم» (٦/ ٧٣٥) و«المدونة» (٦/ ١١٢).
(٣) كذا في الأصول، وفي المطبوع: «ولِيَّي» بالتثنية ليوافق الضمائر الآتية بعدُ.
(٤) ص، ز، ث: «اطلعوا».
[ ٣ / ١٧٤ ]
آخر ما نزل من القرآن، وقد حكم بموجَبِها أصحابُ رسول الله - ﷺ - بعده كأبي موسى الأشعري (^١) وأقرَّه الصحابة.
ومن هذا أيضًا ما حكاه (^٢) الله سبحانه في قصة يوسف من استدلال الشاهد بقرينةِ قدِّ القميص من دُبُرٍ على صدقه وكذبِ المرأة وأنه كان هاربًا مولِّيًا فأدركته المرأة من ورائه فجبذته فقدَّت قميصَه من دبر، فعَلِمَ بعلُها والحاضرون صِدْقَه وقَبِلوا هذا الحكم، وجعلوا الذنبَ لها وأمروها بالتوبة؛ وحكاه الله سبحانه حكاية مُقرِّرٍ له غيرَ منكرٍ.
والتأسي بهذا (^٣) وأمثاله في إقرار الله له وعدمِ إنكاره، لا في مجرد حكايته، فإنه إذا أخبر به مُقِرًّا (^٤) عليه أو مُثْنيًا على فاعله مادحًا له دلَّ على رضاه به وأنه موافِقٌ لحكمه ومرضاته، فليُتدبَّرْ هذا الموضع فإنه نافع جدًّا. ولو تتبَّعنا ما في القرآن والسنة وعملِ رسول الله - ﷺ - وأصحابه من ذلك لطال، وعسى أن نُفرد فيه مصنفًا شافيًا إن شاء الله (^٥).
والمقصود: التنبيه على هديه واقتباس الأحكام من سيرته ومغازيه ووقائعه صلوات الله وسلامه عليه.
ولمَّا أقرَّهم في الأرض كان يبعث كل عام مَن يخرص عليهم الثمار
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٦٠٥) والطبري (٩/ ٧٧، ٧٨) والدارقطني (٤٣٤١) والحاكم (٢/ ٣١٤) من طريقين عن أبي موسى. وصححه الحافظ في «الفتح» (٥/ ٤١٢).
(٢) م، ق، ب، ث: «حكى».
(٣) ج، ن: «بذلك».
(٤) ص، ج، ن: «مقرِّرًا»
(٥) ولعله: «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية»، وهو مطبوع.
[ ٣ / ١٧٥ ]
فصل: هديه - ﷺ - في عقد الذمة وأخذ الجزية
فينظر: كم يجيءُ منها، فيضمِّنهم نصيبَ المسلمين ويتصرفون (^١) فيها، وكان يكتفي بخارص واحد.
ففي هذا دليل على جواز خرص الثَّمَر البادي كثمر النخل، وعلى جواز قسمة الثمار خرصًا على رؤوس النخل ويصير نصيبُ أحد الشريكين معلومًا وإن لم يتميز بعدُ لمصلحة النماء (^٢)، وعلى أن القسمة إفراز (^٣) لا بيع، وعلى جواز الاكتفاء بخارصٍ واحد وقاسم واحد، وعلى أن لِمن الثمار في يديه أن يتصرف فيها بعد الخرص ويَضْمنَ نصيبَ شريكه الذي خرص عليه.
فلما كان في زمن عمر ذهب عبدُ الله ابنُه إلى ماله بخيبر، فعَدَوا عليه وألقَوه من فوق بيتٍ ففكُّوا يده، فأجلاهم عمر منها إلى الشام، وقسمها بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية (^٤).
فصل
وأما هديه في عقد الذمة وأهلِ الجزية، فإنه لم يأخذ من أحد من الكفار جزيةً إلا بعد نزول (براءة) في السنة الثامنة من الهجرة، فلما نزلت آية الجزية أخذها من المجوس، وأخذها من أهل الكتاب، فأخذها من النصارى، وبعث معاذًا إلى اليمن فعقد لمن لم يُسْلِم مِن يهودها الذمةَ وضرب عليهم الجزية.
_________________
(١) م، ق، ب، ث، ج: «ويتصرّفوا».
(٢) م، ق، ب: «الثمار»، تحريف، والراء فيها محرّفة عن واو العطف الآتية، ولذا سقطت من هذه الأصول.
(٣) م، ب، ع: «إقرار»، تصحيف. والإفراز: أي فرز نصيب كلِّ شريكٍ وعزلُه ومَيزُه عن نصيب غيره.
(٤) أخرجه أحمد (٩٠) والبخاري (٢٧٣٠) من حديث نافع عن ابن عمر. وانظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٥٧).
[ ٣ / ١٧٦ ]
ولم يأخذها من يهود خيبر، فظنَّ بعضُ الغالطين المخطئين أن هذا حكم مختصٌّ بأهل خيبر، وأنه لا تؤخذ منهم جزية وإن أُخِذت من سائر أهل الكتاب. وهذا من عدم فقهه في السيَّر والمغازي، فإن رسول الله - ﷺ - قاتلهم وصالحهم على أن يُقرَّهم في الأرض ما شاء ولم تكن الجزية نزلت بعدُ، فسبق عقدُ صلحهم وإقرارِهم في أرض خيبر نزولَ الجزية، ثم أمره الله سبحانه أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون (^١)، فلم يدخل في هذا يهود خيبر إذ ذاك، لأن العقد كان قد تمَّ (^٢) بينه وبينهم على إقرارهم وأن يكونوا عُمَّالًا في الأرض بالشطر، فلم يطالبهم بشيءٍ غيرِ ذلك، وطالب سواهم من أهل الكتاب مِمَّن لم يكن بينه وبينهم عقد كعقدهم بالجزية، كنصارى نجران ويهودِ اليمن وغيرهم. فلمّا أجلاهم عمر إلى الشام تغير ذلك العقد الذي تضمَّن إقرارَهم في أرض خيبر، وصار لهم حكم غيرهم من أهل الكتاب.
ولما كان في بعض الدول التي خفيت فيها السنةُ وأعلامُها أظهر منهم طائفةٌ كتابًا قد عَتَّقُوه وزوَّرُوه، وفيه أن النبي - ﷺ - أسقط عن أهل خيبر الجزية، وفيه شهادة علي بن أبي طالب وسعدِ بن معاذ وجماعةٍ من الصحابة، فراج ذلك على من جهل سنةَ رسولِ الله - ﷺ - ومغازيه وسيره، وتوهَّمُوا بل ظنُّوا صحتَه، فأُجِيزُوا (^٣) على حكم هذا الكتاب المزوَّر، حتى أُلقِي إلى
_________________
(١) «عن يد وهم صاغرون» من ص، ز، ع. وسقط من سائر الأصول.
(٢) ث، النسخ المطبوعة: «قديمًا»، تحريف.
(٣) م، ق، ب، ث: «فأُجرُوا».
[ ٣ / ١٧٧ ]
شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدس الله روحه (^١) ــ وطُلِب منه أن يعين على تنفيذه والعمل به، فبصق عليه واستدل على كذبه بعشرة أوجه (^٢)، منها: أن فيه شهادة سعد بن معاذ، وسعدٌ توفي قبل خيبر قطعًا.
ومنها: أن في الكتاب أنه أسقط عنهم الجزية، والجزيةُ لم تكن نزلت بعدُ ولا يعرفها الصحابةُ حينئذ، فإن نزولها كان عامَ تبوكٍ بعد خيبر بثلاثة أعوام.
ومنها: أنه أسقط عنهم الكُلَف والسُّخَر (^٣)، وهذا محال؛ فلم يكن في عهد النبي - ﷺ - (^٤) كُلَف ولا سُخَر تؤخذ منهم ولا من غيرهم، وقد أعاذه الله وأعاذ أصحابه من أخذ الكُلَف والسُّخَر، وإنما هي من وضع الملوك الظَّلَمة واستمرَّ الأمرُ عليها.
ومنها: أن هذا الكتاب لم يذكره أحدٌ من أهل العلم على اختلاف أصنافهم، فلم يذكره أحدٌ من أهل المغازي والسير، ولا أحدٌ من أهل الحديث والسنة، ولا أحدٌ من أهل الفقه والإفتاء، ولا أحدٌ من أهل التفسير؛ ولا أظهروه في زمان السلف لعلمهم أنهم إن زوَّرُوا (^٥) مثلَ ذلك عرفوا كذبَه
_________________
(١) «ابن تيمية قدس الله روحه» ليس في م، ق، ب، ث.
(٢) وكان ذلك سنة إحدى وسبعمائة، كما نقله المؤلف في «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٦٩ - طبعة الرمادي) من لفظ شيخ الإسلام وحكايته. وكذا ذكر العشرة أوجهٍ كاملةً فيه (١/ ٩١ - ٩٤) وفي «المنار المُنيف» (ص ٩٢ - ٩٤).
(٣) جمع كُلفة وسُخْرة، وهي ما يُكلَّفون به من الأعمال أو الضرائب وما يُسخَّرُون به من الأعمال بلا أجر.
(٤) ج، ن: «في زمانه». ع: «في زمن رسول الله - ﷺ -».
(٥) م، ق، ب: «إن رَوَوا».
[ ٣ / ١٧٨ ]
فصل: أصناف الكفار الذين تؤخذ منهم الجزية
وبُطلانَه، فلما استرقُّوا (^١) بعضَ الدول في وقت فتنةٍ وخفاءِ بعض السنة زوَّروا ذلك وعَتَّقوه وأظهروه، وساعدهم على ذلك طمعُ بعض الخائنين لله ولرسوله، ولم يستمر لهم ذلك حتى كشف الله أمره وبيَّن خلفاءُ الرسل بطلانه وكذبه (^٢).
فصل
فلما نزلت آية الجزية أخذها من ثلاث طوائف: من المجوس واليهود والنصارى، ولم يأخذها من عباد الأصنام؛ فقيل: لا يجوز أخذها من كافرٍ غير هؤلاء ومن دان بدينهم، اقتداءً بأخذه وتركه. وقيل: بل تؤخذ من أهل الكتاب وغيرهم من الكفار (^٣) كعبدة الأصنام من العجم دون العرب. والأول قول الشافعي وأحمد في إحدى روايتيه، والثاني قول أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى (^٤).
وأصحاب القول الثاني يقولون: إنما لم يأخذها من مشركي العرب لأنها إنما نزل فرضها بعد أن أسلمت دارة العرب ولم يبق فيها مشرك، فإنها نزلت بعد فتح مكة ودخولِ العرب في دين الله أفواجًا، فلم يبق بأرض العرب مشرك، ولهذا غزا بعد الفتح تبوك وكانوا نصارى، ولو كان بأرض العرب مشركون لكانوا يلونه وكانوا أولى بالغزو من الأبعدين.
_________________
(١) أي: وجدوها في حال الرقَّة والضعف، ولم أجد من نصّ من أهل اللغة على هذا المعنى للكلمة. وغُيِّر في المطبوع إلى: «استخفُّوا».
(٢) م، ق، ب، ث، ع: «كذبه وبطلانه».
(٣) «من الكفار» سقط من م، ق، ب، ث.
(٤) انظر: «الأم» (٥/ ٤٠٢ - ٤٠٣)، و«الإنصاف» (١٠/ ٣٩٤)، و«المبسوط» (١٠/ ٧).
[ ٣ / ١٧٩ ]
ومن تأمل السيرة وأيام الإسلام عَلِم أن الأمر كذلك، فلم تؤخذ منهم الجزيةُ لعدم من تؤخَذ منه منهم (^١)، لا لأنهم (^٢) ليسوا من أهلها.
قالوا: وقد أخذها من المجوس وليسوا بأهل كتاب، ولا يصح أنه كان لهم كتاب ورُفِع، وهو حديث لا يثبت مثله ولا يصحُّ سنده (^٣). ولا فرق بين عُبَّاد النار وعُبَّاد الأصنام، بل أهل الأوثان أقرب حالًا من عباد النار وكان فيهم من التمسك بدين إبراهيم ما لم يكن في عباد النار، بل عباد النار أعداء إبراهيم الخليل؛ فإذا أُخِذت منهم الجزية فأخذُها من عباد الأصنام أولى، وعلى ذلك تدل سنة رسول الله - ﷺ - كما ثبت عنه في «صحيح مسلم» (^٤) أنه قال: «إذا لقيتَ عدوَّك من المشركين فادعهم إلى إحدى خلال ثلاثٍ، فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكُفَّ عنهم » ثم أمره أن يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية أو يقاتلهم.
وقال المغيرةُ لعامل كسرى: أمرنا نبيُّنا أن نُقاتلَكم حتى تعبدوا الله أو تُؤَدُّوا الجزية (^٥).
_________________
(١) «منهم» سقطت من النسخ المطبوعة. والمعنى: لعدم من تؤخذ منه الجزيةُ من مشركي العرب.
(٢) م، ق، ب: «لا أنهم».
(٣) أخرجه الشافعي في «الأم» (٥/ ٥٨٣) وفي «اختلاف الحديث» (١٠/ ١١٨) ــ ومن طريقه البيهقي (٩/ ١٨٨ - ١٨٩) ــ وعبد الرزاق (١٠٠٢٩) وأبو يعلى (٣٠١) من حديث علي موقوفًا عليه. وإسناده واه، فيه أبو سعد سعيد المرزُبان، وهو ضعيف منكر الحديث.
(٤) برقم (١٧٣١) من حديث بُريدة بن الحُصيب - ﵁ -.
(٥) أخرجه البخاري (٣١٥٩).
[ ٣ / ١٨٠ ]
فصل: مصالحة أكيدر دومة وأهل نجران وأهل اليمن على الجزية
وقال النبي - ﷺ - لقريش: «هل لكم في كلمةٍ (^١) تَدِين لكم بها العربُ وتؤدي العجمُ إليكم الجزية؟»، قالوا: وما هي؟ قال: «لا إله إلا الله» (^٢).
فصل
ولما كان في مرجعه من تبوك أخذت خيلُه أُكَيدِرَ دومةَ (^٣) فصالحه على الجزية وحقن له دمه.
وصالح أهلَ نجران من النصارى على أَلفَي حُلَّة ــ النصف في صَفَر والبقية في رجب ــ يؤدونها إلى المسلمين، وعاريةِ ثلاثين درعًا وثلاثين فرسًا وثلاثين بعيرًا وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها ــ والمسلمون ضامنون لها حتى يردُّوها عليهم ــ إن كان باليمن كيدٌ أو غَدْرة؛ على أن لا تُهدَم لهم بِيعة، ولا يُخرَج لهم قَسٌّ، ولا يفتنوا عن دينهم؛ ما لم يُحدِثُوا حدثًا أو يأكلوا الربا (^٤).
_________________
(١) م، ق، ب: «خَلّةٍ». والمثبت هو لفظ مصادر التخريج.
(٢) أخرجه أحمد (٢٠٠٨، ٣٤١٩) والترمذي وقال: حسن صحيح (٣٢٣٢) والنسائي في «الكبرى» (٨٧١٦) وابن حبان (٦٦٨٦) والحاكم (٢/ ٤٣٢) من حديث ابن عباس بنحوه. وفي إسناده ضعف لجهالة أحد رواته، ولكن له شاهد عند الطبري (٩/ ٤٨١) من حديث السُّدِّي عن أشياخه بنحوه وفيه: «ودانت لكم بها العجم بالخراج».
(٣) أكيدِرُ دومةَ هو: أكيدِر بن عبد الملك الكندي، ملكُ دومةِ الجندل، وكان نصرانيًّا. وسيأتي خبره بالتفصيل (ص ٦٧٦).
(٤) أخرجه أبو داود (٣٠٤١) ــ ومن طريقه الضياء في «المختارة» (٩/ ٥٠٨) ــ من حديث السُّدِّي عن ابن عبّاس. وفي سماع السدي من ابن عباس نظر، ولكن له شواهد من مرسل الشعبي مختصرًا عند ابن أبي شيبة (٣٨١٧٠)، ومرسل الزهري عند البلاذري في «فتوح البلدان» (ص ٨٥)، ومرسل عمرو بن دينار مختصرًا عند الفاكهي في «أخبار مكة» (٢٩١٨). وأخرجه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٨٥ - ٣٨٩) من رواية يونس بن بكير عن سلمة بن عبد يشوع ــ وكان نصرانيًّا فأسلم ــ عن أبيه عن جدّه مطوّلًا، وسيأتي بتمامه في فصل الوفود في آخر الجزء.
[ ٣ / ١٨١ ]
وفي هذا دليل على انتقاض عهد أهل الذمة بإحداث الحدث، وأكل الربا إذا كان مشروطًا عليهم.
ولما وجَّه معاذًا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل محتلمٍ دينارًا أو قيمته من المَعافِر، وهي ثياب تكون باليمن (^١).
وفي هذا دليل على أن الجزية غيرُ مقدَّرةِ الجنس ولا القدرِ، بل يجوز أن تكون ذهبًا وثيابًا وحُلَلًا، وتزيد وتنقص بحسب حاجة المسلمين واحتمالِ من تؤخذ منه وحاله في المَيْسرة (^٢) وما عنده من المال.
ولم يفرق رسولُ الله - ﷺ - ولا خلفاؤه في الجزية بين العرب والعجم، بل أخذها رسولُ الله - ﷺ - من نصارى العرب، وأخذها من مجوس هَجَر وكانوا عربًا؛ فإن العرب أمة ليس لها في الأصل كتاب، وكانت كل طائفة تدين بدين من جاورها من الأمم، فكانت عرب البحرين مجوسًا لمجاورتها فارس، وتَنُوخ وبَهْراء (^٣) وبنو تغلب نصارى لمجاورتهم للروم، وكانت قبائل من
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٢٠١٣، ٢٢٠٣٧) وأبو داود (١٥٧٦) والترمذي (٦٢٣) والنسائي (٢٤٥٠ - ٢٤٥٢) وابن خزيمة (٢٢٦٨) وابن حبان (٤٨٨٦) والحاكم (١/ ٣٩٨) من حديث مسروق عن معاذ. وقد روي مرسلًا إلا أن وصله صحيح. انظر: «العلل» للدارقطني (٩٨٥).
(٢) م، ق، ب: «حالة الميسرة». ث: «حال الميسرة».
(٣) المطبوع: «بهرة»، خطأ.
[ ٣ / ١٨٢ ]
اليمن يهود لمجاورتهم ليهود اليمن؛ فأجرى النبي - ﷺ - أحكامَ الجزية ولم يعتبر آباءَهم، ولا متى (^١) دخلوا في دين أهل الكتاب: هل كان دخولهم قبل النسخ والتبديل أو بعده؟ ومن أين يُعرَف ذلك؟! وكيف ينضبط؟ وما الذي دل عليه؟ وقد ثبت في السير والمغازي (^٢) أن من الأنصار مَن تهوَّد أبناؤهم بعد النسخ بشريعة عيسى، وأراد آباؤهم إكراهَهم على الإسلام فأنزل الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
وفي قوله لمعاذ: «خذ من كل حالم دينارًا» دليل على أنها لا تؤخذ من صبي ولا امرأة.
فإن قيل: فكيف تصنعون بالحديث الذي رواه عبد الرزاق في «مصنفه» وأبو عبيد في «الأموال» (^٣)
أن النبي - ﷺ - أمر معاذ بن جبل أن يأخذ من
_________________
(١) م، ق، ب: «من».
(٢) بل وأيضًا عند أبي داود (٢٦٨٢) والنسائي في «الكبرى» (١٠٩٨٢) وابن حبّان (١٤٠) عن ابن عباس بإسناد صحيح. وانظر: «تفسير الطبري» (٤/ ٥٤٦ - ٥٥٠).
(٣) أما رواية عبد الرزاق (١٠٠٩٩) فعن معمر عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق مرسلًا، قال عبد الرزاق: كان معمر يقول: هذا غلط قوله: «حالمة»، ليس على النساء شيء. هذا، وقد خالف سفيان الثوري وغيرُ واحدٍ معمرًا، فرووه عن الأعمش ولم يذكروا فيه «حالمة» أصلًا. وأما رواية أبي عبيد في «الأموال» (٦٧، ٦٨) فعن الحكم بن عُتَيبة منقطعًا معضلًا، وعن عروة بن الزبير مرسلًا بإسناد ضعيف فيه ابن لَهِيعة. قال أبو عبيد: «فنرى ــ والله أعلم ــ أن المحفوظ المثبت من ذلك هو الحديث الذي لا ذكر للحالمة فيه، لأنه الأمر الذي عليه المسلمون، وبه كتب عمر إلى أمراء الأجناد ».
[ ٣ / ١٨٣ ]
اليمن (^١) الجزيةَ من كل حالمٍ أو حالمةٍ ــ زاد أبو عبيد: عبدًا أو أمةً ــ دينارًا أو قيمته مَعافري؟ فهذا فيه أخذها من الرجل والمرأة والحر والرقيق.
قيل: هذا لا يصح وصلُه وهو منقطع، وهذه الزيادة مختلَف فيها، لم يذكرها سائر الرواة، ولعلها من تفسير بعض الرواة. وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (^٢) وغيرهم هذا الحديث فاقتصروا على قوله: «أمره أن يأخذ من كلِّ حالمٍ دينارًا»، ولم يذكروا هذه الزيادة.
وأكثر من أخذ منهم النبي - ﷺ - الجزيةَ العربُ من النصارى واليهود والمجوس، ولم يكشف عن أحدٍ منهم: متى دخل في دينه؟ وكان يعتبرهم بأديانهم لا بآبائهم.
فصل
في ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقين
من حين بُعث (^٣) إلى حين لقي الله ﷿
أول ما أوحى إليه ربُّه ﵎ أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك أول (^٤) نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ، ثم أنزل عليه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر ١ - ٢]، فنبَّأه بقوله: ﴿اقْرَأْ﴾ وأرسله بـ: ﴿يَاأَيُّهَا
_________________
(١) ج: «أهل اليمن».
(٢) كذا، وأصل الحديث وإن كان أخرجه ابن ماجه (١٨٠٣، ١٨١٨) ولكن ليس فيه ذكر للجزية ولا قدرها. وقد سبق تخريجه من سائر المصادر.
(٣) «من حين بعث» ساقط من ص، ز.
(٤) ز، ع: «في أول».
[ ٣ / ١٨٤ ]
الْمُدَّثِّرُ﴾ ثم أمره أن يُنذر عشيرتَه الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حولهم من العرب، ثم أنذر العرب قاطبةً، ثم أنذر العالمين؛ فأقام بضع عشرة سنةً بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية، ويُؤمر بالكف والصبر والصفح.
ثم أذن له في الهجرة وأذن له في القتال، ثم أمره أن يُقاتِل من قاتله ويكفَّ عمن اعتزله ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كلُّه لله.
ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة، وأهل حرب، وأهل ذمة؛ فأُمِر أن يُقيم لأهل العهد (^١) والصلح بعهدهم، وأن يُوْفِي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانةً نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يُعلِمهم بنبذ العهد، وأمر أن يقاتل من نقض عهده. ولما نزلت سورة براءة نزلت ببيان هذه الأقسام كلِّها، فأمره فيها أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام، وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين والغِلظة عليهم؛ فجاهَدَ الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان.
وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم إليهم، وجَعَل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام:
- قسمًا أمره بقتالهم، وهم الذين نقضوا عهده ولم يستقيموا له، فحاربهم وظهر عليهم.
- وقسمًا لهم عهد مؤقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه، فأمره أن يتم لهم عهدهم (^٢) إلى مدتهم.
_________________
(١) م، ق، ب، ث، ع، هامش ص، هامش ز: «العقد».
(٢) م، ق: «عدّتهم»، تصحيف.
[ ٣ / ١٨٥ ]
- وقسمًا لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه، أو كان لهم عهد مطلق، فأمره أن يؤجِّلَهم أربعةَ أشهر، فإذا انسلخت قاتلهم، وهي الأشهر الأربعة المذكورة في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]، وهي الحُرُم المذكورة في قوله: ﴿الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥]، فالحُرُم هاهنا: هي أشهر التسيير (^١)، أوَّلُها: يوم الأذان وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو يوم الحج الأكبر الذي وقع فيه التأذين بذلك، وآخرها: العاشر من ربيع الآخر.
وليست هي الأربعة المذكورة في قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، فإن تلك واحدٌ فرد وثلاثةٌ سرد: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم؛ ولم يُسيِّر المشركين في هذه الأربعة، فإن هذا لا يمكن لأنها غير متوالية، وهو إنما أجَّلهم أربعةَ أشهرٍ ثم أمره بعد انسلاخها أن يقاتِلهم فقاتَل الناقضَ لعهده، وأجَّلَ من لا عهد له أو له عهد مطلق أربعةَ أشهرٍ، وأمره أن يُتمَّ للموفي بعهده عهدَه إلى مدته، فأسلم هؤلاء كلُّهم ولم يُقيموا على كفرهم إلى مدتهم، وضرب على أهل الذمة الجزية.
فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول (براءة) على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة؛ ثم آلت حالُ أهل العهد والصلح إلى الإسلام، فصاروا معه قسمين: محارِبين وأهلَ ذمة، والمحاربون له خائفون منه؛ فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب.
_________________
(١) أي «التي سيَّر اللهُ فيها المشركين في الأرض يأمنون فيها»، كما سيأتي في كلام المؤلف (ص ٤٧٣).
[ ٣ / ١٨٦ ]
فصل: سيرة النبي - ﷺ - مع أوليائه وحزبه وعصاة المسلمين
وأما سيرته في المنافقين، فإنه أُمِر أن يقبل منهم علانيتهم وَيكِلَ سرائرهم إلى الله، وأن يجاهدهم بالعلم والحجة، وأُمر أن يُعرِض عنهم ويغلُظَ عليهم، وأن يبلُغَ بالقول البليغ إلى نفوسهم، ونُهِي أن يُصلِّي عليهم وأن يقوم على قبورهم، وأُخبِر أنه إن استغفر لهم أو لم يستغفر لهم (^١) فلن يغفر الله لهم؛ فهذه سيرته في أعدائه من الكفار والمنافقين.
فصل
وأما سيرته مع أوليائه وحزبه، فأُمِر أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيِّ يريدون وجهه، وأن لا تَعدُوَ عيناه عنهم، وأُمِرَ أن يعفو عنهم ويستغفرَ لهم ويشاورَهم في الأمر، وأن يصليَ عليهم.
وأُمِر بهجر من عصاه وتخلَّف عنه حتى يتوبَ ويُراجعَ طاعته، كما هَجَر الثلاثة الذين خُلِّفوا.
وأُمِر أن يقيم الحدود على من أتى موجِباتها منهم، وأن يكونوا في ذلك عنده سواءً شريفُهم ودنيئُهم.
وأُمِر في دفع عدوه من شياطين الإنس، بأن يدفع بالتي هي أحسن فيقابِلَ إساءةَ من أساء إليه بالإحسان، وجهلَه بالحلم، وظُلمَه بالعفو، وقطيعته بالصلة؛ وأُخبِر (^٢) أنه إن فعل ذلك عاد عدوُّه كأنه ولي حميم. وأُمِر في دفع عدوِّه من شياطين الجن بالاستعاذة بالله منهم. وجَمَع له هذين الأمرين في ثلاثة مواضع
_________________
(١) «أو لم يستغفر لهم» ساقط من المطبوع.
(٢) المثبت من ز، ج. وفي سائر الأصول: «وأخبره».
[ ٣ / ١٨٧ ]
من القرآن: في سورة الأعراف، والمؤمنين (^١)، وسورة حم السجدة؛ فقال في سورة الأعراف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، فأمَرَه باتقاء شرِّ الجاهلين بالإعراض عنهم، وباتقاء شرِّ الشيطان بالاستعاذة منه.
وجمع له في هذه الآية مكارمَ الأخلاق والشِّيَم كلَّها، فإن ولي الأمر له مع الرعية ثلاثة أحوال: فإنه لا بد له من حقٍّ عليهم يلزمهم القيام به، وأمرٍ يأمرهم به، ولا بد من تفريطٍ وعدوان يقع منهم في حقه؛ فأُمِر بأن يأخذ من الحق الذي عليهم ما طوَّعت به أنفسهم وسمحت به، وسَهُل عليهم ولم يشق، وهو العفو الذي لا يلحقهم ببذله ضررٌ ولا مشقة؛ وأُمِر أن يأمرهم بالعُرْف وهو المعروف الذي تعرفه العقول السليمة والفِطَر المستقيمة وتقرُّ بحسنه ونفعه، وإذا أمر به يأمر به بالعُرف أيضًا لا بالعُنْف والغِلظة، وأُمِر أن يُقابِل جهل الجاهلين منهم بالإعراض عنه دون أن (^٢) يقابله بمثله، فبذلك يكتفي شرهم.
وقال في سورة المؤمنين: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾.
_________________
(١) كذا في الأصول، وقد سبق مثله في المجلدين الأول (ص ٢٣٣) والثاني (ص ٥٣٦). وفي المطبوع: «المؤمنون»، وهو المشهور رفعًا على الحكاية.
(٢) م، ق، ب: «من»، خطأ.
[ ٣ / ١٨٨ ]
وقال تعالى في سورة حم السجدة (^١): ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
فهذه سيرته مع أهل الأرض إنسِهم وجنِّهم، مؤمنهم وكافرهم (^٢).
* * *
_________________
(١) هي سورة فُصِّلت.
(٢) هنا انتهت نسخة «عَمجه زاده حسين» المرموز لها بـ (ج). وتبدأ بعده نسخة الظاهرية المرموز لها بـ (د).
[ ٣ / ١٨٩ ]
- أول لواء عقده رسول الله - ﷺ - لحمزة، بعثه ليعترض عيرا لقريش
فصل: سرية عبيدة بن الحارث بن المطلب إلى بطن رابغ
فصل
في سياق مغازيه وبعوثه على وجه الاختصار (^١)
وكان أولُ لواءٍ عقده رسول الله - ﷺ - لحمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان على رأس سبعةِ أشهرٍ من مُهاجَره، وكان لواءً أبيض، وكان حامله أبا مَرْثَدٍ كَنَّاز بن الحُصَين الغَنَوي حليفَ حمزة، وبعثه في ثلاثين رجلًا من المهاجرين خاصةً يعترض عِيرًا لقريش جاءت من الشام، وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل، فبلغوا سِيفَ البحر (^٢) من ناحية العِيص (^٣) فالتقوا واصطفوا للقتال، فمشى مَجْديُّ بن عمرٍو الجُهَني ــ وكان حليفًا للفريقين جميعًا ــ بين هؤلاء وهؤلاء حتى حجز بينهم ولم يقتتلوا (^٤).
فصل
ثم بعث عُبَيدة بن الحارث بن عبد المُطَّلِب (^٥) في سرية إلى بطن رابغٍ
_________________
(١) قد صَدَر المؤلف في الفصول الآتية إلى آخر فصل غزوة العشيراء من «السيرة النبوية» للدمياطي (ق ٧٨ - ٧٩)، وهو قد نقلها من «طبقات ابن سعد» بتصرف يسير.
(٢) أي: ساحله.
(٣) العيص وادٍ لجُهينة في شمال غرب المدينة، وهو اليوم محافظة تابعة لمنطقة المدينة المنورة، وفيها عدّة قرى.
(٤) «طبقات ابن سعد» (٢/ ٦) من رواية موسى بن عقبة وابن إسحاق والواقدي؛ دخل حديث بعضهم في بعض. وانظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٥٩٥) و«مغازي الواقدي» (١/ ٩) و«الدلائل» للبيهقي (٣/ ٨ - ١٠).
(٥) كذا في الأصول، وهو وهمٌ، والصواب: «بن المطلب» أي: ابن عبد مناف، فهو في طبقة والد النبي - ﷺ - من حيث النسب، وكان أسنَّ من النبي - ﷺ -. انظر: «السير» (١/ ٢٥٦) و«الإصابة» (٧/ ٥٥).
[ ٣ / ١٩٠ ]
فصل: سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرار يعترضون عيرا لقريش
في شوال على رأس ثمانية أشهر من الهجرة، وعقد له لواءً أبيض، وحمله مِسْطَح بن أُثاثة بن المطلب بن عبد مَناف (^١)، وكانوا في ستِّين (^٢) من المهاجرين ليس فيهم أنصاري؛ فلقي أبا سفيان بن حرب ــ وهو في مائتين ــ على بطن رابغٍ على عشرة أميال من الجحفة فكان بينهم الرمي، ولم يَسُلُّوا السيوفَ ولم يصطفُّوا للقتال وإنما كانت مناوشةً، وكان سعد بن أبي وقاص فيهم وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، ثم انصرف الفريقان على حاميتهم (^٣).
قال ابن إسحاق: وكان على القوم عكرمة بن أبي جهل، وقدَّم سرية عبيدة على سرية حمزة.
فصل
ثم بعث سعد بن أبي وقاص إلى الخَرَّار (^٤) في ذي القعدة على رأس تسعة أشهر، وعقد له لواءً أبيض وحمله المقدادُ بن عمرو، وكانوا عشرين
_________________
(١) كذا سياق النسب في الأصول تبعًا لـ «سيرة الدمياطي» و«طبقات ابن سعد»، وهو صحيح إلا أن أثاثة نُسب فيه إلى جدّه المطلب، فهو أثاثة بن عبَّاد بن المطلب. انظر: «الإصابة» (١٠/ ١٣٩).
(٢) م، ق، ب: «وكانوا ستِّين».
(٣) «طبقات ابن سعد» (٢/ ٦). وانظر خبر السريّة عند عروة بن الزبير (من رواية أبي الأسود عنه) وموسى بن عقبة كما في «الدلائل» (٣/ ٩)، وعند ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٥٩١ - ٥٩٢)، وعند الواقدي في «مغازيه» (١/ ١٠).
(٤) هو وادي الجُحفة وغَدِير خمٍّ، يقع شرق رابغٍ على قرابة (٢٥) كيلًا. انظر: «معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية» للبلادي (ص ١١٢).
[ ٣ / ١٩١ ]
سنة اثنتين
فصل: غزوة الأبواء يعترض عيرا لقريش
راكبًا (^١) يعترضون عِيرًا لقريش، وعهد إليه أن لا يجاوز الخرَّار، فخرجوا على أقدامهم فكانوا يكمنون بالنهار ويسيرون بالليل، حتى صَبَّحوا المكانَ صبيحةَ خمسٍ فوجدوا العِيرَ قد مرَّت بالأمس، والله أعلم (^٢).
فصل
ثم غزا بنفسه غزوة الأبواء، ويقال لها: وَدَّان (^٣)، وهي أول غزوة غزاها بنفسه. وكانت في صفرٍ على رأس اثني عشر شهرًا من مهاجَره، وحمل لواءَه حمزةُ بن عبد المطلب ــ وكان أبيض ــ، واستخلف على المدينة سعدَ بن عبادة، وخرج في المهاجرين خاصةً يعترض عِيرًا لقريش، فلم يلق كيدًا.
وفي هذه الغزوة وادَعَ مَخْشيَّ بن عمروٍ الضَمْري ــ وكان سيد بني ضَمْرة في زمانه ــ على أن لا يغزو بني ضَمْرة، ولا يغزوه ولا يُكثِّروا عليه جمعًا ولا يعينوا عليه عدوًّا، وكتب بينه وبينهم كتابًا. وكانت غيبته خمس عشرة ليلةً (^٤).
_________________
(١) هامش ز: «راجلًا»، وهو يُناسب قوله الآتي: «فخرجوا على أقدامهم». وعند ابن سعد والدمياطي: «في عشرين رجلًا».
(٢) «طبقات ابن سعد» (٢/ ٧). وانظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٦٠٠) و«مغازي الواقدي» (١/ ١١).
(٣) وذلك لتقاربهما، ذكر ابن سعدٍ أن بينهما ستة أميال، وذكر عاتق البلادي في «معالم السيرة» (ص ١٤، ٣٣٢) أن وادي الأبواء (ويسمّى اليوم: وادي الخُرَيبة) إذا انحدر إلى البحر فأنقاض ودّان (وقد اندثرت من زمن بعيد) على يساره.
(٤) «طبقات ابن سعد» (٢/ ٧). وانظر: مغازي ابن إسحاق عند ابن هشام (١/ ٥٩١) والبيهقي في «الدلائل» (٣/ ١٠)، و«مغازي الواقدي» (١/ ١١ - ١٢).
[ ٣ / ١٩٢ ]
فصل: غزوة بواط يعترض عيرا لقريش
فصل: خروج النبي - ﷺ - لطلب كرز بن جابر الفهري
فصل
ثم غزا رسول الله - ﷺ - بُواطَ في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرًا من مُهاجَره، وحمل لواءَه سعدُ بن أبي وقاص ــ وكان أبيض ــ، واستخلف على المدينة سعدَ بن معاذ، وخرج في مائتين من أصحابه يعترض (^١) عيرًا لقريش فيها أمية بن خلف الجمحي ومائة رجل من قريش وألفان وخمسمائة بعير، فبلغ بواطًا (^٢) ــ وهما جبلان فرعان أصلهما واحد من جبال جُهَينة مما يلي طريق الشام، وبين بواط والمدينة نحو أربعة بُرُد (^٣) ــ فلم يلق كيدًا فرجع (^٤).
فصل
ثم خرج على رأس ثلاثة عشر شهرًا من مُهاجَره لطلب كُرْز بن جابر الفِهْري، وحمل لواءَه علي بن أبي طالب ــ وكان أبيض ــ، واستخلف على المدينة زيدَ بن حارثة. وكان كرز قد أغار على سرح المدينة فاستاقه، وكان يرعى بالحِمى (^٥)، فطلبه رسول الله - ﷺ - حتى بلغ واديًا يقال له: سَفْوان من
_________________
(١) ص، د: «معترضًا».
(٢) كذا في الأصول مصروفًا تبعًا لكتاب الدمياطي، وقد سبق في أول الفصل غيرَ منصرف.
(٣) أي ثمانية وأربعين ميلًا (قرابة ٨٠ كيلًا) غرب المدينة. انظر: «معجم معالم الحجاز» للبلادي (ص ٢٣٦).
(٤) «طبقات ابن سعد» (٢/ ٨). وانظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٥٩٨) و«مغازي الواقدي» (١/ ١٢).
(٥) أي كان السَّرْح ــ وهو النَّعَم ــ يرعى بالحِمى حين أغار عليه كرز. وقوله: «بالحمى» هكذا في «السيرة» للدمياطي (ق ٧٩). وفي «طبقات ابن سعد»: «بالجَمَّاء» وفسَّره بأنه جبل ناحية العقيق إلى الجُرف.
[ ٣ / ١٩٣ ]
فصل: غزوة ذي العشيراء يعترض عيرا لقريش فيها أبو سفيان
ناحية بدر (^١)، وفاته كرز فلم يلحقه (^٢)، فرجع إلى المدينة (^٣).
فصل
ثم خرج رسول الله - ﷺ - في جُمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهرًا، وحمل لواءه حمزةُ بن عبد المطلب ــ وكان أبيض ــ، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وخرج في خمسين ومائة ــ ويقال: في مائتين ــ من المهاجرين، ولم يُكره أحدًا على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيرًا يَعتَقِبونها يعترضون عِيرًا لقريش ذاهبةً إلى الشام، وكان قد جاءه الخبرُ بفصولها (^٤) من مكة فيها أموال قريشٍ (^٥)، فبلغ ذا العُشَيرة ــ وقيل: العُشَيراء بالمد، وقيل: العسيرة بالمهملة، وهي بناحية يَنبُعَ (^٦)، وبين ينبع والمدينة تسعة بُرُد ــ فوجد العير قد فاتته بأيام. وهذه هي العير التي خرج في طلبها حين رجعت من الشام، وهي التي وعده الله إياها أو المقاتلةَ وذاتَ الشوكة، ووفى له بوعده.
_________________
(١) ولذا يقال لها: غزوة بدرٍ الأولى.
(٢) ثم أسلم بعدُ وحسن إسلامه، وولَّاه النبي - ﷺ - على السرية التي أرسل إلى العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله - ﷺ -، كما سيأتي (ص ٣٣٦).
(٣) «طبقات ابن سعد» (٢/ ٨). وانظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٦٠١) و«مغازي الواقدي» (١/ ١٢).
(٤) أي بخروجها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾.
(٥) م، ق، ب: «وفيها أموالٌ لقريش»، والمثبت موافق لـ «سيرة الدمياطي».
(٦) أي: ينبع النخل، فهو المراد إذا ذُكر في كتب السيرة لا ينبع البحر.
[ ٣ / ١٩٤ ]
فصل: سرية عبد الله بن جحش الأسدي إلى نخلة
وفي هذه الغزوة وادَعَ بني مُدْلِجٍ وحلفاءَهم من بني ضَمْرة (^١).
قال عبد المؤمن بن خَلَفٍ الحافظ (^٢): وفي هذه الغزوة كَنَى رسول الله - ﷺ - عليًّا أبا تراب.
وليس كما قاله، فإن النبي - ﷺ - إنما كَنَاه أبا تراب بعد نكاحه فاطمة، وكان نكاحُها بعد بدرٍ، فإنه لما دخل عليها وقال: «أين ابنُ عمِّكِ؟» قالت: خرج مغاضبًا، فجاء إلى المسجد فوجده مضطجعًا فيه وقد لصق به التراب، فجعل ينفضه عنه ويقول: «اجلس أبا تراب، اجلس أبا تراب» (^٣)، وهو أول يوم كُنِي فيه أبا تراب.
فصل
ثم بعث عبدَ الله بن جَحش الأسدي إلى نخلةَ (^٤) في رجبٍ على رأسِ سبعةَ عشرَ شهرًا من الهجرة، في اثني عشر رجلًا من المهاجرين، كل اثنين يَعتَقِبان على بعير، فوصلوا إلى بطنِ نخلةَ يرصدون عِيرًا لقريش.
_________________
(١) «طبقات ابن سعد» (٢/ ٩). وانظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٥٩٨) و«مغازي الواقدي» (١/ ١٢).
(٢) الدمياطي في كتابه «السيرة النبوية» (ق ٧٩ - نسخة شستربيتي)، وهو صادر عن «طبقات ابن سعد». وقد أسند ذلك ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» و«مسند أحمد» (١٨٣٢١) ــ عن عمار بن ياسر بسند ضعيف. انظر حاشية محققي «المسند» طبعة الرسالة.
(٣) أخرجه البخاري (٤٤١، ٣٧٠٣، ٦٢٠٤، ٦٢٨٠) ومسلم (٢٤٠٩) من حديث سهل بن سعد.
(٤) وهي اليمانية، وادٍ على الطريق بين مكة والطائف. وقد سبق التعريف بها.
[ ٣ / ١٩٥ ]
وفي هذه السرية سُمِّي عبدُ الله بن جحشٍ أميرَ المؤمنين (^١).
وكان رسول الله - ﷺ - كتب له كتابًا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظرَ فيه (^٢)، ولمَّا فتح الكتاب وجد فيه: «إذا نظرتَ في كتابي هذا فامضِ حتى تنزل نخلةَ بين مكة والطائف فترصُدَ بها قريشًا وتعلمَ لنا من أخبارهم»، فقال: سمعًا وطاعةً، وأخبر أصحابه بذلك وبأنه لا يستكرههم، فمن أحبَّ الشهادة فلينهض ومن كره الموتَ فليرجع، وأمَّا أنا فناهض، فمضَوا (^٣) كلُّهم.
فلما كان في أثناء الطريق أضلَّ سعدُ بن أبي وقاص وعتبةُ بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه، فتخلَّفا في طلبه، وبَعُد عبدُ الله بن جحش حتى نزل بنخلةَ، فمرت به عِيرٌ لقريش تحمل زبيبًا وأدمًا وتجارةً، فيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة، والحكم بن كيسان مولى
_________________
(١) ذكره ابن سعد في «الطبقات» (٢/ ١٠، ٣/ ٨٥). وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (٣٧٨٠٦) عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: «كان عبد الله بن جحش أول أميرٍ في الإسلام». وفي «مستدرك الحاكم» (٣/ ٢٠٠) عن ابن مسعود أنه قال: «أول راية عقدت في الإسلام لعبد الله بن جحش». وفي إسنادهما لين.
(٢) خبر هذا الكتاب علّقه البخاري مجزومًا به في كتاب العلم، باب ما يُذكر في المُناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان، فقال: «واحتج بعضُ أهل الحجاز في المناولة بحديث النبي - ﷺ - حيث كتب لأمير السرية كتابًا وقال: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا، فلمّا بلغ ذلك المكان قرأة على الناس وأخبر بأمر النبي - ﷺ -». قال الحافظ: هو صحيح بمجموع طرقه. انظر: «فتح الباري» (١/ ١٥٥) و«تغليق التعليق» (٢/ ٧٥).
(٣) ن، هامش ز مصحّحًا عليه: «فنهضوا». والمثبت موافق لـ «جوامع السيرة» لابن حزم (ص ١٠٥) والظاهر أن المؤلف صادر عنه.
[ ٣ / ١٩٦ ]
بني المغيرة؛ فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، فإن قاتلناهم انتهكنا الشهرَ الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحَرَم ثم أجمعوا على ملاقاتهم فرمى أحدُهم عمرَو بن الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان والحكم، وأفلت نوفلٌ.
ثم قدموا بالعِير والأسيرَين قد عزلوا من ذلك الخُمس، وهو أولُ خُمسٍ كان في الإسلام (^١)، وأول قتيل في الإسلام، وأول أسيرين في الإسلام، وأنكر رسولُ الله - ﷺ - عليهم ما فعلوه، واشتدَّ تعنُّت (^٢) قريش وإنكارُهم ذلك، وزعموا أنهم وجدوا مقالًا فقالوا: قد أحلَّ محمدٌ الشهرَ الحرام، واشتد على المسلمين ذلك، حتى أنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧] (^٣).
يقول سبحانه: هذا الذي أنكرتموه عليهم وإن كان كبيرًا؛ فما ارتكبتموه أنتم من الكفر بالله، والصدِّ عن سبيله وعن بيته، وإخراجِ المسلمين الذين هم
_________________
(١) سياق م، ق، ب، ث: «وهو كان أولَ خمس في الإسلام».
(٢) ص، ز، د: «تعتُّب».
(٣) خبر السرية أسنده ابن إسحاق ــ ومن طريقه ابن هشام (١/ ٦٠١ - ٦٠٥) والطبري في «تفسيره» (٣/ ٦٥٠ - ٦٥٣) ــ عن يزيد بن رومان والزهري، كلاهما عن عروة بن الزبير مرسلًا. وأخرجه البيهقي في «الدلائل» (٣/ ١٧) من طريق آخر عن الزهري عن عروة. وله شاهد عند الطبري (٣/ ٦٥٤) من رواية السُّدِّي عن أشياخه. وله شاهد آخر مختصر من حديث جندب بن عبد الله البجلي عند النسائي في «الكبرى» (٨٧٥٢) وأبي يعلى (١٥٣٤) والطبراني في «الكبير» (٢/ ١٦٢) بإسناد حسن، وفيه أنهم لم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو آخر يوم من جُمادى.
[ ٣ / ١٩٧ ]
أهلُه منه، والشركِ الذي أنتم عليه، والفتنةِ التي حصلت منكم به= أكبرُ عند الله من قتالهم في الشهر الحرام. وأكثر السلف فسروا الفتنة هاهنا بالشرك (^١)، كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]. ويدلُّ عليه قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، أي: لم يكن مآلُ شركهم وعاقبتُه وآخرُ أمرهم إلا أن تبرؤوا منه وأنكروه. وحقيقتها: أنها الشرك الذي يدعو صاحبُه إليه ويقاتِلُ عليه ويعاقبُ من لم يفتتن به، ولهذا يقال لهم وقت عذابهم بالنار وفتنتهم بها: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤]، قال ابن عباس: تكذيبكم (^٢)؛ وحقيقته: ذوقوا نهاية فتنتكم وغايتَها ومصيرَ أمرِها، كقوله: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤]، وكما فَتَنوا عباده على الشرك فُتِنوا على النار وقيل لهم: ذوقوا فتنتكم.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠]، فُسِّرت الفتنةُ هاهنا بتعذيبهم المؤمنين وإحراقِهم إياهم بالنار، واللفظ أعمُّ مِن ذلك، وحقيقته: عَذَّبوا المؤمنين ليفتتنوا عن دينهم؛ فهذه الفتنة المضافة إلى المشركين.
وأما الفتنة التي يضيفها سبحانه إلى نفسه، أو يضيفُها رسوله إليه، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٥٣]، وقولِ موسى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] = فتلك بمعنًى آخر،
_________________
(١) كذا فسَّره جندب والسُّدِّي في حديثيهما، وبه فسَّره أيضًا ابن عبّاس وأبو مالك غزوان الغفاري. انظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٦٥٧ - ٦٥٨).
(٢) أسنده الطبري (٢٢/ ٤٠٥) من طريق العَوفيين عنه.
[ ٣ / ١٩٨ ]
وهي بمعنى الامتحان والاختبار والابتلاء من الله لعباده بالخير والشر بالنِّعَم والمصائب؛ فهذه لون، وفتنة المشركين لون، وفتنة المؤمن في ماله وولده وجاره لونٌ آخر.
والفتنة التي يوقعها بين أهل الإسلام، كالفتنة التي أوقعها بين أصحاب عليٍّ ومعاويةَ، وبين أهل الجمل وصِفِّين، وبين المسلمين حتى يتقاتلوا ويتهاجروا (^١) = لون آخر، وهي التي قال فيها النبي - ﷺ -: «ستكون فتنة: القاعدُ فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي» (^٢). وأحاديث الفتنة التي أمر النبي - ﷺ - فيها باعتزال الطائفتين هي هذه الفتنة.
وقد تأتي الفتنة مرادًا بها المعصية، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾، يقوله الجَدُّ بن قَيس لمَّا ندبه رسولُ الله - ﷺ - إلى تبوك، يقول: ايذن لي في القعود ولا تفتنِّي بتعرُّضي لبنات الأصفر، فإني لا أصبر عنهن (^٣)، قال تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩]، أي: وقعوا في فتنة النفاق وفرُّوا إليها من فتنة بنات الأصفر.
والمقصود: أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يُبَرِّئ أولياءَه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير وأنَّ ما عليه أعداؤُه المشركون أكبرُ وأعظمُ من مجرَّدِ القتال في الشهر
_________________
(١) ص، د: «أو يتهاجروا». ع: «تقاتلوا وتهاجروا».
(٢) أخرجه البخاري (٣٦٠١) ومسلم (٢٨٨٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) انظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٤٩١ - ٤٩٣). وقال ابن عبد البر: وقد قيل إنه تاب فحسنت توبته، والله أعلم. «الاستيعاب (١/ ٢٦٧).
[ ٣ / ١٩٩ ]
فصل: تحويل القبلة في شعبان من السنة الثانية
فصل: غزوة بدر الكبرى
- خروج النبي - ﷺ - في رمضان يعترض عير أبي سفيان القافلة من الشام
الحرام، فهم أحقُّ بالذمِّ والعيبِ والعقوبة، لا سيما وأولياؤه كانوا متأوِّلين في قتالهم ذلك أو مُقصِّرين نوعَ تقصيرٍ يغفره الله لهم في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات والهجرةِ مع رسوله وإيثارِ ما عند الله، فهم كما قيل:
وإذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍ جاءت محاسنه بألف شفيع
فكيف يُقاس ببغيضٍ عدوٍّ جاء بكل قبيح، ولم يأتِ بشفيع واحد من المحاسن!
فصل
فلما كان في شعبان من هذه السنة حُوِّلت القبلة، وقد تقدم ذكر ذلك (^١).
فصل
فلما كان في رمضان من هذه السنة بلغ رسول الله - ﷺ - خبر العِير المُقبلةِ من الشام لقريش صحبةَ أبي سفيان، وهي العير التي خرجوا في طلبها لما خرجت من مكة، وكانوا نحو أربعين رجلًا، وفيها أموال عظيمة لقريش، فندب رسولُ الله - ﷺ - الناس للخروج إليها، وأمر من كان ظهره حاضرًا بالنهوض، ولم يحتفل لها احتفالًا بليغًا، لأنه خرج مسرعًا في ثلاثمائة وبضعةَ عشرَ رجلًا. ولم يكن معهم من الخيل إلا فَرَسان: فرس للزبير بن العوام وفرس للمقداد بن الأسود الكندي (^٢).
_________________
(١) (ص ٨٠).
(٢) ذِكر الفرسَين روي من حديث علي عند الحاكم (٢/ ١٠٥، ٣/ ٢٠) والبيهقي في «الدلائل» (٣/ ٣٩) بإسناد لا بأس به. وروي عنه من وجهٍ آخر أنه قال: «ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد». أخرجه أحمد (١٠٢٣) وابن خزيمة (٨٩٩) وابن حبان (٢٢٥٧) بإسناد جيِّد. والأول يؤيده ما ذكره أهل المغازي بأسانيدهم. انظر: «مغازي الواقدي» (١/ ٢٧) و«طبقات ابن سعد» (٢/ ٢١).
[ ٣ / ٢٠٠ ]
وكان معهم سبعون بعيرًا يَعْتَقِب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، فكان رسول الله - ﷺ - وعليٌّ ومَرْثَد بن أبي مرثدٍ الغَنَوي يعتقبون بعيرًا (^١)، وزيد بن حارثة وأَنَسة (^٢) و[أبو] (^٣) كبشة موالي رسول الله - ﷺ - يعتقبون بعيرًا (^٤)، وأبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرًا.
واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابنَ أُمِّ مكتوم، فلما كان بالرَّوحاء ردَّ أبا لبابة بن عبد المنذر واستعمله على المدينة.
ودفع اللواءَ إلى مصعبِ بن عُمَير، والرايةَ الواحدة إلى علي بن أبي طالب، والأخرى التي للأنصار إلى سعد بن معاذ، وجعل على الساقةِ قيسَ بن أبي صَعْصَعة. وسار، فلما قَرُب من الصفراء بعث بَسْبَس بن عمروٍ
_________________
(١) كذا قال ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٦١٣). ولكن أخرج أحمد (٣٩٠١) وابن حبان (٤٧٣٣) والحاكم (٢/ ٩١) عن ابن مسعود أن زميلَي رسول الله - ﷺ - كانا عليًّا وأبا لبابة. قال ابن كثير: ولعل هذا كان قبل أن يردَّ أبا لبابة [كما سيأتي] من الرَّوحاء، ثم كان زميلاه عليًّا ومرثدًا بدل أبي لبابة. «البداية والنهاية» (٥/ ٦٦).
(٢) في الأصول والنسخ المطبوعة: «وابنه»، ولعله تصحيف من النساخ، فإن ابنه أسامةَ كان في العاشرة من عمره فلا يُمكن أن يكون خرج للغزو، كيف وقد استُصغر ابن عمر والبراء فلم يؤذَن لهما بالخروج وهما أكبر منه؟! ولا عدَّه أحد من أصحاب المغازي في البدريين. والمثبت هو الذي في كتب السير والمغازي. انظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٦١٢) و«مغازي الواقدي» (١/ ٢٤) و«جوامع السيرة» (ص ١٠٨) و«الإصابة» (١/ ٢٦٧).
(٣) ساقط من الأصول والمطبوع، واستدركته من كتب المغازي والتراجم.
(٤) ذكر ابن إسحاق والواقدي معهم رابعًا: حمزة بن عبد المطلب.
[ ٣ / ٢٠١ ]
الجهني وعَدِيَّ بن الزَّغْباء (^١) إلى بدرٍ يتجسَّسان أخبار العِير.
وأما أبو سفيان فإنه بلغه مخرجُ رسول الله - ﷺ - وقَصْدُه إياه، فاستأجر ضَمْضَم بن عمرٍو الغِفاري إلى مكة مستصرخًا لقريش بالنَّفِير إلى عِيرهم ليمنعوه من محمد وأصحابه، وبلغ الصريخ أهلَ (^٢) مكة فنهضوا مُسرِعين، وأَوعبوا في الخروج ولم يتخلَّف من أشرافهم أحدٌ سوى أبي لهب فإنه عوَّض عنه رجلًا كان له عليه دَين، وحشدوا فيمن حولَهم من قبائل العرب، ولم يتخلَّف عنهم أحدٌ من بطون قريشٍ إلا بني عدي فلم يخرج معهم منهم أحد، وخرجوا من ديارهم كما قال تعالى: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧]، وأقبلوا كما قال رسول الله - ﷺ - بحَدِّهم وحديدهم تُحادُّه وتحادُّ رسولَه (^٣)، وجاؤوا على حَرْدٍ قادرين، وعلى حميَّةٍ وغضب وحَنَقٍ على رسول الله - ﷺ - وأصحابه لِما يريدون مِن أخذِ عيرهم وقتلِ مَن فيها، وقد أصابوا بِالأَمسِ عمرَو بن الحضرمي والعِيرَ التي كانت معه؛ فجمعهم الله على غير ميعادٍ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ﴾ [الأنفال: ٤٢].
ولمَّا بلغ رسولُ الله - ﷺ - خروجَ قريشٍ استشار أصحابه، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثانيًا فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم
_________________
(١) ث: «عدي بن أبي الزغباء»، وهو الأشهر في نسبه كما في عامّة كتب المغازي. وانظر: «الاستيعاب» (٣/ ١٠٥٩).
(٢) ث، ز، ع: «إلى». والمثبت في هامش ز مصححًا عليه.
(٣) يشير إلى قول النبي - ﷺ - في دعائه: «اللهم هذه قريش قد جاءت بخُيلائها وفخرها تحادُّك وتكذّب رسولك »، وسيأتي.
[ ٣ / ٢٠٢ ]
استشارهم ثالثًا ففهمت الأنصار أنه يَعْنِيهم فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله! كأنك تُعرِّض بنا؟ وكان إنما يَعنيهم لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود في ديارهم، فلما عزم على الخروج استشارهم ليعلم ما عندهم، فقال له سعد: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى عليها (^١) أن لا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم: فاظعَنْ حيث شئتَ، وصِلْ حبلَ من شئتَ، واقطَعْ حبلَ من شئتَ، وخُذْ من أموالنا ما شئتَ، وأعطِنا ما شئت، وما أخذتَ منا كان أحبَّ إلينا مما تركت، وما أمرتَ فيه من أمرٍ فأمرُنا تبعٌ لأمرك، فواللهِ لئن سِرْتَ حتى تبلغ البَرْكَ من غُمْدَان (^٢)
لنَسِيرَنَّ معك، وواللهِ لئن استعرضتَ بنا هذا البحرَ خُضناه معك (^٣)!
_________________
(١) سياقه في د: «أن لا تكون الأنصار ترى حقًّا عليها». كذا كان في ص ثم أصلحه.
(٢) «البَرك من غُمدان» هكذا سمَّاه الأموي في «مغازيه» كما في «البداية والنهاية» (٥/ ٧٤)، وسمَّاه موسى بن عقبة: «البَرك من غِمدِ ذي يَمَن»، والذي في عامّة كتب الحديث والسيرة: «بَرْك الغِماد» وهو موضع على الساحل جنوب مكة، وهو الذي بلغه أبو بكر عندما خرج مهاجرًا إلى الحبشة فلقيه فيه ابنُ الدَّغِنَة فأمره أن يرجع إلى مكة آمنًا في جواره، كما في «صحيح البخاري» (٢٢٩٧)، وهو اليوم بلدة معروفة بـ «البِرْك» على الساحل على قرابة (٥٠٠) كيلًا جنوب مكة. وأما «غُمْدَان» فقصر مَشيد مشهور كان بصنعاء اليمن، هُدِم في أيام عثمان - ﵁ -. انظر: «معجم البلدان» (٤/ ٢١٠).
(٣) كلمة سعد بن معاذ ذكرها موسى بن عقبة في مغازيه ــ كما في «الدلائل» للبيهقي (٣/ ١٠٧) ــ بنحوها. وأسندها ابن إسحاق ــ ومن طريقه ابن هشام (١/ ٦١٥) والطبري في «تفسيره» (١١/ ٤١ - ٤٣) ــ بنحوها ضمن حديث طويل في أحداث الغزوة رواه من عدّة طرقٍ فجمع حديثهم في سياق واحد، وليس فيها ذكر «برك الغماد»، وإنما ورد ذكرُها عند ابن إسحاق في كلمة مقداد الآتية. وأخرجها مسلم (١٧٧٩) بنحوها من حديث أنس ولكنه جعل المتكلم سعدَ بن عُبادة، وفيه نظر لأنه لم يشهد بدرًا. انظر: «الفتح» (٧/ ٢٨٨).
[ ٣ / ٢٠٣ ]
- سير النبي - ﷺ - إلى بدر، ونجاة عير أبي سفيان، وعزم المشركين على مواصلة المسير إلى بدر
وقال له المقداد: لا نقول لك كما قال قومُ موسى لموسى: ﴿اذْهَبْ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا﴾ [المائدة: ٢٤]، ولكنَّا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، ومِن بين يديك ومن خلفك (^١).
فأشرق وجه رسول الله - ﷺ - وسُرَّ بما سمع من أصحابه، وقال: «سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، وإني قد رأيتُ مصارعَ القوم» (^٢).
فسار رسول الله - ﷺ - إلى بدرٍ، وخَفَض أبو سفيان فلحق بساحل البحر، ولمّا رأى أنه قد نجا وأحرز العيرَ كتب إلى قريش أن ارجِعُوا، فإنكم إنما خرجتم لتُحرِزوا عيرَكم؛ فأتاهم الخبرُ وهم بالجُحفة فهمُّوا بالرجوع، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نَقْدَم بدرًا فنقيمَ بها ونُطعمَ من حضرنا من العرب، وتخافنا العرب بعد ذلك. وأشار الأخنس بن شُرَيق عليهم بالرجوع فعصوه، فرجع هو وبنو زُهرة، فلم يشهد بدرًا زُهريٌّ، فاغتبطت بنو زهرة بعدُ برأي الأخنس، فلم يزل فيهم مُطاعًا معظمًا. وأرادت بنو هاشم الرجوع فاشتدَّ عليهم أبو جهل وقال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع.
_________________
(١) كلمة المقداد أخرجها البخاري (٣٩٥٢، ٤٦٠٩) من حديث ابن مسعود، وفيه أن النبي - ﷺ - سُرَّ بذلك وأشرق وجهُه.
(٢) ذكره ابن إسحاق ــ كما عند ابن هشام (١/ ٦١٥) ــ والواقدي (١/ ٤٩) وابن سعد (٢/ ١٣) بنحوه. وقد ثبت من غير وجهٍ أن النبي - ﷺ - أُري مصارعَ القوم فأرى الصحابة إيَّاها، وسيأتي تخريجها قريبًا.
[ ٣ / ٢٠٤ ]
وساروا، وسار رسول الله - ﷺ - حتى نزل عشيًّا (^١) أدنى ماءٍ من مياه بدر، فقال: «أشيروا عليَّ في المنزل»، فقال الحُباب بن المُنذِر: يا رسول الله، أنا عالم بها وبقُلُبها، إن رأيتَ أن نسير إلى قُلُبٍ قد عرفناها فهي كثيرةُ الماء عَذْبة فننزلَ عليها ونسبقَ القوم إليها، ونُغوِّر ما سواها من المياه (^٢).
وسار المشركون سراعًا يريدون الماء، وبعث عليًّا وسعدًا والزبير إلى بدر يلتمسون الخبر، فقَدِموا بعَبدين لقريشٍ ورسولُ الله - ﷺ - قائم يصلي فسألهما أصحابُه: من (^٣) أنتما؟ قالا: نحن سُقاة لقريشٍ، فكره ذلك أصحابه ووَدُّوا لو كانا لعيرِ أبي سفيان، فلما سلَّم رسولُ الله - ﷺ - قال لهما: «أخبِراني أين قريش؟» قالا: وراء هذا الكثيب، فقال: «كم القوم؟» فقالا: لا علم لنا، فقال: «كم ينحرون كلَّ يوم؟» فقالا: يومًا عشرًا ويومًا تسعًا، فقال - ﷺ - (^٤): «القوم ما بين التسعمائة إلى الألف» (^٥).
_________________
(١) م، ق، ب، هامش ز: «عِشاءً».
(٢) خبر استشارة النبي - ﷺ - ذكره موسى بن عُقبة كما في «الدلائل» للبيهقي (٣/ ١١٠). وأخرج ابن سعد (٣/ ٥٢٥) وأبو داود في «المراسيل» (٣١٨) نحوه من مرسل يحيى بن سعيد الأنصاري بإسناد صحيح إليه. وفي سياق الخبر عند ابن إسحاق أن النبي - ﷺ - لمّا نزل بأدنى ماءٍ من بدر قال الحُباب: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة»، فقال الحباب: (فذكر بنحوه). وجمع الواقدي في «مغازيه» (١/ ٥٣) بينهما ــ استشارة النبي - ﷺ - فسؤال الحباب إياه ــ في سياق واحد.
(٣) ز، ن: «لمن».
(٤) د، ن، المطبوع: «رسول الله - ﷺ -».
(٥) ذكره ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٦١٧) ــ والواقدي في «مغازيه» (١/ ٥٣) وابن سعد (٢/ ١٤). وله شاهد من حديث علي بلفظ: «القوم ألفٌ؛ كلُّ جَزورٍ لِمائةٍ وتبعِها». أخرجه أحمد (٩٤٨) وابن أبي شيبة (٣٧٨٣٤) بإسناد جيّد.
[ ٣ / ٢٠٥ ]
وأنزل الله ﷿ في تلك الليلة مطرًا واحدًا، فكان على المشركين وابلًا شديدًا منعهم من التقدُّم، وكان على المسلمين طلًّا طهَّرهم به وأذهب عنهم رجزَ (^١) الشيطان، ووطَّأَ به الأرضَ وصلَّب الرمل وثبَّت الأقدامَ، ومهَّد به المنزل، وربط به على قلوبهم؛ فسبق رسولُ الله - ﷺ - والمسلمون إلى الماء، فنزلوا عليه شطرَ الليل وصنعوا الحياض، ثم غوَّروا ما عداها من المياه، ونزل رسول الله - ﷺ - وأصحابه على الحياض.
وبُني لرسول الله - ﷺ - عريشٌ يكون فيها على تَلٍّ يُشرف على المعركة. ومشى في موضع المعركة وجعل يشير بيده: «هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان إن شاء الله»، فما تعدَّى أحدٌ منهم موضعَ إشارته (^٢).
فلما طلع المشركون وتراءى الجمعان قال رسول الله - ﷺ -: «اللهم هذه قريش جاءت بخُيلائها وفخرها، جاءت تحادُّك وتكذِّبُ رسولَك»، وقام ورفع يديه واستنصر ربَّه وقال: «اللهم أنجِزْ لي ما وعدتَني، اللهم إني (^٣) أنشدك عهدَك ووعدَك»، فالتزمه الصدِّيق من ورائِه وقال: يا رسول الله، أبشِرْ فوالذي نفسي بيده ليُنْجِزَنَّ اللهُ لك ما وعدك (^٤).
_________________
(١) النسخ المطبوعة: «رجس» خلافًا للأصول وللفظ الآية. ومعنى «رجز الشيطان»: وسوسته، كما فسّره مجاهد وغيره. انظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٦٣ - ٦٧).
(٢) أخرجه مسلم (١٧٧٩، ٢٨٧٣) من حديث أنس وعمر - ﵄ -.
(٣) «إني» سقطت من ص، د، ز.
(٤) ذكره موسى بن عقبة كما في «الدلائل» للبيهقي (٣/ ١١٠). وذكره أيضًا ابنُ إسحاق ــ كما في «السيرة» لابن هشام (١/ ٦٢١) ــ والواقدي (١/ ٥٩) كلاهما دون قول أبي بكر. وكذا أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٨٤) عن هشام بن عروة دونه. وأخرجه الطبري (١١/ ٢١٩) أيضًا عن قتادة مقتصرًا على الجزء الأول: «اللهم إن قريشًا » بنحوه. وسيأتي مرّة أخرى مناشدة النبي - ﷺ - ربَّه وموقف أبي بكر معه.
[ ٣ / ٢٠٦ ]
- استغاثة المؤمنين ربهم واستجابته بمدهم بألف من الملائكة مردفين
- اختلاف المفسرين في الإمداد المذكور في سورة آل عمران متى كان؟
واستنصر المسلمون اللهَ واستغاثوه، وأخلصوا له وتضرعوا إليه، فأوحى الله إلى ملائكته: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢]، وأوحى إلى رسوله: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، قرئ بكسر الدال وفتحها (^١)، فقيل: المعنى أنهم رِدْفٌ لكم، وقيل: يُرْدِفُ بعضُهم بعضًا أرسالًا لم يأتوا (^٢) دفعةً واحدةً.
فإن قيل: هاهنا ذكر أنه أمدَّهم بألفٍ وفي سورة آل عمران قال: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [١٢٤ - ١٢٥]، فكيف الجمع بينهما؟
قيل: قد اختلف في هذا الإمداد الذي بالثلاثة آلاف وبالخمسة على قولين (^٣):
أحدهما: أنه كان يوم أحدٍ، وكان إمدادًا معلَّقًا على شرط، فلمَّا فات شرطُه فات الإمداد. وهذا قول الضحاك، ومقاتل، وإحدى الروايتين عن عكرمة.
_________________
(١) قرأ جعفر ونافع المدنيّان ويعقوب البصري بفتح الدال، وقرأ سائر العشرة بكسرها. «النشر» (٢/ ٢٧٥).
(٢) ص، د، ز، ن: «لم يأتوه».
(٣) انظر: «زاد المسير» (١/ ٤٥٠ - ٤٥١) والمؤلف صادر عنه، وسيأتي ما في نسبة بعض الأقوال من النظر.
[ ٣ / ٢٠٧ ]
والثاني: أنه كان يوم بدر. هذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والرواية الأخرى عن عكرمة؛ اختاره جماعة من المفسرين.
وحجة هؤلاء أن السياق يدل على ذلك، فإنه سبحانه قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ إلى أن قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أي: هذا الإمداد (^١) ﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٦] قال هؤلاء: فلما استغاثوه أمدهم بألفٍ، ثم (^٢) أمدّهم بتمام ثلاثة آلاف، ثم أمدهم بتمامِ خمسةِ آلافٍ لما صبروا واتقوا، وكان هذا التدريجُ ومتابعةُ الإمداد أحسنَ موقعًا وأقوى لنفوسهم وأَسَرَّ لها من أن يأتي به مرةً واحدةً (^٣)، وهو بمنزلة متابعة الوحي ونزوله مرةً بعد مرة.
وقالت الفرقة الأولى: القصة في سياق أُحُدٍ، وإنما دخل ذكرُ بدرٍ اعتراضًا في أثنائها، فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢١ - ١٢٢]، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، فذكَّرهم نعمتَه عليهم لمّا نصرهم ببدرٍ وهم أذلة، ثم عاد إلى قصة أُحُدٍ وأخبر عن قول رسوله لهم: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ
_________________
(١) ق: «هذا البشرى».
(٢) «أمدّهم بألفٍ ثم» ساقط من المطبوع.
(٣) م، ق، ب: «أن يأتي به دفعة».
[ ٣ / ٢٠٨ ]
فصل: ذكر بدء القتال وحمي الوطيس
مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتَّقَوا أمدَّهم بخمسة آلاف؛ فهذا من قولِ رسوله والإمدادُ الذي ببدرٍ من قوله تعالى، وهذا بخمسة آلاف وإمدادُ بدرٍ بألف، وهذا معلَّق على شرط وذاك مطلق، والقصة في سورة آل عمران هي قصة أُحُدٍ مستوفاةً مطولة وبَدْرٌ ذُكِرت فيها اعتراضًا، والقصة في سورة الأنفال قصة بدرٍ مستوفاةً مطولةً؛ فالسياق في آل عمران غير السياق في الأنفال.
يُوضِّح هذا أن قوله: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران: ١٢٥] قد قال مجاهد: إنه يومُ أُحُدٍ (^١)، وهذا يستلزم أن يكون الإمداد المذكور فيه؛ فلا يصحُّ قولُه: إن الإمداد بهذا القدر (^٢) كان يومَ بدرٍ (^٣)، وإتيانَهم من فورهم هذا يومَ أحد. والله أعلم.
فصل
وبات رسول الله - ﷺ - يصلي إلى جِذْمِ شجرةٍ هناك (^٤)، وكانت ليلةَ
_________________
(١) أخرجه الطبري (٦/ ٣١) وابن أبي حاتم (٣/ ٧٥٣) بإسناد صحيح إليه.
(٢) ز، ع، ن، النسخ المطبوعة: «العدد».
(٣) كما نسبه إليه ابن الجوزي، ولعل منشأ وهمه أن الطبري (٦/ ٢٥) أسند عن مجاهد أنه قال: «لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر»، وليس فيه أن الإمداد المذكور في الآية كان يوم بدرٍ، ولكن لمّا ساق الطبري قوله مع أقوال القائلين بذلك، ظنّه ابن الجوزي منهم، وليس كذلك لأنه يتناقض مع ما صحّ عنه أن إتيانهم من فورهم كان يوم أحد.
(٤) «إلى جذم شجرة»، أي: إلى أصلها. وفي المطبوع: «جذع شجرة» خلافًا للأصول. والحديث أخرجه أحمد (١١٦١) والنسائي في «الكبرى» (٨٢٥) بإسناد جيّد عن عليٍّ قال: «لقد رأيتُنا ليلة بدرٍ وما منا إنسان إلا نائم، إلا رسولَ الله - ﷺ - فإنه كان يصلّي إلى شجرة ويدعو حتى أصبح».
[ ٣ / ٢٠٩ ]
الجمعة السابع عشر من رمضان في السنة الثانية، فلما أصبحوا أقبلت قريشٌ في كتائبها واصطفَّ الفريقان، فمشى حكيمُ بن حزامٍ وعتبةُ بن ربيعةَ في قريشٍ أن يرجعوا ولا يقاتلوا، فأبى ذلك أبو جهلٍ وجرى بينه وبين عتبة كلامٌ أَحْفَظَه (^١)، وأمر أبو جهل أخا عمرو بن الحضرمي أن يطلب دمَ أخيه عمرًا (^٢)، فكشف عن اسْتِهِ وصرخ: واعَمْراه! فحمي القوم ونشبت الحربُ، وعدَّل رسول الله - ﷺ - الصفوف، ثم رجع إلى العريش هو وأبو بكر خاصةً، وقام سعدُ بن معاذ في قوم (^٣) من الأنصار على باب العريش يحمون رسول الله - ﷺ -.
وخرج عُتبة وشَيبة ابنا ربيعة والوليدُ بن عتبة يطلبون المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار: عبدُ الله بن رواحة وعوفٌ ومُعَوِّذ ابنا عفراء، فقالوا لهم: من أنتم؟ قالوا: من الأنصار. قالوا: أَكْفاءٌ كِرام، وإنما نريد بني عمِّنا، فبرز إليهم عليٌّ وعبيدةُ بن الحارث وحمزةُ، فقَتل عليٌّ قِرْنَه الوليدَ، وقتل حمزةُ قِرْنَه عُتبة ــ وقيل: شيبة ــ، واختلف عبيدةُ وقِرْنُه ضربتين فكرَّ عليٌّ وحمزةُ على قرن عبيدةَ فقتلاه، واحتملا عبيدةَ وقد قُطِعت رِجلُه، فلم يزل ضَمِنًا (^٤) حتى مات بالصفراء (^٥).
_________________
(١) أي: أغضبه.
(٢) ن، النسخ المطبوعة: «عمرٍو».
(٣) م، ق، ب: «وقوم».
(٤) الضَّمِن كالزَّمِن وزنًا ومعنًى.
(٥) وهي قرية من قُرى وادي يَلْيَل، مرَّ بها النبي - ﷺ - عند قفوله من بدرٍ. وهي اليوم تُعرف باسم «الواسطة». انظر: «معجم المعالم الجغرافية» للبلادي (ص ١٧٦).
[ ٣ / ٢١٠ ]
وكان علي - ﵁ - يقسم بالله لنزلت هذه الآية فيهم: ﴿اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الحج: ١٩] (^١).
ثم حَمِي الوطيس واستدارت رَحى الحرب واشتدَّ القتال، وأخذ رسولُ الله - ﷺ - في الدعاء والابتهال ومناشدة ربِّه ﷿ حتى سقط رداؤه عن منكبه، فردَّه عليه الصدِّيقُ وقال: بعضَ مناشدتك ربَّك، فإنه منجزٌ لك ما وعدك (^٢).
فأغفى رسول الله - ﷺ - إغفاءةً (^٣)، وأخذ القومَ النعاسُ في حال الحرب، ثم رفع رسول الله - ﷺ - رأسه وقال: «أبشِرْ يا أبا بكر! هذا جبريلُ على ثناياه النَّقْعُ» (^٤).
وجاء النصر، وأنزل الله جندَه، وأيَّدَ رسولَه والمؤمنين، ومنحهم أكتاف المشركين أسرًا وقتلًا، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٩٦٥، ٣٩٦٧، ٤٧٤٤) دون أن يكون أقسم عليه، وأخرج (٣٩٦٨، ٣٩٦٩، ٤٧٤٣) عن أبي ذرٍّ أنه هو الذي أقسم عليه.
(٢) أخرجه مسلم (١٧٦٣) من حديث ابن عباس عن عمر - ﵃ - بنحوه. وهو عند البخاري (٢٩١٥) عن ابن عباس من وجه آخر.
(٣) بعده في ن، هامش ز، النسخ المطبوعة: «واحدة».
(٤) «النقع» هو الغبار. والحديث ذكره موسى بن عقبة عن الزهري كما في «دلائل النبوة» (٣/ ١١٤)، وابنُ إسحاق عن شيوخه كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٦٢٧) و«الدلائل» (٣/ ٨١)، والواقدي في «مغازيه» (١/ ٨١). ويشهد له ما أخرجه البخاري (٣٩٩٥) عن ابن عبّاس بلفظ: «هذا جبريل آخِذٌ برأس فرسه عليه أداةُ الحرب».
[ ٣ / ٢١١ ]
فصل: نكوص الشيطان على عقبيه، وقول المنافقين: غر هؤلاء دينهم
فصل
ولمَّا عزموا على الخروج ذكروا ما بينهم وبين بني كنانة من الحرب، فتبدَّى لهم إبليس في صورة سُراقة بن مالك المُدْلِجي ــ وكان من أشراف بني كنانة ــ فقال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم من أن تأتيكم كنانةُ بشيءٍ تكرهونه، فخرجوا والشيطان جار لهم لا يفارقهم، فلما تَعَبَّئُوا للقتال ورأى عدوُّ الله جندَ الله قد نزلت من السماء فرَّ ونكص على عقبيه، فقالوا: إلى أين يا سُراقة؟ ألم تكن قلت: إنك جار لنا لا تفارقنا؟ فقال: (^١) إني أرى ما لا ترون، إني أخاف اللهَ والله شديد العقاب (^٢)؛ وصدق في قوله: إني أرى ما لا ترون، وكذب في قوله: إني أخاف الله، وقيل: كان خوفُه على نفسه أن يهلك معهم، وهذا أظهر.
ولما رأى المنافقون ومن في قلبه مرض قلةَ حزبِ الله وكثرةَ أعدائه ظنُّوا أن الغلبة إنما هي بالكثرة، فقالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٩]، فأخبر سبحانه أن النصر بالتوكل عليه لا بالكثرة ولا بالعدد، والله عزيزٌ لا يغالَب، حكيمٌ ينصر من يستحق النصرَ وإن كان ضعيفًا، فعزَّتُه وحكمته أوجبت نصرَ الفئة المتوكلة عليه.
ولما دنا العدوُّ وتواجه القوم قام رسول الله - ﷺ - في الناس فوعظهم
_________________
(١) زاد في هامش ز: «إني بريء منكم».
(٢) وقد قصّ الله علينا خبره هذا في قوله: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨].
[ ٣ / ٢١٢ ]
- رمي النبي - ﷺ الحصباء في وجوه العدو، ومعنى ﴿وما رميت إذ رميت﴾
وذكَّرهم بما لهم في الصبر والثبات من النَّصْر والظَفَرِ العاجل وثوابِ الله الآجل، وأخبرهم أن الله قد أوجب الجنة لمن استشهد في سبيله، فقام عُمَير بن الحُمام فقال: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: «نعم»، قال: بخٍ بخٍ يا رسول الله، قال: «ما يحملك على قولِك: بخ بخ؟» قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاءَ أن أكون مِن أهلها، قال: «فإنك من أهلها»، قال: فأخرج تمراتٍ من قَرَنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن حَيِيتُ حتى آكلَ تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قُتِل (^١)؛ فكان أولَ قتيلٍ.
وأخذ رسول الله - ﷺ - ملء كفه من الحصباء فرمى بها وجوهَ العدو، فلم تترك رجلًا منهم إلا ملأت عينَيه، وشُغِلوا بالتراب في أعينهم وشُغِل المسلمون بقتلهم وأنزل الله ﷿ في شأن هذه الرَّمْية على رسوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] (^٢).
وقد ظن طائفة أن الآية دلَّت على نفي الفعلِ عن العبد وإثباتِه لله، وأنه هو الفاعل حقيقةً. وهذا غلط منهم من وجوه عديدة مذكورة في غير هذا الموضع (^٣). ومعنى الآية: أن الله سبحانه أثبت لرسوله ابتداءَ الرمي، ونفى عنه الإيصالَ الذي لم يحصل برَمْيته، فالرمي يُراد به الحَذْفُ والإيصال، فأثبت لنبيه الحذفَ ونفى عنه الإيصال.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٩٠١) بنحوه. والقَرَن: جُعبة للسِّهام والنَّبْل.
(٢) انظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٨٢ - ٨٦).
(٣) انظر: «مدارج السالكين» للمؤلف (٣/ ٤٢٦) و«مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام (٢/ ٣٣٠ - ٣٣١). وانظر ما سيأتي (ص ٧١٣).
[ ٣ / ٢١٣ ]
- شواهد قتال الملائكة ببدر
وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم؛ قال ابن عباس: بينما رجل من المسلمين يومئذٍ يشتدُّ في أثر رجلٍ من المشركين أمامَه إذ سمع ضربةً بالسَّوط فوقَه وصوتَ الفارس فوقَه يقول: «أَقدِمْ حَيْزُوم»، إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو (^١) قد خُطِم أنفه وشُقَّ وجهه كضربة السوط فاخضرَّ ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسولَ الله - ﷺ - فقال: «صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة» (^٢).
وقال أبو داود المازني: إني لأَتْبَع رجلًا من المشركين لِأضربَه إذ وقع رأسُه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفتُ أنه قد قتله غيري (^٣).
وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا فقال العباس: إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلحُ من أحسن الناس وجهًا على فرسٍ أبلقَ، ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله، فقال: «اسكت، فقد أيدك الله بملكٍ كريم»؛ وأُسِرَ من بني [عبد] (^٤) المطلب ثلاثة: العباس، وعَقِيل، ونوفل بن الحارث (^٥).
_________________
(١) «هو» ساقط من ص، ز، د.
(٢) أخرجه مسلم (١٧٦٣).
(٣) أخرجه ابن هشام في «السيرة» (١/ ٦٣٣) وأحمد (٢٣٧٧٨) والطبري في «تفسيره» (٦/ ٢٣) من طرق عن ابن إسحاق عن أبيه عن رجال من بني مازن بن النجّار عن أبي داود المازني - ﵁ -. وإسناده حسن.
(٤) زيادة لازمة من مصادر التخريج.
(٥) أخرجه أحمد (٩٤٨) وابن أبي شيبة (٣٧٨٣٤) والبيهقي في «الدلائل» (٣/ ٦٤) من حديث عليٍّ بإسناد جيِّد.
[ ٣ / ٢١٤ ]
وذكر الطبراني في «معجمه الكبير» (^١) عن رفاعة بن رافع قال: «لما رأى إبليسُ ما تفعل الملائكة بالمشركين يومَ بدر أشفق أن يَخْلُصَ القتلُ إليه، فتشبَّث به الحارث بن هشام وهو يظنُّه سراقةَ بن مالكٍ، فوكز في صدر الحارث فألقاه ثم خرج هاربًا حتى ألقى نفسه في البحر ورفع يديه فقال: اللهم إني أسألك نَظْرَتَك إيَّاي، وخاف أن يَخْلُصَ إليه القتلُ، فأقبل أبو جهل بن هشام فقال: يا معشر الناس، لا يهزمَنَّكم خُذلانُ سراقةَ إياكم، فإنَّه كان على ميعادٍ من محمد، ولا يَهُولَنَّكم قتلُ عتبةَ وشيبةَ والوليد، فإنهم قد عَجَّلُوا، فواللاتِ والعُزَّى! لا نرجع حتى نُقْرِنَهم بالحِبال، ولا ألفَيَنَّ رجلًا منكم قتل منهم رجلًا، ولكن خذوهم أخذًا حتى نُعرِّفَهم سوءَ صنيعهم».
واستفتح أبو جهل في ذلك اليوم فقال: اللهم أقطعُنا للرحم وآتانا بما لا نعرفه فأَحِنْه (^٢) الغداةَ، اللهم أيُّنا كان أحبَّ إليك وأرضى عندك فانصُرْه اليوم؛ فأنزل الله ﷿: ﴿(١٨) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ﴾ [الأنفال: ١٩] (^٣).
ولما وضع المسلمون أيديهم في العدوِّ يقتلون ويأسرون، وسعد بن معاذ واقف على باب الخيمة التي فيها رسولُ الله - ﷺ - ــ وهي العريش ــ
_________________
(١) (٥/ ٤٧)، وإسناده ضعيف، فيه عبد العزيز بن عمران الزهري، وهو ضعيف منكر الحديث، وقد تفرّد بروايته.
(٢) أي: أهلِكْه. يقال: (حان الرجل حَينًا) إذا هلك، و(أحانه الله) أهلكه.
(٣) أخرجه أحمد (٢٣٦٦١) والنسائي في «الكبرى» (١١١٣٧) والطبري (١١/ ٩١ - ٩٤) والحاكم (٢/ ٣٢٨) من طرق عن الزهري عن عبد الله بن ثَعلبة بن صُعَير العُذْري ــ وله رؤية - ﵁ - ــ دون قوله: «اللهم أينا كان أحب فانصره اليوم».
[ ٣ / ٢١٥ ]
- ذكر مقتل أبي جهل
متوشحًا بالسيف في ناس من الأنصار= رأى رسول الله - ﷺ - في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، قال: فقال رسول الله - ﷺ - لسعدٍ: «كأنك تكره ما يصنع الناس؟» قال: أجل والله، كانت أولَ وقعةٍ أوقعها الله بالمشركين وكان الإثخانُ في القتل (^١) أحبَّ إلي من استبقاء الرجال (^٢).
ولما بردت الحرب وولَّى القومُ منهزمين قال رسول الله - ﷺ -: «من ينظر لنا ما صنع أبو جهل؟» فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، فأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل؟ فقال: لمن الدائرة اليوم؟ فقال: لله ولرسوله، هل أخزاك الله يا عدوَّ الله؟ فقال: وهل فوقَ رجلٍ قتله قومُه (^٣)؟! فقتله عبد الله ثم أتى النبي - ﷺ - فقال: قتلته، فقال (^٤): «آللهُ الذي لا إله إلا هو؟» فرددها ثلاثًا ثم قال: «الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعدَه ونصر عبدَه وهزم الأحزاب وحدَه؛ انطلق فأَرِنيه»، فانطلقنا فأريتُه إياه، فقال: «هذا فرعونُ هذه الأمة» (^٥).
_________________
(١) ز، ع: «بالقتل».
(٢) ذكره ابن إسحاق في سياق أحداث الغزاة عن شيوخه كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٦٢٨). ورواه الواقدي في «المغازي» (١/ ١٠٦) من وجه آخر منقطع بمعناه.
(٣) أي: وهل يزيد الأمر على أن رجلًا قتله قومه؟ فأيُّ خزيٍ في ذلك؟!
(٤) «فقال» ساقط من ص، ز، ع.
(٥) أخرجه البخاري (٣٩٦٢) ومسلم (١٨٠٠) من حديث أنس دون استحلاف النبي - ﷺ - لابن مسعود إلى آخر القصة، فإنه عند أحمد (٤٢٤٦، ٤٢٤٧) والطبراني في «الكبير» (٩/ ٨٢) بإسناد صحيح عن أبي عبيدة ــ وهو: ابن عبد الله بن مسعود ــ عن أبيه، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه لكنه كان شديدَ العناية بحديث أبيه وعنده من ذلك من العلم ما ليس عند غيره. وأصله في «صحيح البخاري» (٣٩٦١) من طريق آخر عن ابن مسعود، إلا أنه مختصر جدًّا.
[ ٣ / ٢١٦ ]
وأسر عبدُ الرحمن بن عوف أميةَ بن خلفٍ وابنَه عليًّا، فأبصره بلال ــ وكان أمية يُعذِّبه بمكة ــ فقال: رأس الكفر أمية بن خلف! لا نجوتُ إن نجا! ثم استوخى جماعةً من الأنصار، واشتدَّ عبدُ الرحمن بهما يُحرِزهما (^١) منهم، فأدركوهم فشغلهم عن أميةَ بابنه، ففرغوا منه ثم لحقوهما، فقال له عبد الرحمن: ابرُكْ، فبرك فألقى عليه نفسه، فضربوه بالسيوف من تحته حتى قتلوه وأصاب بعضُ السيوف رِجل عبد الرحمن بن عوف. وقال له أمية قبل ذلك: مَن الرجل المعلَّم في صدره بريشةِ نَعامة؟ فقال: ذاك حمزة بن عبد المطلب، قال ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل. وكان مع عبد الرحمن أدراع قد استلبها، فلما رآه أميةُ قال له: أنا خير لك من هذه الأدراع، فألقاها وأخذه، فلما قتله الأنصار كان يقول: يرحم الله بلالًا، فجعني بأدراعي وبأَسِيريَّ (^٢)!
وانقطع يومئذ سيفُ عُكَّاشة بن مِحْصَنٍ فأعطاه النبي - ﷺ - جِذْلًا من حطب فقال: «دونك هذا»، فلما أخذه عكاشة وهزَّه عاد في يده سيفًا طويلًا شديدًا أبيض، فلم يزل عنده يقاتل به حتى قُتِل في الردة أيام أبي بكر (^٣).
ولقي الزبير عبيدةَ بن سعيد بن العاص وهو مُدجَّج في السلاح لا يُرى منه إلا الحَدَق، فحمل عليه الزبير بحَربته فطعنه في عينه فمات، فوضع رِجْلَه على الحربة ثم تمطَّى فكان الجَهْدُ أن نَزَعها وقد انثنى طرفاها، فسأله إياها
_________________
(١) ص، ز، د، ع: «يحوزهما».
(٢) أخرجه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٦٣١، ٦٣٢) ــ عن عبد الرحمن بن عوف بأسانيد جياد. وهو في «صحيح البخاري» (٢٣٠١) بنحوه.
(٣) ذكره ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٦٣٧). وأسنده بنحوه الواقديُّ في «مغازيه» (١/ ٩٣) وابن سعد في «الطبقات» (١/ ١٥٨) بإسنادين واهيين.
[ ٣ / ٢١٧ ]
- وقوف النبي - ﷺ - على قتلى الكفار عند انقضاء الحرب ومخاطبته لهم
رسولُ الله - ﷺ - فأعطاه، فلما قُبِض رسولُ الله - ﷺ - أخذها، ثم طلبها أبو بكر فأعطاه، فلما قُبض أبو بكر سأله إياها عمر فأعطاه، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان فأعطاه، فلما قُبض وقعت عند آل عليٍّ، فطلبها عبد الله بن الزبير وكانت عنده حتى قُتِل (^١).
وقال رفاعة بن رافع: رُمِيتُ بسهم يوم بدرٍ فَفُقِئتْ عيني، فبصق فيها رسول الله - ﷺ - ودعا لي، فما آذاني منها شيء (^٢).
ولما انقضت الحرب أقبل رسول الله - ﷺ - حتى وقف على القتلى فقال: «بئس عشيرةُ النبي كنتم لنبيكم؛ كذَّبتموني وصدَّقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس» (^٣).
ثم أمر بهم فسُحبوا إلى قليب من قُلُب بدرٍ فطُرِحوا فيه، ثم وقف عليهم فقال: «يا عتبةُ بنَ ربيعة، ويا شيبةُ بنَ ربيعة، ويا فلان ويا (^٤) فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا فإني وجدتُ ما وعدني ربي حقًّا»، فقال له عمر بن الخطاب: يا رسول الله! ما تخاطب من أقوام قد جيَّفوا؟ فقال:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٩٩٨) من حديث عروة بن الزبير عن أبيه.
(٢) أخرجه البزّار (٣٧٢٩) والطبراني في «الأوسط» (٩١٢٤) والحاكم (٣/ ٢٣٢)، وإسناده ضعيف، فيه عبد العزيز بن عمران الزهري، وهو ضعيف منكر الحديث، وبه تعقّب الذهبي تصحيح الحاكم لإسناده.
(٣) ذكره ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٦٣٨) ــ فقال: «حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله - ﷺ - قال ». وله شاهد من حديث عائشة بلفظ: «جزاكم الله شرًّا من قوم نبي، ما كان أسوأ الطَّرد وأشدَّ التكذيب». أخرجه أحمد (٢٥٣٧٢) بإسناد فيه انقطاع.
(٤) «يا» سقطت من م، ق.
[ ٣ / ٢١٨ ]
«والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمعَ لِما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون الجواب» (^١).
ثم أقام رسول الله - ﷺ - بالعَرْصة ثلاثًا، وكان إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثًا (^٢).
ثم ارتحل مؤيَّدًا منصورًا، قريرَ العين بنصر الله له، ومعه الأسارى والمغانم، فلما كان بالصَّفْراءِ قسم الغنائمَ، وضرَبَ عنقَ النضرِ بن الحارث بن كَلَدة، ثم لما نزل بعِرْقِ الظُّبْية ضرب عنق عقبةَ بن أبي مُعَيط (^٣).
ودخل رسول الله - ﷺ - المدينة مؤيدًا مظفَّرًا منصورًا قد خافه كلُّ عدو له بالمدينة وحولها، فأسلم بَشَرٌ كثير من أهل المدينة، وحينئذ دخل عبد الله بن أُبيٍّ المنافقُ وأصحابُه في الإسلام ظاهرًا.
وجملة من حضر بدرًا من المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا: مِن المهاجرين ستة وثمانون، ومن الأوس أحد وستون، ومن الخزرج مائة وسبعون. وإنما قل عدد الأوس عن الخزرج وإن كانوا أشدَّ منهم وأقوى شوكةً وأصبرَ عند اللقاء= لأن (^٤) منازلهم كانت في عوالي المدينة وجاء النفير بغتةً وقال النبي - ﷺ -: «لا يتبعنا إلا من كان ظهرُه حاضرًا»، فاستأذنه رجال ظهورهم في عُلْوِ المدينة أن يستأني بهم حتى يذهبوا إلى ظهورهم
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٨٧٣، ٢٨٧٤) من حديث أنس بنحوه. وأخرجه البخاري (١٣٧٠) من حديث ابن عمر مختصرًا.
(٢) أخرجه أحمد (١٦٣٥٦) والبخاري (٣٠٦٥) من حديث أنس - ﵁ -.
(٣) خبر قتلهما صبرًا بأمر النبي - ﷺ - استفاض من غير وجهٍ، وقد سبق تخريجه (ص ١٣٣).
(٤) م، ق، ب، ث: «أن».
[ ٣ / ٢١٩ ]
فصل: غزو النبي - ﷺ - بني سليم بعد فراغه من بدر
فصل: غزوة السويق بعد بدر بشهرين
فأبى (^١)؛ ولم يكن عزمُهم على اللقاء، ولا أَعَدُّوا له عُدَّته، ولا تأهبوا له أُهبته، ولكن جمع الله بينهم وبين عدوِّهم على غير ميعاد.
واستشهد من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلًا: ستة من المهاجرين وستة من الخزرج، واثنان من الأوس.
وفرغ رسول الله - ﷺ - من شأن بدر والأسارى في شوال.
فصل
ثم نهض بنفسه صلوات الله وسلامه عليه بعد فراغه بسبعة أيام إلى غزو بني سليم، واستعمل على المدينة سِباعَ بنَ عُرْفُطة ــ وقيل: ابن أم مكتوم ــ، فبلغ ماءً يقال له: الكُدْرِ (^٢) فأقام عليه ثلاثًا، ثم انصرف ولم يلقَ كيدًا (^٣).
فصل
ولما رجع فَلُّ المشركين (^٤) إلى مكة مَوتُورين محزونين نذر أبو سفيان أن لا يُمِسَّ رأسَه ماء حتى يغزوَ رسولَ الله - ﷺ -، فخرج في مائتي راكب حتى
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٩٠١) من حديث أنس - ﵁ -.
(٢) هو غير معروف بالتحديد اليوم، ولكن الراكب إذا سار من المدينة يؤم القصيم فقطع قرابة ٨٠ كيلًا كان الكُدر على يمينه في ذلك الفضاء الواسع الذي يمتدُّ إلى معدن بني سليم (مهد الذهب). انظر: «معجم المعالم في السيرة» (ص ٢٦٢).
(٣) «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٣ - ٤٤). وأما الواقدي فجعل هذه الغزاة في المحرَّم، أي بعد غزوة السويق الآتية، وتبعه ابن سعد. انظر: «مغازي الواقدي» (١/ ١٨٢) و«طبقات ابن سعد» (٢/ ٢٨).
(٤) أي المنهزمون منهم. والفلُّ في الأصل مصدر فلَّه يفُلُّه إذا هزمه، ويأتي بمعنى اسم المفعول فيستوي فيه المفرد والجمع، يقال: رجل فلٌّ وقوم فَلٌّ، وربّما قالوا: فُلُول.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
سنة ثلاث
فصل: غزو النبي - ﷺ - نجدا يريد غطفان
أتى العُرَيض (^١) في طرف المدينة، وبات ليلةً واحدةً عند سلَام بن مِشْكَم اليهودي، فسقاه الخمرَ وبَطَن له مِن خبر الناس، فلما أصبح قطع أصوارًا (^٢) من النخل، وقتل رجلًا من الأنصار وحليفًا له، ثم كرَّ راجعًا.
ونَذِرَ به رسولُ الله - ﷺ - فخرج في طلبه، فبلغ قَرْقَرة الكُدْر (^٣) وفاته أبو سفيان، وطرح الكفارُ سَوِيقًا كثيرًا من أزوادهم يتخفَّفُون به، فأخذها المسلمون، فسُمِّيت غزوةَ السويق، وكان ذلك بعد بدر بشهرين (^٤).
فصل (^٥)
فأقام رسول الله - ﷺ - بالمدينة بقية ذي الحجة ثم غزا نجدًا يريد غطفان، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان، فأقام هناك صفرًا كلَّه من السنة الثالثة، ثم انصرف ولم يلقَ حربًا (^٦).
_________________
(١) وهو اليوم حيٌّ معروف بهذا الاسم شرقيَّ المسجد النبوي.
(٢) جمع «الصَّور» بفتح الصاد، وهو النخل المُجتمِع الصِّغار. والذي عند أهل السير أنهم حرقوا فيها، ولم أجد مَن ذكر القطع.
(٣) القرقرة: أرض مطمئنة وسط القاع، لا شجر فيها ولا حجارة، وإنما هي طين. والكُدر سبق التعريف به آنفًا.
(٤) انظر خبر هذه الغزاة عند أبي الأسود عن عروة في «الدلائل» للبيهقي (٤/ ١٦٥)، وعند موسى بن عقبة في «الدلائل» أيضًا (٣/ ١٦٤)، وابن إسحاق في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٤)، والواقدي في «مغازيه» (١/ ١٨١)، وابن سعد في «الطبقات» (٢/ ٢٧).
(٥) العنوان ساقط من المطبوع.
(٦) ويقال لها «غزوة ذي أمرَّ». وانظر خبرها عند ابن إسحاق في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٦) والواقدي (١/ ١٩٣) وابن سعد (٢/ ٣١)، وسياق المؤلف برواية ابن إسحاق أشبه.
[ ٣ / ٢٢١ ]
فصل: خروج النبي - ﷺ - إلى بحران يريد قريشا
فصل: غزوة بني قينقاع
فصل
فأقام بالمدينة ربيعَ الأولِ، ثم خرج يريد قريشًا (^١)، واستخلف على المدينة ابنَ أمِّ مكتوم، فبلغ «بَحران» معدنًا بالحجاز (^٢)، ولم يلق حربًا، فأقام هنالك ربيعَ الآخرِ وجُمادى الأولى ثم انصرف إلى المدينة (^٣).
فصل
ثم غزا بني قينقاع (^٤)، وكانوا من يهود المدينة فنقضوا عهده، فحاصرهم خمس عشرة ليلةً حتى نزلوا على حكمه، فشفع فيهم عبدُ الله بن أُبَيٍّ وألحَّ عليه، فأطلقهم له (^٥)، وهم قوم عبد الله بن سلام، وكانوا سبعمائة مقاتلٍ، وكانوا صاغةً وتجارًا (^٦).
_________________
(١) كذا عند ابن هشام عن زياد البكّائي عن ابن إسحاق. وعند البيهقي في «الدلائل» (٣/ ١٧٢) من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق: «قريشًا وبني سليم». واقتصر الواقدي على ذكر بني سليم.
(٢) من ناحية وادي الفُرُع، شرق مدينة رابغٍ على (٩٠) كيلًا. «معجم المعالم في السيرة» (ص ٤٠).
(٣) «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٦)، و«مغازي الواقدي» (١/ ١٩٦)، و«طبقات ابن سعد» (٢/ ٣٢).
(٤) ظاهر لفظ المؤلف هنا أن غزوة بني قينقاع كانت بعد الغزوات السابقة، وابنُ إسحاق وإن كان ذكره في هذا الموضع ولكنه صرّح أنه كان «فيما بين» تلك الغزوات التي ذكرها سابقًا. وقد سبق (ص ١٤٩) أن ذكر المؤلف أنها كانت في النصف من شوَّال، أي بعد أقلَّ من شهرٍ من غزوة بدر، قبل غزوة السويق. وهو قول الواقدي وابن سعد.
(٥) أي: تركهم من القتل، ولكن أجلاهم من المدينة.
(٦) قد سبق (ص ١٤٨ - ١٥٠) خبر الغزوة بشيء من التفصيل. وانظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٧) و«مغازي الواقدي» (١/ ١٧٦) و«طبقات ابن سعد» (٢/ ٢٦).
[ ٣ / ٢٢٢ ]
فصل
في قتل كعب بن الأشرف (^١)
كان رجلًا من اليهود، وأمه من بني النضير، وكان شديد الأذى لرسول الله - ﷺ -، وكان يشبب في أشعاره بنساء الصحابة، فلما كانت وقعةُ بدرٍ ذهب إلى مكة وجعل يُؤَلِّبُ على رسول الله - ﷺ - وعلى المؤمنين، ثم رجع إلى المدينة على تلك الحال، فقال رسول الله - ﷺ -: «مَن لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسولَه»، فانتدب له محمدُ بن مسلمة، وعَبَّاد بن بِشر، وأبو نائلة واسمه سِلْكان بن سلامة (^٢) ــ وهو أخو كعب من الرضاعة ــ، والحارث بن أوس، وأبو عبس بن جبر؛ وأذن لهم رسولُ الله - ﷺ - أن يقولوا ما شاؤوا من كلام يخدعونه به، فذهبوا إليه في ليلةٍ مقمرة وشيَّعهم رسولُ الله - ﷺ - إلى بقيع الغرقد، فلما انتهوا إليه قدَّموا سِلْكان بن سلامة إليه، فأظهر له موافقته على الانحراف عن (^٣) رسول الله - ﷺ - وشكا إليه ضيق حالهم وكلَّمه في أن يبيعه وأصحابه طعامًا ويرهنونه سلاحهم، فأجابهم إلى ذلك، فرجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم، فأتوه فخرج إليهم من حِصنه، فتماشوا فوضعوا عليه سيوفهم ووضع محمد بن مسلمة مِغولًا كان معه في ثُنَّته (^٤) فقتله، وصاح
_________________
(١) خبر قتله أخرجه البخاري (٤٠٣٧) ومسلم (١٨٠١) من حديث جابر. وانظر الخبر عند موسى بن عقبة في «الدلائل» للبيهقي (٣/ ١٩٠)، وابن إسحاق في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٤)، والواقدي (١/ ١٨٤)، وابن سعد (٢/ ٢٨، ٤٠٣).
(٢) في عامة الأصول: «سلام»، ولعله سبق قلم، فإنه يأتي على الصواب بعد بضعة أسطر.
(٣) ص، ز، د: «على».
(٤) المِغْوَل: نصل دقيق يجعل في السَّوط فيكون كالغمد له، يشدّه الفاتك على وسطه، قيل: سُمّي مغولًا لأن صاحبه يغتال به عدوَّه من حيث لا يحتسب. والثُّنَّة: ما دون السرَّة فوق العانة.
[ ٣ / ٢٢٣ ]
عدو الله صيحةً شديدةً أفزعت من حوله وأوقدوا النيران.
وجاء الوفد حتى قدموا على رسول الله - ﷺ - من آخر الليل وهو قائم يصلي، وجُرِح الحارث بن أوس ببعض سيوف أصحابه فتفل عليه رسولُ الله - ﷺ - فبرئ، فأَذِن رسولُ الله - ﷺ - في قتل من وجد من اليهود لنقضهم عهده ومحاربتهم لِله ورسوله (^١).
* * *
_________________
(١) م، ق: «ولرسوله».
[ ٣ / ٢٢٤ ]
فصل في غزوة أحد
فصل
في غزوة أحد
ولما قتل اللهُ أشراف قريشٍ ببدر، وأصيبوا بمصيبة لم يصابوا بمثلها، ورَأَسَ فيهم أبو سفيان بن حرب لذهاب أكابرهم، وجاء كما ذكرنا إلى أطراف المدينة في غزوة السويق ولم يَنَلْ ما في نفسه= أخذ يُؤَلِّب على رسول الله - ﷺ - وعلى المسلمين ويجمع الجموع، فجمع قريبًا من ثلاثة آلاف من قريش والحلفاء والأحابيش، وجاءوا بنسائهم لئلَّا يفرُّوا وليحاموا عنهن، ثم أقبل بهم نحو المدينة فنزل قريبًا من جبل أحد بمكان يقال له «عَيْنَين»، وذلك في شوال من السنة الثالثة.
واستشار رسولُ الله - ﷺ - أصحابه: أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة؟ وكان رأيه أن لا يخرجوا من المدينة وأن يتحصَّنوا بها، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة والنساءُ من فوق البيوت، ووافقه على هذا الرأي عبدُ الله بن أُبَي، وكان هو الرأي.
فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يومَ بدرٍ وأشاروا عليه بالخروج وألحُّوا عليه في ذلك، وأشار عبد الله بن أُبَي بالمُقام في المدينة، وتابعه على ذلك بعضُ الصحابة، فألحَّ أولئك على رسول الله - ﷺ - فنهض ودخل بيته ولبس لَأْمَتَه وخرج عليهم، وقد انثنى عزمُ أولئك وقالوا: أَكْرَهنا رسولَ الله - ﷺ - على الخروج، فقالوا: يا رسول الله، إن أحببتَ أن تمكث في المدينة فَافْعل، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما ينبغي لنبيٍّ إذا لبس لَأْمته أن يضعَها حتى يحكم الله بينه وبين عدوِّه» (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٤٧٨٧) والدارمي (٢٢٠٥) والنسائي في «الكبرى» (٧٦٠٠) من حديث أبي الزبير عن جابر بنحوه، وأبو الزبير لم يذكر فيه سماعًا من جابر ولكن له شواهد يصحّ به، وقد علّقه البخاري مجزومًا به في كتاب الاعتصام، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾. وانظر: «تغليق التعليق» (٥/ ٣٣٠) و«أنيس الساري» (٥/ ٣١٨٥).
[ ٣ / ٢٢٥ ]
الرؤيا التي رآها النبي - ﷺ -، وانخزال ابن أبي بثلث العسكر
فخرج رسول الله - ﷺ - في ألفٍ من الصحابة، واستعمل (^١) ابنَ أمِّ مكتوم على الصلاة بمن بقي في المدينة.
وكان رسول الله رأى رؤيا وهو بالمدينة، رأى أن في سيفه ثُلمةً، ورأى أن بقرًا تُذبَح، وأنه أدخل يدَه في درعٍ حصينةٍ؛ فتأول الثلمة في سيفه برجلٍ يُصاب من أهل بيته، وتأول البقرَ بنفرٍ من أصحابه يُقتَلون، وتأول الدرعَ بالمدينة (^٢).
فخرج يوم الجمعة، فلما صار بالشَّوط بين المدينة وأحدٍ انخزل عبدُ الله بن أُبي بنحو ثُلث العسكر وقال: يخالفني ويسمع من غيري! فتبعهم عبدُ الله بن عمرو بن حرام والدُ جابرٍ يُوبِّخهم ويحضُّهم على الرجوع ويقول: تعالوا قاتِلوا في سبيل الله أو ادفعوا، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجِع! فرجع عنهم وسبَّهم.
وسأله قومٌ من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من يهود فأبى (^٣).
_________________
(١) زِيد بعده في م، ق، ب، ث: «على المدينة».
(٢) روي بنحوه في حديث جابر الذي سبق تخريجه آنفًا. وروي من حديث ابن عباس عند أحمد (٢٤٤٥) والحاكم (٢/ ١٢٩) وغيرهما بإسناد حسن. وذكره موسى بن عقبة وابن إسحاق في مغازيهما ــ كما في «الدلائل» (٣/ ٢٠٧، ٢٢٥) ــ بنحوه. وهناك رؤيا أخرى أطول منها صحّت من حديث أبي موسى الأشعري عند البخاري (٣٦٢٢) ومسلم (٢٢٧٢)، والظاهر من سياقها أن النبي - ﷺ - رآها بمكة، فكان تأويلها الهجرة إلى المدينة وما وقع ببدر وأحد والفتح.
(٣) ذكره ابن إسحاق عن الزهري كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٦٤). وله شاهد من حديث أبي حميد الساعدي عند ابن سعد (٢/ ٤٥) وإسحاق بن راهويه ــ كما في «المطالب العالية» (٤٢٦٣) ــ والحاكم (٢/ ١٢٢)، قال الحافظ: إسناده حسن.
[ ٣ / ٢٢٦ ]
وسلك حرة بني حارثة وقال: «من رجل يخرج بنا على القوم من كثب؟»، فخرج به بعضُ الأنصار حتى سلك في حائطٍ لبعض المنافقين وكان أعمى، فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين ويقول: لا أُحِلُّ لك أن تدخل في حائطي إن كنتَ رسول الله! فابتدره القوم ليقتلوه فقال: «لا تقتلوه، فهذا أعمى القلب أعمى البصر» (^١).
ونفذ رسول الله - ﷺ - حتى نزل الشِّعب من أُحُدٍ في عُدوة الوادي وجعل ظهره إلى أحد، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرَهم.
فلما أصبح يومَ السبت تعبَّى للقتال، وهو في سبعمائة فيهم خمسون فارسًا، واستعمل على الرُّماة ــ وكانوا خمسين ــ عبدَ الله بن جبير وأمره وأصحابه أن يَلزموا مركزهم، وأن لا يُفارقوه ولو رَأَوا الطيرَ تتخطَّف العسكر (^٢)، وكانوا خلف الجيش، وأمرهم أن ينضحوا المشركين بالنَّبْل لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم.
وظاهر رسولُ الله - ﷺ - يومئذ بين درعين (^٣).
_________________
(١) ذكره ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٦٥). وانظر: «مغازي الواقدي» (١/ ٢١٨).
(٢) أخرجه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء ولفظه: «إن رأيتمونا تخطفُنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمْنا القومَ وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم».
(٣) صحّ ذلك في غير ما حديث، منها حديث السائب بن يزيد عند أحمد (١٥٧٢٢) وأبي داود (٢٥٩٠) والنسائي في «الكبرى» (٨٥٢٩) بإسناد صحيح.
[ ٣ / ٢٢٧ ]
- استعراض النبي - ﷺ - للشباب ورده لمن استصغرهم
وأعطى اللواء مصعبَ بن عميرٍ، وجعل على إحدى المُجَنِّبتين الزبيرَ بن العوام، وعلى الأخرى المنذر بن عمرٍو.
واستعرض الشباب يومئذ، فردَّ من استصغره عن القتال، وكان منهم: عبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، وأُسَيد بن ظُهَير، والبراء بن عازب، وزيدُ بن أرقم، وزيد بن ثابت، وعَرابة بن أوس، وعمرو بن حزم؛ وأجاز من رآه مطيقًا، وكان منهم: سمرة بن جندب ورافع بن خَدِيج، ولهما خمس عشرة سنةً. فقيل: أجاز من أجاز لبلوغه، وجعلوا حدَّ البلوغ (^١) بالسن خمس عشرة سنةً، ورَدَّ من ردَّ لصغره عن سن البلوغ.
وقالت طائفة: إنما أجاز من أجاز لإطاقته، وردَّ من ردَّ لعدم الطاقة (^٢)، ولا تأثير للبلوغ وعدمه في ذلك، قالوا: وفي بعض ألفاظ حديث ابن عمر: فلما رآني مطيقًا أجازني (^٣).
وتعبَّت قريش للقتال، وهم في ثلاثة آلاف وفيهم مائتا فارس، فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل.
ودفع رسول الله - ﷺ - سيفَه إلى أبي دُجانة سِماك بن خَرَشة، وكان شجاعًا بطلًا يختال عند الحرب (^٤).
_________________
(١) «وجعلوا حدَّ البلوغ» ساقط من المطبوع.
(٢) كذا في الأصول، وفي المطبوع: «لعدم إطاقته».
(٣) لم أجده، ويخالفه ما أخرجه البخاري (٢٦٦٤) ومسلم (١٨٦٨) عن نافع عن ابن عمر أنه قال: «عرضني رسول الله - ﷺ - يوم أحد في القتال وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يُجزني، وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني». وأخرجه البخاري (٤١٠٧) عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: «أول يوم شهدته يوم الخندق».
(٤) «وكان الحرب» سقط من م، ق، ب، ث. والحديث أخرجه مسلم (٢٤٧٠) عن أنس، ولفظه أن النبي - ﷺ - أخذ سيفًا يوم أحد فقال: «من يأخذ مني هذا؟» فبسطوا أيديهم، كلُّ إنسان منهم يقول: أنا، أنا؛ قال - ﷺ -: «فمن يأخذه بحقّه؟» فأحجم القوم، فقال أبو دجانة: أنا آخُذُه بحقه. قال أنس: فأخذه ففَلَق به هام المشركين. وانظر حديث قتادة بن النعمان عند الطبراني في «الكبير» (١٩/ ٩).
[ ٣ / ٢٢٨ ]
- بدء القتال وظهور المسلمين على العدو أول الأمر
وكان أول مَن بَدَر من المشركين يومئذ أبو عامرٍ الفاسق، واسمه عبدُ (^١) عمرو بن صَيفي، وكان يسمى «الراهب» فسمّاه رسولُ الله - ﷺ - «الفاسق»، وكان رأس الأوس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام شَرِق به وجاهر رسولَ الله - ﷺ - بالعداوة، فخرج من المدينة وذهب إلى قريش يُؤلِّبهم على رسول الله - ﷺ - ويحضُّهم على قتاله، ووعدهم بأن قومَه إذا رأوه أطاعوه ومالوا معه؛ فكان أول من لقي المسلمين، فنادى قومه وتعرَّف إليهم، فقالوا له: لا أنعم الله بك عينًا يا فاسق! فقال: لقد أصاب قومي بعدي شرّ، ثم قاتل المسلمين قتالًا شديدًا.
وكان شعار المسلمين يومئذ: «أَمِت أَمِت» (^٢). وأبلى يومئذ أبو دجانة الأنصاري، وطلحة بن عبيد الله، وأسد الله وأسد رسوله حمزةُ بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، والنضر بن أنس (^٣)، وسعد بن الرَّبِيع (^٤).
وكانت الدولةُ أول النهار للمسلمين على الكفار، فانهزم عدو الله وولَّوا
_________________
(١) «عبد» ساقط من ص، ز، د.
(٢) ذكره الواقدي في «مغازيه» (١/ ٢٣٤، ٢٦٢) عن شيوخه، وابنُ هشام في «السيرة» (٢/ ٦٨).
(٣) هكذا في جميع الأصول، وكذا في الأصل الخطي من «الدرر في المغازي والسير» لابن عبد البر (ص ١٥٦) و«جوامع السيرة» لابن حزم (١/ ١٦٠) ــ والمؤلف صادر عن ثانيهما ــ، والصواب: «أنس بن النضر» كما في كتب الحديث والتراجم والمغازي، وسيأتي على الصواب بعد صفحتين.
(٤) استُشهد منهم يومئذ: حمزة، وأنس بن النضر، وسعد بن الربيع.
[ ٣ / ٢٢٩ ]
- ترك الرماة مركزهم، وكر المشركين من ذلك الثغر
مدبرين حتى انتهوا إلى نسائهم، فلما رأى الرُّماة هزيمتهم تركوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله - ﷺ - بحفظه وقالوا: يا قومُ الغنيمةَ الغنيمةَ (^١)! فذكَّرهم أميرُهم عهدَ رسول الله - ﷺ - إليهم، فلم يسمعوا وظنُّوا أن ليس للمشركين رجعةٌ، فذهبوا في طلب الغنيمة وأخلَو الثغر، وكرَّ فرسانُ المشركين فوجدوا الثغر خاليًا قد خلا من الرماة، فجازوا منه وتمكنوا حتى أقبل آخرهم فأحاطوا بالمسلمين، فأكرم الله من أكرم منهم بالشهادة وهم سبعون، وتولَّى الصحابةُ وخَلَص المشركون إلى رسول الله - ﷺ - فجرحوا وجهَه، وكسروا رَباعيتَه اليمنى وكانت السفلى، وهَشَموا البيضة على رأسه، ورمَوه بالحجارة حتى وقع لشقِّه وسقط في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها المسلمين، فأخذ عليٌّ بيده واحتضنه طلحة بن عبيد الله (^٢).
وكان الذي تولَّى أذاه ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ عمرو بن قَمِئة (^٣) وعُتبة بن أبي وقاص. وقيل: إن عبدَ الله بن شهابٍ الزُّهري ــ عمَّ محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ــ هو الذي شجَّه.
وقُتِل مصعب بن عمير بين يديه، فدفع اللواء إلى علي بن أبي طالب.
_________________
(١) «الغنيمة» وردت مرة واحدة في ص، د، ز، ث.
(٢) أي: حتى قام رسول الله - ﷺ -، كما في «الدرر» و«جوامع السيرة».
(٣) كذا سُمِّي في «الدرر» (ص ١٥٧) و«جوامع السيرة» (ص ١٦٠). والذي عند الطبراني في «الكبير» (٨/ ١٥٤) من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف، وعند عبد الرزاق (٩٦٤٨) من مرسل يعقوب بن عاصم= أن اسمه عبد الله بن قمئة، وكذا سمَّاه ابن هشام في «السيرة» (٢/ ٩٤). ويذكره موسى بن عقبة وابن إسحاق بـ «ابن قمئة» والواقدي بـ «ابن قَميئة» ولا يسمُّونه. انظر: «دلائل النبوة» (٣/ ٢١٥) و«سيرة ابن هشام» (٢/ ٨٠) و«مغازي الواقدي» (١/ ٢٤٥).
[ ٣ / ٢٣٠ ]
- صراخ الشيطان بأعلى صوته: إن محمدا قد قتل
ونَشِبت حلقتان من حِلَق المِغْفَر في وجهه، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح وعَضَّ عليهما حتى سقطت ثَنيَّتاه مِن شدة غَوصهما في وجهه، وامتصَّ مالكُ بن سنان ــ والدُ أبي سعيد الخدري ــ الدمَ من وجنته. وأدركه المشركون يريدون ما الله حائل بينهم وبينه، فحال دونه نفر من المسلمين نحوُ عشرةٍ حتى قُتلوا، ثم جالدهم طلحة حتى أجهضهم عنه، وترَّس أبو دجانة عليه بظهره والنبلُ يقع فيه وهو لا يتحرك.
وأصيبت يومئذ عينُ قتادةَ بنِ النعمان، فأتى بها رسول الله - ﷺ - فردَّها عليه بيده، وكانت أصحَّ عينيه وأحسنَهما (^١).
وصرخ الشيطان بأعلى صوته: إن محمدًا قد قُتِل، ووقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين، وفرَّ أكثرُهم؛ وكان أمر الله قدرًا مقدورًا (^٢). ومر أنس بن النَّضْر بقومٍ من المسلمين قد ألقوا بأيديهم، فقال ما تنتظرون؟ فقالوا: قُتِل رسولُ الله - ﷺ -، فقال: ما تصنعون في الحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم استقبَلَ الناس ولقي سعدَ بن معاذ فقال: يا سعدُ، إني لأجد ريح الجنة من دون أُحُد، فقاتل حتى قُتِل، ووجد به سبعون ضربةً (^٣). وجُرِح يومئذ عبد الرحمن بن عوف نحوًا من عشرين جراحةً.
_________________
(١) أسنده ابن هشام (٢/ ٨٢) وغيره من طريق ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة. وهو مرسل جيّد، فإن عاصمًا ثقة علَّامة بالمغازي، ولاسيما هذه القصة فإنها وقعت لجدّه.
(٢) وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ الآية.
(٣) أخرجه البخاري (٢٨٠٥) من حديث أنس بنحوه، وفيه «بضعًا وثمانين ضربة». وانظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٨٣) و«مغازي الواقدي» (١/ ٢٨٠).
[ ٣ / ٢٣١ ]
- قتل النبي - ﷺ - أبي بن خلف
وأقبل رسول الله - ﷺ - نحو المسلمين، فكان أول من عرفه تحت المِغفر كعبُ بن مالك، فصاح بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله - ﷺ -! فأشار إليه أن: اسكُتْ، واجتمع إليه المسلمون ونهضوا معه إلى الشعب الذي نزل فيه، وفيهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، والحارث بن الصمة الأنصاري وغيرهم.
فلما أسندوا (^١) إلى الجبل أدرك رسولُ الله - ﷺ - أُبَيَّ بن خلف على جواد يقال له: العَوذ، زعم عدو الله أنه يقتل عليه رسولَ الله - ﷺ -، فلما اقترب منه تناول رسول الله - ﷺ - الحربة من الحارث بن الصمَّة فطعنه بها فجاءت في تَرقُوَتِه، فكرَّ عدو الله منهزمًا فقال له المشركون: واللهِ ما بك من بأس، فقال: واللهِ لو كان ما بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين؛ وكان يعلف فرسه بمكة ويقول: أقتل عليه محمدًا، فبلغ ذلك رسولَ الله - ﷺ - فقال: «بل أنا أقتله إن شاء الله»، فلما طعنه تذكَّر عدو الله قوله: إنه قاتله فأيقن بأنه مقتول من ذلك الجرح، فمات منه في طريقه بسَرِف (^٢) مرجعَه إلى مكة (^٣).
_________________
(١) ص، د: «اشتدوا»، تصحيف. وفي المطبوع: «استندوا».
(٢) وادٍ في شمال مكة، يقطعه طريق مكة إلى المدينة على بُعد عشرة كيلومتراتٍ من التنعيم في قرية النَّوارية، ولا يزال الوادي معروفًا بهذا الاسم.
(٣) قصة قتل النبي - ﷺ - أبيًّا ذكرها عروة (من رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عنه) وموسى بن عقبة، كما في «الدلائل» (٣/ ٢٥٨، ٢١١). ورواها ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٨٤) ــ عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف مُرسلًا. وأسندها الواقدي في «مغازيه» (١/ ٢٥١) من حديث كعب بن مالك بنحوه. وأخرجها عبد الرزاق (٩٧٣١) من حديث ابن عبَّاس بإسناد واهٍ، ومن مرسل الزهري بإسناد صحيح إليه.
[ ٣ / ٢٣٢ ]
وجاء عليٌّ إلى رسول الله - ﷺ - بماء ليغسل عنه الدم، فوجده آجنًا فردَّه (^١).
وأراد رسول الله - ﷺ - أن يعلو صخرةً هنالك فلم يستطع لِما به، فجلس طلحة تحته حتى صعدها (^٢). وحانت الصلاة فصلى بهم جالسًا. وصار رسول الله - ﷺ - في ذلك اليوم تحت لواء الأنصار.
وشدَّ حنظلة الغسيل ــ وهو حنظلة بن أبي عامر ــ على أبي سفيان، فلما تمكَّن منه حمل على حنظلة شدَّادُ بن الأسود فقتله، وكان جنبًا فإنه سمع الصيحة وهو على امرأته فقام من فوره إلى الجهاد، فأخبر رسولُ الله - ﷺ - أصحابه أن الملائكة تَغْسِله، ثم قال: «سلوا أهله ما شأنه؟» فسألوا امرأته فأخبرتهم الخبر (^٣). وجعل الفقهاء هذا حجةً على أن الشهيد إذا قُتل جنبًا
_________________
(١) كذا في جميع الأصول والطبعة الهندية، وأيضًا في «الفصول» لابن كثير (ص ١١٧) وهو صادر عن المؤلف ــ وسياق طبعة الرسالة: « بماء ليشرب منه فوجده آجنًا فردّه وغسل عن وجهه الدم وصبَّ على رأسه». وهو تغيير في السياق ليكون موافقًا لما في كتب الحديث والسيرة، فقد ثبت في «الصحيحين» ــ وسيأتي ــ من حديث سهل بن سعد أن فاطمة غسلت وجه النبي - ﷺ - بالماء الذي جاء به عليٌّ، وفي «صحيح ابن حبان» (٦٩٧٩) من حديث الزبير أن النبي - ﷺ - أراد أن يشرب منه فوجد له ريحًا فعافه، فغسل به الدم الذي في وجهه. وبنحوه ورد في مغازي عروة ــ كما في «الدلائل» (٣/ ٢٨٢ - ٢٨٣) ــ من رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عنه.
(٢) وحينئذ قال - ﷺ -: «أوجب طلحةُ» أي الجنةَ. أخرجه أحمد (١٤١٧) والترمذي (١٦٩٢) وابن حبان (٦٩٧٩) والحاكم (٣/ ٢٥) من حديث الزبير.
(٣) أخرجه ابن حبان (٧٠٢٥) والحاكم (٣/ ٢٠٤) من حديث عبد الله بن الزبير بنحوه. وقد روي غسل الملائكة لحنظلة من غير وجه.
[ ٣ / ٢٣٣ ]
- إسلام واستشهاد عمرو بن ثابت، ولم يسجد لله سجدة
يغسل اقتداءً بالملائكة (^١).
وقتل المسلمون حاملَ لواء المشركين، فرفعته لهم عَمْرةُ بنت علقمةَ الحارثية حتى اجتمعوا إليه. وقاتلت أم عُمارة وهي نَسِيبة بنت كعب المازِنية قتالًا شديدًا، وضربت عمرَو بن قمئة بالسَّيف ضرباتٍ فوَقَتْه درعان كانتا عليه، وضربها عمرو بالسيف فجرحها جرحًا عظيمًا على عاتقها.
وكان عمرو بن ثابت المعروف بالأُصَيرم من بني عبد الأشهل يأبى الإسلام، فلما كان يومُ أحدٍ قذف الله الإسلام في قلبه للحسنى التي (^٢) سبقت له منه، فأسلم وأخذ سيفه ولحق بالنبي - ﷺ - فقاتل فأُثبِت بالجراح، ولم يَعلم أحد بأمره، فلما انجلت الحرب طاف بنو عبد الأشهل في القتلى يلتمسون قتلاهم فوجدوا الأُصَيرم وبه رمق يسير، فقالوا: واللهِ إن هذا الأُصَيرم، ما جاء به؟! لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الأمر (^٣)، ثم سألوه: ما الذي جاء بك؟ أحَدَبٌ على قومك أم رغبة في الإسلام؟ فقال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله ورسوله ثم قاتلت مع رسول الله حتى أصابني ما ترون ومات من وقته، فذكروه لرسول الله - ﷺ - فقال: «هو من أهل الجنة». قال أبو هريرة: ولم يصل لله صلاةً قط (^٤).
_________________
(١) واحتجّ به أيضًا من قال: إنه لا يُغسل، لأن بني آدم لم يغسلوه. انظر: «الأصل» للشيباني (١/ ٣٤٦) و«شرح التلقين» (٣/ ١١٨٩) و«المغني» (٣/ ٤٦٩) و«المجموع» للنووي (٥/ ٢٦٠).
(٢) في الأصول: «الذي»، إلا أنه أُصلح في ع إلى المثبت.
(٣) «لهذا الأمر» ليس في م، ق، ب، ث.
(٤) أسنده ابن إسحاق ــ ومن طريقه ابن هشام (٢/ ٩٠) وأحمد (٢٣٦٣٤) ــ بإسناد حسن.
[ ٣ / ٢٣٤ ]
- مناداة أبي سفيان رسول الله - ﷺ - والمسلمين عند انقضاء الحرب
ولما انقضت الحرب أشرف أبو سفيان على الجبل ونادى: أفيكم محمد؟ فلم يجيبوه، فقال: أفيكم ابن أبي قحافة؟ فلم يجيبوه، فقال: أفيكم ابن الخطاب؟ فلم يجيبوه، ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة لعلمه وعلم قومه أن قيام (^١) الإسلام بهم، فقال: أمّا هؤلاء فقد كفيتموهم، فلم يملك عمر نفسه أن قال: يا عدوَّ الله، إن الذين ذكرتهم أحياء، وقد أبقى الله لك ما يسوءك! فقال: قد كان في القوم مُثلة لم آمُر بها ولم تسؤني، ثم قال: اعْلُ هُبَل! فقال النبي - ﷺ -: «ألا تجيبوه (^٢)؟» قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله أعلى وأجل»، ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم! قال: «ألا تجيبوه؟» قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم» (^٣).
فأمرهم بجوابه عند افتخاره بآلهته وبشِرْكِه تعظيمًا للتوحيد وإعلامًا بعزَّة من عبده المسلمون وقوةِ جانبه، وأنه لا يُغلَب ونحن حزبُه وجنده؛ ولم يأمرهم بإجابته حين قال: أفيكم محمد؟ أفيكم ابن أبي قحافة؟ أفيكم عمر؟ بل قد روي أنه نهاهم عن إجابته وقال: «لا تجيبوه» (^٤)، لأن كَلَبَهُم (^٥) لم يكن برد بعدُ في طلب القوم، ونارُ غيظهم بعدُ متوقِّدة؛ فلما قال لأصحابه: أما هؤلاء فقد كفيتموهم، حمي عمرُ بن الخطاب واشتد غضبه وقال: كذبتَ يا
_________________
(١) د، المطبوع: «قوام».
(٢) في المطبوع هنا وفي الموضع الآتي: «تجيبونه» خلافًا للأصول. و«تجيبوه» هكذا وقع في رواية أبي ذر الهروي لـ «صحيح البخاري». انظر: «إرشاد الساري» للقسطلاني (٥/ ١٦٠).
(٣) أخرجه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء بن عازب.
(٤) كما في روايةٍ عند البخاري (٤٠٤٣) لحديث البراء السابق.
(٥) أي شدة حرصهم. في المطبوع: «كَلْمهم»، تصحيف.
[ ٣ / ٢٣٥ ]
عدو الله! فكان في هذا الإعلام من الإذلال والشجاعة وعدمِ الجبن والتعرُّفِ إلى العدو في تلك الحال ما يؤذنهم بقوة القوم وبسالتهم، وأنهم لم يَهِنوا ولم يَضْعُفُوا، وأنه وقومه جديرون بعدم الخوف منهم، وقد أبقى الله لهم ما يسوءهم منهم، وكان في (^١) الإعلام ببقاء هؤلاء الثلاثة وهلةً بعد ظنِّه وظنِّ قومه أنهم قد أصيبوا من المصلحة وغيظ العدو وحزنه (^٢) والفَتِّ في عَضُده ما ليس في جوابه حين سأل عنهم واحدًا واحدًا، فكان سؤاله عنهم ونَعْيُهم لقومه آخرَ سهامِ العدو وكيده، فصبر له النبي - ﷺ - حتى استوفى كيدَه، ثم انتدب له عمر فردَّ سهامَه عليه؛ فكان تركُ الجواب أولًا أحسنَ، وذكرُه ثانيًا أحسنَ.
وأيضًا، فإن في ترك إجابته حين سأل عنهم إهانةً له وتصغيرًا لشأنه. فلما منَّتْه نفسُه موتَهم وظنَّ أنهم قد قُتِلوا، وحصل له بذلك من الكِبر والإعجاب (^٣) ما حصل= كان في جوابه إهانة له وتحقيرٌ وإذلال (^٤)، ولم يكن هذا مخالفًا لقول النبي - ﷺ -: «لا تجيبوه»، فإنه إنما نهى عن إجابته لمَّا سأل: أفيكم محمد؟ (^٥) أفيكم فلان؟ ولم ينهَ عن إجابته لمَّا قال: أما هؤلاء فقد قُتلوا؛ وبكل حالٍ فلا أحسنَ مِن ترك إجابته أولًا، ولا أحسنَ مِن إجابته ثانيًا.
_________________
(١) «في» ساقطة من ص، ز، د.
(٢) د، النسخ المطبوعة: «حزبه»، تصحيف.
(٣) ن، النسخ المطبوعة: «والأشر»، وكذا كان في ص، ثم كتب المثبت في الهامش مصححًا عليه.
(٤) في عامّة الأصول عدا م، ق، ث: «تحقيرًا وإذلالًا»، خطأ.
(٥) «أفيكم محمد» ساقط من ق.
[ ٣ / ٢٣٦ ]
ثم قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، والحرب سِجال، فأجابه عمر: «لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار» (^١).
قال ابن عباس (^٢): ما نُصِر رسولُ الله - ﷺ - في موطنٍ نَصْرَه يومَ أحدٍ، فأُنكر ذلك عليه، فقال: بيني وبين من ينكر كتاب الله، إن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. قال ابن عباس: والحَسُّ: القتل، ولقد كان لرسول الله - ﷺ - وأصحابه أولَ النهار حتى (^٣) قُتل من أصحاب لواءِ (^٤) المشركين سبعة أو تسعة وذكر الحديث.
وأنزل الله عليهم النعاس أمنةً منه في غزاة بدر وأحد، والنعاس في الحرب وعند الخوف دليل على الأمن، وهو من الله، وفي الصلاة ومجالس الذكر والعِلم من الشيطان (^٥).
وقاتلت الملائكةُ يومَ أحدٍ عن رسول الله - ﷺ -، ففي «الصحيحين» (^٦):
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٦٠٩) والطبراني (١٠/ ٣٦٤) والحاكم (٢/ ٢٩٧) والضياء في «المختارة» (١١/ ١٤٣) من حديث ابن عباس. وهو صحيح بطرقه وشواهده.
(٢) في الحديث السابق.
(٣) ص، ز، د: «حين»، والمثبت هو لفظ مصادر التخريج.
(٤) «لواء» ساقط من المطبوع.
(٥) قال ابن مسعود: «النعاس في القتال أمنة من الله، والنعاس في الصلاة من الشيطان». أخرجه عبد الرزاق (٤٢١٩) ومسدّد ــ كما في «المطالب العالية» (٣٥٦٢) ــ والطبري (٦/ ١٦٣) بإسناد صحيح.
(٦) البخاري (٤٠٥٤) ومسلم (٢٣٠٦).
[ ٣ / ٢٣٧ ]
- قتل سبعة من الأنصار يومئذ وقوله - ﷺ -: «ما أنصفنا أصحابنا»
عن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه عليهما ثيابٌ بِيض (^١) كأَشدِّ القتال، ما رأيتهما قبلُ ولا بعدُ.
وفي «صحيح مسلم» (^٢): أنه - ﷺ - أُفرد يومَ أحدٍ في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رَهِقُوه قال: «من يردُّهم عنَّا وله الجنة ــ أو: هو رفيقي في الجنة ــ؟» فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتِل، ثم رَهِقوه أيضًا فقال: «من يردهم عنَّا وله الجنة ــ أو: هو رفيقي في الجنة ــ؟» فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتِل (^٣)، فلم يزل كذلك حتى قُتِل السبعة، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما أنصفنا أصحابنا». وهذا يُروى على وجهين: سكونِ الفاء ونصب «أصحابنا» على المفعولية، وفتحِ الفاء ورفعِ «أصحابنا» على الفاعلية.
ووجه النصب أن الأنصار لما خرجوا للقتال واحدًا بعد واحدٍ حتى قُتلوا ولم يخرج المهاجرون (^٤) قال ذلك، أي: ما أنصفتْ قريشٌ الأنصارَ.
ووجه الرفع أن يكون المراد بالأصحاب: الذين فرُّوا عن رسول الله - ﷺ - حتى أُفرِد في النَّفَر القليل، فقُتِلوا واحدًا بعد واحدٍ، فلم ينصفوا رسولَ الله - ﷺ - ومن ثبت معه.
_________________
(١) م، ق، ب: «بياض»، والمثبت لفظ «الصحيحين».
(٢) برقم (١٧٨٩).
(٣) «ثم رهقوة حتى قُتل» من ص، د، ن. وقد سقط من سائر الأصول لانتقال النظر.
(٤) ن: «القرشيين».وفي ص كان: «القرشيُّون» ثم ضرب عليه وكتب المثبت. وفي النسخ المطبوعة: «القرشيَّان».
[ ٣ / ٢٣٨ ]
- جرح النبي - ﷺ - وما دووي به
وفي «صحيح ابن حبان» (^١) عن عائشة قالت: قال أبو بكر الصديق: لما كان يومُ أحدٍ انصرف الناس كلُّهم عن النبي - ﷺ -، فكنت أوَّلَ من فاء إلى النبي - ﷺ -، فرأيت بين يديه رجلًا يقاتل عنه ويحميه، قلت: كُن طلحة فداك أبي وأمي! كن طلحة فداك أبي وأمي (^٢)! فلم أنشب أن أدركني أبو عبيدةَ بنُ الجرَّاح وإذا هو يشتدُّ كأنه طير حتى لحقني، فدَفَعْنا إلى النبي - ﷺ - فإذا طلحة بين يديه صريعًا، فقال النبي - ﷺ -: «دونكم أخاكم، فقد أوجب»، وقد رُمِي النبي - ﷺ - في جَبِينه، ورُمِي في وَجْنَته حتى غابت حلقة من حِلَق المِغْفَر في وجنته، فذهبتُ لأنزِعها (^٣) عن النبي - ﷺ - فقال أبو عبيدة: نشدتُك بالله يا أبا بكر إلّا تركتني! قال: فأخذ أبو عبيدة السهمَ بفيه فجعل يُنَضْنِضُه كراهة (^٤)
أن يؤذي رسول الله - ﷺ -، ثم استلَّ السهم بفيه فنَدَرَت ثنيةُ أبي عبيدة، قال أبو بكر: ثم ذهبتُ لآخذ الآخر فقال أبو عبيدة: نشدتُك بالله يا أبا بكر إلا تركتني! قال: فأخذه بفيه فجعل ينضنضه ثم استلَّه، فندرت ثنيةُ أبي عبيدة الأخرى، ثم قال رسول الله - ﷺ -: «دونكم أخاكم، فقد أوجب»، قال: فأقبلنا على طلحة نُعالجه وقد أصابته بضعة عشر ضربةً.
_________________
(١) برقم (٦٩٨٠) بنحوه، واللفظ المذكور إنما هو لهَيثم بن كُليب الشاشي في «مسنده» كما في «المختارة» للضياء (١/ ١٣٧) من طريقه. وأخرجه أيضًا الطيالسي (٦) والبزّار (٦٣) والحاكم (٣/ ٢٧) وقال: صحيح الإسناد، فتعقبه الذهبي بأن أحد رواته إسحاق بن يحيى بن طلحة متروك. وذكر ابن كثير في «تفسيره» (آل عمران: ١٥٣) أن علي ابن المديني قد ضعّف هذا الحديث من جهة إسحاق بن يحيى هذا.
(٢) سقطت جملة التفدية المكررة من ص، د، ز، ن.
(٣) ز، ع: «لأنتزعها».
(٤) ز، ع: «كراهية». والنضنضة: التحريك ..
[ ٣ / ٢٣٩ ]
وفي «مغازي الأموي» (^١): أن المشركين صعدوا على الجبل، فقال رسول الله - ﷺ - لسعد: «احْتُتْهم» (^٢) ــ يقول: ارددهم ــ، فقال: كيف أَحُتُّهم وحدي؟ فقال ذلك ثلاثًا، فأخذ سعدٌ سهمًا من كنانته فرمى به رجلًا فقتله، قال: ثم أخذتُ سهمي أعرفه فرميتُ به آخر فقتلتُه، ثم أخذته أعرفه فرميت به آخر فقتلته، فهبطوا من مكانهم، فقلت: هذا سهم مبارك، فجعلته في كنانتي، فكان عند سعد حتى مات ثم كان عند بنيه.
وفي «الصحيحين» (^٣) عن أبي حازم [عن سهل بن سعد] أنه سئل عن جرح رسول الله - ﷺ - فقال: والله إني لأَعرِف مَن كان يَغسل جرح رسول الله - ﷺ -، ومن كان يَسْكُب الماء، وبما دُووِي؛ كانت فاطمة ابنتُه تغسله، وعليُّ بن أبي طالب يسكب الماء بالمِجَنِّ، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدمَ إلا كثرةً أخذت قطعةً من حَصِير فأحرقتها فألصقتها فاستمسك الدم.
وفي «الصحيح» (^٤): أنه كُسرت رَباعِيَتُه، وشُجَّ في رأسه فجعل يَسْلُتُ
_________________
(١) لسعيد بن يحيى بن سعيد الأموي (ت ٢٤٩)، يروي فيها عن أبيه عن ابن إسحاق، ويزيد فيها أشياء من روايته. انظر: «سير النبلاء» (٩/ ١٣٩). والحديث أخرجه أيضًا أبو إسحاق الفزاري في «كتاب السير» (١٩٠) ــ ومن طريقه ابن أبي الدنيا في «مكارم الأخلاق» (١٨١) ــ عن رجل من أهل المدينة عن محمد بن المنكدر مرسلًا.
(٢) في النسخ المطبوعة: «اجنبهم»، تصحيف. وهو غيرمحرَّر النقط في عامّة الأصول، والمثبت هو المنصوص عليه في كتب الغريب واللغة. وهو أمر مِن: (حتَّ الشيءَ يحُتُّه) إذا حكَّه وقشره، ومنه أيضًا: (تحاتَّ الشيءُ) إذا تناثر وتساقط. فالمعنى: أزِلْهم عنّا كما يُزال الشيء بالحك والقشر، أو اجعلهم يتحاتُّون أي يتساقطون.
(٣) البخاري (٤٠٧٥) ومسلم (١٧٩٠)، وما بين الحاصرتين مستدرك منهما.
(٤) «صحيح مسلم» (١٧٩١) من حديث أنس، وعلّقه البخاري مختصرًا في المغازي، باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية.
[ ٣ / ٢٤٠ ]
- ذكر استشهاد أنس بن النضر وغيره من الصحابة
الدم عنه ويقول: «كيف يفلح قوم شجُّوا نبيَّهم وكسروا رَباعيته وهو يدعوهم؟!» فأنزل الله ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
ولما انهزم الناس لم ينهزم أنس بن النضر وقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ــ يعني: المسلمين ــ، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ــ يعني: المشركين ــ، ثم تقدَّم فلقيه سعد بن معاذ فقال: أين يا أبا عمر؟ فقال أنس: واهًا لريح الجنة يا سعد! إني أجده دون أُحُدٍ، ثم مضى فقاتل القوم حتى قُتِل، فما عُرِف حتى عرفتْه أختُه ببنانه وبه بضع وثمانون ما بين طعنةٍ برمح وضربةٍ بسيف ورميةٍ بسهم (^١).
وانهزم المشركون أول النهار كما تقدم، فصرخ فيهم إبليس: أي عباد الله أُخراكم! فرجعوا (^٢) من الهزيمة فاجتلَدوا، ونظر حذيفة إلى أبيه والمسلمون يريدون قتلَه وهم يظنونه من المشركين فقال: أي عباد الله، أبي! فلم يفهموا قولَه حتى قتلوه، فقال: يغفر الله لكم، فأراد رسول الله - ﷺ - أن يَدِيَه، فقال: قد تصدقتُ بدمه على المسلمين، فزاد ذلك حذيفة خيرًا عند النبي - ﷺ - (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٨٠٥، ٤٠٤٨) ومسلم (١٩٠٣) من حديث أنس بن مالك، وأنس بن نضر عمُّه وبه سُمِّي أنس بن مالك.
(٢) النسخ المطبوعة: «أي عباد الله أخزاكم الله فارجعوا»، تحريف مخالف للأصول ولنصّ الحديث عند البخاري. وقول اللعين: «أخراكم!» أي عليكم بمَن وراءَكم فقاتِلوهم.
(٣) أخرجه البخاري (٣٢٩٠، ٣٨٢٤، ٤٠٦٥ ومواضع أخرى) من حديث عائشة، دون قوله: فأراد رسول الله - ﷺ - أن يديه إلخ، فهو عند ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (ص ٨٨) ــ عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد - ﵁ -. وفي مرسل الزهري عند عبد الرزاق (١٨٧٢٤) أن النبي - ﷺ - وداه. وكذا ذكره موسى بن عقبة ــ كما في «الدلائل» (٣/ ٢١٨) ــ عن الزهري عن عروة مرسلًا.
[ ٣ / ٢٤١ ]
وقال زيد بن ثابت: بعثني رسول الله - ﷺ - يوم أحد لطلب سعد بن الربيع وقال لي: «إن رأيته فأقرِه (^١) مني السلام، وقل له: يقول لك رسول الله - ﷺ -: كيف تجدك؟» قال: فجعلت أطوف بين القتلى، فأتيتُه وهو في آخر رمقٍ وبه سبعون ضربةً ما بين طعنة برمحٍ وضربةٍ بسيف ورمية بسهم، فقلت: يا سعدُ، إن رسول الله - ﷺ - يقرأ عليك السلام ويقول لك: خَبِّرْني (^٢) كيف تجدك؟ فقال: وعلى رسول الله السلام، قل له: يا رسول الله، أجدُ ريحَ الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عُذر لكم عند الله إن خُلِص إلى رسول الله - ﷺ - وفيكم عين تَطْرِف؛ وفاضت نفسه من وقته (^٣).
ومرَّ رجل من المهاجرين برجلٍ من الأنصار وهو يتشحَّطُ في دمه فقال: يا فلان، أشعرتَ أن محمدًا قد قُتِل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلَّغ، فقاتِلُوا عن دينكم، فنزل: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ
_________________
(١) كذا في الأصول بحذف الهمزة تخفيفًا، وأصله: «أقرِئْه».
(٢) كذا في عامة الأصول و«المستدرك». وفي ث، ن، والنسخ المطبوعة: «أخبرني».
(٣) أخرجه الحاكم (٣/ ٢٠١) ــ واللفظ له ــ من حديث زيد بن ثابت، وفي إسناده من لا يُعرَف. وأسنده ابن إسحاق ــ كما عند ابن هشام (٢/ ٩٤) ــ عن معمر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني مرسلًا بنحوه. وأخرجه مالك في «الموطأ» (١٣٣٨) عن يحيى بن سعيد الأنصاري مرسلًا بنحوه.
[ ٣ / ٢٤٢ ]
الرُّسُلُ﴾ الآية (^١) [آل عمران: ١٤٤].
وقال عبد الله بن عمرو بن حرام: رأيتُ في النوم قبل أُحُدٍ مُبشِّرَ بن عبد المنذر يقول لي: أنت قادمٌ علينا في أيام، فقلت: وأين أنت؟ قال: في الجنة نسرح فيها كيف نشاء. قلت له: ألم (^٢) تُقتَل يوم بدر؟ قال: بلى ثم أُحْيِيت، فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: «هذه الشهادة يا أبا (^٣) جابر» (^٤).
وقال خيثمةُ أبو سعدِ بن خيثمة ــ وكان ابنه استشهد مع رسول الله - ﷺ - يوم بدر ــ: لقد أخطأتْني وقعةُ بدرٍ، وكنت والله عليها حريصًا حتى (^٥) ساهمتُ ابني في الخروج، فخرج سهمُه فرُزِق الشهادة، وقد رأيت ابني البارحةَ في النوم في أحسن صورةٍ يَسرح في ثمار الجنة وأنهارِها ويقول: الحَقْ بنا تُرافِقْنا في الجنة، فقد وجدتُ ما وعدني ربي حقًّا، وقد واللهِ ــ يا رسول الله ــ أصبحتُ مشتاقًا إلى مُرافقته في الجنة، وقد كَبِرت سِنِّي ورقَّ عظمي وأحببتُ
_________________
(١) أخرجه آدم بن أبي إياس في «تفسير مجاهد وغيره» (١/ ١٣٧) ــ ومن طريقه البيهقي في «دلائل النبوة» (٣/ ٢٤٨) ــ عن أبي نجيح المكي مرسلًا. وأخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٩٩) عن الربيع بن أنس (راوية أبي العالية) قال: ذُكر لنا ــ والله أعلم ــ أن رجلًا من المهاجرين إلخ.
(٢) ز، ع: «أَوَلم».
(٣) «أبا» سقطت من م، ق، ب.
(٤) ذكره الواقدي في «مغازيه» (١/ ٢٦٦) عن شيوخه، ومن طريق الواقدي أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣/ ٢٠٤). ويشهد لبعضه ما أخرجه البخاري (١٣٥١) عن جابر قال: لمَّا حضر أُحُد دعاني أبي من الليل فقال: «ما أُراني إلا مقتولًا في أوَّلِ من يُقتل من أصحاب النبي - ﷺ - »، قال جابر: فأصبحنا فكان أوَّلَ قتيلٍ.
(٥) ص، ز، د، ع: «ثم»، تصحيف.
[ ٣ / ٢٤٣ ]
لقاءَ ربي، فادع الله يا رسول الله أن يرزقني الشهادة ومرافقةَ سعدٍ في الجنة؛ فدعا له رسولُ الله - ﷺ - بذلك، فقُتِل بأحد شهيدًا (^١).
وقال عبدُ الله بن جحش في ذلك اليوم: اللهم إني أُقسم عليك أن ألقى العدوَّ غدًا فيقتلوني ثم يَبقُرُوا بطني ويَجدَعُوا أنفي وأذني، ثم تسألني: بِمَ (^٢) ذلك؟ فأقول: فيك (^٣).
وكان عمرُو بن الجَمُوح أعرجَ (^٤) شديدَ العَرَج، وكان له أربعة (^٥) بنين شبابٍ يغزون مع رسول الله - ﷺ - إذا غزا، فلما توجَّه إلى أُحُد أراد أن يتوجَّه معه، فقال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصةً، فلو قعدت فنحن نكفيك، فقد وضع الله عنك الجهاد، فأتى عمرو بن الجموح رسولَ الله - ﷺ - فقال: يا
_________________
(١) ذكره الواقدي في «مغازيه» (١/ ٢١٢)، ونقله عنه البيهقي في «الدلائل» (٣/ ٢٤٩).
(٢) م، ق، ب، ث، المطبوع: «فِيمَ»، والمثبت من سائر الأصول لفظ «المستدرك».
(٣) أخرجه الحاكم (٣/ ٢٠٠) ــ وعنه البيهقي في «الدلائل» (٣/ ٢٥٠) ــ من طريق ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب مرسلًا، وقال سعيد: إني لأرجو أن يُبِرَّ الله آخرَ قسمه كما أبرَّ أوَّله. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين لولا إرسال فيه. قلت: «عن يحيى بن سعيد» وهم من بعض الرواة، فإن الحديث مروي من طرق عن ابن عيينة عن ابن جُدعان عن ابن المسيب بنحوه، هكذا رواه ابن المبارك في «الجهاد» (٨٥) وعبد الرزاق في «المصنف» (٩٥٥٢) والحسن بن الصبَّاح كما في «حلية الأولياء» (١/ ١٠٩)، وابن جُدعان فيه لين، ولكن له شاهد بنحوه من حديث سعد بن أبي وقاص أخرجه أبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» (٢٠٩٦) والحاكم (٢/ ٧٦) وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ١٠٩) بإسناد حسن.
(٤) ص، د، ع: «عَرِج». ز: «بعمرو بن الجموح عَرَجٌ».
(٥) ص، د، ز، ع: «أربع».
[ ٣ / ٢٤٤ ]
- محاولة أبي بن خلف وغيره قتل النبي - ﷺ -
رسول الله، إن بنيَّ هؤلاء يمنعوني أن أخرج معك، ووالله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بِعَرْجتي هذه في الجنة، فقال له رسول الله - ﷺ -: «أمَّا أنت فقد وضع الله عنك الجهاد»، وقال لبنيه: «وما عليكم أن تدعوه لعل الله ﷿ يرزقه (^١) الشهادة» فخرج مع رسول الله - ﷺ - فقُتِل يوم أحد شهيدًا (^٢).
وانتهى أنس بن النضر إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقَوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ فقالوا: قُتِل رسول الله - ﷺ -، قال: فما تصنعون بالحياة بعدَه؟ فقوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله - ﷺ -، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قُتِل (^٣).
وأقبل أُبيُّ بن خلفٍ عدوُّ الله وهو مُقنَّع في الحديد يقول: لا نجوتُ إن نجا محمد، وكان حلف بمكة أن يقتل رسول الله - ﷺ -، فاستقبله مصعبُ بن عميرٍ فقُتِل مصعب، وأبصر رسولُ الله - ﷺ - تَرقُوةَ أُبيِّ بن خلفٍ من فُرجةٍ بين سابغة الدرع والبيضة فطعنه بحربته فوقع عن فرسه، فاحتمله أصحابه وهو يَخُور خُوارَ الثور، فقالوا: ما أجزعك؟ إنما هو خدش، فذكر لهم قولَ النبي
_________________
(١) ز: «أن يرزقه». ص، د، ع: «لعل الله ﷿ يرزقه الله».
(٢) أسنده ابن إسحاق ــ ومن طريقه ابن هشام (٢/ ٩١) والبيهقي في «الدلائل» (٣/ ٢٤٦) ــ عن أبيه عن أشياخ من بني سلمة (وهم رهط عمرو بن الجموح). ولبعضه شاهد من حديث أبي قتادة الأنصاري عند أحمد (٢٢٥٥٣) بإسناد حسن، وآخر من حديث جابر عند ابن حبان (٧٠٢٤) بإسناد حسن أيضًا.
(٣) أسنده ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٨٣) ــ فقال: وحدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عدي بن النجار (وهم رهط أنس بن النضر) قال: (فذكره بمثله). وقد سبق أن ذكر المؤلف خبره (ص ٢٤١) من وجهٍ آخر.
[ ٣ / ٢٤٥ ]
- ﷺ -: «بل أنا أقتله إن شاء الله»، فمات برابغ (^١).
قال ابن عمر: إني لأسير ببطن رابغ بعد هَوِيٍّ من الليل إذا نارٌ تأجَّج لي، فيمَّمتُها (^٢) وإذا رجل يخرج منها في سلسلةٍ يجتذبها يصيح: العطش! وإذا رجل يقول: لا تَسْقِه، هذا قتيلُ رسول الله - ﷺ -، هذا أبي بن خلف (^٣).
وقال نافع بن جبير: سمعت رجلًا من المهاجرين يقول: شهدت أحدًا فنظرت إلى النبل تأتي من كل ناحيةٍ ورسولُ الله - ﷺ - وسطَها، كل ذلك يُصرَف عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ: دُلُّوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، ورسول الله - ﷺ - إلى جنبه ما معه أحد، ثم جاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان فقال: واللهِ ما رأيتُه، أحلف بالله إنه منا ممنوع، فخرجنا أربعةً فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إلى ذلك (^٤).
_________________
(١) سبق تخريجه (ص ٢٣٢)، إلا أنه ذكر هناك أنه مات بسرف، وهو الذي ذكره ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٨٤). وذكر الواقدي في «مغازيه» (١/ ٢٥٢) عن ابن عمر أنه كان يقول: مات ببطن رابغ.
(٢) م، ق، ث، ن: «فتيمَّمتَها».
(٣) ذكره الواقدي (١/ ٢٥٢) بلا إسناد. وأخرج الطبراني في «الأوسط» (٦٥٦٠) عن ابن عمر نحوه إلا أن المعذَّب فيه هو أبو جهل، وإسناده واه. وأخرجه ابن أبي الدنيا في «كتاب القبور» (٩٣) وفي «من عاش بعد الموت» (٣٣، ٣٤) وابن الأعرابي في «معجمه» (١٣٨١) والبيهقي في «إثبات عذاب القبر» (٢٥٧) بأسانيد واهية من غير تعيين المعذَّب.
(٤) أخرجه الواقدي (١/ ٢٣٧) ــ ومن طريقه البيهقي في «الدلائل» (٣/ ٢٦٤) ــ بإسناد واه.
[ ٣ / ٢٤٦ ]
ولما مصَّ مالكٌ ــ أبو [أبي] (^١) سعيد الخدري ــ جرحَ رسول الله - ﷺ - حتى أنقاه قال له: مُجَّه، قال: واللهِ لا أمُجُّه أبدًا، ثم أدبر فقال النبي - ﷺ -: «من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» (^٢).
قال الزهري، وعاصم بن عمر، ومحمد بن يحيى بن حَبَّان، وغيرُهم (^٣): كان يومُ أحد يومَ بلاءٍ وتمحيصٍ، اختبر الله ﷿ به المؤمنين وأظهر به المنافقين ممن كان يظهر الإسلام بلسانه وهو مُستخفٍ بالكفر، وأكرم فيه من أراد كرامته بالشهادة من أهل ولايته، فكان مما نزل من (^٤) القرآن في يوم أُحُد ستون آيةً من آل عمران أوَّلُها: ﴿ا وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ إلى آخر القصة [آل عمران: ١٢١ - ١٧٩].
فصل
فيما اشتملت عليه هذه الغزاة من الأحكام والفقه
منها: أن الجهاد يلزم بالشروع فيه، حتى إن من لبس لَأْمَتَه وشرع في أسبابه وتأهَّب للخروج ليس له أن يرجع عن الخروج حتى يقاتلَ عدوه.
ومنها: أنه لا يجب على المسلمين إذا طرقهم عدوُّهم في ديارهم الخروجُ إليه، بل يجوز لهم أن يلزموا ديارَهم ويقاتلوهم فيها إذا كان ذلك
_________________
(١) زيادة لا بُدَّ منها لإقامة المعنى. وفي ن كُتب فوقه: «والد» بخط مغاير مصححًا عليه، أي: أن مالكًا هو والدُ أبي سعيد. وقد سبق على الصواب قريبًا (ص ٢٣١).
(٢) أخرجه سعيد بن منصور (٢٥٧٣) والبيهقي في «الدلائل» (٣/ ٢٦٦) عن عمر بن السائب ــ فقيه مصري من أتباع التابعين ــ أنه بلغه عن مالك.
(٣) أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٣/ ٢٧٤) من رواية ابن إسحاق عنهم.
(٤) م، ق، ب: «به». والمثبت موافق لمصدر المؤلف.
[ ٣ / ٢٤٧ ]
أنصرَ لهم على عدوهم، كما أشار به رسول الله - ﷺ - عليهم يوم أحد.
ومنها: جواز سلوك الإمام بالعسكر في بعض أملاك رعيَّته إذا صادف ذلك طريقه وإن لم يرضَ المالك.
ومنها: أنه لا يأذن لمن لا يطيق القتال من الصبيان غير البالغين، بل يردُّهم إذا خرجوا، كما ردَّ رسولُ الله - ﷺ - ابن عمر ومن معه.
ومنها: جواز الغزو بالنساء والاستعانة في الجهاد بهن.
ومنها: جواز الانغماس في العدو، كما انغمس أنس بن النضر وغيره.
ومنها: أن الإمام إذا أصابته جراحة صلى بهم قاعدًا وصلَّوا وراءه قعودًا، كما فعل رسول الله - ﷺ - في هذه الغزوة، واستمرت على ذلك سنته إلى حين وفاته.
ومنها: جواز دعاء الرجل أن يُقتَل في سبيل الله وتمنِّيه ذلك، وليس هذا من تمنِّي الموت المنهي عنه، كما قال عبد الله بن جحش: اللهم لَقِّني من المشركين رجلًا عظيمًا كفرُه شديدًا حَرَدُه فأقاتله، فيقتلني فيك ويسلبني، ثم يجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتُك فقلتَ: يا عبد الله بن جحش فيم جُدِعتَ؟ قلت: فيك يا رب.
ومنها: أن المسلم إذا قَتَل نفسَه فهو من أهل النار، لقوله - ﷺ - في قُزْمان الذي أبلى يوم أحدٍ بلاءً شديدًا، فلما اشتدت به الجراح نحر نفسه فقال: «هو من أهل النار» (^١).
_________________
(١) أسنده ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٨٨) ــ عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلًا. وله شاهد من حديث سهل بن سعد الساعدي عند البخاري (٢٨٩٨) ومسلم (١١٢)، ولكن لم يذكر فيه اسمه ولا اسم الغزاة.
[ ٣ / ٢٤٨ ]
- أحكام غسل الشهيد وكفنه ودفنه
ومنها: أن السنة في الشهيد أنه لا يُغسَّل ولا يُصلَّى عليه، ولا يُكفَّن في غير ثيابه بل يدفن فيها بدمه وكلومه، إلا أن يُسْلَبَها فيكفن في غيرها.
ومنها: أنه إذا كان جنبًا غُسِّل كما غسلت الملائكةُ حنظلةَ بن أبي عامر.
ومنها: أن السنة في الشهداء أن يُدفَنوا في مصارعهم ولا يُنقَلوا إلى مكان آخر، فإن قومًا من الصحابة نقلوا قتلاهم إلى المدينة فنادى منادي رسول الله - ﷺ - بالأمر بردِّ القتلى إلى مضاجعهم. قال جابر: بينا أنا في النظَّارة إذ جاءت عمَّتي (^١) بأبي وخالي عادلَتْهما على ناضحٍ فدخلت بهما المدينة لتَدفِنَهما في مقابرنا، وجاء رجل ينادي: ألا إن رسول الله - ﷺ - يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قُتِلت، قال: فرجعنا بهما فدفناهما في القتلى حيث قُتِلا، فبينا أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيان إذ جاءني رجل فقال: يا جابر، واللهِ لقد أثار أباك عُمَّال معاويةَ فبدا فخرج طائفةٌ منه، قال: فأتيتُه فوجدته على النحو الذي تركته لم يتغير منه شيء، قال: فواريته (^٢)؛ فصارت سنةً في الشهداء أن يُدفَنوا في مصارعهم.
ومنها: جواز دفن الرجلين والثلاثة في القبر الواحد، فإن رسول الله - ﷺ - كان يدفن الرجلين والثلاثة في القبر ويقول: «أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟» فإذا
_________________
(١) ص، د: «عين»، تصحيف.
(٢) أخرجه أحمد (١٥٢٨١) والدارمي (٤٦) مطوّلًا بتمامه، وأخرجه أبو داود (٣١٦٥) والترمذي (١٧١٧) والنسائي (٢٠٠٥) وابن حبان (٣١٨٤) مختصرًا؛ من طرق عن الأسود بن قيس عن نُبيح العَنَزي عن جابر. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ونُبيح ثقة.
[ ٣ / ٢٤٩ ]
أشاروا إلى رجل قدَّمه في اللحد (^١).
ودَفَن عبدَ الله بن عمرِو بن حرام وعمرو بن الجَمُوح في قبر واحد لِما كان بينهما من المحبة، فقال: «ادفنوا هذين المتحابَّين في الدنيا في قبرٍ واحد» (^٢). ثم حُفِر عنهما بعد زمن طويل ويَدُ عبدِ الله بن عمرو بن حرام على جرحه كما وضعها حين جُرِح، فأميطت يدُه عن جرحه فانبعث الدم، فرُدَّت إلى مكانها فسكن الدم (^٣).
وقال جابر: رأيت أبي في حُفرته حين حفر عليه كأنه نائم، وما تغيَّر من حاله قليل ولا كثير. قيل له: أفرأيت أكفانه؟ فقال: إنما دُفِن في نمرة خُمِّر بها وجهُه، وعلى رجليه الحرمل (^٤)، فوجدنا النمرة كما هي، والحرمل على رجليه على هيئته، وبين ذلك ست وأربعون سنةً (^٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٣٦٦٠) والبخاري (١٣٤٧) من حديث جابر بنحوه، وليس عند البخاري: «والثلاثة».
(٢) ذكره الواقدي في «مغازيه» (١/ ٢٦٧) عن شيوخه في سياق غزوة أحد، وكذا ابن سعد في «الطبقات» (٣/ ٥٢١). وأسنده ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٩٧) و«مصنف ابن أبي شيبة» (١١٧٧٤) ــ عن أبيه عن أشياخ من بني سلمة عن النبي - ﷺ - بلفظ: «ادفنوهما في قبر واحد، فإنهما كانا متصافيين في الدنيا».
(٣) ذكره مالك في «الموطأ» (١٣٤٨) عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه ذلك، وفيه: «وكان بين أُحُد وبين يوم حُفِر عنهما: ستٌّ وأربعون سنة». قلتُ: وذلك في خلافة معاوية لمّا أمر بإجراء العين فحفر عُمَّالُه هناك، كما سبق ذلك في حديث جابر المتقدم آنفًا. وانظر: «التمهيد» (١٩/ ٢٣٩ - ٢٤٢).
(٤) من نبات البادية له حب يُدَخَّن به ويُستعمل في الطب.
(٥) ذكره الواقدي (١/ ٢٦٧) وابن سعد (٣/ ٥٢١).
[ ٣ / ٢٥٠ ]
وقد اختلف الفقهاء في أمر النبي - ﷺ - أن يُدفَن شهداءُ أحدٍ في ثيابهم (^١) هل هو على وجه الاستحباب والأولويَّة أو على جهة الوجوب؟ على قولين، الثاني أظهرهما وهو المعروف عن أبي حنيفة، والأول هو المعروف عن أصحاب الشافعي وأحمد (^٢).
فإن قيل: فقد روى يعقوب بن شيبة وغيره (^٣) بإسناد جيد أن صفيَّةَ أرسلت إلى النبي - ﷺ - ثوبين ليكفِّنَ فيهما حمزة، فكفنه في أحدهما وكفن في الآخر رجلًا آخر.
قيل: حمزة كان الكفار قد (^٤) سَلَبوه ومَثَّلُوا به، وبقروا عن بطنه واستخرجوا كبده؛ فلذلك كُفِّن في كفن آخر (^٥).
وهذا القول في الضعف نظيرُ قولِ مَن قال: يغسل الشهيد؛ وسنةُ رسول الله - ﷺ - أولى بالاتباع.
_________________
(١) صحّ الأمر بذلك في حديث عبد الله بن ثعلبة عند أحمد (٢٣٦٥٧) وغيره، وقد تقدم (٢/ ٢٩٩).
(٢) انظر: «المبسوط» (٢/ ٥٠)، و«الأم» (٢/ ٥٩٦) و«روضة الطالبين» (٢/ ١٢٠)، و«المغني» (٣/ ٤٧١)، ولكن قال المرداوي في «الإنصاف» (٦/ ٩٤): «والصحيح من المذهب أنه يجب دفنه فى ثيابه التى قتل فيها؛ نص عليه، وعليه أكثر الأصحاب».
(٣) أخرجه أحمد (١٤١٨) والبيهقي في «السنن» (٣/ ٤٠١) من طريقين عن هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير موصولًا بنحوه. وأخرجه ابن أبي شيبة (١١١٧٢) والبيهقي في «الدلائل» (٣/ ٢٨٩) عن هشام عن أبيه مرسلًا.
(٤) «قد» سقطت من م، ق، ب، ث.
(٥) ويدل عليه ما جاء في الحديث عند أحمد من قول الزبير: «فجئنا بالثوبين لنكفِّن فيهما حمزة، فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار قتيل قد فُعِل به كما فُعِل بحمزة». يعني: من المُثلة والسلب ونحوه.
[ ٣ / ٢٥١ ]
ومنها: أن شهيد المعركة لا يصلى عليه لأن رسول الله - ﷺ - لم يُصلِّ على شهداء أحد، ولم يُعرَف عنه أنه صلى على أحد ممن استشهد معه في مغازيه، وكذلك خلفاؤه الراشدون ونوابهم من بعده (^١).
فإن قيل: فقد ثبت في «الصحيحين» (^٢) من حديث عُقبة بن عامر أن النبي - ﷺ - خرج يومًا فصلى على أهل أحد صلاتَه على الميت، ثم انصرف إلى المنبر.
وقال ابن عباس: صلى رسول الله - ﷺ - على قتلى أحد (^٣).
قيل: أما صلاته عليهم، فكانت بعد ثمان سنين مِن قتلهم قربَ موتِه كالمودِّع لهم، ويُشبه هذا خروجه إلى البقيع قبل موتِه ليستغفرَ لهم كالمودع للأحياء والأموات (^٤)، فهذه كانت توديعًا منه لهم، لا أنها سنة الصلاة على الميت ولو كان ذلك لم يؤخرها ثمان سنين، لا سيّما عند من يقول لا يصلى على القبر، أو يصلى عليه إلى شهر.
_________________
(١) وقد قال المؤلف قبل ذلك في «تهذيب السنن» (٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦): «والصواب في المسألة أنه مخيَّر بين الصلاة عليهم وتركها لمجيء الآثار بكل واحدٍ من الأمرين ».
(٢) البخاري (١٣٤٤) ومسلم (٢٢٩٦).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٥١٣) والحاكم (٣/ ١٩٧ - ١٩٨) والبيهقي (٤/ ١٢) من حديث أبي بكر بن عيّاش عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس. وإسناده ضعيف، قال البيهقي: لا أحفظه إلا من حديث أبي بكر بن عياش ويزيد، وكانا غيرَ حافظين. وله طريق آخر عن مقسم عن ابن عباس، لكن إسناده واهٍ لا يُفرح به. انظر: «مقدمة صحيح مسلم» (ص ٢٣ - ٢٤) و«سنن البيهقي» (٤/ ١٣).
(٤) كما في حديث أبي مُوَيْهِبة عند أحمد (١٥٩٩٦، ١٥٩٩٧) والحاكم (٣/ ٥٦)، وفي إسناده لين لجهالة بعض رواته.
[ ٣ / ٢٥٢ ]
ومنها: أن من عذره الله في التخلف عن الجهاد لمرضٍ أو عرج يجوز له الخروج إليه وإن لم يجب عليه، كما خرج عمرو بن الجموح وهو أعرج.
ومنها: أن المسلمين إذا قتلوا واحدًا منهم في الجهاد يظنونه كافرًا فعلى الإمام دِيَتهُ من بيت المال، لأن رسول الله - ﷺ - أراد أن يَدِي اليمان أبا حذيفة فامتنع حذيفةُ مِن أخذ الدية وتصدَّق بها على المسلمين.
فصل
في ذكر بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أُحُد
وقد أشار الله سبحانه إلى أمهاتها وأصولها في سورة آل عمران حيث افتتح القصة بقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] إلى تمام ستين آيةً.
فمنها: تعريفهم سوءَ عاقبة المعصية والفشل والتنازع، وأن الذي أصابهم إنما هو بشؤم ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
فلما ذاقوا عاقبةَ معصيتهم للرسول وتنازُعِهم وفشلِهم كانوا بعد ذلك أشدَّ حذرًا ويقظةً وتحرُّزًا من أسباب الخذلان.
ومنها: أن حكمة الله وسنَّته في رسله وأتباعهم جرت بأن يُدالوا مرةً ويدال عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة، فإنهم لو انتصروا دائمًا دخل معهم المؤمنون وغيرهم ولم يتميَّز الصادقُ من غيره، ولو انتُصِر عليهم دائمًا
[ ٣ / ٢٥٣ ]
لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة، فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين ليتميز من يتَّبعهم ويطيعهم للحق وما جاءوا به ممن يتَّبعهم على الظهور والغلبة خاصةً.
ومنها: أن هذا من أعلام الرسل، كما قال هرقل لأبي سفيان: هل قاتلتموه؟ قال: نعم، قال: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: سجال يُدال علينا المرة وندال عليه الأخرى، قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة (^١).
ومنها: أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب (^٢)، فإن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يومَ بدرٍ وطار لهم الصيت دخل معهم في الإسلام ظاهرًا من ليس معهم فيه باطنًا، فاقتضت حكمةُ الله ﷿ أن سبَّب لعباده محنةً ميَّزت بين المؤمن والمنافق، فأطلع المنافقون رؤوسهم في هذه الغزوة وتكلَّموا بما كانوا يكتمونه، وظهرت مخبَّآتهم وعاد تلويحُهم تصريحًا، وانقسم الناس إلى كافر ومؤمن ومنافق انقسامًا ظاهرًا، وعرف المؤمنون أن لهم عدوًّا في نفس دُورهم وهم معهم لا يفارقونهم فاستعَدُّوا لهم وتحرَّزُوا منهم. قال تعالى: ﴿كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا﴾ [آل عمران: ١٧٩].
أي ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين
_________________
(١) كما في حديث ابن عباس عن أبي سفيان عند البخاري (٧، ٢٨٠٤).
(٢) «الكاذب» ساقط من د، ز، ع.
[ ٣ / ٢٥٤ ]
حتى يميز أهل الإيمان من أهل النفاق كما ميزهم بالمحنة يوم أحد ﴿كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ﴾ الذي يميز فيه بين هؤلاء وهؤلاء، فإنهم يتميَّزُون في غيبه وعلمه، وهو سبحانه يريد أن يميزهم تمييزًا مشهودًا فيقع معلومُه الذي هو غيب شهادةً. وقوله: ﴿اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا﴾ استدراك لما نفاه من اطِّلاع خلقه على الغيب سوى الرسل، فإنه يطلعهم على ما يشاء من غيبه كما قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، فحظُّكم أنتم وسعادتكم في الإيمان بالغيب الذي يُطْلِع عليه رسلَه، فإن آمنتم به وأيقنتم فلكم أعظمُ الأجر والكرامة.
ومنها: استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السرَّاء والضرَّاء، وفيما يحبون وما يكرهون، وفي حال ظفرهم وظفر أعدائهم بهم (^١)، فإذا ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يحبون وما يكرهون فهم عبيده حقًّا، وليسوا كمن يعبد الله على حرفٍ واحد من السرَّاء والنعمة والعافية.
ومنها: أنه سبحانه لو نصرهم دائمًا، وأظفرهم بعدوِّهم في كل موطن، وجعل لهم التمكين والقهر لأعدائهم أبدًا= لطغت نفوسُهم وشَمَخت وارتفعت، فلو بسط لهم النصر والظفر لكانوا في الحال التي يكونون فيها لو بسط لهم الرزق، فلا يُصلح عبادَه إلا السرَّاءُ والضرَّاء والشدَّة والرخاء والقبض والبسط، فهو المدبر لأمر عباده كما يليق بحكمته، إنه بهم خبير بصير.
ومنها: أنه إذا امتحنهم بالغلبة والكَسْرَة والهزيمة ذَلُّوا وانكسروا وخضعوا، فاستوجبوا منه العزَّ والنصر، فإن خِلْعة النصرِ إنما تكون مع ولاية
_________________
(١) «بهم» ساقط من م، ق، ب، ث.
[ ٣ / ٢٥٥ ]
الذل والانكسار؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، وقال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ﴾ [التوبة: ٢٥]، فهو سبحانه إذا أراد أن يُعِزَّ عبدَه ويجبرَه وينصرَه، كسَرَه أولًا، ويكون جَبْرُه له ونصرُه على مِقدار ذُلِّه وانكساره.
ومنها: أنه سبحانه هيَّأ لعباده المؤمنين منازلَ في دار كرامته لم تبلغها أعمالُهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمِحنة، فقيَّضَ لهم الأسبابَ التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه، كما وفقهم للأعمال الصالحة التي هي من جملة أسباب وصولهم إليها.
ومنها: أن النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصر والغنى طغيانًا وركونًا إلى العاجلة، وذلك مرض يَعُوقها عن جدِّها في سيرها إلى الله والدار الآخرة، فإذا أراد بها ربُّها ومالكها وراحمها كرامته قيَّض لها من الابتلاء والامتحان ما يكون دواءً لذلك المرض العائق عن السَّير الحثيث إليه، فيكون ذلك البلاء والمِحنة بمنزلة الطبيب يسقي العليلَ الدواءَ الكريه ويقطع منه العروق المؤلمة لاستخراج الأدواء منه، ولو تركه لغلبته الأدواءُ حتى يكون فيها هلاكه.
ومنها: أن الشهادة عنده من أعلى مراتب أوليائه، والشهداءُ هم خواصُّه والمقرَّبُون من عباده، وليس بعد درجة الصدِّيقيَّةِ إلا الشهادة، وهو سبحانه يحب أن يتخذ من أوليائه (^١) شهداءَ تُراق دماؤهم في محبته ومرضاته ويؤثرون رضاه ومحابه على نفوسهم ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو.
_________________
(١) النسخ المطبوعة: «عِباده» خلافًا للأصول.
[ ٣ / ٢٥٦ ]
الحكم الباهرة التي اقتضت إدالة الكفار على المؤمنين
ومنها: أن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءَه ويمحقهم قيَّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكَهم ومحقَهم، ومِن أعظمها بعدَ كفرِهم: بغيُهم وطغيانهم، ومبالغتهم في أذى أوليائه، ومحاربتُهم وقتالهم والتسلُّط عليهم؛ فيتمحَّص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم.
وقد ذكر ﷾ ذلك في قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤١]، فجمع لهم في هذا الخطاب بين تشجيعهم وتقوية نفوسهم وإحياءِ عزائمهم وهِمَمِهم وبين حسن التسلية (^١).
وذكر الحكم الباهرة التي اقتضت إدالةَ الكفار عليهم فقال: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾، فقد استويتم في القرح والألم وتباينتم في الرجاء والثواب، كما قال: ﴿تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ﴾ [النساء: ١٠٤]، فما بالكم تضعفون وتَهِنون عند القرح والألم؟! وقد أصابهم ذلك في سبيل الشيطان، وأنتم أُصِبتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي.
ثم أخبر أنه يداول أيام هذه الحياة الدنيا بين الناس وأنها عَرَض حاضر يَقْسِمها دُوَلًا بين أوليائه وأعدائه، بخلاف الآخرة فإن عزَّها ونصرها
_________________
(١) ق، م، ب، ث: «حسن التعزية».
[ ٣ / ٢٥٧ ]
ورخاءها (^١) خالصًا (^٢) للذين آمنوا.
ثم ذكر حكمةً أخرى، وهي أن يتميَّز المؤمنون من المنافقين، فيَعْلَمَهم علمَ رؤيةٍ ومشاهدة بعد أن كانوا معلومين في غَيبه، وذلك العلم الغيبي لا يترتَّب عليه ثواب ولا عقاب، وإنما يترتَّب الثواب والعقاب على المعلوم إذا صار مشاهَدًا واقعًا في الحس.
ثم ذكر حكمةً أخرى، وهي اتخاذُه سبحانه منهم شهداءَ، فإنه يحب الشهداءَ من عباده، وقد أعد لهم أعلى المنازل وأفضلَها وقد اتخذهم لنفسه فلا بد أن يُنيلهم درجة الشهادة.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ تنبيه لطيفُ الموقع جدًّا على أن (^٣) كراهته وبغضَه للمنافقين الذين انخزلوا (^٤) عن نبيِّه يوم أحد فلم يشهدوه، ولم يتَّخذ منهم شهداء لأنه لا يحبُّهم، فأركسهم وردَّهم ليحرِمَهم ما خصَّ به المؤمنين في ذلك اليوم وما أعطاه من استُشهد منهم، فثبَّط هؤلاء الظالمين عن الأسباب التي وفَّق لها أحبابه وحزبه.
ثم ذكر حكمةً أخرى فيما أصابهم ذلك اليوم، وهو تمحيص الذين آمنوا، وهو تنقيتهم وتخليصهم من الذنوب ومن آفات النفوس، وأيضًا فإنه خلَّصهم ومحَّصهم من المنافقين فتميزوا منهم؛ فحصل لهم تمحيصان: تمحيص في نفوسهم، وتمحيص من كان يظهر أنه منهم وهو عدوُّهم.
_________________
(١) ص، د، ز، ث، ن، النسخ المطبوعة: «رجاءها»، تصحيف.
(٢) في النسخ المطبوعة: «خالص» بالرفع، وما أثبت من الأصول صواب.
(٣) «أن» لا يأتي لها خبر ظاهر، ولو حُذفت لكان أولى.
(٤) ث، المطبوع: «انخذلوا» بالذال. ومعنى «انخزلوا» بالزاي: انقطعوا.
[ ٣ / ٢٥٨ ]
ثم ذكر حكمةً أخرى، وهي محق الكافرين بطغيانهم وبَغيهم وعُدوانهم.
ثم أنكر عليهم حُسبانهم وظنَّهم أن يدخلوا الجنة بدون الجهاد في سبيله والصبر على أذى أعدائه، وأن هذا ممتنع بحيث يُنكَر على من ظنَّه وحسبه، فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، أي ولمَّا يقعْ ذلك منكم فيعلمَه، فإنه لو وقع لعَلِمه فجازاكم عليه بالجنة، فيكون الجزاءُ على الواقع المعلوم لا على مجرد العلم، فإن الله لا يَجزي العبدَ على مجرَّدِ علمه فيه دون أن يقع معلومه.
ثم وبَّخهم على هزيمتهم من أمر كانوا يتمنَّونه ويَوَدُّون لقاءَه، فقال: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣].
قال ابن عباس: لمّا أخبرهم الله تعالى على لسان نبيِّه بما فعل بشهداء بدرٍ من الكرامة رغبوا في الشهادة فتمنَّوا قتالًا يُستشهَدون فيه فيلحقون إخوانهم، فأراهم الله ذلك يومَ أحدٍ وسبَّبه لهم، فلم يلبثوا أن انهزموا إلا مَن (^١) شاء الله منهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (^٢).
ومنها: أن وقعة أحد كانت مقدِّمةً وإرهاصًا بين يدي موت رسول الله - ﷺ -، فأَنَّبهم ووبَّخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسوله أو قُتِل، بل (^٣)
_________________
(١) ق: «ما».
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٣/ ٧٧٦) من طريق العوفيين عن ابن عباس بنحوه ــ والمؤلف صادر عن «زاد المسير» (١/ ٤٦٨) ــ. وروي عن مجاهد والسُّدِّي والربيع بن أنس نحوه. انظر: «تفسير الطبري» (٦/ ٩٤ - ٩٥).
(٣) م، ق، ب، ث: «إذ».
[ ٣ / ٢٥٩ ]
الواجب له عليهم أن يثبتوا على دينه وتوحيده ويموتوا عليه أو يُقتَلوا، فإنهم إنما يَعبدون ربَّ محمدٍ وهو حي لا يموت، فلو مات محمد أو قُتِل لا ينبغي لهم أن يصرفهم ذلك عن دينه وما جاء به، فكل نفس ذائقة الموت، وما بُعث محمد - ﷺ - إليهم ليُخلَد لا هو ولا هم، بل ليموتوا على الإسلام والتوحيد، فإن الموت لا بد منه، فسواء مات رسولُ الله - ﷺ - أو بقي، ولهذا وبَّخهم على رجوعِ من رجع منهم عن دينه لمَّا صرخ الشيطان بأن محمدًا قد قتل، فقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، والشاكرون هم الذين عرفوا قدرَ النعمة فثبتوا عليها حتى ماتوا أو قتلوا، فظهر أثرُ هذا العتاب وحكمُ هذا الخطاب يومَ مات رسول الله - ﷺ - وارتدَّ من ارتد على عقبيه، وثبت الشاكرون على دينهم فنصرهم الله وأعزَّهم وظفرهم بأعدائهم وجعل العاقبة لهم.
ثم أخبر سبحانه أنه جعل لكل نفس أجلًا لا بد أن تستوفيَه ثم تلحقَ به، فيَرِدُ الناس كلُّهم حوضَ المنايا موردًا واحدًا وإن تنوعت أسبابه، ويَصْدُرون عن موقف القيامة مصادر شتَّى؛ فريق في الجنة وفريق في السعير.
ثم أخبر سبحانه أن جماعةً كثيرةً من أنبيائه قُتِلوا وقُتِل معهم أتباع لهم كثيرون (^١)، فما وهن من بقي منهم لِما أصابهم في سبيله وما ضَعُفوا وما استكانوا. أو: ما وهنوا عند القتل ولا ضعفوا ولا استكانوا، بل تلقَّوا الشهادةَ
_________________
(١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ على قراءة أبي عمرو التي كانت سائدة في بلاد الشام زمن المؤلف.
[ ٣ / ٢٦٠ ]
بالقوة والعزيمة والإقدام، فلم يُستَشهدوا مدبرين مستكينين (^١) أذلةً، بل استُشهِدوا أعزةً كرامًا مُقبلين غيرَ مُدبرين. والصحيح: أن الآية تتناول الفريقين كليهما.
ثم أخبر سبحانه عما استنصرت به الأنبياء وأممهم على قومهم مِن اعترافهم وتوبتهم (^٢) واستغفارهم وسؤالِهم ربَّهم أن يثبِّت أقدامَهم وأن ينصرَهم على أعدائهم، فقال: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧ - ١٤٨].
لمّا علم القومُ أن العدوَّ إنما يُدال عليهم بذنوبهم، وأن الشيطان إنما يستزِلُّهم ويهزمهم بها، وأنها نوعان: تقصيرٌ في حقٍّ أو تجاوزٌ لحدٍّ، وأن النصرة مَنُوطة بالطاعة= قالوا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾.
ثم علموا أن ربَّهم ﵎ إن لم يُثبِّت أقدامَهم وينصُرْهم لم يقدروا هم على تثبيت أقدامِ أنفُسِهم ونصرها على أعدائهم، فسألوه ما يعلمون أنه بيده دونهم، وأنه إن لم يُثبِّت أقدامَهم وينصُرْهم لم يثبتوا ولم ينتصروا، فوَفَّوا المقامين حقَّهما: مقامَ المقتضي، وهو التوحيد والالتجاء إليه سبحانه؛ ومقامَ إزالةِ المانع من النصرة، وهو الذنوب والإسراف.
ثم حذَّرهم سبحانه من طاعة عدوِّهم، وأخبر أنهم إن أطاعوهم خسروا
_________________
(١) م، ق، ب، ث: «مستسلمين».
(٢) «اعترافهم وتوبتهم» كذا في الأصل والمطبوع. وأخشى أن يكون تصحيفًا عن «اعترافهم بذنوبهم»، فهو الذي يلائم لفظَ الآية.
[ ٣ / ٢٦١ ]
الدنيا والآخرة، وفي ذلك تعريض بالمنافقين الذين أطاعوا المشركين لما انتصروا وظفروا يومَ أحد.
ثم أخبر أنه سبحانه هو مولى المؤمنين، وهو خير الناصرين، فمن والاه فهو المنصور.
ثم أخبرهم أنه سيلقي في قلوب أعدائهم الرعبَ الذي يمنعهم من الهجوم عليهم والإقدامِ على حربهم، وأنه يؤيِّد حزبَه بجُندٍ من الرعب ينتصرون به على أعدائهم (^١)، وذلك الرعب بسبب ما في قلوبهم من الشرك بالله، وعلى قدر الشرك يكون الرعب، فالمشرك بالله أشدُ شيءٍ خوفًا ورعبًا، والذين آمنوا ولم يلبسوا الإيمان بالشرك لهم الأمن والهدى والفلاح، والمشرك له الخوف والضلال والشقاء.
ثم أخبرهم أنه صَدَقهم وعدَه في نصرتهم على عدوِّهم (^٢) ــ وهو الصادق الوعد ــ، وأنهم لو استمروا على الطاعة ولزوم أمر الرسول لاستمرت نصرتهم، ولكن انخلعوا عن الطاعة وفارقوا مركزَهم، فانخلعوا عن عصمة الطاعة ففارقتهم النصرة، فصرفهم عن عدوِّهم عقوبةً وابتلاءً وتعريفًا لهم سُوءَ عواقب المعصية وحُسْنَ عاقبة الطاعة.
ثم أخبر أنه عفا عنهم بعد ذلك كلِّه، وأنه ذو فضلٍ على عباده المؤمنين. قيل للحسن: كيف يعفو عنهم وقد سلَّط عليهم أعداءَهم حتى قَتَلوا منهم من
_________________
(١) م، ق، ب، ث: «أعدائه».
(٢) من هنا يبدأ سقط كبير في نسخة (ب)، ويستمر إلى قوله: «ومن ظنَّ أنه لن يجمعهم بعد موتهم للثواب والعقاب في دارٍ يجازي» (ص ٢٦٧).
[ ٣ / ٢٦٢ ]
- معنى إثابتهم غما بغم
قتلوا ومَثَّلوا بهم ونالوا منهم من (^١) نالوه؟ فقال: لولا عَفْوُه عنهم لاستأصلهم، ولكن بعفوه دفع عنهم عدوَّهم بعد أن كانوا مُجمعين (^٢) على استئصالهم (^٣).
ثم ذكَّرهم بحالهم وقت الفرار مُصْعِدين أي جادِّين في الهرب والذهاب في الأرض، أو صاعدين في الجبل، لا يلوون على (^٤) نبيهم ولا أصحابهم، والرسول يدعوهم في أخراهم: «إليَّ عبادَ الله! أنا رسول الله!» (^٥).
فأثابهم بهذا الهرب والفرار غمًّا بعد غم: غمَّ الهزيمة والكسرة، وغمَّ صرخة الشيطان فيهم (^٦) بأن محمدًا قد قتل.
وقيل: جازاكم غمًّا بما غممتم رسولَه بفراركم عنه وأسلمتموه إلى عدوِّه، فالغم الذي حصل لكم جزاءً على الغم الذي أوقعتموه بنبيِّه (^٧).
والقول الأول أظهر لوجوه:
أحدها: أن قوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا (^٨) عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا
_________________
(١) ث، ن، المطبوع: «ما».
(٢) م، ق، ث، ع: «مجتمعين».
(٣) أخرجه الطبري (٦/ ١٤٤).
(٤) زيد في المطبوع بعده: «أحد مِن» خلافًا للأصول.
(٥) روي نحوه عن ابن عباس والسدِّي والحسن وقتادة والربيع بن أنس. انظر: «تفسير الطبري» (٦/ ١٤٧ - ١٤٩) و«تفسير ابن أبي حاتم» (٣/ ٧٩٠).
(٦) «فيهم» سقط من م، ق، ث.
(٧) وهو قول الزجاج في «معاني القرآن» (١/ ٤٧٩). وانظر: «زاد المسير» (١/ ٤٧٨).
(٨) في الأصول: ﴿تَأْسَوْا﴾، وهو وهم أو سبق قلم عن انتقال الذهن إلى آية سورة الحديد: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [٢٣].
[ ٣ / ٢٦٣ ]
أَصَابَكُمْ﴾ تنبيهًا (^١) على حكمة هذا الغم بعد الغم، وهو أن يُنْسِيهم الحزن على ما فاتهم من الظفر وعلى ما أصابهم من الهزيمة والجراح، فنسوا بذلك السَّلَب (^٢)، وهذا إنما يحصل بالغم الذي يَعقُبه غم آخر.
الثاني: أنه مطابق للواقع، فإنه حصل لهم غمُّ فوات الغنيمة، ثم أعقبه غمُّ الهزيمة، ثم غمُّ الجراح التي أصابتهم (^٣)، ثم غمُّ القتل، ثم غمُّ سماعِهم أن رسول الله - ﷺ - قد قتل، ثم غمُّ ظهور أعدائهم على الجبل فوقَهم؛ وليس المراد غمَّين اثنين خاصةً، بل غمًّا متتابعًا لتمام الابتلاء والامتحان.
الثالث: أن قوله: ﴿بِغَمٍّ﴾ من تمام الثواب، لا أنه سببُ (^٤) الثواب، والمعنى: أثابكم غمًّا متصلًا بغمٍّ جزاءً على ما وقع منهم من الهرب (^٥)، وإسلامهم نبيَّهم - ﷺ - وأصحابَهم، وتركِ استجابتهم له وهو يدعوهم، ومخالفتِهم له في لزوم مركزهم، وتنازعِهم في الأمر وفَشَلِهم؛ وكلُّ واحد من هذه الأمور يوجب غمًّا يخصُّه، فترادفت عليهم الغموم كما ترادفت منهم أسبابها وموجِباتُها، ولولا أن تدارَكهم بعفوه لكان أمرًا آخر.
ومِن لطفه بهم ورأفته أن هذه الأمور التي صدرت منهم كانت من
_________________
(١) كذا في الأصول منصوبًا، ولعله على توهّم سبق «في» بعد «أن».
(٢) أي الذي فاتهم، أو الذي سلبه العدو منهم. وفي طبعة الرسالة: «السبب» خلافًا للأصول والطبعة الهندية.
(٣) ص، ز، د، ع: «الذي أصابهم».
(٤) في ص، ز كُتب: «جزاء» أولًا ثم ضرب عليه وكتب: «سبب». وفي ث، ن، النسخ المطبوعة جُمع بينهما: «سبب جزاء الثواب».
(٥) ص، ز، د: «على ما وقع من الهروب».
[ ٣ / ٢٦٤ ]
- ظن المنافقين بالله غير الحق ظن الجاهلية
موجِبات الطباع، وهي من بقايا النفوس التي تمنع من النُّصرة المستقرة، فقيَّض لهم بلطفه أسبابًا أخرجها من القوة إلى الفعل فترتَّبت (^١) عليها آثارُها المكروهة، فعلموا حينئذ أن التوبةَ منها والاحترازَ من أمثالِها ودَفْعَها بأضدادها أمرٌ متعيِّن لا يتم لهم الفلاح والنصرة الدائمة المستقرة إلا به، فكانوا أشدَّ حذرًا بعدها ومعرفةً بالأبواب التي دخل عليهم منها.
وربَّما صحَّت الأجسامُ بالعِلَلِ (^٢)
ثم إنه سبحانه تداركهم برحمته وخفَّف عنهم ذلك الغمَّ، وغيَّبه عنهم بالنعاس الذي أنزله عليهم أمنًا منه ورحمةً؛ والنعاسُ في الحرب علامة النصرة والأمن، كما أنزله عليهم يوم بدرٍ. وأخبر أن من لم يُصبه ذلك النعاسُ فهو ممن أهمَّته نفسُه، لا دينُه ولا نبيُّه ولا أصحابُه، وأنهم يظنون بالله غيرَ الحقِّ ظنَّ الجاهلية.
وقد فُسِّر هذا الظن الذي لا يليق بالله بأنه سبحانه لا ينصر رسولَه، وأن أمره سيضمحلُّ، وأنه يُسْلِمُه للقتل. وفُسِّر بأن (^٣) ما أصابهم لم يكن بقضائه (^٤) وقدره، ولا حكمة له فيه، ففُسِّر بإنكارِ الحكمة وإنكارِ القَدَر، وإنكارِ أن يُتمَّ أمرَ رسوله ويُظهره على الدين كلِّه، وهذا هو ظن السَّوء الذي ظنه المنافقون والمشركون به سبحانه في سورة الفتح حيث يقول: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ
_________________
(١) ز، ع: «فترتَّب».
(٢) عجز بيت سائر للمتنبي، صدره: «لعلَّ عَتْبَك محمودٌ عواقبُه».
(٣) م، ق، ث، المطبوع: «بظنِّهم أن».
(٤) م، ق: «بقضاء الله».
[ ٣ / ٢٦٥ ]
السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦].
وإنما كان هذا ظنَّ السوء، وظنَّ الجاهلية المنسوبَ (^١) إلى أهل الجهل، وظنَّ غيرِ الحق= لأنه ظنُّ غيرِ ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العُليا وذاته المبرَّأةِ من كلِّ عيبٍ وسوء، وخلافُ ما يليق بحكمته وحمده وتفرُّدِه بالربوبية والإلهيه، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يُخلفه وبكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم ولجنده بأنهم هم الغالبون؛ فمن ظن به أنه لا ينصر رسولَه ولا يُتم أمرَه، ولا يؤيده ويؤيد حزبَه ويُعليهم ويُظفرهم بأعدائه (^٢) ويُظهرهم عليهم، وأنه لا ينصر دينَه وكتابَه، وأنه يُديل الشركَ على التوحيد والباطلَ على الحقِّ إدالةً مستقرةً يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالًا لا يقوم بعده أبدًا= فقد ظن بالله ظنَّ السَّوءِ ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته، فإن حمده وعزَّتَه وحكمته وإلهيتَه تأبى ذلك، وتأبى أن يُذِلَّ حزبَه وجندَه، وأن تكون النصرةُ المستقرة والظفرُ الدائم لأعدائه المشركين به العادلين به؛ فمن ظن به ذلك فما عرفه ولا عرف أسماءَه وصفاتِه وكمالَه.
وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقدره فما عرفه ولا عرف ربوبيته ومُلْكَه وعظمته، وكذلك من أنكر أن يكون قدَّر ما قدَّره مِن ذلك وغيرِه لحكمة بالغة وغايةٍ محمودة يستحقُّ الحمدَ عليها، وأن ذلك (^٣) إنما صدر عن مشيئة مجرَّدةٍ عن حكمة وغايةٍ مطلوبةٍ هي أحبُّ إليه مِن فوتها،
_________________
(١) م، ق: «وهو الظن المنسوب».
(٢) م، ق، ث، ن: «بأعدائهم».
(٣) أي: وظن أن ذلك.
[ ٣ / ٢٦٦ ]
- أصناف الظانين بالله ظن السوء من شتى الملل والنحل
وأن تلك الأسباب المكروهةَ المفضيةَ إليها لا يَخرج تقديرُها عن الحكمة لإفضائها إلى ما يحب وإن كانت مكروهةً له، فما قدَّرها سدًى ولا شاءَها (^١) عبثًا ولا خلقها باطلًا، ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧].
وأكثر الناس يظنون بالله غيرَ الحق ظنَّ السَّوءِ فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءَه وصفاتِه، وعرف موجَب حمده وحكمته، فمن قنط من رحمته وأَيِس من رَوحه فقد ظن به ظن السوء.
ومن جوَّز عليه أن يُعذِّبَ أولياءَه مع إحسانهم وإخلاصهم ويُسوِّي بينهم وبين أعدائه فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن أنه يترك خلقَه سدًى مُعَطَّلين عن الأمر والنهي، ولا يرسل إليهم رسله، ولا ينزل عليهم كتبه، بل يتركهم هَمَلًا كالأنعام، فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظنَّ أنه لن يجمعهم بعد موتهم للثواب والعقاب في دارٍ يجازي المُحسن فيها بإحسانه والمسيءَ بإساءته، ويبيّن لخلقه حقيقةَ ما اختلفوا فيه، ويُظهر للعالمين كلِّهم صِدقَه وصدق رُسُلِه، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين= فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن أنه يُضِيع عليه عملَه الصالح الذي عمله خالصًا لوجهه على امتثال أمره، ويُبطله عليه بلا سبب من العبد، أو أنه يعاقبه بما لا صنع له فيه ولا اختيار له ولا قدرة ولا إرادة في حصوله، بل يعاقبه على فعله هو سبحانه
_________________
(١) النسخ المطبوعة: «أنشأها».
[ ٣ / ٢٦٧ ]
به، أو ظنَّ به أنه يجوز عليه أن يؤيد أعداءَه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيد بها أنبياءَه ورسله، ويُجريها على أيديهم يُضِلُّون بها عباده، وأنه يَحْسُن منه كلُّ شيءٍ حتى تعذيبُ من أفنى عمره في طاعته فيُخلِّده في الجحيم أسفل السافلين، وينعم من استنفد عمرَه في عداوته وعداوة رسله ودينه فيرفعه إلى أعلى عليين، وكلا الأمرين في الحُسن سواء عنده (^١)، ولا يُعرَف امتناعُ أحدِهما ووقوعُ الآخَر إلا بخبرٍ صادق، وإلا فالعقل لا يقضي بقُبح أحدهما وحُسنِ الآخر= فقد ظن به ظن السوء (^٢).
ومن ظن به (^٣) أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطلٌ وتشبيه وتمثيل، وتَرَك الحقَّ لم يُخبر به، وإنما رمز إليه رموزًا بعيدةً، وأشار إليه (^٤) إشاراتٍ ملغزةً؛ لم يُصرِّح به وصرَّح دائمًا بالتشبيه والتمثيل والباطل، وأراد من خلقه أن يُتعبوا (^٥) أذهانهم وقُواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه وتأويله على غير تأويله، ويتطلَّبوا له وجوهَ الاحتمالات المستكرهة (^٦) والتأويلاتِ التي هي بالألغاز والأحاجي أشبهُ منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم لا على
_________________
(١) م، ق، ب: «وكلا الأمرين عنده في الحسن سواء عنده»، أي: بتكرار «عنده».
(٢) يقصد به نفاة الحكمة والتعليل من الجهمية الجبرية ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم.
(٣) «به» ساقطة من م، ق، ب، ث.
(٤) «رمز إليه أشار إليه» كذا في ص قبل التغيير، ن، النسخ المطبوعة. وفي ص بعد التغيير، ز، د: «إليهم إليه». وفي سائر الأصول: «إليهم إليهم».
(٥) ق: «ينصبوا» وهو بمعناه.
(٦) ز: «المستنكرة».
[ ٣ / ٢٦٨ ]
كتابه، بل أراد منهم أن لا يحملوا كلامَه على ما يعرفون من خطابهم ولغتهم، مع قدرته على أن يُصرِّح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به، ويُريحَهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل، فلم يفعل بل سلك بهم خلافَ طريق الهدى والبيان= فقد ظن به ظن السوء؛ فإنه إن قال: إنه غير قادر على التعبير عن الحق باللفظ الصريح الذي عبَّر به هو وسلفه فقد ظن بقدرته العجز؛ وإن قال: إنه قادر ولم يبين، وعَدَل عن البيان ــ عن (^١)
التصريح بالحق ــ إلى ما يُوهم بل يوقع في الباطل المحال والاعتقاد الفاسد فقد ظن بحكمته ورحمته ظنَّ السوء، وظن أنه وسلَفَه عبَّروا عن الحق بصريحه دون الله ورسوله، وأن الهدى والحق في كلامهم وعباراتهم، وأما كلام الله فإنما يؤخذ من ظاهره التشبيه والتمثيل والضلال، وظاهرُ كلام المتهوِّكين الحيارى هو الهدى والحق، وهذا من أسوأ الظن بالله؛ فكلُّ هؤلاء من الظانين بالله ظنَّ السوء ومن الظانين به غير الحق ظنَّ الجاهلية.
ومن ظن به أن يكون في مُلكه ما لا يشاء، ولا يقدر على إيجاده وتكوينه، فقد ظن به ظن السوء (^٢).
ومن ظن به أنه كان معطَّلًا من الأزل إلى الأبد عن أن يفعل، ولا يوصف حينئذ بالقدرة على الفعل، ثم صار قادرًا عليه بعد أن لم يكن قادرًا، فقد ظن به ظن السوء (^٣).
ومن ظنَّ به أنه لا يسمع ولا يبصر، ولا يعلم الموجودات ولا عددَ
_________________
(١) م، ق، ب، ث: «وعن». والمثبت من سائر النسخ، ولا غبار عليه ..
(٢) يقصد به نفاة القدر من المعتزلة وغيرهم.
(٣) يقصد به من منع تسلسل الحوادث في الأزل فأنكر دوام فاعلية الرب ﷾.
[ ٣ / ٢٦٩ ]
السماوات ولا النجوم، ولا بني آدم وحركاتهم وأفعالهم، ولا يعلم شيئًا من الموجودات في الأعيان= فقد ظن به ظن السوء (^١).
ومن ظنَّ به أنه لا سَمْعَ له ولا بصر (^٢)، ولا علم ولا إرادة، ولا كلام يقوم (^٣) به، وأنه لم يكلِّم أحدًا من الخلق ولا يتكلم أبدًا، ولا قال ولا يقول، ولا له أمر ولا نهي يقوم به= فقد ظن به ظن السوء (^٤).
ومن ظن به أنه ليس (^٥) فوق سماواته على عرشه بائنًا من خلقه، وأن نسبة ذاته ﵎ إلى عرشه كنسبتها إلى أسفل سافلين وإلى الأمكنة التي يُرغَب عن ذكرها، وأنه أسفل كما أنه أعلى، وأن من قال: «سبحان ربي الأسفل» كان كمن قال: «سبحان ربِّي الأعلى» (^٦) = فقد ظنَّ به أقبحَ الظنِّ وأسوأَه.
ومن ظن به أنه (^٧) يحب الكفر والفسوق والعصيان، ويحب الفساد كما يحب الإيمان والبر والطاعة والإصلاح، فقد ظن به ظن السوء (^٨).
_________________
(١) يقصد به الفلاسفة كابن سينا وغيره الذين قالوا: إن الله يعلم الكُلِّيات دون الجزئيَّات.
(٢) زِيد بعده في ص، ز، د: «له».
(٣) النسخ المطبوعة: «يقول»، تصحيف.
(٤) المقصود به نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة.
(٥) «ليس» سقطت من المطبوع هنا وأُثبتت في الفقرة الآتية، ففسدت الفقرتان جميعًا.
(٦) «وأن من قال الأعلى» ساقط من د، والمطبوع.
(٧) بعده في المطبوع: «ليس» خلافًا للأصول ومفسدًا للمعنى.
(٨) المقصود به الجبرية وبعض غلاة الصوفية ممن لم يفرِّق بين مشيئة الله الكونية وبين محبّته ورضاه، فظن أن كل ما شاء الله وقوعه في الكون فقد أحبَّه ورضيه!
[ ٣ / ٢٧٠ ]
ومن ظن به أنه لا يحب ولا يرضى، ولا يغضب ولا يسخط، ولا يوالي ولا يُعادي، ولا يَقْرُب مِن أحدٍ من خلقه ولا يقرُب منه أحد، وأن ذوات الشياطين في القُرْب من ذاته كذوات الملائكة المقرَّبين وأوليائه المفلحين= فقد ظنَّ به ظن السوء.
ومن ظن به أنه يُسوِّي بين المتضادَّين، أو يفرِّق بين المتساويين من كل وجه، أو يُحبِط طاعاتِ العمر المديد الخالصةَ الصوابَ بكبيرةٍ واحدة تكون بعدها، فيُخلِّد فاعلَ تلك الطاعات في الجحيم أبدَ الآبدين لتلك الكبيرة ويُحبِط بها جميعَ طاعاته، ويُخلِّده في العذاب كما يخلد من لم يؤمن به طرفة عينٍ واستنفد ساعاتِ عمره في مَساخطه (^١) ومُعاداة رسله ودينه= فقد ظن به ظن السوء (^٢).
وبالجملة فمن ظن به خلافَ ما وصف به نفسَه ووصفَتْه (^٣) به رسلُه، أو عطَّل حقائقَ ما وصف به نفسَه ووصفته به رسلُه، فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن أن له ولدًا أو شريكًا، أو أن أحدًا يشفع عنده بدون إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائطَ يرفعون حوائجهم إليه، أو أنه نصب لعباده أولياءَ من دونه يتقرَّبون بهم إليه ويتوسلون بهم إليه، ويجعلونهم وسائط بينه وبينهم فيدعونهم (^٤) ويخافونهم ويرجونهم= فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه.
_________________
(١) م، ق، ب: «تساخطه».
(٢) المقصود به الوعيدية من الخوارج وغيرهم.
(٣) م، ق، ب، ث، ع: «ووصفه به» هنا وفي السطر الآتي.
(٤) بعده في المطبوع: «ويحبُّونهم كحبّه»، وليس في الأصول.
[ ٣ / ٢٧١ ]
ومن ظن أنه يُنال ما عنده بمعصيته ومخالفته كما يُنال بطاعته والتقرُّبِ إليه فقد ظن به خلافَ حكمته وخلافَ موجَبِ أسمائه وصفاته، وهو مِن ظنِّ السوء.
ومن ظنَّ به أنه إذا ترك لأجله شيئًا لم يُعوِّضه خيرًا منه، ومن فعل لأجله شيئًا لم يُعطه أفضل منه، فقد ظن به (^١) ظن السوء.
ومن ظنَّ به أنه يغضب على عبده ويعاقبه ويَحْرِمه بغير جرمٍ ولا سبب من العبد إلا بمجرد المشيئة ومحضِ الإرادة، فقد ظنَّ به ظنَّ السوء.
ومن ظن به أنه إذا صَدَقه في الرغبة والرهبة، وتضرَّع إليه وسأله، واستعان به وتوكَّل عليه، أنه يُخيبه ولا يُعطيه ما سأله، فقد ظن به ظن السوء، وظن به خلافَ ما هو أهلُه.
ومن ظن به أنه يُثيبه إذا عصاه بما يثيبه به إذا أطاعه، وسأله ذلك في دعائه، فقد ظنَّ به خلافَ ما تقتضيه حكمتُه وحمدُه وخلافَ ما هو أهله، وما لا يفعله.
ومن ظن به أنه إذا أغضبه وأسخطه وأَوضَع في معاصيه، ثم اتخذ من دونه وليًّا ودعا مِن دونه ملكًا أو بشرًا حيًّا أو ميتًا، يرجو بذلك أن ينفعه عند ربِّه ويُخلِّصه من عذابه= فقد ظن به ظن السوء، بل ذلك زيادةٌ في بُعده من الله وفي عذابه.
ومن ظن أنه يُسلِّط على رسوله محمدٍ - ﷺ - أعداءَه تسليطًا مستقرًّا دائمًا في حياته وفي مماته، وابتلاه بهم لا يفارقونه، فلمّا مات استبدُّوا بالأمر دون
_________________
(١) «ظن به» ساقط من ص، ز، ث.
[ ٣ / ٢٧٢ ]
وَصِيِّه (^١)، وظلموا (^٢) أهلَ بيته وسلبوهم حقَّهم وأذلُّوهم، وكانت العزَّة والغلبة والقهر لأعدائه وأعدائهم دائمًا من غير جُرم ولا ذنب لأوليائه وأهلِ الحق، وهو يرى قهرَهم لهم وغَصْبهم إياهم حقَّهم (^٣) وتبديلهم دينَ نبيِّه، وهو يقدر على نُصرة أوليائه وحزبه وجنده، ولا ينصرهم ولا يُديلهم، بل يديل أعداءَهم عليهم أبدًا، أو أنه لا يَقدِر على (^٤) ذلك، بل حصل هذا بغير قدرته ولا مشيئته، ثم جعل المُبدِّلين لدينه مُضاجِعِيه في حفرته تُسلِّم أمته عليه وعليهم في (^٥) كلِّ وقت، كما تظنُّه الرافضة= فقد ظن به أقبحَ الظن وأسوأَه، سواءٌ قالوا: إنه قادر على أن ينصرهم ويجعلَ لهم الدَّولة والظَّفَر أو أنَّه غيرُ قادرٍ على ذلك، فهم قادحون في قدرته أو في حكمته وحمده، وذلك مِن ظن السوء به. ولا ريب أن الربَّ الذي فعل هذا بغيض إلى من ظنَّ به ذلك غيرُ محمودٍ عندهم، وكان الواجب أن يفعل خلافَ ذلك، لكن رَفَوا (^٦)
هذا الظن الفاسد بخَرْقٍ أعظمَ منه واستجاروا من الرمضاء بالنار فقالوا: لم يكن هذا بمشيئة الله، ولا له قدرة على دفعه ونصرِ أوليائه، فإنه لا يقدر على أفعال عباده ولا هي داخلة تحتَ قدرته، فظنُّوا به ظنَّ إخوانِهم المجوس والثَّنَويَّة بربِّهم.
_________________
(١) م، ص، د، المطبوع: «وصيةٍ»، تصحيف. والمراد بالوصيِّ عليٌّ - ﵁ - على زعم الرافضة أن النبي - ﷺ - أوصى إليه بالإمامة والخلافة بعده.
(٢) «وظلموا» ليس في م، ق، ب، ث.
(٣) «حقَّهم» ساقط من ص، د. واستُدرك في ز، ع بخط مغاير.
(٤) «على» ساقطة من ص، د، ز، ع. وضبط في ز: «لا يُقَدّر ذلك».
(٥) «في» ساقطة من ق، ب.
(٦) رفا الثوب يرفُوه رَفوًا: أصلح ما به من شقٍّ أو خرقٍ بضم بعضه إلى بعض ..
[ ٣ / ٢٧٣ ]
- بيان أن أكثر الخلق يظنون بالله غير الحق وظن السوء
وكلُّ مُبطلٍ وكافر ومبتدع مقهور مستذلٍّ فهو يظن بربه هذا الظن، وأنه أولى بالنصر والظفر والعلو من خصومه، فأكثر الخلق بل كلُّهم إلا من شاء الله يظنون بالله غيرَ الحق وظنَّ السوء، فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحقِّ ناقصُ الحظِّ، وأنه يستحقُّ فوقَ ما أعطاه الله، ولسان حاله يقول: ظلمني ربي ومنعني ما أستحِقُّه، ونفسُه تشهد عليه بذلك وهو بلسانه ينكره ولا يتجاسر على التصريح به، ومن فتَّش نفسه وتغلغل في معرفةِ دفائنها وطواياها رأى ذلك فيها كامنًا كُمُونَ النار في الزِّناد، فَاقدَحْ زِنادَ من شئتَ يُنبِئك شَراره عما في زناده، ولو فتَّشتَ مَن فتشتَه لرأيتَ عنده تعتُّبًا على القدَر وملامةً له واقتراحًا عليه خلاف ما جرى به، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمُستقِلٌّ ومستكثر، وفتِّشْ نفسك هل أنت سالم من ذلك؟
فإن تنجُ منها (^١) تنجُ من ذي عظيمة وإلا فإني لا إخالك ناجيَا (^٢)
فليعتنِ اللبيبُ الناصح لنفسه بهذا الموضع، وليتُبْ إلى الله ويستغفرْه كلَّ وقت من ظنه بربه ظنَّ السوء، وليظن السوءَ بنفسه التي هي مأوى كلِّ سوء ومنبعُ كل شرٍّ، المركَّبةِ على الجهل والظلم؛ فهي (^٣) أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين وأعدلِ العادلين وأرحمِ الراحمين، الغنيِّ الحميد الذي له الغنى التام والحمدُ التام والحكمة التامة، المنزَّهِ عن كل سوء في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه، فذاتُه لها الكمال المطلق من كل وجه، وصفاته
_________________
(١) م، ب، ث: «منه». ق: «فإن أنت تنج».
(٢) البيت للأسود بن سَرِيع التميمي صاحب رسول الله - ﷺ -، كما في «البيان والتبيُّن» (١/ ٣٦٧). وورد منسوبًا للفرزدق ولذي الرُّمة في بعض المصادر.
(٣) ص، ز، د، ن: «فهو».
[ ٣ / ٢٧٤ ]
كذلك، وأفعالُه كلُّها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل، وأسماؤه كلها حسنى.
فلا تَظْنُنْ بربك ظن سوء فإن الله أولى بالجميلِ
ولا تَظنُنْ بنفسك قطُّ خيرًا وكيف بظالم جانٍ جهولِ
وقل يا نفسُ مأوى كل سوء أيرجى الخيرُ من ميت بخيلِ؟
وظُنَّ بنفسك السُّوأَى تجِدْها كذاك وخيرُها كالمستحيلِ
وما يَكُ من تقًى فيها وخيرٍ فتلك مواهب الرب الجليلِ
وليس بها ولا منها ولكنْ من الرحمن فاشكُرْ للدليلِ (^١)
والمقصود: ما ساقنا إلى هذا الكلام من قوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. ثم أخبر عن الكلام الذي صدر عن ظَنِّهم الباطل، وهو قولهم: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقولُهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾، فليس مقصودهم بالكلمة الأولى والثانية إثباتَ القدر وردَّ الأمرِ كلِّه لله، ولو كان ذلك مقصودَهم لما ذُمُّوا عليه، ولما حَسُن الرد عليهم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، ولا كان مصدرُ هذا الكلام ظنَّ الجاهلية. ولهذا قال غير واحد من المفسرين (^٢): إن ظنهم الباطل هاهنا هو التكذيب بالقدر وظنُّهم أن الأمر لو كان إليهم، وكان رسول الله - ﷺ - وأصحابه تبعًا لهم يسمعون منهم= لما أصابهم القتلُ، ولكان النصر والظفر لهم، فأكذبهم الله ﷿ في هذا الظن الباطل الذي هو ظنُّ الجاهلية، وهو الظن المنسوب إلى أهلِ الجهل الذين
_________________
(١) يبدو أن الأبيات للمؤلف.
(٢) د: «من السلف المفسرين».
[ ٣ / ٢٧٥ ]
فصل: حكمة أخرى وهي ابتلاء ما في صدورهم وتمحيص ما في قلوبهم
يزعمون بعد نفاذ القضاء والقدر الذي لم يكن بُدٌّ من نفاذه أنهم كانوا قادرين على دفعه، وأن الأمر لو كان إليهم لما نفذ القضاء، فأكذبهم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، فلا يكون إلا ما سبق به قضاؤه وقدره وجرى به علمُه وكتابه السابق، وما شاء الله كان ولا بُدَّ، شاء الناس أم أبوا، وما لم يشأ لم يكن، شاءه الناس (^١) أم لم يشاؤوه، وما جرى عليكم من الهزيمة والقتل فبأمره الكوني الذي لا سبيل إلى دفعه، سواءٌ كان لكم من الأمر شيء أم (^٢) لم يكن لكم، فإنكم (^٣)
لو كنتم في بيوتكم وقد كتب القتل على بعضكم لخرج مَن كتب عليه القتلُ مِن بيته إلى مضجعه ولا بُدَّ، سواء كان له من الأمر شيء أم لم يكن. وهذا من أظهر الأشياء إبطالًا لقول القدرية النفاة الذين يُجوِّزون أن يقع ما لا يشاؤه الله، وأن يشاء ما لا يقع.
فصل
ثم أخبر ﷾ عن حكمةٍ أخرى في هذا التقدير، وهي ابتلاء ما في صدورهم، وهو اختبار ما فيها من الإيمان والنفاق، فالمؤمن لا يزداد بذلك إلا إيمانًا وتسليمًا، والمنافق ومن في قلبه مرض لا بدَّ أن يظهر ما في قلبه على جوارحه ولسانه.
ثم ذكر حكمةً أخرى، وهي تمحيص ما في قلوب المؤمنين، وهو تخليصه وتنقيته وتهذيبه، فإن القلوب يخالطُها بغَلَبات (^٤) الطباع وميلِ
_________________
(١) د، ق، ب، ن: «شاء الناس».
(٢) م، ق، ب، ث، ن: «أو». وكذا في نظيره بعد سطرين.
(٣) ص، ز، د، ن: «وأنكم» ..
(٤) ص، د، ز: «تغلُّباتُ»، تصحيف، فإن فاعل «يُخالطها» هو «ما يُضادّ » الآتي.
[ ٣ / ٢٧٦ ]
النفوس وحُكمِ العادة وتزيينِ الشيطان واستيلاءِ الغفلة ما يضادُّ ما أُودِع فيها من الإيمان والإسلام والبر والتُّقى، فلو تُرِكت في عافية دائمة مستمرة لم تتخلص من هذا المُخالِط (^١) ولم تتمحص منه، فاقتضت حكمة العزيز الرحيم أن قيّض لها من المِحَن والبلايا ما يكون كالدواء الكريه لمن عرض له داءٌ إن لم يتداركه طبيبه بإزالته وتنقيته من جسده وإلا (^٢) خِيف عليه منه الفسادُ والهلاك، فكانت نعمته سبحانه عليهم بهذه الكسرة والهزيمة وقَتْلِ من قتل منهم تُعادل نعمتَه عليهم بنصرهم وتأييدهم وظَفَرهم بعدوِّهم، فله عليهم النعمةُ التامَّة في هذا وهذا.
ثم أخبر سبحانه عن تَوَلِّي مَن تولَّى من المؤمنين الصادقين في ذلك اليوم، وأنه بسبب كسبهم وذنوبهم، فاستزلهم الشيطان بتلك الأعمال حتى تولوا، فكانت أعمالهم جندًا عليهم ازداد بها عدوُّهم قوةً، فإن الأعمال جندٌ للعبد وجند عليه ولا بُدَّ، فللعبد كلَّ وقتٍ سريةٌ من نفسه تهزمه أو تنصره، فهو يُمدُّ عدوَّه بأعماله من حيث يظن أنه يقاتله بها، ويبعث إليه سريةً تغزوه مع عدوه من حيث يظن أنه يغزو عدوَّه، فأعمالُ العبد تسوقه قسرًا إلى مقتضاها من الخير والشر والعبدُ لا يشعر، أو يشعر ويتعامى، ففرار الإنسان من عدوه وهو يطيقه إنما هو بجندٍ من عمله بعثه له الشيطانُ واستزلَّه به.
ثم أخبر سبحانه أنه عفا عنهم، لأن هذا الفرار لم يكن عن نفاق ولا شك، وإنما كان عارضًا عفا الله عنه، فعادت شَجاعةُ الإيمان وثباته إلى مركزها ونصابها.
_________________
(١) د، ز: «هذه المخالطة». ص، ن: «هذه المخالِط».
(٢) «وإلا» كذا في الأصول والنسخ المطبوعة، وهو زائد، والكلام مستقيم دونه.
[ ٣ / ٢٧٧ ]
ثم كرر عليهم سبحانه أن هذا الذي أصابهم إنما أُتُوا فيه من قِبَل أنفسهم وبسبب أعمالهم، فقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وذكر هذا بعينه فيما هو أعم من ذلك في السور المكية فقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، فالحسنة والسيئة هاهنا: النعمة والمصيبة، فالنعمة مَنٌّ مِن الله منَّ بها عليك، والمصيبة إنما نشأت من قِبَل نفسك وعملك، فالأول فضله والثاني عدله، والعبدُ يتقلَّب بين فضله وعدله؛ جارٍ عليه فضلُه، ماضٍ فيه حكمُه، عدلٌ فيه قضاؤه.
وختم الآية الأولى بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ بعد قوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ إعلامًا لهم بعموم قدرته مع عدلِه وأنه عادل قادر، وفي ذلك إثبات القَدَر (^١) والسبب، فذكر السبب وأضافه إلى نفوسهم، وذكر عموم القُدرة وأضافها إلى نفسه، فالأول ينفي الجبر، والثاني ينفي القول بإبطال القَدَر، فهو يشاكل قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨].
وفي ذكر قدرته هاهنا نكتة لطيفة، وهي أن هذا الأمر بيده وتحت قدرته، وأنه هو الذي لو شاء لصرفه عنكم، فلا تَطلُبوا كشفَ أمثاله من غيره ولا تتكلوا على سواه، وكشف هذا المعنى وأوضحه كلَّ الإيضاح بقوله: ﴿وَمَا
_________________
(١) زِيدت في ق هاء بخط مغاير فصار: «القدرة».
[ ٣ / ٢٧٨ ]
أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، وهو الإذن الكوني القدري لا الشرعيُّ الديني، كقوله في السحر: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢].
ثم أخبر عن حكمة هذا التقدير، وهي أن يعلم المؤمنين من المنافقين علمَ عيانٍ ورؤيةٍ يتميز فيه أحد الفريقين من الآخر تميُّزًا ظاهرًا، وكان من حكمة هذا التقدير تكلُّم المنافقين بما في نفوسهم، فسمعه المؤمنون وسمعوا ردَّ الله عليهم وجوابَه لهم، وعرفوا موادّ النفاق (^١) وما يؤول إليه، وكيف يُحرَم صاحبُه سعادةَ الدنيا والآخرة، ويعود عليه بفساد الدنيا والآخرة؛ فلِلّه كم من حكمةٍ في ضمن هذه القضيّة بالغة، ونعمةٍ على المؤمنين سابغة؛ وكم فيها من تحذيرٍ وتخويف وإرشاد وتنبيه، وتعريفٍ بأسباب الخير والشر ومآلِهما وعاقبتهما!
ثم عزَّى نبيه وأولياءه عمَّن قُتل منهم في سبيله أحسنَ تعزيةٍ وألطفَها وأدعاها إلى الرضى بما قضاه لها، فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]، فجمع لهم إلى الحياة الدائمة منزلةَ القُرْبِ منه وأَنَّهم عنده، وجريانَ الرزق المستمر عليهم، وفرحَهم بما آتاهم من فضله ــ وهو فوق الرضى، بل هو كمال الرضى ــ، واستبشارَهم بإخوانهم الذين باجتماعهم بهم يَتمُّ سرورُهم
_________________
(١) طبعة الرسالة: «مؤدَّى النفاق» خلافًا للأصول والطبعة الهندية.
[ ٣ / ٢٧٩ ]
فصل: هم المشركين أن يدخلوا المدينة ليستأصلوا أهلها، وخروج المؤمنين إلى حمراء الأسد لملاقاتهم
ونعيمُهم، واستبشارَهم بما تَجدَّدُ (^١) لهم كلَّ وقت من نعمته وكرامته.
وذكَّرهم سبحانه في أثناء هذه المحنة بما هو من أعظم مِنَنه (^٢) ونعمه عليهم التي إن قابلوا بها كلَّ محنةٍ تنالهم وبليةٍ تلاشت في جنب هذه المنة والنعمة، ولم يبق لها أثر البتة، وهي منَّته عليهم بإرسال رسولٍ من أنفسهم إليهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وينقذهم من الضلال ــ الذي كانوا فيه قبل إرساله ــ إلى الهدى، ومِن الشقاء إلى الفلاح، ومن الظلمة إلى النور، ومن الجهل إلى العلم؛ فكلُّ بليةٍ ومحنةٍ تنال العبدَ بعد حصول هذا الخير العظيم له أمرٌ يسير جدًّا في جنب الخير الكثير، كما ينال الناسَ بأذى المطر في جنب ما يحصل لهم به من الخير.
فأعلمهم أن سبب المصيبة من عند أنفسهم ليحذروا، وأنها بقضائه وقدره ليُوحِّدوا ويتَّكلوا ولا يخافوا غيره، وأخبرهم بما له فيها من الحكم لئلا يتَّهموه في قضائه وقدره وليتعرَّف إليهم بأنواع أسمائه وصفاته، وسلَّاهم بما أعطاهم مما هو أجلُّ قدرًا وأعظمُ خطرًا مما فاتهم من النصر والغنيمة، وعزَّاهم عن قتلاهم بما نالوه من ثوابه وكرامته لينافسوهم فيه ولا يحزنوا عليهم؛ فله الحمد كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله.
فصل
ولما انقضت الحرب انكفأ المشركون، فظن المسلمون أنهم قصدوا المدينة لأخذ الذراري والأموال، فشقَّ ذلك عليهم، فقال النبي - ﷺ -: «والذي
_________________
(١) ص، د، المطبوع: «يجدد».
(٢) د، م، ق: «منّته».
[ ٣ / ٢٨٠ ]
نفسي بيده، لقد سُوِّمت لهم حجارة، لو صبَّحُوا بها كانوا كأمس الذاهب» (^١).
ولما عزموا على الرجوع إلى مكة أشرف على المسلمين أبو سفيان ثم ناداهم: موعدكم الموسم ببدر، فقال النبي - ﷺ -: «قولوا: نعم قد فعلنا»، قال أبو سفيان: فذلك الموعد، ثم انصرف هو وأصحابُه (^٢).
فلما كان ببعض الطريق تلاوموا فيما بينهم، وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئًا، أصبتُم شوكتهم وحدهم، ثم تركتموهم وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم، فارجعوا حتّى نستأصل شأفتَهم، فبلغ ذلك رسولَ الله - ﷺ -
_________________
(١) «والذي نفسي بيده كأمس الذاهب» من ز، ع. وفي عامّة الأصول بياض في موضعه. والحديث المثبت ذكره ابن هشام (٢/ ١٠٤) عن أبي عبيدة النحوي معضلًا. وذكره الواقدي (١/ ٣٣٩) أيضًا في سياق الغزوة عن شيوخه. وأُلحق في (ن) في موضعه بخط مغاير ــ وهو الذي في النسخ المطبوعة ــ: «فقال النبي - ﷺ - لعلي بن أبي طالب: اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون؟ وماذا يريدون؟ فإن هم جنَّبوا الخيلَ وامتطوا الإبلَ فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة، فوالذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرنَّ إليهم ثم لأُناجزنَّهم فيها. قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة». وهو سياق ما ذكره ابن هشام في «السيرة» (٢/ ٩٤) عن ابن إسحاق. وذكره موسى بن عقبة في مغازيه ــ كما في «الدلائل» (٣/ ٢١٣) ــ بنحوه، إلا أن الذي بعثه النبي - ﷺ - في آثارهم هو سعد بن أبي وقاص، وكذا عند الواقدي (١/ ٢٩٨).
(٢) أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٣/ ٢١٥، ٢٨٢) من مغازي موسى بن عقبة، ومن مغازي أبي الأسود عن عروة بن الزبير. وانظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٩٤) و«مغازي الواقدي» (١/ ٢٩٧).
[ ٣ / ٢٨١ ]
فنادى في الناس وندبهم إلى المسير إلى لقاء عدوِّهم، وقال: «لا يخرج معنا إلا من شهد القتال»، فقال له عبد الله بن أُبَي: أركب معك؟ قال: «لا»، فاستجاب له المسلمون على ما بهم من القَرح الشديد والخوف وقالوا: سمعًا وطاعةً، واستأذنه جابر بن عبد الله وقال: يا رسول الله، إني أحب أن لا تشهد مشهدًا إلا كنت معك، وإنما خلَّفني أبي على بناته، فأْذَنْ لي أسيرَ (^١) معك؛ فأذِنَ له (^٢).
فسار رسول الله - ﷺ - والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد (^٣)، وأقبل معبد بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول الله - ﷺ - فأسلم (^٤)، فأمره أن يلحق بأبي سفيان فيُخَذِّلَه، فلحقه بالرَّوحاء ولم يعلم بإسلامه فقال: ما وراءك يا معبد؟ فقال: محمد وأصحابه قد تحرَّقوا عليكم وخرجوا في جمعٍ لم يخرجوا في مثله، وقد ندم من كان تخلف عنهم من أصحابهم، فقال: ما تقول؟ قال: ما أرى أن ترتحل حتى يطلُعَ أولُ الجيش من وراء هذه الأكمة، فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم، قال: فلا تفعل فإني لك ناصح، فرجعوا على أعقابهم إلى مكة، ولقي أبو سفيان بعض المشركين يريد المدينة فقال: هل لك أن تُبْلِغَ محمدًا رسالةً وأُوقِرَ لك راحلتك زبيبًا إذا أتيت إلى مكة؟ قال: نعم، قال: أبلِغْ محمدًا أنا قد أجمعنا الكرةَ لنستأصله ونستأصل أصحابه، فلما بلغهم قوله قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ
_________________
(١) م، ق، ب: «أسِرْ».
(٢) ذكره موسى بن عقبة، كما في «دلائل النبوة» (٣/ ٢١٧).
(٣) ومن هنا قيل لها: «غزوة حمراء الأسد». وهي أرض بها جبل أحمر جنوب غربيِّ المدينة على قرابة عشرين كيلًا، ولا تزال معروفةً بهذا الاسم.
(٤) «فأسلم» ساقط من م، ق، ب. والذي ذكره ابن إسحاق أنه كان «يومئذ مشرك» ولم أجد من ذكر أنه أسلم يومئذ.
[ ٣ / ٢٨٢ ]
سنة أربع
فصل: سرية أبي سلمة المخزومي إلى بني أسد بن خزيمة
فصل: سرية عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان الهذلي
يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤] (^١).
فصل
وكانت وقعة أحد يوم السبت في سابع (^٢) شوال سنة ثلاث كما تقدم، فرجع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة فأقام بها بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم، فلما استهل هلالُ المحرَّم بلغه أن طُلَيحة (^٣) وسلمة ابنَي (^٤) خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوان بني أسد بن خزيمةَ إلى حرب رسول الله - ﷺ -، فبعث أبا سلمة وعقد له لواءً، وبعث معه مائةً وخمسين رجلًا من الأنصار والمهاجرين، فأصابوا إبلًا وشاءً ولم يلقوا كيدًا، فانحدر أبو سلمة بذلك كله إلى المدينة (^٥).
فصل
فلما كان خامس المحرم بلغه أن خالد بن سفيان الهُذَلي قد جمع له الجموع، فبعث إليه عبد الله بن أُنَيس فقتله ــ قال عبد المؤمن بن خَلَف (^٦):
_________________
(١) أسنده ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ١٠٢ - ١٠٣) و«دلائل النبوة» (٣/ ٣١٥) ــ عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المدني ــ وهو ثقة عالم بالمغازي من صغار التابعين ــ مرسلًا. وانظر: «تفسير الطبري» (٦/ ٢٤٦ - ٢٤٩).
(٢) م، ق، ب، ث: «مساء»، تصحيف.
(٣) ص، ز، د، ن، النسخ المطبوعة: «طلحة»، تصحيف.
(٤) ص، د، ع: «بن».
(٥) انظر: «مغازي الواقدي» (١/ ٣٤٠) و«طبقات ابن سعد» (٢/ ٤٦).
(٦) الدمياطي (ت ٧٠٥) في «السيرة النبوية» (ق ٨٣ - نسخة شستربيتي). ولعل المؤلف نسب هذه الجزئية إلى كتابه لأنه لم يجدها عند غيره، فلم يذكرها عروة، ولا موسى بن عقبة، ولا ابن إسحاق في مغازيهم. وإنما ذكرها الواقدي في «مغازيه» (٢/ ٥٣٣) ثم كاتبه ابن سعد في «طبقاته» (٢/ ٤٧)، والدمياطي صادر عنه.
[ ٣ / ٢٨٣ ]
- وقعة الرجيع التي غدرت فيها عضل وقارة بأصحاب النبي - ﷺ -
وجاءه برأسه فوضعه بين يديه ــ، فأعطاه عصًا فقال: «هذه آية بيني وبينك يوم القيامة» (^١)، فلما حضرته الوفاة أوصى أن تجعل معه في أكفانه، وكانت غيبته ثمان عشرة ليلةً، وقدم يوم السبت لسبعٍ بقين من المحرم.
فلما كان صفر قَدِم عليه قومٌ من عَضَلٍ والقارة، وذكروا أن فيهم إسلامًا، وسألوه أن يبعث معهم من يُعلِّمهم الدينَ ويقرئهم القرآن، فبعث معهم ستةَ نفرٍ في قول ابن إسحاق (^٢) ــ وقال البخاري (^٣): كانوا عشرةً ــ وأمَّر عليهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وفيهم خُبَيب بن عدي، فذهبوا معهم.
فلما كانوا بالرَّجيع ــ وهو ماء لهُذَيلٍ بناحية الحجاز (^٤) ــ غدروا بهم واستصرخوا عليهم هذيلًا، فجاءوا حتى أحاطوا بهم، فقتلوا عامَّتهم
_________________
(١) أخرجه ابن إسحاق ــ ومن طريقه أحمد (١٦٠٤٧) وأبو داود (١٢٤٩) وابن خزيمة (٩٨٢) وابن حبان (٧١٦٠) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٤٢) ــ عن عبد الله بن أنيس بإسناد حسن. وانظر خبر السرية عند عروة بن الزبير وموسى بن عقبة، كما في «الدلائل» للبيهقي (٤/ ٤٠، ٤١)، وليس عندهما قوله - ﷺ - هذا.
(٢) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ١٦٩).
(٣) ورد ذلك عنده في «صحيحه» (٤٠٨٦) ضمن حديث أبي هريرة الطويل في خبر القصة، وفيه أيضًا أنه أمَّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري، خلافًا لما ذكره المؤلف نقلًا عن ابن إسحاق.
(٤) ذكر عاتق البلادي بأنه يعرف اليوم بـ «الوطية»، يقع شمال مكة على قرابة ٧٠ كيلًا قبيل عُسفان في طرف قرية «الشامية»، وقال: إنه ماء دائم لا يغور، تكرعه الإبل بأعناقها. انظر: «المعالم في السيرة» (ص ١٣٨) و«معجم معالم الحجاز» (ص ٦٧٩).
[ ٣ / ٢٨٤ ]
واستأسروا خبيبَ بن عدي وزيدَ بن الدَّثِنَة، فذهبوا بهما فباعوهما بمكة، وكانا قتلا من رؤوسهم يوم بدر، فأما خبيب فمكث عندهم مسجونًا، ثم أجمعوا قتله (^١) فخرجوا به من الحرم إلى التنعيم، فلما أجمعوا صَلْبَه (^٢) قال: دعوني حتى أركع ركعتين، فتركوه فصلّاهما، فلما سلَّم قال: والله لولا أن تقولوا: إنّ ما بي جزع، لزدت، ثم قال: اللهم أحصِهم عددًا واقتُلهم بددًا ولا تُبقِ منهم أحدًا، ثم قال:
لقد جمَّع الأحزابُ حولي وألَّبوا قبائلَهم واستجمعوا كل مَجْمع
وقد قرَّبُوا أبناءَهم ونساءهم وقُرِّبتُ من جذعٍ طويل مُمَنَّعِ
إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي وما أجمعَ الأحزابُ لي عند مضجعي
فذا العرش صبِّرْني على ما يراد بي فقد بضَّعُوا لحمي وقد ياس مطمعي
وقد خيروني الكفر والموتُ دونه وقد ذرفت عينايَ من غير مدمع
وما بي حِذارُ الموت إنّي لميّت وإنّ إلى ربي إيابي (^٣) ومرجعي
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا على أي شقٍّ كان في الله مضجعي (^٤)
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شِلْوٍ مُمَزَّع (^٥)
_________________
(١) ق، ب، ن: «على قتله».
(٢) م، ق، ب: «على صلبه».
(٣) م، ق، ب: «مآلي». والشطر الثاني عند ابن إسحاق: «ولكن حذاري حَجمُ نارٍ مُلفَّعِ».
(٤) ز، ع: «مصرعي»، وهو لفظ البخاري.
(٥) هذه الأبيات مع بيتين آخرين ذكرهما ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام (٢/ ١٧٦). قال ابن هشام: بعض أهل العلم بالشعر ينكر كونها لخُبيب. قلتُ: وقد صحَّ منها البيتان الأخيران (من المذكورة هنا) في حديث أبي هريرة عند البخاري.
[ ٣ / ٢٨٥ ]
- سن خبيب الركعتين عند القتل
فقال له أبو سفيان: أيسرُّك أن محمدًا عندنا تُضرَب عنقه وإنك في أهلك؟ فقال: والله ما يسرني أني في أهلي وأن محمدًا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه! (^١).
وفي «الصحيح» (^٢): أن خُبيبًا أول من سنَّ الركعتين عند القتل. وقد نقل أبو عمر بن عبد البر (^٣) عن الليث بن سعد أنه بلغه عن زيد بن حارثة أنه صلَّاهما في قصة ذكرها. وكذلك صلاهما حُجْر بن عَدي حين أمر معاويةُ بقتله بأرض عذراءَ من أعمال دمشق (^٤).
ثم صلبوه ووكلوا به من يحرُس جثَّته، فجاء عمرو بن أمية الضمري فاحتمله بجذعه ليلًا (^٥) فذهب به فدفنه (^٦).
_________________
(١) ذكره عروة وموسى بن عقبة ــ كما في «الدلائل» (٣/ ٣٢٦) ــ، وليس فيه أن أبا سفيان هو القائل ذلك. وذكر ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة أن أبا سفيان قال ذلك لزيد بن الدَّثِنة حين أخرجوه من الحرم ليقتلوه. انظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ١٧٢) و«طبقات ابن سعد» (٢/ ٥٣).
(٢) للبخاري (٤٠٨٦)، ضمن حديث أبي هريرة - ﵁ - الذي سبقت الإشارة إليه.
(٣) في «الاستيعاب» (٢/ ٥٤٦ - ٥٤٧).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٨٨٩٥) والحاكم (٣/ ٤٦٩ - ٤٧٠) عن ابن سيرين. وانظر: «طبقات ابن سعد» (٨/ ٣٣٩).
(٥) «ليلًا» ساقط من ص، د.
(٦) ذكره موسى بن عقبة فقال: زعموا أن عمرو بن أمية دفن خبيبًا، كما في «الدلائل» (٣/ ٣٢٧). وأما ابن هشام فذكر أن عمرو بن أمية لمّا احتمله بخشبته خرج الحرس وراءَه حتى أتى جُرفًا فرمى بالخشبة في الجُرف فغيّبه الله عنهم فلم يقدروا عليه. وانظر: «مسند أحمد» (١٧٢٥٢).
[ ٣ / ٢٨٦ ]
فصل: وقعة بئر معونة التي أغارت فيها عصية ورعل وذكوان على القراء
ورُئي خبيب وهو أسير يأكل قِطْفًا من العنب وما بمكة ثمرة (^١).
وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه.
وأما موسى بن عقبة (^٢) فذكر سبب هذه الوقعة أن رسول الله - ﷺ - بعث هؤلاء الرهط يتجسَّسون (^٣) له أخبار قريش فاعترضهم بنو لحيان.
فصل
وفي هذا الشهر بعينه ــ وهو صفر من السنة الرابعة ــ كانت وقعة بئر معونة، ومُلخَّصُها أن أبا براء عامرَ بن مالك المدعوَّ «ملاعب الأسِنَّة» قدم على رسول الله - ﷺ - المدينة فدعاه إلى الإسلام، فلم يسلم ولم يبعُد فقال: يا رسول الله، لو بعثتَ أصحابك إلى أهل نجدٍ يدعونهم إلى دينك لرجوتُ أن يجيبوهم، فقال: «إني أخاف عليهم أهل نجد»، فقال أبو براء: أنا جار لهم، فبعث معه أربعين رجلًا في قول ابن إسحاق (^٤) ــ وفي «الصحيح» (^٥) أنهم كانوا سبعين، والذي في «الصحيح» هو الصحيح ــ، وأمَّر عليهم المنذر بن
_________________
(١) جاء ذلك في حديث البخاري مسندًا عن الزهري عن عبد الله بن عياض عن ابنة الحارث بن نوفل ــ وكان خبيب أسيرًا عند بني الحارث ــ أنها رأتْه يأكل منه.
(٢) كما نقله البيهقي عنه في «الدلائل» (٣/ ٣٢٦). وكذا في حديث البخاري أنه بعثهم «عَينًا».
(٣) كذا في أكثر الأصول بالجيم. وفي المطبوع بالحاء: «يتحسّسون»، وهما متقاربان في المعنى.
(٤) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ١٨٣) و«الدلائل» (٣/ ٣٣٩).
(٥) للبخاري (٢٨٠١) من حديث أنس.
[ ٣ / ٢٨٧ ]
عمرٍو أحدَ بني ساعدة الملقَّبَ بـ «المُعْنِق ليموت» (^١) وكانوا من خيار المسلمين وفضلائهم وساداتهم وقرائهم.
فساروا حتى نزلوا بئر معونة، وهي بين أرض بني عامرٍ وحرَّةِ بني سُلَيم، فنزلوا هناك ثم بعثوا حرام بن مِلحان أخا أم سليم بكتاب رسول الله - ﷺ - إلى عدو الله عامر بن الطفيل فلم ينظر فيه وأمر رجلًا فطعنه بالحربة خلفَه، فلما أنفذها فيه ورأى الدم قال: فزت وربِّ الكعبة! ثم استنفر عدوُّ الله لفوره بني عامر إلى قتال الباقين، فلم يجيبوه لأجل جوار أبي براء، فاستنفر بني سُلَيم فأجابته عُصيَّة ورِعْلٌ وذكوان، فجاءوا حتى أحاطوا بأصحاب رسول الله - ﷺ -، فقاتلوا حتى قُتِلوا عن آخرهم إلا كعبَ بن زيد بن النجار، فإنه ارْتُثَّ (^٢) مِن بين القتلى فعاش حتى قُتِل يوم الخندق.
وكان عمرو بن أمية الضمري والمنذر بن محمد بن عقبة في سَرْح المسلمين، فرأيا الطيرَ تحوم على موضع الوقعة، فنزل المنذر بن محمد فقاتل المشركين حتى قُتِل مع أصحابه، وأُسِر عمرو بن أمية الضمري، فلما أَخبر أنه من مُضَر جزَّ عامرٌ ناصيتَه وأعتقه عن رقبةٍ كانت على أمه، ورجع عمرو بن أمية، فلما كان بالقرقرة من صدرِ قناةَ (^٣) نزل في ظلِّ شجرةٍ، وجاء
_________________
(١) روي في سبب تلقيبه أنه لمّا قُتل أصحابه ــ كما سيأتي ــ وبقي هو قالوا له: إن شئتَ آمنّاك، فأبى وقاتلهم حتى قُتل، فقال رسول الله - ﷺ - لمّا بلغه ذلك: «أعنق ليموت» أي أسرع إلى الموت وتقدّم إليه. انظر: «الدلائل» (٣/ ٣٤٢) عن موسى بن عقبة، و«مغازي الواقدي» (١/ ٣٤٨) و«طبقات ابن سعد» (٢/ ٤٩).
(٢) أي: حُمل من المعرفة رَثِيثًا ــ أي جريحًا ــ وبه رَمَق.
(٣) القرقرة: أرض مطمئنة وسط القاع. و«قناة»: وادٍ فحل يستسيل مناطق شاسعة من شرق الحجاز. انظر: «معجم المعالم الجغرافية في السيرة» (ص ٢٥٧).
[ ٣ / ٢٨٨ ]
- قتل عمرو بن أمية الضمري لرجلين معاهدين من كلاب
- خروج النبي - ﷺ - إلى بني النضير ليعينوه في ديتهما، فغدرهم به
رجلان من بني كلاب فنزلا معه، فلما ناما فتك بهما عمرو وهو يرى أنه قد أصاب ثأرًا من أصحابه، وإذا معهما عهد من رسول الله - ﷺ - لم يشعر به، فلما قَدِم أخبر رسولَ الله - ﷺ - بما فعل، فقال: «لقد قتلتَ قتيلين لأَدِيَنَّهما» (^١).
فكان هذا سببَ غزوة بني النضير، فإنه خرج إليهم ليعينوه في ديتهما لِما بينه وبينهما (^٢) من الحِلف، فقالوا: نعم، وجلس هو وأبو بكر وعمر وعليٌّ وطائفة من أصحابه، فاجتمع اليهود وتشاوروا وقالوا (^٣): من رجل يلقي هذا الرَّحى على محمد فيقتله؟ فانبعث أشقاها عمرو بن جحاش لعنه الله، ونزل جبريلُ من عند رب العالمين على رسوله يُعْلمه بما همُّوا به، فنهض رسول الله - ﷺ - من وقته راجعًا إلى المدينة، ثم تجهَّز وخرج بنفسه لحربهم، فحاصرهم ستَّ ليال (^٤)، واستعمل على المدينة ابنَ أم مكتوم، وذلك في ربيع الأول (^٥).
_________________
(١) أسند الخبر بطوله ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ١٨٣) و«الدلائل» (٣/ ٣٣٨) ــ عن أبيه عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث، وعن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعن غيرهما من أهل العلم مرسلًا. وانظر الخبر عند موسى بن عقبة في «الدلائل» (٣/ ٣٤١)، والواقدي في «مغازيه» (١/ ٣٤٦). وقد أخرجه البخاري (٢٨٠١، ٤٠٩١) ومسلم (٦٧٧/ ١٤٧ - ج ٣/ ١٥١١) من حديث أنس مختصرًا.
(٢) كذا في عامة الأصول، أي: بينه وبين العامريَّين. وفي ن، النسخ المطبوعة: «وبينهم»، أي: بينه وبين اليهود، وله وجه.
(٣) «وقالوا» ساقط من ص، ز، د.
(٤) كذا قال ابن هشام في «السيرة» (٢/ ١٩١). وخالفه الواقدي (١/ ٣٧٤) وابن سعد (٢/ ٥٤) فذكرا أن النبي - ﷺ - حاصرهم خمسة عشر يومًا.
(٥) وقد سبق (ص ١٥٠ - ١٥٣) خبر بني النضير بأطول مما هنا.
[ ٣ / ٢٨٩ ]
قال ابن حزم (^١): وحينئذ حرمت الخمر.
فنزلوا على أن لهم ما حملت إبلُهم غيرَ السلاح ويرحلون من ديارهم، فترحَّل (^٢) أكابرهم كحُيَيِّ بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق إلى خيبر، وذهبت طائفة منهم إلى الشام، وأسلم منهم رجلان فقط: يامين بن عمرو (^٣)
وأبو سعد بن وهب، فأحرزا أموالهما.
وقسم رسول الله - ﷺ - أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين خاصةً، لأنها كانت مما لم يُوجِف المسلمون عليه بخيلٍ ولا ركاب، إلا أنه أعطى أبا دجانة وسهل بن حنيف الأنصاريين لفقرهما. وفي هذه الغزوة نزلت سورة الحشر.
هذا الذي ذكرناه هو الصحيح عند أهل المغازي والسير. وزعم
_________________
(١) «جوامع السيرة» (ص ١٨١)، وقد تبع ابن حزم في ذلك ما ذكره ابن هشام في «السيرة» (٢/ ١٩١). وفي وقت تحريمها أقوال أخرى، ورجّح الحافظ ابن حجر أنها حُرِّمت عام الفتح. انظر: «فتح الباري» (٨/ ٢٧٩، ١٠/ ٣١).
(٢) م، ق، ث: «فرحل». ب: «فرحلت».
(٣) كذا في الأصول والمطبوع. وإنما هو: «يامين بن عُمَير». انظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ١٩٢) و«مغازي الواقدي» (١/ ٣٧٣) و«الدرر» لابن عبد البر (ص ١٧٥) و«الاستيعاب» له (٤/ ١٥٨٩) و«جوامع السيرة» (ص ١٨٢) ــ وهو مصدر المؤلف ــ و«الإصابة» (١١/ ٣٧٨). تنبيه: وقع في مطبوعة «سيرة ابن هشام» وكتابَي النَّمَري و«جوامع السيرة»: «يامين بن عمير بن كعب بن عمرو بن جحاش»، وهو تصحيف، والصواب: «يامين بن عمير بن كعب ابنُ عمِّ عمرو بن جحاش»، كما يدلّ عليه سياق الخبر، وكما ورد عند ابن كثير في «البداية والنهاية» (٥/ ٥٣٨) نقلًا عن ابن إسحاق.
[ ٣ / ٢٩٠ ]
- تاريخ غزوات النبي - ﷺ الأربع مع اليهود
فصل: قنوت النبي - ﷺ - على الذين قتلوا القراء أصحاب بئر معونة
فصل: غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة نجد
محمد بن شهاب الزهري أن غزوة بني النضير كانت بعد بدر بستة أشهر (^١). وهذا وهم منه أو غلط عليه، بل الذي لا شك فيه أنها كانت بعد أحدٍ، والتي كانت بعد بدر بستة أشهر هي غزوة بني قينقاع (^٢)، وقريظةُ بعد الخندق، وخيبر بعد الحديبية؛ فكان له مع اليهود أربع غزوات:
أولها: غزوة بني قينقاع بعد بدر.
والثانية: بنو النضير بعد أُحُد.
والثالثة: قريظة بعد الخندق.
والرابعة: خيبر بعد الحديبية (^٣).
فصل
وقنت رسول الله - ﷺ - شهرًا يدعو على الذين قتلوا القراء أصحابَ بئر معونة بعد الركوع (^٤). ثم تركه لما جاؤوا تائبين مسلمين.
فصل
ثم غزا رسول الله - ﷺ - بنفسه غزوةَ ذاتِ الرقاع، وهي غزوة نجد، فخرج في جمادى الأولى من السنة الرابعة ــ وقيل: في المحرم ــ يريد مُحارب وبني
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٣/ ١٧٦) من قوله. وعلّقه البخاري في «صحيحه» عن الزهري عن عروة بن الزبير، وقد سبق (ص ١٥٠).
(٢) سبق (ص ١٤٩) أن ذكر المؤلف أنها كانت في شوال، أي: بعد شهر من غزوة بدر، وهو قول الواقدي وابن سعد. وانظر أيضًا ما سبق (ص ٢٢٢) والتعليق عليه.
(٣) ذكر الرابعة ساقط من م، ق، ب.
(٤) أخرجه البخاري (٣٠٦٤ ومواضع) ومسلم (٦٧٧) من حديث أنس.
[ ٣ / ٢٩١ ]
التحقيق في تاريخ هذه الغزوة، والتدليل على أنها بعد خيبر
ثعلبة بن سعد بن غطفان، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري ــ وقيل: عثمان بن عفان ــ، وخرج في أربعمائة من أصحابه ــ وقيل: سبعمائة ــ، فلقي (^١) جمعًا من غطفان، فتواقفوا ولم يكن بينهم قتال، إلا أنه صلى بهم يومئذٍ صلاةَ الخوف.
هكذا قال ابن إسحاق وجماعة من أهل السير والمغازي في تاريخ هذه الغزاة وصلاةِ الخوف بها (^٢)، وتلقاه الناس عنهم. وهو مشكل جدًّا، فإنه قد صح أن المشركين حبسوا رسول الله - ﷺ - يوم الخندق عن صلاة العصر حتى غابت الشمس (^٣).
وفي «السنن» و«مسند أحمد» و«الشافعي» (^٤) أنهم حبسوه عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء فصلاهن جميعًا، وذلك قبل نزول صلاة الخوف. والخندق بعد ذات الرقاع سنة خمس.
والظاهر أن النبي - ﷺ - أول صلاة صلاها للخوف بعُسفان، كما قال أبو عياش الزُّرَقي: «كنا مع النبي - ﷺ - بعسفان فصلى بنا الظهر، وعلى المشركين يومئذ خالد بن الوليد، فقالوا: لقد أصبنا منهم غفلةً، ثم قالوا: إن
_________________
(١) م، ق، ب: «وأتى».
(٢) انظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٠٣) و«مغازي الواقدي» (١/ ٣٩٥) و«طبقات ابن سعد» (٢/ ٥٧) و«الدرر» (ص ١٧٦) و«جوامع السيرة» (ص ١٨٢).
(٣) أخرجه البخاري (٩٤٥) ومسلم (٦٣١) من حديث جابر - ﵁ -.
(٤) أخرجه الشافعي في «الأم» (٢/ ١٩٢) ــ وهو في «مسنده» بترتيب سنجر (١٥٣) وبترتيب السندي (٥٥٣) ــ وأحمد (١١١٩٨، ١١٤٦٥) والنسائي (٦٦١) وابن خزيمة (٩٩٦، ١٧٠٣) وابن حبان (٢٨٩٠) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
[ ٣ / ٢٩٢ ]
لهم صلاةً بعد هذه هي أحبُّ إليهم من أموالهم وأبنائهم، فنزلت صلاة الخوف بين الظهر والعصر، فصلى بنا العصر ففرَّقنا فِرقتين » وذكر الحديث. رواه أحمد وأهل السنن (^١).
وقال أبو هريرة: «كان رسول الله - ﷺ - نازلًا بين ضَجْنان وعُسفان فحاصر المشركين، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاةً هي أحبُّ (^٢) إليهم من أبنائهم وأموالهم، أَجمِعوا أمركم ثم مِيلوا عليهم مَيلةً واحدةً، فجاء جبريل فأمره أن يَقْسِم أصحابَه نصفين » وذكر الحديث. قال الترمذي: حديث حسن صحيح (^٣).
ولا خلاف بينهم أن غزوة عُسفان كانت بعد الخندق، وقد صح عنه أنه صلَّى صلاة الخوف بذات الرقاع= فعُلِم أنها بعد الخندق وبعد عسفان.
ويؤيِّد هذا أن أبا هريرة وأبا موسى الأشعري شهدا ذاتَ الرقاع، كما في «الصحيحين» (^٤) عن أبي موسى أنه شهد غزوة ذات الرقاع، وأنهم كانوا يلفُّون على أرجلهم الخِرَق لمّا نَقِبَت، فسمّيت غزوة ذاتِ الرقاع (^٥). وأما أبو هريرة
_________________
(١) أحمد (١٦٥٨٠) وأبو داود (١٢٣٦) والنسائي (١٥٥٠) ــ واللفظ به أشبه ــ، وأخرجه أيضًا ابن حبان (٢٨٧٥، ٢٨٧٦) والحاكم (١/ ٣٣٧). وإسناده صحيح.
(٢) ص، ز، د، ن: «أهمّ». والمثبت لفظ «السنن».
(٣) «جامع الترمذي» (٣٠٣٥). وأخرجه أيضًا أحمد (١٠٧٦٥) والنسائي (١٥٤٤) ــ واللفظ به أشبه ــ وابن حبان (٢٨٧٢).
(٤) البخاري (٤١٢٨) ومسلم (١٨١٦). وقوله: «لمّا نَقِبَت» أي لما تشققت.
(٥) «فسميت غزوة ذات الرقاع» ساقط من طبعة الرسالة مع ثبوته في الأصول والطبعة الهندية.
[ ٣ / ٢٩٣ ]
ففي «المسند» و«السنن» (^١) أن مروان بن الحكم سأله: هل صليت مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف؟ قال: نعم، قال: متى؟ قال: عام غزوة نجد.
وهذا يدل على أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر، وأن مَن جعلها قبل الخندق فقد وهم وهمًا ظاهرًا. ولما تفطَّن (^٢) بعضُهم (^٣) لهذا ادَّعى أن غزوة ذات الرقاع كانت مرتين، فمرةً قبل الخندق ومرةً بعدها (^٤)؛ على عادتهم في تعديد الوقائع إذا اختلفت ألفاظُها أو تاريخها. ولو صح لهذا القائل ما ذكره ــ ولا يصح ــ لم يمكن أن يكون قد صلى بها صلاةَ الخوف في المرة الأولى، لِما تقدم من قصة عسفان وكونِها بعد الخندق. ولهم أن يجيبوا عن هذا بأن تأخيرَ يوم الخندق جائز غيرُ منسوخ، وأن في حال المُسايفة يجوز تأخير الصلاة إلى أن يتمكَّن من فِعلها ــ وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره ــ، لكن لا حيلة لهم في قصة عسفان وأن أول صلاة صلاها للخوف بها، وأنها بعد الخندق.
فالصواب تحويل غزوة ذات الرقاع من هذا الموضع إلى بعد الخندق، بل بعد خيبر. وإنما ذكرناها هاهنا تقليدًا لأهل المغازي والسير، ثم تبيَّن لنا وهمهم، وبالله التوفيق.
_________________
(١) أحمد (٨٢٦٠) وأبو داود (١٢٤٠) والنسائي (١٥٤٣)، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة (١٣٦١) وابن حبان (٢٨٧٨) والحاكم (١/ ٣٣٨).
(٢) غيّر بعضهم السياق في ن إلى: «ولمّا لم يفطن»، وكذا جاء في النسخ المطبوعة. وهو إقحام مفسد للمعنى المقصود.
(٣) لعل المؤلف يعني به: البيهقي. انظر: «الدلائل» (٣/ ٣٦٩ - ٣٧٢) ..
(٤) د، ب: «بعده».
[ ٣ / ٢٩٤ ]
ومما يدل على أن غزوة ذات الرقاع بعد الخندق ما رواه مسلم في «صحيحه» (^١) عن جابر قال: «أقبلنا مع رسول الله - ﷺ - حتى إذا كُنَّا بذاتِ الرقاع ــ قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله - ﷺ - ــ فجاء رجل من المشركين وسَيفُ رسولِ الله - ﷺ - معلَّق بالشجرة، فأخذ السيفَ فاخترطه » فذكر القصة وقال: «فنودي بالصلاة فصلى بطائفةٍ ركعتين ثم تأخَّروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكانت لرسول الله - ﷺ - أربعُ ركعات وللقوم ركعتان». وصلاة الخوف إنما شُرعت بعد الخندق، بل هذا يدل على أنها بعد عُسفان، والله أعلم.
وقد ذكروا أن قصة بيعِ جابر جملَه من النبي - ﷺ - كانت في غزوة ذات الرقاع (^٢). وقيل: في مرجعه من تبوك (^٣)، ولكن في إخباره للنبي - ﷺ - في تلك القصة أنه تزوج امرأةً ثيبًا تقوم على أخواته وتُكَلِّفهنَّ (^٤) إشعارٌ بأنه بادر إلى ذلك بعد مقتل أبيه ولم يؤخره إلى عام تبوك، والله أعلم.
_________________
(١) برقم (٨٤٣).
(٢) أسند ذلك ابن إسحاق ــ ومن طريقه ابن هشام (٢/ ٢٠٦) وأحمد (١٥٠٢٦) ــ بإسناد جيد عن جابر قال: «خرجت مع رسول الله - ﷺ - في غزوة ذات الرقاع مرتحلًا على جمل لي ضعيف » إلخ القصة. وكذلك ذكر الواقدي (١/ ٤٠٠) القصة في أحداث غزوة ذات الرقاع.
(٣) ورد ذلك في رواية علّقها البخاري عقب الحديث (٢٧١٨) ضمن الروايات المختلفة في ثمنه، وروي أيضًا عن جابر عند أبي يعلى (١٧٩٣) بإسناد ضعيف.
(٤) م، ق، ث، ن، النسخ المطبوعة: «تَكْفَلهن». والمثبت من سائر الأصول، ومعنى «تُكلِّفهن»: تجهّزهن وتُزيّنهن، كما في «تكملة المعاجم العربية» (٩/ ١٣٠). ولفظ جابر المتفق عليه: «فأحببت أن أتزوج امرأة تَجمعهن وتَمشُطُهن».
[ ٣ / ٢٩٥ ]
فصل: غزوة بدر الموعد، وهي غزوة بدر الثالثة
وفي مرجعهم من غزوة ذات الرقاع سَبَوا امرأةً من المشركين، فنذر زوجُها أن لا يرجع حتى يهريق دمًا في أصحاب محمد - ﷺ -، فجاء ليلًا وقد أرصد رسول الله - ﷺ - رجلين ربيئةً (^١) للمسلمين من العدو وهما: عبّاد بن بشر وعمار بن ياسر، فضرب عبادًا وهو قائم يصلي بسهمٍ، فنزعه ولم يبطل صلاتَه، حتى رشقه بثلاثة أسهم فلم ينصرف منها حتى سلَّم فأيقظ صاحبه، فقال: سبحان الله! هلَّا أنبهتني؟ فقال: إني كنت في سورة فكرهت أن أقطعها (^٢).
وقال موسى بن عقبة في «مغازيه» (^٣): ولا يُدرى متى كانت هذه الغزوة، قبل بدرٍ أو بعدها، أو فيما بين بدر وأحد، أو بعد أحد.
ولقد أبعد جدًّا إذ جوز أن تكون قبل بدرٍ وهذا ظاهر الإحالة، ولا قبل أحد، ولا قبل الخندق كما تقدم بيانه.
فصل
قد تقدَّم (^٤) أن أبا سفيان قال عند انصرافه من أحد: موعدكم وإيانا العام القابلَ بدرٌ، فلما كان شعبان ــ وقيل: ذو القعدة ــ من العام القابل خرج
_________________
(١) الربيئة: عين القوم يرقب العدو من مربأ (مكان عال) لئلا يدهم قومَه.
(٢) أخرجه ابن هشام (٢/ ٢٠٨) وأحمد (١٤٧٠٤) وأبو داود (١٩٨) وابن خزيمة (٣٦) وابن حبان (١٠٩٦) من حديث جابر - ﵁ - دون تسمية الصحابيين، لكنه ذكر أن أحدهما من المهاجرين والآخر من الأنصار. وسمّاهما الواقدي (١/ ٣٩٧) وابن هشام.
(٣) ونقله عنه أيضًا الحافظ في «الفتح» (٧/ ٤١٧).
(٤) (ص ٢٨١).
[ ٣ / ٢٩٦ ]
سنة خمس
رسول الله - ﷺ - لموعده في ألف وخمسمائة، وكانت الخيل عشرة أفراس، وحمل لواءه علي بن أبي طالب، واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة، فانتهى إلى بدرٍ فأقام بها ثمانية أيام ينتظر المشركين، وخرج أبو سفيان بالمشركين من مكة وهم ألفان ومعهم خمسون فرسًا، فلما انتهوا إلى مَرِّ الظهران (^١) ــ مرحلة عن مكة ــ قال لهم أبو سفيان: إن العام عامُ جدب، وقد رأيت أن أرجع بكم، فانصرَفوا راجعين وأخلَفوا الموعد، فسميت هذه «بدر الموعد» وتسمى «بدر الثالثة» (^٢).
فصل
في غزوة دُومة الجندل
وهي بضم الدال، وأما دَومة بالفتح فمكان آخر. خرج إليها رسول الله - ﷺ - في ربيع الأول سنة خمس، وذلك أنه بلغه أن بها جمعًا كثيرًا يريدون أن يَدنوا من المدينة، وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلةً، وهي من دمشق
_________________
(١) من أكبر أودية الحجاز، يُعرف اليوم بـ «وادي فاطمة»، يمرُّ شمال مكة على قرابة ٢٥ كيلًا، وتقع فيه عدّة قُرى منها: الجُموم، وبَحْرَة، وغيرهما. انظر: «معجم المعالم في السيرة» (ص ٢٨٨).
(٢) المطبوع: «الثانية»، خطأ مخالف لجميع الأصول، وذلك أن غزوة بدر الأولى هي التي خرج فيها لطلب كرز بن جابر الفهري لمّا أغار على سرح المدينة ــ كما سبق (ص ١٩٣) ــ، والثانية هي الكبرى، وهذه هي الثالثة. وهكذا سمّاها ابن عبد البر في «الدرر» (١٧٧) وابن حزم في «جوامع السيرة» (ص ١٨٤). وانظر خبرها عند موسى بن عقبة في «الدلائل» (٣/ ٣٨٤)، وابن إسحاق في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٠٩)، والواقدي في «مغازيه» (١/ ٣٨٤).
[ ٣ / ٢٩٧ ]
على خمس ليال (^١).
واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وخرج في ألف من المسلمين، ومعه دليل من بني عُذْرة يقال له: «مذكور»، فلما دنا منهم إذا هم مُغرِّبون، فهجم على ماشيتهم ورِعائهم (^٢)، فأصاب من أصاب وهرب من هرب، وجاء الخبرُ أهلَ دومة الجندل فتفرقوا، ونزل رسول الله - ﷺ - بساحتهم فلم يجد فيها أحدًا، فأقام بها أيامًا وبثَّ السرايا وفرَّق الجيوش، فلم يُصب منهم أحدًا، فرجع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة ووادع في تلك الغزوة عُيَينة بن حِصن (^٣).
* * *
_________________
(١) وهي اليوم مدينة بنفس الاسم في منطقة الجوف في شمال المملكة العربية السعودية.
(٢) كذا ضُبط بالهمزة في ص، م، ن. وضُبط في ز، ب، ث: «رُعاتهم» بالتاء.
(٣) انظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢١٣) و«مغازي الواقدي» (١/ ٤٠٢) و«طبقات ابن سعد» (٢/ ٥٨).
[ ٣ / ٢٩٨ ]
فصل
في غزوة المُرَيسِيع (^١)
وكانت في شعبان سنة خمس، وسببها: أنه بلغه - ﷺ - أن الحارث بن أبي ضرار سيِّدَ بني المصطلق سار في قومه ومن قدر عليه من العرب يريدون حرب رسول الله - ﷺ -، فبعث بريدة بن الحصيب الأسلمي يعلم له ذلك، فأتاهم ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلَّمه ورجع إلى رسول الله - ﷺ - فأخبره خبرهم، فندب رسول الله - ﷺ - الناسَ فأسرعوا في الخروج، وخرج معه جماعة من المنافقين لم يخرجوا في غزاة مثلها، واستعمل على المدينة زيد بن حارثة، وقيل: أبا ذر، وقيل: نميلة بن عبد الله الليثي.
وخرج يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان، وبلغ الحارثَ بن أبي ضرار ومن معه مسيرُ رسول الله - ﷺ - وقَتْلُه عينَه الذي كان وجَّهه ليأتيه بخبره وخبر المسلمين، فخافوا خوفًا شديدًا وتفرَّق عنهم من كان معهم من العرب، وانتهى رسولُ الله - ﷺ - إلى المُريسيع ــ وهو مكان الماء ــ فاضطرب (^٢) عليه قُبَّتَه ومعه عائشة وأم سلمة، فتهيَّؤُوا للقتال.
وصفَّ رسول الله - ﷺ - أصحابه، ورايةُ المهاجرين مع أبي بكر الصديق
_________________
(١) وتُعرف أيضًا بغزوة بني المصطلق.
(٢) المطبوع: «ضرب». والمثبت من الأصول موافق لما في «السيرة» للدمياطي (ق ٨٦) ــ والمؤلف صادر عنه ــ، ولما في أصول «طبقات ابن سعد» (٢/ ٦٠) على ما ذكره محققه في الهامش. ومعنى «اضطرب»: ضرب، أو أمر أن يُضرَب له. انظر: «تاج العروس» (٣/ ٢٤٨). وروي في قصة الحديبية (كما سيأتي ص ٣٥٩) أن النبي - ﷺ - كان «يصلي في الحرم وهو مُضطَرِب في الحِلِّ»، أي ضارب خيمته فيه.
[ ٣ / ٢٩٩ ]
- إعتاق النبي - ﷺ - جويرية بنت الحارث من السبي وتزوجها
وراية الأنصار مع سعد بن عبادة، فتراموا بالنبل ساعةً (^١) ثم أمر رسولُ الله - ﷺ - أصحابه فحملوا حملةَ رجلٍ واحد، فكانت النصرة وانهزم المشركون وقُتِل من قتل منهم، وسبى رسولُ الله - ﷺ - النساء والذراري والنَّعَم والشاء، ولم يُقتَل من المسلمين إلا رجل واحد. هكذا قال عبد المؤمن بن خَلَف في «سيرته» (^٢) وغيرُه، وهو وهم، فإنه لم يكن بينهم قتال، وإنما أغار عليهم على الماء فسبى ذراريهم وأموالهم، كما في «الصحيح» (^٣): «أغار رسول الله - ﷺ - على بني المصطلق وهم غارُّون » وذكر الحديث.
وكان من جملة السبي جويريةُ بنت الحارث سيدِ القوم، وقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها، فأدى عنها رسول الله - ﷺ - وتزوَّجها، فأعتق المسلمون بسبب هذا التزويج مائةَ أهل بيت من بني المصطلق قد أسلموا، وقالوا: أصهار رسول الله - ﷺ - (^٤).
قال ابن سعد (^٥): وفي هذه الغزوة سقط عِقد لعائشة فاحتبسوا على طلبه فنزلت آية التيمم.
_________________
(١) «ساعة» ساقطة من ص، ز، د.
(٢) (ق ٨٦ - نسخة شستربيتي)، وهو صادر عن «طبقات ابن سعد» (٢/ ٦٠) وهو عن شيخه الواقدي (١/ ٤٠٧). وبنحوه ذكره أيضًا ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٩٠) ــ عن عاصم بن عمر بن قتادة وغيره من التابعين مرسلًا.
(٣) للبخاري (٢٥٤١) ومسلم (١٧٣٠) من حديث ابن عمر، وكان في ذلك الجيش.
(٤) أخرجه أحمد (٢٦٣٦٥) وأبو داود (٣٩٣١) وابن حبان (٤٠٥٤) والحاكم (٤/ ٢٦) من حديث عائشة بإسناد حسن. قالت عائشة: «فما أعلم امرأة كانت أعظمَ بركةً على قومها منها».
(٥) «الطبقات» (٢/ ٦١)، والمؤلف صادر عن «سيرة الدمياطي» (ق ٨٦).
[ ٣ / ٣٠٠ ]
قصة الإفك في الفقول من غزوة المريسيع
وذكر الطبراني في «معجمه» (^١) من حديث محمد بن إسحاق عن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت: «لمّا كان من أمر عقدي ما كان، قال أهلُ الإفك ما قالوا، فخرجتُ مع النبي - ﷺ - في غزوةٍ أخرى فسقط أيضًا عقدي حتى حبس التماسُه الناسَ ولقيتُ من أبي بكرٍ ما شاء الله، وقال لي: يا بُنيَّة في كل سفرٍ تكُونين عناءً وبلاءً؟! وليس مع الناس ماء، فأنزل الله الرخصة بالتيمم».
وهذا يدل على أن قصة العقد التي نزل التيمم لأجلها بعد هذه الغزوة، وهو الظاهر (^٢)، ولكن فيها كانت قصةُ الإفك بسبب فقدِ العقد والتماسِه، فاشتبه على بعضهم إحدى القصتين بالأخرى، والله أعلم. ونحن نشير إلى قصة الإفك:
وذلك أن عائشة -﵂- كانت قد خرج بها رسولُ الله - ﷺ - معه في هذه الغزوة بقرعة أصابتها، وكانت تلك عادته مع نسائه، فلما رجعوا من الغزوة نزلوا في بعض المنازل، فخرجت عائشة لحاجتها (^٣) ثم رجعت ففقدت عقدًا
_________________
(١) «الكبير» (٢٣/ ١٢١)، وفي إسناده إلى ابن إسحاق ضعف. وقد أخرجه أحمد (٢٦٣٤١) من طريق آخر عن ابن إسحاق بنحوه، وقد صرَّح فيه ابن إسحاق بالتحديث، فإسناده حسن، إلا أنه ليس فيه قول عائشة في أوله: «لمّا كان من أمر عقدي ما كان قال أهل الإفك ما قالوا».
(٢) ويدل عليه أيضًا قول أُسيد بن حُضير لعائشة في قصة التيمم كما في «صحيح البخاري» (٣٣٦): «جزاك الله خيرًا، فوالله ما نزل بكِ أمرٌ تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيرًا»؛ ففيه إشعار بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك. انظر: «فتح الباري» لابن رجب (٢/ ٣١).
(٣) ساقط من م، ق، ب. وكأنه مضروب عليه في ص.
[ ٣ / ٣٠١ ]
لأختها كانت أعارتها إياه، فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه، فجاء النفر الذين كانوا يُرحِّلون هودجها فظنوها فيه فحملوا الهودج ولا ينكرون خفته، لأنها -﵂- كانت فتيَّة السنِّ لم يغشَها اللحمُ الذي يُثقلها، وأيضًا فإن النفر لما تساعَدوا على حمل الهودج لم يُنكروا خِفَّته، ولو كان الذي حمله واحدًا أو اثنين لم يخفَ عليهما الحال.
فرجعت عائشة إلى منازلهم وقد أصابت العِقدَ فإذا ليس بها داعٍ ولا مجيب، فقعدت في المنزل وظنَّت أنهم سيفقدونها فيرجعون في طلبها ــ والله غالب على أمره يدبّر الأمرَ فوقَ عرشه كما يشاء ــ، فغلبتْها عيناها فنامت فلم تستيقظ إلا بقول صَفوان بن المعطَّل: إنا لله وإنا إليه راجعون، زوجة رسول الله - ﷺ -! وكان صفوان قد عرَّس في أخريات الجيش، لأنه كان كثير النوم كما جاء عنه في «صحيح أبي حاتم» وفي «السنن» (^١). فلما رآها عرفها ــ وكان يراها قبلَ نزول الحجاب ــ فاسترجع وأناخ راحلته فقرَّبها إليها فركبت (^٢)، وما كلَّمها كلمةً واحدةً ولم تسمع منه إلا استرجاعه.
ثم سار بها يقودها حتى قدم بها وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة، فلما رأى ذلك الناسُ تكلَّم كلٌّ منهم بشاكلته وما يليق به، ووجد الخبيثُ عدوُّ الله ابنُ أبيٍّ متنفَّسًا فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه، فجعل يستحكي الإفكَ ويستوشيه، ويُشِيعه ويذيعه، ويجمعه ويفرقه، وكان أصحابه
_________________
(١) «صحيح أبي حاتم» (١٤٨٨) و«سنن أبي داود» (٢٤٥٩)، أخرجه أيضًا أحمد (١١٧٥٩) والحاكم (١/ ٤٣٦)، ورجاله ثقات رجال الشيخين إلا أن بعضهم استنكر متنه. انظر: «تهذيب السنن» للمؤلف (٢/ ١٨٢ - ١٨٣).
(٢) ص، ز، د: «فركبته». وفي هامش ز، ن، النسخ المطبوعة: «فركبتها».
[ ٣ / ٣٠٢ ]
يتقربون إليه به.
فلما قدموا المدينة أفاض أهلُ الإفك في الحديثِ ورسولُ الله - ﷺ - ساكت لا يتكلم، ثم استشار أصحابه في فراقها فأشار عليه عليٌّ بأن يُفارِقها ويأخذَ غيرَها تلويحًا لا تصريحًا، وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها وبأن لا (^١) يلتفت إلى كلام الأعداء (^٢).
فعليٌّ لمّا رأى أن ما قيل مشكوك فيه أشار بترك الشك والريبة إلى اليقين ليتخلَّص رسولُ الله - ﷺ - من الهمِّ والغمِّ الذي لحقه بكلام الناس فأشار بحسم الداء؛ وأسامة لمّا علم حبَّ رسول الله - ﷺ - لها ولأبيها، وعلم من عفَّتها وبراءتها وحصانتها وديانتها ما هي فوقَ ذلك وأعظمُ منه، وعرف من كرامة رسول الله - ﷺ - على ربِّه ومنزلته عنده ودفاعِه عنه أنه لا يجعل ربَّةَ بيته وحبيبتَه من النساء وبنتَ صديقه بالمنزلة التي أنزلها بها أرباب الإفك، وأن رسول الله - ﷺ - أكرمُ على ربه وأعزُّ عليه من أن يجعل تحته امرأةً بغيًّا، وعلم أن الصديقة حبيبةَ رسول الله - ﷺ - أكرمُ على ربها من أن يبتليها بالفاحشة وهي تحت رسوله (^٣)؛ فمن قويت معرفةُ الله ومعرفةُ رسولِه - ﷺ - وقدرُه عند الله في قلبه قال (^٤) كما قال أبو أيوب وغيره من سادات الصحابة لمَّا سمعوا ذلك:
_________________
(١) م، ق، ب، ن: «وأن لا».
(٢) قصة الإفك أخرجها البخاري (٢٦٦١، ٤١٤١، ٤٧٥٠) ومسلم (٢٧٧٠) من حديث عائشة - ﵂ - مطوّلة.
(٣) لم يأت جواب «لمّا» في كلام المؤلف، ولعله اكتفى بدلالة السياق عليه، والتقدير أن أسامة لمّا علم كلَّ ذلك أشار عليه بإمساكها وعدم الالتفات إلى كلام الأعداء.
(٤) «قال» ساقطة من ص، د، ن.
[ ٣ / ٣٠٣ ]
الحكم في حبس الوحي عن النبي - ﷺ - في شأن عائشة
«سبحانك هذا بهتان عظيم!» (^١).
وتأمَّل ما في تسبيحهم لله وتنزيههم له في هذا المقام من المعرفة به، وتنزيهِه عمَّا لا يليق به أن يجعل لرسوله وخليله وأكرم الخلق عليه امرأةً خبيثةً بغيًّا؛ فمن ظن به سبحانه هذا فقد ظنَّ به ظن السَّوء، وعرف أهلُ المعرفة بالله ورسوله أن المرأة الخبيثة لا تليق إلا بمثلها، كما قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور: ٢٦]، فقطعوا قطعًا لا يشكُّون فيه أن هذا بهتان عظيم وفِرية ظاهرة.
فإن قيل: فما بالُ رسول الله - ﷺ - توقَّف في أمرها وسأل عنها وبحث واستشار، وهو أعرف بالله وبمنزلته عنده وبما يليق به؟ وهلَّا قال: «سبحانك هذا بهتان عظيم» كما قاله فضلاء الصحابة؟
فالجواب: أن هذا من تمام الحِكَم الباهرة التي جعل الله هذه القصة سببًا لها وامتحانًا وابتلاءً لرسوله ولجميع الأمة إلى يوم القيامة، ليرفع بهذه القصة أقوامًا ويضع بها آخرين، ويزيد الله الذين اهتدوا هدًى وإيمانًا، ولا يزيد
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٣٧٠) من حديث عائشة - ﵂ - دون تسمية القائل وإنما هو «رجل من الأنصار». وذُكر أنه أبو أيوب في رواية الطبراني في «الكبير» (٢٣/ ٧٤ - ٧٨) والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٥٢٣) .. وأخرج إسحاق بن راهويه في «مسنده» (١٦٩٨) والطبري في «تفسيره» (١٧/ ٢١٢) وابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٤٦) عن بعض الأشياخ من الأنصار أن أبا أيوب قال لامرأته حين ذكرت له ما يقوله الناس: أكنت تفعلين ذلك؟ فقالت: لا والله، فقال: فعائشة والله خير منك وأطيب، فأنزل الله: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢].
[ ٣ / ٣٠٤ ]
الظالمين إلا خسارًا، واقتضى تمامُ الامتحان (^١) والابتلاء أن حبس عن رسوله الوحيَ شهرًا في شأنها لا يوحى إليه في ذلك شيء؛ لتتمَّ حكمتُه التي قدَّرها وقضاها وتظهرَ على أكمل الوجوه، ويزدادَ المؤمنون الصادقون إيمانًا وثباتًا على العدل والصدق وحسن الظن بالله ورسوله وأهل بيته والصدِّيقين من عباده، ويزدادَ المنافقون إفكًا ونفاقًا، ويَظهرَ لرسول الله وللمؤمنين سرائرُهم، ولتَتمَّ العبوديةُ المرادة من الصديقة وأبويها (^٢) وتتمَّ نعمةُ الله عليهم، ولتشتد الفاقةُ والرغبةُ منها ومن أبويها والافتقار إلى الله، والذلُّ له وحسنُ الظن به والرجاءُ له، ولينقطعَ رجاؤها من المخلوقين وتيأسَ من حصولِ النصر والفرج على يد أحدٍ من الخلق، ولهذا وفَّتْ هذا المقام حقَّه لما قال لها أبواها: قومي إليه ــ وقد أنزل اللهُ عليه (^٣) براءتها ــ فقالت: «والله لا أقوم إليه، ولا أحمدُ إلا الله، هو الذي أنزل براءتي» (^٤).
وأيضًا: فكان من حكمة حبس الوحي شهرًا أن القضية نضجت (^٥) وتمخَّضت واستشرفت قلوب المؤمنين أعظمَ استشرافٍ إلى ما يوحيه الله إلى رسوله فيها وتطلَّعت إلى ذلك غاية التطلُّع، فوافى الوحيُ أحوجَ ما كان إليه رسولُ الله - ﷺ - وأهلُ بيته والصديقُ وأهلُه وأصحابه والمؤمنون، فورد عليهم ورودَ الغيث على الأرض أحوجَ ما كانت إليه، فوقع منهم أعظمَ موقعٍ
_________________
(١) «الامتحان و» ساقط من ق.
(٢) ص، ز، د، ن: «أبيها» هنا وفي الموضع الآتي.
(٣) ص، ز، د: «أُنزل عليه».
(٤) كما في حديثها الطويل عند الشيخين، وهذا لفظ مسلم (٢٧٧٠/ ٥٦).
(٥) د: «محضت». وفي المطبوع: «مُحِّصت».
[ ٣ / ٣٠٥ ]
وألطفَه وسُرُّوا به أتمَّ السرور، وحصل لهم به غايةُ الهناء، ولو أطلع اللهُ رسولَه على حقيقة الحالِ من أوَّلِ وَهلةٍ وأنزل الوحيَ على الفور بذلك لفاتت هذه الحكم (^١) وأضعافُها بل أضعافُ أضعافِها.
وأيضًا: فإن الله سبحانه أحبَّ أن يُظهر منزلةَ رسوله وأهلِ بيته عنده وكرامتَهم عليه، وأن يخرج رسوله من هذه القضية ويتولَّى هو بنفسه الدفاعَ والمنافحة عنه والردَّ على أعدائه وذمَّهم وعيبَهم بأمرٍ لا يكون له فيه عمل ولا ينسب إليه، بل يكون هو وحدَه المتولي لذلك الثائرَ لرسوله وأهل بيته.
وأيضًا: فإن رسول الله - ﷺ - كان هو المقصودَ بالأذى، والتي رميت زوجته، فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها مع علمه أو ظنِّه المقاربِ (^٢) للعلم ببراءتها، ولم يظنَّ بها سوءًا قط ــ وحاشاه وحاشاها ــ، ولذلك لما استعذر من أهل الإفك قال: «من يعذرني مِن رجل بلغني أذاه في أهلي، والله ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمتُ عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي» (^٣)، وكان عنده من القرائن التي تشهد ببراءة الصديقة أكثرُ مما عند المؤمنين، ولكن لكمال صبره وثباته ورفقه وحسن ظنِّه بربه وثقتِه به وَفَّى مقام الصبر والثبات وحسن الظن بالله حقَّه، حتى جاءه الوحيُ بما أقرَّ عينه وسرَّ قلبَه وعظَّم قدره، وظهر لأمته (^٤) احتفاء ربِّه به (^٥) واعتناؤه بشأنه.
_________________
(١) ز، د: «الحكمة».
(٢) م، ق: «المقارن». ث: «المفارق». كلاهما تصحيف.
(٣) ورد ضمن حديث عائشة - ﵂ - المتفق عليه، وقد سبق تخريجه.
(٤) ص، ز، د، ث، ن: «للأمة».
(٥) ز: «احتفاله به». ث، النسخ المطبوعة: «احتفال ربّه به».
[ ٣ / ٣٠٦ ]
- إقامة حد القذف على ثلاثة من الصحابة دون عدو الله ابن أبي
ولما جاء الوحي ببراءتها أمر رسول الله - ﷺ - بمن صرَّح بالإفك فحُدُّوا ثمانين ثمانين (^١)، ولم يُحدَّ الخبيثُ عبد الله بن أُبي مع أنه رأس أهل الإفك؛ فقيل: لأن الحدود تخفيف عن أهلها وكفارةٌ، والخبيث ليس أهلًا لذلك، وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة، فيكفيه ذلك عن الحد.
وقيل: بل كان يستوشي الحديثَ ويجمعه ويحكيه ويخرجه في قوالبِ من لا ينسب إليه.
وقيل: الحد لا يثبت إلا بإقرارٍ أو بيِّنةٍ (^٢)، وهو لم يقرَّ بالقذف ولا شهد به عليه أحد، فإنه إنما كان يذكره بين أصحابه ولم يشهدوا عليه، ولم يكن يذكره بين المؤمنين.
وقيل: حد القذف حقٌّ لآدميٍّ لا يستوفى إلا بمطالبته، وإن قيل: إنه حقٌّ لله فلا بد من مطالبة المقذوف؛ وعائشة لم تطالب به لابن أُبي.
وقيل: بل ترك حده لمصلحةٍ هي أعظمُ من إقامته، كما ترك قتله مع ظهور نفاقه وتكلُّمه بما يوجب قتله مرارًا، وهي: تأليفُ قومه وعدمُ تنفيرهم عن الإسلام، فإنه كان مطاعًا فيهم رئيسًا عليهم، فلم تؤمَن إثارةُ الفتنة في حدِّه.
ولعله تُرِك لهذه الوجوه كلها؛ فجلد مِسطح بن أثاثة، وحسّان بن ثابت، وحمنة بنت جحش ــ وهؤلاء من المؤمنين الصادقين ــ تطهيرًا لهم وتكفيرًا،
_________________
(١) كما في حديث عائشة - ﵂ - عند أبي داود (٤٤٧٤) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٧٤)، وهم ثلاثة سيذكر المؤلف أسماءهم قريبًا.
(٢) ق، ث: «بالإقرار أو ببينة». ب: «بالإقرار أو بينة».
[ ٣ / ٣٠٧ ]
فصل: تأملات في قول عائشة: «والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله»
وترك عبد الله بن أُبيٍّ (^١) إذ ليس (^٢) من أهل ذاك.
فصل
ومن تأمل قولَ الصديقة وقد نزلت براءتُها، وقال لها أبواها: قُومي إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: «والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله» = عَلِم معرفتها وقوةَ إيمانها، وتوليتها النعمةَ ربَّها وإفرادَها له بالحمد (^٣) في ذلك المقام (^٤)، وتجريدَها التوحيد، وقوةَ جأشِها وإدلالَها ببراءةِ ساحتها، وأنها لم تفعل ما يوجب قيامَها في مقام الراغب في الصلح الطالب له، ولِثقتها (^٥) بمحبة رسول الله - ﷺ - لها قالت ما قالت إدلالًا للحبيب على حبيبه، ولا سيما في مثل هذا المقام الذي هو (^٦) مِن أحسن مقامات الإدلال، فوضعتْه في موضعه.
ولِلّاه ما كان أحبَّها إليه حين قالت: «لا أحمد إلا الله فإنه هو الذي أنزل براءتي»! ولِلّاه ذلك الثباتُ والرزانة منها وهو أحب شيء إليها ولا صبر لها عنه! وقد تنكَّر قلبُ حبيبها لها شهرًا ثم صادفت الرضى منه والإقبال، فلم تبادر إلى القيام إليه والسرور برضاه وقربه مع شدة محبتها له، وهذا غاية الثبات والقوة.
_________________
(١) ص، ن: «عدو الله بن أبي».
(٢) د، ز، ب: «فليس» بالفاء بدل «إذ». ص: «إذ فليس».
(٣) ص، د، ز، ن: «إفراده بالحمد».
(٤) قيل لعبد الله بن المبارك: إني لأستعظم هذا القول (يعني: قول عائشة)، فقال ابن المبارك: «ولَّت الحمدَ أهلَه». أسنده الحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص ٢٥٤).
(٥) ص، ز، د: «ثقتها» دون اللام.
(٦) «هو» ساقطة من م، ق، ب.
[ ٣ / ٣٠٨ ]
فصل: الخلاف في تاريخ هذه الغزوة، والتحقيق أنها بعد الخندق
فصل
وفي هذه القصة أن النبي - ﷺ - لما قال: «من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي (^١)؟» قام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل فقال: «أنا أعذرك منه يا رسول الله». وقد أشكل هذا على كثيرٍ من أهل العلم، فإن سعد بن معاذ لا يختلف أحد من أهل العلم أنه توفي عقب حكمه في بني قريظةَ عقيب الخندق، وذلك سنة خمس على الصحيح، وحديثُ الإفك لا شك أنه في غزوة بني المصطلق هذه ــ وهي غزوة المريسيع ــ والجمهور عندهم أنها كانت بعد الخندق سنةَ ستٍّ، فاختلفت طرق الناس في الجواب عن هذا الإشكال:
فقال موسى بن عقبة: غزوة المريسيع (^٢) كانت سنة أربعٍ قبل الخندق، حكاه عنه البخاري (^٣).
وقال الواقدي (^٤): كانت سنة خمس، قال: وكانت قريظة والخندق بعدها.
_________________
(١) «في أهلي» ليس في م، ق، ب.
(٢) م، ق، ث: «في غزوة المريسيع».
(٣) في «صحيحه» (المغازي، باب غزوة بني المصطلق). ويخالفه أن أبا عوانة أسند عن موسى بن عقبة في «مستخرجه» ط. الجامعة الإسلامية (٧٤٠٩) أنه قال: « ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني المصطلق بالمريسيع»، وأيضًا فموسى بن عقبة ذكر عن الزهري أنه قال: ثم قاتل بني المصطلق في شعبان سنة خمس. أسنده أبو عوانة في الموضع المذكور والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٤٥). وهذا الذي جعل الحافظ ابن حجر يقول: وكأنه سبق قلم من البخاري أراد أن يكتب سنة خمس فكتب سنة أربع. «فتح الباري» (٧/ ٤٣٠).
(٤) «مغازيه» (١/ ٤)، وأسنده عنه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٤٥).
[ ٣ / ٣٠٩ ]
وقال القاضي إسماعيل بن إسحاق (^١): اختلفوا في ذلك، والأولى أن تكون المريسيع قبل الخندق.
وعلى هذا فلا إشكال، ولكنَّ الناس على خلافه، وفي حديث الإفك ما يدل على خلاف ذلك أيضًا لأن عائشة قالت: إن القصة كانت بعدما أُنزل الحجاب، وآية الحجاب نزلت في شأن زينب بنت جحش (^٢)، وزينب إذ ذاك كانت تحته، فإنه - ﷺ - سألها عن عائشة فقالت: «أحمي (^٣) سمعي وبصري»، قالت عائشة: «وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي - ﷺ -» (^٤).
وقد ذكر أرباب التواريخ أن تزويجه بزينب كان في ذي القعدة سنة خمس، وعلى هذا فلا يصح قولُ موسى بن عقبة.
وقال محمد بن إسحاق (^٥): إن غزوة بني المصطلق كانت في سنة ست بعد الخندق وذكر فيها حديث الإفك، إلا أنه قال عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (^٦) عن عائشة فذكر الحديث. وقال: فقام أسيد بن الحضير
_________________
(١) ابن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم الأزدي مولاهم، الإمام الجليل قاضي بغداد وشيخ مالكية العراق (ت ٢٨٢). وقوله في «إكمال المعلم» لعياض (٨/ ٣٠٢) و«مشارق الأنوار» له (٢/ ٢٤٠) و«شرح مسلم» للنووي (١٧/ ١١٠).
(٢) كما في البخاري (٤٧٩٢) من حديث أنس - ﵁ -.
(٣) من هنا سقطت ورقة من نسخة ق.
(٤) كما في حديث عائشة - ﵂ - الطويل المتفق عليه، وقد سبق تخريجه.
(٥) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٨٩).
(٦) لو زاد المؤلف بعده: «وغيرِه» ــ كما عند ابن حزم في «جوامع السيرة» (ص ٢٠٦) ــ لكان أولى، فإن للزهري عدةَ مشايخ من التابعين يروون عن عائشة - ﵂ - هذا الحديث، ولابن إسحاق طريقين آخرين عن عائشة غير طريق الزهري؛ وكلٌّ قد حدّث ببعض الحديث فدخل حديث بعضهم في بعضٍ في سياق واحد. انظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٩٧).
[ ٣ / ٣١٠ ]
فصل: ما وقع في حديث الإفك من رواية مسروق عن أم رومان، وقول بعضهم إنه غلط ظاهر
فقال: أنا أعذرك منه، فردَّ عليه سعدُ بن عبادة؛ ولم يذكر سعد بن معاذ.
قال أبو محمد بن حزم (^١): وهذا هو الصحيح الذي لا شك فيه، وذكرُ سعد بن معاذ وهمٌ لأن سعد بن معاذ مات إثر فتح بني قريظة بلا شك، وكانت في آخر ذي القعدة من السنة الرابعة، وغزوةُ بني المصطلق في شعبان من السنة السادسة، بعد سنةٍ وثمانِ أشهرٍ من موت سعد، وكانت المقاولة بين الرجلين المذكورين بعد الرجوع من غزوة بني المصطلق بأزيد من خمسين ليلةً.
قلت: الصحيح أن الخندق كان في سنة خمسٍ كما سيأتي (^٢).
فصل
ومما وقع في حديث الإفك أن في بعض طرق البخاري (^٣) عن أبي وائل عن مسروق قال: «سألت أم رومان عن حديث الإفك فحدثتني».
قال غير واحد (^٤): وهذا غلط ظاهر، فإن أم رومان ماتت على عهدِ
_________________
(١) «جوامع السيرة» (ص ٢٠٦).
(٢) يقصد به المؤلف الردَّ على قول ابن حزم السابق: إن فتح بني قريظة (وهو متصل بغزوة الخندق) كان في السنة الرابعة.
(٣) برقم (٣٣٨٨، ٤١٤٣، ٤٦٩١) بنحوه. واللفظ المذكور هو لفظ رواية الخطيب البغدادي، كما نقله ابن الجوزي في «كشف المشكل من حديث الصحيحين» (٤/ ٤٨٠).
(٤) أشهرهم الخطيب البغدادي، كما في «كشف المشكل» لابن الجوزي (٤/ ٤٨٠ - ٤٨٢) و«تحفة الأشراف» (١٣/ ٧٩). وانظر: «هُدى الساري» (ص ٣٧٣).
[ ٣ / ٣١١ ]
رسول الله - ﷺ - ونزل رسول الله - ﷺ - في قبرها وقال: «من سرَّه أن ينظر إلى امرأةٍ من الحُور العِين فلينظر إلى هذه» (^١). قالوا: ولو كان مسروق قدم المدينة في حياتها وسألها لَلَقِي رسولَ الله - ﷺ - وسمع منه، ومسروقٌ إنما قدم المدينة بعد موتِ رسول الله - ﷺ -.
قالوا: وقد روى مسروق عن أمِّ رومان حديثًا غير هذا فأرسل الرواية عنها، فظن بعض الرواة أنه سمع منها فحمل هذا الحديث على السماع.
قالوا: ولعل مسروقًا قال: «سُئِلت أم رومان» فتصحّف على بعضهم بـ «سألت»، لأن من الناس من يكتب الهمزة بالألف على كل حال.
وقال آخرون: كل هذا لا يرد الرواية الصحيحة التي أدخلها البخاري في «صحيحه». وقد قال إبراهيم الحربي (^٢) وغيره: إن مسروقًا سألها وله خمس عشرة سنةً، ومات وله ثمانٍ وسبعون سنةً، وأم رومان أقدم من حدث عنه.
قالوا: وأما حديث موتها في حياة رسول الله - ﷺ - ونزولِه في قبرها فحديث لا يصح (^٣)، وفيه علتان تمنعان صحته:
إحداهما: رواية علي بن زيد بن جُدعان له، وهو ضعيف الحديث لا يحتج بحديثه.
والثانية: أنه رواه عن القاسم بن محمد عن النبي - ﷺ -، والقاسم لم يدرك
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (١٠/ ٢٦٢) من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جُدْعان عن القاسم بن محمد بن أبي بكر مرسلًا.
(٢) نقله ابن الجوزي في «كشف المشكل» (٤/ ٤٨٠).
(٣) وقد قال عنه البخاري: فيه نظر، وحديث مسروق أسند. «التاريخ الأوسط» (١/ ٣٧٢).
[ ٣ / ٣١٢ ]
فصل: استشكال ذكر بريرة في حديث الإفك
زمن رسول الله - ﷺ -.
فكيف يُقدَّم هذا على حديثٍ إسناده كالشمس يرويه (^١) البخاري في «صحيحه» ويقول فيه مسروق: «سألت أم رومان فحدثتني»، وهذا يردُّ أن يكون اللفظ: «سُئِلت».
وقد قال أبو نعيم في كتاب «معرفة الصحابة» (^٢): قد قيل: إن أم رومان توفيت في عهد رسول الله - ﷺ -، وهو وهمٌ.
فصل
ومما وقع في حديث الإفك أن في بعض طرقه أن عليًّا قال للنبي - ﷺ - لما استشاره: سَل الجاريةَ تصدقك، فدعا بريرة فسألها فقالت: ما علمتُ عليها إلا ما يعلم الصائغ على التبر، أو كما قالت (^٣).
وقد استشكل هذا، فإن بريرة إنما كاتبت وعَتَقتْ بعد ذلك بمدة طويلة، وكان العباسُ عمُّ رسول الله - ﷺ - إذ ذاك في المدينة ــ والعباس إنما قدم المدينة بعد الفتح ــ، ولهذا قال له النبي - ﷺ - وقد شفع (^٤) إلى بريرة أن تراجع زوجها (^٥) فأبت أن تراجعه: «يا عباس، ألا تعجب من بُغضِ بريرة مُغيثًا وحبِّه
_________________
(١) ص، ز، د: «برواية».
(٢) (٦/ ٣٤٩٨).
(٣) أخرجه البخاري (٤٧٥٧) ومسلم (٢٧٧٠/ ٥٨) ولفظه: « على تبر الذهب الأحمر»، وليس فيهما تسمية الجارية، وقد ورد تسميتها «بريرة» في روايات أُخر عند البخاري (٢٦٦١، ٤١٤١، ٤٧٥٠) ومسلم (٢٧٧٠/ ٥٦).
(٤) زِيد بعده في ز، ع: «لمغيث».
(٥) «أن تراجع زوجها» من م، ب، ث. وليس من سائر الأصول.
[ ٣ / ٣١٣ ]
فصل: قول عدو الله ابن أبي عند القفول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل
لها!» (^١)؛ ففي قصة الإفك لم تكن بريرة عند عائشة.
وهذا الذي ذكروه إن كان لازمًا فيكون الوهم من تسمية الجارية «بريرة»، ولم يقل له عليٌّ: سل بريرة، وإنما قال: فسل الجارية، فظن بعض الرواة أنها بريرة فسمَّاها بذلك؛ وإن لم يلزم بأن يكون طلبُ مغيثٍ لها استمر إلى بعد الفتح ولم ييأس منها، زال الإشكال. والله أعلم.
فصل
وفي مرجعهم من هذه الغزوة قال رأس المنافقين ابنُ أُبَيّ: «لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنَّ الأعزُّ منها الأذل، فبلَّغها زيد بن أرقم رسولَ الله - ﷺ -، وجاء ابن أُبَي يعتذر ويحلف ما قال فسكت عنه رسولُ الله - ﷺ -، فأنزل الله تصديق زيدٍ في سورة المنافقين، فأخذ النبي - ﷺ - بأذنه وقال: «أبشِرْ فقد صدَّقك الله» ثم قال: «هذا الذي وفَّى اللهَ بأذنه»، فقال له عمر: يا رسول الله، مُرْ عبَّاد بن بِشر فليضرب عنقه، فقال: «فكيف إذا تحدَّث الناسُ أن محمدًا يقتل أصحابه؟» (^٢).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٢٨٣) من حديث ابن عباس - ﵄ -.
(٢) ذكره ابن إسحاق بنحوه عن شيوخه من التابعين (عاصم بن عمر بن قتادة وغيره)، كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٩٠ - ٢٩٢) و«تفسير الطبري» (٢٢/ ٦٦٦ - ٦٦٩). وأخرجه البخاري (٤٩٠٠) من حديث زيد بن أرقم وفيه قول النبي - ﷺ - له: «إن الله قد صدقك». وقول عمر أخرجه البخاري (٤٩٠٥) ومسلم (٢٥٨٤/ ٦٣) من حديث جابر بلفظ: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي - ﷺ -: «دَعْه، لا يتحدَّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه».
[ ٣ / ٣١٤ ]
فصل
في غزوة الخندق
وكانت في سنة خمس من الهجرة في شوال على أصح القولين، إذ لا خلاف أن أُحُدًا كانت في شوال سنة ثلاث وواعد المشركون رسول الله - ﷺ - في العام المقبل ــ وهو سنة أربع ــ، ثم أخلفوه لأجل جدب تلك السنة فرجعوا، فلما كانت سنة خمس جاؤوا لحربه. هذا قول أهل السير والمغازي (^١).
وخالفهم موسى بن عقبة وقال: بل كانت سنةَ أربعٍ (^٢).
قال أبو محمد بن حزم (^٣): وهذا هو الصحيح الذي لا شك فيه، واحتج عليه بحديث ابن عمر في «الصحيحين» (^٤) أنه عُرض على النبي - ﷺ - يوم أحدٍ
_________________
(١) قال ابن كثير: «نصّ على ذلك ابن إسحاق، وعروة بن الزبير، وقتادة، والبيهقي، وغير واحدٍ من العلماء سلفًا وخلفًا». وانظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢١٤) و«مغازي الواقدي» (١/ ٤).
(٢) أسنده عنه البيهقي في «دلائل النبوة» (٣/ ٣٩٣). وأسند البيهقي ذلك عن عروة وقتادة أيضًا، مع أنهما أنفسهما ذكرا أن الخندق بعد أُحُد بسنتين. وقد جمع البيهقي بين ذلك بقوله: «وذلك أن رسول الله - ﷺ - قاتل يوم بدرٍ لسنة ونصف من مقدمه المدينة، ثم قاتل يوم أحد من السنة القابلة لسنتين ونصف من مقدمه المدينة، ثم قاتل يوم الخندق بعد أحد بسنتين على رأس أربع سنين ونصف من مقدمه المدينة، فمن قال: سنة أربع أراد بعد أربع سنين وقبل بلوغ الخمس، ومن قال: سنة خمس أراد بعد الدخول في السنة الخامسة».
(٣) «جوامع السيرة» (ص ١٨٥).
(٤) البخاري (٢٦٦٤) ومسلم (١٨٦٨).
[ ٣ / ٣١٥ ]
فصل: سبب الغزوة
وهو ابن أربع عشرة سنةً فلم يجزه، ثم عُرِض عليه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنةً فأجازه.
قال: فصح أنه لم يكن بينهما إلا سنة واحدة.
وأجيب عن هذا بجوابين:
أحدهما: أن ابن عمر أخبر أن النبي - ﷺ - رده لما استصغره عن القتال، وأجازه لما وصل إلى السن التي رآه فيها مطيقًا، وليس في هذا ما ينفي تجاوزها بسنة أو نحوها.
والثاني: أنه لعله كان يومَ أحد في أول الرابعة عشرة ويومَ الخندق في آخر الخامسة عشرة.
فصل
وكان سبب غزوة الخندق أن اليهود لما رأوا انتصار المشركين على المسلمين يوم أحد، وعلموا بميعاد أبي سفيان لغزو المسلمين، فخرج لذلك ثم رجع إلى العام المقبل= خرج أشرافهم كسلام بن أبي الحُقَيق، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع (^١) وغيرهم إلى قريش بمكة يحرِّضونهم على غزو رسول الله - ﷺ - ويؤلِّبونهم عليه، ووعدوهم من أنفسهم بالنصر لهم، فأجابتهم قريش، ثم خرجوا إلى غطفان فدعوهم فاستجابوا لهم، ثم طافوا في قبائل العرب يدعونهم إلى ذلك، فاستجاب لهم من استجاب، فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان في أربعة آلاف ووافتهم بنو سليم بمَرِّ الظهران، وخرجت بنو أسدٍ وفَزارة وأشجع وبنو مرة، وجاءت غطفان وقائدهم عُيَينة بن حصن؛ وكان من وافى الخندق من الكفار عشرةَ آلافٍ.
_________________
(١) ابن أبي الحُقيق، زوج صفية أم المؤمنين قبل إسلامها.
[ ٣ / ٣١٦ ]
- خروجه - ﷺ - بثلاثة آلاف من المسلمين وحفرهم الخندق أمام سلع
فلما سمع رسول الله - ﷺ - بمسيرهم إليه استشار الصحابة، فأشار عليه سلمان الفارسيُّ بحفر خندقٍ يحول (^١) بين العدو وبين المدينة (^٢)، فأمر به رسولُ الله - ﷺ - فبادر إليه المسلمون وعمل بنفسه فيه، وبادروا هجوم الكفار عليهم. وكان في حفره من آياتِ نبوَّته وأعلام رسالته ما قد تواتر الخبر به.
وكان حفر الخندق أمام سَلْعٍ (^٣)، وجبلُ سلعٍ جبل خلف ظهور المسلمين، والخندق بينهم وبين الكفار.
وخرج رسول الله - ﷺ - في ثلاثة آلاف من المسلمين فتحصَّن بالجبل (^٤) من خلفه وبالخندق أمامه.
وقال ابن إسحاق: خرج في سبعمائة (^٥)، وهذا غلط من خروجه يومَ أُحُد.
_________________
(١) هنا انتهى السقط في نسخة ق، وقد بدأ (ص ٣١٠).
(٢) ذكره أبو معشر نجيح السِّندي ــ كما في «الفتح» (٧/ ٣٩٣) ــ والواقدي في «مغازيه» (٢/ ٤٤٥)، وذكرا أنه قال للنبي - ﷺ -: «إنا كنا بفارس إذا حُوصرنا خندقنا علينا». وقال ابن هشام: يُقال: إن سلمان الفارسي أشار به على النبي - ﷺ -.
(٣) جبل صغير معروف بالمدينة شمال غربيِّ المسجد النبوي. وفي سفحه من الجهة الغربية يقع ما يسمى بـ «المساجد السبعة».
(٤) م، ق، ب، ث: «في الجبل».
(٥) كذا ذكر المؤلف عنه. والذي ذكره ابن هشام في «سيرته» (٢/ ٢٢٠) عنه أنه قال: «ثلاثة آلاف من المسلمين». وكذا أسنده عنه البيهقيُّ في «الدلائل» (٣/ ٤٢٨). وأخشى أن يكون «ابن إسحاق» سبق قلم من المؤلف، وإنما أراد «ابن حزم» فإنه هو الذي تفرّد في «سيرته» (ص ١٨٦) بذكر «تسعمائة»، ولعله تصحيف عن سبعمائة، أو ما عند المؤلف تصحيف عن تسعمائة، والله أعلم.
[ ٣ / ٣١٧ ]
وأمر النبي - ﷺ - بالنساء والذراري فجُعلوا في آطام المدينة، واستخلف عليها (^١) ابن أم مكتوم.
وانطلق حُيَي بن أخطب إلى بني قريظة فدنا من حِصنهم، فأبى كعبُ بن أسد أن يفتح له، فلم يزل يكلمه حتى فتح له، فلما دخل عليه قال له: لقد جئتك بعز الدهر، جئتك بقريشٍ وغطفان وأسد على قادتها لحرب محمد؛ قال: جئتني والله بذلِّ الدهر وبجَهام (^٢) قد أراق ماءَه فهو يرعُد ويبرُق (^٣). فلم يزل به حتى نقض العهد الذي بينه وبين رسول الله - ﷺ - ودخل مع المشركين في محاربته، فسُرَّ بذلك المشركون، وشرط كعب على حُيَي أنه إن لم يظفروا بمحمدٍ أن يجيءَ حتى يدخل معه في حِصنه فيصيبه ما أصابه، فأجابه إلى ذلك ووفى له به.
وبلغ رسولَ الله - ﷺ - خبرُ بني قريظة ونقضهم العهدَ، فبعث إليهم السَّعدين (^٤) وخَوَّات بن جبير وعبد الله بن رواحة ليعرّفوه: هل هم على عهدهم (^٥) أو قد نقضوه؟ فلما دنوا منهم وجدوهم على أخبث ما يكون، وجاهروهم بالسبِّ والعداوة ونالوا من رسول الله - ﷺ -، فانصرفوا عنهم ولحنوا إلى رسول الله - ﷺ - لحنًا (^٦) يخبرونه أنهم قد نقضوا العهد وغدروا،
_________________
(١) م، ق، ب، ث: «على المدينة».
(٢) الجَهام: السحاب لا ماء فيه.
(٣) ص، د، ز: «فهو رعدٌ وبرق».
(٤) أي سعد بن مُعاذ (سيد الأوس) وسعد بن عُبادة (سيد الخزرج).
(٥) ز، ع: «عهده».
(٦) «لحنا» ليس في ص، د، ز. وإنما لحنوا ولم يصرِّحوا حتى لا يفتُّوا في عضد المسلمين.
[ ٣ / ٣١٨ ]
فعَظُم ذلك على المسلمين، فقال رسول الله - ﷺ - عند ذلك: «الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين» (^١).
واشتد البلاء ونجم النفاق، واستأذن بعضُ بني حارثة رسول الله - ﷺ - في الذهاب إلى المدينة وقالوا: بيوتنا عورة ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣]، وهمَّ بنو سلمة بالفشل ثم ثبت الله الطائفتين (^٢).
وأقام المشركون محاصِرين رسولَ الله - ﷺ - شهرًا، ولم يكن بينهم قتال لأجل ما حال الله به من الخندق بينهم وبين المسلمين، إلا أن فوارسَ من قريشٍ منهم عمرو بن عبد ودٍّ وجماعة معه أقبلوا نحو الخندق، فلما وقفوا عليه قالوا: إن هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها، ثم تيمَّموا مكانًا ضيقًا من الخندق فاقتحموه وجالت بهم خَيلُهم في السبخة بين الخندق وسلع، ودَعَوا إلى البِراز، فانتدب لعمرٍو عليٌّ بن أبي طالب فبارزه، فقتله الله على يديه (^٣)، وكان من شجعان المشركين وأبطالهم، وانهزم الباقون إلى أصحابهم.
وكان شعار المسلمين يومئذ «حم لا ينصرون» (^٤).
_________________
(١) ذكره ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٢٢) و«تفسير الطبري» (١٩/ ٣٤) و«الدلائل» (٣/ ٤٣٠) ــ ضمن حديث الخندق الذي رواه عن شيوخه من التابعين. وذكره موسى بن عقبة ــ كما في «الدلائل» (٣/ ٤٠٣) ــ بنحوه، وكذا الواقدي في «مغازيه» (٢/ ٤٥٩) عن شيوخه.
(٢) وهذا غير همِّهما بالفشل يوم أُحُد. انظر: «تفسير الطبري» (١٩/ ٤٦).
(٣) م، ق، ب: «يدي عليٍّ». ث: «يد عليٍّ».
(٤) أخرجه أحمد (١٦٦١٥) وأبو داود (٢٥٩٧) والترمذي (١٦٨٢) والنسائي في «الكبرى» (٨٨١٠، ١٠٣٧٨) وابن أبي شيبة (٣٧٩٥٤) والحاكم (٢/ ١٠٧) من حديث المهلّب بن أبي صفرة قال: حدثني رجل من أصحاب النبي - ﷺ - أن النبي - ﷺ - قال ليلة الخندق: «إني لا أرى القوم إلا مبيِّتيكم الليلةَ، فإن شعاركم: حم لا يُنصرون» هذا لفظ النسائي.
[ ٣ / ٣١٩ ]
- هم النبي - ﷺ - أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة
- تخذيل نعيم بن مسعود بين اليهود والمشركين
ولما طالت هذه الحال على المسلمين أراد رسول الله - ﷺ - أن يصالح عُيينة بن حِصن والحارثَ بن عوف رئيسَي غطفان على ثُلُث ثمار المدينة وينصرفا بقومهما، وجرت المراوضة على ذلك فاستشار السَّعدَين في ذلك فقالا: يا رسول الله، إن كان الله أمرك بهذا فسمعًا وطاعةً، وإن كان شيئًا تصنعه لنا فلا حاجة لنا به، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، وهم لا يطمَعون أن يأكلوا منها ثمرةً إلا قِرًى أو بيعًا، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزَّنا بك نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف! فصوب رأيهما وقال: «إنما هو شيء أصنعه لكم لما رأيتُ العرب قد رمتكم عن قوسٍ واحدة» (^١).
ثم إن الله ﷿ ــ وله الحمد ــ صنع أمرًا من عنده خذل به بين (^٢) العدو وهزم جموعهم وفَلَّ حدَّهم، فكان مما هيَّأ مِن ذلك أن رجلًا من غطفان يقال له: نُعَيم بن مسعود بن عامر - ﵁ - جاء إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمتُ فمُرْني بما شئت، فقال رسول الله - ﷺ -:
_________________
(١) أسنده ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٢٣) و«دلائل النبوة» (٣/ ٤٣٠) ــ عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلًا. وأخرج عبد الرزاق في «مصنفه» (٩٧٣٧) وأبو عبيد في «الأموال» (٤٦٥) من مرسل الزهري بنحوه. وله شاهد أيضًا من حديث أبي هريرة عند البزار (٨٠١٧) والطبراني في «الكبير» (٦/ ٢٨) وأبي نعيم في «معرفة الصحابة» (٣١٣٨)، وإسناده لا بأس به في الشواهد.
(٢) «بين» ساقطة من ص، د، ز، ع.
[ ٣ / ٣٢٠ ]
«إنما أنت رجل واحد فخَذِّل عنَّا ما استطعت، فإن الحرب خَدعة» (^١)، فذهب من فوره ذلك إلى بني قريظة ــ وكان عشيرًا لهم في الجاهلية ــ فدخل عليهم ولا يعلمون بإسلامه فقال: يا بني قريظة إنكم قد حاربتم محمدًا، وإن قريشًا إن أصابوا فرصةً انتهزوها، وإلا انشمروا إلى بلادهم وتركوكم ومحمدًا فانتقم منكم، قالوا: فما العمل يا نُعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن، قالوا: لقد أشرتَ بالرأي. ثم مضى على وجهه إلى قريش فقال لهم: تعلمون ودِّي ونصحي لكم، قالوا: نعم، قال: إن يهود قد ندموا على ما كان منهم مِن نقض عهد محمدٍ وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يمالئونه عليكم، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم.
ثم ذهب إلى غطفان فقال لهم مثل ذلك، فلما كان ليلة السبت من شوال بعثوا إلى اليهود: إنا لسنا بأرض مقامٍ، وقد هلك الكُراع والخفُّ، فانهضوا بنا حتى نناجز محمدًا؛ فأرسل إليهم اليهود (^٢): أن اليوم يوم السبت، وقد علمتم ما أصاب مَن قبلنا حين أحدثوا فيه، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن. فلما جاءتهم رسلهم بذلك قالت قريش: صدقكم والله نعيم، فبعثوا إلى يهود: إنا والله لا نرسل إليكم أحدًا فاخرُجوا معنا حتى
_________________
(١) أخرجه ابن إسحاق عن عبد الله بن كعب بن مالك (من كبار التابعين) مرسلًا، كما في «الدلائل» (٣/ ٤٤٥ - ٤٤٦)، وهو في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٢٩) دون تعيين إسناد ابن إسحاق في هذه القصة من أحداث الغزوة. وأخرجه موسى بن عقبة في مغازيه ــ كما في «الدلائل» (٣/ ٤٠٥) ــ عن الزهري ضمن قصة نُعيم بن مسعود بلفظ: «إن الحرب خدعة، وعسى الله أن يصنع لنا». وقوله - ﷺ -: «الحرب خدعة» دون ذكر القصة متفق عليه، وقد سبق تخريجه.
(٢) م، ق، ب، ث: «فانهَدُوا بنا إلى محمد حتى نناجزه، فأرسلوا إليهم: أن اليوم ».
[ ٣ / ٣٢١ ]
- رحيل المشركين، وخروج النبي - ﷺ - إلى بني قريظة الغادرين
سنة ست
فصل: قتل أبي رافع القرظي بأمر النبي - ﷺ -
نناجز محمدًا، فقالت قريظة: صدقكم والله نعيم؛ فتخاذل الفريقان.
وأرسل الله ﷿ على المشركين جندًا من الريح فجعلت تقوِّض خيامهم، ولا تدع لهم قِدرًا إلا أكفأتها، ولا طُنبًا إلا قلعته، ولا تُقِرُّ لهم قرارًا؛ وجُندًا (^١) من الملائكة يُزلزلون (^٢) بهم، ويُلقون في قلوبهم الرعب والخوف.
وأرسل رسولُ الله - ﷺ - حذيفة بن اليمان يأتيه بخبرهم، فوجدهم على هذه الحال وقد تهيَّؤوا للرحيل، فرجع إلى رسول الله - ﷺ - ليلًا فأخبره برحيل القوم، فأصبح رسول الله - ﷺ - وقد ردَّ الله عدوَّه بغيظه (^٣) لم ينالوا خيرًا وكفاه الله قتالهم، فصدق وعدَه وأعزَّ جنده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، فدخل المدينة ووضع السلاح، فجاءه جبريل وهو يغتسل في بيت أم سلمة فقال: «أوَضعتم السلاح؟ إن الملائكة لم تضع بعدُ أسلحتها، انهض إلى هؤلاء» يعني بني قريظة (^٤)، فنادى رسول الله - ﷺ -: «من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلينَّ العصر إلا في بني قريظة» (^٥)، فخرج المسلمون سراعًا، فكان من أمره وأمر بني قريظة ما قدَّمناه (^٦).
واستشهد يومَ الخندق ويوم قريظة نحو عشرة من المسلمين.
فصل
قد قدمنا أن أبا رافع كان ممن ألَّب الأحزاب على رسول الله - ﷺ -، ولم
_________________
(١) معطوف على «جندًا من الريح». وفي المطبوع: «وجندُ الله» خلافًا للأصول.
(٢) م، ق، ب: «ينزلون»، تصحيف.
(٣) م، ق، ث، ب: «بغيظهم»، إلا أن رسمه في الثلاثة الأولى بالضاد.
(٤) أخرجه البخاري (٢٨١٣، ٤١١٧) ومسلم (١٧٦٩) من حديث عائشة - ﵂ - بنحوه.
(٥) أخرجه البخاري (٩٤٦) بنحوه من حديث ابن عمر. وهذا لفظ ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٣٤).
(٦) انظر: (ص ١٥٣ - ١٦٠).
[ ٣ / ٣٢٢ ]
فصل: خروج النبي - ﷺ - لغزو بني لحيان
يُقتَل مع بني قريظة كما قُتل صاحبه حُيَي بن أخطب، ورغبت الخزرج في قتله مساواةً للأوس في قتل كعب بن الأشرف، وكان الله سبحانه قد جعل هذين الحيَّين يتصاولان بين يدي رسول الله - ﷺ - في الخيرات، فاستأذنوه في قتله فأذن لهم، فانتدب له رجال كلهم من بني سلمة وهم: عبد الله بن عَتِيك وهو أمير القوم، وعبد الله بن أُنَيس، وأبو قتادة الحارث بن رِبْعي، ومسعود بن سنان، وخزاعي بن أسود، فساروا حتى أتوه في خيبر في دارٍ له فنزلوا عليه ليلًا فقتلوه، ورجعوا إلى رسول الله - ﷺ - فكلّهم ادعى قتله فقال: «أروني أسيافكم»، فلما أَرَوه إياها قال لسيف عبد الله بن أنيس: «هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام (^١)» (^٢).
فصل
ثم خرج رسول الله - ﷺ - إلى بني لِحيان بعد قريظة بستة أشهر ليغزوهم، فخرج في مِائتي رجل وأظهر أنه يريد الشام، واستخلف على المدينة ابنَ أمِّ مكتوم، ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غُرانَ وادٍ من أودية بلادهم ــ وهو بين أَمَجَ (^٣) وعُسفان ــ حيث كان مُصاب أصحابه (^٤)، فترحم عليهم ودعا
_________________
(١) وذلك أن عبد الله بن أنيس كان تحامل عليه بسيفه في بطنه حتى أنفذه.
(٢) هذا السياق للخبر مختصر مما ذكره ابن إسحاق عن الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك مرسلًا، كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٧٣ - ٢٧٥). ويخالفه ما عند البخاري (٤٠٣٩) من حديث البراء، ففيه أن أميرهم عبد الله بن عتيك دخل الحصن وقتل أبا رافعٍ وحدَه دون أصحابه.
(٣) «أمج» يُعرف اليوم بـ «خُلَيص»، وأما «عُسفان» فلا يزال معروفًا بهذا الاسم. انظر: «معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية» لعاتق البلادي (ص ٢٢٤ - ٢٢٥).
(٤) أي من أصحاب الرجيع: عاصم بن ثابت وخُبيب بن عدي ومن كان معهما.
[ ٣ / ٣٢٣ ]
فصل في سرية نجد
لهم، وسمعت بنو لحيان فهربوا في رؤوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يومين بأرضهم وبعث السرايا فلم يقدروا عليهم، فسار إلى عسفان فبعث عشرة فوارس إلى كُراع الغَمِيم (^١) لتسمع به قريش، ثم رجع إلى المدينة، وكانت غيبته عنها (^٢) أربع عشرة ليلةً (^٣).
فصل
في سريّة نجد
ثم بعث رسول الله - ﷺ - خيلًا قِبَل نجدٍ فجاءت بثُمامة بن أُثال الحَنَفي سيد بني حنيفة، فربطه رسول الله - ﷺ - إلى سارية من سواري المسجد ومرَّ به فقال: «ما عندك يا ثُمامة؟» فقال: يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تُنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسَلْ تُعطَ منه ما شئتَ، فتركه، ثم مر به مرةً أخرى فقال له مثل ذلك وردَّ عليه كما ردَّ عليه أولًا، ثم مرةً ثالثةً، فقال: «أطلِقوا ثمامة»، فأطلقوه فذهب إلى نخلٍ قريب (^٤) من المسجد فاغتسل ثم جاء فأسلم وقال: والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغضَ إليَّ مِن
_________________
(١) الكُراع: طرف الجبل يعترض في الطريق. وكراع الغميم تقع جنوب عُسفان بستة عشر كِيلًا على الطريق إلى مكة، وتُعرف اليوم بـ «برقاء الغميم»، والبرقاء: مرتفع تختلط فيه الحجارة السُّود بالرمل. انظر: «معجم المعالم في السيرة» (ص ٢٦٣).
(٢) «عنها» ساقط من ص، د، ومستدرك في ز بخط مغاير.
(٣) انظر خبر هذه الغزوة غزوة بني لحيان في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٧٩) و«مغازي الواقدي» (٢/ ٥٣٥) و«طبقات ابن سعد» (٢/ ٧٤).
(٤) ص، ز، د: «قريبًا» بالنصب.
[ ٣ / ٣٢٤ ]
وجهك، فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلِّها إليَّ، واللهِ ما كان على الأرض دين أبغضَ إليَّ من دينك، فقد أصبح دينُك أحبَّ الأديان إليَّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فبشَّره رسولُ الله - ﷺ - وأمره أن يعتمر.
فلما قدم على قريش قالوا: صبوتَ يا ثُمامة؟ قال: لا والله، ولكني أسلمت مع محمد - ﷺ -، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبَّة حنطةٍ حتى يأذن فيها رسول الله - ﷺ - ــ وكانت اليمامة ريف مكة ــ، فانصرف إلى بلاده ومنع الحمل إلى مكة حتى جهدت قريشٌ، فكتبوا إلى رسول الله - ﷺ - يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة يخلي إليهم حمل الطعام، ففعل رسول الله - ﷺ - (^١).
فصل
في غزوة الغابة (^٢)
ثم أغار عيينة بن حصن الفَزاري في بني عبد الله بن غطفان على لقاح النبي - ﷺ - التي بالغابة (^٣) فاستاقها وقتل راعيها ــ وهو رجل من غفار (^٤) ــ
_________________
(١) أخرج الخبر بتمامه ابن إسحاق ــ كما في «الدلائل» (٤/ ٧٩ - ٨٠) ــ عن سعيد المقبري عن أبي هريرة - ﵁ -. وهو عند البخاري (٤٣٧٢) ومسلم (١٧٦٤) من طريق الليث عن سعيد عن أبي هريرة إلى قوله: «حتى يأذن فيها رسول الله».
(٢) ويُقال لها أيضًا: «غزوة ذي قَرَد».
(٣) قال ابن سعد: هي على بريد من المدينة طريق الشام. «الطبقات» (٢/ ٧٦). وقد دخل اليوم الجزء الجنوبي منها في مسمى «حي العيُّون» شماليَّ المدينة. انظر: «معجم معالم الحجاز» للبلادي (ص ١٢٣٧).
(٤) ث، طبعة الرسالة: «عُسفان»، تحريف.
[ ٣ / ٣٢٥ ]
واحتملوا امرأته. قال عبد المؤمن بن خلف (^١): «وهو ابن أبي ذر»، وهو غريب جدًّا.
وجاء الصريخ فنودي: «يا خيلَ الله اركبي!» وكان أول ما نودي بها، وركب رسول الله - ﷺ - مقنَّعًا في الحديد، فكان أول من أقبل إليه المِقداد بن عمرٍو في الدرع والمِغفر، فعقد له رسول الله - ﷺ - اللواءَ في رمحه وقال: «امض حتى تلحق الخيولُ، وإنَّا على أثرك» (^٢)، واستخلف رسول الله - ﷺ - ابنَ أمِّ مكتوم.
وأدرك سلمةُ بن الأكوع القومَ وهو على رِجليه، فجعل يرميهم بالنبل ويقول:
خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرُّضَّع (^٣)
حتى انتهى بهم إلى ذي قَرَد وقد استنقذ منهم جميعَ اللِّقاح وثلاثين بردةً. قال سلمة: فلحقَنا رسولُ الله - ﷺ - والخيلُ عشاءً فقلت: يا رسول الله، إن
_________________
(١) «السيرة النبوية» لعبد المؤمن الدمياطي (ق ٨٨)، وإنما صدر الدمياطي عن «طبقات ابن سعد» (٢/ ٧٦)، ثم هو عن شيخه الواقدي. انظر: «مغازيه» (٢/ ٥٣٨، ٥٣٩).
(٢) ذكره الواقدي ــ وعنه ابن سعد ــ بهذا اللفظ، «وإنَّا» يحتمل: «وأنا». وذكره ابن إسحاق ضمن خبر الغزوة عن شيوخه من التابعين بلفظ: «اخرج في طلب القوم حتى ألحقك في الناس».
(٣) أي اليوم يوم هلاك الرُّضَّع وهم اللئام. وسُمّي اللئيم راضعًا قيل: لأنه يرضع الناسَ، أي: يسألهم ويستعطيهم، وقيل: لأنه لِلُؤمه لا يكون معه محلب، فإذا سُئل اللبن اعتلَّ بذلك، وإذا أراد الشرب رضع بفِيه مباشرة! وقيل غير ذلك. انظر: «النهاية» و«التاج» (رضع).
[ ٣ / ٣٢٦ ]
القوم عِطاش، فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما في أيديهم من السَّرْح وأخذت بأعناق القوم، فقال النبي - ﷺ -: «ملكتَ فأَسجِحْ» ثم قال: «إنهم الآن ليُقْرَون في غطفان» (^١).
وذهب الصريخ بالمدينة إلى بني عمرو بن عوف، فجاءت الأمداد ولم تزل الخيل تأتي والرجال على أقدامهم وعلى الإبل حتى انتهوا إلى رسول الله - ﷺ - بذِي قَرَد.
قال عبد المؤمن بن خلف (^٢): فاستنقذوا عشرَ لقاح وأفلتَ القومُ بما بقي وهي عشر.
قلت: وهذا غلط بيِّن، والذي في «الصحيحين» (^٣): أنهم استنقذوا اللقاح كلها، ولفظ مسلم في «صحيحه» (^٤) عن سلمة: «حتى ما خلق الله من شيء من لقاح رسول الله - ﷺ - إلا خلَّفتُه وراء ظهري واستلبت منهم ثلاثين بردةً».
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٠٤١، ٤١٩٤) ومسلم (١٨٠٦، ١٨٠٧) من حديث سلمة بن الأكوع. قوله: «ملكت فأسجح» من أمثال العرب ومعناه: إذا ملكت الأمر وظفِرت به فاعفُ وأحسن، وكأن المعنى هنا: استنقذتَ اللقاح وملكتها فارفق ولا تبالغ في المطالبة. وقوله: «يُقرَون في غطفان» أي قد وصلوا إلى بلادهم ويُضيَّفون هنالك، فلا فائدة في البعث في أثرهم.
(٢) «السيرة» للدمياطي (ق ٨٨ ب). هكذا ذكره ابن سعد في «الطبقات» (٦/ ١٧٥) ــ والدمياطي صادر عنه ــ من طريق شيخه الواقدي، وهو عنده في «المغازي» (٢/ ٥٤٢).
(٣) من حديث سلمة، وقد سبق تخريجه آنفًا.
(٤) برقم (١٨٠٧) بفروق يسيرة في لفظه عمَّا ذكره المؤلف، ولعله كتبه من حفظه.
[ ٣ / ٣٢٧ ]
فصل: الصواب أنها كانت بعد الحديبية خلافا لأكثر أهل المغازي
فصل
وهذه الغزوة كانت بعد الحديبية، وقد وهم فيها جماعة من أهل المغازي والسير فذكروا أنها قبل الحديبية (^١)،
والدليل على صحة ما قلناه ما رواه الإمام أحمد، والحسن بن سفيان (^٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة: حدثنا (^٣) هاشم بن القاسم، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني إياس بن سلمة عن أبيه قال: «قدمت المدينة زمن الحديبية مع رسول الله - ﷺ -»، قال: «فخرجت أنا ورباحٌ بفرسٍ لطلحةَ أُندِّيه (^٤) مع الإبل، فلما كان بغلس أغار
_________________
(١) هو قول ابن إسحاق والواقدي وابن سعد ومن تبعهم، جعلوه عقب غزوة بني لحيان، إلا أنهم اختلفوا في الشهر، فقال ابن إسحاق ومن تبعه كابن عبد البر وابن حزم: إنها كانت في جُمادى الأولى سنة ستٍّ، أي: على رأس ستة أشهر من فتح بني قريظة، وقال ابن سعد ومن تبعه كالدمياطي: كانت في ربيع الأول، وقال الواقدي: ربيع الآخر. وعلى كلٍّ فعمرة الحديبية بعد ذلك في ذي القَعدة كما سيأتي في محلِّه. انظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٨١) و«مغازي الواقدي» (٢/ ٥٣٧) و«طبقات ابن سعد» (٢/ ٧٦) و«الدرر» (ص ١٩٧، ١٩٨) و«جوامع السيرة» (ص ٢٠٠، ٢٠١) و«سيرة الدمياطي» (ق ٨٨).
(٢) أخرجه أحمد (١٦٥٣٩) عن هاشم بن القاسم به، وأخرجه ابن حبان (٧١٧٣) عن الحسن بن سفيان عن ابن أبي شيبة عن هاشم به، ومن طريقهما (الإمام أحمد والحسن بن سفيان) أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ١٨٢)، وهو مصدر المؤلف.
(٣) ص، د، ن: «قال: حدثنا»، وكذا في المواضع الآتية، وهو ممّا يكثر حذفه في الأسانيد خطًّا مع وجوب التلُّفظ به. والصواب في هذا الموضع بعينه: «قالا» أي: الإمام أحمد وأبو بكر بن أبي شيبة.
(٤) غير محرر النقط في الأصول، وقد اختُلف في ضبط هذه الكلمة على وجهين. الأول: «أندِّيه» بالنون وتشديد الدال، هكذا ضبطه الأكثرون، ومعنى التندية أن يورد الرجل فرسه الماء حتى يشرب ثم يردّه إلى المرعى ساعة يرتعي ثم يعيده إلى الماء. والثاني: «أُبْدِيه» بالباء، أي أخرجه إلى البدو وأبرزه إلى موضع الكلأ. انظر: «التقاسيم والأنواع» (٤/ ٣٢٤ - الهامش) و«غريب الحديث» لأبي عبيد (٥/ ١٤) و«تهذيب اللغة» (١٤/ ١٩١) و«مشارق الأنوار» (١/ ٨١) و«شرح مسلم» للنووي (١٢/ ١٧٨).
[ ٣ / ٣٢٨ ]
عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله - ﷺ - فقتل راعيها » وساق القصة، رواها مسلم في «صحيحه» (^١) بطولها.
ووهم عبد المؤمن بن خلف في «سيرته» (^٢) في ذلك وهمًا بينًا فذكر غزاة بني لحيان بعد قريظة بستة أشهر، ثم قال: «فلمّا قدم رسول الله - ﷺ - المدينة لم يمكث إلا ليالي حتى أغار عبد الرحمن بن عيينة » وذكر القصة، فأين هذا من قول سلمة: قدمتُ المدينة زمن الحديبية؟! (^٣).
والذي أغار عبد الرحمن ــ وقيل: أبوه عيينة (^٤) ــ، وهو: عبد الرحمن بن
_________________
(١) برقم (١٨٠٧) من طرق عن عكرمة بن عمّار به.
(٢) كذا قال المؤلف، وهو وهمٌ أو سبق قلم، فإن السياق الذي ذكره هنا هو لابن إسحاق ومن صدر عنه كابن حزم. وعلى قول عبد المؤمن بن خلف الدمياطي كانت غزاة بني لحيان بعد قريظة بأربعة أشهر كما سبق تفصيل ذلك في الهامش قريبًا. وهذا أو ذاك، فكلا القولين يبطله حديث سلمة بن الأكوع على ما قرّره المؤلف.
(٣) «فأين هذا » إلخ وقع في الأصول بعد الفقرة الآتية مع أن هذا موضعه، وأخشى أن تكون الفقرة الآتية زادها المؤلف لحقًا في الهامش فأدخلها بعض النساخ في غير موضعها.
(٤) والصواب أن الذي أغار هو عبد الرحمن بن عيينة في رجال من غطفان، ثم بعد ما تبعهم سلمة يرشقهم بنبله أتاهم أبوه عيينة مددًا لهم. هكذا في حديث سلمة عند أحمد (١٦٥٣٩) وأبي داود (٢٧٥٢) وابن حبان (٧١٧٣)، وأصله عند مسلم (١٨٠٧).
[ ٣ / ٣٢٩ ]
- سرايا بعثها رسول الله - ﷺ - سنة ست من الهجرة
- سرية عكاشة بن محصن الأسدي في أربعين رجلا إلى الغمر
- سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة
- سرية محمد بن مسلمة
عيينة (^١) بن حِصن بن حذيفة بن بدر.
وقد ذكر الواقدي (^٢) عدة سرايا في سنة ست من الهجرة قبل الحديبية فقال: بعث رسول الله - ﷺ - في ربيع الأول ــ أو قال: الآخر ــ سنة ست من قدومه المدينةَ عُكاشة بن مِحصَنٍ الأسدي في أربعين رجلًا إلى الغَمْر (^٣) ــ وفيهم: ثابت بن أقرم وسِباع بن وهب ــ فأَغَذَّ السيرَ (^٤)، ونَذِر القومُ بهم فهربوا، فنزل على مياههم وبعث الطلائع فأصابوا من دلَّهم على بعض ماشيتهم، فوجدوا مائتي بعيرٍ فساقوها إلى المدينة.
وبعث سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القَصَّة (^٥)، فساروا ليلتهم مشاةً ووافوها مع الصبح، فأغاروا عليهم وأعجزوهم هربًا في الجبال، وأصابوا رجلًا واحدًا فأسلم.
وبعث محمد بن مسلمة في ربيع الأول في عشرِ نفرٍ (^٦) سريةً، فكمن
_________________
(١) «وهو عبد الرحمن بن عيينة» ساقط من م، ق، ب، ث، المطبوع.
(٢) في «مغازيه» (٢/ ٥٥٠ وما بعدها)، والمؤلف صادر عن «دلائل النبوة» للبيهقي (٤/ ٨٣) فإنه أسندها عن الواقدي مختصرة. وقد ذكر ابنُ إسحاق عامَّتها ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٦٠٩ - ٦١٢) ــ ضمن تعداده للبعوث والسرايا، ولكن دون سياق أخبارها.
(٣) قال ابن سعد: هو ماء لبني أسد على ليلتين من فيدٍ. «الطبقات» (٢/ ٨١). و«فيد» قرية تاريخية جنوب شرقي حائل على بعد ١٠٠ كيلو مترٍ تقريبًا.
(٤) «فأغذَّ السير» أي أسرع فيه. وفي النسخ المطبوعة: «فأجدَّ» وهو بمعناه.
(٥) قال ابن سعد: بينها وبين المدينة أربعة وعشرون ميلًا على طريق الرَّبَذة. «الطبقات» (٢/ ٨١).
(٦) كذا في الأصول. وفي النسخ المطبوعة: «عشرة نفر».
[ ٣ / ٣٣٠ ]
- سرية زيد بن حارثة إلى الجموم
- سرية زيد بن حارثة إلى الطرف
- سرية زيد بن حارثة إلى العيص، وأسرهم أبا العاص بن الربيع
القوم لهم حتى ناموا، فما شعروا إلا بالقوم فقُتِل أصحابُ محمد بن مسلمة وأفلت محمدٌ جريحًا.
وفي هذه السنة ــ وهي سنة ست ــ كانت سريةُ زيد بن حارثة بالجَموم (^١)، فأصاب امرأةً من مُزَينة يقال لها: حليمة، فدَّلتهم على مَحِلَّة من محالِّ بني سليم، فأصابوا نعَمًا وشاءً وأسرى، وكان في أوَّل الأسرى زوج حليمة، فلما قفل بما أصاب وهب رسول الله - ﷺ - للمزنيَّةِ نفسَها وزوجَها.
وفيها ــ يعني سنةَ ستٍّ ــ كانت سرية زيد بن حارثة إلى الطَّرَف (^٢) في جمادى الأولى إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلًا، فهربت الأعراب وخافوا أن يكون رسول الله - ﷺ - سار إليهم، فأصاب من نعمهم عشرين بعيرًا وغاب أربع ليال.
وفيها كانت سرية زيد بن حارثة إلى العِيص (^٣) في جمادى الأولى، وفيها أَخذت الأموالَ التي كانت مع أبي العاص بن الرَّبِيع زوج زينب مرجعَه
_________________
(١) من المدينة على أربعة بُرُد، موضع بناحية بطن نخلٍ، وبطن نخلٍ يعرف اليوم بالحِناكيّة. وهو غير «الجُموم» (بضم الجيم) القرية المعروفة التي تقع بمرِّ الظهران شمال غربيِّ مكة على بعد ٢٥ كيلًا تقريبًا. انظر: «طبقات ابن سعد» (٢/ ٨٣) و«معجم معالم الحجاز» للبلادي (ص ٢١٧، ٣٧٧).
(٢) في الأصول: «الطرق»، والتصحيح من «الدلائل» وغيره من كتب المغازي. و«الطرف» ماء على ستة وثلاثين ميلًا من المدينة، ويُعرف اليوم ببلدة «الصويدرة» شرق المدينة على طريق القصيم. انظر: «مغازي الواقدي» (١/ ٥) و«معجم معالم الحجاز» (ص ١٠٥٩).
(٣) سبق التعريف به.
[ ٣ / ٣٣١ ]
من الشام، وكانت أموالَ قريش.
قال ابن إسحاق (^١): حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم قال: خرج أبو العاص بنُ الرَّبِيع تاجرًا إلى الشام وكان رجلًا مأمونًا وكانت معه بضائع لقريش، فأقبل قافلًا فلقيَتْه سريةٌ لرسول الله - ﷺ - فاستاقوا عِيره وأفلَتَ، وقدموا على رسول الله - ﷺ - بما أصابوا فقسمه بينهم، وأتى أبو العاص المدينة فدخل على زينب بنت رسول الله - ﷺ - فاستجار بها، وسألها أن تطلب له من رسول الله - ﷺ - ردَّ ماله عليه وما كان معه من أموال الناس، فدعا رسولُ الله - ﷺ - السرية فقال: «إن هذا الرجل منَّا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالًا ولغيره، وهو فيء الله الذي أفاء عليكم، فإن رأيتم أن تردوا عليه فافعلوا، وإن كرهتم فأنتم وحقُّكم»، قالوا: بل نردُّه عليه يا رسول الله، فرَدُّوا عليه ــ واللهِ ــ ما أصابوا، حتى إن الرجل ليأتي بالشَّنِّ والرجلُ بالإداوة والرجلُ بالحبل، فما تركوا قليلًا أصابوه ولا كثيرًا إلا رَدُّوه عليه، ثم خرج حتى قدم مكة فأدَّى إلى الناس بضائعهم حتى إذا فرغ قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد منكم معي مال لم أردَّه عليه؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرًا، قد وجدناك وفيًّا كريمًا، قال: أما والله ما منعني أن أُسْلِم قبل أن أَقْدَم عليكم إلا تخوُّفًا أن تظنوا أني إنما أسلمتُ لأذهب بأموالكم، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله.
وهذا القول من الواقدي وابن إسحاق يدل على أن قصة أبي العاص (^٢)
_________________
(١) كما في «الدلائل» (٤/ ٨٥). وهو في «سيرة ابن هشام» (١/ ٦٥٧ - ٦٥٨) بنحوه.
(٢) ق: «أبي العبّاس»، تحريف.
[ ٣ / ٣٣٢ ]
الأصوب أن أبا العاص أسره أبو بصير وأصحابه بعد الحديبية
كانت قبل الحديبية، وإلا فبعد الهدنة لم تتعرَّض سرايا رسول الله - ﷺ - لقريش. ولكن زعم موسى بن عقبة أن قصة أبي العاص كانت بعد الهدنة، وأن الذي أخذ الأموال أبو بصير وأصحابُه، ولم يكن ذلك بأمر رسول الله - ﷺ - لأنهم كانوا منحازين عنه بسِيف البحر (^١)، وكان لا يمرُّ بهم عِيرٌ لقريش إلا أخذوها؛ هذا قول الزهري.
قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب في قصة أبي بصير (^٢): ولم يزل أبو جندل وأبو بصير وأصحابهما الذين اجتمعوا إليهما هنالك حتى مرَّ بهم أبو العاص بن الربيع ــ وكانت تحته زينب بنت رسول الله - ﷺ - ــ في نفرٍ من قريش، فأخذوهم وما معهم وأسروهم، ولم يقتلوا منهم أحدًا لصهر رسول الله - ﷺ - من أبي العاص ــ وأبو العاص يومئذ مشرك، وهو ابن أخت خديجة بنت خويلد لأمها وأبيها ــ، وخلوا سبيل أبي العاص، فقدم المدينة على امرأته زينب، فكلَّمها أبو العاص في أصحابه الذين أَسَرَ أبو جندل وأبو بصير (^٣) وما أخذوا لهم، فكلمت رسولَ الله - ﷺ - في ذلك، فزعموا أن رسول الله - ﷺ - قام فخطب الناس فقال: «إنا صاهرنا أناسًا وصاهرنا أبا العاص فنعمَ الصِّهرُ وجدناه، وإنه أقبل من الشام في أصحابٍ له من قريش فأخذهم أبو جندل وأبو بصير، وأخذوا ما كان معهم ولم يقتلوا منهم أحدًا، وإن زينب
_________________
(١) أي بساحله.
(٢) كما في «دلائل النبوة» (٤/ ١٧٢ - ١٧٥) من طريقين عن موسى بن عقبة به.
(٣) ص، د، ز، ع: «الذين أسروا أبا جندل وأبا بصير». م، ق، ب، ث: «أسروا أبا جندل وأبو بصير». والمثبت من ن، هامش ز مُعْلَمًا عليه بـ «خ»، وهو موافق لما في «الدلائل».
[ ٣ / ٣٣٣ ]
- قفول دحية الكلبي من عند قيصر
بنتَ رسول الله سألتني أن أُجيرَهم فهل أنتم مجيرون أبا العاص وأصحابه؟»، فقال الناس: نعم، فلما بلغ أبا جندل وأصحابَه قولُ رسول الله - ﷺ - في أبي العاص وأصحابه الذين كانوا عنده من الأسرى ردَّ إليهم (^١) كلَّ شيء أخذ منهم حتى العِقال، وكتب رسول الله - ﷺ - إلى أبي جندل وأبي بصير يأمرهم أن يقدَموا عليه، ويأمرُ من معهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم وأن لا يتعرَّضوا لأحدٍ من قريش وعِيَراتها (^٢)،
فقدم كتاب رسول الله - ﷺ - على أبي بصير وهو في الموت، فمات وهو على صدره، فدفنه أبو جندل مكانه (^٣)، وقدِم أبو جندل على رسول الله - ﷺ - وأمنت عِيَراتُ قريش ــ وذكر باقي الحديث.
وقول موسى بن عقبة أصوب. وأبو العاص إنما أسلم زمن الهدنة، وقريش إنما انبسطت عيراتها إلى الشام في زمن الهدنة، وسياق الزهري للقصة بَيِّن ظاهر أنها كانت في زمن الهدنة (^٤).
قال الواقدي (^٥): وفيها أقبل دحية بن خليفة الكلبيُّ من عند قيصر (^٦)،
_________________
(١) م، ق، ب، ث: «عليهم».
(٢) المطبوع: «عِيرها» هنا وفي الموضعين الآتيين، خلافًا للأصول .. و«العِيَرات» بفتح الياء جميع العِير.
(٣) «مكانه» ساقط من م، ق، ب، ث.
(٤) «وسياق الزهري الهدنة» ساقط من ص، د، ومستدرك في هامش ز، ع بخط مغاير.
(٥) في «مغازيه» (٢/ ٥٥٥)، والمؤلف صادر عن «دلائل النبوة» (٤/ ٨٤).
(٦) وذلك أن النبي - ﷺ - كان قد كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبي، كما عند البخاري (٢٩٤٠) وغيره.
[ ٣ / ٣٣٤ ]
- سرية علي إلى فدك
- سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل
وقد أجازه بمالٍ وكسوة، فلما كان بحِسْمى (^١) لقيه ناس من جُذامٍ فقطعوا عليه الطريق فلم يتركوا معه شيئًا، فجاء رسولَ الله - ﷺ - قبل أن يدخل بيته فأخبره، فبعث رسول الله - ﷺ - زيد بن حارثة إلى حِسْمى. قلت (^٢): وهذا بعد الحديبية بلا شك (^٣).
قال الواقدي (^٤): وخرج عليٌّ في مائة رجل إلى فَدَكَ (^٥) إلى حيٍّ من بني سعد بن بكر، وذلك أنه بلغ رسول الله - ﷺ - أن لهم جمعًا يريدون أن يمدُّوا يهود خيبر، فسار إليهم يسيرُ الليل ويَكْمُن النهار، فأصاب عينًا لهم فأقرَّ له أنهم بعثوه إلى خيبر فعرضوا عليهم نصرتهم على أن يجعلوا لهم ثمر خيبر.
قال: وفيها سريةُ عبد الرحمن بن عوف إلى دُومة الجندل (^٦) في شعبان، فقال له رسول الله - ﷺ -: «إن أطاعوا فتزوَّجْ ابنةَ ملكهم»، فأسلم القوم وتزوَّج
_________________
(١) هي أرض بالبادية غربيَّ مدينة تبوك، بها جبال شواهق مُلس الجوانب، ولا تزال معروفة إلى اليوم بهذا الاسم. انظر: «معجم البلدان» لياقوت (٢/ ٢٥٨).
(٢) «قلت» ليست في م، ق، ب، ث.
(٣) وذلك أن كتب النبي - ﷺ - إلى الملوك كانت بعدها كما ذكره أهل السير والمغازي. ويدل عليه أيضًا ما عند البخاري (٧) ومسلم (١٧٧٣) من قول أبي سفيان لهرقل لمّا سأله عن النبي - ﷺ - هل يغدر؟ قال: لا، ونحن منه في مدّةٍ لا ندري ما هو فاعل فيها. يعني: مدة الصلح الذي جرى بالحديبية.
(٤) في «مغازيه» (٢/ ٥٦٢)، والمؤلف صادر عن «الدلائل» (٤/ ٨٤ - ٨٥).
(٥) قرية كانت لليهود شرقيَّ خيبر، وتُعرف اليوم بـ «الحائط»، على قرابة ٢٥٠ كيلًا شمال شرقيِّ المدينة على طريق حائل.
(٦) سبق التعريف بها (ص ٢٩٧).
[ ٣ / ٣٣٥ ]
- سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين، وما فيها من الفقه
عبد الرحمن تُماضِر بنت الأصبغ، وهي أم أبي سلمة (^١)، وكان أبوها رأسهم وملكهم.
قال: وكانت سرية كُرْز بن جابر الفِهري إلى العُرَنيين الذين قتلوا راعيَ رسول الله - ﷺ - واستاقوا الإبل في شوالٍ سنةَ ستٍّ، وكانت السرية عشرين فارسًا.
قلت: وهذا يدلُّ على (^٢) أنها كانت قبل الحديبية، فإن الحديبية (^٣) كانت في ذي القعدة كما سيأتي.
وقصة العرنيين في «الصحيحين» (^٤) من حديث أنس أن رهطًا من عُكْلٍ وعُرَينة أتوا رسول الله - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله، إنا أهلُ ضرع ولم نكن أهلَ ريفٍ فاستوخمنا المدينة، فأمر لهم رسول الله - ﷺ - بذَودٍ وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من أبوالها وألبانها، فلما صَحُّوا قتلوا راعي رسول الله - ﷺ - واستاقوا الذود وكفروا بعد إسلامهم ــ وفي لفظ لمسلم (^٥): وسَمَلُوا عين (^٦) الراعي ــ، فبعث رسول الله - ﷺ - في طلبهم فأمر بهم فقطع أيديهم وأرجلهم، وتركهم في ناحية الحرة حتى ماتوا.
_________________
(١) أي أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
(٢) «على» ساقطة من ص، ز، د.
(٣) «فإن الحديبية» ساقطة من المطبوع.
(٤) البخاري (٢٣٣، ٤١٩٢، ٥٧٢٧ ومواضع أخرى) ومسلم (١٦٧١) بنحوه.
(٥) برقم (١٦٧١/ ١٤)، ولفظه: «إنما سمل النبي - ﷺ - أعين أولئك لأنهم سملوا أعيُن الرِّعاء».
(٦) م، ق، ب: «أعين».
[ ٣ / ٣٣٦ ]
وفي حديث أبي الزبير عن جابر: فقال رسول الله - ﷺ -: «اللهم عَمِّ عليهم الطريق، واجعلها عليهم أضيقَ مِن مَسْك حَمَلٍ» (^١)، فعمَّى الله عليهم السبيل فأُدرِكوا ــ وذكر القصة ــ (^٢).
وفيها من الفقه: جوازُ شرب أبوال الإبل، وطهارةُ بول مأكول اللحم، والجمعُ للمحارب ــ إذا أخذ المال وقتل ــ بين قطعِ يده ورجله وقتله، وأنه يُفعَل بالجاني كما فعل، فإنهم لما سملوا عين (^٣) الراعي سمل أعينهم، وقد ظهر بهذا أن القصة محكمة ليست منسوخةً وإن كانت قبل أن تنزل الحدود، فالحدود نزلت بتقريرها لا بإبطالها. والله أعلم (^٤).
* * *
_________________
(١) «مَسْك حَمَلٍ» أي جلد الصغير من الضأن. وفي أكثر الأصول والنسخ المطبوعة: «جمل» بالجيم، وكذا في مطبوعة «الدلائل». والمثبت موافق لمخطوطة «الدلائل» (نسخة كوبريلي) وما في «مكارم الأخلاق» للخرائطي، وهو الصواب، لأنه أبلغ في الدعاء عليهم بالضيق. ومنه قول الحجّاج عن الشعبي لمّا خرج مع ابن الأشعث: «أما لئن أمكنني الله منه لأجعلنّ الدنيا أضيق عليه من مسك حَمَلٍ»، كما في «تاريخ دمشق» (٢٥/ ٣٩٥) و«تاريخ الإسلام» للذهبي (٣/ ٧٠).
(٢) أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٨٨) من طريق محمد بن عبيد الله عن أبي الزبير به. ومحمد بن عبيد الله هو العرزمي، ضعيف متروك الحديث. وأخرجه الخرائطي في «مكارم الأخلاق» (١٠٧٩) من طريق الضحاك عن ابن عبّاس بنحوه. وهو مرسل، فإن الضحاك لم يسمع من ابن عباس - ﵄ -.
(٣) م، ق، ب، ث: «أعين».
(٤) هنا انتهت نسخة دار الكتب المصرية (م) ونسخة القرويين الأولى (ق). ومما يلي تبدأ نسخة مانيسا (س) ونسخة القرويين الثانية (ف) إلا أن في أولها بضع عشرة صفحة بخط حديث لم نذكر فروقها لكثرة التحريف فيها.
[ ٣ / ٣٣٧ ]
فصل
في قصة الحديبية
قال نافع: كانت سنةَ ستٍّ في ذي القعدة (^١)، وهذا هو الصحيح. وهو قول الزهري، وقتادة، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم (^٢).
وقال هشام بن عروة عن أبيه: خرج رسول الله - ﷺ - إلى الحديبية في رمضان، وكانت في شوال (^٣). وهذا وهمٌ وإنما كانت غزاة الفتح في رمضان، وقد قال أبو الأسود عن عروة: «إنها كانت في ذي القعدة» على الصواب.
وفي «الصحيحين» (^٤) عن أنس أن النبي - ﷺ - اعتمر أربعَ عُمَرٍ كلُّهن في ذي القعدة، فذكر منها عمرة الحديبية.
وكان معه ألف وخمسمائة، هكذا في «الصحيحين» (^٥) عن جابر، وعنه فيهما (^٦): كانوا ألفًا وأربعمائة.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٩١) و«السنن الكبرى» (٤/ ٣٤١).
(٢) ذكره عنهم البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٩١). وانظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٠٨) و«مغازي الواقدي» (١/ ٥).
(٣) أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٩٢)، وكذا رواية أبي الأسود عن عروة الآتية.
(٤) البخاري (٤١٤٨) ومسلم (١٢٥٣) من رواية قتادة عن أنس - ﵁ -.
(٥) البخاري (٣٥٧٦، ٤١٥٢) من طريق حصين بن عبد الرحمن السلمي، ومسلم (١٨٥٦/ ٧٢، ٧٣) من طريق حصين وعمرو بن مُرَّة؛ كلاهما عن سالم بن أبي الجعد عن جابر به.
(٦) أخرجه البخاري (٤١٥٤، ٤٨٤٠) ومسلم (١٨٥٦/ ٧١) من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر. وأخرجه البخاري (٥٦٣٩) ومسلم (١٨٥٦/ ٧٤) من طريق الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن جابر. وأخرجه مسلم (١٨٥٦/ ٦٧، ٦٩) من طريقين عن أبي الزبير عن جابر - ﵁ -.
[ ٣ / ٣٣٨ ]
الأصح أن المسلمين كانوا ألفا وأربعمائة
وفيهما (^١) عن عبد الله بن أبي أوفى: كنا ألفًا وثلاثمائة.
قال قتادة: قلت (^٢) لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة، قال: قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة، قال: يرحمه الله وهِم، هو حدَّثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة (^٣).
قلت: قد صح عن جابر القولان، وصح عنه أنهم نحروا عام الحديبية سبعين بدنةً، البدنة عن سبعةٍ، فقيل له: كم كنتم؟ قال: ألفًا وأربعمائة بخَيلنا ورِجالنا (^٤) ــ يعني: فارسهم وراجلهم ــ (^٥). والقلب إلى هذا أميل. وهو قول البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع في أصح الروايتين عنه (^٦)، وقول المسيب بن حَزْن؛ قال شعبة: عن قتادة عن سعيد بن المسيب
_________________
(١) البخاري (٤١٥٥) ومسلم (١٨٥٧).
(٢) «قلت» من س، هامش ز، وسقط من سائر الأصول.
(٣) أخرجه البخاري (٤١٥٣) وأبو عوانة (٧٦٤٤) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٩٧) واللفظ له.
(٤) المطبوع: «رجِلنا» خلافًا للأصول ومصدر التخريج، و«رجال» جمع راجل.
(٥) أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٩٨)، وبعضه عند مسلم (١٣١٨/ ٣٥٣).
(٦) قول البراء عند البخاري (٤١٥٠)، وقول معقل عند مسلم (١٨٥٨)، وقول سلمة في أصحّ الروايتين عنه عند مسلم (١٧٢٩، ١٨٠٧)، والرواية الأخرى عنه عند ابن أبي شيبة (٣٨٠٠١) بلفظ: «سبع عشرة مائة»، وفي إسناده موسى بن عُبيدة الرَّبَذي وهو ضعيف.
[ ٣ / ٣٣٩ ]
فصل: إحرامه - ﷺ - للعمرة من ذي الحليفة
عن أبيه: كنا مع النبي - ﷺ - تحت الشجرة ألفًا وأربعمائة (^١).
وغلط غلطًا بيِّنًا من قال: كانوا سبعمائة (^٢)، وعُذره أنهم نحروا يومئذ سبعين بدنةً، والبدنة قد جاء إجزاؤها عن سبعة وعن عشرة، وهذا لا يدل على ما قاله هذا القائل، فإنه قد صَرَّح (^٣) بأن البدنة كانت في هذه العمرة عن سبعة، فلو كانت السبعون عن جميعهم لكانوا أربعَمائةٍ وتسعين رجلًا، وقد قال في تمام الحديث بعينه: «إنهم كانوا ألفًا وأربعمائة».
فصل
فلما كانوا بذي الحليفة قلَّد رسولُ الله - ﷺ - الهديَ وأشعره وأحرم بالعمرة، وبعث بين يديه عينًا له من خزاعة يخبره عن قريش، حتى إذا كان قريبًا من عُسفان أتاه عينه فقال: إني تركتُ كعبَ بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعًا، وهم مقاتِلوك وصادُّوك عن البيت فاستشار النبيُّ - ﷺ - أصحابَه فقال: «أترون أن نَمِيل إلى ذراريِّ هؤلاء الذين أعانوهم فنُصيبهم، فإن قعدوا قعدوا مَوتُورين محرُوبين (^٤)، وإن يَجُوا (^٥) تكن عنقًا
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٩٨) من طريق الدُّوري عن ابن معين عن شبابة عن شعبة به، وهو في «تاريخ ابن معين» برواية الدوري (٣/ ٤٨).
(٢) هو قول ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٠٩).
(٣) أي جابر في حديثه المتقدم آنفًا.
(٤) أي: منهوبين مسلوبين، تقول: حرَبه يحرُبه حَرْبًا، إذا سلب ماله.
(٥) طبعة الرسالة: «يجيئوا» خلافًا للرسم في الأصول، وكذا في مطبوعة «مصنف عبد الرزاق» خلافًا لأصله الخطي. وفي أكثر المصادر الأخرى المطبوعة (والرواية فيها من طريق عبد الرزاق): «نَجَوا»، وهو ظاهر النقط في بعض أصول الزاد والطبعة الهندية، ولكن يشكل عليه جواب الشرط: «تكن عنقًا قطعها الله»، وأيضًا ففي البخاري (٤١٨٧) من غير طريق عبد الرزاق: «إن يأتونا»، وعند الطبراني من طريق عبد الرزاق: «إن جاؤوا». وهذا كلّه يقتضي ما أثبتناه، وهو على لغة مَن يحذف همزة «جاء» تخفيفًا فيقول: «جا، يجي، يجون» كما هو شائع في العاميّة الدارجة. انظر: «الكتاب» لسيبويه (٣/ ٥٥٦) و«ارتشاف الضرَب» لأبي حيان (١/ ٢٨٤).
[ ٣ / ٣٤٠ ]
- بروك القصواء قبيل حدود الحرم
قطعها الله، أم ترون (^١) أن نؤمَّ البيت فمن صدَّنا عنه قاتلناه؟» فقال أبو بكر: الله ورسوله أعلم، إنما (^٢) جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحدٍ ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، فقال النبي - ﷺ -: «فروحوا إذًا»، فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي - ﷺ -: «إن خالد بن الوليد بالغَمِيم في جندٍ (^٣)
لقريش طليعةً، فخُذُوا ذات اليمين»، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقَتَرةِ الجيش (^٤) فانطلق يركض نذيرًا لقريش.
وسار النبي - ﷺ - حتى إذا كان بالثنيَّة التي يُهبَط عليهم منها بركت راحلته فقال الناس: حَلْ! حَلْ! فألحَّت، فقالوا: خلأت القصواء خلأت القصواء! فقال النبي - ﷺ -: «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابسُ الفيل»، ثم قال: «والذي نفسُ محمدٍ بيده لا يسألوني خطةً يعظِّمُون فيها حرمات الله إلا أعطيتُهموها»، ثم زجرها فوثبت به، فعَدَل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَدٍ قليلِ الماء إنما يتبرَّضه الناس تبرُّضًا (^٥)، فلم يلبث الناس
_________________
(١) ز: «تريدون»، تصحيف.
(٢) «إنما» من س، وهو الموافق لمصادر التخريج، وفي سائر الأصول: «إنا».
(٣) كذا في الأصول. في المطبوع ومصادر التخريج: «خيلٍ» ..
(٤) أي بغُباره الذي أثاره الحوافر والخفاف.
(٥) الثَّمَد: حفرة تكون فيها ماء قليل. والتبرُّض: الأخذ قليلًا قليلًا.
[ ٣ / ٣٤١ ]
- إرسال النبي - ﷺ - عثمان إلى قريش للمفاهمة
أن نزحوه، فشَكَوا إلى رسول الله - ﷺ - العطش، فانتزع سهمًا من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، قال: فوالله ما زال يجيش لهم بالرِّيِّ حتى صدروا عنه (^١).
وفزعت (^٢) قريشٌ لنزوله عليهم، فأحبَّ رسولُ الله - ﷺ - أن يبعث إليهم رجلًا من أصحابه، فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إليهم، فقال: يا رسول الله، ليس لي بمكة أحد من بني كعبٍ يغضب لي إن أوذيت فأرسِلْ عثمانَ بن عفانَ فإن عشيرته بها وإنه يُبلِّغ ما أردت، فدعا رسول الله - ﷺ - عثمان بن عفان فأرسله إلى قريش وقال: «أخبِرْهم أنَّا لم نأتِ لقتالٍ وإنما جئنا عُمَّارًا، وادعُهم إلى الإسلام» وأمره أن يأتي رجالًا بمكة مؤمنين ونساءً مؤمناتٍ فيدخلَ عليهم ويبشِّرَهم بالفتح ويخبرَهم أن الله تعالى مُظهرٌ دينَه بمكة حتى لا يُستخفى فيها بالإيمان.
_________________
(١) من أول الفصل إلى هنا جزء من حديث طويل رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن المِسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يُصَدِّق كلُّ واحد منهما حديث صاحبه. أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٩٧٢٠)، ومن طريقه أحمد (١٨٩٢٨) والبخاري (٢٧٣١) وابن حبان (٤٨٧٢) والطبراني في «الكبير» (٢٠/ ٩) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ٢١٨) و«الدلائل» (٤/ ٩٩)، إلا أن لفظ البخاري ناقص الأول يبدأ من قوله: «خرج رسول الله - ﷺ - زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي - ﷺ -: إن خالدًا بالغميم »، وما قبله من أول الحديث أخرجه البخاري في موضع آخر (٤١٧٨) من طريق ابن عيينة عن الزهري به. هذا وقد بقي جزء كبير من هذا الحديث، وسيسوقه المؤلف بعد صفحتين من قوله: «وبينا هم كذلك إذ جاء بديل » إلخ.
(٢) من هنا ينقل المؤلف من رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة. أخرجها البيهقي في «الدلائل» (٤/ ١٣٣).
[ ٣ / ٣٤٢ ]
فانطلق عثمان فمر على قريشٍ (^١) فقالوا: أين؟ فقال: بعثني رسول الله - ﷺ - أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، وأخبركم أنا لم نأتِ لقتالٍ وإنما جئنا عُمَّارًا، فقالوا: قد سمعنا ما تقول (^٢) فانفُذْ لحاجتك، وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحَّب به وأسرج فرسه فحمل عثمان على الفرس (^٣) ورَدِفَه أبانُ حتى جاء مكة، وقال المسلمون قبل أن يرجع عثمان: خَلَص عثمان بن عفَّان من بيننا إلى البيت وطاف به، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون»، قالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص؟ قال: «ذلك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى نطوف معًا».
واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح (^٤)، فرمى رجل من أحد الفريقين رجلًا من الفريق الآخر فكانت مُعارَكةٌ وتراموا بالنَّبْل والحجارة، وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كلُّ واحدٍ من الفريقين من فيهم (^٥)، وبلغ
_________________
(١) زِيد بعده في هامش س مصححًا عليه، ن: «بِبَلْدَحَ» نقلًا من مصدر المؤلف، وليس في عامّة الأصول. و«بلدح» وادٍ في مكة جهة المغرب، ويُسمَّى اليوم وادي أمِّ الجُود. انظر: «المعالم الجغرافية في السيرة» (ص ٤٩).
(٢) ب: «سمعنا مقالتك».
(٣) بعده في ن ومصدر التخريج: «وأجاره»، وأُلحِقت في س بعد قوله: «وأسرج فرسه».
(٤) وذلك بعد أن أتى سُهيل بن عمرو وغيره من وفد قريش. والمؤلف حذف ذكر ذلك هنا في رواية عروة، لأنه سيسوقه لاحقًا من رواية المسور ومروان.
(٥) أي: أخذ كل واحدٍ من الفريقين مَن فيهم من الفريق الآخر رهائن، «فارتهن المسلمون سهيل بن عمرو ومن أتاهم من المشركين، وارتهن المشركون عثمان بن عفّان». «دلائل النبوة» (٤/ ١٣٤).
[ ٣ / ٣٤٣ ]
- أخذ النبي - ﷺ البيعة من أصحابه لما أشيع أن عثمان قد قتل
رسول الله - ﷺ - أن عثمان قد قتل (^١) فدعا إلى البيعة، فثار المسلمون إلى رسول الله - ﷺ - وهو تحت الشجرة فبايعوه على أن لا يفرُّوا، فأخذ رسولُ الله - ﷺ - بيد نفسه وقال: «هذه عن عثمان» (^٢).
ولمّا تمت البيعة رجع عثمان فقال المسلمون له: اشتفَيتَ يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت؟ فقال: بئس ما ظننتم بي! والذي نفسي بيده لو مكثتُ بها سنةً ورسول الله - ﷺ - مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى يطوفَ رسول الله - ﷺ -، ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيتُ، فقال المسلمون: رسول الله - ﷺ - كان أعلمَنا بالله وأحسنَنا ظنًّا (^٣).
وكان عمرُ آخذًا بيد رسول الله - ﷺ - للبيعة وهو تحت الشجرة، فبايعه المسلمون كلهم إلا الجَدَّ بن قيس (^٤).
وكان معقل بن يسار آخذًا بغُصْنها يرفعه عن (^٥) رسول الله - ﷺ - (^٦).
_________________
(١) قوله: «وبلغ رسول الله - ﷺ - أن عثمان قد قتل» ليس عند عروة، وإنما أضافه المؤلف من رواية ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم مرسلًا، كما في «الدلائل» (٤/ ١٣٥). وانظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣١٤ - ٣١٥).
(٢) أخرجه البخاري (٣٦٩٨، ٤٠٦٦) من حديث ابن عمر بلفظ: «هذه لعثمان». وهذا أيضًا لم يذكره عروة في روايته.
(٣) هنا انتهى نقل المؤلف من رواية ابن لَهِيعة عن أبي الأسود عن عروة، مع بعض اختصار وتصرّف.
(٤) أخرجه مسلم في «صحيحه» (١٨٥٦/ ٦٩) من حديث جابر.
(٥) بعده في س، ث: «رأس».
(٦) أخرجه مسلم (١٨٥٨) من حديث معقل.
[ ٣ / ٣٤٤ ]
وكان أول من بايعه أبو سنان الأسدي (^١). وبايعه سلمة بن الأكوع ثلاث مرات: في أول الناس ووسطهم وآخرهم (^٢).
فبينا (^٣) هم كذلك إذ جاء بُدَيل بن ورقاء الخُزاعي في نفر من خزاعة ــ وكانوا عَيبة نُصحِ رسولِ الله - ﷺ - (^٤) من أهل تهامة ــ فقال: إني تركتُ كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبية (^٥)، معهم العُوذ المطافيل (^٦)، وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيت، قال رسول الله - ﷺ -: «إنّا لم نجئ لقتال أحدٍ ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشًا نهكتهم الحربُ وأضرَّت بهم فإن شاؤوا ماددتهم ويخلُّوا بيني وبين الناس، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جَمُّوا (^٧)، وإن أبوا إلا القتالَ فوالذي نفسي بيده لأقاتلنَّهم على أمري هذا حتى تنفردَ سالفتي (^٨) أو ليُنْفِذَنَّ اللهُ أمرَه».
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٣١٧٥، ٣٦٩١٩) وابن سعد (٢/ ٩٦) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ١٣٧) من مرسل الشعبي.
(٢) أخرجه مسلم (١٨٠٧) من حديث سلمة.
(٣) من هنا رجع المؤلف إلى النقل من حديث المسور بن مخرمة ومروان الحكم الطويل، وقد سبق تخريجه قبل ثلاث صفحات.
(٤) أي: كانوا مَوضع النصحِ له والأمانةِ على سرِّه، تشبيهًا لهم بـ «العَيبة» التي هي وعاء يجعل فيه الرجل نفيسَ متاعه.
(٥) أي نزلوا على العيون والآبار، والأعداد: جمع «عِدٍّ» بكسر العين، وهو الماء الذي لا انقطاع له كماء العين والبئر.
(٦) العُوذ: جمع عائذ وهي الناقة التي وضعت ولدها حديثًا. والمطافيل: جمع مُطْفِل وهي الناقة التي معها ولدها. يريد أنهم جاؤوا بأجمَعِهم كبارهم وصغارِهم.
(٧) أي: وإن لم يريدوا الدخول فقد جَمُّوا، أي: استراحوا من الحرب.
(٨) كناية عن القتل، والسالفة هي صفحة العنق.
[ ٣ / ٣٤٥ ]
- مجيء عروة بن مسعود الثقفي من عند المشركين للمفاوضة
قال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشًا فقال: إني قد جئتكم من عند هذا الرجل وسمعته يقول قولًا فإن شئتم عرضته عليكم، فقالت سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تحدِّثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعتَه يقول، قال: سمعته يقول كذا وكذا، فقال عروة بن مسعود الثقفي: إن هذا قد عرض عليكم خُطَّة رشدٍ فاقبلوها ودعوني آته، فقالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلمه، فقال له النبي - ﷺ - نحوًا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أَيْ محمد أرأيت لو استأصلتَ قومَك هل سمعت بأحدٍ من العرب اجتاح أصلَه (^١) قبلك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوهًا وأرى أوشابًا من الناس خُلَقاء أن يفرُّوا ويدعوك. فقال أبو بكر: امصص بَضْرَ (^٢) اللات أنحن نفر عنه وندعه؟! قال: من ذا؟ قال: «أبو بكر»، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يدٌ كانت لك عندي لم أَجزِك بها لأجبتك، وجعل يكلم النبي - ﷺ - وكلمَّا كلَّمه أخذ بلحيته، والمغيرةُ بن شعبة عند رأس رسول الله - ﷺ - ومعه السيف وعليه المِغْفَر، فكلما أهوى عروةُ إلى لحية النبي - ﷺ - ضرب يده بنعل السيف وقال: أَخِّرْ يدك عن لحية رسول الله - ﷺ -! فرفع عروة رأسه وقال: من ذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة.
فقال: أي غُدَر! أولستُ أسعى في غَدرتك؟! وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم
_________________
(١) المطبوع: «أهله» خلافًا للأصول وإن كان موافقًا لبعض نسخ «صحيح البخاري» ولمطبوعة: «معجم الطبراني»، والمثبت من الأصول موافق لنسخة أبي ذر للصحيح ولسائر مصادر التخريج. انظر: «صحيح البخاري» الطبعة السلطانية (٣/ ١٩٤) و«إرشاد الساري» (٤/ ٤٤٦).
(٢) كذا في الأصول بالضاد، وهي لغة في البظر. انظر: «تهذيب اللغة» (١٢/ ٣٠، ١٤/ ٣٧٨) و«تاج العروس» (٧/ ١٨٨ - نظح).
[ ٣ / ٣٤٦ ]
جاء فأسلم فقال النبي - ﷺ -: «أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء».
ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي - ﷺ -، فوالله ما تنخَّم (^١) النبي - ﷺ - نخامةً إلا وقعت في كفِّ رجل منهم فدَلَك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيمًا له، فرجع عروةُ إلى أصحابه فقال: أي قوم واللهِ لقد وفدتُ على الملوك على كسرى وقيصر والنجاشي، والله إنْ رأيت ملِكًا يُعظِّمه أصحابه ما يعظم أصحابُ محمدٍ محمدًا، والله إن تنخَّم نخامةً إلا وقعت في كفِّ رجلٍ منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلَّم (^٢) خفضوا أصواتهم عنده وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيمًا له، وقد عرض عليكم خطة رشدٍ فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتِه، فقالوا: ايْته.
فلما أشرف على النبي - ﷺ - وأصحابه قال رسول الله - ﷺ -: «هذا فلان، وهو من قومٍ يُعظِّمون البُدْنَ فابعثوها له»، فبُعثت له واستقبله القوم يُلَبُّون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه فقال: رأيت البُدن قد قُلِّدَت وأُشعرت، وما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت، فقام مِكْرَز بن حفصِ فقال: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي - ﷺ -: «هذا مِكْرَز بن حفص، وهو رجل فاجر»، فجعل يكلِّم
_________________
(١) ص، ز، د: «انتخم».
(٢) د، س: «تكلَّموا»، وكذا في مطبوعة «الدلائل» في هذا الموضع، وفي «مصنف عبد الرزاق»، و«مسند أحمد» مثله في الموضعين، هذا والذي سبق.
[ ٣ / ٣٤٧ ]
- مجيء سهيل بن عمرو وكتابة الصلح
النبيَّ - ﷺ -، فبينا هو يكلمه إذ جاء سُهَيل بن عمروٍ فقال النبي - ﷺ -: «قد سَهُل لكم مِن أمركم» فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابًا، فدعا الكاتب فقال: «اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال سهيل: أما «الرحمن» فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: «باسمك اللهم» كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي - ﷺ -: «اكتب: باسمك اللهم»، ثم قال: «اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله»، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسولُ الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبي - ﷺ -: «إني رسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله». فقال النبي - ﷺ -: «على أن تخلُّوا بيننا وبين البيت فنطوف به»، فقال سهيل: واللهِ لا تتحدَّثُ العرب أنَّا أُخِذنا ضَغطةً، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب فقال سهيل: على أن لا يأتيك مِنَّا رجلٌ وإن كان على دينك إلا رددتَه إلينا، فقال المسلمون: سبحان الله! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟!
فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل قد خرج من أسفل مكة يَرْسُف (^١) في قيوده حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن تردَّه، فقال النبي - ﷺ -: «إنا لم نقض الكتاب بعدُ»، قال: فوالله إذًا لا أصالحك على شيء أبدًا، فقال النبي - ﷺ -: «فأجزه لي»، قال: ما أنا بمُجيزِه لك، قال: «بلى فافعل»، قال: ما أنا بفاعل، قال مِكرَز: بلى قد أجزناه (^٢)، فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين، أُردُّ إلى
_________________
(١) أي يمشي مشيَ المقيَّد يقارب خُطاه.
(٢) كذا بالزاي في جميع مصادر التخريج، على أن السياق وما ورد في الروايات الأخرى يدل على أن إجازته بمعنى الإجارة، فلم تكن الإجازة في أن يذهب مع رسول الله - ﷺ - بل في تأمينه من تعذيب أبيه له، ففي مغازي موسى بن عقبة ــ كما في «تاريخ دمشق» (٢٥/ ٢٩٨) ــ أن مكرزًا قال: «أنا له جار» وأخذ بيده فأدخله فسطاطًا. وفي «مغازي الواقدي» (٢/ ٦٠٨): قال مكرز وحويطب: «يا محمد نحن نجيره لك» فأدخلاه فسطاطًا فأجاراه، وكفَّ أبوه عنه.
[ ٣ / ٣٤٨ ]
المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما لقيت؟! وكان قد عُذِّب في الله عذابًا شديدًا.
قال عمر بن الخطاب: واللهِ ما شككت منذ أسلمتُ إلا يومئذٍ، فأتيت النبي - ﷺ - فقلت: يا رسول الله ألست نبي الله؟ قال: «بلى»، قلت: ألسنا على الحقِّ وعدوُّنا على الباطل؟ قال: «بلى»، فقلت: علامَ نعطي الدنيَّةَ في ديننا ونرجع ولمَّا يحكمِ اللهُ بيننا وبين أعدائنا (^١)؟ فقال: «إني رسول الله وهو ناصري، ولست أَعصيه». قلت: أولستَ كنتَ تحدثنا أنا سنأتي البيت ونَطَّوَّف به؟ قال: «بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟»، قلت: لا، قال: «فإنك آتيه ومطوِّفٌ به»، قال فأتيتُ أبا بكر فقلت له كما قلتُ لرسول الله - ﷺ -، ورد عليه (^٢) أبو بكر كما رد عليه رسول الله - ﷺ - سواءً وزاد: «فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق»، قال عمر: فعملتُ لذلك أعمالًا.
_________________
(١) قول عمر: «ونرجع » إلخ ليس في حديث المسور ومروان. ولكنه ورد بنحوه في حديث سهل بن حُنيف عند البخاري (٣١٨٢) ومسلم (١٧٨٥/ ٩٤) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ١٤٨).
(٢) المطبوع: «عليَّ» هنا وفي الموضع الآتي خلافًا للأصول، وإنما وقع الالتفات من التكلم إلى الغيبة لأنه ليس نصَّ قول عمر، وإنما اختصار من المؤلف لما أجابه به أبو بكر - ﵁ -.
[ ٣ / ٣٤٩ ]
- أمر النبي - ﷺ - بنحر البدن وحلق الرأس
فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله - ﷺ -: «قوموا فانحروا ثم احلقوا»، قال: فوالله ما قام منهم رجل واحد حتى قال ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا رسول الله، أتحب ذلك؟ اخرجْ ثم لا تكلِّمْ أحدًا (^١) كلمةً حتى تنحر بُدنك وتدعوَ حالقك فيحلقك، فقام فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بُدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا.
ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتى بلغ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاويةُ والأخرى صفوان بن أمية.
ثم رجع إلى المدينة وفي مرجعه أنزل الله عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ١ - ٣]، فقال عمر: أوَفتحٌ هو يا رسول الله؟ قال: «نعم» (^٢). فقال الصحابة: هنيئًا لك يا رسول الله فما لنا؟ فأنزل الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [الفتح: ٤] (^٣).
_________________
(١) بعده في ب، المطبوع: «منهم»، وليس في سائر الأصول، ولا في «الدلائل» والمؤلف صادر عنه.
(٢) هذا الخبر ليس في حديث المسور ومروان، وإنما أخرجه البخاري (٣١٨٢) ومسلم (١٧٨٥/ ٩٤) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ١٤٨) من حديث سهل بن حُنيف.
(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٢١/ ٢٤٠) والحاكم (٢/ ٤٦٠) من طرق عن قتادة عن أنس موصولًا، وهو معلول، والصواب أنه عن قتادة عن عكرمة مرسلًا كما جاء موضّحًا في رواية شعبة عنه عند أبي يعلى (٣٢٥٢) وأبي عوانة (٧٢٥٦). وانظر: «الفصل للوصل المدرج في النقل» (١/ ٤٦٠ - ٤٧٣).
[ ٣ / ٣٥٠ ]
- خبر أبي بصير وأبي جندل وأصحابهما، واعتراضهم لعيرات قريش
ولما (^١) رجع إلى المدينة جاءه أبو بَصِير ــ رجل من قريش ــ مسلمًا، فأرسلوا في طلبه رجلين وقالوا: العهدَ الذي جعلتَ لنا، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمرٍ لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيدًا، فَسَلَتَه (^٢) الآخر فقال: أجل واللهِ إنه لجيد، لقد جرَّبتُ به ثم جربت، فقال أبو بصير: أَرِني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد وفرَّ الآخر يعدو حتى بلغ المدينة فدخل المسجد، فقال رسول الله - ﷺ - حين رآه: «لقد رأى هذا ذُعْرًا»، فلما انتهى إلى النبي - ﷺ - قال: قُتِل والله صاحبي، وإني لمقتول! فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله، قد واللهِ أوفى اللهُ ذمتك، قد رددتَني إليهم فأنجاني الله منهم، فقال النبي - ﷺ -: «ويلُ أمِّه! مِسْعَرُ حربٍ لو كان له أحد»، فلما سمع ذلك عرف أنه سيردُّه إليهم فخرج حتى أتى سِيف البحر.
وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله لا يسمعون بِعِير لقريشٍ خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي - ﷺ - تناشده اللهَ والرَّحِمَ لمَّا أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن، فأنزل الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حتى بلغ ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾
_________________
(١) من هنا رجع النقل من حديث المسور ومروان.
(٢) النسخ المطبوعة: «فاستلَّه»، وهما بمعنى.
[ ٣ / ٣٥١ ]
- خبر مج النبي - ﷺ - في بئر الحديبية، وقصة فوران الماء من بين أصابعه
[الفتح: ٢٤ - ٢٦] وحميَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا بـ «بسم الله الرحمن الرحيم» وحالوا بينهم وبين البيت (^١).
قلت: في «الصحيح» أن النبي - ﷺ - توضأ ومجَّ في بئر الحديبية من فمه فجاشت بالماء. كذلك قال البراء بن عازب وسلمة بن الأكوع في «الصحيحين» (^٢).
وقال عروة: عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أنه غرز فيها (^٣) سهمًا من كنانته، وهو في «الصحيحين» (^٤) أيضًا.
وفي مغازي أبي الأسود عن عروة (^٥): توضأ في الدَّلْوِ ومضمض فاه ثم مجَّ فيه وأمر أن يُصبَّ في البئر، ونزع سهمًا من كنانته وألقاه في البئر، ودعا الله تعالى، ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها وهم جلوس على شَفَتِها (^٦)؛ فجمع بين الأمرين، وهذا أشبه. والله أعلم.
_________________
(١) هنا انتهى حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم الطويل، مع بعض التصرف والزيادات من المؤلف في أثنائه.
(٢) حديث البراء عند البخاري (٣٥٧٧، ٤١٥٠)، وحديث سلمة عند مسلم (١٨٠٧/ ١٣٢) بلفظ: «إمَّا دعا وإما بصق فيها» على الشك.
(٣) «فيها» ساقط من ص، د.
(٤) البخاري (٢٧٣١)، وليس عند مسلم.
(٥) كما في «الدلائل» (٤/ ١١٢) و«تاريخ الإسلام» للذهبي (١/ ٢٥٢).
(٦) ص، ب، المطبوع: «شقِّها» تصحيف، وفي ز: «شفيرها»، وفي مطبوعة «الدلائل»: «شفَتَيها»، وهو تصحيف أيضًا. والمثبت موافق لمخطوطة «الدلائل» و«تاريخ الإسلام». وشفة البئر وشَفاها وشفيرها وحافَتها وحرفها= واحد.
[ ٣ / ٣٥٢ ]
فصل: شروط صلح الحديبية
وفي «صحيح البخاري» (^١) عن جابر قال: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله - ﷺ - بين يديه رَكْوةٌ يتوضأ منها إذ جَهَش الناس نحوَه، فقال: «ما لكم؟» قالوا: يا رسول الله، ما عندنا ماء نشرب ولا ما (^٢) نتوضأ إلا ما بين يديك فوضع يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه أمثالَ العيون فشربوا وتوضَّؤوا، وكانوا خمس عشرة مائة. وهذه غير قصة البئر.
وفي هذه الغزوة أصابهم ليلةً مطر، فلمَّا صلى النبي - ﷺ - الصبح قال: «أتدرون ماذا قال ربُّكم الليلةَ؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطِرنا بِنَوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» (^٣).
فصل
وجرى الصلحُ بين المسلمين وأهل مكة على وضع الحرب عشر سنين، وأن يأمَنَ الناسُ بعضهم من بعضٍ، وأن يرجع عنهم عامَه ذلك حتى إذا كان العام المقبل قدمها وخلَّوا بينه وبين مكة فأقام بها ثلاثًا، وأن لا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف في القُرُب، وأن من أتانا من أصحابك لم نردَّه
_________________
(١) برقم (٣٥٧٦) بنحوه، وهذا لفظ البيهقي في «الدلائل» (٤/ ١١٦).
(٢) مطبوعة «الدلائل»: «ماء»، والمثبت مقتضى ما في ص، د حيث غوير بينها وبين ما قبلها بوضع علامة المد على الأولى دون الثانية. وفي س كلتاهما عليها علامة المد إلا أن الأولى كتبت معها همزة دون الثانية. وفي سائر النسخ هما سواء.
(٣) أخرجه البخاري (٨٤٦، ١٠٣٨) ومسلم (٧١).
[ ٣ / ٣٥٣ ]
عليك ومن أتاك من أصحابنا رددتَه علينا، وأنَّ بيننا وبينك عَيبةً مكفُوفةً (^١) وأنه لا إسلال ولا إغلال (^٢)، فقالوا: يا رسول الله نعطيهم هذا؟ فقال: «من أتاهم منا فأبعده الله، ومن أتانا منهم فرددناه عليهم جعل الله له فرجًا ومخرجًا» (^٣).
وفي قصة الحديبية أنزل الله ﷿ فدية الأذى لمن حلق رأسه بالصيام أو الصدقة أو النسك في شأن كعب بن عجرة (^٤).
وفيها دعا رسول الله - ﷺ - للمُحلِّقين بالمغفرة ثلاثًا وللمُقصِّرين مرةً (^٥).
وفيها نحروا البَدَنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة (^٦).
_________________
(١) العَيبة هي وعاء يجعل فيه الرجل نفيسَ مَتاعه، و«مكفوفة» أي: مشدودة على ما فيها مُقفلة. شُبِّهت بها الصدور للدلالة على أنه لا يدخلها الغل والغش فيما اتفقوا عليه من الصلح. وقيل: معناه أن يكون الشرُّ بينهم مكفوفًا، فكأنهم قد جعلوا الذُّحُول التي كانت بينهم في عَيبةٍ وأشرجوا عليها. انظر: «النهاية» (كفف).
(٢) الإسلال: السرقة الخفيَّة، وقيل: الغارة الظاهرة. والإغلال: الخيانة.
(٣) أخرجه أحمد (١٨٩١٠) وأبو داود مختصرًا (٢٧٦٦) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ١٤٥) ــ واللفظ له ــ إلى قوله: «لا إسلال ولا إغلال» من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم بإسناد حسن، وما بعده فجزءٌ من حديث أنس عند مسلم (١٧٨٤) وابن حبان (٤٨٧٠) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ١٤٧) واللفظ له.
(٤) أخرجه البخاري (١٨١٥) ومسلم (١٢٠١) من حديث كعب بن عجرة.
(٥) أخرجه أحمد (٣٣١١، ٤٨٩٧، ١١١٤٩) من حديث ابن عباس وابن عمر وأبي سعيد الخدري، وإسناد الأوّلين صحيح، وحديث ابن عمر متفق عليه دون ذكر الحديبية.
(٦) أخرجه مسلم (١٣١٨) من حديث جابر - ﵁ -.
[ ٣ / ٣٥٤ ]
وفيها أهدى رسول الله - ﷺ - في جُملة هديه جملًا كان لأبي جهلٍ في أنفه بُرَة (^١) من فضَّة؛ ليغيظ به المشركين (^٢).
وفيها أنزلت سورةُ الفتح.
ودخلت خزاعةُ في عقد رسول الله - ﷺ - وعهده، ودخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، وكان في الشرط أن من شاء أن يدخل في عقده - ﷺ - دخل ومن شاء أن يدخل في عقد قريشٍ دخل (^٣).
ولما رجع إلى المدينة جاءه نساء مؤمنات، منهن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فجاء أهلها يسألونها رسولَ الله - ﷺ - بالشرط الذي كان بينهم، فلم يَرجعها إليهم، ونهاه الله عن ذلك؛ فقيل: هذا نسخٌ للشرط في النساء، وقيل: تخصيص للسنة بالقرآن وهو عزيز (^٤) جدًّا، وقيل: لم يقعِ الشرط إلا على الرجال خاصةً وأراد المشركون أن يُعمِّمُوه في الصنفَين فأنزل (^٥) الله تعالى ذلك.
_________________
(١) «البُرَة» بتخفيف الراء هي الحلقة في أنف البعير.
(٢) وكان قد استلبه النبي - ﷺ - يوم بدرٍ، كما في حديث ابن عباس أخرجه أحمد (٢٣٦٢، ٢٤٦٦) وابن خزيمة (٢٨٩٧، ٢٨٩٨) والحاكم (١/ ٤٦٧).
(٣) أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٦) من حديث المسور ومروان بإسناد حسن.
(٤) هامش ز صححًا عليه، س، ن: «غريب»، وكتب فوقه في س: «عزيز» معلمًا عليه بـ «خ»، أي أنه في نسخة كذلك.
(٥) هامش ز معلمًا عليه بأنه في نسخة، س، ن: «فأبى».
[ ٣ / ٣٥٥ ]
فصل
في بعض ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية
فمنها: اعتمار النبي - ﷺ - في أشهر الحج، فإنه خرج إليها في ذي القعدة.
ومنها: أن الإحرام بالعمرة من الميقات أفضل، كما أن الإحرام بالحج كذلك، فإنه أحرم بهما من ذي الحُلَيفة وبينها وبين المدينة ميل أو نحوه. وأما حديث: «من أحرم بعمرةٍ من بيت المقدس غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر»، وفي لفظ: «كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب» = فحديث لا يثبت، وقد اضطرب فيه إسنادًا ومتنًا اضطرابًا شديدًا (^١).
ومنها: أن سوق الهدي مسنون في العمرة المفردة كما هو مسنون في القِران.
ومنها: أن إشعار الهدي سنة، لا مُثلة منهيٌّ عنها.
ومنها: استحباب مُغايَظة أعداء الله (^٢)، فإن النبي - ﷺ - أهدى في جُملة هديه جملًا لأبي جهل في أنفه بُرَة من فضة يغيظ به المشركين، وقد قال تعالى في صفة رسول الله - ﷺ - وأصحابه: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٦٥٥٧، ٢٦٥٥٨) وأبو داود (١٧٤١) وابن ماجه (٣٠٠٢) ــ واللفظ الثاني له ــ وابن حبان (٣٧٠١) من حديث أم سلمة. وانظر للكلام عليه: «التاريخ الكبير» للبخاري (١/ ١٦٠ - ١٦١) و«المحلى» (٧/ ٧٦) و«البدر المنير» (٦/ ٩٢) وهامش محققي «المسند» طبعة الرسالة (٤٤/ ١٨١).
(٢) قال المؤلف: «وهذا باب من العبودية لا يعرفه إلا القليل من الناس». «مدارج السالكين (١/ ٢٢٧).
[ ٣ / ٣٥٦ ]
فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ (^١) [الفتح: ٢٩]، وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠].
ومنها: أن أمير الجيش ينبغي أن يبعث العيون أمامَه نحوَ العدو.
ومنها: أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة، لأن عَينه الخزاعيَّ كان كافرًا إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقربُ إلى اختلاطه بالعدوِّ وأخذه أخبارَهم.
ومنها: استحباب مشورة الإمام رعيته وجيشه استخراجًا لوجه الرأي، واستطابةً لنفوسهم، وأمنًا لِعَتْبهم، وتعرُّفًا لمصلحةٍ تَختصُّ (^٢) بعضَهم دون بعضٍ، وامتثالًا لأمر الرب تعالى في قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقد مدح عبادَه سبحانه بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].
ومنها: جواز سَبْيِ ذراريِّ المشركين إذا انفردوا عن رجالهم قبل مقاتلة الرجال.
ومنها: ردُّ الكلام الباطل ولو نسب إلى غير مكلّفٍ، فإنهم لما قالوا: «خلأت القصواء»، يعني حَرَنت وألحَّت فلم تسرِ، والخِلاءُ في الإبل بكسر الخاء وبالمدِّ نظيرُ الحِران في الخيل؛ فلما نسبوا إلى الناقة ما ليس من خلقها
_________________
(١) في ص، د، ز بدأ من قوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾.
(٢) بعده في هامش ز، هامش س مصححًا عليه، ن: «بعلمها»، فصار السياق كما في النسخ المطبوعة: «يختصُّ بعلمها بعضُهم دون بعضٍ».
[ ٣ / ٣٥٧ ]
وطبعها (^١) ردَّه عليهم وقال: «ما خلأت وما ذاك لها بخلق»، ثم أخبر عن سبب بروكها وأن الذي حبس الفيل عن مكة حبسها للحكمة العظيمة التي ظهرت بسبب حبسها (^٢) وما جرى بعده.
ومنها: أن تسمية ما يلابسه الرجلُ من مراكبه ونحوها سنة.
ومنها: جواز الحلف بل استحبابه على الخبر الديني الذي يريد تأكيده، وقد حفظ عن النبي - ﷺ - الحلف في أكثر من ثمانين موضعًا (^٣)، وأمره الله بالحلف على تصديق ما أخبر به في ثلاث (^٤) مواضع من القرآن (^٥): في سورة يونس، وسبأ، والتغابن (^٦).
ومنها: أن المشركين وأهلَ البدع والفجورِ والبغاةَ (^٧) والظلمةَ إذا طَلَبوا أمرًا يُعظِّمون فيه حرمةً من حرمات الله أُجيبوا إليه وأُعطوه وأُعينوا عليه وإن
_________________
(١) ب: «طباعها».
(٢) ز: «ظهرت بعد حبسها».
(٣) انظر ما سبق (١/ ١٦٧).
(٤) كذا في الأصول، وكأن المؤلف ذكَّر العدد حملًا على المعنى، أي ثلاث آيات، وهو سائغ في اللغة. انظر: «ارتشاف الضرَب» (٢/ ٧٥٤).
(٥) «من القرآن» ساقط من المطبوع.
(٦) وهي قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ الآية [يونس: ٥٣]، وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ الآية [سبأ: ٣]، وقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ الآية [التغابن: ٧].
(٧) «والبغاة» ساقط من ص، د.
[ ٣ / ٣٥٨ ]
مُنِعوا غيرَه، فيعاوَنُون على ما فيه تعظيمُ حرماتِ الله لا على كفرهم وبغيهم، ويُمنَعون مما سوى ذلك.
وكل من التمس المعاونةَ على محبوبٍ لله مرضيٍّ له أجيب إلى ذلك كائنًا من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوضٌ لله أعظمُ منه. وهذا من أدقِّ المواضع وأصعبها وأشقِّها على النفوس، ولذلك ضاق عنه من الصحابة من ضاق وقال عمر ما قال حتى عمل له أعمالًا بعدَه، والصدِّيقُ تلقاه بالرضى والتسليم حتى كان قلبه فيه على قلب رسول الله - ﷺ - وأجاب عمرَ عمَّا سأل عنه من ذلك بعين جواب رسول الله - ﷺ -، وذلك يدل على أن الصديق أفضلُ الصحابة وأكملُهم وأعرفُهم بالله ورسوله وأعلمُهم بدينه وأقومهم بمحابِّه وأشدُّهم موافقةً له، ولذلك لم يسأل عمر عمَّا عرض له إلا رسولَ الله - ﷺ - وصدِّيقَه خاصةً دون سائر أصحابه.
ومنها: أن النبي - ﷺ - عدل ذات اليمين إلى الحديبية. قال الشافعي (^١): وبعضُها من الحل وبعضها من الحرم. وروى الإمام أحمد (^٢) في هذه القصة أن النبي - ﷺ - كان يصلي في الحرم وهو مُضطرِب (^٣) في الحِلِّ. وفي هذا
_________________
(١) في «الأم» (٣/ ٣٩٩)، وعنه البيهقي في «السنن الكبرى» (٥/ ٢١٧) و«معرفة السنن» (٧/ ٤٨٧).
(٢) برقم (١٨٩١٠)، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (٣٧٩٩٥) والبيهقي في «السنن» (٥/ ٢١٥) من حديث ابن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المِسور بن مَخرمة ومروان بن الحكم. وإسناده حسن إن كان ابن إسحاق سمعه من الزهري ولم يدلِّسه عنه. وانظر: «الفروع» لابن مفلح (٢/ ٤٥٦).
(٣) أي ضارب خيمته.
[ ٣ / ٣٥٩ ]
كالدلالة على أن مضاعفةَ الصلاة بمكةَ متعلِّقٌ بجميع الحرم، لا يختصُّ المسجدَ الذي هو مكان الطواف، وأن قوله: «صلاة في المسجد الحرام أفضلُ من مائةِ صلاةٍ في مسجدي» (^١) كقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، وكان الإسراء من بيت أم هانئ.
ومنها: أن من نزل قريبًا من مكة، فإنه ينبغي له أن ينزل في الحل ويصليَ في الحرم، وكذلك كان ابن عمر يصنع (^٢).
ومنها: جواز ابتداء الإمام بطلب صلح العدو إذا رأى المصلحة للمسلمين فيه، ولا يتوقَّف ذلك على أن يكون ابتداء الطلب منهم.
وفي قيام المغيرة على رأس رسول الله - ﷺ - بالسَّيف ــ ولم تكن عادتُه أن يقام على رأسه وهو قاعد ــ سنةٌ يقتدى بها عند قدوم رسل العدوِّ من إظهار العزِّ والفخر وتعظيم الإمام وطاعته ووقايته بالنفوس، وهذه هي العادة الجارية عند قدوم رسل المؤمنين على الكافرين وقدوم رسل الكافرين على المؤمنين، وليس هذا من (^٣) النوع الذي ذمَّه النبيُّ - ﷺ - بقوله: «من أحب أن
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٦١١٧) وابن حبان (١٦٢٠) والضياء في «المختارة» (٩/ ٣٣١) من حديث عبد الله بن الزبير - ﵄ -.
(٢) لم أجده عن ابن عمر، وأخشى أن يكون مصحّفًا عن ابن عمرو، فقد أخرج ابن أبي شيبة (١٤٢٩٥) والأزرقي في «أخبار مكة» (٢/ ١٣١) والفاكهي (١٤٦٦) وابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ١٧٩) من طرق عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان له فُسطاطان أحدهما في الحرم والآخر في الحل، فإذا أراد أن يصلِّي صلَّى في الذي في الحرم.
(٣) بعده في ث، المطبوع: «هذا».
[ ٣ / ٣٦٠ ]
يتمثَّل له الرجالُ قيامًا فليتبوَّأ مقعدَه من النار» (^١)، كما أن الخُيلاء والفخر في الحرب ليسا من (^٢) النوع المذموم في غيره.
وفي بعث البُدنِ في وجه الرسول الآخر دليل على استحباب إظهار شعائر الإسلام لرسل الكفار.
وفي قول النبي - ﷺ - للمغيرة: «أما الإسلام فأقبلُ، وأما المال فلستُ منه في شيء» دليل على أن مال المشرك المعاهد معصوم وأنه لا يُملك بل يُرَدُّ عليه، فإن المغيرة كان قد صحبهم على الأمان ثم غدر بهم وأخذ أموالهم، فلم يتعرض النبي - ﷺ - لأموالهم ولا ذبَّ عنها ولا ضمِنها لهم لأن ذلك كان قبل إسلام المغيرة.
وفي قول الصديق لعروة: «امصص بظر (^٣) اللَّات» دليلٌ على جواز التصريح باسم العورة إذا كان فيه مصلحة تقتضيها تلك الحال، كما أذن النبي - ﷺ - أن يُصرَّح لمن ادعى دعوى الجاهلية بِهَنِ أبيه ويقال: «اعضَضْ أَير أبيك» ولا يُكنى له (^٤)؛ فلكل مقامٍ مقال.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٦٨٣٠) وأبو داود (٥٢٢٩) والترمذي (٢٧٥٥) والبخاري في «الأدب المفرد» (٩٧٧) من حديث معاوية. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال المؤلف في «تهذيب السنن» (٣/ ٤٤٣): إسناده على شرط الصحيح. وانظر: «الصحيحة» للألباني (٣٥٧).
(٢) بعده في ث، المطبوع: «هذا».
(٣) ب، س: «بضر».
(٤) أخرجه أحمد (٢١٢٣٣، ٢١٢٣٤، ٢١٢٣٦) وابنه عبد الله في زياداته (٢١٢٣٥، ٢١٢٣٧) والبخاري في «الأدب المفرد» (٩٦٣) والنسائي في «الكبرى» (٨٨١٣) وابن حبان (٣١٥٣) والضياء في «المختارة» (٤/ ١١ - ١٣) من طرق عن الحسن عن عُتَيّ بن ضَمْرة عن أبي بن كعب - ﵁ -. وانظر: «السلسلة الصحيحة» للألباني (٢٦٩).
[ ٣ / ٣٦١ ]
ومنها: احتمال قلة أدب رسول (^١) الكفار وجهله وجفوته، ولا يقابَل على ذلك لما فيه من المصلحة العامة، ولم يقابل النبي - ﷺ - عروة على أخذه بلحيته وقتَ خطابه، وإن كانت تلك عادة العرب لكن الوقار والتعظيم خلاف ذلك.
وكذلك لم يقابل - ﷺ - رسولَي مسيلمة حين قالا: نشهد أنه رسول الله، وقال: «لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما» (^٢).
ومنها: طهارة النخامة سواءٌ كانت من رأس أو صدر.
ومنها: طهارة الماء المستعمل.
ومنها: استحباب التفاؤل وأنه ليس من الطيرة المكروهة، لقوله لما جاء سهيل: «سَهُل أمركم».
ومنها: أن المشهود عليه إذا عرف باسمه واسم أبيه أغنى ذلك عن ذكر الجد، لأن النبي - ﷺ - لم يزد على محمد بن عبد الله، وقَنِع من سهيل بذكر اسمه واسم أبيه خاصةً؛ واشتراط ذكرِ الجدِّ لا أصل له.
وأما اشتراء العَدَّاء بن خالدٍ منه - ﷺ - الغلامَ فكتب له: «هذا ما اشترى
_________________
(١) ث: «رسل».
(٢) أخرجه أحمد (١٥٩٨٩) وأبو داود (٢٧٦١) والحاكم (٢/ ١٤٣) من حديث نُعيم بن مسعود بإسناد حسن. وله شاهد جيد من حديث ابن مسعود عند أحمد (٣٦٤٢، ٣٧٠٨) وأبي داود (٢٧٦٢).
[ ٣ / ٣٦٢ ]
العدَّاءُ بن خالد بن هَوذة» (^١) فذكر جده= فهو زيادة بيان يدلُّ على أنه جائز لا بأس به، لا يدلُّ على اشتراطه، ولما لم يكن في الشُّهرة بحيث يُكتفى باسمه واسم أبيه ذَكر جدَّه، فيشترط ذكرُ الجدِّ عند الاشتراك في الاسم واسم الأب وعند عدم الاكتفاء (^٢) بذكر الاسم واسم الأب. والله أعلم.
ومنها: أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضَيم على المسلمين جائزةٌ للمصلحة الراجحة ودفعِ ما هو شرٌّ منه، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما.
ومنها: أن من حلف على فعل شيء أو نَذَره، أو وعد غيرَه به، ولم يُعيِّن وقتًا لا بلفظه ولا بنيته= لم يكن على الفور، بل على التراخي.
ومنها: أن الحِلاق نسك، وأنه أفضل من التقصير، وأنه نسك في العمرة كما هو نسك في الحج، وأنه نسك في عمرة المحصور كما هو نسك في عمرة غيره.
ومنها: أن المُحصَر ينحر هديه حيث أُحصِر مِن الحلِّ أو الحرم، وأنه لا يجب عليه أن يُواعِد من ينحره في الحرم إذا لم يصل إليه، وأنه (^٣) لم يَصِلْ إلى محلِّه بدليل قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥].
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١٢١٦) والنسائي في «الكبرى» (١١٦٨٨) وابن ماجه (٢٢٥١) والبيهقي في «السنن» (٥/ ٣٢٨) والحافظ في «تغليق تعليق» (٣/ ٢١٨ - ٢٢١) من طرق عن العدّاء بن خالد. والحديث حسن بمجموع طرقه.
(٢) في النسخ المطبوعة: «وعند عدم الاشتراك اكتُفي» خلافًا للأصول.
(٣) أي الهدي الذي كان مع النبي - ﷺ - وأصحابه. وفي المطبوع غُيِّر السياق إلى: «أنه لا يتحلَّل حتى يصل إلى محلِّه» خلافًا للأصول وللمعنى المقصود.
[ ٣ / ٣٦٣ ]
ومنها: أن الموضع الذي نحر فيه الهدي كان مِن الحلِّ لا من الحرم؛ لأن الحرم كلَّه مَحِلُّ الهدي.
ومنها: أن المحصر لا يجب عليه القضاء، لأنه - ﷺ - أمرهم بالحلق والنحر ولم يأمر أحدًا منهم بالقضاء. والعمرة من العام القابل لم تكن واجبةً ولا قضاءً عن عمرة الإحصار، فإنهم كانوا في عمرة الإحصار ألفًا وأربعَمائةٍ وكانوا في عمرة القضية دون ذلك، وإنما سُمِّيت عمرةَ القضية والقضاء لأنها العمرةُ التي قاضاهم عليها، فأُضِيفت العمرة إلى مصدرِ فعله.
ومنها: أن الأمر المطلق على الفور، وإلا لم يغضب لتأخيرهم الامتثال عن وقت الأمر. وقد اعتُذِر عن تأخيرهم الامتثال بأنهم كانوا يرجون النسخ (^١) فأخَّروا متأوِّلين لذلك، وهذا الاعتذارُ أولى أن يُعتذر عنه! وهو باطل، فإنه - ﷺ - لو فهم منهم ذلك لم يشتدَّ غضبُه لتأخير أمره ويقول: «ما لي لا أغضب وأنا آمُرُ بالأمر فلا أتَّبَع!» (^٢)، وإنما كان تأخيرهم من السعي المغفور لا المشكور، وقد ﵃ وغفر لهم وأوجب لهم الجنة.
ومنها: أن الأصل مشاركة أُمَّته له في الأحكام، إلا ما خصه الدليل،
_________________
(١) ث: «الفسح» هنا وفي الموضع الآتي، وهو تصحيف.
(٢) لم أجد من روى هذا اللفظ في قصة الحديبية، وإنما رُوي في حجة الوداع عندما أمر الصحابة الذين لم يسوقوا الهدي أن يحلوا من إحرامهم بعد الطواف بالبيت وبالصفا والمروة، فتردَّد بعض الصحابة في ذلك فغضب النبي - ﷺ - ثم انطلق حتى دخل على عائشة فسألته: من أغضبك ــ أغضبه الله ــ؟ فقال: «ما لي لا أغضب ». أخرجه أحمد (١٨٥٢٣) وابن ماجه (٢٩٨٢) والنسائي في «الكبرى» (٩٩٤٦) وغيرهم، وفي إسناده ضعف.
[ ٣ / ٣٦٤ ]
ولذلك قالت له أم سلمة: «اخرج ولا تُكلِّم أحدًا حتى تحلق رأسك وتنحر هديك» وعلمَتْ أن الناس سيتابعونه.
فإن قيل: فكيف فعلوا ذلك اقتداءً بفعله ولم يمتثلوه حين أمرهم به؟ قيل: هذا هو السبب الذي لأجله ظنَّ من ظنَّ أنهم أخَّروا الامتثال طمعًا في النسخ، فلما فعل - ﷺ - ذلك علموا حينئذ أنه حكم مستقر غيرُ منسوخ، وقد تقدم فساد هذا الظن، ولكن لما تغيَّظ عليهم وخرج ولم يكلِّمهم وأراهم أنه قد بادر إلى امتثال ما أمر به وأنه لم يؤخر كتأخيرهم، وأن اتباعَهم له وطاعتَهم توجب اقتداءهم به= بادروا حينئذ إلى الاقتداء به وامتثال أمره.
ومنها: جواز صلح الكفار على رد من جاء منهم إلى المسلمين وأن لا يُرَدَّ من ذهب من المسلمين إليهم. هذا في غير النساء، وأما في النساء فلا يجوز اشتراط ردهن إلى الكفار. وهذا موضع النسخ خاصةً في هذا العقد بنصِّ القرآن، فلا سبيل إلى دعوى النسخ في غيره بغير موجِب.
ومنها: أن خروج البُضع من ملك الزوج مُتقوَّم، ولذلك أوجب الله سبحانه ردَّ المهر على من هاجرت امرأتُه وحيل بينه وبينها وعلى من ارتدت امرأته من المسلمين إذا استحق الكفار عليهم ردَّ مهور من هاجر إليهم من أزواجهم، وأخبر أن ذلك حكمه الذي حكم به بينهم، ثم لم ينسخه شيء. وفي إيجابه ردَّ ما أعطى الأزواج من ذلك دليل على تقوُّمه بالمسمَّى لا بمهر المثل.
ومنها: أن شرطَ ردِّ من جاء من الكفار إلى الإمام لا يتناول من خرج منهم مسلمًا إلى غير بلد الإمام، وأنه إذا جاء إلى بلد الإمام لا يجب عليه ردُّه بدون الطلب؛ فإن النبي - ﷺ - لم يردَّ أبا بصير حين جاءه ولا أكرهه على الرجوع، ولكن لما جاءوا في طلبه مكَّنهم مِن أخذه ولم يُكرهه على الرجوع.
[ ٣ / ٣٦٥ ]
ومنها: أن المعاهدين إذا تسلَّموه وتمكَّنوا منه فقتل أحدًا منهم لم يضمنه بديةٍ ولا قَوَدٍ، ولم يضمنه الإمام، بل يكون حكمه في ذلك حكمَ قتلِه لهم في ديارهم حيث لا حكمَ للإمام عليهم؛ فإن أبا بصير قتل أحد الرجلَين المعاهدَين بذي الحليفة، وهي من حكم المدينة، ولكن كان قد تسلَّموه وفصل عن يد الإمام وحكمه.
ومنها: أن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام، فخرجت منهم طائفة فحاربتهم وغنمت أموالهم، ولم يتحيَّزوا إلى الإمام= لم يجب على الإمام دفعُهم عنهم ومنعهم منهم، وسواءٌ دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه أو لم يدخلوا. والعهد الذي كان بين النبي - ﷺ - وبين المشركين لم يكن عهدًا بين أبي بصير وأصحابه وبينهم.
وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهدٌ جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوَهم ويغنم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد، كما أفتى به شيخ الإسلام في نصارى مَلَطْيَةَ (^١) وسَبْيِهم مستدلًّا بقصة أبي بصير مع المشركين (^٢). والله أعلم (^٣).
فصل
في الإشارة إلى بعض الحكم التي تضمنتها هذه الهدنة
وهي أكبر وأجل من أن يحيط بها إلا الله الذي أحكم أسبابها، فوقعت الغايةُ على الوجه الذي اقتضته حكمته وحمده.
_________________
(١) مدينة قديمة من بلاد الروم مُتاخمة للشام. وهي اليوم مدينة في منطقة الأناضول الشرقية في تركيا.
(٢) انظر: «الاختيارات» للبعلي (ص ٤٥٦).
(٣) «والله أعلم» من ص، ز، د.
[ ٣ / ٣٦٦ ]
فمنها: أنها كانت مقدِّمةً بين يدي الفتح الأعظم الذي أعزَّ الله به رسوله وجنده ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، فكانت هذه الهدنة بابًا له ومفتاحًا ومُؤْذِنًا بين يديه. وهذه عادة الله سبحانه في الأمور العِظام التي يقضيها (^١) شرعًا وقدرًا أن يُوطِّئ لها بين يديها مقدِّماتٍ وتوطئاتٍ تؤذن بها وتدل عليها.
ومنها: أن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح، فإن الناسَ أَمِن بعضهم بعضًا، واختلط المسلمون بالكفار وبادؤُوهم (^٢) بالدعوة وأسمعوهم القرآن وناظروهم على الإسلام جهرةً آمنين، وظهر من كان مختفيًا بالإسلام، ودخل فيه في مدة الهدنة مَن شاء الله أن يدخل؛ ولهذا سمَّاه الله ﴿فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]. قال ابن قتيبة: قضينا لك قضاءً عظيمًا، وقال مجاهد: هو ما قضى الله له بالحديبية (^٣).
وحقيقة الأمر أن الفتح في اللغة: فتحُ المغلق، والصلح الذي حصل مع المشركين (^٤) بالحديبية كان مسدودًا مغلقًا حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صدُّ رسول الله - ﷺ - وأصحابه عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة ضَيمًا وهضمًا للمسلمين وفي الباطن عزًّا ونصرًا وفتحًا، وكان رسول الله - ﷺ - ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم والعز والنصر مِن وراء سترٍ رقيق، وكان
_________________
(١) د، ب، ث: «يقتضيها».
(٢) ز، ب، س، ث: «نادَوهم» بالنون، وفي ص مهمل بلا نقط، والمثبت من د حيث نُقِط بالباء، ورسمه يحتمل: «بادَوهم» بحذف الهمزة تخفيفًا.
(٣) انظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص ٤١٢) و«تفسير الطبري» (٢١/ ٢٣٨)، والمؤلف صادر عن «زاد المسير» (٧/ ٤١٩ - ٤٢٠).
(٤) د: «حصل للمشركين»، تحصيف.
[ ٣ / ٣٦٧ ]
يعطي المشركين كلَّ ما سألوه من الشروط التي لم يحتملها أكثر أصحابه ورؤوسهم، وهو - ﷺ - يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].
وربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سببًا ما مِثلُه سببُ (^١)
فكان يدخل على تلك الشروط دخولَ واثقٍ بنصر الله له وتأييده، وأن العاقبة له، وأن تلك الشروطِ واحتمالَها هو عين النصرة، وهي من أكبر الجند الذي أقامه المشترطون ونصبوه لحربهم وهم لا يشعرون، فذَلُّوا من حيث طلبوا العزَّ، وقُهِروا من حيث أظهروا القدرة والفخر والغلبة، وعزَّ رسولُ الله - ﷺ - وعساكر الإسلام من حيث انكسروا لله واحتملوا الضيم له وفيه؛ فدار الدَّورُ وانعكس الأمر وانقلب العزُّ بالباطل ذلًّا بحقٍّ وانقلبت الكسرة لله عزًّا بالله، وظهرت حكمةُ الله وآياتُه وتصديقُ وعدِه ونَصْرُ رسوله على أتم الوجوه وأكملها التي لا اقتراح للعقول وراءها.
ومنها: ما سبَّبه الله سبحانه للمؤمنين من زيادة الإيمان والإذعان والانقياد على ما أحبُّوا وكرهوا، وما حصل لهم في ذلك من الرضى بقضاء الله وتصديق موعوده وانتظارِ ما وُعِدوا به وشهودِ منة الله عليهم ونعمته بالسكينة التي أنزلها في قلوبهم أحوجَ ما كانوا إليها في تلك الحال التي تَزعزَعُ لها الجبال، فأنزل عليهم من سكينته ما اطمأنت به قلوبهم وقويت به نفوسُهم
_________________
(١) البيت للبُحتُري كما في «البصائر والذخائر» (٦/ ١٩٠) و«أدب الدنيا والدين» (ص ٣١٠) و«التذكرة الحمدونية» (٤/ ٩٧). وقد أنشده المؤلف في مواضع من كتبه، منها: «إغاثة اللهفان» (٢/ ٨١٨) و«طريق الهجرتين» (١/ ٣٤٨).
[ ٣ / ٣٦٨ ]
- تفسير آيات سورة الفتح المتعلقة بالهدنة
وازدادوا به إيمانًا (^١).
ومنها: أنه سبحانه جعل هذا الحكم الذي حكم به لرسوله وللمؤمنين سببًا لما ذكره من المغفرة لرسوله ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، ولإتمام نعمته عليه، ولهدايته الصراط المستقيم، ونصرِه النصرَ العزيز؛ فَرِضاه به ودخولُه تحته، وانشراحُ صدره به مع ما فيه من الضيمِ وإعطاءِ ما سألوه= كان من الأسباب التي نال بها الرسولُ وأصحابه ذلك، ولهذا ذكره الله سبحانه جزاءً وغايةً، وإنما يكون ذلك على فعلٍ قام بالرسول والمؤمنين عند حُكمِه تعالى (^٢) وفتحه.
وتأمل كيف وصف سبحانه النصرَ بأنه عزيز في هذا الموطن، ثم ذكر إنزال السكينة في (^٣) قلوب المؤمنين في هذا الموطن الذي اضطربت فيه القلوب وقلقت أشدَّ القلق، فهي أحوج ما كانت إلى السكينة، فازدادوا بها إيمانًا إلى إيمانهم.
ثم ذكر سبحانه بيعتهم لرسوله وأكَّدها بكونها بيعةً له سبحانه، وأن يده تعالى كانت فوق أيديهم إذ كانت يد رسوله (^٤) كذلك، وهو رسوله ونبيه،
_________________
(١) يشير المؤلف إلى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وسيتناول المؤلف فيما يلي سائر السورة بذكر بعض الحكم والفوائد المستنبطة منها.
(٢) ث: «حكمة الله تعالى»، خطأ.
(٣) قوله: «سبحانه النصرَ السكينة في» جاء في هامش س مصححًا عليه، هامش ز بخط مغاير، ن، وسقط من سائر الأصول.
(٤) ب، ث، س: «رسول الله».
[ ٣ / ٣٦٩ ]
فالعقد معه عقد مع مرسِله وبيعته بيعته، فمن بايعه فكأنما بايع الله ويد الله فوقَ يده. وإذا كان الحجر الأسود يمينَ الله في الأرض، فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه (^١) = فيدُ رسوله أولى بهذا من الحجر الأسود.
ثم أخبر أن ناكث هذه البيعة إنما يعود نكثُه على نفسه، وأن للمُوْفي بها أجرًا عظيمًا، وكلُّ مؤمن فقد بايع الله على لسان رسوله بيعةً على الإيمان (^٢) وحقوقِه، فناكثٌ ومُوفٍ.
ثم ذكر حال من تخلَّف عنه من الأعراب، وظنَّهم أسوأَ الظن بالله أنه يَخذُل رسولَه وأولياءه وجنده، ويُظفِر بهم عدوَّهم فلن ينقلبوا إلى أهليهم. وذلك من جهلهم بالله وأسمائه وصفاته وما يليق به، وجهلِهم برسوله وما هو أهلٌ أن يعامله به ربُّه ومولاه.
ثم أخبر سبحانه عن رضاه عن المؤمنين بدخولهم تحت البيعة (^٣) لرسوله، وأنه سبحانه علم ما في قلوبهم حينئذٍ من الصدق والوفاء وكمالِ الانقياد والطاعة وإيثار اللهِ ورسولِه على ما سواه، فأنزل السكينة والطمأنينة والرضى في قلوبهم، وأثابهم على الرضى بحكمه والصبر لأمره فتحًا قريبًا ومغانمَ كثيرةً يأخذونها، وكان أولُ الفتح والمغانم فتحَ خيبر ومغانمَها، ثم استمرت الفتوح والمغانم إلى انقضاء الدهر.
_________________
(١) صحّ معناه عن ابن عبّاس موقوفًا عليه. أخرجه عبد الرزاق (٨٩٢٠) وابن أبي عمر في «مسنده» ــ كما في «المطالب العالية» (١٢٢٣) ــ والأزرقي في «أخبار مكة» (١/ ٣٢٤، ٣٢٦). وروي مرفوعًا من حديث أبي هريرة عند ابن ماجه (٢٩٥٧)، ومن حديث عبد الله بن عمرو عند الحاكم (١/ ٤٥٧)، ولكنهما ضعيفان.
(٢) ص، ز، د: «بيعةَ الإيمان».
(٣) س، ن: «وقت البيعة»، تصحيف، وفي س أُسقط «بدخولهم» ليستقيم الكلام.
[ ٣ / ٣٧٠ ]
ووعدهم سبحانه مغانم كثيرةً يأخذونها وأخبرهم أنه عجل لهم هذه الغنيمة، وفيها قولان، أحدهما: أنها (^١) الصلح الذي جرى بينهم وبين عدوِّهم، والثاني: أنها فتح خيبر وغنائمها (^٢).
ثم قال: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ [الفتح: ٢٠]، فقيل: أيدي أهل مكة أن يقاتلوهم، وقيل: أيدي اليهود حين هموا بأن يغتالوا مَن بالمدينة بعد خروج رسول الله - ﷺ - بمن معه من الصحابة منها، وقيل: هم أهل خيبر وحلفاؤهم الذين أرادوا نصرتهم من أسد وغطفان؛ والصحيح تناوُل الآية للجميع.
وقوله: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٠]، قيل: هذه الفِعلة التي فعلها بكم وهي كفُّ أيدي أعدائكم عنكم مع كثرتهم، فإنه حينئذ كان أهل مكة ومَن حولها وأهلُ خيبر ومن حولها وأسد وغطفان وجمهور قبائل العرب أعداءً لهم، وهم بينهم كالشامة (^٣)، فلم يصلوا إليهم بسوء مع كثرتهم وشدَّة عداوتهم؛ وتَوَلَّى حراستهم وحفظهم في مشهدهم ومغيبهم.
_________________
(١) س، ث، المطبوع: «أنه».
(٢) الأول روي من طريق العَوفيين عن ابن عباس، والثاني قول مجاهد وقتادة واختاره الطبري وجمهور المفسرين. انظر: «تفسير الطبري» (٢١/ ٢٨٠) و«زاد المسير» (٧/ ٤٣٥).
(٣) «كالشامة» من هامش ز، هامش س، ن. وليس في سائر الأصول. وزِيد في الأخيرين بعدَه: «فمن آيات الله سبحانه كفُّ أيدي أعدائهم عنهم»، وأخشى أن يكون زاده بعض النساخ أو القراء لربط الكلام وإيضاحه، وهو ثابت في الطبعة الهندية أيضًا إلا أنه زِيد قبلَه ــ أي بعد قوله «كالشامة» ــ زيادة أخرى وهي: «فلم يصلوا إليهم بشيء»، وكذا في طبعة الرسالة إلا أن لفظها: « بسوء»، وهو تكرار للكلام الآتي.
[ ٣ / ٣٧١ ]
وقيل: هي فتح خيبر، جعلها آيةً لعباده المؤمنين وعلامةً على ما بعدها من الفتوح، فإن الله وعدهم مغانم كثيرةً وفتوحًا عظيمةً، فعجَّل لهم فتح خيبر وجعلها آيةً لما بعدها وجزاءً لصبرهم ورضاهم يوم الحديبية وشكرانًا، ولهذا خصَّ بها وبغنائمها من شهد الحديبية.
ثم قال: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢٠]، فجمع لهم إلى النصر والظفر والغنائمِ الهدايةَ، فجعلهم مهتدين (^١) منصورين غانمين.
ثم وعدهم مغانمَ وفتوحًا أخرى لم يكونوا ذلك الوقت قادرين عليها، فقيل: هي مكة، وقيل: فارس والروم، وقيل: الفتوح التي بعد خيبر من مشارق الأرض ومغاربها (^٢).
ثم أخبر سبحانه أن الكفار لو قاتلوا أولياءه لولَّى الكفارُ الأدبارَ غيرَ منصورين، وأن هذه سنته في عباده قبلَهم، ولا تبديل لسنته.
فإن قيل: فقد قاتلوهم يوم أُحدٍ وانتصروا عليهم ولم يولُّوا الأدبار؟ قيل: هذا وعد معلَّق بشرطٍ مذكور في غير هذا الموضع، وهو الصبر والتقوى، وفات هذا الشرطُ يومَ أحدٍ بفشلهم المنافي للصبر وتنازعهم وعصيانهم المنافي للتقوى، فصرَفهم عن عدوِّهم (^٣) ولم يحصل الوعدُ لانتفاء شرطه.
_________________
(١) س، ث، المطبوع: «مهديِّين».
(٢) الأول قول قتادة واختاره الطبري، والثاني قول ابن عبّاس والحسن وابن أبي ليلى، والثالث قول مجاهد. وهناك قول رابع: إنها خيبر، قاله الضحاك وابن زيد وابن إسحاق. انظر: «تفسير الطبري» (٢١/ ٢٨٤ - ٢٨٦).
(٣) ث: «عن وعدهم»، تصحيف.
[ ٣ / ٣٧٢ ]
ثم ذكر سبحانه أنه هو الذي كفَّ أيديَ بعضِهم عن بعضٍ من بعد أن أظفر المؤمنين بهم، لِما له في ذلك من الحكم البالغة التي منها: أنه كان فيهم رجال ونساء قد آمنوا وهم يكتمون إيمانهم، لم (^١) يعلم بهم المسلمون، فلو سلَّطكم عليهم لأصبتم أولئك بمَعَرَّة الجيش (^٢)، وكان يصيبكم منهم معرَّةُ العُدوان والإيقاعِ بمن لا يستحق الإيقاع به. وذكر سبحانه حصول المعرة بهم من هؤلاء الضعفاء المستخفِين لأنها موجَب المعرة الواقعة منهم بهم. وأخبر سبحانه أنهم لو زايلوهم وتميَّزوا منهم لعذَّب أعداءَه عذابًا أليمًا في الدنيا، إما بالقتل والأسر وإما بغيره، ولكن دفع عنهم هذا العذاب بوجود هؤلاء المؤمنين بين أظهرهم، كما كان يدفع عنهم عذابَ الاستئصال ورسولُه بين أظهرهم.
ثم أخبر سبحانه عمَّا جعله الكفارُ في قلوبهم من حميَّة الجاهلية التي مصدرها الجهل والظلم، التي لأجلها صدُّوا رسولَه وعباده عن بيته، ولم يقرُّوا بـ «بسم الله الرحمن الرحيم»، ولم يقروا لمحمدٍ بأنه رسول الله مع تحقُّقهم صِدقَه وتيقُّنهم صحةَ رسالته بالبراهين التي شاهدوها وسمعوا بها في مدَّة عشرين سنةً. وأضاف هذا الجعل إليهم وإن كان بقضائه وقدره كما يُضاف إليهم سائرُ أفعالهم التي هي بقدرتهم وإرادتهم.
ثم أخبر سبحانه أنه أنزل في قلب رسوله وأوليائه من السكينة ما هو مقابل لما في قلوب أعدائه من حميَّة الجاهلية، فكانت السكينةُ حظَّ رسوله
_________________
(١) ث: «ولم».
(٢) المعرَّة: الأذى، ومعرَّة الجيش: هو أذاهم لغيرهم بغير حق، كأن ينزلوا بقوم فيأكلوا من زرعهم بغير إذن، أو يقتلوا مَن مرُّوا به من مسلم أو معاهد.
[ ٣ / ٣٧٣ ]
وحزبه وحميةُ الجاهلية حظَّ المشركين وجندِهم، ثم ألزم عباده المؤمنين كلمة التقوى، وهي جنسٌ يعمُّ كلَّ كلمةٍ يتَّقى الله بها، وأعلى نوعها كلمةُ الإخلاص، وقد فسرت ببسم الله الرحمن الرحيم، وهي الكلمة التي أبت قريش أن تلتزمها، فألزمها الله أولياءَه وحزبه، وإنما حرمها أعداءَه صيانةً لها عن غير كُفُوِها، وألزمها من هو أحقُّ بها وأهلها؛ فوضعها في موضعها ولم يُضيعها بوضعها عند غير أهلها، وهو العليم بمحالِّ تخصيصه ومواضعه.
ثم أخبر سبحانه أنه صدق رسوله رؤياه في (^١) دخولهم المسجد الحرام آمنين، وأنه سيكون ولا بد، ولكن لم يكن قد أتى (^٢) وقت ذلك في هذا العام، وأنه سبحانه علم من مصلحة تأخيره إلى وقته ما لم تعلموا أنتم، فأنتم أحببتم استعجالَ ذلك والرب تعالى يعلم من مصلحة التأخير وحكمته ما لم تعلموه، فقدم بين يدي ذلك فتحًا قريبًا توطئةً له وتمهيدًا.
ثم أخبرهم بأنه هو الذي أرسل رسولَه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فقد تكفَّل الله لهذا الأمر بالتمام والإظهار على جميع أديان أهل الأرض، ففي هذا تقوية لقلوبهم وبشارة لهم وتثبيت، وأن يكونوا على ثقةٍ من هذا الوعد الذي لا بد أن يُنجزه، فلا يَظُنُّوا أن ما وقع من الإغماض والقهر يومَ الحديبية نصرةً لعدوه، ولا تخلِّيًا عن رسوله ودينه، كيف وقد أرسله بدينه الحق ووعدَه أن يُظهره على كل دينٍ سواه.
ثم ذكر سبحانه رسوله وحزبه الذين اختارهم له، ومدحهم بأحسن المدح، وذكر صفاتهم في التوراة والإنجيل، فكان في هذا أعظمُ البراهين على
_________________
(١) «في» ليست في ص، د.
(٢) ن، المطبوع: «آن».
[ ٣ / ٣٧٤ ]
صدقِ من جاء بالتوراة والإنجيل والقرآن، وأن هؤلاء هم المذكورون في الكتب المتقدمة بهذه الصفات المشهورة فيهم، لا كما يقول الكفار عنهم: إنهم متغلبون طالبو ملكٍ ودنيا.
ولهذا لمَّا رآهم نصارى الشام وشاهدوا هديَهم وسيرتَهم وعدلَهم وعِلمَهم ورحمتَهم وزهدَهم في الدنيا ورغبتَهم في الآخرة قالوا: ما الذين صحبوا المسيحَ بأفضلَ من هؤلاء، وكان هؤلاء النصارى أعرف بالصحابة وفضلهم من الرافضة أعدائهم، والرافضةُ تصفهم بضدِّ ما وصفهم الله به في هذه الآية وغيرها و﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] (^١).
* * *
_________________
(١) هنا انتهت ما وجد من النسخة العراقية (ع).
[ ٣ / ٣٧٥ ]
سنة سبع
فصل في غزوة خيبر
- منشأ الخلاف بين مالك وابن حزم وبين الجمهور في تاريخ الغزوة
فصل
في غزوة خيبر
قال موسى بن عقبة (^١): ولما قدم رسولُ الله - ﷺ - المدينة من الحديبية مكث بها عشرين ليلةً أو قريبًا منها ثم خرج منها غاديًا (^٢) إلى خيبر، وكان الله ﷿ وعده إياها وهو بالحديبية.
وقال مالك: كان فتح خيبر في السنة السادسة (^٣)، والجمهور على أنها في السابعة. وقد (^٤) قطع أبو محمد بن حزم بأنها كانت في السادسة بلا شك (^٥).
ولعل الخلاف مبني على أول التاريخ هل هو شهر ربيع الأول شهرُ مَقْدَمِه المدينةَ أو من المحرم في أول السنة؟ وللناس في هذا طريقان: فالجمهور على أن التاريخ وقع من المحرم، وأبو محمد بن حزم يرى أنه من شهر ربيع الأول حين قَدِم.
وكان أول من أرخ بالهجرة يعلى بن أمية باليمن كما رواه الإمام أحمد عنه
_________________
(١) كما أسنده عنه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ١٩٤).
(٢) ب، المطبوع: «غازيًا»، وكذا في مطبوعة «الدلائل» خلافًا لمخطوطته. وفي س، ن كُتب بالدال لكنه نُقط من فوق!
(٣) أسنده البيهقي في «السنن» (٦/ ٥٦) و«الدلائل» (٣/ ٣٩٧).
(٤) «قد» ساقطة من ب، س، ث.
(٥) انظر: «جوامع السيرة» (ص ٢١١)، ونصَّ على أنها كانت في المحرَّم «قربَ آخر السنة السادسة».
[ ٣ / ٣٧٦ ]
بإسناد صحيح (^١). وقيل: عمر بن الخطاب سنة ست عشرة من الهجرة (^٢).
وقال ابن إسحاق (^٣): حدثني الزهري عن عروة عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أنهما حدثاه جميعًا، قالا: انصرف رسول الله - ﷺ - عام الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة فأعطاه الله ﷿ فيها خيبر: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠] خيبر، فقَدِم رسول الله - ﷺ - المدينة في ذي الحجة فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم، فنزل رسول الله - ﷺ - بالرَّجِيع ــ وادٍ بين خيبر وغطفان (^٤) ــ فتخوَّف أن تُمِدَّهم غطفان، فبات به حتى أصبح فغدا إليهم. انتهى.
واستخلف على المدينة سِباع بن عُرفُطة (^٥)، وقدم أبو هريرة حينئذٍ المدينةَ فوافى سباع بن عرفطة في صلاة الصبح فسمعه يقرأ في الركعة الأولى:
_________________
(١) رواية أحمد لم أجدها في كتبه المطبوعة، وقد أخرجها من طريقه الطبري في «تاريخه» (٢/ ١١٢) والحاكم (٣/ ٤٢٤) وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/ ٤٠). قال ابن حجر: إسناده صحيح لكن فيه انقطاع بين عمرو بن دينار ويعلى. «الفتح» (٧/ ٢٦٨).
(٢) قاله ابن المسيب. انظر: «التاريخ الكبير» للبخاري (١/ ٩) و«مستدرك الحاكم» (٣/ ١٤) و«مسند الفاروق» لابن كثير (١/ ٤٤٥ - ٤٤٧).
(٣) كما أسنده عنه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ١٩٧).
(٤) هذا الرجيع غير الماء الذي قتل فيه أصحاب سرية الرجيع، فذاك عند عُسفان، وظاهر هذا أنه شمال شرقيِّ المدينة بين خيبر وبلاد غطفان. وقال عاتق: أما ذكر «الرجيع» هنا فأراه مُقحمًا أو محرَّفًا. «معجم المعالم في السيرة» (ص ٢١١).
(٥) ص، س: «سباع بن أبي عرفطة» بزيادة «أبي» لحقًا في الهامش. وهو خطأ.
[ ٣ / ٣٧٧ ]
(كهيعص) وفي الثانية: (ويل للمطففين)، فقال في صلاته (^١): «ويل لأبي فلان؛ له مِكيالان: إذا اكتال اكتال بالوافي، وإذا كال كال بالناقص»، فلما فرغ من صلاته أتى سِباعًا فزوَّده حتى قدم على رسول الله - ﷺ -، فكلَّم المسلمين فأشركوه وأصحابه في سُهمانهم (^٢) (^٣).
وقال سلمة بن الأكوع: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى خيبر فسرنا ليلًا فقال رجل من القوم لعامر (^٤) بن الأكوع: ألا تُسمعنا من هُنيهاتك؟ وكان عامر رجلًا شاعرًا، فنزل يحدو بالقوم يقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدَّقنا ولا صلَّينا
فاغفر فداءً لك ما اقتفينا وثبِّت الأقدامَ إن لاقَينا
وأنزلن سكينةً علينا إنا إذا صِيح بنا أتينا
وبالصياح عوَّلُوا علينا وإن أرادوا فتنةً أبينا (^٥)
فقال رسول الله - ﷺ -: «من هذا السائق؟» قالوا: عامر. فقال: «﵀»، فقال رجل من القوم: وجبت يا رسول الله، لولا أمتعتنا به!
_________________
(١) أي: وهو يحدِّث نفسه.
(٢) د، ب: «سِهامهم».
(٣) أخرجه أحمد (٨٥٥٢) وابن حبان (٧١٥٦) والحاكم (٢/ ٣٣) والبيهقي في «الدلائل» من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح.
(٤) ص، ز، د: «لسلمة»، خطأ.
(٥) هذا العَجُز لم يُذكر في هذا الحديث. وإنما ورد في أبيات عبد الله بن رواحة التي كان النبي - ﷺ - يرتجز بها وهو ينقل من تراب الخندق في غزوة الأحزاب. وصدره: «إن الأُلى قد بغَوا علينا». أخرجه البخاري (٢٨٣٧) ومسلم (١٨٠٣) من حديث البراء.
[ ٣ / ٣٧٨ ]
- حديث سلمة في محاصرة خيبر وتحريم الحمر الإنسية واستشهاد عامر بن الأكوع بسيف نفسه
قال: فأتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة، ثم إن الله تعالى فتحها عليهم، فلما أمسَوا أَوقدوا نيرانًا كثيرةً فقال رسول الله - ﷺ -: «ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون؟» قالوا: على لحم، قال: «على أي لحم؟» قالوا: لحم حمر إنسية، فقال رسول الله - ﷺ -: «أَهْرِيقوها واكسروها»، فقال رجل: أو نُهَريقها ونغسلها؟ فقال: «أو ذاك».
فلما تصافَّ القومُ خرج مرحب يَخطِر بنفسه (^١) وهو يقول:
قد علمت خيبرُ أني مرحبُ شاكي السلاح بطل مجرَّبُ
إذا الحروبُ أقبلت تلهَّب
فنزل (^٢) إليه عامر وهو يقول:
قد علمت خيبر أني عامرُ شاكي السلاح بطل مُغامِرُ
فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في تُرس عامر فذهب عامر يَسْفُل له ــ وكان سيف عامر فيه قِصَر ــ فرجع عليه ذبُاب سيفه فأصاب عينَ ركبته فمات منه، فقال سلمة للنبي - ﷺ -: زعموا أن عامرًا حبط عمله. فقال: «كذب من قال! له أجران ــ وجمع بين أصبعيه ــ؛ إنه لجاهِدٌ مجاهد، قلَّ عربيٌّ مشى بها مثلَه» (^٣).
_________________
(١) كذا في الأصول. وفي المطبوع: «بسيفه»، وهو لفظ «الصحيحين» وغيرهما. ومعنى «يخطِر»: يتبختر معجَبًا بنفسه متعرِّضًا للمبارزة.
(٢) س، ن: «فبرز».
(٣) أخرجه البخاري (٤١٩٦، ٦١٤٨) ومسلم (١٨٠٢/ ١٢٣) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٠٠) ــ والمؤلف صادر عنه ــ من حديث سلمة بن الأكوع بطوله، إلا ذكر مرحبٍ وارتجازه وارتجاز عامرٍ فإنه عند مسلم (١٨٠٧/ ١٣٢) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٠٧) من حديث سلمة أيضًا.
[ ٣ / ٣٧٩ ]
فصل: مباغتة النبي - ﷺ - أهل خيبر صباحا
فصل
ولما قدم رسول الله - ﷺ - خيبرَ صلى بها الصبح وركب (^١) وركب المسلمون، فخرج أهلُ خيبرَ بمساحيهم ومَكاتِلهم ولا يشعرون بل خرجوا لأرضهم، فلما رأوا الجيش قالوا: محمد والله! محمد والخميس! ثم رجعوا هاربين إلى مدينتهم (^٢)، فقال النبي - ﷺ -: «الله أكبر خربت خيبر! الله أكبر خربت خيبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحُ المنذرين» (^٣).
ولما دنا النبي - ﷺ - منها وأشرف عليها قال: «قِفُوا»، فوقف الجيش فقال: «اللهم ربَّ السماوات السبع وما أظللن، وربَّ الأرضينَ السبعِ وما أقللن، وربَّ الشياطينِ وما أضللن، فإنا نسألك (^٤) خيرَ هذه القرية وخيرَ أهلها وخيرَ ما فيها، ونعوذ بك من شرِّ هذه القرية وشرِّ أهلها وشرِّ ما فيها. أقدموا بسم الله» (^٥).
_________________
(١) «وركب» سقط من ب، المطبوع.
(٢) د: «مدخلهم»، تصحيف. المطبوع: «حصونهم» خلافًا للأصول ولمصدر التخريج.
(٣) أخرجه البخاري (٦١٠) ومسلم (١٣٦٥/ ٨٤) (ج ٢/ص ١٠٤٣) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٠٢ - ٢٠٣) واللفظ له.
(٤) من هنا تبدأ نسخة القرويين الثانية (ف) بخط ناسخها، وتبدأ مقابلتنا عليها. وما قبله فكان بخط حديث كثير التصحيف والتحريف.
(٥) أخرجه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٢٩) ــ والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٠٤)، وإسناده ضعيف. وذكر الواقدي (٢/ ٦٤٢) عن شيوخه نحوه. وله شاهد جيد من حديث صهيب: «أن النبي - ﷺ - لم يَرَ قريةً يريد دخولها إلا قال حين يراها » فذكره وزاد فيه: «وربَّ الرياح وما ذَرَين». وقد سبق تخريجه في «فصل في هديه - ﷺ - في سفره» (١/ ٥٨٨).
[ ٣ / ٣٨٠ ]
- إعطاء النبي - ﷺ الراية عليا ليفتح الله خيبر على يديه
ولما كان ليلة الدخول قال: «لأعطين هذه الراية غدًا رجلًا يحبُّ اللهَ ورسولَه ويحبه اللهُ ورسولهُ، يفتح الله على يديه»، فبات الناس يَدُوكون أيهم يُعطاها، فلما أصبح الناسُ غدَوا على رسول الله - ﷺ - كلُّهم يرجو أن يعطاها فقال: «أين علي بن أبي طالب؟» فقالوا: يا رسول الله هو يشتكي عينيه، قال: «فأرسِلوا إليه»، فأتي به فبصق رسول الله - ﷺ - في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: «انفُذْ على رِسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبِرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فواللهِ لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْرُ النَّعَم» (^١).
فخرج مرحب وهو يقول:
أنا الذي سمَّتْني أمي مرحبُ شاكي السلاح بطل مجرَّب
إذا الحروب أقبلت تلهَّبُ
فبرز إليه علي وهو يقول:
أنا الذي سمتني أمي حيدرَه كليثِ غاباتٍ كريه المنظره
أُوفيهم بالصاع كَيلَ السندره (^٢)
فضرب مرحبًا ففلق هامته، وكان الفتح (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٧٠١، ٤٢١٠) ومسلم (٢٤٠٦) من حديث سهل بن سعدٍ - ﵁ -.
(٢) السندرة مِكيال واسع ضخم، والمعنى أجازي الأعداء على فعلهم بقتلٍ واسع ذريع.
(٣) أخرجه مسلم (١٨٠٧/ ١٣٢) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٠٩).
[ ٣ / ٣٨١ ]
- مقتل مرحب والخلاف في قاتله
ولما دنا عليٌّ مِن حصونهم اطلَّع يهودي من رأس الحِصن فقال: مَن أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، فقال اليهودي: علوتم وما أُنزِل على موسى (^١)!
هكذا في «صحيح مسلم» أن علي بن أبي طالب هو الذي قتل مرحبًا. وقال موسى بن عقبة عن الزهري؛ وأبو الأسود (^٢) عن عروة؛ ويونسُ بن بكير عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن سهل أحد بني حارثة عن جابر بن عبد الله: أن محمد بن مسلمة هو الذي قتله (^٣).
قال جابر في حديثه: خرج مرحب اليهوديُّ من حصن خيبرَ قد جمع سلاحَه وهو يرتجز ويقول: من يبارز؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «من لهذا؟» فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، أنا واللهِ الموتور الثائر، قتلوا أخي بالأمس ــ يعني محمود بن مسلمة، وكان قُتل بخيبر ــ فقال: «قم إليه، اللهم أعِنْه عليه»، فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة، فجعل كلٌّ منهما يلوذ من صاحبه بها، كلما لاذ بها أحدهما اقتطع بسيفه ما دونه، حتى
_________________
(١) أسنده ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٣٤) ــ عن سلمة بن الأكوع بإسناد فيه لين.
(٢) المطبوع: «وأبي الأسود»، خطأ مخالف للأصول، فأبوا الأسود معطوف على موسى بن عقبة لا على الزهري.
(٣) الروايات الثلاث ــ رواية موسى بن عقبة عن الزهري، ورواية أبي الأسود عن عروة، ورواية ابن إسحاق بإسناده عن جابر ــ أخرجها البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢١٤ - ٢١٥). ورواية ابن إسحاق أخرجها أيضًا ابن هشام (٢/ ٣٣٣) وأحمد (١٥١٣٤) والحاكم (٣/ ٤٣٦)، وإسناده حسن.
[ ٣ / ٣٨٢ ]
برز كل واحد منهما لصاحبه وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فَنَن (^١)، ثم حمل على محمدٍ فضربه فاتَّقاه بالدَّرَقة، فوقع سيفه فيها فعضَّت به وضربه محمد بن مسلمة فقتله.
وكذلك قال سلمة بن سلامة ومُجمِّع بن جارية (^٢): إن محمد بن مسلمة قتل مرحبًا (^٣).
قال الواقدي (^٤): وقيل: إن محمد بن مسلمة ضرب ساقَي مرحب فقطعهما فقال مرحب: أَجهِزْ عليَّ يا محمد، فقال محمد: «ذُق الموت كما ذاقه أخي محمود» وجاوزه، ومرَّ به عليٌّ فضرب عنقه وأخذ سَلَبه، فاختصما إلى رسول الله - ﷺ - في سلبه، فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله، ما قطعتُ رجليه ثم تركته إلا ليذوقَ الموت وكنت قادرًا أن أُجهز عليه، فقال علي: صدق، ضربتُ عنقه بعد أن قطع رجليه، فأعطى رسول الله - ﷺ - محمد بن مسلمة سيفه ورمحه ومغفره وبيضته، وكان عند آل محمد بن مسلمة سيفُه، فيه كتاب لا يُدرى ما فيه حتى قرأه يهودي فإذا فيه:
هذا سيفُ مرحبْ من يذُقْه يَعطَبْ
_________________
(١) الفَنَن: الغصن، ويجمع على «أفنان».
(٢) في الأصول عدا س: «حارثة»، تصحيف، وكذا في المطبوع. وهو وسلمة بن سلامة صحابيان أنصاريان.
(٣) أخرجه الواقدي في «مغازيه» (٢/ ٦٥٦ - ٦٥٧) ومن طريقه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢١٦).
(٤) في «مغازيه» (٢/ ٦٥٦)، ونقله البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢١٦) وعنه صدر المؤلف.
[ ٣ / ٣٨٣ ]
- دخول اليهود حصن «القموص» المنيع
ثم خرج ياسر (^١)، فبرز إليه الزبير، فقالت صفية أمُّه: يا رسول الله، يقتل ابني! فقال: «بل ابنكِ يقتله إن شاء الله»، فقتله الزبير (^٢).
قال موسى بن عقبة (^٣): ثم دخل اليهود حصنًا لهم منيعًا يقال له: «القَمُوص»، فحاصرهم رسول الله - ﷺ - قريبًا من عشرين ليلةً، وكانت أرضًا وَخِمةً شديدةَ الحرِّ فجَهَد المسلمون جَهدًا شديدًا فذبحوا الحمرَ فنهاهم النبي - ﷺ - عن أكلها. وجاء عبدٌ أسود حبشي من أهل خيبر كان في غنمٍ لسيِّده فلما رأى أهل خيبر قد أخذوا السلاح سألهم: ما تريدون؟ قالوا: نقاتل هذا الذي يزعم أنه نبي فوقع في نفسه ذكرُ النبي - ﷺ - فأقبل بغنمه إلى رسول الله - ﷺ - فقال: ماذا تقول وما تدعو إليه؟ قال: «أدعو إلى الإسلام، وأن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن لا تعبد إلا الله». قال العبد: فما لي إن أنا شهدت وآمنت بالله ﷿؟ قال: «لك الجنة إن متَّ على ذلك»، فأسلَم ثم قال: يا نبي الله، إن هذه الغنم عندي أمانة، فقال له رسول الله - ﷺ -: «أخرجها من عندك وارمها بالحصباء، فإن الله سيؤدي عنك أمانتك»، ففعل فرجعت الغنم إلى سيدها فعلم اليهودي أن غلامه قد أسلم، فقام رسول الله - ﷺ - في
_________________
(١) المطبوع: «ثم خرج [بعد مرحب أخوه] ياسر». هكذا زيدت هذه الزيادة بين الحاصرتين دون أي تنبيه أو تعليق. وهي مأخوذة من «سيرة ابن هشام».
(٢) ذكره ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٣٤) ــ عن هشام بن عروة مرسلًا. والمؤلف صادر عن «الدلائل» (٤/ ٢١٧). وانظر: «مغازي الواقدي» (٢/ ٦٥٧).
(٣) كما في «دلائل النبوة» (٤/ ٢١٩)، وذكر أن ابن لَهِيعة روى عن أبي الأسود عن عروة بنحوه. وله شاهد من حديث جابر عند الحاكم (٢/ ١٣٦) وعنه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٢١) بإسناد فيه لين.
[ ٣ / ٣٨٤ ]
الناس فوعظهم وحضَّهم (^١) على الجهاد، فلما التقى المسلمون واليهود قُتِل فيمن قتل: العبد الأسود، فاحتمله المسلمون إلى عسكرهم (^٢) فأُدخِل في الفسطاط، فزعموا أن رسول الله - ﷺ - اطلع في الفسطاط ثم أقبل على أصحابه فقال: «لقد أكرم الله هذا العبد وساقه إلى خير، ولقد رأيتُ عند رأسه اثنتين من الحور العين»، ولم يُصَلِّ للهِ سجدةً قط.
وقال حماد بن سلمة: عن ثابت عن أنس: أتى رسول الله - ﷺ - رجل فقال: يا رسول الله، إني رجل أسود اللَّون قبيحُ الوجه منتنُ الريح لا مال لي، فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل أدخل الجنة؟ قال: «نعم». فتقدَّم فقاتلَ حتى قُتِل فأتى عليه النبي - ﷺ - وهو مقتول فقال: «لقد أحسن الله وجهَك وطيَّب ريحَك وكثَّر مالك». ثم قال: «لقد رأيت زوجتيه من الحور العين تنزعان جبته عنه تدخلان فيما بين جلده وجبته» (^٣).
وقال شداد بن الهاد: جاء رجل من الأعراب إلى النبي - ﷺ - فآمن به واتبعه فقال: أهاجر معك، فأوصى به بعضَ أصحابه، فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله - ﷺ - شيئًا فقَسَمه، وقسم للأعرابي فأعطى أصحابه ما قسمه له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا؟ قالوا: قَسَم لك (^٤) رسولُ الله - ﷺ -، فأخذه فجاء به إلى النبي - ﷺ - فقال: ما هذا يا رسول الله؟ قال:
_________________
(١) في الأصول عدا ث: «وحظَّهم».
(٢) ن، المطبوع: «معسكرهم».
(٣) أخرجه الحاكم (٢/ ٩٣) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٢١) ــ واللفظ له ــ من طريقين عن حماد بن سلمة به. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
(٤) ز، س، ن: «قَسمٌ قسمه لك». وكذا في «الدلائل» وغيره.
[ ٣ / ٣٨٥ ]
- تحولهم إلى قلعة «الزبير»، وافتتاح المسلمين إياه
«قسم قسمته لك»، قال: ما على هذا اتبعتُك، ولكن اتبعتك على أن أُرمى هاهنا ــ وأشار إلى حلقه ــ بسهم فأموتَ فأدخل الجنة، فقال: «إن تصدُقِ اللهَ يَصدُقْكَ»، ثم نهض (^١) إلى قتال العدو، فأُتي به إلى النبي - ﷺ - (^٢) وهو مقتول فقال: «هو هو؟» قالوا: نعم، قال: «صدق الله فصدقه»، فكفنه النبي - ﷺ - في جبته ثم قدَّمه فصلى عليه، وكان من دعائه له: «اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك قُتل شهيدًا وأنا عليه شهيد» (^٣).
قال الواقدي (^٤): وتحولت اليهود إلى قلعة الزُّبَير حصنٍ منيع في رأس قُلَّة، فأقام عليه رسول الله - ﷺ - ثلاثة أيام، فجاء رجل من اليهود يقال له: عزَّال (^٥) فقال: يا أبا القاسم، إنك لو أقمت شهرًا ما بالَوا؛ إن لهم شِرْبًا وعيونًا (^٦) تحت الأرض يخرجون بالليل فيشربون منها ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك، فإن قطعت شِرْبهم (^٧) عليهم أصحروا لك، فسار
_________________
(١) س، ن: «نهضوا». وكذا في «الدلائل» وغيره.
(٢) س، ن: «فأُتي به النبيُّ - ﷺ -».
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٦٦٥١) والنسائي (١٩٥٣) والحاكم (٣/ ٥٩٥) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٢٢) بإسناد صحيح.
(٤) «المغازي» (٢/ ٦٦٦)، والمؤلف صادر عن «الدلائل» (٤/ ٢٢٤).
(٥) كذا مضبوطًا بتشديد الزاء في ز، س. وهو بالعين المهملة في عامّة الأصول، وكذا في مخطوطة «الدلائل» (نسخة كوبريلي). وفي ف، ن: «غزال» بالْغَين المعجمة، وكذا في مطبوعة «مغازي الواقدي» و«الدلائل».
(٦) هكذا في جميع الأصول، إلا أنه في س ضرب عليه وكتب: «إن لهم دبولًا» ليجعله موافقًا لما في «دلائل النبوة». والدُّبُول جمع دَبْل، وهو جدول الماء.
(٧) س، ن، المطبوع: «مشربهم».
[ ٣ / ٣٨٦ ]
- توجه النبي - ﷺ - إلى حصون الكتيبة والوطيح والسلالم
رسول الله - ﷺ - إلى مائهم فقطعه عليهم، فلما قُطِع عليهم خرجوا فقاتلوا أشد القتال وقُتِل من المسلمين نفر وأُصِيب من اليهود نحو العشرة، وافتتحه رسول الله - ﷺ - ثم تحوَّل رسولُ الله - ﷺ - إلى أهل الكَتِيبة (^١)
والوَطِيح (^٢) والسُّلالِم حصنِ ابن أبي الحُقَيق، فتحصَّن أهله أشد التحصُّن وجاءهم كل مَن (^٣) كان انهزم من النَّطاة والشِّق؛ فإن خيبر كانت جانبين، الجانب الأول: الشِّق والنَّطاة وهو الذي افتتحه أولًا، والجانب الثاني: الكتيبة والوطيح والسُّلالم.
فجعلوا لا يخرجون من حصونهم حتى همَّ رسولُ الله - ﷺ - أن ينصب عليهم المَنجَنيق، فلما أيقنوا بالهلكة وقد حصرهم رسولُ الله - ﷺ - أربعة عشر يومًا سألوا رسول الله - ﷺ - الصلح وأرسل ابن أبي الحُقَيق إلى رسول الله - ﷺ -: أنزل فأكلمك؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «نعم»، فنزل ابن أبي الحُقَيق فصالح رسولَ الله - ﷺ - على حقن دماء مَن في حصونهم من المقاتلة وترك الذرية لهم،
_________________
(١) كذا بالتاء المثناة في ب، ز، ن. وفي س، د: «الكثيبة» بالثاء المثلثة. وكلٌّ قد قيل، وعلى الأول اختُلف في ضبطه على وجهين: مكبَّرًا كما أُثبت ومصغّرًا «الكُتَيبة». انظر: «النهاية في غريب الأثر» (كتب) و«معجم البلدان» لياقوت (٤/ ٤٣٧) ..
(٢) واو العطف من ن ــ وهي ثابتة في «مغازي الواقدي» و«الدلائل» ــ وسقطت من سائر الأصول، فيكون السياق: «إلى أهل الكتيبة: الوطيح والسلالم»، وله وجه، فقد ذكر بعض أهل المغازي ــ كابن سعد في «الطبقات» (٢/ ١٠١) ــ أن «الكتيبة» ليس حصنًا بعينه، وإنما اسم لمجموعة حصون وهي: القموص والوطيح والسلالم؛ والقموص سبق ذكرُ فتحه، فبقي من حصون الكتيبة: الوطيح والسلالم. وخالف في ذلك آخرون فجعلوا «الكتيبة» حصنًا من حصون خيبر السبعة، وهو مقتضى كلام المؤلف الآتي قريبًا. وانظر: «معجم البلدان» (٢/ ٤٠٩).
(٣) ز، س: «كل فَلٍّ»، وكذا في الواقدي و«الدلائل». وفَلُّ القوم: منهزموهم.
[ ٣ / ٣٨٧ ]
- مصالحة ابن أبي الحقيق النبي - ﷺ - على أن يجلوا منها
- قتل النبي - ﷺ - ابني أبي الحقيق لنكثهما شرط الصلح
ويَخرُجون من خيبر وأرضها بذراريِّهم ويخلُّون بين رسول الله - ﷺ - وبين ما كان لهم من مال وأرض، وعلى الصفراء والبيضاء والكُراع والحلقة إلا ثوبًا على ظهر إنسان، فقال رسول الله - ﷺ -: «وبرئت منكم ذمةُ الله وذمةُ رسوله إن كتمتموني شيئًا»، فصالحوه على ذلك.
قال حماد بن سلمة: أخبرنا عبيدُ الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم فغلب على الزرع والأرض والنخل، فصالحوه على أن يَجلُوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله - ﷺ - الصفراءُ والبيضاء، واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيِّبُوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمةَ لهم ولا عهد، فغيَّبوا مَسْكًا فيه مال وحُليٌّ لحُيَيِّ بن أخطب ــ كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير (^١) ــ فقال رسول الله - ﷺ - لعمِّ حُيي بن أخطب: «ما فعل مَسْكُ حيي الذي جاء به من النضير؟» قال: أذهبته النفقاتُ والحروب، قال: «العهد قريب والمال أكثرُ من ذلك»، فدفعه رسول الله إلى الزُّبَير فمسَّه بعذاب ــ وقد كان قبل ذلك دخل خَربةً ــ فقال: قد رأيتُ حُيَيًّا يطوف في خَربةٍ هاهنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة، فقتل رسولُ الله - ﷺ - ابنَي أبي الحقيق، وأحدهما زوجُ صفيةَ بنتِ حيي بن أخطب، وسبى رسولُ الله - ﷺ - نساءَهم وذراريَّهم وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا، وأراد أن يُجليهم منها فقالوا: يا محمد، دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها فنحن أعلم بها منكم، ولم يكن لرسول الله - ﷺ - ولا لأصحابه غِلمانٌ يقومون عليها وكانوا لا يفرغون يقومون عليها،
_________________
(١) في الأصول عدا ب، س: «النظير»، وكذا في الموضع الآتي.
[ ٣ / ٣٨٨ ]
فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر مِن كلِّ زرعٍ وكلِّ ثمرٍ (^١) ما بدا لرسول الله - ﷺ - أن يُقرَّهم، وكان عبد الله بن رواحة يَخرُصه عليهم كما تقدم (^٢) (^٣).
ولم يقتل رسول الله - ﷺ - بعد الصلح (^٤) إلا ابنَي أبي الحقيق للنكث الذي نكثوا، فإنهم شرطوا أنَّهم إن غيبوا أو كتموا فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله، فغيبوا فقال لهم: «أين المال الذي خرجتم به من المدينة حين أجلَيناكم؟» (^٥) قالوا: ذهبَ. وحلفوا على ذلك، فاعترف ابن عمِّ كنانة عليهما بالمال حين (^٦) دفعه رسول الله - ﷺ - إلى الزبير فعذَّبه (^٧)، فدفع رسول الله - ﷺ - كنانة إلى محمد بن مسلمة فقتله، ويقال: إن كنانة هو كان قتل أخاه محمود بن مسلمة.
_________________
(١) س: «ومن كلّ ثمر».
(٢) انظر (ص ١٧٥).
(٣) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٢/ ١٠٤) وأبو داود (٣٠٠٦) وابن حبان (٥١٩٩) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٢٩) من طرق عن حماد بن سلمة به. وإسناده جيد .. ولفظ ابن سعد وأبي داود مختصر.
(٤) «بعد الصلح» ساقط من ص، د.
(٥) هذا لفظ مغازي عروة من رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عنه. أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٣١ - ٢٣٣)، ويشهد له حديث ابن عمر السابق. وما سيأتي إلى آخر الفصل فهو من مغازي عروة أيضًا باختصار وتصرف.
(٦) س، ث: «حتى»، تصحيف. وكذا كان في ن ثم أصلحه بعضهم.
(٧) زِيد بعده في هامش س مصححًا عليه، ن: «فدلَّهم عليه»، ولعله زِيد ليستقيم الكلام بعد أن تصحَّفت «حين» إلى «حتَّى».
[ ٣ / ٣٨٩ ]
- سبي النبي - ﷺ - صفية ثم تزوجه إياها
وسبى رسولُ الله - ﷺ - صفية بنت حيي بن أخطب وابنة عمِّها (^١)، وكانت صفية تحت كنانة بن أبي الحقيق وكانت عَروسًا حديثة عهدٍ بالدخول، فأمر بلالًا أن يذهب بها إلى رحله، فمرَّ بها بلال وسط القتلى، فكره ذلك رسول الله - ﷺ - وقال: «أذهبت الرحمةُ منك يا بلال؟!» (^٢).
وعرض عليها رسولُ الله - ﷺ - الإسلام فأسلمت، فاصطفاها لنفسه وأعتقها وجعل عِتقها صداقَها، وبنى بها في الطريق وأولم عليها. ورأى بوجهها خُضرةً فقال: «ما هذا؟» قالت: يا رسول الله، رأيتُ قبل قدومك علينا كأن القمر زال من مكانه فسقط في حجري ــ ولا واللهِ ما أذكر من شأنك شيئًا ــ فقصصتُها على زوجي فلطم وجهي وقال: تَمَنَّينَ هذا المَلِك الذي بالمدينة؟! (^٣).
وشكَّ الصحابة هل اتخذها سُرِّيَّةً أو زوجةً؟ فقالوا: انظروا إن حجبها فهي إحدى نسائه وإلا فهي مما ملكت يمينه، فلما ركب جعل ثوبه الذي ارتدى به على ظهرها ووجهها ثم شدَّ طرفه تحته، فتأخروا عنه في المسير وعلموا أنها إحدى نسائه (^٤).
ولما قدَّم فخذه ليحملها على الرحل أجلَّت أن تضع قدمها على فخذه
_________________
(١) «وابنة عمها» من ز، ف، ن، وسقط من سائر الأصول. وفي المطبوع: «وابنة عمتها».
(٢) روي عن عروة في مغازيه مرسلًا، وقد سبق تخريجه آنفًا.
(٣) ذكره عروة، وله شاهد من حديث ابن عمر عند ابن حبان (٥١٩٩) والطبراني في «الكبير» (٢٤/ ٦٧) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٣٠) بإسناد جيد.
(٤) ذكره عروة في مغازيه، وله شاهد من حديث أنس عند البخاري (٤٢١٣) ومسلم (١٣٦٥/ ٨٧) بنحوه.
[ ٣ / ٣٩٠ ]
فصل: قسمة أراضي خيبر وغنائمها، وبيان أن جميعها فتحت عنوة
فوضعت ركبتها على فخذه ثم ركبت (^١).
ولما بنى بها بات أبو أيوب ليلته قائمًا قريبًا من قبته آخذًا بقائم السيف حتى أصبح، فلما رأى رسولَ الله - ﷺ - كبَّر أبو أيوب حين رآه قد خرج، فسأله رسول الله - ﷺ -: «ما لك يا أبا أيوب؟» قال له: أَرِقتُ ليلتي هذه يا رسول الله، لما دخلتَ بهذه المرأة ذكرتُ أنك قتلتَ أباها وأخاها وزوجها وعامة عشيرتها فخفت أن تغتالك، فضحك رسول الله - ﷺ - وقال له معروفًا.
فصل
وقسم خيبر على ستة وثلاثين سهمًا، جمع كلُّ سهم مائة سهم (^٢)، وكان لرسول الله - ﷺ - وللمسلمين النصف من ذلك وهو ألف وثمانمائة سهم، لرسول الله - ﷺ - سهم كسهم أحد المسلمين، وعزل النصف الآخر وهو ألف وثمانمائة لنوائبه وما ينزل به من أمور المسلمين (^٣).
قال البيهقي (^٤): وهذا لأن خيبر فُتح شطرها عنوةً وشطرها صلحًا، فقسم ما فتح عنوةً بين أهل الخمس والغانمين، وعزل ما فتح صلحًا لنوائبه وما يحتاج إليه في أمور المسلمين.
_________________
(١) كذا في مغازي عروة، والذي عند البخاري (٢٢٣٥) من حديث أنس أنها وضعت رجلها على ركبته - ﷺ - حتى تركب.
(٢) بعده في هامش س بخط مغاير مصححًا عليه، ن، المطبوع: «فكانت ثلاثة آلاف وستمائة سهم».
(٣) أخرجه أحمد (١٦٤١٧) وأبو داود (٣٠١٢) والبيهقي في «السنن» (٩/ ١٣٨) عن بشير بن يسار عن رجال من أصحاب النبي - ﷺ -. وإسناده صحيح.
(٤) في «الدلائل» (٤/ ٢٣٦).
[ ٣ / ٣٩١ ]
قلت: وهذا بناء منه على أصل الشافعي أنه يجب قَسْم الأرض المفتتحة عنوةً كما تُقسَم سائر المغانم، فلما لم يجده قَسَم النصفَ (^١) من خيبر قال: إنه فتح صلحًا. ومن تأمل السير والمغازي حقَّ التأمُّل تبين له أن خيبر إنما فتحت عنوةً وأن رسول الله - ﷺ - استولى على أرضها كلِّها بالسيف عنوةً ولو فُتح شيء منها صلحًا لم يُجْلِهم رسولُ الله - ﷺ - منها، فإنه لما عزم على إخراجهم منها قالوا: نحن أعلم [بالأرض] (^٢) منكم، دعونا نكون (^٣) فيها ونَعمُرَها لكم بشطر ما يخرج منها. وهذا صريح جدًّا في أنها إنما فتحت عنوةً وقد حصل بين المسلمين واليهود بها من الحِراب والمبارزة والقتل من الفريقين ما هو معلوم، ولكن لمّا أُلجئوا إلى حصنهم نزلوا على الصلح الذي بذلوه: أن لرسول الله - ﷺ - الصفراء والبيضاء والحلقة والسلاح، ولهم رقابهم وذريتهم ويَجلُوا من الأرض؛ فهذا كان الصلح، ولم يقع بينهم صلحٌ أن شيئًا من أرض خيبر لليهود ولا جرى ذلك البتة، ولو كان كذلك لم يقل: «نُقِرُّكم ما شئنا» (^٤) فكيف يقرُّهم في أرضهم ما شاء؟ ولا كان عمر أجلاهم كلَّهم من الأرض ولم يصالحهم أيضًا على أن الأرض للمسلمين وعليها خراج يؤخذ منهم (^٥)، هذا لم يقع فإنه لم يَضرب على خيبر خراجًا البتة.
فالصواب الذي لا شك فيه أنها فُتحت عنوةً والإمام مخيَّرٌ في أرض
_________________
(١) هامش س، ن: «الشطر».
(٢) ساقط من عامة الأصول، إنما تفرّدت به ن، وفي ث: «بها». والمثبت موافق لحديث ابن عباس عند أبي داود (٣٤١٠) وابن ماجه (١٨٢٠) وغيرهما.
(٣) ص، ز، د: «نكُن».
(٤) أخرجه البخاري (٢٣٣٨) ومسلم (١٥٥١/ ٦) من حديث ابن عمر.
(٥) انظر حديث ابن عمر السابق.
[ ٣ / ٣٩٢ ]
العنوة بين قَسمها ووقفها وقسمِ بعضها ووقف البعض، وقد فعل رسول الله - ﷺ - الأنواع الثلاثة: فقسم قريظة والنضير، ولم يقسم مكة، وقسم شطر خيبر وترك شطرها، وقد تقدَّم تقرير كون مكة فتحت عنوةً بما لا مدفع له.
وإنما قسمت على ألف وثمانمائة سهم لأنها كانت طعمةً من الله لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب، وكانوا ألفًا وأربعمائةٍ، وكان معهم مائتا فرس لكل فرس سهمان، فقسمت على ألف وثمانمائة. ولم يَغِب عن خيبر من أهل الحديبية إلا جابر بن عبد الله، فقسم له رسول الله - ﷺ - كسهم (^١) مَن حضرها.
وقسم للفارس ثلاثةَ أسهمٍ وللراجل سهمًا، وكانوا ألفًا وأربعمائة وفيهم مائتا فارس، هذا هو الصحيح الذي لا ريب فيه.
وروى عبد الله العُمَري عن نافع عن ابن عمر أنه أعطى الفارس سهمين والراجل سهمًا (^٢).
قال الشافعي (^٣): كأنه سمع نافعًا يقول: «للفرس سهمين وللرجل سهمًا» فقال: للفارس سهمين وللراجل سهمًا. قال (^٤): وليس يشكُّ أحد من أهل العلم في تقدمة عبيد الله بن عمر على أخيه في الحفظ، وقد أخبرنا الثقة
_________________
(١) ز: «كقسم»، تصحيف.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٩٣٢٠) والدارقطني (٤١٨٢) والبيهقي في «السنن» (٦/ ٣٢٥) من طرق عن عبد الله العمري به. وعبد الله هذا وإن كان صالحًا في نفسه عابدًا إلا أنه في الحديث ليس بذاك.
(٣) في «القديم» كما في «معرفة السنن والآثار» (٩/ ٢٤٧ - ٢٤٨).
(٤) «سهمين وللراجل سهما. قال» ساقط من المطبوع.
[ ٣ / ٣٩٣ ]
من أصحابنا عن إسحاق الأزرق الواسطي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - ضرب للفرس بسهمين وللفارس بسهم (^١).
ثم روى (^٢) من حديث أبي معاوية عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - أسهم للفارس ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه. وهو في «الصحيحين» (^٣). وكذلك رواه الثوري وأبو أسامة عن عبيد الله (^٤).
قال الشافعي (^٥): ورُوي عن مُجمِّع بن جارية (^٦) أن النبي - ﷺ - قسم سهام خيبر على ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيشُ ألفًا وخمسمائة منهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين والراجل سهمًا (^٧).
_________________
(١) «معرفة السنن» (٩/ ٢٤٦)، وهو في «الأم» (٥/ ٣١٦).
(٢) في «القديم» كما في «معرفة السنن». وأخرجه من طريق أبي معاوية أيضًا أحمد (٤٤٤٨) وأبو داود (٢٧٣٣) وابن ماجه (٢٨٥٤).
(٣) أخرجه البخاري (٢٨٦٣، ٤٢٢٨) من طريق أبي أسامة وزائدة، ومسلم (١٧٦٢) من طريق سليم بن أخضر وعبد الله بن نمير؛ كلُّهم عن عبيد الله به.
(٤) من طريق الثوري أخرجه ابن حبان (٤٨١١) والدارقطني (٤١٦٤). ومن طريق أبي أسامة أخرجه البخاري كما سبق.
(٥) كما في «معرفة السنن» (٩/ ٢٤٨).
(٦) تصحّف في الأصول عدا ز، س إلى: «حارثة».
(٧) أخرجه أحمد (١٥٤٧٠) وأبو داود (٢٧٣٦) والحاكم (٢/ ١٣١) كلهم من طريق مُجمِّع بن يعقوب بن مجمِّع بن يزيد بن جارية، عن أبيه يعقوب، عن عمِّه عبد الرحمن بن يزيد، عن عمِّه مجمِّع بن جارية. وسيأتي تعليل الشافعي له بأن مجمع بن يعقوب شيخ لا يُعرَف، ولكن قد وثَّقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي فقالوا: لا بأس به. وعلّة هذا الخبر إنما هي الجهل بحال أبيه يعقوب بن مجّمع. انظر: «بيان الوهم والإيهام» (٤/ ٤١٩).
[ ٣ / ٣٩٤ ]
قال الشافعي: ومُجمِّع بن يعقوب ــ يعني: راوي هذا الحديث عن أبيه، عن عمِّه عبد الرحمن بن يزيد، عن عمِّه مجمع بن جارية ــ شيخٌ لا يُعرَف، فأخذنا في ذلك بحديث عبيد الله، ولم نَرَ له مثلَه خبرًا يعارضه، ولا يجوز ردُّ خبرٍ إلا بخبر مثله.
قال البيهقي: والذي رواه مجمع بن يعقوب بإسناده في عدد الجيش وعدد الفرسان قد خولف فيه؛ ففي رواية جابر وأهل المغازي: أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، وهم أهل الحديبية (^١). وفي رواية ابن عباس وصالح بن كيسان وبُشَير بن يسار وأهل المغازي: أن الخيل كانت مائتي فرس، وكان للفرس سهمان ولصاحبه سهم، ولكل راجل سهم (^٢).
وقال أبو داود (^٣): حديث أبي معاوية أصح والعمل عليه، وأرى الوهم في حديث مجمع أنه قال: «ثلاثمائة فارس»، وإنما كانوا مائتي فارس.
وقد روى أبو داود (^٤) أيضًا من حديث أبي عَمرة عن أبيه قال: أتينا
_________________
(١) سبق حديث جابر في عدد أهل الحديبية. وقد رُوي من غير وجه ــ منها حديث مجمّع نفسُه ــ أن غنائم خيبر إنما قُسمت على أهل الحديبية خاصة، اللهم إلا من قدم من الحبشة عند فتح خيبر: جعفر وأصحابه والأشعريّون، فقد أُشرِكوا معهم كما سيأتي.
(٢) حديث ابن عباس عند الحاكم (٢/ ١٣٨) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٣٧)، ومرسل صالح بن كيسان عند ابن سعد (٢/ ١٠٤) والبيهقي في «الدلائل». وأما بُشير بن يسار فالذي رواه يحيى بن آدم في «الخراج» (٩٠) وابن سعد في «الطبقات» (٢/ ١٠٨) عنه أنه قال: إن خيبر شهدها مائة فرس.
(٣) عقب الحديث (٢٧٣٦).
(٤) برقم (٢٧٣٤) من طريق أحمد، وهو في «مسنده» (١٧٢٣٩).
[ ٣ / ٣٩٥ ]
فصل: قدوم جعفر والأشعريين عند فتح خيبر
رسول الله - ﷺ - أربعةَ نفرٍ ومعنا فرس، فأعطى كلَّ إنسان منا سهمًا وأعطى الفرس سهمين. وهذا الحديث في إسناده عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله (^١) بن مسعود، وهو المسعودي، وفيه ضعف. وقد روي الحديث عنه على وجه آخر فقال: أتينا رسول الله - ﷺ - ثلاثةَ نفرٍ ومعنا فرس، فكان للفارس ثلاثة أسهم. ذكره أبو داود أيضًا (^٢).
فصل
وفي هذه الغزوة قدم عليه ابنُ عمِّه جعفر بن أبي طالب وأصحابه، ومعهم الأشعريون عبد الله بن قيس أبو موسى وأصحابه، وكان فيمن قدم معهم أسماء بنت عميس.
قال أبو موسى: بلغَنا مخرجُ النبي - ﷺ - ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين إليه (^٣) أنا وأَخَوان لي أنا أصغرهما ــ أحدهما أبو رُهم والآخر أبو بردة ــ في بضع وخمسين رجلًا من قومي، فركبنا سفينةً فألقتنا سفينتُنا إلى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفرَ بن أبي طالب وأصحابَه عنده، فقال جعفر: إن رسول الله - ﷺ - بعثنا وأمرنا بالإقامة فأقيموا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعًا فوافقنا رسولَ الله - ﷺ - حين فتح خيبر، فأسهم لنا، وما قسم لأحدٍ غاب عن فتح خيبر شيئًا إلا لمن شهد معه، إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفرٍ وأصحابه قسم لهم معهم. وكان ناس يقولون لنا: سبقناكم بالهجرة. قال:
_________________
(١) «بن عبد الله» ساقط من ص، د.
(٢) برقم (٢٧٣٥).
(٣) «إليه» ساقطة من س، ث، المطبوع.
[ ٣ / ٣٩٦ ]
ودخلت أسماء بنت عُمَيس على حفصة، فدخل عليها عمر فقال: من هذه؟ قالت: أسماء، فقال عمر: سبقناكم بالهجرة نحن أحقُّ برسول الله - ﷺ - (^١)،
فغضبت وقالت: يا عمر كلَّا والله! لقد كنتم مع رسول الله - ﷺ - يُطعِم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا في أرض البُعَداء البُغَضاء، وذلك في الله وفي رسوله، وايم الله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلتَ لرسول الله - ﷺ -، ونحن كنا نُؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك لرسول الله - ﷺ -، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك، فلما جاء النبي - ﷺ - قالت: يا رسول الله إن عمر قال كذا وكذا، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما قلتِ له؟» قالت: قلت له كذا وكذا، قال: «ليس بأحق بي منكم؛ له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم ــ أهلَ السفينة ــ هجرتان». فكان أبو موسى وأصحاب السفينة يأتون أسماءَ أرسالًا يسألونها عن هذا الحديث؛ ما من الدنيا شيء هم به أفرحُ ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله - ﷺ - (^٢).
ولما قدم جعفر على النبي - ﷺ - تلقاه وقبَّل جبهته وقال: «والله ما أدري بأيهما أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟» (^٣).
_________________
(١) بعده في س، ن: «منكم»، وليست في سائر الأصول ولا في «الدلائل» وهو مصدر المؤلف ..
(٢) أخرجه البخاري (٤٢٣٠) ومسلم (٢٥٠٢) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٤٤).
(٣) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٤/ ٣٢) وابن أبي شيبة (٣٢٨٧٠) والحاكم (٢/ ٦٢٤، ٣/ ٢١١) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٤٦) من طرق عن الأجلح بن عبد الله عن الشعبي باختلاف عليه في وصله عن جابر وإرساله، والمرسل أشبه. وله طريق آخر عن الشعبي، رواه مجالد بن سعيد ــ وهو ضعيف ــ عنه عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عن أبيه بنحوه ضمن خبر طويل. أخرجه البزار (١٣٢٨) والبغوي في «معجم الصحابة» (٤٢٢) والطبراني في «الكبير» (٢/ ١١٠). وله شاهد من حديث أبي جُحيفة عند الطبراني (٢٢/ ١٠٠) بإسناد لا بأس به.
[ ٣ / ٣٩٧ ]
وأما ما روي في هذه القصة أن جعفرًا لما نظر إلى النبي - ﷺ - حَجَل، يعني: مشى على رجلٍ واحدة إعظامًا لرسول الله - ﷺ -، وجعله أشباهُ الدِّباب (^١) الرقَّاصُون (^٢) أصلًا لهم في الرقص= فقال البيهقي (^٣) ــ وقد رواه من طريق الثوري عن أبي الزبير عن جابر ــ: في إسناده إلى الثوري من لا يُعرَف.
_________________
(١) المراد بـ «الدباب» جمع «الدُّبِّ» الحيوان المعروف، وهذا الجمع لم يذكره أصحاب المعاجم وإنما ذكروا: «دِبَبة وأدباب»، واستعمله شيخ الإسلام أيضًا في «جامع المسائل» (١/ ٨٩) حيث قال وهو يصف بعض المبتدعة: «ويرقصون كرقص الدِّباب ونحوها من الحيوانات». والمراد الدِبَبة المعلّمة المدرَّبة التي يُرقّصها أصحابها في الأسواق ومجامع الناس.
(٢) ز، د: «الراقصون».
(٣) في «الدلائل» (٤/ ٢٤٦). وذِكر الثوري خطأ من بعض الرواة، وإنما هو سفيان بن عيينة، هكذا رواه العقيلي في «الضعفاء» (٦/ ١٣٤) ــ ومن طريقه في «العلل المتناهية» (٢/ ٩٦) ــ والطبراني في «الأوسط» (٦٥٥٩). وإسناده واه، فيه مكي بن عبد الله ــ في «الدلائل»: بن إبراهيم ــ الرُّعَيني. قال ابن يونس: روى مكي عن ابن عيينة مناكير لا يتابع عليه. «تاريخ الإسلام» (٥/ ١٢٦٢). وهناك قصة أخرى في حَجْل جعفر، وذلك حين قال له النبي - ﷺ -: «أشبهتَ خَلقي وخُلقي». أخرجه أحمد (٨٥٧) والبزار (٧٤٤) والبيهقي في «السنن» (١٠/ ٢٢٦) من حديث هانئ بن هانئ عن علي. وهانئ بن هانئ متكلم فيه، قال ابن المديني: مجهول، وقال ابن سعد: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس، وأورده ابن حبان في «الثقات». وأصل الحديث عند البخاري (٢٦٩٩) من رواية البراء دون ذكر الحجل.
[ ٣ / ٣٩٨ ]
- قدوم عيينة بن حصن في فزارة يريد نصيبا من خيبر
قلت: ولو صح لم يكن في هذا حجة على جواز التشبه بالدِّباب والتكسُّر والتخنُّث في المشي المنافي لهدي رسول الله - ﷺ - (^١)، فإن هذا لعله كان من عادة (^٢) الحبشة تعظيمًا لكُبرائها كضرب الجوك (^٣) عند الترك ونحو ذلك، فجرى جعفر على تلك العادة وفعلها مرةً ثم تركها بسُنَّة (^٤) الإسلام، فأين هذا من القفز والتكسُّر والتخنيث والتثنِّي؟! وبالله التوفيق.
قال موسى بن عقبة (^٥): وكانت بنو فَزارة ممن قدم على أهل خيبر ليعينوهم، فراسلهم رسول الله - ﷺ - أن لا يعينوهم وأن يخرجوا عنهم ولكم من خيبر كذا وكذا، فأبوا عليه، فلمّا فتح الله عليه خيبر أتاه من كان ثَمَّ مِن بني فزارة فقالوا: وعدَك (^٦) الذي وعدتنا، فقال: «لكم ذو الرُّقيبة» ــ جبل من جبال خيبر ــ فقالوا: إذًا نقاتلك، فقال: «موعدكم كذا»، فلما سمعوا ذلك من رسول الله - ﷺ - خرجوا هاربين.
وقال الواقدي (^٧): قال أبو شُيَيم المُزَني وكان قد أسلم فحسُنَ إسلامُه:
_________________
(١) زِيد بعده في هامش س مصححًا عليه: «وأصحابِه».
(٢) ز: «هدي».
(٣) الجُوك: معرب «چوك» بالجيم الفارسية، وهو الفخذ. وضرب الجوك نوع من البروك والجثوّ عند الترك والمغول في حضرة ملوكهم. انظر: المعجم الفارسي «برهان قاطع» (٢/ ٦٧٠)، و«تكملة المعاجم» لدوزي (٢/ ٣٥١)، و«معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي» لمحمد أحمد دهمان (ص ٥٨).
(٤) ث، المطبوع: «لسنة».
(٥) كما أسنده البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٤٨).
(٦) س، ن: «حظَّنا» وفاقًا لمصدر النقل.
(٧) في «مغازيه» (٢/ ٦٧٥)، والمؤلف صادر عن «الدلائل» (٤/ ٢٤٩).
[ ٣ / ٣٩٩ ]
لما نفرنا إلى أهلنا مع (^١) عيينة بن حصن رجع بنا عيينة (^٢)، فلما كان دون خيبر عرَّسنا من الليل، ففزعنا فقال عيينة: أبشروا إني أرى الليلة في النوم أنني أُعطيت ذا الرُّقَيبة جبلًا بخيبر؛ قد والله أخذتُ برقبة محمد. فلما قدمنا خيبر قَدِم عيينة فوجد رسول الله - ﷺ - قد فتح خيبر، فقال: يا محمد، أعطِني ما غنمتَ من حلفائي، فإني انصرفت عنك وعن قتالك (^٣). قال رسول الله - ﷺ -: «كذبتَ! ولكن الصياح الذي سمعتَ نفَّرك إلى أهلك»، قال: أجزني يا محمد، قال: «لك ذو الرقيبة»، قال: وما ذو الرقيبة؟ قال: «الجبل الذي رأيت في النوم أنك أخذته»، فانصرف عيينة، فلما رجع إلى أهله جاءه الحارث بن عوف فقال: ألم أقل لك: إنك مُوضِعٌ (^٤) في غير شيء، والله ليظهرنَّ محمدٌ على ما بين المشرق والمغرب؛ يهود كانوا يخبروننا بهذا، أَشهد (^٥) لسمعتُ أبا رافع سلام بن أبي الحقيق يقول: إنا نحسد محمدًا على النبوة حيث خرجت من بني هارون، وهو نبي مرسل ويهود لا تطاوعني على هذا، ولنا
_________________
(١) ز: «مع أهلنا إلى»، قلب.
(٢) وقصة ذلك أنهم خرجوا أولًا لنصرة يهود خيبر فسمعوا الصريخ فظنوا أن النبي - ﷺ - وأصحابه قد خالفوا إلى أهليهم ليسبوهم، فنفروا إلى أهليهم فلم يروا شيئًا، فرجعوا ثانيًا لنصرة اليهود. انظر: «مغازي الواقدي» (٢/ ٦٧٥ - ٦٧٦).
(٣) ص، د، ث: «وعرفنا لك»، تصحيف، وكذا كان رسمه في أكثر النسخ الأخرى ثم أصلح إلى المثبت الموافق للدلائل. وفي المطبوع: «وقد فرغنا لك» خلافًا للأصول ولمصدر النقل.
(٤) ص، د: «بموضع». ز، ن، المطبوع: «تُوضِع».
(٥) ز: «أُشهدكم».
[ ٣ / ٤٠٠ ]
فصل: سم اليهودية رسول الله - ﷺ - في هذه الغزاة
منه ذبحان: واحد بيثرب وآخر بخيابر (^١)،
قال الحارث: قلت لسلام: يملك الأرض جميعًا؟ قال: نعم والتوراةِ التي أُنزلت على موسى، وما أحب أن تعلم يهودُ بقولي (^٢) فيه.
فصل
وفي هذه الغزاة سُمَّ رسول الله - ﷺ -؛ أهدت له زينب بنت الحارث اليهودية امرأةُ سلام بن مشكم شاةً مشويَّةً (^٣) قد سمَّتها، وسألت: أيُّ اللحم أحب إليه؟ فقالوا: الذراع، فأكثرت من السمِّ في الذراع، فلمَّا انتهش من ذراعها أخبره الذراع بأنه مسموم فلفظ الأكلة، ثم قال: «اجمعوا لي مَن هاهنا مِن اليهود»، فجُمِعوا له فقال لهم: «إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقيَّ فيه؟» قالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: «من أبوكم؟» قالوا: أبونا فلان، قال: «كذبتم، أبوكم فلان»، قالوا: صدقت وبررت، قال: «هل أنتم صادقيَّ عن شيءٍ إن سألتكم عنه؟» قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال رسول الله - ﷺ -: «من أهل النار؟» فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلُفُونا فيها، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: «اخسؤوا فيها! فوالله لا نَخلُفكم فيها أبدًا»، ثم قال: «هل أنتم صادقيَّ عن شيءٍ إن سألتكم عنه؟» قالوا: نعم، قال: «أجعلتم في هذه الشاة (^٤) سمًّا؟» قالوا: نعم، قال: «فما حملكم على ذلك؟» قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريحُ منك، وإن كنتَ
_________________
(١) «خيابر» جمع خيبر باعتبار حصونه .. وفي المطبوع: «بخيبر» خلافًا للأصول.
(٢) ص، د، ف: «يعلمه يهود بقول».
(٣) د: «مسمومة»، تصحيف.
(٤) «الشاة» ساقطة من ص، د.
[ ٣ / ٤٠١ ]
نبيًّا لم يضرَّك (^١).
وجيء بالمرأة إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: أردت قتلك، فقال: «ما كان الله ليسلِّطكِ عليَّ»، قالوا: ألا نقتلها؟ قال: «لا» (^٢). ولم يَعرِض لها ولم يعاقبها، واحتجم على الكاهل وأمر من أكل منها فاحتجم فمات بعضهم (^٣).
واختُلف في قتل المرأة، فقال الزهري: أسلمت فتركها. ذكره عبد الرزاق (^٤) عن معمر عنه، ثم قال معمر: والناس يقولون: قتلها النبي - ﷺ -.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣١٦٩، ٥٧٧٧) من حديث أبي هريرة، وأوَّله: «لما فتحت خيبر أُهديت لرسول الله - ﷺ - شاةٌ فيها سمٌّ، فقال رسول الله - ﷺ -: اجمعوا لي مَن كان هاهنا من اليهود » إلخ بمثله. وأما إخبار الذراع ــ أو الكتف ــ النبيَّ - ﷺ - بأنه مسموم فروي من وجوه، منها حديث جابر عند أبي داود (٤٥١٠) وفي سنده انقطاع، وحديث أبي سعيد عند الحاكم (٤/ ١٠٩) وفي إسناده لين وفي متنه بعض نكارة، ومرسل عبد الرحمن بن كعب بن مالك عند عبد الرزاق (١٠٠١٩) بإسناد صحيح، ومرسل أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عند أبي داود (٤٥١٢) والدارمي (٦٨) بإسناد حسن. وذكره أصحاب المغازي كموسى بن عقبة وابن إسحاق وغيرهما. انظر: «دلائل النبوة» (٤/ ٢٦٣) و«سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٣٧) و«مغازي الواقدي» (٢/ ٦٧٨) و«طبقات ابن سعد» (٢/ ١٧٩).
(٢) أخرجه البخاري (٢٦١٧) ومسلم (٢١٩٠) من حديث أنس، واللفظ لمسلم.
(٣) روي ذلك في مرسل عبد الرحمن بن كعب بن مالك عند عبد الرزاق (١٠٠١٩)، وأخرجه أبو داود (٤٥١٠) من حديث جابر بنحوه، وفي سنده انقطاع. ولاحتجامه - ﷺ - شاهد من حديث ابن عباس عند أحمد (٢٧٨٤) بإسناد حسن.
(٤) في «مصنفه» عقب الحديث (١٠٠١٩) ومن طريقه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٦١).
[ ٣ / ٤٠٢ ]
وقال أبو داود (^١): حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة أن رسول الله - ﷺ - أهدت له يهوديةٌ بخيبرَ شاةً مَصْليةً ــ فذكر القصة ــ وقال: فمات بِشر بن البراء بن مَعرور، فأرسل إلى اليهودية: «ما حملك على الذي صنعت؟» قال جابر (^٢): فأمر بها رسول الله - ﷺ - فقُتِلت.
قلت: كلاهما مرسل، ورواه حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة متصلًا: أنه قتلها لمَّا مات بشر بن البراء (^٣).
وقد وُفِّق بين الروايتين بأنه لم يقتلها أولًا، فلما مات بِشر قتلها.
وقد اختلف: هل أكل النبي - ﷺ - منها أو لم يأكل؟ وأكثر الروايات أنه أكل منها، وبقي بعد ذلك ثلاث سنين حتى قال في وجعه الذي مات فيه: «ما زلت أجد من الأَكلة التي أكلتُ من الشاة يوم خيبر، فهذا أوانُ انقطاع الأَبْهَرِ
_________________
(١) برقم (٤٥١١) ومن طريقه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٦٢).
(٢) كذا في جميع الأصول، وهو خطأ فليس هذا من قول جابر في شيء. والذي في «السنن»: «فذكر نحو حديث جابر»، وحديث جابر هو السابق لهذا الحديث عند أبي داود، فاختصر أبو داود حديث أبي سلمة وأحال في بعض ألفاظه على حديث جابر السابق، فالمراد بقوله: «فذكر نحو حديث جابر» أي في جواب اليهودية على سؤال النبي - ﷺ -، وأما قوله: «فأمر بها فقُتِلت» فمن قول أبي سلمة ولم يرد في حديث جابر البتة، بل الذي ورد فيه أنه - ﷺ - «عفا عنها ولم يُعاقبها». ومما يدلّ على الخطأ أيضًا وصفُ المؤلف له فيما يأتي بأنه مرسَل، فلو كان قولًا لجابر لما كان مرسلًا بل لكان متصلًا مسندًا.
(٣) أخرجه الحاكم (٣/ ٢١٩) وعنه البيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ٤٦). وقد تابع حماد بن سلمة على الاتصال: عَبَّاد بن العوَّام ــ وهو ثقة من رجال الشيخين ــ عند البيهقي (٨/ ٤٦).
[ ٣ / ٤٠٣ ]
- تحايل الحجاج بن علاط السلمي في أخذ ماله من مكة إثر خيبر
مني» (^١). قال الزهري: فتوفي رسول الله - ﷺ - شهيدًا.
قال موسى بن عقبة (^٢)
وغيره: وكان بين قريشٍ حين سمعوا بخروج رسول الله - ﷺ - إلى خيبر تراهُنٌ عظيم وتبايُع، فمنهم من يقول: يظهر محمد وأصحابه، ومنهم يقول: يظهر الحليفان ويهود خيبر، وكان الحجَّاج بن عِلاط السُّلَمي قد أسلم وشهد فتح خيبر وكانت تحته أم شيبة أختُ بني عبد الدار بن قُصي، وكان الحجاج مكثرًا من المال، كانت له معادنُ أرضِ بني سليم، فلما ظهر النبي - ﷺ - على خيبر قال الحجاج بن عِلاط: إن لي ذهبًا عند امرأتي، وإن تعلم هي وأهلُها بإسلامي فلا مال لي، فأْذَنْ لي فلأُسرع السير وأَسبِق الخبر، ولأُخبرنَّ أخبارًا إذا قدمتُ أدرأ بها عن مالي ونفسي،
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٦٤) من طريق موسى بن عقبة عن الزهري مرسلًا. وقد روي عن الزهري متصلًا من وجهين، الأول: عنه عن عروة عن عائشة، وفيه نظر فقد تفرّد به عنبسة بن خالد ــ وهو متكلم فيه ــ عن يونس عن الزهري به. أخرجه البزار (١١٥) والحاكم (٣/ ٥٨)، وعلّقه البخاري (٤٤٢٨) عن يونس به. والثاني: من طريق معمر عنه عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه، وقيل: عن أبيه عن أم مبشّر. أخرجه أبو داود (٤٥١٣) والحاكم (٣/ ٢١٩)، ورواته ثقات. وللحديث شاهد من مرسل أبي سلمة عند أبي داود (٤٥١٢) والدارمي (٦٨). وانظر: «تغليق التعليق» (٤/ ١٦٢).
(٢) كما في «الدلائل» (٤/ ٢٦٥). وبنحوه ذكره عروة في مغازيه من رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عنه. وقد أخرج خبر الحجاج بن عِلاط أحمد (١٢٤٠٩) وأبو يعلى (٣٤٧٩) وابن حبان (٤٥٣٠) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٦٦) والضياء في «المختارة» (٥/ ١٨٢) من حديث معمر عن ثابت عن أنس - ﵁ - بنحوه مطوّلًا، إلا ذِكر ارتجاز العبّاس فمدرَج من رواية معمر عن عثمان الجزَري عن مِقسَم مرسلًا.
[ ٣ / ٤٠٤ ]
فأذِنَ له رسولُ الله - ﷺ -.
فلما قدم مكة قال لامرأته: أَخفي علي واجمعي ما كان لي عندكِ من مالٍ فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه، فإنهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم، وإن محمدًا قد أُسِر وتفرَّق عنه أصحابه، وإن اليهود قد أقسموا (^١) ليبعَثُنَّ به إلى مكة ثم ليقتلُنَّه بقتلاهم بالمدينة (^٢)، وفشا ذلك في مكة واشتد على المسلمين وبلغ منهم، وأظهر المشركون الفرح والسرور، وبلغ العباسَ عمَّ رسول الله - ﷺ - زَجْلةُ الناس وجَلَبتهم وإظهارُهم السرورَ فأراد أن يقوم ويخرج فانخزل ظهرُه فلم يقدر على القيام، فدعا ابنًا له يقال له: «قُثَم» وكان شِبْهَ (^٣) رسولِ الله - ﷺ -، فجعل يرتجز ويرفع صوته لئلا يشمت به أعداء الله: «قُثَمْ، شبيه ذي الأنف الأَشَمْ، فتى (^٤) ذي النِّعَمْ، برغم مَن رَغَمْ».
وحشر إلى باب داره رجال كثيرون من المسلمين والمشركين، منهم المُظهر للفرح والسرور، ومنهم الشامت والمعزِّي، ومنهم مَن به مثل الموت من الحزن والبلاء؛ فلما سمع المسلمون رجز العباس وتجلُّدَه طابت أنفسهم، وظن المشركون أنه قد أتاه ما لم يأتهم.
_________________
(١) ص، د: «اقتسموا».
(٢) من قوله: «وإن محمد قد أُسر » إلى هنا ليس خبر موسى بن عقبة ولا في مصادر التخريج السابقة، وإنما ذكره بنحوه ابنُ إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٤٦) ــ والواقدي (٢/ ٧٠٣) وابن سعد (٢/ ١٠٢).
(٣) س، ن: «يُشبه».
(٤) كذا في الأصول. والذي في المصادر: «نبيُّ».
[ ٣ / ٤٠٥ ]
ثم أرسل العباس غلامًا له إلى الحجاج وقال له: اخلُ به وقل له: ويلك! ما جئت به؟ وما تقول؟ فالذي وعد اللهُ خيرٌ مما جئت به، فلما كلمه الغلام قال له: أَقْرِ أبا الفضل السلامَ وقل له: فليخلُ لي (^١) في بعض بيوته حتى آتيه، فإن الخبر على ما يسره، فلما بلغ العبدُ باب الدار قال: أبشر يا أبا الفضل، فوثب العباس فرحًا كأنه لم يصبه بلاء قط حتى جاءه وقبَّل ما بين عينيه، فأخبره بقول الحجاج، فأعتقه ثم قال: أخبرني، قال: يقول لك الحجاج: اخلُ له (^٢) في بعض بيوتك حتى يأتيك ظهرًا، فلما جاءه الحجاج وخلا به أخذ عليه لتكتُمَنَّ خبري، فوافقه عباس على ذلك، فقال له الحجاج: جئتُ وقد افتتح رسولُ الله - ﷺ - خيبر وغنم أموالهم وجرت فيها سهام الله، وإن رسول الله - ﷺ - قد اصطفى صفية بنت حُيَي لنفسه وأعرس بها، ولكن جئتُ لمالي أردت أن أجمعه وأذهب به، وإني استأذنت رسول الله - ﷺ - أن أقول فأذن لي (^٣)، فأخفِ علي ثلاثًا ثم اذكر ما شئتَ.
قال: فجمعتْ له امرأته متاعَه ثم انشمر راجعًا، فلما كان بعد ثلاث أتى العباسُ امرأةَ الحجاج فقال: ما فعل زوجك؟ قالت: ذهب، وقالت: لا يحزنك الله يا أبا الفضل، لقد شقَّ علينا الذي بلغك، فقال: أجل، لا يحزنني الله، ولم يكن بحمد الله إلا ما أُحبُّ: فتح الله على رسوله خيبر وجرت فيها سهام الله واصطفى رسول الله - ﷺ - صفية لنفسه، وإن كان لكِ في زوجك حاجة فالحقي به، قالت: أظنك واللهِ صادقًا، قال: فإني والله صادق والأمر
_________________
(١) س، ث، ف، ب: «بي»، تصحيف.
(٢) المثبت من ز، س، ن، وهو مقتضى السياق. وفي سائر الأصول: «به».
(٣) بعده في المطبوع ومصادر التخريج: «أن أقول ما شئت»، وخلت منه الأصول.
[ ٣ / ٤٠٦ ]
- لا دليل صريح على نسخ تحريم ابتداء القتال في الأشهر الحرم
على ما أقول لك، قالت: فمن أخبرك بهذا؟ قال: الذي أخبركِ بما أخبرك، ثم ذهب حتى أتى مجالس قريشٍ، فلما رأوه قالوا: هذا والله التجلد يا أبا الفضل، لا يصيبك إلا خير، قال: أجل، لم يصبني إلا خير والحمد لله، خبَّرني الحجاج بكذا وكذا، وقد سألني أن أكتم عليه ثلاثًا لحاجة؛ فردَّ الله ما كان بالمسلمين من كآبة وجزع على المشركين، وخرج المسلمون من مواضعهم حتى دخلوا على العباس فأخبرهم الخبر فأشرقت وجوه المسلمين.
فصل
فيما كان في غزوة خيبر من الأحكام الفقهية
فمنها: محاربة الكفار ومقاتلتهم في الأشهر الحرم، فإن رسول الله - ﷺ - رجع من الحديبية في ذي الحجة، فمكث بها أيامًا ثم سار إلى خيبر في المحرَّم كذلك قال الزهري عن عروة عن مروان والمِسْوَر (^١). وكذلك قال الواقدي: خرج في أول سنة سبع من الهجرة (^٢). ولكن في الاستدلال بذلك نظر، فإن خروجه كان في أواخر المحرَّم لا في أوله، وفتحُها إنما كان في صفر.
وأقوى من هذا الاستدلالِ بيعةُ النبي - ﷺ - أصحابَه بيعةَ الرضوان عند الشجرة على القتال (^٣) وأن لا يفروا، وكانت في ذي القعدة. ولكن لا دليل في
_________________
(١) أسنده البيهقي في «الدلائل» (٤/ ١٩٧) من طريق ابن إسحاق عن الزهري به.
(٢) المؤلف صادر عن «الدلائل» (٤/ ١٩٧)، وإلا فلا مستدَلَّ في كلام الواقدي، فإن لفظه في «المغازي» (٢/ ٦٣٤): «خرج في صفرٍ سنةَ سبع ــ ويقال: خرج لهلال ربيع الأول ــ إلى خيبر».
(٣) السياق في س، ن: «بيعة النبي - ﷺ - أصحابَه تحت الشجرة بيعة الرضوان على القتال».
[ ٣ / ٤٠٧ ]
ذلك، لأنه إنما بايعهم على ذلك لمّا بلغه أنهم قد قتلوا عثمان وهم يريدون قتاله، فحينئذ بايع الصحابة، ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام (^١) إذا بدأ العدُّو، إنما الخلاف هل يقاتل فيه ابتداءً، فالجمهور جوزوه وقالوا: تحريم القتال فيه منسوخ، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
وذهب عطاء وغيره إلى أنه ثابت غير منسوخ، وكان عطاء يحلف بالله ما يحل القتال في الشهر الحرام ولا نَسَخ تحريمَه شيء (^٢).
وأقوى من هذين الاستدلالين الاستدلال بحصار النبي - ﷺ - للطائف، فإنه خرج إليها في أواخر شوال، فحاصرهم بضعًا وعشرين ليلةً، فبعضها كان في ذي القعدة، فإنه فتح مكة لعشرٍ بقين من رمضان (^٣)، وأقام بها بعد الفتح تسع عشرة يقصر الصلاة (^٤)، فخرج إلى هوازن وقد بقي من شوال عشرون يومًا، ففتح الله عليه هوازن وقسم غنائمها، ثم ذهب منها إلى الطائف فحاصرها بضعًا وعشرين ليلةً، وهذا يقتضي أن بعضها في ذي القعدة بلا شك.
وقد قيل: إنما حاصرهم بضع عشرة ليلةً. قال ابن حزم (^٥): وهو الصحيح بلا شك. وهذا عجب منه! فمن أين له هذا التصحيح والجزم به؟
_________________
(١) زيد بعده في هامش ز: «دفعًا»، وكذا في س مصححًّا عليه مع الضرب على قوله: «إذا بدأ العدو»، وعلى وفقه جاء السياق في ن.
(٢) انظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٦٦٣).
(٣) ص، ز، د: «لعشرين من رمضان»، والمعنى واحد. وانظر: «دلائل النبوة» (٥/ ٢٤).
(٤) أخرجه البخاري (٤٢٩٨) عن ابن عباس - ﵄ -.
(٥) في «جوامع السيرة» (ص ٢٤٣).
[ ٣ / ٤٠٨ ]
وفي «الصحيحين» (^١) عن أنس بن مالك في قصة الطائف قال: فحاصرناهم أربعين يومًا فاستعصَوا وتمنَّعُوا وذكر الحديث؛ فهذا الحصار وقع في ذي القَعدة بلا ريب. ومع هذا فلا دليل في القصة، لأن غزو الطائف كان من تمام غزوة هوازن، وهم بدؤوا رسولَ الله - ﷺ - بالقتال، ولما انهزموا دخل ملِكهم وهو مالك بن عوف النَّصري مع ثقيفٍ في حصن الطائف محاربين لرسول الله - ﷺ -، فكان غزوُهم من تمام الغزوة التي شرع فيها، والله أعلم.
وقد قال تعالى في سورة المائدة ــ وهي من آخر القرآن نزولًا وليس فيها منسوخ ــ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٢].
وقال في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧].
فهاتان آيتان مدنيتان بينهما في النزول نحو ثمانية أعوام، وليس في كتاب الله ولا سنَّة رسوله ناسخ لحكمهما، ولا أجمعت الأمة على نسخه. ومن استدل على نسخه بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] ونحوها من العمومات، فقد استدل على النسخ بما لا يدل عليه. ومن استدل عليه بأن النبي - ﷺ - بعث أبا عامر في سريةٍ إلى أوطاس في ذي القعدة (^٢)، فقد استدل بغير دليل لأن ذلك كان من تمام الغزوة التي بدأ فيها المشركون بالقتال، ولم يكن ابتداءً منه لقتالهم في الشهر الحرام.
_________________
(١) مسلم (١٠٥٩/ ١٣٦) بنحوه، وحديث أنس أخرجه البخاري (٤٣٣٧) ولكن ليس فيه قوله هذا.
(٢) وذلك عقب غزاة حُنَين، كما سيأتي (ص ٥٨٥).
[ ٣ / ٤٠٩ ]
فصل: بعض أحكام الغنائم وقسمتها
فصل: تحريم لحوم الحمر الإنسية
فصل
ومنها: قسمة الغنائم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم، وقد تقدم تقريره.
ومنها: أنه يجوز لآحاد الجيش إذا وجد طعامًا أن يأكله ولا يخمِّسه، كما أخذ عبد الله بن المغفَّل جِراب الشحم الذي دُلِّي يومَ خيبر واختص به بمحضر النبي - ﷺ - (^١).
ومنها: أنه إذا لحق مددٌ بالجيش بعد تقضِّي الحرب فلا سهم لهم إلا بإذن الجيش ورضاهم (^٢)؛ فإن النبي - ﷺ - كلَّم أصحابه في أهل السفينة حين قدموا عليه بخيبر ــ جعفرٍ وأصحابِه ــ أن يُسهم لهم فأسهم لهم.
فصل
ومنها: تحريم لحوم الحمر الإنسية. صحَّ عنه تحريمها يوم خيبر، وصح عنه تعليل التحريم بأنها رجس (^٣)، وهذا مقدم على قول من قال من الصحابة: إنما حرَّمها لأنها كانت ظهر القوم وحمولتهم، فلمّا قيل له: أُفني الظهر وأُكلت الحمر، حرَّمها (^٤)؛ وعلى قول من قال: إنما حرمها لأنها لم
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٧٧٢) وغيره من حديث عبد الله بن مغفل. وقد تقدَّم لفظ الحديث (ص ١٢٤).
(٢) ص، د: «زمامهم»، تصحيف.
(٣) أخرجه البخاري (٤١٩٨، ٥٥٢٨) ومسلم (١٩٤٠) من حديث أنس - ﵁ -.
(٤) مال إليه ابن عباس كما عند البخاري (٤٢٢٧) ومسلم (١٩٣٩)، وانظر حديث أنس عند البخاري (٤١٩٩) ومسلم (١٩٤٠).
[ ٣ / ٤١٠ ]
فصل: بيان أن تحريم المتعة لم يكن يوم خيبر
تُخمَّس (^١)؛ وعلى قول من قال: إنما حرمها لأنها كانت جوالَّ (^٢) القرية وكانت تأكل العذرة (^٣)؛ وكل هذا في «الصحيح»، لكن قول رسول الله - ﷺ -: «إنها رجس» مقدَّمٌ على هذا كله، لأنه من ظن الراوي وقولِه بخلاف التعليل بكونها رجسًا.
ولا تعارض بين هذا التحريم وبين قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فإنه لم يكن قد حُرِّم حين نزول هذه الآية من المطاعم إلا هذه الأربعة، والتحريمُ كان يتجدد شيئًا فشيئًا، فحُرِّم الحمر بعد ذلك تحريمًا مبتدأً لِما سكت عنه النص، لا أنه رافع لما أباحه القرآن ولا مخصِّصٌ لعمومه فضلًا عن أن يكون ناسخًا له. والله أعلم.
فصل
ولم تُحرَّم المتعة يوم خيبر، وإنما كان تحريمها عام الفتح، هذا هو الصواب. وقد ظن طائفة من أهل العلم أنه حرَّمها يوم خيبر، واحتجوا بما في «الصحيحين» (^٤) من حديث علي بن أبي طالب أن رسول الله - ﷺ - نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحُمُر الإنسية.
_________________
(١) قاله عبد الله بن أبي أوفى. أخرجه البخاري (٣١٥٥، ٤٢٢٠) ومسلم (١٩٣٧).
(٢) المطبوع: «حول»، تحريف. و«الجوالُّ» جمع الجالَّة، وهي التي تأكل الجلَّة وهي العذرة، ويقال لها أيضًا: الجلّالة.
(٣) هو قول بعض الصحابة كما عند البخاري (٤٢٢٠).
(٤) البخاري (٤٢١٦، ٥١١٥، ٥٥٢٣) ومسلم (١٤٠٧).
[ ٣ / ٤١١ ]
وفي «الصحيحين» (^١) أيضًا: أن عليًّا سمع ابن عباس يُليِّن في متعة النساء فقال: مهلًا يا ابن عباس، فإن رسول الله - ﷺ - نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية. وفي لفظ للبخاري (^٢) عنه: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية.
ولما رأى هؤلاء أن النبي - ﷺ - أباحها عام الفتح ثم حرمها قالوا: حُرِّمت ثم أبيحت ثم حرمت. قال الشافعي (^٣): لا أعلم شيئًا حرم ثم أبيح ثم حرم (^٤) إلا المتعة. قالوا: فنسخت مرتين.
وخالفهم في ذلك آخرون (^٥) وقالوا: لم تُحرَّم إلا عام الفتح، وقبل ذلك كانت مباحةً. قالوا: وإنما جمع عليُّ بن أبي طالب بين الإخبار بتحريمها وتحريم الحُمُر الأهلية لأن ابن عباس كان يبيحهما، فروى له علي تحريمهما عن النبي - ﷺ - ردًّا عليه، وكان تحريمُ الحمر يومَ خيبرَ بلا شك، فذَكَر يوم خيبر ظرفًا لتحريم الحمر، وأطلق تحريمَ المتعة ولم يُقيِّده بزمنٍ، كما جاء ذلك في «مسند الإمام أحمد» بإسناد صحيح أن رسول الله - ﷺ - حرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، وحرم متعة النساء. وفي لفظ: حرم متعة النساء
_________________
(١) البخاري (٦٩٦١) ومسلم (١٤٠٧/ ٣١) واللفظ له.
(٢) برقم (٤٢١٦)، وهو أيضًا عند مسلم (١٤٠٧/ ٢٩، ٣٢).
(٣) لم أجد كلامه في «الرسالة» و«الأم»، ولا نقله البيهقي في «معرفة السنن».
(٤) بعده في جميع الأصول: «ثم أبيح»، إلا أنه ضُرب عليه في ز، س. ولعله كان سبق قلم من المؤلف.
(٥) انظر: «الناسخ والمنسوخ» لأبي عبيد القاسم بن سلَّام (ص ٧٥)، و«مستخرج أبي عوانة» (١١/ ٢٤٧) ط. الجامعة الإسلامية.
[ ٣ / ٤١٢ ]
وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر. هكذا رواه سفيان بن عُيينة مفصَّلًا مميَّزًا (^١)،
فظن بعض الرواة أن يوم خيبر زمن للتحريمين فقيّدهما به، ثم جاء بعضهم فاقتصر على أحد المُحرَّمَين وهو تحريم الحُمُر (^٢) وقيَّده بالظرف، فمن هاهنا نشأ الوهم.
وقصة خيبر لم يكن فيها الصحابة يتمتَّعون باليهوديات، ولا استأذنوا في ذلك رسولَ الله - ﷺ -، ولا نقله أحد قطُّ في هذه الغزوة، ولا كان للمتعة فيها ذِكرٌ البتة لا فعلًا ولا تحريمًا، بخلاف غزاة الفتح فإن قصة المتعة كانت فيها فعلًا وتحريمًا مشهورةً. وهذه الطريقة أصح الطريقتين.
وفيها طريقة ثالثة وهي أن رسول الله - ﷺ - لم يحرمها تحريمًا عامًّا البتة، بل حرمها عند الاستغناء عنها وأباحها عند الحاجة إليها، وهذه كانت طريقة
_________________
(١) لم أجده باللفظين المذكورين عند أحمد، ولكن أخرجه برقم (٥٩٢) عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن الحسن وعبد الله ابني محمد ابن الحنفية، عن أبيهما أن عليًّا قال لابن عباس: «إن رسول الله - ﷺ - نهى عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر». وأخرجه أيضًا الحميدي (٣٧) والترمذي (١١٢١) والنسائي (٤٣٣٤) عن سفيان به، زاد الحميدي: قال سفيان: «يعني أنه نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، لا يعني نكاح المتعة». ورواه بعضهم عن سفيان فلم يضبطوا لفظه فجعلوا «يوم خيبر» ظرفًا لتحريم المتعة، كما عند مسلم (١٤٠٧/ ٣٠) وأبي يعلى (٥٧٦).
(٢) كذا في جميع الأصول، وهو سبق قلم من المؤلف فإن السياق يقتضي: «تحريم المتعة»، وسيأتي على الصواب في فقه غزوة الفتح (ص ٥٦٩) حيث قال: « واقتصر بعضهم على رواية بعض الحديث فقال: حرم رسول الله - ﷺ - المتعة زمن خيبر، فجاء بالغلط البيِّن».
[ ٣ / ٤١٣ ]
فصل: جواز المساقاة والمزارعة بجزء مما يخرج من الأرض
ابن عباس حين (^١) كان يفتي بها ويقول: «هي كالميتة والدم ولحم الخنزير، تباح عند الضرورة وخشية العَنَت» (^٢)، فلم يفهم عنه أكثر الناس ذلك، وظنوا أنه أباحها إباحةً مطلقةً، وشبَّبوا (^٣) في ذلك بالأشعار (^٤)، فلما رأى ابن عباس ذلك رجع إلى القول بالتحريم (^٥).
فصل
ومنها: جواز المساقاة والمزارعة بجزءٍ مما يخرج من الأرض من ثمر أو زرع، كما عامل رسول الله - ﷺ - أهل خيبر على ذلك، واستمر ذلك إلى حين وفاته لم يُنسَخ البتة، واستمر عملُ خلفائه الراشدين عليه.
وليس هذا من باب المؤاجرة في شيء، بل من باب المشاركة، وهو نظير المضاربة سواءً، فمن أباح المضاربة وحرَّم ذلك فقد فرَّق بين متماثلين.
_________________
(١) ث، ن، المطبوع: «حتى»، وكأنه تصحيف.
(٢) أخرجه أبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ» (١٣٩) والفاكهي في «أخبار مكة» (٣/ ١٢، ١٣) وابن المنذر في «تفسيره» (٢/ ٦٤٣ - ٦٤٤) والطبراني في «الكبير» (١٠/ ٣١٥) والبيهقي في «السنن» (٧/ ٢٠٥)، وفي أسانيده لين، ولكن له شاهد عند البخاري (٥١١٦) عن أبي جَمرة قال: سمعتُ ابن عباس سئل عن متعة النساء، فرخَّص، فقال له مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد وفي النساء قلة ــ أو نحوه ــ؟ فقال ابن عباس: «نعم».
(٣) س: «شنَّعوا»، تصحيف.
(٤) انظر بعض تلك الأشعار في المصادر السابقة عدا «صحيح البخاري».
(٥) روي رجوعه من وجوه لا تخلو من مقال. انظرها في «جامع الترمذي» (١١٢٢) و«أخبار مكة» (٣/ ١٣) و«الكنى» للدولابي (١٤٢٦) و«مستخرج أبي عوانة» (١١/ ٢٣٠).
[ ٣ / ٤١٤ ]
فصل: عدم اشتراط كون البذر من رب الأرض
فصل: أحكام فقهية متنوعة
فصل
ومنها: أنه دفع إليهم الأرض على أن يعملوها من أموالهم، ولم يدفع إليهم البذر، ولا كان يَحمل إليهم البذر من المدينة قطعًا، فدل على أن هديه عدمُ اشتراط كون البذر من رب الأرض، وأنه يجوز أن يكون من العامل. وهذا هديُ خلفائه الراشدين من بعده، وكما أنه المنقول فهو الموافق للقياس، فإن الأرض بمنزلة رأس المال في القِراض (^١)، والبذرُ يَجري مجرى سقي الماء، ولهذا يموت في الأرض ولا يرجع إلى صاحبه، ولو كان بمنزلة رأس مال المضاربة لاشتُرِط عَودُه إلى صاحبه، وهذا يفسد المزارعة؛ فعُلِم أن القياس الصحيح هو الموافق لهدي رسول الله - ﷺ - وخلفائه الراشدين في ذلك. والله أعلم.
فصل
ومنها: خَرْصُ الثمار على رؤوس النخل وقسمُها كذلك، وأن القسمة ليست بيعًا.
ومنها: الاكتفاء بخارص واحد وقاسم واحد.
ومنها: جواز عقد المهادنة عقدًا جائزًا للإمام فسخُه متى شاء.
ومنها: جواز تعليق عقد الصلح والأمان بالشرط، كما عقد لهم رسول الله - ﷺ - بشرط أن لا يُغيِّبوا ولا يكتموا.
ومنها: جواز تقرير أرباب التُّهَم بالعقوبة (^٢)، وأن ذلك من الشريعة
_________________
(١) القِراض هو المضاربة في كلام أهل الحجاز.
(٢) أي: جواز عقوبة المُتَّهمِين حتى يُقِرُّوا بجرائمهم.
[ ٣ / ٤١٥ ]
العادلة لا من السياسة الظالمة.
ومنها: الأخذ في الأحكام بالقرائن والأمارات، كما قال النبي - ﷺ - لكنانة: «المال كثير والعهد قريب»، فاستدل بهذا على كذبه في قوله: أذهبتْه الحروبُ والنفقة.
ومنها: أن من كان القول قولَه، إذا قامت قرينة على كذبه لم يُلتفَت إلى قوله ونُزِّل منزلةَ الخائن.
ومنها: أن أهل الذمة إذا خالفوا شيئًا مما شرط عليهم لم تبقَ لهم ذمة وحلَّت دماؤهم وأموالهم، لأن رسول الله - ﷺ - عقد لهؤلاء الهدنة وشرط عليهم أن لا يُغيِّبوا (^١) ولا يكتموا، فإن فعلوا حلَّت دماؤهم وأموالهم، فلما لم يَفُوا بالشرط استباح دماءهم وأموالهم. وبهذا اقتدى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الشروط التي شرطها على أهل الذمة، فشرط عليهم أنهم متى خالفوا شيئًا منها فقد حلَّ له منهم ما يحل من أهل الشقاق والعداوة (^٢).
ومنها: جواز نسخ الأمر قبل فعله، فإن النبي - ﷺ - أمرهم بكسر القدور ثم نسخه عنهم بالأمر بغسلها.
ومنها: أن ما لا يؤكل لحمه لا يَطهُر بالذكاة لا جلدُه ولا لحمُه، وأن
_________________
(١) س: «يغزوا»، تصحيف.
(٢) أخرجه القاضي عبد الله بن أحمد بن زَبْر الرَّبعي (ت ٣٢٩) في «جزئه» في الشروط العمرية ــ كما في «مسند الفاروق» لابن كثير (٢/ ٣٣٥ - ٣٣٨) ــ والبيهقي في «السنن» (٩/ ٢٠٢) وابن عساكر في «تاريخه» (٢/ ١٧٤ - ١٧٩) من طرق «يشد بعضها بعضًا» كما قال ابن كثير - ﵀ -.
[ ٣ / ٤١٦ ]
- جواز إجلاء أهل الذمة من دار الإسلام إذا استغني عنهم
ذبيحته بمنزلة موته، وأن الذكاة إنما تعمل في مأكول اللحم.
ومنها: أن من أخذ من الغنيمة شيئًا قبل قسمتها لم يملكه وإن كان دون حقِّه، وأنه إنما يملكه بالقسمة ولهذا قال في صاحب الشَّملة التي غلَّها: «إنها تشتعل عليه نارًا» وقال لصاحب الشِّراك الذي غله: «شِراك من نار» (^١).
ومنها: أن الإمام مُخيَّر في أرض العنوة بين قَسْمها وتَرْكِه (^٢) وقسمِ بعضِها وتركِ بعضها.
ومنها: جواز التفاؤل بل استحبابه بما يراه أو يسمعه مما هو من أسباب ظهور الإسلام وإعلامه، كما تفاءل النبيُّ - ﷺ - برؤية المساحي والفؤوس والمكاتل مع أهل خيبر، فإن ذلك فأل في خرابها.
ومنها: جواز إجلاء أهل الذمة من دار الإسلام إذا استُغني عنهم، كما قال النبي - ﷺ -: «نُقرُّكم ما أقركم الله» وقال لكبيرهم: «كيف بكَ إذا رقصت (^٣) بك راحلتُك نحو الشام يومًا ثم يومًا»، وأجلاهم عمر بعد
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٧٠) ومسلم (١١٥) من حديث أبي هريرة، وفيه أنهما أصابا ذلك من المغانم يوم خيبر، وسيأتي قصتهما عند ذكر انصراف النبي - ﷺ - من خيبر إلى وادي القُرى.
(٢) أي: ترك القَسْم. في المطبوع: «قسمتها وتركها» خلافًا للأصول.
(٣) س: «وقصت»، تحريف. وفي مطبوعتي «صحيح ابن حبان» (التقاسيم ــ الإحسان): «أَفضَتْ»، ولعله تصحيف أيضًا. ومعنى «رقصت بك راحلتك» أي أسرعت، يقال: رقص البعير رَقَصًا ورَقَصانًا ــ بتحريك القاف فيهما ــ إذا أسرع في سيره. وبمعناه لفظ البخاري: «تعدُو بك قلوصك».
[ ٣ / ٤١٧ ]
موته - ﷺ - (^١). وهذا مذهب محمد بن جرير الطبري (^٢)، وهو قول قوي يسوغ العمل به إذا رأى الإمام فيه المصلحة.
ولا يقال: أهل خيبر لم تكن لهم ذمة بل كانوا أهلَ هدنة، فهذا كلامٌ لا حاصلَ تحته، فإنهم كانوا أهل ذمة قد أَمِنوا بها على دمائهم وأموالهم أمانًا مستمرًّا.
نعم، لم تكن الجزية قد شُرِعت ونزَل فرضُها، وكانوا أهلَ ذمةٍ بغير جزية، فلما نزل فرض الجزية استؤنف ضربها على من تُعقَد له الذمة من أهل الكتاب والمجوس، فلم يكن عدمُ أخذ الجزية منهم لكونهم ليسوا أهلَ ذمة، بل لأنها لم تكن نزل فرضُها بعد.
وأما كون العقد غيرَ مؤبَّدٍ فذاك لمدة إقرارهم في أرض خيبر، لا لمدة حقن دمائهم ثم يستبيحها الإمام متى شاء، ولهذا قال: «نُقِرُّكم ما أقرَّكم الله» أو «ما شئنا»، ولم يقل: نحقن دماءكم ما شئنا.
وهكذا كان عقد الذمة لقُرَيظة والنَّضير عقدًا مشروطًا بأن لا يحاربوه ولا يظاهروا عليه، ومتى فعلوا فلا ذِمَّة لهم، وكانوا أهل ذمة بلا جزية إذ لم يكن نزل فرضها إذ ذاك، واستباح رسولُ الله - ﷺ - سبيَ نسائهم وذراريِّهم،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٧٣٠) من طريق مالك، وأخرجه ابن حبان (٥١٩٩ - الإحسان، ٢١٤٥ - التقاسيم) وابن المنذر في «الأوسط» (٦/ ٣٦٥ - ٣٦٧) والبيهقي في «السنن» (٩/ ١٣٧) و«الدلائل» (٤/ ٢٢٩ - ٢٣١) من طريق حماد بن سلمة عن عبيد الله بن عمر؛ كلاهما (مالك وعبيد الله) عن نافع عن ابن عمر. وهذا لفظ حديث حماد بن سلمة.
(٢) لم أجده في مؤلفاته المطبوعة، وقد ذكره عنه شيخ الإسلام في «فتاويه» (١٩/ ٢٣).
[ ٣ / ٤١٨ ]
- جواز عتق الرجل أمته وجعل عتقها صداقا لها
وجعل نقض العهد ساريًا في حق النساء والذرية، وجعل حكم الساكت والمقرِّ حكمَ الناقض المحارب. وهذا موجَب هديه - ﷺ - في أهل الذمة بعد الجزية أيضًا: أن يسري نقضُ العهد في ذريتهم ونسائهم، ولكن هذا إذا كان الناقضون طائفةً لهم شوكة ومَنَعة، أما إذا كان الناقض واحدًا من طائفةٍ لم يوافقه بقيتُهم فهذا لا يسري النقض إلى زوجته وأولاده، كما أن من أهدر النبيُّ - ﷺ - دماءهم ممن كان يسبُّه لم يَسْبِ نساءهم وذريتهم. فهذا هديه في هذا وهذا (^١)، وهو الذي لا محيد عنه. وبالله التوفيق.
ومنها: جواز عتق الرجل أمتَه وجعلِ عتقها صداقًا لها، ويجعلها زوجته بغير إذنها ولا شهودٍ ولا وليٍّ غيره، ولا لفظِ إنكاحٍ وتزويج، كما فعل - ﷺ - (^٢) بصفيَّة ولم يقل قطُّ: هذا خاص بي (^٣)، ولا أشار إلى ذلك مع علمه باقتداء أمته به، ولم يقل أحد من الصحابة: إن هذا لا يصلح لغيره، بل رووا القصة ونقلوها إلى الأمة ولم يمنعوهم ولا رسولُ الله - ﷺ - من الاقتداء به في ذلك.
والله سبحانه لما خصَّه في النكاح بالموهوبة قال: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فلو كانت هذه خالصةً له من دون أمته لكان هذا التخصيص أولى بالذكر لكثرة ذلك من السادات مع إمائهم، بخلاف المرأة التي تَهَب نفسها للرجل لندرته وقلته؛ أو مِثْلَه في الحاجة إلى البيان، ولا سيما والأصل مشاركة الأمة له واقتداؤها به، فكيف يسكت عن منع
_________________
(١) «وهذا» ساقط من المطبوع.
(٢) ص، ز، د: «كما فعل رسول الله - ﷺ -». ب: «النبي - ﷺ -».
(٣) س، ن: «لي».
[ ٣ / ٤١٩ ]
الاقتداء به في ذلك الموضع (^١) الذي لا يجوز مع قيام مقتضي الجواز؟ هذا شبه المُحال، ولم تجتمع الأمة على عدم الاقتداء به في ذلك فيجبَ المصير إلى إجماعها. وبالله التوفيق.
والقياس الصحيح يقتضي جواز ذلك، فإنه يملك رقبتها ومنفعة وطئها وخدمتها، فله أن يُسقط حقَّه من مِلك الرقبة ويستبقي ملك المنفعة أو نوعًا منها، كما لو أعتق عبدَه وشرط عليه أن يخدمه ما عاش، فإذا أخرج المالك رقبةً [مِن] (^٢) ملكه واستثنى نوعًا من منفعته لم يُمنَع من ذلك في عقد البيع، فكيف يُمنَع منه في عقد النكاح؟
ولما كانت منفعة البُضع لا تستباح إلا بعقد نكاحٍ (^٣) أو مِلكِ (^٤) يمينٍ، وكان إعتاقها يزيل ملك اليمين عنها= كان من ضرورة استباحة هذه المنفعة جَعْلُها زوجةً؛ وسيِّدُها كان يلي نكاحها وبيعها ممن شاء بغير رضاها، فاستثنى لنفسه ما كان يملكه منها، ولما كان من ضرورته عقدُ النكاح مَلَكه، لأن بقاء ملكه المستثنى لا يتمُّ إلا به، فهذا محض القياس الصحيح الموافق لسنَّته الصحيحة. والله أعلم.
ومنها: جواز كذب الإنسان على نفسه وعلى غيره إذا لم يتضمن ضرر ذلك الغير إذا كان يتوصل بالكذب إلى حقِّه، كما كذب الحجَّاج بن عِلاط
_________________
(١) ص، د، ف: «في ذلك في الموضع».
(٢) زيادة لازمة ليستقيم السياق.
(٣) ص، ز: «النكاح».
(٤) ص، د، ز: «بملك».
[ ٣ / ٤٢٠ ]
على المسلمين حتى أخذ مالَه من مكة من غير مضرة لحقت المسلمين (^١) من ذلك الكذب.
وأما ما نال مَن بمكة من المسلمين مِن الأذى والحزن فمفسدةٌ يسيرة في جنب المصلحة التي حصلت بالكذب، ولا سيما تكميلُ الفرح والسرور وزيادةُ الإيمان الذي حصل بالخبر الصادق بعد هذا الكذب، وكان الكذب سببًا في حصول هذه المصلحة الراجحة.
ونظير هذا: الإمامُ والحاكم يوهم الخصمَ خلاف الحق ليتوصَّل بذلك إلى استعلام الحق، كما أوهم سليمان بن داود إحدى المرأتين بشق الولد نصفين حتى توصَّل بذلك إلى معرفة عين الأم (^٢).
ومنها: جواز بناء الرجل بامرأته في السفر، وركوبِها معه على دابَّةٍ بين الجيش.
ومنها: أن من قتل غيره بسُمٍّ يَقتل مِثلُه قُتِل به قصاصًا، كما قُتلت اليهودية ببشر بن البراء.
ومنها: جواز الأكل من ذبائح أهل الكتاب وحِلُّ طعامهم.
ومنها: قبول هدية الكافر.
فإن قيل: فلعل المرأة قُتِلت لنقض العهد لحرابها بالسم لا قصاصًا. قيل: لو كان قتلها لنقض العهد لقتلت من حين أقرت بأنها سمَّت الشاة ولم يتوقَّف قتلُها على موت الآكل منها.
_________________
(١) س: «بالمسلمين».
(٢) كما في حديث أبي هريرة عند البخاري (٣٤٢٧، ٦٧٦٩) ومسلم (١٧٢٠).
[ ٣ / ٤٢١ ]
- هل كان فتح خيبر كلها عنوة، أو كان بعضها صلحا وبعضها عنوة؟
فإن قيل: فهلا قُتلت بنقض العهد؟ قيل: هذا حجة من قال: إن الإمام مخيَّر في ناقض العهد كالأسير.
فإن قيل: فأنتم توجبون قتلَه حتمًا كما هو منصوص أحمد (^١)، وإنما القاضي أبو يعلى ومن تبعه قالوا: يُخيَّر الإمام فيه.
قيل: إن كانت قصة الشاة قبل الصلح فلا حجة فيها، وإن كانت بعد الصلح فقد اختُلِف في نقض العهد بقتل المسلم على قولين، فمن لم يرَ النقض به فظاهر، ومن رأى النقض به فهل يتحتَّم قتلُه أو يخيَّر فيه؟ أو يُفصَّل بين بعض الأسباب الناقضة وبعضها، فيتحتَّم قتلُه بسبب السبِّ (^٢) ويُخيَّر فيه إذا نقضه بحِرابه ولحوقه بدار الحرب؟ وإن نقضه بسواهما، كالقتل، والزنا بالمسلمة، والتجسُّس على المسلمين، وإطلاع العدوِّ على عوراتهم، فالمنصوص: تعيُّنُ القتل.
وعلى هذا، فهذه المرأة لما سمَّت الشاة صارت بذلك محارِبةً، وكان قتلها مخيَّرًا فيه، فلما مات بعض المسلمين من السم قُتِلت حتمًا، إما قِصاصًا وإما لنقض العهد بقتلها المسلمَ، فهذا محتمل. والله أعلم.
واختُلِف في فتح خيبر: هل كان عنوةً، أو كان بعضها صلحًا وبعضها عنوةً؟
فروى أبو داود (^٣) من حديث أنس أن رسول الله - ﷺ - غزا خيبر فأصبناها
_________________
(١) انظر: «مسائل أحمد» برواية ابنه عبد الله (ص ٢٥٦).
(٢) المطبوع: «السبب»، تصحيف.
(٣) برقم (٣٠٠٩)، وقد أخرجه أيضًا البخاري (٣٧١) ومسلم (١٣٦٥) ضمن حديث طويل.
[ ٣ / ٤٢٢ ]
عنوةً فجُمِع السبي.
وقال ابن إسحاق (^١): سألت ابن شهاب فأخبرني أن رسول الله - ﷺ - افتتح خيبر عنوةً بعد القتال.
وذكر أبو داود (^٢) عن ابن شهاب: بلغني أن رسول الله - ﷺ - افتتح خيبر عنوةً بعد القتال، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعدَ القتال.
قال ابن عبد البر (^٣): هذا هو الصحيح في أرض خيبر: أنها كانت عنوةً كلُّها مغلوبًا عليها بخلاف فَدَك، فإن رسول الله - ﷺ - قسم جميع أرضها على الغانمين لها، المُوجفين عليها بالخيل والركاب، وهم أهل الحديبية. ولم يختلف العلماء أن أرض خيبر مقسومة، وإنما اختلفوا: هل تُقسَم الأرضُ إذا غُنِمت البلادُ أو توقف؟
فقال الكوفيون (^٤): الإمام مخيَّر بين قسمتها كما فعل رسول الله - ﷺ - بأرض خيبر، وبين إيقافها كما فعل عمرُ بسواد العراق.
وقال الشافعي (^٥): تقسم الأرض كلُّها كما قسم رسول الله - ﷺ - خيبر، لأن الأرض غنيمة كسائر أموال الكفار.
_________________
(١) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٥٦).
(٢) برقم (٣٠١٨).
(٣) في «الدرر في اختصار المغازي والسير» (ص ٢١٤ - ٢١٦)، ونقله ابن سيد الناس في «عيون الأثر» (٢/ ١٣٦) والمؤلف صادر عنه.
(٤) انظر: «المبسوط» (١٠/ ٣٧).
(٥) في «الأم» (٥/ ٦٨٨) بمعناه.
[ ٣ / ٤٢٣ ]
وذهب مالك إلى إيقافها اتباعًا لعمر، لأن الأرض مخصوصة من سائر الغنيمة بما فعل عمر في جماعة من الصحابة مِن إيقافها لمن يأتي بعده من المسلمين. وروى مالك (^١) عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر يقول: «لولا أن يُترك آخِرُ الناس لا شيء لهم ما افتتح المسلمون قريةً إلا قسمتُها سُهمانًا كما قسم رسول الله - ﷺ - خيبر سهمانًا».
وهذا يدل على أن أرض خيبر قسمت كلها سهمانًا كما قال ابن إسحاق.
وأما من قال: إن خيبر كان بعضُها صلحًا وبعضُها عنوةً، فقد وهم وغلط، وإنما دخلت عليه الشبهة بالحِصنَين اللَّذَين أسلمهما أهلهما في حقن دمائهم، فلما لم يكن أهلُ ذينك الحِصنين من الرجال والنساء والذرية مغنومين ظَنَّ أن ذلك صلحٌ، ولعَمْري إن ذلك في الرجال والنساء والذرية لضربٌ (^٢) من الصلح، ولكنهم لم يتركوا أرضَهم إلا بالحصار والقتال، فكان حكمُ أرضهما (^٣) حكمَ سائرِ أرضِ خيبر كلِّها عنوةً غنيمةً مقسومةً بين أهلها.
وربما شُبِّه على من قال: إن نصفَ خيبر صلحٌ ونصفَها عنوة بحديث يحيى بن سعيد عن بُشَير بن يسار أن رسول الله - ﷺ - قسم خيبر نصفين: نصفًا له ونصفًا للمسلمين (^٤).
_________________
(١) ومن طريقه أخرجه ابن أبي شيبة (٣٣٦٤٨) ــ واللفظ له ــ وأحمد (٢٨٤) والبخاري (٢٣٣٤).
(٢) ز، ن، المطبوع: «كضرب»، تصحيف.
(٣) أي: أرض ذينك الحِصنين. وفي ز، ن: «أرضها»، تصحيف.
(٤) أخرجه أبو داود (٣٠١٠) عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة بنحوه. وقد روي تفصيل القسمة عن بُشير بن يسار من أوجه أُخَر. انظر: «سنن أبي داود» (٣٠١١ - ٣٠١٤) وما سبق (ص ٣٩١) في مطلع الفصل.
[ ٣ / ٤٢٤ ]
فصل: خروجه - ﷺ - من خيبر إلى وادي القرى وكان بها جمع من اليهود
قال أبو عمر: وهذا لو صح لكان معناه أن النصف له مع سائر من وقع في ذلك النصف معه، لأنها قسمت على ستة وثلاثين سهمًا، فوقع السهم للنبي - ﷺ - وطائفةٍ معه في ثمانية عشر سهمًا، ووقع سائر الناس في باقيها، وكلُّهم ممن شهد الحديبية ثم خيبر.
وليست الحصون التي أسلمها أهلها بعد الحصار والقتال صلحًا، ولو كانت صلحًا لملكها أهلُها كما يملك أهل الصلح أرضهم وسائر أموالهم، فالحق في هذا ما قاله ابن إسحاق دون ما قاله موسى بن عقبة وغيره عن ابن شهاب. هذا آخر كلام أبي عمر.
قلت: ذكر مالك (^١) عن ابن شهاب أن خيبر كان بعضها عنوةً وبعضها صلحًا، والكتيبة أكثرها عنوةً وفيها صلح. قال مالك: والكَتِيبة أرضُ خيبرَ، وهو (^٢) أربعون ألف عذق.
وقال مالك (^٣) عن الزهري عن ابن المسيب أن رسول الله - ﷺ - افتتح بعض خيبر عنوةً.
فصل
ثم انصرف رسول الله - ﷺ - من خيبر إلى وادي القُرى (^٤)، وكان بها
_________________
(١) أسنده عنه أبو داود (٣٠١٧).
(٢) ص، د، ز: «وهوازن»، تحريف.
(٣) أسنده عنه أبو داود في الموضع السابق.
(٤) وادي القُرى معروف اليوم بوادي العُلا شمال المدينة على قرابة (٣٥٠) كيلًا. «معجم المعالم الجغرافية في السيرة» (ص ٢٥٠).
[ ٣ / ٤٢٥ ]
جماعة من اليهود، وقد انضاف إليهم جماعةٌ من العرب، فلما نزلوا استقبلهم يهودُ بالرمي وهم على غير تعبية، فقُتل مِدْعَمٌ عبد رسولِ الله - ﷺ -، فقال الناس (^١): هنيئًا له الجنة، فقال النبي - ﷺ -: «كلَّا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تُصِبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا»، فلما سمع بذلك الناس جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - بشراك أو شراكين، فقال النبي - ﷺ -: «شراك من نار» أو «شراكان من نار» (^٢).
فعبَّى (^٣) رسولُ الله - ﷺ - أصحابَه (^٤) للقتال وصفَّهم، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، ورايةً إلى الحُباب بن المنذر، ورايةً إلى سهل بن حُنَيف، ورايةً إلى عبَّاد بن بِشر، ثم دعاهم إلى الإسلام وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم وحسابُهم على الله، فبرز رجل منهم فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله (^٥)، ثم برز آخر فبرز إليه عليٌّ فقتله، حتى قُتِل منهم أحد عشر رجلًا، كلما قُتِل منهم رجل دعا من بقي إلى الإسلام، وكانت الصلاة تحضر ذلك اليوم فيصلي بأصحابه ثم يعود فيدعوهم إلى الإسلام
_________________
(١) بعده في جميع الأصول: «قُتل مدعم فقال الناس»، تكرار لما سبق.
(٢) أخرجه البخاري (٤٢٣٤، ٦٧٠٧) من حديث أبي هريرة بنحوه. وأخرجه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٧٠ - ٢٧١) من حديثه أيضًا من طريق الواقدي مطوّلًا، وفيه ما سيأتي في الفقرات الثلاث الآتية إلى قوله: «وانصرف رسول الله - ﷺ -» راجعًا إلى المدينة.
(٣) كذا في الأصول بتسهيل الهمز. ورسمه في ز: «تعبّى».
(٤) ص، ز، د: «وأصحابه».
(٥) زِيد في المطبوع بعده: «ثم برز آخر فقتله»، وليس في شيء من الأصول ولا في «الدلائل».
[ ٣ / ٤٢٦ ]
- قصة نوم العسكر عن صلاة الفجر عند قفولهم من وادي القرى
وإلى الله ورسوله، فقاتلهم حتى أمسوا وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قِيد رمح حتى أَعطَوا بأيديهم (^١) وفتحها عنوةً، وغنَّمه الله أموالَهم وأصابوا أثاثًا ومتاعًا كثيرًا.
وأقام رسول الله - ﷺ - بوادي القرى أربعة أيام، وقسم ما أصاب على أصحابه بوادي القرى، وترك الأرض والنخل بأيدي اليهود وعاملهم عليها، فلما بلغ يهود تَيماء ما واطى عليه رسولُ الله - ﷺ - أهلَ خيبر وفدك ووادي القرى صالحوا رسول الله - ﷺ - وأقاموا بأموالهم، فلما كان عمر بن الخطاب أخرج يهود خيبر وفدك، ولم يُخرج أهل تيماء ووادي القرى لأنهما داخلتان في أرض الشام، ويَرَى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز، وأن ما وراء ذلك من الشام. وانصرف رسول الله - ﷺ - راجعًا إلى المدينة (^٢).
فلما كان ببعض الطريق سار ليله حتى إذا كان ببعض الطريق عرَّس وقال لبلال: «اكْلَأ لنا الليل» (^٣)، فغلبت بلالًا عيناه وهو مستنِد إلى راحلته، فلم يستيقظ النبي - ﷺ - ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، وكان رسول الله - ﷺ - أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله - ﷺ - فقال: «ما هذا يا بلال؟» فقال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فاقتادوا رواحلهم شيئًا حتى خرجوا من ذلك الوادي، ثم قال: «هذا وادٍ به
_________________
(١) أي: استسلموا. وغُيِّر في المطبوع إلى: «أعطوا ما بأيديهم» ففسد المعنى.
(٢) هنا ينتهي النقل من رواية الواقدي التي أخرجها البيهقي.
(٣) زِيد بعده في المطبوع سطر ونصف بين الحاصرتين نقلًا عن «صحيح مسلم» دون تنبيه، ولا حاجة إليه فالقصة واضحة بدونه، ثم إنه ليس عند البيهقي في «الدلائل» والمؤلف صادر عنه.
[ ٣ / ٤٢٧ ]
شيطان»، فلما جاوزه أمرهم أن ينزلوا وأن يتوضؤوا، ثم صلَّى سنة الفجر، ثم أمر بلالًا فأقام الصلاة، وصلَّى بالناس ثم انصرف (^١) وقال: «يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردَّها إلينا في حينٍ غير هذا، فإذا نام أحدكم عن الصلاة أو نسيها فليصلِّها كما كان يصليها في وقتها»، ثم التفت رسول الله - ﷺ - إلى أبي بكر فقال: «إن الشيطان أتى بلالًا وهو قائم يصلِّي فأضجعه، فلم يزل يُهَدِّيه كما يُهدَّى (^٢) الصبيُّ حتى نام»، ثم دعا رسول الله - ﷺ - بلالًا فأخبره بمثل ما أخبر به أبا بكر (^٣).
وقد روي أن هذه القصة كانت في مرجعهم من الحديبية، وروي أنها كانت مرجعَه من غزوة تبوك، وقد روى قصةَ النوم عن صلاة الصبح عمرانُ بن حُصَين ولم يوقِّت مدَّتها ولا ذكر في أيِّ غزوةٍ كانت، وكذلك رواها أبو قتادة، كلاهما في قصة طويلة محفوظة (^٤).
وروى مالك عن زيد بن أسلم أن ذلك كان بطريق مكة، وهذا مرسل.
وقد روى شعبة عن جامع بن شَدَّاد قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي
_________________
(١) زِيد بعده في المطبوع: «إليهم وقد رأى من فزعهم» نقلًا عن «الموطأ» دون تنبيه، وليس في شيء من الأصول.
(٢) كذا في الأصول بتسهيل الهمز.
(٣) سياق الخبر جمعه المؤلف من حديثين: حديث أبي هريرة عند مسلم (٦٨٠) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٧٢) وذلك إلى قوله: «فاقتادوا رواحلهم شيئًا»، والباقي من حديث زيد بن أسلم مرسلًا عند مالك في «الموطأ» (٢٦) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٧٣)، وهو صحيح بشواهده المسندة.
(٤) حديثهما عند البخاري (٣٤٤، ٥٩٥) ومسلم (٦٨٢، ٦٨١) ولاءً.
[ ٣ / ٤٢٨ ]
علقمة قال: سمعت عبد الله بن مسعود قال: أقبلنا مع رسول الله - ﷺ - زمنَ الحديبية فقال النبي - ﷺ -: «من يكلؤنا؟» فقال بلال: أنا ــ وذكر القصة ــ (^١).
ولكن قد اضطربت الرواة في هذه القصة، فقال عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن جامع: إن الحارس فيها كان ابنَ مسعود (^٢)، وقال غُنْدَرٌ عنه: إن الحارس كان بلالًا؛ واضطربت الرواية في تاريخها فقال المعتمر بن سليمان (^٣) عن شعبة عنه: إنها كانت في غزوة تبوك، وقال غيره عنه: إنها
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣٦٥٧) من طريق يحيى بن سعيد القطان، وهو (٤٤٢١) وأبو داود (٤٤٧) والنسائي في «الكبرى» (٨٨٠٢) من طريق محمد بن جعفر «غُندَر»، كلاهما (يحيى القطان وغندر) عن شعبة به، وفي حديثهما عنه أن ذلك كان زمن الحديبية وأن الحارس كان بلالًا. هذا هو المحفوظ في حديث شعبة برواية هذين الحافظَين الثَّبْتَين عنه.
(٢) رواية عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة لم أجدها، وإنما أشار إليها البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٧٤) فقال: «رُوي عن عبد الرحمن عن شعبة أن الحارس كان ابن مسعود، وكذلك قاله عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي عن جامع بن شدّاد»، ثم أخرج رواية المسعودي، وأخرجها أيضًا أحمد (٣٧١٠) والنسائي في «الكبرى» (٨٨٠٣) والمسعودي كان قد اختلط، وكلُّ من روى عنه هذا الحديث هم ممن سمعوا منه بعد الاختلاط.
(٣) كذا في جميع الأصول، وهو وهم أو سبق قلم، والصواب: «زافر بن سليمان» فهو الذي روى هذا الحديث عن شعبة وقال فيه: «غزوة تبوك» مخالفًا بذلك رواية يحيى القطان وغندر عن شعبة، وزافر ليس بذاك القوي، فروايته هذه منكرة. وهي مخرجة عند الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٣٩٨٥) و«معاني الآثار» (١/ ٤٦٥)، والشاشي في «مسنده» (٨٣٩)، والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ١٥٦، ٢٧٥)، والمؤلف صادر عنه فلعل نسخته التي كانت عند المؤلف تصحّف فيها «زافر» إلى «معتمر».
[ ٣ / ٤٢٩ ]
كانت في مرجعهم (^١) من الحديبية؛ فدل على وهم وقع فيها، وروايةُ الزهري عن سعيد (^٢) سالمة من ذلك. وبالله التوفيق.
فصل
في فقه هذه القصة
فيها: أن من نام عن صلاةٍ أو نسيها فوقتها حين يستيقظ أو يذكرها.
وفيها: أن السنن الرواتبَ تُقضى كما تقضى الفرائض، وقد قضى رسول الله - ﷺ - سنة الفجر معها، وقضى سنة الظهر وحدها، وكان هديه - ﷺ - قضاء السنن الرواتب مع الفرائض.
وفيها: أن الفائتة يؤذَّن لها ويقام، فإن في بعض طرق هذه القصة أنه أمر بلالًا فنادى بالصلاة (^٣)، وفي بعضها: «فأمر بلالًا فأذن وأقام» ذكره أبو داود (^٤).
وفيها: قضاء الفائتة جماعةً.
وفيها: قضاؤها على الفور لقوله: «فليُصلِّها إذا ذكرها» (^٥)، وإنما أخرها
_________________
(١) ص، ز، د: «مرجعه».
(٢) أي: رواية الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة التي أخرجها مسلم (٦٨٠)، وقد سبق لفظها وفيها أن القصة كانت حين القفول من غزوة خيبر.
(٣) ورد ذلك في حديث أبي قتادة عند البخاري (٥٩٥) ومسلم (٦٨١) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٨٣).
(٤) برقم (٤٤٣ - ٤٤٥) من حديث عمران بن حصين، وعمرو بن أمية الضَّمْري، وذي مِخبَرٍ الحبشي - ﵃ -. وجاء ذكر الإقامة أيضًا في حديث أبي هريرة عند مسلم.
(٥) هذا لفظ حديث أبي هريرة عند مسلم في قصة النوم، وجاء ذلك أيضًا في حديث أنس عند البخاري (٥٩٧) ومسلم (٦٨٤) دون القصة وزاد: «لا كفّارة لها إلا ذلك».
[ ٣ / ٤٣٠ ]
فصل: رد المهاجرين على الأنصار منائحهم من النخيل بعد خيبر
فصل: سرايا بعثها النبي - ﷺ - بعد مقدمه من خيبر
- سرية أبي بكر الصديق إلى نجد قبل بني فزارة
عن مكان معرَّسهم قليلًا لكونه مكانًا فيه شيطان فارتحل منه إلى مكان خير منه، وذلك لا يفوِّت المبادرة إلى القضاء، فإنهم في شغل الصلاة وشأنها.
وفيها: تنبيه على اجتناب الصلاة في أمكنة الشيطان، كالحمَّام والحُشِّ بطريق الأولى، فإن هذه منازله التي يأوي إليها ويسكنها، فإذا كان النبي - ﷺ - ترك المبادرة إلى الصلاة في ذلك الوادي وقال: «إن به شيطانًا» فما الظن بمأوى الشيطان وبيته.
فصل
ولما رجع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة ردَّ المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم إياها من النخيل حين صار لهم بخيبرَ مالٌ ونخيل، وكانت أم سُلَيم ــ وهي أم أنس بن مالك ــ أعطت رسول الله - ﷺ - عذاقًا، فأعطاهن أمَّ أيمنَ مولاتَه ــ وهي أم أسامة بن زيد ــ، فردَّ رسولُ الله - ﷺ - على أم سُلَيم عِذاقها وأعطى أمَّ أيمن مكانهن من حائطه مكانَ كلِّ عذقٍ عشرةً (^١).
فصل
وأقام رسول الله - ﷺ - بالمدينة بعد مقدمه من خيبر إلى شوال، ويبعث في خلال ذلك السرايا.
فمنها: سرية أبي بكر الصديق إلى نجد قِبَلَ بني فزارة، ومعه سلمة بن الأكوع فوقع في سهمه جارية حسناء، فاستوهبها منه رسولُ الله - ﷺ - وفادى بها
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦٣٠، ٤١٢٠) ومسلم (١٧٧١) من حديث أنس - ﵁ -.
[ ٣ / ٤٣١ ]
- سرية عمر بن الخطاب في نحو هوازن
- سرية عبد الله بن رواحة إلى اليسير بن رزام اليهودي
أسرى من المسلمين كانوا بمكة (^١).
ومنها: سرية عمر بن الخطاب في ثلاثين راكبًا نحو هوازن، فجاءهم الخبر فهربوا، وجاء محالَّهم فلم يلقَ منهم أحدًا، فانصرف راجعًا إلى المدينة فقال له الدليل: هل لك في جمع من خثعم جاؤوا سائرين قد أَجْدَبت بلادُهم؟ فقال عمر: «ما أمرني رسول الله - ﷺ - بهم»، ولم يعرض لهم (^٢).
ومنها: سرية عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكبًا ــ فيهم عبد الله بن أُنَيس ــ إلى اليُسَير (^٣) بن رِزام اليهودي، فإنه بلغ رسول الله - ﷺ - أنه يجمع غطفان ليغزوه بهم، فأتوه بخيبر فقالوا: أرسلَنا إليك رسولُ الله - ﷺ - ليستعملك على خيبر، فلم يزالوا به حتى تبعهم في ثلاثين رجلًا، مع كل رجلٍ منهم رديفٌ من المسلمين، فلما بلغوا قرقرة ثِبار (^٤) ــ وهي من خيبر على ستة أميال ــ ندم اليُسَير فأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن أنيس، ففطن له
_________________
(١) خبر السريّة أخرجه أحمد (١٦٥٠٢) ومسلم (١٧٥٥) من حديث سلمة بن الأكوع مطوّلًا، ولكن ليس فيه ذكر توقيتها. وذكر الواقدي (٢/ ٧٢٢) أنها كانت في شعبان سنة سبعٍ.
(٢) أخرجه الواقدي (٢/ ٧٢٢) عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب معضلًا، ومن طريق الواقدي أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٩٢).
(٣) نقطه في عامّة الأصول: «البُشَير»، والتصحيح من كتب المغازي، ويُضبط: «أُسَير» أيضًا كما عند الواقدي وابن سعد.
(٤) في عامّة الأصول والمطبوع: «نيار» والتصحيح من كتب المغازي و«معجم البلدان» (٢/ ٧٢). والقرقرة: أرض مطمئنة وسط القاع، و«ثبار» اسم موضع.
[ ٣ / ٤٣٢ ]
- سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى بني مرة بفدك
عبد الله فزجر بعيرَه ثم اقتحم عن البعير يسوق القوم حتى إذا استمكن من اليسير ضرب رِجله فقطعها، واقتحم اليسير وفي يده مِخْرَش من شَوحطٍ (^١) فضرب به وجه عبد الله فشجَّه مأمومةً (^٢)، فانكفأ كلُّ رجلٍ من المسلمين على رديفه فقتله، غيرَ رجل من اليهود أعجزهم شدًّا، ولم يُصَبْ من المسلمين أحد، وقَدِموا على رسول الله - ﷺ - فبصق في شَجَّة عبد الله بن أنيس، فلم تَقِحْ ولم تُؤذه حتى مات (^٣).
ومنها: سرية بَشير بن سعد الأنصاري إلى بني مُرَّة بفَدَكٍ في ثلاثين رجلًا، فخرج إليهم فلقي رِعاءَ الشاء، فاستاق الشاءَ والنَّعم ورجع إلى المدينة، فأدركه الطلب عند الليل فباتوا يُرامونهم بالنبل حتى فني نبل بشير وأصحابه، فولَّى منهم من ولى وأصيب من أصيب، وقاتل بشير قتالًا شديدًا، ورجع القوم بنعمهم وشائهم، وتحامل بشير حتى انتهى إلى فدك، فأقام عند يهود حتى برأت جراحه فرجع إلى المدينة (^٤).
_________________
(١) المخرش هو المِحجن، عصا معقّفة الرأس. والشوحط: ضرب من شجر النَّبْع.
(٢) أي: شجَّةً مأمومة، وهي التي بلغت أمَّ الرأس، وهي الجلدة التي تجمع الدماغ.
(٣) ذكره موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري مرسلًا، كما في «الدلائل» (٤/ ٢٩٤). وروي عن أبي الأسود عن عروة بنحوه كما في «مغازي الواقدي» (٢/ ٥٢٢) و«الدلائل» (٤/ ٢٩٣)، وذكره أيضًا ابن إسحاق بنحوه، كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٦١٨).
(٤) أخرجه الواقدي (٢/ ٧٢٣) ــ ومن طريقه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٩٥) ــ عن عبد الله بن الحارث بن فضيل عن أبيه مرسلًا. وقد ذكر موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري وابنُ إسحاق هذه السرية عند تعداد البعوث والسرايا دون أن يسوقا خبرها. انظر: «الدلائل» (٥/ ٤٦٤، ٤٦٧).
[ ٣ / ٤٣٣ ]
- سرية فيها أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة، وفيها قتل أسامة رجلا بعد ما قال: لا إله إلا الله
ثم بعث رسول الله - ﷺ - سريةً إلى الحُرَقات من جُهَينة وفيهم أسامة بن زيد، فلما دنا منهم بعث الأمير الطلائع، فلما رجعوا بخبرهم أقبل حتى إذا دنا منهم ليلًا وقد احتلبوا وهدؤوا قام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وأن تطيعوني ولا تعصوني ولا تخالفوا أمري، فإنه لا رأي لمن لا يطاع» ثم رتَّبهم وقال: «يا فلان أنت وفلان، ويا فلان أنت وفلان، لا يفارق كلٌّ منكما صاحبَه وزميله، وإياكم أن يرجع أحد منكم فأقول: أين صاحبك؟ فيقول: لا أدري، فإذا كبَّرتُ فكبروا وجَرِّدوا السيوف»، ثم كبَّروا وحملوا حملةً واحدةً وأحاطوا بالقوم، وأخذتهم سيوفُ الله فَهُم يضعونها حيث شاؤوا منهم، وشِعارهم: «أمت أمت». وخرج أسامة في أثر رجل منهم يقال له: نَهِيك بن مِرداس (^١)، فلما دنا منه ولَحَمَه بالسيف قال: لا إله إلا الله، فقتله. ثم استاقوا النساء (^٢) والنعم والذرية، وكانت سُهمانهم عشرة أبعرةٍ لكل رجل أو عدلها من النعم.
ولمَّا قدموا على رسول الله - ﷺ - أُخبِر بما صنع أسامة، فكَبُرَ ذلك عليه وقال: «أقتلتَه بعد ما قال: لا إله إلا الله؟» فقال: إنما قالها متعوِّذًا، قال: «فهلَّا شققت عن قلبه!» ثم قال: «من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟» فما زال يكرِّر ذلك عليه حتى تمنى أن يكون أسلم يومئذ، وقال: يا رسول الله، أعطي الله عهدًا أن لا أقتل رجلًا يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله - ﷺ -: «بعدي»،
_________________
(١) كذا في جميع الأصول وفاقًا للواقدي، وغُيِّر في المطبوع إلى «مرداس بن نهيك» وفاقًا لما عند ابن إسحاق.
(٢) س، المطبوع: «الشاء»، وهو كذلك في «مغازي الواقدي». والمثبت من الأصول موافق لما في «الدلائل».
[ ٣ / ٤٣٤ ]
فصل: سرية غالب بن عبد الله الكلبي إلى بني الملوح بالكديد
فقال أسامة: «بعدك» (^١).
فصل
وبعث غالبَ بن عبد الله الكلبي إلى بني المُلوَّح بالكَدِيد وأمره أن يُغير عليهم (^٢).
قال ابن إسحاق (^٣): فحدثني يعقوب بن عُتبة، عن مسلم بن عبد الله الجُهَني، عن جُندب بن مَكِيث الجهني قال: كنتُ في سريته فمضينا حتى إذا كنا بقُدَيد لقينا به الحارث بن مالك بن البَرصاء الليثي، فأخذناه فقال: إنما جئت لأُسلِم، فقال له غالب بن عبد الله: إن كنتَ إنما جئت لتُسلم فلا يضرُّك رباط يوم وليلة، وإن كنتَ على غير ذلك استوثقنا منك، فأوثقه رباطًا وخلَّف عليه رُويجِلًا أسودَ وقال: امكُثْ معه حتى نمُرَّ عليك، فإن نازعك فاحتزَّ رأسَه، ومضينا حتى أتينا بطن الكَدِيد فنزلناه عشيةً بعد العصر، فبعثني
_________________
(١) سياق الخبر مجموع من مغازي ابن إسحاق والواقدي، كما أسنده البيهقي عنهما في «الدلائل» (٤/ ٢٩٦ - ٢٩٧). وانظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٦٢٢) و«مغازي الواقدي» (٢/ ٧٢٤). وقصة أسامة أخرجها أيضًا البخاري (٤٢٦٩) ومسلم (٩٦) من حديث أسامة بن زيد، وكذا أخرجها مسلم (٩٧) من حديث جندب بن عبد الله البجلي، وليس فيهما قول أسامة: يا رسول الله، أعطي الله عهدًا إلخ، وإنما ذكره ابن إسحاق عن محمد بن أسامة بن محمد بن أسامة بن زيد عن أبيه عن جدّه.
(٢) قال الواقدي: إنها كانت في صفر سنة ثمانٍ. «المغازي» (٢/ ٧٥٠). وبنو المُلوَّح بطن من بني لَيث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. انظر: «جمهرة أنساب العرب» (ص ١٨٠، ٤٦٥). و«الكَدِيد» ماءٌ بين قُديدٍ وعُسفان، وسيأتي مزيد تعريف به (ص ٤٨٥).
(٣) كما أخرجه عنه ابن هشام (٢/ ٦٠٩) وأحمد (١٥٨٤٤) والحاكم مختصرًا (٢/ ١٢٤) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٩٨) والسياق له.
[ ٣ / ٤٣٥ ]
أصحابي إليه (^١) فعمدت إلى تَلٍّ يُطْلِعني على الحاضر فانبطحتُ عليه، وذلك قبل غروب الشمس، فخرج رجل منهم فنظر فرآني منبطحًا على التل فقال لامرأته: إني لأرى سوادًا على هذا التلِّ ما رأيتُه في أول النهار، فانظري لا تكون الكلاب اجترَّت بعضَ أوعيتك، فنظرت فقالت: واللهِ ما أفقد شيئًا، قال: فناوليني قوسي وسهمين من نبلي، فناولَتْه، فرماني بسهم فوضعه في جنبي، فنزعتُه فوضعتُه ولم أتحرك، ثم رماني بالآخر فوضعه في رأس منكبي، فنزعته فوضعته ولم أتحرك، فقال لامرأته: أما واللهِ لقد خالطه سهامي، ولو كان زائلًا لتحرَّك، فإذا أصبحتِ فابتغي سهميَّ فخُذِيهما لا تمضغهما الكلاب عليَّ.
قال: فأمهلنا حتى إذا راحت رائحتهم (^٢)، واحتلبوا وسكنوا، وذهبت عَتَمة من الليل= شننَّا عليهم الغارةَ، فقتلنا من قتلنا، واستقنا النَّعَم فوجَّهنا قافلين به، وخرج صريخُهم إلى قومهم، وخرجنا سراعًا حتى نمرَّ بالحارث بن مالك وصاحبه، فانطلقنا به معنا، وأتانا صريخ الناس فجاءنا ما لا قِبَلَ لنا به حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلا بطن الوادي من قُدَيد أرسل الله ﷿ من حيث شاء سيلًا، لا واللهِ ما رأينا قبل ذلك مطرًا، فجاء بما لا يقدر أحد يقوم عليه، فلقد رأيتُهم وقوفًا ينظرون إلينا ما يقدر أحدٌ منهم أن
_________________
(١) «إليه» كذا في «الدلائل» مصدر المؤلف، والظاهر أنه تصحيف عن «رَبيئةً» كما عند ابن هشام وغيره، أو عن «رَئيَّةً» كما في «المسند». والربيئة: طليعة القوم يرقب العدو من مربأ، والرئيَّة: عين القوم.
(٢) الرائحة هي الماشية التي تروح ــ أي تعود بالعشي ــ إلى مُراحها. وهي ضد السارحة، وهي المتوجهة إلى المرعى.
[ ٣ / ٤٣٦ ]
فصل: سرية بشير بن سعد إلى جمع من يمن وغطفان وحيان
يُقدِم عليه ونحن نحدوها، فذهبْنا سِراعًا حتى أسندناها في المُشَلَّل (^١)، ثم حدرنا عنه، فأعجَزْنا القومَ بما في أيدينا.
وقد قيل: إن هذه السرية هي السرية التي قبلها، فالله أعلم.
فصل
ثم قدم حُسَيل بن نُوَيرة، وكان دليلَ النبي - ﷺ - إلى خيبر، فقال له النبي - ﷺ -: «ما وراءك؟» قال: تركتُ جمعًا من يَمْنٍ وغطفانَ وحيَّان (^٢)
وقد بعث
_________________
(١) هي الثنية المشرفة على قُدَيد.
(٢) س: «جناب»، وفي سائر الأصول رُسِم بالنون في آخره، والنقط المثبت من ص، د، ن. وضُبِط في «تاريخ الإسلام» للذهبي (١/ ٣٠٣): «حَنان»، وذكر محققه أن ناسخه البدر البشتكي هكذا جوّد ضبطه عن المؤلف. وكذا كان رسمه ــ أي بالنون في آخره ــ في الأصل الخطي من «مغازي الواقدي» (٢/ ٧٢٧) و«الدلائل» (٤/ ٣٠١) كما ذكره محققوهما في الهامش، إلا أنهم غيروه في صلبهما إلى «جناب». و«جِناب» (بكسر الجيم) أرض لغطفان بعِراض خيبرَ وسِلاحٍ ووادي القرى، وله ذِكر في خبر السريّة أيضًا، إلا أنه لا يلزم أن يكون «حيان» ــ أو «حنان» ــ مصحّفًا عنه، بل قد تكون النون فيه مصحّفة عن الراء ويكون الصواب: «جُبار» فإن له ذِكرًا في خبر السريّة أيضًا؛ قال ابن سعد في «الطبقات» (٢/ ١٣٣): «سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يَمْنٍ وجُبارٍ بلغ رسول الله - ﷺ - أن جمعًا مِن غَطَفان بالجِناب حتى أتوا إلى يَمْنٍ وجُبار وهي نحو الجِناب». ويَمْن (بفتح الياء وقد تُضم) وجُبار كلاهما ماءٌ يقع شرقيَّ سِلاحٍ ــ وتُعرَف اليومَ بقرية «العِشاش» ــ شمالَ خيبر، وكثيرًا ما يُذكر «يَمْن وجُبار» مَقرُونين. قال عامر بن الطفيل: ألا مَن مُبلِغٌ أسماءَ عني ولو حَلَّتْ بيُمْنٍ أو جُبارِ انظر: «طبقات ابن سعد» (٣/ ٤٩٣، ٥/ ١٦٨) و«عيون الأثر» (٢/ ١٤٧) و«الإشارة» لمُغلطاي (ص ٢٨٩) و«معجم ما استعجم» (١/ ٢٩١، ٢/ ١٤٠٠) و«معجم البدان» لياقوت (٢/ ٩٨، ٥/ ٤٤٩)، و«معجم معالم الحجاز» للبلادي (ص ٣٣٢، ١١٥٧، ١٨٦٥).
[ ٣ / ٤٣٧ ]
إليهم عيينة: إما أن تسيروا إلينا وإما أن نسير إليكم، فأرسلَوا إليه أن سِرْ إلينا وهم يريدونك أو بعضَ أطرافِك، فدعا رسول الله - ﷺ - أبا بكر وعمر فذكر لهما ذلك، فقالا جميعًا: ابعَثْ بشيرَ بن سعدٍ، فعقد له لواءً وبعث معه ثلاثمائة رجل، وأمرهم أن يسيروا الليل ويَكمُنُوا النهار، وخرج معهم حُسَيل دليلًا، فساروا الليل وكمنوا النهار حتى أتوا أسفل خيبر، حتى دنوا من القوم فأغاروا على سرحهم، وبلغ الخبرُ جميعَهم (^١) فتفرَّقوا، فخرج بشير في أصحابه حتى أتى محالَّهم، فيجدها ليس بها أحد فرجع بالنعم، فلما كانوا بسِلاحٍ (^٢) لَقُوا عينًا لعيينة فقتلوه، ثم لقوا جمعَ عيينةَ وعيينةُ لا يشعر بهم، فناوشوهم، ثم انكشف جمعُ عيينة وتبعهم أصحابُ رسول الله - ﷺ - فأصابوا منهم رجلين فقدموا بهما على النبي - ﷺ -، فأسلما فأرسلهما.
وقال الحارث بن عوف (^٣) لعيينة ولقيه منهزمًا تعدو به فرسه: قف، فقال: لا أقدِر خلفي الطلب، فقال له الحارث: أما آن لك أن تبصر بعض ما أنت عليه؛ إن محمدًا قد وطئ البلاد وأنت تُوضِع في غير شيء؟ قال
_________________
(١) أي جَمْعَهم، وفي ن، المطبوع: «جمعهم».
(٢) تقع في موضعه اليوم قريةُ العِشاش في الجزء الشمالي من محافظة خيبر. وتوجد آثار سلاح في آخر العشاش من الجنوب. انظر: «معجم معالم الحجاز» للبلادي (ص ٨٢١).
(٣) هو سيد بني مُرَّة من غطفان، وكان هو وعيينة بن حصن الفَزاري قائدَي غَطَفان في الأحزاب، أسلم سنة تسع منصرف النبي - ﷺ - من تبوك. انظر: «طبقات ابن سعد» (٦/ ٢١٠).
[ ٣ / ٤٣٨ ]
فصل: سرية أبي حدرد الأسلمي إلى رفاعة بن قيس بالغابة
الحارث: فأقمتُ من حين زالت الشمس إلى الليل وما أرى أحدًا ولا طلبوه، إلا الرعب الذي دخله! (^١).
فصل
وبعث رسول الله - ﷺ - أبا حَدْرَد (^٢) الأسلمي في سرية وكان من قصته ما ذكر ابن إسحاق (^٣): أن رجلًا من جُشَم بن معاوية يقال له: قيس بن رفاعة ــ أو رفاعة بن قيس ــ أقبل في عدد كثير حتى نزلوا بالغابة يريد أن يجمع قيسًا على محاربة رسول الله - ﷺ - وكان ذا اسمٍ وشرف في جشم.
قال (^٤): فدعاني رسول الله - ﷺ - ورجلين من المسلمين، فقال: «اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر وعلم»، وقدَّم لنا شارفًا عجفاءَ (^٥) فحمل عليها أحدنا فواللهِ ما قامت به ضعفًا حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم
_________________
(١) أخرجه الواقدي (٢/ ٧٢٧) ــ ومن طريقه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٣٠١) ــ عن بشير بن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري معضلًا. وقد ذكر ابن إسحاق هذه السرية عند تعداد البعوث والسرايا دون أن يسوق خبرها. انظر: «سيرة ابن هشام» (ص ٦١٢).
(٢) المطبوع: «ابن أبي حدرد» خلافًا للأصول، لكنه موافق لما في «سيرة ابن هشام» من طريق البكائي عن ابن إسحاق. والمثبت من الأصول موافق لما نقله البيهقي في «الدلائل» من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق.
(٣) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٦٢٩) و«الدلائل» للبيهقي (٤/ ٣٠٣) والمؤلف صادر عنه. وقد ذكر الواقدي أيضًا هذه السرية في «مغازيه» (٢/ ٧٧٧) ولكن سياقها يختلف عمّا ذكره ابن إسحاق، وأرَّخ لها بشعبان سنة ثمان.
(٤) أي: أبو حدرد الأسلمي.
(٥) الشارف هي التي شَرُفت في السن، أي أسنَّت وهَرِمت.
[ ٣ / ٤٣٩ ]
حتى استقلت وما كادت، وقال: «تبلَّغوا على هذه»، فخرجنا ومعنا سِلاحُنا من النبل والسيوف، حتى إذا جئنا قريبًا من الحاضر مع غروب الشمس فكمنت في ناحية وأمرتُ صاحبَيَّ فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم، قلت لهما: إذا سمعتماني قد كبَّرتُ وشددت في العسكر فكبِّرا وشُدَّا معي، فوالله إنا لكذلك ننتظر أن نرى غِرَّةً أو نرى شيئًا وقد غشينا الليلُ حتى ذهبت فحمة العشاء.
وقد كان لهم راعٍ قد سرح في ذلك البلد فأبطأ عليهم حتى تخوفوا عليه، فقام صاحبهم رفاعة بن قيس فأخذ سيفه فجعله في عنقه وقال: والله لأتبعنَّ أثر راعينا هذا ولقد أصابه شرٌّ (^١)، فقال نفر ممن معه: واللهِ لا تذهب نحن نكفيك، فقال: لا يذهب إلا أنا، قالوا: نحن معك، قال: والله لا يتبعني منكم أحد، وخرج حتى يمر (^٢) بي، فلما أمكنني نفحتُه بسهمٍ فوضعته في فؤاده، فوالله ما تكلم، فوثبتُ إليه فاحتززت رأسه، ثم شددت في ناحية العسكر وكبَّرت، وشدَّ صاحباي وكبَّرا، فوالله ما كان إلا النجاء ممن كان فيه: عندك عندك! بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم، واستقنا إبلًا عظيمةً وغنمًا كثيرةً فجئنا بها رسولَ الله - ﷺ -، وجئتُ برأسه أحمله معي، فأعطاني من تلك الإبل ثلاثة عشر بعيرًا في صداقي، فجمعتُ إليَّ أهلي، وكنت قد تزوجتُ امرأةً من قومي فأصدقتها مائتي درهم فجئت رسول الله - ﷺ - أستعينه على نكاحي فقال: «والله ما عندي ما أعينُك»، فلبثت أيامًا ــ ثم ذكر هذه السرية ــ.
_________________
(١) ص، ز، د، ف: «شيء»، والمثبت من باقي الأصول موافق لمطبوعة «الدلائل».
(٢) ص، ز، د: «مرّ».
[ ٣ / ٤٤٠ ]
فصل: سرية إلى إضم، وفيها قصة قتل محلم بن جثامة عامرا الأشجعي ونزول آية التبين إذا ضربوا في سبيل الله
فصل
وبعث سَريةً إلى إضَمٍ (^١)،
وكان فيهم أبو قتادة ومُحلِّم بن جَثَّامة في نفرٍ من المسلمين، فمرَّ بهم عامرُ بن الأضبط الأشجعي على قَعودٍ له معه مُتَيِّعٌ (^٢) له ووَطْبٌ مِن لبن، فسلم عليهم بتحية الإسلام فأمسكوا عنه وحمل عليه مُحلِّم بن جَثَّامة فقتله لشيءٍ كان بينه وبينه وأخذ بعيره ومُتيِّعَه، فلما قدموا على رسول الله - ﷺ - أخبروه الخبر، فنزل فيهم القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤] (^٣).
_________________
(١) وادٍ كبير يشق الحجاز حتى يفرغ في البحر، ويسمى اليوم «وادي الحمض»، ومن روافده أودية المدينة وأودية خيبر، ويصب في البحر بين مدينتَي أُملج والوجه. انظر: «معجم معالم الحجاز» (ص ١٠٩) و«المعالم الجغرافية الواردة في السيرة» (ص ٢٩). هذا، وقد ذكر أهل المغازي أن هذه السرية كانت قُبيل الفتح في سنة ثمان، وذلك تعميةً للأخبار حتى يظن الظان أن رسول الله - ﷺ - يتوجه إلى تلك الناحية. انظر: «مغازي الواقدي» (٢/ ٧٩٦) و«سيرة ابن هشام» (٢/ ٦٢١) و«طبقات ابن سعد» (٤/ ٣٧٩).
(٢) تصغير «متاع».
(٣) أخرجه ابن هشام في «السيرة» (٢/ ٦٢٦) وأحمد (٢٣٨٨١) والطبري في «تفسيره» (٧/ ٣٥٤) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٣٠٥) من طرق عن ابن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قُسيط عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه. إسناده حسن، وقد اختاره الضياء (٩/ ٢٤٧).
[ ٣ / ٤٤١ ]
فلما قدموا أُخبِر رسول الله - ﷺ - بذلك فقال - ﷺ -: «أقتلتَه بعدما قال: آمنت بالله؟» (^١).
ولما كان عام حُنين (^٢) جاء عيينة بن بدر (^٣) يطلب بدم عامر بن الأضبط وهو سيِّدُ قيس، وكان الأقرع بن حابس يرد عن مُحلِّم وهو سيد خِندِف، فقال رسول الله - ﷺ - لقوم عامر: «هل لكم أن تأخذوا منَّا الآن خمسين بعيرًا وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة؟» فقال عيينة بن بدر: والله لا أدعه حتى أذيقَ نساءَه من الحرِّ مثلَ ما أذاق نسائي، فلم يزل به حتى رضوا بالدية، فجاؤوا بمحلِّم حتى يستغفر له رسولُ الله - ﷺ -، فلما قام بين يديه قال: «اللهم لا تغفر لمحلِّم» قالها ثلاثًا، فقام وإنه ليتلقَّى دموعَه بطرف ثوبه (^٤). قال ابن إسحاق: وزعم قومه أنه استغفر له بعد ذلك.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٣/ ١٠٤٠) والبغوي في «معجم الصحابة» (١٤٧٣) وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٣٤٢٦) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٣٠٦) من طريق حماد بن سلمة عن ابن إسحاق بإسناده السابق.
(٢) كذا في ن. وفي عامة الأصول والنسخ المطبوعة: «خيبر»، وهو تصحيف؛ إذ السرية كانت بعد خيبر فكيف يأتي عيينة يُطالب بدم المقتول فيها عام خيبر؟! فضلًا عن أن عيينة لم يكن مسلمًا عام خيبر، وسياق الخبر واضح أنه كان بعد إسلامه.
(٣) هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، نسبه إلى جدّه الأعلى.
(٤) أخرجه ابن هشام (٢/ ٦٢٧) وأحمد (٢٣٨٧٩) وأبو داود (٤٥٠٣) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٣٠٦) من طرق عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن زياد بن ضميرة بن سعد، عن عروة، عن أبيه ضميرة وجدّه، وكانا شهدا حنينًا مع رسول الله - ﷺ -. وفي إسناده ضعف لجهالة زياد بن ضميرة.
[ ٣ / ٤٤٢ ]
قال ابن إسحاق (^١): وحدثني سالم أبو النضر قال: لم يقبلوا الدية حتى قام الأقرع بن حابس فخلا بهم فقال: يا معشر قيسٍ، سألكم رسولُ الله - ﷺ - قتيلًا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه، أفأمنتم أن يغضب عليكم رسولُ الله - ﷺ - فيغضبَ الله عليكم لغضبه، أو يلعنكم رسول الله - ﷺ - فيلعنكم الله بلعنته لكم، والله لتُسلِمُنَّه إلى رسول الله - ﷺ - أو لآتين بخمسين من بني تميم كلهم يشهدون أن القتيل ما صلى قط فلأُبطِلنَّ (^٢) دمه، فلما قال ذلك أخذوا الدية.
فصل
في سرية عبد الله بن حُذافة السَّهمي
ثبت في «الصحيحين» (^٣) من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] في عبد الله بن حُذافة السهمي بعثه رسول الله - ﷺ - في سرية (^٤).
وثبت في «الصحيحين» (^٥) أيضًا من حديث الأعمش عن سعد (^٦) بن عُبَيدة عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي عن علي - ﵁ - قال: استعمل
_________________
(١) كما أخرجه عنه ابن هشام (٢/ ٦٢٨) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٣٠٨).
(٢) كذا في الأصول. وفي المطبوع ومصدر النقل: «فلأَطُلَّنَّ»، وهما بمعنى.
(٣) البخاري (٤٥٨٤) ومسلم (١٨٣٤).
(٤) هذه السرية كانت في ربيع الآخر سنة تسع ــ أي: بعد غزوة الطائف ــ على ما ذكره ابن سعد (٢/ ١٤٩)، وسيُعيد المؤلف ذكرها هناك (ص ٦٤٥ - ٦٤٧).
(٥) البخاري (٤٣٤٠، ٧١٤٥) ومسلم (١٨٤٠).
(٦) كذا في س وهو الصواب، وفي سائر الأصول: «سعيد».
[ ٣ / ٤٤٣ ]
رسول الله - ﷺ - رجلًا من الأنصار على سرية بعثهم وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، قال: فأغضبوه في شيء فقال: اجمعوا لي حطبًا، فجمعوا، فقال: أوقدوا لي نارًا، فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله - ﷺ - أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، قال: فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله - ﷺ - من النار (^١)، قال: فسكن غضبه وطفئت النار، فلما قدموا على رسول الله - ﷺ - ذكروا ذلك له، فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها؛ إنما الطاعة في المعروف». وهذا هو عبد الله بن حُذافة السهمي (^٢).
فإن قيل: فلو دخلوها لدخلوها طاعةً لله ورسوله في ظنهم فكانوا متأولين مخطئين، فكيف يخلَّدون فيها؟
قيل: لمَّا كان إلقاء نفوسهم في النار معصيةً يكونون بها قاتلي أنفسهم، فهمُّوا بالمبادرة إليها من غير اجتهاد منهم هل هو طاعة وقربة أو معصية= كانوا مُقْدِمين على ما هو محرَّم عليهم ولا تسوغ طاعة ولي الأمر فيه، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فكانت طاعةُ مَن أمرهم بدخول النار معصيةً لله ورسوله، فكانت هذه الطاعة هي سبب العقوبة، لأنها نفس المعصية، فلو دخلوها لكانوا عصاةً لله ورسوله وإن كانوا مطيعين لولي الأمر، فلم تَدفع طاعتُهم لوليِّ الأمر معصيتَهم لله ورسوله، لأنهم قد علموا
_________________
(١) زِيد في هامش ز مصححًا عليه: «أفندخلها»، وهو في لفظٍ عند البخاري (٧١٤٥).
(٢) يُشكل عليه أن حديث عليٍّ صريح بأن الأمير كان من الأنصار، وعبد الله بن حُذافة ليس كذلك، فإنه قرشي مُهاجري. وسيأتي (ص ٦٤٦ - ٦٤٧) استشكال المؤلف لهذا مع أمرين آخرين، وسيجيب عنها بقوله: «فإما أن يكون واقعتين، أو يكون حديث علي هو المحفوظ».
[ ٣ / ٤٤٤ ]
أن من قتل نفسه فهو مستحق للوعيد، والله قد نهاهم عن قتل أنفسهم، فليس لهم أن يقدموا على هذا النهي طاعةً لمن لا تجب طاعته إلا في المعروف.
فإذا كان هذا حكمَ من عذَّب نفسه طاعةً لولي الأمر، فكيف بمن عذب مسلمًا لا يجوز تعذيبه طاعةً لولي الأمر.
وأيضًا فإذا كان الصحابة المذكورون لو دخلوها لما خرجوا منها مع قصدهم طاعةَ الله ورسوله بذلك الدخول، فكيف بمن حمله على ما لا يجوز من الطاعةِ الرَّغبةُ والرَّهبةُ الدُّنيوية.
وإذا كان هؤلاء لو دخلوها لما خرجوا منها مع كونهم قصدوا طاعة الأمير وظنوا أن ذلك طاعةٌ لله ورسوله، فكيف بمن دخلها من هؤلاء المُلبِّسين إخوانِ الشياطين، وأوهموا الجهال أن ذلك ميراثٌ مِن إبراهيم الخليل، وأن النار قد تصير عليهم بردًا وسلامًا كما صارت على إبراهيم، وخيارُ هؤلاء ملبوس عليه يظن أنه دخلها بحالٍ رحماني، وإنما دخلها بحال شيطاني؛ فإن كان لا يعلم بذلك فهو ملبوس عليه، وإن كان يعلم به فهو مُلبِّس على الناس يوهمهم أنه من أولياء الرحمن وهو من أولياء الشيطان، وأكثرهم يدخلها بحال بهتاني وتحيُّل إنساني، فهم في دخولها في الدنيا ثلاثة أصناف: ملبوس عليه، وملبِّس، ومتحيِّل؛ ونار الآخرة أشد عذابًا وأبقى (^١).
* * *
_________________
(١) انظر خبر هؤلاء المُلبِّسين والمتحيِّلين ومناظرة شيخ الإسلام إياهم في «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤٤٥ وما بعدها).
[ ٣ / ٤٤٥ ]
فصل
في عمرة القضية
قال نافع: كانت في ذي القَعْدة سنةَ سبعٍ (^١)، وقال سليمان التيمي: لما رجع رسول الله - ﷺ - من خيبر بعث السرايا وأقام بالمدينة حتى استهل ذا (^٢) القعدة ثم نادى في الناس بالخروج (^٣).
قال موسى بن عقبة (^٤): ثم خرج رسول الله - ﷺ - من العام المقبل من عام الحديبية معتمرًا في ذي القعدة سنةَ سبعٍ، وهو الشهر الذي صده فيه المشركون عن المسجد الحرام، حتى إذا بلغ يَأْجَجَ (^٥) وضع الأداة كلَّها: الحَجَفَ (^٦) والمَجانَّ والنبلَ والرماح، ودخلوا بسلاح الراكب: السيوف، وبعث رسول الله - ﷺ - جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة بنت الحارث بن حَزْنٍ العامرية (^٧) فخطبها إليه، فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب وكانت أختها أم الفضل تحته، فزوَّجها العباسُ رسولَ الله - ﷺ -.
_________________
(١) أخرجه يعقوب بن سفيان في «تاريخه» ــ وليس في القدر المطبوع ــ ومن طريقه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٣١٣). قال الحافظ في «الفتح» (٧/ ٥٠٠): إسناده حسن.
(٢) س، ث، ن، المطبوع: «ذو». و«استهلَّ» يأتي لازمًا ومتعديًا، تقول: استهل الشهرُ واستهللناه.
(٣) أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٣١٤).
(٤) في مغازيه عن الزهري، وبنحوه قال عروة أيضًا في مغازيه من رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عنه؛ كلاهما مخرّج في «الدلائل» (٤/ ٣١٤).
(٥) وهو وادٍ في الحِلِّ مما يلي التنعيم من جهة الشمال، وقد سبق التعريف به.
(٦) جمع الحَجَفة، وهي ضرب من التروس تتخذ من الجلود خاصّة.
(٧) ثم الهلالية، فإنها من بني هلال بن عامر بن صعصعة من قَيس عيلان بن مُضر.
[ ٣ / ٤٤٦ ]
فلما قدم رسول الله - ﷺ - أمر أصحابه فقال: «اكشفوا عن المناكب واسعَوا في الطواف» (^١)، ليرى المشركون جَلَدهم وقوتهم، وكان يُكايدهم بكل ما استطاع، فوقف أهل مكة الرجالُ والنساء والصبيان ينظرون إلى رسول الله - ﷺ - وأصحابه وهم يطوفون بالبيت، وعبد الله بن رواحة بين يدي رسول الله - ﷺ - يرتجز متوشحًا بالسيف يقول:
خَلُّوا بني الكفار عن سبيله قد أنزل الرحمنُ في تنزيله
في صحفٍ تتلى على رسوله يا رب إني مؤمن بقيله
إني رأيت الحقَّ في قبوله اليوم نَضرِبْكم على تأويله
ضربًا يزيل الهامَ عن مقيله ويُذهل الخليلَ عن خليله (^٢)
وتغيَّب رجال من المشركين أن ينظروا إلى رسول الله - ﷺ - حنقًا وغيظًا، فأقام رسول الله - ﷺ - بمكة ثلاثًا، فلما أصبح من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العُزَّى، ورسولُ الله - ﷺ - في مجلس الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة، فصاح حويطب: نناشدك اللهَ والعقدَ لمَّا خرجتَ من
_________________
(١) هذا لفظ موسى بن عقبة عن الزهري مرسلًا، وله شواهد مسندة من حديث ابن عباس عند البخاري (٤٢٥٦) ومسلم (١٢٦٦)، ومن وجه آخر عنه عند أحمد (٢٦٨٢) وأبي داود (١٨٨٩) وابن حبان (٣٨١٢)، ومن حديث عمر عند أحمد (٣١٧) وأبي داود (١٨٨٧) وابن خزيمة (٢٧٠٨).
(٢) الأبيات ملّفقة من رواية موسى بن عقبة ورواية ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، كلاهما عند البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٣٢٣). وقد رويت بعض هذه الأبيات من حديث أنس عند الترمذي (٢٨٤٧) والنسائي (٢٨٧٣) وابن خزيمة (٢٦٨٠)، قال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
[ ٣ / ٤٤٧ ]
فصل: قول ابن عباس: إن رسول الله - ﷺ - تزوج ميمونة وهو محرم
أرضنا (^١) فقد مضت الثلاث، فقال سعد بن عبادة: كذبتَ لا أمَّ لك! ليست بأرضك ولا أرض آبائك، والله لا يخرج! ثم نادى رسول الله - ﷺ - سُهيلًا أو حويطبًا فقال: «إني قد نكحت منكم امرأةً، فما يضركم أن أمكث حتى أدخل بها ونصنع الطعام فنأكل وتأكلون معنا» (^٢)، فقالوا: نناشدك الله والعقد إلَّا خرجت عنا، فأمر رسولُ الله - ﷺ - أبا رافع فأذَّن بالرحيل، وركب رسولُ الله - ﷺ - حتى نزل بطن سَرِف (^٣) فأقام بها وخلَّف أبا رافع ليحمل ميمونة إليه حين يمسي، وأقام حتى قدمت ميمونة ومن معها، وقد لقُوا أذًى وعناءً من سفهاء المشركين وصبيانهم، فبنى بها بسَرِف، ثم أدلج وسار حتى قدم المدينة، وقدَّر الله أن يكون قبر ميمونة بسرف حيث بنى بها.
فصل
وأما قول ابن عباس: «إن رسول الله - ﷺ - تزوج ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال» فمما استُدرك عليه وعُدَّ من وهمه. قال سعيد بن المسيب: «وَهِل (^٤) ابن عباس وإن كانت خالته، ما تزوَّجها رسولُ الله - ﷺ - إلا بعد ما حل». ذكره البخاري (^٥).
_________________
(١) أي: إلَّا خرجت من أرضنا.
(٢) هذا لفظ موسى بن عقبة عن الزهري مرسلًا. وله شاهد بنحوه من حديث ابن عباس عند الطبراني في «المعجم الكبير» (١١/ ١٧٣) والحاكم (٤/ ٣١) والضياء في «المختارة» (١١/ ٢١٦) بإسناد حسن.
(٣) وادٍ في شمال مكة في محلّة النَّوارية، ولا يزال معروفًا بهذا الاسم.
(٤) المطبوع: «ووهم» خلافًا للأصول ولـ «دلائل النبوة» وهو مصدر المؤلف.
(٥) برقم (١٨٣٧) مقتصرًا على قول ابن عباس من طريق عبد القدوس بن الحجاج عن الأوزاعي عن عطاء بن أبي رباح عنه. وأخرجه مع قول ابن المسيب البيهقيُّ في «سننه» (٧/ ٢١٢) و«الدلائل» (٤/ ٣٣٢) من الطريق نفسه، والمؤلف صادر عن أحدهما، وإنما أخذ العزو من قول البيهقي عقبه: «رواه البخاري في الصحيح عن عبد القدوس بن الحجاج». وأخرج البخاري (٤٢٥٨) ومسلم (١٤١٠) قول ابن عباس أيضًا من طرق أخرى عنه. وأخرج أبو داود (١٨٤٥) قول ابن المسيب من طريق آخر عنه.
[ ٣ / ٤٤٨ ]
وقال يزيد بن الأصمِّ عن ميمونة: «تزوَّجني رسولُ الله - ﷺ - ونحن حلالان بسَرِف». رواه مسلم (^١).
وقال أبو رافع: «تزوج رسول الله - ﷺ - ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت الرسول بينهما» (^٢)، صح ذلك عنه.
وقال سعيد بن المسيب: هذا عبد الله بن عباس يزعم أن رسول الله - ﷺ - نكح ميمونة وهو محرم، وإنما قدم رسول الله - ﷺ - مكة وكان الحِلُّ والنكاح جميعًا، فشُبِّه ذلك على الناس (^٣).
_________________
(١) برقم (١٤١١) بنحوه، والمثبت لفظ أبي داود (١٨٤٣) ومن طريقه أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٣٣٢).
(٢) أخرجه أحمد (٢٧١٩٧) والدارمي (١٨٦٦) والترمذي (٨٤١) وابن حبان (٤١٣٠) من طريق مطر الورّاق عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع. ومطر الورّاق ليس بذاك القوي، وقد خالفه غير واحد فرووه عن ربيعة عن سليمان بن يسار مرسلًا، وهو أشبه. انظر: «العلل» للدارقطني (١١٧٥) و«التمهيد» لابن عبد البر (٣/ ١٥١).
(٣) أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٣٣٦) من طريق ابن إسحاق قال: ثنا ثقة عن سعيد بن المسيب، إلا أن في مطبوعته سقطًا أخلّ بالمعنى. وقد ذكره عن ابن إسحاق بتمام لفظه: شيخ الإسلام في «شرح العمدة» (٤/ ٦٣٦) وابن كثير في «البداية والنهاية» (٦/ ٣٩٠).
[ ٣ / ٤٤٩ ]
وقد قيل: إنه تزوجها قبل أن يُحرِم، وفي هذا نظر إلا أن يكون وكَّل في العقد عليها قبل إحرامه، وأظن الشافعي ذكر ذلك (^١)، فالأقوال ثلاثة:
أحدها: أنه تزوجها بعد حلِّه من العمرة، وهو قولُ ميمونة نفسها، وقولُ السفير بينها وبين رسول الله - ﷺ - وهو أبو رافع، وقولُ سعيد بن المسيب وجمهورِ أهل النقل.
والثاني: أنه تزوجها وهو محرم، وهو قول ابن عباس وأهل الكوفة وجماعة.
والثالث: أنه تزوجها قبل أن يحرم.
وقد حُمِل قولُ ابن عباس أنه تزوَّجها وهو محرم على أنه تزوجها في الشهر الحرام لا في حال الإحرام (^٢). قالوا: ويقال: «أحرم الرجل» إذا عقد الإحرام، و«أحرم» إذا دخل في الشهر الحرام وإن كان حلالًا، بدليل قول الشاعر (^٣):
_________________
(١) ذكره الشافعي في «الأم» (٦/ ٤٥٢ - ٤٥٣) و«اختلاف الحديث» (١٠/ ١٩٣ - ضمن الأم) مستندًا إلى ما رواه عن مالك ــ وهو في «الموطأ» (٩٩٦) ــ عن ربيعة بن عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار: «أن رسول الله - ﷺ - بعث أبا رافع مولاه ورجلًا من الأنصار فزوَّجاه ميمونة بنت الحارث ورسولُ الله - ﷺ - بالمدينة قبل أن يخرج». وهذا وإن كان مرسلًا إلا أنه قد يقال: إن سليمان بن يسار عتيق ميمونة ومولاها، فيشبه أن لا يخفى عليه وقت نكاحها.
(٢) انظر: «المجموع» للنووي (٧/ ٢٨٩) و«التحقيق» لابن الجوزي (٢/ ١٣٦). وجنح ابن حبان إلى أن المراد أنه - ﷺ - كان داخل الحرم حين تزوّجها، كما يقال لمن دخل نجد: مُنجِد، ولمن دخل تهامة: مُتْهِم. انظر: «صحيح ابن حبان» عقب الحديث (٤١٢٩).
(٣) البيت للراعي النُّميري في «ديوانه» (ص ٢٣١)، والرواية فيه: «ودعا فلم ».
[ ٣ / ٤٥٠ ]
فصل: اختصام علي وزيد وجعفر في حضانة ابنة حمزة
قتلوا ابنَ عفان الخليفةَ مُحْرِمًا ورعًا فلم أر مثله مقتولا
وإنما قتلوه بالمدينة حلالًا في الشهر الحرام (^١).
وقد روى مسلم في «صحيحه» (^٢) من حديث عثمان بن عفان - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب».
ولو قُدِّر تعارض القول والفعل هنا لوجب تقديم القول، لأن الفعل موافق للبراءة الأصلية، والقول ناقل عنها فيكون رافعًا لحكم البراءة الأصلية، وهذا موافق لقاعدة الأحكام. ولو قُدِّم الفعل لكان رافعًا لموجَب القول، والقول رافع لموجَب البراءة الأصلية، فيلزم تغيير الحكم مرتين، وهو خلاف قاعدة الأحكام. والله أعلم.
فصل
ولما أراد النبي - ﷺ - الخروج من مكة تبعتهم ابنةُ حمزةَ تنادي: يا عمِّ يا عمِّ! فتناولها عليٌّ فأخذ بيدها وقال لفاطمة: «دونكِ ابنةَ عمك» فحملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال علي: أنا أخذتُها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها رسول الله - ﷺ - لخالتها وقال: «الخالة بمنزلة الأم»، وقال لعلي: «أنت مني وأنا منك»،
_________________
(١) هذا المشهور في تفسيره، فإنه قُتل في ذي الحجة سنة ٣٥. وقال أبو عمرو الشيباني: إن المعنى أنهم قتلوه صائمًا؛ سُمي الصائم محرمًا لامتناعه مما يَثلِم صيامه. وقال الأصمعي: إن المراد بالمحرم أنه لا يحِلُّ قتله ولا شيء منه. انظر: «تهذيب اللغة» (٥/ ٤٥) و«تاريخ بغداد» (١٢/ ١٦٤).
(٢) برقم (١٤٠٩).
[ ٣ / ٤٥١ ]
- خلاف الفقهاء في سقوط الحضانة بالنكاح
وقال لجعفر: «أشبهتَ خَلقي وخُلُقي»، وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا». متفق على صحته (^١).
وفي هذه القصة من الفقه: أن الخالة مقدَّمة في الحضانة على سائر الأقارب بعد الأبوين.
وأن تزوُّج الحاضنة بقريب من الطفل لا يسقط حضانتها. ونص أحمد في روايةٍ عنه على أن تزويجها لا يسقط حضانتها للجارية خاصةً، واحتج بقصة بنت حمزة هذه، ولمَّا كان ابنُ العم ليس محرمًا لم يفرق بينه وبين الأجنبي في ذلك وقال: تزوُّج الحاضنة لا يسقط حضانتها للجارية. وقال الحسن البصري: لا يكون تزوُّجها مسقطًا لحضانتها بحال، ذكرًا كان الولد أو أنثى (^٢).
وقد اختلف في سقوط الحضانة بالنكاح على أربعة أقوال:
أحدها: تسقط به ذكرًا كان أو أنثى، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه (^٣).
والثاني: لا تسقط بحال، وهو قول الحسن وابن حزم (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦٩٩، ٤٢٥١) عن البراء بن عازب ضمن حديثه الطويل في قصة الحديبية وعمرة القضاء، وهو عند مسلم (١٧٨٣) دون ذكر قصة ابنة حمزة.
(٢) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (١٩٤٥٩).
(٣) انظر: «المدونة» (٥/ ٣٥٦) و«الأم» (٦/ ٢٤٠) و«الأصل» للشيباني (٤/ ٥٤٤ - ٥٤٥) و«المغني» (١١/ ٤٢٠).
(٤) انظر: «المحلى» (١٠/ ٣٢٣).
[ ٣ / ٤٥٢ ]
الخلاف في أيتهما تقدم في الحضانة: الخالة أو العمة؟
والثالث: إن كان الطفل بنتًا لم تسقط الحضانة، وإن كان ذكرًا سقطت، وهذه رواية عن أحمد؛ قال في رواية مهنَّا (^١): إذا تزوجت الأم وابنها صغير أُخِذ منها، قيل له: والجارية مثل الصبي؟ قال: لا، الجارية تكون معها إلى سبع سنين. وحكى ابن أبي موسى (^٢) روايةً أخرى عنه: أنها أحق بالبنت وإن تزوجت إلى أن تبلغ.
والرابع: أنها إذا تزوجت (^٣) بنسيبٍ من الطفل لم تسقط حضانتُها، وإن تزوجت بأجنبي سقطت. ثم اختلف أصحاب هذا القول على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يكفي كونه نسيبًا فقط، محرمًا كان أو غير محرم، وهذا ظاهر كلام أصحاب أحمد وإطلاقهم.
الثاني: أنه يشترط كونه مع ذلك ذا رحم محرم، وهو قول الحنفية.
الثالث: أنه يشترط مع ذلك أن يكون بينه وبين الطفل ولادة بأن يكون جدًّا للطفل، وهذا قول بعض أصحاب أحمد ومالك والشافعي (^٤).
وفي القصة حجة لمن قدَّم الخالة على العمة، وقرابةَ الأم على قرابة الأب، فإنه قضى بها لخالتها وقد كانت صفية عمَّتُها موجودةً إذ ذاك، وهذا قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه (^٥).
_________________
(١) نقلها أبو يعلى الفراء في «كتاب الروايتين والوجهين» (٢/ ٢٤٣ - المسائل الفقهية).
(٢) في «الإرشاد إلى سبيل الرشاد» (ص ٣٢٧).
(٣) من هنا يبدأ سقط في (س) لانتقال النظر من «تزوجَّت» إلى مثله في الصفحة الآتية.
(٤) انظر: «الإنصاف» (٢٤/ ٤٧٤) و«الأصل» للشيباني (١٠/ ٣٥١) و«التبصرة» للخمي (٦/ ٢٥٦٧) و«نهاية المطلب» للجويني (١٥/ ٥٤٩).
(٥) انظر: «الأم» (٦/ ٢٤٠) و«المدونة» (٥/ ٣٥٧) و«الأصل» (١٠/ ٣٥٢) و«الإنصاف» (٢٤/ ٤٦١).
[ ٣ / ٤٥٣ ]
وعنه رواية ثانية (^١): أن العمَّة مقدمة على الخالة، وهي اختيار شيخنا (^٢). وكذلك نساء الأب يُقدَّمن على نساء الأم، لأن الولاية على الطفل في الأصل للأب، وإنما قُدِّمت عليه الأم لمصلحة الطفل وكمال تربيته وشفقتها وحُنوِّها، والإناثُ أقوم بذلك من الرجال، فإذا صار الأمر إلى النساء فقط أو الرجال فقط كانت قرابة الأب أولى من قرابة الأم، كما يكون الأب أولى من كل ذَكَر سواه، وهذا قويٌّ جدًّا.
ويجاب عن تقديم خالة ابنة حمزة على عمتها بأن العمة لم تطلب الحضانة، والحضانة حق لها يُقضى لها به بطلبه، بخلاف الخالة فإن جعفرًا كان نائبًا عنها في طلب الحضانة، ولهذا قضى بها النبي - ﷺ - لها في غيبتها.
وأيضًا فكما أن لقرابة الطفل أن تمنع الحاضنة من حضانة الطفل إذا تزوجت (^٣)، فللزوج أن يمنعها من أخذه وتفرُّغها له، فإذا رضي الزوج بأخذه حيث لا تسقط حضانتها لقرابته أو لكون الطفل أنثى على رواية= مُكِّنت من أخذه. وإن لم يرض فالحقُّ له، والزوجُ هاهنا قد رضي وخاصم في القصة، وصفية لم يكن منها طلب.
وأيضًا فابن العم له حضانة الجارية التي لا تُشتهى في أحد الوجهين، بل وإن كانت تشتهى فله حضانتها أيضًا، وتُسَلَّمُ إلى امرأةٍ ثقة يختارها هو أو إلى محرمه. وهذا هو المختار، لأنه قريب من عصباتها، وهو أولى من الأجانب والحاكم. وهذه إن كانت طفلةً فلا إشكال، وإن كانت ممن تُشتهى فقد
_________________
(١) ص، د: «ثالثة»، خطأ.
(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٢٢) و«الاختيارات» للبعلي (ص ٤١٤).
(٣) هنا ينتهي السقط في س الذي بدأ قبل صفحة.
[ ٣ / ٤٥٤ ]
- تفسير قول زيد بن حارثة عن ابنة حمزة: «ابنة أخي»
سُلِّمت إلى خالتها، فهي وزوجها من أهل الحضانة. والله أعلم.
وقول زيد: «ابنة أخي» يريد الإخاء الذي عقده رسول الله - ﷺ - بينه وبين حمزة لما واخى بين المهاجرين، فإنه واخى بين أصحابه مرتين، فواخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض قبل الهجرة على الحق والمواساة (^١)، فآخى بين أبي بكر [وعمر] (^٢)، وبين حمزة وزيد بن حارثة، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وبين الزبير وابن مسعود، وبين عبيدة بن الحارث وبلال، وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص، وبين أبي عُبيدة وسالم مولى أبي حذيفة، وبين سعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله (^٣).
والمرة الثانية: آخى بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك بعد مقدمه المدينة (^٤).
_________________
(١) ظاهر كلام المؤلف فيما سبق (ص ٧٧ - ٧٨) نفي وقوع هذه المواخاة بين المهاجرين بعضهم مع بعض، وانظر التعليق عليه.
(٢) ساقط من جميع الأصول، واستُدرك من «عيون الأثر» ــ وهو مصدر المؤلف ــ وغيره.
(٣) المؤاخاة بين هؤلاء ذكرها البلاذري (ت ٢٧٩) في «أنساب الأشراف» (١/ ٢٧٠) وابن عبد البر في «الدرر» (ص ١٠٠) وابن سيد الناس في «عيون الأثر» (١/ ١٩٩). وقد رويت مفرّقة عند ابن سعد في «الطبقات» (٣/ ٨، ٤٢، ٤٩، ٥٣، ٨٣، ٩٥، ١١١، ١٦٠، ١٩٧)، وجلُّها من طريق واحد واهٍ بمرّة، إلا المواخاة بين أبي بكر وعمر فلها طرق عنده (٣/ ١٦٠) أصحها: عن الشعبي مرسلًا. وقد ثبتت المواخاة بين الزبير وابن مسعود من غير وجه، أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٥٦٨) وغيره من حديث أنس، وأخرجه الحاكم (٣/ ٣١٤) وغيره من حديث ابن عباس، وكلا الإسنادين قوي وقد اختارهما الضياء (٥/ ٦٥، ٩/ ٥٢٥).
(٤) أخرجه البخاري (٢٢٩٤) ومسلم (٢٥٢٩) من حديث أنس - ﵁ -.
[ ٣ / ٤٥٥ ]
فصل: الاختلاف في سبب تسميتها «عمرة القضاء»
- اختلاف الفقهاء في الواجب على المحصر عن العمرة
فصل
واختُلف في تسمية هذه العمرة بعمرة القضاء هل هو لكونها قضاءً للعمرة التي صُدُّوا عنها أو من المقاضاة؟ على قولين تقدَّما (^١). قال الواقدي (^٢): حدثني عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر قال: «لم تكن هذه العمرة قضاءً ولكن كان شرطًا على المسلمين أن يعتمروا في الشهر الذي حاصرهم فيه (^٣) المشركون».
واختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال:
أحدها: أن من أُحصِر عن العمرة يلزمه الهدي والقضاء، وهذا إحدى الروايات عن أحمد، بل أشهرها عنه.
والثاني: لا قضاء عليه، وعليه الهدي. وهو قول الشافعي ومالك في ظاهر مذهبه (^٤)، ورواية أبي طالب عن أحمد (^٥).
والثالث: يلزمه القضاء ولا هدي عليه، وهو قول أبي حنيفة (^٦).
_________________
(١) في «فصل في هديه - ﷺ - في حجِّه وعُمَره» (٢/ ١١١).
(٢) أخرجه من طريقه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٣١٨)، لم أجده في «مغازيه» المطبوعة.
(٣) «فيه» سقطت من ص، د، ز.
(٤) انظر: «الأم» (٣/ ٣٩٩) و«المدونة» (٢/ ٣٦٦).
(٥) كذا قال، وهو سهو، فرواية أبي طالب عن أحمد هي أنه يلزمه الهدي والقضاء، ورواية الجماعة عنه أنه لا قضاء عليه. انظر: «زاد المسافر» (٢/ ٥٤٥) و«المستوعب» (١/ ٥٣٤) و«الفروع» (٦/ ٨٣) و«الإنصاف» (٩/ ٣٢٢).
(٦) بل قوله كالأول، أي: يلزمه الهدي والقضاء. انظر: «الحجة على أهل المدينة» (٢/ ١٨٢) و«المبسوط» (٤/ ١٠٩) و«مختصر القدوري» (ص ١٦٠) و«بدائع الصنائع» (٢/ ١٧٧) و«كنز الدقائق» (ص ٢٤٦).
[ ٣ / ٤٥٦ ]
والرابع: لا قضاء عليه ولا هدي، وهو إحدى الروايات عن أحمد (^١).
فمن أوجب عليه الهدي والقضاء احتج بأن النبي - ﷺ - وأصحابه نحروا الهدي حين صُدُّوا (^٢) ثم قضَوا من قابلٍ. قالوا: والعمرة تلزم بالشروع، ولا يسقط الوجوب إلا بفعلها، ونحرُ الهدي لأجل التحلُّل قبل تمامها (^٣). قالوا: وظاهر الآية يوجب الهدي لقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ومن لم يوجبهما قالوا: لم يأمر النبي - ﷺ - الذين أحصروا معه بالقضاء ولا أحدًا منهم، ولا وقف الحلُّ على نحرهم الهدي، بل أمرهم أن يحلقوا رؤوسهم وأمر من كان معه هدي أن ينحر هديه.
ومن أوجب الهدي دون القضاء احتج بقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
ومن أوجب القضاء دون الهدي احتج بأن العمرة تلزم بالشروع، فإذا أحصر جاز له تأخيرُها لعذر الإحصار، فإذا زال الحصر أتى بها بالوجوب السابق، ولا يوجب تخلُّلُ التحلُّلِ بين الإحرام بها أولًا وبين فعلها في وقت الإمكان شيئًا. وظاهر القرآن يرد هذا القول ويوجب الهدي دون القضاء، لأنه جعل الهدي هو جميع ما على المُحصَر، فدل على أنه يُكتفى به منه. والله أعلم.
_________________
(١) لم أجد هذه الرواية. ومن الغريب أن ابن مفلح في «الفروع» (٦/ ٨٣) ومن تبعه كصاحبَي «الإنصاف» (٩/ ٣١٨) و«المبدع» (٣/ ١٩٦) نسبوا إلى المؤلف أنه اختار هذا القول في «زاد المعاد»، مع أنه سيأتي قريبًا ترجيحه لوجوب الهدي دون القضاء.
(٢) بعده في ص، د: «عن البيت» وعليه علامة الإلغاء، ولكنهم أثبتوه في المطبوع.
(٣) س: «إتمامها».
[ ٣ / ٤٥٧ ]
فصل: المحصر عن العمرة ينحر هديه وقت حصره
فصل: المحصر بالعمرة يتحلل، خلافا لما نسب إلى مالك
فصل
وفي نحره - ﷺ - لما أُحصِر بالحديبية دليلٌ على أن المحصر ينحر هديه وقت حصره، وهذا لا خلاف فيه إذا كان محرمًا بعمرة، وإن كان مفرِدًا أو قارنًا ففيه قولان:
أحدهما: أن الأمر كذلك، وهو الصحيح؛ لأنه أحد النسكين، فجاز الحِلُّ منه ونحرُ هديه وقتَ حصره كالعمرة؛ ولأن العمرة لا تفوت وجميعُ الزمان وقت لها، فإذا جاز الحِلُّ منها ونحرُ هديها من غير خشية فواتها، فالحج الذي يخشى فواته أولى.
وقد قال أحمد في رواية حنبل (^١): إنه لا يحل ولا ينحر الهدي إلى يوم النحر. ووجه هذا: أن للهدي محِلَّ زمانٍ ومحِلَّ مكانٍ، فإذا عجز عن محل المكان لم يسقط عنه محل الزمان لتمكُّنه من الإتيان بالواجب في محله الزماني. وعلى هذا القول لا يجوز له التحلُّل قبل يوم النحر لقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فصل
وفي نحره - ﷺ - وحلِّه دليل على أن المحصر بالعمرة يتحلل، وهذا قول الجمهور. وقد روي عن مالك (^٢) أن المعتمر لا يتحلل، لأنه لا يخاف
_________________
(١) وكذا في رواية الأثرم. انظر: «المغني» (٥/ ١٩٨).
(٢) كما في «المغني» (٥/ ١٩٥) بصيغة التمريض. والذي نقله ابن القاسم عن مالك كما في «المدونة» (٢/ ٤٢٧) أنه: «إذ أُحصِر بعدو غالب لم يعجَل بالرجوع حتى ييأس، فإذا يئس حلَّ مكانه ورجع ولم ينتظر وكذلك في العمرة أيضًا». وانظر: «النوادر والزيادات» (٢/ ٤٣١ - ٤٣٣).
[ ٣ / ٤٥٨ ]
فصل: المحصر ينحر هديه حيث أحصر من حل أو حرم
الفوت. وهذا تَبعُد صحته عن مالك، لأن الآية إنما نزلت في الحديبية وكان النبي - ﷺ - وأصحابه كلُّهم محرمين بعمرة وحَلُّوا كلهم، وهذا مما لا يشك فيه أحدٌ من أهل العلم.
فصل
وفي ذبحه بالحديبية ــ وهي من الحل بالاتفاق ــ دليلٌ على أن المحصر ينحر هديَه حيث أُحصر من حلٍّ أو حرم، وهذا قول الجمهور: أحمد ومالك والشافعي (^١).
وعن أحمد رواية أخرى: أنه ليس له نحر هديه إلا في الحرم، فيبعثه إلى الحرم ويواطئ رجلًا على نحره في وقتٍ يتحلَّل فيه. وهذا يروى عن ابن مسعود وجماعة من التابعين (^٢)، وهو قول أبي حنيفة (^٣).
وهذا إن صح عنهم فينبغي حمله على الحصر الخاص، وهو أن يتعرض ظالم لجماعةٍ أو لواحدٍ (^٤). وأما الحصر العام، فالسنة الثابتة عن رسول الله - ﷺ - تدل على خلافه، والحديبية من الحل باتفاق الناس، وقد قال الشافعي (^٥): بعضها من الحل وبعضها من الحرم، قلتُ: ومراده أن أطرافها
_________________
(١) انظر: «المغني» (٥/ ١٩٧) و«المدونة» (٢/ ٤٢٧) و«الأم» (٣/ ٣٩٩).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٢٤١) والطبري (٣/ ٣٦٤ - ٣٦٦) عن ابن مسعود بإسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة (١٣٢٤٣) أيضًا عن طاوس.
(٣) انظر: «بدائع الصنائع» (٢/ ١٧٩).
(٤) وهو كذلك في قول ابن مسعود الذي سبق تخريجه، فإنه أفتى بذلك لرجلٍ أُحصر باللدغة وله أصحاب يواصلون مسيرهم إلى الحرم ليتموا عمرتهم.
(٥) في «الأم» (٣/ ٣٩٩).
[ ٣ / ٤٥٩ ]
سنة ثمان
فصل في غزوة مؤتة
من الحرم، وإلا فهي من الحل باتفاقهم.
وقد اختلف أصحاب أحمد في المحصر إذا قدر على أطراف الحرم هل يلزمه أن ينحر فيه؟ فيه (^١) وجهان لهم. والصحيح أنه لا يلزمه، لأن النبي - ﷺ - نحر هديه في موضعه مع قدرته على طرف الحرم، وقد أخبر الله سبحانه أن الهدي كان محبوسًا عن بلوغ مَحِلِّه (^٢)، ونصب ﴿الْهَدْيَ﴾ بوقوع فعل الصدِّ عليه، أي: صدُّوكم عن المسجد الحرام وصدُّوا الهدي عن بلوغ محله، ومعلوم أن صدهم وصد الهدي استمر ذلك العام ولم يَزُل، فلم يصلوا فيه إلى محل إحرامهم ولم يصل الهديُ إلى محل نحره. والله أعلم.
فصل
في غزوة مؤتة
وهي بأدنى البلقاء من أرض الشام، وكانت في جمادى الأولى سنة ثمان، وكان سببها أن رسول الله - ﷺ - بعث الحارث بن عمير الأزدي (^٣) أحد بني لِهْبٍ بكتابه إلى الشام إلى ملك الروم أو بُصرى (^٤)، فعرض له شُرَحبيل بن عمرو الغسَّاني فأوثقه رباطًا ثم قدمه فضرب عنقه، ولم يُقتَل لرسول الله - ﷺ - رسولٌ غيره، فاشتد ذلك عليه حين بلغه الخبر، فبعث البعوث
_________________
(١) «فيه» الثانية ساقطة من د، س، ث.
(٢) وذلك في قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥].
(٣) ص، د، ز: «الأسدي الأزدي»، إلا أنه وُضعت علامة الحذف «مـ» على «الأسدي» في ص، ز، ولم يفطَن لها ناسخ (د).
(٤) أي: أو إلى ملك بصرى، كما في «عيون الأثر» (٢/ ١٥٣).
[ ٣ / ٤٦٠ ]
واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: «إن أصيب فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة» (^١).
فتجهز الناس وهم ثلاثة آلاف، فلما حضر خروجهم ودَّع الناسُ أمراءَ رسول الله - ﷺ - وسلَّموا عليهم، فبكى عبد الله بن رواحة فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: «أما والله ما بي حبُّ الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ آيةً من كتاب الله يذكر فيها النار ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]، فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود؟»، فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم وردَّكم إلينا صالحين، فقال عبد الله بن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرةً وضربةً ذاتَ فَرْغٍ (^٢) تقذف الزَّبَدا
أو طعنةً بيدَي حرَّانَ مُجهِزةً بحربةٍ تَنفُذ الأحشاء والكَبِدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي يا أرشد اللهُ من غازٍ وقد رَشَدا
ثم مضَوا حتى نزلوا مَعانَ (^٣) فبلغ الناس أن هرقل بالبلقاء في مائة ألفٍ من الروم، وانضم إليهم من لخمٍ وجُذام وبَلْقَين وبَهْراءَ وبَلِيٍّ مائةُ ألفٍ، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله - ﷺ - فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا
_________________
(١) حديث التأمير هذا أخرجه البخاري (٤٢٦١) من حديث ابن عمر بنحوه، واللفظ أشبه برواية ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة مرسلًا. انظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٧٣).
(٢) أي: واسعة يسيل دمها، كضربةٍ فريغٍ، وطعنة فرغاء.
(٣) مدينة معروفة في المملكة الأردنية الهاشمية، تقع جنوب عمّان على (٢٠٠) كلم.
[ ٣ / ٤٦١ ]
- استشهاد الأمراء الثلاث تباعا، وتأمير الناس خالد بن الوليد
بأمره فنمضي له، فشجَّع الناسَ عبدُ الله بن رواحة وقال: يا قومِ، والله إن الذي تكرهون لَلَّتي خرجتم تطلبون: الشهادة، وما نقاتل الناس بعددٍ ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلِقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظفر وإما شهادة.
فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم الجموع بقريةٍ يقال لها «مشارف»، فدنا العدو وانحاز المسلمون إلى مؤتة، فالتقى الناس عندها فتعبَّى المسلمون ثم اقتتلوا، والراية في يد زيد بن حارثة، فلم يزل يقاتل بها حتى شاط في رماح القوم وخرَّ صريعًا، فأخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه فعقرها، ثم قاتل حتى قُتِل، فكان جعفر أول من عقر فرسه في الإسلام عند القتال، فقطعت يمينه فأخذ الراية بيساره، فقطعت يساره فاحتضن الراية حتى قُتِل، وله ثلاث وثلاثون سنةً.
ثم أخذها عبد الله بن رواحة وتقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعضَ التردد ثم نزل، فأتاه ابنُ عم له بعرق من لحم فقال: شُدَّ بها صلبك فإنك قد لقيتَ أيامك هذه ما لقيت، فأخذها من يده فانتهس منها نهسةً ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال: وأنت في الدنيا؟! ثم ألقاه من يده ثم أخذ سيفه وتقدم فقاتل حتى قُتِل.
ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني عجلان فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجلٍ منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم وحاشى بهم، ثم انحاز وانصرف بالناس (^١).
_________________
(١) ما مضى من سياق الغزوة جلّه من مغازي ابن إسحاق؛ بعضه عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة مرسلًا؛ وبعضه عنه عن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عبَّاد، عن أبيه من الرضاعة وكان في تلك الغزاة. انظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٧٣ - ٣٨٠) و«المعجم الكبير» للطبراني (١٤/ ٣٨٣) و«دلائل النبوة» (٤/ ٣٥٨ - ٣٦٤). والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ١٥٣).
[ ٣ / ٤٦٢ ]
وقد ذكر ابن سعد (^١) أن الهزيمة كانت على المسلمين، والذي في «صحيح البخاري» (^٢) أن الهزيمة كانت على الروم. والصحيح ما ذكره ابن إسحاق (^٣) أن كل فئة انحازت عن الأخرى.
وأطلع اللهُ سبحانه على ذلك رسولَه من يومهم ذلك، فأخبر به أصحابه وقال: «لقد رُفعوا إليَّ في الجنة فيما يرى النائم على سُرُر مِن ذهب، فرأيت في سرير عبد الله ازوِرارًا عن سريرِ (^٤) صاحبَيه، فقلت: عمَّ هذا؟ فقيل لي: مضيا وتردد عبد الله بعض التردد ثم مضى» (^٥).
_________________
(١) في «الطبقات» (٢/ ١٢٠) من حديث أبي عامر الأشعري - ﵁ -، وفي إسناده لين. وكذا ذكره الواقدي في «مغازيه» (٢/ ٧٦٣، ٧٦٤، ٧٦٩) من غير وجه. والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ١٥٥) في هذه الفقرة وما بعدها.
(٢) ص، د: «والذي صحح البخاري». والحديث عند البخاري (١٢٤٦، ٢٧٩٨، ٣٠٦٣، ٣٧٥٧، ٤٢٦٢) عن أنس مرفوعًا.
(٣) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٨١).
(٤) كذا في الأصول، وفي عامّة المصادر: «سريرَي». والازوِرار: العدول عن الشيء والانحراف عنه.
(٥) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٤/ ٣٨٣ - ٣٨٦) ضمن حديث طويل في خبر الغزوة من طريق ابن إسحاق قال: حدثني يحيى بن عباد، عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير، قال: حدثني أبي الذي أرضعني وكان في تلك الغزاة. قال الهيثمي (٦/ ١٦٣): «رجاله ثقات». قلتُ: هو كذلك إلا أن هذا الحديث مدرج في ذاك الخبر الموصول، فإن ابن هشام (٢/ ٣٧٨ - ٣٨٠) أخرج الخبر الموصول من طريق ابن إسحاق ثم قال: «قال ابن إسحاق: ولمّا أصيب القوم قال رسول الله - ﷺ - فيما بلغني » فذكره، فدل على أن هذا الحديث ليس موصولًا عند ابن إسحاق بل بلاغًا. وكذا أخرجه عنه بلاغًا البيهقيُّ في «الدلائل» (٤/ ٣٦٨)، وعليه فالحديث ضعيف لإعضاله.
[ ٣ / ٤٦٣ ]
وذكر عبد الرزاق (^١) عن ابن عيينة عن ابن جُدعان عن ابن المسيب قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مُثِّل لي جعفرٌ وزيد وابن رواحة في خيمةٍ من دُرٍّ، كل واحد منهم على سرير، فرأيت زيدًا وابنَ رواحة في أعناقهما صدودًا (^٢)، ورأيت جعفرًا مستقيمًا ليس فيه صدود»، قال: «فسألت أو قيل لي: إنهما حين غشيهما الموتُ أعرضا ــ أو: كأنهما صدَّا بوجوههما (^٣) ــ، وأما جعفر فإنه لم يفعل».
وقال رسول الله - ﷺ - في جعفر: «إن الله أبدله بيدَيه جناحَين يطير بهما في الجنةِ حيث شاء» (^٤).
_________________
(١) برقم (٩٥٦٢)، ومن طريقه الطبراني في «الكبير» (١٤/ ٣٨٧). وإسناده ضعيف لإرساله ولضعف ابن جُدعان هذا، وقد أخرج ابن خزيمة (١٩٨٦) والحاكم (٢/ ٢١٠) بإسناد صحيح عن أبي أمامة عن النبي - ﷺ - أنه رأى هؤلاء الثلاثة في المنام على شرفٍ (في الجنة) يشربون من خمرٍ لهم.
(٢) كذا في الأصول بالنصب.
(٣) ص، د: «بوجههما».
(٤) ذكره ابن سيد الناس في «عيون الأثر» (٢/ ١٥٥) والمؤلف صادر عنه، ولم أجده بهذا اللفظ في كتب السنة. وفي معناه حديث أبي هريرة: «رأيت جعفر بن أبي طالب ملَكًا يطير مع الملائكة بجناحين في الجنة». أخرجه الترمذي (٣٧٦٣) وأبو يعلى (٦٤٦٤) ــ واللفظ له ــ وابن حبان (٧٠٤٧) والحاكم (٣/ ٢٠٩)، وإسناده ضعيف كما ذكره الترمذي عقب الحديث والذهبيُّ في «تلخيص المستدرك». وفي الباب عن ابن عباس والبراء وعلي، ولكن أسانيدها واهية أو معلولة. ولكن له أصل، فقد أخرج البخاري (٣٧٠٩) وغيره عن ابن عمر أنه كان إذا سلَّم على ابن جعفر قال: «السلام عليك يا ابنَ ذي الجناحين»، فضلًا عن استفاضته عند أصحاب المغازي والسير. انظر: «الصحيحة» للألباني (١٢٢٦) و«أنيس الساري» لنبيل البصارة (٥/ ٣١٦٤) و«سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٧٨) و«مغازي الواقدي» (٢/ ٧٦٢، ٧٦٧) و«طبقات ابن سعد» (٤/ ٣٤ - ٣٦).
[ ٣ / ٤٦٤ ]
قال أبو عمر (^١): ورُوِّينا عن ابن عمر أنه قال: وجدنا ما بين صدر جعفر ومنكبه وما أقبل منه تسعين جراحةً ما بين ضربةٍ بالسيف وطعنةٍ بالرمح.
وقال موسى بن عقبة (^٢): قدم يعلى بن مُنْية على رسول الله - ﷺ - بخبر أهل مؤتة فقال له رسول الله - ﷺ -: «إن شئتَ فأخبِرْني، وإن شئتَ أخبرتُك»، قال: فأخبرني يا رسول الله، فأخبره - ﷺ - خبرهم كلَّه ووصفهم له، فقال: والذي بعثك بالحق ما تركتَ من حديثهم حرفًا واحدًا لم تذكره، وإن أمرَهم لكما ذكرت، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن الله رفع لي الأرض حتى رأيتُ معتركهم».
واستشهد يومئذ: جعفر، وزيد بن حارثة، وابن رواحة، ومسعود بن الأوس، ووهب بن سعد بن أبي سرح، وعباد بن قيس، وحارث (^٣) بن النعمان، وسراقة بن عمرو بن عطية، وأبو كليب وجابر ابنَي (^٤) عمرو بن زيد، وعمرو وعامر ابنَي سعد (^٥) بن الحارث، وغيرهم.
_________________
(١) في «الاستيعاب» (١/ ٢٤٣) والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ١٥٥). وأثر ابن عمر أخرجه البخاري (٤٢٦٠، ٤٢٦١) وابن سعد في «الطبقات» (٤/ ٣٥) ــ واللفظ به أشبه ــ من طرق عن نافع عن ابن عمر، وكان معهم في تلك الغزاة. ولفظ البخاري في الموضع الأول: «خمسين بين طعنة وضربة» وفي الثاني: «بضعًا وتسعين».
(٢) أخرجه عنه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٣٦٥).
(٣) الأصول والمطبوع: «حارثة»، تصحيف، والتصحيح من «عيون الأثر» (٢/ ١٥٥) وهو مصدر النقل. وانظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٨٨) و«الإصابة» (٢/ ٤٠٢).
(٤) كذا بالنصب في الأصول، وله وجه.
(٥) ن، المطبوع: «سعيد»، تصحيف.
[ ٣ / ٤٦٥ ]
فصل: وهم من ذكر ابن رواحة في قصة الفتح
قال ابن إسحاق (^١): وحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حُدِّث عن زيد بن أرقم قال: كنت يتيمًا لعبد الله بن رواحة فخرج في سفره ذلك مُردفي على حقيبةِ رَحلِه، فوالله إنه ليسير ليلةً إذ سمعته وهو ينشد:
إذا أدنيتِني وحملتِ رحلي مسيرةَ أربعٍ بعد الحِساء
فشأنَكِ فانعَمي وخَلَاك ذمٌّ ولا أرجعْ إلى أهلي ورائي
وجاء المسلمون وغادروني بأرض الشام مشتهرِ الثَّواء (^٢)
فصل
وقد وقع في الترمذي (^٣) وغيره أن رسول الله - ﷺ - دخل مكة يوم الفتح وعبد الله بن رواحة بين يديه ينشد:
خلوا بني الكفار عن سبيله (الأبيات)
وهذا وهْم، فإن ابن رواحة قتل في هذه الغزوة وهي قبل الفتح بأربعة أشهر ــ وإنما كان يُنشَد بين يديه بشعر ابن رواحة ــ، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل النقل.
_________________
(١) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٧٦)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ١٥٤).
(٢) كذا في الأصول، والرواية عند ابن هشام وابن سيد الناس: «مشتَهِيَ الثواء» أي حال كونه يشتهي البقاء هناك ولا يريد رجوعًا. وذكر السُّهَيلي في «الروض الأنف» وجهًا آخر: «مُستَنهى الثواء» أي حيث انتهى مثواه. وفي «تاريخ الإسلام» للذهبي (١/ ٣٢٩): «مشهور الثواء».
(٣) الذي عنده (٢٨٤٧) من حديث أنس أن ذلك كان في عمرة القضاء، وانظر تعليق الترمذي عليه وتعقيب الحافظ في «الفتح» (٧/ ٥٠٢).
[ ٣ / ٤٦٦ ]
فصل
في غزوة ذات السُّلاسل
وهي وراء وادي القُرى (^١)، بضم السين الأولى وفتحها لغتان، وبينها وبين المدينة عشرة أيام، وكانت في جُمادى الآخرة سنة ثمان.
قال ابن سعد (^٢): بلغ رسول الله - ﷺ - أن جمعًا من قُضاعة قد تجمعوا يريدون أن يَدنوا إلى أطراف المدينة، فدعا رسولُ الله - ﷺ - عمرو بن العاص فعقد له لواءً أبيض وجعل معه رايةً سوداء، وبعثه في ثلاثمائة من سَراة المهاجرين والأنصار ومعهم ثلاثون فرسًا، وأمره أن يستعين بمن مرَّ به من بَليٍّ وعُذرة وبَلْقَين، فسار الليل وكمن النهار، فلما قرب من القوم بلغه أن لهم جمعًا كثيرًا فبعث رافع بن مَكِيث الجُهَني إلى رسول الله - ﷺ - يستمدُّه، فبعث إليه أبا عُبَيدة بن الجرَّاح في مائتين وعقد له لواءً، وبعث له (^٣) سراة المهاجرين والأنصار وفيهم أبو بكر وعمر، وأمره أن يلحق بعمرٍو وأن يكونا جميعًا ولا يختلفا، فلما لحق به أراد أبو عبيدة أن يؤمَّ الناس، فقال عمرو: إنما قدِمتَ عليَّ مددًا وأنا الأمير، فأطاعه أبو عبيدة فكان عمرو يصلي بالناس، وسار حتى وطئ بلاد قضاعة فدوَّخها حتى أتى إلى أقصى بلادهم، ولقي في آخر ذلك جمعًا فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرَّقوا،
_________________
(١) وادي القُرى معروف اليوم بوادي العُلا، وقد سبق التعريف به.
(٢) «الطبقات» (٢/ ١٢١)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ١٥٧). وانظر خبر الغزوة عند عروة بن الزبير وموسى بن عقبة في «الدلائل» (٤/ ٣٩٧)، وعند ابن إسحاق في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٦٢٣)، وعند الواقدي في «مغازيه» (٢/ ٧٦٩).
(٣) كذا في الأصول، وفي مصدر النقل: «معه».
[ ٣ / ٤٦٧ ]
وبعث عوفَ بن مالك الأشجعي بريدًا إلى رسول الله - ﷺ - فأخبره بقفولهم وسلامتهم وما كان في غَزاتهم.
وذكر ابن إسحاق (^١) نزولَهم على ماءٍ بجذام (^٢) يقال له: السلسل، قال: وبذلك سميت ذات السلاسل.
قال الإمام أحمد (^٣): حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن عامر قال: بعث رسول الله - ﷺ - جيش ذات السلاسل، فاستعمل أبا عبيدة على المهاجرين واستعمل عمرو بن العاص على الأعراب، وقال لهما: «تطاوعا» (^٤). قال: وكانوا أُمِروا أن يُغيروا على بكر، فانطلق عمرٌو وأغار على قضاعة، لأن بكرًا أخواله. قال: فانطلق المغيرة بن شعبة إلى أبي عبيدة فقال: إن رسول الله - ﷺ - استعملك علينا، وإن ابن فلان قد اتبع (^٥) أمرَ القوم، فليس لك معه أمر، فقال أبو عبيدة: إن رسول الله - ﷺ - أمرَنا أن نتطاوع، فأنا أطيع رسولَ الله - ﷺ - وإن عصاه عمرو.
_________________
(١) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٦٢٣) و«عيون الأثر» (٢/ ١٥٨) والنقل منه.
(٢) ز، المطبوع: «لجذام»، والمثبت من سائر الأصول موافق لمصدر النقل، وفي «سيرة ابن هشام»: «بأرض جذام».
(٣) في «المسند» (١٦٩٨)، ومن طريقه أخرجه ابن سيد الناس في «عيون الأثر» (٢/ ١٥٨)، ورجاله ثقات إلا أنه مرسل، فعامر هو ابن شراحيل الشعبي.
(٤) لقوله - ﷺ - لهما: «تطاوعا» شاهدٌ بنحوه في مغازي موسى بن عقبة، وكذا في مغازي عروة. ورواه ابن إسحاق في «مغازيه» ــ كما في «الدلائل» (٤/ ٣٩٩) ــ عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حصين التميمي مرسلًا بلفظ: «لا تختلفا».
(٥) كذا في الأصول و«عيون الأثر». أما «المسند» ففيه: «ارْتَبع»، ومعنى «ارتبع أمرَ القوم» أي انتظر أن يؤمَّر عليهم، كما في «النهاية» (ربع).
[ ٣ / ٤٦٨ ]
فصل: قصة احتلام عمرو بن العاص وصلاته بالناس من غير اغتسال
فصل
وفي هذه الغزاة احتلم أميرُ الجيش عمرو بن العاص، وكانت ليلةً باردةً فخاف على نفسه من الماء فتيمَّم وصلَّى بأصحابه الصبح، فذكروا ذلك للنبي - ﷺ - فقال: «يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟» فأخبره بالذي منعه من الاغتسال، وقال: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئًا (^١).
وقد احتج بهذه القصة مَن قال: إن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأن رسول الله - ﷺ - سمَّاه جنبًا بعد تيمُّمِه، وأجاب مَن نازعهم في ذلك بثلاثة أجوبة:
أحدها: أن الصحابة لما شَكَوه قالوا: صلى بنا الصبح وهو جنب، فسأله النبيُّ - ﷺ - عن ذلك وقال: «صليت بأصحابك وأنت جنب؟» استفهامًا واستعلامًا، فلما أخبره بعذره وأنه تيمم للحاجة أقرَّه على ذلك.
الثاني: أن الرواية اختلفت عنه، فروي عنه فيها أنه غسل مغابِنه (^٢)
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٣٤) والدارقطني (٦٨١) والحاكم (١/ ١٧٧) من طريق جرير بن حازم عن يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص. والحديث في إسناده ومتنه خلاف كما سيأتي، ولعله لذا علّقه البخاري بصيغة التمريض في «صحيحه» (كتاب التيمم، باب إذا خاف على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم)، لكن الحافظ يقول: علّقه لكونه اختصره، وإسناده قوي. «الفتح» (١/ ٤٥٤).
(٢) جمع المَغْبِن، وهو الإبط وأصول الفخذين وما أطاف بذلك المكان، من «غَبَن الثوب» إذا عطفه، فهي معاطف الجلد. والمراد هنا: الفرج وما حوله من باطن الفخذين.
[ ٣ / ٤٦٩ ]
وتوضَّأ وضوءه للصلاة ثم صلى بهم (^١)،
ولم يذكر التيمم، وكأن هذه الرواية أقوى من رواية التيمم. قال عبد الحق (^٢) وقد ذكرها وذكر رواية التيمم قبلها، ثم قال: وهذا أوصل من الأول، لأنه عن عبد الرحمن بن جبير المصري عن أبي قيس مولى عمرٍو عن عمرو. والأولى التي فيها التيمم من رواية عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص، لم يذكر بينهما أبا قيس.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٣٥) وابن حبان (١٣١٥) والدارقطني (٦٨٢) والحاكم (١/ ١٧٧) من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص: أن عمرو بن العاص كان على سرية إلخ. وهذا الإسناد ظاهره الإرسال، ولكن الظن بأبي قيس ــ وهو ثقة من كبار التابعين ــ أنه سمعه من مولاه، فإن جلَّ روايته عنه ولم يُعرَف بالإرسال. وهذه الرواية أقوى من الأولى كما قال المؤلف وغيره، وذلك لأمور منها: - أن ابن وهب أوثق من جرير بن حازم. - ابن وهب مصري وجرير بصري، وأهل مصر أعرف بحديثهم من أهل البصرة، قاله الحاكم في «مستدركه». - أن عمرو بن الحارث أوثق وأحفظ بكثير من يحيى بن أيوب. هذا، وإن لأصل الحديث متابعات وشواهد على ضعف في أسانيدها واختلاف في متونها. انظر: «مسند أحمد» (١٧٨١٢) و«مصنف عبد الرزاق» (٨٧٨) و«مغازي الواقدي» (٢/ ٧٧٤) و«الإعلام بسنته ﵇» لمغلطاي (ص ٧١٠) و«فتح الباري» لابن رجب (٢/ ٧٨) و«تغليق التعليق» (٢/ ١٨٨).
(٢) في «الأحكام الوسطى» (١/ ٢٢٣)، واللفظ فيه: «وهذا أدخل»، ولعله تصحيف، فإن ابن القطان ومغلطاي نقلا عنه كما هنا. انظر: «بيان الوهم» (٢/ ٤١٩) و«الإعلام» (ص ٧١٢).
[ ٣ / ٤٧٠ ]
الثالث: أن النبي - ﷺ - أراد أن يستعلم فقه عمرو في تركه الاغتسال، فقال له: «صلَّيت بأصحابك وأنت جنب؟»، فلما أخبره أنه تيمم للحاجة علم فقهَه فلم ينكِر عليه، ويدل عليه أن ما فعله عمرو من التيمم كان خشيةَ الهلاك بالبرد كما أخبر به، والصلاةُ بالتيمم في هذه الحال جائزة غيرُ منكَرٍ على فاعلها؛ فعلم أنه أراد استعلام فقهه وعلمه. والله أعلم.
فصل
في سرية الخَبَط
وكان أميرها أبا عبيدة (^١) بن الجراح، وكانت في رجبٍ سنة ثمان فيما أنبأنا به الحافظ أبو الفتح محمد بن سيِّد الناس في كتاب «عيون الأثر» (^٢) له، وهو عندي وهم كما سنذكره إن شاء الله.
قالوا: بعث رسول الله - ﷺ - أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة رجل من المهاجرين والأنصار ــ وفيهم عمر بن الخطاب ــ إلى حيٍّ من جُهَينة بالقَبَلية (^٣) مما يلي ساحل البحر، وبينها وبين المدينة خمس ليال، فأصابهم في الطريق جوع شديد فأكلوا الخَبَط، وألقى لهم البحرُ حوتًا عظيمًا فأكلوا منه، ثم انصرفوا ولم يلقَوا كيدًا.
_________________
(١) ص، د، ز: «أبو عبيدة».
(٢) (٢/ ١٥٨)، وهو قول الواقدي (١/ ٦) وابن سعد (٢/ ١٢٢) وابن سيد الناس صادر عنه هنا وفي السياق الآتي.
(٣) ويقال: «القِبْلية»، وهي سراة فيما بين المدينة وينبع ذات جبال وأودية. انظر: «معجم البلدان» لياقوت (٤/ ٣٠٧) و«تاج العروس» (٣٠/ ٢٢٢).
[ ٣ / ٤٧١ ]
- عثور الصحابة على حوت عظيم لفظه البحر على الساحل
وفي هذا نظر، فإن في «الصحيحين» (^١) من حديث جابر قال: بعثنا النبي - ﷺ - في ثلاثمائة راكبٍ أميرنا أبو عبيدة بن الجراح نرصد عيرًا لقريش، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخَبَط (^٢) فسمي «جيشَ الخبط»، فنحر رجل ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه، فألقى إلينا البحر دابةً يقال لها: العنبر، فأكلنا منه نصف شهر وادَّهنَّا منه (^٣) حتى ثابت منه أجسامُنا وصلحت، وأخذ أبو عبيدة ضلعًا من أضلاعه (^٤) فنظر إلى أطول رجل في الجيش وأطول جمل فحمله عليه ومرَّ تحته، وتزوَّدْنا من لحمه وَشَائق (^٥)، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله - ﷺ - فذكرنا ذلك له فقال: «هو رزق أخرجه اللهُ لكم، فهل معكم مِن لَحمِه شيءٌ تُطعمونا؟» فأرسلنا إلى رسول الله - ﷺ - منه فأكل.
قلت: وهذا السياق يدل على أن هذه الغزوة كانت قبل الهدنة وقبل عمرة الحديبية، فإنه مِن حين صالح أهل مكة بالحديبية لم يكن يرصد لهم عيرًا، بل كان زمنَ أمنٍ وهدنة إلى حين الفتح، ويبعد أن تكون سرية الخبط على هذا الوجه مرَّتين مرةً قبل الصلح ومرةً بعده. والله أعلم.
_________________
(١) البخاري (٤٣٦١، ٥٤٩٤) ومسلم (١٩٣٥)، ولفظ المؤلف مجموع من رواياتهما.
(٢) الخَبَط: ورق الشجر يُخبط بالعصا حتى ينتثر ثم يجفَّف ويُطحن ويُعلَف به الإبل.
(٣) كذا في الأصول. وفي المطبوع: «فأكلنا منها مِن وَدَكها» وهو لفظ مسلم (١٩٣٥/ ١٨).
(٤) ص، د، ز: «أضلاعها».
(٥) جمع الوشيقة: لحم يُغلى إغلاءة ثم يُرفع قبل أن ينضج ويقدَّد، وهو أبقى قديد يكون.
[ ٣ / ٤٧٢ ]
- لا دليل في القصة على جواز القتال في الشهر الحرام
فصل
في فقه هذه القصة
ففيها: جواز القتال في الشهر الحرام إن كان ذكر التاريخ فيها برجب محفوظًا، والظاهر ــ والله أعلم ــ أنه وهم غير محفوظ، إذ لم يُحفَظ عن النبي - ﷺ - أنه غزا في الشهر الحرام ولا أغار فيه ولا بعث فيه سريةً، وقد عيَّر المشركون المسلمين بقتالهم في أول رجبٍ في قصة العلاء بن الحضرمي (^١) وقالوا: استحل محمد الشهر الحرام، وأنزل الله في ذلك: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧].
ولم يثبت نسخُ هذا بنصٍّ يجب المصير إليه، ولا أجمعت الأمة على نسخه.
وقد استدل على تحريم القتال في الأشهر الحرم (^٢) بقوله تعالى: ﴿الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ولا حجة في هذا، لأن الأشهر الحرم هاهنا هي أشهر التسيير الأربعة التي سيَّر الله فيها المشركين في الأرض يأمنون فيها، وكان أولها يومَ الحج الأكبر عاشر ذي الحجة وآخرُها عاشر ربيع الآخر، هذا هو الصحيح في الآية لوجوه عديدة ليس هذا موضعها (^٣).
_________________
(١) وقد سبقت (ص ١٩٥ - ١٩٧).
(٢) ص، د، ز: «الشهر الحرام».
(٣) ذكرها المؤلف في «أحكام أهل الذمة» (٢/ ٨٧٩)، وقد سبق أيضًا بعضُها في (ص ١٨٦).
[ ٣ / ٤٧٣ ]
- جواز أكل ميتة البحر
وفيها: جواز أكل ورق الشجر عند المخمصة، وكذلك عشب الأرض.
وفيها: جواز نهي الإمام وأمير الجيش للغزاة عن نحر ظهرهم وإن احتاجوا إليه، خشيةَ أن يحتاجوا إلى ظهرهم عند لقاء عدوِّهم، ويجب عليهم الطاعةُ إذا نهاهم.
وفيها: جواز أكل ميتة البحر وأنها لم تدخل في قول الله ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]. وقد قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦]، وقد صحَّ عن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عباس وجماعة من الصحابة أن صيد البحر ما صِيد منه وطعامه ما مات فيه (^١).
وفي «السنن» عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا: «أُحِلَّت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطِّحال» (^٢). حديث
_________________
(١) انظر: «تفسير الطبري» (٨/ ٧٢٢ - ٧٢٨) ولفظ عامّتهم: «وطعامه: ما قذف»، وفي رواية عن ابن عباس: «ما لفظ من ميتته»، وفي أخرى: «ما وُجد على الساحل ميتًا».
(٢) المرفوع أخرجه أحمد (٥٧٢٣) وابن ماجه (٣٣١٤) والدارقطني (٤٧٣٢) والبيهقي في «السنن» (١/ ٢٥٤) والضياء في «المختارة» (١٣/ ١٧٥)، وفيه لين لأنه من رواية بني زيد بن أسلم الضعفاء عن أبيهم عن ابن عمر، ثم إنه قد اختُلف على بعض بني زيد في رفعه ووقفه. والموقوف أخرجه عبد الله بن أحمد عن أبيه في «العلل» (١٠٩٩) والبيهقي في «السنن» (١/ ٢٥٤) ــ وصححه ــ والخطيب في «المتفق والمفترق» (٣٧) من طرق عن زيد بن أسلم عن ابن عمر. والموقوف هو الذي صوَّبه الإمام أحمد وأبو زرعة والدارقطني والبيهقي، وأعلّوا به المرفوع. انظر: «العلل» رواية عبد الله عن أبيه (١/ ٤٨٠، ٢/ ١٣٦) و«العلل» لابن أبي حاتم (٢/ ١٧) و«العلل» للدارقطني (٢٢٧٧، ٣٠٣٨).
[ ٣ / ٤٧٤ ]
حسن. وهذا الموقوف في حكم المرفوع، لأن قول الصحابي: أُحِلَّ لنا كذا وحُرِّم علينا ينصرف إلى إحلال النبي - ﷺ - وتحريمه.
فإن قيل: فالصحابة في هذه الوقعة (^١) كانوا مضطرين، ولهذا لما هموا بأكلها قالوا: إنها ميتة، وقالوا: نحن رسل رسول الله - ﷺ - ونحن مضطرون، فأكلوا. وهذا دليل على أنهم لو كانوا مستغنين عنها لما أكلوا منها.
قيل: لا ريب أنهم كانوا مضطرين، ولكن هيَّأ الله لهم من الرزق أطيبه وأحله، وقد قال النبي - ﷺ - لهم بعد أن قدموا عليه (^٢): «هل بقي معكم من لحمه شيء؟» قالوا: نعم، فأكل منه النبي - ﷺ - وقال: «إنما هو رزق ساقه الله لكم» (^٣)، ولو كان هذا رزق مضطر لم يأكل منه رسول الله - ﷺ - في حال الاختيار.
ثم لو كان أكلهم منها للضرورة فكيف ساغ لهم أن يدهنوا بودكها وينجسوا به ثيابهم وأبدانهم؟
وأيضًا: فكثير من الفقهاء لا يجوِّز الشبع من الميتة، وإنما يجوِّزون منها سدَّ الرمق، والسريةُ أكلت منها حتى ثابت إليهم أجسامهم وسمنوا وتزودوا منها.
فإن قيل: إنما يتم لكم الاستدلال بهذه القصة إذا كانت تلك الدابة قد ماتت في البحر ثم ألقاها ميتةً، ومن المعلوم أنه كما يَحتمِل ذلك يَحتمِل أن
_________________
(١) س، ث، ن، المطبوع: «الواقعة».
(٢) «عليه» ساقط من س، ث، المطبوع.
(٣) هذا نقل بالمعنى، ولفظه كما سبق: «هو رزق أخرجه الله لكم».
[ ٣ / ٤٧٥ ]
يكون البحر قد جزر عنها وهي حية فماتت بمفارقة الماء، وذلك ذكاتها وذكاة حيوان البحر، ولا سبيل إلى دفع هذا الاحتمال، كيف وفي بعض طرق الحديث: «فجزر البحرُ عن حوت كالظَّرِب (^١)» (^٢).
قيل: هذا الاحتمال مع بُعده جدًّا فإنه يكاد (^٣) يكون خرقًا للعادة (^٤)، فإن مثل (^٥) هذه الدابة إذا كانت حيةً إنما تكون في لُجَّة البحر وثَبَجِه دون ساحله وما رقَّ منه ودنا من البر.
وأيضًا: فإنه لا يكفي ذلك في الحِلِّ، لأنه إذا شُكَّ في السبب الذي مات به الحيوان هل هو سبب مبيح له أو غير مبيح لم يحلَّ الحيوان، كما قال النبي - ﷺ - في الصيد يرمى بالسهم ثم يوجد في الماء: «وإن وجدتَه غريقًا في الماء فلا تأكلْه فإنك لا تدري الماءُ قتله أو سهمك» (^٦)؛ فلو كان الحيوان البحريُّ حرامًا إذا مات في البحر لم يُبَح، وهذا مما لا يعلم فيه خلاف بين الأئمة.
_________________
(١) في الأصول عدا ن: «كالضرب»، والمثبت من ن هو الصواب. والظَرِب: الجبل المنبسط أو الصغير.
(٢) لفظ البخاري وغيره: «ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت مثل الظَّرِب». وعند الواقدي: «فألقى لنا البحر حوتًا مثل الظرب».
(٣) ص، ز: «كاد».
(٤) كلا، بل وقوعه كثير جدًّا كما ثبت بالمشاهدة حول العالم: أن البحر كثيرًا ما يقذف بالحيتان على الساحل وهي حيّة ثم تموت لمفارقة الماء، وهناك وقائع نجح فيها أناس في سحبها إلى البحر وإنقاذها من الهلاك.
(٥) ص، ز: «مقيل».
(٦) أخرجه مسلم (١٩٢٩/ ٦، ٧) من حديث عدي بن حاتم.
[ ٣ / ٤٧٦ ]
فصل: جواز الاجتهاد في الوقائع في حياة النبي - ﷺ -
وأيضًا: فلو لم تكن هذه النصوص مع المبيحين لكان القياس الصحيح معهم، فإن الميتة إنما حرمت لاحتقان الرطوبات والفضلات والدم الخبيث فيها، والذكاة لما كانت تزيل ذلك الدم والفضلات كانت سببَ الحِلِّ، وإلا فالموت لا يقتضي التحريم فإنه حاصل بالذكاة كما يحصل بغيرها، فإذا لم يكن في الحيوان دم وفضلات تزيلها الذكاةُ لم يَحْرُم بالموت ولم يشترط لحلِّه ذكاة كالجراد، ولهذا لا يَنجسُ بالموت ما لا نفس له سائلة كالذباب والنحلة ونحوهما، والسمكُ من هذا الضرب، فإنه لو كان له دم وفضلات تحتقن بموته لم يحل بموته بغير ذكاة، ولم يكن فرق بين موته في الماء وموته خارجَه، إذ من المعلوم أن موته في البر لا يُذهب تلك الفضلات التي تحرِّمه عند المحرِّمين إذا مات في البحر. ولو لم يكن في المسألة نصوص لكان هذا القياس كافيًا. والله أعلم.
فصل
وفيها دليل على جواز الاجتهاد في الوقائع في حياة النبي - ﷺ - وإقراره على ذلك، لكن هذا كان في حال الحاجة إلى الاجتهاد وعدمِ تمكُّنهم من مراجعة النص. وقد اجتهد أبو بكر وعمر بين يدي رسول الله - ﷺ - في عدة من الوقائع وأقرَّهما على ذلك، لكن في قضايا جُزْوِيَّة (^١) مُعيَّنة لا في أحكام عامة وشرائعَ كليَّةٍ، فإن هذا لم يقع من أحد من الصحابة في حضوره - ﷺ - البتة.
* * *
_________________
(١) س، ن، المطبوع: «جزئية»، لغتان. والمثبت هي لغة المؤلف، وانظرها في «تهذيب السنن» (٢/ ٤٤٩).
[ ٣ / ٤٧٧ ]
- سبب الغزوة: اعتداء بني بكر بإعانة قريش على خزاعة حلفاء النبي - ﷺ -
فصل
في الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحَرَمه الأمين
واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدًى للعالمين من أيدي الكفار والمشركين
وهو الفتح الذي استبشر به أهلُ السماء، وضربت أطنابُ عزِّه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، وأشرق به (^١) وجه الدهر ضياءً وابتهاجًا.
خرج له رسول الله - ﷺ - بكتائب الإسلام وجنود الرحمن سنة ثمانٍ لعشرٍ مضَين من رمضان، واستعمل على المدينة أبا رُهْم كُلثوم بن الحُصَين الغفاري (^٢). وقال ابن سعد (^٣): بل استعمل عبد الله بن أم مكتوم.
وكان السبب الذي جرَّ إليه (^٤) وحدا عليه فيما ذكر إمام المغازي والسير والأخبار محمد بن إسحاق بن يسار (^٥): أن بني بكر بن عبد مناة بن كنانة عدت على خُزاعة وهم على ماءٍ لهم يقال له: الوتير (^٦)، فبيَّتوهم وقتلُوا منهم، وكان الذي هاج ذلك أن رجلًا من بني الحضرمي يقال له مالك بن عباد
_________________
(١) «به» ساقطة من ص، ز، د.
(٢) أخرجه ابن إسحاق ــ ومن طريقه ابن هشام (٢/ ٣٩٩) وأحمد (٢٣٩٢) ــ قال: حدثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس. وإسناده جيد.
(٣) في «الطبقات» (٢/ ١٢٥)، وهو قول شيخه الواقدي (١/ ٨). والأول أسند وأصح.
(٤) ص، د: «جُري له». وكذا كان في ز ثم أصلح إلى المثبت.
(٥) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٨٩) باختصار وتصرف يسير. ولعل المؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ١٦٣).
(٦) جنوب غربيّ مكة على حدود الحرم جهة العُكيشية. انظر: «معجم المعالم في السيرة» (ص ٣٣١) و«معجم معالم الحجاز» (ص ١٧٩١).
[ ٣ / ٤٧٨ ]
خرج تاجرًا، فلما توسَّط أرض خزاعة عدَوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله، فعدت بنو بكر على رجل من بني خزاعة فقتلوه، فعدت خزاعة على بني الأسود (^١) وهم: سلمى وكلثوم وذؤيب فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم.
هذا كله قبل المبعث، فلما بُعِث رسولُ الله - ﷺ - وجاء الإسلام حجز بينهم وتشاغل الناسُ بشأنه، فلما كان صلحُ الحديبية بين رسول الله - ﷺ - وبين قريش وقع الشرط أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله - ﷺ - وعهده فعل، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فعل، فدخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله - ﷺ - وعهده.
فلما استقرَّت الهدنة اغتنمها بنو بكر من خزاعة وأرادوا أن يصيبوا منهم الثأر القديم، فخرج نوفل بن معاوية الدِّيلي (^٢) في جماعة من بني بكرٍ فبيَّت خزاعة وهم على الوتير، فأصابوا منهم رجالًا وتناوشوا واقتتلوا، وأعانت قريشٌ بني بكر بالسلاح وقاتل معهم مِن قريش مَن قاتل مستخفيًا ليلًا، ذكر ابن سعد (^٣) منهم: صفوان بن أمية، وحويطب بن عبد العزَّى، ومِكرَز بن حفص؛ حتى حازوا خزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر: يا نوفل، إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك! فقال كلمةً عظيمةً: لا إله له (^٤) اليوم يا بني
_________________
(١) وهم من بني الدُّئِل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة.
(٢) نسبةً إلى الدُّئِل بن بكر.
(٣) في «الطبقات» (٢/ ١٢٤). والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ١٦٤).
(٤) «له» كذا قال ابن إسحاق، والظاهر أن نوفل إنما قال: «لي»، ولكن لقبح الكلمة وشناعتها أتى به ابن إسحاق بضمير الغيبة دون ضمير المتكلم. ومثله حديث سعيد بن المسيب عن أبيه أنه لمَّا حضرت أبا طالب الوفاةُ كان آخر ما كلّمهم: «هو على ملّة عبد المطلب». أخرجه البخاري (١٣٦٠) ومسلم (٢٤).
[ ٣ / ٤٧٩ ]
بكر أَصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه؟!
فلما دخلت خزاعة مكة لجأوا إلى دار بُدَيل بن ورقاء الخزاعي ودار مولًى لهم يقال له: رافع، ويخرج عمرو بن سالم الخُزاعي حتى قدم على رسول الله - ﷺ - المدينة (^١)، فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهراني أصحابه فقال:
يا ربِّ إني ناشد محمدا حِلْفَ أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتم وُلْدًا وكنا والدا (^٢) ثُمَّتَ أسلمنا ولم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصرًا أيِّدَا (^٣) وادع عبادَ الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجرَّدا أبيضَ مثل البدر يسمو صُعُدا (^٤)
إن سِيم خسفًا وجهُه تربَّدا في فَيلَقٍ كالبحر يجري مُزبِدا
إن قريشًا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وجعلوا لي في كَدَاءٍ رَصَدا (^٥) وزعموا أن لست تدعو أحدا
_________________
(١) «المدينة» ساقطة من ص، د.
(٢) قال السهيلي: يريد أن بني عبد مناف أمهم من خزاعة. «الروض الأنف» (٧/ ٨٤). قلت: وهي حُبَّى بنت حُلَيل الخزاعية، امرأة قصي بن كلاب، ولدت له عبد مناف، وعبد الدار، وعبد العزى.
(٣) المطبوع: «أبدا»، تصحيف.
(٤) هذا الشطر لم يذكره ابن هشام وابن سيد الناس في خبر ابن إسحاق، وقد ذكره فيه الطبري في «تاريخه» (٣/ ٤٥) وروايته: «ينمي صعدا». وانظر: «المنمق في أخبار قريش» لابن حبيب (ص ٩٠) و«الاستيعاب» (٣/ ١١٧٦).
(٥) ص، ز، د: «مرصدا».
[ ٣ / ٤٨٠ ]
- مجيء أبي سفيان إلى المدينة ليشد العقد
وهم أذلُّ وأقلُّ عددا هم بَيَّتونا بالوتير هُجَّدا
وقتلونا ركعًا وسُجَّدا
يقول: قُتِلنا وقد أسلمنا، فقال رسول الله - ﷺ -: «نُصِرتَ يا عمرو بن سالم» (^١)، ثم عرضت لرسول الله - ﷺ - سحابة فقال: «إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب» (^٢).
ثم خرج بُدَيل بن ورقاء في نفرٍ من خزاعة حتى قدموا على رسول الله - ﷺ - فأخبروه بما أصيب منهم وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم رجعوا إلى مكة، فقال رسول الله - ﷺ - للناس: «كأنكم بأبي سفيان وقد جاء ليشدَّ (^٣) العقد ويزيد في المدة» (^٤).
ومضى بُدَيل بن ورقاء في أصحابه حتى لقوا أبا سفيان بن حرب بعُسفان
_________________
(١) هذا لفظ ابن إسحاق، وقد روي نحوه من حديث ميمونة عند الطبراني في «الكبير» (٢٣/ ٤٣٣) و«الصغير» (٩٦٨) وإسناده ضعيف. له شاهد من حديث عائشة - ﵂ - بلفظ: «لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب»، أخرجه أبو يعلى (٤٣٨٠) بإسناد لا بأس به. وبنحوه أخرجه الواقدي (٢/ ٧٩١) بإسناده عن ابن عباس.
(٢) رُوي ذلك في حديث ميمونة الآنف الذكر. وله شاهد من مرسل أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة عند ابن أبي شيبة (٣٨٠٥٥).
(٣) ص، د هنا وفي الموضع الآتي: «ليشهد»، تصحيف، وكذا كان في ز ثم أُصلح.
(٤) أخرجه الواقدي (٢/ ٧٩١) بنحوه عن حزام بن هشام بن حُبيش الخزاعي عن أبيه مرسلًا. وله شاهد من مرسل عكرمة الطويل في خبر الفتح ولفظه: «قد جاءكم أبو سفيان، وسيرجع راضيًا بغير حاجته». أخرجه ابن أبي شيبة (٣٨٠٥٧) والطحاوي في «معاني الآثار» (٣/ ٣١٢) بإسناد صحيح إلى عكرمة.
[ ٣ / ٤٨١ ]
وقد بعثته (^١) قريش إلى رسول الله - ﷺ - ليشد العقد ويزيد في المدة وقد رهبوا الذي صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بديل بن ورقاء قال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: سرتُ في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي قال: أوَما جئت محمدًا؟ قال: لا، فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان جاء المدينة لقد علف بها النوى، فأتى مبرك (^٢) راحلته فأخذ من بعرها ففتَّه فرأى فيها النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدًا.
ثم خرج أبو سفيان حتى قدم المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله - ﷺ - طوته عنه، فقال: يا بُنيَّة، ما أدري أرغبتِ بي (^٣) عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله - ﷺ - وأنت مشرك نجس، فقال: والله لقد أصابكِ بعدي شر!
ثم خرج حتى أتى رسولَ الله - ﷺ - فكلَّمه فلم يرد عليه شيئًا، ثم ذهب إلى أبي بكر وكلَّمه أن يكلم له رسولَ الله - ﷺ - فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلَّمه، فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله - ﷺ -؟! فوالله لو لم أجد إلا الذرَّ لجاهدتكم به! ثم جاء فدخل على علي بن أبي طالب وعنده فاطمةُ وحسن غلام يدب بين يديها فقال: يا علي، إنك أمسُّ القوم بي رحمًا، وإني قد جئت في حاجة فلا أرجعَنَّ كما جئتُ خائبًا، اشفع لي إلى محمد، فقال: ويحك يا أبا سفيان، والله لقد عزم رسول الله - ﷺ - على أمرٍ ما نستطيع أن
_________________
(١) ص، د، ف، ب: «بعثت».
(٢) كذا في س، ن، وهو الموافق لمصادر الخبر. وفي سائر الأصول: «منزل».
(٣) «بي» ساقطة من ص، د.
[ ٣ / ٤٨٢ ]
نكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة وقال (^١): هل لك أن تأمري ابنك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما يبلغ ابني ذاك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله - ﷺ -، قال: يا أبا الحسن، إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني، قال: والله ما أعلم لك شيئًا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة فقم وأَجِرْ بين الناس ثم الحَقْ بأرضك، قال: أوترى ذلك مغنيًا عني شيئًا؟ قال: لا والله ما أظنه، ولكني ما أجد لك غير ذلك؛ فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرتُ بين الناس، ثم ركب بعيره فانطلق.
فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئتُ محمدًا فكلمته، فواللهِ ما ردَّ عليَّ شيئًا، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرًا، ثم جئت عمر بن الخطاب فوجدته أدنى العدو (^٢)، ثم جئت عليًّا فوجدته ألين القوم قد أشار عليَّ بشيءٍ صنعتُه، فوالله ما أدري هل يغني عني شيئًا أم لا؟ قالوا: وبِمَ أمرك؟ قال: أمرني أن أجيرَ (^٣) بين الناس ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا، قالوا: ويلك واللهِ إن زاد الرجلُ على أن لعب بك! قال: لا والله ما وجدتُ غير ذلك.
_________________
(١) «فاطمة وقال» سقط من صلب ف وكتبه الناسخ في الهامش الأيسر مصححًا عليه. وكتب أيضًا في الهامش الأيمن مصححًا عليه: «فاطمة فقال يا بنت»، وهو كذلك في مصادر التخريج إلا أن الناسخ سقط عليه «محمد» سهوًا، أي: «فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنت [محمد] هل لك ». وأثبتُّ الأول لموافقته سائر الأصول.
(٢) أي أقربهم لنا عداوة، وفي المطبوع: «أعدى العدو» خلافًا للأصول ولفظ ابن إسحاق، وإنما هو لفظ ابن هشام كما صرَّح به مميزًا له عن لفظ ابن إسحاق في «سيرته».
(٣) ص، ز، د، ث: «أجِرْ» بصيغة الأمر على أن «أن» تفسيرية.
[ ٣ / ٤٨٣ ]
- أمر النبي - ﷺ الصحابة بالجهاز، وكتاب حاطب بذلك إلى قريش
وأمر رسول الله - ﷺ - الناس بالجَهاز، وأمر أهله أن يجهزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة وهي تُحرِّك بعض جَهاز رسول الله - ﷺ - فقال: أي بنيةُ أمركنَّ رسول الله - ﷺ - بتجهيزه؟ قالت: نعم فتجهَّزْ، قال: فأين تَرَينه يريد؟ قالت: لا والله ما أدري. ثم إن رسول الله - ﷺ - أعلم الناسَ أني (^١) سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتجهيز، وقال: «اللهم خذ العيونَ والأخبار عن قريش حتى نَبْغَتَها في بلادها» (^٢)، فتجهز الناس.
فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش كتابًا يخبرهم بمسير رسول الله - ﷺ - إليهم، ثم أعطاه امرأةً وجعل لها جُعلًا على أن تُبلِّغه قريشًا، فجعلته في قرون رأسها ثم خرجت به، وأتى رسولَ الله - ﷺ - الخبر من السماء بما صنع حاطب فبعث عليًّا والزبير ــ وغير ابن إسحاق يقول: بعث عليًّا والمقداد (^٣) ــ فقال: «انطلقا حتى تأتيا رَوضة خاخٍ (^٤)
فإن بها ظعينةً معها كتاب إلى قريش»، فانطلقا تَعادى بهما خيلُهما حتى وجدا المرأة بذلك المكان فاستنزلاها وقالا: معكِ كتاب؟ فقالت: ما معي كتاب، ففتَّشا رحلها فلم يجدا شيئًا، فقال لها عليٌّ: أحلف بالله ما كَذَب رسولُ الله - ﷺ - ولا كَذَبْنا، واللهِ
_________________
(١) ز، المطبوع: «أنه»، وهو كذلك في مصادر التخريج.
(٢) له شاهد من حديث ميمونة عند الطبراني في «الكبير» (٢٣/ ٤٣٣) و«الصغير» (٩٦٨) بإسناد ضعيف. وآخَرُ من مرسل محمد بن جبير بن مطعم عند الواقدي (٢/ ٧٩٦).
(٣) المؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ١٦٧)، ومراد ابن سيد الناس بـ «غير ابن إسحاق» هو ابن سعد في «طبقاته» (٢/ ١٢٥). والذي صحَّ من حديث عليٍّ أن النبي - ﷺ - بعثه هو والزبير والمقداد. أخرجه البخاري (٣٠٠٧) ومسلم (٢٤٩٤).
(٤) خاخ: موضع جنوب غربي المدينة قرب حمراء الأسد، ولا يزال معروفًا بهذا الاسم، وكان يسمَّى روضةً لكثرة مياهه وأشجاره ..
[ ٣ / ٤٨٤ ]
لتُخرِجِنَّ الكتاب أو لنجردَنَّك! فلما رأت الجد منه قالت: أعرِضْ، فأعرض فحلَّت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منها فدفعته إليهما، فأتيا به رسولَ الله - ﷺ - فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله - ﷺ - إليهم، فدعا رسولُ الله - ﷺ - حاطبًا فقال: «ما هذا يا حاطب؟» فقال: لا تَعجل عليَّ يا رسول الله، والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما ارتددتُ ولا بدَّلت، ولكني كنت امرءًا مُلصَقًا في قريشٍ لست من أنفُسهم، ولي فيهم أهلٌ وعشيرة وولد، وليس لي فيهم قرابة يحمونهم، وكان مَن معك لهم قرابات يحمونهم، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني أضرب عنقه، فإنه قد خان الله ورسوله وقد نافق، فقال رسول الله - ﷺ -: «إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم»، فذَرَفت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم (^١).
ثم مضى رسول الله - ﷺ - وهو صائم والناس صيام حتى إذا كانوا بالكَدِيد (^٢) ــ وهو الذي تسميه الناس اليوم: قُدَيدًا (^٣) ــ أفطر وأفطر الناس معه (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٠٠٧، ٣٩٨٣، ٦٩٣٩) ومسلم (٢٤٩٤) من حديث عليٍّ بنحوه.
(٢) وصفه ابن إسحاق أنه بين عُسفان وأَمَجَ (المعروفِ اليوم بخُلَيص)، وفي البخاري: إنه ماء بين قُدَيد وعُسفان. ولا منافاة بينهما، فإن القادم من المدينة يمرّ بمحاذاة قُدَيدٍ أولًا ثم بأمج ثم بعُسفان. وانظر: «معجم المعالم الجغرافية» للبلادي (ص ٢٦٣).
(٣) هكذا جاء مضبوطًا في ف، ز. والذي يقتضيه القلب عن «الكَدِيد» أن يكون بفتح القاف وكسر الدال، وعلى كل فهو غير وادي قُدَيد المعروف.
(٤) أخرجه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٩٩) ــ والبخاري (٤٢٧٥) ومسلم (١١١٣) من حديث ابن عباس.
[ ٣ / ٤٨٥ ]
- لقاء العباس وغيره بالنبي - ﷺ - في الطريق مسلمين مهاجرين
ثم مضى حتى نزل مرَّ الظهران (^١) ــ وهو بطن مرٍّ ــ ومعه عشرة آلاف، وعمى الله الأخبار عن قريش، فهم على وجل وارتقاب، وكان أبو سفيان يخرج يتجسَّس (^٢) الأخبار، فخرج هو وحكيم بن حزام وبُدَيل بن ورقاء يتجسَّسون الأخبار.
وكان العباس قد خرج قبل ذلك بأهله وعياله مسلمًا مهاجرًا فلقي رسولَ الله - ﷺ - بالجُحفة وقيل فوق ذلك. وكان ممن لقيه في الطريق ابنُ عمِّه أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية (^٣)، لقياه بالأبواء ــ وهما ابنُ عمِّه وابن عمته ــ فأعرض عنهما لِما كان يلقى منهما من شدة الأذى والهجو، فقالت له أم سلمة: لا يكن ابنُ عمك وابن عمَّتك أشقى الناس بك.
وقال عليٌّ لأبي سفيان (^٤) فيما حكاه أبو عمر (^٥): ائت رسول الله - ﷺ - من قِبَل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩١]، فإنه لا يرضى أن يكون أحدٌ أحسنَ منه قولًا، ففعل ذلك أبو سفيان، فقال له رسول الله - ﷺ -: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ
_________________
(١) وهو معروف اليوم بوادي فاطمة، وقد سبق التعريف به (ص ٢٩٧).
(٢) في المطبوع هنا وفي الموضع الآتي: «يتحسس» بالحاء، وهو بالجيم في عامّة الأصول.
(٣) المخزومي، أخو أم سلمة لأبيها، أمّه: عاتكة بنت عبد المطلب عمّة النبي - ﷺ -، وأمّ أم سلمة: عاتكة بنت عامر الكنانية من بني فراس.
(٤) زِيد في ف بخط صغير بين السطرين: «بن الحارث»، وهي زيادة توضيحية من الناسخ أو غيره لئلا يلتبس على القارئ أبو سفيان هذا بأبي سفيان بن حرب.
(٥) في «الاستيعاب» (٤/ ١٦٧٤)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ١٦٧). ولم أجد الحكاية مسندة.
[ ٣ / ٤٨٦ ]
الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢].
فأنشده أبو سفيان أبياتًا منها:
لعمرك إني حين أحمل رايةً لتغلب خيلُ اللات خيلَ محمد
لكالمُدلج الحيران أَظلم ليلُه فهذا أواني حين أُهدى فأهتدي
هدانيَ هاد غير نفسي ودلني على الله من طَردتُه كل مَطْرَدِ (^١)
فضرب رسول الله - ﷺ - صدره وقال: «أنت طرَدتني كل مَطْرَدٍ؟!» (^٢).
وحَسُن إسلامه بعد ذلك.
ويقال: إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله - ﷺ - منذ أسلم حياءً منه. وكان رسول الله - ﷺ - يُحبُّه، وشهد له بالجنة، وقال: «أرجو أن تكون (^٣) خلفًا من
_________________
(١) كذا في الأصول وفاقًا لـ «عيون الأثر». وفي المطبوع: «طرَّدتُ كلَّ مُطَرَّدِ»، وهو كذلك في عامّة المصادر.
(٢) زاد الواقدي: «بل الله طردك كلَّ مَطرد». «المغازي» (٢/ ٨١١). والحديث ذكره ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٠١) ــ والواقدي معلّقًا بلا إسناد. ووقع الحديث في «مستدرك الحاكم» (٣/ ٤٣ - ٤٤) مسندًا من طريق ابن إسحاق عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس. والظاهر أنه وهم من بعض الرواة على ابن إسحاق حيث أدرج المعلّق في المسند، فإن الذي أسنده ابن إسحاق بهذا الإسناد هو أن النبي - ﷺ - استخلف على المدينة أبا رهم وخرج لعشر مضَين من رمضان فصام وصام الناس معه حتى إذا كان بالكَدِيد أفطر، وأما ما ذكره ابن إسحاق بعد ذلك من قصة إسلام أبي سفيان بن الحارث فليس مسندًا بالإسناد السابق، بل هو معلق. وقد فصل وميَّز بينهما ابنُ هشام في «سيرته» وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٦٢٣١).
(٣) النقط من ص. وفي ن، المطبوع: «يكون».
[ ٣ / ٤٨٧ ]
- نزول النبي - ﷺ - بمر الظهران، ووصول أبي سفيان هناك
حمزة» (^١). ولما حضرته الوفاة قال: لا تبكوا عليَّ، فما تَنَطَّفتُ (^٢) بخطيئة منذ أسلمت (^٣).
عاد الحديث (^٤): فلما نزل رسول الله - ﷺ - مرَّ الظهران نزله عشاءً، فأمر الجيش فأوقدوا النِّيران، فأُوقدت عشرةُ آلاف نارٍ، وجعل رسول الله - ﷺ - على الحرس عمر بن الخطاب (^٥).
وركب العباسُ بغلة رسول الله - ﷺ - البيضاءَ، وخرج يلتمس لعلَّه يجد بعض الحَطَّابة أو أحدًا يخبر قريشًا، ليخرجوا يستأمنون (^٦) رسول الله - ﷺ - قبل أن يدخلها عنوةً، قال: فوالله إني لأسير عليها إذ سمعتُ كلام أبي سفيان (^٧) وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت
_________________
(١) ذكره البلاذري في «الأنساب» (٤/ ٢٩٦) دون ذكر شهوده - ﷺ - له بالجنة، وابن عبد البر في «الاستيعاب» (٤/ ١٦٧٥) بتمامه ــ وعنه ابن سيد الناس في «عيون الأثر» (٢/ ١٦٨) ــ بلا إسناد.
(٢) أي: ما تلطَّختُ. وتصحَّف في المطبوع إلى: «نطقت».
(٣) أخرجه ابن سعد (٤/ ٤٩) وأبو زرعة الدمشقي في «تاريخه» (١/ ٦٤٥) والبغوي في «معجم الصحابة» (٣٢٥١) والدِّينَوَري في «المجالسة وجواهر العلم» (١٦٨٨) عن أبي إسحاق السبيعي مرسلًا. والمؤلف صادر عن «عيون الأثر».
(٤) أي: بعد الاستطراد بذكر قصة إسلام أبي سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية. قوله: «عاد الحديث» ساقط من المطبوع.
(٥) هذه الفقرة ليست عند ابن إسحاق، وإنما ذكرها الواقدي (٢/ ٨١٤) وابن سعد (٢/ ١٢٥).
(٦) ص، ز، د: «يستأمنوا».
(٧) زيد في هامش ف: «بن حرب».
[ ٣ / ٤٨٨ ]
كالليلة نيرانًا قطُّ ولا عسكرًا، قال: يقول بُدَيل: هذه واللهِ خزاعةُ حَمَشَتْها الحربُ (^١)، فيقول أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، قال: فعرفتُ صوتَه فقلت: أبا حنظلة! فعرف صوتي فقال: أبا الفضل؟ قلت: نعم، قال: ما لك فداك أبي وأمي؟ قال: قلتُ: هذا رسول الله - ﷺ - في الناس واصباحَ قريشٍ واللهِ! قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ قلت (^٢): والله لئن ظفر بك ليضربنَّ عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسولَ الله - ﷺ - فأستأمنَه لك، فركب خلفي ورجع صاحباه (^٣).
قال: فجئت به، فكلما مررت بنارٍ (^٤) من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله - ﷺ - وأنا عليها قالوا: عمُّ رسول الله - ﷺ - على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال: من هذا؟ وقام إليَّ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله؟ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله - ﷺ -، وركضتُ البغلةَ فسبقتُ، فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله - ﷺ -، ودخل عليه عمر فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان فدعني أضرب عنقه، قال: قلت: يا رسول الله، إني قد أجرتُه، ثم جلست إلى رسول الله - ﷺ - فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه الليلةَ أحدٌ دوني.
_________________
(١) أي: أغضبَتْهم وأثارتهم.
(٢) زِيد بعده في س، هامش ز: «هذا رسول الله - ﷺ -»، ولعله خطأ بانتقال النظر إلى ما سبق.
(٣) هامش ف: «بديل بن ورقاء وحكيم بن حزام» زيادة توضيحية.
(٤) المطبوع: «به على نار» خلافًا للأصول وللفظ ابن إسحاق.
[ ٣ / ٤٨٩ ]
- إسلام أبي سفيان ورجوعه إلى مكة منذرا
فلما أكثر عمرُ في شأنه قلت: مهلًا يا عمر، فوالله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلتَ مثل هذا، قال: مهلًا يا عباس، فواللهِ لإسلامُك كان أحبَّ إليَّ من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحبَّ إلى رسول الله - ﷺ - من إسلام الخطاب، فقال رسول الله - ﷺ -: «اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به»، فذهبت.
فلما أصبح (^١) غدوتُ به إلى رسول الله - ﷺ -، فلما رآه رسول الله - ﷺ - قال: «ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟» فقال: بأبي أنت وأمي ما أحلمَك وأكرمَك وأوصَلك! لقد ظننتُ أن لو كان مع الله إلهٌ غيرُه لقد أغنى شيئًا بعد، قال: «ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟» قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أما هذه فإن في النفس حتى الآن منها شيئًا (^٢)، فقال له العباس: ويحك أسلِمْ واشهدْ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله قبل أن يضرب عنقك، فأسلم وشهد شهادةَ الحق، فقال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئًا، قال: «نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمِن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» (^٣).
_________________
(١) طبعة الرسالة: «أصبحت» خلافًا للأصول والطبعة الهندية ومصدر النقل.
(٢) في الأصول عدا ث، ن: «شيء»، خطأ.
(٣) قصة العباس مع أبي سفيان أخرجها إسحاق بن راهويه ــ كما في «المطالب العالية» (٤٣٠١) ــ والطبراني في «الكبير» (٨/ ١١) وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٣٨٣٦) والضياء في «المختارة» (١١/ ١٣٣) من طريق ابن إسحاق قال: حدثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس مطولًا. وروى أبو داود (٣٠٢١) طرفًا منه مختصرًا جدًّا. قال الحافظ في «المطالب»: «هذا حديث صحيح». وقد روي أيضًا من طرق أخرى عن ابن عباس عند ابن سعد (٦/ ٨) وأبي داود (٣٠٢٢) والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٢ - ٣٥) مطولًا ومختصرًا. وأخرج مسلم (١٧٨٠/ ٨٦) عن أبي هريرة قولَه - ﷺ -: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن».
[ ٣ / ٤٩٠ ]
وأمر العباسَ أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنودُ الله فيراها، ففعل، فمرَّت القبائل على راياتها، كلَّما مرَّت قبيلة قال: يا عباس من هذه؟ فأقول: سُلَيم، قال: يقول: ما لي ولسليم، ثم تمر به القبيلة فيقول: يا عباس من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة، حتى نفدت (^١) القبائل، ما تمر به قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته بهم قال: ما لي ولبني فلان، حتى مر به رسول الله - ﷺ - في كتيبته الخضراء (^٢) فيها المهاجرون والأنصار، لا يُرى منهم إلا الحَدَق من الحديد، قال: سبحان الله يا عباس من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله - ﷺ - في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحدٍ بهؤلاء قِبَلٌ ولا طاقة، ثم قال: والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملكُ ابن أخيك اليوم عظيمًا، قال: قلتُ: يا أبا سفيان إنها النبوة، قال: فنعم إذًا، قال: قلت: النجاء إلى قومك (^٣).
وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، فلما مر بأبي سفيان قال له: اليوم يوم الملحمة، اليومُ تُستحلُّ الحرمة، اليوم أذل الله قريشًا. فلما حاذى رسول الله - ﷺ - أبا سفيان قال: يا رسول الله، ألم تسمع ما قال سعد؟ قال: «وما قال؟» فقال: قال
_________________
(١) ص، د، ز: «نفَذت» بالذال المعجمة.
(٢) أي التي يعلوها سواد الحديد، والعرب تطلق الخُضرة على السواد، والعكس.
(٣) وهذا أيضًا جزء من حديث ابن عباس الطويل الذي سبق تخريجه. وله شاهد من مرسل عروة عند البخاري (٤٢٨٠).
[ ٣ / ٤٩١ ]
كذا وكذا، فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله ما نأمن أن يكون منه (^١) في قريش صولة، فقال رسول الله - ﷺ -: «بل اليوم يوم تُعظَّم فيه الكعبة، اليوم أعزَّ الله فيه قريشًا»، ثم أرسل رسول الله - ﷺ - إلى سعد فنزع منه اللواء ودفعه إلى قيس ابنه، ورأى أن اللواء لم يخرج عن سعدٍ إذ صار إلى ابنه (^٢).
قال أبو عمر (^٣): وروي أن النبي - ﷺ - لما نزع منه الراية دفعها إلى الزبير.
ومضى أبو سفيان حتى إذا جاء قريشًا صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبَل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن (^٤)، فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحَمِيت الدَّسِم الأحمس (^٥)، قُبِّح مِن طليعة قوم! قال: ويلكم لا تغرنَّكم هذه من أنفسكم، فإنه
_________________
(١) ن، المطبوع: «له».
(٢) هذه الفقرة عند الواقدي (٢/ ٨٢١) ــ ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٣/ ٤٥٤) ــ بنحوها، ولفظ النبي - ﷺ - عنده: «اليوم يوم المرحمة، اليوم أعز الله فيه قريشًا». وله شاهد من مرسل عروة عند البخاري (٤٢٨٠) بلفظ: «كذب سعد، ولكن هذا يوم يُعظِّم اللهُ فيه الكعبة، ويومٌ تُكسى فيه الكعبة»، وليس فيه ذكر نزع اللواء.
(٣) في «الدرر» (ص ٢٣١)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ١٧٢).
(٤) بعده في س: «قالوا: قاتلك الله ومن دخل المسجد فهو آمن». وهو كلام مُحال عن موضعه لانتقال النظر، وسيأتي في موضعه قريبًا.
(٥) في النسخ المطبوعة: «الأحمش الساقين»، تحريف وزيادة على ما في الأصول. والحَمِيت: وعاءٌ من جلد يُجعل فيه السمن، والأحمس: الشديد، والمراد تشبيه سِمَنه وشحامته، ويمكن أن يكون المراد بالأحمس: الذي لا خير عنده من قولهم: أرضٌ أحامِس، إذا كانت جدبة ليس بها كلأٌ ولا مرتع. انظر: «الروض الأنف» (٧/ ٩٤)، و«عيون الأثر» (٢/ ١٨٣)، و«تاج العروس» (حمس).
[ ٣ / ٤٩٢ ]
- دخول النبي - ﷺ - مكة
قد جاءكم ما لا قِبَل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن (^١)، قالوا: قاتلك الله وما تُغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرَّق الناس إلى دورهم وإلى المسجد (^٢).
وسار رسول الله - ﷺ - فدخل مكة من أعلاها (^٣)، وضُربت له هنالك قبَّتُه، وأمر رسول الله - ﷺ - خالد بن الوليد فدخلها من أسفلها وكان على المجنِّبة اليمنى وفيها أسلم وسُلَيم وغِفار ومُزَينة وجُهَينة وقبائلُ من قبائل العرب، وكان أبو عبيدة على الرَّجَّالة والحُسَّر وهم الذين لا سلاح معهم (^٤)، وقال لخالد ومن معه: «إن عرض لكم أحدٌ مِن قريش فاحصُدوهم حصدًا حتى تُوافوني على الصفا»، فما عرض لهم أحد إلا أناموه (^٥).
وتجمَّع سفهاءُ قريش وأَخِفَّاؤها مع عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو بالخندمة ليقاتلوا المسلمين، وكان حِماس بن قيس بن خالد أخو بني بكر يُعِدُّ سلاحًا قبل دخول رسول الله - ﷺ -، فقالت له امرأته: لماذا تُعِدُّ ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه، قالت: والله ما يقوم لمحمد وأصحابه شيء، قال: والله إني لأرجو أن أُخدِمك بعضَهم ثم قال:
_________________
(١) بعده في المطبوع وعامّة النسخ عدا ن: «ومن دخل المسجد فهو آمن»، ولكن عليه علامة الحذف في ف، وهو الصواب الموافق لمصدر النقل.
(٢) وهذه الفقرة تتمة حديث ابن عباس الطويل الذي سبق تخريجه.
(٣) من ثنيّة يقال لها كَدَاء ــ وهي تُعرَف اليوم بالحَجُون ــ كما عند البخاري (٤٢٩٠) ومسلم (١٢٥٨/ ٢٢٥) من حديث عائشة - ﵂ -.
(٤) ص، ز، د: «لهم».
(٥) أخرجه أحمد (١٠٩٤٨) ومسلم (١٧٨٠/ ٨٤، ٨٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ - بنحوه، وسيأتي لفظ أحمد.
[ ٣ / ٤٩٣ ]
إن يُقبلوا اليوم فما لي عِلَّهْ هذا سلاح كامل وألَّهْ
وذو غِرارين سريع السَّلَّهْ (^١)
ثم شهد الخندمة مع صفوان وعكرمة وسهيل، فلما لقيهم المسلمون ناوشوهم شيئًا من قتالٍ، فقُتِل كُرز بن جابرٍ الفِهري وخُنَيس بن خالد بن ربيعة من المسلمين، وكانا في خيل خالد بن الوليد فشذَّا عنه فسلكا طريقًا غير طريقه فقُتلا جميعًا، وأصيب من المشركين نحو اثني عشر رجلًا ثم انهزموا، وانهزم حِماسٌ صاحب السلاح حتى دخل بيته فقال لامرأته: أغلقي عليَّ بابي (^٢)، فقالت: وأين ما كنت تقول؟ فقال:
إنكِ لو شهدتِ يوم الخندمه إذ فرَّ صفوان وفرَّ عكرمهْ
واستقبلَتْنا بالسيوف المسلمه يَقطعن كلَّ ساعد وجمجمهْ
ضربًا فلا نسمع إلا غمغمه لهم نَهِيتٌ حولنا وهمهمهْ
لم تنطقي في اللوم أدنى كلمهْ
وقال أبو هريرة: أقبل رسول الله - ﷺ - فدخل مكة، فبعث الزبير على إحدى المُجنِّبتين، وبعث خالدًا على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة بن الجراح على الحُسَّر، وأخذوا بطن الوادي، ورسولُ الله - ﷺ - في كتيبته، قال: وقد وَبَّشت قريش أوباشًا لها فقالوا: نُقدِّم هؤلاء، فإن كان لقريش (^٣) شيء
_________________
(١) الأَلَّة: الحَربة، وذو غرارين: سيف ذو حدَّين.
(٢) ص، ز، د: «بابي عليَّ»، تقديم وتأخير.
(٣) كذا في الأصول. وفي مصادر التخريج: «فإن كان لهم»، أي: إن كان للأوباش شيءٌ من النصر كنا ــ نحن قريش ــ معهم، وإلَّا استسلمنا لمحمد - ﷺ - وأعطيناه ما يريد.
[ ٣ / ٤٩٤ ]
- كسر الأصنام بالبيت وطواف النبي - ﷺ - على راحلته
كنا معهم، وإن أصيبوا أَعطينا الذي سُئلنا، فقال رسول الله - ﷺ -: «يا أبا هريرة!»، فقلت: لبيك رسول الله، فقال: «اهْتِف لي بالأنصار، ولا يأتيني إلا أنصاري»، فهتف بهم فجاؤوا فأطافوا برسول الله - ﷺ -، فقال: «ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟» ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى: «احصدوهم حصدًا حتى توافوني بالصفا»، فانطلقنا فما يشاء أحد منا أن يقتل منهم ما شاء، وما أحد منهم يُوجِّه إلينا شيئًا (^١).
وركزت راية رسول الله - ﷺ - بالحَجُون عند مسجد الفتح (^٢).
ثم نهض رسول الله - ﷺ - والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله حتى دخل المسجد، فأقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثم طاف بالبيت وفي يده قوس، وحول البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بالقوس ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]، ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩]، والأصنام تتساقط على وجوهها (^٣).
وكان طوافه على راحلته، ولم يكن محرمًا يومئذ فاقتصر على الطواف،
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٠٩٤٨) ــ ومن طريقه ابن سيد الناس في «عيون الأثر» (٢/ ١٧٤) واللفظ له ــ ومسلم (١٧٨٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) انظر: «صحيح البخاري» (٤٢٨٠).
(٣) أخرجه البخاري (٤٧٢٠) ومسلم (١٧٨١) من حديث ابن مسعود بنحوه، وأخرجه مسلم (١٧٨٠/ ٨٤) أيضًا من حديث أبي هريرة بنحوه، إلا أنه ليس فيهما ذكر تساقط الأصنام، وقد روي ذلك من حديث ابن عباس عند الطبراني في «الكبير» (١٠/ ٣٣٨) و«الصغير» (١١٥٢) وأبي نعيم في «حلية الأولياء» (٣/ ٢١٢) والضياء في «المختارة» (١٢/ ٣٢٠) بإسناد حسن.
[ ٣ / ٤٩٥ ]
- خطبة النبي - ﷺ - وهو واقف بين عضادتي باب الكعبة
فلما أكمله دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة، فأمر بها ففتحت، فدخلها فرأى فيها الصور ورأى صورةَ إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام فقال: «قاتلهم الله، والله إن استقسما بها قط»، ورأى في الكعبة حمامةً من عيدان فكسرها بيده، وأمر بالصور فمُحيت (^١).
ثم أغلق عليه البابَ وعلى أسامة وبلال، فاستقبل الجدارَ الذي يقابل الباب حتى إذا كان بينه وبينه قدرُ ثلاثة أذرعٍ وقف وصلَّى هناك، ثم دار في البيت وكبَّر في نواحيه ووحَّد الله (^٢).
ثم فتح الباب وقريش قد ملأت المسجدَ صفوفًا ينظرون (^٣) ماذا يصنع، فأخذ بعِضادتَي الباب (^٤) وهم تحته، فقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
_________________
(١) قوله - ﷺ -: «قاتلهم الله » وأمرُه بمحو الصور أخرجه البخاري (٣٣٥٢) من حديث ابن عباس. وذِكرُ طوافه - ﷺ - على البعير وكسره لحمامة عيدانٍ أخرجه ابن إسحاق ــ ومن طريقه ابن هشام (٢/ ٤١١) وابن ماجه (٢٩٤٧) والحاكم (٤/ ٦٩) ــ من حديث صفية بنت شيبة بن عثمان العبدريّة، وإسناده حسن.
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (١١٨٦) وأحمد (٦٢٣١) والبخاري (٤٦٨، ٥٠٦) ومسلم (١٣٢٩) من حديث ابن عمر دون ذكر التكبير والتهليل في نواحيه، وإنما صحَّ ذلك من حديث أسامة بن زيد عند أحمد (٢١٨٢٣) والنسائي (٢٩١٤) وابن خزيمة (٣٠٠٤). وصحّ ذكر التكبير فقط من حديث ابن عباس عند البخاري (٣٩٨، ١٦٠١).
(٣) المطبوع: «ينتظرون» خلافًا للأصول.
(٤) عِضادتا الباب: الخشبتان المنصوبتان في الحائط على جانبي الباب، وفيهما يُثبَّت مصراعا الباب. وأَخْذ النبي - ﷺ - بعضادتي الباب صحّ من حديث أبي هريرة الذي سيأتي تخريجه عند قوله: «لا تثريب عليكم ».
[ ٣ / ٤٩٦ ]
صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ألا كلُّ مأثرةٍ أو مال أو دم فهو تحت قدمَيَّ هاتين، إلَّا سِدانةَ البيت وسقاية الحاج. ألا وقتلُ الخطإ شِبْهُ العمد السوطُ والعصا ففيه الديةُ مغلظةً مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها.
يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتَعَظُّمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب»، ثم تلا هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣].
ثم قال: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: «فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء» (^١).
_________________
(١) خطبة النبي - ﷺ - ذكرها ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤١٢) ــ عن بعض شيوخه من أهل العلم مرسلة. ولها شواهد حسان تعضدها، منها: ما أخرجه الأزرقي في «أخبار مكة» (٢/ ١٢١) من طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن عطاء والحسن وطاوس مرسلًا بنحوه أطول مما هنا. ومسلم بن خالد فيه لين، ولكن تابعه إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أشياخه ــ دون أن يسميهم ــ ببعضه. أخرجه البلاذري في «فتوح البلدان» (ص ٥٧). وللفقرة الأولى شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بمثله. أخرجه أبو داود (٤٥٤٧) وابن حبان (٦٠١١) بإسناد جيِّد. وللفقرة الثانية شاهد من حديث ابن عمر عند الترمذي (٣٢٧٠) وابن أبي حاتم في «تفسيره» ــ كما في «تفسير ابن كثير» (الحجرات: ١٣) ــ بإسنادين ضعيفين. ويشهد له أيضًا حديث أبي هريرة عند أحمد (٨٧٣٦) وأبي داود (٥١١٦) بإسناد حسن إلا أنه ليس فيه ذكر الخطبة والآية. وللفقرة الثالثة شاهد من حديث أبي هريرة عند النسائي في «الكبرى» (١١٢٣٤) والطحاوي في «معاني الآثار» (٣/ ٣٢٥) والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ٥٨) بإسناد جيّد، إلا أنه ليس فيه قوله: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، ولكن يشهد له أن مسلمة الفتح كان يقال لهم «الطلقاء» كما في حديث أنس عن أحداث غزوة حنين عند البخاري (٤٣٣٣) ومسلم (١٠٥٩/ ١٣٥).
[ ٣ / ٤٩٧ ]
- تسليم النبي - ﷺ - مفتاح الكعبة لعثمان بن طلحة العبدري
ثم جلس في المسجد، فقام إليه عليٌّ ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحِجابة مع السقاية صلى الله عليك، فقال رسول الله - ﷺ -: «أين عثمان بن طلحة؟» فدعي له فقال: «هاك مفتاحَك يا عثمان، اليوم يوم بِرٍّ ووفاء» (^١).
وذكر ابن سعد في «الطبقات» (^٢) عن عثمان بن طلحة قال: كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الاثنين والخميس، فأقبل النبي - ﷺ - يومًا يريد أن يدخل الكعبة مع الناس فأغلظتُ له ونِلت منه، فحَلُم عني، ثم قال: «يا عثمان، لعلك سترى هذا المفتاح يومًا بيدي أضعه حيث شئت»، فقلت: لقد هلكت قريش يومئذٍ وذلَّت، فقال: «بل عَمَرت وعزَّت يومئذ»، ودخل الكعبة فوقعت كلمته مني موقعًا ظننت يومئذ أن الأمر سيصير إلى ما قال، فلما كان
_________________
(١) ذكره ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤١٢) ــ عن بعض أهل العلم. وله شاهد من مرسل أبي سلمة بن عبد الرحمن ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عند ابن أبي شيبة (٣٨٠٥٥) ضمن حديثهما الطويل في غزوة الفتح.
(٢) (٥/ ١٦) عن شيخه الواقدي ــ وهو عنده في «مغازيه» (٢/ ٨٣٧) بنحوه بلا ذكر الإسناد ــ عن إبراهيم بن محمد العبدري عن أبيه عن عثمان بن طلحة. إسناده ضعيف من أجل الواقدي، ولكن لبعضه شواهد يأتي ذكرها عند الجزء المشهود له.
[ ٣ / ٤٩٨ ]
يوم الفتح قال: «يا عثمان، ائتني بالمفتاح»، فأتيته به، فأخذه مني ثم دفعه إليَّ وقال: «خذوها خالدةً تالدةً لا ينزعها منكم إلا ظالم. يا عثمان، إن الله استأمنكم على بيته فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف» (^١).
قال: فلما ولَّيتُ ناداني فرجعت إليه، فقال: «ألم يكن الذي قلت لك؟» قال: فذكرتُ قولَه لي بمكة قبل الهجرة: «لعلك سترى هذا المفتاح بيدي أضعه حيث شئت»، فقلت: بلى، أشهد أنك رسول الله.
وذكر سعيد بن المسيب: أن العباس تطاول يومئذٍ لأخذ المفتاح في رجال من بني هاشم، فردَّه رسول الله - ﷺ - إلى عثمان بن طلحة (^٢).
وأمر رسول الله - ﷺ - بلالًا أن يصعد فيؤذن على الكعبة، وأبو سفيان بن حربٍ وعَتَّاب بن أَسِيد والحارث بن هشام وأشرافُ قريشِ جلوس بفناء الكعبة، فقال عتَّاب: لقد أكرم الله أَسِيدًا أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما
_________________
(١) قوله: «خذوها خالدةً تالدةً لا ينزعها منكم إلا ظالم» له شاهد من حديث ابن أبي مليكة عن ابن عباس عند الطبراني في «الكبير» (١١/ ١٢٠) و«الأوسط» (٤٨٨)، وإسناده ضعيف، وقد روي عن ابن أبي مليكة مرسلًا عند عبد الرزاق (٩٠٧٦)، وهو أشبه. وآخر من حديث شيبة بن عثمان بن أبي طلحة ــ ابن عمّ عثمان بن طلحة ــ أن النبي - ﷺ - دفع إليه المفتاح وإلى عثمان بن طلحة فقال: «خذوها يا بني [أبي] طلحة خالدة » ذكره أبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» (١٦٧٤) عن أحمد بن زهير، عن مصعب بن عبد الله الزبيري (ت ٢٣٦) عن شيبة معضلًا. وذكر الحافظ في «الفتح» (٨/ ١٩) شاهدًا له من مرسل عبد الرحمن بن سابط رواه محمد بن عائذ القرشي (ت ٢٣٣) في «مغازيه». وانظر: «أخبار مكة» للأزرقي (١/ ٢٦٥ - ٢٦٧).
(٢) أسنده ابن سعد في «الطبقات» (٥/ ١٧) بإسناد ضعيف. وله شاهد من مرسل ابن أبي مليكة عند عبد الرزاق (٩٠٧٦).
[ ٣ / ٤٩٩ ]
فصل: دخوله - ﷺ - دار أم هاني ضحى وصلاته ثمان ركعات
يَغيظه، فقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه حق لاتَّبعتُه، فقال أبو سفيان: والله لا أقول شيئًا، لو تكلَّمتُ لأَخبرت عني هذه الحصباء، فخرج عليهم النبي - ﷺ - فقال لهم: «قد علمتُ الذي قلتم» ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، واللهِ ما اطَّلع على هذا أحد كان معنا فنقول: أخبرك (^١).
فصل
ثم دخل رسول الله - ﷺ - دار أم هانئ بنت أبي طالب، فاغتسل وصلى ثمانِ ركعاتٍ في بيتها (^٢)، وكانت ضحًى فظنَّها من ظنها صلاةَ الضحى، وإنما هذه صلاة الفتح، وكان أمراء الإسلام إذا فتحوا حصنًا أو بلدًا صلَّوا عقيب الفتح هذه الصلاة اقتداءً برسول الله - ﷺ - (^٣). وفي القصة ما يدل على أنها بسبب الفتح شكرًا لله عليه، فإنها قالت: ما رأيته صلاها قبلها ولا بعدها (^٤).
وأجارت أم هانئ حَمْوَين لها فقال النبي - ﷺ -: «قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ» (^٥).
_________________
(١) ذكره ابن هشام (٢/ ٤١٣) عن بعض أهل العلم. ولأذان بلال فوق الكعبة يوم الفتح شاهد من حديث سلمان الفارسي عند عبد الرزاق (١٩٤٦٤) وفي سنده انقطاع. وآخر من مرسل عروة عند ابن أبي شيبة (٢٣٤٤) وأبي داود في «المراسيل» (٢٣).
(٢) أخرجه البخاري (١١٠٣) ومسلم (٣٣٦) من حديث أم هانئ.
(٣) يُروى أن سعدًا صلَّاها في إيوان كسرى عندما فتح المدائن، وأن خالدًا صلَّاها لمّا فتح الحِيرة. انظر: «تاريخ الطبري» (٣/ ٣٦٦، ٤/ ١٦) و«البداية والنهاية» (٩/ ٥٢٤، ١٠/ ١٣).
(٤) أخرجه أحمد (٢٧٣٩١) ومسلم (٣٣٦/ ٨١).
(٥) أخرجه أحمد (٢٦٨٩٢، ٢٦٨٩٦) والبخاري (٣٥٧) ومسلم (٣٣٦/ ٨٢) والنسائي في «الكبرى» (٨٦٣١)، وليس في «الصحيحين» ذكر الحموين.
[ ٣ / ٥٠٠ ]
فصل: تأمين النبي - ﷺ الناس كلهم إلا تسعة نفر أمر بقتلهم
فصل
ولما استقر الفتح آمن (^١) رسول الله - ﷺ - الناسَ كلَّهم، إلا تسعة نفر فإنه أمر بقتلهم وإن وُجدوا تحت أستار الكعبة، وهم: عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، وعكرمة بن أبي جهل، وعبد العزى بن خَطَل (^٢)، والحارث بن نُقَيد بن وهب (^٣)،
ومِقْيَس بن صُبابة، وهَبَّار بن الأسود، وقَينتان لابن خطل
_________________
(١) المطبوع: «أمَّن»، والمثبت من ص، د، ز، وهو محتمل في سائر الأصول.
(٢) كذا ورد اسمه في بعض الروايات، منها حديث أبي برزة الأسلمي قال: «قتلتُ عبد العزى بن خطل وهو متعلق بستر الكعبة»، أخرجه أحمد (١٩٧٩٤) بإسناد حسن. وفي بعض الروايات سُمِّي: عبد الله بن خَطَل، وكذا سمَّاه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٠٩) ــ والواقدي (٢/ ٨٢٥). والجمع بينهما أنه كان يُسمَّى عبد العزى، فلمَّا أسلم سُمِّي عبد الله، ثم قتل رجلًا من الأنصار وارتدَّ ولحق بالمشركين. انظر: «فتح الباري» (٤/ ٦١).
(٣) اختُلِف في ضبط اسمه واسمه أبيه: الحارث: كذا في الأصول، وهو كذلك في خبر موسى بن عقبة عند البيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ١٢٠) و«معرفة السنن» (١٣/ ٢٩٩)، وكذا ذكره مُغلطاي في «الإشارة» (ص ٣١٠). والذي في عامة المصادر: «الحويرث» مصغرًا، وهو كذلك في خبر موسى بن عقبة في مطبوعة «دلائل النبوة» (٥/ ٤١). نقيد: وقع في ب، ث، المطبوع: «نفيل»، تصحيف. و«نقيد» بالدال المهملة في عامّة المصادر، ونصَّ عليه البَلاذُري في «أنساب الأشراف» (٩/ ٤١٦). ووقع في مطبوعة بعض المصادر كـ «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤١٠) و«معرفة السنن» و«الدلائل»: «نُقيذ» بالذال المعجمة، وفي موضع آخر من «الدلائل» (٥/ ٦٣): «نُقَيدر» بزيادة راءٍ في آخره، وبه ضبطه الصالحي في «سبل الهدى والرشاد» (٥/ ٣٤٠). والأول أصح.
[ ٣ / ٥٠١ ]
كانتا تغنيان بهجاء رسول الله - ﷺ -، وسارة مولاة لبعض بني عبد المطلب (^١).
فأما ابن أبي سرح فأسلم فجاء به عثمان بن عفان فاستأمن له رسولَ الله - ﷺ -، فقبل منه بعد أن أمسك عنه رجاءَ أن يقوم إليه بعضُ الصحابة فيقتلَه، وكان قد أسلم قبل ذلك وهاجر ثم ارتد ورجع إلى مكة (^٢).
وأما عكرمة بن أبي جهل فاستأمنت له امرأته بعد أن فرَّ، فأمنه
_________________
(١) أمرُ النبي - ﷺ - بقتل ابن خطل أخرجه البخاري (١٨٤٦) ومسلم (١٣٥٧) من حديث أنس. وأما الأمر بقتل سائرهم عدا هبار بن الأسود فروي مفرّقًا في عدة أحاديث، منها: حديث سعد بن أبي وقاص عند النسائي (٤٠٦٧) والدارقطني (٣٠٢٢) والحاكم (٢/ ٥٤) بإسناد حسن، وحديث سعيد بن يربوع المخزومي ــ وكان من الطلقاء ــ عند أبي داود (٢٦٨٤) والدارقطني (٢٧٩٣) بإسناد لا بأس به في الشواهد، وفي مرسل عكرمة الطويل في أحداث الغزوة عند ابن أبي شيبة (٣٨٠٥٧)، وفي خبر موسى بن عقبة عند البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٤١)، واجتمع ذكر هؤلاء الثمانية عند ابن إسحاق في «مغازيه». انظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٠٩ - ٤١١). وأما هبَّار بن الأسود فروي الأمر بقتله مع رجل آخر اسمه نافع بن عبد القيس في حديث أبي هريرة عند البزار (٨٠٦٧) وابن حبّان (٥٦١١)، ولكن ليس فيه أنه كان يوم الفتح، والحديث في البخاري (٢٩٥٤) دون تسمية الرجلين. وقد ذكره الواقدي (٢/ ٨٢٥) وكاتبه في «الطبقات» (٢/ ١٢٦) في الذين أهدر النبي - ﷺ - دمهم يوم الفتح، وزادا شخصًا عاشرًا، وهو: هند بنت عتبة بن ربيعة ــ امرأة أبي سفيان ــ، وفيه نظر فما كان النبي - ﷺ - ليؤمّن أبا سفيان ويؤمّن من دخل داره ثم يُهدر دم امرأته، وقد أسلمت بعد الفتح وأتت النبي - ﷺ - لتُبايع دون أن يجيرها أحد أو يستأمن لها رسول الله - ﷺ -.
(٢) انظر قصته في حديث سعد بن أبي وقاص وحديث ابن عباس عند أبي داود (٤٣٥٨، ٤٣٥٩) والحاكم (٣/ ٤٥).
[ ٣ / ٥٠٢ ]
النبي - ﷺ -، فقَدِم وأسلم وحَسُن إسلامه (^١).
وأما ابن خطل والحارث ومِقْيَس وإحدى القينتين فقتلوا (^٢). وكان مقيس قد أسلم ثم ارتد وقتل ولحق بالمشركين (^٣).
وأما هبار بن الأسود فهو الذي عرض لزينب بنت رسول الله - ﷺ - حين هاجرت فنخس بها حتى سقطت على صخرةٍ وأسقطت جنينها، ففر ثم أسلم وحسن إسلامه (^٤).
واستؤمن رسول الله - ﷺ - لسارة ولإحدى القينتين فأمَّنهما فأسلمتا (^٥).
_________________
(١) انظر خبر إسلامه في حديث سعد عند النسائي (٤٠٦٧)، ومرسل ابن أبي مليكة عند ابن سعد (٦/ ٨٧) والطبراني في «الكبير» (١٧/ ٣٧٢)، ومغازي عروة عند الحاكم (٣/ ٢٤١)، ومغازي موسى بن عقبة عند البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٤٧)، ومغازي ابن إسحاق عند ابن هشام (٢/ ٤١٠).
(٢) انظر: حديث سعيد بن يربوع المخزومي عند أبي داود (٢٦٨٤) والدارقطني (٢٧٩٣) والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ٦٣)، وانظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤١٠ - ٤١١) و«مغازي الواقدي» (٢/ ٨٥٩ - ٨٦٠).
(٣) انظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٩٣) و«مغازي الواقدي (٢/ ٨٦٠ - ٨٦٢) و«طبقات ابن سعد» (٥/ ١٢٧).
(٤) روي خبر جريمته في حديث عائشة - ﵂ - عند البخاري في «التاريخ الأوسط» (١/ ٢٥١) والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٤٣١) والحاكم (٤/ ٤٣) والبيهقي في «الدلائل» (٣/ ١٥٦)، وفي مرسل ابن أبي نجيح عند سعيد بن منصور في «السنن» (٢٦٤٦ - كتاب الجهاد) وابن سعد في «الطبقات» (٦/ ٦٢)، وفي مغازي ابن إسحاق كما عند ابن هشام (١/ ٦٥٣ - ٦٥٤) والبيهقي في «الدلائل» (٣/ ١٥٥). وروي قصة إسلامه عند الواقدي (٢/ ٨٥٧، ٨٥٨) وعنه ابن سعد (٦/ ٦١).
(٥) انظر المصادر المذكورة في الهامش الأول من الصفحة السابقة، وقد زعم الواقدي خلافًا لابن إسحاق أن سارة قُتلت يوم الفتح.
[ ٣ / ٥٠٣ ]
- خطبة النبي - ﷺ - في الغد من يوم الفتح
فلما كان الغد من يوم الفتح قام رسول الله - ﷺ - في الناس خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه ومجَّده بما هو أهله ثم قال: «أيها الناس، إن الله حرَّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، فلا يحلُّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يَسفك بها دمًا أو يَعضِد بها شجرةً، فإنْ أحد ترخص بقتال (^١) رسول الله - ﷺ - فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أُحِلَّت لي (^٢) ساعةً من نهار، وقد عادت حرمتُها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب» (^٣).
ولما فتح الله مكة على رسوله ــ وهي بلده ووطنه ومولده ــ قالت الأنصار فيما بينهم: أترون رسول الله - ﷺ - إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ وهو يدعو على الصفا رافعًا يديه، فلما فرغ من دعائه قال: «ماذا قلتم؟» قالوا: لا شيء يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال النبي - ﷺ -: «معاذ الله، المَحيا محياكم والممات مماتكم» (^٤).
_________________
(١) المطبوع: «لقتال» وهو لفظ البخاري، والمثبت من الأصول لفظ مسلم وغيره.
(٢) «لي» ساقطة من ص، د.
(٣) أخرجه البخاري (١٠٤، ٤٢٩٥) ومسلم (١٣٥٤) من حديث أبي شريح الخزاعي بنحوه، وبعض ألفاظ الخطبة أشبه بحديث ابن عباس عند البخاري (١٨٣٤) ومسلم (١٣٥٣).
(٤) ذكره ابن هشام (٢/ ٤١٦) فيما بلغه عن يحيى بن سعيد الأنصاري مرسلًا. والقصة في «صحيح مسلم» (١٧٨٠/ ٨٤) من حديث أبي هريرة، وفيها أن النبي - ﷺ - جاءه الوحي يُعلمه بما قالوا، فقال: «كلَّا! إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم والممات مماتكم».
[ ٣ / ٥٠٤ ]
- هم فضالة بن عمير أن يقتل النبي - ﷺ -، وفرار صفوان بن أمية وعكرمة
وهمَّ فَضالةُ بن عمير بن المُلوَّح أن يقتل رسولَ الله - ﷺ - وهو يطوف بالبيت، فلما دنا منه قال رسول الله - ﷺ -: «أفضالة؟» قال: نعم فضالة يا رسول الله، قال: ماذا كنت تحدِّث به نفسك؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله، فضحك النبي - ﷺ - ثم قال: «استغفرِ الله»، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه، وكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله شيئًا أحبَّ إليَّ منه، قال فضالة: فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأةٍ كنت أتحدث إليها فقالت: هلُمَّ إلى الحديث فقلت: لا، يأبى الله عليكِ والإسلام.
لو قد رأيتِ محمدًا وقبيلَه بالفتح يوم تكسَّر الأصنامُ
لرأيتِ دين الله أضحى بيِّنًا والشركُ يَغشى وجهَه الإظلامُ (^١)
وفرَّ يومئذ صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، فأما صفوان فاستأمن له عُمَير بن وهب الجُمَحي رسولَ الله - ﷺ - فأمَّنه، وأعطاه عمامته التي دخل بها مكة، فلحقه عمير وهو يريد أن يركب البحر فردَّه، فقال (^٢): اجعلني بالخيار شهرين، فقال: «أنت بالخيار أربعة أشهر» (^٣). وكانت أم حكيم بنت الحارث بن هشام تحت عكرمة بن أبي جهل فأسلمت واستأمنت له
_________________
(١) ذكره ابن هشام (٢/ ٤١٧) عمَّن يثق به من أهل الرواية. وفي سياق المؤلف اختصار سقط به البيت الأول من أبياته الثلاثة، ولا أدري أمقصود هو أم حصل بانتقال النظر، وفي المطبوع جُعل السياق موافقًا لـ «سيرة ابن هشام» دون تنبيه.
(٢) أي صفوان للنبي - ﷺ -.
(٣) أخرجه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤١٧ - ٤١٨) ــ عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير مرسلًا. وأخرج مالك في «الموطأ» (١٥٦٥) وعبد الرزاق (١٢٦٤٦) نحوه عن الزهري بلاغًا. وانظر: مغازي موسى بن عقبة في «الدلائل» (٥/ ٤٦).
[ ٣ / ٥٠٥ ]
- بث النبي - ﷺ - سراياه إلى الأوثان لتكسيرها
رسولَ الله - ﷺ - فأمَّنه، فلحقته باليمن فردَّته. وأقرَّهما رسولُ الله - ﷺ - هو وصفوان على نكاحهما الأول (^١).
ثم أمر رسول الله - ﷺ -[تميم] بن أَسَد (^٢) الخزاعي فجدد أنصاب الحرم (^٣).
وبثَّ رسول الله - ﷺ - سراياه إلى الأوثان التي كانت حول الكعبة فكسِّرت كلُّها، منها: اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ونادى مناديه بمكة: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنمًا إلا كسره» (^٤).
فبعث خالد بن الوليد إلى العزى لخمس ليالٍ بقين من شهر رمضان ليهدمها، فخرج إليها في ثلاثين فارسًا من أصحابه حتى انتهوا إليها فهدمها،
_________________
(١) أخرجه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤١٨) ــ ومالك في «الموطأ» (١٥٦٥، ١٥٦٨) وعبد الرزاق (١٢٤٦٤) عن الزهري مرسلًا. والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ١٨٠).
(٢) مكان الحاصرتين بياض في ف، ص، د، س. وفي ب كتب مكانه: «فصل» (؟!). وفي سائر الأصول لم يُترك بياض وكتب «ابن» بالألف. هذا، وفي ز، س، ن، المطبوع: «أُسيد»، وهو قول في اسم أبيه. انظر: «معرفة الصحابة» لأبي نعيم (١/ ٤٥٢) و«الإصابة» (٢/ ٧).
(٣) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٥/ ١٩٩) والأزرقي في «أخبار مكة» (٢/ ١٢٧) وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (١٢٩٧) من طرق كلّها واهية عن ابن خُثيم عن أبي الطفيل عن ابن عباس. والصواب ما رواه عبد الرزاق (٨٨٦٢) والأزرقي (٢/ ١٢٨) من طريق ابن جريج عن ابن خثيم عن محمد بن الأسود بن خلف القرشي مرسلًا.
(٤) ذكره الواقدي عن أشياخه، وأسند نحوه أيضًا بإسناده عن جبير بن مطعم. «المغازي» (٢/ ٨٧٠، ٨٧١).
[ ٣ / ٥٠٦ ]
ثم رجع إلى رسول الله - ﷺ - فأخبره فقال: «هل رأيت شيئًا؟» قال: لا، قال: «فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها»، فرجع خالد وهو متغيِّظ فجرَّد سيفه، فخرجت إليه امرأة (^١) عريانةٌ سوداء ناشرة الرأس، فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فجزلها باثنتين، ورجع إلى رسول الله - ﷺ - فأخبره فقال: «نعم، تلك العزى وقد أيست أن تُعبد في بلادكم أبدًا» (^٢). وكانت بنخلةَ (^٣)، وكانت لقريش وجميع بني كنانة، وكانت أعظمَ أصنامهم، وكان سدنتها بني شيبان.
ثم بعث عمرو بن العاص إلى سُواع ــ وهو صنم لهُذَيل ــ ليهدمه. قال عمرو: فانتهيت إليه وعنده السادِن فقال: ما تريد؟ فقلت: أمرني رسول الله - ﷺ - أن أهدمه، فقال: لا تقدر على ذلك، قلت: لم؟ قال: تُمنَع، قلت: حتى الآن أنت على الباطل؟! ويحك وهل يسمع أو يبصر؟ قال: فدنوت منه
_________________
(١) بعده في طبعة الرسالة: «عجوز»، وليس في شيء من الأصول، ولا في الطبعة الهندية، ولا في مصادر التخريج.
(٢) أخرجه الواقدي (٣/ ٨٧٣) ــ وعنه كاتبه في «الطبقات» (٥/ ٣٢) ــ عن عبد الله بن يزيد الهُذلي عن سعيد بن عمرو الهذلي به، ولعله لسعيد هذا صحبة، فإن أباه كان شيخًا كبيرًا قد أدرك الجاهلية الأولى والإسلام. انظر: «معرفة الصحابة» (٤/ ٢٠٤٣). وله شاهد بنحوه من حديث أبي الطفيل عند النسائي في «الكبرى» (١١٤٨٣) وأبي يعلى (٩٠٢) والضياء في «المختارة» (٨/ ٢١٩) بإسناد حسن، إلَّا أنه ليس فيه قوله: «وقد أيست » إلخ.
(٣) هما نخلتان كما سبق: الشامية واليمانية، والعُزَّى كانت بوادٍ من نخلةَ الشامية يُقال له حُراض. انظر: «معجم البلدان» لياقوت (٤/ ١١٦). ويقال له اليوم: حُراض بني عُمير، شمال شرقي مكة المكرمة على قرابة ٤٥ كيلًا.
[ ٣ / ٥٠٧ ]
فكسرته، وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته فلم نجد (^١) فيه شيئًا، ثم قلت للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله (^٢).
ثم بعث سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة، وكانت بالمُشَلَّل عند قُدَيد (^٣) للأوس والخزرج وغسَّان وغيرهم، فخرج في عشرين فارسًا حتى انتهى إليها وعندها سادن، فقال السادن: ما تريد؟ قال: هدم مناة، قال: أنت وذاك، فأقبل سعد يمشي إليها، وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها، فقال لها السادن: مناة دونكِ بعضَ عُصاتك، ويضربها سعد فقتلها، وأقبل إلى الصنم فهدمه وكسره، ولم يجدوا في خزانته شيئًا (^٤).
ذكر سرية خالد بن الوليد إلى بني جَذِيمة
قال ابن سعد (^٥): ولما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى ــ ورسول الله - ﷺ - مقيم بمكة ــ بعثه إلى بني جَذِيمة (^٦) داعيًا إلى الإسلام، ولم يبعثه مقاتلًا،
_________________
(١) س، ن: «فلم يجدوا».
(٢) أسنده الواقدي (٢/ ٨٧٠) ــ ومن طريقه ابن سعد (٥/ ٥٥) ــ عن سعيد بن عمرو الهذلي. وأسنده ابن سعد أيضًا من حديث الحارث بن حسّان البكري - ﵁ - بإسناد حسن.
(٣) سبق التعريف بهما. انظر (ص ٦٦، ٤٣٧).
(٤) ذكره ابن سعد في «الطبقات» (٢/ ١٣٦). وذكر ابن هشام (١/ ٨٦) أن الذي بعثه النبي - ﷺ - لهدم مناة: أبو سفيان بن حرب، ويقال: علي بن أبي طالب.
(٥) في «الطبقات» (٢/ ١٣٦)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ١٨٥).
(٦) بنو جَذِيمة بطن في عدة قبائل، والمراد هنا: بنو جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كِنانة، كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٢٩) وغيره، وكانوا أسفل مكة بناحية يَلَمْلَم كما ذكره ابن سعد.
[ ٣ / ٥٠٨ ]
فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلًا من المهاجرين والأنصار وبني سليم، فانتهى إليهم، قال: ما أنتم؟ قالوا: مسلمون، قد صلينا وصدَّقنا بمحمد وبنينا المساجد في ساحتنا وأذَّنَّا فيها، قال: فما بال السِّلاح عليكم؟ قالوا: إن بيننا وبين قوم من العرب عداوةً فخِفنا أن تكونوا هم ــ وقد قيل: إنهم قالوا: صبأنا صبأنا (^١)، ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا (^٢) ــ قال: فضعوا السلاح، فوضعوه فقال لهم: استأسروا فاستأسر القوم، فأمر بعضهم فكتَّف بعضًا، وفرقهم في أصحابه، فلما كان في السحر نادى خالد: من كان معه أسير فليضرب عنقه، فأما بنو سليم فقتلوا من كان في أيديهم، وأما المهاجرون والأنصار فأرسلوا أسراهم، فبلغ النبي - ﷺ - ما صنع خالد فقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» (^٣)، وبعث عليًّا فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم.
وكان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف في ذلك كلام وشرٌّ، فبلغ النبيَّ - ﷺ - فقال: «مهلًا يا خالد، دع عنك أصحابي، فوالله لو كان لك أُحُد ذهبًا ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غَدوة رجلٍ من أصحابي ولا روحته» (^٤).
_________________
(١) «صبأنا» الثانية سقطت من المطبوع.
(٢) هذا لفظ حديث ابن عمر عند البخاري (٤٣٣٩، ٧١٨٩).
(٣) زاد في هامش ز: «مرّتين» وهو كذلك في حديث ابن عمر عند البخاري، ولكن ليس في رواية ابن سعد التي ينقلها المؤلف.
(٤) ذكره ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٣١). وأسنده الواقدي (٣/ ٨٨٠) من حديث سلمة بن الأكوع بنحوه. والحديث عند البخاري (٣٦٧٣) ومسلم (٢٥٤١) ــ واللفظ له ــ عن أبي سعيد الخُدري قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيءٌ فسبَّه خالد، فقال رسول الله - ﷺ -: «لا تسبُّوا أحدًا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثلَ أحدٍ ذهبًا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه».
[ ٣ / ٥٠٩ ]
فصل: شعر حسان الذي قاله بعمرة الحديبية
فصل
وكان حسان بن ثابت قد قال في عمرة الحديبية (^١):
عفت ذاتُ الأصابع فالجِواءُ إلى عذراءَ منزلُها خلاءُ
ديارٌ مِن بني الحسحاس قَفرٌ تُعَفِّيها الرَّوامِس والسماءُ (^٢)
وكانت لا يزال بها أنيسٌ خِلالَ مُرُوجها نَعَم وشاءُ
فدَعْ هذا ولكن مَن لِطَيفٍ يؤرِّقني إذا ذهب العِشاءُ
لِشَعثاءَ التي قد تيَّمَتْهُ فليس لقلبه منها شفاءُ
_________________
(١) كذا قال المؤلف، والذي في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٢١، ٤٢٤) و«عيون الأثر» (٢/ ١٨١) أنه قالها يوم الفتح، وكذا في «ديوانه» من رواية محمد بن حبيب (١/ ١٧). وقد روي ثلاثة عشر بيتًا منه في حديث عائشة عند «صحيح مسلم» (٢٤٩٠) مع اختلاف في ترتيبها عمَّا ذكره ابن إسحاق. وسياق حديثها يؤيّد ما قاله المؤلف، فإن فيه ذكر ابن رواحة وكان قد استشهد بمؤتة قبل الفتح. وأيضًا ففي الأبيات هجو أبي سفيان بن الحارث، وقد أسلم قُبيل الفتح كما سبق فلا يمكن أن يكون حسّان هجاه بعد أن قد أسلم. وما سيأتي في الهامش من شرح الغريب فأكثره مستقًى من «الروض الأنف» (٧/ ١٤٦ - ١٥٢) و«شرح ديوان حسان» للبرقوقي (ص ١ - ١٠).
(٢) «ذات الأصابع» و«الجِواء» موضعان بالشام، و«عذراء» قرية بقرب دمشق، وهي منازل ملوك غسان الذين كان يفد عليهم حسان في الجاهلية، ولذا ذكرها حنانًا إليها. و«بنو الحسحاس» بطن من عدة قبائل، والظاهر أن المراد هنا ما كان من غسّان، انظر: «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم (ص ٣٧٤). و«الروامس»: الرياح الدوافن للآثار. و«السماء»: المطر.
[ ٣ / ٥١٠ ]
كأنَّ سَبيئةً مِن بيتِ رأسٍ يكون مِزاجَها عسلٌ وماءُ (^١)
إذا ما الأَشرباتُ ذُكِرن يومًا فهنَّ لطَيِّب الرَّاح الفداءُ
نُولِّيها الملامة إن أَنَلْنا إذا ما كان مَغْثٌ أو لِحَاءُ (^٢)
ونشربها فتتركنا ملوكًا وأُسْدًا ما يُنَهْنِهُنا اللقاءُ (^٣)
عَدِمنا خيلَنا إن لم تَرَوها تُثير النَّقْعَ موعدها كَدَاءُ (^٤)
ينازعن الأَعِنَّة مُصعِداتٍ على أكتافها الأَسَلُ الظِّماءُ (^٥)
_________________
(١) «شعثاء» اسم امرأته، وقيل: هي بنت سلَّام بن مشكم اليهودي. «السبيئة»: الخمر، وفي المطبوع وفاقًا لسيرة ابن هشام: «خبيئةً»، وهي الخمر المصونة المضنون بها لنفاستها. و«بيت رأس»: موضع بالأردن مشهور بالخمر. قال السهيلي: وهذا البيت موضوع لا يشبه شعر حسَّان ولا لفظَه.
(٢) «أَنَلْنا»: أصبنا أحدًا بأذى، وفي المطبوع والمصادر: «أَلَمْنا»: أي أتينا ما نُلام عليه. و«المغث»: الضرب باليد. و«اللحاء»: السباب. والمعنى: إن نجم بيننا جرّاء شرب الراح شرٌّ وسِباب فنصرف اللوم إلى الخمر ونعتذر بالسكر.
(٣) ذكر السهيلي أنه قيل إن بعض هذه القصيدة ــ وهي الأبيات التي فيها وصف الخمر ــ قالها حسان في الجاهلية، وقال آخر القصيدة في الإسلام. قلت: ويؤيده أن الأبيات التسعة ليس منها شيء في حديث عائشة - ﵂ - عند مسلم.
(٤) هذا أول بيتٍ من المذكورة هنا ورد في حديث عائشة - ﵂ - عند مسلم، والرواية فيه: ثكلتُ بُنيَّتي إن لم تروها تثير النقع من كنفي كَدَاء وكداء هي الثنية العليا بمكة التي دخل منها النبي - ﷺ - يوم الفتح. فإن كان حسان قال هذا البيت في عمرة الحديبية ــ وهو الظاهر كما سبق ــ فيكون فيه موافقة الغيب لكلامه - ﵁ -.
(٥) الأَسَل: الرماح. الظماء: العطاش إلى الدماء.
[ ٣ / ٥١١ ]
تظلُّ جيادُنا مُتَمَطِّراتٍ يُلَطِّمُهنَّ بالخُمُر النساءُ (^١)
فإمَّا تُعرضوا عنَّا اعتمرنا وكان الفتحُ وانكشف الغطاءُ
وإلا فاصبروا لجِلاد يومٍ يُعِزُّ اللهُ فيه مَن يشاءُ
وجبريلٌ رسول الله فينا وروح القُدْس ليس له كِفاءُ
وقال اللهُ قد أرسلت عبدًا يقول الحق ليس به خفاءُ (^٢)
وقال الله قد يسَّرتُ جندًا هم الأنصار عُرضتها اللقاءُ (^٣)
لنا في كل يوم من مَعَدٍّ سِبابٌ أو قتال أو هجاءُ
فنُحكم بالقوافي مَن هجانا ونضرب حين تختلف الدماءُ (^٤)
_________________
(١) «متمطرات»: مسرعة يسبق بعضها بعضًا. «يلطمهن بالخمر النساء»: أي تمسحهن نساؤنا بخمرهن ليُزلن عنهن الغُبار، وذلك لعزّتها وكرامتها عندهم. وقيل: إن نساء مكة يوم فتحها ظللن يضربن وجوه الخيل بخمرهن ليَرْدُدنها، كما ذكره البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٤٩) نقلًا عن مغازي موسى بن عقبة. وهذا أيضًا من موافقة القدر لكلام حسان - ﵁ -.
(٢) كذا في الأصول، وهو لفظ مسلم. وفي المطبوع: «يقول الحق إن نفع البلاء»، وهو لفظ رواية ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام». وبعده بيت عند ابن إسحاق لم يذكره المؤلف، ولا هو في حديث عائشة، وقد أثبتوه في المطبوع بلا تنبيه، وهو: شهدتُ به فقوموا صدِّقوه فقلتم لا نقوم ولا نشاء
(٣) «يسَّرتُ» كذا في الأصول وفاقًا لـ «صحيح مسلم» و«ديوان حسان بن ثابت» و«عيون الأثر». وفي المطبوع: «سيَّرتُ» وفاقًا لمطبوعة «سيرة ابن هشام».
(٤) «تختلف» كذا في الأصول عدا س، وفيه: «تختلط» وفاقًا للمصادر. وهذا البيت والبيتان بعده لم ترد في حديث عائشة - ﵂ -.
[ ٣ / ٥١٢ ]
- أن صلح الحديبة كان توطئة بين هذا الفتح العظيم
ألا أبلغ أبا سفيان عني مُغَلغَلةً فقد بَرِح الخفاءُ (^١)
بأنَّ سيوفنا تركتك عبدًا وعبدُ الدار سادَتُها الإماءُ
هجوت محمدًا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاءُ
أتهجوه ولستَ له بكُفوٍ فشرُّكما لخيركما الفداءُ (^٢)
هجوت مباركًا بَرًّا حنيفًا أمينَ الله شِيمتُه الوفاءُ (^٣)
أمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواءُ؟
فإنَّ أبي ووالدَه وعِرضي لعرض محمدٍ منكم وِقاءُ
لساني صارم لا عيب فيه وبحري لا تكدِّره الدِّلاءُ (^٤)
فصل
في الإشارة إلى ما في هذه الغزوة من الفقه واللطائف
كان صلح الحديبية مقدمةً وتوطئةً بين يدي هذا الفتح العظيم، أمِن الناسُ به وكلَّم بعضُهم بعضًا وناظره في الإسلام، وتمكَّن من اختفى من
_________________
(١) أبو سفيان هو ابن الحارث بن عبد المطلب، فالأبيات قيلت في هجائه قبل أن يسلم، وقد هجاه حسّان أيضًا بإذن النبي - ﷺ - بداليته التي يقول فيها: وإن سنام المجد من آل هاشم بنو بنتِ مخزومٍ ووالدك العبدُ كما في «صحيح مسلم» (٢٤٨٩) من حديث عائشة. وانظر: «ديوانه» (١/ ٢٢٢). «والمغلغلة»: الرسالة. و«برح الخفاء»: زال.
(٢) وهذا البيت أيضًا لم يرد في حديث عائشة - ﵂ - عند مسلم، لكنّها ذكرته في حديث آخر لها عند الأزرقي في «أخبار مكة» (٢/ ١٠) وأبي يعلى (٤٦٤٠) والخطيب في «تاريخه» (٥/ ٢٢٣)، وإسناده لا بأس به.
(٣) رواية مسلم: «هجوتَ محمدًا برًّا حنيفًا».
(٤) هذا البيت أيضًا لم يرد في حديث عائشة - ﵂ - عند مسلم، وذكره موسى بن عقبة في مغازيه كما في «الدلائل» (٥/ ٤٩).
[ ٣ / ٥١٣ ]
فصل: أن أهل العهد إذا حاربوا حلفاء الإمام صاروا حربا له بذلك
المسلمين بمكة من إظهار دينه والدعوة إليه والمناظرة عليه، ودخل بسببه بشر كثير في الإسلام، ولهذا سمَّاه الله فتحًا في قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، نزلت في شأن الحديبية فقال عمر: يا رسول الله أَوَ فتح هو؟ قال: «نعم» (^١). وأعاد سبحانه ذكرَ كونه فتحًا فقال: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧].
وهذا شأنه سبحانه أن يقدِّم بين يدي الأمور العظيمة مقدماتٍ تكون كالمدخل إليها المُنبِّهة عليها، كما قدم بين يدي قصة المسيح وخلقه من غير أبٍ قصةَ زكريا وخلقِ الولد له مع كونه كبيرًا لا يولد لمثله، وكما قدم بين يدي نسخ القبلة قصةَ البيت وبنائِه وتعظيمَه والتنويهَ به، وذكرَ بانيه وتعظيمَه ومدحَه، ووطَّأ قبل ذلك كله بذكر النسخ وحكمته المقتضية له وقدرته الشاملة له. وهكذا ما قدم بين يدي مبعث رسوله من قصة الفيل وبشارات الكهان به وغير ذلك، وكذلك الرؤيا الصالحة لرسول الله - ﷺ - كانت مقدمةً بين يدي الوحي في اليقظة، وكذلك الهجرة كانت مقدمةً بين يدي الأمر بالجهاد. ومن تأمل أسرار الشرع والقدَر رأى من ذلك ما تبهر حكمتُه الألباب.
فصل
وفيها: أن أهل العهد إذا حاربوا مَن هُم في ذمة الإمام وجواره وعهده صاروا حربًا له بذلك، ولم يبقَ بينهم وبينه عهد، فله أن يبيِّتهم في ديارهم، ولا يحتاج أن يُعْلمهم على سواء، وإنما يكون الإعلام إذا خاف منهم الخيانة، فإذا تحقَّقها صاروا نابذين لعهده.
_________________
(١) متفق عليه، وقد سبق.
[ ٣ / ٥١٤ ]
فصل: انتقاض عهد جميعهم بذلك إذا رضوا به وأقروا عليه
فصل
وفيها: انتقاض عهد جميعهم بذلك رِدئهم ومباشرهم (^١) إذا رضُوا بذلك وأقرُّوا عليه ولم ينكروه، فإن الذين أعانوا بني بكر من قريش بعضُهم، لم يقاتلوا كلهم معهم، ومع هذا فغزاهم رسول الله - ﷺ - كلَّهم. وهذا كما أنهم دخلوا في عقد الصلح تبعًا، ولم ينفرد كل واحد منهم بصلح إذ قد رضوا به وأقروا عليه، فكذلك حكم نقضهم للعهد. هذا هدي رسول الله - ﷺ - الذي لا شك فيه كما ترى.
وطرد هذا جريان هذا الحكم على ناقضي العهد من أهل الذمة إذا رضي جماعتهم به، وإن لم يباشر كلُّ واحدٍ منهم ما ينقض عهدَه، كما أجلى عمر يهود خيبر لما عدا بعضهم على ابنه ورمَوه من ظهر دارٍ ففدَعُوا يده (^٢)، بل قد قتل رسول الله - ﷺ - جميع مقاتلة بني قريظة ولم يسأل عن كل رجلٍ رجلٍ (^٣) منهم هل نقض العهد أم لا؟ وكذلك أجلى بني النضير كلَّهم، وإنما كان الذي همَّ بالقتل به رجلان، وكذلك فعل ببني قينقاع حتى استوهبهم منه عبد الله بن أُبيّ؛ فهذه سيرته وهديه الذي لا شك فيه.
وقد أجمع المسلمون على أن حكم الرِّدء حكمُ المباشر في الجهاد، ولا يشترط في قسمة الغنيمة ولا في الثواب مباشرةُ كل واحدٍ واحدٍ للقتال.
وهكذا حكم قُطَّاع الطريق، حكمُ ردئهم حكم مباشرهم، لأن المباشر إنما
_________________
(١) س، المطبوع: «مباشريهم».
(٢) أخرجه البخاري (٢٧٣٠). والفَدَع: اعوجاج في الأرساغ وغيرها من المفاصل وزوالها عن أماكنها من غير كسر.
(٣) «رجل» الثانية ساقطة من ب، ث، س، المطبوع.
[ ٣ / ٥١٥ ]
فصل: جواز صلح أهل الحرب على وضع القتال عشر سنين
فصل: أن الإمام إذا سئل أمرا فسكت فليس سكوته بذلا له
فصل: أن رسول الكفار لا يقتل
فصل: جواز تبييت الكفار إذا كانت قد بلغتهم الدعوة
باشر الإفساد بقوة الباقين، ولولاهم ما وصل إلى ما وصل إليه، وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه، وهو مذهب أحمد ومالك وأبي حنيفة (^١) وغيرهم.
فصل
وفيها: جواز صلح أهل الحرب على وضع القتال عشر سنين، وهل يجوز فوق ذلك؟ الصواب أنه يجوز للحاجة والمصلحة الراجحة، كما إذا كان بالمسلمين ضعف وعدوُّهم أقوى منهم وفي العقد لما زاد على العشر مصلحة للإسلام.
فصل
وفيها: أن الإمام وغيرَه إذا سئل ما لا يجوز بذلُه أو لا يجب فسكت عن بذله لم يكن سكوته بذلًا له، فإن أبا سفيان سأل رسول الله - ﷺ - تجديد العهد، فسكت رسول الله - ﷺ - ولم يجبه بشيء، ولم يكن بهذا السكوت معاهِدًا له.
فصل
وفيها: أن رسول الكفار لا يقتل، فإن أبا سفيان كان ممن جرى عليه حكم انتقاض العهد، ولم يقتله رسول الله - ﷺ - إذ كان رسول قومه إليه.
فصل
وفيها: جواز تبييت الكفار ومُغافَصَتِهم (^٢) في ديارهم إذا كانت قد بلغتهم الدعوة، وقد كانت سرايا رسول الله - ﷺ - يُبيِّتون الكفار ويُغيرون عليهم بإذنه بعد أن بلغتهم دعوته.
_________________
(١) انظر: «الإنصاف» للمرداوي (٢٧/ ١٩) و«شرح الزرقاني على مختصر خليل» مع حاشية البناني (٨/ ١٩٤) و«المبسوط» (٩/ ١٩٨).
(٢) أي: أَخْذهم على غِرَّة ومفاجأتهم.
[ ٣ / ٥١٦ ]
فصل: جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلما
فصل: جواز تجريد المرأة كلها وتكشيفها للحاجة
فصل
وفيها: جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلمًا، لأن عمر - ﵁ - سأل رسول الله - ﷺ - قتل حاطب بن أبي بلتعة لما بعث يخبر أهل مكة بالخبر، ولم يقل رسول الله - ﷺ -: لا يحل قتله إنه مسلم، بل قال: «وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم»، فأجاب بأن فيه مانعًا مِن قتله وهو شهوده بدرًا، وفي الجواب بهذا كالتنبيه على جواز قتل جاسوسٍ ليس له مثل هذا المانع.
وهذا مذهب مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يقتل، وهو ظاهر مذهب أحمد؛ والفريقان يحتجون بقصة حاطب (^١).
والصحيح: أن قتله راجع إلى رأي الإمام، فإن رأى في قتله مصلحةً للمسلمين قتله وإن كان إبقاؤه (^٢) أصلح استبقاه. والله أعلم.
فصل
وفيها: جواز تجريد المرأة كلِّها وتكشيفها للحاجة والمصلحة العامة، فإن عليًّا والمقداد قالا للظعينة: لتخرِجِنَّ الكتاب أو لنكشفنَّك، وإذا جاز تجريدها لحاجتها إلى ذلك حيث تدعو إليها، فتجريدها لمصلحة الإسلام والمسلمين أولى (^٣).
_________________
(١) سبقت المسألة (ص ١٣٦)، وثَمَّ العزو إلى كتب المذاهب.
(٢) د، المطبوع: «استبقاؤه».
(٣) وقد بوّب بذلك البخاري على هذا الحديث (٣٠٨١) فقال: «باب إذا اضطُرَّ الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة والمؤمنات إذا عصين الله، وتجريدهن».
[ ٣ / ٥١٧ ]
فصل: أن الرجل إذا كفر مسلما متأولا وغضبا لله فإنه لا يأثم بذلك
فصل: أن الكبيرة قد تكفر بالحسنة الكبيرة الماحية
فصل
وفيها: أن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق أو الكفر متأولًا وغضبًا لله ورسوله ودينه لا لهواه وحظِّه فإنه لا يكفر بذلك، بل لا يأثم به، بل يثاب على نيته وقصده (^١). وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع، فإنهم يُكفِّرون ويُبدِّعون لمخالفة أهوائهم ونحلهم، وهم أولى بذلك ممن كفروه وبدعوه.
فصل
وفيها: أن الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تُكفَّر بالحسنة الكبيرة الماحية، كما وقع الجَسُّ من حاطبٍ مكفَّرًا بشهوده بدرًا؛ فإن ما اشتملت عليه هذه الحسنة العظيمة من المصلحة، وتضمَّنته من محبة الله لها ورضاه بها وفرحه بها ومباهاته لملائكته بفاعلها= أعظمُ مما اشتملت عليه سيئة الجس من المفسدة وتضمنته من بغض الله لها، فغلب الأقوى على الأضعف فأزاله وأبطل مقتضاه.
وهذه حكمة الله سبحانه في الصحة والمرض الناشئين من الحسنات والسيئات الموجِبتَين (^٢) لصحة القلب ومرضه، وهي نظير حكمته تعالى في الصحة والمرض اللاحِقَين للبدن، فإنَّ الأقوى منهما يقهر المغلوب ويَصير الحكمُ له حتى يذهب أثر الأضعف؛ فهذه حكمته في خلقه وقضائه وتلك حكمته في شرعه وأمره.
وهذا كما أنه ثابت في محو السيئات بالحسنات لقوله تعالى: ﴿إِنَّ
_________________
(١) وقد بوّب البخاري بذلك في كتاب الأدب فقال: «باب من لم يَرَ إكفار مَن قال ذلك متأولًا أو جاهلًا»، ثم أورد قصة حاطب معلَّقًا باختصار.
(٢) كذا في ف. وفي سائر الأصول: «الموجبين».
[ ٣ / ٥١٨ ]
الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقولِه تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، وقولِه - ﷺ -: «وأتبع السيئة الحسنة تمحُها» (^١)
= فهو ثابت في عكسه، لقوله (^٢) تعالى: ﴿(٢٦٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، وقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]، وقولِ عائشة عن زيد بن أرقم لما باع بالعينة: «إنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - ﷺ - إلا أن يتوب» (^٣)، وكقوله (^٤) - ﷺ - في الحديث الذي رواه البخاري في «صحيحه» (^٥): «من ترك
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢١٣٥٤) والترمذي (١٩٨٧) والحاكم (١/ ٥٤) من حديث ميمون بن أبي شبيب عن أبي ذر - ﵁ -، وقال الترمذي: حديث حسن. وقد اختلف في إسناد الحديث على ميمون بن أبي شبيب، فروي عنه عن معاذ كما عند أحمد (٢١٩٨٨، ٢٢٠٥٩) والترمذي (عقب السابق) وغيرهما، وكلاهما مرسل لأن ميمونًا لم يسمع من أبي ذر ولا معاذ. على أن للحديث عن كليهما ــ ولاسيما عن معاذ ــ شواهد ومتابعات تقويه وتعضده، وقد صححه الألباني بمجموعها. انظر: «الزهد» لهنّاد (١٠٧١، ١٠٧٢، ١٠٧٥) و«جامع العلوم والحكم» (الحديث ١٨) و«الصحيحة» (١٣٧٣، ١٤٧٥، ٣٣٢٠).
(٢) ز: «كقوله».
(٣) أخرجه عبد الرازق (١٤٨١٢) وابن المنذر في «الأوسط» (١٠/ ٣٦٥) والدارقطني (٣٠٠٢، ٣٠٠٣) والبيهقي في «السنن» (٥/ ٣٣٠)، وقد حسّنه المؤلف وقوّاه في «تهذيب السنن» (٢/ ٤٥٧، ٤٦٩).
(٤) ب، ن: «ولقوله».
(٥) برقم (٥٩٤) من حديث بريدة بن الحُصيب الأسلمي.
[ ٣ / ٥١٩ ]
- تصاول قوة الإحسان مع مرض العصيان في قلب المسلم
صلاة العصر حبط عمله»، إلى غير ذلك من النصوص والآثار الدالة على تدافع الحسنات والسيئات وإبطال بعضها بعضًا وإذهابِ أثر القوي منها لِما دونه (^١)، وعلى هذا مبنى الموازنة والإحباط.
وبالجملة فقوة الإحسان ومرض العصيان يتصاولان ويتحاربان، ولهذا المرض مع هذه القوة حالةُ تزايدٍ وترامٍ إلى الهلاك، وحالةُ انحطاطٍ وتناقصٍ ــ وهي خير حالات المريض ــ، وحالةُ وقوفٍ وتقابُلٍ إلى أن يقهر أحدهما الآخر. وإذا حلَّ (^٢) وقت البُحران (^٣) ــ وهو ساعة المناجزة ــ فحظ القلب إحدى الخُطَّتين (^٤): إما السلامة وإما العطب، وهذا البحران يكون وقت فعل الموجِبات (^٥) التي توجب رضى الرب تعالى ومغفرتَه أو توجب سخطه وعقوبته، وفي الدعاء النبوي: «أسألك مُوجِباتِ رحمتك» (^٦)، وقال عن
_________________
(١) كذا في ف، وفي سائر الأصول والمطبوع: «وذهاب أثر القوي منها بما دونه»، إلا أن «منها» ساقطة من ص، د، ز. و«أذهب الشيءَ» و«ذهب به» بمعنى.
(٢) ث، س، المطبوع: «دخل»، تصحيف.
(٣) وقت البُحران: هو ساعة الفصل في التدافع الحاصل بين طبيعة الإنسان والمرض، وعندئذ تتغير حال المريض دَفعةً إما إلى الصحة وإما إلى العطب، وإذا كان البُحران في الحمّى إلى الصحة فكثيرًا ما يصحبه عرق غزير وانخفاض سريع في درجة الحرارة. وهي كلمة سُريانية الأصل. انظر: «القول الأصيل فيما في العربية من الدخيل» للدكتور ف. عبد الرحيم.
(٤) ص، د، ز: «أحد الخَطَّين».
(٥) ث، س، المطبوع: «الواجبات»، تحريف لأنه سيأتي: « أو توجب سخطه وعقوبته».
(٦) روي ذلك من حديث ابن أبي أوفى، وابن مسعود، وأنس، وشداد بن أوس؛ أشهرها حديث ابن أبي أوفى في صلاة الحاجة عند الترمذي (٤٧٩) وابن ماجه (١٣٨٤) وقال الترمذي: حديث غريب وفي إسناده مقال؛ وأسانيد الجميع واهية بمرّة عدا حديث شدّاد عند الطبراني في «الكبير» (٧/ ٢٧٩) بإسناد مقارِب. وانظر: «الصحيحة» (٣٢٢٨) و«الضعيفة» (٢٩٠٨).
[ ٣ / ٥٢٠ ]
طلحة يومئذ: «أوجب طلحة» (^١)، ورُفع إلى النبي - ﷺ - رجل وقالوا: يا رسول الله، إنه قد أوجب، فقال: «أعتقوا عنه» (^٢).
وفي الحديث الصحيح: «أتدرون ما المُوجِبتان؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار» (^٣).
يريد أن التوحيد والشرك رأس الموجبات وأصلها، فهما بمنزلة السم القاتل قطعًا والتِرياق المُنجي قطعًا.
وكما أن البدن قد تعرض له أسباب رديَّة لازمة توهن قوَّتَه وتُضعفها، فلا ينتفع معها بالأسباب الصالحة والأغذية النافعة، بل تحيلها تلك الموادُّ الفاسدة إلى طبعها وقوتها، فلا يزداد بها إلا مرضًا، وقد تقوم به موادُّ صالحةٌ وأسباب موافقة توجب قوته وتمكُّنه من الصحة وأسبابِها، فلا تكاد تضرُّه الأسباب الفاسدة، بل تحيلها تلك المواد الفاضلة إلى طبعها= فهكذا موادُّ
_________________
(١) وذلك يوم أُحُد، وقد سبق تخريجه (ص ٢٣٣)، وانظر: (ص ٢٣٩).
(٢) تمامه: «يُعتق الله بكل عضوٍ منه عضوًا منه من النار». وقوله: «أوجب» يعني: النارَ بالقتل، كما في رواية أبي داود .. والحديث أخرجه أحمد (١٦٠١٢، ١٦٩٨٥) وأبو داود (٣٩٦٤) والنسائي في «الكبرى» (٤٨٧٠ - ٤٨٧٢) وابن حبان (٤٣٠٧) والحاكم (٢/ ٢١٢) عن واثلة بن الأسقع، وإسناده ضعيف. انظر: «الضعيفة» (٩٠٧).
(٣) أخرجه أحمد (١٥٢٠٠) ومسلم (٩٣/ ١٥١) من حديث جابر إلا أن لفظه: أتى النبي - ﷺ - رجل فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «من مات » إلخ.
[ ٣ / ٥٢١ ]
صحةِ القلب وفساده.
فتأمل قوة إيمان حاطبٍ التي حملته على شهود بدرٍ وبذلِه نفسَه مع رسول الله - ﷺ - وإيثارِه اللهَ ورسولَه على قومه وعشيرته وأقاربه وهم بين ظهرانَي العدوِّ وفي بلدهم، ولم يَثْنِ ذلك عِنان عزمه، ولا فلَّ مِن حدِّ إيمانه ومواجهته بالقتال لمن أهلُه وعشيرته وأقاربه عندهم، فلما جاء مرض الجسِّ برزت إليه هذه القوة، فكان البحران صالحًا فاندفع المرض وقام المريض كأن لم يكن به قَلَبة (^١)، ولما رأى الطبيب قوة إيمانه قد استعلت على مرض جسه وقَهَرتْه قال لمن أراد فَصْده: لا يحتاج هذا العارض إلى فِصاد، «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».
وعكس هذا ذو الخويصرة التميمي وأضرابه من الخوارج الذين بلغ اجتهادهم في الصلاة والصيام والقراءة إلى حدٍّ يَحقر أحدُ الصحابة عملَه معه، كيف قال فيهم: «لئن أدركتهم لأقتلنَّهم قتلَ عادٍ» (^٢)، وقال: «اقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم» (^٣)، وقال: «شر قتلى تحت أديم السماء» (^٤)؛ فلم ينتفعوا بتلك الأعمال العظيمة مع تلك المواد الفاسدة المهلكة واستحالت فاسدةً.
_________________
(١) أي كأن لم يكن به ألم ولا علّة. ولا يُستعمل «قلبة» إلا في النفي.
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٤٤، ٧٤٣٢) ومسلم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد.
(٣) أخرجه البخاري (٣٦١١، ٥٠٥٧، ٦٩٣٠) ومسلم (١٠٦٦/ ١٥٤) من حديث علي.
(٤) أخرجه أحمد (٢٢١٥١، ٢٢١٨٣، ٢٢٣١٤) والترمذي وحسَّنه (٣٠٠٠) وابن ماجه (١٧٦) والطبراني في «الكبير» (٨/ ١٤٢) والحاكم (٢/ ١٤٩) من حديث أبي أمامة - ﵁ - بأسانيد حسان يشد بعضها بعضًا.
[ ٣ / ٥٢٢ ]
فصل: جواز مباغتة المعاهدين إذا نقضوا العهد
فصل: استحباب إظهار كثرة المسلمين وقوتهم وشوكتهم لرسل العدو
وتأمل حالَ إبليس، لما كانت المادة المهلكة كامنةً في نفسه لم ينتفع معها بما سلف من طاعاته ورجع إلى شاكلته وما هو أولى به، وكذلك الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، وأضرابه وأشكاله؛ فالمُعوَّل على السرائر والمقاصد والنيات والهمم، فهي الإكسير الذي يقلب نحاس الأعمال ذهبًا أو يردُّها خَبَثًا، وبالله التوفيق.
ومن له لب وعقل يعلم قدر هذه المسألة وشدة حاجته إليها وانتفاعه بها ويطَّلع منها على باب عظيمٍ من أبواب معرفة الله سبحانه، وحكمته في خلقه وأمره وثوابه وعقابه، وأحكامِ الموازنة، وإيصال اللذة والألم إلى الروح والبدن في المعاش والمعاد، وتفاوتِ المراتب في ذلك بأسباب مقتضية بالغة ممن هو قائم على كل نفس بما كسبت.
فصل (^١)
وفي القصة: جواز مباغتة المعاهدين إذا نقضوا العهدَ والإغارةِ عليهم، وأن لا يُعلمهم بمسيره إليهم. وأما ما داموا قائمين بالوفاء بالعهد فلا يجوز ذلك حتى يَنبِذ إليهم على سواء.
فصل
وفيها: جواز بل استحباب إظهار (^٢) كثرة المسلمين وقوَّتهم وشوكتهم وهيئتهم لرسل العدو إذا جاؤوا إلى الإمام، كما يفعل ملوك الإسلام، كما أمر النبي - ﷺ - بإيقاد النيران ليلة الدخول إلى مكة، وأمر العباسَ أن يحبس
_________________
(١) مكانه بياض في ص، د. وكذا في خمسة الفصول الآتية.
(٢) «إظهار» سقط من المطبوع.
[ ٣ / ٥٢٣ ]
فصل: جواز دخول مكة للقتال المباح بغير إحرام والخلاف فيما عداه
أبا سفيان عند خطم الجبل ــ وهو ما تضايق منه ــ حتى عُرضت عليه عساكر الإسلام وعصابة التوحيد وجند الله، وعرضت عليه خاصَكيةُ رسولِ الله - ﷺ - (^١) وهم في السلاح لا يُرى (^٢) منهم إلا الحَدَق، ثم أرسله فأخبر قريشًا بما رأى.
فصل
وفيها: جواز دخول مكة للقتال المباح بغير إحرام، كما دخل رسول الله - ﷺ - والمسلمون، وهذا لا خلاف فيه، ولا خلاف أنه لا يدخلها من أراد الحج أو العمرة إلا بإحرام، واختلف فيما سوى ذلك إذا لم يكن الدخول لحاجة متكررة كالحَشَّاش والحطَّاب على ثلاثة أقوال:
أحدها: لا يجوز دخولها إلا بإحرام، وهذا مذهب ابن عباس وأحمد في ظاهر مذهبه والشافعي في أحد قوليه.
والثاني: أنه كالحشَّاش والحطَّاب فيدخلها بغير إحرام، وهذا القول الآخر للشافعي ورواية عن أحمد.
والثالث: إن كان داخلَ المواقيت جاز دخولُه بغير إحرام، وإن كان خارج المواقيت لم يدخل إلا بإحرام، وهذا مذهب أبي حنيفة (^٣).
_________________
(١) الخاصكية: هم المقرّبون من الملك الملازمون له في خلواته، سمُّوا بذلك لخصوص القرب من الملك. انظر: «زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك» (ص ١١٥) لخليل بن شاهين المملوكي (ت ٨٧٣)، و«حدائق الياسمين في ذكر قوانين الخلفاء والسلاطين» (ص ١٠٨) لمحمد بن عيسى بن كنَّان (ت ١١٥٣).
(٢) «لا يُرى» سقط من المطبوع.
(٣) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» باب من كره أن يدخل مكة بغير إحرام وباب من رخص أن تُدخل مكة بغير إحرام (١٣٦٩١ - ١٣٧٠٢)، و«الموطأ» برواية الشيباني (ص ١٥٥) و«المدوّنة» (٢/ ٣٧٧)، و«الأم» (٣/ ٣٥٠ - ٣٥٥) و«المجموع» (٧/ ١٠)، و«مسائل أحمد» برواية عبد الله (ص ١٩٨) و«الإنصاف» (٨/ ١١٧).
[ ٣ / ٥٢٤ ]
فصل: بيان أن مكة فتحت عنوة، والرد على من قال: إنه صلح
وهديُ رسول الله - ﷺ - معلوم في المجاهد ومريد النسك، وأما من عداهما فلا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله أو أجمعت عليه الأمة.
فصل
وفيها: البيان الصريح بأن مكة فتحت عَنوةً كما ذهب إليه جمهور أهل العلم، ولا يعرف في ذلك خلاف إلا عن الشافعي وأحمد في أحد قوليه، وسياق القصة أوضح شاهدٍ لمن تأمَّله لقول الجمهور. ولمَّا استهجن أبو حامد الغزالي القولَ بأنها فتحت صلحًا حكى قولَ الشافعي أنها فتحت عنوةً في «وسيطه» (^١) وقال: هذا مذهبه.
قال أصحاب الصلح: لو فتحت عَنوةً لقسمها رسول الله - ﷺ - بين الغانمين، كما قسم خيبر وكما يقسم سائرَ الغنائم من المنقولات، فكان يُخمِّسها ويقسمها.
قالوا: ولما استأمن أبو سفيان لأهل مكة لما أسلم فأمَّنهم كان هذا عقدَ صلحٍ معهم.
قالوا: ولو فتحت عنوةً لملك الغانمون رِباعها ودورها، وكانوا أحقَّ بها من أهلها وجاز إخراجهم منها، فحيث لم يحكم رسول الله - ﷺ - فيها بهذا الحكم، بل لم يَرُدَّ على المهاجرين دورهم التي أُخرِجوا منها وهي بأيدي
_________________
(١) (٧/ ٤٢)، ولفظه: «وصحَّ عنده (أي: الشافعي) أن مكة فتحت عنوةً على معنى أنه - ﷺ - دخلها مستعدًّا للقتال لو قوتل».
[ ٣ / ٥٢٥ ]
الذين أخرجوهم، وأقرَّهم على بيع الدور وشرائها وإجارتها وسكناها والانتفاع بها ــ وهذا مناف لأحكام فتوح العنوة ــ، وقد صرَّح بإضافة الدور إلى أهلها فقال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن» (^١).
قال أرباب العنوة: لو كان قد صالحهم لم يكن لأمانه المقيَّد بدخول كُلِّ واحدٍ دارَه وإغلاقِه بابَه وإلقائه سلاحَه فائدةٌ، ولم يقاتلهم خالد بن الوليد حتى قتل منهم جماعةً ــ ولم ينكر عليه (^٢) ــ، ولَمَا قتل مِقْيَس بن صُبابة وعبد الله بن خطل ومن ذكر معهما؛ فإن عقد الصلح لو كان قد وقع لاستُثني فيه هؤلاء قطعًا، ولنُقِل هذا وهذا.
ولو فتحت صلحًا لم يقاتلهم وقد قال: «فإن أحدٌ ترخَّص بقتال رسول الله - ﷺ - فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لك (^٣)»، ومعلوم أن هذا الإذن المختص برسول الله - ﷺ - إنما هو الإذن في القتال لا في الصلح، فإن الإذن في الصلح عام.
وأيضًا: فلو كان فتحها صلحًا لم يقل: إن الله أحلها له ساعةً من نهار، فإنها إذا فتحت صلحًا كانت باقيةً على حُرمتها ولم تخرج بالصلح عن الحرمة، وقد أخبر بأنها في تلك الساعة لم تكن حرامًا، وأنها بعد انقضاء ساعة الحرب عادت إلى حرمتها الأولى.
_________________
(١) لم يذكر المؤلف جواب: «فحيث لم يحكم » إلخ، وتقديره: «دَّل على أنها فتحت صلحًا» أو نحوه.
(٢) «ولم ينكر عليه» جملة حالية أو معترضة لبيان الواقع، وليست واقعةً في جواب «لو».
(٣) ز، ب، س، ن، المطبوع: «لكم».
[ ٣ / ٥٢٦ ]
وأيضًا: فإنها لو فتحت صلحًا لم يُعَبِّ جيشَه خيَّالتَهم ورَجلَهم ميمنةً وميسرةً ومعهم السلاح، وقال لأبي هريرة: «اهتف لي بالأنصار»، فهتف بهم فجاؤوا فأطافوا برسول الله - ﷺ -، فقال: «ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟» ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى: «احصدوهم حصدًا حتى توافوني بالصفا»، حتى قال أبو سفيان: يا رسول الله، أبيحت خضراءُ قريش، لا قريش بعد اليوم! فقال رسول الله - ﷺ -: «من أغلق بابه فهو آمن»، وهذا محال أن يكون مع الصلح، فإن كان قد تقدَّم صلح ــ وكلَّا! ــ فإنه ينتقض بدون هذا.
وأيضًا فكيف يكون صلحًا وإنما فتحت بإيجاف الخيل والركاب، ولم يحبس الله خيلَ رسوله وركابَه عنها كما حبسها عنها يومَ صلح الحديبية، فإن ذلك اليوم كان يومَ الصلح حقًّا، فإن القصواء لما بركت به قالوا: خلأت القصواء، قال: «ما خلأت، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل»، ثم قال: «والله لا يسألوني خطةً يعظمون فيها حرمةً من حرمات الله إلا أعطيتهموها» (^١).
وكذلك جرى عقدُ الصلح بالكتاب والشهود ومحضرٍ من ملإ المسلمين والمشركين، والمسلمون يومئذ ألف وأربعمائة؛ أَفجرى (^٢) مثل هذا الصلح في يوم الفتح ولا يكتب ولا يُشهَد عليه ولا يحضره أحدٌ ولا تُنقَل كيفيته والشروط فيه؟! هذا من الممتنع البينِ امتناعُه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٧٣١) من حديث عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، وقد سبق مطوّلًا عند ذكر غزوة الحديبية (ص ٣٤١).
(٢) همزة الاستفهام ساقطة من المطبوع، وكذا من ن ولكنه ضبط هكذا: «فَجَرْيُ»، وفي س: «أيجري».
[ ٣ / ٥٢٧ ]
وتأمل قوله: «إن الله حبس عن مكة الفيل وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين» كيف يُفهَم منه أن قهرَ رسولِه وجندِه الغالبين لأهلها أعظمُ مِن قهر الفيل الذي كان يدخلها عليهم عَنوةً فحبسه عنهم، وسلَّط رسوله والمؤمنين عليهم حتى فتحوها بعِزِّ (^١) القهر وسلطان العنوة وإذلال الكفر وأهله، وكان ذلك أجلَّ قدرًا، وأعظم خطرًا، وأظهر آيةً، وأتم نصرةً، وأعلى كلمةً= مِن أن يُدخلهم تحتَ رقِّ الصلح واقتراح العدوِّ وشروطهم، ويمنعَهم سلطانَ العنوة وعزَّها وظفرها في أعظم فتح فتحه على رسوله وأعزَّ به دينه وجعله آيةً للعالمين.
قالوا: وأما قولكم: إنها لو فتحت عنوةً لقسمت بين الغانمين، فهذا مبني على أن الأرض داخلة في الغنائم التي قسمها الله سبحانه بين الغانمين بعد تخميسها، وجمهورُ الصحابة والأئمة بعدهم على خلاف ذلك وأن الأرض ليست داخلةً في الغنائم التي تجب قسمتها، وهذه كانت سيرة الخلفاء الراشدين، فإن بلالًا وأصحابه لمَّا طلبوا من عمر بن الخطاب أن يَقسِم بينهم الأرض التي افتتحوها عنوةً ــ وهي الشام وما حولها ــ وقالوا له: خذ خُمُسَها واقسمها= فقال (^٢) عمر: «هذا غير المال (^٣)، ولكن أحبسه فيئًا يجري عليكم وعلى المسلمين»، فقال بلال وأصحابه: اقسمها بيننا، فقال عمر: «اللهم
_________________
(١) النسخ المطبوعة: «فتحوها عنوةً بعد»، إقحام وتحريف.
(٢) كذا في الأصول، والجادَّة عدم اقتران جواب «لمّا» بالفاء، على أنه قد ادَّعى بعضُهم جوازه. انظر: «ارتشاف الضَّرَب» (٤/ ١٨٩٧).
(٣) كذا في الأصول، وهو كذلك في مطبوعة كتاب «الأموال» لابن زنجويه، ووقع في مطبوعة كتاب «الأموال» لأبي عبيد و«تاريخ دمشق»: «هذا عين المال».
[ ٣ / ٥٢٨ ]
اكفني بلالًا وذويه»، فما حال الحول ومنهم عين تَطرِف (^١).
ثم وافق سائر الصحابة عمرَ على ذلك. وكذلك جرى في فتوح مصرَ والعراقِ وأرضِ فارس وسائرِ البلاد التي فتحت عنوةً لم يقسم منها الخلفاء الراشدون قريةً واحدةً.
ولا يصح أن يقال: إنه استطاب نفوسَهم ووقفها برضاهم (^٢)، فإنهم قد نازعوه في ذلك وهو يأبى عليهم، ودعا على بلال وأصحابه.
وكان الذي رآه وفعله عينَ الصواب ومحض التوفيق، إذ لو قسمت لتوارثها ورثة أولئك وأقاربهم، فكانت القرية والبلد تصير إلى امرأةٍ واحدة أو صبيٍّ صغير والمقاتِلةُ لا شيء بأيديهم، فكان في ذلك أعظمُ الفساد وأكبره، وهذا هو الذي خاف منه عمر فوفَّقه الله سبحانه لترك قسمة الأرض وجَعْلِها
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في كتاب «الأموال» (١٥٤) ــ ومن طريقه ابن زنجويه في كتاب «الأموال» (٢٢٤) وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢/ ١٩٧) ــ عن الماجشون (عبد الله بن أبي سلمة) مرسلًا. وأخرجه أحمد في «فضائل الصحابة» (٣٧٨) والبيهقي في «سننه» (٩/ ١٣٨) من طريق جرير بن حازم عن نافع عن ابن عمر بنحوه. وهذا إسناد صحيح. وأخرج البخاري (٤٢٣٥) عن عمر - ﵁ - أنه قال: «أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس ببَّانًا ليس لهم شيء ما فُتحت عليَّ قرية إلا قسمتها كما قسم النبي - ﷺ - خيبر، ولكني أتركها خِزانةً لهم يقتسمونها». وفي لفظٍ عند ابن أبي شيبة (٣٣٦٤٨): «ولكن أردت أن يكون جِريةً تجري عليهم». وفي رواية البيهقي (٦/ ٣١٨) أنه قال ذلك عندما طلب بلال قسمة الأرض المفتتحة.
(٢) هذا قول الشافعي. انظر: «الأم» (٥/ ٦٨٧) و«معرفة السنن» (٩/ ٢٤١، ١٣/ ١٦٥، ٣٢٩).
[ ٣ / ٥٢٩ ]
وقفًا على المقاتلة يجري عليهم فيئُها (^١) حتى يغزو منها آخر المسلمين، وظهرت بركةُ رأيه ويُمْنُه على الإسلام وأهله. ووافقه جمهور الأئمة وإن اختلفوا في كيفية إبقائها بلا قسمة، فظاهر مذهب الإمام أحمد (^٢) وأكثرُ نصوصه على أن الإمام مخيَّر فيها تخييرَ مصلحةٍ لا تخيير شهوة، فإن كان الأصلح للمسلمين قسمتَها قسمها، وإن كان الأصلح أن يقفها على جماعتهم وقفها، وإن كان الأصلح قسمةَ البعض ووقفَ البعض فعله؛ فإن رسول الله - ﷺ - فعل الأقسام الثلاثة، فإنه قسم أرض قريظة والنضير، وترك قسمة مكة، وقسم بعض خيبر وترك بعضها لما ينوبه من مصالح المسلمين.
وعن أحمد رواية ثانية: أنها تصير وقفًا بنفس الظهور والاستيلاء عليها من غير أن ينشئ الإمامُ وقفها، وهي مذهب مالك (^٣).
وعنه رواية ثالثة: أنه يقسمها بين الغانمين كما يقسم بينهم المنقول إلا أن يتركوا حقوقهم منها، وهي مذهب الشافعي (^٤).
وقال أبو حنيفة: الإمام مخيَّرٌ بين القسمة، وبين أن يقرَّ أربابها فيها بالخراج، وبين أن يُجليهم عنها وينفذ إليها قومًا آخرين يضرب عليهم الخراج (^٥).
_________________
(١) غير محرّر في الأصول، يشبه: «فيها». وسياق المطبوع: «تجري عليهم فيئًا». ولعل الصواب ما أثبت.
(٢) انظر: «مسائل أحمد» برواية عبد الله (ص ٤٠٥) وبرواية الكوسج (١/ ٢٤٤)، و«المغني» (٤/ ١٨٩) و«الإنصاف» (١٠/ ٣٠٥).
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» (٣/ ٣٦٠) و«البيان والتحصيل» (٢/ ٥٣٨).
(٤) انظر: «الأم» (٥/ ٦٨٧).
(٥) انظر: «الأصل» للشيباني (٧/ ٤٣٩، ٥٢٩) و«معاني الآثار» (٣/ ٢٤٦).
[ ٣ / ٥٣٠ ]
فصل: بيان أن مكة دار نسك فلا يجوز بيع أراضيها ولا إجارة بيوتها
وليس هذا الذي فعله عمر بمخالف للقرآن، فإن الأرض ليست داخلةً في الغنائم التي أمر الله بتخميسها وقسمتها، ولهذا قال عمر: «إنها غير المال»، ويدل عليه أن إباحة الغنائم لم يكن لغير هذه الأمة، بل هو من خصائصها كما قال - ﷺ - في الحديث المتفق على صحته: «وأُحِلَّت لي الغنائم، ولم تحلَّ لأحدٍ (^١) قبلي» (^٢)، وقد أحل الله سبحانه الأرض التي كانت بأيدي الكفار لمن قبلنا من أتباع الرسل إذا استولوا عليها عنوةً، كما أحلها لقوم موسى، ولهذا قال موسى لقومه: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١]، فموسى وقومه قاتلوا الكفار واستولَوا على دِيارهم وأموالهم، فجمعوا الغنائم فنزلت (^٣) النار من السماء فأكلتها، وسكنوا الأرض والديار ولم تَحْرُم عليهم، فعُلم أنها ليست من الغنائم وأنها لله يورثها من يشاء.
فصل
وأما مكة فإن فيها شيئًا آخر يمنع من قسمتها ولو وجبت قسمة ما عداها من القرى، وهي: أنها لا تُملَك، فإنها دار النُّسُك ومُتعبَّد الخلق وحرم الرب تعالى الذي جعله للناس سواءً العاكفُ فيه والباد (^٤)، فهي (^٥) وقف من الله على العالمين، وهم فيها سواء، ومنًى مناخ من سبق (^٦).
_________________
(١) زيد بعده في ص، ز، د: «مِن»، وليست في «الصحيحين».
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٥) ومسلم (٥٢١) من حديث جابر - ﵁ -.
(٣) ص، د، المطبوع: «ثم نزلت».
(٤) ص، ز، د: «والبادي». وبالوجهين قرئت آية الحج. انظر: «النشر» (٢/ ٣٢٧).
(٥) «فهي» سقط من د، س، واستُدرك في ص، ز بخط مغاير.
(٦) كما في حديث عائشة مرفوعًا، وسيأتي قريبًا.
[ ٣ / ٥٣١ ]
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، والمسجد الحرام هنا المراد به الحرم لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، فهذا المراد به الحرم كلُّه؛ وقولِه سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، وفي «الصحيح» (^١): أنه أسري به من بيت أم هانئ.
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وليس المراد به حضور نفس موضع الصلاة اتفاقًا، وإنما هو حضور الحرم والقربُ منه، وسياق آية الحج يدل على ذلك فإنه قال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، وهذا لا يختص مكان (^٢) الصلاة قطعًا، بل المراد: الحرم كلُّه، فالذي جعله للناس سواءً العاكفُ فيه
_________________
(١) ليس كذلك، وإنما ذكره ابن إسحاق ــ كما في «تفسير الطبري» (١٤/ ٤١٤) ــ عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح باذان عن أم هانئ. وإسناده واهٍ بمرّة من أجل الكلبي، ولذا عدل ابن إسحاق عن التصريح به في بعض الروايات ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٠٢) ــ فقال: «وكان فيما بلغني عن أم هانئ في مسرى رسول الله - ﷺ - أنها كانت تقول ». وروي ذلك أيضًا من وجهين آخرين عن أم هانئ، وذلك عند ابن سعد (٢/ ١٨٢ - ١٨٣) والطبراني في «الكبير» (٢٤/ ٤٣٢)، ولكنهما واهيان أيضًا. والذي في «الصحيح» من حديث أبي ذر أن النبي - ﷺ - أسري به من بيته، وفي حديث مالك بن صعصعة أنه أسري به من عند البيت من الحطيم. أخرجهما البخاري (٣٤٩، ٣٨٨٧) ومسلم (١٦٣، ١٦٤).
(٢) ز، س، ن: «بمكان». وفي المطبوع: «بمقام» خلافًا لجميع الأصول.
[ ٣ / ٥٣٢ ]
والباد هو الذي توعَّد من صدَّ عنه ومن أراد الإلحاد بالظلم فيه، فالحرم ومشاعره كالصفا والمروة والمسعى ومنًى وعرفةَ ومزدلفةَ لا يختص بها أحد دون أحد، بل هي مشتركة بين الناس، إذ هي محل نسكهم ومتعبَّدهم، فهي مسجد من الله وقَفَه ووضعه لخلقه، ولهذا امتنع النبي - ﷺ - أن يُبنى له بيت بمنًى يُظِلُّه من الحر وقال: «منًى مناخ من سبق» (^١).
ولهذا ذهب جمهور الأئمة من السلف والخلف إلى أنه لا يجوز بيع أراضي مكة ولا إجارةُ بيوتها. هذا مذهب مجاهد وعطاء في أهل مكة، ومالكٍ في أهل المدينة، وأبي حنيفة في أهل العراق (^٢)، وسفيانَ الثوري والإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ وإسحاق بن راهويه (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٠١٩) والترمذي (٨٨١) وابن راهويه (١٢٨٦) والدارمي (١٩٨٠) وابن خزيمة (٢٨٩١) والحاكم (١/ ٤٦٧) كلهم من طريق إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن يوسف بن ماهَك، عن أمه مُسيكة عن عائشة. قال الترمذي: حديث حسن، وقال ابن خزيمة: «باب النهي عن احتصار المنازل بمنى إن ثبت الخبر، فإني لست أعرف مُسيكة بعدالة ولا جرح، ولست أحفظ لها راويًا إلا ابنها»، وضعَّفه ابن القطان في «بيان الوهم» (٣/ ٤٦٨) بجهالة مُسيكة، وكذلك الألباني في «ضعيف سنن أبي داود - الأم» (٢/ ١٩٠) وزاد علّة أخرى هي أن إبراهيم بن مهاجر ليّن الحفظ. قلتُ: الحديث يحتمل التحسين، فإن إبراهيم بن مهاجر صدوق على لين في حفظه وقد أخرج له مسلم في المتابعات، ومُسيكة تابعية كانت تخدم عائشة - ﵂ - وقد أثنى عليها ابنُها خيرًا كما في رواية ابن راهويه في «مسنده».
(٢) في هامش ف بخط الناسخ: «مذهب أبي حنيفة ومحمدٍ كراهة بيع أراضي مكة مع الجواز، ومذهب أبي يوسف جواز ذلك بلا كراهة، وروي ذلك عن أبي حنيفة». كأنه تعقيب على ما نسبه إليه المؤلف من عدم الجواز.
(٣) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (١٤٨٩٩، ١٤٩٠٠)، و«النوادر والزيادات» (٢/ ٥٠١) و«التبصرة» للخمي (١١/ ٥٠٨٥)، و«مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (٣/ ٦٧) و«بدائع الصنائع» (٥/ ١٤٦)، و«المغني» (٦/ ٣٦٤) و«الإنصاف» (١١/ ٧٢) و«مسائل إسحاق» للكوسج (١/ ٥٧٤).
[ ٣ / ٥٣٣ ]
وروى الإمام أحمد عن علقمة بن نضلة قال: «كانت رِباع مكة تُدعى السوائب على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر؛ من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن» (^١).
وروي أيضًا عن عبد الله بن عمر (^٢): «من أكل أجور بيوت مكة فإنما يأكل في بطنه نار جهنم» (^٣). ورواه الدارقطني (^٤) مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - وفيه: «إن الله حرم مكة، فحرام بيعُ رِباعها وأكلُ ثمنها».
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٩١٢) وابن ماجه (٣١٠٧) والدارقطني (٣٠١٩ - ٣٠٢١) بإسناد صحيح عن علقمة بن نضلة، وهو مرسل فإن علقمة إما تابعي صغير (كما في «التقريب» لابن حجر) أو من أتباع التابعين (كما في «الثقات» لابن حبان)، فلم يُدرك زمن النبي - ﷺ - ولا زمن أبي بكر وعمر.
(٢) كذا في الأصول والمطبوع، والصواب أنه: عبد الله بن عمرٍو، كما في مصادر التخريج.
(٣) أخرجه أبو عبيد في كتاب «الأموال» (١٧٣) وابن أبي شيبة (١٤٩٠٣) والدارقطني (٣٠١٦، ٣٠١٧) من طرق عن عبيد الله بن أبي زياد، عن أبي نجيح، عن عبد الله بن عمرو موقوفًا. وهذا إسناد لا بأس به.
(٤) برقم (٣٠١٥) وبرقم (٣٠١٤) بنحوه، وأخرجه أيضًا أبو يوسف في «الآثار» (٥٤٤) والحاكم (٢/ ٥٣) والسهمي في «تاريخ جرجان» (ص ٢١٢) والبيهقي في «السنن» (٦/ ٣٥)، كلهم من طريق أبي حنيفة عن عبيد الله بن أبي زياد به. وقد خالف أبو حنيفة وكيعًا وغيره من الثقات في رفعه، ولذا قال الدارقطني: إنه وهم في رفعه، والصحيح أنه موقوف.
[ ٣ / ٥٣٤ ]
وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا معتمر (^٢) عن ليث عن عطاء وطاوس ومجاهد أنهم قالوا: يكره أن تباع رِباعُ مكة أو تُكرى بيوتها.
وذكر أحمد عن القاسم بن عبد الرحمن قال: من أكل من كراء بيوت مكة فإنما يأكل في بطنه نارًا (^٣).
وقال أحمد: حدثنا هشيم، أخبرنا حجاج، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر (^٤) قال: «نُهي عن إجارة بيوت أهل (^٥) مكة وعن بيع رِباعها».
وذكر عن عطاء قال: نهي عن إجارة بيوت أهل مكة.
وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف، قال: حدثنا عبد الملك، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أمير أهل مكة ينهاهم عن إجارة بيوت مكة، وقال: إنه حرام (^٦).
_________________
(١) لم أجده ــ ولا الآثار الآتية ــ في «مسائله» المطبوعة، وهذا الأثر رواه أيضًا ابن أبي شيبة (١٤٩٠٩) عن معتمر به.
(٢) في الأصول والمطبوع: «معمر»، وهو تصحيف، والإمام أحمد لم يدرك معمرًا قط، وإنما يروي عن عبد الرزاق عنه. وأما معتمر ــ وهو ابن سليمان بن طرخان التيمي ــ فمن شيوخ أحمد روى عنه في «المسند» وغيره.
(٣) رواه ابن أبي شيبة (١٤٩٠١) عن معتمر عن ليث عن القاسم.
(٤) «عبد الله بن عمر» لا إخاله إلا وهمًا أو تصحيفًا، فإن عبد الرزاق (٩٢١٤) أخرجه عن ابن مجاهد عن أبيه عن عبد الله بن عمروٍ بنحوه. على أن كلا الإسنادين ضعيف، الأول لضعف حجاج بن أرطاة وتدليسه، والثاني لضعف ابن مجاهد. وقد خالفهما الأعمش وإبراهيم بن المهاجر، فرواه الأول عنه عن النبي - ﷺ - مرسلًا، والثاني عنه من قوله مقطوعًا. انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (١٤٨٩٨، ١٤٨٩٩).
(٥) «أهل» ساقطة من المطبوع هنا وفي الآثر الآتي.
(٦) وأخرجه أيضًا أبو عبيد في «الأموال» (١٧٦) عن إسحاق بن يوسف به. وقد روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز من وجوه عديدة. انظر: «مصنف عبد الرزاق» (٩٢١٢) و«مصنف ابن أبي شيبة» (١٤٩٠٢) و«طبقات ابن سعد» (٧/ ٣٥٦) و«أخبار مكة» للأزرقي (٢/ ١٦٣ - ١٦٤).
[ ٣ / ٥٣٥ ]
وحكى أحمد عن عمر أنه نهى أن يتخذ أهلُ مكة للدور أبوابًا لينزل البادي حيث شاء (^١)، وحكى عن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه نهى أن تغلق أبواب دور مكة (^٢)؛ فنهى من لا بابَ لداره أن يتخذ لها بابًا ومن لداره باب أن يغلقه، وهذا في أيام الموسم.
قال المجوزون للبيع والإجارة: الدليل على جواز ذلك: كتابُ الله، وسنة رسوله، وعمل أصحابه وخلفائه الراشدين.
قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]، وقال: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، وقال ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٩] فأضاف الدور إليهم، وهذه إضافة تمليك.
وقال النبي - ﷺ - وقد قيل له: أين تنزل غدًا بدارك من مكة (^٣)؟ فقال:
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٩٢١١) ومسّدد ــ كما في «المطالب العالية» (١٢٠٢) ــ من طريق مجاهد عن عمر، وابن أبي شيبة (١٤٩٠٤) من طريق عطاء عن عمر، وكلاهما مرسل. ويعضدهما مرسل عمرو بن دينار عند الفاكهي في «أخبار مكة» (٢١٨٠) بإسناد صحيح أنه قال: «أول من جعل على داره بابًا بنتُ سهيل بن عمرو، استأذنت عمرَ من أجل السَّرَق».
(٢) أخرجه أبو عبيد في «الأموال» (١٧٧) وكذا ابن زنجويه (٢٤٧) من طريقين عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر به.
(٣) ن، المطبوع: «بمكة»، وهو لفظ «الصحيحين» وهو الذي سبق (ص ١٣٩).
[ ٣ / ٥٣٦ ]
«وهل ترك لنا عَقِيل من رِباع؟!» (^١)، ولم يقل: إنه لا دار لي، بل أقرهم على الإضافة وأخبر أن عقيلًا استولى عليها، ولم ينزعها من يده.
وإضافة دورهم إليهم في الأحاديث أكثر من أن يُذكَر، كدار أم هانئ ودار خديجة ودار أبي أحمد بن جحش وغيرها، فكانوا يتوارثونها كما يتوارثون المنقول، ولهذا قال النبي - ﷺ -: «وهل ترك لنا عَقِيل من منزل؟» وكان عقيل هو ورث أبا طالبٍ دُورَه (^٢)، فإنه كان كافرًا ولم يرثه عليٌّ لاختلاف الدين بينهما، فاستولى عقيل على الدور. ولم يزالوا قبل الهجرة وبعدها، بل قبل المبعث وبعده، من مات وَرِث (^٣) ورثتُه دارَه، وإلى الآن.
وقد باع صفوان بن أمية دارًا لعمر بن الخطاب بأربعة آلاف درهم فاتخذها سجنًا (^٤).
وإذا جاز البيع والميراث فالإجارة أجوَز وأجوز.
فهذا موقف أقدام الفريقين كما ترى، وحججهم في القوة والظهور لا تُدفَع، وحجج الله وبيناته لا يُبطل بعضُها بعضًا بل يصدق بعضها بعضًا، ويجب العمل بموجَبها كلِّها، والواجب اتباع الحق أين كان، فالصواب: القول بموجب الأدلة من الجانبين وأن الدور تملك وتوهب وتورث وتباع، ويكون نقل الملك في البناء لا في الأرض والعرصة، فلو زال بناؤه لم يكن له
_________________
(١) متفق عليه من حديث أسامة بن زيد، وقد سبق.
(٢) طبعة الرسالة: «ورث دورَ أبي طالب» خلافًا للأصول والطبعة الهندية.
(٣) «ورث» سقطت من المطبوع فاختل السياق.
(٤) علّقه البخاري مجزومًا به في «صحيحه»، وقد سبق تخريجه (ص ١٣٩).
[ ٣ / ٥٣٧ ]
أن يبيع الأرض، وله أن يبنيها ويعيدها كما كانت، وهو أحق بها يَسكنها ويُسكن فيها من شاء، وليس له أن يُعاوِض على منفعة السكنى بعقد الإجارة، فإن هذه المنفعة إنما استحق أن يتقدّم فيها على غيره ويختص بها لسَبْقه وحاجته، فإذا استغنى عنها لم يكن له أن يعاوض عليها، كالجلوس في الرحاب والطرق الواسعة والإقامةِ على المعادن وغيرِها من المنافع والأعيان المشتركة التي من سبق إليها فهو أحقُّ بها ما دام ينتفع، فإذا استغنى لم يكن له أن يعاوض، وقد صرَّح أرباب هذا القول بأن البيع ونقل الملك في رباعها إنما يقع على البناء لا على الأرض، ذكره أصحاب أبي حنيفة (^١).
فإن قيل: فقد منعتم الإجارة وجوزتم البيع، فهل لهذا نظير في الشريعة؟ والمعهود في الشريعة أن الإجارة أوسعُ من البيع، فقد يمتنع البيع وتجوز الإجارة كالوقف والحُرِّ، فأما العكس فلا عهد لنا به.
قيل: كل واحد من البيع والإجارة عقد مستقل غير مستلزمٍ للآخر في جوازه وامتناعه، وموردهما مختلف وأحكامهما مختلفة. وإنما جاز البيع لأنه وارد على المحل الذي كان البائع أخصَّ به من غيره وهو البِناء. وأما الإجارة فإنما تَرِد على المنفعة وهي مشتركة، للسابق إليها حقُّ التقدُّمِ دون المعاوضة؛ فلهذا أجزنا البيع دون الإجارة. فإن أبيتم إلا النظير قيل: هذا المكاتَب يجوز لسيده بيعُه ويصير مكاتبًا عند مشتريه، ولا يجوز له إجارته إذ فيها إبطالُ منافعه وأكسابه التي ملكها بعقد الكتابة، والله أعلم.
على أنه لا يمتنع البيع وإن كانت منافع أرضها ورباعها مشتركةً بين
_________________
(١) انظر: «الجامع الصغير» للشيباني (ص ٤٨١) و«بدائع الصنائع» (٥/ ١٤٦).
[ ٣ / ٥٣٨ ]
فصل: بيان أنه لا خراج على مزارع مكة وإن فتحت عنوة
المسلمين، فإنها تكون عند المشتري كذلك مشتركةَ المنفعةِ، إن احتاج سكن وإن استغنى أسكن كما كانت عند البائع، فليس في بيعها إبطال اشتراك المسلمين في هذه المنفعة، كما أنه ليس في بيع المكاتَب إبطالُ ملكه لمنافعه التي ملكها بعقد الكتابة.
ونظير هذا: جواز بيع أرض الخراج التي وقفها عمر على الصحيح الذي استقر عليه عملُ الأمة (^١) قديمًا وحديثًا، فإنها تنتقل إلى المشتري خراجيَّةً كما كانت عند البائع، وحقُّ المقاتلة إنما هو في خراجها وهو لا يبطل بالبيع، وقد اتفقت الأمة على أنها تورث، فإن كان بطلان بيعها لكونها وقفًا فكذلك ينبغي أن تكون وقفيَّتُها مبطلةً لميراثها، وقد نصَّ أحمد (^٢) على جواز جعلها صداقًا في النكاح، فإذا جاز نقل الملك فيها بالصداق والميراث والهبة= جاز بالبيع (^٣) قياسًا وعملًا وفقهًا، والله أعلم.
فصل
فإن قيل (^٤): فإذا كانت مكة قد فتحت عنوةً، فهل يُضرَب الخراج على مزارعها كسائر أرض العنوة؟ وهل يجوز لكم أن تفعلوا ذلك أم لا؟
قيل: في هذه المسألة قولان لأصحاب العنوة:
أحدهما: المنصوص المنصور الذي لا يجوز القول بغيره: أنه لا خراج
_________________
(١) المطبوع: «استقر الحال عليه مِن عمل الأمة»، إقحام لما لا حاجة إليه.
(٢) ص، د، ز: «الإمام أحمد».
(٣) طبعة الرسالة: «جاز البيعُ فيها» خلافًا للأصول وللطبعة الهندية.
(٤) «فإن قيل» سقط من طبعة الرسالة مع ثبوته في الأصول والطبعة الهندية.
[ ٣ / ٥٣٩ ]
فصل: تعيين قتل الساب للنبي - ﷺ -، وأن قتله حد لا بد من استيفائه
على مزارعها وإن فتحت عنوةً، فإنها أجلُّ وأعظم من أن يضرَب عليها الخراج، لا سيما والخراج هو جِزية الأرض، وهو على الأرض كالجزية على الرؤوس، وحَرَمُ الربِّ أجلُّ قدرًا وأكبر من أن يُضرَب عليه جزية، ومكة بفتحها عادت إلى ما وضعها الله عليه من كونها حرمًا آمنًا يشترك فيه أهل الإسلام، إذ هو موضع مناسكهم ومتعبَّدُهم وقبلةُ أهل الأرض.
والثاني ــ وهو قول بعض أصحاب أحمد ــ: أن على مزارعها الخراج، كما هو على مزارع غيرها من أرض العنوة. وهذا فاسد مخالف لنص أحمد ومذهبه ولفعلِ رسول الله - ﷺ - وخلفائه الراشدين من بعده، فلا التفات إليه، والله أعلم.
وقد بنى بعض الأصحاب [منعَ] (^١) بيعِ رباع أهلِ (^٢) مكةَ على كونها فتحت عنوةً (^٣)، وهذا بناء غير صحيح، فإن مساكن أرض العنوة تباع قولًا واحدًا فظهر بطلان هذا البناء. والله أعلم.
فصل (^٤)
وفيها: تعيين قتل الساب لرسول الله - ﷺ -، وأن قتلَه حدٌّ لا بد من استيفائه، فإن النبي - ﷺ - لم يؤمِّن مِقْيَس بن صُبابة وابنَ خَطَل والجاريتين اللتين كانتا تغنيان بهجائه، مع أن نساء أهل الحرب لا يُقتلن كما لا تُقتل
_________________
(١) زيادة لازمة لاستقامة السياق، وهي في هامش ن بخط مغاير. وفي النسخ المطبوعة: «تحريم بيع ».
(٢) «أهل» ساقطة من س، ث، المطبوع.
(٣) انظر: «المستوعب» (١/ ٥٧٩، ٢/ ٤٥١) و«الإنصاف» (١١/ ٧٢).
(٤) «فصل» ساقط من ص، د، ن، المطبوع.
[ ٣ / ٥٤٠ ]
الذرية، وقد أمر بقتل هاتين المرأتين (^١)، وأهدر دم أُمِّ ولد الأعمى لمَّا قتلها سيدُها لأجل سبِّها النبيَّ - ﷺ - (^٢)، وقتل كعب بن الأشرف اليهودي وقال: «مَن لكعبٍ، فإنه قد آذى الله ورسوله» (^٣) وكان يسبه.
وهذا إجماع من الخلفاء الراشدين ولا يُعلَم لهم في الصحابة مخالف، فإن الصديق قال لأبي برزة الأسلمي وقد همَّ بقتل من سبه: «لم تكن هذه لأحدٍ غير رسول الله - ﷺ -» (^٤)، ومرَّ عمرُ براهبٍ فقيل له: هذا يسب رسول الله - ﷺ -، فقال: «لو سمعته لقتلته، إنَّا لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا - ﷺ -» (^٥).
ولا ريب أن المحاربة بسبِّ نبينا أعظمُ أذيةً ونكايةً لنا من المحاربة باليد
_________________
(١) المطبوع: «الجاريتين».
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٦١) والنسائي (٤٠٧٠) والدارقطني (٣١٩٥) والضياء في «المختارة» (١٢/ ١٤٧) من حديث ابن عباس بإسناد جيِّد كما قال ابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (٤/ ٦٢١).
(٣) متفق عليه من حديث جابر، وقد سبق تخريجه (ص ٢٢٣).
(٤) أخرجه أحمد (٥٤) وأبو داود (٤٣٦٣) والنسائي (٤٠٧١ - ٤٠٧٧) وأبو يعلى (٧٩ - ٨٢) والحاكم (٤/ ٣٥٤) والضياء في «المختارة» (١/ ١٠٤ - ١٠٩) من طرق عن أبي برزة الأسلمي به.
(٥) لم أجده عن عمر، وإنما أخرجه أحمد ــ ومن طريقه الخلَّال في «الجامع» (٧٣١ - أحكام أهلل الملل) ــ ومسدّد بن مُسَرهَد في «مسنده» كما في «المطالب العالية» (٢٠٣١)؛ كلاهما عن هُشَيم، عن حُصَين بن عبد الرحمن، عمَّن أخبره عن ابن عمر. وأخرجه أيضًا الحارث بن أبي أسامة بنحوه كما في «بغية الباحث» (٥١٠) و«المطالب».
[ ٣ / ٥٤١ ]
ومنعِ دينارِ جزيةٍ في السنة، فكيف ينتقض عهدُه ويُقتل بذلك دون السبِّ؟! وأي نسبةٍ لمفسدة منعه دينارًا في السنة إلى مفسدة مجاهرته (^١) بسبِّ نبينا أقبحَ سبٍّ على رؤوس الأشهاد؟ بل لا نسبة لمفسدة محاربته باليد إلى مفسدة محاربته بالسب، فأولى ما انتقض به عهده وأمانه سبُّ رسول الله - ﷺ -، ولا ينتقض عهده بشيءٍ أعظمَ منه إلا مسبَّةَ (^٢) الخالق سبحانه؛ فهذا محض القياس ومقتضى النصوص وإجماعُ الخلفاء الراشدين، وعلى هذه المسألة أكثر من أربعين دليلًا (^٣).
فإن قيل: فالنبي - ﷺ - لم يقتل عبد الله بن أُبيٍّ وقد قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل (^٤)، ولم يقتل ذا الخويصرة التميمي وقد قال له: اعدل فإنك لم تعدل (^٥)، ولم يقتل من قال له: يقولون إنك تنهى عن الغَيِّ وتستخلي (^٦) به (^٧)، ولم يقتل القائلَ له: إن هذه لقسمةٌ ما أريد بها وجه
_________________
(١) المطبوع: «إلى مفسدة منع مجاهرته»، إقحام مفسد للمعنى.
(٢) ز، س، ن: «بسبِّه». وفي المطبوع: «سبّه».
(٣) انظر جملة صالحة منها في «الصارم المسلول على شاتم الرسول» لشيخ الإسلام.
(٤) أخرجه البخاري (٣٥١٩) ومسلم (٢٥٨٤/ ٦٣) من حديث جابر.
(٥) وذلك عند قسم غنائمِ حنينٍ بالجعرانة. أخرجه البخاري (٣١٣٨) ومسلم (١٠٦٣) والحميدي (١٣٠٨) وابن ماجه (١٧٢) وغيرهم من حديث جابر، وليس في «الصحيحين» قوله: «فإنك لم تعدل».
(٦) ص، ز، د، س: «تستحل»، تصحيف.
(٧) أخرجه عبد الرزاق (١٨٨٩١) وأحمد (٢٠٠١٧، ٢٠٠١٩) والروياني (٩٣٣) من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه. وأخرجه أبو داود (٣٦٣١) والترمذي (١٤١٧) مختصرًا دون موضع الشاهد. قال الترمذي: حديث حسن.
[ ٣ / ٥٤٢ ]
الله (^١)، ولم يقتل من قال له لما حكم للزبير بتقديمه في السقي: أن كان ابنَ عمتك (^٢)، وغير هؤلاء ممن كان يبلغه عنهم أذًى له وتنقُّص.
قيل: الحق كان له، فله أن يستوفيه وله أن يسقطه، وليس لمن بعده أن يُسقط حقَّه، كما أن الرب تعالى له أن يستوفي حقه وله أن يسقطه، وليس لأحد أن يسقط حقه تعالى بعد وجوبه، كيف وقد كان في ترك قتل من ذكرتم وغيرِهم مصالحُ عظيمة في حياته زالت بعد موته مِن تأليف الناس وعدم تنفيرهم عنه، فإنهم لو بلغهم أنه يقتل أصحابه لنفروا، وقد أشار إلى هذا بعينه وقال لعمر لما أشار عليه بقتل (^٣) عبد الله بن أبي: «لا يبلغ الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» (^٤).
ولا ريب أن مصلحة هذا التأليف وجمعِ القلوب عليه كانت أعظمَ عنده وأحبَّ إليه من المصلحة الحاصلة بقتل من سبَّه وآذاه، ولهذا لما ظهرت مصلحة القتل وترجحت جدًّا قتل الساب، كما فعل بكعب بن الأشرف فإنه جاهر بالعداوة والسب، فكان قتلُه أرجحَ مِن إبقائه، وكذلك قتلُ ابنِ خطل ومقيسٍ والجاريتين وأمِّ ولدِ الأعمى، فقتل للمصلحة الراجحة وكفَّ للمصلحة الراجحة، فإذا صار الأمر إلى نُوَّابه وخلفائه لم يكن لهم أن يسقطوا حقَّه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٤٠٥) ومسلم (١٠٦٢) من حديث ابن مسعود.
(٢) أخرجه البخاري (٢٣٥٩) ومسلم (٢٣٥٧) من حديث عبد الله بن الزبير.
(٣) ص، د، ز: «بقتله».
(٤) كما في حديث جابر المتفق عليه الذي سبق تخريجه في أول الفقرة السابقة، ولفظه في «الصحيحين»: «لا يتحدّث الناس ».
[ ٣ / ٥٤٣ ]
- «إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس»
- «فلا يحل لأحد أن يسفك بها دما»
فصل
فيما في خطبته العظيمة ثاني يوم الفتح من أنواع العلم
فمنها: قوله: «إن مكة حرَّمها الله ولم يحرمها الناس» (^١)، فهذا تحريم شرعي قدري سبق به قدره يومَ خلَقَ هذا العالم، ثم ظهر به أمره (^٢) على لسان خليلَيه (^٣) إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما كما في «الصحيح» (^٤) عنه - ﷺ - أنه قال: «اللهم إن إبراهيم خليلَك حرَّم مكة وإني أحرِّم المدينة»، فهذا إخبار عن ظهور التحريم السابق يوم خلق السماوات والأرض على لسان إبراهيم، ولهذا لم ينازع أحدٌ مِن أهل الإسلام في تحريمها وإن تنازعوا في تحريم المدينة، والصواب المقطوع به تحريمها إذ قد صحَّ فيه بضعة وعشرون حديثًا عن رسول الله - ﷺ - لا مطعنَ فيها بوجه (^٥).
ومنها: قوله: «فلا يحل لأحد أن يسفك بها دمًا»، هذا التحريم لسفك الدم المختصُّ بها هو (^٦) الذي يباح في غيرها ويَحرُم فيها لكونها حرمًا، كما
_________________
(١) متفق عليه من حديث شريح العدوي، وقد سبق.
(٢) «أمره» سقط من المطبوع.
(٣) ث، س، ن، المطبوع: «خليله».
(٤) للبخاري (٣٣٦٧، ٤٠٨٤، ٧٣٣٣) من حديث أنس بنحوه. وأخرجه مسلم (١٣٦٠، ١٣٦١، ١٣٧٤/ ٤٧٥) من أحاديث عبد الله بن زيد بن عاصم، ورافع بن خَدِيج، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري - ﵃ - بنحوه.
(٥) انظر: «الأحاديث الواردة في فضائل المدينة ــ جمعًا ودراسة» لصالح بن حامد الرفاعي (ص ٤٥ - ١١٦)، فقد جمع أحاديث الباب من مسند (٢٤) صحابيًّا، منها بضعة عشر صحاحًا وحِسانًا.
(٦) النسخ المطبوعة: «وهو»، زيادة اختلَّ بها السياق.
[ ٣ / ٥٤٤ ]
أن تحريم عضد الشجر بها واختلاء خلاها (^١) والتقاط لُقطتها هو أمر يختصُّ بها وهو مباح في غيرها، إذ الجميع في كلام واحد ونظام واحد، وإلا بطلت فائدة التخصيص، وهذا أنواع:
أحدها ــ وهو الذي ساقه أبو شُرَيح العَدَوي لأجله ــ: أن الطائفة الممتنعة بها من مبايعة (^٢) الإمام لا تقاتل، لا سيما إن كان لها تأويل، كما امتنع أهل مكة من بيعة يزيد وبايعوا ابن الزبير، فلم يكن قتالهم ونصب المَنجَنيق عليهم وإحلالُ حرم الله جائزًا بالنص والإجماع.
وإنما خالف في ذلك عمرو بن سعيدٍ الفاسق وشيعتُه وعارض نصَّ رسول الله - ﷺ - برأيه وهواه فقال: «إن الحرم لا يعيذ عاصيًا» (^٣)، فيقال له: هو لا يعيذ عاصيًا مِن عذاب الله، ولو لم يُعِذه مِن سفك دمه لم يكن حرمًا بالنسبة إلى الآدميين وكان حرمًا بالنسبة إلى الطير والحيوان البَهِيم! وهو لم يزل يعيذ العصاةَ مِن عهد إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، وقام الإسلام على ذلك، وإنما لم يُعِذ مِقْيَس بن صُبابة وابنَ خطل ومن سُمِّي معهم (^٤)، لأنه في تلك الساعة لم يكن حرمًا بل حِلًّا، فلما انقضت ساعة الحرب عاد
_________________
(١) النسخ المطبوعة: «خلائها»، خطأ. و«الخَلَى» بالقصر: الرَّطب من الحشيش، واختلاؤه: قطعه. وسيأتي شرحهما عند المؤلف (ص ٥٥٦).
(٢) الضبط المثبت من س، ن، والنسخ المطبوعة. والذي في سائر الأصول: «متابعة».
(٣) كما في حديث أبي شريح المتفق عليه. وعمرو بن سعيد هو الأموي المعروف بالأشدق، كان واليًا على المدينة أيام يزيد بن معاوية، وكان يبعث البعوث إلى مكة لقتال ابن الزبير عندما ذكر له أبو شريح العدوي - ﵁ - هذا الحديث، فردّ عليه بقوله هذا.
(٤) كذا في جميع الأصول عدا ن، ففيها: «معهما».
[ ٣ / ٥٤٥ ]
إلى ما وضع عليه يوم خلق السماوات والأرض.
وكانت العرب في جاهليتها يرى أحدهم قاتلَ أبيه وابنه في الحرم فلا يهيجه وكان ذلك بينهم خاصِّيَّةَ الحرم التي صار بها حرمًا، ثم جاء الإسلام فأكَّد ذلك وقوَّاه، وعلم النبيُّ - ﷺ - أن من الأمة من يتأسى به في إحلاله بالقتال والقتل فقطع الإلحاق وقال لأصحابه: «فإن أحد ترخص بقتال (^١) رسول الله - ﷺ - فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لك (^٢)».
وعلى هذا فمن أتى حدًّا أو قصاصًا خارج الحرم يوجب القتل ثم لجأ إليه لم يَجُز إقامتُه عليه فيه.
وذكر الإمام أحمد (^٣) عن عمر بن الخطاب أنه قال: «لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مَسِستُه حتى يخرج منه».
وذكر عن عبد الله بن عمر أنه قال: «لو وجدتُ فيه قاتلَ عمر ما نَدَهتُه» (^٤).
_________________
(١) المطبوع: «لقتال» وهو لفظ البخاري، والمثبت من الأصول لفظ مسلم والترمذي وغيرهما.
(٢) ز، س: «لكم» وهو لفظ «الصحيحين»، والمثبت من سائر الأصول لفظ الترمذي.
(٣) لم أجده في كتبه ومسائله المطبوعة. وقد أخرجه عبد الرزاق (٩٢٢٨) ــ ومن طريقه ابن المنذر في «تفسيره» (١/ ٣٠٤) ــ والأزرقي في «أخبار مكة» (٢/ ١٣٩) وكذا الفاكهي (٣/ ٣٦٥) من رواية عكرمة بن خالد عن عمر، وهو مرسل فإن عكرمة بن خالد لم يسمع من عمر، وقد سمع من ابنه، فلعل هذا مما سمعه منه.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٩٢٢٩) ــ ومن طريقه الخطابي في «غريب الحديث» (٢/ ٤٠٥) ــ والأزرقي (٢/ ١٣٩) من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن ابن عمر. قوله: «ما ندهته» كذا في مصادر التخريج، أي: ما صِحتُ به ولا هِجتُه، يقال: «نده البعيرَ» إذا زجره وطرده بالصياح. وفي ف، ز، د، ن: «بدهته» أي: ما فجأته، وهو مهمل غير منقوط في سائر الأصول.
[ ٣ / ٥٤٦ ]
وعن ابن عباس أنه قال: «لو لقيت قاتل أبي في الحرم ما هِجته حتى يخرج منه» (^١).
وهذا قول جمهور التابعين ومن بعدهم، بل لا يُحفظ عن تابعي ولا صحابي خلافُه، وإليه ذهب أبو حنيفة ومن وافقه من أهل العراق، والإمامُ أحمد ومن وافقه من أهل الحديث (^٢).
وذهب مالك والشافعي إلى أنه يستوفى منه في الحرم كما يستوفى منه في الحل، وهو اختيار ابن المنذر (^٣). واحتُجَّ لهذا القول بعموم النصوص الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل مكان وزمان، وبأن النبي - ﷺ - قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، وبما يروى عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا بدم ولا خَربة» (^٤)، وبأنه لو كان الحدُّ (^٥) والقصاص فيما دون النفس لم يُعِذه الحرم ولم يمنعه من إقامته عليه، وبأنه لو أتى فيه ما
_________________
(١) أخرجه الفاكهي في «أخبار مكة» (٢٢١٣) والطبري في «تفسيره» (٥/ ٦٠٣) والطحاوي في «أحكام القرآن» (١٧٧٧) و«مشكل الآثار» (٩/ ٣٧٩).
(٢) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (باب في إقامة الحد والقود في الحرم)، و«مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣)، و«المغني» (١٢/ ٤٠٩).
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» (١٤/ ٢٢٦)، و«نهاية المطلب» (١٦/ ٣٠٦)، و«الإشراف» (٧/ ٣٧٧) و«الأوسط» (١٣/ ١١٠) كلاهما لابن المنذر.
(٤) ليس بقول للنبي - ﷺ -، وسيأتي كلام المصنف عليه.
(٥) س، المطبوع: «الحدود».
[ ٣ / ٥٤٧ ]
يوجب حدًّا أو قصاصًا لم يعذه الحرم ولم يمنع من إقامته عليه فكذلك إذا أتاه خارجه ثم لجأ إليه إذ كونُه حرمًا بالنسبة إلى عصمته لا يختلف بين الأمرين، وبأنه حيوان أبيح قتله لفساده فلم يفترق الحال بين قتله لاجئًا إلى الحرم وبين كونه قد أوجب ما يبيح قتلَه فيه، كالحيَّة والحِدأة والكلب العقور، ولأن النبي - ﷺ - قال: «خمسٌ فواسقُ يُقتَلن في الحلِّ والحرم» (^١)، فنبَّه بقتلهن في الحل والحرم على العلة وهي فسقهن، ولم يجعل التجاءهن إلى الحرم مانعًا من قتلهن، فكذلك فاسق بني آدم الذي قد استوجب القتل.
قال الأولون: ليس في هذا ما يعارض ما ذكرنا من الأدلة، ولا سيما قولَه تعالى: ﴿دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وهذا إما خبر بمعنى الأمر لاستحالة الخُلفِ في خبره تعالى، وإما خبر عن شرعه ودينه الذي شرعه في حرمه، وإما إخبار عن الأمر المعهود المستمر في حرمه في الجاهلية والإسلام، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وقولهِ تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]، وما عدا هذا من الأقوال الباطلة فلا يلتفت إليه كقول بعضهم: من دخله كان آمنًا من النار، وقولِ بعضهم: كان آمنًا من الموت على غير الإسلام ونحو ذلك، فكم ممَّن دخله وهو في قعر الجحيم!
وأما العمومات الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل زمان ومكان، فيقال أولًا: لا تعرُّض في تلك العمومات لزمان الاستيفاء ولا مكانه،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣١٤) ومسلم (١١٩٨) من حديث عائشة - ﵂ -.
[ ٣ / ٥٤٨ ]
كما لا تعرض فيها لشروطه وعدم موانعه، فإن اللفظ لا يدل عليها بوضعه ولا بتضمُّنه، فهو مطلق بالنسبة إليها، ولهذا إذا كان للحكم شرط أو مانع لم يُقَل: إن توقف الحكم عليه تخصيص لذلك العام، فلا يقول مُحَصِّل (^١): إن قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] مخصوص بالمنكوحة في عدَّتها أو بغير إذن وليها أو بغير شهود، فهكذا النصوص العامة في استيفاء الحدِّ (^٢) والقصاص لا تعرُّض فيها لزمنه ولا مكانه ولا شرطه ولا مانعه، ولو قُدِّر تناولُ اللفظ لذلك لوجب تخصيصه بالأدلة الدالة على المنع لئلا يَبطُل موجَبُها ووجب حمل اللفظ العام على ما عداها كسائر نظائره، وإذا خصصتم تلك العمومات بالحامل والمرضع والمريض الذي يُرجى برؤه والحال المُحرِّمة للاستيفاء كشدة المرض أو البرد أو الحَرِّ، فما المانع من تخصيصها بهذه الأدلة؟ وإن قلتم ليس ذلك تخصيصًا بل تقييدًا لمطلقها كِلنا لكم بهذا الصاع سواءً بسواء.
وأما قتل ابن خطل فقد تقدم أنه كان في وقت الحِلِّ وأن النبي - ﷺ - قطع الإلحاق ونصَّ على أن ذلك من خصائصه، وقولُه - ﷺ -: «وإنما أحلت لي ساعةً من نهار» صريح في أنه إنما أُحِلَّ له سفك دمٍ حلال في غير الحرم في تلك الساعة خاصةً، إذ لو كان حلالًا في كل وقتٍ لم يختصَّ بتلك الساعة، وهذا صريح في أن الدم الحلال في غيرها حرامٌ فيها فيما عدا تلك الساعة.
وأما قوله: «إن الحرم لا يعيذ عاصيًا» فهو من كلام الفاسق عمرو بن سعيدٍ الأشدق يردُّ به حديثَ رسول الله - ﷺ - حين روى له أبو شريح الكعبي
_________________
(١) أي: من حصَّل العلمَ، أي جمعه وأتقنه.
(٢) س، ن، المطبوع: «الحدود».
[ ٣ / ٥٤٩ ]
هذا الحديث كما جاء مبينًا في «الصحيح»، فكيف يقدم على قول رسول الله - ﷺ -؟!
وأما قولكم: لو كان الحد أو القصاص فيما دون النفس لم يُعِذه الحرم منه، فهذه المسألة فيها قولان للعلماء، وهما روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد، فمن منع الاستيفاء نظر إلى عموم الأدلة العاصمة بالنسبة إلى النفس وما دونها، ومن فرَّق قال: سَفْك الدم إنما ينصرف إلى القتل، ولا يلزم من تحريمه في الحرم تحريمُ ما دونه، لأن حرمة النفس أعظمُ والانتهاك بالقتل أشد. قالوا: ولأن الحد بالجلد والقطع (^١) يجري مجرى التأديب، فلم يُمنَع منه كتأديب السيد عبدَه.
وظاهر المذهب (^٢) أنه لا فرق بين النفس وما دونها في ذلك؛ قال أبو بكر (^٣): هذه مسألة وجدتها لحنبلٍ عن عمِّه: أن الحدود كلها تقام في الحرم إلا القتل، قال: والعمل على أن كلَّ جانٍ دخل الحرم لم يُقَم عليه الحد حتى يخرج منه.
قالوا: وحينئذ فنجيبكم بالجواب المركب، وهو أنه إن كان بين النفس وما دونها في ذلك فرق مؤثِّر بطل الإلزام، وإن لم يكن بينهما فرق مؤثِّر سوَّينا بينهما في الحكم وبطل الاعتراض؛ فتحقَّقَ بطلانُه على التقديرين.
_________________
(١) ن، المطبوع: «أو القطع».
(٢) أي: مذهب أحمد. في المطبوع: «وظاهر هذا المذهب»، إقحام أفسد السياق وأضاع المعنى.
(٣) هو غلام الخلَّال عبد العزيز بن جعفر البغدادي (ت ٣٦٣)، وقوله في «المغني» (١٢/ ٤١٠).
[ ٣ / ٥٥٠ ]
قالوا: وأما قولكم: إن الحرم لا يعيذ من انتهك فيه الحرمة إذا (^١) أتى فيه ما يوجب الحد فكذلك اللاجئ إليه، فهو جمع بين ما فرق الله ورسوله والصحابة بينهما؛ فروى الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق (^٢)، حدثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: «من سرق أو قتل في الحل ثم دخل الحرم فإنه لا يجالَس ولا يكلَّم ولا يُؤوى (^٣) حتى يخرج فيؤخذَ فيقامَ عليه الحد، وإن قتل أو سرق في الحرم أقيم عليه في الحرم».
وذكر الأثرم (^٤) عن ابن عباس أيضًا: «من أحدث حدثًا في الحرم أقيم عليه ما أحدث فيه من شيء».
وقد أمر الله سبحانه بقتل من قاتل في الحرم فقال: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١].
والفرق بين اللَّاجئ والمُنتهِك فيه من وجوه:
_________________
(١) س، المطبوع: «إذ»، خطأ.
(٢) وهو عنده في «المصنف» (٩٢٢٦)، ومن طريقه أخرجه ابن المنذر في «تفسيره» (١/ ٣٠٥) و«الأوسط» (١٣/ ١٠٨) والبيهقي في «سننه» (٩/ ٢١٤). وروي من طرق أخرى بنحوه. انظر: «أخبار مكة» للفاكهي (٢٢٠٢ - ٢٢٠٦) و«تفسير الطبري» (٥/ ٦٠٤ - ٦٠٥) و«أحكام القرآن» للطحاوي (٢/ ٣١١ - ٣١٢).
(٣) زِيد في طبعة الرسالة بعده: «ولكنه يُناشَد» من «مصنف عبد الرزاق»، وليس في شيء من الأصول ولا في الطبعة الهندية.
(٤) كما في «المغني» (١٢/ ٤١٣). وقد أخرجه أيضًا الطحاوي في «أحكام القرآن» (١٧٧٦) وفي «مشكل الآثار» (٩/ ٣٧٧) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس بنحوه، وإسناده جيّد.
[ ٣ / ٥٥١ ]
أحدها: أن الجاني فيه هاتك لحرمته بإقدامه على الجناية فيه، بخلاف مَن جنى خارجه ثم لجأ إليه، فإنه معظِّم لحرمته مستشعر بها بالتجائه إليه، فقياس أحدهما على الآخر باطل.
الثاني: أن الجاني فيه بمنزلة المفسد الجاني على بِساط المَلِك في داره وحرمه، ومن جنى خارجه ثم لجأ إليه فإنه بمنزلة من جنى خارج بساط السلطان وحرمه ثم دخل إلى حرمه مستجيرًا.
الثالث: أن الجاني في الحرم قد انتهك حرمة الله سبحانه وحرمةَ بيته وحرمه، فهو منتهك (^١) لحُرمتَين بخلاف غيره.
الرابع: أنه لو لم يُقَم الحدُّ على الجُناة في الحرم لعمَّ الفساد وعَظُم الشر في حرم الله، فإن أهل الحرم كغيرهم في الحاجة إلى صيانة نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، ولو لم يُشرَع الحدُّ في حق من ارتكب الجرائم في الحرم لتعطَّلت حدود الله وعمَّ الضرر للحرم وأهله.
الخامس: أن اللاجئ إلى الحرم بمنزلة التائب المتنصِّل المستجير ببيت الرب تعالى (^٢) المتعلِّقِ بأستاره، فلا يناسب حاله ولا حال حرمه وبيته أن يهاج، بخلاف المُقْدِم على انتهاك حرمته؛ فظهر سرُّ الفرق وتبيَّن أن ما قاله ابن عباس هو محض الفقه.
وأما قولكم: إنه حيوان مفسد فأبيح قتلُه في الحل والحرم كالكلب العقور، فلا يصح القياس، فإن الكلب العقور طبعُه الأذى فلم يُحرِّمه الحرم
_________________
(١) المطبوع: «هاتك».
(٢) النسخ المطبوعة: «المتنصل اللاجئ إلى بيت الرب تعالى».
[ ٣ / ٥٥٢ ]
فصل: «ولا يعضد بها شجرا»
ليدفع أذاه عن أهله، وأما الآدمي فالأصل فيه الحرمة وحرمتُه عظيمة، وإنما أبيح لعارضٍ فأشبه الصائلَ من الحيوانات المباحة من المأكولات فإن الحرم يعصمها.
وأيضًا فإن حاجة أهل الحرم إلى قتل الكلب العقور والحية والحِدَأَة كحاجة أهل الحل سواءً، فلو أعاذها الحرمُ لعَظُم الضررُ عليهم بها.
فصل
ومنها: قوله - ﷺ -: «ولا يَعضِد بها شجرًا» (^١)، وفي اللفظ الآخر: «ولا يُعضَد شوكها» (^٢)، وفي لفظ في «صحيح مسلم» (^٣): «ولا يُخبَط شوكها»؛ لا خلاف بينهم أن الشجر البري الذي لم يُنبته الآدميُّ على اختلاف أنواعه مرادٌ من هذا اللفظ، واختلفوا فيما أنبته الآدمي من الشجر في الحرم على ثلاثة أقوال، وهي في مذهب أحمد (^٤):
أحدها: أن له قلعَه ولا ضمان عليه، وهذا اختيار ابن عقيل وأبي الخطاب وغيرهما.
والثاني: أنه ليس له قلعُه، وإن فعل ففيه الجزاء بكل حال، وهذا قول الشافعي (^٥)، وهو الذي ذكره ابن البناء في «خصاله» (^٦).
_________________
(١) كما في حديث أبي شريح عند البخاري (٤٢٩٥).
(٢) كما في حديث ابن عباس عند البخاري (١٥٨٧) ومسلم (١٣٥٣).
(٣) برقم (١٣٥٥/ ٤٤٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٤) انظر: «المغني» (٥/ ١٨٥) و«الإنصاف» (٩/ ٤٩ - ٥٢).
(٥) انظر: «المجموع» للنووي (٧/ ٤٤٧ - ٤٥٠، ٤٩٤).
(٦) لم أجده في القدر المطبوع منه.
[ ٣ / ٥٥٣ ]
والثالث: الفرق بين ما أنبته في الحل ثم غرسه في الحرم، وبين ما أنبته في الحرم أولًا، فالأول: لا جزاء فيه، والثاني: لا يُقلَع وفيه الجزاء بكل حال، وهذا قول القاضي.
وفيه قول رابع: وهو الفرق بين ما يُنبت الآدميُّ جنسَه كالجوز واللوز والنخل ونحوِه، وما لا ينبت الآدمي جنسه كالدَّوح والسَّلَم (^١) ونحوه، فالأول يجوز قلعه ولا جزاء فيه، والثاني: فيه الجزاء (^٢).
قال صاحب «المغني» (^٣): والأولى الأخذُ بعموم الحديث في تحريم الشجر كله، إلا ما أنبته الآدميُّ من جنس شجرهم بالقياس على ما أنبتوه من الزرع والأهلي من الحيوان، فإننا إنما أخرجنا من الصيد ما كان أصله إنسيًّا دون ما تأنَّس من الوحشي، كذا هاهنا. وهذا تصريح منه باختيار هذا القول الرابع، فصار في مذهب أحمد أربعة أقوال.
والحديث ظاهر جدًّا في تحريم قطع الشَّوك والعَوسج (^٤). وقال الشافعي (^٥): لا يَحرُم قطعه، لأنه يؤذي الناس بطبعه [فـ]ـأشبه (^٦) السباع، وهذا اختيار أبي الخطاب وابن عَقِيل، وهو مروي عن عطاء ومجاهد وغيرهما (^٧).
_________________
(١) السَّلَم: شجر من العِضاه ذات الشوك وورقها القَرَظُ الذي يُدبَغ به الجلد، واحدته: سَلَمة.
(٢) في النسخ المطبوعة: «والثاني: لا يجوز وفيه الجزاء».
(٣) (٥/ ١٨٦).
(٤) العوسج: شجر من العضاه كثير الشوك، واحدته: العوسجة.
(٥) انظر: «البيان» للعمراني (٤/ ٢٦٢)، والمؤلف صادر عن «المغني».
(٦) الفاء ساقطة من الأصول، وهي ثابتة في مصدر المؤلف وكذا في النسخ المطبوعة.
(٧) انظر: «الإشراف» لابن المنذر (٣/ ٤٠٠). والمؤلف صادر عن «المغني».
[ ٣ / ٥٥٤ ]
وقوله - ﷺ -: «لا يعضد شوكها» وفي اللفظ الآخر: «لا يختلى شوكها» (^١) صريحٌ في المنع، ولا يصح قياسه على السباع العادية، فإن تلك تقصد بطبعها الأذى، وهذا لا يؤذي من لم يَدنُ منه.
والحديث لم يفرق بين الأخضر واليابس، ولكن قد جوَّزوا قطع اليابس؛ قالوا: لأنه بمنزلة الميت، ولا يعرف فيه خلاف، وعلى هذا فسياق الحديث يدل على أنه إنما أراد الأخضر، فإنه جعله بمنزلة تنفير الصيد، وليس في أخذ اليابس انتهاكُ حرمة الشجرة الخضراء التي تسبح بحمد ربها، ولهذا غرس النبي - ﷺ - على القبرين غصنين أخضرين وقال: «لعله يُخفَّف عنهما ما لم ييبسا» (^٢).
وفي الحديث دليل على أنه إذا انقلعت الشجرة بنفسها أو انكسر الغصن جاز الانتفاع به، لأنه لم يَعضِده هو، وهذا لا نزاع فيه.
فإن قيل: فما تقولون فيما إذا قلعها قالع ثم تركها، فهل يجوز له أو لغيره أن ينتفع بها؟ قيل: قد سئل الإمام أحمد عن هذه المسألة فقال: من شبَّهه بالصيد لم ينتفع بحطبها، وقال: لم أسمع إذا قطعه ينتفع به (^٣).
وفيه وجه آخر: أنه يجوز لغير القاطع الانتفاعُ به، لأنه قُطِع بغير فعله فأبيح له الانتفاع به كما لو قلعته الريح، وهذا بخلاف الصيد إذا قتله مُحْرِم حيث يَحرُم على غيره، فإن قتل المحرم له جعله ميتةً.
_________________
(١) كما في حديث أبي هريرة - ﵁ - عند البخاري (١١٢) ومسلم (١٣٥٥/ ٤٤٧).
(٢) أخرجه البخاري (٢١٦) ومسلم (٢٩٢) من حديث ابن عباس - ﵄ -.
(٣) نقله في «المغني» (٥/ ١٨٧).
[ ٣ / ٥٥٥ ]
فصل: «ولا يختلى خلاها»
وقوله في اللفظ الآخر: «ولا يخبط شوكها» صريحٌ أو كالصريح في تحريم قطع الورق، وهذا مذهب أحمد. وقال الشافعي: له أخذه (^١)، ويُروى عن عطاء (^٢). والأول أصح لظاهر النص والقياس، فإن منزلته من الشجرة منزلة ريش الطائر منه، وأيضًا فإن أخذ الورق ذريعة إلى يبس الأغصان فإنه لباسها ووقايتها.
فصل
وقوله - ﷺ -: «ولا يختلى خلاها» (^٣)، لا خلاف أن المراد من ذلك ما نبت بنفسه دون ما أنبته الآدميون، ولا يدخل اليابس في الحديث، بل هو للرطب خاصةً، فإن الخَلَى بالقصر الحشيش الرطب ما دام رطبًا، فإذا يبس فهو حشيش، و«أَخْلت الأرض»: كَثُر خلاها، و«اختلاء الخلى»: قَطْعُه، ومنه الحديث: كان ابن عمر يختلي لفرسه (^٤) (^٥)، ومنه سميت المِخلاة وهي وعاء الخلى.
والإذخر مستثنًى بالنص، وفي تخصيصه بالاستثناء دليل على إرادة العموم فيما سواه.
_________________
(١) وذلك إذا كان الأخذ بسهولة دون الخبط الذي يضر بالشجرة. انظر: «البيان» للعمراني (٤/ ٢٥٩) و«المجموع» (٧/ ٤٤٧ - ٤٤٩).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٥٧٠٦) عنه. والمؤلف صادر عن «المغني» (٥/ ١٨٧).
(٣) كما في حديث ابن عباس عند البخاري (١٣٤٩) ومسلم (١٣٥٣/ ٤٤٥)، وحديث أنس عند مسلم (١٣٦٧).
(٤) أخرجه أحمد (٤٦٠٠) وابن سعد (٤/ ١٦٠) والفاكهي (٢٢٢٧).
(٥) زِيد في طبعة الرسالة بعده: «أي يقطع لها الخلى»، وليس في شيء من الأصول ولا في الطبعة الهندية.
[ ٣ / ٥٥٦ ]
فإن قيل: فهل يتناول الحديث الرعي أم لا؟ قيل: هذا فيه قولان.
أحدهما: لا يتناوله فيجوز الرعي، وهذا قول الشافعي.
والثاني: يتناوله بمعناه وإن لم يتناوله بلفظه، فلا يجوز الرعي، وهو مذهب أبي حنيفة. والقولان لأصحاب أحمد (^١).
قال المحرمون: وأي فرق بين اختلائه وتقديمه للدابة وبين إرسال الدابة عليه ترعاه؟
قال المبيحون: لما كانت عادة الهدايا أن تدخل الحرم وتكثر فيه، ولم يُنقَل قط أنها كانت تُسَدُّ أفواهها= دل على جواز الرعي.
قال المحرمون: الفرق بين أن يرسلها ترعى ويسلِّطَها على ذلك وبين أن ترعى بطبعها من غير أن يسلطها صاحبُها، وهو لا يجب عليه أن يَسُدَّ أفواهها كما لا يجب عليه أن يَسُدَّ أنفه في الإحرام عن شم الطيب وإن لم يجز له أن يتعمَّد شمَّه، وكذلك لا يجب عليه أن يمتنع من السَّير خشيةَ أن يُوطئ صيدًا (^٢) في طريقه وإن لم يجز له أن يقصد ذلك، وكذلك نظائره.
فإن قيل: فهل يدخل في الحديث أخذ الكمأة والفَقْع (^٣) وما كان مغيَّبًا في الأرض؟ قيل: لا يدخل فيه لأنه بمنزلة الثمرة، وقد قال أحمد (^٤): يُؤكل من
_________________
(١) انظر: «كتاب اختلاف العراقيين - الأم» للشافعي (٨/ ٣٤٤) و«مختصر الطحاوي مع شرح الجصاص» (٢/ ٥٦٤) و«الإنصاف» للمرداوي (٩/ ٥٣).
(٢) أي: خشية أن يطأ الصيد براحلته أو فرسه. يقال: أوطأ فرسَه الصَّيد: حملها عليه فوطئته.
(٣) الفقع: ضرب من أردإ الكمأة.
(٤) في رواية حنبل، كما في «المغني» (٥/ ١٨٨).
[ ٣ / ٥٥٧ ]
فصل: «ولا ينفر صيدها»
فصل: «ولا يلتقط ساقطتها إلا من عرفها»
شجر الحرم الضَّغابيس والعِشْرِق (^١).
فصل
وقوله - ﷺ -: «ولا يُنفَّر صيدها» (^٢) صريح في تحريم التسبُّب إلى قتل الصيد واصطياده بكل سبب، حتى إنه لا ينفره عن مكانه لأنه حيوان محترم في هذا المكان، قد سبق إلى مكان فهو أحق به، ففي هذا أن الحيوان المحترم إذا سبق إلى مكان لم يزعج عنه.
فصل
وقوله - ﷺ -: «ولا يَلتقط ساقطتها إلا من عرَّفها» (^٣)، وفي لفظ: «لا تحل ساقطتُها إلا لمُنْشِد» (^٤)، فيه دليل على أن لقطة الحرم لا تُملَّك بحال، وأنها لا تلتقط إلا للتعريف لا للتمليك، وإلا لم يكن لتخصيص مكة بذلك فائدة أصلًا.
وقد اختُلف في ذلك، فقال مالك وأبو حنيفة: لقطة الحِلِّ والحرم سواء،
_________________
(١) الضغابيس: صغار القثاء، واحده: ضُغبوس. والعِشرق: نبت يشبه السَّنا ــ ويقال: هو السَّنا المكي ــ له حبٌّ يؤكل، وهو نافع للبواسير، والمراد هنا أكل حبِّه دون قلعه أو قطع ورقه.
(٢) ورد ذلك في حديثي ابن عباس وأبي هريرة - ﵃ - المتفق عليهما.
(٣) أخرجه البخاري (١٥٨٧، ١٨٣٤، ٣١٨٩) ومسلم (١٣٥٣) عن ابن عباس بلفظ: «ولا يلتقط لُقَطَته إلا من عرَّفها».
(٤) أخرجه البخاري (٢٤٣٤) ومسلم (١٣٥٥/ ٤٤٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. وفي لفظ آخر لها: «ولا يلتقط ساقطَتها إلا مُنشد». البخاري (٦٨٨٠) ومسلم (١٣٥٥/ ٤٤٨).
[ ٣ / ٥٥٨ ]
وهذا إحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي الشافعي (^١)، ويروى عن ابن عمر وابن عباس وعائشة (^٢).
وقال أحمد في الرواية الأخرى والشافعي في القول الآخر: لا يجوز التقاطها للتمليك، وإنما يجوز لحفظها لصاحبها، فإن التقطها عرَّفها أبدًا حتى يأتي صاحبُها، وهذا قول عبد الرحمن بن مهدي وأبي عبيد، وهذا هو الصحيح والحديثُ صريح فيه. والمنشد: المُعرِّف، والناشد: الطالب، ومنه قوله (^٣):
إصاخةَ الناشد للمنشد
وقد روى أبو داود في «سننه» (^٤): أن النبي - ﷺ - نهى عن لقطة الحاج، قال
_________________
(١) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» لابن شاس (٣/ ٨١)، و«بدائع الصنائع» (٦/ ٢٠٢)، و«نهاية المطلب» للجويني (٨/ ٤٨٩)، و«الإنصاف» (١٦/ ٢٣٨)، والمؤلف صادر عن «المغني» (٨/ ٣٠٥).
(٢) كذا في «المغني»، والذي في «الأوسط» لابن المنذر (١١/ ٤٠٥ - ٤٠٦) أنه يُروى ذلك عن عمر بن الخطاب (وليس ابن عمر). وقد أسند ابن المنذر آثارهم في ذلك، وليس في الأثر عن عمر وابن عبَّاس حجة لهذا القول، لأنهما أمرا الملتقط بالتصدُّق بها عن صاحبها إذا لم يجده بعد التعريف. وأما عائشة فإنها قالت للمرأة التي أصابت ضالَّة في الحرم وعرَّفَتْها فلم تجد أحدًا يعرفها: «استنفعي بها». وإسناده صحيح، وأخرجه أيضًا الطحاوي في «معاني الآثار» (٤/ ١٣٩) واحتجَّ به على مذهبه.
(٣) عجُز بيتٍ للمثقَّب العبدي وهو يصف إصاخة الثور ــ أي: استماعه ــ وتوجُّسه إذا أحس بشيء من أسباب القانص، وصدره: يُصيخ للنَّبْأة أسماعَه انظر: «ديوانه» (ص ٤١) و«البيان والتبيُّن» (٢/ ٢٨٨).
(٤) برقم (١٧١٩) من حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي - ﵁ -. والحديث عند مسلم في «صحيحه» (١٧٢٤) دون قول ابن وهب.
[ ٣ / ٥٥٩ ]
فصل: «ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين»
ابن وهب: يعني يتركها حتى يجدها صاحبها.
قال شيخنا (^١): وهذا من خصائص مكة، والفرق بينها وبين سائر الآفاق في ذلك: أن الناس يتفرقون عنها إلى الأقطار المختلفة فلا يُمْكَن (^٢) صاحبُ الضالة من طلبها والسؤال عنها، بخلاف غيرها من البلاد.
فصل
وقوله - ﷺ - في الخطبة: «ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يقتل، وإما أن يأخذ الدية» (^٣) فيه دليل على أن الواجب بقتل العمد لا يتعيَّن في القِصاص، بل هو أحد شيئين: إما القصاص وإما الدية.
وفي ذلك ثلاثة أقوال، وهي روايات عن الإمام أحمد:
أحدها: أن الواجب أحد شيئين إما القصاص أو الدية، والخِيَرة في ذلك إلى الولي بين أربعة أشياء: العفو مجَّانًا، والعفو إلى الدية، والقِصاص، ولا خلاف في تخييره بين هذه الثلاثة، والرابعُ: المصالحةُ على أكثر من الدية فيه وجهان: أشهرهما مذهبًا جوازه، والثاني: ليس له العفو على مال إلا الدية أو دونها، وهذا أرجح دليلًا. فإن اختار الدية سقط القَوَدُ ولم يملك طلبَه بعدُ، وهذا مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن مالك.
والقول الثاني: أن موجَبَه القود عينًا، وأنه ليس له أن يعفو إلى الدية إلا
_________________
(١) لم أجده في كتبه المطبوعة.
(٢) ن، المطبوع: «يتمكَّن».
(٣) أخرجه البخاري (١١٢، ٢٤٣٤، ٦٨٨٠) ومسلم (١٣٥٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ - بنحوه.
[ ٣ / ٥٦٠ ]
برضى الجاني، فإن عفا (^١) إلى الدية فلم يرض الجاني فقوده بحاله، وهذا مذهب مالك في الرواية الأخرى وأبي حنيفة.
والقول الثالث: أن موجَبَه القود عينًا مع التخيير بينه وبين الدية وإن لم يرض الجاني، فإذا عفا عن القصاص إلى الدية فرضي الجاني فلا إشكال، وإن لم يرض فله العَود إلى القِصاص (^٢).
فإن عفا عن القود مطلقًا، فإن قلنا: الواجب أحد شيئين فله الدية، وإن قلنا: الواجب القصاص عينًا سقط حقُّه منهما.
فإن قيل: فما تقولون فيما لو مات القاتل؟
قيل: في ذلك قولان:
أحدهما: تسقط الدية، وهو مذهب أبي حنيفة، لأن الواجب عندهم القِصاص عينًا وقد زال محل استيفائه بفعل الله تعالى، فأشبه ما لو مات العبد الجاني، فإن أرش الجناية لا ينتقل إلى ذمة السيِّد، وهذا بخلاف تلف الرهن وموت الضامن، حيث لا يسقط الحقُّ لثبوته في ذمة الراهن والمضمون عنه، فلم يسقط بتلف الوثيقة.
وقال الشافعي وأحمد: تتعيَّن الدية في تركته، لأنه تعذر استيفاء القصاص من غير إسقاطٍ فوجبت الدية لئلا يذهب حقُّ الورثة من الدم والدية مجانًا (^٣).
_________________
(١) النسخ المطبوعة: «عدل».
(٢) انظر: «الإنصاف» (٢٥/ ٢٠٧ - ٢١٠)، و«الأم» (٧/ ٢٦ - ٢٧)، و«المدونة» (١١/ ٣٧٠، ١٦/ ٤٥٥) و«التبصرة» (١٣/ ٦٤٦٥)، و«بدائع الصنائع» (٧/ ٢٤١).
(٣) انظر المصادر السابقة.
[ ٣ / ٥٦١ ]
فصل: «إلا الإذخر»
فإن قيل: فما تقولون لو اختار القصاص ثم اختار بعده العفو إلى الدية، هل له ذلك؟
قلنا: هذا فيه وجهان، أحدهما: أن له ذلك، لأن القصاص أعلى فكان له الانتقال إلى الأدنى. والثاني: ليس له ذلك، لأنه لمَّا اختار القصاص فقد أسقط الدية باختياره له، فليس له أن يعود إليها بعد إسقاطها.
فإن قيل: فكيف تجمعون بين هذا الحديث وبين قوله - ﷺ -: «من قُتِل عمدًا فهو قَوَد» (^١)؟
قيل: لا تعارض بينهما بوجه، فإن هذا يدل على وجوب القود بقتل العمد، وقوله: «فهو بخير النظرين» يدل على تخييره بين استيفاء هذا الواجب له وبين أخذ بدله وهو الدية، فأيُّ تعارض؟ وهذا الحديث نظير قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وهذا لا ينفي تخيير المستحِقِّ له بين ما كتب له وبين بدله. والله أعلم.
فصل
وقوله - ﷺ - في الخطبة: «إلا الإذخر» (^٢) بعد قول العباس له: «إلا الإذخر» يدل على مسألتين:
_________________
(١) أخرجه النسائي (٤٧٩٠) وابن ماجه (٢٦٣٥) والدارقطني (٣١٣١ - ٣١٣٣، ٣١٣٦) من طرق فيها لين عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس مسندًا. وأخرجه أبو داود (٤٥٣٩) من طريق حماد بن زيد وسفيان بن عيينة كلاهما عن عمرو بن دينار عن طاوس مرسلًا، وهو الصواب. انظر: «العلل» للدارقطني (٢١٠٨).
(٢) كما في حديثي ابن عباس وأبي هريرة - ﵃ - المتفق عليهما.
[ ٣ / ٥٦٢ ]
إحداهما: إباحة قطع الإذخر.
والثانية: أنه لا يشترط في الاستثناء أن ينويه من أول الكلام ولا قبل فراغه، لأن النبي - ﷺ - لو كان ناويًا لاستثناء الإذخر من أول كلامه أو قبل تمامه لم يتوقف استثناؤه له على سؤال العباس له ذلك وإعلامِه أنهم لا بد لهم منه لقَينهم وبيوتهم (^١).
ونظير هذا: استثناؤه - ﷺ - لسهيل بن بيضاء من أُسارى بدر بعد أن ذكَّره به ابن مسعود؛ فقال: «لا ينفلتنَّ أحدٌ منهم إلا بفداء أو ضربة (^٢) عنق»، فقال ابن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام، فقال: «إلا سهيل بن بيضاء» (^٣). ومن المعلوم أنه لم يكن قد نوى الاستثناء في الصورتين من أول كلامه.
ونظيره أيضًا: قول المَلَك لسليمان لمّا قال: «لأطوفن الليلة على مائة
_________________
(١) القين: الحداد والصائغ، وفي رواية عند البخاري: «لصاغتنا». وكان الصاغة يستعملونه وقودًا، وكان أهل مكة يجعلونه في سُقُف بيوتهم فوق الخشبات قبل أن يُطيِّنوا عليها ليسدُّوا الخلل فلا يسقط الطين، وكذا يجعلونه ــ وإلى يومنا هذا ــ بين اللَّبِنات في القبور. انظر: «الفتح» (٤/ ٤٩).
(٢) ز، د: «ضرب».
(٣) أخرجه أحمد (٣٦٣٢) والترمذي (٣٠٨٤) وابن أبي شيبة (٣٧٨٤٥) والبيهقي في «سننه» (٦/ ٣٢١) من حديث أبي عُبَيدة ــ وهو ابن عبد الله بن مسعود ــ عن أبيه في قصة مشاورة النبي - ﷺ - أصحابه في أسارى بدر. قال الترمذي: «هذا حديث حسن، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه». ولعله حسَّنه مع انقطاعه لأن أبا عُبيدة كان له فضل معرفة بحديث أبيه ــ كما سبق (ص ١٢٣/الهامش) ــ، ولأن أصل قصة المشاورة ثابت من حديث عمر، أخرجه مسلم (١٧٦٣) وغيره.
[ ٣ / ٥٦٣ ]
امرأة، تلد كل امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله»، فقال له الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فقال النبي - ﷺ -: «لو قال: إن شاء الله لقاتَلُوا في سبيل الله (^١) أجمعون» (^٢)، وفي لفظ: «لكان دركًا لحاجته» (^٣)، فأخبر أن هذا الاستثناء لو وقع منه في هذه الحال لنفعه، ومن يشترط النية يقول: لا ينفعه.
ونظير هذا قوله - ﷺ -: «لأغزونَّ قريشًا، واللهِ لأغزون قريشًا» ثلاثًا ثم سكت ثم قال: «إن شاء الله» (^٤)، فهذا استثناء بعد سكوت، وهو يتضمن (^٥) إنشاء الاستثناء بعد الفراغ من الكلام والسكوت عليه. وقد نصَّ أحمد (^٦) على جوازه، وهو الصواب بلا ريب، والمصيرُ إلى موجَب هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة أولى. وبالله التوفيق.
_________________
(١) زِيد في هامش النسختين ز، س: «فُرسانًا»، وهو في «الصحيحين».
(٢) أخرجه البخاري (٢٨١٩، ٦٦٣٩) ومسلم (١٦٥٤/ ٢٥) من حديث الأعرج عن أبي هريرة - ﵁ - بنحوه.
(٣) أخرجه البخاري (٦٧٢٠) ومسلم (١٦٥٤/ ٢٣، ٢٤) من حديث طاوس عن أبي هريرة - ﵁ - بنحوه.
(٤) أخرجه أبو يعلى (٢٦٧٤، ٢٦٧٥) وابن حبان (٤٣٤٣) والطبراني في «الكبير» (١١/ ٢٨٢) و«الأوسط» (١٠٠٤) من طرق عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس مسندًا. وإسناده ضعيف لأن سماكًا وإن كان صدوقًا إلا أنه مضطرب في الرواية عن عكرمة خاصةً، وقد اختلف عليه في هذا الحديث وصلًا وإرسالًا، فقد أخرجه عبد الرزاق (١١٣٠٦) وأبو داود (٣٢٨٥، ٣٢٨٦) عنه عن عكرمة مرسلًا. قال أبو حاتم: «وهو أشبه». «العلل» لابنه (١٣٢٢).
(٥) ص، ز، د: «متضمن».
(٦) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٨٥).
[ ٣ / ٥٦٤ ]
فصل: قوله - ﷺ -: «اكتبوا لأبي شاه» فيه مشروعية كتابة العلم
فصل
وفي القصة: أن رجلًا من الصحابة يقال له أبو شاه قام فقال: اكتبوا لي، فقال النبي - ﷺ -: «اكتبوا لأبي شاه» (^١) يريد خطبته، ففيه دليل على كتابة العلم ونسخ النهي عن كتابة الحديث، فإن النبي - ﷺ - قال: «من كتب عني شيئًا غير القرآن فليمحُه» (^٢)، وهذا كان في أول الإسلام خشيةَ أن يختلط الوحيُ الذي يتلى بالوحي الذي لا يتلى، ثم أذن في الكتابة لحديثه.
وصحَّ عن عبد الله بن عمرو أنه كان يكتب حديثَه (^٣)، وكان مما كتبه صحيفة تسمى «الصادقة» (^٤)، وهي التي رواها حفيده عمرو بن شعيب عن أبيه عنه (^٥)، وهي من أصح الأحاديث، وكان بعض أئمة الحديث يجعلها في
_________________
(١) كما في حديث أبي هريرة المتفق عليه.
(٢) أخرجه مسلم (٣٠٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري. والحديث قد أعلّه بعض الأئمة كالبخاري وأبي داود بالوقف، قالوا: الصواب أنه من قول أبي سعيد موقوفًا عليه غير مرفوع إلى النبي - ﷺ -. انظر: «تقييد العلم» للخطيب (ص ٣٦ - ٣٨) و«تحفة الأشراف» (٣/ ٤٠٨) و«فتح الباري» (١/ ٢٠٨).
(٣) صحَّ ذلك من حديث أبي هريرة - ﵁ - عند البخاري (١١٣)، ومن حديث عبد الله بن عمرو نفسِه عند أحمد (٦٥١٠، ٦٩٣٠) وأبي داود (٣٦٤٦) والدارمي (٥٠١) وابن خزيمة (٢٢٨٠) والحاكم (١/ ١٠٤ - ١٠٦) من طرق عنه.
(٤) كما أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٢/ ٣٢١ - ٣٢٢) والدارمي (٥١٣) والخطيب في «تقييد العلم» (ص ٨٤، ٨٥) من طرق بعضها صحيح.
(٥) لم أجد ما يدل على أن الصحيفة التي رواها عمرو بن شعيب هي «الصادقة» بعينها، فإنها لو كانت كذلك لما اختلف أئمة الحديث في صحتها والاحتجاج بها، والله أعلم.
[ ٣ / ٥٦٥ ]
فصل: كراهة الصلاة في المكان المصور
فصل: جواز لبس السواد أحيانا
درجة أيوب عن نافع عن ابن عمر (^١)، والأئمة الأربعة وغيرُهم احتجُّوا بها.
فصل
وفي القصة: أن النبي - ﷺ - دخل البيت وصلى فيه، ولم يدخله حتى محيت الصور منه، ففيه دليل على كراهة الصلاة في المكان المصوَّر، وهذا أحق بالكراهة من الصلاة في الحمام، لأن كراهة الصلاة في الحمام إما لكونه مظنة النجاسة، وإما لكونه بيتَ الشيطان وهو الصحيح، وأما محل الصور فمظنة الشرك، وغالب شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور.
فصل
وفي القصة: أنه دخل مكة وعليه عمامة سوداء (^٢)، ففيه دليل على جواز لبس السواد أحيانًا، ومِن ثَمَّ جعل خلفاء بني العباس السوادَ شعارًا لهم ولوُلاتهم وقُضاتِهم وخطبائهم، والنبيُّ - ﷺ - لم يلبسه لباسًا راتبًا، ولا كان شعارَه في الأعياد والجُمَع والمجامع العظام البتة، وإنما اتفق له لباسُ العمامة السوداء يوم الفتح دون سائر الصحابة، ولم يكن سائر لباسه السواد يومئذ بل كان لواؤه أبيض (^٣).
_________________
(١) هو قول الإمام إسحاق بن راهويه، أسنده عنه الحاكم في «المستدرك» (١/ ١٠٥، ١٩٧) ثم عنه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٣١٨).
(٢) كما في حديث جابر عند مسلم (١٣٥٨)، ولم يسبق له ذكر عند المؤلف في سياق خبر الفتح، وإن كان قد ذكره في أول الكتاب في «فصل في ملابسه - ﷺ -».
(٣) روي ذلك من حديث جابر وابن عباس عند الترمذي (١٦٧٩، ١٦٨١) وابن ماجه (٢٨١٧، ٢٨١٨) والحاكم (٢/ ١٠٤، ١٠٥) وغيرهم، وهما ضعيفان كما أشار إلى ذلك الترمذي وغيره. وفي الباب مرسل عَمرة بنت عبد الرحمن ــ وكانت في حجر عائشة ــ عند ابن أبي شيبة (٣٤٢٩٨) و«مختصر الأحكام» للطوسي (١٤٢٤) بإسناد جيّد. ويؤيده أن أصحاب المغازي ذكروا في غير ما غزوة أن لواء النبي - ﷺ - كان أبيض. انظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٦١٢) و«طبقات ابن سعد» (٢/ ٧، ٨، ٩، ٢٦، ١٠٠).
[ ٣ / ٥٦٦ ]
فصل: بيان أن تحريم متعة النساء وقع عام الفتح
فصل
ومما وقع في هذه الغزوة إباحةُ متعة النساء، ثم حرَّمها قبل خروجه من مكة، واختُلف في الوقت الذي حُرِّمت فيه المتعة على أربعة أقوال:
أحدها: أنه يوم خيبر، وهذا قول طائفة من العلماء منهم الشافعي (^١) وغيره.
والثاني: أنه عام فتح مكة، وهذا قول ابن عيينة وطائفة (^٢).
والثالث: أنه عام حُنَين (^٣)، وهذا في الحقيقة هو القول الثاني لاتصال غزاة حنين بالفتح.
والرابع: أنه عام حجة الوداع، وهو وهم من بعض الرواة سافر فيه وهمه من فتح مكة إلى حجة الوداع، كما سافر وهمُ معاوية - ﵁ - من عمرة الجِعرانة إلى حجة الوداع حيث قال: «قصرت عن رسول الله - ﷺ - بمِشقص على المروة في حجته»، وقد تقدم في الحج (^٤). وسَفَر الوهم من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، ومن واقعة إلى واقعة كثيرًا ما يعرض للحفاظ فمن دونهم.
_________________
(١) انظر: «الأم» (٨/ ٤٣٤) و«اختلاف الحديث» (١٠/ ٢٠٧ - مع الأم).
(٢) منهم: أبو عبيد القاسم بن سلّام. انظر ما سبق (ص ٤١٢).
(٣) كما في حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم (١٤٠٥/ ١٨) وسيأتي نصُّه قريبًا.
(٤) انظر: (٢/ ١٥٥، ١٦٨ - ١٧١).
[ ٣ / ٥٦٧ ]
والصحيح: أن المتعة إنما حُرِّمت عام الفتح، لأنه قد ثبت في «صحيح مسلم» (^١) أنهم استمتعوا عام الفتح مع النبي - ﷺ - بإذنه، ولو كان التحريم زمن خيبر لزم النسخ مرتين، وهذا لا عهد بمثله في الشريعة البتة، ولا يقع مثله فيها.
وأيضًا: فإن خيبر لم يكن فيها مسلمات، وإنما كن يهودياتٍ، وإباحةُ نساء أهل الكتاب لم تكن ثبتت بعدُ، إنما أُبِحن بعد ذلك في سورة المائدة بقوله: ﴿الْحِسَابِ (٤) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، وهذا متصل بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وبقوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وهذا كان في آخر الأمر بعد حجة الوداع أو فيها، فلم تكن إباحة نساء أهل الكتاب ثابتةً زمن خيبر، ولا كان للمسلمين رغبة في الاستمتاع بنساء عدوِّهم قبل الفتح، وبعد الفتح استُرِقَّ من استرق منهن وصِرن إماءً للمسلمين.
فإن قيل: فما تصنعون بما ثبت في «الصحيحين» (^٢) من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية، وهذا صحيح صريح؟
قيل: هذا الحديث قد صحت روايته بلفظين هذا أحدهما. والثاني:
_________________
(١) (١٤٠٦/ ٢٠) من حديث سَبْرة بن مَعبد الجُهَني. ووقع في بعض طرق الحديث عند أحمد (١٥٣٣٨) وغيره أن ذلك كان عام حجة الوداع، وهو وهم من بعض الرواة كما نبَّه عليه المؤلف آنفًا. وانظر: حاشية محققي «المسند» طبعة الرسالة.
(٢) البخاري (٤٢١٦) ومسلم (١٤٠٧).
[ ٣ / ٥٦٨ ]
الاقتصار على نهي النبي - ﷺ - عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر؛ هذه رواية ابن عيينة عن الزهري (^١). قال قاسم بن أصبغ: قال سفيان بن عيينة: «يعني أنه نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر لا عن نكاح المتعة»، ذكره أبو عمر في (^٢) «التمهيد» (^٣) ثم قال: «على هذا أكثر الناس» انتهى، فتوهم بعض الرواة أن يوم خيبر ظرف لتحريمهن فرواه: «حرم رسول الله - ﷺ - المتعة زمن خيبر والحمر الأهلية»، واقتصر بعضهم على رواية بعض الحديث فقال: «حرَّم رسول الله - ﷺ - المتعة زمن خيبر» (^٤)، فجاء بالغلط البيِّن.
فإن قيل: فأي فائدة في الجمع بين التحريمين إذا لم يكونا قد وقعا في وقت واحد، وأين المتعة من تحريم الحمر؟
قيل: هذا الحديث رواه علي بن أبي طالب محتجًّا به على ابن عمه عبد الله بن عباس في المسألتين، فإنه كان يبيح المتعة ولحوم الحمر، فناظره عليُّ بن أبي طالب في المسألتين وروى له التحريمين، وقيَّد تحريم الحمر بزمن خيبر وأطلق تحريم المتعة، فقال: «إنك امرؤ تائه؛ إن رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) أخرجها الحميدي (٣٧) ــ ومن طريقه ابن عبد البر في «التمهيد» (١٠/ ١٠٢) ــ وأحمد (٥٩٢) والترمذي (١١٢١) والنسائي (٤٣٣٤).
(٢) المطبوع: «وفي » جملة مستأنفة، وهو خطأ مخالف للأصول.
(٣) (١٠/ ١٠١ - ١٠٢)، وقاسم بن أصبغ إنما أسند قول سفيان عن محمد بن إسماعيل الترمذي عن الحميدي عنه، وهو في «مسند الحميدي» عقب الحديث (٣٧) بلفظ: « لا يعني نكاح المتعة» إلا أن «لا» سقطت من مطبوعة «التمهيد».
(٤) كما في رواية عند النسائي (٣٣٦٧).
[ ٣ / ٥٦٩ ]
حرم المتعة، وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر» (^١)، كما قاله سفيان بن عيينة وعليه أكثر الناس، فروى الأمرين محتجًّا عليه بهما، لا مقيدًا لهما بيوم خيبر، والله الموفق.
ولكن هاهنا نظر آخر، وهو: أنه هل حرَّمها تحريمَ الفواحش التي لا تباح بحال، أو حرَّمها عند الاستغناء عنها وأباحها للمضطر؟ هذا هو الذي نظر فيه ابن عباس وقال: «أنا أبحتُها للمضطر كالميتة والدم» (^٢)، فلما توسَّع فيها مَن توسع ولم يقف عند الضرورة أمسك ابن عباس عن الإفتاء بحلِّها ورجع عنه.
وقد كان ابن مسعود يرى إباحتها ويقرأ: ﴿(٨٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٨٧]، ففي «الصحيحين» (^٣) عنه قال: كنا نغزو مع رسول الله - ﷺ - وليس لنا نساء فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: ﴿(٨٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ﴾.
وقراءة عبد الله هذه الآية عقيب هذا الحديث يحتمل أمرين:
أحدهما: الرد على من يحرمها، وأنها لو لم تكن من الطيبات لما أباحها رسول الله - ﷺ -.
والثاني: أن يكون أراد آخِر الآية، وهو الرد على من أباحها مطلقًا، وأنه
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٢٠٢) من طريق سفيان بن عيينة.
(٢) سبق تخريجه (ص ٤١٤).
(٣) البخاري (٤٦١٥، ٥٠٧٥) ومسلم (١٤٠٤).
[ ٣ / ٥٧٠ ]
معتدٍ (^١)، فإن رسول الله - ﷺ - إنما رخَّص فيها للضرورة عند (^٢) الحاجة في الغزو عند عدم النساء وشدة الحاجة إلى المرأة؛ فمن رخَّص فيها في الحضر مع كثرة النساء وإمكان النكاح المعتاد فقد اعتدى، والله لا يحب المعتدين.
فإن قيل: فكيف تصنعون بما رواه مسلم في «صحيحه» (^٣) من حديث جابر وسلمة بن الأكوع قالا: خرج علينا منادي رسول الله - ﷺ - فقال: «إن رسول الله - ﷺ - قد أذن لكم أن تستمتعوا»، يعني: متعة النساء.
قيل: هذا كان زمن الفتح قبل التحريم، ثم حرَّمها بعد ذلك، بدليل ما رواه مسلم في «صحيحه» (^٤) عن سلمة بن الأكوع قال: «رخَّص رسولُ الله - ﷺ - عام أوطاس في المتعة ثلاثًا، ثم نهى عنها». وعام أوطاس: هو عام الفتح، لأن غزاة أوطاسٍ متصلة بفتح مكة.
فإن قيل: فما تصنعون بما رواه مسلم في «صحيحه» (^٥) عن جابر بن عبد الله قال: «كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيقِ الأيامَ على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث»، وفيما ثبت عن عمر أنه قال: «متعتان كانتا على عهد رسول الله - ﷺ - أنا أنهى عنهما: متعة
_________________
(١) غير محرَّر في ف، وتصحّف في عامّة الأصول إلى «مُقيَّد»، والمثبت الموافق للمطبوع هو مقتضى السياق.
(٢) المطبوع: «وعند»، هنا وفي الموضع الآتي.
(٣) برقم (١٤٠٥/ ١٣)، وأخرجه البخاري (٥١١٧) أيضًا بنحوه.
(٤) برقم (١٤٠٥/ ١٨). وقوله: «عام أوطاس» أي: عام غزوة حنين، فإن غزوة أوطاس هي غزوة حُنين بعينها، كما سيأتي في موضعه.
(٥) برقم (١٤٠٥/ ١٦).
[ ٣ / ٥٧١ ]
النساء ومتعة الحج» (^١)؟
قيل: الناس في هذا طائفتان، طائفة تقول: إن عمر هو الذي حرَّمها ونهى عنها، وقد أمر رسول الله - ﷺ - باتباع ما سنَّه الخلفاء الراشدون، ولم تَرَ هذه الطائفةُ تصحيحَ حديث سَبْرة بن مَعبد في تحريم المتعة عامَ الفتح (^٢)، فإنه من رواية عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده، وقد تكلم فيه ابن معين (^٣)، ولم يَرَ البخاري إخراج حديثه في «صحيحه» مع شدة الحاجة إليه وكونه أصلًا من أصول الإسلام، ولو صحَّ عنده لم يصبر عن إخراجه والاحتجاج به.
_________________
(١) أخرجه أبو عوانة في «المستخرج» (٣٨١٤) والبيهقي (٧/ ٢٠٦) من حديث جابر عن عمر بإسناد صحيح، وهو في «صحيح مسلم» (١٢١٧/ ١٤٥) بلفظ آخر يوضِّح أن مقصود عمر: أنهما كانتا على عهد رسول الله - ﷺ - في ظروف خاصّة ثم نسختا ولذا فإنه قال فيه: «إن الله كان يُحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله، وأبِتُّوا نكاح هذه النساء، فلن أُوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة».
(٢) أخرجه مسلم كما سبق.
(٣) سئل يحيى بن معين عن أحاديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جدّه، فقال: «ضِعاف» كما أسنده عنه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٥/ ٣٥٠)، ولكن لم ينفرد عبد الملك برواية هذا الحديث، بل قد تابعه عليه جملة من الثقات منهم: الزهري، والليث بن سعد، وعُمارة بن غَزيّة، وأخوه عبد العزيز بن الربيع بن سبرة؛ كل هؤلاء رووه عن الربيع بن سبرة عن أبيه بنحوه، ورواياتهم مخرجة في «صحيح مسلم» (١٤٠٦)، فلا وجه لإعلاله بضعف عبد الملك.
[ ٣ / ٥٧٢ ]
فصل: جواز قتل المرتد الذي تغلظت ردته من غير استتابة
قالوا: ولو صح حديث سبرة لم يخفَ على ابن مسعود حتى يروي أنهم فعلوها ويحتج بالآية.
قالوا: وأيضًا فلو صحَّ لم يقل عمر: إنها كانت على عهد رسول الله - ﷺ - وأنا أنهى عنها وأعاقب عليها، بل كان يقول: إنه - ﷺ - حرمها ونهى عنها.
قالوا: ولو صحَّ لم تُفعَل على عهد الصديق وهو عهد خلافة النبوة حقًّا.
والطائفة الثانية: رأت صحةَ حديث سبرة، ولو لم يصح فقد صحَّ حديث علي أن رسول الله - ﷺ - حرم متعة النساء، فوجب حمل حديث جابر على أن الذي أخبر عنه (^١) بفعلها لم يبلغه التحريم، ولم يكن قد اشتهر حتى كان زمن عمر، فلما وقع فيها النزاع ظهر تحريمُها واشتهر، وبهذا تأتلف الأحاديث الواردة فيها. وبالله التوفيق.
فصل
وفي قصة الفتح من الفقه جواز إجارة المرأة وأمانها للرجل والرجلين، كما أجاز النبي - ﷺ - أمانَ أم هانئ لحَمْوَيها.
وفيها من الفقه: جواز قتل المرتد الذي تغلَّظت ردَّتُه مِن غير استتابة، فإن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان قد أسلم وهاجر، وكان يكتب الوحي لرسول الله - ﷺ -، ثم ارتد ولحق بمكة، فلما كان يومُ الفتح أتى به عثمان بن عفان رسولَ الله - ﷺ - ليبايعه، فأمسك عنه طويلًا ثم بايعه، وقال: «إنما أمسكت عنه ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه»، فقال له رجل: هلَّا أومأتَ إليَّ يا رسول الله؟ فقال: «ما
_________________
(١) المطبوع: «عنها»، خطأ.
[ ٣ / ٥٧٣ ]
ينبغي لنبيٍّ أن تكون له خائنة الأعين» (^١)؛ فهذا كان قد تغلظ كفره بردَّته بعد إيمانه وهجرته وكتابة الوحي، ثم ارتد ولحق بالمشركين يطعن على الإسلام ويعيبه، وكان رسول الله - ﷺ - يريد قتله، فلما جاء به عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة لم يأمر رسول الله - ﷺ - بقتله حياءً من عثمان ولم يبايعه ليقوم إليه بعض أصحابه فيقتلَه، فهابوا رسول الله - ﷺ - أن يُقْدموا على قتله بغير إذنه، واستحيى رسول الله - ﷺ - من عثمان، وساعد القدر السابق لِما يريد الله سبحانه بعبد الله مما ظهر منه بعد ذلك من الفتوح (^٢)،
فبايعه، وكان ممن استثنى الله بقوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٩].
وقولُه - ﷺ -: «ما ينبغي لنبيٍّ أن تكون له خائنة الأعين»، أي: أن النبي - ﷺ - لا يخالف ظاهرُه باطنَه، ولا سرُّه علانيته، وإذا نفذ حكمَ الله وأمره لم يُومِ (^٣) به، بل صرَّح به وأعلنه وأظهره.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٦٨٣، ٤٣٥٩) والنسائي (٤٠٦٧) والحاكم (٣/ ٤٥) والضياء في «المختارة» (٣/ ٢٤٨ - ٢٥١) من حديث سعد بن أبي وقاص بنحوه، وإسناده حسن. ولبعضه شاهد من حديث ابن عباس عند أبي داود (٤٣٥٨) والنسائي (٤٠٦٩) والحاكم (٣/ ٤٥) والضياء (١٢/ ٢٩٥) بإسناد حسن.
(٢) فُتحت إفريقيَّةُ ــ وتسمى «تونس» اليوم ــ على يده في أيام عثمان - ﵁ - ..
(٣) كذا في الأصول، مِن: أومَى يُومِي، لغة في أومأَ يومئُ.
[ ٣ / ٥٧٤ ]
فصل في غزاة حنين
فصل
في غزاة حنين
وتُسمَّى «غزوةَ أوطاس»، وهما موضعان بين مكة والطائف (^١)، فسميت الغزوة باسم مكانها، وتسمى «غزوة هوازن» لأنهم الذين أتوا لقتال رسول الله - ﷺ -.
قال ابن إسحاق (^٢): ولما سمعت هوازن برسول الله - ﷺ - وما فتح الله عليه من مكة جمع مالكُ بن عوفٍ النَّصْري فاجتمع إليه مع هوازنَ ثقيفٌ كلها، واجتمعت إليه نَصْر (^٣) وجُشَم كلُّها وسعد بن بكر، وناسٌ من بني
_________________
(١) أما حُنين فيقع على قرابة ٣٠ كيلًا إذا خرجت من مكة إلى الطائف على طريق اليمانية، وهو معروف اليوم بـ «الشرائع». وأما أوطاس فوادٍ لهوازن، وهو بعيد عن حنين، وإنما يقع بقرب بلدة عُشيرة التي تقع شمال مدينة الطائف على قرابة ٥٠ كيلًا، ومعركة حُنين لم تقع فيه، وإنما انحازت إليه هوازن بعد الهزيمة فطاردهم المسلمون حتى أوقعوا بهم فيه، كما سيأتي. انظر: «المعالم الجغرافية في السيرة» (ص ٣٤، ١٠٧) و«معالم مكة التاريخية» (ص ٨٧) كلاهما لعاتق بن غيث البلادي.
(٢) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٣٧)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ١٨٧). وابن إسحاق يروي خبر الغزاة عن عدد من شيوخه ــ كما جاء مصرَّحًا في «الدلائل» (٥/ ١٢٠) من رواية يونس بن بُكير عنه ــ، فبعضه يرويه ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه، وبعضه عن الزهري وعمرو بن شعيب وعبد الله بن أبي بكر الحزمي مرسلًا، وقد اجتمع حديثُهم في سياق واحدٍ وقد حدّث بعضهم ما لم يحدّث به بعض.
(٣) في الأصول والمطبوع: «مُضَر»، وهو تحريف مخالف لمصدر النقل، فإن المذكورة هنا كُلُّها بطون هوازن. فـ «نصر» هم بنو نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن، و«جُشَم» هو ابن معاوية بن بكر بن هوازن. و«سعد بن بكر» هو ابن هوازن، و«هلال» هو ابن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن. انظر: «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم (ص ٢٦٩، ٤٨١، ٤٨٢).
[ ٣ / ٥٧٥ ]
هلال وهم قليل، ولم يشهدها من قَيسِ عَيلان إلا هؤلاء، ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كِلاب.
وفي جُشَم دريدُ بن الصِّمَّة، شيخ كبير ليس فيه إلا رأيه ومعرفته بالحرب، وكان شجاعًا مِحْرَبًا (^١). وفي ثقيف سيِّدان لهم، وفي (^٢) الأحلاف: قارِب بن الأسود، وفي بني مالك: سُبَيع بن الحارث وأخوه أحمر بن الحارث. وجِماعُ أمرِ الناس إلى مالك بن عوف النصري.
فلما أجمع السيرَ إلى رسول الله - ﷺ - ساق مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دُرَيد بن الصمة، فلما نزل قال: بأيِّ وادٍ أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نِعم مَجالُ الخيل، لا حَزْن ضِرْس (^٣) ولا سَهل دَهْس، ما لي أسمع رُغاء البعير ونُهاق الحمير وبُكاء
_________________
(١) في عامة الأصول والمطبوع: «مجرّبًا»، وكذا في مطبوعة «سيرة ابن هشام»، ولعل المثبت من «عيون الأثر» هو الصواب. والمِحْرَب: الشجاع الخبير بالحرب.
(٢) «وفي» هكذا في الأصول و«عيون الأثر» ومطبوعة «سيرة ابن هشام» (والظاهر من تعليق المحققين أن الواو لم تكن في نسخه الخطية التي بين أيديهم)، والصواب إسقاط الواو كما في «جوامع السيرة» لابن حزم (ص ٢٣٦) أو إبدال الفاء بها: «ففي»، وذلك لأن الأحلاف وبني سعد هما بطنا ثقيف، ويوضحه لفظ ابن عبد البر في «الدرر» (ص ٢٣٧): «وكان في ثقيف سيدان: أحدهما قارب بن الأسود بن مسعود بن مُعتِّب من الأحلاف، والآخر ذو الخِمار سبيع بن الحارث بن مالك».
(٣) الضِّرس: ما خشُن من الأرض، كأنها مُضرَّسة.
[ ٣ / ٥٧٦ ]
الصغير ويُعار الشاء؟ قالوا: ساقَ مالكُ بن عوف مع الناس نساءهم وأموالهم وأبناءهم، قال: أين مالك؟ قيل: هذا مالك ــ ودُعِي له ــ، قال: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يومٌ كائن له ما بعده من الأيام، ما لي أسمع رُغاء البعير ونُهاق الحمير وبكاء الصغير ويُعار الشاء؟ قال: سقتُ مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، قال: ولِمَ؟ قال: أردت أن أجعل خلف كلِّ رجلٍ أهلَه وماله ليقاتل عنهم، فقال: راعي ضأنٍ والله! وهل يردُّ المنهزم شيء؟! إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فُضِحت في أهلك ومالك.
ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد، قال: غاب الحَدُّ والجَدُّ، لو كان يومَ علاءٍ ورِفعة لم تَغِب عنه كعب ولا كلاب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر وعوف بن عامر (^١)، قال: ذانك الجَذَعان من عامر لا ينفعان ولا يضران! يا مالك: إنك لم تصنع بتقديم البيضةِ بيضةِ هوازنَ إلى نحور الخيل شيئًا، ارفعهم إلى مُتمنِّع بلادِهم وعَلياء قومهم، ثم القَ الصُّباة على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك مَن وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك، قال: والله لا أفعل، إنك قد كبِرتَ وكبِر عقلك، والله لتُطِيعُنِّي يا معشر هوازن أو لأتكئنَّ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري! وكره أن يكون لدُرَيدٍ فيها ذِكرٌ ورأي، فقالوا: أطعناك، فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني.
_________________
(١) بطنان من هوازن، هما ابنَي عامر بن ربيعة بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن. انظر: «جمهرة أنساب العرب» (ص ٤٨٣).
[ ٣ / ٥٧٧ ]
- استعارة النبي - ﷺ - من صفوان بن أمية أدرعا وسلاحا
يا ليتني فيها جَذَعْ أخُبُّ فيها وأَضَعْ
أقود وَطْفَاءَ الزَّمَعْ كأنها شاة صَدَعْ (^١)
ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جُفُونَ سيوفكم ثم شُدُّوا شدةَ رجلٍ واحد، وبعث عيونًا من رجاله فأتوه وقد تفرَّقت أوصالُهم، قال: ويلكم ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالًا بيضًا على خيل بُلْقٍ، والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى فواللهِ ما ردَّه ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد.
ولمَّا سمع بهم نبي الله - ﷺ - بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبي حدرد فدخل فيهم حتى سمع وعلم ما قد جمعوا له من حرب رسول الله - ﷺ -، وسمع من مالكٍ وأمر هوازن ما هم عليه، ثم أقبل حتى أتى رسول الله - ﷺ - فأخبره الخبر (^٢).
فلما أجمع رسول الله - ﷺ - السير إلى هوازن ذُكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعًا وسلاحًا، فأرسل إليه ــ وهو يومئذ مشرك (^٣) ــ فقال: «يا أبا أمية، أعِرْنا سلاحَك هذا نلقى فيه عدوَّنا غدًا»، فقال صفوان: أغَصْبًا يا محمد؟
_________________
(١) الخَبَب والوَضْع: ضربان من المشي السريع والعَدْو. وطفاء الزَّمع: أي فرس طويلةُ شعرِ الزَّمَعِ، والزَّمَعة ــ ويقال لها الثُّنَّة ــ: الشعر المُدَلَّى من رُسغ الدابة في مؤخر الرجل، يُحمَد في الفَرَس وفوره وطوله. والصَّدَع: الفتيُّ الشابُّ القويّ من الأوعال والظباء.
(٢) خبر إرسال النبي - ﷺ - ابن أبي حدرد عينًا ذكره أيضًا عروة بن الزبير (في رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عنه) وموسى بن عقبة في مغازيهما، كما في «دلائل النبوة» للبيهقي (٥/ ١٢٩).
(٣) وهو يومئذ في مدة الخيار الذي جعل له النبي - ﷺ - بعد الفتح، وقد سبق (ص ٥٠٥).
[ ٣ / ٥٧٨ ]
فقال: «بل هي عارية مضمونة حتى نؤديها إليك»، قال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درعٍ بما يكفيها من السلاح، فزعموا أن رسول الله - ﷺ - سأله أن يكفيهم حملها ففعل (^١).
_________________
(١) هذا لفظ ابن إسحاق فيما حدّث به عن شيوخه. وله شواهد تعضده، منها: - حديث صفوان نفسه عند أحمد (١٥٣٠٢) وأبي داود (٣٥٦٢) والنسائي في «الكبرى» (٥٧٤٧) والحاكم (٢/ ٤٧) بإسناد ضعيف فيه شريك بن عبد الله النخعي، وقد خالفه غيره فرواه عن أناس من آل صفوان ــ أو من آل عبد الله بن صفوان ــ مرسلًا، كما عند ابن أبي شيبة (٢٠٩٣٥) وأبي داود (٣٥٦٣، ٣٥٦٤) والبيهقي في «السنن» (٦/ ٨٩) وليس فيه وصف العارية بكونها مضمونة. - وشاهد من مرسل محمد الباقر عند الطبراني في «الأوسط» (١٦٣٣) والبيهقي (٦/ ٨٩)، ولفظه: «بل عارية مضمونة». - وشاهدان من حديث ابن عباس وعبد الله بن عمرو بإسنادين ضعيفين، وفيهما وصف العارية بالمؤداة، وسيأتي تخريجهما لاحقًا في فصل ما يستفاد من الغزوة من المسائل الفقهية (ص ٥٩٩). - وشاهد من حديث يعلى بن أمية ــ وهو ابن مُنية ــ بإسناد صحيح، إلا أنه هو صاحب القصة فيه بدل صفوان بن أمية الجمحي، وفيه أيضًا وصفها بالمؤداة، وسيأتي تخريجه لاحقًا. تنبيه: أخرج الحاكم (٣/ ٤٨ - ٤٩) هذا الحديث مع بعض أحداث الغزوة مُسنَدًا كلُّه من طريق يونس بن بُكير عن ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه. والذي يظهر ــ والله أعلم ــ أنه وهم، لأن في رواية يونس بن بكير لم يميِّز ابنُ إسحاق بين ما رواه بهذا الإسناد المتصل وبين ما رواه بأسانيد أخرى مرسلة ذكرها معه، بل جمع حديثهم في سياق واحد، كما في «الدلائل» (٥/ ١٢٠) من طريق الحاكم نفسه ــ وقد سبق ذكره في الهامش (ص ٥٧٥) ــ، وعليه فسياق الخبر كلِّه بالإسناد المتصِّل خطأ، والله أعلم.
[ ٣ / ٥٧٩ ]
- خروج النبي - ﷺ - في اثني عشر ألفا لقتال هوازن وثقيف
- انهزام كثير من الناس وتوليهم في مبتدأ المعركة
ثم خرج رسول الله - ﷺ - معه ألفان من أهل مكة، مع عشرة آلافٍ من أصحابه الذين خرجوا معه ففتح الله بهم مكة= فكانوا اثني عشر ألفًا، واستعمل عتَّاب بن أَسِيد على مكة أميرًا ثم مضى يريد لقاء هوازن.
قال ابن إسحاق (^١): فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله قال: لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في وادٍ من أودية تهامة أجوفَ حَطُوطٍ، إنما ننحدر فيه انحدارًا، قال: وفي عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في شِعابه وأحنائه (^٢) ومضايقه (^٣)، قد أجمعوا وتهيئوا وأعَدُّوا، فواللهِ ما راعنا ونحن منحطُّون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدةَ رجلٍ واحد، وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد، وانحاز رسول الله - ﷺ - ذاتَ اليمين ثم قال: «إلى (^٤)
أين أيها الناس؟ هلمَّ إليَّ، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله»، وبقي مع رسول الله - ﷺ - نفر من المهاجرين (^٥) وأهل بيته، وفيمن ثبت معه
_________________
(١) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٤٢) وإسناده حسن. وأخرجه أيضًا أبو يعلى (١٨٦٢) وابن حبان (٤٧٧٤) من طريق عبد الأعلى السامي عن ابن إسحاق به بنحوه.
(٢) الأحناء: جمع حِنْو، وهو كلّ ما فيه اعوجاج. وأحناء الوادي كمحانيه: مُنعطفاته. وفي ز، د، ن: «أجنابه»، وكذا في مطبوعة «عيون الأثر»، وهو تصحيف.
(٣) كذا في الأصول ومطبوعة «سيره ابن هشام» و«عيون الأثر». وضبطه أبو موسى المديني في «غريبه» (٢/ ٣٣٩) ــ وعنه ابن الأثير في «النهاية» (٣/ ١٠٩) ــ بالفاء: «ومضايفه»، قال: «أي جوانبه، والضيف: جانب الوادي، وتضايف: أي تضايق».
(٤) «إلى» من هامش ف مصححًا عليها والمطبوع، وهي ساقطة من سائر الأصول، إلا أنه في ز كتب «أين» أوّلًا ثم أصلح إلى «إليَّ» ..
(٥) زِيد في طبعة الرسالة بعده: «والأنصار» من مطبوعة «سيرة ابن هشام» بلا تنبيه، وليس في شيء من الأصول ولا في الطبعة الهندية ولا في «عيون الأثر» الذي صدر عنه المؤلف.
[ ٣ / ٥٨٠ ]
من المهاجرين: أبو بكر وعمر، ومِن أهل بيته: عليٌّ والعباس، وأبو سفيان بن الحارث وابنُه، والفضل بن العباس، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، وأيمن ابنُ أمِّ أيمن وقُتِل يومئذ.
قال (^١): ورجل من هوازن على جملٍ له أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمامَ هوازن وهوازن خلفه، إذا أدرك طعن برمحه وإذا فاته الناس رفع رمحَه لمن وراءه فاتبعوه، فبينا هو كذلك إذ أهوى له عليُّ بن أبي طالب ورجل من الأنصار يريدانه، قال: فأتى عليٌّ مِن خلفه فضرب عرقوبي الجمل فوقع على عَجُزه، ووثب الأنصاري على الرجل فضربه ضربةً أطنَّ قدمه (^٢) بنصف ساقه، فانجعف عن رحله، قال: فاجتلد الناس فواللهِ ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى عند رسول الله - ﷺ -.
قال ابن إسحاق (^٣): ولما انهزم المسلمون ورأى من كان مع رسول الله - ﷺ - مِن جفاة أهل مكة الهزيمة تكلَّم رجال منهم بما في أنفسهم من الضِّغْن (^٤)، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وإن الأزلام لمعه في كنانته. وصرخ جَبَلة بن الحنبل ــ وقال ابن هشام: صوابه كَلَدة ــ: ألا بَطَل السحرُ اليومَ، فقال له صفوان أخوه لأمه وكان بعدُ مشركًا: اسكت فضَّ الله فاك! فواللهِ لأن يَرُبَّني رجلٌ من قريش أحبُّ إلي من أن يربَّني
_________________
(١) أي: جابر - ﵁ -.
(٢) أي قطعها فسُمع لضربه طنين.
(٣) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٤٣) و«عيون الأثر» (٢/ ١٩٠).
(٤) رُسم في الأصول بالظاء: «الظغن».
[ ٣ / ٥٨١ ]
- خروج شيبة بن عثمان الحجبي إلى حنين ليقتل النبي - ﷺ -
رجل من هوازن (^١).
وذكر ابن سعد (^٢) عن شيبةَ بن عثمان الحَجَبي قال: لما كان عام الفتح ودخل (^٣) رسول الله - ﷺ - مكة عنوةً قلت: أسير مع قريش إلى هوازن بحنين فعسى إن اختلطوا أن أُصِيب من محمد غِرَّةً فأثأَرَ منه، فأكون أنا الذي قمتُ بثأر قريشٍ كلها، وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتَّبع محمدًا ما تبعتُه أبدًا، وكنت مُرصِدًا لِما خرجتُ له (^٤)، لا يزداد الأمر في نفسي إلا قوةً، فلما اختلط الناس اقتحم رسولُ الله - ﷺ - عن بغلته وأصلتَ السيفَ، فدنوت أريد ما أريد منه ورفعت سيفي حتى كِدت أُشعِرُه (^٥) فرُفِع لي شُواظ من نار
_________________
(١) قول كلدة وجواب صفوان إياه أسنده أبو يعلى (١٨٦٣) وابن حبان (٤٧٧٤) من حديث ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه. وهو إسناد حسن كما سبق.
(٢) في «الطبقات» (٦/ ٦٤) ــ ومنه في مصدر المؤلف «عيون الأثر» (٢/ ١٩٠) ــ من طريق شيخه الواقدي، وفي باقي رجال الإسناد أيضًا من هو ضعيف أو مجهول. وله شاهد عند الطبراني في «الكبير» (٧/ ٢٩٩) والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ١٤٥) من حديث أبي بكر الهذلي عن عكرمة مرسلًا، ولكن إسناده واهٍ فإن أبا بكر الهُذلي متروك الحديث مع كونه أخباريًّا عالمًا بأيام الناس. وذكره ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٤٥) ــ مختصرًا بلا إسناد. وانظر «الإصابة» (٥/ ١٦٠). وقد روي عن عثمان بن شيبة ما يخالف ذلك وأنّه إنما خرج أنفةً أن تظهر هوازن على قريش. أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ١٤٦) بإسناد ضعيف.
(٣) سقطت واو العطف من المطبوع فصار «دخل» جواب «لمَّا»، وإنما جوابه: «قلت» الآتي.
(٤) أي: متهيِّئًا ومُعِدًّا له.
(٥) أي حتى كدتُ أضربه بالسيف فأدميه، فالإشعار: الإدماء بطعنٍ أو رمي أو وجءٍ بحديدة. في «الطبقات» و«عيون الأثر»: «حتى كدتُ أسوِّرُه» أي: أعلُوه بالسيف ..
[ ٣ / ٥٨٢ ]
كالبرق كاد يَمحَشُني، فوضعت يديَّ على بصري خوفًا عليه، فالتفت إلي رسول الله - ﷺ - فناداني: «يا شيبُ ادْنُ»، فدنوت فمسح صدري ثم قال: «اللهم أعِذه من الشيطان»، قال: فوالله لهو كان ساعتئذ أحبَّ إليَّ من سمعي وبصري ونفسي، وأذهبَ اللهُ ما كان في نفسي، ثم قال: «ادنُ فقاتِل»، فتقدَّمت أمامَه أضرب بسيفي، اللهُ يعلم أني أحبُّ أن أقيَه بنفسي كلَّ شيء، ولو لقيت تلك الساعة أبي ــ لو كان حيًّا ــ لأوقعتُ به السيف، فجعلت أَلزَمه فيمن لزمه، حتى تراجع المسلمون فكَرُّوا كرةَ رجلٍ واحد وقُرِّبت بغلةُ رسول الله - ﷺ - فاستوى عليها وخرج في أثرهم حتى تفرَّقوا في كل وجه، ورجع إلى معسكره فدخل خباءه فدخلت عليه ــ ما دخل عليه غيري ــ حُبًّا لرؤية وجهه وسرورًا به، فقال: «يا شيبُ، الذي أراد الله بك خير مما أردت لنفسك»، ثم حدَّثني بكل ما أضمرت في نفسي ما لم أكن أذكره لأحد قطُّ، قال: فقلت: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم قلت: استغفِرْ لي، فقال: «غفر الله لك».
وقال ابن إسحاق (^١): وحدثني الزهري عن كثير بن العباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال: إني لمع رسولِ الله - ﷺ - آخِذٌ بحَكَمة بغلته البيضاء قد شَجَرتُها بها (^٢)، وكنت امرءًا جسيمًا شديد الصوت، قال: ورسولُ الله - ﷺ - يقول حين رأى ما رأى من الناس: «إلى أين أيها الناس؟» قال: فلم أر
_________________
(١) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٤٤) و«عيون الأثر» (٢/ ١٩١). والحديث مخرَّج في «صحيح مسلم» (١٧٧٥) من طريق يونس ومعمر وابن عيينة، ثلاثتهم عن الزهري به بنحوه.
(٢) أي كففتُها وكبحتُها بالحَكَمة، وهي اللِّجام.
[ ٣ / ٥٨٣ ]
- رميه - ﷺ - حصيات في وجوه الكفار وقوله: «انهزموا ورب محمد!»
الناس يلوون (^١) على شيء، فقال: «يا عباس اصرخ: يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب السَّمُرة (^٢)»، فأجابوا: لبيك لبيك! قال: فيذهب الرجل ليَثْني بعيرَه فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعَه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفَه وتُرسَه (^٣) ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله فيؤمُّ الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله - ﷺ -، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا، فكانت الدعوة أول ما كانت: يا لَلأنصار! ثم خلصت آخرًا: يا لَلخزرج! وكانوا صُبُرًا عند الحرب، فأشرف رسول الله - ﷺ - في ركائبه فنظر إلى مجتلد القوم وهم يجتلدون فقال: «الآن حمي الوطيس».
وزاد غيره:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب (^٤)
وفي «صحيح مسلم» (^٥): ثم أخذ رسول الله - ﷺ - حَصَياتٍ فرمى بها في وجوه الكفار ثم قال: «انهزموا وربِّ محمدٍ!»، فما هو إلا أن رماهم فما زلتُ أرى حدَّهم كليلًا وأمرهم مُدبِرًا.
وفي لفظ له (^٦): إنه نزل عن البغلة ثم قبض قبضةً من تراب الأرض ثم
_________________
(١) ص، د، ز، س: «يكرون»، تصحيف.
(٢) يعني: الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان.
(٣) تصحّف في الطبعة الهندية إلى: «وقوسه»، ثم جُمع بينهما ــ التصحيف والمصحّف عنه ــ في طبعة الرسالة هكذا: « وقوسه وترسه»!
(٤) أخرجه البخاري (٢٨٦٤) ومسلم (١٧٧٦) من حديث البراء بن عازب.
(٥) من حديث العبَّاس الذي سبق تخريجه.
(٦) برقم (١٧٧٧) من حديث سلمة بن الأكوع.
[ ٣ / ٥٨٤ ]
- نزول الملائكة وانهزام المشركين
استقبل بها وجوههم فقال: «شاهت (^١) الوجوه»، فما خلق اللهُ منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة فولَّوا مدبرين.
وذكر ابن إسحاق (^٢) عن جبير بن مطعم قال: لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناسُ يقتتلون مثلَ البِجادِ الأسود (^٣) أقبلَ من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي، فلم يكن إلا هزيمةُ القوم، فلم أشك أنها الملائكة.
قال ابن إسحاق (^٤): ولما انهزم المشركون أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضُهم بأوطاس وتوجه بعضُهم نحو نخلةَ، وبعث رسول الله - ﷺ - في آثار من توجه قِبَل أوطاسٍ أبا عامر الأشعري، فأدرك من الناس بعضَ من انهزم فناوشوه القتال فرُمِي بسهمٍ فقُتِل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري ــ وهو ابن عمِّه (^٥) ــ فقاتل ففتح الله عليه وهزمهم الله، وقَتَل قاتِلَ أبي عامر،
_________________
(١) هامش ف بخط الناسخ: «أي: قَبُحت».
(٢) عن أبيه إسحاق بن يسار أنَّه حُدِّث عن جبير بن مطعم. «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٤٩) و«عيون الأثر» (٢/ ١٩٢). وأخرجه الواقدي (٣/ ٩٠٥) من طريق سعيد بن محمد بن جبير بن مُطعم عن أبيه عن جدّه بنحوه، وأخرج أيضًا بإسناده عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة عن شيوخ مِن قومه من الأنصار نحوه.
(٣) البجاد: كساء يُعمل من صوف أو وبر. وفي رواية الواقدي: مثل الظُّلَّة السوداء.
(٤) «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٥٣ - ٤٥٥) إلى قوله: «ففتح الله عليه وهزمهم»، وما بعده ففي «طبقات ابن سعد» (٢/ ١٤٠) بنحوه. والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ١٩٢). والخبر مخرَّج في البخاري (٤٣٢٣) ومسلم (٢٤٩٨) من حديث أبي موسى مطولًا.
(٥) كذا في جميع الأصول والطبعة الهندية و«سيرة ابن هشام» و«عيون الأثر»، وهو وهم، فإن أبا موسى ابن أخيه كما هو منصوص في كتب التراجم وغيرها، وأيضًا ففي الحديث المتفق عليه أن أبا موسى سأله حين رُمي بسهم فقال: «يا عمِّ مَن رماك؟». وقد أُثبت الصواب في طبعة الرسالة دون تنبيه.
[ ٣ / ٥٨٥ ]
- تقسيم الغنائم والسبي
فقال رسول الله - ﷺ -: «اللهم اغفر لأبي عامر واجعله يومَ القيامة فوقَ كثيرٍ من خلقك» واستغفر لأبي موسى.
ومضى مالك بن عوف (^١) حتى تحصَّن بحصن ثقيف، وأمر رسول الله - ﷺ - بالسبي والغنائم أن تجمع، فجُمع ذلك كله وحَدَوه (^٢) إلى الجِعرانة، وكان السبي ستةَ آلاف رأسٍ، والإبلُ أربعةٌ وعشرون (^٣) ألفًا، والغنمُ أكثرُ مِن أربعين ألفَ شاةٍ، وأربعةُ آلافِ أوقيةٍ فضةً، فاستأنى بهم رسولُ الله - ﷺ - أن يَقْدَموا عليه مسلمين بضعَ عشرة ليلةً.
ثم بدأ بالأموال فقسمها، وأعطى المؤلفةَ قلوبُهم أولَ الناس، فأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقيةً ومائةً من الإبل، فقال: ابني يزيد؟ قال: «أعطُوه أربعين أوقيةً ومائةً من الإبل»، قال: ابني معاوية؟ قال: «أعطوه أربعين أوقيةً ومائةً من الإبل» (^٤).
_________________
(١) في جميع الأصول: «عوف بن مالك»، سبق قلم، وقد تقدّم على الصواب غير مرّة.
(٢) أي: ساقُوه. وفي «طبقات ابن سعد» و«عيون الأثر»: «حَدَرُوه» أي: أنزلوه.
(٣) المطبوع: «وعشرين» بالنصب. والمثبت من الأصول صواب.
(٤) كذا ذكره ابن سعد (٢/ ١٤١) وشيخه الواقدي في «مغازيه» (٣/ ٩٤٥). وذكر ابن إسحاق أيضًا ــ كما في «الدلائل» (٥/ ١٨٢) ــ أبا سفيان ومعاوية من أصحاب المئين، ولم يذكر منهم يزيد. وفي «صحيح مسلم» (١٠٦٠) من حديث رافع بن خديج قال: أعطى رسول الله - ﷺ - أبا سفيان، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كلَّ إنسان منهم مائةً من الإبل » فلم يذكر يزيد ولا معاوية. وقال الذهبي مشكِّكًا في عطاء معاوية: «لو كان أعطاه لما قال عندما خطب فاطمة بنت قيس: أما معاوية فصعلوك لا مال له». «سير أعلام النبلاء» (٣/ ١٢٢).
[ ٣ / ٥٨٦ ]
وأعطى حكيم بن حزام مائةً من الإبل، ثم سأله مائةً أخرى فأعطاه، وأعطى النُّضَير (^١) بن الحارث بن كلدة مائةً من الإبل، وأعطى العلاء بن جارية (^٢) الثقفي خمسين. وذكر أصحابَ المائة وأصحاب الخمسين (^٣).
وأعطى العباس بن مرداس أربعين فقال في ذلك شعرًا فكمَّل له المائة (^٤).
ثم أمر زيد بن ثابتٍ بإحصاء الغنائم والناس، ثم فضَّها على الناس فكانت سهامهم لكل رجل أربعًا من الإبل وأربعين شاةً، فإن كان فارسًا أخذ
_________________
(١) في الأصول والنسخ المطبوعة: «النضر»، وكذا في مطبوعة «طبقات ابن سعد» (٢/ ١٤١) و«دلائل النبوة» (٥/ ١٨٢)، وهو خطأ، لأن النضر ــ وهو أخو النُّضَير هذا ــ قُتل كافرًا يوم بدرٍ كما سبق (ص ١٣٣، ٢١٩). وجاء على الصواب في «مغازي الواقدي» (٣/ ٩٤٥) و«عيون الأثر» (٢/ ١٩٣) وهو مصدر المؤلف. وانظر: «الإصابة» (١١/ ٦٢، ٧٢).
(٢) في عامة الأصول والنسخ المطبوعة: «حارثة»، وكذا في مطبوعة «الطبقات»، وهو تصحيف. انظر: «معرفة الصحابة» لأبي نعيم (٤/ ٢٢٠٠) و«الإصابة» (٧/ ٢٣٥).
(٣) انظر أسماءهم عند ابن إسحاق في مغازيه ــ كما في «الدلائل» (٥/ ١٨٢ - ١٨٣) ــ وابن سعد في «طبقاته» (٢/ ١٤١)، وعنه في «عيون الأثر» (٢/ ١٩٣) وهو مصدر المؤلف.
(٤) وقد أخرجه مسلم (١٠٦٠) من حديث رافع بن خَدِيج، وفيه ذكر الأبيات التي قالها وهي: أتجعل نهبي ونهب العُبَيد بين عيينةَ والأقرعِ فما كان بدرٌ ولا حابسٌ يفوقان مرداسَ في المجمعِ وما كنتُ دون امرئٍ منهما ومن تَخفضِ اليوم لا يُرفعِ
[ ٣ / ٥٨٧ ]
- موجدة الأنصار من تقسيم الغنائم في مسلمة الفتح والمؤلفة قلوبهم
اثني عشر بعيرًا وعشرين ومائة شاة (^١).
قال ابن إسحاق (^٢): وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن أبي سعيد الخدري قال: لما أعطى رسولُ الله - ﷺ - ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب ولم يكُ (^٣) في الأنصار منها شيءٌ، وَجَد هذا الحيُّ من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القالة، حتى قال قائلهم: لقي واللهِ رسولُ الله - ﷺ - قومَه، فدخل عليه سعدُ بن عبادة فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لِما صنعت في هذا الفيء الذي أصبتَ؛ قسمتَ في قومك وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء. قال: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» فقال: يا رسول الله ما أنا إلا مِن قومي. قال: «فاجمع لي قومَك في هذه الحظيرة»، قال: فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردهم.
فلما اجتمعوا أتى سعد فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول الله - ﷺ - فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «يا معشر الأنصار، ما قالةٌ بلغتني عنكم وجِدَةٌ وجدتموها في أنفسكم؟ ألم آتِكم ضُلَّالًا
_________________
(١) «الطبقات» لابن سعد (٢/ ١٤١) و«عيون الأثر» (٢/ ١٩٤).
(٢) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٩٨) و«مسند أحمد» (١١٧٣٠) و«مصنف ابن أبي شيبة» (٣٨١٥٢) و«دلائل النبوة» (٥/ ١٧٦) من طرق عنه به. وإسناده حسن، وله شاهد من حديثَي عبد الله بن زيد بن عاصم وأنس بن مالك عند البخاري (٤٣٣٠، ٤٣٣١) ومسلم (١٠٦١، ١٠٥٩).
(٣) كذا في ف، ب، س. وفي سائر الأصول: «يكن».
[ ٣ / ٥٨٨ ]
- قدوم الشيماء أخت النبي - ﷺ - من الرضاعة
فهداكم الله بي، وعالةً فأغناكم الله بي، وأعداءً فألف الله بين قلوبكم؟» قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ وأفضل. ثم قال: «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟» قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله، لِلّاه ولرسوله المنُّ والفضل. قال: «أما والله لو شئتم لقلتم فلصَدَقتم ولصُدِّقتم: أتيتنا مكذَّبًا فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك؛ أَوَجدتم عليَّ يا معشر الأنصار في أنفسكم في لُعاعةٍ من الدنيا تألَّفتُ بها قومًا ليُسلموا ووَكَلْتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضَون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمدٍ بيده لما تنقلبون به خيرٌ مما ينقلبون به، ولولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وواديًا وسلكت الأنصارُ (^١) لسلكتُ شعب الأنصار وواديها، الأنصار شِعار والناس دِثار (^٢)، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار» قال: فبكى القوم حتى أخضَلُوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله - ﷺ - قَسْمًا وحظًّا، ثم انصرف رسول الله - ﷺ - وتفرقوا.
وقدمت الشَّيماء بنتُ الحارث بن عبد العُزَّى أخت رسول الله - ﷺ - من الرضاعة فقالت: يا رسول الله إني أختك، قال: «وما علامة ذلك؟» قالت: عَضَّة عضضتَنيها في ظهري وأنا متورِّكتك، قال: فعرف رسول الله - ﷺ - العلامة فبسط
_________________
(١) زِيد في المطبوع بعده: «شعبًا وواديًا»، وليس في شيء من الأصول، وهو مفهوم من السياق.
(٢) الشعار: الثوب الذي يلي الجسد، سمي به لأنه يلي شَعره. والدثار: الثوب الذي يكون فوق الشعار. أي: أن الأنصار هم الخاصة والبطانة، وهم أقرب إلى رسول الله - ﷺ - وألصق به من هؤلاء الناس الذين أُعطوا العطايا.
[ ٣ / ٥٨٩ ]
فصل: قدوم وفد هوازن يسألون النبي - ﷺ - أن يمن عليهم بالسبي
لها رداءه وأجلسها عليه، وخيَّرها وقال: «إن أحببتِ (^١) فعندي محبَّبةً مكرَّمةً، وإن أحببتِ أن أمتِّعَك وترجعي إلى قومك؟» قالت: بل تمتعُني وتردُّني (^٢) إلى قومي، ففعل، فزعمت بنو سعدٍ أنه أعطاها غلامًا يقال له مكحول وجاريةً، فزوَّجت إحداهما من الآخر، فلم يزل فيهم من نسلهما بقية (^٣).
وقال أبو عمر (^٤): فأسلمت فأعطاها رسول الله - ﷺ - ثلاثةَ أعبدٍ وجاريةً ونعمًا وشاءً. وسمَّاها (^٥): حُذافة، قال: والشيماء لقب.
فصل
وقدم وفدُ هوازن على رسول الله - ﷺ - وهم أربعة عشر رجلًا ورأسهم زُهَير بن صُرَد، وفيهم أبو برقان عمُّ رسول الله - ﷺ - من الرضاعة، فسألوه أن يمن عليهم بالسَّبْيِ والأموال، فقال: «إن معي من ترون، وإن أحبَّ الحديث إلي أصدقُه، فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟» قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئًا، فقال: «إذا صليتُ الغداة فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول
_________________
(١) زِيد في المطبوع بعده: «الإقامة» وليس في شيء من الأصول ولا في مصادر التخريج.
(٢) ص، ز، د: «متِّعْني ورُدَّني».
(٣) قدوم شيماء ذكره ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٥٨) وابن أبي الدنيا في «مكارم الأخلاق» (٤٠٦) ــ عن يزيد بن عبيد السعدي مرسلًا. وذكر الواقدي في «مغازيه» (٣/ ٩١٣) نحوه عن شيوخه. وللخبر شاهد من مرسل قتادة عند البيهقي في «الدلائل» (٥/ ١٩٩) بإسناد ضعيف.
(٤) ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٤/ ١٨٧٠ - ١٨٧١)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ١٩٥). وما ذكره ابن عبد البر هو لفظ رواية الواقدي.
(٥) أي ابنُ عبد البر، ومِن قبله ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ١٦٠). و«حذافة» تصحف في جميع الأصول عدا ن إلى «حذامة».
[ ٣ / ٥٩٠ ]
الله - ﷺ - إلى المؤمنين ونستشفع بالمؤمنين إلى رسول الله - ﷺ - أن يَرُدَّ (^١) علينا سبينا» فلما صلى الغداة قاموا فقالوا ذلك، فقال رسول الله - ﷺ -: «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وسأسأل لكم الناس»، فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله - ﷺ -، فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميمٍ فلا، وقال عُيَينة بن حِصن: أما أنا وبنو فَزارةَ فلا، وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت (^٢) بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله - ﷺ -، فقال العباس بن مرداس: وهَّنتموني، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن هؤلاء القوم قد جاؤوا مسلمين، وقد كنت استأنيتُ بسبيهم، وقد خيرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئًا، فمن كان عنده منهن شيء فطابت نفسه بأن يرده فسبيل (^٣) ذلك، ومن أحب أن يستمسك بحقِّه فليردَّ عليهم وله بكل فريضة ستُّ فرائض مِن أول ما يفيء الله علينا»، فقال الناس: قد طيبنا لرسول الله - ﷺ -، فقال: «إنا لا نعرف من رضي منكم ممن لم يرضَ، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمرَكم»، فردُّوا عليهم نساءَهم وأبناءهم ولم يتخلف منهم أحدٌ غير عُيَينة بن حصنٍ، فإنه أبى أن يرد عجوزًا صارت في يديه منهم، ثم ردَّها بعد ذلك، وكسا رسول الله - ﷺ - السَّبْيَ قِبطيةً قبطيةً (^٤).
_________________
(١) ص، ز، د: «أن يردُّوا».
(٢) ص، ز، د: «فقال».
(٣) ص، ز، د: «في سبيل»، خطأ ..
(٤) خبر وفد هوازن ملَّفق من ثلاث روايات: حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم عند البخاري (٤٣١٨)، ورواية ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عند ابن هشام في «السيرة» (٢/ ٤٨٩) والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ١٩٤)، ورواية ابن سعد في «طبقاته» (٢/ ١٤١ - ١٤٢) وعنه ابن سيد الناس في «عيون الأثر» (٢/ ١٩٥).
[ ٣ / ٥٩١ ]
- حكمة إمساك الله قلوب هوازن عن الإسلام إبان الفتح
- حكمة إذاقة المسلمين مرارة الهزيمة أولا
فصل
في الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من المسائل الفقهية
والنكت الحُكمية
كان الله ﷿ قد وعد رسوله ــ وهو الصادق الوعدِ ــ أنه إذا فتح مكة دخل الناس في دينه أفواجًا ودانت له العرب بأسرها، فلما تمَّ له الفتح المبين اقتضت حكمته تعالى أن أمسك قلوبَ هوازن ومَن تبعها عن الإسلام وأن يجمعوا ويتألَّبُوا لحرب رسول الله - ﷺ - والمسلمين؛ ليَظهر أمرُ الله وتمامُ إعزازه لرسوله ونَصْرُه لدينه، ولتكون غنائمهم شكرانًا لأهل الفتح، وليُظهر الله سبحانه رسولَه وعبادَه وقَهْرَه لهذه الشوكة العظيمة التي لم يلقَ المسلمون مثلها، فلا يقاومهم بعدُ أحدٌ من العرب، ولغير ذلك من الحكم الباهرة التي تلوح للمتأملين وتبدو للمتوسمين.
واقتضت حكمته سبحانه أن أذاق المسلمين أولًا مرارة الهزيمة والكسرة مع كثرة عَددهم وعُددهم وقوة شوكتهم، لتُطامِن (^١) رؤوسًا رُفِعت بالفتح ولم تدخل بلده وحرمه كما دخله رسول الله - ﷺ - واضعًا رأسه منحنيًا على فرسه حتى إن ذَقَنه تكاد أن (^٢) تَمَسَّ سرجه تواضعًا لربه (^٣) وخضوعًا
_________________
(١) أي مرارة الهزيمة. وفي س، ن، المطبوع: «ليطامن» أي الله ﷾.
(٢) «أن» سقطت من ن، المطبوع. والأفصح والأكثر تجرُّد خبر «كاد» من «أَنْ»، وبه جاء التنزيل.
(٣) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٠٥) من رواية ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي حزم مرسلًا. وله شاهد من حديث أنس عند الحاكم (٣/ ٤٧) وعنه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٦٨) إلا أن إسناده ضعيف. وانظر: «الكامل» لابن عدي (٤/ ٢٥٩).
[ ٣ / ٥٩٢ ]
لعظمته واستكانةً لعزته أن أحلَّ له حرَمَه وبلده ولم يُحلَّه لأحدٍ قبلَه ولا لأحدٍ بعدَه.
وليبيِّن سبحانه لمن قال: «لن نُغلَب اليوم مِن قلة» (^١) أن النصر إنما هو من عنده، وأنه من ينصُرْه فلا غالبَ له ومن يخذُلْه فلا ناصرَ له غيره، وأنه سبحانه هو الذي تولى نصرَ رسولِه ودينِه لا كثرتكم التي أعجبتكم، فإنها لم تُغنِ عنكم شيئًا فوليتم مدبرين، فلما انكسرت قلوبُهم أُرسِلت إليها خِلَعُ الجبر مع بريدِ (^٢): ﴿مُدْبِرِينَ (^٣) (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا﴾ [التوبة: ٢٦]. وقد اقتضت حكمته أن خِلَع النصر وجوائزَه إنما تُفَضُّ (^٤) على أهل الانكسار؛ ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥ - ٦].
ومنها: أن الله سبحانه لمَّا منع الجيش غنائمَ مكةَ، فلم يغنموا منها ذهبًا ولا فضةً ولا متاعًا ولا سبيًا ولا أرضًا، كما روى أبو داود (^٥) عن وهب بن
_________________
(١) كما في مرسل قتادة والسدِّي عند الطبري في «تفسيره» (١١/ ٣٨٧، ٣٨٩) ومرسل الربيع بن أنس عند البيهقي في «دلائل النبوة» (٥/ ١٢٣). وقد ذكره ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٤٤) ــ والواقدي (٣/ ٨٨٩) وابن سعد (٢/ ١٣٩).
(٢) «بريد» مضاف إلى الآية، أي: مع بريد الأمور المذكورة في هذه الآية. وفي النسخ المطبوعة: «مع بريد النصر»، وهي زيادة ليست في شيءٍ من الأصول.
(٣) في الأصول: «فأنزل»، سهو أو سبق قلم.
(٤) أي: تُوَزَّع وتُقسَّم، يُقال: فضَّ المال على القوم، أي فرَّقه وقسمه عليهم. وفي المطبوع: «تفيض»، تصحيف.
(٥) برقم (٣٠٣٢)، وإسناده جيّد.
[ ٣ / ٥٩٣ ]
مُنبِّهٍ قال: «سألت جابرًا: هل غنموا يوم الفتح شيئًا؟ قال: لا»، وكانوا قد فتحوها بإيجاف الخيل والركاب، وهم عشرة آلاف وفيهم حاجة إلى ما يحتاج إليه الجيش من أسباب القوة= فحرَّك (^١) سبحانه قلوب المشركين لغزوهم، وقَذَف في قلوبهم إخراج أموالهم ونَعَمهم وشائِهم وسَبْيِهم معهم، نُزُلًا وضيافةً وكرامةً لحزبه وجنده.
وتمَّم تقديرَه سبحانه بأن أَطمَعَهم في الظَّفر وألاح لهم مبادئ النصر ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا. فلما أنزل الله نصره على رسوله وأوليائه، وبَرَدت (^٢) الغنائمُ لأهلها، وجرت فيها سهامُ الله ورسولِه= قيل: لا حاجة لنا في دمائكم ولا في نسائكم وذَراريِّكم، فأوحى سبحانه إلى قلوبهم التوبة والإنابة فجاؤوا مسلمين، فقيل: إنَّ مِن شُكران (^٣) إسلامكم وإتيانكم أن نرُدَّ عليكم نساءكم وأبناءكم وسبيكم و﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٠].
ومنها: أن الله سبحانه افتتح غزو العرب بغزوة بدرٍ وختم غزوهم بغزاة حُنَين، ولهذا يُقرَن بين هاتين الغزاتين بالذكر فيقال: «بدر وحنين» وإن كان بينهما سبع سنين، والملائكة قاتلت بأنفسها مع المسلمين في هاتين الغزاتين، والنبي - ﷺ - رمى وجوهَ المشركين بالحصباء فيهما، وبهاتين الغزاتين طفئت جمرةُ العرب لغزو رسول الله - ﷺ - والمسلمين، فالأُولى: خوَّفتهم وكسرت مِن
_________________
(١) هو جواب «لمّا منع الجيش » إلخ، والجادّة عدم اقتران جوابها بالفاء، ولعله سها لطول الفصل.
(٢) س، ن: «وبرزت»، تصحيف.
(٣) المطبوع: «شكر» خلافًا للأصول.
[ ٣ / ٥٩٤ ]
فصل: أن من تمام التوكل استعمال الأسباب التي نصبها الله لمسبباتها
حدهم، والثانية استفرغت قُواهم واستنفدت سهامهم وأذلَّت جميعَهم (^١) حتى لم يجدوا بُدًّا من الدخول في دين الله.
ومنها: أن الله سبحانه جبر بها أهل مكة وفرَّحهم بما نالوه من النصر والمغنم، فكانت كالدواء لِما نالهم مِن كسرهم وإن كان عينَ جبرهم، وعرَّفهم تمام نِعَمه عليهم بما صرف عنهم من شرِّ هوازن وأنَّه لم يكن لهم بهم طاقة، وإنما نُصِروا عليهم بالمسلمين، ولو أُفردوا عنهم لأكلهم عدوُّهم.
إلى غير ذلك من الحكم التي لا يحيط بها إلا الله.
فصل
وفيها من الفقه: أن الإمام ينبغي له أن يبعث العيون ومن يدخل بين عدوِّه ليأتيه بخبرهم، وأن الإمام إذا سمع بقصد عدوِّه له وفي جيشه قوَّةٌ ومنَعةٌ لا يقعد ينتظرهم، بل يسير إليهم كما سار رسول الله - ﷺ - إلى هوازن حتى لقيهم بحنين.
وفيها (^٢): أن الإمام له أن يستعير سلاح المشركين وعُدَّتهم لقتال عدوه، كما استعار النبي - ﷺ - أدراع صفوان وهو يومئذ مشرك.
ومنها: أن من تمام التوكل استعمال الأسباب التي نصبها الله لمسبَّباتها قدرًا وشرعًا، فإن رسول الله - ﷺ - وأصحابه أكملُ الخلق توكلًا وإنما كانوا يَلقَون عدوَّهم وهم متحصِّنون بأنواع السلاح.
ودخل رسولُ الله - ﷺ - مكة والبيضة على رأسه، وقد أنزل الله عليه:
_________________
(١) المطبوع: «جمعَهم»، وهما بمعنى.
(٢) س، المطبوع: «ومنها».
[ ٣ / ٥٩٥ ]
﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. وكثير ممن لا تحقيق عنده ولا رسوخ في العلم يستشكل هذا، ويتكايس في الجواب تارةً بأن هذا فَعله تعليمًا للأمة، وتارةً بأن هذا كان قبل نزول الآية.
ووقعت مسألة في مصر سأل عنها بعض الأمراء وقد ذُكِر له حديث ذكره أبو القاسم بن عساكر في «تاريخه الكبير» (^١) أن رسول الله - ﷺ - كان بعد أن أهدت له اليهودية الشاة المسمومة لا يأكل طعامًا قُدِّم له حتى يأكل منه مَن قدَّمه. قالوا: وفي هذا أسوة للملوك في ذلك، فقال قائل: كيف يُجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾؟ فإذا كان الله سبحانه قد ضمن له العصمة، فهو يعلم أنه لا سبيل لبشر عليه (^٢). فأجاب بعضهم بأن هذا يدل على ضعف الحديث، وبعضهم بأن هذا كان قبل نزول الآية، فلما نزلت لم يكن ليفعل ذلك بعدها.
ولو تأمل هؤلاء أن ضمان الله له العصمة لا ينافي تعاطيه لأسبابها
_________________
(١) «تاريخ دمشق» (٢٢/ ١٤٨)، وأخرجه أيضًا الخطيب في «تلخيص المتشابه» (١/ ٢٥٢)، من حديث عمّار بن ياسر، وإسناده واهٍ، فيه علي بن محمد الحَبيبي، قال فيه الدارقطني: ضعيف جدًّا، وكذَّبه أبو عبد الله الحاكم. وله شاهد من حديث عمر بن الخطاب عند الطبري في «تهذيب الآثار» (٢/ ٨٣٨) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣٥٦٩) بإسناد ضعيف، وأخرجه البزار (١٤١٣) والبيهقي في «الشعب» (٥٦٥١) من الطريق نفسه إلا أن فيه عمار بن ياسر بدل عمر بن الخطاب. والحديث في إسناده ومتنه اختلاف كثير واضطراب، وليس في سائر طرقه ذكر موضع الشاهد. انظر: «تهذيب الآثار» (٢/ ٨٣٨ - ٨٤٥) و«علل الدارقطني» (٢٣٩، ٥١١، ١١١٩) و«أنيس الساري» (٣٣٩٩).
(٢) النسخ المطبوعة: «إليه».
[ ٣ / ٥٩٦ ]
لأغناهم عن هذا التكلف، فإن هذا الضمان له من ربه تعالى لا يناقض احتراسه من الناس ولا ينافيه، كما أن إخبار الله سبحانه له بأنه يُظهر دينَه على الدين كله ويُعليه لا يناقض أمرَه بالقتال وإعدادِ العُدَّة والقوة ورباط الخيل والأخذِ بالجدِّ والحَذَر والاحتراس من عدوِّه ومحاربته بأنواع الحرب والتورية، فكان إذا أراد الغزوة وَرَّى بغيرها؛ وذلك لأن هذا إخبار من الله سبحانه عن عاقبة حاله ومآله بما يتعاطاه من الأسباب التي جعلها مُفضيةً إلى ذلك مقتضيةً له، وهو - ﷺ - أعلم بربه وأتبع لأمره مِن أن يُعطِّل الأسباب التي جعلها الله بحكمته موجبةً لما وعده به من النصر والظفر وإظهار دينه وغلبته لعدوه. وهذا كما أنه سبحانه ضَمِن له حياته حتى يُبلِّغَ رسالاتِه ويظهر دينه، وهو يتعاطى أسباب الحياة من المأكل والمشرب والملبس والمسكن.
وهذا موضع يغلط فيه كثير من الناس، حتى آل ذلك ببعضهم إلى أن ترك الدعاء وأنه لا فائدة فيه ــ زَعَم ــ (^١) لأن المسؤول إن كان قد قُدِّر ناله ولا بُدَّ (^٢)، وإن لم يقدَّر لم ينله، فأي فائدة في الاشتغال بالدعاء؟ (^٣) ثم تكايس في الجواب بأن قال: الدعاء عبادة، فيقال لهذا الغالط: بقي عليك قسمٌ آخرُ وهو الحق: أنه قد قُدِّر له مطلوبُه بسببٍ إن تعاطاه حصل له المطلوب وإن عطَّل السبب فاته المطلوب، والدعاء من أعظم الأسباب في حصول المطلوب.
وما مثل هذا الغالط إلا مثل من يقول: إن كان الله قد قدَّر لي الشبع فأنا
_________________
(١) طبعة الرسالة: «وزعم أنه لا فائدة فيه» خلافًا للأصول وللطبعة الهندية.
(٢) «ولابُد» سقط من ص، د، ز، س.
(٣) انظر في هذه المسألة: «الداء والدواء» للمؤلف (ص ٢٦).
[ ٣ / ٥٩٧ ]
فصل: حكم ضمان العارية وخلاف الفقهاء فيه
أشبع أكلتُ أو لم آكل، وإن لم يقدر لي الشبع لم أشبع أكلتُ أو لم آكل، فما فائدة الأكل؟ وأمثال هذه التُّرَّهات الباطلة المنافية لحكمة الله تعالى وشرعه، وبالله التوفيق.
فصل
وفيها: أن النبي - ﷺ - شرط لصفوان في العارية الضمان فقال: «بل عارية مضمونة»، فهل هذا إخبار عن شرعه في العارية ووصف لها بوصفٍ شرعه الله فيها، وأن حكمها الضمان كما تُضمن الغُصُوب (^١)، أو إخبار عن ضمانها بالأداء بعينها، ومعناه أني ضامن لك تأديتها وأنها لا تذهب بل أردُّها إليك بعينها؟
هذا مما اختلف فيه الفقهاء (^٢)، فقال الشافعي وأحمد بالأول وأنها مضمونة بالتلف. وقال أبو حنيفة ومالك بالثاني وأنها مضمونة بالرد، على تفصيل في مذهب مالك وهو أن العين إن كانت مما لا يُغاب عليه (^٣) كالحيوان والعقار لم تُضمَن بالتلف إلا أن يظهر كذبه، وإن كانت مما يُغاب عليه كالحُلِيِّ ونحوه ضمنت بالتلف إلا أن يأتي ببينةٍ تشهد على التلف، وسرُّ مذهبه أن العارية أمانة غير مضمونة كما قال أبو حنيفة، إلا أنه لا يُقبَل قوله فيما يخالف الظاهر، فلذلك فَرَّق بين ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه.
_________________
(١) كذا في ف، ص، د، ث. وفي سائر الأصول والمطبوع: «يُضمن المغصوب».
(٢) انظر: «الأم» (٤/ ٥١٢)، و«الإنصاف» (١٥/ ٨٨)، و«مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (٤/ ١٨٥)، و«المدونة» (١٠/ ١٩٢) و«عقد الجواهر الثمينة» (٢/ ٧٣٢).
(٣) أي لا يُمكن إخفاؤه.
[ ٣ / ٥٩٨ ]
ومأخذ المسألة: أن قوله - ﷺ - لصفوان: «بل عارية مضمونة» (^١) هل أراد به أنها مضمونة بالرد أو بالتلف؟ أي أضمنها إن تلفت أو أضمن لك ردَّها؟ وهو يحتمل الأمرين، وهو في ضمان الرد أظهر لثلاثة أوجه:
أحدها: أن في اللفظ الآخر: «بل عاريةً مؤداة» (^٢) فهذا يبين أن قوله: «مضمونة» المرادُ به المضمونة بالأداء.
الثاني: أنه لم يسأله عن تَلَفها، وإنما سأله هل تأخذها مني أخْذَ غصبٍ تحول بيني وبينها؟ فقال: لا، بل أخْذَ عاريةٍ أؤدِّيها إليك. ولو كان سأله عن
_________________
(١) هذا لفظ رواية ابن إسحاق عن شيوخه، ومرسل محمد بن باقر، وقد سبق تخريجه.
(٢) وصف العارية بالمؤداة في قصة صفوان روي من حديث ابن عباس عند الدارقطني (٢٩٥١) والحاكم (٢/ ٤٧) والبيهقي (٦/ ٨٨) بإسناد واه، ولفظه أنه قال: يا رسول الله أعارية مؤداة؟ فقال - ﷺ -: «عارية مؤداة». وروي بنحوه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عند الدارقطني (٢٩٥٢) إلا أن إسناده إلى عمرو بن شعيب ضعيف. واللفظ الذي ذكره المؤلف ورد في حديث يعلى بن أمية - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال له ــ أي: ليعلى ــ: «إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعًا وثلاثين بعيرًا»، فقال: يا رسول الله، أعارية مضمونة أو عارية مؤداة؟ قال: «بل عارية مؤداة». أخرجه أحمد (١٧٩٥٠) وأبو داود (٣٥٦٦) والنسائي في «الكبرى» (٥٧٤٤) وابن حبان (٤٧٢٠) والدارقطني (٢٩٥٣) بإسناد رجاله رجال الشيخين، وهذا لفظ رواية النسائي، ولفظ أبي داود بنحوه. ولفظ سائر الروايات أنه قال: العارية مؤداة يا رسول الله؟ قال: «نعم»، وهذا اللفظ أصح. ويبقى النظر في هذه القصة هل هي قصة أخرى غير قصة صفوان، أو أنها هي نفسها ولكن الرواة اضطربوا في تعيين صاحب القصة؟ والأظهر ــ والله أعلم ــ أن القصة لصفوان لتعدد مخارجها وإطباق أصحاب المغازي عليها، على أن ابن حزم يرى أن الصحيح في الباب حديث يعلى وأما ما سواه فلا يساوي الاشتغال به. انظر: «المحلى» (٩/ ١٧٣).
[ ٣ / ٥٩٩ ]
فصل: بعض معجزات النبوة في هذه الغزوة
تلفها وقال: أخاف أن تذهب، لناسب أن يقول: أنا ضامن لها إن تلفت.
الثالث: أنه جعل الضمان صفةً لها نفسها، ولو كان ضمانَ تلفٍ لكان الضمان لبدلها، فلما وقع الضمان على ذاتها دلَّ على أنه ضمانُ أداءٍ.
فإن قيل: ففي القصة أن بعض الدروع ضاع فعرض عليه النبي - ﷺ - أن يضمنها، فقال: أنا اليوم في الإسلام أرغب (^١).
قيل: هل عرض عليه أمرًا واجبًا أو أمرًا جائزًا مستحبًّا الأولى فِعلُه، وهو من مكارم الأخلاق والشِّيم ومن محاسن الشريعة؟ وقد يترجح الثاني بأنه عرض عليه الضمان، ولو كان الضمان واجبًا لم يَعرِضه عليه، بل كان يفي له به ويقول: هذا حقُّك، كما لو كان الذاهب بعينه موجودًا فإنه لم يكن ليعرض عليه ردَّه، فتأمَّلْه.
فصل
وفيها: جواز عَقْر فرس العدو ومركوبه إذا كان ذلك عونًا على قتله، كما عقر عليٌّ بعير حامل راية الكفار، وليس هذا من تعذيب الحيوان المنهي عنه.
وفيها: عفو رسول الله - ﷺ - عمَّن همَّ بقتله، ولم يعاجله بل دعا له ومسح صدره حتى عاد كأنه وليٌّ حميم.
ومنها: ما ظهر في هذه الغزاة من معجزات النبوة وآيات الرسالة من إخباره لشيبةَ بما أضمر في نفسه، ومن ثباته وقد تولى عنه الناس وهو يقول:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
_________________
(١) ورد ذلك في حديث صفوان الموصول، وفي الرواية عن أناس من آله مرسلًا، وقد سبق تخريجهما (ص ٥٧٩).
[ ٣ / ٦٠٠ ]
- جواز انتظار الإمام بقسم الغنائم إسلام الكفار
وقد استقبلته كتائب المشركين.
ومنها: إيصال الله سبحانه قبضته التي رمى بها إلى عيون أعدائه على البعد منه، وبركته في تلك القبضة حتى ملأت أعيُنَ القوم، إلى غير ذلك من معجزاته فيها، كنزول الملائكة للقتال معه حتى رآهم العدوُّ جهرةً ورآهم بعضُ المسلمين (^١).
ومنها: جواز انتظار الإمام بقَسْم الغنائمِ إسلامَ الكفار ودخولهم في الطاعة فيردَّ عليهم غنائمهم وسبيهم. وفي هذا دليل لمن يقول: إن الغنيمة إنما تملك بالقسمة لا بمجرد الاستيلاء عليها، إذ لو ملكها المسلمون بمجرد الاستيلاء لم يستأنِ بهم النبيُّ - ﷺ - ليردَّها عليهم، وعلى هذا فلو مات من الغانمين أحدٌ قبل القسمة أو إحرازِها بدار الإسلام رُدَّ نصيبه على بقية الغانمين دون ورثته، وهذا مذهب أبي حنيفة (^٢)، ولو مات قبل الاستيلاء لم يكن لورثته شيء، ولو مات بعد القسمة فسهمُه لورثته.
_________________
(١) ومما روي في نزول الملائكة غير ما سبق عند المؤلف في أحداث الغزاة: ما رواه مُسَدَّد في «مسنده» ــ كما في «المطالب العالية» (٤٣٠٩) ــ والطبري في «تفسيره» (١١/ ٣٩٣، ٣٩٥) وابن عساكر في «تاريخه» (٣٤/ ١٧٣) من طرق عن عوف الأعرابي، عن عبد الرحمن مولى أم بُرثُنٍ قال: حدثني رجل كان من المشركين يوم حنين قال: «لمّا التقينا نحن وأصحاب محمد - ﷺ - لم يقوموا لنا حلبَ شاة أن كشفناهم، فبينا نحن نسوقهم في أدبارهم إذ انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء فتلقَّانا عنده رجال بيض حسان الوجوه فقالوا لنا: شاهت الوجوه! ارجعوا، قال: فانهزمنا وركبوا أكتافنا فكانت إياها». وإسناده جيّد.
(٢) انظر: «شرح مختصر الطحاوي» للجصاص (٧/ ٢٣) و«بدائع الصنائع» (٧/ ١٢١) و«المغني» لابن قدامة (١٣/ ٩١).
[ ٣ / ٦٠١ ]
فصل: الخلاف في عطاء النبي - ﷺ - لقريش والمؤلفة قلوبهم: هل هو من أصل الغنيمة، أو من الخمس، أو من خمس الخمس؟
فصل
وهذا العطاء الذي أعطاه النبي - ﷺ - لقريش والمؤلفةِ قلوبُهم هل هو من أصل الغنيمة، أو من الخُمس، أو من خمس الخمس؟
فقال الشافعي ومالك: هو من خمس الخمس (^١)، وهو سهمه - ﷺ - الذي جعله الله له من الخمس، وهو غير الصفي وغير ما يصيبه من المغنم، لأن النبي - ﷺ - لم يستأذن الغانمين في تلك العطية، ولو كان العطاء من أصل الغنيمة لاستأذنهم لأنهم ملكوها بحوزها والاستيلاء عليها، وليس من أصل الخمس لأنه مقسوم على خمسة، فهو إذًا من خمس الخمس.
وقد نص الإمام أحمد (^٢) على أن النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة، وهذا العطاء هو من النفل، نفَّل النبي - ﷺ - به رؤوس القبائل والعشائر ليتألَّفهم به وقومَهم على الإسلام، فهو أولى بالجواز من تنفيل الثلث بعد الخمس والربع بعده (^٣) لِما فيه من تقوية الإسلام وشوكته وأهله واستجلابِ عدوِّه إليه؛ وهكذا (^٤) وقع سواءً، كما قال بعض هؤلاء الذين نفلهم: «لقد أعطاني رسول الله - ﷺ - وإنه لأبغض الخلقِ إليَّ، فما زال يعطيني حتى إنه
_________________
(١) هو مذهب الشافعي. وأما مالك فقال: إن النفل يكون من جملة الخمس، ولم يشترط أن يكون من خمس الخمس. انظر: «المنهاج» للنووي (ص ٣٦٦)، و«المدونة» (٣/ ٣٠) و«البيان والتحصيل» (٣/ ٨٠، ١٧/ ٤٧١، ١٨/ ١٨٤).
(٢) كما في «مسائله» رواية صالح (١/ ٢٢٤) ورواية عبد الله (ص ٢٥٧).
(٣) يشير إلى هديه - ﷺ - ــ وقد سبق (ص ١٢١) ــ أنه إذا أرسل سريةً بين يدي الجيش فغنمت شيئًا أخرج خُمسه ونفّلها رُبع الباقي، ثم قسم الباقي بينها وبين سائر الجيش بالسوية، وهذا في البدأة، وأما في القفول فينفلها الثلث بعد إخراج الخمس.
(٤) واو العطف ساقطة من ز، د، س، المطبوع.
[ ٣ / ٦٠٢ ]
لأحب الخلق إلي» (^١).
فما ظنك بعطاء قوَّى الإسلام وأهله وأذلَّ الكفر وحزبه، واستجلب به قلوب رؤوس القبائل والعشائر الذين إذا غضبوا غضب لغضبهم أتباعُهم وإذا رضوا رضوا لرضاهم، فإذا أسلم هؤلاء لم يتخلف عنهم أحد من قومهم؛ فللّاه ما أعظمَ موقعَ هذا العطاءِ وما أجداه وأنفعَه للإسلام (^٢) وأهله.
ومعلوم أن الأنفال لله ولرسوله، يقسمها رسولُه حيث أمره لا يتعدى الأمر، فلو وَضع الغنائمَ بأسرها في هؤلاء لمصلحة الإسلام العامة لما خرج عن الحكمة والمصلحة والعدل.
ولمَّا عَميت أبصارُ ذي الخويصرة التميمي وأضرابه عن هذه المصلحة والحكمة قال له قائلهم: «اعدل فإنك لم تعدل»، وقال مُشْبِهُه: «إن هذه لَقسمةٌ ما أريد بها وجه الله» (^٣)، ولعَمرُ الله إن هؤلاء مِن أجهل الخلق برسوله ومعرفتِه بربه وطاعتِه له، وتمامِ عدله، وإعطائه لله ومنعه لله.
ولله سبحانه أن يقسم الغنائم كما يحب، وله أن يمنعها الغانمين جملةً كما منعهم غنائم مكة وقد أوجفوا عليها بخيلهم وركابهم، وله أن يسلِّط عليها نارًا من السماء تأكلها (^٤)، وهو في ذلك كله أعدل العادلين وأحكم الحاكمين، وما فعل ما
_________________
(١) قاله صفوان بن أمية، كما في «صحيح مسلم» (٢٣١٣) عن سعيد بن المسيب مرسلًا.
(٢) ف: «على الإسلام»، وكأن «على» مضروب عليها.
(٣) قولهما في «الصحيحين»، وقد سبق تخريجهما (ص ٥٤٢ - ٥٤٣).
(٤) كما كان عليه الأمر في الأمم السابقة، ففي حديث أبي هريرة المتفق عليه في قصة نبي من الأنبياء: « فجاءت النار فأكلتها، ثم أحل الله لنا الغنائم؛ رأى ضعفَنا وعجزنا فأحلّها لنا». البخاري (٣١٢٤) ومسلم (١٧٤٧).
[ ٣ / ٦٠٣ ]
فصل: الخلاف في بيع الرقيق والحيوان بعضه ببعض نساءومتفاضلا
فعله مِن ذلك عبثًا ولا قدَّره سدًى، بل هو عين المصلحة والحكمة والعدل والرحمة، مصدره كمالُ علمه وعزَّته وحكمته ورحمته؛ ولقد أتمَّ نعمته على قوم ردَّهم إلى منازلهم برسوله يقودونه إلى ديارهم، وأرضى من لم يعرف قدر هذه النعمة بالشاء والبعير، كما يُعطى الصغيرُ ما يناسب عقله ومعرفته ويُعطى العاقلُ اللبيبُ ما يناسبه، وهذا فضله وهذا فضله (^١)، وليس هو سبحانه تحت حَجر أحدٍ من خلقه فيوجبون عليه بعقولهم ويُحرِّمون، ورسولُه منفذ لأمره.
فإن قيل: فلو دعت حاجة الإمام في وقت من الأوقات إلى مثل هذا مع عدوِّه، هل يسوغ له ذلك؟
قيل: الإمام نائب عن المسلمين يتصرف لمصالحهم وقيام الدين، فإن تعيَّن ذلك للدفع عن الإسلام والذبِّ عن حوزته واستجلابِ رؤوس أعدائه إليه ليأمنَ المسلمون شرَّهم ساغ له ذلك، بل تعيَّن عليه، وهل تُجوِّز الشريعة غير هذا؟! فإنه وإن كان في الحرمان مفسدة، فالمفسدة المتوقَّعة من فوات تأليف هذا العدو أعظم، ومبنى الشريعة على دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصيلِ أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، بل بناء مصالح الدنيا والدين على هذين الأصلين. وبالله التوفيق.
فصل
وفيها: أن النبي - ﷺ - قال: «من لم يُطيِّب (^٢)، فله بكل فريضة ستُّ فرائضَ مِن أول ما يفيء الله علينا».
_________________
(١) «وهذا فضله» سقط من المطبوع.
(٢) ص، د: «لم يَطِب»، تصحيف. وزِيد في النسخ المطبوعة بعده: «نفسه»، وليس في شيء من الأصول.
[ ٣ / ٦٠٤ ]
ففي هذا دليل على جواز بيع الرقيق بل الحيوان بعضه ببعضٍ نَساءً (^١) ومتفاضلًا.
وفي «السنن» (^٢) من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله - ﷺ -: أمره أن يجهز جيشًا فنفِدت الإبلُ فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة، وكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة.
وفي «السنن» (^٣) عن ابن عمر عنه - ﷺ - أنه نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً. ورواه الترمذي (^٤) من حديث الحسن عن سمرة وصححه.
_________________
(١) ص، د، ز: «نسيئًا».
(٢) لأبي داود (٣٣٥٧)، وأخرجه أيضًا أحمد (٦٥٩٣، ٧٠٢٥) والحاكم (٢/ ٥٦ - ٥٧)، وإسناده ضعيف لجهالة بعض رواته ولما فيه من الاختلاف والاضطراب. وله شاهد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه بنحوه. أخرجه الدارقطني (٣٠٥٢) ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» وصحَّحه. انظر: «التاريخ الكبير» للبخاري (٦/ ٣٢٢) و«بيان الوهم» لابن القطان (٥/ ١٦٢) و«تهذيب السنن» للمؤلف (٢/ ٤٢٠ - بتحقيقي) و«إرواء الغليل» للألباني (١٣٥٨).
(٣) لم أجده في شيء من السنن، وإنما أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (١٠/ ١٢١) والطحاوي في «معاني الآثار» (٤/ ٦٠) والعقيلي في «الضعفاء» (٥/ ٢٥٣) والطبراني في «الكبير» (١٣/ ٢٥٢)، وفي إسناده لين، وقد أعلَّه الإمام أحمد والبخاري بالإرسال. انظر: «سؤالات أبي داود لأحمد في الجرح والتعديل» (ص ٣٥٢) و«العلل الكبير» للترمذي (ص ١٨٣).
(٤) برقم (١٢٣٧)، وكذلك أحمد (٢٠١٤٣) وأبو داود (٣٣٥٦) والنسائي (٤٦٢٠) وابن ماجه (٢٢٧٠) من طرق عن قتادة عن الحسن عن سمرة. وقد اختلف في سماع الحسن من سمرة غيرَ حديث العقيقة، وأكثر الحفاظ لا يثبتونه، وعليه فالحديث مرسل.
[ ٣ / ٦٠٥ ]
وفي الترمذي (^١) من حديث الحجاج بن أرطاة عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الحيوان اثنانِ بواحدٍ لا يصلح نساءً، ولا بأس به يدًا بيد». قال الترمذي: حديث حسن.
فاختلف الناس في هذه الأحاديث على أربعة أقوال وهي روايات عن أحمد (^٢).
أحدها: جواز ذلك متفاضلًا ومتساويًا نسيئةً ويدًا بيد، وهي مذهب أبي حنيفة (^٣) والشافعي (^٤).
والثاني: لا يجوز نسيئةً ولا متفاضلًا.
والثالث: يحرم الجمع بين النساء والتفاضل ويجوز البيع مع أحدهما وهو قول مالك (^٥).
والرابع: إن اتحد الجنس جاز التفاضل وحرم النَّساء وإن اختلف
_________________
(١) برقم (١٢٣٨)، وأيضًا أخرجه أحمد (١٥٠٦٣) وابن ماجه (٢٢٧١) وغيرهم من طرق عن الحجاج بن أرطاة به. والحجاج مدلس وفيه لين، ولم يتابعه عليه إلا من هو دونه. «تهذيب السنن» (٢/ ٤٢٢ - بتحقيقي، الهامش ٣).
(٢) ص، ز، د: «الإمام أحمد». وانظر للروايات: «المغني» (٦/ ٦٤ - ٦٦).
(٣) نسبة هذا القول إلى مذهب أبي حنيفة فيه نظر، فإن الذي في كتبهم أنه يجوز التفاضل ويحرُم النَّساء ــ كما سيأتي في القول الرابع ــ، وهو الذي نسبه المؤلف إليهم في «تهذيب السنن» (٢/ ٤٢٣ - ٤٢٤). انظر: «الأصل» لمحمد بن الحسن الشيباني (٢/ ٤٢٠، ٤٣٩) و«المبسوط» للسرخسي (١٢/ ٢١٤) و«بدائع الصنائع» (٥/ ١٨٥).
(٤) انظر: «الأم» (٤/ ٧٠، ٢٤٥).
(٥) انظر: «الموطأ» (١٩٠٤ - ١٩٠٦) و«الكافي» لابن عبد البر (٢/ ٦٥٧) و«القوانين الفقهية» لابن جُزَي (ص ١٦٩).
[ ٣ / ٦٠٦ ]
- بيان أن الشريعة لا تعطل المصلحة الراجحة لأجل المرجوحة
الجنس جاز التفاضل والنَّساء.
وللناس في هذه الأحاديث والتأليف بينها ثلاث (^١) مسالك:
أحدها: تضعيف حديث الحسن عن سمرة لأنه لم يسمع منه سوى حديثين ليس هذا منهما، وتضعيفُ حديث الحجاج بن أرطاة.
والمسلك الثاني: دعوى النسخ وإن لم يتبين المتأخر منها من المتقدم، ولذلك وقع الاختلاف.
والمسلك الثالث: حملها على أحوال مختلفة، وهو أن النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً إنما كان لأنه ذريعة إلى النسيئة في الربويَّات، فإن البائع إذا رأى ما في هذا البيع من الربح لم تقتصر نفسُه عليه، بل تجرُّه إلى بيع الربوي كذلك، فسدَّ عليهم الذريعة وأباحه يدًا بيد ومنع من النَّساء فيه، وما حُرِّم للذريعة يباح للمصلحة الراجحة، كما أباح من المزابنةِ العرايا للمصلحة الراجحة، وأباح ما تدعو إليه الحاجة منها، وكذلك بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً متفاضلًا في هذه القصةِ وفي حديث ابن عمر إنما وقع في الجهاد وحاجةِ المسلمين إلى تجهيز الجيش، ومعلوم أن مصلحة تجهيزه أرجحُ من المفسدة التي في بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً، والشريعة لا تُعطِّل المصلحة الراجحة لأجل المرجوحة.
ونظير هذا جوازُ لبس الحرير في الحرب، وجوازُ الخيلاء فيها، إذ مصلحة ذلك أرجح من مفسدة لبسه.
ونظير ذلك لباسه القَباءَ الحريرَ الذي أهداه له ملك أيلةَ ساعةً ثم نزعه
_________________
(١) كذا في الأصول، ولعلَّ المؤلف ذكَّره حملًا على المعنى، أي: ثلاث طرق. وقد سبق له نظير (ص ٣٥٨).
[ ٣ / ٦٠٧ ]
للمصلحة الراجحة في تأليفه وجبره (^١)، وكان هذا بعد النهي عن لباس الحرير كما بيناه مستوفًى في كتاب «التحبير (^٢) بما (^٣) يحل ويحرم من لباس الحرير» (^٤)، وبينا أن هذا كان عام الوفود سنة تسع، وأن النهي عن لباس الحرير كان قبل ذلك بدليل أنه نهى عمر عن لبس الحلَّة الحرير التي أعطاه إياها فكساها عمر أخًا له مشركًا بمكة (^٥)، وهذا كان قبل الفتح ولباسُه - ﷺ - هديةَ ملكِ أيلةَ كان بعد ذلك.
ونظير هذا نهيه - ﷺ - عن الصلاة قبل طلوع الشمس وبعد العصر سدًّا لذريعة التشبُّه (^٦) بالكفار، وأباح ما فيه مصلحة راجحة من قضاء الفوائت وقضاء السنن وصلاة الجنازة وتحية المسجد، لأن مصلحة فِعلها أرجحُ من مفسدة النهي. والله أعلم.
_________________
(١) لعله يشير بذلك إلى حديث عُقبة بن عامر أنه قال: أُهدي إلى النبي - ﷺ - فَرُّوجُ حرير، فلبِسَه فصلَّى فيه، ثم انصرف فنزعه نزعًا شديدًا كالكاره له وقال: «لا ينبغي هذا للمتقين». أخرجه البخاري (٣٧٥) ومسلم (٢٠٧٥) على أني لم أجد رواية تشير إلى أن ملك أيلة هو الذي أهدى له ذلك، بل الذي في حديث أنس عند البخاري (٢٦١٥ - ٢٦١٦) ومسلم (٢٤٦٩) أن أُكيدَر دُومة أهدى له جُبَّة سندس، وكذا في حديث علي عند مسلم (٢٠٧١/ ١٨)؛ فإن كان هو فَرُّوج الحرير الذي في حديث عقبة صحَّ الاستدلال بهدية أكيدر أيضًا، لأنها كانت بعد غزوة تبوك والنهيُ عن لبس الحرير كان قد ثبت قبل ذلك بمدّة كما سيقرّره المؤلف.
(٢) طبعة الرسالة: «التخيير» خلافًا للأصول والطبعة الهندية.
(٣) د، المطبوع: «فيما».
(٤) لا يزال في عداد المفقود، وسيأتي ذكره عند المؤلف في كتاب الطب أيضًا (٤/ ١٠٨).
(٥) أخرجه البخاري (٨٨٦، ٢٦١٢) ومسلم (٢٠٦٨) من حديث نافع عن ابن عمر.
(٦) ص، د، ز: «التشبيه».
[ ٣ / ٦٠٨ ]
فصل: أن المتعاقدين إذا جعلا بينهما أجلا غير محدود جاز
فصل: هل سلب القتيل مستحق للقاتل بالشرع أو بشرط الإمام له؟
فصل (^١)
وفي القصة دليل على أن المتعاقِدَين إذا جعلا بينهما أجلًا غيرَ محدودٍ جاز إذا اتفقا عليه ورضيا به. وقد نص أحمد (^٢) على جوازه في رواية عنه في الخيار مدةً غيرَ محدودةٍ، وأنه يكون جائزًا حتى يقطعاه. وهذا هو الراجح، إذ لا محذور في ذلك ولا غَرَر (^٣)، وكلٌّ منهما قد دخل على بصيرة ورَضِي (^٤) بموجَب العقد وكلاهما في العلم به سواء، فليس لأحدهما مزية على الآخر، فلا يكون ذلك ظلمًا.
فصل
وفي هذه الغزوة أنه قال: «من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه» (^٥)، وقاله في غزوة أخرى قبلها (^٦)، فاختلف الفقهاء: هل هذا السلبُ مستحَقٌّ بالشرع أو بالشرط؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد:
_________________
(١) سقط العنوان من المطبوع.
(٢) كما في «مسائله» رواية الكوسج (٢/ ٤٣).
(٣) في الأصول والنسخ المطبوعة: «عذر»، والظاهر أنه تصحيف عن المثبت.
(٤) المطبوع: «ورضًى»، ولعل المثبت أولى.
(٥) متفق عليه، وسيأتي تخريجه في الفصل الآتي.
(٦) ذكر الواقدي (١/ ٩٩) بإسناد له مرسل أن منادي رسول الله - ﷺ - نادى بذلك يوم بدر، ويشهد له حديث عبد الرحمن بن عوف عند البخاري (٣١٤١) ومسلم (١٧٥٢) أن النبي - ﷺ - نظر في سيفي معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح بعدما قتلا أبا جهل فقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو. وأيضًا قضى النبي - ﷺ - بذلك في أسلاب غزوة مؤتة، كما في «صحيح مسلم» (١٧٥٣).
[ ٣ / ٦٠٩ ]
أحدهما: أنه له بالشرع شرطه الإمام أو لم يشرطه، وهو قول الشافعي.
والثاني: أنه لا يستحق إلا بشرط الإمام وهو قول أبي حنيفة. وقال مالك: لا يستحق إلا بشرط الإمام بعد القتال، فلو نصَّ قبله لم يَجُز. قال مالك: ولم يبلغني أن النبي - ﷺ - قال ذلك إلا يوم حنينٍ، وإنما نفل النبي - ﷺ - بعد أن برد القتال (^١).
ومأخذ النزاع أن النبي - ﷺ - كان هو الإمام والحاكم والمفتي وهو الرسول، فقد يقول الحكم بمنصب الرسالة فيكون شرعًا عامًّا إلى يوم القيامة كقوله: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (^٢)، وقولِه: «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته» (^٣)، وكحكمه بالشاهد واليمين (^٤)، وبالشفعة فيما لم يقسم (^٥).
_________________
(١) انظر: «الإنصاف» (١٠/ ١٥١ - ١٥٢) و«الأم» (٥/ ٣٠٩) و«المدونة» (٣/ ٣١).
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) من حديث عائشة - ﵂ -.
(٣) أخرجه أحمد (١٥٨٢١) وأبو داود (٣٤٠٣) والترمذي (١٣٦٦) وابن ماجه (٢٤٦٦) من حديث عطاء بن أبي رباح عن رافع بن خَدِيج. وقد ذكر الترمذي أنه سأل البخاري عن هذا الحديث فقال: «هو حديث حسن». وقد أعله بعض أهل العلم بأن عطاءً لم يلقَ رافعًا، ولكنّه لم يُسلَّم لهم ذلك، على أن الحديث قد روي من طريقين آخرين بنحوه. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (١٤٢٧) و«السنن الكبرى» للبيهقي (٦/ ١٣٦ - ١٣٧) و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٤/ ١٦٥) و«إرواء الغليل» للألباني (١٥١٩).
(٤) أخرجه مسلم (١٧١٢) من حديث ابن عباس. وفي الباب عن أبي هريرة وجابر عند أصحاب السنن وغيرهم.
(٥) أخرجه البخاري (٢٢١٣) ومسلم (١٦٠٨) من حديث جابر - ﵁ -.
[ ٣ / ٦١٠ ]
وقد يقوله بمنصب الفتوى، كقوله لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان وقد شكت إليه شُحَّ زوجها وأنه لا يعطيها ما يكفيها: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (^١)، فهذه (^٢) فتيا لا حكم، إذ لم يدعُ بأبي سفيان ولم يسأله عن جواب الدعوى ولا سألها البينة.
وقد يقوله بمنصب الإمامة، فيكون مصلحةً للأمة في ذلك الوقت وذلك المكان وعلى تلك الحال، فيلزم مَن بعده من الأئمة مراعاةُ ذلك على حسب المصلحة التي راعاها النبي - ﷺ - زمانًا ومكانًا وحالًا، ومن هاهنا تختلف الأئمة في كثير من المواضع التي فيها أثر عنه كقوله - ﷺ -: «من قتل قتيلًا فله سلبه» هل قاله بمنصب الإمامة فيكون حكمه متعلقًا بالأئمة، أو بمنصب الرسالة والنبوة فيكون شرعًا عامًّا؟
وكذلك قوله: «من أحيا أرضًا ميتةً فهي له» (^٣)، هل هو شرع عام لكل أحدٍ أذن فيه الإمام أو لم يأذن، أو هو راجع إلى الأئمة فلا يملك بالإحياء إلا بإذن الإمام؟ على القولين، فالأول للشافعي وأحمد في ظاهر مذهبهما، والثاني لأبي حنيفة، وفرق مالك بين الفلوات الواسعة وما لا يتشاحُّ فيه
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٣٦٤) ومسلم (١٧١٤) من حديث عائشة - ﵂ -.
(٢) ص، د، س: «هذا».
(٣) أخرجه أبو داود (٣٠٧٣) والترمذي (١٣٧٨) من حديث عروة عن سعيد بن زيد - ﵁ -، ورجاله ثقات. وأخرجه البخاري (٢٣٣٥) من حديث عروة عن عائشة بلفظ: «من أعمر أرضًا ليست لأحدٍ فهو أحقُّ به». وقد رُوي الحديث عن عروة مرسلًا كما عند مالك (٢١٦٦) وأبي داود (٣٠٧٤) والنسائي في «الكبرى» (٥٧٢٨، ٥٧٣٠) والبيهقي (٦/ ١٤٢) وغيرهم من طرق عنه، وهو أصحّ كما قال الدارقطني في «العلل» (٦٦٥، ٣٤٦٠).
[ ٣ / ٦١١ ]
فصل: فقه قوله - ﷺ -: «له عليه بينة»
الناس وبين ما يقع فيه التشاح، فاعتُبِر إذنُ الإمام في الثاني دون الأول (^١).
فصل
وقوله - ﷺ -: «له عليه بينة» دليل على مسألتين:
إحداهما: أن دعوى القاتل أنه قتل هذا الكافر لا تقبل في استحقاق سلبه.
الثانية: الاكتفاء في ثبوت هذه الدعوى بشاهدٍ واحد من غير يمين لِما ثبت في «الصحيح» (^٢) عن أبي قتادة: «قال خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلًا من المشركين قد علا رجلًا من المسلمين، فاستدرتُ إليه حتى أتيته مِن ورائه فضربتُه على حبل عاتقه، وأقبل علي فضمَّني ضمةً وجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمرَ بن الخطاب فقال: ما للناس؟ فقلت: أمر الله، ثم إن الناس رجعوا، وجلس رسول الله - ﷺ - فقال: «من قتل قتيلًا له عليه بينةٌ فله سَلَبُه»، قال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال مثل ذلك، قال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم قال ذلك الثالثة فقمت، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما لك يا أبا قتادة؟» فقصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله، سلب ذلك القتيل عندي، فأرضِه من حقِّه، فقال أبو بكر الصديق: لاها اللهِ إذًا! لا يَعمِدُ إلى أَسَدٍ من أُسْد الله يقاتلُ عن الله ورسوله فيعطيك
_________________
(١) انظر: «الأم» (٨/ ٦٣٦) و«الإنصاف» (١٦/ ٨٢) و«الأصل» للشيباني (٨/ ١٥٩، ١٦٥، ١٦٦) و«المدونة» (١٥/ ١٩٥).
(٢) أخرجه البخاري (٣١٤٢، ٤٣٢١، ٧١٧٠) ومسلم (١٧٥١) واللفظ له.
[ ٣ / ٦١٢ ]
- بيان أنه لا يشترط في الشهادة التلفظ بلفظ «أشهد»
سلبَه، فقال رسول الله - ﷺ -: «صدق، فأعطه إياه»، فأعطاني فبعتُ الدرعَ فابتعت به مَخرفًا في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثَّلتُه (^١) في الإسلام.
وفي المسألة ثلاثة أقوال (^٢): هذا أحدها، وهو وجه في مذهب أحمد.
والثاني: أنه لا بد من شاهد ويمين، كإحدى الروايتين عن أحمد.
والثالث ــ وهو منصوص الإمام أحمد ــ: أنه لا بد من شاهدين، لأنها دعوى قتلٍ فلا تقبل إلا بشاهدين.
وفي القصة دليل على مسألة أخرى: وهي أنه لا يشترط في الشهادةِ التلفظُ بلفظ «أشهد»، وهذا أصح الروايات عن أحمد في الدليل ــ وإن كان الأشهر عند أصحابه الاشتراط ــ، وهي مذهب مالك (^٣).
قال شيخنا (^٤): ولا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين اشتراط لفظة (^٥) الشهادة.
وقد قال ابن عباس: شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح (^٦). ومعلوم أنهم
_________________
(١) المَخرف: حائط فيه نَخَلات يُخترفن، أي يُجتنى منهن الثمر. تأثَّلته: أي تأصَّلته، أراد أنه أول أصلٍ باقٍ من المال اقتناه وجمعه.
(٢) انظر «الأوسط» (٦/ ١١٩) و«المغني» (١٣/ ٧٤).
(٣) انظر: «الإنصاف» (٣٠/ ٩٩ - ١٠٠) و«تبصرة الحكام» لابن فرحون (١/ ٢٢٢).
(٤) ونقله المؤلف أيضًا في «الطرق الحكمية» (٢/ ٥٤٣) بنحوه، والبعلي في «الاختيارات» (ص ٥٢٣) والمرداوي في «الإنصاف».
(٥) كذا في ف، ص، ب. وفي سائر الأصول والمطبوع: «لفظ».
(٦) أخرجه البخاري (٥٨١).
[ ٣ / ٦١٣ ]
لم يتلفظوا له بلفظ «أشهد» إنما كان مجرد إخبار.
وفي حديث ماعز: «فلما شهد على نفسه أربع شهادات رجمه» (^١)، وإنما كان منه مجرد إخبار عن نفسه هو إقرار.
وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ [أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ] (^٢) أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾ [الأنعام: ١٩].
وقوله: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠].
وقوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦].
وقوله: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١].
وقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ (^٣) [آل عمران: ١٨]، إلى أضعاف ذلك مما ورد في القرآن والسنة من إطلاق لفظ الشهادة على الخبر المجرد عن لفظة «أشهد».
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣٠٢٨) ومسلم (١٦٩٣) من حديث ابن عباس بنحوه. وأخرجه عبد الرزاق (١٣٣٣٦) والنسائي في «الكبرى» (٧١٣٧) من حديث جابر بإسناد صحيح.
(٢) ما بين الحاصرتين لم يرد في شيء من الأصول.
(٣) في ز، س، ن كتبت الآية إلى قوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾، وكذا في المطبوع.
[ ٣ / ٦١٤ ]
فصل: سلب القتيل كله للقاتل غير مخموس
وقد تنازع الإمام أحمد وعلي ابن المديني في الشهادة للعشرة بالجنة، فقال علي: أقول هم في الجنة، ولا أقول أشهد أنهم في الجنة، فقال له الإمام أحمد: متى قلت هم في الجنة فقد شهدت (^١). وهذا تصريح منه بأنه لا يشترط في الشهادة لفظة «أشهد». وحديث أبي قتادة من أبين الحجج في ذلك.
فإن قيل: إخبار من كان عنده السَّلَب إنما كان إقرارًا بقوله: هو عندي، وليس ذلك من الشهادة في شيء.
قيل: تضمن كلامه شهادةً وإقرارًا، فقوله (^٢): «صدق» شهادةٌ له بأنه قتله، وقوله: «هو عندي» إقرارٌ منه بأنه عنده؛ والنبي - ﷺ - إنما قضى بالسلب بعد البينة، وكان تصديق هذا هو البينة.
فصل
وقوله: «فله سلبه» دليل على أن له سلَبَه كلَّه غيرَ مخموسٍ (^٣)، وقد صرح بهذا في قوله لسلمة بن الأكوع لما قتل قتيلًا: «له سلبُه أجمع» (^٤).
وفي المسألة ثلاثة مذاهبَ، هذا أحدها.
والثاني: أنه يُخْمَس كالغنيمة، وهذا قول الأوزاعي وأهل الشام (^٥)، وهو مذهب ابن عباس (^٦) لدخوله في آية الغنيمة.
_________________
(١) انظر: «السنة» للخلال (٤٨٩، ٤٩٠) و«اختيارات شيخ الإسلام» للبعلي (ص ٥٢٢).
(٢) د، المطبوع: «بقوله»، تصحيف.
(٣) المطبوع: «مخمَّس».
(٤) أخرجه مسلم (١٧٥٤) من حديث سلمة.
(٥) منهم التابعي الفقيه: مكحول. انظر: «الأوسط» لابن المنذر (٦/ ١١١).
(٦) أخرجه عنه ابن أبي شيبة (٣٣٧٦٨، ٣٣٩٦٢) وابن المنذر في «الأوسط» (٦/ ١١١) والبيهقي (٦/ ٣١٢).
[ ٣ / ٦١٥ ]
فصل: السلب من أصل الغنيمة ويستحقه من يسهم له ومن لا يسهم له
والثالث: أن الإمام إن استكثره خَمَسه وإن استقلَّه لم يَخمُسْه، وهو قول إسحاق (^١) وفَعله عمر بن الخطاب، فروى سعيد في «سننه» (^٢) عن ابن سيرين أن البراء بن مالك بارز مَرزُبانَ الزارة (^٣) بالبحرين فطعنه فدقَّ صلبه وأخذ سِوَارَيه وسلبه، فلما صلى عمر الظهر أتى البراءَ (^٤) في داره، فقال: «إنا كُنَّا لا نَخْمُس السَّلَب، وإن سلب البراء قد بلغ مالًا وأنا خامسه»، فكان أولُ سلب خُمِس في الإسلام سلبَ البراء، بلغ ثلاثين ألفًا.
والأول أصح، فإن رسول الله - ﷺ - لم يَخمُس السَّلَب وقال: هو له أجمع، ومضت على ذلك سنته وسنة الصديق بعدَه، وما رآه عمر اجتهاد أداه إليه رأيه.
فصل (^٥)
والحديث يدل على أنه من أصل الغنيمة، فإن النبي - ﷺ - قضى به للقاتل ولم ينظر في قِيمته وقدرِه واعتبارِ خروجه من خُمس الخمس، وقال مالك (^٦): هو من خمس الخمس.
_________________
(١) كما في «مسائله» رواية الكوسج (٢/ ٣٤٢).
(٢) برقم (٢٧٠٨)، وأخرجه أيضًا عبد الرزاق (٩٤٦٨) وابن أبي شيبة (٣٣٧٦٠، ٣٣٧٦١) والبيهقي (٦/ ٣١٠، ٣١١) بأسانيد صحيحة، وهو عند الأخيرين: عن ابن سيرين عن أنس. والبراء بن مالك أخو أنس.
(٣) في المطبوع: «مرزبان المرازبة»، وكذا في هامش ز مصدَّرًا بـ «لعله»، وهو خطأ. والزَّارَة: قرية بالبحرين، وهي اليوم تقع في محافظة القطيف بالمملكة العربية السعودية. والمرزبان: رئيس القوم عند الفُرس، وهو دون الملك.
(٤) في «السنن» وغيره: «أتى أبا طلحة»، وهو زوج أم سليم (أم البراء وأنس).
(٥) العنوان ساقط من المطبوع.
(٦) سبق (ص ٦٠٢) أن المشهور عنه أنه من جملة الخمس دون تحديد خمس الخمس.
[ ٣ / ٦١٦ ]
فصل: القاتل يستحق سلب جميع من قتلهم وإن كثروا
ويدل على (^١) أنه يستحقه من يُسهَم له ومن لا يسهم له مِن صبيٍّ وامرأة وعبد ومشرك. وقال الشافعي (^٢) في أحد قوليه: لا يستحق السلب إلا من يستحق السهم، لأن السهم المُجمَع عليه إذا لم يستحقَّه العبد والصبي والمرأة والمشرك، فالسلب أولى. والأول أصح للعموم، ولأنه جارٍ مجرى قول الإمام: من فعل كذا (^٣) أو دل على حصنٍ أو جاء برأس فله كذا، مما فيه تحريض على الجهاد؛ والسهمُ مستحَقٌّ بالحضور وإن لم يكن منه فِعل، والسلب مستحَقٌّ بالفِعل فجرى مجرى الجِعالة.
فصل
وفيه دلالة على أنه يستحق سلبَ جميعِ من قتله وإن كثروا. وقد ذكر أبو داود (^٤) أن أبا طلحة قتل يومَ حنينٍ عشرين رجلًا فأخذ أسلابهم.
* * *
_________________
(١) أي: والحديث يدل على أنه إلخ. وزِيد في هامش ف هنا: «ذلك» مصححًا عليه، فصار السياق: «ويدل على ذلك: أنه » إلخ، أي: ويدل على كونه مِن أصل الغنيمة أنه إلخ، فصارت جملةُ «أنه يستحقه » على هذا التقدير دليلًا على المسألة السابقة، وعلى ما في سائر النسخ هي مسألة أخرى دلَّ عليها الحديث، وهو الأظهر.
(٢) انظر: «نهاية المطلب» (١١/ ٤٥٩) و«البيان» (١٢/ ١٦٢).
(٣) ن، المطبوع: «كذا وكذا».
(٤) في «سننه» (٢٧١٨)، وأخرجه أيضًا أحمد (١٢٢٣٦) والدارمي (٢٥٢٧) وابن حبان (٤٨٣٦) والضياء في «المختارة» (٤/ ٣٥٩ - ٣٦٠)، وإسناده صحيح.
[ ٣ / ٦١٧ ]
- بعث النبي - ﷺ الطفيل بن عمرو إلى الصنم «ذي الكفين» ليهدمه
فصل
في غزوة الطائف في شوال سنة ثمان
قال ابن سعد (^١): قالوا: ولما أراد رسول الله - ﷺ - المسير إلى الطائف بعث الطفيل بن عمروٍ إلى ذي الكَفَّين صنمِ عمرو بن حُمَمة الدوسي يهدمه، وأمره أن يستمدَّ قومَه ويوافيه بالطائف، فخرج سريعًا إلى قومه فهدم ذا الكفَّين وجعل يحشو (^٢) النار في وجهه ويحرقه ويقول:
يا ذا الكفَين لستُ مِن عُبَّادكا (^٣) ميلادنا أكبر من ميلادكا (^٤)
إني حشوتُ النار في فؤادكا (^٥)
وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعًا، فوافوا النبي - ﷺ - بالطائف بعد
_________________
(١) في «طبقاته» (٢/ ١٤٥) ــ والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ٢٠٠) ــ، وهو عند شيخه الواقدي في «مغازيه» (٣/ ٩٢٢) فيما حدّث به عن شيوخه. والخبر عند ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام (١/ ٣٨٥) ــ عند ذكر إسلام الطفيل بن عمرو مختصرًا، وظاهره وظاهر رواية أخرى عند الواقدي (٢/ ٨٧٠): أن النبي - ﷺ - بعثه لهدم الصنم إثر فتح مكة حين بث السرايا لهدم مناةَ والعُزَّى وغيرها.
(٢) كذا في الأصول ومطبوعة الواقدي. وفي مصدري النقل: «يحشُّ»، وهو أولى فإنه يُقال: «حش النار» إذا أوقدها وجمع إليها ما تفرّق من الحطب.
(٣) «الكفين» بتخفيف الفاء للضرورة الشعرية. وانظر: «الروض الأنف» (٣/ ٣٧٦).
(٤) «أكبر» كذا في «عيون الأثر»، وفي المطبوع: «أقدم» وفاقًا لابن إسحاق والواقدي وابن سعد.
(٥) «حشوت» كذا في الأصول و«سيرة ابن هشام» (١/ ٣٨٥). وفي «مغازي الواقدي» و«الطبقات» و«عيون الأثر»: «حششت».
[ ٣ / ٦١٨ ]
- خروجه - ﷺ - من حنين إلى الطائف لقتال من تحصن فيه من فل ثقيف
مقدمه بأربعة أيام، وقدم بدبَّابة (^١) ومَنْجَنيق.
قال ابن سعد (^٢): ولما خرج رسول الله - ﷺ - من حُنينٍ يريد الطائف قدَّم خالد بن الوليد على مقدِّمته، وكانت ثقيف قد رَمَّوا حِصنَهم (^٣) وأدخلوا فيه ما يُصلحهم لسنة، فلما انهزموا من أوطاس دخلوا حِصنَهم وأغلقوه عليهم وتهيؤوا للقتال، وسار رسول الله - ﷺ - فنزل قريبًا من حصن الطائف وعسكرَ هناك، فرموا المسلمين بالنبل رميًا شديدًا كأنه رِجلُ جَرَاد (^٤)، حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة وقُتِل منهم اثنا عشر رجلًا، فارتفع رسول الله - ﷺ - إلى موضع مسجد الطائف اليوم، وكان معه من نسائه أمُّ سلمة وزينب فضرب لهما قُبَّتين، وكان يُصلِّي بين القُبَّتَين مدة حصار الطائف، فحاصرهم ثمانية عشر يومًا ــ وقال ابن إسحاق (^٥): بضعًا وعشرين ليلةً ــ، ونصب عليهم المَنْجَنيق وهو أول ما رُمي به في الإسلام.
_________________
(١) الدبابة: آلة كانت تتّخذ في حرب الحِصار، يدخل فيها الرجال بسلاحهم ثم تُدفع في أصل الحصن فينقبون وهم في جوفها وهي تقيهم نبل العدوِّ ورميه. ومنها سميت الدبابة المعروفة اليوم.
(٢) في «الطبقات» (٢/ ١٤٥)، وهو عند شيخه (٣/ ٩٢٤) بأطول منه. والنقل من «عيون الأثر» (٢/ ٢٠٠).
(٣) أي: أصلحوا ما فسد منه.
(٤) رِجل الجراد: الجماعة الكثيرة من الجراد.
(٥) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٨٢)، وقال ابن هشام: ويقال: سبع عشرة ليلة. وفي حديث أنس عند مسلم (١٠٥٩/ ١٣٦) أنهم حاصروا الطائف أربعين ليلة ثم رجعوا إلى مكة.
[ ٣ / ٦١٩ ]
- نصب المنجنيق واستعمال الدبابة لثقب جدار الحصن
وقال ابن سعد (^١): أخبرنا (^٢) قَبِيصة، أخبرنا سفيان، عن ثور بن يزيد، عن مكحول: أن النبي - ﷺ - نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يومًا.
قال ابن إسحاق (^٣): حتى إذا كان يوم الشَّدْخة (^٤) عند جدار الطائف دخل نفر من أصحاب رسول الله - ﷺ - تحت دبابة ثم دخلوا (^٥) بها إلى جدار الطائف ليخرقوه (^٦)، فأرسلت عليهم ثقيف سِكَك الحديد مُحماةً بالنار
_________________
(١) في «الطبقات» (٢/ ١٤٦). وأخرجه أيضًا أبو داود في «المراسيل» (٣٣٥) من طريق آخر عن سفيان به، والحديث مرسل. وفي الباب حديث أبي عبيدة بن الجرَّاح أن النبي - ﷺ - نصب عليهم المنجنيق سبعة عشر يومًا، أخرجه البيهقي في «السنن» (٩/ ٨٤) بإسناد غريب استنكره بعض الأئمة. وجاء ذكر نصب المنجنيق أيضًا في حديث عليٍّ عند العقيلي في «الضعفاء» (٣/ ٢٠٢) وابن الأعرابي في «معجمه» (٨٣٨)، ولكن إسناده واه. وذكره أيضًا الواقدي في «مغازيه» (٣/ ٩٢٧)، ولم يذكره موسى بن عقبة ولا ابن إسحاق، بل قد أنكره يحيى بن أبي كثير ــ وهو من صغار التابعين ــ وقال: ما نعرف هذا، أسنده عنه أبو داود في «المراسيل» (٣٣٦)، ويحيى بن أبي كثير وصفه أيوب السَّختياني بقوله: ما أعلم أحدًا بعد الزهرى أعلم بحديث أهل المدينة من يحيى بن أبى كثير. قلتُ: فبعيد أن يكون هذا ثابتًا ثم يخفى على مثله، والله أعلم.
(٢) في الأصول هنا وفي الموضع الآتي: «أنا» أو «أبنا» وكلاهما اختصار للمثبت، وفي المطبوع: «حدثنا» خلافًا للأصول ولمصدرَي النقل.
(٣) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٨٣)، والنقل من «عيون الأثر» (٢/ ٢٠١).
(٤) الشدخ: الكسر، وسُمِّي يوم الشدخة لِما أصاب المسلمين يومئذ من القتل والجراحات.
(٥) كذا في الأصول، والذي في مصدري النقل: «زحفوا».
(٦) المطبوع: «ليحرقوه» بالحاء المهملة. والمثبت موافق لمطبوعة مصدرَي النقل، ويؤيده لفظ الواقدي في «مغازيه» (٣/ ٩٢٨): «ليحفروه».
[ ٣ / ٦٢٠ ]
فخرجوا من تحتها (^١) فرمتهم ثقيف بالنبل فقتلوا منهم رجالًا، فأمر رسول الله - ﷺ - بقطع أعناب ثقيف، فوقع الناس فيها يقطعون.
قال ابن سعد (^٢): فسألوه أن يدعها لله وللرحم، فقال رسول الله - ﷺ -: «فإني أدعها لله وللرحم»، فنادى منادي رسول الله - ﷺ -: «أيما عبدٍ نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حرٌّ»، فخرج منهم بضعة عشر رجلًا فيهم أبو بكرةَ، فأعتقهم رسول الله - ﷺ - (^٣)، ودفع كلُّ رجلٍ منهم إلى رجل من المسلمين يمونه، فشقَّ ذلك على أهل الطائف مشقةً شديدةً.
ولم يؤذَن لرسول الله - ﷺ - في فتح الطائف، واستشار رسول الله - ﷺ - نَوفل بن معاوية الدِّيلي فقال: «ما ترى؟» فقال: ثعلب في جُحرٍ إن أقمتَ عليه أخذتَه وإن تركته لم يَضرُرْك (^٤)، فأمر رسولُ الله - ﷺ - عمر بن الخطاب فأذَّن في الناس بالرحيل، فضج الناس من ذلك وقالوا: نرحل ولم يُفتح علينا الطائف؟ فقال رسول الله - ﷺ - «فاغدوا على القتال» فغدَوا، فأصابت
_________________
(١) أي: من تحت الدبَّابة، لأنها احترقت لمّا أصابها سكك الحديد، كما عند الواقدي.
(٢) «الطبقات» (٢/ ١٤٥) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٠١).
(٣) خروج أبي بكرة إلى النبي - ﷺ - وإعتاقه إياه روي من غير وجهٍ، منها ما رواه عبد الرزاق (٩٦٨٢) بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهدي عن أبي بكرة أنه خرج إلى رسول الله - ﷺ - وهو محاصر أهل الطائف بثلاثة وعشرين عبدًا فأعتقهم رسول الله - ﷺ -. وهو عند البخاري (٤٣٢٧) من وجهٍ آخر مختصرًا. وروي أن النبي - ﷺ - كناه «أبا بكرة» لأنه تدَّلى من حصن الطائف ببكرة، أخرجه الحاكم (٤/ ٢٧٩) بإسناد فيه لين. وانظر: «سنن البيهقي» (٩/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
(٤) س، المطبوع: «لم يَضرَّك»، وهما لغتان في المضاعف المجزوم.
[ ٣ / ٦٢١ ]
- أمر النبي - ﷺ - بالرحيل عن الطائف دون أن يفتح له
المسلمين جراحات، فقال رسول الله - ﷺ -: «إنا قافلون (^١) إن شاء الله»، فسُرُّوا بذلك وأذعنوا وجعلوا يرحلون ورسول الله - ﷺ - يضحك (^٢).
فلما ارتحلوا واستقلوا قال: «قولوا: آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون» (^٣).
وقيل: يا رسول الله، ادع الله على ثقيف، فقال: «اللهم اهْدِ ثقيفًا وائت بهم» (^٤).
_________________
(١) زيد في المطبوع بعده: «غدًا»، وليس في شيء من الأصول ولا في «الطبقات» و«عيون الأثر»، وإنما جاء ذلك في حديث ابن عمر عند البخاري الآتي تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري (٤٣٢٥، ٦٠٨٦، ٧٤٨٠) من حديث ابن عمر بنحوه، دون ذكر أن النبي - ﷺ - لم يؤذَن له في فتحها واستشارته نوفل الديلي، والأمران عند الواقدي (٣/ ٩٣٦ - ٩٣٧) بإسناد له عن أبي هريرة. وفي مغازي أبي الأسود عن عروة ــ كما في «الدلائل» (٥/ ١٦٩) ــ أن عمر قال للنبي - ﷺ -: ألا تدعو على أهل الطائف فتنهض إليهم لعل الله يفتحها، فإن أصحابك كثير وقد شقَّ عليهم الحبسُ ومنعُهم معايشَهم؟ فقال - ﷺ -: «لم يؤذَن لنا في قتالهم»، فلما رأى ذلك عمر قال: أفلا آمر الناس فلا يسرِّحوا ظهرهم حتى يرتحلوا بالغداة؟ قال: «بلى».
(٣) تفرّد به الواقدي وكاتبه (ابن سعدٍ) من هذا الوجه، وإلا فقد ثبت من حديث ابن عمر في «الصحيحين» أن النبي - ﷺ - كان يقول ذلك إذا قفل من غزوٍ أو حج أو عمرة، وقد سبق ذكره في فصل في هديه - ﷺ - في سفره (١/ ٥٨٧) وفصل في هديه - ﷺ - في أذكار السفر (٢/ ٥٢٠، ٥٢٦).
(٤) هنا انتهى نقل كلام ابن سعد. والحديث ذكره أيضًا ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٨٨) ــ دون إسناد. وأخرجه أحمد (١٤٧٠٢) والترمذي (٣٩٤٢) من حديث جابر دون قوله: «وائتِ بهم»، قال الترمذي: حديث حسن غريب. وفي مغازي أبي الأسود عن عروة أن النبي - ﷺ - دعا حين ركب قافلًا: «اللهم اهدِهم واكفِنا مؤونتهم».
[ ٣ / ٦٢٢ ]
- خروجه - ﷺ - إلى الجعرانة لتقسيم غنائم حنين، ثم أداؤه العمرة منها
فصل: قصة إسلام ثقيف وقدوم وفدهم بعد غزوة تبوك
واستشهد مع رسول الله - ﷺ - بالطائف جماعة (^١)، ثم خرج رسول الله - ﷺ - عن الطائف إلى الجِعرانة (^٢)، ثم دخل منها مُحرِمًا بعمرةٍ فقضى عمرتَه ثم رجع إلى المدينة (^٣).
فصل
قال ابن إسحاق (^٤): وقدم رسول الله - ﷺ - المدينة من تبوك في رمضان وقدم عليه في ذلك الشهر وفدُ ثقيفٍ، وكان من حديثهم أن رسول الله - ﷺ - لما انصرف عنهم اتَّبع أثره عروةُ بن مسعود حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله - ﷺ - ــ كما يتحدث قومه (^٥) ــ: «إنهم قاتلوك» وعرف رسول الله - ﷺ - أن فيهم نخوةَ الامتناع الذي كان منهم، فقال عروة: يا رسول الله، أنا أَحبُّ إليهم مِن أبكارهم، وكان فيهم كذلك محبَّبًا مُطاعًا، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف لهم على عِلِّيَّةٍ له (^٦) وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه رموه بالنَّبل من كلِّ وجه، فأصابه سهم
_________________
(١) هم اثنا عشر رجلًا ساق ابن إسحاق أسماءهم، كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٨٦) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٠٢).
(٢) وبها قسم غنائم حنين كما سبق.
(٣) كما في حديث أنس المتفق عليه، وقد سبق أن ذكره المؤلف (٢/ ١١٢).
(٤) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٣٧) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٢٨). وانظر خبر الوفد عند موسى بن عقبة كما في «دلائل النبوة» (٥/ ٢٩٩) ــ وسيسوق المؤلف لفظه في فصل الوفود (ص ٧٥٠) ــ، وعند الواقدي (٣/ ٩٦٠) وابن سعد (١/ ٢٧٠).
(٥) المطبوع: «قومك»، خطأ مخالف للأصول ومصدر النقل.
(٦) العِلِّيَّة ــ بكسر العين وضمها ــ: الغُرفة في عُلْو الدار.
[ ٣ / ٦٢٣ ]
فقتله، فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها الله إليَّ، فليس فيَّ إلا ما في الشهداء الذين قُتلوا مع رسول الله - ﷺ - قبل أن يرتحل عنكم فادفنوني معهم، فدفنوه معهم، فزعموا أن رسول الله - ﷺ - قال فيه: «إن مَثَله في قومه كمَثَلِ صاحب يس في قومه» (^١).
ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرًا، ثم إنهم ائتمروا بينهم ورأوا أنه لا طاقة لهم بحربِ مَن حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا، وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله - ﷺ - رجلًا كما أرسلوا عروة، فكلَّموا عبدَ ياليلَ بن عمرو بن عمير ــ وكان سِنَّ عروة بن مسعود ــ وعرضوا عليه ذلك، فأبى أن يفعل وخشي أن يُصنع به إذا رجع (^٢) كما صنع بعروة، فقال: لستُ فاعلًا حتى ترسلوا معي رجالًا، فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثةً من بني مالك (^٣) فيكونون ستةً، فبعثوا معه الحكمَ بنَ عمرِو بن وهبٍ وشرحبيلَ بن غيلان، ومن بني مالك: عثمانَ بن أبي العاص وأوسَ بن عوفٍ ونمير (^٤) بن خرشة، فخرج بهم فلما دَنَوا من المدينة ونزلوا قناةَ (^٥)
_________________
(١) ذكره أيضًا عروة وموسى بن عقبة والواقدي في مغازيهم بنحوه .. وله شواهد مرسلة تعضده، منها: مرسل مِقسم مولى ابن عباس عند عبد الرزاق في «تفسيره» (٢/ ١٣٩)، ومرسل أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عند ابن أبي شيبة (٣٨٠٥٥)، ومرسل قتادة بإسناد صحيح عند ابن أبي شيبة (٢٨١٧٧) أيضًا، ومرسل عبد الملك بن عمير عند ابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٠/ ٣١٩١).
(٢) «إذا رجع» ساقط من المطبوع.
(٣) الأحلاف وبنو مالك هما بطنا ثقيفٍ.
(٤) في الأصول: «بهز»، تصحيف.
(٥) هو الوادي الذي يمرُّ بين المدينة وأُحُد. انظر: «معجم المعالم في السيرة» (ص ٢٥٨) و«معجم معالم حجاز» (ص ١٤٠٣).
[ ٣ / ٦٢٤ ]
ألْفَوا بها المغيرة بن شعبة، فاشتد ليبشِّر رسولَ الله - ﷺ - بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر فقال له: أقسمتُ عليك لا تسبقني إلى رسول الله - ﷺ - حتى أكونَ أنا أحدِّثه، ففعل فدخل أبو بكر على رسول الله - ﷺ - فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج المغيرة على (^١) أصحابه فروَّح الظهرَ معهم وعلَّمهم كيف يُحيُّون رسولَ الله - ﷺ -، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية، فلما قدموا على رسول الله - ﷺ - ضرب عليهم قبةً في ناحية مسجده كما يزعمون.
وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله - ﷺ - حتى اكتتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي كتبه، وكانوا لا يأكلون طعامًا يأتيهم من عند رسول الله - ﷺ - حتى يأكلَ منه خالد حتى أسلموا.
وقد كان فيما سألوا رسول الله - ﷺ - أن يدع لهم الطاغية وهي اللات لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله - ﷺ - عليهم، فما برحوا يسألونه سنةً سنةً ويأبى عليهم حتى سألوه شهرًا واحدًا بعد قدومهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئًا مسمًّى، وإنما يريدون بذلك ــ فيما يُظهرون ــ أن يَسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريِّهم، ويكرهون أن يروِّعُوا قومهم بهدمها حتى يَدخلهم الإسلام، فأبى رسول الله - ﷺ - إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها (^٢).
وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا
_________________
(١) س، المطبوع: «إلى»، وهو كذلك في مصدري النقل.
(٢) وفي مغازي عروة وموسى بن عقبة ــ كما في «الدلائل» (٥/ ٣٠٣) ــ أن النبي - ﷺ - أرسل جماعة من الصحابة وأمَّر عليهم خالد بن الوليد، وفيهم المغيرة بن شعبة.
[ ٣ / ٦٢٥ ]
أوثانهم بأيديهم، فقال رسول الله - ﷺ -: «أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه» (^١).
فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله - ﷺ - كتابًا أمَّر عليهم عثمان بن أبي العاص، وكان مِن أحدثهم سِنًّا، وذلك أنه كان مِن أحرصهم على التفقُّه في الإسلام وتعلُّم القرآن (^٢).
فلما فرغوا من أمرهم وتوجهوا إلى بلادهم راجعين بعث رسول الله - ﷺ - معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية، فخرجا مع القوم حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة بن شعبة أن يقدم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه وقال: ادخل أنت على قومك، وأقام أبو سفيان بماله
_________________
(١) يشهد له حديث عثمان بن أبي العاص الثقفي أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله - ﷺ - أنزلهم المسجد ليكون أرقَّ لقلوبهم، فاشترطوا عليه أن لا يُحشروا ولا يُعشروا ولا يُجَبُّوا ولا يُستعمل عليهم غيرهم، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن لكم أن لا تُحشروا ولا تُعشروا ولا يُستَعمل عليكم غيركم، ولا خير في دينٍ لا ركوع فيه». أخرجه أحمد (١٧٩١٣) وأبو داود (٣٠٢٦) وغيرهما بإسناد جيّد. والشاهد فيه قولهم: «لا يُجَبُّوا» أي: أن لا يركعوا، يقال: جَبَّى فلان تجبيةً، إذا انحنى قائمًا ووضع يديه على ركبتيه، وهو كناية عن أنهم لا يريدون أن يُصلُّوا. وأما قولهم: «لا يُحشروا ولا يُعشروا» فمعناه: لا يُندبوا إلى الجهاد ولا تؤخذ منهم الصدقة، كما جاء مصرَّحًا في حديث جابر عند أبي داود وغيره ــ وسيأتي (ص ٧١٥) ــ، وفيه أن النبي - ﷺ - قال: «سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا».
(٢) يدل عليه ما جاء في رواية أحمد للحديث السابق: «وقال عثمان بن أبي العاص: يا رسول الله، علِّمني القرآن واجعلني إمام قومي». وأخرج مسلم (٤٦٨/ ١٨٦) من حديثه أن النبي - ﷺ - قال له: «أُمَّ قومَك، فمن أمَّ قومًا فليخفِّف فإن فيهم الكبيرَ » الحديث.
[ ٣ / ٦٢٦ ]
بذي الهَرْم (^١) فلما دخل المغيرة بن شعبة علاها يضربها بالمِعول وقام دونه بنو مُعتِّب (^٢) خشية أن يُرمى أو يصاب كما أصيب عروة، وخرج نساء ثقيفٍ حُسَّرًا يبكين عليها، ويقول أبو سفيان ــ والمغيرة يضربها بالفأس ــ: واهًا لكَ واهًا لكَ (^٣)! فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليَّها أرسل إلى أبي سفيان مجموعَ مالِها من الذهب والفضة والجَزْع (^٤).
وقد كان أبو مليح بن عروةَ وقاربُ بن الأسود قدما على رسول الله - ﷺ - قبل وفد ثقيف حين قُتل عروة يريدان فراقَ ثقيفٍ وأن لا يُجامعاها (^٥) على شيء أبدًا فأسلما، فقال لهما رسول الله - ﷺ -: «توَلَّيا من شئتما»، فقالا: نتولى الله ورسوله، فقال رسول الله - ﷺ -: «وخالَكما أبا سفيان بن حرب»، فقالا: وخالنا أبا سفيان (^٦).
_________________
(١) ز، ث، س، ن، المطبوع: «الهدم»، وكذا في مطبوعة «سيرة ابن هشام». والمثبت من سائر النسخ موافق لما في «عيون الأثر»، وهو الذي نصَّ عليه الحازمي في «المتفق والمفترق من الأمكنة» (ص ٩١٩) وياقوت في «معجم البلدان» (٥/ ٤٠٣).
(٢) في عامة الأصول: «مغيث»، تصحيف. وهو مُعتِّب بن مالك بن كعب من الأحلاف من ثقيف، ومن بنيه عروة بن مسعود بن معتَّب الذي سبق أن قُتل شهيدًا، ومنهم ابن أخيه: قارب بن الأسود بن مسعود بن معتِّب سيد الأحلاف يوم حُنين. انظر: «أنساب الأشراف» للبلاذري (١٣/ ٣٤٢ - ٣٤٣).
(٣) واهًا: كلمة تعجُّب مِن حُسن الشيء وطيبه.
(٤) الجَزْع: خَرَز يماني فيه سواد وبياض، تشبَّه به الأعين، والواحدة: الجَزعة.
(٥) ص، د: «يجامعا». وفي ن، المطبوع: «يجامعاهم».
(٦) وجه كونه خالًا لهما ــ والله أعلم ــ أن عروة والأسود ابني مسعود أمهما: سُبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف، وأبو سفيان هو ابن حرب بن أمية بن عبد شمس.
[ ٣ / ٦٢٧ ]
ما في قصة ثقيف من الفقه
- ليس في غزوة الطائف ما يدل على جواز ابتداء القتال في الأشهر الحرم
فلما أسلم أهل الطائف سأل أبو مليح رسولَ الله - ﷺ - أن يقضي عن أبيه عروة دينًا كان عليه من مال الطاغية، فقال له رسول الله - ﷺ -: «نعم»، فقال له قارب بن الأسود: وعن الأسود يا رسول الله فاقْضِه ــ وعروة والأسود أخوان لأب وأم ــ فقال رسول الله - ﷺ -: «إن الأسود مات مشركًا»، فقال [قارب بن] (^١) الأسود: يا رسول الله، لكن تصل مسلمًا ذا قرابة ــ يعني نفسَه ــ وإنما الدين عليَّ وأنا الذي أُطلَب به، فأمر رسول الله - ﷺ - أبا سفيان أن يقضي دين عروةَ والأسودِ من مال الطاغية، ففعل.
وكان كتاب رسول الله - ﷺ - الذي كتب لهم: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد النبي رسولِ الله إلى المؤمنين: إن عِضاهَ وجٍّ وصيدَه حرامٌ لا يُعضَد؛ من وُجد يفعل شيئًا من ذلك فإنه يُجلَد وتُنزَع ثيابُه، فإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيُبلَغ النبيَّ محمَّدًا، وإن هذا أمر النبي محمدٍ رسولِ الله - ﷺ -. وكتب خالد بن سعيدٍ بأمر الرسول محمد بن عبد الله، فلا يتعَدَّهُ أحدٌ فيظلمَ نفسَه فيما أمر به محمد رسول الله» (^٢).
فهذه قصة ثقيف مِن أولها إلى آخرها سقناها كما هي وإن تخلَّل بين غزوِها وإسلامها غزاةُ تبوك وغيرها، ولكن آثرنا أن لا نقطع قصَّتَهم وأن نَنْظِم أوَّلَها بآخرها ليقع الكلامُ على فقه هذه القصة وأحكامها في موضع واحد.
فنقول: فيها من الفقه جواز القتال في الأشهر الحُرُم ونسخُ تحريمِ ذلك،
_________________
(١) ساقط من جميع الأصول، وإنما أثبت في ن فوق السطر بخط مغاير مصحَّحًا عليه.
(٢) وذكر الكتاب بنحوه الواقديُّ في «مغازيه» (٣/ ٩٧٣) وكاتبه في «الطبقات» (١/ ٢٤٦).
[ ٣ / ٦٢٨ ]
فإن رسول الله - ﷺ - خرج من المدينة إلى مكة في أواخر رمضان بعد مضي ثمان عشرة ليلةً منه، والدليل عليه ما رواه أحمد في «مسنده» (^١): حدثنا إسماعيل عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس أنه مرَّ مع رسول الله - ﷺ - زمن الفتح على رجل يحتجم بالبقيع لثمان عشرة خلت من رمضان وهو آخذ بيدي فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم». وهذا أصحُّ مِن قول مَن قال: إنه خرج لعشرٍ خلون من رمضان (^٢)، وهذا الإسناد شرطُ مسلمٍ، فقد روى به بعينه: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» (^٣).
وأقام بمكة تسع عشرة ليلةً يقصر الصلاة (^٤)، ثم خرج إلى هوازن فقاتلهم وفرغ منهم، ثم قصد الطائف فحاصرهم بضعًا وعشرين ليلةً في قول ابن إسحاق، وثمان عشرة ليلةً في قول ابن سعد، وأربعين ليلةً في قول مكحول (^٥).
_________________
(١) برقم (١٧١١٢)، وأخرجه أيضًا النسائي في «الكبرى» (٣١٢٦، ٣١٤٠) وابن حبان (٣٥٣٤) والطبراني في «الكبير» (٧/ ٢٧٧) من طرق عن خالد الحذَّاء به. وأخرجه النسائي في «الكبرى» (٣١٢٦) والبيهقي (٤/ ٢٦٨) من طريق هشيم عن منصور بن زاذان عن أبي قلابة به. وللحديث طرق أخرى عن أبي قلابة ولكن ليس فيها ذكر زمن الفتح. وقد صحّح الحديث الإمام وعلي ابن المديني وإسحاق بن راهويه وعثمان بن سعيد الدارمي كما أسنده عنهم الحاكم في «المستدرك» (١/ ٤٢٨ - ٤٢٩) وعنه البيهقي (٤/ ٢٦٧).
(٢) روي ذلك عن ابن عباس، وهو الذي سبق أن ذكره المؤلف في غزوة الفتح (ص ٤٧٨).
(٣) «صحيح مسلم» (١٩٥٥/ ٥٧).
(٤) كما في حديث ابن عباس عند البخاري (٤٢٩٨).
(٥) وهو أصحّ الأقوال، لأنه صحَّ مِن قول أنس عند مسلم، كما سبق.
[ ٣ / ٦٢٩ ]
فصل: جواز غزو الرجل وأهله معه
فصل: أن العبد إذا أبق من المشركين ولحق بالمسلمين صار حرا
فإذا تأملتَ ذلك علمتَ أن بعض مدة الحصار في ذي القَعدة ولا بد، ولكن قد يقال: لم يبتدئ القتال إلا في شوال، فلما شرع فيه لم يقطعه للشهر الحرام، ولكن من أين لكم أنه - ﷺ - ابتدأ قتالًا في شهر حرام؟ وفرقٌ بين الابتداء والاستدامة.
فصل
ومنها: جواز غزو الرجل وأهلُه معه، فإن النبي - ﷺ - كان معه في هذه الغزاة أم سلمة وزينب.
فصل
ومنها: جواز نصب المنجنيق على الكفار ورميهم به وإن أفضى إلى قتل مَن لم يقاتل من النساء والذرية.
ومنها: جواز قطع شجر الكفار إذا كان ذلك يضعفهم ويغيظهم وهو أنكى فيهم.
ومنها: أن العبد إذا أبق من المشركين ولحق بالمسلمين صار حُرًّا. قال سعيد بن منصور (^١): حدثنا يزيد بن هارون عن الحجاج [عن الحَكَم] (^٢) عن مِقْسَم عن ابن عباس قال: كان رسول الله - ﷺ - يعتق العبيد إذا جاؤوا قبل مواليهم.
_________________
(١) في «سننه» برقم (٢٨٠٧) ــ والمؤلف صادر عن «المغني» لابن قدامة (١٣/ ١١٦) ــ، وأخرجه أيضًا أحمد (٢١١١) وابن أبي شيبة (٣٤٢٨٣) كلاهما عن يزيد بن هارون به. وإن كان في إسناده لين من أجل الحجّاج ــ وهو ابن أرطاة ــ وعنعنته، إلا أن له شاهدًا عند البخاري (٥٢٨٦) من رواية عطاء عن ابن عباس بنحوه.
(٢) سقط من جميع الأصول، واستُدرك من مصادر التخريج.
[ ٣ / ٦٣٠ ]
فصل: أن الإمام إذا حاصر حصنا ولم يفتح عليه، ورأى المصلحة في الرحيل عنه لم يلزمه مصابرته
فصل: لا يستحب الخروج من مكة إلى الجعرانة ليحرم منها بعمرة
وروى سعيد (^١) أيضًا قال: قضى رسول الله - ﷺ - في العبد وسيده قضيتين: قضى أن العبد إذا خرج من دار الحرب قبلَ سيِّده أنه حرٌّ، فإن خرج سيده بعده لم يُردَّ عليه، وقضى أن السيد إذا خرج قبل العبد ثم خرج العبد رُدَّ على سيده.
وعن الشعبي عن رجل من ثقيف قال: سألنا رسولَ الله - ﷺ - أن يردَّ علينا أبا بكرة وكان عبدًا لنا، أتى رسول الله - ﷺ - وهو مُحاصِر ثقيفًا فأسلم، فأبى أن يردَّه علينا وقال: «هو طليق الله ثم طليق رسوله»، فلم يردَّه علينا (^٢).
قال ابن المنذر (^٣): وهذا قول كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
فصل
ومنها: أن الإمام إذا حاصر حصنًا ولم يُفتَح عليه، ورأى مصلحة المسلمين في الرحيل عنه، لم يلزمه مصابرته وجاز له ترك مصابرته، وإنما تلزم المصابرة إذا كان فيها مصلحة راجحة على مفسدتها.
فصل
ومنها: أنه أحرم من الجِعْرانة بعمرة وكان داخلًا إلى مكة، وهذه هي
_________________
(١) برقم (٢٨٠٦)، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٩٦٧٤)، كلاهما عن أبي معاوية، عن الحجّاج، عن أبي سعيد الأعسم ــ وهو من صغار التابعين أو من أتباعهم ــ مرسلًا.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور (٢٨٠٨) وأحمد (١٧٥٣٠) وابن سعد في «الطبقات» (٩/ ١٥) والطحاوي في «معاني الآثار» (٣/ ٢٧٨) بإسناد صحيح.
(٣) في «الأوسط» (٦/ ٣٠٤) و«الإشراف» (٤/ ١٤٦)، والمؤلف صادر عن «المغني» (١٣/ ١١٦).
[ ٣ / ٦٣١ ]
فصل: كمال رحمته ونصيحته - ﷺ - حيث دعا لثقيف بالهداية
فصل: بيان أنه يجوز للرجل أن يسأل أخاه أن يؤثره بقربة من القرب، وأنه يجوز للرجل أن يؤثر بها أخاه
السنة لمن دخلها من طريق الطائف وما يليه. وأما ما يفعله كثير ممن لا علم عندهم من الخروج من مكة إلى الجعرانة ليُحرم منها بعمرة ثم يرجع إليها، فهذا لم يفعله رسول الله - ﷺ - ولا أحد من أصحابه البتة، ولا استحبَّه أحد من أهل العلم، وإنما يفعله عوام الناس ــ زعموا ــ اقتداءً بالنبي - ﷺ - وغلطوا، فإنه إنما أحرم منها داخلًا إلى مكة، لم يخرج منها إلى الجعرانة ليحرم منها؛ فهذا لون وسنته لون، وبالله التوفيق.
فصل
ومنها: استجابة الله سبحانه لرسوله - ﷺ - دعاءَه لثقيفٍ أن يهديهم ويأتي بهم وقد حاربوه وقاتلوه وقتلوا جماعةً من أصحابه وقتلوا رسولَ رسوله الذي أرسله إليهم يدعوهم إلى الله، ومع هذا كلِّه فدعا لهم ولم يدعُ عليهم، وهذا من كمال رحمته ورأفته ونصيحته صلوات الله وسلامه عليه.
فصل
ومنها: كمال محبة الصِّدِّيق له وقصدُه التقربَ إليه والتحبُّبَ بكل ما يمكنه، ولهذا ناشد المغيرة أن يدعه هو يبشر النبي - ﷺ - بقدوم وفد الطائف ليكون هو الذي سرَّه (^١) وفرَّحه بذلك. وهذا يدل على أنه يجوز للرجل أن يسأل أخاه أن يؤثره بقُربةٍ من القُرَب، وأنه يجوز للرجل أن يؤثر بها أخاه، وقولُ من قال من الفقهاء: لا يجوز الإيثار بالقرب= لا يصح (^٢).
_________________
(١) ن، المطبوع: «بشره»، تصحيف.
(٢) وهذا خلاف ما ذهب إليه المؤلف في «طريق الهجرتين» (٢/ ٦٤٨ - ٦٥٠) و«الروح» (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٨). وتأليف «زاد المعاد» متأخر عنهما.
[ ٣ / ٦٣٢ ]
وقد آثرت عائشةُ عمرَ بن الخطاب بدفنه في بيتها جوارَ النبي - ﷺ - (^١)، وسألها عمر ذلك فلم يُكرَه له السؤالُ ولا لها البذلُ، وعلى هذا فإذا سأل الرجل غيره أن يؤثره بمقامه في الصف الأول لم يكره له السؤال ولا لذلك البذل، ونظائرُه.
ومن تأمل سيرة الصحابة وجدهم غير كارهين لذلك ولا ممتنعين منه، وهل هذا إلا كرم وسخاء، وإيثار على النفس بما هو مِن أعظم محبوباتها، وتفريحًا (^٢) لأخيه المسلم، وتعظيمًا لقدره، وإجابةً له إلى ما سأله، وترغيبًا له في الخير؛ وقد يكون ثواب كل واحد من هذه الخصال راجحًا على ثواب تلك القربة، فيكون المُؤْثر بها ممن تاجر فبذل قربةً وأخذ أضعافَها.
وعلى هذا فلا يمتنع أن يؤثر صاحب الماء بمائه أن يُتوضأ به ويتيمَّم هو، إذ (^٣) كان لا بد من تيمم أحدهما، فآثر أخاه وحاز فضيلة الإيثار وفضيلةَ الطهر بالتراب، ولم يمنع من هذا كتاب ولا سنة ولا مكارم أخلاق.
وعلى هذا فإذا اشتد العطش بجماعة وعاينوا التلف، ومع بعضهم ماء فآثر به على نفسه واستسلم للموت كان ذلك جائزًا، ولم نقُل إنه قاتل لنفسه ولا إنه فعل محرمًا، بل هذا غاية الجود والسخاء كما قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، وقد جرى هذا بعينه لجماعة من
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٩٢).
(٢) كذا في الأصول منصوبًا، والوجه الرفع. وفي المطبوع حُذفت واو العطف لينتصب على الحال أو العلة.
(٣) المطبوع: «إذا»، خطأ.
[ ٣ / ٦٣٣ ]
فصل: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك بعد القدرة على هدمها
الصحابة في فتوح الشام (^١)، وعُدَّ ذلك في مناقبهم وفضائلهم.
وهل إهداء القُرَبِ المجمَع عليها والمتنازَع فيها إلى الميت إلا إيثار بثوابها؟ وهو عين الإيثار بالقرب، فأي فرق بين أن يؤثره بفعلها ليُحرِزَ ثوابَها وبين أن يعمل ثم يؤثره بثوابها؟ وبالله التوفيق.
فصل
ومنها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا، فإنها شعائر الكفر والشرك وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة، وهذا حكم المَشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانًا وطواغيت تُعبَد مِن دون الله والأحجارِ التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى أو أعظم شركًا عندها وبها، وبالله المستعان.
ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد فيها أنها تخلق وترزق وتميت وتحيي، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سَنَن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القُذَّة بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم، فصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسنةُ بدعةً والبدعة سنةً، ونشأ في ذلك الصغير وهَرِم عليه الكبير، وطَمَست الأعلامُ واشتدت غربة الإسلام، وقلَّ العلماء وغلبت السفهاء، وتفاقم الأمر واشتد
_________________
(١) وفي ثبوته نظر. انظر: «الطبقات» لابن سعد (٦/ ٨٨) و«الاستيعاب» (٣/ ١٠٨٤).
[ ٣ / ٦٣٤ ]
فصل: جواز صرف الإمام الأموال التي تصير إلى هذه المشاهد والطواغيت في الجهاد ومصالح المسلمين
فصل: الخلاف في وادي وج: هل هو حرم يحرم صيده وقطع شجره؟
البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
فصل
ومنها: جواز صرف الإمام الأموال التي تصير إلى هذه المشاهد والطواغيت في الجهاد ومصالح المسلمين، فيجوز للإمام بل يجب عليه أن يأخذ أموال هذه الطواغيت التي تُساق إليها كلَّها ويصرَفها على الجند والمقاتلة ومصالح الإسلام، كما أخذ النبي - ﷺ - أموال اللات وأعطاها لأبي سفيان يتألَّفه بها وقضى منها دينَ عروة والأسود.
وكذلك يجب عليه أن يهدم هذه المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانًا، وله أن يقطعها للمقاتلة أو يبيعَها ويستعين بأثمانها على مصالح المسلمين. وكذلك الحكم في أوقافها، فإن وقفها والوقف عليها باطل وهو مال ضائع، فيُصرَف في مصالح المسلمين، فإن الوقف لا يصح إلا في قربة وطاعة لله ورسوله، فلا يصح الوقف على مشهدٍ ولا قبرٍ يُسرَج عليه ويُعظَّم، ويُنذَر له ويحج إليه، ويُعبد من دون الله ويُتخذ وثنًا من دونه، وهذا مما لا يخالف فيه أحد من أئمة الإسلام ومن اتَّبع سبيلهم.
فصل
ومنها: أن وادي وجٍّ ــ وهو واد بالطائف ــ حَرَم يَحرُم صيدُه وقطع شجره. وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فالجمهور قالوا: ليس في البقاع حرم إلا مكة والمدينة، وأبو حنيفة خالفهم في حرم المدينة، وقال الشافعي (^١) في أحد
_________________
(١) انظر: «الحاوي الكبير» (٤/ ٣٢٨) و«نهاية المطلب» (٤/ ٤٢٠).
[ ٣ / ٦٣٥ ]
سنة تسع
فصل: بعث النبي - ﷺ المصدقين يأخذون الصدقات من الأعراب
قوليه: وجٌّ حرم يحرم صيده وشجره، واحتُجَّ لهذا القول بحديثين: أحدهما هذا الذي تقدم، والثاني: حديث عروة بن الزبير عن أبيه الزبير أن النبي - ﷺ - قال: «إنَّ صَيد وجٍّ وعِضاهَه حَرَمٌ مُحرَّم لله». رواه الإمام أحمد وأبو داود (^١).
وهذا الحديث يعرف بمحمد بن عبد الله بن إنسان عن أبيه عن عروة. قال البخاري في «تاريخه» (^٢): لا يتابَع عليه.
قلت: وفي سماع عروة من أبيه نظر وإن كان قد رآه (^٣)، والله أعلم.
فصل
ولما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة ودخلت سنةُ تسعٍ بعث المصدِّقين يأخذون الصدقات من الأعراب. قال ابن سعد (^٤): ثم بعث رسول الله - ﷺ - المُصَدِّقين، قالوا: لما رأى رسول الله - ﷺ - هلال المحرم سنةَ تسعٍ بعث المُصَدِّقين يُصدِّقون العرب، فبعث عُيَينة بن حِصن إلى بني تميم، وبعث يزيد بن الحُصَين (^٥) إلى أسلمَ وغِفارٍ، وبعث عبَّاد بن بِشر الأشهلي إلى
_________________
(١) أحمد (١٤١٦) وأبو داود (٢٠٣٢).
(٢) «التاريخ الكبير» (١/ ١٤٠)، وقال في ترجمة أبيه (٥/ ٤٥): «لم يصحّ حديثه». وقد ضعّف الحديث الإمام أحمد كما في «المغني» (٥/ ١٩٤) نقلًا عن «العلل» للخلال.
(٣) قال الدارقطني: لا يصح سماعه من أبيه. انظر: «تهذيب التهذيب» (٧/ ١٨٥).
(٤) «الطبقات» (٢/ ١٤٧) ــ والنقل من «عيون الأثر» (٢/ ٢٠٢) ــ والخبر عند شيخه الواقدي في «مغازيه» (٣/ ٩٧٣) بإسناده عن الزهري وعن سعيد بن عمرو الهذلي مرسلًا.
(٥) كذا في الأصول و«عيون الأثر»، والظاهر أنه تصحيف، إذ ليس في الصحابة أحد يُعرف بهذا الاسم، والذي في «مغازي الواقدي» و«طبقات ابن سعد»: «بريدة بن الحصيب»، وكذا في «الإشارة» لمُغلطاي (ص ٣٢٨).
[ ٣ / ٦٣٦ ]
سُلَيمٍ ومُزَينة، وبعث رافع بن مَكِيثٍ إلى جُهَينة، وبعث عمرو بن العاصي (^١) إلى بني فَزارة، وبعث الضحاك بن سفيان إلى بني كِلاب، وبعث بُسْر (^٢) بن سفيان إلى بني كعب، وبعث ابن اللُّتبيَّة الأزدي إلى بني ذُبْيان؛ وأمر رسول الله - ﷺ - المصدقين أن يأخذوا العفو منهم ويتوقَّوا كرائم أموالهم (^٣).
قيل: ولما قدم ابنُ اللُّتْبِيَّة حاسبه (^٤). وكان في هذا حجةٌ على محاسبة العُمَّال والأمناء، فإن ظهرت خيانتهم عزلهم وولى أمينًا.
قال ابن إسحاق (^٥): وبعث المهاجر بن أبي أمية إلى صنعاءَ فخرج عليه العنسي وهو بها، وبعث زياد بن لَبِيد إلى حضرموتَ، وبعث عدي بن حاتم إلى طيِّئٍ وبني أسد، وبعث مالك بن نُوَيرة على صدقات بني حنظلة، وفرق صدقات بني سعد على رجلين: فبعث الزِّبْرِقان بن بدر على ناحية وقيس بن عاصم على ناحية، وبعث العلاء بن الحضرمي على البحرين، وبعث عليًّا إلى نجران ليجمع صدقاتهم ويَقْدَم عليه بجزيتهم.
_________________
(١) كذا في ف، ب، ن. وفي سائر الأصول: «العاص».
(٢) في الأصول والنسخ المطبوعة: «بِشر»، تصحيف. وهو بُسر بن سفيان الخُزاعي الكعبي. انظر: «طبقات ابن سعد» (٥/ ١٨٧) و«أسد الغابة» (١/ ٢١٦) و«الإصابة» (١/ ٥٤٥).
(٣) هنا انتهى كلام ابن سعد نقلًا عن «عيون الأثر».
(٤) أخرجه البخاري (١٥٠٠، ٦٩٧٩) ومسلم (١٨٣٢) من حديث أبي حميد الساعدي. وفي رواية البخاري أن النبي - ﷺ - كان قد استعمله على صدقات بني سُليم (لا بني ذبيان على ما ذكره ابن سعد).
(٥) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٦٠٠) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٠٣).
[ ٣ / ٦٣٧ ]
فصل
في السرايا والبعوث في سنة تسع
ذكر سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم (^١)
وذلك في المحرم من هذه السنة، بعثه إليهم في سرية ليغزوهم في خمسين فارسًا ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فهجم عليهم في صحراءَ وقد سرَّحوا مواشيهم، فلما رأوا الجمع ولَّوا، فأخذ منهم أحد عشر رجلًا وإحدى وعشرين امرأةً وثلاثين صبيًّا فساقهم إلى المدينة، فأُنزلوا في دار رملةَ بنتِ الحارث، فقدم فيهم عدة من رؤسائهم: عُطارد بن حاجب، والزِّبرِقان بن بدر، وقيس بن عاصم، والأقرع بن حابس، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، وعمرو بن الأَهتَم، ورِياح (^٢) بن الحارث؛ فلما رأوا نساءهم وذراريَّهم بكَوا إليهم، فعجلوا فجاءوا إلى باب النبي - ﷺ - فنادوا: يا محمد اخرج إلينا، فخرج رسول الله - ﷺ - وأقام بلالٌ الصلاةَ وتعلَّقوا برسول الله - ﷺ - يكلمونه، فوقف معهم ثم مضى فصلى الظهر
_________________
(١) وكان سببه فيما ذكره الواقدي وابن سعد أن رسول الله - ﷺ - لمّا بعث بسر بن سفيان على صدقات بني كعب من خزاعة جاءهم وقد حلَّ بنواحيهم بعض بطون بلعنبر بن عمرو بن تميم، فجمعت خزاعة مواشيها للصدقة، فاستنكر ذلك بنو تميم وأبَوا وابتدروا السلاح وشهروا السيوف، فقدم المصدِّق على رسول الله - ﷺ - فأخبره، فقال: «من لهؤلاء القوم؟» فانتدب لهم عُيينة بن حصن، فبعثه النبي - ﷺ - إليهم. «المغازي» (٣/ ٩٧٤) و«الطبقات» (١/ ٢٥٤).
(٢) في عامة الأصول والنسخ المطبوعة: «رباح» بالموحدة، وكذا في «عيون الأثر»، وهو تصحيف عمَّا ذكره الواقدي وابن سعد. انظر: «الإصابة» (٣/ ٥٥٨).
[ ٣ / ٦٣٨ ]
ثم جلس في صحن المسجد، فقدَّموا عُطارد بن حاجب فتكلَّم وخطب، فأمر رسول الله - ﷺ - ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ فأجابهم وأنزل الله ﷿ فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٤ - ٥]، فردَّ عليهم رسولُ الله - ﷺ - الأسرى والسبي (^١)،
فقام الزبرقان شاعرُ بني تميم فأنشد مفاخرًا:
نحن الكرام فلا حيٌّ يعادلنا منا الملوك وفينا تُنصَب البِيَعُ
وكم قَسَرْنا من الأحياء كلِّهِمُ عند النِّهاب وفضلُ العز يُتَّبَعُ
ونحن يُطعِمُ عند القحط مُطعمنا مِن الشِّواء إذا لم يُؤنَس القَزَعُ (^٢)
بما ترى الناسَ تأتينا سُراتُهم من كل أرض هُوِيًّا ثم نَصطَنِعُ (^٣)
فننحر الكُومَ عُبْطًا في أَرُومتنا للنازلين إذا ما أُنزِلوا شبعوا (^٤)
_________________
(١) خبر السرية إلى هنا ذكره ابن سيد الناس في «عيون الأثر» (٢/ ٢٠٣) ــ وهو مصدر المؤلف ــ نقلًا عن «طبقات ابن سعد» (٢/ ١٤٧)، وهو عند الواقدي بأطول منه (٣/ ٩٧٤ - ٩٨٠). وما سيأتي من الأبيات نقلها ابن سيد الناس عن مغازي ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٦٣) ــ، وهي عند الواقدي بشيء من الاختلاف .. وقال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر يُنكرها للزِّبرِقان.
(٢) القَزَع: قِطَع من السحاب المتفرِّق.
(٣) السُّراة: جمع الساري، وهم الذين يسرون بالليل. هُوِيًّا: سراعًا.
(٤) الكُوم: جمع الكوماء، وهي الناقة العظيمة السنام. العُبْط: جمع العبيطة، وهي التي نُحرت سمينة فتيّة من غير علةٍ بها مِن داء أو كسر، يقال: (اعتبط البعيرَ) نحره بلا علة، و(مات فلان عَبطةً) أي: شابًّا صحيحًا. والأَرُومة: الأصل، أي: أن هذا الكرم متأصِّل فينا.
[ ٣ / ٦٣٩ ]
فلا ترانا إلى حيٍّ نفاخرهم إلا استقادوا فكانوا الرأسَ يُقتَطَعُ
فمن يفاخرنا في ذاك نَعرفه فيرجع القومُ والأخبار تُتَّبَعُ (^١)
إنَّا أبينا ولن يأبى لنا أحدٌ إنا كذلك عند الفخر نَرتفِعُ
فقام شاعر الإسلام حسان بن ثابت فأجابه على البديهة:
إن الذوائب من فِهرٍ وإخوتهم قد بينوا سنةً للناس تُتَّبَعُ
يرضى بهم كلُّ مَن كانت سريرتُه تقوى الإله وكلَّ الخير يصطنِعُ
قوم إذا حاربوا ضَرُّوا عدوَّهم أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غيرُ محدَثَةٍ إن الخلائق فاعلم شرُّها البِدَعُ
إن كان في الناس سباقون بعدَهمُ فكلُّ سبق لأدنى سبقِهم تَبَعُ
لا يَرقعُ الناس ما أَوْهت أكفُّهُمُ عند الدفاع ولا يُوهُون ما رَقَعوا
إن سابقوا النَّاس يومًا فاز سبقُهُمُ أو وازنوا أهلَ مجدٍ بالندى مَتَعُوا (^٢)
أعِفَّةٌ ذُكِرت في الوحي عفَّتُهمْ لا يطمعون ولا يُرْديهم الطمعُ (^٣)
لا يبخلون على جارٍ بفضلهمُ ولا يَمَسُّهُمُ من مطمَعٍ طَبَعُ
إذا نَصَبْنا لحي لم ندِبَّ لهمْ كما يدِبُّ إلى الوحشية الذَّرَعُ (^٤)
_________________
(١) ن، هامش ز، المطبوع: «تُستَمَع»، وكذا في مصدرَي النقل.
(٢) النَّدى: الجود والسخاء والخير. مَتَعُوا: أي ارتفعوا عليهم ارتفاعًا بيِّنًا، يقال: مَتَع النهارُ مُتُوعًا إذا ارتفع حتى بلغ غاية ارتفاعه قبل أن يزول.
(٣) لا يطمعون: كذا في الأصول، والذي في المصادر: «لا يطبَعُون» أي: لا يتدنسون، يقال: طَبِع الرجلُ يطبَع طَبَعًا فهو طَبِعٌ، إذا دنِسَ وصار دنيءَ الخُلُق لئيمَه. وسيأتي ذكر «الطَبَع» في البيت الآتي أيضًا.
(٤) إذا نصبنا: أي العداوة. والذَّرَع: ولد البقرة الوحشية، ويجمع على الذِّرعان.
[ ٣ / ٦٤٠ ]
نَسْمُو إذا الحرب نالتْنا مخالبُها إذا الزَّعانِفُ مِن أظفارها خشعوا (^١)
لا يفخرون إذا نالوا عدوَّهم وإن أصيبوا فلا خُورٌ ولا هُلُعُ (^٢)
كأنهم في الوَغَى والموتُ مكتنِفٌ أُسْدٌ بحَلْيةَ في أرساغها فَدَعُ (^٣)
خذ منهمُ ما أتوا عفوًا إذا غضبوا ولا يكن همُّك الأمرَ الذي مَنَعوا
فإن في حربهم ــ فاترك عداوتهم ــ شرًّا يُخاض عليه السُّمُّ والسَّلَعُ (^٤)
أكرِمْ بقومٍ رسولُ الله شيعتهمْ إذا تفاوتت الأهواء والشِّيَعُ
أهدى لهم مدحتي قلبٌ يُؤازره فيما أحبَّ لسانٌ حائِك صَنَعُ (^٥)
فإنهم أفضل الأحياء كُلِّهِمُ إن جدَّ بالناس جِدُّ القولِ أو شَمَعوا (^٦)
فلما فرغ حسان قال الأقرع بن حابس: إن هذا الرجل لمُؤَتًّى له (^٧)؛ لَخطيبُه أخطبُ من خطيبنا، ولشاعرُه أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من
_________________
(١) الزعانف: رُذال الناس وخِساسهم.
(٢) خُوْرٌ: الضعفاء، كأنه جمع خائر أو خوَّار على غير القياس. والهُلُع: جمع الهلوع وهو الذي يفزع ويجزع من الشر.
(٣) مكتنِف: كذا في الأصول، والذي في المصادر: «مُكْتنِع» أي حاضر وقريب. وحَلْيَةُ: مأسدة ــ وهي الأرض الكثيرة الأُسُودِ ــ باليمن. والفَدَع: الاعوجاج والميل في الأرساغ من اليد والقدم خِلقة، يقال: رجل أفدع إذا مشى على ظهر قدمه لاعوجاج فيه، والأسد أفدعُ خِلقةً ويظهر ذلك إذا مشى لاسيما في يديه.
(٤) السَّلَع: نبت مُرٌّ.
(٥) صَنَعُ: أي يُحسن صناعة الشعر ويجيدها، يقال: رجلٌ صَنَع، إذا كان حاذقًا فيما يصنعه.
(٦) شَمَعُوا: إذا لم يجِدُّوا فلعِبوا أو مزحوا أو ضحكوا، يقال: شَمَع فلان يشمَع شَمْعًا وشُمُوعًا.
(٧) أي: موفَّق، يقال: تأتَّى له الأمرُ، إذا تهيَّأ له وتسهَّلت طريقه.
[ ٣ / ٦٤١ ]
فصل: قدوم وفد بني تميم يفاخرون النبي - ﷺ -
أصواتنا، ثم أسلموا وجوَّزهم (^١) رسولُ الله - ﷺ - فأحسن جوائزهم.
فصل
قال ابن إسحاق (^٢): فلما قدم وفد بني تميم دخلوا المسجد ونادوا رسول الله - ﷺ - أن اخرج إلينا يا محمد فآذى ذلك رسول الله - ﷺ - من صياحهم فخرج إليهم فقالوا: جئناك لنفاخرك فَأْذَنْ لشاعرنا وخطيبنا قال: «نعم، قد أذنتُ لخطيبكم فليَقُمْ»، فقام عُطارد بن حاجب فقال: «الحمد لله الذي جعلنا ملوكًا، الذي له الفضلُ علينا، والذي وهب لنا أموالًا عظامًا نفعل فيها المعروف، وجعلَنا أعزَّ أهل المشرق وأكثرَه عددًا وأيسره عُدَّةً، فمَن مثلنا في الناس؟! ألسنا رؤوسَ الناس وأولي فضلِهم؟ فمن فاخرَنا فليَعُدَّ مثل ما عَدَدْنا، فلو شئنا لأكثرنا من الكلام ولكن نستحيي من الإكثار لِما أعطانا، أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا وأمرٍ أفضلَ مِن أمرنا»، ثم جلس.
فقال رسول الله - ﷺ - لثابت بن قيس بن شَمَّاس: «قم فأجِبْه»، فقام فقال: «الحمد لله الذي السماوات والأرض خَلْقُه، قضى فيهن أمرَه، ووسع كرسيَّه علمُه، ولم يكن شيء قطٌّ إلا مِن فضله، ثم كان من فضله أن جعلنا ملوكًا، واصطفى من خير خلقه رسولًا، أكرَمَه نسبًا وأصدَقَه حديثًا وأفضله حسبًا، فأنزل عليه كتابًا وائتمنه على خلقه، وكان خِيَرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان بالله فآمن به المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرَمُ
_________________
(١) المطبوع: «فأجازهم» خلافًا للأصول ومصدري النقل.
(٢) كما في «سيرة ابن إسحاق» (٢/ ٥٦١) و«دلائل النبوة» (٥/ ٣١٣) وهو مصدر المؤلف.
[ ٣ / ٦٤٢ ]
الناس أحسابًا وأحسنه (^١) وجوهًا وخير الناس فعلًا، ثم كان أولَ الخلق إجابةً واستَجابَ (^٢) لله حين دعاه رسول الله - ﷺ - نحن، فنحن أنصار الله ووُزَراء رسول الله نقاتل الناس حتى يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسوله مَنَع مالَه ودمَه، ومن نكث جاهدناه في الله أبدًا وكان قتلُه علينا يسيرًا، أقول هذا وأستغفر الله (^٣) للمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم».
ثم ذكر قيام الزبرقان وإنشادَه وجوابَ حسَّانٍ له بالأبيات المتقدمة، فلما فرغ حسان من قوله قال الأقرع: إن هذا الرجلَ خطيبُه أخطبُ مِن خطيبنا، وشاعره أشعر من شاعرنا، وأقوالهم أعلى من أقوالنا (^٤)، ثم أجازهم رسول الله - ﷺ - فأحسن جوائزهم.
فصل
ذكر سرية قُطبة بن عامر بن حَدِيدة إلى خَثْعَمَ
وكانت في صفر سنة تسع قال ابن سعد (^٥): قالوا: بعث رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) كذا في الأصول، والوجه: «أحسنهم» كما في «الدلائل». وفي «السيرة»: «أحسن الناس».
(٢) المطبوع: «استِجابةً» خلافًا للأصول و«السيرة» و«الدلائل».
(٣) زِيد بعده في النسخ المطبوعة: «العظيم» وليس في شيء من الأصول ولا في مصدر النقل.
(٤) كذا في الأصول، والذي في مطبوعة: «الدلائل»: «وأصواتهم أعلى من أصواتنا»، وبنحوه في «سيرة ابن هشام» وقد سبق قريبًا.
(٥) في «الطبقات» (٢/ ١٤٨) ــ والنقل من «عيون الأثر» (٢/ ٢٠٦) ــ، وأخرجه شيخه الواقدي في «مغازيه» (٢/ ٧٥٤) بإسناده عن عبد الرحمن بن مالك بن كعب مرسلًا، إلا أن إسناده تالف فيه راويان متروكان.
[ ٣ / ٦٤٣ ]
قطبة في عشرين رجلًا إلى حيٍّ من خثعم بناحية تَبالةَ (^١) وأمره أن يشُنَّ الغارة، فخرجوا على عشرة أبعرةٍ يَعتقبونها، فأخذوا رجلًا فسألوه فاستعجم عليهم فجعل يصيح بالحاضرة ويُحذِّرهم فضربوا عنقه، ثم أقاموا حتى نام الحاضرة فشنُّوا عليهم الغارةَ فاقتتلوا قتالًا شديدًا حتى كَثُر الجرحى في الفريقين جميعًا وقَتَل قطبةُ بن عامر مَن قَتَل، وساقوا النَّعَم والشاء والنساء إلى المدينة.
وفي القصة أنه اجتمع القوم وركبوا في آثارهم، فأرسل الله سبحانه سيلًا عظيمًا حال بينهم وبين المسلمين، فساقوا النعم والسبي وهم ينظرون لا يستطيعون أن يعبروا إليهم حتى غابوا عنهم.
فصل (^٢)
ذكر سرية الضحاك بن سفيان الكِلابي إلى بني كلاب
في ربيع الأول سنة تسع
قالوا (^٣): بعث رسول الله - ﷺ - جيشًا إلى بني كلاب وعليهم الضحاكُ بن سفيان بن عوف الكلابي (^٤)، ومعه الأَصْيَدُ بن سلمة فلقوهم بالزَّخِّ زَخِّ لاوةَ (^٥)،
_________________
(١) وادٍ يقع في محافظة بيشة جنوب شرقيِّ الطائف على قرابة مائتي كيلٍ. انظر: «المعالم الجغرافية في السيرة» (ص ٥٩).
(٢) ص، ز، د: «فصل في».
(٣) ما زال النقل عن ابن سعد بواسطة «عيون الأثر». والخبر عند الواقدي في «مغازيه» (٣/ ٩٨٢) بأسانيده المرسلة والمعضلة.
(٤) في الأصول والمطبوعات: «الطائي»، تصحيف، وقد سبق على الصواب آنفًا.
(٥) كذا في عامة الأصول بالخاء: «زخ لاوة»، وهو الذي نصَّ عليه ابن سيد الناس في «عيون الأثر» (٢/ ٢٠٧) والمؤلف صادر عنه. والذي في «مغازي الواقدي» و«الطبقات»: «زُجُّ لاوة» بلفظ زُجِّ الرمح، وهو الذي نصَّ عليه ابن الأثير في «النهاية» وياقوت في «معجم البلدان» وغيرهما من أصحاب معاجم اللغة والبُلدان. وفي «الطبقات» (٦/ ١٩١) أن زُجَّ لاوةَ بناحية ضَريَّة. وضريّة من بلاد نجد، وهي اليوم قرية في منطقة القصيم على بعد ٤٠٠ كيلٍ من المدينة شرقًا.
[ ٣ / ٦٤٤ ]
فدعوهم إلى الإسلام فأَبَوا، فقاتَلوهم فهزموهم، فلحق الأصيدُ أباه سلمة وسلمةُ على فرس له في غدير بالزَّخِّ، فدعا أباه إلى الإسلام وأعطاه الأمان، فسبَّه وسب دينه، فضرب الأصيدُ عرقوبَي فرسِ أبيه، فلما وقع الفرس على عرقوبيه ارتكز سلمةُ على الرمح في الماء ثم استمسك، حتى جاءه أحدُهم فقتله ولم يقتله ابنُه.
فصل
ذِكر سرية علقمة بن مُجَزِّزٍ المُدْلِجي إلى الحبشة
في شهر ربيع الآخر سنةَ تسعٍ
قالوا (^١): فلما بلغ رسولُ الله - ﷺ - أن ناسًا من الحبشة تراياهم أهل جُدَّةَ (^٢) بعث إليهم علقمة بن مُجَزِّزٍ في ثلاثمائة، فانتهى إلى جزيرة في البحر وقد خاض إليهم البحر فهربوا منه.
_________________
(١) «عيون الأثر» (٢/ ٢٠٧) نقلًا عن «طبقات ابن سعد» (٢/ ١٤٩). وأخرجه الواقدي (٣/ ٩٨٣) ــ ومن طريقه ابن سعد (٥/ ١٣٥) ــ من مرسل محمد بن إبراهيم التيمي وإبراهيم بن عبد الرحمن القرشي المخزومي. وروي ذكر البعث دون تحديد سببه ووِجهته من حديث أبي سعيد الخدري، وسيأتي تخريجه في الفقرة الآتية.
(٢) عند الواقدي وابن سعد من طريقه: «أهل شُعيبة ــ ساحل بناحية مكة ــ». قلت: هو موضع على ساحل البحر ما زال معروفًا بهذا الاسم جنوب جدة على قرابة ٦٠ كيلًا.
[ ٣ / ٦٤٥ ]
فلما رجع تعجَّل بعضُ القوم إلى أهليهم فأذن لهم، فتعجَّل عبدُ الله بن حُذافة السَّهمي فأمَّره على من تعجَّل، وكانت فيه دعابة، فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا نارًا يصطلون عليها، فقال: عزمتُ عليكم إلا تواثبتم في هذه النار، فقام بعض القوم فتحجَّزُوا (^١) حتى ظَنَّ أنهم واثبون فيها فقال: اجلسوا إنما كنت أضحك معكم، فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: «مَن أمركم بمعصيةٍ فلا تطيعوه» (^٢).
قلت: في «الصحيحين» (^٣) عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: بعث رسول الله - ﷺ - سريةً واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه فقال: اجمعوا لي حطبًا، فجمعوا، ثم قال: أوقدوا نارًا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله - ﷺ - أن تسمعوا (^٤)؟ قالوا: بلى، قال: فادْخُلُوها، فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله - ﷺ - من النار، فكانوا كذلك حتى سكن غضبه وطفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا»، وقال: «لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف». فهذا فيه أن الأمير كان من الأنصار (^٥)، وأن رسول الله - ﷺ - هو الذي أمَّره، وأن الغضب حمله على ذلك.
_________________
(١) أي اجتمعوا للوثوب. في المطبوع: «فتجهزوا» خلافًا للأصول ولمصادر الخبر.
(٢) أخرجه أحمد (١١٦٣٩) وابن ماجه (٢٨٦٣) وابن حبان (٤٥٥٨) من حديث أبي سعيد الخدري بإسناد حسن.
(٣) البخاري (٤٣٤٠، ٧١٤٥) ومسلم (١٨٤٠) واللفظ به أشبه.
(٤) في مسلم: «أن تسمعوا لي وتطيعوا». ولفظ البخاري: «أن تطيعوني».
(٥) أي: بخلاف عبد الله بن حذافة السهمي، فإنه قرشي مُهاجري.
[ ٣ / ٦٤٦ ]
وقد روى الإمام أحمد في «مسنده» (^١) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ (^٢) وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] قال: «نزلت في عبد الله بن حُذافة بن قَيس بن عديٍّ، بعثه رسول الله - ﷺ - في سرية»؛ فإما أن يكون واقعتين، أو يكون حديث علي هو المحفوظ، والله أعلم.
ذكر سرية علي بن أبي طالب إلى صنم طَيِّئٍ ليهدمه في هذه السنة
قالوا (^٣): وبعث رسول الله - ﷺ - علي بن أبي طالب في خمسين ومائةِ رجلٍ (^٤) من الأنصار على مائة بعيرٍ وخمسين فرسًا، ومعه رايةٌ سوداءُ ولواءٌ أبيضُ إلى الفُلْس وهو صنم طيئ ليهدمه، فشَنُّوا الغارة على مَحَلَّة آل حاتمٍ مع الفجر فهدموه ومَلَؤوا أيديَهم من السبي والنَّعَم والشاء، وفي السبي أخت عدي بن حاتم، وهرب عديٌّ إلى الشام، ووجدوا في خِزانته ثلاثة أسياف وثلاثة أدراع، واستُعمِل على السبي أبو قتادة (^٥) وعلى الماشية والرِّقَة (^٦) عبد الله بن عَتِيك، وقَسَم الغنائمَ في الطريق وعَزَل الصفيَّ لرسول الله - ﷺ -،
_________________
(١) برقم (٣١٢٤)، وأخرجه أيضًا البخاري (٤٥٨٤) ومسلم (١٨٣٤).
(٢) في الأصول عدا ن: «وأطيعوا الله»، سبق قلم أو سهو.
(٣) النقل عن «طبقات ابن سعد» (٢/ ١٥٠) بواسطة «عيون الأثر» (٢/ ٢٠٧). والخبر عند الواقدي (٣/ ٩٨٤) بإسناده عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب مرسلًا.
(٤) في النسخ المطبوعة: «في مائة وخمسين رجلًا» خلافًا للأصول ومصدري النقل.
(٥) في «الطبقات» و«عيون الأثر»: «واستعمل رسولُ الله على السبي أبا قتادة».
(٦) كذا في الأصول و«عيون الأثر». والرقة: الوَرِق، فالهاء فيه عوض عن الواو كالصفة والوصف والعِدة والوعد. والذي في مطبوعة «مغازي الواقدي» و«الطبقات»: «الرِّثَّة»، وهو رديء المتاع والبالي من الثياب وغيرها، ولعله تصحيف.
[ ٣ / ٦٤٧ ]
ولم يقسم آلَ حاتمٍ (^١) حتى قدم بهم المدينة.
قال ابن إسحاق (^٢):
قال عدي بن حاتم: ما كان رجل من العرب أشد كراهية لرسول الله - ﷺ - مني حين سمعت به، وكنت امرءًا شريفًا وكنت نصرانيًّا وكنت أسير في قومي بالمرباع (^٣)، وكنت في نفسي على دينٍ وكنت مَلِكًا في قومي، فلما سمعت برسول الله - ﷺ - كرهته فقلتُ لغلامٍ عربيٍّ كان (^٤) لي وكان راعيًا لإبلي: لا أبا لك، أَعْدِدْ لي من إبلي أجمالًا ذُلُلًا سِمانًا فاحبسها قريبًا مني، فإذا سمعت بجيشٍ لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذني، ففعل، ثم إنه أتاني ذاتَ غداةٍ فقال: يا عديُّ، ما كنت صانعًا إذا غشيتْك خيلُ محمدٍ فاصنعْه الآن، فإني قد رأيت راياتٍ فسألت عنها فقالوا: هذه جيوش محمد، قال: فقلت: فقرِّبْ لي أجمالي، فقرَّبها فاحتملت بأهلي وولدي، ثم
_________________
(١) في المطبوع: «ولم يقسم على آل حاتم»، إقحام مفسد للمعنى.
(٢) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٧٨) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٣٧). وأسنده ابن سعد في «الطبقات» (٦/ ٢١٤) عن عدي بن حاتم بنحوه، وإسناده واهٍ. ولأكثره شاهد من حديث سماك بن حرب عن عبّاد بن جيش عن عدي مطوّلًا. أخرجه أحمد (١٩٣٨١) ــ ومن طريقه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٤٠) ــ والترمذي (٢٩٥٣) وابن خزيمة في «التوحيد» (٣١٤) وابن حبان (٧٢٠٦) والطبراني في «الكبير» (١٧/ ٩٩، ١٠٠) من طرق عن سماك بن حرب به، وإسناده لا بأس به في الشواهد والمتابعات، وقال الترمذي: حسن غريب، ولبعض جمله متابعات في «الصحيحين» وغيرهما، وسيأتي ذكرها في موضعها. وسياق المؤلف مجموع من حديث ابن إسحاق وحديث سماك بن حرب، كما سيأتي التنبيه عليه في موضعه.
(٣) أي: يأخذ ربع الغنائم دون الجيش، على عادة الرؤساء في الجاهلية.
(٤) «كان» ساقطة من ص، ز، د، ن. ولفظ «السيرة» و«عيون الأثر»: «لغلامٍ كان لي عربي».
[ ٣ / ٦٤٨ ]
قلتُ: ألحَقُ بأهل ديني من النصارى بالشام، وخلَّفتُ بنتًا لحاتم في الحاضر، فلما قدمتُ الشام أقمت بها، وتخالفني خيل رسول الله - ﷺ - فتصيب ابنةَ حاتمٍ فيمن أصابت، فقُدِم بها على رسول الله - ﷺ - في سبايا من طيئ، وقد بلغ رسولَ الله - ﷺ - هَرَبي إلى الشام (^١).
فمَّر بها رسولُ الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، غاب الوافدُ وانقطع الوالد (^٢)، وأنا عجوزٌ كبيرة ما بي مِن خدمة، فمُنَّ عليّ منَّ الله عليك، قال: «من وافدك؟» قالت: عدي بن حاتم، قال: «الذي فرَّ من الله ورسوله؟» قالت: فمَنَّ عليَّ، قالت: فلما رجع ورَجلٌ إلى جنبه ــ تُرَى أنه علي ــ قال: سَلِيه الحُملان، قال (^٣): فسألَتْه فأمر لها به، قال عدي: فأتتني أختي فقالت: لقد فعلتَ (^٤) فِعلةً ما كان أبوك يفعلها، ايْتِهِ راغبًا أو راهبًا، فقد أتاه فلانٌ فأصاب منه وأتاه فلان فأصاب منه.
قال عدي (^٥): فأتيته وهو جالس في المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن
_________________
(١) هنا انتهى النقل عن ابن إسحاق، وما يلي هو حديث سماك بن حرب عن عبّاد بن حُبيش عن عدي، ولفظ الفقرة الآتية أشبه بلفظ «المسند» و«الدلائل».
(٢) في «المسند» و«الدلائل» وغيرهما: «وانقطع الولد»، ولفظ ابن إسحاق: «هلك الوالد وغاب الوافد».
(٣) أي: عديٌّ، وفي النسخ المطبوعة: «قالت» خلافًا للأصول.
(٤) ف، ب، ث، ن: «فعل». والمثبت من سائر الأصول موافق لمصادر التخريج، والسياق عليه، فإنها تؤنبّه على الفِرار إلى الشام وتركها خلفَه، وفي لفظ ابن إسحاق أنها قالت: «القاطع الظالم! احتملتَ بأهلك وولدك وتركتَ بقية والدك عورتَك».
(٥) لفظ الحديث من هنا إلى آخره أشبه بلفظ الترمذي في «جامعه»، وبنحوه أولى روايتي الطبراني في «معجمه الكبير».
[ ٣ / ٦٤٩ ]
حاتم، وجئتُ بغير أمانٍ ولا كتاب، فلما دُفِعت إليه أخذ بيدي ــ وقد كان قبل ذلك قال: «إني أرجو أن يجعل الله يدَه في يدي» ــ، قال: فقام بي (^١) فلقيتْه امرأة ومعها صبي فقالا: إن لنا إليك حاجةً، فقام معهما حتى قضى حاجتهما، ثم أخذ بيدي حتى أتى داره فألقت له الوليدةُ وسادةً فجلس عليها وجلست بين يديه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ما يُفِرُّك (^٢)؟
أيفرك أن يقال لا إله إلا الله؟ فهل تعلم من إله سوى الله؟» قال: قلت: لا، قال: ثم تكلم ساعةً ثم قال: «إنما تَفِرُّ أن يقال: الله أكبر، وهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟» قال: قلت: لا، قال: «فإن اليهود مغضوب عليهم وإن النصارى ضالُّون»، قال: فقلت: فإني حنيف مسلم، قال: فرأيت وجهه ينبسط فرحًا، قال: ثم أمر بي فأُنزلت عند رجلٍ من الأنصار وجعلت أغشاه آتيه طرفي النهار، قال: فبينا أنا عنده إذ جاء قوم في ثياب من الصوف من هذه النِّمار، قال: فصلى وقام فحثَّ عليهم ثم قال: «أيها الناس ارضخوا من الفضل، ولو صاعٌ ولو بنصف صاع، ولو بقبضة ولو ببعض قبضة؛ يقي أحدكم وجهه حرَّ جهنم ــ أو: النار ــ ولو بتمرة، ولو بشِقِّ تمرة (^٣)، فإن أحدكم لاقي اللهَ وقائِلٌ له ما أقول لكم: ألم
_________________
(١) غير محرّر في ف، وساقط من س، ث. وفي سائر الأصول والنسخ المطبوعة: «لي». والمثبت موافق لـ «جامع الترمذي» (نسخة الكروخي ق ١٩٣، وهو ساقط من عامة الطبعات) و«معجم الطبراني الكبير».
(٢) غير محرّر في ف. وفي ص، ث: «ما يغرُّك؟». في س: «ما أبعدك؟ أيضرك ». في د: «ما يضرك؟ أيضرك». وفي مطبوعة «معجم الطبراني»: «لم يغرك إلا أن ». والمثبت موافق لسائر مصادر التخريج في كونه مشتقًّا من الفرار، على اختلاف بينها في الصياغة ..
(٣) زِيد بعده في النسخ المطبوعة: «فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة»، وليس في الأصول إلا في هامش ن مصححًا عليه، وليس في مصادر التخريج.
[ ٣ / ٦٥٠ ]
أجعل لك مالًا وولدًا؟ فيقول: بلى، فيقول: أين ما قدمت لنفسك؟ فينظر قُدَّامه وبَعده وعن يمينه وعن شماله ثم لا يجد شيئًا يقي به وجهه جهنم، ليقِ أحدُكم وجهَه النارَ ولو بشقِّ تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة، فإني لا أخاف عليكم الفاقة، فإن الله ناصركم ومعطيكم حتى تسير الظعينةُ ما بين يثرب والحِيرَةِ أكثرَ (^١)
ما تخاف على مطيَّتها السَّرَق»، قال: فجعلت أقول في نفسي: فأين لصوص طيئ (^٢)؟!
_________________
(١) كذا في الأصول، وأيضًا في النسخ الخطية من «جامع الترمذي» و«كتاب التوحيد» لابن خزيمة. وفي «المسند» ومخطوطة «الدلائل»: «إن أكثر ما تخاف ». وعند الطبراني في الرواية الأولى: «وأكثر ما تخاف»، وفي الثانية: «أخوف ما تخاف». وتأويل الكلام ــ والله أعلم ــ أن الظعينة ستسير في المفاوز التي أكثر ما يخافه السائر في مثلها السرقة، ولكنها ستسير فيها آمنة لا يحصل لها من ذلك المخوف شيء. هذا، والذي في عامة مطبوعات «جامع الترمذي» و«كتاب التوحيد» و«الدلائل»: «أو أكثر» ليكون عطفًا على ما قبله وتكونَ «ما» نافية، أي: تسير هذه المسافة أو أكثر لا تخاف فيها السرقة، ولكن بمراجعة أصولها الخطية تبيّن أن «أو» إما مقحمة وإما مصحَّفة عن «إنّ».
(٢) لحديث عدي هذا شواهد في «الصحيحين» وغيرهما من طرق عنه، وأطولها حديث البخاري (٣٥٩٥) بلفظ: «بينا أنا عند النبي - ﷺ - إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: «يا عدي، هل رأيت الحيرة؟» قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال «فإن طالت بك حياة، لترين الظعينة ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله، ــ قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طيئ الذين قد سعروا البلاد ــ، ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى»، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: «كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة، لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدًا يقبله منه، وليلقينَّ الله أحدُكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، فليقولن له: ألم أبعث إليك رسولًا فيبلغك؟ = فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالًا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم»، قال عدي: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «اتقوا النار ولو بشقة تمرة، فمن لم يجد شقة تمرة فبكلمة طيبة». وانظر: «صحيح البخاري» (١٤١٣، ١٤١٧، ٦٠٢٣، ٧٥١٢) ومسلم (١٠١٦).
[ ٣ / ٦٥١ ]
ذكر قصة كعب بن زُهَير مع النبي - ﷺ -
وكانت فيما بين رجوعه من الطائف وغزوة تبوك.
قال ابن إسحاق (^١): ولما قدم رسول الله - ﷺ - من الطائف كتب بُجَير بن زهير إلى أخيه كعب يخبره أن رسول الله - ﷺ - قتل رجالًا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن مَن بقي مِن شعراء قريش ابنَ الزِّبَعْرى وهُبَيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة فطِرْ إلى رسول الله - ﷺ - فإنه لا يقتل أحدًا جاءه تائبًا (^٢) وإن أنت لم تفعل فانجُ إلى نَجائك، وكان كعب قد قال:
ألا أبلغا عني بجيرًا رسالةً فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا (^٣)؟
فبيِّنْ لنا إن كنتَ لستَ بفاعلٍ على أي شيءٍ غيرِ ذلك دلَّكا
على خُلق لم تُلفِ أُمًّا ولا أبًا عليه ولا تُلفي عليه أخًا لكا (^٤)
_________________
(١) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٠١) و«مستدرك الحاكم» (٣/ ٥٨٣)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ٢٠٨).
(٢) بعده في ف، ز، ن، المطبوع: «مسلمًا»، إلا أنه عليه علامة الحذف في ف. وفي ب: «مسلمًا تائبًا». وليس في مصادر التخريج.
(٣) أي: هل لك رأي فيما قلتَ، أي: هل قلته عن قصد واعتقاد أو قلته لأمرٍ ما؟
(٤) «أخًا لكا» في هامش ز مصححًا عليه: «أبًا لكا»، وكذا في نسخة من «عيون الأثر».
[ ٣ / ٦٥٢ ]
فإن أنت لم تفعل فلستُ بآسفٍ ولا قائلٍ إما عثرت لعًا لكا (^١)
سقاك بها المأمونُ كأسًا رَوِيَّةً فأَنْهَلَك المأمونُ منها وعلَّكا (^٢)
قال: وبعث بها إلى بجير فلما أتت بُجيرًا كره أن يكتمها رسولَ الله - ﷺ - فأنشده إياها، فقال رسول الله - ﷺ -: «سقاك بها المأمون، صدق وإنه لكذوب وأنا المأمون»، ولما سمع: «على خُلقٍ لم تُلفِ أمًّا ولا أبًا عليه» قال: «أجل، لم يُلفِ عليه أباه ولا أمه».
ثم قال بُجير لكعب:
مَن مُبلِغٌ كعبًا فهل لك في التي تلوم عليها باطلًا وهي أحزمُ
إلى الله لا العزى ولا اللات وحده فتنجو إذا كان النجاءُ وتَسْلَمُ
لدى يومَ لا ينجو وليس بمُفلتٍ من الناس إلا طاهرُ القلب مسلمُ
فدِينُ زهيرٍ وهو لا شيء دينُه ودينُ أبي سُلمى عليَّ مُحرَّمُ
فلما بلغ كعبًا الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه، وأَرجَفَ به من كان في حاضره مِن عدوِّه فقال: هو مقتول، فلما لم يجد من شيء بُدًّا قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله - ﷺ - ويذكر خوفَه وإرجافَ الوُشاة به مِن عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجلٍ كانت بينه وبينه معرفة من جُهَينة ــ كما ذُكِر لي ــ، فغدا به إلى رسول الله - ﷺ - حين صلى الصبح فصلى
_________________
(١) لعًا لك: دعاء للعاثر أن ينتعش من سقطته.
(٢) المأمون: النبي - ﷺ -، كانت قريش تسمِّيه المأمون والأمين. رَويَّةً: فعيلة بمعنى مُفعِلة، أي: مُرْوِية. فأنهلك: سقاك النَّهَل، وهي السَّقْية الأولى. وعَلَّك: سقاك العَلَل، وهي السقية الثانية. ومراده أن النبي - ﷺ - هو الذي لقَّنك هذه المقالة التي تدعوني فيها إلى الإسلام حتى ارتويتَ بها وأُشرِبتها في قلبك.
[ ٣ / ٦٥٣ ]
مع رسول الله - ﷺ -، ثم أشار له إلى رسول الله - ﷺ - فقال: هذا رسول الله فقم إليه واستأمنه، فذكر لي أنه قام إلى رسول الله - ﷺ - حتى جلس إليه فوضع يده في يده، وكان رسول الله - ﷺ - لا يعرفه، فقال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمنك تائبًا مسلمًا، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال رسول الله - ﷺ -: «نعم»، قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير.
قال ابن إسحاق (^١): فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، دعني وعدوَّ الله أضرِبْ عنقه، فقال رسول الله - ﷺ -: «دعه عنك فقد جاء تائبًا نازعًا» (^٢)، قال: فغضب كعب على هذا الحيِّ من الأنصار لِما صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير، فقال قصيدته اللامية يصف فيها محبوبته وناقته، التي أولها:
بانت سعادُ فقلبِي الْيَومَ مَتبولُ مُتيَّمٌ عندها لم يُجْزَ مكبولُ (^٣)
_________________
(١) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٠٣) و«مستدرك الحاكم» (٣/ ٥٨٤). وللقصيدة شواهد، فقد أخرجها الحاكم (٣/ ٥٧٩ - ٥٨١) ــ وعنه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٢٠٧ - ٢١١) ــ من طريق الحجاج بن ذي الرُّقَيبة بن عبد الرحمن بن كعب بن زهير بن أبي سُلمى عن أبيه عن جده ــ والحجاج وأبوه مجهولان ــ، ومن مرسل علي بن زيد بن جُدعان، ومن مغازي موسى بن عقبة.
(٢) زيد في المطبوع بعده: «عمَّا كان عليه» نقلًا عن «سيرة ابن هشام» بلا تنبيه، وليست في شيء من الأصول، ولا في «عيون الأثر» مصدر المؤلف.
(٣) لفظ العجُز في المطبوع: «متيم إثرها لم يفدَ مكبول» خلافًا للأصول، وكذا في مطبوعة «عيون الأثر» خلافًا لأصوله الخطية. وفي الأبيات الآتية أيضًا شيء من مثل هذا التصرُّف والتغيير، أكتفي بهذا التنبيه عن التنصيص عليها في مواضعها. وقوله: «بانت» أي: فارقتني. و«متبول»: أسقمه الحبُّ وأضناه. و«متيَّم»: مستعبَدٌ استعبده الحبُّ. و«لم يُجزَ»: لم يُفدَ من الأسر. و«مكبول»: مقيَّد.
[ ٣ / ٦٥٤ ]
إلى أن قال (^١):
يمشي الغُواة بجنبَيها وقولهمُ إنك يا ابن أبي سُلمى لمقتولُ
وقال كلُّ صديقٍ كنت آمُلُه لا أُلْهِينَّك إني عنك مشغولُ
فقلت خلُّوا طريقي لا أبًا لكمُ فكل ما قدَّر الرحمن مفعولُ (^٢)
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يومًا على آلةٍ حدباءَ محمولُ (^٣)
نُبِّئتُ أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمولُ
مهلًا هداك الذي أعطاك نافلة الـ ـفرقان فيها مواعيظ وتفصيلُ (^٤)
لا تأخذَنِّي بأقوال الوُشاة ولم أُذنبْ ولو كثرت فيَّ الأقاويلُ
لقد أقوم مقامًا لو يقوم به يرى ويسمع ما قد أَسمعُ الفيلُ
لظلَّ ترعد من خوفٍ بوادره إن لم يكن من رسول الله تنويلُ (^٥)
حتى وضعت يميني ما أنازعها في كفِّ ذي نَقِمات قولُه القيلُ (^٦)
_________________
(١) «إلى أن قال» ساقط من المطبوع.
(٢) ف، هامش ص، هامش د: «مقبول».
(٣) الآلة: سرير الميت. الحدباء: المرتفعة، ومنه: الحَدَب من الأرض.
(٤) النافلة: الزيادة، سمَّى الفرقان نافلة إشارة إلى أن الله أنعم على رسوله بالنبوة وبعلوم عظيمة علّمه إياها، وجعل القرآن زيادة له على ذلك، وبنحوه فسِّر قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أي: زيادة على الذي أحسنه موسى من العلم والحكمة.
(٥) معنى البيتين: لقد قمتُ بين يدي رسول الله مقامًا لو قام به الفيل يرى ويسمع ما أرى وأسمع= لظلَّ يرعد من الفزع إن لم يُنوِّلْني ــ أي: يعطيني ــ رسولُ الله - ﷺ - أمانًا منه.
(٦) ذو نَقِمات: رسول الله - ﷺ - لأنه صاحب غزواتٍ ومعارك انتقم فيها من أعداء الله. قوله القيل: أي قوله هو القول التام المعتدّ به، لكونه ماضيًا نافذًا.
[ ٣ / ٦٥٥ ]
فَلَهْوَ أخوفُ عندي إذْ أكلِّمه وقيل: إنك منسوب ومسؤولُ (^١)
من ضيغمٍ بضراءِ الأرض مُخْدَرُهُ في بطنِ عَثَّرَ غِيلٌ دونه غِيلُ (^٢)
يغدو فيُلحِم ضِرغامَين عَيشُهما لحمٌ من الناس مَعفورٌ خَراديلُ (^٣)
إذا يساور قِرنًا لا يحلُّ له أن يترك القِرْنَ إلا وهو مَفلولُ (^٤)
منه تظل حميرُ الجوِّ نافرةً ولا تمشَّى بِواديه الأراجِيلُ (^٥)
ولا يزال بِواديه أخو ثقة مضرَّجَ البزِّ والدِّرسَين مأكولُ (^٦)
إن الرسول لنور يستضاء به مُهنَّدٌ مِن سيوف الله مسلولُ
في عُصبةٍ من قريش قال قائلهمْ ببطن مكة لما أسلموا: زُولوا (^٧)
_________________
(١) أي: وقد قيل لي قبل أن أقف بين يديه: إنك نُسبتَ عند رسول الله - ﷺ - إلى أمورٍ عظائمَ صدرت منك، وإن رسول الله - ﷺ - سائلك عنها.
(٢) الضراء: البراز والفضاء. المُخْدَر: عرين الأسد الذي يختدر فيه. عَثَّر: أرض باليمن معروفة بكثرة الأُسود. الغِيل: الشجر الملتف. والمراد: أن النبي - ﷺ - أخوف عنده إذ يقف بين يديه من ليث غاباتٍ خرج من عرينه وبرز له في الفضاء.
(٣) أي: أن ذلك الضيغم يغدو ليطلب لحم الصيد لولديه، قُوتُهما خراديلُ ــ أي قِطَعٌ ــ من لحم الناس ملقًى على العَفَر وهو التراب.
(٤) المُساورة: المواثبة والمصارعة. القِرن: النظير في الشجاعة والإقدام. المفلول: المسكور المهزوم.
(٥) الجوّ: البرُّ الواسع. الأراجيل: جمع رجلٍ.
(٦) أخو ثقة: الشجاع الواثق بشجاعته .. مُضرَّج البزِّ: مُلَطَّخٌ ثيابُه بالدم، والرواية المشهورة: «مطرَّح البزِّ» أي: ملقى السلاح. الدِّرْس: الثوب الخَلَق. والمراد: أنه لا يزال الشجعان يقعون فَرسى لذلك الضَّيغم بواديه.
(٧) زُولُوا أي: انتقِلُوا من مكة إلى المدينة، يعني بذلك الهجرة.
[ ٣ / ٦٥٦ ]
زالوا فما زال أنكاس ولا كُشُفٌ عِندَ اللقاء ولا مِيلٌ معازِيلُ (^١)
يمشون مشيَ الجِمال الزُّهْرِ يَعصِمهمْ ضَرْبٌ إذا عرَّد السُّودُ التنابيلُ (^٢)
شُمُّ العرانين أبطالٌ لَبوسُهُمُ مِن نسج داود في الهَيجا سرابيلُ
بِيضٌ سوابغُ قد شُكَّت لها حَلَقٌ كأنها حَلَق القفعاء مجدولُ (^٣)
ليسوا مفاريحَ إن نالت رماحُهُمُ قومًا وليسوا مجازيعًا إذا نِيلوا
لا يقع الطعنُ إلا في نحورهمُ وما لهم عن حِياض الموت تَهلِيلُ (^٤)
قال ابن إسحاق (^٥): قال عاصم بن عمر بن قتادة: فلما قال كعب: «إذا عرَّد السُّود التنابيل» وإنما عنى معشر الأنصار لِما كان صاحبنا صنع به، وخص المهاجرين بمدحته= غضب عليه الأنصار، فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار قصيدتَه التي يقول فيها:
_________________
(١) هذا البيت من س، هامش ز، ومصدر المؤلف، وقد أخلَّت به سائر الأصول. والأنكاس: جمع نِكْس وهو الرجل الضعيف المهين. والكشف: جمع أكشف وهو الذي لا ترس معه في الحرب. والمِيل: جمع أمْيَل وهو الذي لا سيف معه أو الذي لا يُحسن الركوب. والمعازيل: جمع مِعْزَل وهو الذي لا سلاح معه. والمراد: أنهم انتقلوا من مكة وليس فيهم مَن هذه صفته، بل هم أقوياء ذوو سلاح فرسان عند اللقاء.
(٢) الزُّهر: البِيض. وعَرَّد: فرَّ وهرب. التنابيل: جمع تِنْبال وهو القصير. والمراد مدح الصحابة بالوقار والسؤدد والشجاعة عند اللقاء.
(٣) القفعاء: بقلة تنبسط على وجه الأرض، يُشبَّه بورقها حَلَقُ الدُّرُوع. والمجدول: المحكم الصنعة.
(٤) التهليل: التأخير. والمراد وصفهم بالإقدام في الحرب وعدم الفرار.
(٥) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥١٤) وعنه في «عيون الأثر» (٢/ ٢١٢).
[ ٣ / ٦٥٧ ]
من سرَّه كرمُ الحياة فلا يزل في مِقْنَبٍ من صالحي الأنصارِ (^١)
ورثوا المكارم كابرًا عن كابرٍ إن الخيار همُ بنو الأخيارِ
الباذلين نفوسهم لنبيِّهم يومَ الهِياج وفتنةِ الأحبار (^٢)
والذائدين الناس عن أديانهم بالمَشْرَفِيِّ وبالقَنا الخَطَّارِ (^٣)
والبائعين نفوسهم لنبيِّهم للموت يوم تعانُقٍ وكِرارِ
يتطهرون يرونه نُسُكًا لهم بدماءِ من عَلِقوا من الكفارِ
وإذا حللت ليمنعوك إليهمُ أصبحتَ عند معاقل الأغفارِ (^٤)
قوم إذا خَوَتِ النجوم فإنهم للطارقين النازلين مقاري (^٥)
وكعب بن زهير من فحول الشعراء هو، وأبوه، وابنه عقبة، وابن ابنه العوَّام بن عقبة.
ومما يستحسن لكعب قوله (^٦):
لو كنتُ أعجب من شيءٍ لأعجبني سعيُ الفتى وهو مخبوءٌ له القَدَرُ
_________________
(١) المقنب: جماعة من الفرسان.
(٢) المطبوع: «وسطوة الجبار» خلافًا للأصول ومصدر المؤلف. ولعل المراد بـ «فتنة الأحبار» الفتن التي أثارتها يهود المدينة وقتال النبي - ﷺ - لهم.
(٣) المشرفي: السيف، والقنا الخطار: الرمح المهتز.
(٤) الأغفار: جمع غُفْر، وهو ولد الوعل. المراد مدح الأنصار بأن من يلجأ إليهم يكون محصَّنًا وممتنعًا كامتناع الوعول في قُلَل الجبال.
(٥) المقاري: جمع المِقْرَى أو المِقراء، وهو الذي يقري الضيف.
(٦) انظر: «شرح ديوان كعب بن زهير» صنعة أبي سعيد السُّكَّري (ص ٢٢٩) ط. دار الكتب والوثائق القومية.
[ ٣ / ٦٥٨ ]
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها فالنفس واحدة والهمُّ منتشرُ (^١)
والمرء ما عاش ممدود له أملٌ لا تنتهي العينُ حتى ينتهي الأثر
ويستحسن له أيضًا قوله في النبي - ﷺ - (^٢):
تُحْدى به الناقةُ الأَدماء مُعتجِرًا بالبُرْدِ كالبدر جَلَّى ليلةَ الظُّلَمِ (^٣)
ففي عِطافَيه أو أثناءِ بُردته ما يعلم الله مِن دينٍ ومن كرم
* * *
_________________
(١) «فالنفس» غير محرّرة في ف، ب، وتصحّف في ص، د، ث إلى «كالنفس».
(٢) كما في «زهر الآداب» للقيرواني (٤/ ١١٦١) و«العمدة» لابن رشيق (٢/ ١٣٦) مع اختلاف يسير في الرواية، ولم أجده في «ديوانه» صنعة أبي سعيد السكري.
(٣) الناقة الأدماء: أي مشرَبٌ لونها بياضًا. والأُدمة في الناس شربة من سواد، وفي الإبل والظباء من بياض.
[ ٣ / ٦٥٩ ]
فصل في غزوة تبوك
فصل
في غزوة تبوك
وكانت في شهر رجب سنة تسع.
قال ابن إسحاق (^١): وكانت في زمن عُسرةٍ من الناس وجدبٍ من البلاد، وحين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون شخوصهم على تلك الحال.
وكان رسول الله - ﷺ - قلما يخرج في غزوة إلا كنَّى عنها وورَّى بغيرها إلا ما كان من غزوة تبوك لبعد الشُّقَّة وشدة الزمان (^٢).
فقال رسول الله - ﷺ - ذات يومٍ وهو في جَهازه للجَدِّ بن قيس أحدِ بني سلمة: «يا جَدُّ، هل لك العام في جِلاد بني الأصفر؟» فقال: يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتنِّي، فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عُجبًا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر، فأعرض عنه رسول الله - ﷺ - وقال: «قد أذنتُ لك» ففيه نزلت: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩] (^٣).
_________________
(١) كما في «عيون الأثر» (٢/ ٢١٥). وابن إسحاق يروي خبر الغزوة عن شيوخه من التابعين: الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، وعاصم بن عمر بن قتادة، وغيرهم؛ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥١٦).
(٢) له شاهد من حديث كعب بن مالك عند البخاري (٢٩٤٨) ومسلم (٢٧٦٩/ ٥٤).
(٣) له شاهد من مرسل مجاهد بإسناد صحيح عند الطبري في «تفسيره» (١١/ ٤٩١)، وآخر من حديث ابن عباس عند الطبري (١١/ ٤٩٢) والطبراني في «الكبير» (١٢/ ١٢٢) وأبي نعيم في «معرفة الصحابة» (١٧٢٠) بإسنادين فيهما انقطاع.
[ ٣ / ٦٦٠ ]
- إنفاق عثمان في تجهيز الجيش
وقال قوم من المنافقين بعضُهم لبعضٍ: لا تنفروا في الحرِّ، فأنزل الله فيهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ الآية [التوبة: ٨١].
ثم إن رسول الله - ﷺ - جدَّ في سفره وأمر الناس بالجَهاز وحضَّ أهل الغنى على النفقة والحُملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان في ذلك نفقةً عظيمةً لم ينفق أحدٌ مثلها.
قلت: كانت ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وعُدَّتها، وألف دينار عينًا (^١).
وذكر ابن سعد (^٢): قالوا (^٣): بلغ رسول الله - ﷺ - أن الروم قد جمعت
_________________
(١) تصدُّق عثمان بثلاثمائة بعير روي من حديث عبد الرحمن بن خبَّاب السُّلَمي عند الترمذي (٣٧٠٠) وعبد الله بن أحمد في زوائده على «المسند» (١٦٦٩٦) بإسناد فيه لين لجهالة أحد رواته، قال الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه. وأما تصدُّقه بألف دينار فروي من حديث عبد الرحمن بن سمرة عند أحمد (٢٠٦٣٠) والترمذي (٣٧٠١) والحاكم (٣/ ١٠٢)، وفيه أن النبي - ﷺ - قال: «ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم». قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. هذا، وقد صحَّ في الجملة أن عثمان جهّز جيش العُسرة، فإنه لمّا حوصِر في آخر حياته أشرف على الناس وأنشد الصحابة في أشياء منها قوله: ألستم تعلمون أن النبي - ﷺ - قال: «من جهز جيش العسرة فله الجنة» فجهّزتُهم؟ فصدَّقوه فيما قال. أخرجه البخاري (٢٧٧٨) وغيره.
(٢) في «الطبقات» (٢/ ١٥٠)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ٢١٦).
(٣) «قالوا» أي رواة المغازي من التابعين فمَن بعدهم ممن يروي عنهم ابن سعد المغازي في «طبقاته»، وقد ذكر أسانيده إليهم في أول المجلد الثاني (٢/ ٥). وفي النسخ المطبوعة: «قال» خلافًا للأصول ولمصدرَي النقل.
[ ٣ / ٦٦١ ]
جموعًا كثيرةً بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابَه لسنةٍ، وأجلبت معه لَخْمٌ وجُذامُ وعاملةُ وغَسَّان، وقدَّموا مقدماتهم إلى البلقاء، وجاء البكَّاؤون وهم سبعة يستحملون رسولَ الله - ﷺ - فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه»، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا أن لا يجدوا ما ينفقون (^١)، وهم: سالم بن عُمَير، وعُلْبة بن زيد (^٢)، وأبو ليلى المازني، وعمرو بن عَنَمة، وسلمة بن صخر، والعِرباض بن سارية (^٣). وفي بعض الروايات: وعبد الله بن مغفَّلٍ ومَعقِل بن يسار. وبعضهم يقول: البكاؤون بنو مُقرِّن السبعة (^٤)،
وهم من مُزَينة.
وابن إسحاق يعُدُّ فيهم عمرو بن الحُمام بن الجموح (^٥).
_________________
(١) كما ذكر الله ذلك في سورة التوبة، آية: ٩٢.
(٢) في الأصول: «بن يزيد»، تصحيف. وسيأتي على الصواب في الفصل القادم. وانظر: «الإصابة» (٧/ ٢٤٥).
(٣) سقط على المؤلف ــ تبعًا لابن سيد الناس ــ واحد من السبعة الذين ذكرهم ابن سعد، وهو «هَرَميُّ بن عمرو». وانظر: «الإصابة» (١١/ ٢٢١).
(٤) بنو مُقرِّن بن عائذ المزني من جلَّة الصحابة، وهم سبعة إخوة كما ذُكر هنا وكما يدل عليه حديث سُويد بن مقُرِّن عند مسلم (١٦٥٨/ ٣٢). وقيل: هم عشرة إخوة، وقد ذُكر في كتب السيرة والتاريخ أكثر من عشرة أسماء، ولعل بعضها تصحيف أو خطأ، وهم: سويد، والنعمان ــ وهما أشهرهم ولهما ذكر في «الصحيحين» ــ، وسعيد، وسنان، وسَواد، وضرار، وعبد الله، وعبد الرحمن، وعَقيل أبو حَكيم، ومَرضيّ، ومعاوية، ومَعقِل، ونُعيم .. انظر: «الإصابة» (٤/ ٣٥٦، ٤٨٤، ٥٣٢، ٥٤٦، ٥/ ٣٤٧، ٦/ ٣٩٠، ٦/ ٥٧٠، ٧/ ٢٢٣، ١٠/ ١١٨، ٢٤٤، ١٠/ ٢٧٩، ١١/ ٩٨، ١١٠).
(٥) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥١٨) و«الدلائل» (٥/ ٢١٨)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ٢١٦).
[ ٣ / ٦٦٢ ]
فصل: قصة علبة بن زيد في التصدق بعرضه على المسلمين
وأرسل أبا موسى أصحابُه (^١) إلى رسول الله - ﷺ -[لِـ] يحملهم فوافاه غضبان فقال: «والله لا أحملكم ولا عندي ما أحملكم عليه»، ثم أتاه إبل فأرسل إليهم ثم قال: «ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم، وإني واللهِ لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفَّرتُ عن يميني وأتيتُ الذي هو خير» (^٢).
فصل
وقام عُلْبة بن زيد فصلى من الليل وبكى وقال: «اللهم إنك قد أمرت بالجهاد ورغَّبتَ فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوَّى به مع رسولك، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدَّق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مالٍ أو جسد أو عرض، ثم أَصبحَ مع الناس فقال النبي - ﷺ -: «أين المتصدق هذه الليلة؟» فلم يقم أحد، ثم قال: «أين المتصدق؟ فليقم»، فقام إليه فأخبره فقال رسول الله - ﷺ -: «أبشر، فوالذي نفس محمد بيده لقد كُتبتْ في الزكاة المتقبلة» (^٣).
_________________
(١) المثبت من ف، س. وفي سائر النسخ والطبعة الهندية: «وأصحابه»، خطأ.
(٢) أخرجه البخاري (٣١٣٣) ومسلم (١٦٤٩) من حديث أبي موسى بنحوه.
(٣) ذكره ابن إسحاق كما في «دلائل النبوة» (٥/ ٢١٨). وله شواهد، منها: حديث أبي عبس بن جبر الأنصاري عند ابن أبي الدنيا في «مداراة الناس» (٩) وأبي نُعيم في «معرفة الصحابة» (٥٥٩٠) والبيهقي في «شُعب الإيمان» (٧٧٢٩)، وإسناده ضعيف. وآخر من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ــ وهو متروك ــ عن أبيه عن جدّه، أخرجه البزَّار (٣٣٨٧) وابن أبي الدنيا في «مداراة الناس» (١٠). وشاهد ثالث من مرسل أبي صالح السمّان مختصرًا عند ابن الأعرابي في «معجمه» (١٩٦٥) وابن أبي الدنيا في «مداراة الناس» (١٢) بإسناد صحيح.
[ ٣ / ٦٦٣ ]
- تخلف المعذرين من الأعراب والمنافقين وبعض المؤمنين
وجاء المُعذِّرون من الأعراب ليؤذَن لهم فلم يعذرهم، قال ابن سعد (^١): وهم اثنان وثمانون رجلًا (^٢)، وكان عبد الله بن أُبيٍّ ابنُ سلول قد عسكر على ثنيَّة الوَداع في حلفائه من اليهود والمنافقين، فكان يقال: ليس عسكره بأقلِّ العسكرين.
واستخلف رسول الله - ﷺ - على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، وقال ابن هشام: سِباع بن عرفطة (^٣)، والأول أثبت.
فلما سار رسول الله - ﷺ - تخلف عبد الله بن أُبيٍّ ومن كان معه، وتخلف نفر من المسلمين من غير شك ولا ارتياب منهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومُرارة بن الربيع، وأبو خيثمة السالمي، وأبو ذر (^٤)؛ ثم لحقه أبو خيثمة وأبو ذر.
وشهدها رسول الله - ﷺ - في ثلاثين ألفًا من الناس، والخيلُ عشرة آلاف فرس، وأقام بها عشرين ليلةً يقصر الصلاة، وهرقل يومئذ بحِمْص.
_________________
(١) في «الطبقات» (٢/ ١٥١).
(٢) وفي حديث كعب بن مالك الطويل عند البخاري (٤٤١٨) ومسلم (٢٧٦٩/ ٥٣) أنهم كانوا بضعة وثمانين رجلًا.
(٣) ليس هذا قول ابن هشام، بل قوله في «السيرة» (٢/ ٥١٩) هو الأول، أي: أن النبي - ﷺ - استعمل على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري. وإنما نقل ابنُ هشام هذا القولَ عن عبد العزيز بن محمد الدَّراوَرْدي عن أبيه، ولم يرتضه ولا قال به. ومنشأ الوهم أن ابن سيد الناس ــ والمؤلف صادر عن كتابه (٢/ ٢١٦) ــ اختصر كلام ابن هشام بلفظ موهمٍ لما ذكره المؤلف.
(٤) لم يتخلَّف أبو ذر عن عمد، وإنما أبطأ به بعيرُه، كما سيأتي لاحقًا.
[ ٣ / ٦٦٤ ]
قال ابن إسحاق (^١): ولما أراد رسول الله - ﷺ - الخروج خلَّف علي بن أبي طالب على أهله، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلَّفه إلا استثقالًا وتخفُّفًا منه، فأخذ عليٌّ سلاحَه ثم خرج حتى أتى رسولَ الله - ﷺ - وهو نازل بالجُرْف (^٢) فقال: يا نبي الله، زعم المنافقون أنك إنما خلَّفتني لأنك استثقلتني وتخففت مني، فقال: «كذبوا، ولكنني خلفتك لِما تركتُ ورائي، فارجع فاخلُفْني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي»، فرجع علي إلى المدينة (^٣).
ثم إن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول الله - ﷺ - أيامًا إلى أهله في يوم حارٍّ فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه قد رشَّت كلُّ واحدة منهما عريشها وبرَّدت له ماءً وهيأت له فيه طعامًا، فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال: رسول الله - ﷺ - في الضِّحِّ (^٤) والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيَّأٍ وامرأة حسناء (^٥)، ما هذا
_________________
(١) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥١٩) و«عيون الأثر» (٢/ ٢١٧).
(٢) موضع يقع شمال غربيِّ المسجد النبوي، وهو اليوم حيٌّ من أحياء المدينة.
(٣) له شاهد عند البخاري (٤٤١٦) ومسلم (٢٤٠٤) من حديث سعد بن أبي وقاص قال: خلّف رسول الله - ﷺ - علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله، تخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي».
(٤) الضِّحُّ: نقيض الظل.
(٥) زِيد في المطبوع بعده: «في ماله مقيم» أخذًا من «سيرة ابن هشام»، وليس في شيء من الأصول ولا في مصدر المؤلف «عيون الأثر».
[ ٣ / ٦٦٥ ]
بالنَّصَف! ثم قال: والله لا أدخل عريشَ واحدةٍ منكما حتى ألحق برسولِ الله (^١) - ﷺ - فهيِّئَا لي زادًا، ففعلتا، ثم قدَّم ناضحه فارتحله ثم خرج في طلب رسول الله - ﷺ - حتى أدركه حين نزل تبوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عُمَيرُ بن وهبٍ الجُمَحي في الطريق يطلب رسول الله - ﷺ - فترافقا، حتى إذا دنَوَا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنبًا فلا عليك أن تتخلَّف عني حتى آتي رسول الله - ﷺ -، ففعل حتى إذا دنا من رسول الله - ﷺ - وهو نازل بتبوك قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله - ﷺ -: «كن أبا خيثمة»، قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة، فلما أناخ أقبل فسلَّم على رسول الله - ﷺ -، فقال له رسول الله - ﷺ -: «أولى لك (^٢)
يا أبا خيثمة»، فأخبر رسولَ الله - ﷺ - خبره، فقال له رسول الله - ﷺ - خيرًا ودعا له بخير (^٣).
_________________
(١) ص، د، ز: «رسولَ الله».
(٢) «أولى لك» كلمة تهدُّد ووعيد، ومعناه: وَلِيَك المكروه، أي قَرُب منك. وفي حديث أبي خيثمة عند الطبراني (الآتي تخريجه) أنه هو الذي قال: «كِدتُ أهلِك يا رسول الله» ..
(٣) جاءت قصة أبي خيثمة في «سيرة ابن هشام» عن ابن إسحاق بلا إسناد، وأخرجها البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٢٢٢) بإسناده عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم مرسلًا. ولها شواهد تصحّ بها، منها: حديث إبراهيم بن عبد الله بن سعد بن خيثمة عن أبيه عن جده سعدٍ ــ وهو أبو خيثمة صاحب القصة ــ مطولًا، أخرجه الطبراني في «الكبير» (٦/ ٣١) بإسناد فيه لين. وآخر من مغازي موسى بن عقبة عند البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٢٢٦)، وأيضًا من مغازي عروة من رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عنه بنحوه كما في «الدلائل». وصحّ في حديث كعب بن مالك الطويل عند مسلم (٢٧٦٩/ ٥٣) ذكر لحاق أبي خيثمة بالنبي - ﷺ - في تبوك وقوله - ﷺ -: «كن أبا خيثمة».
[ ٣ / ٦٦٦ ]
- هدي النبي - ﷺ - في مروره بديار ثمود
وقد كان رسول الله - ﷺ - حين مرَّ بالحِجْر بديار ثمودَ قال: «لا تشربوا من مائها شيئًا ولا تتوضَّؤوا منه للصلاة، وما كان من عجينٍ عجنتموه فَاعْلِفوه الإبلَ ولا تأكلوا منه شيئًا، ولا يخرجنَّ أحدٌ منكم إلا ومعه صاحب له»، ففعل الناس إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعيره، فأما الذي خرج لحاجته فإنه خُنِق على مذهبه، وأما الذي خرج في طلب بعيره فاحتملته الريحُ حتى طرحَتْه بجبلَي طيِّئٍ، فأُخبر بذلك رسول الله - ﷺ - فقال: «ألم أنهكم أن يخرجَ (^١) أحدٌ منكم إلا ومعه صاحبه؟» ثم دعا للذي خنق على مذهبه فشُفِي، وأما الآخر فأهدته طيئ لرسول الله - ﷺ - حين قدم المدينة (^٢).
قلت: والذي في «صحيح مسلم» (^٣) من حديث أبي حُمَيد: انطلقنا حتى قدمنا تبوك فقال رسول الله - ﷺ -: «ستهُبُّ عليكم الليلةَ ريحٌ شديدة، فلا يقم أحد منكم، فمن كان له بعير فليشدَّ عقاله»، فهبَّت ريح شديدة فقام رجل فحملته الريح حتى ألقَتْه بجبلي طيئ.
قال ابن هشام (^٤): بلغني عن الزهري أنه قال: لما مرَّ رسولُ الله - ﷺ -
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «أن لا يخرج» خلافًا للأصول وللمصادر.
(٢) أسنده ابن إسحاق ــ كما في «السيرة» (٢/ ٥٢٢) و«الدلائل» (٥/ ٢٤٠) ــ عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي مرسلًا. وقد أسنده العباس بن سهل عن أبي حُميد الساعدي كما في حديث مسلم الآتي، وفي سياقه اختلاف عمّا ذكره ابن إسحاق.
(٣) برقم (١٣٩٢/ ١١ - ج ٤/ ١٧٨٥).
(٤) في «السيرة» (٢/ ٥٢٢)، والحديث أسنده الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، كما عند البخاري (٣٣٨٠، ٤٤١٩) ومسلم (٢٩٨٠/ ٣٩)، ولفظ البخاري في الموضع الثاني: «ثم قنَّعَ رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي».
[ ٣ / ٦٦٧ ]
بالحِجر سجَّى ثوبه على وجهه واستحثَّ راحلته، ثم قال: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم باكون خوفًا أن يصيبكم ما أصابهم».
قلت: في «الصحيحين» (^١) من حديث ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبُكم مثلُ ما أصابهم».
وفي «صحيح البخاري» (^٢): أنه أمرهم بإلقاء العجين وطرحه.
وفي «صحيح مسلم» (^٣) أنه أمرهم أن يعلِفوا الإبل العجينَ، وأن يُهَرِيقوا الماء، ويستقوا من البئر التي كانت تَرِدها الناقة. ورواه البخاري أيضًا، وقد حفظ راويه ما لم يحفظه من روى الطَّرْح.
وذكر البيهقي (^٤) أنه نادى فيهم: «الصلاة جامعة»، فلما اجتمعوا قال: «علامَ تدخلون على قومٍ غضب الله عليهم؟» فناداه رجل فقال: نَعجب منهم يا رسول الله، فقال: «ألا أنبئكم بما هو أعجب من ذلك؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدَكم، استقيموا وسدِّدوا فإن الله ﷿ لا يعبأ بعذابكم شيئًا، وسيأتي الله بقوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئًا».
_________________
(١) البخاري (٤٣٣) ومسلم (٢٩٨٠/ ٣٨) من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
(٢) برقم (٣٣٧٨) من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
(٣) برقم (٢٩٨١/ ٤٠) من حديث نافع عن ابن عمر. وهو عند البخاري (٣٣٧٩) كما سيذكره المؤلف.
(٤) في «دلائل النبوة» (٥/ ٢٣٥)، وأخرجه أيضًا أحمد (١٨٠٢٩) وابن أبي شيبة (٣٨١٦٧) والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٣٤٠)، من حديث محمد بن أبي كبشة عن أبيه. ورجاله ثقات إلا محمد بن أبي كبشة، ففيه جهالة حال ولم يوثِّقه غير ابن حبان.
[ ٣ / ٦٦٨ ]
فصل: بعض دلائل نبوته - ﷺ - في الطريق إلى تبوك
فصل
قال ابن إسحاق (^١): وأصبح الناس ولا ماء معهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله - ﷺ - فدعا رسول الله - ﷺ - فأرسل الله سبحانه سحابةً فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء (^٢).
ثم إن رسول الله - ﷺ - سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ناقته، فقال زيد بن اللُّصَيت وكان منافقًا (^٣): أليس محمَّد يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟! فقال رسول الله - ﷺ -: «إن رجلًا يقول (وذكر مقالته)، وإني والله لا أعلم إلا ما علَّمني الله، وقد دلَّني اللهُ عليها وهي في الوادي في شعب كذا وكذا قد حبستها شجرةٌ بزمامها، فانطلِقوا حتى تأتوني بها»، فذهبوا فجاؤوه بها (^٤).
_________________
(١) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٢٢) و«عيون الأثر» (٢/ ٢١٨).
(٢) الخبر رواه ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلًا، كما في «الدلائل» (٥/ ٢٣١). وله شاهد من حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب بأطول منه، أخرجه البزار (٢١٤) وابن خزيمة (١٠١) وابن حبان (١٣٨٣) والحاكم (١/ ١٥٩) والضياء في «المختارة» (١/ ٢٧٨ - ٢٨٠) بإسناد رجاله رجال الصحيحين.
(٣) كان من أحبار اليهود من بني قيقناع، تعوّذ بالإسلام فدخل فيه نفاقًا. قاله ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٥٢٧).
(٤) رواه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٥٢٣) ــ عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لَبِيد عن رجال من بني عبد الأشهل. وهذا إسناد جيّد. والخبر عند عروة بن الزبير وموسى بن عقبة في مغازيهما ــ كما في «الدلائل» (٤/ ٦٠) ــ والواقدي في «مغازيه» (٣/ ١٠٠٩) بنحوه. وقد ذكر ابن إسحاق وأصحاب المغازي الآنف ذكرهم أنه يُقال: إن زيد بن اللصيت تاب عند ذلك وحسُن إسلامه، وأن بعض الناس ــ سمّاه الواقدي: خارجه بن زيد بن ثابت ــ يقول: لم يزل متهمًا بشرٍّ حتى هلك.
[ ٣ / ٦٦٩ ]
- لحوق أبي ذر بالعسكر وقوله - ﷺ -: «رحم الله أبا ذر يمشي وحده»
وفي طريقه تلك خرص حديقة المرأة بعشرة أوسق (^١).
ثم مضى رسولُ الله - ﷺ - فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون: تخلَّف فلان، فيقول: «دعوه فإن يك فيه خيرٌ فسيُلحقه الله بكم، وإن يكُ غيرَ ذلك فقد أراحكم الله منه» (^٢).
وتلوَّم (^٣) على أبي ذر بعيرُه، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه على ظهره ثم خرج يتبع أثر رسول الله - ﷺ - ماشيًا، ونزل رسول الله - ﷺ - في بعض منازله فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسول الله - ﷺ -: «كُن أبا ذر»، فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذر، فقال رسول الله - ﷺ -: «رحم الله أبا ذرٍّ، يمشي وحدَه ويموت وحده ويُبعَث وحده» (^٤).
_________________
(١) وذلك أن النبي - ﷺ - لمَّا مرّ بوادي القُرى في طريقه إلى تبوك أتى على حديقة لامرأة فقال - ﷺ - لأصحابه: «اخرُصوها» ــ أي اخرصوا كم يجيء من ثمرها ــ فخرصوها، وخرص النبي - ﷺ - أنها عشرة أوسق، وقال للمرأة: «أحصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله»، ثم لمّا أتوا على وادي القُرى في قفولهم من تبوك سأل رسول الله - ﷺ - المرأة عن حديقتها كم بلغ ثمرها، قالت: عشرة أوسق. أخرجه البخاري (١٤٨١) ومسلم (١٣٩٢/ ١١ - ج ٤/ ١٧٨٥) من حديث أبي حُميد الساعدي.
(٢) رواه ابن إسحاق ــ كما في «المستدرك» (٣/ ٥٠) و«الدلائل» (٥/ ٢٢١) ــ بإسناده الآتي قريبًا عن ابن مسعود، وهو ضعيف كما سيأتي.
(٣) أي: تمكّث وتوقَّف.
(٤) وهذا أيضًا رواه ابن إسحاق ــ ومن طريقه الحاكم وغيره ــ بالإسناد الآتي عن ابن مسعود - ﵁ -.
[ ٣ / ٦٧٠ ]
- ما روي من قصة وفاة أبي ذر بالربذة
قال ابن إسحاق (^١): فحدثني بريدة (^٢) بن سفيان الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن مسعود قال: لما نفى عثمان أبا ذر إلى الرَّبَذة وأصابه بها قَدَرُه لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه فأوصاهما: أن اغسِلاني وكفِّناني ثم ضُمَّاني إلى (^٣) قارعة الطريق، فأول ركب يمرُّ بكم فقولوا: هذا أبو ذر صاحبُ رسول الله - ﷺ - فأَعِينونا على دفنه، فلما مات فعلا ذلك به (^٤)، وأقبل عبد الله بن مسعود في رهطٍ مِن أهل العراق عُمَّارًا، فلم يَرُعهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق قد كادت الإبل تطؤها، وقام إليهم الغلام فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله - ﷺ - فأعينونا على دفنه، قال: فاستهلَّ عبدُ الله يبكي ويقول: صدق رسول الله - ﷺ - تمشي وحدَك وتموت وحدك وتُبعَث وحدك، ثم نزل هو وأصحابه فوارَوه، ثم حدَّثهم عبد الله بن مسعود حديثه وما قال له رسول الله - ﷺ - في مسيره إلى تبوك.
_________________
(١) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٢٤)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ٢١٩). وأخرجه من طريق ابن إسحاق أيضًا الحاكم (٣/ ٥٠) وعنه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٢٢١). وإسناده ضعيف فإن بُريدة بن سفيان قال البخاري: فيه نظر، وقال النسائي: ليس بالقوي في الحديث، وقال الدارقطني: متروك.
(٢) في الأصول: «بريد» أو «يزيد». والتصحيح من مصادر التخريج.
(٣) كذا في الأصول. وفي «عيون الأثر»: «ضماني على». وفي المطبوع: «ضَعاني على» وفاقًا لـ «سيرة ابن هشام».
(٤) في طبعة الرسالة بعده: «ثم وضعاه على قارعة الطريق»، وليس في شيء من الأصول ولا في الطبعة الهندية ولا في مصدر المؤلف، وإنما أُقحم من «سيرة ابن هشام» بلا تنبيه.
[ ٣ / ٦٧١ ]
قلت: وفي هذه القصة نظر، فقد ذكر أبو حاتم بن حبان في «صحيحه» (^١) وغيرُه في قصة وفاته عن مجاهد عن إبراهيم بن الأَشْتَر عن أبيه عن أُمِّ ذر قالت: لما حضرت أبا ذر الوفاة بَكيتُ فقال: ما يبكيكِ؟ فقلت: وما لي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض وليس عندي ثوب يسعك كفنًا ولا يدانِ لي في تغييبك، قال: أبشري ولا تبكي فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لنفرٍ أنا فيهم: «ليموتَنَّ رجل منكم بفلاةٍ من الأرض تشهده عِصابةٌ من المسلمين» وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية وجماعة فأنا ذلك الرجل، والله ما كَذَبتُ ولا كُذِبت، فأبصري الطريق، فقلت: أنى وقد ذهب الحاجُّ وتقطَّعت الطرق؟! فقال: اذهبي فتبصَّري، قالت: فكنت أشتدُّ (^٢) إلى الكثيب أتبصَّر ثم أرجع فأمرِّضه، فبينا هو وأنا كذلك إذا أنا برجالٍ على رحالهم كأنهم الرَّخَمُ (^٣)
تخُبُّ بهم رواحلهم، قالت: فأشرت إليهم فأسرَعوا إليَّ حتى وقفوا عليَّ، فقالوا: يا أمةَ الله ما لك؟ قلت: امرؤ من المسلمين يموت
_________________
(١) برقم (٦٦٧١)، وأخرجه هو (٦٦٧٠) وأحمد (٢١٣٧٣) والبزار (٤٠٦٠) والحاكم (٣/ ٣٤٥) وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (١٥٦٧) والبيهقي في «الدلائل» (٦/ ٤٠١)، من طرق عن يحيى بن سليم الطائفي، عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن مجاهد به. وإسناده فيه لين، فإن إبراهيم بن الأشتر وأباه ــ مالك بن الحارث النخعي المعروف بالأشتر ــ معروفان بالإمارة والشجاعة لا بالرواية والضبط، على أن ابن حبان أوردهما في «الثقات»، والعجليُّ قد وثّق الأشتر، وحسّن محققو «المسند» (طبعة الرسالة) إسنادَه.
(٢) المطبوع: «أسند»، تصحيف.
(٣) الرخَم: طائر أبقع على شكل النسر خِلقةً إلا أنه مبقَّعٌ بسواد وبياض، ويُعرف الآن أيضًا بالعُقاب المصري ..
[ ٣ / ٦٧٢ ]
- خوض المنافقين واستهزاؤهم ونزول الآيات في ذلك
تكفِّنونه، قالوا: ومَن هو؟ قلت: أبو ذر، قالوا: صاحب رسول الله - ﷺ -؟ قلت: نعم، ففدَّوه بآبائهم وأمهاتهم وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه، فقال لهم: أبشروا فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لنفر أنا فيهم: «ليموتَنَّ رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين»، وليس من أولئك النفر رجل إلا وقد هلك في جماعة، والله ما كَذَبت ولا كُذِبت، وإنه لو كان عندي ثوب يسعني كفنًا لي ولامرأتي (^١) لم أكفَّن إلا في ثوب هو لي ولها، فإني أنشدكم الله أن يكفِّنَني (^٢) رجلٌ منكم كان أميرًا أو عريفًا أو بريدًا أو نقيبًا، وليس من أولئك النفر أحدٌ إلا وقد قارف بعضَ ما قال إلا فتًى من الأنصار قال: أنا يا عمُّ، أكفنك في ردائي هذا وفي ثوبين من عَيبتي مِن غزل أمي، قال: أنت فكفِّنِّي، فكفَّنه الأنصاري وقاموا عليه ودفنوه في نفرٍ كلُّهم يمانٍ.
رجعنا إلى قصة تبوك: وقد كان رهط من المنافقين ــ منهم وديعة بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف، ومنهم رجل من أشجعَ حليفٌ لبني سلمة يقال له:
_________________
(١) كذا في الأصول، وفي مصادر التخريج: «أو لامرأتي»، وفي الموضع الآتي: «أو لهما»، والمعنى عليه.
(٢) النسخ المطبوعة: «أن لا يكفنني»، والمثبت من الأصول موافق للفظ ابن حبان في هذا الموضع، وكذا هو في «مستدرك الحاكم» حسب نسخه الخطية التي وقفت عليها ومطبوعة دار التأصيل المحققة (٦/ ١٠٩)، ومن طريقه في «دلائل النبوة»، وبنحوه عند البزار وأبي نعيم. ولفظ ابن حبان في الموضع الآخر: «أن لا يكفنني»، وكذا في الطبعة الهندية من «المستدرك» ولا إخاله إلَّا إقحامًا فيها. هذا، ومقصود أبي ذر واضح من اللفظ المثبت، وهو أسلوب عربي فصيح يُراد به التحريج والنهي. انظر: «الأضداد» لابن الأنباري (ص ٣١٠).
[ ٣ / ٦٧٣ ]
مُخَشِّن (^١) بن حُميِّر ــ قال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضِهم لبعضٍ؟! والله لكأنَّا بكم غدًا مقرَّنين في الحبال ــ إرجافًا وترهيبًا للمؤمنين ــ، فقال مُخَشِّن بن حمير: والله لوددت أنِّي أقاضى على أن يُضرَب كلٌّ منا مائةَ جلدةٍ وإنا ننفلت أن ينزل فينا قرآنٌ لمقالتكم هذه. وقال رسول الله - ﷺ - لعمار بن ياسر: «أدرك القوم فإنهم قد احترقوا، فسلهم عمَّا قالوا فإن أنكروا فقل: بلى، فقلتم (^٢) كذا وكذا»، فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله - ﷺ - يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت: كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله فيهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥]، فقال مخشِّن بن حُميِّر: يا رسول الله، قعد بي اسمي واسم أبي، فكان الذي عُفِي عنه في هذه الآية (^٣)، وتسمَّى «عبد الرحمن» وسأل الله أن يُقتَل شهيدًا لا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر (^٤).
_________________
(١) المطبوع: «مَخْشيّ» خلافًا للأصول. وقد اختلف في اسمه، فالمثبت قول ابن إسحاق، وما في المطبوع قول الواقدي وابن هشام.
(٢) كذا في ف، ب. وفي سائر الأصول: «فعلتم». وفي المصادر: «قلتم».
(٣) أي في قوله تعالى فيها: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٦].
(٤) الخبر عند ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٢٤ - ٥٢٥)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ٢١٩). وذكره الواقدي في «مغازيه» (٣/ ١٠٠٣) بأطول منه، وفيه أن وديعة بن ثابت قال في ذلك المجلس: ما لي أرى قُرَّاءَنا هؤلاء أوعبَنا بطونًا وأكذبَنا ألسنةً وأجبنَنا عند اللقاء .. وهذه المقالة هي التي رويت من وجوه أخرى أيضًا سببًا لنزول الآية. انظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٥٤٣ - ٥٤٥) وابن أبي حاتم (٦/ ١٨٢٩).
[ ٣ / ٦٧٤ ]
- فوران عين تبوك ماء ببركة النبي - ﷺ -
وذكر ابن عائذ (^١) في «مغازيه» (^٢) أن رسول الله - ﷺ - نزل تبوك في زمان قلَّ ماؤها فيه، فاغترف رسول الله - ﷺ - غرفةً بيده من ماء فمضمض بها فاه ثم بصقه فيها، ففارت عينُها حتى امتلأت، فهي كذلك حتى الساعة.
قلت: في «صحيح مسلم» (^٣) أنه قال قبل وصوله إليها: «إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عينَ تبوكَ وإنكم لن تأتوها حتَّى يُضْحِيَ النهار، فمن جاءها فلا يَمَسَّ من مائها شيئًا حتى آتي»، قال: فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعينُ مثلُ الشِّراك تبضُّ بشيءٍ من مائها (^٤)، فسألهما رسول الله - ﷺ -: «هل مَسِسْتما من مائها شيئًا؟» قالا: نعم، فسبَّهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غَرَفوا من العين قليلًا قليلًا حتى اجتمع في شيء، ثم غسل رسول الله - ﷺ - فيه وجهَه ويديه ثم أعاده فيها فجَرَت العينُ بماء كثير (^٥) فاستقى الناس، ثم
_________________
(١) هو محمد بن عائذ القرشي مولاهم، أبو عبد الله الدمشقي، المؤرخ الصدوق صاحب المغازي، روى عن الوليد بن مسلم وإسماعيل بن عياش والواقدي وطبقتهم، وروى عنه أبو زرعة الدمشقي ويعقوب بن سفيان الفسوي وجماعة، وثَّقه ابن معين وغيره، صنف كتاب «المغازي» وكتاب «الفتوح والصوائف»، وهما في عداد المفقود. توفي سنة ٢٣٣. انظر: «تاريخ دمشق» (٥٣/ ٢٨٨) و«سير أعلام النبلاء» (١١/ ١٠٤).
(٢) كما في «عيون الأثر» (٢/ ٢٢٠). والذي ذكره ابن عائذ هو لفظ عروة في مغازيه من رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عنه. انظر: «دلائل النبوة» (٥/ ٢٢٦).
(٣) برقم (٧٠٦/ ١٠ - ج ٤/ ١٧٨٤) من حديث معاذ بن جبل. وأخرجه أيضًا البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٢٣٦)، وهو مصدر المؤلف.
(٤) أي تسيل وترشح بشيء يسير من الماء كأنه شراكُ نعلٍ. وقوله: «من مائها» كذا في الأصول عدا س، ففيه والمطبوع: «من ماءٍ» وهو لفظ مسلم.
(٥) المطبوع: «بماءٍ منهمر» خلافًا للأصول وإن كان هو لفظ مسلم. والمثبت من الأصول هو لفظ البيهقي في «الدلائل» والمؤلف عنه صادر كما سبق.
[ ٣ / ٦٧٥ ]
فصل: مصالحة صاحب أيلة وأهل جربا وأذرح النبي - ﷺ - على الجزية
قال رسول الله - ﷺ -: «يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد مُلئ جِنانًا».
فصل
ولما انتهى رسول الله - ﷺ - إلى تبوكَ أتاه صاحب أيلةَ فصالحه وأعطاه الجزية، وأتاه أهلُ جَربا وأَذْرُحَ (^١) فأعطوه الجزية وكتب لهم رسول الله - ﷺ - كتابًا فهو عندهم، وكتب لصاحب أيلة: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا أمنة من الله ومحمدٍ النبيِّ رسولِ الله ليُحَنَّة بن رؤبة وأهلِ أيلةَ سُفُنِهم وسيارتِهم في البر والبحر، لهم ذمةُ الله ومحمدٍ النبيِّ ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثًا فإنه لا يَحُول مالُه دونَ نفسه وإنه لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماءً يردونه ولا طريقًا يردونه من بَرٍّ أو بحر» (^٢).
فصل
في بعث رسول الله - ﷺ - خالد بن الوليد إلى أُكَيدِرِ دُومةَ
قال ابن إسحاق (^٣): ثم إن رسول الله - ﷺ - بعث خالد بن الوليد إلى
_________________
(١) جربا وأذرح قريتان متجاورتان في أطراف الشام، كما في «معجم البلدان» (١/ ١٢٩). وتقعان اليوم في محافظة مَعان في المملكة الأردنية الهاشمية.
(٢) هذا الكتاب ذكره ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٢٥) و«دلائل النبوة» (٥/ ٢٤٧). وذكره أيضًا الواقدي (٣/ ١٠٣١) وابن سعد (١/ ٢٥٠) بمثله.
(٣) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٢٦)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ٢٢٠). وأسنده البيهقي في «دلائل النبوة» (٥/ ٢٥٠) عن ابن إسحاق عن يزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر الحزمي مرسلًا.
[ ٣ / ٦٧٦ ]
أُكَيدرِ دُومَةَ (^١)، وهو أكيدر بن عبد الملك رجلٌ من كِندة كان نصرانيًّا وكان مَلِكًا عليها، فقال رسول الله - ﷺ - لخالد: «إنك ستجده يصيد البقر»، فخرج خالد حتى إذا كان من حِصنه بمنظر العين وفي ليلة مُقمِرةٍ صائفةٍ، وهو على سطح له ومعه امرأته، فباتت البقر تحُكُّ بقرونها بابَ القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله، قالت: فمن يترك هذه؟ قال: لا أحد، فنزل فأمر بفرسه فأُسرِج له، وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له حسَّان، فركب وخرجوا معه بمَطارِدهم (^٢)، فلما خرجوا تلقَّتْهم خيلُ رسول الله - ﷺ - فأخذَتْه وقتلوا أخاه، وقد كان عليه قَباءٌ من ديباجٍ مخوَّص بالذهب فاستلبه خالدٌ فبعث به إلى رسول الله - ﷺ - قبلَ قدومه عليه، ثم إن خالدًا قدم بأكيدرَ على رسول الله - ﷺ - فحقن له دمَه وصالحه على الجزية، ثم خلَّى سبيله فرجع إلى قريته.
وقال ابن سعد (^٣): بعث رسول الله - ﷺ - خالدا في أربعمائة وعشرين فارسًا، فذكر نحو ما تقدم. قال: وأجار خالدٌ أكيدرَ من القتل حتى يأتي به رسول الله - ﷺ - على أن يفتح له دومة الجندل ففعل، وصالحه على ألفَي بعيرٍ وثمانمائة رأسٍ وأربعمائة درعٍ وأربعمائة رمحٍ فعزل للنبي - ﷺ - صَفيَّه خالصًا، ثم قسم الغنيمة فأخرج الخُمس فكان للنبي - ﷺ - ثم قسم ما بقي في أصحابه،
_________________
(١) دومة هي دُومة الجندل، قرية لا تزال معروفة بهذا الاسم في منطقة الجوف في شمال المملكة العربية السعودية.
(٢) المطارد: جمع مِطْرَد، وهو رمح قصير يكون مع الفارس يُطارد به الوحش فيطعنها به.
(٣) في «الطبقات» (٢/ ١٥١)، والنقل من «عيون الأثر» (٢/ ٢٢١).
[ ٣ / ٦٧٧ ]
- قفول النبي - ﷺ - من تبوك بعد بضع عشرة ليلة
فصار لكل واحد منهم خمسُ فرائض.
وذكر ابن عائذ (^١) في هذا الخبر أن أكيدرَ قال عن البقر: والله ما رأيتها قط جاءتنا إلا البارحة، ولقد كنت أُضَمِّر لها اليومين والثلاثة ولكن قَدَرُ الله.
قال موسى بن عقبة (^٢): واجتمع أكيدر ويُحَنَّة عند رسول الله - ﷺ - فدعاهما إلى الإسلام فأبيا وأقرَّا بالجزية، فقاضاهما رسول الله - ﷺ - على قضية دومة، وعلى تبوك، وعلى أيلة، وعلى تيماء، وكتب لهما كتابًا.
رجعنا إلى قصة تبوك: قال ابن إسحاق (^٣): فأقام رسول الله - ﷺ - بتبوكَ بضع عشرة ليلةً لم يجاوزها، ثم انصرف قافلًا إلى المدينة وكان بالطريق ماء يخرج من وَشَلٍ ما يروي الراكبَ والراكبين والثلاثة بوادٍ يقال له: وادي المُشَقَّق، فقال رسول الله - ﷺ -: «من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقيَنَّ منه شيئًا حتى نأتيه»، قال: فسبقه إليه نفرٌ من المنافقين فاستقوا، فلم يَرَ فيه شيئًا (^٤)، فقال: «من سبقَنا إلى هذا الماء؟» فقيل له: يا رسول الله فلان وفلان، فقال: «أوَلم أَنههم أن يستقوا منه شيئًا حتى آتيه؟!» ثم لعنهم رسول الله - ﷺ - ودعا عليهم، ثم نزل فوضع يده تحت الوَشَل فجعل يصبُّ في يده ما شاء الله أن يصب، ثم نضحه به ومسحه بيده، ودعا رسول الله - ﷺ - بما شاء الله أن يدعو به، فانخرق من الماء ــ كما يقول من سمعه ــ ما إن له حسًّا كحِسِّ الصواعق،
_________________
(١) كما في «عيون الأثر» (٢/ ٢٢١).
(٢) كما في «الدلائل» (٥/ ٢٥٢)، والنقل من «عيون الأثر» (٢/ ٢٢١).
(٣) «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٢٧) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٢١).
(٤) كذا السياق في الأصول، وثَمَّ سقط أخلَّ بالمعنى، فالسياق في «سيرة ابن هشام» و«عيون الأثر»: «فاستقوا [ما فيه، فلمّا أتاه رسول الله - ﷺ - وقف عليه] فلم ير فيه شيئًا».
[ ٣ / ٦٧٨ ]
فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه، فقال رسول الله - ﷺ -: «لئن بقيتم ــ أو: من بقي منكم ــ لتسمَعُنَّ بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه».
قلت: ثبت في «صحيح مسلم» أن رسول الله - ﷺ - قال لهم: «إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عينَ تبوكَ، وإنكم لن تأتوها حتى يُضْحِيَ النهارُ، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئًا » الحديث، وقد تقدم (^١)؛ فإن كانت القصة واحدةً فالمحفوظ حديث مسلم، وإن كانت قصَّتَين فهو ممكن.
قال (^٢): وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن عبد الله بن مسعود كان يحدث قال: قمتُ من جوف الليل وأنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك، فرأيت شُعلةً من نارٍ في ناحية العسكر فاتَّبعتُها أنظر إليها، فإذا رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البِجادين المُزَني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله - ﷺ - في حفرته وأبو بكر وعمر يُدليانه إليه وهو يقول: «أَدْنِيا إليَّ أخاكما» فدلَّياه إليه، فلما هيَّأه لشقِّه قال: «اللهم إني قد أمسيتُ راضيًا عنه فارْضَ عنه»، قال: يقول عبد الله بن مسعود: «يا ليتني كنت صاحب الحفرة».
وقال رسول الله - ﷺ - مرجعَه من غزوة تبوك: «إن بالمدينة لأقوامًا ما سِرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم»، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: «نعم، حبسهم العذر» (^٣).
_________________
(١) (ص ٦٧٥).
(٢) أي: ابن إسحاق، كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٢٨). وفي إسناده انقطاع بين محمد بن إبراهيم التيمي وابن مسعود، إلا أن له طريقين آخرين في «معجم الصحابة» للبغوي (٩٥٥) و«مسند الشاشي» (٨٩٣)، يثبت الخبر بمجموعها.
(٣) أخرجه البخاري (٤٤٢٣) وأبو داود (٢٥٠٨) وابن حبان (٤٧٣١) والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ٢٦٧)، واللفظ بالأخيرَين أشبه.
[ ٣ / ٦٧٩ ]
فصل
في خطبته - ﷺ - بتبوك وصلاته
ذكر البيهقي في «الدلائل» والحاكم (^١)
من حديث عقبة بن عامر قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك فاسترقد رسول الله - ﷺ - لما كان منها على ليلة، فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قِيْدَ رمحٍ، قال: «ألم أقُل لك يا بلال: اكلأ لنا الفجر؟» فقال: يا رسول الله، ذهب بي في النوم الذي ذهب بك، فانتقل رسولُ الله - ﷺ - من ذلك المنزل غيرَ بعيدٍ ثم صلى، ثم ذهب (^٢) بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير المِلَل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٢٤١) من طريق شيخه أبي عبد الله الحاكم، وليس هو في «مستدركه». أورده ابن كثير في «البداية والنهاية» (٧/ ١٦٩) ثم قال: «هذا حديث غريب وفيه نكارة وفي إسناده ضعف». قلتُ: بل إسناده واهٍ بمرّة، فيه راويان متروكان وآخران مجهولان. وذكره الواقدي (٣/ ١٠١٥) ضمن أحداث الغزوة دون إسناد خاص به. وروي نحوه من حديث زيد بن خالد الجهني وإسناده ضعيف أيضًا كما في «الضعيفة» للألباني (٢٠٥٩). هذا، وقد رويت نحو هذه الخطبة من لفظ عبد الله بن مسعود - ﵁ - موقوفًا عليه، أخرجها ابن أبي شيبة (٣٥٦٩٤) وأبو داود في «الزهد» (١٧٠) وكذا هنَّاد بن السَّري (٤٩٧) والبيهقي في «المدخل» (١٨٧٠) بإسناد لا بأس به.
(٢) كذا في الأصول، ولعله تصحيف عن «هَذَبَ» كما في «مغازي الواقدي» ومعناه: أسرع. وفي مطبوعة «الدلائل»: «هدر»، والظاهر أنه تصحيف أيضًا.
[ ٣ / ٦٨٠ ]
القصص هذا القرآن، وخير الأمور عوازمها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدي هدي الأنبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالةُ بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتُّبِع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قلَّ وكفى خيرٌ مما كثر وألهى، وشرُّ المعذرة حين يحضر الموت، وشرُّ الندامة يومَ القيامة، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دَبْرًا (^١)، ومنهم من لا يذكر الله إلا هَجْرًا، ومن أعظم الخطايا اللسانُ الكذاب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحِكَم مخافة الله ﷿، وخير ما وقر في القلوب اليقين، والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من [جُثا] (^٢)
جهنم، والسُّكْر كيٌّ من النار، والشِّعر من إبليس، والخمر جماع الإثم، وشرُّ المآكل مال اليتيم، والسعيد من وُعِظ بغيره، والشقيُّ مَن شقي في بطن أُمِّه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، والأمر إلى الآخرة، وملاك العمل خواتمه، وشر الرَّوايا روايا الكذب، وكل ما هو آتٍ قريبٌ، وسباب المؤمن فسوق وقِتاله كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتألَّى (^٣) على
_________________
(١) «دَبْرًا» بفتح الدال وضمِّها، أي: في آخرها حين تكاد الصلاة تُدبِر.
(٢) في الأصول: «حاجر» ولم يتبيَّن لي وجهه، والمثبت من مخطوطة «الدلائل» ومطبوعة «البداية والنهاية» و«الدر المنثور» (٥/ ٣١). وفي مطبوعة «الدلائل»: «حُثاء»، تصحيف .. ومعنى: «جُثا جهنم» أي: من أحجارها وجمارها، فالجُثا جمع جُثْوة وهي الحجارة المجموعة. وفي «مغازي الواقدي» وأثر ابن مسعود: «الغلول من جمر حهنم».
(٣) المطبوع: «يتألَّ»، والمثبت من الأصول موافق للدلائل، وهو صواب.
[ ٣ / ٦٨١ ]
الله يكذِّبه، ومن يَغفرْ يُغفرْ له، ومن يَعفُ يَعفُ الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجُرْه الله، ومن يصبر على الرزيَّة يُعوِّضْه الله، ومن يبتغِ السُّمعة يُسمِّعِ الله به، ومن يتصبَّرْ يُضَعِّفِ الله له، ومن يعص الله يُعذِّبْه» ثم استغفر ثلاثًا.
وذكر أبو داود في «سننه» (^١) من حديث ابن وهب: أخبرني معاوية عن سعيد بن غزوان عن أبيه أنه نزل بتبوك وهو حاجٌّ فإذا رجل مُقعَد فسألته عن أمره، قال: سأحدِّثك حديثًا فلا تُحدِّث به ما سمعتَ أني حيٌّ: إن رسول الله - ﷺ - نزل بتبوك إلى نخلةٍ فقال: «هذه قبلتنا» ثم صلى إليها، قال: فأقبلت وأنا غلامٌ أسعى حتى مررتُ بينه وبينها، فقال: «قطع صلاتنا قطع الله أثره»، قال: فما قمتُ عليهما إلى يومي هذا.
ثم ساقه أبو داود (^٢) من طريق وكيع عن سعيد بن عبد العزيز عن مولًى ليزيد بن نِمْران عن يزيد بن نمران قال: رأيت رجلًا بتبوك مقعدًا، فقال: مررت بين يدي النبي - ﷺ - على حمار وهو يصلي فقال: «اللهم اقطع أثره» فما مشيت عليه (^٣) بعد. وفي هذا الإسناد والذي قبله ضعف.
_________________
(١) برقم (٧٠٧)، ومن طريقه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٢٤٣) واللفظ له. وإسناده ضعيف فإن سعيد بن غزوان وأباه لا يُدرى مَن هما ولا مَن المقعد. وقد ضعَّفه عبد الحق وابن القطان والمؤلف، بل قال الذهبي: أظنه موضوعًا. انظر: «الأحكام الوسطى» (١/ ٣٤٥) و«بيان الوهم» (٣/ ٣٥٦) و«ميزان الاعتدال» (٢/ ١٥٤).
(٢) برقم (٧٠٥)، ومن طريقه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٢٤٣). وإسناده ضعيف لجهالة مولى يزيد بن نمران. وانظر: «ضعيف سنن أبي داود- الأم» للألباني (١/ ٢٥٦).
(٣) المطبوع: «عليهما». والمثبت من الأصول موافق لمخطوطة «الدلائل». وفي «السنن» ومطبوعة «الدلائل»: «عليها».
[ ٣ / ٦٨٢ ]
فصل
في جمعه بين الصلاتين في غزوة تبوك
قال أبو داود (^١): حدثنا قُتَيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطُّفَيل عامر بن واثلة عن معاذ بن جبل أن النبي - ﷺ - كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمسُ أخَّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصلِّيهما جميعًا، وإذا ارتحل قبل المغرب أخَّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجَّل العشاء فصلاها مع المغرب.
وقال الترمذي (^٢): «وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجَّل العصر إلى الظهر وصلى الظهر والعصر جميعًا»، وقال: حديث حسن غريب (^٣).
وقال أبو داود (^٤): هذا حديث منكر وليس في تقديم الوقت حديث قائم.
وقال أبو محمد بن حزم (^٥): لا يَعلم أحدٌ من أصحاب الحديث ليزيد بن أبي حبيب سماعًا من أبي الطفيل.
وقال الحاكم (^٦) في حديث أبي الطفيل هذا: هو حديث رواته أئمة
_________________
(١) في «سننه» برقم (١٢٢٠).
(٢) في «جامعه» (٥٥٣).
(٣) وانظر تمام كلام الترمذي فيما سبق (١/ ٦٠٦ - الهامش).
(٤) فيما حكاه عبد الحق في «الأحكام الوسطى» (٢/ ٣٣) والمؤلف صادر عنه، وكذا في النقول الآتية إلى آخر الفصل. وقد جاء كلام أبي داود بنحوه في بعض نسخ «السنن» الخطية برواية ابن داسة. انظر طبعة دار التأصيل (٣/ ٢١٠ - ٢١١).
(٥) في «المحلى» (٣/ ١٧٤).
(٦) في «معرفة علوم الحديث» (ص ٣٧٧ - ٣٧٩) باختصار وتصرّف من عبد الحق.
[ ٣ / ٦٨٣ ]
ثقات، وهو شاذُّ الإسناد والمتن، لا نعرف له علةً نُعِلُّه بها، فنظرنا فإذا الحديث موضوع. وذكر (^١) عن البخاري: قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل؟ قال: كتبتُه مع خالد المدائني، وكان خالد المدائني يدخل الحديث على الشيوخ (^٢).
ورواه أبو داود (^٣) أيضًا: حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن مَوهَب الرَّملي، حدثنا المفضَّل بن فَضالة، عن الليث (^٤)
عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل أن رسول الله - ﷺ - كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وفي
_________________
(١) أي الحاكم بإسناده، وعنه البيهقي في «السنن» (٣/ ١٦٣).
(٢) قوله: «وكان خالد » هو قول البخاري كما في «معرفة علوم الحديث» وغيره. وانظر ما سبق (١/ ٦٠٨، ٦٠٩).
(٣) برقم (١٢٠٨).
(٤) طبعة الرسالة: «والليث» وفاقًا لعامّة طبعات «سنن أبي داود»، وهو الذي في عامة النسخ الخطية للسنن برواية اللؤلؤي، ونصَّ عليه المزِّي في «تحفة الأشراف» (٨/ ٤٠٢) فقال: «عن المفضل والليث، كلاهما عن هشام بن سعد». والمثبت من الأصول موافق لما في النسخ الخطية من «السنن» برواية ابن داسة، وفي النسخة المقروءة على المنذري (ق ١٨٤ - مكتبة فيض الله) برواية اللؤلؤي كُتبت «عن» في الهامش وأُعْلِم عليها بـ «خ»، أي: أنها في نسخة كذلك. وكذلك جاء في إسناد الحديث عند البيهقي (٣/ ١٦٢) وابن عبد البر في «التمهيد» (٢/ ٣٤١) من طريق ابن داسة به، وعند الدارقطني (١٤٦٢) من طريق محمد بن يحيى بن مِرداس السُّلَمي عن أبي داود به، وعند أبي نعيم في «الحلية» (٨/ ٣٢٢) من طريق جعفر الفِريابي عن يزيد بن موهَب الرَّملي به. وهو كذلك في «الأحكام الوسطى» (٢/ ٣٤) مصدر المؤلف. وهو الصواب، لأن أبا داود نصَّ عليه عند بيان علّة الحديث، كما سيأتي.
[ ٣ / ٦٨٤ ]
المغرب مثل ذلك: إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس (^١) أخّر المغرب حتى ينزل العشاءَ ثم يجمع بينهما.
وهشام بن سعد ضعيف عندهم ضعّفه الإمام أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة، ويحيى بن سعيد وكان لا يحدث عنه، وضعَّفه النسائي أيضًا (^٢). وقال أبو بكر البزار (^٣): لم أر أحدًا توقَّف عن حديث هشام بن سعد ولا اعتلَّ عليه بعلةٍ توجب التوقف عنه.
وقال أبو داود (^٤): حديث المفضل عن الليث (^٥) حديث منكر.
_________________
(١) «الشمس» ساقطة من ص، ز، د.
(٢) انظر: «تهذيب الكمال» (٧/ ٤٠٣) مع حاشية المحقق.
(٣) في «مسنده» عقب حديث آخر (٢٧٠).
(٤) جاء ذلك في حاشية بعض أصول «السنن» الخطية برواية ابن داسة، كما في ط. دار التأصيل (٣/ ٢١١)، ولفظه: «وحديث قتيبة هذا، وحديث المفضل بن فضالة عن الليث عن أبي الزبير= منكران على هذا التفسير، وحديث أبي الطفيل هذا لم يروه إلا قتيبة، وسمعت أبا عبد الله [أي: الإمام أحمد]ــ أو بلغني عنه ــ أنه قال: يشبه هذا كلام الليث، يعني: التفسير على تقديم الوقت، وحديث أبي الزبير لم يروه إلا المفضل عن الليث». قلتُ: وعلى هذا فعلَّة الحديث من المفضّل بن فضالة ــ وهو ضعيف ــ حيث روى هذا عن الليث فأدرج فيه تفسير الليث في كيفية الجمع وأنه كان جمعَ تقديمٍ، وإلا فالحديث عند مسلم (٧٠٦) وغيره مِن طرق عن أبي الزبير به دون ذكر جمع التقديم فيه.
(٥) في طبعة الرسالة: «والليث» خلافًا للأصول، وقد سبق الكلام عليه.
[ ٣ / ٦٨٥ ]
فصل
في رجوع النبي - ﷺ - من تبوك وما همَّ المنافقون به من الكيد به
وعصمة الله إياه
ذكر أبو الأسود في مغازيه (^١) عن عروة قال: ورجع رسول الله - ﷺ - قافلًا من تبوك إلى المدينة، حتى إذا كان ببعض الطريق مكر برسول الله - ﷺ - ناسٌ من المنافقين فتأمَّرُوا (^٢)
أن يطرحوه من عقبة في الطريق، فلما بلغوا العقبة أرادوا أن يسلكوها معه، فلما غشيهم رسولُ الله - ﷺ - أُخبِر خبرَهم فقال: «من شاء منكم أن يأخذ ببطن الوادي فإنه أوسع لكم»، وأخذ رسول الله - ﷺ - العقبة وأخذ الناس ببطن الوادي، إلا النفر الذين هموا بالمكر برسول الله - ﷺ - لمّا سمعوا بذلك استعدُّوا وتلثَّمُوا وقد هموا بأمر عظيم، وأمر رسول الله - ﷺ - حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر فمشيا معه، وأمر عمارًا أن يأخذ بزِمام الناقة وأمر حذيفة بِسَوقها، فبينا هم يسيرون إذ سمعوا وَكزة القَوم مِن ورائهم قد غشوه، فغضب رسول الله - ﷺ - وأمر حذيفة أن يردَّهم، وأبصر حذيفة غضب رسول الله - ﷺ - فرجع ومعه مِحجن فاستقبل وجوه رواحلهم فضربها ضربًا بالمحجن، وأبصر القومَ وهم مُتلثِّمون ولا يشعر إلا أن ذلك فِعلُ
_________________
(١) كما في «دلائل النبوة» للبيهقي (٥/ ٢٥٦) من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود. وله شاهد من حديث أبي الطفيل عند أحمد (٢٣٧٩٢) والضياء في «المختارة» (٨/ ٢٢١) بإسناد حسن. وآخر من حديث حذيفة عند البزار (٢٩٤٧) والطبراني في «الأوسط» (٣٨٣١) والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ٢٦٠) من طرق فيها لين. ومن حديثه أيضًا شاهد مختصر لأصل القصة عند مسلم (٢٧٧٩/ ١١).
(٢) كذا جاء مضبوطًا في ف. وفي المطبوع: «فتآمروا»، وهما بمعنى ..
[ ٣ / ٦٨٦ ]
المسافر، فأرعبهم الله سبحانه حين أبصروا حذيفةَ وظنُّوا أن مكرهم قد ظهر عليه فأسرعوا حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله - ﷺ -، فلما أدركه قال: «اضرب الراحلة يا حذيفة، وامشِ أنت يا عمار»، فأسرعوا حتى استووا بأعلاها، فخرجوا من العقبة ينتظرون الناس، فقال النبي - ﷺ - لحذيفة: «هل عرفت من هؤلاء الرهط ــ أو: الركب ــ أحدًا؟» قال حذيفة: عرفت راحلة فلان وفلان، وقال: كانت ظلمةُ الليل وغشيتُهم وهم متلثمون، فقال - ﷺ - (^١): «هل علمتم ما كان شأن الركب وما أرادوا؟» قالوا: لا والله يا رسول الله، قال: «فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا أظلمْتُ (^٢)
في العقبة طرحوني منها»، قالوا: أَوَلا تأمر بهم يا رسول الله إذا جاءك الناسُ (^٣) فتُضرَب أعناقُهم؟ قال: «أكره أن يتحدث الناس ويقولون (^٤): إن محمدًا قد وضع يده في أصحابه»، فسمّاهم لهما وقال: «اكتماهم».
وقال ابن إسحاق (^٥) في هذه القصة: «إن الله قد أخبرني بأسمائهم وأسماء آبائهم، وسأخبرك بهم إن شاء الله عند وجه الصبح، فانطلِقْ، إذا أصبحتَ فاجْمعهم»، فلما أصبح قال: «ادعُ عبدَ الله بن أبي، وسعد بن أبي سرح، وأبا
_________________
(١) س، ن، المطبوع: «رسول الله - ﷺ -».
(٢) أي: دخلتُ في الظلام، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ أي: داخلون في الظلام .. وفي النسخ المطبوعة: «اطلعت»، تصحيف.
(٣) في الأصول: «إذا قال الناس»، تصحيف، والتصحيح من «الدلائل». أما في النسخ المطبوعة فضربوا عنه الذكر صفحًا فلم يثبتوه، فصار السياق: «أولا تأمر بهم يا رسول الله إذًا فنضرب أعناقهم؟».
(٤) كذا في الأصول، وهو كذلك في مخطوطة «الدلائل».
(٥) كما أسنده عنه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٢٥٧).
[ ٣ / ٦٨٧ ]
حاضر (^١) الأعرابي، وعامرًا، وأبا عامر، والجُلاس بن سُوَيد بن الصامت»، وهو الذي قال: لا ننتهي حتى نرمي محمدًا من العقبة الليلة، وإن كان محمد وأصحابه خيرًا منا إنَّا إذًا لغنمٌ وهو الراعي ولا عقلَ لنا وهو العاقل!
وأمره أن يدعو مُجَمِّع بن جارية (^٢) ومليح (^٣) التيمي، وهو الذي سرق طيب الكعبة وارتد عن الإسلام فانطلق هاربًا في الأرض فلا يُدرى أين ذهب.
وأمره أن يدعو حُصَين (^٤) بن نمير الذي أغار على تمر الصدقة فسرقه فقال له رسول الله - ﷺ -: «ويحك ما حملك على هذا؟» فقال: حملني عليه أني ظننت أن الله لم يُطلعك عليه، فأما إذا أطلعك اللهُ عليه وعلمتَه فإني أشهد اليوم أنك رسول الله، وإني لم أومن بك قط قبل الساعة، فأقاله رسول الله - ﷺ - عثرتَه وعفا عنه.
وأمره أن يدعو طُعَيمة بن أُبَيرق وعبد الله بن عيينة، وهو الذي قال لأصحابه: اسهَروا هذه الليلة تَسْلموا الدهرَ كلَّه، فوالله ما لكم أمر دون أن تقتلوا هذا الرجل، فدعاه فقال: «ويحك ما كان ينفعك من قتلي لو أني قُتِلت؟» فقال عبد الله: يا نبيَّ الله، واللهِ لا تزال (^٥) بخير ما أعطاك الله النصر على عدوك، إنما نحن بالله وبك، فتركه رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «أبا خاطر»، تصحيف.
(٢) في الأصول عدا س: «حارثة»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف.
(٣) ص، ز، د، المطبوع: «مليحًا»، وفي مطبوعة «الدلائل»: «فليح»، والمثبت من سائر الأصول موافق لمخطوطته.
(٤) في الأصول والمطبوع: «حِصن»، تصحيف. وانظر: «الإصابة» (٢/ ٥٦٩).
(٥) المطبوع: «لا نزال» وله وجه، والمثبت هو الذي في الأصول و«الدلائل».
[ ٣ / ٦٨٨ ]
وقال: «ادعوا مُرّة بن الربيع»، وهو الذي قال: نقتل الواحد الفرد فيكون الناس عامةً بقتله مطمئنين، فدعاه رسول الله - ﷺ - فقال: «ويحك ما حملك على أن تقول الذي قلت؟» فقال: يا رسول الله، إن كنتُ قلت شيئًا من ذلك إنك لعالم به، وما قلتُ شيئًا من ذلك.
فجمعهم رسول الله - ﷺ - وهم اثنا عشر رجلًا الذين حاربوا الله ورسوله وأرادوا قتله، فأخبرهم رسول الله - ﷺ - بقولهم ومنطقهم وسرهم وعلانيتهم، وأطلع الله سبحانه نبيَّه على ذلك بعلمه، ومات الاثنا عشر منافقين محاربين لله ولرسوله، وذلك قوله ﷿: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤].
وكان أبو عامر رأسَهم وله بَنَوا مسجد الضرار، وهو الذي كان يقال له: الراهب، فسمَّاه رسول الله - ﷺ - «الفاسق»، وهو أبو حنظلة غسيلِ الملائكة، فأرسلوا إليه فقدم عليهم، فلما قدم عليهم أخزاه الله وإياهم فانهارت تلك البقعة في نار جهنم.
قلت: وفي سياق ما ذكره ابن إسحاق وهم من وجوه:
أحدها: أن النبي - ﷺ - أسرَّ إلى حذيفة أسماء أولئك المنافقين ولم يطلع عليهم أحدًا غيرَه، وبذلك كان يقال لحذيفة: إنه صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، ولم يكن عمر ولا غيره يعلم أسماءهم، وكان إذا مات الرجل وشكُّوا فيه يقول عمر: «انظروا فإن صلى عليه حذيفة وإلا فهو منافق منهم» (^١).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ٢٠٠) من حديث الزهري عن عروة مرسلًا بنحوه. وله شاهد مرسل عن زيد بن وهب ــ وهو ثقة مخضرم ــ عند ابن أبي شيبة (٣٨٥٤٥) بإسناد صحيح.
[ ٣ / ٦٨٩ ]
الثاني: ما ذكرناه من قوله: «فيهم عبد الله بن أُبيّ»، وهو وهم ظاهر، وقد ذكر ابن إسحاق نفسه (^١) أن عبد الله بن أبي تخلَّف في غزوة تبوك.
الثالث: أن قوله: «وسعد بن أبي سرح» وهمٌ أيضًا وخطأ ظاهر، فإن سعد بن أبي سرح لم يُعرَف له إسلام البتة، وإنما ابنه عبد الله كان قد أسلم وهاجر ثم ارتد ولحق بمكة حتى استأمن له عثمان النبي - ﷺ - عام الفتح فأمَّنه فأسلم وحَسُن إسلامه، ولم يظهر منه بعد ذلك شرٌّ ينكر عليه ولم يكن مع هؤلاء الاثني عشر البتة، فما أدري ما هذا الخطأ الفاحش!
الرابع: قوله: وكان أبو عامر رأسهم، وهذا وهمٌ ظاهر لا يخفى على من دون ابن إسحاق، بل هو نفسه قد ذكر (^٢) قصة أبي عامر هذا في قصة الهجرة عن عاصم بن عمر بن قتادة أن أبا عامر لما هاجر رسول الله - ﷺ - إلى المدينة خرج إلى مكة ببضعة عشر رجلًا، فلما افتتح رسول الله - ﷺ - مكة خرج إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف خرج إلى الشام فمات بها طريدًا غريبًا وحيدًا؛ فأين كان الفاسق وغزوة تبوك ذهابًا وإيابًا؟! (^٣).
_________________
(١) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥١٩) و«الدلائل» (٥/ ٢١٩).
(٢) كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٥٨٥ - ٥٨٦).
(٣) ومن وجوه الوهم فيما ذكره ابن إسحاق: ذِكرُ «مجمع بن جارية» فيهم، فإنه كان أحد قرَّاء الأنصار الذين جمعوا القرآن، ولم يبقَ عليه إلا سورة أو سورتان حين قبض النبي - ﷺ -. وإنما كان أبوه جارية ممن اتخذ مسجد الضرار، وغاية ما أُخذ على مجمع أنه كان يؤم المنافقين فيه، وقد اعتَذَر عنه بأنه كان غلامًا حدثًا قارئًا للقرآن فقدّموه ليصلي بهم وهو لا يعلم بشيء من أمرهم. وله رواية عن النبي - ﷺ - في السنن والمسانيد. وعلى كلٍّ فلم يكن من المنافقين الاثني عشر الذين ماتوا على النفاق. انظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٥٢٢) و«طبقات ابن سعد» (٢/ ٣٠٦، ٥/ ٢٩٠) و«معرفة الصحابة» لأبي نُعيم (٥/ ٢٥٤٤) و«الإصابة» (٩/ ٥٢٦). وانظر حديثه في «مسند أحمد» (١٥٤٦٦ - ١٥٤٧٠).
[ ٣ / ٦٩٠ ]
- فصل في أمر مسجد الضرار الذي نهى الله رسوله أن يقوم فيه
فصل
في أمر مسجد الضِّرار الذي نهى الله رسوله أن يقوم فيه فهدمه - ﷺ - (^١)
وأقبل رسول الله - ﷺ - من تبوكَ حتى نزل بذي أَوَان ــ وبينها وبين المدينة ساعة ــ، وكان أصحاب مسجد الضرار أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة الشاتية، وإنَّا نحبُّ أن تأتينا فتصلي لنا فيه فقال: «إني على جناح سفرٍ وحال شُغلٍ، ولو قَدِمنا إن شاء الله لأتيناكم فصلَّينا لكم فيه»، فلما نزل بذي أوان جاءه خبر المسجد من السماء، فدعا مالك بن الدُّخْشُم أخا بني سلمة بن عوف ومَعْن بن عدي العَجْلاني فقال: «انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهلُه فاهْدِماه وحرِّقاه»، فخرجا سريعَين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعنٍ: أَنظِرْني حتى أخرجَ إليك بنارٍ من أهلي، فدخل إلى أهله فأخذ سَعَفًا من النخل فأشعل فيه نارًا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه ــ وفيه أهله ــ فحرَّقاه وهدماه فتفرقوا عنه، وأنزل الله سبحانه فيه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٠٧] إلى آخر القصة (^٢).
_________________
(١) ص، د: « نهى الله رسول الله - ﷺ - ». س، ث: « فهدمه رسول الله - ﷺ -».
(٢) ذكره ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٢٩) و«الدلائل» (٥/ ٢٥٩) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٢٢)، والمؤلف صادر عن الأخيرين.
[ ٣ / ٦٩١ ]
وذكر ابن إسحاق الذين بنوه: وهم اثنا عشر رجلًا منهم ثعلبة بن حاطب.
وذكر عثمان بن سعيد الدارمي (^١): حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدًا فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم واستمدُّوا ما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجندٍ من الروم فأخرج محمدًا وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي - ﷺ - فقالوا: إنا قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحبُّ أن تصلي فيه وتدعو بالبركة، فأنزل الله ﷿: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ يعني: مسجد قباء ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ يعني: قواعده ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: الشك ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٨ - ١١٠] يعني: بالموت.
_________________
(١) ومن طريقه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٢٦٢) وهو مصدر المؤلف. وأخرجه أيضًا الطبري (١١/ ٦٧٦) وابن أبي حاتم (٦/ ١٨٧٨) في «تفسيرهما» من طريق عبد الله بن صالح به. وإسناده لا بأس به، ونسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس معروفة، وهو وإن لم يسمع من ابن عباس إلا أنه أخذ تفسيره عن ثقات أصحابه كمجاهد وغيره، وقد اعتمده البخاري فيما يعلّقه عن ابن عباس. ويشهد له هنا تفسير ابن عباس المروي من طريق العوفيين، وكذا تفسير عروة ومجاهد والضحاك وابن زيد. انظر: «تفسير عبد الرزاق» (٢/ ٢٨٧) والطبري (١١/ ٦٧٧ - ٦٨٠) وابن أبي حاتم (٦/ ١٨٨٠).
[ ٣ / ٦٩٢ ]
- فصل: خروج أهل المدينة لتلقي النبي - ﷺ - لما دنا منها
فصل
فلما دنا رسول الله - ﷺ - من المدينة خرج الناس لتلقيه، وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدرُ علينا من ثنيَّات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع (^١)
وبعض الرواة يهم في هذا ويقول: إنما كان ذلك عند مقدمه المدينةَ من مكة، وهو وهمٌ ظاهر لأن ثنيَّات الوَداع إنما هي من ناحية الشام لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام (^٢).
فلما أشرف على المدينة قال: «هذه طابة، وهذا أُحُدٌ جبل يحبنا ونحبه» (^٣).
ولما دخل قال العباس: يا رسول الله، ايذَنْ لي أمتدحك، فقال رسول الله
_________________
(١) كذا في ف، ب. وفي سائر الأصول والمطبوع: «داعي». والوزن يستقيم على الوجهين. والحديث أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٢/ ٥٠٧، ٥/ ٢٦٦) عن ابن عائشة ــ وهو عبيد الله بن محمد بن حفص القرشي (ت ٢٢٨) ــ معضلًا دون تعيين قدمة النبي - ﷺ - التي قيل فيها ذلك. وقد ذكره البيهقي في الموضعين وقال في الثاني: «هذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة وقد ذكرناه عنده، لا أنه لمّا قدم المدينة من ثنية الوداع عند مقدمه من تبوك، والله أعلم، فذكرناه أيضًا هاهنا».
(٢) يدل عليه حديث السائب بن يزيد ــ وهو من صغار الصحابة ــ قال: «خرجت مع الصبيان نتلَقَّى النبي - ﷺ - إلى ثنية الوداع مقدمَه من غزوة تبوك». أخرجه البخاري (٤٤٢٧). ووهم الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث في «الفتح» (٨/ ١٢٨) فنسب إلى المؤلف عكس ما قرَّره هنا.
(٣) أخرجه البخاري (٤٤٢٢) ومسلم (١٣٩٢) من حديث أبي حميد الساعدي.
[ ٣ / ٦٩٣ ]
- ﷺ -: «قل، لا يفضض الله فاك»، فقال:
مِن قبلها طِبتَ في الظِّلال وفي مستودَع حيث يُخصَف الوَرَقُ (^١)
ثم هبطتَ البلاد لا بَشَرٌ أنت ولا مضغةٌ ولا علقُ
بل نطفةٌ تركب السفينَ وقد أَلجَمَ نسرًا وأهلَه الغرقُ
تُنقَلُ من صالب إلى رحمٍ إذا مضى عالَم بدا طَبَقُ
حتى احتوى بيتُك المهيمنُ مِن خِنْدِفَ عَلْياءَ تحتها النُّطُقُ (^٢)
وأنت لما وُلدتَّ أشرقتِ الْـ ـأرضُ وضاءت بنورك الأفقُ
فنحن من ذلك النور في الضـ ـياء وسبلِ الرشاد نَخترِقُ (^٣)
_________________
(١) أي: طبتَ في أصلاب الرجال من لدن كنتَ في صلب آدم وهو في الجنة حيث خصف فيها هو وحواء عليهما من الورق.
(٢) النُّطُق: جمعِ نطاقٍ وهي أَعراض ونواحٍ من جِبال بعضها فوق بعض. المعنى: أن بيت النبي - ﷺ - ــ أي: شرفه ــ قد احتلّ المكان العالي من نسب خِندِف، وسائر الناس دونه. وقبائل خندف هي التي ينتهي نسبها إلى إلياس بن مضر، وخندف لقب امرأته، فنُسبوا إلى أمِّهم، ومن قبائل خندف: قريش وهذيل وتميم وخزاعة وغيرها.
(٣) ز، ن، المطبوع: «فنحن في ذلك الضياء وفي النـ ـنور وسبل الرشاد نخترق» وهو كذلك في عامة مصادر التخريج. والمثبت من سائر الأصول هو لفظ «الدلائل» مصدر المؤلف، وفي صدره كسر في الوزن. والحديث أخرجه الطبراني في «الكبير» (٤/ ٢١٣) والحاكم (٣/ ٣٢٦) وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٢٥٢٠) والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ٢٦٧ - ٢٦٨) من طريق أبي السكين زكريا بن يحيى بن عمر بن حِصن ــ وهو صدوق ــ، عن عمِّ أبيه زَحر بن حِصن، عن جدِّه حميد بن مَنهَب، عن جدِّه خُرَيم بن أوس الطائي - ﵁ -. وفي إسناده لين لجهالة حال زَحر بن حِصن وجدِّه حميد، إلا أن الحاكم قال: هذا حديث تفرَّد به رواتُه الأعراب عن آبائهم، وأمثالُهم من الرواة لا يضعون.
[ ٣ / ٦٩٤ ]
- فصل: قصة كعب بن مالك وصاحبيه
فصل
ولما دخل رسول الله - ﷺ - المدينة بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم جلس للناس، فجاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله - ﷺ - علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله (^١).
وجاءه كعب بن مالك فلما سلم عليه تبسَّم تبسُّمَ المُغضَب، ثم قال له: «تعال»، قال: فجئت أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال لي: «ما خلَّفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر ولقد أُعطِيتُ جدلًا، ولكني والله لقد علمتُ إنْ حدثتك اليوم حديث كذبٍ ترضى به عليَّ ليوشكَنَّ اللهُ أن يُسخطك عليَّ، ولئن حدثتك حديث صدقٍ تجد عليَّ فيه إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذرٍ، والله ما كنت قطُّ أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله - ﷺ -: «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك»، فقمت وثار رجال من بني سلِمة فاتبعوني يؤنبوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجَزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله - ﷺ - بما اعتذر إليه المخلَّفون، فقد كان كافيك ذنبَك استغفارُ رسول الله - ﷺ - لك، قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذِّب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثلَ ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلتُ: من هما؟ قالوا: مُرارة بن الربيع العامري وهِلال بن أُميَّة الواقِفي، فذكروا لي رجلَين صالحَين شهدا بدرًا
_________________
(١) هو جزء من حديث كعب بن مالك الآتي، وسيأتي تخريجه في آخره.
[ ٣ / ٦٩٥ ]
فيهما أسوة، فمضَيتُ حين ذكروهما لي.
ونهى رسول الله - ﷺ - المسلمين عن كلامنا ــ أيها الثلاثةُ ــ من بين من تخلَّف عنه، فاجتنبَنا الناسُ وتغيَّروا لنا حتى تنكَّرت لي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدَهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلِّمني أحد، وآتي رسول الله - ﷺ - فأسلِّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرَّك شفتيه بردِّ السلام عليَّ أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي أقبل إليَّ، وإذا التفتُّ نحوه أعرض عني، حتى إذا طال عليَّ ذلك من جفوة المسلمين مشيتُ حتى تسوَّرتُ جدار حائط أبي قتادة ــ وهو ابنُ عمي وأحبُّ الناس إليَّ ــ فسلَّمتُ عليه، فوالله ما ردَّ علي السلام، فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله (^١) هل تعلمني أُحِب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت له فنشدته (^٢) فسكت، فعدت له فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار.
فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نَبَطيٌّ من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلُّ على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إليَّ كتابًا من ملك غسَّانَ، فإذا فيه: «أما بعد، فإنه بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحَقْ بنا نواسِك»، فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيمَّمتُ بها التنور فسجرتها.
_________________
(١) ز، س، ن: «أنشدك الله».
(٢) في المطبوع: «فعدت فناشدته» وهو لفظ مسلم، والمثبت من الأصول لفظ البخاري.
[ ٣ / ٦٩٦ ]
حتى إذا مضت أربعون ليلةً من الخمسين إذا رسولُ رسولِ الله - ﷺ - يأتيني فقال: إن رسول الله - ﷺ - يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أُطلِّقها أم ماذا؟ قال: لا ولكن اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبيَّ مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحَقي بأهلكِ فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، فجاءت امرأة هلال بن أمية فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: «لا، ولكن لا يَقرَبْكِ»، قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان مِن أمره ما كان إلى يومه هذا، قال كعب: فقال لي بعضُ أهلي: لو استأذنتَ رسول الله - ﷺ - في امرأتك كما أَذِن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله - ﷺ -، وما يُدريني ما يقول رسول الله - ﷺ - إذا استأذنته فيها وأنا رجل شابّ.
فلبثتُ بعد ذلك عشرَ ليالٍ حتى كَمَلت لنا خمسون ليلةً من حين نهى رسول الله - ﷺ - عن كلامنا، فلما صليتُ صلاة الفجر صُبْحَ خمسين ليلةً على ظهر بيتٍ من بيوتنا بينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى ــ قد ضاقت عليَّ نفسي وضاقت عليَّ الأرض بما رَحُبت ــ سمعتُ صوت صارخ أوفى على جبل سَلْعٍ (^١) بأعلى صوته: يا كعبُ بنَ مالكٍ أبشر! فخررت ساجدًا وعرفتُ أن قد جاء فَرَجٌ (^٢) وآذن رسولُ الله - ﷺ - بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يُبشِّرونا (^٣) وذهب قِبَل صاحبيَّ مبشرون، وركض إليَّ
_________________
(١) جبل معروف في المدينة، وقد سبق التعريف به.
(٢) زِيد بعده في المطبوع: «من الله» وليس في شيء من الأصول ولا في «الصحيحين».
(٣) س، المطبوع: «يبشروننا» على الجادّة، وهو لفظ «الصحيحين»، والمثبت من سائر الأصول جائز لغةً.
[ ٣ / ٦٩٧ ]
رجل فرسًا وسعى ساعٍ مِن أَسلمَ فأوفى على ذروة الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثَوبيَّ فكسوتُه إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما، واستعرتُ ثوبين فلبستُهما، فانطلقت إلى رسول الله - ﷺ - فتلقَّاني الناس فوجًا فوجًا يُهنِّئوني بالتوبة يقولون: ليَهْنِك توبةُ الله عليك.
قال كعب: حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله - ﷺ - جالس حولَه الناسُ، فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يُهَروِل حتى صافحني وهنَّأَني، والله ما قام إليَّ رجلٌ من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة، فلما سلَّمتُ على رسول الله - ﷺ - قال وهو يَبْرُقُ وجهُه من السرور: «أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك»، قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: «لا، بل من عند الله»، وكان رسول الله - ﷺ - إذا سُرَّ استنار وجهُه حتى كأنه قطعة قمرٍ وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلستُ بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله فقال: «أمسِكْ عليك بعضَ مالك فهو خيرٌ لك»، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقلت: يا رسول الله، إن الله إنما نجَّاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدِّث إلا صدقًا ما بقيت؛ فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرتُ ذلك لرسول الله - ﷺ - إلى يومي هذا ما أبلاني، والله ما تعمدتُ بعد ذلك إلى يومي هذا كذبًا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيتُ.
وأنزل الله على رسوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ إلى قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:
[ ٣ / ٦٩٨ ]
١١٧ - ١١٩]، فواللهِ ما أنعم الله عليَّ نعمةً قطُّ بعد أن هداني للإسلام أعظمَ في نفسي مِن صدقي رسولَ الله - ﷺ - أن لا أكون كذبتُه فأَهلِك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا حين أَنزل الوحيَ شرَّ ما قال لأحد فقال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦].
قال كعب: وكان تخلَّفنا ــ أيها الثلاثة ــ عن أمر أولئك الذين قَبِل منهم رسول الله - ﷺ - حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ أمرَنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] وليس الذي ذكر الله مِمَّا خُلِّفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرَنا عمَّن حلف له واعتذر إليه فقبل منه (^١).
وقال عثمان بن سعيد الدارمي (^٢): حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿(١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ﴾ [التوبة: ١٠٢]، قال: كانوا عشرةَ رهطٍ تخلفوا عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك، فلما حضر رسولُ الله - ﷺ - أوثق سبعةٌ منهم أنفسهم بسواري المسجد، فكان ممرُّ النبي - ﷺ - إذا رجع في المسجد عليهم، فلما رآهم قال: «من هؤلاء المُوثِقون
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٤١٨) ومسلم (٢٧٦٩) من حديث كعب بن مالك بطوله.
(٢) ومن طريقه أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (٥/ ٢٧١ - ٢٧٢). وأخرجه أيضًا الطبري في «تفسيره» (١١/ ٦٥١) وكذا ابن أبي حاتم (٦/ ١٨٧٢) من طريق عبد الله بن صالح به.
[ ٣ / ٦٩٩ ]
أنفسهم بالسواري؟» قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له (^١)
تخلَّفوا عنك يا رسول الله، حتى يُطلقهم النبيُّ - ﷺ - ويَعذِرهم، قال: «وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أَعذِرُهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين»، فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا، فأنزل الله ﷿ ﴿(١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]، و«عسى» مِن الله واجب، إنه هو التواب الرحيم، فلما نزلت أرسل إليهم النبي - ﷺ - فأطلقهم وعذرهم فجاءوا بأموالهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدَّقْ بها عنا واستغفِرْ لنا، قال: «ما أُمرِت أن آخذ أموالكم»، فأنزل الله: ﴿(١٠٢) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: استغفر لهم ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، فأخذ منهم الصدقة واستغفر لهم، وكان ثلاثةُ نفرٍ لم يوثقوا أنفسهم بالسواري فأُرجئوا لا يدرون أيُعذَّبون أم يتاب عليهم فأنزل الله ﷿: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٨]. تابعه عطية بن سعد (^٢).
_________________
(١) ص، ز، د: «هذا أبو لبابة وأصحابه وأصحاب له». ولعل ناسخ الأصل كتب: «وأصحابه» ثم نسي أن يضرب عليه فبقي ينتسخه النساخ عنه ..
(٢) هو العَوفي، وروايته عن ابن عبَّاس أخرجها الطبري (١١/ ٦٥١) وابن أبي حاتم (٦/ ١٨٧٢)، والمؤلف صدر عن «الدلائل» حيث أشار البيهقي إلى روايته وأنها بمعنى رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
[ ٣ / ٧٠٠ ]
فصل
في الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من الفقه والفوائد
فمنها: جواز القتال في الشهر الحرام إن كان خروجه في رجب محفوظًا على ما قاله ابن إسحاق، ولكن هاهنا أمر آخر وهو أن أهل الكتاب لم يكونوا يُحرِّمون الشهر الحرام بخلاف العرب فإنها كانت تحرمه، وقد تقدم (^١) أن في نسخ تحريم القتال فيه قولان (^٢)، وذكرنا حجج الفريقين.
ومنها: تصريح الإمام للرعية وإعلامُهم بالأمر الذي يضرهم سَترُه وإخفاؤه ليتأهَّبوا له ويُعِدُّوا له عُدَّتَه، وجواز سَتر غيرِه عنهم والكناية عنه للمصلحة.
ومنها: أن الإمام إذا استنفر الجيش لزمهم النفير ولم يَجُز لأحدٍ التخلُّف إلا بإذنه، ولا يُشترط في وجوب النفير تعيينُ كل واحد منهم بعينه، بل متى استنفر الجيش لزم كلَّ واحدٍ منهم الخروجُ معه. وهذا أحد المواضع الثلاثة التي يصير فيها الجهاد فرضَ عين، والثاني: إذا حضر العدو البلد، والثالث: إذا حضر بين الصفَّين.
ومنها: وجوب الجهاد بالمال كما يجب بالنفس، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد (^٣)، وهي الصواب الذي لا ريب فيه، فإن الأمر بالجهاد بالمال
_________________
(١) (ص ٤٠٧ - ٤٠٩).
(٢) ن، والنسخ المطبوعة: «قولين» وهو الجادّة.
(٣) نصَّ على وجوبه في رواية ابن الحكم، واختارها شيخ الإسلام. انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٨٧) و«الاختيارات» للبعلي (ص ٤٤٥).
[ ٣ / ٧٠١ ]
شقيق الأمر بالجهاد بالنفس في القرآن وقرينه، بل جاء مقدمًا على الجهاد بالنفس في كل موضع إلا موضعًا واحدًا (^١)، وهذا يدل على أن الجهاد به أهم وآكد من الجهاد بالنفس، ولا ريب أنه أحد الجهادين، كما قال النبي - ﷺ -: «من جَهَّز غازيًا فقد غزا» (^٢)، فيجب على القادر عليه كما يجب على القادر بالبدن، ولا يتم الجهاد بالبدن إلا ببذله، ولا ينتصر إلا بالعَدَد والعُدَد، فإن لم يقدر أن يُكثر العدد وجب عليه أن يُمدَّ بالمال والعُدَّة، وإذا وجب الحج بالمال على العاجز بالبدن فوجوب الجهاد بالمال أولى وأحرى.
ومنها: ما برز به عثمان بن عفان من النفقة العظيمة في هذه الغزوة وسبق به الناس، فقال رسول الله - ﷺ -: «غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما أخفيت وما أبديت» (^٣) ثم قال: «ما ضَرَّ عثمان ما فعل بعد اليوم» (^٤)، وكان قد أنفق ألف دينار وثلاثمائة بعير بعُدَّتها وأحلاسها وأقتابها.
_________________
(١) وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١].
(٢) أخرجه البخاري (٢٨٤٣) ومسلم (١٨٩٥) من حديث زيد بن خالد الجهني.
(٣) أخرجه ابن عدي في «الكامل» (١/ ٣٤٠) والدارقطني في «الأفراد» (ص ١١٠) ــ ومن طريقهما ابن عساكر في «تاريخه» (٣٩/ ٦٥) ــ وأبو نعيم في «فضائل الخلفاء» (٧٧) من حديث حذيفة بإسناد ضعيف، فيه إبراهيم بن إسحاق الثقفي. قال ابن عدي: هذا الحديث بهذا الإسناد غير محفوظ، إسحاق بن إبراهيم هذا أحاديثه غير محفوظة. وقال الدارقطني: هذا حديث غريب، تفرد به إسحاق بن إبراهيم الكوفي.
(٤) روي في تتمة الحديث السابق بلفظ: «ما يبالي عثمان ما عمل بعد هذا». وروي باللفظ المذكور من حديث عبد الرحمن بن سمرة بإسناد لا بأس به، وقد سبق تخريجه في أول الغزوة (ص ٦٦١).
[ ٣ / ٧٠٢ ]
ومنها: أن العاجز بماله لا يُعذَر حتى يبذل جُهدَه ويتحقَّق عجزُه، فإن الله سبحانه إنما نفى الحرج عن هؤلاء العاجزين بعد أن أتوا رسولَه ليحملهم فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه»، فرجعوا يبكون لما فاتهم من الجهاد؛ فهذا العاجز الذي لا حرج عليه.
ومنها: استخلاف الإمام إذا سافر رجلًا من الرعية على الضعفاء والمعذورين والنساء والذرية، ويكون نائبُه من المجاهدين لأنه من أكبر العون لهم. وكان رسول الله - ﷺ - يستخلف ابنَ أمِّ مكتوم فاستخلفه بضع عشرة مرةً، وأما في غزوة تبوك فالمعروف عند أهل الأثر أنه استخلف عليَّ بن أبي طالب، كما في «الصحيحين» (^١) عن سعد بن أبي وقاص قال: خلَّف رسول الله - ﷺ - عليًّا في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله، تخلفني مع النساء والصِّبيان؟ فقال: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غيرَ أنه لا نبي بعدي».
ولكن هذه كانت خلافةً خاصةً على أهله - ﷺ -، وأما الاستخلاف العام فكان لمحمد بن مسلمة الأنصاري، ويدل على هذا أن المنافقين لما أرجفوا به وقالوا: خلَّفه استثقالًا أخذ سلاحه ثم لحق بالنبي - ﷺ - فأخبره، فقال: «كذبوا ولكن خلَّفتُك لما تركت ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك» (^٢).
ومنها: جواز الخرص للرُّطَب على رؤوس النخل، وأنه من الشرع، والعملُ بقول الخارص، وقد تقدم في غزاة خيبر، وأن الإمام يجوز أن
_________________
(١) البخاري (٤٤١٦) ومسلم (٢٤٠٤).
(٢) ذكره ابن إسحاق، وقد سبق.
[ ٣ / ٧٠٣ ]
يخرص بنفسه كما خرص رسول الله - ﷺ - حديقة المرأة.
ومنها: أن الماء الذي بآبار ثمود لا يجوز شُربه، ولا الطبخ به والعجين به (^١)، ولا الطهارة به، ويجوز أن يُسقى البهائمَ؛ إلا ما كان من بئر الناقة، وكانت معلومةً باقيةً إلى زمن رسول الله - ﷺ - ثم استمر علم الناس بها قرنًا بعد قرنٍ إلى وقتنا هذا فلا يَرِد الركوب بئرًا غيرها، وهي مطوية محكمة البناء واسعة الأرجاء، آثار العتق عليها بادية، لا تشتبه بغيرها.
ومنها: أن مَن مرَّ بديار المغضوب عليهم والمُعذَّبين لم ينبغِ له أن يدخلها ولا يقيمَ بها، بل يُسرع السيرَ ويتقنع بثوبه حتى يجاوزها، ولا يدخل عليهم إلا باكيًا معتبرًا. ومن هذا إسراع النبي - ﷺ - السير في وادي مُحسِّر بين منًى ومزدلفة (^٢)، فإنه المكان الذي أهلك الله فيه الفيل وأصحابه.
ومنها: أن النبي - ﷺ - كان يجمع بين الصلاتين في السفر، وقد جاء جمع التقديم في هذه القصة في حديث معاذ كما تقدَّم، وذكرنا علَّةَ الحديث ومن أنكره، ولم يجئ جمعُ التقديم عنه في سفر إلا هذا. وصحَّ عنه جمع التقديم بعُرَنة (^٣) قبل دخوله إلى عرفة، فإنه جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر؛
_________________
(١) ص، د، ز، ن: «ولا العجين به».
(٢) في الأصول والمطبوعات: «منى وعرفة»، ولعله سبق قلم من المؤلف، فإن محسِّرًا بين منًى ومزدلفةَ، وقد سبق في الحج (٢/ ٣١١) قول المؤلف: إنه «برزخ بين منى وبين مزدلفة». وإسراع النبي - ﷺ - فيه روي من غير وجه، منها حديث جابر عند أحمد (١٤٢١٨) وأبي داود (١٩٤٤) والترمذي (٨٨٦) والنسائي (٣٠٢١) وابن خزيمة (٢٨٦٢)؛ وقال الترمذي: حديث جابر حديث حسن صحيح.
(٣) رسمه في د، س، ث يشبه «عرفة»، وإليه تحرّف في المطبوع.
[ ٣ / ٧٠٤ ]
- خلاف الفقهاء في المدة التي إذا نوى المسافر إقامتها أتم الصلاة
فقيل: ذلك لأجل النسك كما قاله أبو حنيفة، وقيل: لأجل السفر الطويل كما قاله الشافعي وأحمد (^١)، وقيل: لأجل الشغل وهو اشتغاله بالوقوف واتِّصالُه إلى غروب الشمس. قال أحمد (^٢): يجمع للشغل، وهو قول جماعة من السلف والخلف، وقد تقدم.
ومنها: جواز التيمُّم بالرمل، فإن النبي - ﷺ - وأصحابه قطعوا الرمال التي بين المدينة وتبوك ولم يحملوا معهم ترابًا بلا شك، وتلك مفاوز مُعطِّشة شَكَوا فيها العطش إلى رسول الله - ﷺ -، وقطعًا كانوا يتيممون بالأرض التي هم نازلون فيها؛ هذا كلُّه مما لا شك فيه، مع قوله - ﷺ -: «فحيثما أدركت رجلًا من أمتي الصلاةُ فعنده مسجدُه وطهوره» (^٣).
ومنها: أنه - ﷺ - أقام بتبوك عشرين يومًا يَقصُر الصلاة، ولم يقل للأمة: لا يقصر رجلٌ الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن اتفق إقامته هذه المدة، وهذه الإقامة في حال السفر لا تَخرج عن حكم السفر سواءٌ طالت أو قصرت إذا كان غيرَ مستوطنٍ ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع.
وقد اختلف السلف والخلف في ذلك اختلافًا كثيرًا، ففي «صحيح البخاري» (^٤) عن ابن عباس قال: «أقام رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره تسع
_________________
(١) انظر: «الأصل» للشيباني (١/ ١٢٤) و«المجموع» (٨/ ٩١) و«المغني» (٥/ ٢٦٥).
(٢) في رواية ابن مُشيش. انظر: «الإنصاف» (٥/ ٩٠ - ٩١).
(٣) أخرجه أحمد (٢٢١٣٧) والطبراني في «الكبير» (٨/ ٣٠٨) والبيهقي في «السنن» (١/ ٢٢٢) من حديث أبي أمامة بإسناد لا بأس به. وله شاهد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، أخرجه أحمد (٧٠٦٨) والبيهقي في «السنن» (١/ ٢٢٢).
(٤) برقم (١٠٨٠، ٤٢٩٩).
[ ٣ / ٧٠٥ ]
عشرة يصلي ركعتين، فنحن إذا أقمنا تسع عشرة نصلي ركعتين، وإن زدنا على ذلك أتممنا». وظاهر كلام أحمد أن ابن عباس أراد مدة مقامه بمكة زمن الفتح، فإنه قال (^١): «أقام النبي - ﷺ - بمكة ثمان عشرة زمن الفتح، لأنه أراد حُنينًا ولم يكن ثَمَّ إجماعُ المُقام، وهذه إقامته التي رواها ابن عباس». وقال غيره: بل أراد ابن عباس مُقامَه بتبوك، كما قال جابر بن عبد الله: «أقام النبي - ﷺ - بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة». رواه الإمام أحمد في «مسنده» (^٢).
وقال المسور بن مخرمة: أقمنا مع سعد ببعض قرى الشام أربعين ليلةً يَقصُرها سعد ونُتِمُّها (^٣).
_________________
(١) أي الإمام أحمد، كما في «المغني» (٣/ ١٥٠) والمؤلف صادر عنه. وانظر: «مسائل أحمد» رواية الكوسج (١/ ٦١١).
(٢) برقم (١٤١٣٩)، وأخرجه أيضًا أبو داود (١٢٣٥) وابن حبان (٢٧٤٩) والبيهقي (٣/ ١٥٢) من حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر. ورجاله رجال الشيخين، وقد صححه ابن حبان وابن حزم والنووي، ولكن أعله أبو داود والبيهقي بالإرسال، وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن جابر فيه «بضعة عشر» ورجاله ثقات. انظر: «المحلّى» (٥/ ٢٥) و«خلاصة الأحكام» للنووي (٢/ ٧٣٣) و«التلخيص الحبير» (٦٠٦).
(٣) أخرجه سعيد بن منصور ــ كما في «المغني» (٣/ ١٥٤) ــ والطبري في «تهذيب الآثار- مسند عمر» (١/ ٢٤٢) والبيهقي في «معرفة السنن» (٤/ ٢٧٤) بإسناد صحيح. وكان مع المسور في هذا السفر ابنه عبد الرحمن، وروي عنه الخبر أيضًا بنحوه، أخرجه عبد الرزاق (٤٣٥٠) وابن أبي شيبة (٨٢٨٤) والطبري في «تهذيب الآثار- مسند عمر» (١/ ٢٤٣) وابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٤١٨) وغيرهم من طرُق عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الرحمن، وفيه أنهم سألوا سعدًا عن ذلك فقال: «نحن أعلم». وروي أيضًا من وجه آخر عن عبد الرحمن بن المسور أنه خرج هو وأبوه وعبد الرحمن بن الأسود مع سعد بن أبي وقاص إلى الشام فأقاموا خمسين ليلةً ودخل عليهم رمضان فكان أبوه وعبد الرحمن بن الأسود يصومان ويأبى سعدٌ أن يصوم، فسأله عبد الرحمن بن المسور عن ذلك فقال: «إني أنا أفقه منهما». أخرجه الطبري في «تهذيب الآثار- مسند ابن عباس» (١/ ١٢٩) والبيهقي في «السنن» (٣/ ١٥٣) من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن المسور.
[ ٣ / ٧٠٦ ]
وقال نافع: أقام ابن عمر بأَذْرَبِيجان ستة أشهر يصلي ركعتين وقد حال الثلج بينه وبين الدخول (^١).
وقال حفص بن عبيد الله: أقام أنس بن مالك بالشام سنتين (^٢) يصلي صلاة المسافر (^٣).
_________________
(١) كذا في الأصول تبعًا «للمغني» (٣/ ١٥٤) وهو مصدر المؤلف، والظاهر أنه تصحيف والصواب: «بينه وبين القُفول» أي: الرجوع، كما في «الأوسط» (٤/ ٤١٦) بلفظه وفي مصادر التخريج بمعناه. وقد أخرجه عبد الرزاق (٤٣٣٩) والطبري في «تهذيب الآثار - مسند عمر» (١/ ٢٤٩) وأبو الفضل الزهري في «حديثه» (٦٩٩) والبيهقي في «السنن» (٣/ ١٥٢) من طرق عن نافع به.
(٢) كذا في الأصول تبعًا للمغني (٣/ ١٥٤)، والذي في مصادر التخريج: «الشهرين» على أنه قد روي من طريق الحسن البصري عن أنس أنه أقام بنيسابور ــ أو: بسابور ــ سنة أو سنتين يصلّي ركعتين. أخرجه ابن أبي شيبة (٥١٤١، ٨٢٨٨) والطبري في «تهذيب الآثار- مسند عمر» (١/ ٢٥٧) وابن المنذر (٤/ ٤١٧).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٤٣٥٤) ــ ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٤١٧) ــ والبيهقي في «السنن» (١٥٢١٣) من طريقين عن يحيى بن أبي كثير عن حفص بن عبيد الله ــ وهو ابن أنس بن مالك ــ به. تنبيه: تصحّف «حفص بن عبيد الله» إلى «جعفر بن عبد الله» في جميع مطبوعات «مصنف عبد الرزاق». والذي رأيته في بعض نسخه الخطية: «جعفر بن عبيد الله»، وهو تصحيف بلا شك فإنه ليس في الرواة أحد بهذا الاسم في هذه الطبقة، نعم هناك «جعفر بن عبد الله» له رواية عن أنس ولكن لم يذكروا في الرواة عنه يحيى بن أبي كثير، فما جاء عند ابن المنذر من طريق عبد الرزاق هو الصواب.
[ ٣ / ٧٠٧ ]
وقال أنس: أقام أصحاب رسول الله - ﷺ - برامَهُرْمُزَ سبعةَ أشهرٍ يقصرون الصلاة (^١).
وقال الحسن: أقمت مع عبد الرحمن بن سمرة بِكابُلَ سنتين يَقْصُر الصلاة ولا يُجَمِّع (^٢).
وقال إبراهيم: كانوا يقيمون بالرَّي السنة وأكثر من ذلك، وبسجستان السنتين (^٣).
فهذا هدي رسول الله - ﷺ - وأصحابه كما ترى وهو الصواب.
وأما مذاهب الناس، فقال الإمام أحمد (^٤): إذا نوى إقامة أربعة أيام أتمَّ وإن نوى دونها قصر، وحمل هذه الآثار على أن رسول الله - ﷺ - وأصحابه لم
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «السنن» (٣/ ١٥٢) من طريق يحيى بن أبي كثير عن أنس ولفظه: «تسعة أشهر»، وهو مرسل فإن يحيى قد رأى أنسًا ولكن لا يثبت له سماع منه. انظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص ٢٤٠ - ٢٤٤).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٤٣٥٢، ٤٣٥٣) وابن أبي شيبة (٥١٤٠) وابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٣٦، ٤١٧) من طريقين صحيحين عن الحسن به. وقوله: «لا يُجمِّع» أي: لا يصلِّي الجمعة.
(٣) تمامه: «لا يُجَمِّعُون ولا يصومون» كما في «المغني» (٣/ ١٥٤)، أو «لا يجمِّعُون ولا يُشرِّقون» كما في «المغني» (٣/ ٢١٦) معزوًّا إلى سعيد بن منصور. وقوله: «لا يُشرِّقون» أي لا يصلُّون العيد. وأخرجه ابن أبي شيبة (٥١٤٢) عن إبراهيم بلفظ: «كان أصحابنا يغزوه فيقيمون السنة أو نحو ذلك يقصرون الصلاة ولا يُجَمِّعُون».
(٤) انظر: «مسائله» رواية الكوسج (١/ ١٧١، ٦١١) وابنه صالح (١/ ١٣٨).
[ ٣ / ٧٠٨ ]
يُجمعوا الإقامةَ البتة بل كانوا يقولون: اليوم نخرج، غدًا نخرج. وفي هذا نظر لا يخفى، فإن رسول الله - ﷺ - فتح مكة - وهي ما هي - وأقام فيها يؤسس قواعد الإسلام ويهدم قواعد الشرك ويُمهِّد أمر ما حولها من العرب، ومعلوم قطعًا أن هذا يحتاج إلى إقامة أيام لا يتأتَّى في يوم واحد ولا يومين، وكذلك إقامته بتبوك فإنه أقام ينتظر العدوَّ، ومن المعلوم قطعًا أنه كان بينه وبينهم عدة مراحل تحتاج إلى أيام، وهو يعلم أنهم لا يُوافون في أربعة أيام، وكذلك إقامة ابن عمر بأَذْرَبِيجان ستة أشهرٍ يقصُر الصلاةَ من أجل الثلج، ومن المعلوم أن مثل هذا الثلج لا يتحلَّل ويذوب في أربعة أيام بحيث تنفتح الطرق، وكذلك إقامة أنس بالشام سنتين يقصر، وإقامة الصحابة برَامَهُرْمُزَ سبعة أشهر يقصرون، ومن المعلوم أن مثل هذا الحصار والجهاد يُعلَم أنه لا ينقضي في أربعة أيام، وقد قال أصحاب أحمد: إنه لو أقام لجهاد عدوٍّ أو حبس سلطانٍ أو مرضٍ قصر، سواءٌ غلب على ظنه انقضاء الحاجة في مدة يسيرة أو طويلة، وهذا هو الصواب، لكن شرطوا فيه شرطًا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا عملِ الصحابة فقالوا: شرطُ ذلك احتمالُ انقضاء حاجته في المدة التي لا تَقطع حكمَ السفر وهي ما دون الأربعة أيامٍ (^١)، فيقال: من أين لكم هذا الشرط؟ والنبي - ﷺ - لما أقام زيادةً على الأربعة أيام يَقصُر بمكة وتبوك لم يقل لهم شيئًا، ولم يبين لهم أنه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعةٍ (^٢)،
وهو يعلم أنهم يقتدون به في صلاته ويتأسون به في قصرها في مدة
_________________
(١) انظر: «الإنصاف» (٥/ ٧٦).
(٢) د، ز، س، ن، المطبوع: «أربعةِ أيامٍ» .. وكتبت «أيام» في ص أيضًا ولكن جعل عليها علامة الحذف «حـ».
[ ٣ / ٧٠٩ ]
إقامته، فلم يقل لهم حرفًا واحدًا (^١): لا تقصروا فوق إقامة أربع ليال، وبيانُ هذا من أهمِّ المهمات، وكذلك (^٢) اقتدى الصحابةُ به بعدَه ولم يقولوا لمن صلى معهم شيئًا من ذلك.
وقال مالك والشافعي: إذا نوى إقامةَ أربعةِ أيامٍ أتم وإن نوى دونها قصر (^٣).
وقال أبو حنيفة: إن نوى إقامة خمسة عشر يومًا أتمَّ وإن نوى دونها قصر، وهو مذهب الليث بن سعد (^٤). وروي عن ثلاثة من الصحابة: عمر وابنه وابن عباس (^٥).
وقال سعيد بن المسيب: إذا أقمت أربعًا فصل أربعًا، وعنه كقول أبي حنيفة (^٦).
وقال علي بن أبي طالب: إن (^٧) أقام عشرًا أتم. وهو رواية عن
_________________
(١) ف، ب، س، ث: «حرف واحد».
(٢) في ف، ب، ص يحتمل: «لذلك».
(٣) انظر: «المدونة» (١/ ١١٩ - ١٢٢) و«الأم» للشافعي (٢/ ٣٦٧).
(٤) انظر: «الأصل» للشيباني (١/ ٧٨، ٢٣٢) و«الأوسط» لابن المنذر (٤/ ٤١٤).
(٥) قول عمر لم أجده. وأما أثر ابنه فأخرجه عبد الرزاق (٤٣٤٣) وابن أبي شيبة (٨٣٠١) والطبري في «تهذيب الآثار- مسند عمر» (١/ ٢٤٨) من طريقين عنه. وأثر ابن عباس عند ابن أبي شيبة (٨٢٨٣) بإسناد حسن.
(٦) قوله الأول أخرجه عبد الرزاق (٤٣٤٦) وابن أبي شيبة (٨٣٠٣) وأحمد في «العلل» رواية عبد الله (٥٤٦١، ٥٤٦٢، ٥٤٧٨). وأما الرواية الثانية فأخرجها ابن أبي شيبة (٨٢٩٦). وعنه روايتان أخريان. انظر: «الأوسط» (٤/ ٤١٥).
(٧) ص، د، ز: «إذا».
[ ٣ / ٧١٠ ]
ابن عباس (^١).
وقال الحسن: يقصر ما لم يقدم مِصرًا (^٢).
وقالت عائشة: يقصر ما لم يضع الزاد والمزاد (^٣).
والأئمة الأربعة متفقون على أنه إذا أقام لحاجة ينتظر قضاءَها يقول: اليوم أخرج، غدًا أخرج= فإنه يقصر أبدًا، إلا الشافعي في أحد قوليه فإنه يقصر عنده إلى سبعة عشر أو ثمانية عشر (^٤) ولا يقصر بعدها (^٥). وقد قال ابن المنذر في «إشرافه» (^٦): أجمع أهل العلم أن للمسافر أن يقصر ما لم يُجْمِع إقامةً وإن أتى عليه سنون.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٨٢٩٧، ٨٢٩٨) عن علي، وفي سنده انقطاع. وأخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٤١٣) عن ابن عباس، وفي إسناده لين. قال ابن المنذر: «وليس ذلك بثابت عنهما».
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٨٣١٠) بنحوه، وأخرجه (٨٢٦٥) أيضًا من وجهٍ آخر بلفظ أتمَّ يوضحِّ مقصوده، فإنه قال: يصلِّي المسافر ركعتين حتى يرجع، إلا أن يأتي مصرًا من الأمصار فيصلِّي بصلاتهم.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٨٣٠٦) بنحوه، وفي إسناده لين. وأخرج (٨٢٣٧) عن ابن سيرين أنه قال: «كانوا يقولون: السفر الذي تقصر فيه الصلاة الذي يُحمَل فيه الزاد والمزاد».
(٤) بعده في ن، والنسخ المطبوعة: «يومًا».
(٥) انظر: «البيان» للعمراني (٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧) و«المجموع» (٤/ ٣٥٩ - ٣٦٣).
(٦) لم أجده في مطبوعته فإن ثَمَّة سقطًا في أثناء كتاب صلاة المسافر منه. والمؤلف صادر عن «المغني» (٣/ ١٥٣).
[ ٣ / ٧١١ ]
- فصل: استحباب حنث الحالف في يمينه إذا رأى غيرها خيرا منها
- فصل: انعقاد اليمين في حال الغضب الذي يعلم معه ما يقول
فصل
ومنها: جوازُ بل استحبابُ حنثِ الحالف في يمينه إذا رأى غيرها خيرًا منها، فيكفر عن يمينه ويفعل الذي هو خير، وإن شاء قدَّم الكفارة على الحنث وإن شاء أخرها. وقد روي حديث أبي موسى هذا: «إلا أتيت الذي هو خير وتحلَّلتُها»، وفي لفظ: «إلا كفَّرتُ عن يميني وأتيت الذي هو خير»، وفي لفظ: «إلا أتيت الذي هو خير وكفرتُ عن يميني»؛ وكل هذه الألفاظ في «الصحيحين» (^١)، وهي تقتضي عدم الترتيب.
وفي «السنن» (^٢) من حديث عبد الرحمن بن سمرة عن النبي - ﷺ -: «إذا حلفتَ على يمين فرأيتَ غيرها خيرًا منها فكفِّرْ عن يمينك ثم ائت الذي هو خير»، وأصله في «الصحيحين».
فذهب أحمد ومالك والشافعي إلى جواز تقديم الكفارة على الحنث، واستثنى الشافعي التكفير بالصوم فقال: لا يجوز تقديمه، ومنع أبو حنيفة تقديم الكفارة مطلقًا (^٣).
فصل
ومنها: انعقاد اليمين في حال الغضب إذا لم يُخرج بصاحبه إلى حدٍّ لا
_________________
(١) الأول عند البخاري (٣١٣٣، ٥٥١٨، ٦٦٤٩، ٦٦٨٠، ٦٧٢١) ومسلم (١٦٤٩/ ٩)، والثاني عند البخاري (٦٦٢٣، ٦٧١٨) ومسلم (١٦٤٩/ ٧)، والثالث عند البخاري (٦٦٢٣، ٦٧١٩) على شك الراوي بينه وبين اللفظ الثاني.
(٢) لأبي داود (٣٢٧٨)، وأخرجه البخاري (٦٦٢٢) ومسلم (١٦٥٢) بنحوه.
(٣) انظر: «مسائل أحمد» برواية صالح (٣/ ٢٤٢) والكوسج (١/ ٦٢١)، و«الأم» (٨/ ١٥٥)، و«المدوَّنة» (٣/ ١١٦)، و«الأصل» للشيباني (٢/ ٢٨٥ - ٢٩٦).
[ ٣ / ٧١٢ ]
- فصل: دحض تعلق الجبري بقوله - ﷺ -: «ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم»
يَعلم معه ما يقول، وكذلك ينفذ حكمه وتصحُّ عقوده، فلو بلغ به الغضب إلى حدِّ الإغلاق لم تنعقد يمينه ولا طلاقه. قال أحمد في رواية حنبل (^١) في حديث عائشة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» (^٢): يريد الغضب.
فصل
ومنها: قوله: «ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم» قد يتعلق به الجبري، ولا متعلَّق له به، وإنما هذا مثل قوله: «واللهِ لا أعطي أحدًا شيئًا ولا أمنع وإنما أنا قاسمٌ أَضَع حيث أُمرت» (^٣)، فإنه عبد الله ورسوله؛ إنما يتصرف بالأمر، فإذا أمره ربُّه بشيء نفَّذه، فالله هو المعطي والمانع والحامل، والرسولُ منفِّذٌ لما أمر به.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، فالمراد به القبضة من الحصا (^٤) التي رمى بها وجوه المشركين فوصلت إلى عيون جميعهم، فأثبت سبحانه له الرمي باعتبار النبذ والإلقاء فإنه فعله، ونفاه عنه باعتبار الإيصال إلى جميع المشركين، وهذا فعل الرب تعالى لا تصل
_________________
(١) نقلها أبو بكر غلام الخلال في «زاد المسافر» (٣/ ٢٧٣) وفي «الشافي»، كما في «أعلام الموقعين» للمؤلف (٢/ ٥٠٧).
(٢) أخرجه أحمد (٢٦٣٦٠) وأبو داود (٢١٩٣) وابن ماجه (٢٠٤٦) والحاكم (٢/ ١٩٨) من حديث عائشة بإسناد ضعيف، وقد تعقّب الذهبي على الحاكم تصحيحه. وانظر: «البدر المنير» (٨/ ٨٤) و«أنيس الساري» (٤٤٣٣).
(٣) أخرجه أحمد (١٠٢٥٧) والبخاري (٣١١٧) بنحوه.
(٤) ز، س، ن، المطبوع: «الحصباء».
[ ٣ / ٧١٣ ]
- فصل: ترك النبي - ﷺ - قتل المنافقين مع أنه بلغه عنهم الكفر الصريح
إليه قدرةُ العبد؛ والرمي يطلق على الحذف وهو مَبدؤه، وعلى الإيصال وهو نهايته.
فصل
ومنها: تركه قتل المنافقين، وقد بلغه عنهم الكفرُ الصريح، فاحتج به من قال: لا يقتل الزنديق إذا أظهر التوبة، لأنهم حلفوا لرسول الله - ﷺ - أنهم ما قالوا، وهذا إن لم يكن إنكارًا فهو توبة وإقلاع. وقد قال أصحابنا (^١) وغيرهم: ومن شُهِد عليه بالردة، فشَهِد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله= لم يُكشَف عن شيء (^٢). وقال بعض الفقهاء: إذا جحد الردة كفاه جحدُها.
ومن لم يقبل توبة الزنديق قال: هؤلاء لم يقم عليهم بينة ورسول الله - ﷺ - لا يحكم عليهم بعلمه، والذين بلغ رسولَ الله - ﷺ - عنهم قولُهم لم يُبلِّغه إياه نصابُ البينة، بل شهد به عليهم واحد فقط، كما شهد زيد بن أرقم وحدَه على عبد الله بن أُبيٍّ (^٣)، وكذلك غيره أيضًا إنما شهد عليه واحد.
وفي هذا الجواب نظر، فإن نفاق عبد الله بن أبي وأقواله في النفاق كانت
_________________
(١) كالخرقي في «مختصره» (١٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧ مع المغني)، وبنحوه قال الشافعي فيما نقله المزني في «مختصره» (١٣/ ١٧٧ مع الحاوي الكبير).
(٢) أي: لم يُكشف عن صحة ما شُهِد عليه به وخُلِّي سبيلُه ولا يُكلَّف الإقرار بما نسب إليه؛ قاله أبو محمد في «المغني». ولفظ الشافعي: «لم يكشف عن غيره»، قال الماوردي: إنه يحتمل تأويلين: لم يكشف عمّا شهد به الشهود من ردَّته، والثاني: لم يكشف عن باطن معتقده.
(٣) وذلك في غزاة بني المصطلق، كما تقدَّم (ص ٣١٤).
[ ٣ / ٧١٤ ]
- فصل: أن ناقض العهد إذا لم يقدر عليه الإمام، فدمه وماله هدر وهو لمن أخذه
كثيرةً جدًّا، كالمتواترة عند رسول الله - ﷺ - وأصحابه، وبعضُهم أقرَّ بلسانه وقال: إنما كنا نخوض ونلعب، وقد واجهه بعض الخوارج في وجهه بقوله: إنك لم تعدل (^١)، والنبي - ﷺ - لما قيل له: ألا نقتلهم؟ لم يقل: ما قامت عليهم بينة، بل قال: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه».
فالجواب الصحيح إذن أنه كان في ترك قتلهم في حياة النبي - ﷺ - مصلحة تتضمن تأليفَ القلوب على رسول الله - ﷺ - وجمعَ كلمة الناس عليه، وكان في قتلهم تنفيرًا (^٢) والإسلام بعدُ في غربة؛ ورسولُ الله - ﷺ - أحرص شيء على تأليف الناس، وأتركُ شيءٍ لِما ينفِّرهم عن الدخول في طاعته.
وهذا أمر كان يختص بحال حياته - ﷺ -، وكذلك تَرَك قتلَ من طعن عليه في حكمه بقوله: أنْ كان ابنَ عمَّتك (^٣)، وفي قَسْمه بقوله: إن هذه لَقسمةٌ ما أريد بها وجه الله، وقولِ الآخر له: إنك لم تعدل؛ فإن هذا محض حقِّه، له أن يستوفيه وله أن يتركه، وليس للأمة بعده تركُ استيفاء حقِّه، بل يتعين عليهم استيفاؤه ولا بد، ولتقرير هذه المسائل موضعٌ آخر، والغرض التنبيه والإشارة.
فصل
ومنها: أن أهل العهد والذمة إذا أحدث أحد منهم حدثًا فيه ضرر على الإسلام انتقض عهدُه في ماله ونفسه، وأنه إذا لم يقدر عليه الإمام فدمه وماله
_________________
(١) وذلك عند قسم غنائم حنين بالجعرانة، كما تقدّم (ص ٥٤٢).
(٢) كذا بالنصب في جميع الأصول.
(٣) أخرجه البخاري (٢٣٥٩) ومسلم (٢٣٥٧) من حديث ابن الزبير في قصةٍ لأبيه حكم له النبي - ﷺ - فيها على خصمه فقال ذلك.
[ ٣ / ٧١٥ ]
- فصل: جواز الدفن بالليل
هدر وهو لمن أخذه، كما قال في صلح أهل أيلة: «فمن أحدث منهم حدثًا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وهو لمن أخذه من الناس»، وهذا لأنه بالإحداث صار محاربًا حكمُه حكم أهل الحرب
فصل
ومنها: جواز الدفن بالليل كما دفن رسول الله - ﷺ - ذا البجادين ليلًا. وقد سئل أحمد عنه فقال (^١): وما بأس بذلك، وقال: أبو بكر دُفِن ليلًا، وعلي دَفَن فاطمة ليلًا (^٢)، وقالت عائشة: سمعنا صوت المساحي من آخر الليل في دفن النبي - ﷺ - (^٣). انتهى. ودُفِن عثمان وعائشة وابن مسعود ليلًا (^٤).
وفي الترمذي (^٥) عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - دخل قبرًا ليلًا فأُسرج له سراج، فأخذ (^٦) من قِبَل القبلة وقال: «رحمك الله، إن كنت لأوَّاهًا تلَّاءً للقرآن». قال الترمذي: حديث حسن.
_________________
(١) كما في «المغني» (٣/ ٥٠٣).
(٢) الأثرين أخرجهما البخاري (١٣٨٧، ٤٢٤٠).
(٣) أخرجه أحمد (٢٤٣٣٣، ٢٦٣٤٩) وعبد الرزاق (٦٥٥١).
(٤) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (١١٩٥٢، ١١٩٥٥) و«طبقات ابن سعد» (٣/ ٧٣ - ٧٤، ١٠/ ٧٥ - ٧٦) و«الأوسط» لابن المنذر (٥/ ٥١٠ - ٥١١).
(٥) برقم (١٠٥٧). وأخرجه أيضًا الطبراني في «الكبير» (١١/ ١٤١) والبيهقي في «سننه» (٤/ ٥٥) بإسناد ضعيف كما قال البيهقي. وحسَّن الترمذي الحديث، وذلك ــ والله أعلم ــ لشواهده، منها حديث جابر، أشار إليه الترمذي بقوله: وفي الباب، وأخرجه أبو داود (٣١٦٤) والحاكم (١/ ٣٦٨) بنحو حديث ابن عباس، وإسناده لا بأس به في المتابعات والشواهد.
(٦) لفظ الترمذي: «أخذه».
[ ٣ / ٧١٦ ]
- فصل: أن الإمام إذا بعث سرية كان ما حصلت من الغنائم فهو لها
وفي البخاري (^١): أن النبي - ﷺ - سأل عن رجل فقال: «من هذا؟» قالوا: فلان دُفن البارحة، فصلى عليه.
فإن قيل: فما تصنعون بما رواه مسلم في «صحيحه» (^٢) أن النبي - ﷺ - خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قُبض فكُفِن في كفنٍ غير طائل ودُفِن ليلًا، فزجر النبي - ﷺ - أن يُقبَر الرجل بالليل (^٣) إلا أن يُضطرَّ إنسان إلى ذلك. قال الإمام أحمد (^٤): إليه أذهب.
قيل: نقول بالحديثين بحمد الله ولا نردُّ أحدهما بالآخر، فنكره الدفن بالليل بل نزجر عنه إلا لضرورةٍ أو مصلحةٍ راجحةٍ، كميت مات مع المسافرين بالليل ويتضررون بالإقامة به إلى النهار، وكما إذا خيف على الميت الانفجار، ونحوِ ذلك من الأسباب المرجحة للدفن ليلًا. وبالله التوفيق (^٥).
فصل
ومنها: أن الإمام إذا بعث سريةً فغنمت غنيمةً أو أسرت أسيرًا أو فتحت حصنًا، كان ما حصل من ذلك= لها بعد تخميسه، فإن النبي - ﷺ - قسم ما
_________________
(١) برقم (١٣٤٠) من حديث ابن عباس، وهو عند مسلم (٩٥٤) أيضًا.
(٢) برقم (٩٤٣)، والمؤلف صادر عن «المغني» (٣/ ٥٠٣).
(٣) زِيد في المطبوع بعده: «حتى يصلَّى عليه» ــ وليس في الأصول ــ نقلًا من «صحيح مسلم».
(٤) كما في «المغني» (٣/ ٥٠٣).
(٥) وانظر: «تهذيب السنن» للمؤلف (٢/ ٣٥٦ - ٣٥٩).
[ ٣ / ٧١٧ ]
- فصل: قوله - ﷺ -: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا إلا كانوا معكم»
صالح عليه أكيدرَ من فتح دومة الجندل بين السرية الذين بعثهم مع خالد، وكانوا أربعمائة وعشرين فارسًا، وكانت غنائمهم ألفي بعير وثمانمائة رأس، فأصاب كلُّ رجلٍ منهم خمس فرائض. وهذا بخلاف ما إذا خرجت السريةُ من الجيش في حال الغزو فأصابت ذلك بقوة الجيش، فإن ما أصابوه يكون غنيمةً (^١) بعد الخُمْس والنفل (^٢)، وهذا كان هديه - ﷺ -
فصل
ومنها: قوله - ﷺ -: «إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم»، فهذه المعية هي بقلوبهم وهممهم، لا كما يظنه طائفة من الجهال أنهم معهم بأبدانهم، فهذا محال، لأنهم قالوا له: وهم بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة حبسهم العذر»، فكانوا معه بأرواحهم وبدار الهجرة بأشباحهم. وهذا من الجهاد بالقلب، وهو أحد مراتبه الأربع وهي: القلب واللسان والمال والبدن، وفي الحديث: «جاهدوا المشركين بألسنتكم وقلوبكم وأموالكم» (^٣).
_________________
(١) بعده في النسخ المطبوعة: «للجميع»، ولم يرد في شيء من الأصول.
(٢) انظر ما سبق (ص ١٢١).
(٣) كذا ذكره المؤلف، ولفظ الحديث: «بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم»، وفي بعض الروايات زيادة: «وأيديكم»، وليس في شيء منها موضع الشاهد: «وقلوبكم». أخرجه أحمد (١٢٢٤٦، ١٢٥٥٥) وأبو داود (٢٥٠٤) والدارمي (٢٤٧٥) والنسائي (٣٠٩٦) وابن حبان (٤٧٠٨) والحاكم (٢/ ٨١) والضياء في «المختارة» (٥/ ٢٧١) من طرق عن حماد بن سلمة عن حميد الطويل عن أنس. وإسناده على شرط مسلم كما قال الحاكم.
[ ٣ / ٧١٨ ]
- فصل: جواز تحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله ورسوله فيها
فصل
ومنها: تحريق أمكنة المعصية التي يُعصى الله ورسوله فيها وهدمُها، كما حرَّق رسول الله - ﷺ - مسجد الضرار وأمر بهدمه ــ وهو مسجد يصلَّى فيه ويذكر الله فيه ــ لمَّا كان بناؤه ضرارًا وتفريقًا بين المؤمنين ومأوًى للمنافقين؛ وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيلُه إما بهدم وتحريقٍ، وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له. وإذا كان هذا شأن مساجد (^١) الضرار، فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ مَن فيها أندادًا من دون الله أحقُّ بالهدم وأوجب، وكذلك محالُّ المعاصي والفسوق كالحانات وبيوت الخمارين وأرباب المنكرات. وقد حرَّق عمر بن الخطاب قريةً بكمالها يُباع فيها الخمر (^٢)، وحرَّق حانوت رُويشد الثقفي وسمَّاه «فويسقًا» (^٣)، وحرَّق قصر سعدٍ عليه لما احتجب فيه عن الرعية (^٤).
_________________
(١) النسخ المطبوعة: «مسجد».
(٢) لم أجده عن عمر، وإنما أخرجه أبو عبيد في «الأموال» (٢٩١) وعنه ابن زنجويه (٤١١) عن علي بن أبي طالب بإسناد فيه لين.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٠٠٥١، ١٧٠٣٥) وأبو عبيد في «الأموال» (٢٩٠) وابن سعد في «الطبقات» (٧/ ٦٠) وابن زنجويه في «الأموال» (٤٠٩، ٤١٠) والدولابي في «الكنى والأسماء» (١٠٤١) بأسانيد صحيحة.
(٤) أخرجه أحمد في «المسند» (٣٩٠) وابن المبارك في «الزهد» (٥١٣) من رواية عَباية بن رِفاعة بن رافع بن خَدِيج بنحوه، وفيه أن عمر بعث محمد بن مسلمة ليُحرق على سعدٍ باب قصره فقط. قال الحافظ ابن كثير في «مسند الفاروق» (١/ ٣٩٥): إسناده صحيح، إلا أن عباية بن رفاعة لم يدرك عمر. قلتُ: له طريق آخر عند ابن سعد في «الطبقات» (٧/ ٦٦) عن شيخه الواقدي.
[ ٣ / ٧١٩ ]
- فصل: جواز إنشاد الشعر للقادم فرحا وسرورا به
وهمَّ رسول الله - ﷺ - بتحريق بيوت تاركي حضور الجمعة والجماعة (^١)، وإنما منعه مَن فيها من النساء والذرية الذين لا تجب عليهم كما أخبر هو عن ذلك (^٢).
ومنها: أن الوقف لا يصح على غير برٍّ ولا قربة، كما لم يصح وقف هذا المسجد. وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بُني على قبر، كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد، نص على ذلك الإمام أحمد (^٣) وغيره؛ فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر مُنع منه وكان الحكم للسابق، فلو وضعا معًا لم يَجُز ولا يصح هذا الوقف، ولا تجوز الصلاة في هذا المسجد لنهي رسول الله - ﷺ - عن ذلك ولعنه من اتخذ القبر مسجدًا أو أوقد عليه سراجًا (^٤)؛ فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله، وغربتُه بين الناس كما ترى.
فصل
ومنها: جواز إنشاد الشعر للقادم فرحًا وسرورًا به، ما لم يكن معه مُحرَّم
_________________
(١) حديث تاركي الجماعة أخرجه البخاري (٦٤٤) ومسلم (٦٥١) عن أبي هريرة - ﵁ -. وحديث تاركي الجمعة أخرجه مسلم (٦٥٢) عن ابن مسعود - ﵁ -.
(٢) أخرجه أحمد (٨٧٩٦) والطيالسي (٢٤٤٣) من حديث أبي هريرة، وإسناده ضعيف.
(٣) انظر: «الفروع» (٣/ ٣٨٩).
(٤) لعنه - ﷺ - لمن اتخذ القبر مسجدًا أخرجه البخاري (٤٣٥) ومسلم (٥٣١) من حديث عائشة وابن عباس. وأما لعن من أوقد عليه السرج فأخرجه أحمد (٢٠٣٠) وأبو داود (٣٢٣٦) والترمذي وحسنه (٣٢٠) والنسائي (٢٠٤٣) وابن حبان (٣١٧٩) والحاكم (١/ ٣٧٤) من حديث ابن عباس. وهو حديث ضعيف، قد ضعفه أحمد ومسلم وغيرهما. انظر: «فتح الباري» لابن رجب (٢/ ٤٠٢).
[ ٣ / ٧٢٠ ]
مِن لهوٍ كمزمار وشَبَّابة وعود، ولم يكن غناءً يتضمن رقية الفواحش وما حرَّم الله؛ فهذا لا يحرمه أحد. وتعلُّقُ أرباب السماع الفسقي به كتعلق من يستحل شرب الخمر المسكر قياسًا على أكل العنب وشرب العصير الذي لا يسكر، ونحوِ هذا من القياسات التي تشبه قياس الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
ومنها: استماع النبي - ﷺ - مدحَ المادحين له وتركُ الإنكار عليهم، ولا يصح قياس غيره عليه في هذا لما بين المدحَين (^١) والممدوحَين من الفروق، وقد قال: «احْثُوا في وجوه المدَّاحين التراب» (^٢).
ومنها ما اشتملت عليه قصة الثلاثة الذين خلفوا من الحكم والفوائد الجمة فنشير إلى بعضها:
فمنها: جواز إخبار الرجل عن تفريطه وتقصيره في طاعة الله ورسوله، وعن سبب ذلك وما آل إليه أمره. وفي ذلك من التحذير والنصيحة وبيان طرق الخير والشر وما يترتب عليها ما هو من أهم الأمور.
ومنها: جواز مدح الإنسان نفسَه بما فيه من الخير إذا لم يكن على سبيل الفخر والترفُّع.
ومنها: تسلية الإنسان نفسه عما لم يُقدَّر له من الخير بما قُدِّر له من نظيره أو خيرٍ منه (^٣).
_________________
(١) س، هامش ز، المطبوع: «المادحين».
(٢) أخرجه مسلم (٣٠٠٢) من حديث المقداد بن الأسود بنحوه.
(٣) وذلك أن كعبًا قال في مطلع حديثه الطويل في «الصحيحين» ــ وقد سبق ولكن لم يسُق المؤلف هذا الجزء منه ــ: «لم أتخلَّف عن رسول الله - ﷺ - في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلَّفت في غزوة بدر، ولم يعاتِب أحدًا تخلَّف عنها ولقد شهدتُ مع رسول الله - ﷺ - ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحبُّ أنَّ لي بها مشهدَ بدرٍ وإن كانت بدرٌ أذكَرَ في الناس منها».
[ ٣ / ٧٢١ ]
- معاقبة الله لمن فتح له بابا من الخير فلم ينتهزه بأن لا يمكنه منه بعد
ومنها: أن بيعة العقبة كانت من أفضل مشاهد الصحابة حتى إن كعبًا كان لا يراها دون مشهد بدر.
ومنها: أن الإمام إذا رأى المصلحة في أن يستر عن رعيته بعضَ ما يهمُّ به ويقصده من العدو ويُورِّي عنه= استُحبَّ له ذلك أو تعيَّن بحسب المصلحة.
ومنها: أن الستر والكتمان إذا تضمن مفسدةً لم يجز.
ومنها: أن الجيش في حياة النبي - ﷺ - لم يكن لهم ديوان (^١)، وأولُ من دوَّن الديوان عمرُ بن الخطاب (^٢)، وهذا من سنته التي أمر النبي - ﷺ - باتباعها؛ وظهرت مصلحتُها وحاجة المسلمين إليها.
ومنها: أن الرجل إذا حضرت له فرصة القربة والطاعة فالحزم كلُّ الحزم في انتهازها والمبادرة إليها، والعجز في تأخيرها والتسويف بها، ولا سيما إذا لم يثق بقدرته وتمكُّنه من أسباب تحصيلها، فإن العزائم والهمم سريعة الانتقاض قلَّما تثبت، والله سبحانه يعاقب من فتح له بابًا من الخير فلم ينتهزه
_________________
(١) وذلك أن كعبًا قال في حديثه ــ ولم يسبق في القدر الذي ساقه المؤلف ــ: « والمسلمون مع رسول الله - ﷺ - كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ ــ يريد: الديوان ــ، فما رجل يريد أن يتغيَّب إلا ظنَّ أنْ سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله».
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٠٣٦) وابن أبي شيبة (٢٧٢٥٨، ٣٣٥٣٥، ٣٣٥٦٩) وابن سعد (٣/ ٢٧٥) من طرق.
[ ٣ / ٧٢٢ ]
بأن يحول بين قلبه وإرادته فلا يمكِّنَه بعدُ مِن إرادته عقوبةً له.
فمن لم يستجب لله ورسوله إذا دعاه حال بينه وبين قلبه، فلا يُمْكنه الاستجابةُ بعد ذلك؛ قال تعالى: ﴿(٢٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ﴾ [الأنفال: ٢٤]. وقد صرح سبحانه بهذا في قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، وهو كثير في القرآن.
ومنها: أنه لم يكن يتخلف عن رسول الله - ﷺ - إلا أحدُ رجالٍ ثلاثة: إما مغموص عليه في النفاق، أو رجل من أهل الأعذار، أو من خلَّفه رسول الله - ﷺ - واستعمله على المدينة أو خلفه لمصلحة.
ومنها: أن الإمام والمطاع لا ينبغي له أن يُهمل من تخلَّف عنه في بعض الأمور، بل يُذكِّره ليراجع الطاعة ويتوب، فإن النبي - ﷺ - قال بتبوك: «ما فعل كعب؟» (^١) ولم يذكر سواه من المتخلِّفين استصلاحًا له ومراعاةً، وإهمالًا للقوم المنافقين.
ومنها: جواز الطعن في الرجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن حميَّةً أو ذبًّا عن الله ورسوله. ومِن هذا طعنُ أهل الحديث فيمن طعنوا فيه من الرواة.
_________________
(١) كما في حديثه الطويل في «الصحيحين»، وتمامه: «فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حَبَسه بُرداه ونظره في عِطفَيه، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله، ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله - ﷺ -».
[ ٣ / ٧٢٣ ]
ومن هذا طعن ورثة الأنبياء وأهل السنة في أهل الأهواء والبدع لله، لا لحظوظهم وأغراضهم.
ومنها: جواز الرد على هذا الطاعن إذا غلب على ظن الراد أنه وهم وغلط، كما قال معاذ للذي طعن في كعب: «بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا»، ولم ينكر رسول الله - ﷺ - على واحد منهما.
ومنها: أن السنة للقادم من السفر أن يدخل البلد على وضوء وأن يبدأ ببيت الله قبل بيته فيصلي فيه ركعتين ثم يجلس للمُسَلِّمين عليه، ثم ينصرف إلى أهله.
ومنها: أن رسول الله - ﷺ - كان يقبل علانية من أظهر الإسلام من المنافقين ويكل سريرته إلى الله، ويُجري عليه حكمَ الظاهر ولا يعاقبه بما يَعلم من سرِّه (^١).
ومنها: ترك الإمام والحاكم ردَّ السلام على من أحدث حدثًا تأديبًا له وزجرًا لغيره، فإنه - ﷺ - لم يُنقل أنه ردَّ على كعب بل قابل سلامه بتبسُّم المُغضَب (^٢).
ومنها: أن التبسم قد يكون عن الغضب كما يكون عن التعجُّب والسرور، فإن كلًّا منهما يوجب انبساطَ دمِ القلب وثَوَرانَه، ولهذا تظهر
_________________
(١) طبعة الرسالة: «بما لم يعلم من سرِّه» خلافًا للأصول والطبعة الهندية ومفسدًا للمعنى.
(٢) كذا في س، ث، ن وفاقًا للفظ الحديث. وفي سائر الأصول: «تبسُّم الغضب»، ولعله تصحيف.
[ ٣ / ٧٢٤ ]
حمرة الوجه لسرعة فَوَران (^١) الدم فيه فينشأ عن ذلك السرور، والغضبُ تعجُّبٌ يتبعه ضحك وتبسُّم، فلا يغتَّر المغترُّ بضحك القادر عليه في وجهه، ولا سيما عند المَعْتَبة؛ كما قيل (^٢):
إذا رأيت نيوب الليث بارزةً فلا تظنَّنَّ أن الليث مبتسمُ
ومنها: معاتبة الإمام والمطاع أصحابَه ومن يَعِزُّ عليه ويَكرُم عليه، فإنه عاتب الثلاثة دون سائر من تخلَّف عنه. وقد أكثر الناس من مدح عتاب الأحبة واستلذاذه والسرور به، فكيف بعتاب أحبِّ الخلق على الإطلاق إلى المعتوب عليه؟! وللهِ ما كان أحلى ذلك العَتْبَ، وما أعظَمَ ثمرتَه وأجلَّ فائدتَه! وللهِ ما نال به الثلاثة من أنواع المسرات وحلاوة الرضا وخِلَع القبول!
ومنها: توفيق الله لكعبٍ وصاحبيه فيما جاؤوا به من الصدق، ولم يخذلهم حتى كذبوا واعتذروا بغير الحق فصلحت عاجلتُهم وفسدت عاقبتُهم كلَّ الفساد، والصادقون تعبوا في العاجلة بعضَ التعب فأعقبهم صلاح العاقبة والفلاحَ كلَّ الفلاح. وعلى هذا قامت الدنيا والآخرة، فمرارات المبادي حلاوات في العواقب، وحلاوات المبادي مرارات في العواقب.
وقول النبي - ﷺ - لكعب: «أما هذا فقد صدق» دليل ظاهر في التمسُّك بمفهوم اللقب عند قيام قرينةٍ تقتضي تخصيصَ المذكور بالحكم، كقوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا
_________________
(١) د، المطبوع: «ثوران».
(٢) البيت للمتنبِّي في «ديوانه» (ص ٣٢٣) تحقيق عبد الوهاب عزَّام.
[ ٣ / ٧٢٥ ]
- لا يصح ما روي أن هلال بن أمية ومرارة بن الربيع من أهل بدر
لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]، وقولِه - ﷺ -: «جعلت لي الأرض مسجدًا وتربتُها طهورًا» (^١) وقولِه في هذا الحديث: «أما هذا فقد صدق»، وهذا مما لا يشك السامع أن المتكلم قصد تخصيصه بالحكم.
وقول كعب: «هل لقي هذا معي أحد؟ فقالوا: نعم، مُرارة بن الربيع وهلال ابن أمية» فيه أن الرجل ينبغي له أن يردَّ (^٢) حرَّ المصيبة برَوح التأسِّي بمن لقي مثل ما لقي، وقد أرشد سبحانه عبادَه إلى ذلك بقوله: ﴿تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ﴾ [النساء: ١٠٤]. وهذا هو الروح الذي منعه الله سبحانه أهل النار فيها بقوله: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩].
وقوله: «فذكروا لي (^٣) رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، لي فيهما أسوة»، هذا الموضع مما عُدَّ من أوهام الزهري، فإنه لا يُحفَظ عن أحد من أهل المغازي والسير البتة ذكر هذين الرجلين في أهل بدر؛ لا ابن إسحاق، ولا موسى بن عقبة، ولا الأموي، ولا الواقدي، ولا أحد ممن عَدَّ أهل بدر. وكذلك ينبغي أن لا يكونا من أهل بدر، فإن النبي - ﷺ - لم يهجر حاطبًا ولا عاقبه وقد جسَّ عليه، وقال لعمر لما همَّ بقتله: «وما يدريك أن الله اطَّلع على
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٢٢) من حديث حذيفة بن اليمان بنحوه. هذا، وتمثيل المؤلف بهذا الحديث هنا يقتضي أن جواز التيمم مختصٌّ بالتراب كما هو مذهب الشافعي وأحمد، مع أن المؤلف نفسه قد قرّر فيما سبق (١/ ٢٢٠) جواز التيمم بالرمل.
(٢) كذا في جميع الأصول، وأخشى أن يكون تصحيفًا عن: «يبرِّد»، لاسيما وقد استعمل المؤلف نحو هذا الأسلوب في كتبه. انظر: «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٩٨٧) و«مدارج السالكين» (٢/ ٣٧، ٥٠).
(٣) في الأصول عدا ز، س، ن: «فذكرا لي».
[ ٣ / ٧٢٦ ]
فصل: أن النبي - ﷺ - أمر بهجر الثلاثة لصدقهم بخلاف المنافقين
أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»، وأين ذنب التخلُّف من ذنب الجس؟ (^١).
قال أبو الفرج بن الجوزي (^٢): ولم أزل حريصًا على كشف ذلك وتحقيقه حتى رأيت أبا بكر الأثرم (^٣) قد ذكر الزهري وذكر فضله وحفظه وإتقانه، وأنه لا يكاد يُحفَظ عليه غلط إلا في هذا الموضع، فإنه قال: إن مُرارة بن الربيع وهلال بن أمية شهدا بدرًا، وهذا لم يقله أحد غيره والغلط لا يُعصَم منه إنسان.
فصل
وفي نهي النبي - ﷺ - عن كلام هؤلاء الثلاثة من بين سائر من تخلَّف عنه دليلٌ على صدقهم وكذب الباقين، فأراد هجر الصادقين وتأديبهم على هذا الذنب. وأما المنافقون فجُرمهم أعظم من أن يقابَل بالهجر، فدواء هذا المرض لا يعمل في مرض النفاق ولا فائدة فيه.
وهكذا يفعل الرب سبحانه بعباده في عقوبات جرائمهم، فيؤدب عبده المؤمن الذي يحبُّه وهو كريم عنده بأدنى زلة وهفوة، فلا يزال مستيقظًا حذرًا، وأما من سقط من عينه وهان عليه فإنه يُخلِّي بينه وبين معاصيه، وكلما أحدث ذنبًا أحدث له نعمةً، والمغرورُ يظن أن ذلك من كرامته عليه، ولا يعلم أن ذلك عين الإهانة وأنه يريد به العذاب الشديد والعقوبة التي لا
_________________
(١) انظر: «فتح الباري» (٧/ ٣١١) حيث تعقَّب الحافظ على كلام المؤلف وغيره في هذه المسألة.
(٢) في «كشف المشكل من حديث الصحيحين» (٢/ ١٢٧).
(٣) في «ناسخ الحديث ومنسوخه» كما في «كشف المشكل»، وليس في القدر المطبوع.
[ ٣ / ٧٢٧ ]
عافية (^١) معها، كما في الحديث المشهور: «إذا أراد الله بعبد خيرًا عجَّل له عقوبته في الدنيا، وإذا أراد بعبد شرًّا أمسك عنه عقوبته في الدنيا فيَرِد القيامة بذنوبه» (^٢).
وفيه دليل أيضًا على هِجران الإمام والعالم والمطاع لمن فعل ما يستوجب العَتْب، ويكون هجرانه دواءً له بحيث لا يضعُف عن حصول الشفاء به ولا يزيد في الكيفية والكمية عليه فيهلكه، إذ المرادُ تأديبه لا إتلافه.
وقوله: «حتى تنكَّرت لي الأرض فما هي بالتي أعرف»، هذا التنكُّر يجده الخائف والحزين والمهموم في الأرض وفي الشجر والنبات، حتى يجده فيمن لا يعلم حالَه من الناس، ويجده أيضًا المذنب العاصي بحسب جُرمه حتى في خُلُق زوجته وولده وخادمه ودابَّته، ويجده في نفسه أيضًا فتتنكَّر له نفسُه حتى ما كأنه هو، ولا كأن أهلَه وأصحابَه ومن يُشفق عليه بالذين يعرفهم، وهذا سرٌّ من الله لا يخفى إلا على ميت القلب (^٣)، وعلى حسب حياة القلب يكون إدراك هذا التنكر والوحشة.
وما لجرح بميتٍ إيلامُ (^٤)
_________________
(١) س، ث، المطبوع: «عاقبة».
(٢) أخرجه أحمد (١٦٨٠٦) وابن حبان (٢٩١١) والحاكم (١/ ٣٤٩) من حديث الحسن عن عبد الله بن مغفَّل - ﵁ - بنحوه. ورجاله ثقات. وفي الباب حديث أنس عند الترمذي (٢٣٩٦) وأبي يعلى (٤٢٥٤) والحاكم (٤/ ٦٠٨) وفي إسناده لين، قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه.
(٣) طبعة الرسالة: «إلا على من هو ميت القلب» خلافًا للأصول والطبعة الهندية.
(٤) عجز بيت سائر للمتنبي، صدره: من يَهُن يسهُل الهوان عليه
[ ٣ / ٧٢٨ ]
- ما يجده صاحب القلب الحي من الوحشة والتنكر إذا أذنب
ومن المعلوم أن هذا التنكر والوحشة كانا لأهل النفاق أعظم، ولكن لموت قلوبهم لم يكونوا يشعرون به، وهكذا القلب إذا استحكم مرضه واشتدَّ (^١) بالذنوب والإجرام لم يجد هذه الوحشة والتنكر ولم يحسَّ بها، وهذا (^٢) علامة الشقاء وأنه قد أيس من عافية هذا المرض، وأعيا على الأطباء شفاؤه. والخوف والهم مع الرِّيبة والأمن، والسرور مع البراءة من الريب (^٣).
فما في الأرض أشجع من بريءٍ ولا في الأرض أخوف من مريب (^٤)
وهذا القدر قد ينتفع به المؤمن البصير إذا ابتُلي به ثم راجع نفعًا عظيمًا من وجوه عديدة تفوت الحصر، ولو لم يكن منها إلا استثمارُه مِن ذلك أعلامَ النبوة وذوقُه نفسَ ما أخبر به الرسول، فيصير تصديقه ضروريًّا عنده، ويصير ما ناله من الشر بمعاصيه ومن الخير بطاعاته من أدلة صدق النبوة الذَّوقية التي لا يتطرق إليها الاحتمالات. وهذا كمن أخبرك أن في هذه الطريق من المعاطب والمخاوف كيت وكيت على التفصيل، فخالفتَه وسلكتها فرأيت عين ما أخبرك به، فإنك تشهد صدقه في نفس خلافك له. وأما إذا سلك طريقَ الأمن وحدها ولم يجد من تلك المخاوف شيئًا، فإنه وإن شهد صدق المخبِر بما ناله من الخير والظفر فيها مفصَّلًا، فإن علمه بتلك يكون مجملًا.
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «اشتدَّ ألمه»، إقحام مفسد للمعنى.
(٢) ن، المطبوع: «وهذه».
(٣) ز، س، ث، ن: «الذنب»، وكذا في المطبوع.
(٤) لعل البيت للمؤلف، وقد ذكره ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٢/ ٣٢) بلا نسبة.
[ ٣ / ٧٢٩ ]
فصل: أن كعبا كان يحضر الجماعة بخلاف هلال ومرارة
فصل
ومنها: أن هلالًا ومُرارة (^١) قعدا في بيوتهما وكانا يُصلِّيان في بيوتهما ولا يحضران الجماعة، وهذا يدل على أن هِجران المسلمين للرجل عذرٌ يبيح له التخلُّف عن الجماعة.
أو يقال: من تمام هجرانه أن لا يحضر جماعة المسلمين، لكن يقال: فكعب كان يحضر الجماعة ولم يمنعه النبي - ﷺ - ولا عتب عليهما على التخلُّف، وعلى هذا فيقال: لما أُمِر المسلمون بهجرهم تُرِكوا: لم يؤمروا ولم يُنهَوا ولم يُكلَّموا، فكان من حضر منهم الجماعة لم يُمنَع، ومن تركها لم يُكلَّم.
أو يقال: لعلهما ضعُفا وعجَزا عن الخروج، ولهذا قال كعب: وكنت أنا أجلَدَ القوم وأشبَّهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين.
وقوله: «وآتي رسولَ الله - ﷺ - فأسلِّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول: هل حرك شفتيه برد السلام عليَّ أم لا؟» فيه دليل على أن الردَّ على من يستحقُّ الهجر غير واجب، إذ لو وجب الرد لم يكن بدٌّ مِن إسماعه.
وقوله: «حتى إذا طال ذلك عليَّ تسوَّرتُ جدار حائطِ أبي قتادة» فيه دليل على دخول الإنسان دار صاحبه وجاره إذا علم رضاه بذلك وإن لم يستأذنه.
_________________
(١) في الأصول عدا ث: «وأميّة»، وكذا في الطبعة الهندية، والظاهر أنه سبق قلم من المؤلف وقد أصلحه بعضهم في ن فوق السطر. وفي ث، وطبعة الرسالة: «هلال بن أمية ومرارة».
[ ٣ / ٧٣٠ ]
- مكاتبة ملك غسان لكعب بالمصير إليه
وفي قول أبي قتادة له: «الله ورسوله أعلم» دليل على أن هذا ليس بخطاب ولا كلام له، فلو حلف لا يكلمه فقال مثل هذا الكلام جوابًا له لم يحنَث، ولا سيما إذا لم ينوِ به مكالمتَه، وهو الظاهر من حال أبي قتادة.
وفي إشارة الناس إلى النَّبَطي الذي كان يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ دون نطقهم له= تحقيق لمقصود الهجر، وإلا فلو قالوا له صريحًا: «ذاك كعب بن مالك» لم يكن ذلك كلامًا له، فلا يكونون به مخالفين للنهي، ولكن لفرط تحرِّيهم وتمسُّكهم بالأمر لم يذكروه له بصريح اسمه.
وقد يقال: إن في الحديث عنه بحضرته وهو يسمع نوعَ مكالمةٍ له، ولا سيما إذا جعل ذلك ذريعةً إلى المقصود بكلامه، وهي ذريعة قريبة، فالمنع من ذلك من باب منع الحيل وسد الذرائع؛ وهذا أفقه وأحسن.
وفي مكاتبة ملك غسان له بالمصير إليه ابتلاء من الله تعالى وامتحان لإيمانه ومحبته لله ورسوله، وإظهار للصحابة أنه ليس ممن ضعُف إيمانُه بهجر النبي - ﷺ - والمسلمين له، ولا هو ممن تحمَّله الرغبةُ في الجاه والملك مع هجران الرسول والمؤمنين له على مفارقة دينه. وهذا فيه من تبرئة الله له من النفاق، وإظهارِ قوة إيمانه وصدقه لرسوله وللمسلمين= ما هو من تمام نعمة الله عليه ولطفه به وجبره لكسرته (^١). وهذا البلاء يُظهر لُبَّ الرجل وسرَّه وما ينطوي عليه، فهو كالكِير الذي يُخرج الخبيث من الطيب.
وقوله: «فتيمَّمتُ بالصحيفة التنور» فيه المبادرة إلى إتلاف ما يخشى منه الفساد والمضرَّة في الدين، وأن الحازم لا يَنتظر به ولا يؤخِّره، وهذا كالعصير
_________________
(١) ص، ز، د، ن: «لكسره».
[ ٣ / ٧٣١ ]
إذا تخمَّر وكالكتاب الذي يُخشى منه الضرر والشر، فالحزم المبادرة إلى إتلافه وإعدامه.
وكانت غَسَّان إذ ذاك ــ وهم ملوك عرب الشام ــ حربًا لرسول الله - ﷺ -، وكانوا يَنعَلون خيولَهم لمحاربته، وكان هذا لما بعث شُجاع بن وهب الأسدي إلى ملكهم الحارث بن أبي شِمر الغساني يدعوه إلى الإسلام (^١)، وكتب معه إليه قال شجاع: فانتهيت إليه وهو بغوطة دمشق وهو مشغول بتَهيِئة الأنزال والألطاف لقيصر وهو جاءٍ من حِمصَ إلى إيلياء، قال: فأقمت على بابه يومين أو ثلاثةً فقلت لحاجبه: إني رسول رسول الله - ﷺ - إليه، فقال: لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا وكذا، وجعل حاجبه (^٢) ــ وكان روميًّا اسمه مُرَيّ (^٣) ــ يسألني عن رسول الله - ﷺ -، وكنت أحدثه عن رسول الله - ﷺ - وما يدعو إليه، فيرقُّ حتى يغلبه البكاء ويقول: إني قرأت الإنجيل فأجد صفة هذا النبي بعينه، فأنا أؤمن به وأصدقه فأخاف من الحارث أن يقتلني وكان يكرمني ويحسن ضيافتي.
_________________
(١) وهو أحد الرسل الستة الذين بعثهم رسول الله - ﷺ - إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وذلك لمّا رجع من الحديبية سنة ستٍّ. أخرج خبرهم ابن سعد في «الطبقات» (١/ ٢٢٢ وما بعدها) عن شيخه الواقدي بأسانيده وقد دخل حديث بعضهم في بعض. وسياق المؤلف للخبر هو سياق ابن سعد، ولم يصدر فيه عن «عيون الأثر» (٢/ ٢٧٠) فإن لفظه يختلف عن لفظ ابن سعد، وإنما يشبه رواية ابن عائذ عن الواقدي كما يظهر من «تاريخ الإسلام» للذهبي (١/ ٤١٨).
(٢) في الأصول عدا س، ث: «صاحبه» خلافًا لـ «طبقات ابن سعد».
(٣) كذا مضبوطًا في ف. وضبطه الحافظ في «الإصابة» (١٠/ ٤٣٢) فقال: «بكسر أوّله مخفَّف».
[ ٣ / ٧٣٢ ]
فصل: أمر النبي - ﷺ - للثلاثة أن يعتزلوا نساءهم كالبشارة بقرب الفرج
وخرج الحارث يومًا فجلس ووضع التاج على رأسه، فأذن لي عليه، فدفعت إليه كتابَ رسول الله - ﷺ -، فقرأه ثم رمى به وقال: من ينتزع مني ملكي؟! وقال: أنا سائر إليه، ولو كان باليمن جئته! عليَّ بالناس! فلم يزل يَفرِض (^١) حتى قام، وأمر بالخيول تُنعَل ثم قال: أخبر صاحبك بما ترى، وكتب إلى قيصر يخبره خبري وما عزم عليه، فكتب قيصر إليه أن: لا تَسِر ولا تعبُر إليه، والْهُ عنه ووافِني بإيلياء؛ فلما جاءه جوابُ كتابه دعاني فقال: متى تريد أن تخرج إلى صاحبك؟ فقلت: غدًا فأمر لي بمائة مثقال ذهبٍ، ووصلني حاجبُه بنفقةٍ وكسوةٍ وقال: اقرأ على رسول الله - ﷺ - مني السلام، فقدمت على رسول الله - ﷺ - فأخبرته فقال: «باد ملكُه»، وأقرأتُه مِن حاجبه السلام وأخبرتُه بما قال، فقال رسول الله - ﷺ -: «صدق». ومات الحارث بن أبي شمر عام الفتح.
ففي هذه المدة (^٢) أرسل ملكُ غسَّانَ يدعو كعبًا إلى اللَّحاق به، فأبت له سابقةُ الحسنى أن يرغب عن رسول الله - ﷺ - ودينه.
فصل
وفي أمر رسول الله - ﷺ - لهؤلاء الثلاثة أن يعتزلوا نساءهم لما مضى لهم أربعون ليلةً كالبشارة بمقدمات الفرج والفتح من وجهين:
_________________
(١) طبعة الرسالة: «فلم تزل تُعرض»، تحريف مخالف للأصول والطبعة الهندية ومصدر الخبر.
(٢) أي المدة التي كانت فيها غسان حربًا لرسول الله - ﷺ -، وإلا فالحارث بن أبي شمر كان قد هلك قبل غزوة تبوك كما سبق.
[ ٣ / ٧٣٣ ]
أحدهما: كلامه لهم وإرساله إليهم بعد أن كان لا يكلمهم بنفسه ولا برسوله.
الثاني: من خصوصية أمرهم باعتزال النساء، وفيه تنبيه وإرشاد لهم إلى الجد والاجتهاد في العبادة، وشدِّ المئزر واعتزال محل اللهو واللذة، والتعوُّض عنه بالإقبال على العبادة، وفي هذا إيذان بقرب الفَرَج وأنه قد بقي من العتب أمر يسير.
وفقه هذه القضية (^١) أن زمن العبادات ينبغي فيه تجنُّبُ النساء، كزمن الإحرام وزمن الاعتكاف وزمن الصيام، فأراد النبي - ﷺ - أن يكون آخر هذه المدة في حق هؤلاء بمنزلة أيام الإحرام والصيام في ترفُّهها (^٢) على العبادة، ولم يأمرهم بذلك من أول المدة رحمةً بهم وشفقةً عليهم، إذ لعلهم يضعُف صبرهم عن نسائهم في جميعها، فكان من اللطف بهم والرحمة أن أُمِروا بذلك في آخر المدة، كما يؤمر به الحاج من حين يُحرِم لا من حين يعزم على الحج.
وقول كعب لامرأته: «الحَقي بأهلك» دليل على أنه لا يقع بهذه اللفظة وأمثالها طلاقٌ ما لم ينوِه.
_________________
(١) ث، ن، المطبوع: «القصة».
(٢) ص، د: «ترفيهها». ز، س: «ترفههما». وفي النسخ المطبوعة: «توفُّرها». والمثبت من سائر الأصول له نظير في «أعلام الموقعين» (٢/ ١١٢) حيث قال: « فإنهم قصدوا ترفيه أنفسهم على العبادة». ومعنى «ترفهها على العبادة» أي: ترفههم وتنعمهم فيها بالعكوف على العبادة والإقبال عليها. والله أعلم.
[ ٣ / ٧٣٤ ]
فصل: مشروعية سجود الشكر عند النعم المتجددة والنقم المندفعة
والصحيح أن لفظ الطلاق والعتاق والحرية كذلك؛ إذا أراد به غير تسييب الزوجة وإخراجِ الرقيق عن ملكه لا يقع به طلاق ولا عتق، هذا هو الصواب الذي ندين الله به ولا نرتاب فيه البتة. فإذا قيل له: إن غلامك فاجر أو جاريتك تزني، فقال: «ليس كذلك، بل هو غلام عفيف حرٌّ وجارية عفيفة حرَّة»، ولم يرد بذلك حرية العتق، وإنما أراد به (^١) حرية العفة= فإن جاريته وعبده لا يَعتِقان بهذا أبدًا. وكذا إذا قيل له: كم لغلامك عندك سنةً؟ فقال: هو عتيق عندي، وأراد قدم ملكه له لم يَعتِق بذلك. وكذلك إذا ضرب امرأته الطلق، فسئل عنها فقال: هي طالق، ولم يخطر بقلبه إيقاع الطلاق وإنما أراد أنها في طلق الولادة لم تَطْلُق بهذا. وليست هذه الألفاظ مع هذه القرائن صريحة إلا فيما أريد بها ودلَّ السياق عليها، فدعوى أنها صريحة في الطلاق والعتاق مع هذه القرائن مكابرة ودعوى باطلة قطعًا.
فصل
وفي سجود كعب حين سمع صوت المبشر دليل ظاهر أن تلك كانت عادة الصحابة، وهي سجود الشكر عند النعم المتجددة والنقم المندفعة، وقد سجد أبو بكر الصديق لما جاءه قتل مسيلمة الكذاب (^٢)، وسجد علي بن أبي طالب حين وَجَد ذا الثُّدَيَّة مقتولًا في الخوارج (^٣).
_________________
(١) «به» ساقط من س، ث، والنسخ المطبوعة.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور كما سبق أن ذكره المؤلف في فصل في سجود الشكر (١/ ٤٤١). وعند عبد الرزاق (٥٩٦٣) وغيره أنه سجد «حين جاءه فتح اليمامة».
(٣) أخرجه أحمد (٨٤٨) وابن أبي شيبة (٨٥٠٢، ٨٥٠٨، ٨٥١٠) والحاكم (٢/ ١٥٤) من طرق يصحُّ الخبر بمجموعها.
[ ٣ / ٧٣٥ ]
وسجد رسول الله - ﷺ - حين بشره جبريل أنه مَن صلَّى عليه مرةً صلى الله عليه بها عشرًا (^١)، وسجد حين شفع لأمته فشفَّعه الله فيهم ثلاث مرات (^٢)، وأتاه بشير فبشَّره بظفر جند له على عدوهم ورأسه في حِجر عائشة فقام فخرَّ ساجدًا، وقال أبو بكرة: كان رسول الله إذا أتاه أمر يسرُّه خرَّ لله ساجدًا (^٣). وهي آثار صحيحة لا مطعن فيها.
وفي استباق صاحب الفرس والراقي على سَلْعٍ ليبشِّرا كعبًا دليل على حرص القوم على الخير واستباقِهم إليه، وتنافسهم في مسرَّة بعضهم بعضًا.
وفي نزع كعب ثوبيه وإعطائهما للبشير دليل على أن إعطاء المبشِّرين من مكارم الأخلاق والشيم وعادة الأشراف. وقد أعتق العباس غلامه لما بشره أن عند الحجاج بن عِلاط من الخبر عن رسول الله - ﷺ - ما يسرُّه (^٤).
وفيه دليل على جواز إعطاء البشير جميع ثيابه.
وفيه دليل على استحباب تهنئة من تجددت له نعمة دينية، والقيامِ إليه إذا أقبل ومصافحته؛ فهذا سنة مستحبة. وهو جائز لمن تجدَّدت له نعمة دنيوية، وأن الأولى أن يقال له: ليَهْنِك ما أعطاك الله وما منَّ الله به عليك، ونحوُ هذا
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٦٦٢ - ١٦٦٤) والحاكم (١/ ٢٢٢، ٥٥٠) وغيرهما من حديث عبد الرحمن بن عوف. وهو حديث حسن بمجموع طرقه. انظر ما سبق (١/ ٤٣٩).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٧٧٥) من حديث سعد بن أبي وقاص. وإسناده ضعيف، فيه راويان مجهولان. وقد سبق تخريجه مفصَّلًا.
(٣) هذا والذي قبله حديث واحد، فرواه بالسياق الأول أحمد (٢٠٤٥٥) والحاكم (٤/ ٢٩١)، وبالثاني أبو داود (٢٧٧٤) والترمذي (١٥٧٨) وابن ماجه (١٣٩٤) والحاكم (١/ ٢٧٦). وإسناده حسن في الشواهد، وقد سبق بيانُه (١/ ٤٣٨).
(٤) سبق في أحداث غزوة خيبر (ص ٤٠٤ - ٤٠٧).
[ ٣ / ٧٣٦ ]
- أن من نذر الصدقة بكل ماله لم يلزمه إخراج جميعه، بل يبقي منه بقية
الكلام؛ فإن فيه توليةَ النعمة ربَّها والدعاءَ لمن نالها بالتهنِّي بها.
وفيه دليل على أن خير أيام العبد على الإطلاق وأفضلَها يومُ توبته إلى الله وقبول الله توبته، لقوله - ﷺ -: «أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك». فإن قيل: فكيف يكون هذا اليوم خيرًا من يوم إسلامه؟ قيل: هو مكمِّل ليوم إسلامه ومِن تمامه، فيومُ إسلامه بداية سعادته ويومُ توبته كمالها وتمامها، فالله المستعان.
وفي سرور رسول الله - ﷺ - بذلك وفرحه به واستنارة وجهه دليل على ما جعل الله فيه من كمال الشفقة على الأمة والرحمة بهم والرأفة، حتى لعل فرحه كان أعظم من فرح كعبٍ وصاحبيه.
وقول كعب: «يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي» دليل على استحباب الصدقة عند التوبة بما قدر عليه من المال.
وقول رسول الله - ﷺ -: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» دليل على أن من نذر الصدقة بكل ماله لم يلزمه إخراجُ جميعه، بل يجوز له أن يُبقي له منه بقيةً. وقد اختلفت الرواية في ذلك، ففي «الصحيحين» أن النبي - ﷺ - قال له: «أمسك عليك بعض مالك»، ولم يعين له قدرًا بل أطلق البعض ووكله إلى اجتهاده في قدر الكفاية، وهذا هو الصحيح، فإن ما نقص عن كفايته وكفاية أهله لا يجوز له التصدُّق به، فنذره لا يكون طاعةً فلا يجب الوفاء به، وما زاد على قدر كفايته وحاجته فإخراجه والصدقة به أفضل، فيجب إخراجه إذا نذره؛ هذا قياس المذهب ومقتضى قواعد الشريعة، ولهذا تُقدَّم كفايةُ الرجل وكفايةُ أهله على أداء الواجبات المالية، سواءٌ كانت حقًّا لله كالكفارات والحج أو حقًّا للآدميين كأداء الديون، فإنا نترك للمفلس ما لا
[ ٣ / ٧٣٧ ]
بد له (^١) منه من مسكن وخادم وكسوة وآلةِ حرفةٍ أو ما يتَّجر به لمؤنته إن فُقدت الحرفة، ويكون حق الغرماء فيما بقي.
وقد نص الإمام أحمد (^٢) على أن من نذر الصدقة بماله كله أجزأه ثلثه، واحتج له أصحابُه بما روي في قصة كعب هذه أنه قال: يا رسول الله! إن من توبتي إلى الله ورسوله أن أخرج من مالي كلِّه إلى الله ورسوله صدقةً قال: «لا»، قلت: فنصفه؟ قال: «لا»، قلت: فثلثه؟ قال: «نعم»، قلت: فإني أمسك سهمي (^٣) من خيبر، رواه أبو داود (^٤). وفي ثبوت هذا ما فيه، فإن الصحيح في قصة كعب هذه ما رواه أصحاب «الصحيح» من حديث الزهري عن ولد كعب بن مالك عنه أنه قال: «أمسك عليك بعض مالك» من غير تعيين لقدره، وهم أعلم بالقصة من غيرهم فإنهم ولده وعنه نقلوها (^٥).
فإن قيل: فما تقولون فيما رواه الإمام أحمد في «مسنده» (^٦) أن
_________________
(١) «له» ساقطة من س، ن، والنسخ المطبوعة.
(٢) في رواية ابنه صالح (٢/ ٣١٧) وأبي داود (ص ٣٠٢) والكوسج (١/ ٦١٥).
(٣) غير محرّر في ف، يشبه «سهمين»، وإليه تحرّف في ص، د.
(٤) برقم (٣٣٢١) من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن جدّه. وقد خالف فيه ابن إسحاق أصحاب الزهري الثقات الأثبات: عُقيلًا ويونس الأيليَّين ــ والحديث من طريقهما في «الصحيحين» ــ ومعمرًا وغيرهم، فكلهم يرويه بلفظ: «أمسك عليك بعض مالك».
(٥) وحديث أبي داود أيضًا من طريق الزهري عن ولد كعب بن مالك، ولكن آفته من ابن إسحاق فإنه ليس بذاك الحافظ وقد خالف أصحاب الزهري في لفظه وسياقه.
(٦) برقم (١٥٧٥٠)، وأخرجه أيضًا ابن حبان (٣٣٧١) والحاكم (٣/ ٦٣٢). وفي إسناده ضعف واضطراب. انظر تعليق محققي «المسند» (ط. الرسالة) على الحديث.
[ ٣ / ٧٣٨ ]
أبا لُبابة بن عبد المنذر لما تاب الله عليه قال: يا رسول الله، إن من توبتي أن أهجُر دار قومي وأساكنك، وأن أنخلع من مالي صدقةً لله ﷿ ولرسوله، فقال رسول الله - ﷺ -: «يجزئ عنك الثلث»؟
قيل: هذا هو الذي احتج به أحمد (^١) لا بحديث كعب، فإنه قال في رواية ابنه عبد الله (^٢): «إذا نذر أن يتصدق بماله كلِّه أو ببعضه، وعليه دين أكثر مما يملكه، فالذي أذهب إليه أنه يجزئه من ذلك الثلث لأن النبي - ﷺ - أمر أبا لبابة بالثلث». وأحمد أعلم بالحديث أن يحتج بحديث كعب هذا الذي فيه ذكر الثلث، إذ المحفوظ في هذا الحديث: «أمسك عليك بعض مالك»، فكأنَّ أحمد رأى تقييد إطلاق حديث كعب هذا بحديث أبي لبابة.
وقوله فيمن نذر أن يتصدق بماله كله أو ببعضه وعليه دين يستغرقه: «إنه يجزئه من ذلك الثلث» دليلٌ على انعقاد نذره وعليه دين يستغرق ماله، ثم إذا قضى الدين أخرج مقدارَ ثلثِ ماله يومَ النذر. وهكذا قال في رواية ابنه عبد الله (^٣): «إذا ذهب (^٤) ماله وقضى دينه واستفاد غيره، فإنما يجب عليه إخراج ثلث ماله يومَ حنثه» يريد بيوم حنثه يوم نذره، فينظر قدر الثلث ذلك اليوم فيخرجه بعد قضاء دينه.
_________________
(١) كما في مسائل صالح وأبي داود والكوسج التي سبق العزو إليها.
(٢) ليست في المطبوع من «مسائله»، وقد نقلها عنه أبو بكر غلام الخلال في «زاد المسافر» (٤/ ٤٩٤).
(٣) هو تتمة ما سبق نقله منها، ولفظه في «زاد المسافر»: «فإن نَفِد هذا المال واستفاد غيره وقضى دينه فإنما يجب » إلخ بمثله.
(٤) في المطبوع: «وهب»، تحريف.
[ ٣ / ٧٣٩ ]
وقوله: «أو ببعضه» يريد به إذا نذر الصدقة بمعيَّنٍ من ماله أو بمقدار كألف ونحوها فيجزئه ثلثه كنذر الصدقة بجميع ماله، والصحيح من مذهبه لزوم الصدقة بجميع المعين. وفيه رواية أخرى: أن المعين إن كان ثلث ماله فما دون لزمه الصدقةُ بجميعهُ، وإن زاد على الثلث لزمه منه بقدر الثلث، وهي أصح عند أبي البركات (^١).
وبعدُ، فإن الحديث ليس فيه دليل على أن كعبًا أو أبا لبابة نذرا نذرًا مُنْجَزًا، وإنما قالا: إن من توبتنا أن ننخلع من أموالنا، وهذا ليس بصريح في النذر، وإنما فيه العزم على الصدقة بأموالهما شكرًا لله على قبول توبتهما، فأخبر النبي - ﷺ - أن بعض المال يجزئ من ذلك، ولا يحتاجان إلى إخراجه كله، وهذا كما قال لسعد وقد استأذنه أن يوصي بماله كله فأذن له في قدر الثلث (^٢).
فإن قيل: هذا يدفعه أمران، أحدهما: قوله: «يجزئك» والإجزاء إنما يستعمل في الواجب، والثاني: أن منعه من الصدقة بما زاد على الثلث دليل على أنه ليس بقربة إذ الشارع لا يمنع من القُرَب ونذر ما ليس بقربة لا يلزم الوفاء به.
قيل: أما قوله: «يجزئك» فهو (^٣) بمعنى يكفيك، فهو من الرُّباعي وليس من (جزى عنه) إذا قضى عنه، يقال: (أجزأني) إذا كفاني و(جزى عني) إذا قضى عني (^٤)، وهذا هو الذي يستعمل في الواجب، ومنه قوله - ﷺ - لأبي بردة في الأضحية: «تَجزي عنك ولن تَجزي عن أحد بعدك» (^٥)، والكفاية تستعمل في الواجب والمستحب.
وأما منعه من الصدقة بما زاد على الثلث، فهو إشارة منه عليه بالأرفق به وما يحصل له به منفعةُ دينه ودنياه، فإنه لو مكَّنه من إخراج ماله كله لم يصبر على الفقر والعدم، كما فعل بالذي جاءه بالصرة ليتصدَّق بها فضربه بها ولم يقبلها منه خوفًا عليه من الفقر وعدم الصبر (^٦).
وقد يقال ــ وهو أرجح إن شاء الله ــ: إن النبي - ﷺ - عامل كلَّ واحدٍ ممن أراد الصدقة بماله بما يَعلم من حاله، فمكن أبا بكر الصديق من إخراج ماله كلِّه وقال: «ما أبقيت لأهلك؟» فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، فلم ينكر عليه، وأقر عمر على الصدقة بشطر ماله (^٧)، ومنع صاحب الصرَّة من التصدق بها، وقال لكعب: «أمسك عليك بعض مالك»، وهذا ليس فيه تعيين المُخرَج بأنه الثلث، ويَبعُد جدًّا بأن يكون الممسَك ضعفَي المخرَج في هذا اللفظ، وقال لأبي لبابة: «يجزئك الثلث»؛ ولا تناقض بين هذه الأخبار.
وعلى هذا، فمن نذر الصدقة بماله كله أمسك منه ما يحتاج إليه هو وأهله، ولا يحتاجون معه إلى سؤال الناس مدَّةَ حياتهم من رأس مال أو عقار أو أرض يقوم مُغَلُّها بكفايتهم، وتصدَّق بالباقي. والله أعلم.
وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: يتصدَّق منه بقدر الزكاة ويمسك الباقي. وقال جابر بن زيد: إن كان ألفين فأكثر أخرج عُشرَه، وإن كان ألفًا فما دون فسُبْعَه، وإن كان خمسمائة فما دون فخمسه.
وقال أبو حنيفة: يتصدق بكُلِّ ماله الذي تجب فيه الزكاة، وما لا تجب فيه الزكاة ففيه روايتان، إحداهما: يخرجه، والثانية: لا يلزمه منه شيء.
وقال الشافعي: يلزمه الصدقةُ بماله كله. وقال مالك والزهري وأحمد: يتصدق بثلثه. وقالت طائفة: يلزمه كفارة يمينٍ فقط (^٨).
فصل
ومنها: عظم مقدار الصدق، وتعليق سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شرهما به، فما أنجى الله من أنجاه إلا بالصدق، ولا أهلك من أهلكه إلا بالكذب، وقد أمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].
وقد قسم سبحانه الخلق إلى قسمين: سُعداء وأشقياء، فجعل السعداء هم أهل الصدق والتصديق، والأشقياءَ هم أهل الكذب والتكذيب، وهو
_________________
(١) هو ابن تيمية الجدُّ في «المحرر» (٢/ ١٩٩). وانظر: «الإنصاف» (٢٨/ ١٩٣).
(٢) أخرجه البخاري (٢٧٤٢) ومسلم (١٦٢٨).
(٣) «فهو» ساقط من ص، د.
(٤) انظر: «غريب الحديث» لابن قتيبة (٢/ ٤ - ٥) و«تهذيب اللغة» (١١/ ١٤٢ - ١٤٤) و«إصلاح غلط المحدثين» للخطابي (ص ٥٢).
(٥) أخرجه البخاري (٩٥٥) ومسلم (١٩٦١) من حديث البراء.
(٦) أخرجه أبو داود (١٦٧٣) والدارمي (١٧٠٠) وابن خزيمة (٢٤٤١) وابن حبان (٣٣٧٢) والحاكم (١/ ٤١٣) من حديث جابر بإسناد حسن، وفيه قوله - ﷺ -: «يعمد أحدكم إلى ماله لا يملك غيرَه فيتصدَّق به، ثم يقعد يتكفّف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى، خذ الذي لك لا حاجة لنا به». هذا لفظ الدارمي.
(٧) أخرجه أبو داود (١٦٧٨) والترمذي (٣٦٧٥) والدارمي (١٧٠١) والحاكم (١/ ٤١٤) والضياء في «المختارة» (١/ ١٧٣) من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٨) الأقوال السابقة كلُّها من «المغني» (١٣/ ٦٢٩ - ٦٣٠). وانظر: «الموطأ» (١٣٨٦) و«الأم» (٣/ ٦٥٨) و«المبسوط» (٤/ ١٣٤ - ١٣٥) و«الإنصاف» (٢٨/ ١٨٩).
[ ٣ / ٧٤٠ ]
تقسيم حاصر مُطَّرد منعكس؛ فالسعادة دائرة مع الصدق والتصديق، والشقاوة دائرة مع الكذب والتكذيب.
وأخبر ﷾ أنه لا ينفع العباد يوم القيامة إلا صِدقهم (^١)؛ وجعل عَلَم المنافقين الذي تميَّزوا به هو الكذب في أقوالهم وأفعالهم، فجميع ما نعاه عليهم أصلُه الكذب في القول والفعل؛ فالصدق بريد الإيمان ودليله ومركبه وسائقه وقائده وحِليته ولباسه، بل هو لُبُّه وروحه، والكذب بريد الكفر والنفاق ودليل ذلك ومركبه وسائقه وقائده وحِليته ولباسه ولُبُّه، فمضادة الكذب للإيمان كمضادة الشرك للتوحيد، فلا يجتمع الكذب والإيمان إلا ويطرد أحدُهما صاحبَه ويستقرُّ موضعَه.
والله سبحانه نجَّى الثلاثة بصدقهم وأهلك غيرهم من المتخلِّفين (^٢) بكذبهم، فما أنعم الله على عبدٍ بعد الإسلام بنعمة أفضلَ من الصدق الذي هو غذاء الإسلام وحياته، ولا ابتلاه ببليَّة أعظم من الكذب الذي هو مرض الإسلام وفساده، والله المستعان.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ تَزِيغُ (^٣) قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ
_________________
(١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩]
(٢) ن، المطبوع: «المخلِّفين».
(٣) كذا مضبوطًا بالتاء في ز، ث، س على قراءة أبي عمرو التي كانت سائدة في الشام آنذاك، وهي قراءة سائر العشرة عدا حفصًا عن عاصم وحمزة، فقرآ بالياء. انظر: «النشر» (٢/ ٢٨١).
[ ٣ / ٧٤٣ ]
فصل: سر ذكر توبة الله عليهم مرتين في آية التوبة (١١٧)
فصل: معنى قوله تعالى: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾
بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]، هذا من أعظم ما يعرِّف العبد قدر التوبة وفضلَها عند الله وأنها غاية كمال المؤمن، فإنه سبحانه أعطاهم هذا الكمال بعد آخر الغزوات بعد أن قضوا نحبهم وبذلوا نفوسهم وأموالهم وديارهم لله، وكان غاية أمرهم أن تاب عليهم، ولهذا جعل النبي - ﷺ - يوم توبة كعبٍ خيرَ يوم مرَّ عليه منذ ولدته أمُّه إلى ذلك اليوم. ولا يعرف هذا حقَّ معرفته إلا من عرف الله، وعرف حقوقه عليه، وعرف ما ينبغي له من عبوديته، وعرف نفسه وصفاتِها وأفعالَها، وأن الذي قام به من العبودية بالنسبة إلى حق ربه عليه كقطرة في بحرٍ، هذا إذا سلم من الآفات الظاهرة والباطنة، فسبحان من لا يسع عبادَه غيرُ عفوه ومغفرته وتغمُّده لهم برحمته، وليس إلا ذلك أو الهلاك، فإن وضع عليهم عدله فعذَّب أهل سماواته وأرضه عذَّبهم وهو غير ظالم لهم، وإن رحمهم فرحمته خير لهم من أعمالهم، ولا ينجي أحدًا منهم عملُه.
فصل
وتأمل تكريره سبحانه توبته عليهم مرتين في أول الآية وآخرها، فإنه تاب عليهم أولًا بتوفيقهم للتوبة، فلما تابوا تاب عليهم ثانيًا بقبولها منهم، وهو الذي وفَّقهم لفعلها وتفضَّل عليهم بقبولها، فالخير كلُّه منه وبه وله وفي يديه، يعطيه من شاء (^١) إحسانًا وفضلًا، ويحرمه من شاء حكمةً وعدلًا.
فصل
وقوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] قد فسرها كعب
_________________
(١) س، والنسخ المطبوعة: «يشاء»، وكذا في الموضع الآتي.
[ ٣ / ٧٤٤ ]
بالصواب، وهو أنهم خُلِّفوا من بين من حلف لرسول الله - ﷺ - واعتذر من المخلَّفين (^١)، فخُلِّف هؤلاء الثلاثة عنهم وأُرجي أمرُهم دونهم (^٢)، وليس ذلك تخليفَهم (^٣) عن الغزو، لأنه لو أراد ذلك لقال: تخلَّفُوا، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وذلك لأنهم تخلَّفوا بأنفسهم، بخلاف تخليفهم عن أمر المخلَّفين سواهم، فإن الله سبحانه هو الذي خلفهم عنهم ولم يتخلفوا فيه بأنفسهم. والله أعلم (^٤).
فصل
في حجة أبي بكر الصديق - ﵁ - سنة تسع بعد مقدمه من تبوك
قال ابن إسحاق (^٥): ثم أقام رسول الله - ﷺ - مُنصرَفَه من تبوكَ بقية رمضان وشوالَ (^٦) وذا القَعدة، ثم بعث أبا بكر أميرًا على الحج سنة تسع ليقيم للمؤمنين حجَّهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم فخرج أبو بكر والمؤمنون.
_________________
(١) س، والنسخ المطبوعة: «المتخلفين».
(٢) كذا ضبطت العبارة في ن، ويصحّ: «فخلَّف [أي: النبي - ﷺ -] هؤلاء الثلاثة عنهم وأرجى أمرَهم دونهم».
(٣) س، والنسخ المطبوعة: «تخلُّفهم».
(٤) هنا تنتهي نسخة المصلَّى (ص) في هذا المجلَّد.
(٥) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٤٣) و«دلائل النبوة» (٥/ ٢٩٣) وهو مصدر النقل.
(٦) كذا في الأصول، والجادّة «شوالًا» لأنه منصرف.
[ ٣ / ٧٤٥ ]
- بعث النبي - ﷺ - عليا في إثره ليقرأ (براءة) على الناس
قال ابن سعد (^١): فخرج في ثلاثمائة رجل من المدينة، وبعث معه رسول الله - ﷺ - بعشرين بدنةً قلَّدها وأشعرها بيده (^٢)، عليها ناجيةُ بن جُندَب الأسلمي (^٣)، وساق أبو بكر خمس بدنات.
قال ابن إسحاق: فنزلت (بَرَاءَةٌ) في نقض ما بين رسول الله - ﷺ - وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه، فخرج علي بن أبي طالب على ناقة رسول الله - ﷺ - العَضباء. قال ابن سعد: فلما كان بالعَرْج ــ وابنُ عائذٍ (^٤) يقول: بضَجْنان (^٥) ــ لحقه علي بن أبي طالب على العضباء، فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور؟ قال: لا بل مأمور، ثم مضيا.
وقال ابن سعد: فقال له أبو بكر: أستعملك رسول الله - ﷺ - على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثني أقرأ (بَرَاءَةٌ) على الناس وأنبذ إلى كل ذي عهدٍ عهدَه.
فأقام أبو بكر للناس حجَّهم، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذَّن في الناس عند الجمرة بالذي أمره رسولُ الله - ﷺ -، ونبذ إلى كل
_________________
(١) في «الطبقات» (٢/ ١٥٣)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ٢٣١).
(٢) ثبت تقليد النبي - ﷺ - لهديه بيده وبعثُه مع أبي بكر عند البخاري (١٧٠٠) ومسلم (١٣٢١/ ٣٦٩) من حديث عائشة - ﵂ -، ولم تذكر عدد البُدن.
(٣) كما في حديثه عند أحمد (١٨٩٤٣) وأبي داود (١٧٦٢) والترمذي وصححه (٩١٠) وابن خزيمة (٢٥٧٧) وابن حبان (٤٠٢٣).
(٤) كما في «عيون الأثر» (٢/ ٢٣١).
(٥) العرج: وادٍ جنوب المدينة على (١١٥) كيلًا تقريبًا، وهو غير وادي العَرْج الواقع جنوب الطائف. وضَجنان ــ بفتح الجيم وسكونها ــ: حرَّة شمال مكة على مسافة (٥٤) كيلًا. انظر: «معجم معالم السيرة» (ص ٢٠٣، ١٨٣).
[ ٣ / ٧٤٦ ]
ذي عهد عهده، وقال: أيها الناس! لا يدخل الجنة كافر، ولا يحجُّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله - ﷺ - فهو إلى مدته (^١).
وقال الحميدي (^٢): حدثنا سفيان قال: حدثني أبو إسحاق الهَمْداني عن زيد بن يُثَيع قال: سألنا عليًّا بأي شيء بُعثت في الحجة؟ قال: بعثت بأربع: «لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عُريان، ولا يجتمع مؤمن (^٣) وكافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا، ومن كان بينه وبين النبي - ﷺ - عهدٌ فعهده إلى مدَّته، ومن لم يكن له عهد فأَجَلُه إلى أربعة أشهر».
وفي «الصحيحين» (^٤) عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذِّنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنًى أن «لا يحجَّ بعد هذا العام مشرك
_________________
(١) هذا لفظ ابن إسحاق كما في «الدلائل» (٥/ ٢٩٥)، عدا ما تخلَّله من النقل عن ابن سعد بواسطة «عيون الأثر». وللخبر شواهد موصولة، منها حديث أبي هريرة في «الصحيحين» وسيأتي قريبًا، وحديثه من وجهٍ آخر عند أحمد (٧٩٧٧) والدارمي (١٤٧٠) والنسائي (٢٩٥٨) وابن حبان (٣٨٢٠) والحاكم (٢/ ٣٣١)، وحديث ابن عباس عند الترمذي (٣٠٩١) والحاكم (٣/ ٥٢)، وحديث جابر عند الدارمي (١٩٥٦) والنسائي (٢٩٩٣) وابن حبان (٦٦٤٥) وفي بعض ألفاظه نكارة.
(٢) في «مسنده» (٤٨)، ومن طريقه أخرجه الحاكم (٣/ ٥٢) ثم عنه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٢٩٧) وهو مصدر المؤلف. وأخرجه أيضًا أحمد (٥٩٤) عن سفيان بن عيينة به، وأخرجه الدارمي (١٩٦٠) والترمذي (٣٠٩٢) وأبو يعلى (٤٥٢) والضياء في «المختارة» (٢/ ٨٤) من طرق عن سفيان به. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٣) في النسخ المطبوعة: «مسلم» خلافًا للأصول ومصدر المؤلف.
(٤) البخاري (٣٦٩، ٤٦٥٥، ٤٦٥٦) ــ واللفظ له ــ ومسلم (١٣٤٧).
[ ٣ / ٧٤٧ ]
ولا يطوفَ بالبيت عريانٌ»، ثم أردف النبي - ﷺ - بعلي بن أبي طالب فأمره أن يؤذن بـ (براءةَ) (^١)، قال: فأذَّن معنا عليٌّ في أهل منًى يوم النحر بـ (براءةَ)، وأن «لا يحجَّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عُريان».
وفي هذه القصة دليل على أن يومَ الحج الأكبر يومُ النحر.
واختُلف في حجَّة الصديق هذه: هل هي التي أسقطت الفرض أو المُسقطة هي حجة الوداع مع النبي - ﷺ -؟ على قولين، أصحهما الثاني، والقولان مبنيان على أصلين:
أحدهما: هل كان الحج فُرِض قبلَ عام حجة الوداع أو لا؟
والثاني: هل كانت حجة الصديق في ذي الحجة أو وقعت في ذي القعدة من أجل النسيء الذي كان الجاهلية يؤخرون له الأشهر ويقدمونها؟ على قولين، والثاني قول مجاهد (^٢) وغيره.
وعلى هذا فلم يؤخر النبي - ﷺ - الحج بعد فرضه عامًا واحدًا، بل بادر إلى الامتثال في العام الذي فرض فيه، وهذا هو اللائق بهديه وحاله - ﷺ -، وليس بيد من ادعى تقدُّم فرض الحج سنة ستٍّ أو سبعٍ أو ثمانٍ أو تسعٍ دليلٌ واحد. وغاية ما احتجَّ به من قال: فرض سنة ست قولُه تعالى: ﴿(١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ
_________________
(١) هكذا الرواية في الحديث (٤٦٥٥، ٤٦٥٦) عند البخاري جرًّا بالفتحة على أنه عَلَم للسورة. وفي الحديث (٣٦٩) مرفوع منون على الحكاية. انظر: الطبعة السلطانية (١/ ٨٣، ٦/ ٦٤، ٦٥).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (١/ ٢٧٥) والطبري (١١/ ٤٥٥). وقول مجاهد هذا فيه نظر، انظر تعقُّب ابن كثير عليه في «تفسيره» (التوبة: ٣٦).
[ ٣ / ٧٤٨ ]
لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهي نزلت بالحديبية سنة ستٍّ. وهذا ليس فيه ابتداء فرض الحج، وإنما فيه الأمر بإتمامه إذا شرع فيه، فأين هذا من وجوب ابتدائه؟! وآية فرض الحج هي قولُه تعالى: ﴿عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وهي نزلت عام الوفود أواخر سنة تسع.
* * *
[ ٣ / ٧٤٩ ]
- خبر قدوم وفد ثقيف من مغازي موسى بن عقبة
فصل
في قدوم وفود العرب وغيرهم على النبي - ﷺ -
فقدم عليه وفدُ ثقيفٍ، وقد تقدم مع سياق غزوة الطائف (^١). قال موسى بن عقبة (^٢): وأقام أبو بكر للناس حجهم، وقدم عروة بن مسعود الثقفي على رسول الله - ﷺ - فاستأذن رسول الله - ﷺ - ليرجع إلى قومه ــ فذكر نحو ما تقدم ــ وقال: فقدم وفدهم وفيهم كِنانة بن عبد يالِيل وهو رأسهم يومئذ، وفيهم عثمان بن أبي العاص وهو أصغر الوفد، فقال المغيرة بن شعبة: يا رسول الله، أنزِلْ قومي عليَّ فأُكرمَهم فإني حديث الجرح فيهم، فقال رسول الله - ﷺ -: «لا أمنعك أن تكرم قومك، ولكن ننزلهم (^٣) حيث يسمعون القرآن»، وكان من جرح المغيرة في قومه أنه كان أجيرًا لثقيفٍ وأنهم أقبلوا من مصر (^٤) حتى إذا كانوا ببعض الطريق عدا عليهم وهم نيام فقتلهم، ثم أقبل بأموالهم حتى أتى رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: «إنا (^٥) لا نغدر» وأبى
_________________
(١) (ص ٦٢٣) من رواية ابن إسحاق.
(٢) كما أسنده عنه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٢٩٩). وبمعناه رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، كما قال البيهقي.
(٣) ف، س، ث، ن: «نزلهم»، وفي «الدلائل»: «منزلهم».
(٤) كذا في الأصول، وكذا في مطبوعة «الدلائل» ومخطوطته، وأيضًا في «تاريخ الإسلام» (١/ ٤٤٨). وفي النسخ المطبوعة: «مُضَر»، فليحرَّر.
(٥) في النسخ المطبوعة: «أما الإسلام فنقبل وأما المال فلا، فإنا »، وهي زيادة ليست في شيء من الأصول ولا في مصدر النقل، إلا أنها جاءت في هامش ن بخط مغاير.
[ ٣ / ٧٥٠ ]
أن يُخمِّس ما معه (^١)،
وأنزل رسول الله - ﷺ - وفد ثقيفٍ في المسجد وبنى لهم خيامًا لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلَّوا.
وكان رسول الله - ﷺ - إذا خطب لا يذكر نفسه فلما سمعه وفدُ ثقيفٍ قالوا: يأمرنا أن نشهد أنه رسول الله ولا يشهد به في خطبته، فلما بلغه قولُهم قال: «فإني أول من شهد أني رسول الله».
وكانوا يغدون على رسول الله - ﷺ - كلَّ يوم، ويخلِّفُون عثمان بن أبي العاص على رحالهم لأنه أصغرهم، فكان عثمان كلما رجع الوفد إليه وقالوا بالهاجرة عمد إلى رسول الله - ﷺ - فسأله عن الدين واستقرأه القرآن، فاختلف إليه عثمان مرارًا حتى فقه في الدين وعلم، وكان إذا وجد رسول الله - ﷺ - نائمًا عمد لأبي بكر، وكان يكتم ذلك من أصحابه فأعجب ذلك رسولَ الله - ﷺ - وأحبَّه.
فمكث الوفد يختلفون إلى رسول الله - ﷺ - وهو يدعوهم إلى الإسلام فأسلموا، فقال كنانة بن عبد ياليل: هل أنت مُقاضينا حتى نرجع إلى قومنا؟ قال: «نعم، إن أنتم أقررتم بالإسلام أقاضيكم، وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم»، قالوا: أفرأيت الزنا، فإنا قوم نغترب، لا بد لنا منه؟ قال: «هو عليكم حرام، فإن الله ﷿ يقول: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً (^٢) وَسَاءَ
_________________
(١) له شاهد من حديث المسور ومروان عند البخاري (٢٧٣١) في قصة الحديبية، وفيه أن عروة بن مسعود للمغيرة: «أي غُدَر، ألستُ أسعى في غدرَتك؟ وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، فقال النبي - ﷺ -: «أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء» .. وقد سبق (ص ٣٤٦ - ٣٤٧).
(٢) في د، ث، ب زيادة: «ومقتًا»، خطأ، وهي مضروب عليها في ف.
[ ٣ / ٧٥١ ]
سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]»، قالوا: أفرأيت الربا فإنه أموالنا كلها؟ قال: «لكم رؤوس أموالكم؛ إن الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]»، قالوا: أفرأيت الخمر، فإنها عصير أرضنا لا بد لنا منها؟ قال: «إن الله قد حرمها»، وقرأ: ﴿(٨٩) الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
فارتفع القوم فخلا بعضهم ببعض فقالوا: ويحكم! إنا نخاف إن خالفناه يومًا كيوم مكة، انطلقوا نكاتِبْه على ما سألنَا، فأتوا رسول الله - ﷺ - فقالوا: نعم لك ما سألت، أرأيت الربَّة ماذا نصنع فيها؟ قال: «اهدِموها»، قالوا: هيهات، لو تعلم الربة أنك تريد هدمها قتلَتْ أهلَها، فقال عمر بن الخطاب: ويحك يا ابنَ عبد يالِيل! ما أجهلَك، إنما الربة حجر! فقال: إنا لم نأتك يا ابن الخطاب، وقالوا: يا رسول الله، تولَّ أنت هدمها، فأما نحن فإنا لن نهدمها أبدًا، قال: «فسأبعث إليكم من يكفيكم هدمها»، فكاتَبوه فقال كنانة بن عبد ياليل: ائذن لنا قبلَ رسولك، ثم ابعث في آثارنا، فإنا أعلم بقومنا، فأذن لهم رسول الله - ﷺ - وأكرمهم وحباهم.
وقالوا: يا رسول الله! أَمِّرْ علينا رجلًا يؤمُّنا (^١)، فأمَّر عليهم عثمان بن أبي العاص لِما رأى من حرصه على الإسلام، وكان قد تعلم سورًا من القرآن قبل أن يخرج.
فقال كنانة بن عبد ياليل: أنا أعلم الناس بثقيف، فاكتموهم القضيةَ وخوِّفوهم بالحرب والقتال، وأخبِروهم أن محمدًا سألَنا أمورًا أبيناها عليه،
_________________
(١) زِيد في النسخ المطبوعة بعده: «مِن قومنا»، وليس في شيء من الأصول.
[ ٣ / ٧٥٢ ]
سألَنا أن نهدم اللات والعزى، وأن نحرِّم الخمر والزنا، وأن نُبطل أموالَنا في الربا. فخرجت ثقيف حين دنا منهم الوفد يتلقونهم، فلما رأوهم قد ساروا العَنَق وقَطَروا الإبلَ وتغشَّوا ثيابهم كهيئة القوم قد حزنوا وكربوا ولم يرجعوا بخير، فقال بعضهم لبعض: ما جاء وفدكم بخير ولا رجعوا به.
ودخل (^١) الوفد فقصدوا اللات ونزلوا عندها ــ واللات وثن كان بين ظَهرَي (^٢) الطائف يُسْتر ويُهدى له الهدي كما يهدى لبيت الله الحرام ــ فقال ناسٌ مِن ثقيف حين نزل الوفد إليها: إنهم لا عهد لهم برؤيتها، ثم رجع كل رجل منهم إلى أهله، وجاء كلًّا منهم خاصَّتُه من ثقيفٍ فسألوهم: ماذا جئتم به وماذا رجعتم به؟ قالوا: أتينا رجلًا فظًّا غليظًا يأخذ من أمره ما يشاء، قد ظهر بالسيف وداخ له العرب ودان له الناس، فعرض علينا أمورًا شدادًا: هَدْمَ اللات والعزى، وتركَ الأموال في الربا إلا رؤوس أموالكم، وحرَّم الخمر والزنا، فقالت ثقيف: والله لا نقبل هذا أبدًا، فقال الوفد: أصلِحوا السلاح وتهيؤوا للقتال وتَعبَّوا له ورُمُّوا حِصنكم، فمكثت ثقيف بذلك يومين أو ثلاثةً يريدون ــ زعموا (^٣) ــ القتال، ثم ألقى الله ﷿ في قلوبهم الرعب فقالوا: والله ما لنا به طاقة وقد أداخ العربَ (^٤) كلَّها، فارجِعوا إليه فأعطوه ما سأل وصالحوه عليه.
فلما رأى الوفدُ أنهم قد رغبوا واختاروا الأمان على الخوف والحرب
_________________
(١) المطبوع: «وترجَّل» خلافًا للأصول ومصدر النقل.
(٢) د، ز، المطبوع: «ظهراني»، والمثبت من سائر الأصول موافق لـ «دلائل النبوة».
(٣) «زعموا» سقط من ن، والنسخ المطبوعة.
(٤) أي: قهرهم واستولى عليهم. وقد تحرّف «أداخ العرب» في س، ث، ن، والنسخ المطبوعة إلى ألوان شتَّى يطول المقام بذكرها.
[ ٣ / ٧٥٣ ]
- قدوم رسل النبي - ﷺ الطائف ليهدموا اللات
قال الوفد: فإنا قد قاضيناه وأعطيناه ما أحببنا وشرطنا ما أردنا، ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمَهم وأصدقَهم، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه وفيما قاضيناه عليه، فاقبلوا عافيةَ الله، فقالت ثقيف: فلِمَ كتمتمونا هذا الحديث وغممتمونا أشد الغم؟ فقالوا: أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان، فأسلَموا مكانهم ومكثوا أيامًا.
ثم قدم عليهم رسلُ رسول الله - ﷺ - قد أمَّر عليهم خالد بن الوليد وفيهم المغيرة بن شعبة، فلما قدموا عمدوا إلى اللات ليهدموها، واستكفت ثقيف كلها الرجال والنساء والصبيان حتى خرج العواتق من الحِجال، لا ترى عامة ثقيف أنها مهدومة ويظنون أنها ممتنعة، فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكِرْزِين (^١) وقال لأصحابه: والله لأضحكنكم من ثقيف، فضرب بالكرزين ثم سقط يركض فارتجَّ أهل الطائف بضجةٍ واحدة وقالوا: أبعد الله المغيرةَ قتلَتْه الربَّة، وفرحوا حين رأوه ساقطًا وقالوا: من شاء منكم فليقترب (^٢) وليجتهد على هدمها فوالله لا تستطاع، فوثب المغيرة بن شعبة فقال: قبحكم الله يا معشر ثقيف! إنما هي لَكاعِ حجارةٌ ومَدَر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه، ثم ضرب الباب فكسره، ثم علا سورها وعلا الرجالُ معه، فما زالوا يهدمونها حجرًا حجرًا حتى سووها بالأرض، وجعل صاحب المفتاح يقول: ليغضبَنَّ الأساسُ (^٣) فليخسفنَّ بهم، فلما سمع ذلك المغيرة قال لخالد: دعني أحفر
_________________
(١) الكرزين: الفأس العظيمة.
(٢) د، ث، س، المطبوع: «فليقرب». ولم تتضح نسخة ف لأن الأرضة حالت بين القاف والراء، والمثبت من ب، ز موافق لمصدر النقل.
(٣) في هامش ف: «الاساف» وعليه علامة (خ)، ولم يتبيَّن لي وجهه.
[ ٣ / ٧٥٤ ]
- اشتراط ثقيف على النبي - ﷺ - أن لا صدقة عليها ولا جهاد
أساسها، فحفره (^١) حتى أخرجوا ترابها وانتزعوا حليَّها وثيابها (^٢)، فبهتت ثقيف فقالت عجوز منهم: أسلمها الرُّضَّاع وتركوا المِصاع (^٣).
وأقبل الوفد حتى دخلوا على رسول الله - ﷺ - بحِليتها وكسوتها، فقسمه رسول الله - ﷺ - من يومه، وحمد الله على نصرة نبيه وإعزاز دينه ــ وقد تقدم (^٤) أنه أعطاه لأبي سفيان بن حرب ــ؛ لفظ موسى بن عقبة.
وزعم ابن إسحاق (^٥) أن النبي - ﷺ - قدم من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف.
ورُوينا في «سنن أبي داود» (^٦) عن جابر قال: اشترطت ثقيف على النبي - ﷺ - أن لا صدقة عليها ولا جهاد، فقال النبي - ﷺ - بعد ذلك: «سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا».
وروينا في «مسند (^٧) أبي داود الطيالسي» (^٨) عن عثمان بن أبي العاص
_________________
(١) ز، س، ث، ن: «فحفروا».
(٢) النسخ المطبوعة: «ولباسها» خلافًا للأصول ومصدر النقل.
(٣) الرُّضَّاع: جمع الراضع، وهو اللئيم، وقد سبق وجه تسميته (ص ٣٢٦ - هامش). والمِصاع: المضاربة بالسيف، مرادها تعنيف ثقيف على عدم قتالهم دون إلههم.
(٤) (ص ٦٢٧) حيث ساق الخبر من مغازي ابن إسحاق.
(٥) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٣٧) و«الدلائل» (٥/ ٣٠٤).
(٦) برقم (٣٠٢٥) ــ ومن طريقه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٠٦) ــ بإسناد جيّد. وأخرجه أحمد (١٤٦٧٣، ١٤٦٧٤) من طريق آخر عن جابر بنحوه.
(٧) ن، والنسخ المطبوعة: «سنن»، خطأ.
(٨) كذا قال المؤلف، وهو وهمٌ سببه انتقال النظر أو سقط في نسخة «دلائل النبوة» التي كانت بين يدي المؤلف، فإن البيهقي أسند فيه (٥/ ٣٠٦) من طريق أبي داود الطيالسي حديثًا آخر قبل هذا الحديث مباشرةً، وهو عن عثمان بن أبي العاص قال: آخر ما عهد إليَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إذا أَمَمْتَ قومًا فأخفَّ بهم الصلاة» ــ وهو في «مسند الطيالسي» (٩٨٢) ــ، ثم أسند هذا الحديث بإسناد آخر من غير طريق الطيالسي. وقد أخرجه أيضًا أبو داود السجستاني (٤٥٠) وابن ماجه (٧٤٣) والحاكم (٣/ ٦١٨)، وفي إسناده لين لجهالة محمد بن عبد الله بن عياض الطائفي الراوي عن عثمان بن أبي العاص.
[ ٣ / ٧٥٥ ]
أن النبي - ﷺ - أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طاغيتهم.
وفي مغازي المعتمر (^١) بن سليمان قال: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي يحدث [عن عثمان بن عبد الله] (^٢) عن عمِّه عمرو بن أوس عن عثمان بن أبي العاص قال: استعملني رسول الله - ﷺ - وأنا أصغر الستة الذين وفدوا عليه من ثقيف، وذلك أني كنت قرأت سورة البقرة فقلت: يا رسول الله، إن القرآن يتفلَّت مني، فوضع يده على صدري وقال: «يا شيطان، اخرج من صدر عثمان»، فما نسيتُ شيئًا بعده أريد حفظه.
وفي «صحيح مسلم» (^٣) عن عثمان بن أبي العاص قلت: يا رسول الله!
_________________
(١) ومن طريقه أخرجه عمر بن شبَّة في «أخبار المدينة» (٢/ ١٠٥) والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٠٨)، وإسناده لا بأس به في المتابعات والشواهد. وقد روي من طريق آخر بإسناد جيّد عند ابن ماجه (٣٥٤٨) والرُّوياني (١٥١٥) بنحوه. وله طرق أخرى لا تخلو من مقال. انظر: «السلسلة الصحيحة» للألباني (٢٩١٨).
(٢) ما بين الحاصرتين استُدرك من «أخبار المدينة» لابن شبّة، وقد سقط من جميع الأصول تبعًا لـ «دلائل النبوة» مصدر المؤلف. وعثمان بن عبد الله هو ابن أوس الثقفي الطائفي، ابن أخي عمرو بن أوس.
(٣) برقم (٢٢٠٣)، وأخرجه أيضًا البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٠٧) واللفظ له.
[ ٣ / ٧٥٦ ]
فصل: ما في قصة الوفد من الفقه
إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، فقال: «ذاك شيطان يقال له: خنزب، فإذا أحسسته فتعوَّذْ بالله منه واتْفِل عن يسارك ثلاثًا»، قال: ففعلت فأذهبه الله عني.
فصل
وفي قصة هذا الوفد من الفقه أن الرجل من أهل الحرب إذا غدر بقومه وأخذ أموالهم ثم قدم مسلمًا لم يتعرَّض له الإمام، ولا لما أخذه من المال، ولا يضمن ما أتلفه قبل مجيئه من نفس ولا مال، كما لم يتعرَّض النبي - ﷺ - لما أخذه المغيرة من أموال الثقفيِّين، ولا ضمن ما أتلفه عليهم، وقال: «أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء».
ومنها: جواز إنزال المشرك في المسجد، ولا سيما إذا كان يرجو إسلامه وتمكينه من سماع القرآن ومشاهدة أهل الإسلام وعباداتهم (^١).
ومنها: حسن سياسة الوفد وتلطُّفهم حتى تمكَّنوا من تبليغ (^٢) ثقيفٍ ما قدموا به، فتصوَّروا لهم بصورة المُنكِر لما يكرهونه المُوافِقِ لهم فيما يَهْوَونه، حتى ركنوا إليهم واطمأنُّوا، فلما علموا أنهم ليس لهم بد من الدخول في دعوة الإسلام أذعنوا، فأعلمهم الوفد أنهم بذلك قد جاؤوهم، ولو فاجؤوهم به من أول وهلة لما أقرُّوا به ولا أذعنوا، وهذا من حُسن (^٣) الدعوة وتمام التبليغ، ولا يتأتى إلا (^٤) مع ألبَّاء الناس وعقلائهم.
_________________
(١) ث، ن، والنسخ المطبوعة: «عبادتهم».
(٢) ز، والنسخ المطبوعة: «إبلاغ».
(٣) ن، والنسخ المطبوعة: «أحسن»، تصحيف.
(٤) «إلا» سقطت من المطبوع.
[ ٣ / ٧٥٧ ]
ومنها: أن المستحقَّ لإمرة القوم وإمامتِهم أفضلُهم وأعلمهم بكتاب الله وأفقهُهم في دينه.
ومنها: هدم مواضع الشرك التي تُتَّخذ بيوتًا للطواغيت، وهدمُها أحبُّ إلى الله ورسوله وأنفع للإسلام والمسلمين من هدم الحانات والمواخير (^١). وهذا حال المشاهد المبنية على القبور التي تُعبَد من دون الله ويُشرَك بأربابها مع الله، لا يحل إبقاؤها في الإسلام ويجب هدمُها، ولا يصح وقفها ولا الوقف عليها، وللإمام أن يقطعها وأوقافها لجند الإسلام، ويستعين بها على مصالح المسلمين. وكذلك ما فيها من الآلات والمتاع والنذور التي تُساق إليها يُضاهى بها الهدايا التي تساق إلى البيت الحرام= للإمام أخذُها كلِّها وصرفها في مصالح المسلمين، كما أخذ النبي - ﷺ - أموال بيوت هذه الطواغيت وصرفها في مصالح الإسلام، وكان يُفعَل عندها ما يفعل عند هذه المشاهد سواء، من النذور لها والتبرُّك بها والتمسُّح بها وتقبيلها واستلامها؛ هذا كان شرك القوم بها ولم يكونوا يعتقدون أنها خلقت السماوات والأرض، بل كان شركهم بها كشرك أهل الشرك من أرباب المشاهد بعينه.
ومنها: استحباب اتخاذ المساجد مكانَ بيوت الطواغيت، فيُعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا في الأمكنة التي كان يُشرَك به فيها، وهكذا الواجب في مثل هذه المشاهد أن تُهدَم وتجعل مساجد إن احتاج إليها المسلمون، وإلا أقطعها الإمام هي وأوقافها للمقاتلة وغيرهم.
ومنها: أن العبد إذا تعوَّذ بالله من الشيطان (^٢) وتفل عن يساره لم يضرَّه
_________________
(١) المواخير: جمع الماخور، وهو الحانوت، أي: بيت الخمر، في لغة أهل العراق.
(٢) بعده في هامش ز، ن، المطبوع: «الرجيم».
[ ٣ / ٧٥٨ ]
فصل: قدوم وفود العرب من كل وجه بعد غزوة تبوك وإسلام ثقيف
ذلك ولا يقطع صلاته، بل هذا من تمامها وكمالها. والله أعلم.
فصل
قال ابن إسحاق (^١): ولمَّا افتتح رسول الله - ﷺ - مكة وفرغ من تبوكَ وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفودُ العرب من كل وجهٍ، فدخلوا في دين الله أفواجًا، يضربون إليه من كل وجه.
فصل
وقد تقدم (^٢) ذكر وفد بني تميم ووفد طيئ.
ذكر وفد بني عامر ودعاء النبي - ﷺ - على عامر بن الطفيل وكفاية الله له (^٣) شرَّه وشرَّ أَرْبَدَ بن قيسٍ بعد أن عصم منهما نبيه
رُوينا في كتاب «الدلائل» (^٤) للبيهقي عن يزيد بن عبد الله أبي (^٥) العَلاء قال: وَفَد أبي في وفد بني عامر إلى النبي - ﷺ - فقالوا: أنت سيدنا وذو الطَّول علينا، فقال: «مه مه، قولوا بقولكم ولا يَستجرينَّكم الشيطان؛ السيِّدُ الله».
_________________
(١) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٥٩) و«دلائل النبوة» (٥/ ٣٠٩).
(٢) تقدم (ص ٦٣٨ - ٦٤٣) ذكر وفد بني تميم، وأما وفد طيئ فسيأتي ذكره (ص ٧٧٦).
(٣) «له» ساقطة من د، والنسخ المطبوعة.
(٤) (٥/ ٣١٨) بإسناد لا بأس به في المتابعات، وقد أخرجه أحمد (١٦٣٠٧) والبخاري في «الأدب المفرد» (٢١١) وأبو داود (٤٨٠٦) والنسائي في «الكبرى» (١٠٠٠٣ - ١٠٠٠٥) والضياء في «المختارة» (٩/ ٤٦٦) من حديث مطرّف بن عبد الله ــ أخو يزيد بن عبد الله هذا ــ عن أبيه بنحوه، وإسناده صحيح.
(٥) في الأصول والطبعة الهندية: «بن»، تصحيف. وهو يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير أبو العلاء البصري، من كبار التابعين، أخو مطرف بن عبد الله بن الشخير.
[ ٣ / ٧٥٩ ]
ورُوينا عن ابن إسحاق (^١) قال: لما قدم على رسول الله - ﷺ - وفد بني عامر فيهم عامر بن الطفيل، وأَرْبَد بن قيس، وخالد بن جعفر (^٢)، وحيان بن مسلم (^٣) بن مالك، وكان هذا النفر رؤساء القوم وشياطينهم= فقدم (^٤) عدوُّ الله عامر بن الطفيل على رسول الله - ﷺ - وهو يريد أن يغدر به، فقال له قومه: يا عامر، إن الناس قد أسلموا (^٥)، فقال: والله لقد كنت آليت أن لا أنتهي حتى تتَّبعَ العربُ عقبي، فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش؟! ثم قال لأربد: إذا قدمنا على الرجل فإني شاغل عنك وجهُه، فإذا فعلتُ ذلك فاعْلُه بالسيف. فلما قدموا على رسول الله - ﷺ - قال عامر: يا محمد! خالَّني (^٦)،
قال: «لا والله
_________________
(١) أي: من طريق البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣١٨). وهو في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٦٧) بنحوه.
(٢) في المطبوع: «أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر» خلافًا للأصول و«دلائل النبوة» مصدر المؤلف، وإن كان صوابًا في نفس الأمر. انظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٦٨) و«طبقات ابن سعد» (١/ ٢٦٨) و«جمهرة أنساب العرب» لابن حزم (ص ٢٨٥).
(٣) س: «بن أسلم»، ث: «بن سالم»، والمثبت من سائر الأصول موافق لـ «دلائل النبوة». والصواب: «جبّار بن سُلمى»، كما أُثبت في المطبوع بلا تنبيه. وهو جبّار بن سُلمى بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. انظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ١٨٧، ٥٦٨) و«طبقات ابن سعد» (٦/ ١٩٠) و«جمهرة أنساب العرب» (ص ٢٨٦) و«الإصابة» (٦/ ١٤٥).
(٤) كذا في الأصول بالفاء، والجادّة عدم اقتران جواب «لمّا» بالفاء، وقد سبق له نظائر.
(٥) من قوله: «على رسول الله - ﷺ -» إلى هنا ساقط من مطبوعة «الدلائل» وهو ثابت في مخطوطته (نسخة كوبريلي) بالنصّ إلا أن فيه: «على رسوله - ﷺ -».
(٦) أي: اتخذني خليلًا وصاحبًا .. ومن رواه بتخفيف اللام «خالِني» فمعناه تفرَّد لي خاليًا حتى أتحدّث معك. انظر: «شرح السيرة» لأبي ذر الخُشني (ص ٤٣٦).
[ ٣ / ٧٦٠ ]
حتى تؤمن بالله وحده»، فقال: يا محمد! خالَّني، فقال: «لا حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له»، فلما أبى عليه رسول الله - ﷺ - قال: أما والله لأملأنَّها عليك خيلًا ورجالًا! فلما ولَّى قال رسول الله - ﷺ -: «اللهم اكفني عامر بن الطفيل».
فلما خرجوا من عند رسول الله - ﷺ - قال عامر لأَربد: ويحك يا أربد! أين ما كنت أمرتك به؟ والله ما كان على وجه الأرض رجل أخوفَ عندي على نفسي منك، وايم الله لا أخافك بعد اليوم أبدًا! قال: لا أبا لك لا تعجل عليَّ، فوالله ما هممت بالذي أمرتَني به إلا دخلتَ بيني وبين الرجل، أفأضربك بالسيف؟
ثم خرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله ﷿ على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه، فقتله الله في بيت امرأة من بني سَلُول، ثم خرج أصحابه حين رأوه، حتى قدموا أرض بني عامر أتاهم قومُهم فقالوا: ما وراءك يا أربد؟ فقال: لقد دعاني إلى عبادة شيءٍ لوددتُ أنه عندي فأرميه بنبلي هذه حتى أقتله، فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جملٌ يتبعه، فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقةً فأحرقتهما، وكان أَربَدُ أخا لَبِيد بن ربيعة لأمِّه فبكاه ورثاه.
وفي «صحيح البخاري» (^١) أن عامرًا أتى النبي - ﷺ - فقال: أخيِّرك بين ثلاث خصال: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك من
_________________
(١) برقم (٤٠٩١) من حديث أنس. وأخرجه أيضًا البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٢٠) واللفظ له.
[ ٣ / ٧٦١ ]
بعدك، أو أغزوك بغطفان بألفٍ أشقرَ وألفٍ شقراء (^١)؛ فطُعِن (^٢) في بيت امرأةٍ فقال: أغُدَّة كغُدَّة البكر في بيت امرأة من بني فلان؟! ايتوني بفرسٍ (^٣)، فركب فمات على ظهر فرسه.
فصل
في قدوم وفد عبد القيس
في «الصحيحين» (^٤) من حديث ابن عباس: أن وفد عبد القيس قدموا على النبي - ﷺ - فقال: «ممن القوم؟» قالوا: من ربيعة. قال: «مرحبًا بالوفد غير خزايا ولا ندامى»، فقالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مُضَر، وإنا لا نَصِل إليك إلا في شهر حرام، فمُرْنا بأمرٍ فصلٍ نأخذ به ونأمر به من وراءنا وندخل به الجنة فقال: «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامُ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان؛ وأن تعطوا من المغنم الخمسَ؛ وأنهاكم عن أربع: عن الدُّبَّاء، والحَنْتَم، والنَّقِير، والمُزفَّتِ؛ فاحفظوهن وادعوا إليهن (^٥) من وراءكم».
_________________
(١) الأشقر: الأحمر، والمراد: ألف حصانٍ أحمر وألف فَرَسٍ شقراء، فإن أكرم الخيل عند العرب شُقْرها، ويمكن أن يكون المراد بالأول: ألف جمل أشقر.
(٢) أي: أصابه الطاعون.
(٣) د، المطبوع: «بفرسي»، وهو لفظ البخاري والبيهقي.
(٤) البخاري (٥٣) ومسلم (١٧) بنحوه، واللفظ أشبه بلفظ البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٢٤).
(٥) ف: «لهن»، والمثبت من سائر الأصول هو لفظ: «الدلائل».
[ ٣ / ٧٦٢ ]
زاد مسلم (^١): قالوا: يا رسول الله، ما عِلْمك بالنقير؟ قال: «بلى، جِذع تَنقرونه، ثم تُلقون فيه من التمر، ثم تصبُّون عليه الماء حتى يغلي، فإذا سكن شربتموه، فعسى أحدُكم أن يضرب ابنَ عمِّه بالسيف»، وفي القوم رجل به ضربة كذلك، قال: وكنت أخبؤها حياءً مِن رسول الله - ﷺ -. قالوا: ففيم نشرب يا رسول الله؟ قال: «اشربوا في أسقية الأَدَم التي يُلاث على أفواهها». قالوا: يا رسول الله! إن أرضنا كثيرة الجرذان لا تبقى بها أسقية الأدم، قال: «وإن أكلها الجرذان» مرتين أو ثلاثًا. ثم قال رسول الله - ﷺ - لأشجِّ عبد القيس: «إنَّ فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة».
قال ابن إسحاق (^٢): قدم على رسول الله - ﷺ - الجارودُ بن المُعلَّى (^٣) وكان نصرانيًّا، فجاء رسول الله - ﷺ - في وفد عبد القيس فقال: يا رسول الله، إني على دين، وإني تارك ديني لدينك فتضمن لي ما (^٤) فيه؟ قال: «نعم أنا ضامن لذلك، إن الذي أدعوك إليه خير من الذي كنت عليه»، فأسلم وأسلم أصحابُه، ثم قال: يا رسول الله، احملنا، قال: «والله ما عندي ما أحملكم عليه»، فقال: يا رسول الله، فإن بيننا وبين بلادنا ضوالَّ مِن ضوالِّ الناس، فنتبلَّغ عليها؟ قال: «لا، تلك حَرَق النار» (^٥).
_________________
(١) برقم (١٨/ ٢٦) من حديث أبي سعيد الخدري، واللفظ بـ «الدلائل» (٥/ ٣٢٦) أشبه.
(٢) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٧٥) و«دلائل النبوة» (٥/ ٣٢٨).
(٣) في المطبوع: «الجارود بن بشر بن المُعلَّى» خلافًا للأصول و«الدلائل»، وإنما هو قول ابن هشام. وذكر ابن سعد أن «الجارود» لقبه وأن اسمه «بشر». انظر: «الطبقات» (٨/ ١٢٠).
(٤) النسخ المطبوعة: «بما» خلافًا للأصول ومصدر النقل.
(٥) هذا القدر له شاهد من حديث الجارود نفسه عند أحمد (٢٠٧٥٤ - ٢٠٧٥٩) والدارمي (٢٦٤٣، ٢٦٤٤) والنسائي في «الكبرى» (٥٧٦٠) وابن حبان (٤٨٨٧) بلفظ: «ضالَّة المسلم حَرَق النار»، وفي بعض الروايات زيادة: «فلا تقربَنَّها». وإسناده حسن. وقوله - ﷺ -: «حَرَق النار» أي: لَهَبُها.
[ ٣ / ٧٦٣ ]
فصل: ما في قصة الوفد من الفقه
فصل
ففي هذه القصة: أن الإيمان بالله هو مجموع هذه الخصال من القول والعمل، كما على ذلك أصحابُ رسول الله - ﷺ - والتابعون وتابعوهم كلُّهم، ذكره الشافعي في «المبسوط» (^١)، وعلى ذلك ما يقارب مائةُ دليلٍ من الكتاب والسنة.
وفيها: أنه لم يَعُدَّ الحج من هذه الخصال، وكان قدومهم في سنة تسع؛ وهذا أحد ما يُحتج به على أن الحج لم يكن فُرِض بعد، وأنه إنما فرض في العاشرة، ولو كان قد (^٢) فرض لعَدَّه من الإيمان كما عد الصوم والزكاة والصلاة (^٣).
وفيها: أنه لا يُكَره أن يقال: «رمضان» للشهر خلافًا لمن كره ذلك وقال: لا يقال إلا «شهر رمضان». وفي «الصحيحين» (^٤): «من صام رمضان إيمانًا
_________________
(١) لم يصلنا، ولعل المؤلف يشير إلى قول الشافعي الذي نقله هبة الله اللالكائي في «شرح السنة» (٥/ ٩٥٦ - ٩٥٧) أنه قال: «وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركناهم: أن الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر». ولكن اللالكائي عزاه إلى «كتاب الأم» وليس في الموجود منه، ولعله كان في «المبسوط» كما عزى إليه المؤلف. والله أعلم.
(٢) «قد» ساقطة من ث، س، ن، والنسخ المطبوعة.
(٣) ث، ن، والنسخ المطبوعة: «والصلاة والزكاة».
(٤) البخاري (٣٨) ومسلم (٧٦٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٣ / ٧٦٤ ]
واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه».
وفيها: وجوب أداء الخمس من الغنيمة، وأنه من الإيمان.
وفيها: النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية. وهل تحريمه باقٍ أو منسوخ؟ على قولين، وهما روايتان عن أحمد (^١). والأكثرون على نسخه بحديث بريدة الذي رواه مسلم (^٢) وقال فيه: «وكنت نهيتكم عن الأوعية، فانتبذوا فيما بدا لكم ولا تشربوا مُسكرًا». ومن قال بإحكام أحاديث النهي وأنها غير منسوخة قال: هي أحاديث تكاد تبلغ التواتر في تعدُّدها وكثرة طرقها (^٣)، وحديث الإباحة فرد فلا يبلغ مقاومتها.
وسرُّ المسألة أن النهي عن الأوعية المذكورة من باب سدِّ الذرائع، إذ الشرابُ يسرع إليه الإسكارُ فيها. وقيل: بل النهي عنها لصَلابتها وأن الشراب يُسكر فيها ولا يُعلم به، بخلاف الظروف غير المزفَّتة، فإن الشراب متى غلا فيها وأسكر انشقت فيُعلم بأنه مسكر. فعلى هذه العلة يكون الانتباذ في الحجارة والصُّفر أولى بالتحريم، وعلى الأولى لا يَحرُم إذ لا يسرع الإسكار إليه فيها كإسراعه في الأربعة المذكورة.
وعلى كلا العلتين فهو من باب سد الذريعة، كالنهي أولًا عن زيارة القبور سدًّا لذريعة الشرك، فلما استقرَّ التوحيد في نفوسهم وقوي عندهم أذن
_________________
(١) انظر: «المسائل» رواية الكوسج (٢/ ٣٨١) و«الإنصاف» (٢٦/ ٤٣٨ - ٤٤٠).
(٢) برقم (٩٧٧، ١٩٧٧) بنحوه. واللفظ أشبه بلفظ النسائي (٥٦٥٤).
(٣) فقد صحَّ من حديث علي، وعائشة، وابن عمر، أنس، وأبي سعيد، وابن أبي أوفي، وابن عبَّاس، وأبي هريرة، وزينب بنت أبي سلمة، وجابر. انظر: «صحيح البخاري» (٣٤٩٢، ٥٥٨٧، ٥٥٩٤ - ٥٥٩٦) و«صحيح مسلم» (١٩٩٢ - ١٩٩٨).
[ ٣ / ٧٦٥ ]
لهم (^١) في زيارتها غير أن لا يقولوا هُجرًا (^٢). وهكذا قد يقال في الانتباذ في هذه الأوعية إنه فطمهم عن المسكر وأوعيته، وسدَّ الذريعة إليه إذ كانوا حديثي عهدٍ بشربه، فلما استقر تحريمه عندهم واطمأنت إليه نفوسهم أباح لهم الأوعية كلَّها غير أن لا يشربوا مسكرًا؛ فهذا فقه المسألة وسرُّها.
وفيها: مدح صفتي الحلم والأناة، وأن الله يحبهما. وضدُّهما الطيش والعجلة، وهما خُلُقان مذمومان يفسدان الأخلاق والأعمال.
وفيه دليل على أن الله يحب مِن عبده ما جبله عليه من خصال الخير كالذكاء والشجاعة والحلم.
وفيه دليل على أن الخُلُق قد يحصل بالتخلُّق والتكلُّف، لقوله في هذا الحديث: أخُلُقَين تخلَّقتُ بهما أو جبلني الله عليهما؟ فقال: «بل جُبِلتَ عليهما» (^٣).
_________________
(١) «لهم» سقط من د، والنسخ المطبوعة. وفي ف: «له»، خطأ.
(٢) أي: كلامًا قبيحًا من الويل والثبور وغير ذلك مما يخالف الشرع. والإذن في زيارة القبور بعد النهي عنه جزء من حديث مسلم عن بريدة الذي سبق آنفًا، وفي رواية النسائي (٢٠٣٣) زيادة: «ولا تقولوا هُجرًا». ووردت أيضًا في حديث أبي سعيد وأنس عند أحمد (١١٦٠٦، ١٣٤٨٧)، وفي إسنادهما لين.
(٣) لم ترد هذه الزيادة في حديثي ابن عباس وأبي سعيد عند مسلم في خبر الوفد. وقد وردت عند أحمد (٢٤٠٠٩/ ٥٤) وأبي داود (٥٢٢٥) وغيرهما من حديث أم أبان بنت الوازع عن أبيها (أو عن جدّها) وكان في وفد عبد القيس. ورويت أيضًا من حديث مزيدة العبدي عند البخاري في «الأدب المفرد» (٥٨٧) وأبي يعلى (٦٨٥٠)، ومن حديث الأشج نفسه عند ابن حبان (٧٢٠٣)، ومن طريق آخر عنه عند أحمد (١٧٨٢٨) والبخاري في «الأدب المفرد» (٥٨٤) بلفظ: قلت: قديمًا كان فيَّ أو حديثًا؟ قال - ﷺ -: قديمًا. والحديث حسن، بل صحيح إن شاء الله، بمجموع هذه الطرق والروايات.
[ ٣ / ٧٦٦ ]
وفيه دليل على أنه سبحانه خالق أفعال العباد وأخلاقهم كما هو خالق ذواتهم وصفاتهم، فالعبد كلُّه مخلوقٌ ذاتُه وصفاته وأفعاله، ومن أخرج أفعاله عن خلق الله فقد جعل فيه خالقًا مع الله، ولهذا شبَّه السلف القدرية النفاة بالمجوس، وقالوا: هم مجوس هذه الأمة، صحَّ ذلك عن ابن عباس (^١).
وفيه إثبات الجَبْل لا الجبر لله تعالى، وأنه يجبُل عبدَه على ما يريد كما جبل الأشج على الحلم والأناة، وهما فعلان ناشئان عن خلقين في النفس. فهو سبحانه الذي جبل العبد على أخلاقه وأفعاله، ولهذا قال الأوزاعي وغيره من أئمة السلف: «نقول إن الله جبل العباد على أعمالهم، ولا نقول جبرهم عليها» (^٢). وهذا من كمال علم الأئمة ودقيق نظرهم، فإن الجبر أن يَحمل العبدَ على خلاف مراده، كجبر البكر الصغيرة على النكاح وجبر الحاكم مَن عليه الحقُّ على أدائه، واللهُ سبحانه أقدر من أن يُجبر عبدَه (^٣)، ولكنه يَجبُله على أن يفعل ما يشاء الربُّ بإرادة عبدِه واختياره ومشيئته؛ فهذا لون والجبر لون.
_________________
(١) لم أجده مرويًّا عن ابن عباس إلا عند هبة الله اللالكائي في «شرح السنة» (١٢٨٦) بإسناد واه. وإنما صحّ ذلك عن ابن عمر؛ أخرجه عبد الله بن أحمد في «السنة» (٩٣٥) واللالكائي (١٢٩٢) والبيهقي في «القدر» (٤١٠) وصححه. وقد روي عن ابن عمر مرفوعًا ولا يصحّ. انظر: «العلل» للدارقطني (٢٩٨٣).
(٢) أخرجه الخلال في «السنة» بتحقيق عادل آل حمدان (٩١٣، ٩١٦) عن سفيان الثوري والأوزاعي ومحمد بن الوليد الزُّبَيدي بمعناه.
(٣) زِيد بعده في ن، والنسخ المطبوعة: «بهذا المعنى».
[ ٣ / ٧٦٧ ]
وفيها: أن الرجل لا يجوز له أن ينتفع بالضالَّة التي لا يجوز التقاطُها كالإبل، فإن النبي - ﷺ - لم يُجوِّز للجارود ركوبَ الإبل الضالة وقال: «ضالة المسلم حَرَق النار»، وذلك لأنه إنما أُمِر بتركها وأن لا يلتقطها حفظًا على ربِّها حتى يجدها إذا طلبها، فلو جوز له ركوبها والانتفاع بها لأفضى إلى أن لا يقدر عليها ربها، وأيضًا تطمع فيها النفوس وتتملَّكها فمنع الشارع من ذلك.
فصل
في قدوم وفد بني حنيفة
قال ابن إسحاق (^١): قدم على رسول الله - ﷺ - وفد بني حنيفة فيهم مسيلمة الكذاب، فكان منزلهم في دار امرأةٍ من الأنصار من بني النجار، فأتوا بمسيلمة إلى رسول الله - ﷺ - يستتر (^٢) بالثياب ورسول الله - ﷺ - جالس مع أصحابه في يده عسيب من سَعَف النخل، فلما انتهى إلى رسول الله - ﷺ - وهم يسترونه بالثياب كلَّمه وسأله، فقال له رسول الله - ﷺ -: «لو سألتَني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتك!» (^٣).
قال ابن إسحاق: فقال لي شيخ من أهل اليمامة من بني حنيفة: إن حديثه كان على غير هذا؛ زعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله - ﷺ - وخلَّفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا له مكانه فقالوا: يا رسول الله، إنا قد خلَّفنا صاحبًا لنا في رحالنا وركابنا يحفظها لنا، فأمر له رسول الله - ﷺ - بما أمر
_________________
(١) «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٧٦) و«دلائل النبوة» (٥/ ٣٣٠).
(٢) س، ث: «يستر». ب: «مستتر». في «الدلائل»: «يسترونه».
(٣) له شاهد من حديث ابن عباس في «الصحيحين» بنحوه، وسيذكره المؤلف قريبًا.
[ ٣ / ٧٦٨ ]
به للقوم وقال: «أما إنه ليس بشركم مكانًا» يعني: حِفْظَه ضيعةَ أصحابه، وذلك الذي يريد رسول الله - ﷺ -، ثم انصرفوا وجاؤوه بالذي أعطاه.
فلما قدموا اليمامة ارتدَّ عدوُّ الله وتَنَبَّى، وقال: إني أُشركت في الأمر معه، ألم يقل لكم حين ذكرتموني له: «أما إنه ليس بشركم مكانًا»؟ وما ذاك إلا لِما كان يعلم أني قد أُشرِكت في الأمر معه. ثم جعل يسجع السَّجَعات فيقول لهم فيما يقول مضاهاةً للقرآن: «لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمةً تسعى، من بين سِفاقٍ (^١) وحشا». ووضع عنهم الصلاة وأحلَّ لهم الخمر والزنا، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله - ﷺ - أنه نبي، فأصفقت معه حنيفة (^٢) على ذلك.
قال ابن إسحاق: وقد كان كتب لرسول الله - ﷺ -: «من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. أما بعد، فإني قد أشركت في الأمر معك وإن لنا نصفَ الأمر ولقريش نصفَ الأمر، وليس قريش قوم يعدلون (^٣)»، فقدم عليه رسوله بهذا الكتاب، فكتب إليه رسول الله - ﷺ -: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد
_________________
(١) النسخ المطبوعة: «صِفاق» وكذا في مطبوعة «الدلائل»، والمثبت من الأصول موافق لمخطوطة «الدلائل» (نسخة كوبريلي). والظاهر أنها لغة في الصفاق، فقد ذكروا أن السَّفْقَ لغة في الصَّفْق، فيقال: سَفَق البابَ، وثوب سفيق، وسَفقة رابحة، ونحوها، وإن لم ينصُّوا على السِّفاق بعينه فإنه من الأصل نفسه. والصفاق: جلدة البطن الباطنة ما بين الجلد الظاهر والأمعاء.
(٢) د، ز، ن، والنسخ المطبوعة: «بنو حنيفة»، وكذا كتب «بنو» في س بخط صغير فوق السطر. ولم ترد في سائر الأصول ولا في مصدر المؤلف.
(٣) كذا في جميع الأصول والطبعة الهندية، وحاولوا إصلاح العبارة في بعض الطبعات بنصب «قوم»، فلم يصنعوا شيئًا إذ ليس الخطأ فيه بل فيما قبله وبعده، وصواب العبارة كما في «الدلائل»: «ولكن قريش قوم يعتدون».
[ ٣ / ٧٦٩ ]
رسول الله إلى مسيلمة الكذاب. سلامٌ على من اتبع الهدى. أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين»، فكان ذلك في آخر سنة عشر.
قال ابن إسحاق (^١): فحدثني سعد بن طارق، عن سلمة بن نُعَيم بن مسعود، عن أبيه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - حين جاءه رسولا مسيلمةَ الكذابِ بكتابه يقول لهما: «وأنتما تقولان بمثل ما يقول؟» قالا: نعم، فقال: «أما والله لولا أن الرسل لا تُقتَل لضربت أعناقكما».
وروينا في «مسند أبي داود الطيالسي» (^٢) عن أبي وائل عن عبد الله (^٣) قال: جاء ابن النَّوَّاحة وابن أُثال رسولَين لمسيلمة (^٤) إلى رسول الله - ﷺ - فقال
_________________
(١) كما في «الدلائل» (٥/ ٣٣٢). وأخرجه أيضًا أحمد (١٥٩٨٩) وأبو داود (٢٧٦١) والحاكم (٢/ ١٤٣، ٣/ ٥٢) من طريق ابن إسحاق به. وهو حديث حسن، قد حسَّنه البخاري كما نقله الترمذي في «العلل الكبير» (ص ٣٨١).
(٢) برقم (٢٤٨)، ومن طريقه أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٣٢). وأخرجه أيضًا أحمد (٣٧٠٨) والبزّار (١٧٣٣) وأبو يعلى (٥٠٩٧) وابن حبان (٤٨٧٨) من طرق عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل به. وأخرجه أيضًا أحمد (٣٦٤٢) وأبو داود (٢٧٦٢) والنسائي في «الكبرى» (٨٦٢٢، ٨٦٢٣) وابن حبان (٤٨٧٩) من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مضرِّب عن ابن مسعود بنحوه. والحديث صحيح بمجموع هذين الإسنادين.
(٣) ف، ب، د، ث: «أبي عبد الله»، خطأ. وجاء في آخر الحديث على الصواب في جميع الأصول. وعبد الله هو ابن مسعود.
(٤) زِيد في النسخ المطبوعة بعده: «الكذّاب»، وهو كذلك إلا أنه ليس في الأصول ولا في مصدري النقل.
[ ٣ / ٧٧٠ ]
لهما رسول الله - ﷺ -: «تشهدان أني رسول الله؟» فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: «آمنت بالله ورسوله، ولو كنت قاتلًا رسولًا لقتلتكما». قال عبد الله: فمضت السنة بأن الرسل لا تقتل.
وفي «صحيح البخاري» (^١) عن أبي رجاءٍ العُطاردي قال: «لما بُعث النبي - ﷺ - فسمعنا به لَحِقْنا بمسيلمة الكذاب فلحقنا بالنار. وكنا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرًا هو أحسن منه ألقينا ذاك فأخذناه، فإذا لم نجد حجرًا جمعنا حَثيةً من تراب ثم جئنا بغنمٍ فحلبناها عليه ثم طفنا به. وكنا إذا دخل رجب قلنا: جاء مُنْصِل الأسِنَّة، فلا ندع حديدةً فيها سهم ولا حديدةً في رُمح إلا انتزعناه وألقيناه».
قلت: وفي «الصحيحين» (^٢) من حديث نافع بن جُبَير عن ابن عباس قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله - ﷺ - المدينة فجعل يقول: إن جعل لي محمدٌ الأمرَ مِن بعده اتَّبعتُه، وقدمها في بشر كثير من قومه، فأقبل النبيُّ - ﷺ - ومعه ثابت بن قيس بن شمَّاس، وفي يد النبي - ﷺ - قطعة جريدٍ، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال: «إن سألتَني هذه القطعة ما أعطيتُكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليَعقِرنَّك الله، وإني أراك الذي أُريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني» ثم انصرف. قال ابن عباس: فسألت عن قول النبي - ﷺ -: «إنك الذي أريت فيه ما رأيت»، فأخبرني أبو هريرة أن النبي - ﷺ - قال: «بينا أنا نائم رأيتُ في يديَّ سِوارين من ذهب،
_________________
(١) برقم (٤٣٧٦)، واللفظ أشبه بلفظ البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٣٣). وفي المطبوع غُيِّر بعض ألفاظه واستُبدل بها ألفاظ البخاري، فخرج الحديث مرقّعًا ملفّقًا، لا هو بالذي كتب المؤلف، ولا الذي في «الدلائل»، ولا الذي عند البخاري!
(٢) البخاري (٤٣٧٣) ومسلم (٢٢٧٣) واللفظ أشبه بلفظ «الدلائل» (٥/ ٣٣٤).
[ ٣ / ٧٧١ ]
فأهمَّني شأنهما، فأوحي إليَّ في المنام أن: انفُخْهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذَّابيَن يخرجان من بعدي، فهذان هما: أحدهما العَنْسي صاحب صنعاء، والآخر مسيلمة صاحب اليمامة». وهذا أصح من حديث ابن إسحاق المتقدم.
وفي «الصحيحين» (^١) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بينا أنا نائم إذ أتيتُ بخزائن الأرض، فوُضِع في يديَّ سِواران من ذهب، فكَبُرا عليَّ وأهماني، فأوحِيَ إليَّ أن: انفخهما، فنفختُهما فذهبا، فأوَّلتُهما الكذابين اللَّذَين أنا بينهما: صاحب صنعاء وصاحب اليمامة».
فصل
في فقه هذه القصة
فيها: جواز مكاتبة الإمام لأهل الردة إذا كان لهم شوكة، ويَكتب لهم ولإخوانهم من الكفار: سلام على من اتبع الهدى.
ومنها: أن الرسول لا يُقتَل ولو كان مرتدًّا، هذه السنة.
ومنها: أن للإمام أن يأتي بنفسه إلى من قدم يريد لقاءه من الكفار.
ومنها: أن الإمام ينبغي له أن يستعين برجلٍ من أهل العلم يجيب عنه أهلَ الاعتراض والعناد.
ومنها: توكيل العالم لبعض أصحابه أن يتكلَّم عنه ويجيب عنه.
ومنها: أن هذا الحديث من أكبر فضائل الصديق، فإن النبي - ﷺ - نفخ السوارين برُوحه (^٢) فطارا، وكان الصديق هو ذلك الرُّوح الذي نفخ مسيلمة
_________________
(١) البخاري (٤٣٧٤) ومسلم (٢٢٧٤).
(٢) أي: بنفخه.
[ ٣ / ٧٧٢ ]
فصل: لباس الحلي للرجل في المنام يدل على نكد يلحقه
وأطاره (^١). قال الشاعر:
فقلتُ لها انفُخها برُوحك البيت (^٢).
فصل
ومن هاهنا دلَّ لباس الحُليِّ للرجل على نكدٍ يلحقه وهمٍّ يناله. وأنبأني أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن (^٣) بن عبد المنعم بن نعمة (^٤) بن سرور المقدسي المعروف بالشهاب العابر (^٥)، قال (^٦): قال لي رجل: رأيت في
_________________
(١) وذلك أن الأسود العنسي قُتل في زمن النبي - ﷺ -، وأما مسيلمة فكان القائمُ عليه حتى قتله أبا بكر الصديق، فقام مقام النبي - ﷺ - في ذلك. انظر: «الفتح» (٨/ ٩٠).
(٢) البيت لذي الرُّمَّة، ونصّه: فقلتُ له ارْفَعْها إليك وأَحْيِها برُوحِك واقتَتْه لها قِيتةً قَدْرا وهو في «ديوانه» (٣/ ١٤٢٩). والشاهد فيه قوله: «أحيها برُوحك» أي: أحيِ النار بنفخك. وقوله: «واقتته » أي: تَرَفَّقْ في نفخك واجعله شيئًا مقدَّرًا.
(٣) في الأصول عدا ز والطبعة الهندية: «عبد الرحيم»، بل حتى في هامش ز كتب: «لعله عبد الرحيم»، وهو خطأ كما يتبيّن من مصادر ترجمته.
(٤) بعده في ز، هامش س: «بن سلطان»، وهو في نسبه كذلك.
(٥) هو الشيخ شهاب الدين عابر الرؤى، ولد سنة ٦٢٨ بنابلس، سمع الحديث ورحل له وروى الكثير، وتفقّه في المذهب الحنبلي، وكان إليه المنتهى في تفسير المنامات وتعبير الأحلام، صنّف في ذلك مقدمة سمّاها «البدر المنير في علم التعبير»، قرأها عليه البرزالي وسمع منه الذهبي أجزاء، وكذا ابن القيم كما سينصُّ عليه في آخر النقل، توفي بدمشق سنة ٦٩٧ وكانت جنازته حافلة. انظر: «تاريخ الإسلام» (١٥/ ٨٥٠) و«الوافي بالوفيات» (٧/ ٤٨) و«ذيل طبقات الحنابلة» (٤/ ٢٨٩).
(٦) «البدر المنير» (ص ٣٧٧). وكل ما سيأتي من النقل عن الشهاب العابر فمن كتابه هذا (ص ٣٧٥ - ٣٧٩).
[ ٣ / ٧٧٣ ]
رجلي خلخال (^١) فقلت له: تتخلخل رجلك بألم، وكان كذلك.
وقال لي آخر: رأيت كأنَّ في أنفي حلقةَ ذهبٍ وفيها حبٌّ مليح أحمر، فقلت له: يقع بك رُعاف شديد، فجرى ذلك.
وقال آخر: رأيت كُلابَنْدًا (^٢) معلَّقًا (^٣) في شفتي، قلت له: يقع بك أَلَم يحتاج إلى الفصد في شفتك؛ فجرى ذلك.
وقال لي آخر: رأيت في يدي سوارًا والناس يبصرونه، فقلت له: سوء يبصره الناس في يدك؛ فعن قليل طلع في يده طَلُوع (^٤). ورأى ذلك آخر لم يكن يبصره الناس، فقلت له: تتزوج امرأةً حسنةً وتكون رقيقةً. قلت: عبَّر له السوار بالمرأة لما أخفاه وستره عن الناس، ووصفها بالحسن لحسن منظر الذهب وبهجته، وبالرقة لشكل السِّوار.
والحلية للرجل تتصرَّف على وجوه، فربما دلت على تزويج العُزَّاب لكونها من آلات التزويج، وربما دلت على الإماء والسراري، وعلى الغَناء،
_________________
(١) كذا في جميع الأصول.
(٢) الظاهر أنه مركَّب من كلمتين معرَّبتين، فـ «الكُلا» هي القلنسوة، و«بند» شريط أو خيط يحيط بالشيء، فيكون الكلابند شريطًا يحيط بالقلنسوة، ولعله هو الشريط العريض من القطن المسبوغ الذي كان يحيط بقلانس الأمراء في العصر المملوكي، الذي كان يقال له «التضريب». وكان في هذا الشريط إبزيم أو كُلَّاب من حديد يربط طرفيه، ولعله به تعلَّق الكلابند في شفة الرائي. انظر: «المعجم العربي لأسماء الملابس» لرجب عبد الجواد (ص ٧٨، ٢٩٣، ٤٢٩، ٤٣١).
(٣) في الأصول عدا ث، س: «معلَّق».
(٤) الطَّلُوع: بثرة عظيمة، وهو لفظ مولَّد. انظر: «تكملة المعاجم العربية» (٧/ ٦٨).
[ ٣ / ٧٧٤ ]
وعلى البنات، وعلى الخَدَم، وعلى الجهاز (^١)، وذلك بحسب حال الرائي وما يليق به.
قال أبو العباس العابر: وقال لي رجل: رأيت كأن في يدي سوارًا منفوخًا لا يراه الناس، فقلت له: عندك امرأة بها مرض الاستسقاء. فتأمل كيف عبَّر له السوار بالمرأة ثم حكم عليها بالمرض لصُفرة السوار، وأنه مرض الاستسقاء الذي ينتفخ معه البطن.
قال: وقال لي آخر: رأيت في يدي خلخالًا وقد أمسكه آخر وأنا ممسك له وأصيح عليه وأقول: اترك خلخالي، فتركه، فقلت له: فكان الخلخال في يدك أملس؟ فقال: بل كان خشنًا تألَّمتُ منه مرةً بعد مرة وفيه شراريف، فقلت له: أمك وخالك شريفان، ولست أنت بشريف واسمك عبد القاهر، وخالك لسانه لسان نجس (^٢) رديء يتكلم في عِرضك ويأخذ مما في يدك، قال: نعم، قلت: ثم إنه يقع في يد ظالمٍ متعدٍّ ويحتمي بك، فتشدُّ منه وتقول: خلِّ خالي؛ فجرى ذلك عن قليل.
قلت: تأمل أخذه الخال من لفظ الخلخال، ثم أغار على (^٣) اللفظ بتمامه حتى أخذ منه: «خلِّ خالي»، وأخذ شَرَفه من شراريف الخلخال ودلَّ على شرف أمه إذ هي شقيقة خاله، وحكم عليه بأنه ليس بشريفٍ إذ شُرُفات الخال (^٤) الدالَّةُ على الشَّرَف اشتقاقًا هي في أمر خارج عن ذاته. واستدل على
_________________
(١) أي: جهاز العروس.
(٢) يحتمل أن يكون: «نحس» بالحاء، كما في مطبوعة «البدر المنير» (ص ٣٧٨).
(٣) ن: «أعاد على». النسخ المطبوعة: «عاد إلى».
(٤) كذا في جميع الأصول والمطبوعات، ولعلّه سبق قلم، إذ السياق يقتضي: «الخلخال».
[ ٣ / ٧٧٥ ]
أن لسان خاله لسان رديء يتكلم في عرضه بالألم الذي حصل له بخشونة الخلخال مرةً بعد مرة، فهي خشونة لسان خاله في حقه. واستدل على أخذ خاله ما في يديه بتأذِّيه به وبأخذه من يديه في النوم بخشونته. واستدل بإمساك الأجنبي للخلخال ومجاذبة الرائي عليه (^١) على وقوع الخال في يد ظالمٍ متعدٍّ يطلب ما ليس له. واستدل بصياحه على المجاذب له وقوله: (خَلْ خالِي) (^٢) على أنه يعين خالَه على ظالمه ويشدّ منه. واستدل على قهره لذلك المجاذب له وأن القاهر يَدُه عليه على أن اسمه عبد القاهر. وهذه كانت حالَ شيخنا هذا ورسوخَه في علم التعبير، وسمعتُ عليه عدة أجزاء، ولم يتَّفق لي قراءة هذا العلم عليه لصغر السن واخترام المنية له - ﵀ -.
فصل
في قدوم وفد طيِّئٍ على النبي - ﷺ -
قال ابن إسحاق (^٣): وقدم على رسول الله - ﷺ - وفد طيئ وفيهم زيدُ الخيلِ وهو سيدهم، فلما انتهوا إليه كلَّمهم وعرض عليهم الإسلام فأسلموا وحَسُن إسلامهم، وقال - ﷺ -: «ما ذُكِر لي رجلٌ من العرب بفضلٍ ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما فيه»، ثم سماه:
_________________
(١) «عليه» سقط من المطبوع.
(٢) أي بقوله في المنام: «اترك خلخالي».
(٣) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٧٧) و«دلائل النبوة» (٥/ ٣٣٧)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ٢٣٦). وأسنده ابن سعد (٦/ ٢١٢) عن شيخه الواقدي عن أبي بكر ابن أبي سبرة عن أبي عمير الطائي ــ وكان يتيمًا للزهري ــ معضلًا بنحوه.
[ ٣ / ٧٧٦ ]
«زيد الخير» (^١)، وقطع له فَيْدَ (^٢) وأرضين معه وكتب له بذلك، فخرج من عند رسول الله - ﷺ - راجعًا إلى قومه فقال رسول الله - ﷺ -: «إن يَنجُ زيدٌ من حُمَّى المدينة فإنه»، فلما (^٣)
انتهى إلى ماء من مياه نجد يقال له فَرْدَة (^٤) أصابته الحمى بها فمات. فلما أحس بالموت أنشد:
أمرتحل قومي المشارقَ غُدوةً وأُترَك في بيتٍ بفَرْدةَ مُنْجِدِ
ألا رُبَّ يومٍ لو مرضتُ لعادني عوائدُ من لم يُبرَ منهن يَجهَدِ (^٥)
_________________
(١) تسمية النبي - ﷺ - إياه «زيد الخير» روي أيضًا من حديث ابن مسعود عند ابن عدي في «الكامل» (٢/ ٢٢) والطبراني في «الكبير» (١٠/ ٢٤٩)، ولكنه حديث منكر.
(٢) كذا في الأصول. وفي المطبوع: «فيدًا» منصرف، وفاقًا لـ «سيرة ابن هشام»، وكذا في «عيون الأثر». وقرية فيد لا تزال معروفة بهذا الإسم، وهي تقع جنوب شرقيِّ مدينة حائل على قرابة ١٠٠ كلم.
(٣) كذا في عامّة الأصول، وظاهره أن: «فإنه» من كلام النبي - ﷺ -. وفي ث، ن، الطبعة الهندية: «لمّا»، وهذا ظاهره أن «فإنه» ليس من كلام النبي - ﷺ -. والأمر محتمل في المصادر لأن فيها كلامًا بين «فإنه» و«فلمّا» حذفه المؤلف اختصارًا. وعلى كلٍّ فجواب الشرط مقدَّر، قال الزرقاني في «شرح المواهب (٥/ ١٥٩): «أي: فإنه لا يُصاب بسوء كما قدّره بعضهم أو لم يُصبه ضررٌ ونحو ذلك، أو أن «إنْ» نافية، أي: ما ينجو، لكن لا يساعده الرسم» .. انتهى بتصرف. ولفظه في «الإصابة» (٤/ ١١٥) نقلًا عن ابن إسحاق: « فإنه غالب». والله أعلم.
(٤) قال عاتق في «معجم معالم السيرة» (ص ٢٣٦): «في الجنوب الغربي من فيدٍ ماء يسمى فردة فلعله هو».
(٥) يقول: لعاده العائدون من أنحاء بعيدة حتى يبريهم ــ أي يَهزُلهم ــ السفر، ومن لم يُبرَ منهم جَهَد وتعب لا محالة.
[ ٣ / ٧٧٧ ]
قال ابن عبد البر (^١): وقيل: بل مات في آخر خلافة عمر. وله ابنان: مُكْنِف وحُريث، أسلما وصحبا رسول الله - ﷺ - وشهدا قتال أهل الردة مع خالد.
فصل
في قدوم وفد كِندة على رسول الله - ﷺ -
قال ابن إسحاق (^٢): حدثني الزهري قال: قدم الأشعث بن قيس على رسول الله - ﷺ - في ثمانين أو ستين راكبًا من كندة، فدخلوا عليه مسجدَه، قد رجَّلوا جُمَمهم وتسلَّحوا (^٣) ولبسوا جُباب الحِبَرات مكفَّفةً بالحرير، فلما دخلوا قال رسول الله - ﷺ -: «أولم تسلموا؟» قالوا: بلى، قال: «فما هذا الحرير في أعناقكم؟» فشقُّوه ونزعوه وألقَوه.
ثم قال الأشعث: يا رسول الله، نحن بنو آكِل المُرار وأنت ابن آكل المرار، فضحك رسول الله - ﷺ - ثم قال: «ناسِبْ (^٤) بهذا النسب ربيعةَ بن الحارث والعباس بن عبد المطلب».
قال الزهري أو (^٥) ابن إسحاق: كانا تاجرين، وكانا إذا سارا في أرض
_________________
(١) في «الاستيعاب» (٢/ ٥٥٩)، والنقل من «عيون الأثر» (٢/ ٢٣٧).
(٢) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٨٥) و«الدلائل» (٥/ ٣٧٠) وعنه صدر المؤلف.
(٣) كذا في جميع الأصول والنسخ المطبوعة، والظاهر أنه تصحيف عن «تكحَّلُوا» كما عند ابن هشام والبيهقي.
(٤) المطبوع: «ناسبوا»، وهو لفظ ابن هشام. والمثبت من الأصول لفظ البيهقي كما في مخطوطة «الدلائل».
(٥) في ن، والنسخ المطبوعة: واو العطف خلافًا لسائر الأصول، ووجه تردّد المؤلف أنّه لم يُصرَّح بالقائل في الخبر.
[ ٣ / ٧٧٨ ]
العرب فسئلا من أنتما؟ قالا: نحن بنو آكل المرار، يتعزَّزون بذلك في العرب ويدفعون به عن أنفسهم، لأن بني آكل المرار من كندة كانوا ملوكًا. قال رسول الله - ﷺ -: «نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا».
وفي «المسند» (^١) من حديث حماد بن سلمة عن عقيل بن طلحة عن مسلم بن هيصم (^٢) عن الأشعث بن قيس قال: قدمنا على رسول الله - ﷺ - وفد كندة، ولا يرون إلا أني أفضلهم، قلت: يا رسول الله، ألستم منا؟ قال: «لا، نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا»، فكان الأشعث يقول: لا أوتى برجل نفى رجلًا من قريش من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد.
وفي هذا من الفقه: أن من كان من ولد النضر بن كنانة فهو من قريش.
وفيه: جواز إتلاف المال المحرَّم استعمالُه كثياب الحرير على الرجال، وأن ذلك ليس بإضاعة.
والمُرار: هو شجر من شجر البوادي، وآكل المرار هو: الحارث بن عمرو بن حُجر بن عمرو بن معاوية بن كندة (^٣)، وللنبي - ﷺ - جدة من كندة
_________________
(١) برقم (٢١٨٣٩، ٢١٨٤٥)، وأخرجه أيضًا الطيالسي (١١٤٥) وابن ماجه (٢٦١٢) والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٧١) ــ واللفظ له ــ من طرق عن حماد بن سلمة به. وإسناده جيِّد كما قال الحافظ ابن كثير. انظر: «البداية والنهاية» (٣/ ٢٢١) و«أنيس الساري» (٣٨٥٢).
(٢) ف، ب، ز، ن: «مِشكَم». وتصّحف في د، س، ث إلى «مسلم» وفي الطبعة الهندية إلى «أشكم». ومسلم بن مشكم تابعي آخر ليس براوي هذا الحديث، والمثبت هو الراوي كما في جميع مصادر التخريج.
(٣) كذا قال ابن هشام (٢/ ٥٨٦)، وتبعه ابن سيد الناس في «عيون الأثر» (٢/ ٢٤٢) ثم ذكر أنه قيل: إن آكل المرار هو جدُّه حُجر بن عمرو. قلت: وهو المشهور عند أهل الأنساب. انظر: «نسب معد واليمن» لابن الكلبي (١/ ١٦٨) و«جمهرة أنساب العرب» (ص ٤٢٧، ٤٢٨) و«نهاية الأرب» للقلقشندي (ص ٤٣، ٤٥).
[ ٣ / ٧٧٩ ]
مذكورة وهي أم كِلاب بن مُرَّة، وإياها أراد الأشعث.
وفيه: أن من انتسب إلى غير أبيه فقد انتفى من أبيه وقفى أمه أي: رماها بالفجور.
وفيها: أن كندة ليسوا من ولد النضر بن كنانة.
وفيه: أن من أخرج رجلًا عن (^١) نسبه المعروف جُلد حدَّ القذف.
فصل
في قدوم الأشعريين وأهل اليمن
روى يزيد بن هارون (^٢) عن حميد عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: «يقدَم قومٌ هم أرق منكم قلوبًا» فقدم الأشعريون فجعلوا يرتجزون:
غدًا نلقى الأحبهْ محمدًا وحزبَهْ
وفي «صحيح مسلم» (^٣) عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) ز، س: «من».
(٢) ومن طريقه أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٥١) واللفظ له. وأخرجه أحمد (١٢٠٢٦، ١٢٥٨٢، ١٢٨٧٢، ١٣٧٦٨) والنسائي في «الكبرى» (٨٢٩٤) وابن حبان (٧١٩٣، ٧١٩٢) والضياء في «المختارة» (٥/ ٢٩٩) من طرق عن حميد به. وإسناده على رسم «الصحيحين».
(٣) برقم (٥٢/ ٨٩). وهو عند البخاري (٣٤٩٩، ٤٣٨٨) بنحوه. وفي الباب حديث أبي مسعود البدري عند البخاري (٣٣٠٢) ومسلم (٥١) بنحوه.
[ ٣ / ٧٨٠ ]
يقول: «جاء أهل اليمن هم أرقُّ أفئدةً وأضعف قلوبًا؛ الإيمان يمان والحكمة يمانية؛ السكينة في أهل الغنم، والفخرُ والخيلاء في الفدَّادين أهلِ الوبر قِبَل مَطلِعِ الشمس».
ورُوينا عن يزيد بن هارون (^١)، أخبرنا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر فقال: «أتاكم أهل اليمن كأنهم السحاب، هم خيار من في الأرض»، فقال رجل من الأنصار: إلا نحن يا رسول الله؟ فسكت، ثم قال: إلا نحن يا رسول الله؟ فسكت ثم قال: إلا نحن يا رسول الله؟ قال (^٢): «إلا أنتم» كلمةً ضعيفةً.
وفي «صحيح البخاري» (^٣): أن نفرًا من بني تميم جاءوا إلى رسول الله - ﷺ - فقال: «أبشروا يا بني تميم»، فقالوا: بشَّرتنا فأَعْطِنا فتغيَّر وجهُ رسول الله - ﷺ -، وجاء نفر من أهل اليمن فقال: «اقبَلُوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم»، قالوا: قد قبلنا، ثم قالوا: يا رسول الله، جئنا لنتفقه في الدين ونسألك عن أول هذا الأمر، فقال: «كان الله ولم يكن شيءٌ غيرُه وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كلَّ شيء».
_________________
(١) في «دلائل النبوة» للبيهقي (٥/ ٣٥٣). وأخرجه أيضًا أحمد (١٦٧٧٩) وابن أبي شيبة (٣٣١٠٣) والبزار (٣٤٢٨، ٣٤٢٩) وأبو يعلى (٧٤٠١) وغيرهم من طرق عن ابن أبي ذئب بهذا الإسناد، وهو إسناد حسن.
(٢) «إلا نحن يا رسول الله؟ قال» سقط من المطبوع. وفي ث، الطبعة الهندية سقط: «فسكت ثم قال إلا نحن يا رسول الله؟». وفي ن لم يرد قول الأنصاري إلا مرّة واحدة. وليس في «الدلائل»: «يا رسول الله» في المرّة الثالثة.
(٣) برقم (٣١٩٠، ٣١٩١، ٧٤١٨) بنحوه.
[ ٣ / ٧٨١ ]
فصل
في قدوم وفد الأزد على رسول الله - ﷺ -
قال ابن إسحاق (^١): وقدم على رسول الله - ﷺ - صُرَد بن عبد الله الأزدي فأسلم وحسن إسلامه في وفدٍ من الأزد، فأمَّره رسول الله - ﷺ - على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن، فخرج صُرَد يسير بأمر رسول الله - ﷺ - حتى نزل بجُرَشٍ (^٢)، وهي يومئذ مدينة مغلقة، وبها قبائل من قبائل اليمن، وقد ضوت إليهم خثعم فدخلوها معهم حين سمعوا بمسير المسلمين إليهم، فحاصروهم فيها قريبًا من شهر وامتنعوا فيها، فرجع عنهم قافلًا حتى إذا كان في جبلٍ لهم يقال له «شَكْر» ظنَّ أهل جرش أنه إنما ولَّى عنهم منهزمًا، فخرجوا في طلبه حتى إذا أدركوه عطف عليهم فقتلهم (^٣) قتلًا شديدًا.
وقد كان أهل جرش بعثوا إلى رسول الله - ﷺ - رجلين منهم يرتادان وينظران، فبينا (^٤) هما عند رسول الله - ﷺ - عشيةً بعد العصر إذ قال رسول الله - ﷺ -: «بأي بلاد الله شَكَر؟» فقام الجُرَشيان فقالا: يا رسول الله، ببلادنا جبل يقال له: «كَشر» ــ وكذلك تسميه أهل جرش ــ، فقال: «إنه ليس بكَشَرٍ ولكنه
_________________
(١) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٨٧) و«دلائل النبوة» (٥/ ٣٧٢).
(٢) مدينة عظيمة كانت قائمة إلى القرن الرابع ثم اندثرت، وتوجد آثارها اليوم قرب مدينة خميس مُشَيط. انظر: «المعالم الجغرافية في السيرة» (ص ٨١).
(٣) د، المطبوع: «فقاتلهم فقتلهم». والمثبت من سائر الأصول لفظ «سيرة ابن هشام» و«عيون الأثر». وفي «الدلائل»: «فقاتلهم قتالًا شديدًا».
(٤) ز، س، ن: «فبينما».
[ ٣ / ٧٨٢ ]
شَكْر»، قالا: فما شأنه يا رسول الله؟ فقال: «إن بُدن الله لتُنحَر عنده الآن». قال: فجلس الرجلان إلى أبي بكر أو إلى عثمان فقال (^١) لهما: ويحكما! إن رسول الله - ﷺ - لينعى لكما قومَكما، فقوما فاسألاه أن يدعو الله أن يرفع عن قومكما، فقاما إليه فسألاه ذلك، فقال: «اللهم ارفع عنهم»، فخرجا من عند رسول الله - ﷺ - راجعَين إلى قومهما، فوجدا قومهما أصيبوا في اليوم الذي قال فيه رسول الله - ﷺ - ما قال وفي الساعة التي ذَكَر فيها ما ذَكَر؛ فخرج وفدُ جُرَش حتى قدموا على رسول الله - ﷺ - فأسلموا وحمى لهم حمًى حول قريتهم.
فصل
في قدوم وفد بني الحارث بن كعب على رسول الله - ﷺ -
قال ابن إسحاق (^٢): ثم بعث رسول الله - ﷺ - خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر وجُمادى الأولى (^٣) سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب (^٤) بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثًا، فإن استجابوا فاقبَلْ منهم وإن لم يفعلوا فقاتِلْهم، فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان
_________________
(١) ث، ن، والنسخ المطبوعة: «وإلى عثمان فقالا»، وكذا في «الدلائل». والمثبت من سائر الأصول موافق لـ «سيرة ابن هشام» و«عيون الأثر».
(٢) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٩٢) و«الدلائل» (٥/ ٤١١)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ٢٤٤). وخبر الوفد ذكره أيضًا ابن سعد (١/ ٢٩٢) عن الواقدي بإسناد له عن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي مرسلًا بنحوه.
(٣) ث، والنسخ المطبوعة: «أو جمادى الأول»، وكذا في مطبوعات كلٍّ من «سيرة ابن هشام» و«الدلائل» و«عيون الأثر». والذي وقفت عليه في نسخة خطية من «الدلائل» ونسختَين خطيتَين من «عيون الأثر» أنه بواو العطف كما هنا.
(٤) هم بطن من مَذْحِج من القحطانية. «نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب» (ص ٤٩).
[ ٣ / ٧٨٣ ]
يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام ويقولون: أيها الناس أسلِموا تَسْلَموا، فأسلم الناس ودخلوا فيما دُعُوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام، وكتب إلى رسول الله - ﷺ - بذلك، فكتب له رسول الله - ﷺ - أن يُقبِل ويُقبِل معه وفدُهم، فأقبل وأقبل معه وفدهم، منهم: قيس بن الحُصَين ذي الغُصَّة، ويزيد بن عبد المَدان، ويزيد بن المُحَجَّل (^١)، وعبد الله بن قُراد، وشدَّاد بن عبد الله.
وقال لهم رسول الله - ﷺ -: «بِمَ كنتم تغلبون مَن قاتلكم في الجاهلية؟» قالوا: لم نكن نغلب أحدًا، قال: «بلى»، قالوا: كنا نجتمع ولا نتفرَّق، ولا نبدأ أحدًا بظلم، قال: «صدقتم»، وأمَّر عليهم قيس بن الحصين؛ فرجعوا إلى قومهم في بقيةٍ من شوال أو من ذي القعدة، فلم يمكثوا إلا أربعة أشهر حتى توفي رسول الله - ﷺ -.
فصل
في قدوم وفد هَمْدان عليه - ﷺ -
وقدم عليه وفد همدان، منهم: مالك بن النَّمَط، ومالك بن أَيفَع، وضِمام بن مالك، وعمرو بن مالك؛ فلَقُوا رسول الله - ﷺ - مرجعه من تبوك، وعليهم مُقطَّعات الحِبَرات والعمائم العَدَنية على الرواحل المَهْرية والأَرْحَبية (^٢)، ومالك بن النمط يرتجز بين يدي رسول الله - ﷺ - ويقول:
_________________
(١) رسمه في الأصول: «المحمل» إلا أنه أُصلح في ز إلى المثبت، وهو الصواب كما في المصادر.
(٢) نوعين من نجائب الإبل منسوبة إلى قبيلة مَهْرة وإلى بني أرحب من همدان.
[ ٣ / ٧٨٤ ]
إليك جاوَزْنَ سوادَ الريفِ في هَبَوات الصيف والخريف
مخطَّماتٍ بحبال الليفِ
وذكروا له كلامًا كثيرًا (^١) حسنًا فصيحًا (^٢)، فكتب لهم رسول الله - ﷺ - كتابًا أقطعهم فيه ما سألوه، وأمَّر عليهم مالك بن النَّمَط واستعمله (^٣) على من أسلم من قومه، وأمره بقتال ثقيفٍ، وكان لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه (^٤).
وقد روى البيهقي (^٥) بإسناد صحيح من حديث أبي إسحاق عن البراء
_________________
(١) «كثيرًا» ساقط من النسخ المطبوعة.
(٢) انظره في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٩٧ - ٥٩٨).
(٣) في جميع الأصول عدا ن: «واستعملهم»، ولعله سبق قلم من المؤلف.
(٤) النقل إلى هنا من «عيون الأثر» (٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦)، وهو مختصر مما ذكره ابن هشام في «سيرته» (٢/ ٥٩٦ - ٥٩٨) بإسناده عن أبي إسحاق السبيعي مرسلًا، إلا ما زاده ابن سيد الناس في آخره من أن النبي - ﷺ - استعمله على قومه وأمره بقتال ثقيف إلخ، فإن ذِكره هنا وهمٌ كما سيشير إليه المؤلف، لأن أهل السير والمغازي إنما ذكروا ذلك عن مالك بن عوف النَّصْري، لا مالك بن نَمَط الهمداني. انظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٩١) و«مغازي الواقدي» (٣/ ٩٥٥) و«دلائل النبوة» (٥/ ١٩٩).
(٥) في «الدلائل» (٥/ ٣٩٦) وفي «السنن الكبرى» (٢/ ٣٦٩)، وأخرجه أيضًا الروياني في «مسنده» (٣٠٤)؛ من طريقين عن إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق السبيعي عن أبيه عن جدّه أبي إسحاق به. وهذا الإسناد صحيح كما قال المؤلف، بل هو على شرط البخاري كما قال البيهقي والمؤلف نفسه في أول الكتاب (١/ ٤٣٩)، فإن البخاري قد أخرج الحديث (٤٣٤٩) من طريق إبراهيم بن يوسف به، لكنه اقتصر على صدر الحديث إلى قول البراء: «فكنت فيمن عقَّب مع عليٍّ» بنحوه مختصرًا.
[ ٣ / ٧٨٥ ]
أن النبي - ﷺ - بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، ثم إن النبي - ﷺ - بعث علي بن أبي طالب فأمره أن يَقفِل خالدًا إلا رجلًا ممن كان مع خالد أحبَّ أن يُعَقِّب مع عليٍّ فليعقب معه. قال البراء: فكنت فيمن عقَّب مع علي، فلما دَنَونا من القوم خرجوا إلينا فصلى بنا علي، ثم صفَّنا صفًّا واحدًا، ثم تقدَّم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله - ﷺ -، فأسلمت همدان جميعًا، فكتب عليٌّ إلى رسول الله - ﷺ - بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله - ﷺ - الكتاب خرَّ ساجدًا، ثم رفع رأسه فقال: «السلام على هَمْدان، السلام على هَمْدان». وأصل الحديث في «صحيح البخاري».
وهذا أصحُّ مما تقدم، ولم تكن همدان تقاتل ثقيفًا ولا تُغِير على سرحهم، فإن همدان باليمن وثقيفٌ بالطائف.
فصل
في قدوم وفد مُزَينة على رسول الله - ﷺ -
روينا من طريق البيهقي (^١) عن النعمان بن مُقَرِّن قال: قدمنا على رسول الله - ﷺ - أربعمائة رجل من مزينة، فلما أردنا أن ننصرف قال: «يا عُمَر، زَوِّد القوم»، فقال: ما عندي إلا شيءٌ من تمرٍ ما أظنه يقع من القوم موقعًا، قال:
_________________
(١) في «الدلائل» (٥/ ٣٦٥، ٣٦٦)، وأخرجه أيضًا أحمد (٢٣٧٤٦) وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٦٣٥٩)، كلهم من حديث سالم بن أبي الجعد عن النعمان به، وهو مرسل فإن سالمًا لم يُدرك النعمان. وقد رويت القصة بنحوها من حديث دُكين بن سعيد المزني عند أحمد (١٧٥٧٦ - ١٧٥٨٠) وأبي داود (٥٢٣٨) وابن حبان (٦٥٢٨) بإسناد صحيح.
[ ٣ / ٧٨٦ ]
«انطلق فزَوِّدهم»، قال: فانطلق بهم عمر فأدخلهم منزله ثم أصعدهم إلى عِلِّيَّةٍ، فلما دخلنا إذا فيها من التمر مثلُ الجَمَل الأَورق، فأخذ القومُ منه حاجتهم قال النعمان: وكنتُ في آخر من خرج، فنظرت وما أفقِدُ موضعَ تمرةٍ مِن مكانها.
فصل
في قدوم وفد دَوسٍ على رسول الله - ﷺ - قبل ذلك بخيبر
قال ابن إسحاق (^١): كان الطفيل بن عمرٍو الدَّوسي يحدِّث أنه قدم مكة ورسول الله - ﷺ - بها، فمشى إليه رجالُ قريشٍ، وكان الطفيل رجلًا شريفًا شاعرًا لبيبًا، فقالوا له: إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل ــ وهو الذي بين أظهرنا ــ فرَّق جماعتنا وشتَّت أمرَنا، وإنما قوله كالسِّحر يفرق بين المرء وابنه، وبين المرء وأخيه، وبين الرجل (^٢) وزوجته، وإنَّا (^٣) نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمع منه، قال: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعتُ أن لا أسمع منه شيئًا ولا أكلِّمه حتى حَشَوتُ في أُذُنيَّ حين غدوت إلى المسجد كُرْسُفًا فَرَقًا من أن يبلغني شيء من قوله.
قال: فغدوتُ إلى المسجد فإذا رسول الله - ﷺ - قائم يصلي عند الكعبة فقمت قريبًا منه، فأبى الله إلا أن يُسمعني بعضَ قوله، فسمعت كلامًا حسنًا فقلت في نفسي: واثُكْلَ أُمِّياه! والله إني لَرجل لبيب شاعر ما يخفى عليَّ الحسنُ من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان ما يقول حسنًا قبلت وإن كان قبيحًا تركت.
_________________
(١) كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٨٢) و«دلائل النبوة» (٥/ ٣٦٠) وهو مصدر النقل.
(٢) ن، والنسخ المطبوعة: «المرء».
(٣) د، والنسخ المطبوعة: «إنما».
[ ٣ / ٧٨٧ ]
قال: فمكثت حتى انصرف رسولُ الله - ﷺ - إلى بيته فتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت: يا محمد، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فواللهِ ما برحوا يخوِّفُوني أمرك حتى سددتُ أذني بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله ﷿ إلا أن يُسمعنيه، فسمعت قولًا حسنًا، فاعرِضْ عليَّ أمرك، فعرض عليَّ رسولُ الله - ﷺ - الإسلام وتلا عليَّ القرآن، فلا واللهِ ما سمعت قولًا قطُّ أحسنَ منه ولا أمرًا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبيَّ الله، إني امرؤ مُطاعٌ في قومي، وإني راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادعُ الله أن يجعل لي آيةً تكون عونًا لي عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال: «اللهم اجعل له آيةً».
قال: فخرجتُ إلى قومي حتى إذا كنت بثنيَّةٍ تُطلعني على الحاضر وقع نور بين عينيَّ مثلُ المصباح، قال: قلت: اللهم في غير وجهي؛ إني أخشى أن يظنوا أنها مَثُلَةٌ (^١) وقعت في وجهي لفراقي دينَهم، قال: فتحوَّل فوقع في رأس سوطي كالقنديل المعلَّق، وأنا أنهبط إليهم من الثنية حتى جئتهم وأصبحت فيهم، فلما نزلت أتاني أبي ــ وكان شيخًا كبيرًا ــ فقلت: إليك عني يا أَبَهْ (^٢) فلستَ مني ولستُ منك! قال: لم يا بُنيَّ؟ قلت: قد أسلمت وتابعت دين محمد، قال: يا بني فديني دينك، قال: فقلت: فاذهب فاغتسل وطهِّر ثيابَك ثم تعال حتى أعلمك ما علمت، قال: فذهب فاغتسل وطهَّر ثيابه ثم جاء،
_________________
(١) أي: عقوبة.
(٢) في طبعة الرسالة: «أبتِ» خلافًا للأصول وللطبعة الهندية، وكذا في مطبوعة «الدلائل» خلافًا لمخطوطته (نسخة كوبريلي). والمثبت وجه جائز في النداء. انظر: «الكتاب» لسيبويه (٢/ ٢١٠ - ٢١١).
[ ٣ / ٧٨٨ ]
فعرضتُ عليه الإسلام فأسلم.
ثم أتتني صاحبتي فقلتُ لها: إليكِ عني فلستُ منكِ ولستِ مني، قالت: لِمَ بأبي أنت وأمي؟ قلت: فرق الإسلام بيني وبينك، أسلمت وتابعت دين محمد - ﷺ -، قالت: فديني دينك، قال: قلت: فاذهبي فاغتسلي، ففعلت ثم جاءت، فعرضت عليها الإسلام فأسلمت.
ثم دعوتُ دوسًا إلى الإسلام فأبطؤوا عليَّ، فجئت رسول الله - ﷺ - فقلت: يا نبيَّ الله، إنه قد غلبني على دوسٍ الزنا، فادعُ الله عليهم، فقال: «اللهم اهدِ دوسًا» (^١)، ثم قال: «ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله وارفُقْ بهم»، فرجعتُ إليهم فلم أزل بأرض دوسٍ أدعوهم إلى الله، ثم قدمت على رسول الله - ﷺ - بخيبر (^٢)، فنزلتُ المدينة بسبعين أو ثمانين بيتًا من دوس، ثم لحِقْنا برسول الله - ﷺ - بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين (^٣).
قال ابن إسحاق (^٤): فلما قُبِض رسول الله - ﷺ - وارتدَّت العرب خرج
_________________
(١) هذا القدر له شاهد عند البخاري (٤٣٩٢) ومسلم (٢٥٢٤) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: جاء الطفيل بن عمرو إلى النبي - ﷺ - فقال: إن دوسًا قد هلكت؛ عصت وأبت، فادع الله عليهم، فقال - ﷺ -: «اللهم اهد دوسًا وأتِ بهم». لفظ البخاري.
(٢) كذا في جميع الأصول، وأخشى أن يكون حصل سقط من المؤلف لانتقال النظر، فإن السياق في «الدلائل»: «ثم قدمت المدينة على رسول الله - ﷺ - بمن أسلم معي من قومي ــ ورسول الله - ﷺ - بخيبر ــ فنزلتُ المدينة ». وفي النسخ المطبوعة: « على رسول الله - ﷺ - ورسولُ الله - ﷺ - بخيبر».
(٣) لحاقهم بالنبي - ﷺ - في خيبر وإسهامه لهم صحَّ من حديث أبي هريرة، وقد سبق (ص ٣٧٧ - ٣٧٨).
(٤) كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٨٥) و«الدلائل» (٥/ ٣٦٢).
[ ٣ / ٧٨٩ ]
الطفيل مع المسلمين حتى فرغوا مِن طُلَيحة، ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو بن الطفيل، فقال لأصحابه: إني قد رأيت رؤيا فاعبُرُوها لي؛ رأيت أن رأسي قد حُلق، وأنه قد خرج من فمي طائر، وأن امرأةً لقيتني فأدخلتني في فرجها، ورأيت أن ابني يطلبني طلبًا حثيثًا ثم رأيته حُبِس عني. قالوا: خيرًا رأيت. قال: أما والله إني قد أوَّلتُها. قالوا: وما أولتَها؟ قال: أما حلق رأسي فوضعه، وأما الطائر الذي خرج من فمي فروحي، وأما المرأة التي أدخلَتْني في فرجها فالأرض تُحفَر فأغيَّب فيها، وأما طلب ابني إياي وحبسه عني فإني أراه سيجهد لأن يصيبه من الشهادة ما أصابني؛ فقُتِل الطفيل شهيدًا باليمامة وجرح ابنه عمرو جراحًا شديدًا، ثم قتل عام اليرموك شهيدًا في زمن عمر.
فصل
في فقه هذه القصة
فيها: أن عادة المسلمين كانت غسلَ الإسلام قبل دخولهم فيه، وقد صحَّ أمر النبي - ﷺ - به (^١). وأصحُّ الأقوال وجوبه على من أجنب في حال كفره ومن لم يُجنب.
وفيها: أنه لا ينبغي للعاقل أن يقلد الناس في المدح والذم، ولا سيما تقليد من يَمدح بهوًى ويَذمُّ بهوًى، فكم حالَ هذا التقليد بين القلوب وبين
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٠٦١١) وأبو داود (٣٥٥) والترمذي وحسَّنه (٦٠٥) والنسائي (١٨٨) وابن خزيمة (٢٥٤) وابن حبان (١٢٤٠) بإسناد صحيح من حديث قيس بن عاصم التميمي السعدي أنه قال: أتيتُ النبي - ﷺ - أريد الإسلام فأمرني أن أغتسل بماءٍ وسدر. لفظ أبي داود.
[ ٣ / ٧٩٠ ]
الهدى، ولم ينج منه إلا من سبقت له من الله الحسنى.
ومنها: أن المدد إذا لحق بالجيش قبل انقضاء الحرب أُسهِم لهم.
ومنها: وقوع كرامات الأولياء، وأنها إنما تكون لحاجة في الدين أو لمنفعة للإسلام (^١) والمسلمين، فهذه هي الأحوال الرحمانية، سببها متابعة الرسول ونتيجتها إظهار الحق وكسر الباطل، والأحوال الشيطانية ضدُّها سببًا ونتيجةً.
ومنها: التأني والصبر في الدعوة إلى الله، وأن لا يَعْجَل بالعقوبة والدعاء على العصاة.
وأما تعبيره حلق رأسه بوضعه، فهذا لأن حلق الرأسِ وضعُ شعره على الأرض، وهو لا يدل بمجرَّده على وضع رأسه، فإنه دالٌّ على خلاصٍ من همٍّ أو مرض أو شدة لمن يليق به ذلك، وعلى فقر ونكد (^٢) وزوال رياسةٍ وجاه لمن لا يليق به ذلك، ولكن في منام الطفيل قرائن اقتضت أنه وَضْعُ رأسِه، منها: أنه كان في الجهاد ومقاتلة العدو أولي الشوكة والبأس، ومنها: أنه دخل في بطن المرأة التي رآها، وهي الأرض التي هي بمنزلة أُمِّه، ورأى أنه قد دخل في الموضع الذي خرج منه، وهذا هو إعادته إلى الأرض كما قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥]، فأوَّل المرأة بالأرض إذ كلاهما محل الوطء، وأوَّل دخوله في فرجها عَودَه إليها كما خُلِق منها.
_________________
(١) ب، ز: «لمنفعة الإسلام». د، ن: «في الإسلام». ث، س: «والمنفعة للإسلام».
(٢) غير محرَّر في ف، ث، س إلا أن فيها دالين في آخره، فيحتمل أن يكون «تَكَدُّدٍ» وهو الطرد الشديد. والمثبت من سائر الأصول.
[ ٣ / ٧٩١ ]
وأوَّل الطائر الذي خرج من فمه بروحه، فإنها كالطائر المحبوس في البدن، فإذا خرجت منه كانت كالطائر الذي فارق حبسه فذهب حيث شاء، ولهذا أخبر النبي - ﷺ - أن نسمة المؤمن طائر يَعْلُق في شجر الجنة (^١).
وهذا هو الطائر الذي رُئي داخلًا في قبر ابن عباس لما دُفِن وسمع قارئ يقرأ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨] (^٢). وعلى حسب بياض هذا الطائر وسواده وحُسنه وقبحه تكون الروح. ولهذا كانت أرواح آل فرعون في صُوَر طيرٍ سُودٍ ترد النار بكرةً وعشيةً (^٣).
وأوَّل طلب ابنه له باجتهاده في أن يلحق به في الشهادة وحَبْسِه عنه هو مدةَ حياته بين وقعة اليمامة واليرموك. والله أعلم.
فصل
في قدوم وفد نجران عليه - ﷺ -
قال ابن إسحاق (^٤): ووفد على رسول الله - ﷺ - وفدُ نصارى نجران
_________________
(١) أخرجه مالك (٦٤٣) وأحمد (١٥٧٧٦) والترمذي وصححه (١٦٤١) والنسائي في «الكبرى» (٢٢١١) وابن حبان (٤٦٥٧) وغيرهم من حديث كعب بن مالك بإسناد صحيح. وقوله: «يعلق في شجر الجنة» أي: يأكل من ثمارها. يقال: عَلَقت البهائم من الشجر تَعْلُق عَلْقًا وعُلُوقًا، إذا تناولت بأفواهها من ورق الشجر، وكذلك الطير من الثمر.
(٢) أخرجه أبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» (٢٠١٧) وابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٠/ ٣٤٣١) والطبراني في «الكبير» (١٠/ ٢٩٠) والحاكم (٣/ ٥٤٣) عن سعيد بن جبير بإسناد جيّد.
(٣) كما ذكره هُزَيل بن شُرَحبيل ــ وهو من كبار التابعين ــ والسُّدِّي وكعب الأحبار، وروي أيضًا عن ابن مسعود. انظر: «تفسير الطبري» (٢٠/ ٣٣٧، ٣٣٨) و«البعث والنشور» للبيهقي (٢٠٦) و«تفسير عبد الرزاق» (٢/ ١٨١، ١٨٢).
(٤) كما في «دلائل النبوة» (٥/ ٣٨٢).
[ ٣ / ٧٩٢ ]
بالمدينة، فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير (^١) قال: لمَّا قدم وفد نجران على رسول الله - ﷺ - دخلوا عليه مسجدَه بعد العصر، فحانت صلاتُهم فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم فقال رسول الله - ﷺ -: «دعُوهم»، فاستقبَلوا المشرق فصلَّوا صلاتهم.
قال: وحدثني بريدة (^٢) بن سفيان عن ابن البَيلماني عن كُرْز بن علقمة (^٣) قال: قدم على رسول الله - ﷺ - وفد نصارى نجران ستون راكبًا، منهم: أربعة وعشرون رجلًا من أشرافهم، والأربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم:
- العاقب: أمير القوم وذو رأيهم وصاحبُ مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه وأمره، واسمه: عبد المسيح.
- والسيد: ثِمالُهم (^٤) وصاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه: الأَيهم.
- وأبو حارثة بن علقمة أخو بني بكر بن وائل: أُسْقُفُّهم وحَبرهم وإمامهم وصاحب مِدْراسهم. وكان أبو حارثة قد شَرُف فيهم ودرس كتبهم،
_________________
(١) ابن العوَّام القرشي، من فقهاء أهل المدينة وعلمائهم، عاصر صغار التابعين ولكن لم يثبت له رواية عن أحد من الصحابة. وقد تحرّف اسمه في مطبوعة «الدلائل» ــ وما أكثر التحريف فيها ــ إلى: «محمد بن جعفر بن الندي»!
(٢) في الأصول والمطبوعات: «يزيد» وهو تصحيف.
(٣) الخزاعي، له صحبة، إلا أن الإسناد إليه ضعيف، بريدة بن سفيان وابن البيلماني ضعيفان.
(٤) الثِّمال: الغِياث الذي يقوم بأمر قومه.
[ ٣ / ٧٩٣ ]
وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرَّفوه وموَّلوه وأخدموه، وبنوا له الكنائس وبسطوا عليه الكرامات لِما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم.
فلما وجَّهوا إلى رسول الله - ﷺ - من نجران جلس أبو حارثة على بغلةٍ له موجهًا إلى رسول الله - ﷺ -، وإلى جنبه أخ له يقال له: كُرْز بن علقمة يسايره، إذ عثرت بغلة أبي حارثة فقال له كرز: تَعِس الأبعد! يريد رسول الله - ﷺ -، فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست! فقال: ولم يا أخي؟ فقال: والله إنه النبي الأمي الذي كنا ننتظره، فقال له كرز: فما يمنعك (^١) وأنت تعلم هذا؟ فقال: ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرَّفونا وموَّلونا وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافَه، ولو فعلت نزعوا منا كلَّ ما ترى؛ فأضمر عليها منه أخوه كرز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك.
قال ابن إسحاق (^٢): وحدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله - ﷺ - فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًّا، وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيًّا، فأنزل الله ﷿ فيهم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ
_________________
(١) زِيد بعده في النسخ المطبوعة: «من اتباعه»، وليس في شيء من الأصول، ولا في مصدر النقل.
(٢) كما في «دلائل النبوة» (٥/ ٣٨٤)، ومحمد بن أبي محمد فيه جهالة حال، وقد تفرّد بالرواية عنه ابن إسحاق، ذكره البخاري وابن أبي حاتم فلم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وأورده ابن حبان في «الثقات». وقد أكثر الطبري وابن أبي حاتم في «تفاسيرهما» من إيراد أقوال ابن عباس بهذا الإسناد من طريق ابن إسحاق.
[ ٣ / ٧٩٤ ]
بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٥ - ٦٨]، فقال رجل من الأحبار: أتريد منا يا محمَّد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ وقال رجل من نصارى نجران: وذلك تريد يا محمد وإليه تدعونا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «معاذ الله أن أَعبد غيرَ الله أو آمُرَ بعبادة غيره، ما بذلك بعثني ولا أمرني»، فأنزل الله ﷿ في ذلك مِن قولهما (^١):
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠]، ثم ذكر ما أخذ عليهم وعلى آبائهم من الميثاق بتصديقه وإقرارهم به على أنفسهم فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١].
وحدثني محمد بن سهلٍ ابنُ أبي أمامة (^٢) قال: لما قدم وفد نجران على رسول الله - ﷺ - يسألونه عن عيسى ابن مريم نزل فيهم فاتحة آل عمران إلى رأس الثمانين منها.
_________________
(١) «من قولهما» سقط من طبعة الرسالة مع ثبوته في جميع الأصول والطبعة الهندية ومصدر النقل ..
(٢) «ابن أبي أمامة» بدل من «محمد»، فإنه محمد بن أبي أمامة أسعدَ بن سهل بن حُنيف الأنصاري، نسبه ابن إسحاق إلى جدّه أوّلًا ثم إلى أبيه.
[ ٣ / ٧٩٥ ]
ورُوينا عن أبي عبد الله الحاكم (^١)، عن الأصمِّ، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن سلمة بن عبد يَشُوع (^٢)، عن أبيه، عن جدّه ــ قال يونس: وكان نصرانيًّا فأسلم ــ: أن رسول الله - ﷺ - كتب إلى أهل نجران: «باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. أما بعد، فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العِباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب. والسلام».
فلما أتى الأسقف الكتاب فقرأه فظع به وذَعَره ذعرًا شديدًا، فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شُرَحبيل بن وَداعة، وكان مِن هَمْدان، ولم يكن أحدٌ يدعى إذا نزل مُعضِلة (^٣) قبلَه لا الأَيهمُ ولا السيِّدُ (^٤) ولا العاقب، فدفع الأُسقُف كتاب رسول الله - ﷺ - إليه فقرأه، فقال الأسقف: يا أبا مريم ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمتُ ما وعد الله إبراهيم في ذريَّة إسماعيل من النبوة، فما يُؤمَن أن يكون هذا هو ذلك الرجل، ليس لي في النبوة رأي، لو كان من أمر الدنيا أشرتُ عليك فيه برأي وجهدت لك فيه، فقال الأُسقُفُّ: تنحَّ فاجلِسْ، فتنحَّى شرحبيل فجلس ناحيةً، فبعث الأسقف إلى رجلٍ (^٥) من أهل نجران
_________________
(١) من رواية البيهقي عنه في «الدلائل» (٥/ ٣٨٥).
(٢) كذا في ف، د بالشين تبعًا للدلائل. ويُضبَط أيضًا بالسين: «عبد يسوع» كما في المطبوع، وكذا في «البداية والنهاية» (٧/ ٢٦٣) و«الإصابة» (١٢/ ٤٣٣).
(٣) رسمه في الأصول: «معظلة» بالظاء المُشالة.
(٤) كذا في هذا الخبر، وظاهره أن السيد غير الأيهم، والذي سبق (ص ٧٩٣) في خبر ابن إسحاق أن السيد اسمه الأيهم.
(٥) «من أمر الدنيا إلى رجل» سقط من المطبوع هنا لانتقال النظر من «مِن» إلى مثلها، ثم جاء بعضه محالًا عن موضعه، فاختل السياق.
[ ٣ / ٧٩٦ ]
يقال له عبدُ الله بن شُرَحبيل، وهو من ذي أَصْبَحَ من حِمْيَر فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه فقال مثلَ قول شرحبيل، فقال له الأسقف: تنحَّ فاجلس، فتنحَّى فجلس ناحيةً، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له جبَّار بن فَيضٍ من بني الحارث بن كعب، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه، فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله، فأمره الأسقف فتنحَّى.
فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعًا أمر الأسقف بالناقوس فضرب به ورُفِعت المُسُوح (^١) في الصَّوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلًا ضربوا بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع، فاجتمع حين ضُرِب بالناقوس ورُفِعت المسوح أهلُ الوادي أعلاه وأسفله، وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع وفيه ثلاثة (^٢) وسبعون قريةً، وعشرون ومائةُ ألفِ مقاتلٍ، فقرأ عليهم كتاب رسول الله - ﷺ - وسألهم عن الرأي فيه فاجتمع رأي أهل الوادي منهم على أن يبعثوا شُرَحبيل بن وداعة الهَمْداني، وعبدَ الله بن شرحبيل، وجبَّار بن فيضٍ الحارثي، فيأتونهم بخبر رسول الله - ﷺ -.
فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم ولبسوا حُللًا لهم يجرُّونها من الحِبَرة وخواتيمَ الذهب، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله - ﷺ - فسلَّموا عليه، فلم يردَّ ﵈، وتصدَّوا لكلامه نهارًا طويلًا فلم يكلِّمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب، فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ــ وكانا معرفةً لهم؛ كانا يُخرجان
_________________
(١) المسوح: جمع المِسْح وهو ثوب من الشَّعر غليظ.
(٢) كذا في جميع الأصول، وهو في مخطوطة: «الدلائل» (نسخة الكوبريلي) كذلك. وفي المطبوع من الكتابين: «ثلاث» على الجادّة.
[ ٣ / ٧٩٧ ]
- أمر الله تعالى نبيه - ﷺ - أن يعرض عليهم الملاعنة والمباهلة
العِير في الجاهلية إلى نجران فيُشترى لهما من بُرِّها وثمرها وذُرَتها ــ فوجدوهما في ناسٍ من المهاجرين والأنصار (^١) في مجلس، فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن، إن نبيكم كتب إلينا بكتابٍ فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلَّمنا عليه فلم يَرُدَّ (^٢)
سلامنا، وتصدَّينا لكلامه نهارًا طويلًا فأعيانا أن يكلمنا، فما الرأي منكما أنعود؟ فقالا لعلي بن أبي طالب وهو في القوم: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟ فقال علي لعثمان وعبد الرحمن: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ويلبسوا ثيابَ سفرهم ثم يأتوا إليه، ففعل الوفد ذلك ووضعوا حللهم وخواتيمهم، ثم عادوا إلى رسول الله - ﷺ - فسلَّموا عليه فردَّ سلامهم، ثم سألهم وسألوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى؟ فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى فيسرُّنا إن كنت نبيًّا أن نعلم ما تقول فيه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «ما عندي فيه شيء يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى»، فأصبح الغد وقد أنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦١] فأَبَوا أن يُقِرُّوا بذلك.
فلما أصبح رسول الله - ﷺ - الغد بعدما أخبرهم الخبر أقبل مشتملًا على الحسن والحسين في خميل له وفاطمة تمشي عند ظهره للمباهلة، وله يومئذٍ
_________________
(١) د، ث، ن، المطبوع: «الأنصار والمهاجرين». وكذا في ف إلا أنه رسم فوق كلتا الكلمتين «مـ» إشارة إلى المقدم والمؤخر.
(٢) زِيد بعده في ث، المطبوع: «علينا». وهو كذلك في د إلا أنه كُتب فوقه علامة الحذف «حـ». وليس في مصدر النقل ..
[ ٣ / ٧٩٨ ]
- كتاب النبي - ﷺ - لأهل نجران بشروط الصلح والجزية
عدَّة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: يا عبد الله بن شرحبيل ويا جبار بن فيض، قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يَرِدوا ولم يصدروا إلا عن رأيي، وإني والله أرى أمرًا مقبلًا، والله إن كان هذا الرجل مَلِكًا مبعوثًا فكنا أول العرب طعنًا في عينه وردَّ عليه أمرَه، لا يذهب لنا من صدره ولا من صُدور قومه حتى يصيبونا بجائحة وإنَّا لأدنى العرب (^١) منهم جوارًا، وإن كان هذا الرجل نبيًّا مرسلًا فلاعنَّاه لا يبقى على وجه الأرض منا شَعرةٌ ولا ظفر إلا هلك! فقال له صاحباه: فما الرأي؟ فقد وضعتك الأمورُ على ذراعٍ فهاتِ رأيك، فقال: رأيي أن أحكِّمه فإني أرى رجلًا لا يحكم شَطَطًا أبدًا، فقالا له: أنت وذاك. فلقي شرحبيل رسول الله - ﷺ - فقال: إني قد رأيت خيرًا من ملاعنتك، فقال: «وما هو؟» قال شرحبيل: حكمك اليوم إلى الليل وليلتَك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز، فقال رسول الله - ﷺ -: «لعل وراءك أحدًا يُثرِّب عليك»، فقال شرحبيل له: سل صاحبيَّ، فسألهما فقالا: ما يَرِد الوادي ولا يصدُر إلا عن رأي شرحبيل، فقال رسول الله - ﷺ -: «كافر ــ أو قال: جاحد ــ موفق».
فرجع رسول الله - ﷺ - ولم يلاعنهم، حتى إذا كان من الغد أتوه فكتب لهم هذا الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما كتب محمد النبي رسول الله لنجران: إذ كان عليهم حكمُه في كل ثمرة وفي كل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق، فأفضل عليهم وترك ذلك كلَّه على ألفَي حُلَّةٍ حُلَلِ الأواقي (^٢)، في كل رجبٍ ألفُ حلة وفي كل صفرٍ ألفُ حلة وكلُّ حلةٍ أوقية،
_________________
(١) «وإنا لأدنى العرب» تحرّف في الأصول إلى: «وإني لأرى القرب».
(٢) «حلل الأواقي» ساقط من المطبوع. رسمه في الأصول: «الأوقى» دون ألف التكسير بعد الواو، وكذا في مخطوطة «الدلائل». والظاهر أنه كان هكذا في أصل كتاب النبي - ﷺ - فحافظ الرواة على رسمه، وذلك أنه في الرسم القديم لم يكونوا يكتبون ألف التكسير في بعض الجموع، كما يدل عليه رسم «الأصحاب» و«الأنعام» و«المساجد» وغيرها في المصحف. وأضيفت الحلل إلى الأواقي لأن ثمن كل حُلَّة منها كان أوقية، كما في «المُغرب في ترتيب المُعرب» (٢/ ٣٦٧).
[ ٣ / ٧٩٩ ]
ما زادت على الخَرْج (^١) أو نقصت عن الأواقي فبحسابٍ، وما قضوا من دروعٍ أو خيلٍ أو ركابٍ أو عَرَضٍ أُخِذ منهم بحساب. وعلى نجران مثواةُ رسلي ومُتْعَتُهم ما (^٢) عشرين فدونه، ولا يُحبَس رسول فوقَ شهر. وعليهم عاريةُ ثلاثين دِرعًا وثلاثين فرسًا وثلاثين بعيرًا إذا كان كَيدٌ باليمن ذو مغدرةٍ (^٣)، وما هلك مما أعاروا رسولي من دروع أو خيل أو ركاب فهو ضمان على رسولي حتى يؤديه إليهم. ولنجران وحاشيتها (^٤)
جوار الله وذمَّةُ محمدٍ النبي على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبِيَعهم (^٥)، وأن لا يُغيَّروا مما كانوا عليه ولا يُغيَّر حقٌّ مِن حقوقهم ولا ملتهم، ولا يغيَّر أُسقُفٌ من أسقفيَّته ولا راهب من رهبانيته ولا
_________________
(١) ز، والنسخ المطبوعة: «الخراج».
(٢) ف، د، ن، المطبوع: «بها».
(٣) د، ب، المطبوع: «ومغدرةٌ».
(٤) رسمه في الأصول ومخطوطة «الدلائل»: «وحشيتها» من دون ألف اسم الفاعل على ما كان عليه الرسم القديم، ومنه حديث النبي - ﷺ - عند مسلم (٢٩٣٣) في وصف الدجال: «مكتوب بين عينيه كافر» ثم تهجَّاها فقال: «ك ف ر، يقرؤه كلُّ مسلم». وقد تصحَّف في النسخ المطبوعة إلى «وحسبها» مع أنه مضبوط بالنقط في عامة الأصول ..
(٥) ف، ب، د، ث: «تبعهم»، وكذا كان في ز ثم أُصلح إلى المثبت. وهو الموافق لمصادر التخريج.
[ ٣ / ٨٠٠ ]
واقِهٌ (^١) عن وقاهيته، وكلُّ ما تحت أيديهم من قليل أو كثير. وليس عليهم ريبة ولا دم جاهلية، ولا يُحشَرون ولا يُعشَرون، ولا يطأ أرضَهم جيشٌ. ومن سأل فيهم حقًّا فبينهم النَّصَف غير ظالمين ولا مظلومين. ومن أكل ربًا مِن ذي قَبَلٍ (^٢) فذمتي منه بريئة. ولا يؤخذ منهم رجل بظلمِ آخرَ. وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة محمد النبي رسولِ الله حتى يأتي الله بأمره ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير منقلبين (^٣) بظلم.
شهد أبو سفيان بن حرب، وغيلان بن عمرٍو، ومالك بن عوف، والأقرع بن حابس الحنظلي، والمغيرة وكتب» (^٤).
حتى إذا قبضوا كتابهم وانصرفوا (^٥) إلى نجران فتلقَّاهم الأسقف ووجوه نجران على مسيرة ليلةٍ، ومع الأسقف أخ له من أمِّه وهو ابن عمه من النسب يقال له: بِشر بن معاوية وكنيته أبو علقمة، فدفع الوفد كتاب
_________________
(١) الواقِه: قيِّم البِيعة، ويُروى بالفاء وهو الأشهر. انظر: «تاج العروس» (٣٦/ ٥٤٨ - ٥٤٩). ورسمه في الأصول ومخطوطة «الدلائل»: «الوقه» من دون ألف اسم الفاعل.
(٢) «من ذي قِبَل» كجَبَلٍ وعِنَبٍ، أي: فيما يُستقبل.
(٣) غير محرّر في ف. والمثبت من ز، ث، ن موافق لمخطوطة «الدلائل». وفي د: «مُثقَلين»، وهو كذلك في مطبوعة «الدلائل» و«طبقات ابن سعد» (١/ ٢٢٩، ٢٤٩).
(٤) روى نحوَ هذا الكتاب البَلاذُري في «فتوح البلدان» (ص ٨٦ - ٨٨) عن يحيى بن آدم (ت ٢٠٣) أنه نسخه من كتاب رجل عن الحسن بن صالح (ت ١٦٩)، قال يحيى: وقد رأيت كتابًا في أيدى النجرانيين كانت نسخته شبيهة بهذه النسخة. ولمضمون الكتاب شواهد مرسلة سبق ذكرها (ص ١٨١ - ١٨٢).
(٥) ن، والنسخ المطبوعة: «انصرفوا» دون واو العطف على أنه جواب «إذا»، وهو في «الدلائل» كذلك.
[ ٣ / ٨٠١ ]
رسول الله - ﷺ - إلى الأسقف، فبينا هو يقرؤه وأبو علقمة معه وهما يسيران إذ كبَّت ببشرٍ ناقتُه فتعَّس بِشرٌ (^١) ــ غير أنه لا يكني عن رسول الله - ﷺ - ــ (^٢)، فقال له الأسقف عند ذلك: قد واللهِ تعَّستَ نبيًّا مرسلًا! فقال بشر: لا جَرَم واللهِ لا أحُلُّ عنها عقدًا حتى آتيه، فضرب وجه ناقته نحو المدينة، وثنى الأسقف ناقته عليه فقال له: افهم عنِّي، إنما قلت هذا ليَبلُغَ (^٣) عني العربَ مخافةَ أن يقولوا: إنا أخذنا حمقةً (^٤) أو بَخَعْنا (^٥) لهذا الرجل بما لم تَبْخَع به العرب ونحن أعزهم وأجمعهم دارًا، فقال له بِشر: لا واللهِ لا أُقيلك ما خرج من رأسك أبدًا، فضرب بِشرٌ ناقتَه وهو موَلٍّ ظهره للأسقف وهو يقول:
إليك تغدو قَلِقًا وَضِينُها معترضًا في بطنها جنينُها
مخالفًا دين النصارى دينُها
حتى أتى النبي - ﷺ - ولم يزل مع رسول الله - ﷺ -، حتى استشهد أبو علقمة بعد ذلك.
ودخل الوفد نجران فأتى الراهبَ ابنَ أبي شمر الزبيدي وهو في رأس صومعة له، فقال له: إن نبيًّا قد بُعِث بتهامة وإنه كتب إلى الأسقف فأجمع رأيَ أهل الوادي أن يُسيِّروا إليه شرحبيل بن وداعة، وعبد الله بن شرحبيل، وجبار بن فيض، فيأتونهم بخبره، فساروا حتى أتوه فدعاهم إلى المباهلة
_________________
(١) تَعَّس: دعا بالهلاك على أحد فقال: تَعِسَ فلان.
(٢) أي: أنه ذكره باسمه صُراحًا.
(٣) كذا ضبط بالياء في د، ب، ن، و«الدلائل». وفي النسخ المطبوعة: «لتُبلِّغ».
(٤) في مطبوعة «الدلائل»: «حقَّه».
(٥) أي: أذعنَّا وخضعنا له. ويحتمل: «نخعنا» كما في المطبوع، وهو مثله وزنًا ومعنى.
[ ٣ / ٨٠٢ ]
- كتاب النبي - ﷺ - لأساقفة نجران
فكرهوا ملاعنته، وحكَّمه شرحبيل فحكم عليهم حكمًا وكتب لهم كتابًا، ثم أقبل الوفد بالكتاب حتى دفعوه إلى الأسقف، فبينا الأسقف يقرؤه وبِشر (^١) معه إذ (^٢) كبَّت ببشر ناقته فتعَّسه فشهد الأسقف أنه نبي مرسل، فانصرف أبو علقمة نحوه يريد الإسلام، فقال الراهب: أنزلوني وإلا رميت نفسي من هذه الصومعة، فأنزلوه فانطلق الراهب بهديةٍ إلى رسول الله - ﷺ -، منها هذا البرد الذي يلبسه الخلفاء والقَعْب والعصا، وأقام الراهب بعد ذلك يسمع كيف ينزل الوحي والسنن والفرائض والحدود، وأبى اللهُ للراهب الإسلام فلم يُسلم، واستأذن رسول الله - ﷺ - في الرجعة إلى قومه وقال: إن لي حاجةً ومعادًا إن شاء الله، فرجع إلى قومه فلم يَعُد حتى قُبِض رسول الله - ﷺ -.
وإن الأسقف أبا الحارث أتى رسولَ الله - ﷺ - ومعه السيد والعاقب ووجوه قومه، وأقاموا عنده يستمعون ما ينزل الله عليه، فكتب للأسقف هذا الكتاب ولأساقفةِ نجرانَ بعده: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد النبي للأسقف أبي الحارث وأساقفة نجران وكَهَنتِهم ورَهابِينهم (^٣) وأهلِ بيَعهم ورقيقهم (^٤)
_________________
(١) غير محرّر في عامّة الأصول يشبه «يسير» أو «بشير»، والمثبت من س، و«الدلائل».
(٢) في النسخ المطبوعة: «حتى» بدل «إذ» خلافًا للأصول ومصدر النقل.
(٣) الرَّهابين: جمع الرُّهبان إذا أريد به الواحد، فإن الرُّهبان قد يكون جمعًا للراهب وقد يكون واحدًا. وفي س، والنسخُ المطبوعة ومطبوعة «الدلائل»: «رُهبانهم». وفي د، ث، ن: «رهبانيتهم»، تصحيف.
(٤) كذا في الأصول و«الدلائل». وكُتب في هامش مخطوطة «الدلائل» (نسخة كوبريلي): «صوابه: ووَفْهِيَّتهم». وهو وجيه، فإن الوفهيَّة هي رُتبة «الوافِه» الذي هو قيِّم البيعة، وقد سبق بلفظ «الواقِه».
[ ٣ / ٨٠٣ ]
وملَّتهم وسواطتهم (^١)، وعلى كل ما تحت أيديهم من قليل وكثير= جِوارُ الله ورسوله، لا يُغيَّر أسقفٌّ من سُقْفَتِه (^٢) ولا راهب من رهبانيته (^٣) ولا كاهن من كهانته، ولا يُغيَّر حقٌّ من حقوقهم ولا سلطانهم، ولا مما كانوا عليه؛ على ذلك جوار الله ورسوله أبدًا ما نصحوا وأصلحوا عليهم غير مثقلين (^٤) بظالم (^٥) ولا ظالمين.
وكتب المغيرة بن شعبة».
فلما قبض الأسقف الكتاب استأذن في الانصراف إلى قومه ومن معه فأذن لهم فانصرفوا (^٦).
وروى البيهقي (^٧) بإسناد صحيح إلى ابن مسعود: أن السيد والعاقب أتيا
_________________
(١) كذا مضبوطًا في ف، ب، د، الطبعة الهندية. وفي طبعة الرسالة: «سوقتهم»، تحريف. وفي مخطوطة «الدلائل»: «سواطيتهم»، وفي مطبوعته: «متواطئهم»! و«السواطة» لم أجدها في المعاجم، ولعل المراد بسواطتهم: أخلاطهم أو مَن يُخالِطهم مِن غيرهم، فالسَّوط هو الخلط، يُقال: ساط الشيء يسوطه إذا خلَطَه.
(٢) في المطبوع: «أسقفته» خلافًا للأصول، وكذا في مطبوعة «الدلائل» خلافًا لمخطوطته.
(٣) ف، ب، ز: «رهابته»، والمثبت من سائر الأصول موافق لـ «الدلائل».
(٤) ن: «منفلتين». الطبعة الهندية: «متقلبين». طبعة الرسالة: «منقلبين». والمثبت موافق لـ «الدلائل».
(٥) كذا في جميع الأصول. وفي «الدلائل»: «بظلم».
(٦) هنا انتهي حديث سلمة بن عبد يَشُوع عن أبيه عن جدِّه.
(٧) في «الدلائل» (٥/ ٣٩٢)، وأخرجه أيضًا أحمد (٣٩٣٠) والنسائي في «الكبرى» (٨١٤٠) والحاكم (٣/ ٢٦٧)، من طرق عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن صلة بن زُفر عن ابن مسعود. إسناده صحيح كما قال المؤلف إلا أن إسرائيل اختلف عليه فيه، فرواه عنه يحيى بن آدم ــ كما عند البخاري (٤٣٨٠) ــ فجعله عن حذيفة بدل ابن مسعود. وقد تابع إسرائيلَ على هذا الوجه شعبة والثوري فروياه عن أبي إسحاق عن صلة عن حذيفة. أخرجه البخاري (٤٣٨١) عن شعبة، ومسلم (٢٤٢٠) عنه وعن الثوري. فكون الحديث من مسند حذيفة أصح.
[ ٣ / ٨٠٤ ]
رسول الله - ﷺ - فأراد أن يُلاعنهما فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه، فوالله لئن كان نبيًّا فلاعنتَه لا نفلح نحن ولا عقبُنا مِن بعدنا؛ قالوا له: نعطيك ما سألتَ فابعث معنا رجلًا أمينًا ولا تبعث معنا إلا أمينًا، فقال النبي - ﷺ -: «لأبعثن معكم رجلًا أمينًا حقَّ أمينٍ»، فاستشرف لها أصحابُه، فقال: «قُم يا أبا عبيدة بن الجراح»، فلما قام قال: «هذا أمين هذه الأمة».
ورواه البخاري في «صحيحه» (^١) من حديث حذيفة بنحوه.
وفي «صحيح مسلم» (^٢) من حديث المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله - ﷺ - إلى نجران فقالوا فيما قالوا: أرأيت ما تقرأون: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨]، وقد كان بين عيسى وموسى ما قد علمتم، قال: فأتيت النبي - ﷺ - فأخبرته، فقال: «أفلا أخبرتَهم أنهم كانوا يُسمُّون ــ يعني ــ بأسماء أنبيائهم والصالحين الذين كانوا قبلهم».
ورُوينا (^٣) عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: وبعث رسول الله - ﷺ - علي بن أبي طالب إلى أهل نجران ليجمع صدقاتهم ويَقْدَمَ عليه بجزيتهم.
_________________
(١) برقم (٤٣٨٠)، وهو عند مسلم (٢٤٢٠) مختصرًا.
(٢) برقم (٢١٣٥)، واللفظ للبيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٩٣).
(٣) أي: من طريق البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٩٤).
[ ٣ / ٨٠٥ ]
فصل
في فقه هذه القصة
ففيها: جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين.
وفيها: تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضًا إذا كان ذلك عارضًا، ولا يمكَّنون من اعتياد ذلك.
وفيها: أن إقرار الكافر (^١) الكتابي للرسول - ﷺ - بأنه نبي لا يدخله في الإسلام ما لم يلتزم طاعته ومتابعته، فإذا تمسك بدينه بعد هذا الإقرار لا يكون ردَّةً منه.
ونظير هذا قول الحَبرَين له وقد سألاه عن ثلاث مسائل، فلما أجابهم (^٢) قالا: نشهد أنك نبي، قال: «فما يمنعكما من اتباعي؟» قالا: إنَّا نخاف أن تقتلنا يهود (^٣)، ولم يلزمهما بذلك الإسلام.
_________________
(١) النسخ المطبوعة: «الكاهن»، تصحيف.
(٢) كذا في جميع الأصول. وفي النسخ المطبوعة: «أجابهما».
(٣) أخرجه أحمد (١٨٠٩٢) والترمذي وصححه (٢٧٣٣، ٣١٤٤) والنسائي في «المجتبى» (٤٠٧٨) و«الكبرى» (٣٥٢٧) والحاكم (١/ ٩) والضياء في «المختارة» (٨/ ٢٨ - ٣٠) من حديث عمرو بن مرّة عن عبد الله بن سلمة عن صفوان بن عسَّال - ﵁ -، وفيه أنهما جاءا ليسألا رسول الله - ﷺ - عن تسع الآيات البينات التي آتاها الله موسى. وفي إسناده لين لأن عبد الله بن سلمة هذا مختلف فيه، وفي متنه نكارة. قال النسائي في «الكبرى» عقب الحديث: «هذا حديث منكر. حُكي عن شعبة قال: سألت عمرو بن مرّة عن عبد الله بن سلمة فقال: تعرف وتنكر». وانظر: «تفسير ابن كثير» (الإسراء: ١٠١) وتعليق محققي «المسند» (طبعة الرسالة).
[ ٣ / ٨٠٦ ]
ونظير ذلك شهادة عمِّه أبي طالب له بأنه صادق وأن دينه من خير أديان البرية (^١)، ولم تُدخله هذه الشهادة في الإسلام.
ومن تأمل ما في السيرة والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له - ﷺ - بالرسالة وأنه صادق، فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام= علم أن الإسلام أمرٌ وراءَ ذلك، وأنه ليس هو المعرفة فقط، ولا المعرفة والإقرار فقط، بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهرًا وباطنًا.
وقد اختلف أئمة الإسلام في الكافر إذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله ولم يَزِد، هل يُحكم بإسلامه بذلك؟ على ثلاثة أقوال، وهي ثلاث روايات عن الإمام أحمد:
إحداها: يُحكم بإسلامه بذلك.
والثانية: لا يحكم بإسلامه حتى يأتي بشهادة أن لا إله إلا الله.
والثالثة: أنه إن كان مُقرًّا بالتوحيد حكم بإسلامه، وإن لم يكن مُقرًّا لم يحكم بإسلامه حتى يأتي به (^٢).
وليس هذا موضع استيفاء هذه المسألة، وإنما أشرنا إليها إشارةً، وأهلُ الكتابين مُجمِعون على أن نبيًّا يخرج في آخر الزمان، وهم ينتظرونه، ولا يشك علماؤهم في أنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وإنما يمنعهم من الدخول في الإسلام رئاستهم على قومهم وخضوعُهم لهم وما ينالونه منهم من المال والجاه.
_________________
(١) وذلك في أبيات ذكرها عنه ابن إسحاق. انظر: «دلائل النبوة» (٢/ ١٨٨).
(٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٨٩) و«الفروع» (١٠/ ١٩٧).
[ ٣ / ٨٠٧ ]
- ذكر مناظرة المؤلف مع بعض علماء أهل الكتاب في نبوة النبي - ﷺ -
ومنها: جواز مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم، بل استحباب ذلك، بل وجوبه إذا ظهرت مصلحته مِن إسلامِ مَن يُرجى إسلامه أو إقامةِ الحجة عليهم، ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة، فليُوَلِّ ذلك أهلَه، وليُخَلِّ بين المطيِّ وحاديها والقوسِ وباريها، ولولا خشية الإطالة لذكرنا من الحجج التي تُلزم أهلَ الكتابين الإقرارَ بأنه رسول الله، بما في كتبهم، وبما يعتقدونه، وبما لا يمكنهم دفعه= ما يزيد على مائة طريقٍ، ونرجو من الله سبحانه إفرادها بمصنَّفٍ مستقل (^١).
ودار بيني وبين بعض علمائهم مناظرة في ذلك فقلت له في أثناء الكلام: لا يتم لكم القدح في نبوة نبينا - ﷺ - إلا بالطعن في الرب ﵎، والقدحِ فيه ونسبته إلى أعظم الظلم والسَّفَه والفساد ــ تعالى الله عن ذلك ــ، فقال كيف يلزمنا ذلك؟ قلت: بل أبلغ من ذلك، لا يتم لكم ذلك إلا بجحوده وإنكار وجوده تعالى، وبيان ذلك: أنه إذا كان محمد عندكم ليس بنبيٍّ صادق، وهو بزعمكم ملك ظالم، فقد تهيَّأ له أن يفتري على الله ويتقوَّل عليه ما لم يقله، ثم يتمُّ له ذلك ويستمر حتى يُحرِّم ويحلِّل، ويفرض الفرائض، ويُشرِّع الشرائع، وينسخ الملل، ويضرب الرقاب، ويقتل أتباعَ الرسل وهم أهل الحق، ويسبي نساءهم وأولادهم، ويغنم أموالهم وديارهم، ويتم له ذلك حتى يفتح الأرض ويَنسب ذلك كلَّه إلى أمر الله له به ومحبته له، والربُّ تعالى يشاهده وما يفعل بأهل الحق وأتباع الرسل وهو مستمرٌّ في الافتراء عليه ثلاثًا وعشرين سنةً، وهو مع ذلك كلِّه يؤيده وينصره ويُعلي أمرَه، ويُمكِّن له من أسباب النصر الخارجةِ عن عادة البشر.
_________________
(١) لم نجد له ذكرًا عند مترجميه، ولعل المؤلف لم يفرغ له، غير أنه ذكر طرفًا يسيرًا من تلك الطرق والدلائل في آخر «هداية الحيارى» (ص ٤٣٠ - ٤٥٠).
[ ٣ / ٨٠٨ ]
وأبلغ (^١) من ذلك أنه يجيب دعواتِه ويُهلك أعداءَه من غير فعل منه نَفسِه ولا سببٍ، بل تارةً بدعائه وتارةً يستأصلهم سبحانه من غير دعاء منه - ﷺ -. ومع ذلك يقضي له كلَّ حاجةٍ سأله إياها، ويَعِده كلَّ وعد جميل ثم ينجز له وعده على أتمِّ الوجوه وأهنئها وأكملها. هذا وهو عندكم في غاية الكذب والافتراء والظلم، فإنه لا أكذب ممن كذب على الله واستمر على ذلك، ولا أظلم ممن أبطل شرائع أنبيائه ورسله وسعى في رفعها من الأرض وتبديلها بما يريد هو، وقتل أولياءه وحزبه وأتباع رسله واستمرَّت نصرته عليهم دائمًا، والله تعالى في ذلك كلِّه يُقرُّه ولا يأخذ منه باليمين ولا يقطع منه الوتين وهو يخبر عن ربه أنه أوحى إليه أنه لا أظلمَ ممن افترى على الله كذبًا، أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء، ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله (^٢)؛ فيلزمكم ــ معاشر من كذَّبه ــ أحدُ أمرين لا بد لكم منهما:
إما أن تقولوا: لا صانعَ للعالَم ولا مدبِّر، ولو كان للعالم صانع مدبر قدير حكيم لأخذ على يديه وقابَلَه أعظمَ مقابلةٍ وجعله نكالًا للصالحين (^٣)، إذ لا يليق بالملوك غيرُ هذا، فكيف بملك الأرض والسماوات وأحكم الحاكمين؟!
الثاني: نسبة الرب إلى ما لا يليق به من الجَور والسفه والظلم، وإضلالِ الخلق دائمًا أبد الآباد، ونُصرةِ الكاذب والتمكين له في الأرض، وإجابة
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «وأعجب».
(٢) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣].
(٣) أي عبرة لهم. وفي ث، س، المطبوع: «للظالمين».
[ ٣ / ٨٠٩ ]
دعواته وقيامِ أمره من بعده، وإعلاءِ كلماته دائمًا، وإظهار دعوته والشهادة له بالنبوة قرنًا بعد قرن على رؤوس الأشهاد في كل مَجمعٍ ونادٍ؛ فأين هذا مِن فعل أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين؟! فلقد قدحتم في رب العالمين أعظمَ قدح وطعنتم فيه أشدَّ طعنٍ أو (^١) أنكرتموه بالكلية.
ونحن لا ننكر أن كثيرًا من الكذابين قام في الوجود وظهرت له شوكة ولكن لم يتمَّ له أمره ولم تَطُلْ مُدَّته، بل سَلَّط عليه رُسُلَه وأتباعهم فمحقوا أثره وقطعوا دابره واستأصلوا شأفته. هذه سنته في عباده منذ قامت الدنيا وإلى أن يرث الأرض ومن عليها.
فلما سمع مني هذا الكلام قال: معاذ الله أن نقول إنه ظالم أو كاذب، بل كل مُنصفٍ من أهل الكتاب يقرُّ بأن من سلك طريقه واقتفى أثره فهو من أهل النجاة والسعادة في الأخرى. قلت له: فكيف يكون سالك طريق الكذَّاب ومقتفي أثره بزعمكم من أهل النجاة والسعادة؟ فلم يجد بُدًّا من الاعتراف برسالته ولكن لم يُرسَل إليهم. قلت: فقد لزمك تصديقُه ولا بد، وهو قد تواتر عنه الأخبار بأنه رسول رب العالمين إلى الناس كافَّةً كتابيِّهم وأُميِّهم، ودعا أهل الكتاب إلى دينه، وقاتل من لم يدخل في دينه منهم حتى أقرَّ بالصغار والجزية؛ فبُهت الكافر ونهض من فوره.
والمقصود: أن رسول الله - ﷺ - لم يزل في جدال الكفار على اختلاف مللهم ونحلهم إلى أن توفي، وكذلك أصحابه من بعده، وقد أمر الله سبحانه
_________________
(١) كذا في ف، ب، الطبعة الهندية. وفي سائر الأصول: واو العطف، وكذا في طبعة الرسالة.
[ ٣ / ٨١٠ ]
فصل: من عظم مخلوقا فأخرجه عن منزلة العبودية فقد أشرك بالله
بجدالهم بالتي هي أحسن في السور المكية والمدنية (^١)، وأمره أن يدعوهم بعد ظهور الحجة إلى المباهلة. وبهذا قام الدين، وإنما جُعل السيف ناصرًا للحجة، وأعدل السيوف سيفٌ ينصر حجج الله وبيناتِه، وهو سيف رسوله وأمته.
فصل
ومنها: أن مَن عظَّم مخلوقًا فوق منزلته التي يستحقها بحيث أخرجه عن منزلة العبودية المحضة، فقد أشرك بالله وعبَدَ مع الله غيره، وذلك مخالف لجميع دعوة الرسل.
وأما قوله: إنه - ﷺ - كتب إلى نجران: «باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب»، فلا أظن ذلك محفوظًا، وقد كتب إلى هرقل: «بسم الله الرحمن الرحيم»، وهذه كانت سنته في كتبه إلى الملوك كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقد وقع في هذه الرواية هذا، وقال: «وذلك قبل أن يُنزل الله عليه (^٢): (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (^٣»» (^٤). وذلك غلط على غلط، فإن هذه
_________________
(١) سواءٌ كان الأمر باللفظ الصريح كقوله تعالى في سورة النحل ــ وهي مكية ــ: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [١٢٥]، أو كان متضمِّنًا في الحجج التي أرشد الله رسوله وأمته إليها ليخاطبوا بها الكفار ويجادلوهم بها.
(٢) ث، س، المطبوع: «أن يَنزل عليه».
(٣) ف، د، ث: «آيات القرآن المبين»، سهو.
(٤) أي قبل أن تنزل عليه سورة النمل التي فيها قوله تعالى: ﴿الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا﴾ [٢٩ - ٣٠].
[ ٣ / ٨١١ ]
السورة مكية باتفاق، وكتابه إلى نجران بعد مرجعه من تبوك.
وفيها: جواز إهانة رسل الكفار وترك إكرامهم (^١) إذا ظهر منهم التعاظم والتكبر، فإن رسول الله - ﷺ - لم يكلِّم الرسل ولم يردَّ السلام عليهم حتى لبسوا ثياب سفرهم وألقَوا حُلَلهم وحِلاهم.
ومنها: أن السنة في مجادلة أهل الباطل إذا قامت عليهم حجة الله ولم يرجعوا بل أصرُّوا على العناد أن يُدعَوا إلى المباهلة. وقد أمر الله سبحانه بذلك رسولَه ولم يقل: إن ذلك ليس لأمتك من بعدك، ودعا إليه ابن عمِّه عبد الله بن عباس لمن أنكر عليه بعض مسائل الفروع (^٢) ولم يُنكِر عليه الصحابة، ودعا إليه الأوزاعيُّ سفيانَ الثوريَّ في مسألة رفع اليدين (^٣) ولم ينكر عليه ذلك؛ وهذا من تمام الحجة.
ومنها: جواز صلح أهل الكتاب على ما يريد الإمام من الأموال مِن الثياب وغيرها، ويجرى ذلك مجرى ضرب الجزية عليهم، فلا يحتاج إلى أن يُفرِد كلَّ واحدٍ منهم بجزية، بل يكون ذلك المال جزيةً عليهم يقتسمونها كما أحبُّوا.
ولما بعث معاذًا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالمٍ دينارًا (^٤). والفرق بين الموضعين أن أهل نجران لم يكن فيهم مسلم، وكانوا أهلَ صلحٍ، وأما اليمن فكانت دارَ إسلامٍ وفيهم يهود، فأمره أن يضرب الجزية على كل واحد
_________________
(١) ن، والنسخ المطبوعة: «كلامهم».
(٢) انظر: «مصنف عبد الرزاق» (١٩٠٢٤) و«سنن سعيد بن منصور» (٣٧) و«الفقيه والمتفقه» للخطيب (٧٤٩، ٧٥٠).
(٣) أسنده البيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٨٢).
(٤) حديث صحيح، سبق تخريجه (ص ١٨٢).
[ ٣ / ٨١٢ ]
منهم. والفقهاء يخصون الجِزية بهذا القسم دون الأول، وكلاهما جزية، فإنه مال مأخوذ من الكفار على وجه الصَّغار في كل عام.
وفيها: جواز ثبوت الحلل في الذمَّة، كما تثبت في الدية أيضًا (^١). وعلى هذا فيجوز ثبوتها في الذمة بعقد السَّلَم وبالضمان وبالتَّلَف، كما تثبت فيها بعقد الصَّداق والخُلع.
ومنها: أنه يجوز معاوضتهم على ما صالحوا عليه من المال بغيره من أموالهم بحسابه.
ومنها: اشتراط الإمام على الكفار أن يؤووا رسله ويُكرموهم ويضيفوهم أيامًا معدودةً.
ومنها: جواز اشتراطه عليهم عارية ما يحتاج المسلمون إليه من سلاح أو متاع وحيوان (^٢)، وأن تلك العارية مضمونة، لكن هل هي مضمونة بالشرط أو بالشرع؟ هذا محتمِل، وقد تقدم الكلام عليه في غزوة حنين (^٣)، وقد صرَّح هاهنا بأنها مضمونة بالرد، ولم يتعرض لضمان التلف.
ومنها: أن الإمام لا يقرُّ أهل الكتاب على المعاملات الربوية، لأنها حرام في دينهم. وهذا كما لا يقرُّهم على السُّكر ولا على اللواط والزنا، بل يحدُّهم على ذلك.
_________________
(١) وذلك أن عمر - ﵁ - لمَّا استخلف فرض مقادير الدية من كلٍّ من الذهب والوَرِق والبقر والشاء والحُلَل ما يُعادل المائة من الإبل، ففرض على أهل الحُلَل مائتَي حُلَّة. انظر: «سنن أبي داود» (٤٥٤٢) و«الأوسط» لابن المنذر (١٣/ ١٤٨ - ١٤٩).
(٢) ز، ن، المطبوع: «أو حيوان».
(٣) (ص ٥٩٨ - ٦٠٠).
[ ٣ / ٨١٣ ]
ومنها: أنه لا يجوز أن يؤخذ من الكفار رجلٌ بظلمِ آخرَ، كما لا يجوز ذلك في حق المسلمين وكلاهما ظلم.
ومنها: أن عقد العهد والذمة مشروط بنصح أهل العهد والذمة وإصلاحهم، فإذا غشُّوا المسلمين وأفسدوا (^١) فلا عهد لهم ولا ذمة. وبهذا أفتينا نحن وغيرنا في انتقاض عهدهم لما حرَّقوا الحريق العظيم في دمشق حتى سرى إلى الجامع، وبانتقاض عهد من واطأهم وأعانهم بوجهٍ ما، بل ومن علم ذلك ولم يرفعه إلى ولي الأمر؛ فإن هذا من أعظم الغش والضرر بالإسلام والمسلمين (^٢).
ومنها: بعث الإمام الرجل العالِم إلى أهل الهدنة في مصلحة الإسلام، وأنه ينبغي أن يكون أمينًا، وهو الذي لا غرض له ولا هوى، وإنما مراده مجرَّد مرضاة الله ورسوله لا يشوبها بغيرها؛ فهذا هو الأمين حقَّ الأمين، كحال أبي عبيدة بن الجراح.
ومنها: مناظرة أهل الكتاب وجوابهم عمَّا سألوه عنه، فإن أشكل على المسؤول سأل أهل العلم.
ومنها: أن الكلام عند الإطلاق يُحمَل على ظاهره حتى يقوم دليل على خلافه، وإلا لم يشكل على المغيرة قوله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨]، هذا وليس في الآية ما يدل على أنه هارون بن عمران حتى يَلزم الإشكال، بل المُورِد ضمَّ إلى هذا أنه هارون بن عمران، ولم يكتفِ بذلك
_________________
(١) أُقحم في طبعة الرسالة بعده: «في دينهم»، ولا وجود له في شيء من الأصول ولا في الطبعات السابقة.
(٢) انظر ما سبق (ص ١٦٢).
[ ٣ / ٨١٤ ]
- بيان أن أهل نجران كانوا صنفين: نصارى وأميين
حتى ضمَّ إليه أنه أخو موسى بن عمران! ومعلوم أنه لا يدل اللفظ على شيء من ذلك، فإيراده إيرادٌ فاسد، وهو إما من سوء الفهم أو من فساد القصد.
وأما قول ابن إسحاق: إن النبي - ﷺ - بعث علي بن أبي طالب إلى أهل نجران ليجمع صدقاتهم ويقدم عليه بجزيتهم، فقد يُظن أنه كلام متناقض لأن الصدقة والجزية لا تجتمعان. وأشكل منه ما ذكره هو وغيره (^١) أن النبي - ﷺ - بعث خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر وجُمادى الأولى (^٢) سنة عشرٍ إلى بني الحارث بن كعب بنجران وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثًا، فإن استجابوا فاقبَلْ منهم وإن لم يفعلوا فقاتِلْهم، فخرج خالد حتى قدم عليهم فبعث الركاب يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام فأسلم الناس ودخلوا فيما دُعُوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتب بذلك إلى رسول الله - ﷺ -، فكتب إليه رسول الله - ﷺ - أن يُقبِل، ويُقبل إليه بوفدهم. وقد تقدم أنهم وفدوا على رسول الله - ﷺ - فصالحوه على ألفَي حُلَّة، وكتب لهم كتاب أمن وأن لا يغيَّروا عن دينهم ولا يُحشَروا ولا يُعشَروا.
وجواب هذا: أن أهل نجران كانوا صنفين: نصارى وأميِّين، فصالح النصارى على ما تقدم، وأما الأميُّون منهم فبعث إليهم خالدًا فأسلموا، وقدم وفدهم على النبي - ﷺ -، وهم الذين قال لهم رسول الله - ﷺ -: «بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟» قالوا: كنا نجتمع ولا نتفرَّق ولا نبدأ أحدًا بظلم، قال: «صدقتم»، وأمَّر عليهم قيس بن الحصين، وهؤلاء هم بنو الحارث بن
_________________
(١) كابن سعد في «الطبقات»، وقد سبق (ص ٧٨٣).
(٢) ث، والنسخ المطبوعة: «أو جمادى الأولى»، وقد سبق أن المثبت هو لفظ ابن إسحاق كما نقله البيهقي وابن سيد الناس.
[ ٣ / ٨١٥ ]
كعب؛ فقوله: «بعث عليًّا إلى أهل نجران ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم» أراد به الطائفتين مِن أهل نجران؛ صدقات من أسلم منهم، وجزية النصارى.
فصل
في قدوم رسول فروة بن عمرو الجُذامي ملك عربِ الروم
قال ابن إسحاق (^١): وبعث فَروة بن عمرو الجُذامي إلى رسول الله - ﷺ - رسولًا بإسلامه وأهدى له بغلةً بيضاء، وكان فروةُ عاملًا للروم على من يليهم من العرب، وكان منزله مَعان وما حوله من أرض الشام. فلما بلغ الرومَ ذلك من إسلامه طلبوه حتى أخذوه فحبسوه عندهم، فلما اجتمعت الروم لصلبه على ماءٍ لهم يقال له «عفراء» بفلسطين فقال (^٢):
ألا هل أتى سلمى بأن حَلِيلها على ماء عفرا فوق إحدى الرواحل
على ناقةٍ لم يضرب الفحلُ أمَّها مُشَذَّبةً أطرافُها بالمناجل (^٣)
قال ابن إسحاق: وزعم الزهري أنهم لما قدَّموه ليقتلوه قال:
بلِّغْ سَراة المسلمين بأنني سِلم لربي أعظُمي ومُقامي
ثم ضربوا عنقه على ذلك الماء.
_________________
(١) «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٩١) و«دلائل النبوة» (٥/ ٤٠٩). وأسند ابن سعد في «الطبقات» (١/ ٢٤٣، ٣٠٥) خبر فروة من طريقين بنحوه.
(٢) في النسخ المطبوعة: «قال» من دون الفاء، على الجادّة في جواب «لمّا». والمثبت من الأصول موافق لما في مصدر النقل «الدلائل».
(٣) يريد بإحدى الرواحل والناقة: الجذع الذي صلبوه عليها، وهذا الجذع قد شُذِّبت ــ أي قُطعت ــ أغصانه.
[ ٣ / ٨١٦ ]
فصل
في قدوم وفد بني سعد بن بكر على رسول الله - ﷺ -
قال ابن إسحاق (^١): حدثني محمد بن الوليد عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: بعثت بنو سعد بن بكرٍ ضِمامَ بن ثعلبة وافدًا إلى رسول الله - ﷺ -، فقدم عليه فأناخ بعيره على باب المسجد فعقله، ثم دخل على رسول الله - ﷺ - وهو في المسجد جالس في أصحابه فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «أنا ابن عبد المطلب»، فقال: محمد؟ فقال: «نعم»، فقال: يا ابن عبد المطلب، إني سائلك ومُغْلِظ عليك في المسألة، فلا تجدَنَّ في نفسك، فقال: «لا أجد في نفسي، فسل عما بدا لك»، فقال: أنشدك بالله إلهك (^٢) وإله مَن كان قبلك وإله من هو كائن بعدك: آللهُ بعثك إلينا رسولًا؟ فقال: «اللهم نعم». قال: فأنشدك اللهَ إلهكَ وإلهَ من كان قبلك وإلهَ من هو كائن بعدك: آلله أمرك أن تعبده (^٣) لا تشرك به شيئًا وأن تخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون؟ فقال - ﷺ -: «اللهم نعم»، ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضةً فريضةً: الصلاةَ والزكاةَ والصيامَ والحجَّ وفرائضَ الإسلام كلَّها، يَنشده عند كل فريضة كما نشده في التي قبلها، حتى
_________________
(١) كما عند أحمد (٢٣٨٠) وأبي داود (٤٨٧) والدارمي (٦٧٨) وابن هشام (٢/ ٥٧٣) والحاكم (٣/ ٥٤) والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٧٤) وهو مصدر المؤلف. قال الحافظ: إسناده جيد لتصريح ابن إسحاق بسماعه له. «تغليق التعليق» (٢/ ٧١).
(٢) زِيد بعده في النسخ المطبوعة: «وإله أهلك»، وليس في شيء من الأصول ولا في شيء من مصادر التخريج!
(٣) كذا ضبط الفعل في ف، ب، د، س. وفي «الدلائل»: «أن نعبده ». وعند أحمد: «أن تأمرنا أن نعبده ».
[ ٣ / ٨١٧ ]
إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه لا أزيد ولا أنقص.
ثم انصرف راجعًا إلى بعيره فقال رسول الله - ﷺ - حين ولَّى: «إن يَصدُقْ ذو العقيصتين يَدخُلِ الجنة»، وكان ضمام رجلًا جَلدًا أشقر (^١) ذا غديرتين. ثم أتى بعيره فأطلق عِقالَه ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه، وكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى! فقالوا: مَهْ يا ضِمام، اتق البرص والجنون والجذام! فقال: ويلكم إنهما ما يضرَّان ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولًا وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وإني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه؛ فوالله ما أمسى في ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمًا. قال ابن عباس (^٢): فما سمعنا بوافد قومٍ أفضلَ مِن ضمام بن ثعلبة.
والقصة في «الصحيحين» (^٣) من حديث أنس بنحو هذه.
وذِكرُ الحج في هذه القصة يدل على أن قدوم ضمام كان بعد فرض الحج. وهذا بعيد، فالظاهر أن هذه اللفظة مدرجة من كلام بعض الرواة، فالله أعلم (^٤).
_________________
(١) كذا في الأصول. وكذا في مخطوطة «الدلائل» (نسخة كوبريلي) إلا أن عليه علامة «حـ» فوق النقطتين، ولعلها للاستشكال أو للدلالة على حذف النقطتين فيصير: «أشعر» كما هو في سائر مصادر التخريج.
(٢) طبعة الرسالة: «ابن إسحاق» خلافًا للأصول والطبعة الهندية ومصدر النقل.
(٣) البخاري (٦٣) ومسلم (١٢).
(٤) لم يرد ذكر الحج في رواية البخاري. وجه استبعاد المؤلف له ــ والله أعلم ــ هو ما ذكره شيخه ابن تيمية أن سعد بن بكر مِن هوازن، وهوازن كانت معهم وقعةُ حنين بعد الفتح فأسلموا كلهم إثرها، فلا يمكن أن يكون بعثوا ضمامًا للنظر في أمر النبي - ﷺ - إلَّا قبل الفتح، ولم يكن الحج فرض يومئذ. انظر: «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦٠١). ويؤيد ذلك أن الواقدي قال: إن وفادته كانت في رجب سنة خمسٍ، كما في «الطبقات» لكاتبه (٥/ ١٨٤).
[ ٣ / ٨١٨ ]
فصل
في قدوم طارق بن عبد الله وقومه على النبي - ﷺ -
روينا في ذلك لأبي بكر البيهقي (^١) عن جامع بن شداد قال: حدثني رجل يقال له طارق بن عبد الله قال: إني لقائم بسوق المجاز إذ أقبل رجل عليه جبة له وهو يقول: «يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا» ورجل يتبعه يرميه بالحجارة يقول: يا أيها الناس إنه كذّاب فلا تصدِّقوه، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا غلام من بني هاشم الذي يزعم أنه رسول الله. قال: قلت: من هذا الذي يفعل به هذا؟ قالوا: هذا عمُّه عبد العزى (^٢). قال: فلما أسلم الناس وهاجروا خرجنا من الرَّبَذة نريد المدينة نمتار من تمرها، فلما دنونا من حيطانها ونخلها قلنا: لو نزلنا فلبسنا ثيابًا غير هذه، فإذا رجل في
_________________
(١) في «الدلائل» (٥/ ٣٨٠) من طريق أبي جناب الكلبي عن جامع بن شدّاد، وأبو جناب صدوق فيه لين. وقد تابعه يزيد بن زياد بن أبي الجعد ــ وهو ثقة ــ عن جامع به. وأخرجه ابن خزيمة (١٥٩) وابن حبان (٦٥٦٢) والدارقطني (٢٩٧٦) والحاكم (٢/ ٦١٢) ــ وعنه البيهقي في «السنن» (٦/ ٢٠) ــ والضياء في «المختارة» (٨/ ١٢٩) من طرق عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد به. والحديث جعله الدارقطني في «الإلزامات» (ص ١٠١ - ١٠٢) على شرط الشيخين.
(٢) أي: أبو لهب.
[ ٣ / ٨١٩ ]
طِمْرَين (^١) له فسلم وقال: «من أين أقبل القوم؟» قلنا: من الربذة، قال: «وأين تريدون؟» قلنا: نريد هذه المدينة، قال: «ما حاجتكم فيها؟» قالوا (^٢): نمتار من تمرها.
قال: ومعنا ظعينة لنا ومعنا جمل أحمر مخطوم، فقال: «أتبيعون جملكم هذا؟» قالوا: نعم بكذا وكذا صاعًا من تمر، قال: فما استوضعَنا مما قلنا شيئًا، فأخذ بخطام الجمل فانطلق، فلمَّا توارى عنا بحيطان المدينة ونخلها قلنا: ما صنعنا؟! واللهِ ما بِعْنا جملنا ممن نعرف ولا أخذنا له ثمنًا، قال: تقول المرأة التي معنا: والله لقد رأيت رجلًا كأن وجهه شقَّة القمر ليلةَ البدر أنا ضامنة لثمن جملكم ــ وفي رواية ابن إسحاق (^٣): قالت الظعينة: فلا تَلاوموا فلقد رأيت وجهَ رجلٍ لا يَغدِر بكم، ما رأيتُ شيئًا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه ــ إذ أقبل رجل فقال: أنا رسولُ رسولِ الله - ﷺ - إليكم، هذا تمركم فكلوا واشبعوا واكتالوا واستوفوا، فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا واستوفينا، ثم دخلنا المدينة فدخلنا المسجد فإذا هو قائم على المنبر يخطب الناس، فأدركنا من خطبته وهو يقول: «تصدَّقوا، فإن الصدقة خير لكم، اليد
_________________
(١) أي في ثوبين خَلَقَين، والرجل هو النبي - ﷺ - كما سيتبيَّن لهم لاحقًا.
(٢) س، ث، والنسخ المطبوعة: «قلنا». والمثبت من سائر الأصول موافق لمخطوطة «الدلائل».
(٣) كذا قال المؤلف، وهو وهمٌ، وإنما هذا لفظ رواية البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٨١) من طريق الحاكم ــ وهو في «المستدرك» (٢/ ٦١٢) ــ عن أبي العبّاس الأصم عن أحمد بن عبد الحبّار عن يونس بن بكير عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد عن جامعٍ به. وبنحوه لفظ ابن حبان والدارقطني من طريق آخر عن يزيد بن أبي الجعد به. ومنشأ الوهم ــ والله أعلم ــ أن يونس بن بكير من رواة «مغازي ابن إسحاق»، والبيهقي كثيرًا ما يسند بهذا الإسناد عينه عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق مغازيه.
[ ٣ / ٨٢٠ ]
العليا خير من اليد السفلى؛ أمَّك وأباك وأختَك وأخاك وأدناك أدناك»، إذ أقبل رجل من بني يربوع ــ أو قال: من الأنصار ــ فقال: يا رسول الله، لنا في هؤلاء دماء في الجاهلية، فقال: «إن أُمًّا لا تجني على ولدٍ» ثلاث مرات.
فصل
في قدوم وفد تُجيب
وقدم عليه - ﷺ - وفد تُجيبَ وهم من السَّكُون (^١) ثلاثة عشر رجلًا قد ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم، فسُرَّ رسول الله - ﷺ - بهم وأكرم منزلهم، وقالوا: يا رسول الله، سُقنا إليك حقَّ الله في أموالنا، فقال رسول الله - ﷺ -: «ردُّوها فاقسموها على فقرائكم»، قالوا: يا رسول الله، ما قَدِمنا عليك إلا بما فضل عن فقرائنا، فقال أبو بكر: يا رسول، الله ما وفد من العرب بمثل ما وفد به هذا الحيُّ من تجيب، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن الهدى بيد الله ﷿، فمن أراد به خيرًا شرح صدره للإيمان». وسألوا رسول الله - ﷺ - أشياء فكتب لهم بها، وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن، فازداد رسول الله - ﷺ - فيهم رغبةً وأمر بلالًا أن يحسن ضيافتهم، فأقاموا أيامًا ولم يطيلوا اللبث فقيل لهم: ما يُعْجِلكم (^٢)؟ فقالوا: نرجع إلى مَن وراءنا فنخبرهم برؤيتنا رسول الله - ﷺ - وكلامنا إياه وما ردَّ علينا.
_________________
(١) من قبائل كندة، وهو السَّكون بن أشرس بن كندة. وتُجيب هم بنو عديٍّ وسعدٍ ابني أشرس بن شبيب بن السَّكون. وسمُّوا تجيب نسبةً إلى جدّتهم تجيب بنت ثوبان المذحجيّة، أم عديٍّ وسعدٍ ابني أشرس. انظر: «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم (ص ٤٢٩، ٤٧٧).
(٢) في المطبوع: «يعجبكم»، تصحيف.
[ ٣ / ٨٢١ ]
ثم جاؤوا إلى رسول الله - ﷺ - يودِّعُونه فأرسل إليهم بلالًا فأجازهم بأرفع ما كان يجيز به الوفود، قال: «هل بقي منكم أحد؟» قالوا: غلام خلَّفناه على رحالنا هو أحدثنا سنًّا، قال: «أرسلوه إلينا»، فلما رجعوا إلى رحالهم قالوا للغلام: انطلق إلى رسول الله - ﷺ - فاقضِ حاجتك منه فإنا قد قضينا حوائجنا منه وودَّعْناه، فأقبل الغلام حتى أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله إني امرؤ من بني أبذى (^١) ــ يقول: من الرهط الذين أتوك آنفًا فقضيت حوائجهم ــ فاقضِ حاجتي يا رسول الله، قال: «وما حاجتك؟» قال: إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي وإن كانوا قدموا راغبين في الإسلام وساقوا ما ساقوا من صدقاتهم، وإني والله ما أعمَلَني (^٢) من بلادي إلا أن تسأل الله ﷿ أن يغفر لي ويرحمني وأن يجعل غناي في قلبي، فقال رسول الله - ﷺ - وأقبل إلى الغلام: «اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه»، ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه، فانطلقوا راجعين إلى أهليهم.
ثم وافوا رسول الله - ﷺ - في الموسم بمنًى سنة عشر، فقالوا: نحن بنو أبذى، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما فعل الغلام الذي أتاني معكم؟» قالوا: يا رسول الله، ما رأينا مثلَه قط، ولا حُدِّثنا بأقنع منه بما رزقه الله، لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها ولا التفت إليها، فقال رسول الله - ﷺ -: «الحمد لله، إني لأرجو أن يموت جميعًا»، فقال رجل منهم: أوليس يموت الرجل جميعًا يا رسول الله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «تَشَعَّبُ أهواؤه وهمومه في أودية الدنيا، فلعل أجلَه أن يدركه في بعض تلك الأودية فلا يبالي الله ﷿ في
_________________
(١) بطن من تجيب، وهو أبذى بن عدي بن أشرس.
(٢) أي: ما حثَّني وساقني.
[ ٣ / ٨٢٢ ]
أيِّها هلك» (^١)، قالوا: فعاش ذلك الرجل فينا على أفضل حال وأزهده في الدنيا وأقنعِه بما رُزق.
فلما توفي رسول الله - ﷺ - ورجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام قام في قومه فذكَّرهم الله والإسلام، فلم يرجع منهم أحد. وجعل أبو بكر الصديق يَذْكره ويسأل عنه حتى بلغه حالُه وما قام به، فكتب إلى زياد بن لبيد (^٢) يوصيه به خيرًا (^٣).
فصل
في قدومِ وفد بني سعدِ هُذَيمٍ من قُضاعة
قال الواقدي (^٤): عن أبي (^٥) النعمان عن أبيه من بني سعدِ هُذَيمٍ: قدمت على رسول الله - ﷺ - وافدًا في نفر من قومي، وقد أوطأ رسولُ الله - ﷺ - البلاد غلبةً وأداخ العرب، والناس صنفان: إما داخل في الإسلام راغب فيه، وإما
_________________
(١) يشهد لهذا القدر حديثُ ابن عمر مرفوعًا: «من جعل الهموم همًّا واحدًا كفاه الله همَّ دنياه، ومن تشعَّبت به الهموم لم يُبال الله في أيّ أودية الدنيا هلك». أخرجه ابن أبي عاصم في «الزهد» (١٦٦) والحاكم (٢/ ٤٤٣) بإسناد حسن.
(٢) الأنصاري الخزرجي، البدري، عامل النبي - ﷺ - ثم أبي بكر على حضرموت.
(٣) خبر الوفد بتمامه من «عيون الأثر» (٢/ ٢٤٦ - ٢٤٨). وهو في «طبقات ابن سعد» (١/ ٢٧٩) عن الواقدي بإسناده، ولكن ابن سعدٍ لم يسقه بطوله.
(٤) كما في «طبقات ابن سعد» (١/ ٢٨٤) عنه أنه قال: أخبرنا محمد بن عبد الله ابن أخي الزهري، عن أبي عمير الطائي، عن أبي النعمان به. إلا أن ابن سعدٍ لم يسق الخبر بطوله. وإنما نقله عن الواقدي بطوله الكلاعيُّ في «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٣٥)، ثم عنه ابن سيد الناس في «عيون الأثر» (٢/ ٢٤٨) وهو مصدر المؤلف.
(٥) في مطبوعة «الاكتفاء» و«عيون الأثر»: «ابن». والمثبت من الأصول موافق لمطبوعة «طبقات ابن سعد». ولم أتبيَّن الصواب.
[ ٣ / ٨٢٣ ]
خائف من السيف. فنزلنا ناحيةً من المدينة، ثم خرجنا نؤمُّ المسجد حتى انتهينا إلى بابه، فنجد رسول الله - ﷺ - يصلي على جنازةٍ في المسجد، فقمنا ناحيةً ولم ندخل مع الناس في صلاتهم حتى نلقى رسول الله - ﷺ - ونبايعه، ثم انصرف رسول الله - ﷺ - فنظر إلينا فدعا بنا فقال: «من أنتم؟» فقلنا: من بني سعدِ هُذَيمٍ، فقال: «أمسلمون أنتم؟» قلنا: نعم.
قال: «فهلَّا صليتم على أخيكم؟» قلنا: يا رسول الله، ظننا أن ذلك لا يجوز لنا حتى نبايعك، فقال رسول الله - ﷺ -: «أينما أسلمتم فأنتم مسلمون»، قال: فأسلمنا وبايعنا رسول الله - ﷺ - على الإسلام ثم انصرفنا إلى رحالنا وقد كُنَّا خلَّفنا عليها أصغرنا، فبعث رسول الله - ﷺ - في طلبنا فأُتي بنا إليه، فتقدم صاحبنا فبايعه على الإسلام، فقلنا: يا رسول الله، إنه أصغرنا وإنه خادمنا، فقال: «أصغر القوم خادمهم، بارك الله عليه»، قال: فكان واللهِ خيرَنا وأقرأنا للقرآن لدعاء رسول الله - ﷺ - له، ثم أمَّره رسول الله - ﷺ - علينا فكان يؤمنا، ولما أردنا الانصراف أمر بلالًا فأجازنا بأواقيَ من فضةٍ لكلِّ رجل منا، فرجعنا إلى قومنا فرزقهم الله الإسلام.
فصل
في قدوم وفد بني فَزارة
قال أبو الربيع بن سالم في كتاب «الاكتفاء» (^١):
ولما رجع رسول الله
_________________
(١) هو الحافظ سليمان بن موسى بن سالم الكَلاعي الأندلُسي البَلَنْسي (ت ٦٣٤) في كتاب «الاكتفاء في مغازي رسول الله - ﷺ - والثلاثة الخلفاء» (١: ٢/ ٣٣٥)، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ٢٤٩). والخبر بتمامه عند البيهقي في «الدلائل» (٦/ ١٤٣) بإسناده عن أبي وجزة السعدي ــ وهو من صغار التابعين ــ مرسلًا. وأخرجه أيضًا ابن سعد (١/ ٢٥٧، ٦/ ١٨٢) عن أبي وجزة بنحوه مختصرًا. ولبعض جمله شواهد يأتي ذكرها في موضعها.
[ ٣ / ٨٢٤ ]
- ﷺ - من تبوك قدم عليه وفدُ بني فزارة بضعة عشر رجلًا فيهم: خارجة بن حِصن، والحُرُّ (^١) بن قيس ابن أخي عيينة بن حصن ــ وهو أصغرهم ــ، فنزلوا في دار بنت الحارث (^٢)، وجاؤوا رسول الله - ﷺ - مُقرِّين بالإسلام، وهم مُسْنِتُون (^٣) على رِكابٍ عِجافٍ، فسألهم رسول الله - ﷺ - عن بلادهم، فقال أحدهم: يا رسول الله، أسنتَتْ بلادُنا وهلكت مواشينا وأجدب جَنابُنا وغَرِث عِيالنا (^٤)، فادع لنا ربك يُغِثْنا (^٥)، واشفع لنا إلى ربك وليشفَعْ لنا ربُّك إليك، فقال رسول الله - ﷺ -: «سبحان الله! ويلك، هذا إنما (^٦) شفعتُ إلى ربي ﷿، فمن الذي يشفع ربُّنا إليه؟ لا إله إلا هو العظيم وسع كرسيه السماوات والأرض، فهي تئِطُّ من عظمته وجلاله كما يئط الرَّحْل الجديد» (^٧).
_________________
(١) كذا على الصواب في س، ولم يتضح في ب، وأما سائر الأصول فتصحّف فيه إلى: «الحسن».
(٢) كذا في الأصول دون ذكر اسمها تبعًا لـ «عيون الأثر». وفي المطبوع: «دار رملة بنت الحارث»، وهو كذلك عند ابن سعد والبيهقي.
(٣) أي: مُجدبون، يقال: أَسْنَتَ القومُ إذا أصابتهم السَّنةُ وهي الجدب والقحط.
(٤) أي: أجدبت ناحيتنا ومحلَّتُنا، وجاع عيالنا.
(٥) ن، والنسخ المطبوعة: «يغيثنا».
(٦) كذا في الأصول، والذي في «عيون الأثر»: «هذا أنا». وكذا في «الدلائل»، إلا أنه مضبّب عليه في مخطوطته (نسخة الكوبريلي) وفي هامشه: «هَبْ أني».
(٧) لهذا القدر شاهد من حديث جبير بن مطعم عند أبي داود (٤٧٢٦) وإسناده حسن في الشواهد. انظر: «تهذيب السنن» للمؤلف (٣/ ٢٢٧ - ٢٣٦).
[ ٣ / ٨٢٥ ]
وقال رسول الله - ﷺ -: «إن الله ﷿ لَيضحك مِن شَفَقِكم وأَزْلِكم (^١) وقُرب غياثكم» فقال الأعرابي: يا رسول الله، ويضحك ربنا ﷿؟ قال: «نعم»، فقال الأعرابي: لن يَعْدَمك من ربٍّ يضحَك خيرٌ (^٢)، فضحك النبي - ﷺ - من قوله (^٣).
وصعد المنبر فتكلَّم بكلماتٍ، وكان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا رَفْعَ الاستسقاء، فرفع يديه حتى رُئي بياض إبطيه، وكان مما حَفِظ من دعائه: «اللهم اسق بلادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحيِ بلادَك الميت، اللهم اسقنا غيثًا مُغيثًا مُريحًا (^٤) مَرِيعًا طبَقًا واسعًا، عاجلًا غير آجل، نافعًا غير ضار، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، ولا هدمٍ ولا غَرَقٍ ولا مَحْقٍ، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء» (^٥).
_________________
(١) الشَّفَق: الخوف، وقد تحرّف في المطبوع إلى: «شغفكم». والأَزْل: الضيق والشدة والقحط.
(٢) د، المطبوع: «لن نعدم من ربٍّ يضحك خيرًا»، وكذا في مطبوعة «الدلائل». والمثبت من عامّة الأصول هو لفظ «عيون الأثر»، وكذا كان في مخطوطة «الدلائل» إلا أنه غُيِّر إلى ما في مطبوعته.
(٣) لهذه الفقرة شاهد من حديث أبي رَزِين العُقيلي وافد بني المنتفق، وسيأتي (ص ٨٥١).
(٤) في المطبوع: «مَريئًا»، وهو المشهور في غير ما حديث في الاستسقاء. والمثبت من عامّة الأصول موافق لـ «عيون الأثر».
(٥) لهذا الدعاء شاهد ببعضه من حديث جابر، وببعضه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه. أخرجهما أبو داود (١١٦٩، ١١٧٦)، وقد أُعِلَّا بالإرسال، كما سبق في تخريجهما في فصل في هديه - ﷺ - في الاستسقاء (١/ ٥٧٩).
[ ٣ / ٨٢٦ ]
فصل
في قدوم وفد بني أسد
وقدم عليه - ﷺ - وفد بني أسد (^١) عشرةُ رهطٍ فيهم وابصة بن معبد وطُليحةُ (^٢) بن خويلد، ورسول الله - ﷺ - جالس في المسجد مع أصحابه فسلَّموا وتكلَّمُوا (^٣)، فقال متكلمهم: يا رسول الله، إنا شهدنا أن الله وحده لا شريك له وأنك عبده ورسوله، وجئناك يا رسول الله ولم تَبعث إلينا بعثًا، ونحن لمن وراءنا. قال محمد بن كعب القرظي: فأنزل الله ﷿ على رسوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧].
وكان مما سألوا رسول الله - ﷺ - عنه يومئذ: العيافة والكهانة وضرب الحصى، فنهاهم عن ذلك كلِّه، فقالوا: يا رسول الله، إن هذه أمور كنا نفعلها في الجاهلية أرأيت خصلةً بقيت؟ قال: «وما هي؟» قالوا: الخط، قال: «عُلِّمه نبيٌّ من الأنبياء، فمن صادف مثلَ علمِه عَلِم» (^٤).
_________________
(١) «بنو أسد» بطن في عدة قبائل، والمراد هنا بنو أسد بن خزيمة مِن مُضَر مِن العدنانية. انظر: «طبقات ابن سعد» (١/ ٢٥٣) و«نهاية الأرب» (ص ٣٧).
(٢) د، ث، والنسخ المطبوعة: «طلحة»، تصحيف.
(٣) في الأصول: «فتكلموا وتكلموا»، تصحيف، والتصحيح من «عيون الأثر».
(٤) الخبر بحروفه من «عيون الأثر» (٢/ ٢٥٠)، وابن سيد الناس صادر فيه عن «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٣٨). والفقرة الأولى من الخبر أسندها ابن سعد (٦/ ١٥٥) عن الواقدي عن هشام بن سعد عن محمد بن كعب القرظي مرسلًا. وللفقرة الثانية شاهد من حديث معاوية بن حكم السُّلمي عند مسلم (٥٣٧) ومن حديث أبي هريرة عند أحمد (٩١١٧).
[ ٣ / ٨٢٧ ]
فصل
في قدوم وفد بَهْراء
ذكر الواقدي (^١) عن كريمة بنت المقداد قالت: سمعت أمي ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب تقول: قدم وفدُ بهراءَ (^٢) من اليمن على رسول الله - ﷺ - وهم ثلاثة عشر رجلًا، فأقبلوا يقودون رواحلهم حتى انتهوا إلى باب المقداد ونحن في منازلنا ببني حُديلة (^٣)، فخرج إليهم المقداد فرحَّب بهم فأنزلهم (^٤)، وجاءهم بجفنة من حَيسٍ قد كنا هيَّأناها قبل أن يحلُّوا لنجلس عليها، فحملها المقداد وكان كريمًا على الطعام فأكلوا منها حتى نهلوا، ورُدَّت إلينا القصعة وفيها أُكَل، فجمعنا تلك الأُكَل في قصعة صغيرة ثم بعثنا بها إلى رسول الله - ﷺ - مع سدرةَ مولاتي، فوجدَتْه في بيت أم سلمة فقال رسول الله - ﷺ -: «ضباعة أرسلت بهذا؟» قالت سدرة: نعم يا رسول الله، قال: «ضعي»، ثم قال: «ما فعل ضيف أبي معبد (^٥)؟»
قلت: عندنا، فأصاب منها
_________________
(١) وعنه ابن سعد (١/ ٢٨٥) مختصرًا. والخبر بتمامه في «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٣٩) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٥١).
(٢) هم بنو بهراء بن عمرو بن الحافي بن قُضاعة. «جمهرة أنساب العرب» (ص ٤٤٠).
(٣) بنو حُدَيلة رهط من بني النجار من الخزرج، ومنهم أُبيّ بن كعب - ﵁ -. وفي ف، ز، ن: «جَدِيلة» بالجيم، وهو خطأ، إذ بنو جَدِيلة بطن في عدة قبائل، وليس منها أحد منازلهم بالمدينة.
(٤) وذلك لأنهم رهطه، فالمقداد بن الأسود بهرانيٌّ، وهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة، وإنما قيل له المقداد بن الأسود لأنه رُبّي في حجر الأسود بن عبد يغوث القرشي الزهري. انظر: «جمهرة أنساب العرب» (ص ٤٤١).
(٥) وهي كنية المقداد ..
[ ٣ / ٨٢٨ ]
رسول الله - ﷺ - أكلًا هو ومَن معه في البيت حتى نَهِلوا وأكلت معهم سدرة، ثم قال: «اذهبي بما بقي إلى ضيفكم»، قالت سدرة: فرجعت بما بقي في القصعة إلى مولاتي، قالت: فأكل منها الضيف ما أقاموا، نُردِّدها عليهم وما تَغيض حتى جعل الضيف يقولون: يا أبا معبد، إنك لتُنهلنا من أحب الطعام إلينا، وما كنا نقدر على مثل هذا إلا في الحين، وقد ذُكر لنا أن الطعام ببلادكم إنما هو العُلَق أو نحوه ونحن عندك في الشبع، فأخبرهم أبو معبد بخبر رسول الله - ﷺ - أنه أكل منها أُكَلًا وردَّها، فهذه بركة أصابع رسول الله - ﷺ -، فجعل القوم يقولون: نشهد أنه رسول الله وازدادوا يقينًا، وذلك الذي أراد رسول الله - ﷺ -.
وتعلَّموا الفرائض وأقاموا أيامًا، ثم جاؤوا رسول الله - ﷺ - فودَّعُوه (^١)، وأمر لهم بجوائزهم، وانصرفوا إلى أهليهم.
فصل
في قدوم وفد عُذْرة
وقدم عليه - ﷺ - وفدُ عُذرةَ (^٢) في صفر سنة تسعٍ اثنا عشر رجلًا فيهم جمرة (^٣) بن النعمان، فقال رسول الله - ﷺ -: «من القوم؟» فقال متكلمهم: من لا تُنكره، نحن بنو عُذرة، إخوة قُصَيٍّ لأمه، نحن الذين عضدوا قُصيًّا وأزاحوا من بطن مكة خزاعة وبني بكر، ولنا قرابات وأرحام، قال رسول الله - ﷺ -: «مرحبًا بكم وأهلًا، ما أعرَفَني بكم!».
_________________
(١) النسخ المطبوعة: «يودعونه» خلافًا للأصول ولمصدر النقل.
(٢) هم بنو عذرة بن سعدِ هُذَيم من قُضاعة. «نهاية الأرب» (ص ٣٥٩).
(٣) في عامة الأصول: «حمزة»، تصحيف. وانظر: «الإصابة» (٢/ ٢٢٤).
[ ٣ / ٨٢٩ ]
فأسلموا وبشرهم رسول الله - ﷺ - بفتح الشام وهَرَبِ هرقل إلى ممتنع من بلاده، ونهاهم عن سؤال الكاهنة، وعن الذبائح التي كانوا يذبحونها، وأخبرهم أن ليس عليهم إلا الأضحية، فأقاموا أيامًا بدار رملة، ثم انصرفوا وقد أجيزوا (^١).
فصل
في قدوم وفد بَلِيٍّ
وقدم عليه وفد بَلِيٍّ (^٢) في ربيع الأول من سنة تسع، فأنزلهم رويفع بن ثابت البَلَوي (^٣) عنده، وقدم بهم على رسول الله - ﷺ - وقال: هؤلاء قومي، فقال له رسول الله - ﷺ -: «مرحبًا بك وبقومك»، فأسلموا وقال لهم رسول الله - ﷺ -: «الحمد لله الذي هداكم للإسلام، فكل من مات على غير الإسلام فهو في النار».
وقال له أبو الضُّبَيب (^٤) شيخُ الوفد: يا رسول الله، إني رجلٌ لي (^٥) رغبةٌ في الضيافة، فهل لي في ذلك أجر؟ قال: «نعم، وكل معروف صنعته إلى غني أو فقير فهو صدقة». قال: يا رسول الله، ما وقت الضيافة؟ قال: «ثلاثة أيام، فما
_________________
(١) «عيون الأثر» (٢/ ٢٥١)، وهو في «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٤٠) بأطول منه. وأسنده ابن سعد (١/ ٢٨٦، ٦/ ٣١٤) عن الواقدي بإسناده إلى أبي عمرو بن حريث العُذري قال: وجدت في كتاب آبائي قالوا فذكره بنحوه.
(٢) هم بنو بلي بن عمرو بن الحافي بن قُضاعة، وبلي هذا أخو بَهراء الذي سبق قريبًا.
(٣) هو غير رويفع بن ثابت الأنصاري النجاري. انظر: «الإصابة» (٣/ ٥٥٥، ٥٥٦).
(٤) ويقال: «أبو الضبيس». انظر: «الإصابة» (١٢/ ٣٧٥).
(٥) كذا في ف، ب، ز. وفي سائر الأصول: «فيَّ».
[ ٣ / ٨٣٠ ]
فصل: فقه هذه القصة
كان بعد ذلك فصدقةٌ، ولا يحلُّ للضيف أن يقيم عندك فيُحْرِجَك».
قال: يا رسول الله، أرأيت الضالة من الغنم أجدها في الفلاة من الأرض؟ قال: «لك أو لأخيك أو للذئب»، قال: فالبعير؟ قال: «ما لك وله؟! دَعْه حتى يجده صاحبه» (^١).
قال رويفع: ثم قاموا فرجعوا إلى منزلي، فإذا رسول الله - ﷺ - يأتي منزلي يحمل تمرًا فقال: «استعن بهذا التمر»، وكانوا يأكلون منه ومن غيره، فأقاموا ثلاثًا ثم ودَّعوا رسول الله - ﷺ -، وأجازهم ورجعوا إلى بلادهم (^٢).
فصل
وفي هذه القصة من الفقه: إن للضيف حقًّا على من نزل به، وهو ثلاث مراتب: حقٌّ واجب، وتمام مستحب، وصدقة من الصدقات. فالحق الواجب يوم وليلة. وقد ذكر النبي - ﷺ - المراتب الثلاثة في الحديث المتفق على صحته (^٣) من حديث أبي شُرَيحٍ الخُزاعي أن رسول الله - ﷺ - قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرِمْ ضيفَه جائزتَه»، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: «يومُه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يَثْوِي عنده حتى يُحْرِجَه».
_________________
(١) هذه الفقرة لها شاهد من حديث زيد بن خالد الجُهني عند البخاري (٩١) ومسلم (١٧٢٢).
(٢) أسنده ابن سعد (١/ ٢٨٥) عن الواقدي بإسناده إلى رويفع بن ثابت مختصرًا. وهو في «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٤٢) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٥٢) بطوله.
(٣) البخاري (٦٠١٩، ٦١٣٥) ومسلم (٤٨).
[ ٣ / ٨٣١ ]
وفيه: جواز التقاط الغنم، وأن الشاة إذا لم يأت صاحبها فهي ملك الملتقط. واستدل بهذا بعض أصحابنا على أن الشاة ونحوها مما يجوز التقاطُه يُخيَّر الملتقط بين أكله في الحال وعليه قيمته، وبين بيعه وحفظ ثمنه، وبين تركه والإنفاق عليه من ماله، وهل يرجع به؟ على وجهين؛ لأنه - ﷺ - جعلها له إلا أن يظهر صاحبُها، وإذا كانت له خُيِّر بين هذه الثلاثة، فإذا ظهر صاحبها دفعها إليه أو قيمتها.
وأما متقدِّمو أصحاب أحمدَ فعلى خلاف هذا؛ قال أبو الحسين (^١): لا يتصرف فيها قبل الحول روايةً واحدةً، وقال [ابن بَكْروس] (^٢): إن قلنا: يأخذ ما لا يستقلُّ بنفسه كالغنم فإنه لا يتصرف فيها بأكل ولا غيره روايةً واحدةً، وكذلك قال ابن عقيل. ونص أحمد في رواية أبي طالب (^٣) في الشاة: يعرفها سنةً، فإن جاء صاحبها ردَّها إليه. وكذلك قال الشريفان (^٤): لا يملك الشاةَ قبل الحول روايةً واحدةً. وقال أبو بكر (^٥): وضالة الغنم إذا أخذها يُعرِّفها سنةً، وهو الواجب، فإذا مضت السنة ولم يعرف صاحبَها كانت له.
_________________
(١) ابن أبي يعلى. انظر: «الإنصاف» للمرداوي (١٦/ ٢١٩ - ٢٢٠).
(٢) بياض قدر كلمتين أو ثلاث بعد «قال» في ف، د، ز، ث. والظاهر أن المؤلف ترك البياض ليكتب فيه بعد ذلك اسم القائل. والمثبت بين الحاصرتين مستفاد من «الإنصاف». وابن بكروس هو: علي بن محمد بن المبارك بن أحمد بن بكروس، أبو الحسن البغدادي الفقيه الحنبلي، صنّف في المذهب كتاب «رؤوس المسائل» وغيره. توفي سنة ٥٧٦.
(٣) نقلها غلام الخلَّال في «زاد المُسافِر» (٣/ ٣٩٣)
(٤) أبو جعفر العباسي (ت ٤٧٠) وأبو القاسم الزيدي (ت ٤٣٣)، كما في «الإنصاف».
(٥) غلام الخلَّال في «زاد المُسافِر» (٣/ ٣٩٣).
[ ٣ / ٨٣٢ ]
والأول أفقه وأقرب إلى مصلحة الملتقط والمالك، إذ قد يكون تعريفها سنةً مستلزمًا لتغريم مالكها أضعاف قيمتها إن قلنا يرجع عليه بنفقتها، وإن قلنا لا يرجع استلزم تغريم الملتقط ذلك. وإن قيل يدعها ولا يلتقطها كانت للذئب وتَلِفَتْ، والشارع لا يأمر بضياع المال.
فإن قيل: فهذا الذي رَجَّحتموه مخالف لنصوص أحمد وأقوال أصحابه، وللدليل أيضًا. أما مخالفة نصوص أحمد فما تقدم حكايته في رواية أبي طالب، ونصَّ أيضًا في روايته في مضطرٍّ وجد شاةً مذبوحةً وشاةً مَيتةً قال: يأكل من الميتة ولا يأكل من المذبوحة؛ الميتة أحِلَّت والمذبوحة لها صاحب قد ذبحها، يريد: أن يُعرِّفها ويطلب صاحبها. فإذا أوجب إبقاء المذبوحة على حالها، فإبقاء الشاة الحية بطريق الأولى. وأما مخالفة كلام الأصحاب فقد تقدم. وأما مخالفة الدليل ففي حديث عبد الله بن عمرٍو: يا رسول الله، كيف ترى في ضالة الغنم؟ فقال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب، احبس على أخيك ضالَّته» (^١)، وفي لفظ: «رُدَّ على أخيك ضالته» (^٢)، وهذا يمنع البيع والذبح.
قيل: ليس في نص أحمد أكثر من التعريف، ومن يقول: إنه مُخيَّر بين أكلِها وبيعها وحفظها لا يقول بسقوط التعريف، بل يعرِّفها مع ذلك وقد عرف شِيَتها وعلامتها، فإن ظهر صاحبها أعطاه القيمة. فقول أحمد: يعرِّفها
_________________
(١) أخرجه الطحاوي في «معاني الآثار» (٤/ ١٣٥) والدارقطني (٤٥٧٠) والبيهقي (٤/ ١٥٣، ٦/ ١٩٠) من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه.
(٢) أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» (٣/ ١١١). وفي لفظٍ للبيهقي: «اجمَعْها حتى يأتي باغيها».
[ ٣ / ٨٣٣ ]
أعم من تعريفها وهي باقية أو تعريفها وهي مضمونة في الذمة لمصلحة صاحبها وملتقطها، ولا سيما إذا التقطها في السفر فإن إيجاب تعريفها سنةً فيه من الحرج والمشقة ما لا يأتي (^١) به الشارع، وفي تركها من تعريضها للإضاعة والهلاك ما ينافي أمرَه بأخذها وإخبارَه أنه إن لم يأخذها كانت للذئب، فيتعين ولا بد إما بيعُها وحفظ ثمنها، وإما أكلُها وضمان قيمتها أو مثلِها.
وأما مخالفة الأصحاب، فالذي اختار التخيير من أكبر أئمة الأصحاب ومن يقاس بشيوخ المذهب الكبار الأجلاء، وهو: أبو محمَّد المقدسي ــ قدَّس الله روحه ــ (^٢)، ولقد أحسن في اختياره التخييرَ كلَّ الإحسان.
وأما مخالفة الدليل فأين في الدليل الشرعي المنعُ من التصرف في الشاة الملتقَطة في المفازة وفي السفر بالبيع والأكل، وإيجابُ تعريفها، والإنفاقُ عليها سنةً مع الرجوع بالإنفاق أو مع عدمه؟ هذا ما لا تأتي به شريعة فضلًا أن يقوم عليه دليل. وقوله - ﷺ -: «احبس على أخيك ضالته» صريح في أن المراد به أن لا يستأثر بها دونه ويزيل حقه منها، فإذا كان بيعُها وحفظُ ثمنها خيرًا له من تعريفها سنةً والإنفاقِ عليها وتغريمِ صاحبها أضعافَ قيمتها= كان حبسُها وردُّها عليه هو بالتخيير الذي يكون له فيه الحظ، والحديث يقتضيه بفحواه وقوته، وهذا ظاهر، وبالله التوفيق.
ومنها: أن البعير لا يجوز التقاطه، اللهم إلا أن يكون فَلُوًّا صغيرًا لا يمتنع من الذئب ونحوه، فحكمه حكم الشاة بتنبيه النص ودلالته.
_________________
(١) النسخ المطبوعة: «يرضى» خلافًا للأصول.
(٢) انظر: «المغني» (٨/ ٣٣٩).
[ ٣ / ٨٣٤ ]
فصل
في قدوم وفد ذي مُرَّة (^١)
وقدم على رسول الله - ﷺ - وفد ذي مُرَّة ثلاثة عشر رجلًا، رأسهم الحارث بن عوف، فقال: يا رسول الله، إنَّا قومُك وعشيرتك، نحن قوم من بني لؤي بن غالب (^٢)، فتبسم رسول الله - ﷺ - وقال للحارث: «أين تركت أهلك؟» قال بسلاح (^٣) وما والاها، قال: «فكيف البلاد؟» فقال: والله إنا لمُسْنِتُون، ما في المال مُخٌّ، فادع الله لنا، فقال رسول الله - ﷺ -: «اللهم اسقهم الغيث»، فأقاموا أيامًا ثم أرادوا الانصراف إلى بلادهم، فجاؤوا رسول الله - ﷺ - مودِّعين له، فأمر بلالًا أن يجيزهم فأجازهم بعشرِ أواقٍ عشرِ أواقٍ (^٤) فضةً، وفضَّل الحارث بن عوف أعطاه اثنتي عشرة أوقيةً، ورجعوا إلى بلادهم فوجدوا البلاد مطيرةً، فسألوا: متى مُطرتم؟ فإذا هو ذلك اليوم الذي دعا رسول الله - ﷺ - فيه وأخصبت بعد ذلك بلادُهم (^٥).
_________________
(١) كذا في الأصول، والذي في «عيون الأثر» ــ وهو مصدر المؤلف ــ: «وفد بني مرّة». وهم بنو مُرَّة بن عوف بن سعد بن ذُبيان من غَطَفان.
(٢) وذلك أن عوفًا - أبا مُرَّة ــ هو ابن لؤي بن غالب لكنه دخل في بني ذُبيان وآخاه ثعلبة بن سعد بن ذُبيان، فشاع نسبه فيهم. وصار بنو مرَّة أشرافًا في غطفان وسادتهم وقادتهم، وكان الحارث بن عوف المُرِّي هذا أحد القائدَين لغطفان يوم الأحزاب، والآخر: عُيَينة بن حِصن. انظر: «جمهرة أنساب العرب» (ص ١٢، ١٣).
(٣) يُعرف اليوم بقرية العِشاش شماليَّ خيبر، وقد سبق التعريف به (ص ٤٣٨).
(٤) «عشر أواق» سقطت من س، والنسخ المطبوعة.
(٥) «عيون الأثر» (٢/ ٢٥٢).
[ ٣ / ٨٣٥ ]
فصل
في قدوم وفد خَولان
وقدم عليه - ﷺ - في شعبان سنة عشرٍ وفدُ خولان وهم عشرة، فقالوا: يا رسول الله، نحن على مَن وراءنا مِن قومنا، ونحن مؤمنون بالله ﷿ ومصدقون برسوله، وقد ضربنا إليك آباط الإبل، وركبنا حُزُونَ الأرض وسهولها - والمنة لله ورسوله (^١) علينا ـ، وقدمنا زائرين لك فقال رسول الله - ﷺ -: «أما ما ذكرتم من مسيركم إليَّ، فإن لكم بكل خطوة خطاها بعيرُ أحدكم حسنةً، وأما قولكم: زائرين لك، فإنه من زارني بالمدينة كان في جواري يوم القيامة»، قالوا: يا رسول الله، هذا السفر الذي لا تَوى عليه (^٢).
ثم قال رسول الله - ﷺ -: «ما فعل عمُّ أنس (^٣)؟» ــ وهو صنم خولان الذي كانوا يعبدونه ــ، قالوا: بِشَرٍّ (^٤)، بدَّلنا اللهُ به ما جئتَ به، وقد بقيت منا بقايا من شيخ كبير وعجوز كبيرة متمسكون به، ولو قدمنا عليه لهدمناه إن شاء الله، فقد كنا منه في غرور وفتنة، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: «وما أعظمَ ما رأيتم مِن فتنته؟» قالوا: لقد رأيتنا وأَسْنَتْنا حتى أكلنا الرِّمَّة (^٥) فجمعنا ما قدرنا عليه وابتعنا به مائةَ ثورٍ ونحرناها لعمِّ أنس قربانًا في غداة واحدة، وتركناها تَرِدها
_________________
(١) ز، ن، والنسخ المطبوعة: «ولرسوله».
(٢) أي: لا ضَياعَ ولا خَسارة.
(٣) كذا ورد اسمه عند الواقدي ومن تبعه. وكذا عند ابن إسحاق، كما في أصول خطية من «سيرة ابن هشام» (١/ ٨٠ - الهامش). ووقع في كتاب «الأصنام» لابن الكلبي (ص ٤٣): «عُمْيانِس».
(٤) في المطبوع: «أبْشِر» خلافًا للأصول ولمصدر المؤلف. قولهم: «بشرٍّ» أي هو بشرٍّ.
(٥) أي: أصابتنا السَّنة ــ وهي الجدب ــ حتى أكلنا العظام البالية.
[ ٣ / ٨٣٦ ]
السباع ونحن أحوج إليها من السباع، فجاءنا الغيث من ساعتنا، ولقد رأينا العُشب يواري الرجال، ويقول قائلنا: أنعم علينا عم أنس.
وذكروا لرسول الله - ﷺ - ما كانوا يقسمون لصنمهم هذا من أنعامهم وحروثهم، وأنهم كانوا يجعلون من ذلك جزءًا له وجزءًا لله بزعمهم قالوا: كنا نزرع الزرع فنجعل له وسطَه فنسمِّيه له ونسمِّي زرعًا آخر حَجْرةً (^١) لله، فإذا مالت الريح فالذي سمينا لله جعلناه لعم أنس، وإذا مالت الريح فالذي جعلناه لعم أنس لم نجعله لله، فذكر لهم (^٢) رسول الله - ﷺ - أن الله أنزل عليه في ذلك ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا ﴾ الآية [الأنعام: ١٣٦]. قالوا: وكنا نتحاكم إليه فنُكَلَّم (^٣)، فقال رسول الله - ﷺ -: «تلك الشياطين تكلمكم».
وسألوه عن فرائض الدين فأخبرهم، وأمرهم بالوفاء بالعهد وأداء الأمانة وحُسنِ الجوار لمن جاوروا، وأن لا يظلموا أحدًا، قال: «فإن الظلم ظلمات يوم القيامة». ثم ودَّعوه بعد أيام وأجازهم فرجعوا إلى قومهم، فلم يحلُّوا عقدةً حتى هدموا عم أنس (^٤).
_________________
(١) أي: ناحيةً.
(٢) في جميع الأصول عدا ف: «له»، وكذا كتب في أولًا ثم أُصلح إلى المثبت الموافق لمصدر النقل.
(٣) ز، س، والنسخ المطبوعة: «فيتكلَّم». والمثبت من سائر الأصول موافق لمصدر المؤلف.
(٤) «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٤٩) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٥٣). وهو عند ابن سعد (١/ ٢٨٠) عن الواقدي عمّن حدثه مِن أهل العلم، مختصرًا.
[ ٣ / ٨٣٧ ]
فصل
في قدوم وفد مُحارب
وقدم على رسول الله - ﷺ - وفد مُحاربٍ (^١) عامَ حجة الوداع، وهم كانوا أغلظ العرب وأفظَّهم على رسول الله - ﷺ - في تلك المواسم أيام عرضِه نفسَه على القبائل يدعوهم إلى الله، فجاء رسولَ الله - ﷺ - منهم عشرةٌ نائبين عمَّن وراءَهم مِن قومهم فأسلموا، وكان بلال يأتيهم بغَداءٍ وعَشاءٍ، إلى أن جلسوا مع رسول الله - ﷺ - يومًا من الظهر إلى العصر فعرف رجلًا منهم فأمدَّه النظر، فلما رآه المحاربي يديم النظر إليه قال: كأنك يا رسول الله توهمني؟ قال: «لقد رأيتك»، قال المحاربي: إي والله لقد رأيتني وكلَّمتني، وكلمتك بأقبح الكلام ورددتك بأقبح الرد بعُكاظ وأنت تطوف على الناس، فقال رسول الله - ﷺ -: «نعم»، ثم قال المحاربي: يا رسول الله، ما كان في أصحابي أشدُّ عليك يومئذ ولا أبعد عن الإسلام مني، فأحمد الله الذي أبقاني حتى صدَّقت بك، ولقد مات أولئك النفر الذين كانوا معي على دينهم، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن هذه القلوب بيد الله ﷿»، فقال المحاربي: يا رسول الله، استغفر لي من مراجعتي إياك، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن الإسلام يجبُّ ما كان قبله من الكفر»، ثم انصرفوا إلى أهليهم (^٢).
_________________
(١) «محارب» بطن في عدَّة قبائل، والمراد هنا بنو محارب بن خَصَفة بن قيس عَيلان بن مُضر، لأنهم هم المذكورون في القبائل التي عرض النبي - ﷺ - نفسه عليها في المواسم كما في «طبقات ابن سعد» (١/ ١٨٤)، وقد سبق في «فصل في مبدأ الهجرة».
(٢) «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٥١) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٥٤). وأسنده ابن سعد (١/ ٢٥٨) عن الواقدي، عن محمد بن صالح التمَّار، عن أبي وجزة السعدي مرسلًا بنحوه.
[ ٣ / ٨٣٨ ]
فصل
في قدوم وفد صُداءٍ في سنة ثمان
وقدم عليه - ﷺ - وفد صداء (^١)، وذلك أنه لما انصرف من الجعرانة بعث بعوثًا، وهيَّأ بعثًا استعمل عليهم قيس بن سعد بن عبادة، وعقد له لواءً أبيض ودفع إليه رايةً سوداء وعسكر بناحية قناةَ (^٢) في أربعمائة من المسلمين وأمره أن يطأ ناحيةً من اليمن كان فيها صُداءٌ.
فقدم على رسول الله - ﷺ - رجل منهم، وعلم بالجيش فأتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، جئتك وافدًا على (^٣) من ورائي، فاردد الجيش وأنا لك بقومي، فردَّ رسول الله - ﷺ - قيس بن سعد من صدرِ قناةَ، وخرج الصُّدائي إلى قومه، فقدم على رسول الله - ﷺ - خمسة عشر رجلًا منهم، فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله، دعهم ينزلوا عليَّ، فنزلوا عليه فحياهم وأكرمهم وكساهم، ثم راح بهم إلى النبيِّ - ﷺ - فبايعوه على الإسلام وقالوا: نحن لك على مَن وراءنا مِن قومنا، فرجعوا إلى قومهم ففشا فيهم الإسلام، فوافى رسول الله - ﷺ - منهم مائة رجل في حجة الوداع. ذكر هذا الواقدي (^٤) عن بعض بني المصطلق.
وذكر (^٥) من حديث زياد بن الحارث الصُّدائي أنه الذي قدم على
_________________
(١) صُداء بطن من مَذْحِج. «جمهرة أنساب العرب» (ص ٤٧٧).
(٢) هو الوادي الذي بين المدينة وأحد، وقد سبق التعريف به.
(٣) ف: «عن». والمثبت من سائر الأصول موافق لمصدر النقل.
(٤) وعنه ابن سعد (١/ ٢٨٢) مختصرًا. والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ٢٥٥).
(٥) أي: الواقدي ــ وعنه ابن سعد (١/ ٢٨٢) مختصرًا ــ عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، عن زياد بن نُعَيم، عن زياد بن الحارث الصدائي. وأخرجه أيضًا الطبراني في «الكبير» (٥/ ٢٦٢) وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٣٠٤١ - ٣٠٤٣) والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٥٥) من طرق عن عبد الرحمن الإفريقي به مطوَّلًا بنحوه. وأخرجه أحمد (١٧٥٣٨) وأبو داود (٥١٤) والترمذي (١٩٩) من طرق عن الإفريقي به مقتصَرًا على قصة الإقامة وقوله - ﷺ -: «من أذَّن فهو يقيم». قال الترمذي: «لا نعرفه إلا من حديث الإفريقي، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ورأيت محمد بن إسماعيل البخاري يُقوِّي أمره ويقول: هو مقارب الحديث». اهـ باختصار وتصرُّف.
[ ٣ / ٨٣٩ ]
رسول الله - ﷺ - فقال له: اردد الجيش وأنا لك بقومي، فرَدَّهم. قال: وقدم وفد قومي عليه فقال لي: «يا أخا صُداءٍ إنك لَمُطاع في قومك!»، قال: قلت: بلى (^١) يا رسول الله، مَنُّ اللهِ ﷿ ومَنُّ رسولهِ (^٢).
وكان زياد هذا مع رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره قال: فاعتشى رسول الله - ﷺ - ــ أي: سار ليلًا ــ واعتشينا معه، وكنت رجلًا قويًّا قال: فجعل أصحابه يتفرقون عنه ولزمت غَرْزَه، فلما كان في السحر قال: «أذِّن يا أخا صداءٍ»، فأذنت على راحلتي ثم سرنا حتى ذهبنا فنزل (^٣) لحاجته ثم رجع فقال: «يا أخا صداء، هل معك ماء؟» قلت: معي شيء في إداوتي، فقال: «هاته»، فجئت به فقال: «صُبَّ»، فصببت ما في الإداوة في القعب، فجعل
_________________
(١) المطبوع: «بل»، وكذا في مطبوعة «طبقات ابن سعد». والمثبت من الأصول موافق لمصدر المؤلف.
(٢) كذا ضُبط في نسختين خطيَّتَين من «عيون الأثر»، وإلا فيَحتمِل أن يكون: «مِنَ الله عزوجل ومِن رسوله» كما في طبعة الرسالة.
(٣) كذا في الأصول، والظاهر أنه سبق قلم من المؤلف. والصواب كما في «عيون الأثر»: «حتى نزلنا فذهب».
[ ٣ / ٨٤٠ ]
أصحابه يتلاحقون، ثم وضع كفَّه على الإناء فرأيت بين كلِّ أصبعَين من أصابعه عينًا تفور، ثم قال: «يا أخا صُداءٍ، لولا أني أستَحْيِي من ربي ﷿ سَقينا واستقينا»، ثم توضأ وقال: «أذِّن في أصحابي: من كانت له حاجةِ بالوضوء فليَرِدْ»، قال: فوردوا من آخرهم، ثم جاء بلال يقيم فقال: «إن أخا صداء أذَّن، ومن أذَّن فهو يقيم» فأقمت، ثم تقدم رسول الله - ﷺ - فصلى بنا.
وكنت سألته قبلُ أن يؤمِّرني على قومي ويكتبَ لي بذلك كتابًا ففعل، فلما سلَّم من صلاته قام رجل يتشكى من عامله فقال: يا رسول الله، إنه أخذَنا بذُحُول (^١) كانت بيننا وبينه في الجاهلية، فقال رسول الله - ﷺ -: «لا خيرَ في الإمارة لرجل مسلم»، ثم قام رجل فقال: يا رسول الله، أعطني من الصدقة، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن الله لم يَكِل قسمتَها إلى ملك مُقرَّبٍ ولا نبيٍّ مُرسَل حتى جزَّأَها ثمانية أجزاء، فإن كنتَ جزءًا منها أعطيتك، وإن كنت غنيًّا عنها فإنما هي صُداع في الرأس وداءٌ في البطن» فقلت في نفسي: هاتان خصلتان حين سألت الإمارة وأنا رجل مسلم وسألته من الصدقة وأنا غني عنها، فقلت: يا رسول الله، هذان كتاباك فاقبَلْهما، فقال رسول الله - ﷺ -: «ولم؟» قلتُ: إني سمعتك تقول: «لا خير في الإمارة لرجل مسلم» وأنا مسلم، وسمعتك تقول: «من سأل من الصدقة وهو غني عنها فإنما هي صداع في الرأس وداء في البطن» وأنا غني، فقال رسول الله - ﷺ -: «أما إن الذي قلتُ كما قلتُ»، فقبلهما رسول الله - ﷺ - ثم قال: «دُلَّني على رجل من قومك أستعمله»، فدللته على رجل منهم فاستعمله.
قلت: يا رسول الله، إن لنا بئرًا إذا كان الشتاءُ كفانا ماؤها، وإذا كان
_________________
(١) أي: أثْآر وعداوات، واحده: ذَحْلٌ.
[ ٣ / ٨٤١ ]
الصيف قلَّ علينا فتفرَّقنا على المياه، والإسلام اليومَ فينا قليل ونحن نخاف، فادعُ الله ﷿ لنا في بئرنا، فقال رسول الله - ﷺ -: «ناوِلْني سبعَ حصياتٍ» فناولته، فعركهن بيده ثم دفعهن إلي وقال: «إذا انتهيت إليها فألق فيها حصاةً حصاةً وسمِّ الله»، قال: ففعلتُ، فما أدركنا لها قعرًا حتى الساعة (^١).
فصل
في فقه هذه القصة
ففيها: استحباب عقد الألوية والرايات للجيش، واستحباب كون اللواء أبيض وجواز كون الراية سوداء من غير كراهة.
ومنها: قبول خبر الواحد، فإن النبي - ﷺ - ردَّ الجيش من أجل خبر الصُّدائي وحده.
ومنها: جواز سير الليل كلَّه في السفر إلى الأذان، فإن قوله «اعتشى» أي: سار عشيةً، ولا يقال لما بعد نصف الليل.
وفيها: جواز الأذان على الراحلة.
وفيها: طلب الإمام الماء من أحد رعيته للوضوء، وليس ذلك من السؤال.
وفيها: أنه لا يتيمم حتى يطلب الماء فيُعْوِزَه.
وفيها: المعجزة الظاهرة بفَوَران الماء من بين أصابعه؛ لمَّا وضعها فيه أمدَّه الله به وكثَّره حتى جعل يفور من خلال الأصابع الكريمة. والجهال تظنُّ
_________________
(١) الخبر بطوله في «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٥٧) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٥٤).
[ ٣ / ٨٤٢ ]
أنه كان يشق الأصابع ويخرج من نفس اللحم والدم، وليس كذلك وإنما بوضعه أصابعَه فيه حلَّت فيه البركة من الله والمدد، فجعل يفور حتى خرج من بين الأصابع. وقد جرى له هذا مرارًا عديدةً بمشهد أصحابه.
وفيها: أن السنة أن يتولَّى الإقامة من تولَّى الأذان، ويجوز أن يؤذن واحد ويقيم آخر كما ثبت في قصة عبد الله بن زيد أنه لما رأى الأذان وأخبر به النبيَّ - ﷺ - قال: «ألقِهِ على بلال»، فألقاه عليه، ثم أراد بلال أن يقيم فقال عبد الله بن زيد: يا رسول الله، أنا رأيت، أريد أن أقيم، قال: «فأقم»، فأقام هو وأذَّن بلال. ذكره الإمام أحمد (^١).
وفيها: جواز تأمير الإمام وتوليته لمن سأله ذلك إذا رآه كفوًا، ولا يكون سؤاله مانعًا من توليته ولا يناقض هذا قوله في الحديث الآخر: «إنا لن نُولِّي على عملنا من أراده» (^٢)، فإن الصُّدائي إنما سأله أن يؤمِّره على قومه خاصةً وكان مطاعًا فيهم محبَّبًا إليهم، وكان مقصوده إصلاحهم ودعاءهم إلى الإسلام، فرأى النبي - ﷺ - أن مصلحة قومه في توليته فأجابه إليها، ورأى أن ذلك السائل إنما سأل الولاية لحظِّ نفسه ومصلحته هو فمنعه منها، فولى للمصلحة ومنع للمصلحة، فكان منعُه لله وتوليته لله.
وفيها: جواز شكاية العمالِ الظَّلَمةِ إلى الإمام والقدح فيهم بظلمهم،
_________________
(١) في «مسنده» (١٦٤٧٦)، وأخرجه أيضًا أبو داود (٥١٢) والدارقطني (٩٦٢) والبيهقي في «سننه» (١/ ٣٩٩) من حديث عبد الله بن زيد. وإسناده ضعيف. انظر: «التلخيص الحبير» (٣٠٩) و«ضعيف سنن أبي داود - الأم» (١/ ١٧٧).
(٢) أخرجه البخاري (٢٢٦١) ومسلم (١٧٣٣) من حديث أبي موسى بنحوه.
[ ٣ / ٨٤٣ ]
وأن ترك الولاية خير للمسلم من الدخول فيها، وأن الرجل إذا ذَكَر أنه من أهل الصدقة أُعطي منها بقوله ما لم يظهر منه خلافه.
ومنها: أن الشخص الواحد يجوز أن يكون وحده صنفًا من الأصناف لقوله: «إن الله تعالى جزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت جزءًا منها أعطيتك».
ومنها: جواز إقالة الإمام لولاية من ولَّاه إذا سأله ذلك.
ومنها: استشارة الإمام لذي الرأي مِن أصحابه فيمن يولِّيه.
ومنها: جواز الوضوء بالماء المبارك وأن بركته لا توجب كراهة الوضوء منه، وعلى هذا فلا يكره الوضوء من ماء زمزم، ولا من الماء الذي يجري على ظهر الكعبة. والله أعلم.
فصل
في قدوم وفد غسَّان
وقدموا في شهر رمضان سنة عشرٍ وهم ثلاثةُ نفرٍ فأسلموا، وقالوا: لا ندري أيتبعنا قومنا أم لا؟ وهم يحبون بقاء مُلكهم وقرب قيصر، فأجازهم رسول الله - ﷺ - بجوائز وانصرفوا راجعين، فقدموا على قومهم فلم يستجيبوا لهم وكتموا إسلامهم، حتى مات منهم رجلان على الإسلام، وأدرك الثالث منهم عمر بن الخطاب عام اليرموك، فلقي أبا عبيدة فخبَّره بإسلامه فكان يكرمه (^١).
_________________
(١) ذكره الواقدي ــ وعنه ابن سعد (١/ ٢٩٢) مختصرًا بنحو مما هنا ــ بإسناده إلى هؤلاء القوم من غسَّان. ونقله الكلاعيُّ في «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٥٩) عن الواقدي مطوَّلًا. والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ٢٥٦).
[ ٣ / ٨٤٤ ]
فصل
في قدوم وفد سَلامان
وقدم عليه - ﷺ - وفدُ سلامانَ (^١) سبعة نفرٍ فيهم حبيب بن عمرو، فأسلموا. قال حبيب: فقلت: أي رسولَ الله ــ صلى الله عليك (^٢) ــ ما أفضل الأعمال؟ قال: «الصلاة في وقتها»، ثم ذكر حديثًا طويلًا. وصلَّوا معه يومئذٍ الظهر والعصر، قال: فكانت صلاة العصر أخفَّ من القيام في الظهر.
ثم شَكَوا إليه جدب بلادهم فقال رسول الله - ﷺ - بيده: «اللهم اسقهم الغيث في دارهم»، فقلت: يا رسول الله، ارفع يديك فإنه أكثر وأطيب، فتبسم رسول الله - ﷺ - ورفع يديه حتى رأيتُ بياض إبطيه ثم قام وقمنا عنه.
فأقمنا ثلاثًا وضيافته تجري علينا، ثم ودَّعناه وأمر لنا بجوائز، فأُعطِينا خمسُ أواقي لكل رجلٍ منا، واعتذر إلينا بلال وقال: ليس عندنا اليوم مال، فقلنا: ما أكثرَ هذا وأطيبَه! ثم رحلنا إلى بلادنا فوجدناها قد مطرت في اليوم الذي دعا فيه رسول الله - ﷺ - في تلك الساعة. قال الواقدي: وكان مَقْدَمهم في شوال سنة عشر (^٣).
_________________
(١) «سلامان» بطون في عدة قبائل، والمراد هنا بنو سلامان بن سعدِ هُذَيمٍ من قُضاعة. انظر: «طبقات ابن سعد» (٦/ ٣١٥) و«جمهرة أنساب العرب» (ص ٤٨٦).
(٢) الصلاة تفرّدت بها ف.
(٣) ذكره الواقدي ــ وعنه ابن سعد (١/ ٢٨٦، ٦/ ٣١٥) مختصرًا ــ بإسناده عن حبيب بن عمرو السلاماني. ونقله الكلاعيُّ في «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٦١) عن الواقدي بأطول مما هنا. والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ٢٥٦).
[ ٣ / ٨٤٥ ]
فصل
في قدوم وفد بني عَبْس
وقدم عليه وفد بني عبس (^١) فقالوا: يا رسول الله، قدم علينا قُرَّاؤنا فأخبَرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواشٍ وهي معايشنا، فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له فلا خيرَ في أموالنا، بِعناها وهاجرنا مِن آخرِنا، فقال رسول الله - ﷺ -: «اتقوا الله حيث كنتم فلن يَلِتَكم الله من أعمالكم شيئًا».
وسألهم رسول الله - ﷺ - عن خالد بن سنان: «هل له عقب؟» فأخبروه أنه لا عقب له، كانت له (^٢) ابنةٌ فانقرضت، وأنشأ رسول الله - ﷺ - يحدث أصحابه عن خالد بن سنان فقال: «نبي ضيَّعه قومُه!» (^٣).
_________________
(١) بطن من غَطَفان بن سعد بن قيس عَيلان. «جمهرة أنساب العرب» (ص ٤٨١).
(٢) «له» سقطت من ف، د، ز.
(٣) «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٦٣) نقلًا عن الواقدي، و«عيون الأثر» (٢/ ٢٥٧). وقد أسنده الواقدي ــ وعنه ابن سعد (١/ ٢٥٦) ــ من حديث أبي هريرة، وإسناده واهٍ من أجل الواقدي، وجهالة شيخه الذي رواه عن المقبري عن أبي هريرة. وقوله فيه: «نبي ضيَّعه قومُه» روي من حديث ابن عبّاس وأنس أيضًا، ولكنه حديث منكر ولا يصحُّ مسندًا البتة، وإنما روي مرسلًا من وجوه. وهذه المراسيل لا يُحتجُّ بها هنا لمعارضتها لقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وقوله - ﷺ - في الحديث المتفق عليه: «أنا أولى الناس بابن مريم، ليس بيني وبينه نبي». انظر: «البداية والنهاية» (٣/ ٢٤٨) و«الإصابة» (٣/ ٣٥٨) و«الضعيفة» (٢٨١) و«أنيس الساري» (١٠/ ٨٦١).
[ ٣ / ٨٤٦ ]
فصل
في قدوم وفد غامد
قال الواقدي (^١): وقدم على رسول الله - ﷺ - وفد غامد سنة عشر وهم عشرة، فنزلوا بقيعَ الغرقد وهو يومئذٍ أَثْلٌ وطَرْفاء (^٢)، ثم انطلقوا إلى رسول الله - ﷺ - وخلَّفوا عند رحلهم أحدَثَهم سِنًّا، فنام عنه وأتى سارق فسرق عيبةً لأحدهم فيها أثواب له، وانتهى القومُ إلى رسول الله - ﷺ - فسلَّموا عليه وأقرُّوا له بالإسلام، وكتب لهم كتابًا فيه شرائعُ من شرائع الإسلام، وقال لهم: «من خلَّفتم في رحالكم؟» قالوا: أحدثنا يا رسول الله، قال: «فإنه قد نام عن متاعكم حتى أتى آتٍ فأخذ (^٣) عيبةَ أحدكم»، فقال أحد القوم: يا رسول الله، ما لأحدٍ من القوم عيبةٌ غيري، فقال رسول الله - ﷺ -: «فقد أُخِذت ورُدَّت إلى موضعها»، فخرج القوم سراعًا حتى أتوا رحلهم فوجدوا صاحبهم، فسألوه عما خبَّرهم رسول الله - ﷺ -، فقال: فزعت من نومي ففقدت العيبة، فقمتُ في طلبها فإذا رجل قد كان قاعدًا فلما رآني فثار يعدو مني، فانتهيت إلى حيث انتهى فإذا أَثَرُ حَفْرٍ، وإذا هو قد غيَّب العيبة فاستخرجتها، فقالوا: نشهد أنه رسول الله، فإنه قد أخبرنا بأخذها وأنها قد رُدَّت، فرجعوا إلى النبي - ﷺ - فأخبروه، وجاء الغلام الذي خلَّفوه فأسلم، وأمر النبي - ﷺ - أبيَّ بن كعبٍ فعلَّمهم قرآنًا، وأجازهم كما كان يجيز الوفود وانصرفوا.
_________________
(١) وعنه ابن سعد (١/ ٢٩٨) مختصرًا. والخبر بتمامه في «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٦٦) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٥٧).
(٢) الطرفاء شجر معروف، ورقها دقيق مفتول، وهي أصناف، منها: الأثل.
(٣) الفاء ليست في الأصول عدا ب، وهي ثابتة في «عيون الأثر».
[ ٣ / ٨٤٧ ]
فصل
في قدوم وفد الأزد على رسول الله - ﷺ -
ذكر أبو نعيم في كتاب «معرفة الصحابة» (^١) والحافظ أبو موسى المديني من حديث أحمد بن أبي الحواريَّ قال: سمعت أبا سليمان الداراني قال: حدثني علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي قال: حدثني أبي عن جدي سويد بن الحارث قال: وفدت سابعَ سبعةٍ من قومي على رسول الله - ﷺ - فلما دخلنا عليه وكلمناه أعجبه ما رأى من سَمْتنا وزِيِّنا فقال: «ما أنتم؟» قلنا: مؤمنون، فتبسم رسول الله - ﷺ - وقال: «إن لكلِّ قولٍ حقيقةً، فما حقيقة قولكم وإيمانكم؟» قلنا: خمس عشرة خصلةً؛ خمس منها أمرَتْنا بها رُسُلك أن نؤمن بها، وخمسٌ أمرتنا أن نعمل بها، وخمس تخلَّقنا بها في الجاهلية فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «وما الخمس التي أمرتكم بها رسلي أن تؤمنوا بها؟» قلنا: أمرَتْنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، قال: «وما الخمس التي أمرتكم أن تعملوا بها؟» قلنا: أمرتنا أن نقول: لا إله إلا الله، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، ونصوم رمضان، ونحج البيت من استطاع إليه سبيلًا، فقال: «وما الخمسة (^٢)
التي تخلَّقتم بها في الجاهلية؟» قالوا: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والرضى بمُرِّ القضاء، والصدق في مواطن اللقاء،
_________________
(١) لم أجده فيه، وقد أخرجه أبو نعيم أيضًا في «حلية الأولياء» (٩/ ٢٧٩)، وأخرجه البيهقي في «الزهد الكبير» (٩٧٠) وابن عساكر في «تاريخه» (١/ ١٩٩ - ٢٠١) من طرق عن أحمد بن أبي الحواريِّ به. وإسناده ضعيف، علقمة بن سويد مجهول، قال الذهبي: «لا يُعرَف، وأتى بخبر منكر عن أبيه عن جدّه». «ميزان الاعتدال» (٣/ ١٠٨). وأقره ابن حجر في «اللسان» (٥/ ٤٧٢). وانظر: «الضعيفة» للألباني (٢٦١٤).
(٢) كذا في ف، ث، ن. وفي سائر الأصول: «الخمس» ..
[ ٣ / ٨٤٨ ]
- سياق حديث لقيط بن عامر الطويل
وترك الشماتة بالأعداء، فقال رسول الله - ﷺ -: «حُكَماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء»، ثم قال: «وأنا أزيدكم خمسًا فتَتِمُّ لكم عشرون خصلةً: إن كنتم كما تقولون فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تَبنوا ما لا تسكنون، ولا تَنافسوا في شيء أنتم عنه غدًا تزولون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون وعليه تعرضون، وارغبوا فيما عليه تَقْدَمون وفيه تخلدون»، فانصرف القوم من عند رسول الله - ﷺ - وحفظوا وصيته وعملوا بها.
فصل
في قدوم وفد بني المُنتفِق (^١) على رسول الله - ﷺ -
رُوينا عن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في «مسند أبيه» (^٢)
قال: كتب إلي إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزُّبَير الزبيري: كتبت إليك بهذا الحديث وقد عرضتُه وسمعتُه على ما كتبتُ به إليك، فحدِّثْ بذلك عني؛ قال: حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحِزامي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عياش الأنصاري، عن دَلْهَم بن الأسود بن
_________________
(١) هم بنو المنتفق بن عامر بن عُقيل، بطن من عامر بن صعصعة، مِن قيس عَيلان. «جمهرة أنساب العرب» (ص ٤٦٩).
(٢) برقم (١٦٢٠٦). وأخرجه عبد الله أيضًا في «السنة» (١٠٩٧) وابن أبي عاصم في «السنة» (٦٤٩) وابن خزيمة في «التوحيد» (٣٨٢) والطبراني في «الكبير» (١٩/ ٢١١) والحاكم (٤/ ٥٦٠)، كلهم من طريق عبد الرحمن بن المغيرة الحِزامي به. وفي إسناده لين، فإن عبد الرحمن بن عيَّاش، ودلهم بن الأسود، وأباه، كلهم فيهم جهالة ولم يوثِّقهم معتبر وإن كان أوردهم ابن حبّان في «الثقات». وقال الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٧/ ٣٣٩): «هذا حديث غريب جدًّا، وألفاظه في بعضها نكارة». قلتُ: ولبعض فقراته شواهد يأتي ذكرُها في موضعها.
[ ٣ / ٨٤٩ ]
عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العُقَيلي، عن أبيه، عن عمه لَقِيط بن عامر ــ قال دَلْهَم: وحدثنيه أيضًا أبي الأسودُ بن عبد الله عن عاصم بن لقيط ــ أن لَقِيط بن عامرٍ - ﵁ - خرج وافدًا إلى رسول الله - ﷺ - ومعه صاحب له يقال له: نَهِيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق.
قال لقيط: خرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله - ﷺ -، فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في الناس خطيبًا فقال: «ياأيُّها الناس، ألا إني قد خبَّأتُ لكم صوتي منذ أربعة أيام (^١) لتسمعوا اليوم، ألا فهل من امرئ بعثه قومُه فقالوا (^٢): اعلَم لنا ما يقول رسول الله - ﷺ -؟ ألا ثُمَّ لعله يُلهيه حديثُ نفسه أو حديثُ صاحبه، أو يُلهيه ضالٌّ، ألا إني مسؤول: هل بلغتَ؟ ألا اسمعوا تعيشوا، ألا اجلسوا»، فجلس الناس، وقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرَّغ لنا (^٣) فؤادَه ونظرَه (^٤) قلت: يا رسول الله، ما عندك من علم الغيب؟ فضحك لَعَمْرُ اللهِ وعلم أني أبتغي السَّقطة (^٥)، فقال: «ضَنَّ (^٦) ربك بمفاتيحَ
_________________
(١) زِيد بعده في ث، المطبوع: «أَلا»، وهو مضروب عليه في ف، س ولا يوجد في سائر الأصول. ولفظ «المسند»: «ألا لأُسمِعنَّكم، ألا فهل ». وأقرب منه لسياق المؤلف لفظ ابن أبي عاصم والطبراني: «لِأُسمعكم اليوم».
(٢) زِيد بعده في س، المطبوع: «له»، وليس في «المسند».
(٣) «وصاحبي حتى إذا فرغ لنا» مكانه خرم في ف، فظهر في الصورة مكانه: «كانوا على عمل لا يحسنون» من الورقة التالية. وله نظائر في أثناء هذا الحديث.
(٤) كذا ضُبط في ز، وفي ث، ن: «حتى إذا فَرَغ لنا فؤادُه ونظرُه».
(٥) في «المسند» و«السنة» لعبد الله: «لِسقطه». وفي «السنة» لابن أبي عاصم و«التوحيد»: «سقطَه».
(٦) رُسِم بالظاء المُشالة في ف، ب، ز، د.
[ ٣ / ٨٥٠ ]
خمسٍ من الغيب لا يعلمها إلا الله» وأشار بيده، فقلت: ما هن يا رسول الله؟ قال: «عِلْم المَنيَّة، قد عَلِم متى منية أحدكم ولا تعلمونه. وعِلْم المنيِّ حتى (^١) يكون في الرحم قد علمه ولا تعلمونه. وعِلْم ما في غدٍ، قد عَلِم ما أنت طاعم ولا تعلمه.
وعِلْم يوم الغيث، يُشْرِف عليكم أزِلين مُشْفِقين فيظلُّ يضحك قد علم أن غوثكم (^٢) إلى قريب» ــ قال لقيط: فقلت: لن نَعدَم مِن ربٍّ يضحك خيرًا يا رسول الله (^٣) ــ قال: «وعِلْم يوم الساعة».
قلتُ: يا رسول الله، عَلِّمنا مما تُعلِّم الناس وتَعْلَم، فإنا من قبيل لا يُصَدِّق تصديقَنا أحدٌ من مَذْحِجٍ التي تدنو (^٤) علينا وخَثعمٍ التي توالينا وعشيرتَنا (^٥)، قال: تلبثون ما لبثتم ثم يُتوفى نبيُّكم (^٦) ثم تلبثون ما لبثتم ثم تُبعَث الصائحة، فلعَمْرُ إلهِك ما تدع على ظهرها شيئًا إلا مات والملائكة
_________________
(١) س، الطبعة الهندية: «متى». ز، ث، طبعة الرسالة: «حين»، وهو لفظ «المسند» وغيره من مصادر التخريج.
(٢) لفظ «المسند»: «غِيَرَكم» أي: تغيُّر حالكم من الجدب إلى الخصب. والمثبت من الأصول لفظ ابن خزيمة وابن أبي عاصم.
(٣) ضحك ربِّنا الرحيم من قنوط عباده وقربُ غيره وتفاؤلُ لقيطٍ به روي أيضًا من طريق آخر عند أحمد (١٦١٨٧) وابن ماجه (١٨١) وغيرهما. وإسناده حسن لا سيما في المتابعات والشواهد.
(٤) ز، ث: «تربو»، وهو الذي في عامة مصادر التخريج. وقد اختلفت نسخ «المسند» الخطية ــ كما في هامش طبعة المكنز (٧/ ٣٥٢٣) ــ على ثلاثة أوجه: المذكورَين والثالث: «تربأ». وفي مطبوعة «كتاب التوحيد» لابن خزيمة: «تدنو إلينا».
(٥) زِيد بعده في ز، المطبوع: «التي نحن منها»، وهو في «المسند» كذلك.
(٦) «تلبثون ما لبثتم ثم يُتوفى نبيُّكم» سقط من جميع الأصول عدا ز.
[ ٣ / ٨٥١ ]
الذين مع ربك ﷿، فأصبح ربك ﷿ يطوف في الأرض وخلت عليه البلاد، فأرسل ربُّك السماءَ بهَضْبٍ من عند العرش، فلعَمْرُ إلهِك ما تدع على ظهرها من مَصْرَعِ (^١) قتيلٍ ولا مَدْفَنِ ميتٍ إلا شَقَّت القبرَ عنه حتى تُخْلِفَه (^٢) من عند رأسه فيستوي جالسًا، فيقول ربك: مهيم؟ لِما كان فيه، يقول: يا ربِّ أمسِ، اليومَ؛ لعهده بالحياة يحسبه حديثًا بأهله»، فقلت: يا رسول الله، فكيف يجمعنا بعد ما تُمزِّقنا الرياحُ والبلى والسباع؟ قال: «أنبئك بمَثَل ذلك في آلاء الله: الأرضُ، أشرفتَ عليها وهي مَدَرةٌ بالية فقلت: لا تحيا أبدًا، ثم أرسل الله عليها السماء، فلم تلبث عليك إلا أيامًا حتى أشرفت عليها وهي شَرَْبة (^٣) واحدة، ولعَمْرُ إلهِك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض؛ فتخرجون من الأَصْواءِ (^٤) ومن مصارعكم فتنظرون إليه وينظر إليكم».
قال: قلت: يا رسول الله، كيف ونحن ملءُ الأرض وهو شخص واحد ينظر إلينا وننظر إليه؟ قال: «أنبئك بمَثَل هذا في آلاء الله: الشمس والقمر آية
_________________
(١) ف، د: «مفزع»، تصحيف.
(٢) ضبط بالقاف في عامّة الأصول ومصادر التخريج. وفي «المسند»: «تجعله». والمثبت موافق لما سيذكره المؤلف من تفسير الغريب في هذا الحديث.
(٣) كذا جاء مضبوطًا في ف، وكُتب فوقه «معًا» للإشارة إلى أنه يصحُّ ضبطه على الوجهين بفتح الراء وسكونها. وسيأتي تفسير المؤلف له عقب الحديث ..
(٤) في هامش ف: «هي القبور». والأصواء والصُّوى في الأصل: الأعلام من الحجارة تُنصب ليُستدل بها على الطرق أو كعلاماتٍ على القبور، واحدها: صُوَّة.
[ ٣ / ٨٥٢ ]
منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعةً واحدةً، ولا تُضَامُون (^١) في رؤيتهما» (^٢).
قلت: يا رسول الله، فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه؟ قال: «تُعرَضون عليه باديةً له صفحاتُكم لا يخفى عليه منكم خافية، فيأخذ ربك ﷿ بيده غَرفةً من ماء فينضح بها قِبَلكم، فلعَمْرُ إلهِك ما يخطئ وجهَ أحدٍ منكم منها قطرةٌ، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الرَّيطة (^٣) البيضاء، وأما الكافر فتنضحه ــ أو قال: فتَنْطِحه (^٤) ــ بمثل الحُمَم الأسود، ألا ثُمَّ ينصرف نبيُّكم ويَفْرَق على أثره الصالحون فيسلكون جسرًا من النار يطأ أحدكم الجمرة يقول: حَسِّ (^٥)! يقول ربك ﷿: أو أنه. ألا فتطَّلِعون على حوضِ نبيكم على أظمأِ
_________________
(١) أي لا يلحقكم ضَيم ــ وهو الظلم ــ من كثرة الزحام فيراه بعضكم دون بعض. ويُضبط أيضًا: «تُضامُّون» من «الضمّ» أي: لا تُزاحَمون، أو: «تَضامُّون» بفتح التاء، أي: تتزاحمون، حُذفت منه إحدى التائين تخفيفًا. ولفظ «المسند»: «تُضارُّون». والمثبت موافق لسائر مصادر التخريج.
(٢) زِيد في المطبوع بعده: «ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن تروا نورهما [كذا، والصواب: ترونهما] ويريانكم، لا تضارون في رؤيتهما»، مستدرَكًا من «مسند أحمد»، وهو في سائر المصادر بنحوه. ولم يرد في شيء من الأصول، ولعله سقط من المؤلف لانتقال النظر.
(٣) في هامش ف: «هي المُلاءة».
(٤) كذا رسم الكلمتين في الأصول عدا ز، س ففيهما: «فتخطمه» دون شك الراوي، وهو لفظ عامة مصادر التخريج، وهو الذي ذكره ابن قتيبة (١/ ٥٣٥) ومَن بعده من أصحاب الغريب، ومعناه: تضرب خطمه ــ وهو أنفه ــ فتجعل فيه أثرًا. وما في الأصول قد يكون صوابه في الكلمة الأولى: «تَضْمَخه» أو «تَمْضَخُه» أي تَلْطخه، وفي الثانية: «تَمْطَخه» أي: تُدنِّسه. والله أعلم.
(٥) فسَّره في هامش ف أنه بمعنى «أوَّه»، وسيأتي في تفسير المؤلف لغريبه.
[ ٣ / ٨٥٣ ]
ــ واللهِ ــ ناهلةٍ قطُّ ما رأيتَها، فلعَمْرُ إلهِك ما يبسط أحد منكم يده إلا وقع عليها قَدَحٌ يُطهِّره من الطَّوْفِ والبول والأذى، وتَخْنِس الشمس والقمر فلا ترون منهما واحدًا».
قال: قلت: يا رسول الله، فبِمَ نبصر؟ قال: «بمثل بصرك ساعتك هذه، وذلك مع (^١) طلوع الشمس في يومٍ أَشرقَتْه (^٢) الأرضُ وواجهت به (^٣) الجبال».
قال: قلت: يا رسول الله، فبِمَ نجزى من سيئاتنا وحسناتنا (^٤)؟ قال - ﷺ -: «الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها إلا أن يعفو».
قال: قلت: يا رسول الله، ما الجنة؟ ما النار؟ قال: «لعَمْرُ إلهِك إن النار لها سبعة أبواب، ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما (^٥) سبعين عامًا، وإن للجنة لَثمانية أبواب، ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عامًا».
_________________
(١) في المطبوع: «قبل» وهو لفظ «المسند» و«السنة» لابن أبي عاصم. والمثبت من الأصول لفظ «السنة» لعبد الله و«معجم الطبراني».
(٢) ز، ن، والنسخ المطبوعة: «أشرقت»، وهو في بعض أصول خطية من «المسند» كذلك. والمثبت موافق «للسنة» لعبد الله وبعض أصول «المسند». وفي «السنة» لابن أبي عاصم: «أشرقت به»، وعليه فما هاهنا يُحمَل على الحذف والإيصال، أي: حذف حرف الجر وإيصال الضمير بالفعل مباشرةً.
(٣) ز، س: «وواجهَتْه»، وهو كذلك في بعض أصول «المسند» وفي «السنة» لعبد الله.
(٤) «وحسناتنا» من ز، وهو كذلك في مصادر التخريج. وفي س: «حسناتنا وسيئاتنا»، وهو مقتضى اللحق في ث.
(٥) «بينهما» هنا وفي الموضع الآتي من ز، هامش ث.
[ ٣ / ٨٥٤ ]
قلت: يا رسول الله، فعلامَ نَطَّلِع من الجنة؟ قال: «على أنهار مِن عسلٍ مُصفَّى، وأنهارٍ مِن خمر ما بها صُداع ولا ندامة (^١)، وأنهارٍ من لبن ما يتغير طعمُه، وماءٍ غير آسن، وفاكهةٍ ولعَمْرُ إلهِك ما تعلمون وخيرٌ مِن مثله، معه أزواج مطهرة» (^٢). قلت: يا رسول الله، أَوَلنا فيها أزواج أَوَ منهن مُصلحات؟ قال: «المصلحات للصالحين ــ وفي لفظ: الصالحات للصالحين ــ تَلَذُّونهن ويَلْذَذْنكم مثل لذَّاتكم في الدنيا غير أن لا تَوَالدُ». قال لقيط: فقلت: يا رسول الله، أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه؟ فلم يجبه النبي - ﷺ - (^٣).
قال: قلت: يا رسول الله، علامَ أبايعك؟ فبسط النبي - ﷺ - يده وقال: «على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وزِيال المشرك، وأن لا تشرك بالله إلهًا غيره»، قال: قلت: يا رسول الله، وإن لنا ما بين المشرق والمغرب، فقبض رسولُ الله - ﷺ - يدَه وظنَّ أني مشترطٌ ما لا يُعطينيه، قال: قلت: نَحُلُّ منها حيث شئنا ولا يجني على امرئٍ إلا نفسُه، فبسط يده وقال: «لك ذلك، تحُلُّ حيث شئتَ ولا يجني عليك إلا نفسك».
قال: فانصرفنا عنه ثم قال: «ها إنَّ ذين، ها إنَّ ذَين ــ مرتين ــ (^٤) مِن أتقى
_________________
(١) «ولا ندامة» من ز، هامش س. وفي هامش ف: «ولا ندامة ــ كما يأتي في شرحه». وظاهره أنه سقط من المؤلف هنا سهوًا مع ذكره له فيما يأتي من شرح الغريب.
(٢) ز، س: «وأزواج مطهرة» وكذا في «المسند» وغيره، وعليه يكون «معه» متعلِّقًا بما قبله. والمثبت موافق للفظ «المستدرك».
(٣) في ز: «قال: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» مكان «فلم يجبه النبي - ﷺ -» خلافًا لسائر الأصول، إلا أنه في س ضُرِب على المثبت وكُتب في الهامش مثل لفظ ز. والمثبت هو الذي في مصادر التخريج.
(٤) زِيد في ز بعده: «لعَمْرُ إلهك إن حُدِّثتُ إلا أنهم». وهو في «السنة» لعبد الله وابن أبي عاصم بنحوه.
[ ٣ / ٨٥٥ ]
الناس في الأولى والآخرة»، فقال له كعب بن الخُداريّة أحد بني بكر بن كلاب: من هم يا رسول الله؟ قال: «بنو المنتفق بنو المنتفق بنو المنتفق، أهلُ ذلك منهم».
قال: فانصرفنا وأقبلتُ عليه فقلت: يا رسول الله، هل لأحدٍ ممن مضى من خير في جاهليتهم؟ فقال رجل من عُرْضِ قريش: والله إن أباك المنتفق لفي النار! قال: فكأنه وقع حرٌّ بين جلد وجهي ولحمه مما قال لأبي على رؤوس الناس، فهممت أن أقول: وأبوك يا رسول الله؟ ثم إذا الأخرى أجمل فقلت: يا رسول الله وأهلك؟ قال: «وأهلي لعَمْرُ الله، ما أتيت عليه من قبرِ عامريٍّ أو قرشي أو دوسيٍّ (^١) قل: أرسلني إليك محمد فأبْشِرْ بما يسوءُك: تُجَرُّ على وجهك وبطنك في النار» (^٢). قال: قلت: يا رسول الله، وما فعل بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه، وكانوا يحسبون أنهم مصلحون؟ قال - ﷺ -: «ذلك بأن الله بعث في آخر كل سبعِ أُمَمٍ نبيًّا، فمن عصى
_________________
(١) زِيد في ز بعده: «من مشرك»، وفي المطبوع أثبت ذلك مكان «أو دوسي»، وهو لفظ «المسند» وغيره، ولم أجد ذكر الدوسي في شيء من روايات الحديث.
(٢) هذا له شاهد من حديث الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: إن أبي كان يصل الرحم، وكان وكان، فأين هو؟ قال: «في النار»، فكأنَّ الأعرابي وجد من ذلك فقال: يا رسول الله فأين أبوك؟ قال: «حيث ما مررتَ بقبر كافر فبشِّرْه بالنار». أخرجه البزَّار (١٠٨٩) والطبراني في «الكبير» (١/ ١٤٥) والبيهقي في «الدلائل» (١/ ١٩١) والجورقاني في «الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير» (٢١٣) والضياء في «المختارة» (٣/ ٢٠٤). قال الجورقاني: «هذا حديث صحيح»، ولكن أبا حاتم والدارقطني رجَّحا رواية مَن رواه عن الزهري مرسلًا. انظر «العلل» لابن أبي حاتم (٢٢٦٣) والدارقطني (٦٠٧).
[ ٣ / ٨٥٦ ]
نبيَّه كان من الضالِّين، ومن أطاع نبيه كان من المهتدين».
هذا حديث كبير جليل، تنادي جلالته وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوة، لا يعرف إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني، رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيري، وهما من كبار علماء أهل المدينة، ثقتان محتجٌّ بهما في «الصحيح» (^١)، احتجَّ بهما إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري.
رواه أئمة السنة في كتبهم وتَلَقَّوه بالقبول وقابَلوه بالتسليم والانقياد، ولم يطعن أحدٌ منهم فيه ولا في أحدٍ من رُواته. فممن رواه الإمام ابن الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمدَ بنِ حنبلٍ في «مسند أبيه» وفي «كتاب السنة» (^٢) وقال: كتب إليَّ إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير الزبيري: كتبت إليك بهذا الحديث وقد عرضته وسمعته على ما كتبتُ به إليك، فحدِّثْ به عني.
ومنهم: الحافظ الجليل أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصمٍ النبيل في «كتاب السنة» له.
ومنهم: الحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان العسَّال في «كتاب المعرفة» (^٣).
_________________
(١) للإمام البخاري. ولم يخرج لهما مسلم.
(٢) وقد سبق العزو إليهما وكذا إلى «السنة» لابن أبي عاصم في تخريج الحديث.
(٣) الحافظ العسَّال، أحد كبار الأئمة في الحديث فهمًا وإتقانًا وروايةً وتأليفًا، من أهل أصبهان، وقد وُلِّي القضاء بها. له كتاب «المعرفة» في السنة، طالعه الذهبي فقال: «يُنبئ عن حفظه وإمامته». توفي سنة ٣٤٩. انظر: «سير أعلام النبلاء» (١٦/ ٦).
[ ٣ / ٨٥٧ ]
ومنهم: حافظ زمانه ومحدث أوانه أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني في كثيرٍ من كتبه (^١).
ومنهم: الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن حيَّان أبو الشيخ الأصبهاني في «كتاب السنة» (^٢).
ومنهم: الحافظ ابن الحافظ ابن الحافظ (^٣) أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مَنْده حافظ أصبهان (^٤).
ومنهم: الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مَرْدَويه.
ومنهم: حافظ عصره أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن إسحاق الأصبهاني (^٥)، وجماعة من الحفاظ سواهم يطول ذكرهم.
وقال ابن منده: روى هذا الحديث محمد بن إسحاق الصَّغاني (^٦) وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهما، وقد رواه بالعراق بمجمع العلماء وأهلِ الدين جماعةٌ من الأئمة: منهم أبو زرعة الرازي، وأبو حاتم، وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل، ولم ينكره أحد ولم يتكلم في إسناده، بل رووه على سبيل القبول والتسليم، ولا ينكر هذا الحديث إلا جاحد، أو جاهل، أو مخالف للكتاب والسنة. هذا كلام أبي عبد الله بن منده - ﵀ -.
_________________
(١) سبق أنه رواه في «معجمه الكبير»، ولعله رواه أيضًا في كتاب «السنة» له، وهو مفقود.
(٢) وهو مفقود، وقد رواه أيضًا في «أمثال الحديث» (٣٤٥) مختصرًا.
(٣) «ابن الحافظ» سقط من ز، س، ث، ب، والنسخ المطبوعة.
(٤) لم أجده في «كتاب الإيمان» و«كتاب التوحيد» و«الرد على الجهمية» له.
(٥) أخرجه في «معرفة الصحابة» (٦٤٤٠) من طريق ابن أبي عاصم مختصرًا.
(٦) النسخ المطبوعة: «الصنعاني»، تحريف.
[ ٣ / ٨٥٨ ]
- شرح غريب الحديث، وبيان ما يستفاد منه
وقوله: «بِهَضْبٍ» أي: بمَطَر.
و«الأصواء»: القبور.
و«الشَّرَبة» بفتح الراء: الحوض الذي يجتمع فيه الماء، وبالسكون: الحنظلة (^١)؛ يريد أن الماء قد كَثُر فمن حيث شئت تشرب، وعلى رواية السكون يكون قد شبه الأرض بخُضرتها بالنبات بخضرة الحنظلة واستوائها.
وقوله: «حَسّ»: كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه على غفلة ما يُحرقه أو يؤلمه، قال الأصمعي (^٢): وهي مثل «أوَّه».
وقوله: «يقول ربك ﷿ أو إنه». قال ابن قتيبة (^٣): فيه قولان، أحدهما: أن يكون «إنَّهْ» بمعنى نعم (^٤). والآخر أن يكون الخبر محذوفًا كأنه قال: أنتم (^٥) كذلك أو إنه على ما يقول.
و«الطَّوف»: الغائط، وفي الحديث: «لا يُصَلِّ أحدكم وهو يُدافِع الطَّوف والبول» (^٦).
_________________
(١) ظاهره أن «الشَّرْبة» بمعنى الحنظلة، وليس كذلك، بل الذي بمعناها هو «الشَّرْية» بالياء المثناة. انظر: «الغريب» لابن قتيبة (١/ ٥٣٤) و«تهذيب اللغة» (١١/ ٤٠١) وغيرهما من كتب الغريب واللغة.
(٢) كما في «تهذيب اللغة» (٣/ ٤٠٧).
(٣) في «غريبه» (١/ ٥٣٧) إلا أن اللفظ عنده: «وإنه» بواو العطف بدل «أو».
(٤) وعلى هذا القول تكون الهاء للسكت. انظر: «الصحاح» (إنى) و«الفائق» (هضب).
(٥) «أنتم» كذا في جميع الأصول، وأخشى أن يكون تصحيفًا عن «إنه» كما في «الغريب» لابن قُتَيبة.
(٦) ذكره ابن قتيبة في «غريبه» (١/ ٥٤٠). وأخرجه عبد الرزاق (١٧٦٧) وأبو عبيد بن سلَّام في «غريبه» (٥/ ٢٣٨) وابن أبي شيبة (٨٠١٥) موقوفًا على ابن عبّاس بإسناد صحيح.
[ ٣ / ٨٥٩ ]
و«الجسر»: الصراط.
وقوله: «فيقول ربك: مهيم؟» أي: ما شأنك وما أمرك وفيمَ كنت؟
وقوله: «يشرف عليكم أزلين»، الأَزْل بسكون الزاي: الشدة، والأَزِل على وزن كتف: هو الذي قد أصابه الأَزْل واشتدَّ به حتى كاد يَقنَط.
وقوله: «فيظل يضحك» هو من صفات أفعاله سبحانه التي لا يشبهه فيها شيءٌ من مخلوقاته كصفات ذاته. وقد وردت هذه الصفة في أحاديثَ كثيرةٍ (^١) لا سبيل إلى ردِّها، كما لا سبيل إلى تشبيهها وتحريفها.
وكذلك: «فأصبح ربك يطوف في الأرض» هو من صفات فعله كقوله ﴿رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر: ٢٢]، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، و«ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا» (^٢) و«يدنو عشية عرفة فيباهي بأهل الموقف الملائكةَ» (^٣)؛ والكلام في الجميع صراط واحد مستقيم: إثباتٌ بلا تمثيل، وتنزيهٌ بلا تحريف ولا تعطيل.
وقوله: «والملائكة الذين عند ربك»، لا أعلم موت الملائكة جاء في حديثٍ صريح إلا هذا، وحديثَ إسماعيلَ بنِ رافعٍ الطويل وهو حديث الصُّور (^٤). وقد يستدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي
_________________
(١) منها حديث أبي هريرة الطويل في آخر أهل الجنة دخولًا الجنة، وفيه: «فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه». أخرجه البخاري (٧٤٣٧) ومسلم (١٨٢).
(٢) أخرجه البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) أخرجه مسلم (١٣٤٨) من حديث عائشة - ﵂ - بنحوه.
(٤) أخرجه إسحاق ابن راهويه في «مسنده» (١٠) وابن أبي الدنيا في كتاب «الأهوال» (٥٥) والطبري في «تفسيره» (٢٠/ ١٥٦) والطبراني في «الأحاديث الطوال» (٣٦) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣٤٧) وغيرهم، من طرق عن إسماعيل بن رافع بإسناده إلى أبي هريرة. وإسماعيل بن رافع ضعيف منكر الحديث، وقد اضطرب في إسناده. وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٢٦٠) و«الأوسط» (٣/ ٤٢٦): «حديث الصور مرسل، لا يصحّ». وقال ابن كثير في «تفسيره» (الأنعام: ٧٣): «غريب جدًّا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة». وانظر: «البداية والنهاية» (١٩/ ٣٢٢) و«فتح الباري» (١١/ ٣٦٨) و«أنيس الساري» (٢/ ١٥٩٥).
[ ٣ / ٨٦٠ ]
السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨].
وقوله: «فلعَمْرُ إلهِك» هو قسم بحياة الرب ﷻ، وفيه دليل على جواز الإقسام بصفاته وانعقادِ اليمين بها، وأنها قديمة، وأنه يُطلَق عليه منها أسماء المصادر ويوصَف بها، وذلك قدر زائد على مجرَّد الأسماء، وأن الأسماء الحسنى مشتقَّة من هذه المصادر دالَّةٌ عليها.
وقوله: «ثم تجيء الصائحة» هي صيحة البعث ونفخته.
وقوله: «حتى يُخلِفه من عند رأسه» هو مِن: أخلف الزرعُ، إذا نبت بعد حصاده؛ شبَّه النشأة الآخرة بعد الموت بإخلاف الزرع بعد ما حصد، وتلك الخِلْفة (^١) من عند رأسه كما ينبت الزرع.
وقوله: «فيستوي جالسًا» هذا عند تمام خِلْفَته (^٢) وكمال حياته، ثم يقوم بعد جلوسه قائمًا، ثم يساق إلى موقف القيامة إما راكبًا وإما ماشيًا.
_________________
(١) الخِلفة: اسم لذلك النبات الذي ينبت بعد النبات الذي قد يبس أو تناثر أو حُصِد.
(٢) أي: من تمام إحيائه بعد الموت. وقد تصحَّف في الأصول عدا ف، ز إلى: «خِلقته» بالقاف، وكذا في النسخ المطبوعة.
[ ٣ / ٨٦١ ]
وقوله: «يقول: يا رب أمس، اليوم» استقلالٌ لمدة لُبثه في الأرض، وكأنه لبث فيها يومًا فقال: أمس، أو بعضَ يوم فقال: اليوم؛ يحسب أنه حديثُ عهدٍ بأهله، وأنه إنما فارقهم أمس أو اليوم.
وقوله: «كيف يجمعنا بعد ما تمزِّقنا الرياح والبلى والسباع؟»، وإقرارُ رسول الله - ﷺ - له على هذا السؤال= ردٌّ على من زعم أن القوم لم يكونوا يخوضون في دقائق المسائل، ولم يكونوا يفهمون حقائق الإيمان، بل كانوا مشغولين بالعَمَليَّات، وأن أفراخ الصابئة والمجوس من الجهمية والمعتزلة والقدرية أعرفُ منهم بالعِلْميَّات. وفيه دليل على أنهم كانوا يوردون على رسول الله - ﷺ - ما يشكل عليهم من الأسْوِلة والشبهات، فيجيبهم عنها بما يُثلج به صدورَهم. وقد أَورَد عليه - ﷺ - الأسوِلةَ أعداؤُه وأصحابُه؛ أعداؤه للتعنت والمغالبة، وأصحابه للفهم والبيان وزيادة الإيمان، وهو يجيب كلًّا عن سؤاله، إلا ما لا جواب عنه كسؤاله عن وقت الساعة.
وفي هذا السؤال دليل على أنه سبحانه يجمع أجزاء العبد بعدما فرَّقها ويُنشئها نشأةً أخرى، ويخلقه خلقًا جديدًا، كما سمَّاه في كتابه كذلك في موضعين منه (^١).
وقوله: «أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله»، آلاؤه: نعمه وآياته التي تعرَّف بها إلى عباده.
وفيه إثبات القياس في أدلة التوحيد والمعاد، والقرآنُ مملوء منه.
_________________
(١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٤٧] وقوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥].
[ ٣ / ٨٦٢ ]
وفيه أن حكم الشيء حكم نظيره، وأنه سبحانه إذا كان قادرًا على شيء فكيف تعجِز قدرتُه عن نظيره ومثله؟! فقد قرر الله سبحانه أدلة المعاد في كتابه أحسن تقرير وأبينه وأبلغه وأوصله إلى العقول والفِطَر، فأبى أعداؤه الجاحدون إلا تكذيبًا له وتعجيزًا وطعنًا في حكمته، تعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا.
وقوله في الأرض: «أشرفتَ عليها وهي مَدَرة بالية» هو كقوله تعالى: ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ١٩]، وقولِه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ (^١) [فصلت: ٣٩]، ونظائرُه في القرآن كثيرة.
وقوله: «فتنظرون إليه وينظر إليكم» فيه إثبات صفة النظر لله ﷿ وإثباتُ رؤيته في الآخرة.
وقوله: «كيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد»، قد جاء هذا في هذا الحديث وفي قولِه في حديثٍ آخر: «لا شخص أَغْيَرُ من الله» (^٢)، والمخاطبون بهذا قوم عرب يعلمون المراد منه، ولا يقع في قلوبهم تشبيهُه سبحانه بالأشخاص، بل هم أشرف عقولًا وأصحُّ أذهانًا وأسلم قلوبًا من ذلك.
_________________
(١) بعده في الأصول: «وأنبتت من كل زوج بهيج»، وهو سهو من المؤلف، لأنه تتمة آية الحج: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ﴾ [٥].
(٢) أخرجه أحمد (١٨١٦٨) ومسلم (١٤٩٩) من حديث المغيرة بن شعبة، وعلّقه البخاري بصيغة الجزم مترجمًا به في كتاب التوحيد.
[ ٣ / ٨٦٣ ]
وحقق - ﷺ - وقوع الرؤية عيانًا برؤية الشمس والقمر تحقيقًا لها ونفيًا لتوهُّم المجاز الذي يظنه المعطِّلون.
وقوله: «فيأخذ ربك بيده غرفةً من الماء فينضح بها قِبَلكم» فيه إثبات صفة اليد له سبحانه، وإثبات صفة الفعل الذي هو النضح. والريطة: الملاءة. والحُمَم: جمع حُمَمة وهي الفحمة.
وقوله: «ثم ينصرف نبيكم»، هذا انصراف من موقف القيامة إلى الجنة.
وقوله: «ويَفْرَق على أثره الصالحون» أي: يفزعون ويمضون على أثره.
وقوله: «فتطلعون على حوض نبيكم»، ظاهر هذا أن الحوض من وراء الجسر فكأنهم لا يصلون إليه حتى يقطعون (^١) الجسر. وللسلف في ذلك قولان حكاهما القرطبي في «تذكرته» (^٢) والغزالي (^٣) وغلَّطا من قال: إنه بعد الجسر. وقد روى البخاري (^٤) عن أبي هريرة. أن رسول الله - ﷺ - قال: «بينا أنا قائم على الحوض إذا زُمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال لهم: هلُمَّ، فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى النار واللهِ، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم فلا أراه يَخْلُص منهم إلا مثل هَمَلِ النعم».
قال (^٥): فهذا الحديث مع صحته أدل دليل على أن الحوض يكون في
_________________
(١) ث، س، والنسخ المطبوعة: «يقطعوا».
(٢) أي: «التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة» (٢/ ٧٠٣).
(٣) في «الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة» (ص ١١٧ - ١١٨).
(٤) برقم (٦٥٨٧).
(٥) أي القرطبي.
[ ٣ / ٨٦٤ ]
الموقف (^١) قبل الصراط، لأن الصراط إنما هو جسر ممدود على جهنم، فمن جازه سلم من النار.
قلت: وليس بين أحاديث رسول الله - ﷺ - تعارض ولا تناقض ولا اختلاف، وحديثُه كلُّه يصدِّق بعضه بعضًا. وأصحاب هذا القول إن أرادوا أن الحوض لا يُرى ولا يوصل إليه إلا بعد قطع الصراط فحديث أبي هريرة هذا وغيره يردُّ قولَهم، وإن أرادوا أن المؤمنين إذا جازوا الصراط وقطعوه بدا لهم الحوض فشربوا منه فهذا يدل عليه حديث لقيط هذا، وهو لا يناقض كونه قبل الصراط فإن طوله شهر وعرضه شهر، وإذا كان بهذا الطول والسعة فما الذي يُحيل امتدادَه إلى وراء الجسر، فيَرِده المؤمنون قبل الصراط وبعده؟! فهذا في حيِّز الإمكان، ووقوعُه موقوف على خبر الصادق. والله أعلم.
وقوله: «على أظمأِ ــ والله ــ ناهلةٍ قط»، الناهلة: العِطاش الواردون للماء، أي: يردونه أظمأ ما هم إليه. وهذا يناسب أن يكون بعد الصراط، فإنه جسر النار وقد وردوها كلُّهم، فلما قطعوه اشتد ظمؤهم إلى الماء، فوردوا حوضه - ﷺ - كما وردوه في موقف القيامة.
وقوله: «وتخنس الشمس والقمر» أي: يختفيان ويُحبَسان ولا يُرَيان. والانخناس: التواري والاختفاء، ومنه قول أبي هريرة: «فانخنستُ منه» (^٢).
وقوله: «ما بين البابين مسيرة سبعين عامًا» يحتمل أن يريد به أن بُعد ما
_________________
(١) من هنا سقط لوح (١٣٦ ب- ١٣٧ أ) من مصوّرة نسخة الظاهرية (د)، وذلك إلى ما قبل قوله: «مقرين بالإسلام » الآتي في فصل قدوم وفد النخع.
(٢) وذلك لمَّا كان جنبًا فلقيه النبي - ﷺ - في بعض طرق المدينة. أخرجه البخاري (٢٨٣).
[ ٣ / ٨٦٥ ]
بين الباب والباب هذا المقدار، ويحتمل أن يريد بالبابين المِصراعين. ولا يناقض هذا ما جاء من تقديره بأربعين عامًا لوجهين:
أحدهما: إنه لم يُصرِّح فيه راويه بالرفع بل قال: «ولقد ذكر لنا أن ما بين المصراعين مسيرة أربعين عامًا» (^١).
والثاني: أن المسافة تختلف باختلاف سرعة السير فيها وبُطئه، والله أعلم.
وقوله في خمر الجنة: «إنه ما بها صُداع ولا ندامة» تعريض بخمر الدنيا وما يلحقها من صداع الرأس والندامةِ على ذهاب العقل والمال وحصولِ الشر الذي يوجبه زوال العقل.
و«الماء غير الآسن» هو الذي لم يتغيَّر بطول مكثه.
وقوله في نساء الجنة: «غير أن لا تَوالد»، قد اختلف الناس هل تلد نساء أهل الجنة؟ على قولين:
فقالت طائفة: لا يكون فيها حبل ولا ولادة، واحتجت هذه الطائفة بهذا الحديث وبحديثٍ آخر أظنه في «المسند» (^٢) وفيه: «غير أن لا مني ولا منية».
_________________
(١) لفظ حديث عُتبة بن غزوان - ﵁ - عند مسلم (٢٩٦٧). وهو إن كان غير صريح في الرفع، فقد روي من حديث معاوية بن حيدة مصرَّحًا فيه بالرفع عند أحمد (٢٠٠٢٥) وابن حبان (٧٣٨٨) بإسناد حسن. هذا، وأصرح وأصحّ منهما حديث أبي هريرة المتفق عليه: «إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهَجَر، أو: كما بين مكة وبُصرى». البخاري (٤٧١٢) ومسلم (١٩٤) واللفظ له. وانظر: «حادي الأرواح» (١/ ١١٤ - ١١٩).
(٢) ليس فيه، وإنما أخرجه الطبراني في «الكبير» (٨/ ١١٣) وأبو نُعيم في «صفة الجنة» (٣٦٧، ٣٦٩) من حديث أبي أمامة بإسنادين واهيين. وورد أيضًا ضمن حديث الصور الطويل عند الطبراني في «الأحاديث الطوال» (٣٦)، وقد سبق بيان ضعفه.
[ ٣ / ٨٦٦ ]
وأثبتت طائفة من السلف الولادة في الجنة، واحتجت بما رواه الترمذي في «جامعه» (^١) من حديث أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: «المؤمن إذا اشتهى الولدَ في الجنة كان حملُه ووضعُه وسِنُّه في ساعة كما يشتهي». قال الترمذي: «حسن غريب»، ورواه ابن ماجه.
قالت الطائفة الأولى: هذا لا يدل على وقوع الولادة في الجنة، فإنه علَّقه بالشرط فقال: «إذا اشتهى»، ولكنه لا يشتهي، وهذا تأويل إسحاق بن راهويه حكاه البخاري عنه (^٢). قالوا: والجنة دار جزاء على الأعمال، وهؤلاء ليسوا من أهل الجزاء. قالوا: والجنة دار خلود لا موت فيها، فلو توالَدَ فيها أهلُها على الدوام والأبد لما وسعتهم، وإنما وسعتهم الدنيا بالموت.
وأجابت الطائفة الأخرى عن ذلك كله وقالت: أداة (إذا) إنما تكون لمحقَّق الوقوع لا للمشكوك فيه، وقد صحَّ أن الله سبحانه ينشئ للجنة خلقًا يُسكنهم إياها بلا عمل منهم، قالوا: وأطفال المسلمين أيضًا فيها بغير عمل. وأما حديث سَعَتها، فلو رُزق كلٌّ منهم عشرة آلافٍ من الولد وَسِعَتْهم، فإن أدناهم من ينظر في ملكه مسيرة ألفي عام (^٣).
_________________
(١) برقم (٢٥٦٣)، وأخرجه أيضًا الدارمي (٢٨٧٦) وابن ماجه (٤٣٣٨) وابن حبان (٧٤٠٤). قال المؤلف في «حادي الأرواح» (١/ ٥٢٨): «إسناده على شرط الصحيح، فرجاله محتجٌّ بهم فيه، لكن غريب جدًّا».
(٢) ثم عنه الترمذي في «جامعه» عقب الحديث.
(٣) وانظر: «حادي الأرواح» (الباب السادس والخمسين).
[ ٣ / ٨٦٧ ]
وقوله: «يا رسول الله، أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه؟»، لا جواب لهذه المسألة، لأنه إن أراد أقصى مدة الدنيا وانتهائها فلا يعلمه إلا الله، وإن أراد أقصى ما نحن منتهون إليه بعد دخول الجنة والنار فلا تعلم نفس أقصى ما تنتهي إليه من ذلك وإن كان الانتهاءُ إلى نعيمٍ وجحيمٍ؛ ولهذا لم يجبه النبي - ﷺ -.
وقوله في عقد البيعة: «وزِيال (^١) المشرك» أي: مفارقته ومعاداته، فلا يجاوره ولا يواليه، كما في الحديث الذي في «السنن» (^٢): «لا تراءى ناراهما» يعني المسلمين والمشركين.
وقوله: «حيثما مررت بقبر كافرٍ فقل: أرسلني إليك محمد» هذا إرسالُ تقريعٍ وتوبيخٍ، لا تبليغُ أمرٍ ونهيٍ. وفيه دليل على سماع أصحابِ القبور كلامَ الأحياء وخطابَهم لهم، ودليل على أن من مات مشركًا فهو في النار وإن مات قبلَ البِعثة، لأن المشركين كانوا قد غيَّروا الحنيفية دينَ إبراهيمَ واستبدلوا بها الشرك وارتكبوه، وليس معهم حجة من الله به، وقُبْحُه والوعيد عليه بالنار لم يزل معلومًا مِن دين الرسل كلِّهم مِن أولهم إلى آخرهم، وأخبارُ عقوباتِ الله لأهله متداولة بين الأمم قرنًا بعد قرن، فلِلَّه الحجة البالغة على المشركين في كل وقتٍ، ولو لم يكن إلا ما فطر عبادَه عليه من توحيد ربوبيته المستلزِمِ لتوحيد إلهيَّته، وأنه يستحيل في كل فطرةٍ وعقلٍ أن يكون معه إلهٌ آخر، وإن
_________________
(١) ف، ز: «وزوال»، سبق قلم، وقد سبق على الصواب في الحديث. والزِّيال هو المُزايلة على غرار القِتال والمقاتلة.
(٢) أبوداود (٢٦٤٥) والترمذي (١٦٠٤، ١٦٠٥) والنسائي (٤٧٨٠) مسندًا ومرسلًا. وقد سبق تخريجه (ص ) وبيان أن المرسل هو المحفوظ.
[ ٣ / ٨٦٨ ]
كان سبحانه لا يُعذِّب بمقتضى هذه الفطرة وحدَها فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومةً لأهلها، فالمشرك يستحق العذاب بمخالفته دعوة الرسل، والله أعلم.
فصل
في قدوم وفد النَّخَع على رسول الله - ﷺ -
وقدم عليه وفد النخع ــ وهم آخر الوفود قدومًا عليه ــ في نصف المحرم سنة إحدى عشرة في مائتي رجلٍ، فنزلوا دار الأضياف ثم جاؤوا رسول الله - ﷺ - مقرين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل، فقال رجل منهم يقال له زرارة بن عمرو: يا رسول الله، إني رأيت (^١) في سفري هذا عجبًا، قال: «وما رأيت؟» قال: رأيت أتانًا تركتها في الحي كأنها ولدت جديًا أَسْفَعَ أحوى (^٢)، فقال له رسول الله - ﷺ -: «هل تركت أمةً لك مُصِرَّةً على حَمْل؟» قال: نعم، قال: «فإنها قد ولدت غلامًا وهو ابنك»، قال: يا رسول الله، فما (^٣) باله أسفع أحوى؟ قال: «ادْنُ مني» فدنا منه، فقال: «هل بك مِن بَرَص تكتمه؟» قال: والذي بعثك بالحق ما علم به أحد، ولا اطَّلع عليه غيرُك، قال: «فهو ذلك»، قال: يا رسول الله، ورأيت النعمان بن المنذر (^٤) عليه قُرطان مُدَمْلَجان (^٥)
_________________
(١) أي: في المنام.
(٢) الأسفع: الأسود المُشرَب حمرةً. والأحوى بمعناه.
(٣) ف، ث، س: «ما».
(٤) الظاهر أن المراد به ملك الحِيْرَة المشهور الذي كان في الجاهلية.
(٥) «مدملجان» كذا في جميع الأصول، ودَملَج الشيء: إذا سوّاه وأحسن صنعته، المدملج أيضًا: الأَمْلَس. والذي في «الاكتفاء» و«عيون الأثر»: «ودُمْلُجان»، والدُّمْلج من الحُلِيِّ هو المِعْضَد أي: السوار الذي يكون في العضد ..
[ ٣ / ٨٦٩ ]
ومَسْكتان، قال: «ذلك مُلْك العرب رجع إلى أحسن زِيِّه وبهجته»، قال: يا رسول الله، ورأيت عجوزًا شمطاءَ خرجت من الأرض، قال: «تلك بقية الدنيا»، قال: ورأيت نارًا خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابنٍ لي يقال له عمرو وهي تقول: لظى لظى بصير وأعمى، أطعِموني آكلكم أهلَكم ومالَكم، قال رسول الله - ﷺ -: «تلك فتنة تكون في آخر الزمان»، قال: يا رسول الله، وما الفتنة؟ قال: «يقتل الناس إمامهم ويشتجرون اشتجارَ أطباق الرأس ــ وخالف رسول الله - ﷺ - بين أصابعه ــ يحسب المسيءُ فيها أنه محسن، ويكون دمُ المؤمن عند المؤمن أحلى (^١) من شرب الماء، إن مات ابنُك أدركتَ الفتنة، وإن متَّ أنت أدركها ابنُك»، قال: يا رسول الله، ادع الله أن لا أُدركها، فقال رسول الله - ﷺ -: «اللهم لا يُدرِكْها»، فمات وبقي ابنُه وكان ممن خلع عثمان (^٢).
* * *
_________________
(١) كذا في الأصول وبعض نسخ «عيون الأثر» الخطية. وفي بعضها: «أحلَّ»، وهو في مطبوعة «الاكتفاء» كذلك.
(٢) نقله الكلاعيُّ في «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٧٥) عن الواقدي بطوله، والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ٢٥٨). وذكره ابن سعد (١/ ٢٩٨) عن الواقدي مختصًرا.
[ ٣ / ٨٧٠ ]
- كتاب النبي - ﷺ - إلى هرقل
- كتاب النبي - ﷺ - إلى كسرى
ذكر هديه - ﷺ - في مكاتباته إلى الملوك وغيرهم
* ثبت في «الصحيح» (^١) عنه - ﷺ - أنه كتب إلى هِرَقْلَ: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم. سلامٌ على من اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوك بداعية الإسلام (^٢) أَسلِمْ تَسلَم، أسلِم (^٣) يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأَرِيسيِّين و﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]».
* وكتب إلى كسرى: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس. سلامٌ على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله. أدعوك بداعية الله (^٤)، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافةً لينذر من كان حيًّا ويحقَّ القول على الكافرين، أسلِم تسلَم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس». فلما قرئ عليه الكتاب مزَّقه، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: «مُزِّق ملكُه» (^٥).
_________________
(١) للبخاري (٧، ٢٩٤١) ومسلم (١٧٧٣) من حديث ابن عباس عن أبي سفيان.
(٢) كذا في ف، هامش ز مصححًا عليه. وفي سائر الأصول: «بدعاية الإسلام». وبكليهما روي الحديث في «الصحيحين».
(٣) «أسلم» ساقط من س، ب، والنسخ المطبوعة.
(٤) كذا في ف، هامش ز مصححًا عليه. وفي سائر الأصول: «بدعاية الله». والمثبت موافق لـ «عيون الأثر»، وهو مصدر المؤلف.
(٥) ذكره الواقدي ــ كما في «عيون الأثر» (٢/ ٢٦٢) ــ من حديث الشفاء بنت عبد الله - ﵂ -. وأسند الطبري في «تاريخه» (٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦) نصَّ الكتاب بإسناده عن ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب مرسلًا. وأسند قولَ النبي - ﷺ - في تمزيق ملكه من طريق ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر الحزمي، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف مرسلًا. وأخرج البخاري (٦٤، ٤٤٢٤) من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عبّاس أن النبي - ﷺ - بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حُذافة فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلمّا قرأه مزَّقه. قال الزهري: فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله - ﷺ - أن يُمزَّقوا كلَّ مُمزَّق.
[ ٣ / ٨٧١ ]
- كتاب النبي - ﷺ - إلى النجاشي
* وكتب إلى النجاشي: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسولِ الله إلى النجاشي ملك الحبشة. سِلْمٌ أنت، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى ابنَ مريم روحُ الله وكلمتُه ألقاها إلى مريم البَتول الطيبة الحصينة فحملت بعيسى، فخلقه (^١) من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاةِ على طاعته، وأن تتبعني وتؤمنَ بالذي جاءني، فإني رسول الله وإني أدعوك وجنودَك إلى الله ﷿، وقد بلَّغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى» (^٢).
وبعث بالكتاب مع عمرو بن أمية الضَّمْري، فقال ابن إسحاق (^٣): إن عمرًا قال له: يا أَصْحَمة، إن عليَّ القولَ وعليك الاستماع، إنك كأنَّك في الرِّقَّة
_________________
(١) في الأصول: «فحملته»، تصحيف. التصحيح من «دلائل النبوة» و«عيون الأثر».
(٢) نصُّ الكتاب في «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٩١) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٦٤) نقلًا عن الواقدي. وذكره ابن إسحاق ــ كما في «الدلائل» (٢/ ٣٠٩) ــ بنحوه.
(٣) كما في «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٩٠) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٦٤) وعنه صدر المؤلف. ولم أجده عند ابن هشام ولا عند البيهقي في «الدلائل».
[ ٣ / ٨٧٢ ]
علينا منَّا (^١)، وكأنا في الثقة بك منك، لأنا لم نظن بك خيرًا قط إلا نِلناه، ولم نَخَفْك على شيء قطُّ إلا أمِنَّاه، وقد أخذنا الحجة عليك من فيك، الإنجيل بيننا وبينك شاهِدٌ لا يُرَدُّ وقاضٍ لا يجور، وفي ذلك الموقعِ الحزُّ وإصابةُ المفصل، وإلا فأنت في هذا النبي الأمي كاليهود في عيسى ابن مريم، وقد فرق النبي - ﷺ - رُسُلَه إلى الناس، فرجاك لِما لم يرجُهم له، وأمنك على ما خافهم عليه لخيرٍ سالفٍ وأجرٍ يُنتظَر. فقال النجاشي: أشهد بالله أنه لَلنبيُّ الأمي الذي ينتظره أهل الكتاب، وأن بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل (^٢)، وأن العيان ليس بأشفى من الخبر.
ثم كتب النجاشيُّ جوابَ كتاب النبي - ﷺ -: «بسم الله الرحمن الرحيم. إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة. سلامٌ عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فوربِّ السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت تُفروقًا (^٣)؛ إنه كما ذكرتَ. وقد عرفنا ما بعثتَ به إلينا، وقد قرَّبنا ابنَ عمِّك وأصحابِه، فأشهد أنك رسول الله صادقًا مصدقًا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك، وأسلمتُ على يديه لله رب العالمين». والتُّفروق: عِلاقة ما بين النواة والقِشر (^٤).
_________________
(١) «منا» سقطت من ث، والنسخ المطبوعة.
(٢) انظر: «العهد القديم» (إشعياء: ٢١)، ففيه تنبؤ يشبه ما ذكره النجاشي.
(٣) كذا في الأصول بالتاء المثناة هنا وفي الموضع الآتي. وفي «عيون الأثر» بالثاء المثلثة في الموضعين، وهما لغتان، والثاء أشهر. وسيأتي معناه.
(٤) و«القشر» كذا في الأصول والنسخ المطبوعة. والذي في «عيون الأثر»: «والقمع»، وكذا في «تاج العروس» (٢٥/ ١٢٥). والقَمْع (بالفتح والكسر وكعِنَب): ما يكون على طرف التمرة الذي به تتعلَّق بالعنقود. وقد قيل في التُّفروق: إنه قمع التمرة نفسه.
[ ٣ / ٨٧٣ ]
فصل: كتاب النبي - ﷺ - إلى المقوقس
وتوفي النجاشي سنة تسعٍ، وأخبر رسول الله - ﷺ - بموته ذلك اليوم فخرج بالناس إلى المصلى فصلَّى عليه وكبر أربعًا (^١).
قلت: وهذا وهم والله أعلم، وقد خلط راويه ولم يميز بين النجاشي الذي صلى عليه وهو الذي آمن به وأكرم أصحابه، وبين النجاشي الذي كتب إليه يدعوه، فهما اثنان. وقد جاء ذلك مبينًا في «صحيح مسلم» (^٢) أن رسول الله - ﷺ - كتب إلى النجاشي وليس بالذي صلَّى عليه.
فصل
وكتب إلى المُقَوقِس ملك مصر والإسكندرية: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمدٍ عبدِ الله ورسوله إلى المُقَوقِس عظيم القِبْط. سلام على من اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوك بداعية الإسلام (^٣)، أسلِمْ تسلَم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم القبط ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]».
وبعث به مع حاطب بن أبي بلتعة، فلما دخل عليه قال له: إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبِرْ بغيرك ولا يعتبر غيرُك بك! فقال: إن لنا دينًا لن ندعه إلا لما
_________________
(١) ذكره الواقدي عن سلمة بن الأكوع، كما في «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٩١)، وابن سيد الناس صادر عنه. وأخرج البخاري (١٢٤٥) ومسلم (٩٥١) من حديث أبي هريرة بنحوه إلا أنه ليس فيه ذكر السنة التي توفي فيها.
(٢) برقم (١٧٧٤/ ٧٥) من حديث أنس.
(٣) المثبت من ف، ز. وفي سائر الأصول: «بدعاية الإسلام».
[ ٣ / ٨٧٤ ]
هو خير منه، فقال حاطب: ندعوك إلى دين الله وهو الإسلام الكافي به اللهُ فَقْدَ ما سواه، إن هذا النبي دعا الناسَ فكان أشدَّهم عليه قريشٌ، وأعداهم له يهود، وأقربهم منه النصارى، ولَعَمْري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، وكلُّ نبيٍّ أدرك قومًا فهُم من أُمَّتِه، فالحقُّ عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدركه هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكنَّا نأمرك به.
فقال المقوقس: إني قد نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهودٍ فيه ولا ينهى عن مرغوبٍ فيه، ولم أجده بالساحر الضال ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آلة (^١) النبوة بإخراج الخَبْء والإخبار بالنجوى، وسأنظر. وأخذ كتاب النبي - ﷺ - فجعله في حُقٍّ من عاج وختم عليه ودفعه إلى جاريةٍ له، ثم دعا كاتبًا له يكتب بالعربية فكتب إلى النبي - ﷺ -: «بسم الله الرحمن الرحيم. لمحمد بن عبد الله، من المقوقس عظيم القبط. سلام عليك. أما بعد: فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه وقد علمت أن نبيًّا بقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمتُ رسولَك وبعثتُ إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوةٍ، وأهديت إليك بغلةً لتركبها. والسلام عليك». ولم يزد على هذا ولم يُسْلِم. والجاريتان: مارية وسيرين، والبغلة: دلدل بقيت إلى زمن معاوية (^٢).
_________________
(١) النسخ المطبوعة: «آية». والمثبت من الأصول موافق لمصدر المؤلف.
(٢) الخبر بتمامه في «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٩٣)، وعنه في «عيون الأثر» (٢/ ٢٦٥). وذكر نصَّ الكتابين أيضًا الزبير بن بكَّار في «المنتخب من كتاب أزواج النبي - ﷺ -» (ص ٥٥ - ٥٦) عن شيخه محمد بن الحسن بن زَبالة.
[ ٣ / ٨٧٥ ]
فصل: كتاب النبي - ﷺ - إلى المنذر بن ساوى
فصل: كتاب النبي - ﷺ - إلى ملك عمان جيفر بن الجلندى وأخيه
فصل
وكتب إلى المُنْذر بن ساوى، فذكر الواقدي (^١) بإسناده عن عكرمة قال: وجدت هذا الكتاب في كتب ابن عباس بعد موته فنَسَختُه فإذا فيه: بعث رسول الله - ﷺ - العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى وكتب إليه كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام، فكتب المنذر إلى رسول الله - ﷺ -: «أما بعد، يا رسول الله، فإني قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحبَّ الإسلام وأعجبه ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود، فأحدِثْ إليَّ في ذلك أمرك».
فكتب إليه رسول الله - ﷺ -: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى. سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فإني أُذكِّرُك الله ﷿، فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، وإنه من يُطِعْ رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرًا، وإني قد شَفَّعتُك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوتُ عن أهل الذنوب فاقبل منهم، وإنك مهما تُصلح فلن نَعزِلك عن عملك، ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية».
فصل
وكتب إلى ملك عُمان وبعثه مع عمرو بن العاص: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبد الله إلى جَيْفَرٍ وعبدٍ ابني الجُلَنْدى. سلام على من
_________________
(١) كما في «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٩٦) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٦٦).
[ ٣ / ٨٧٦ ]
اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوكما بدعاية الإسلام، أسلما تسلما، فإني رسول الله إلى الناس كافَّةً لأُنذر من كان حيًّا ويحقَّ القول على الكافرين، وإنَّكما إن أقررتُما بالإسلام ولَّيتكما، وإن أبيتُما أن تُقرَّا بالإسلام فإن مُلككما زائل عنكما وخيلي تحلُّ بساحتكما وتظهر نبوَّتي على ملككما. وكتب أبيُّ بن كعب، وختم الكتاب».
قال عمرو: فخرجت حتى انتهيت إلى عُمان، فلما قدمتها عمدت إلى عبدٍ وكان أحلمَ الرجلين وأسهلهما خلقًا فقلت: إني رسولُ رسولِ الله - ﷺ - إليك وإلى أخيك، فقال: أخي المُقدَّمُ عليَّ بالسن والملك، وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك، ثم قال: وما تدعو إليه؟ قلت: أدعوك إلى الله وحده لا شريك له وتخلع ما عُبد من دونه، وتشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
قال: يا عمرو، إنك ابنُ سيِّدِ قومك، فكيف صنع أبوك فإنَّ لنا فيه قدوةً؟ قلت: مات ولم يؤمن بمحمد - ﷺ -، ووددت أنه كان أسلم وصدَّق به، وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام. قال: فمتى تبعته؟ قلت (^١): قريبًا، فسألني أين كان إسلامك؟ فقلتُ: عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال: فكيف صنع قومه بملكه؟ فقلت: أقرُّوه واتَّبعوه، قال: والأساقفة والرُّهبان تبعوه؟ قلت: نعم، قال: انظر يا عمرو ما تقول! إنه ليس من خصلة في رجل أفضحَ له من كذب، قلتُ: ما كذبتُ وما نستحلُّه في ديننا.
ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي، قلت: بلى، قال: بأي شيء علمت ذلك؟
_________________
(١) في الأصول عدا ن: «قال»، ولعله سبق قلم من المؤلف.
[ ٣ / ٨٧٧ ]
قلت: كان النجاشي يُخرج له خَرْجًا، فلما أسلم وصدق بمحمد - ﷺ - قال: لا والله، لو سألني درهمًا واحدًا ما أعطيتُه، فبلغ هرقل قولُه فقال له يناق أخوه: أتدع عبدك لا يُخرج لك خرجًا ويدين دينًا محدَثًا؟ قال هرقل: رجل رغب في دينٍ فاختاره لنفسه ما أصنع به؟ والله لولا الضَّنُّ (^١) بملكي لصنعتُ كما صنع. قال: انظر ما تقول يا عمرو! قلت: والله صَدَقتُك.
قال عبد: فأخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه؟ قلت: يأمر بطاعة الله ﷿ وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر وصلة الرحم، وينهى عن الظلم والعدوان، وعن الزنا وشُرب الخمر، وعن عبادة الحجر والوثن والصليب. قال: ما أحسنَ هذا الذي يدعو إليه! لو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمدٍ ونصدِّق به، ولكن أخي أَضَنُّ بملكه من أن يدعه ويصير ذَنَبًا، قلت: إنه إن أسلم ملَّكه رسول الله - ﷺ - على قومه، فأخذ الصدقة من غنيِّهم فردَّها على فقيرهم، قال: إن هذا لخلق حسن، وما الصدقة؟ فأخبرتُه بما فرض رسول الله - ﷺ - من الصدقات في الأموال حتى انتهيت إلى الإبل، فقال: يا عمرو، وتؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى الشجر وتَرِد المياه؟ فقلت: نعم، فقال: والله ما أرى قومي في بُعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون بهذا.
قال: فمكثتُ ببابه أيامًا وهو يصل إلى أخيه فيخبره كلَّ خبري، ثم إنه دعاني يومًا فدخلتُ عليه فأخذ أعوانه بضَبْعيَّ، فقال: دعوه، فأُرسِلتُ، فذهبت لأجلس فأبوا أن يدعوني أجلس، فنظرت إليه فقال: تكلَّم بحاجتك، فدفعت إليه الكتاب مختومًا ففضَّ خاتمه [فقرأه] (^٢) حتى انتهى إلى آخره،
_________________
(١) رسم بالظاء في جميع الأصول عدا س.
(٢) ما بين الحاصرتين مستدرك من «عيون الأثر»، والمؤلف صادر عنه.
[ ٣ / ٨٧٨ ]
ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثلَ قراءته، إلا أني رأيت أخاه أرقَّ منه قال: ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت؟ فقلت: تبعوه إمَّا راغبٌ في الدين وإما مقهور بالسيف، قال ومن معه؟ قلت: الناس قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره، وعرفوا بعقولهم مع هدى الله إياهم أنهم كانوا في ضلال، فما أعلم أحدًا بقي غيرُك في هذه الحَرَجَة (^١)، وأنت إن لم تُسلم اليومَ وتتبعه يُوطِئْك الخيلَ ويُبيد خضراءَك، فأسلِمْ تَسلَمْ ويستعمِلْكَ على قومك، ولا يُدخِلْ عليك الخيلَ والرجال. قال: دعني يومي هذا وارجع إلي غدًا، فرجعت إلى أخيه فقال: يا عمرو، إني لأرجو أن يُسلم إن لم يَضَنَّ بمُلكه، حتى إذا كان الغد أتيت إليه فأبى أن يأذن لي، فانصرفت إلى أخيه فأخبرته أني لم أصل إليه، فأوصلني إليه، فقال: إني فكَّرتُ فيما دعوتَني إليه، فإذا أنا أضعف العرب إن ملَّكتُ رجلًا ما في يدي وهو لا تبلغ خيلُه هاهنا، وإن بلغَتْ خيلُه أَلْفَتْ قتالًا ليس كقتال من لاقى. قلت: وأنا خارج غدًا، فلما أيقن بمخرجي خلا به أخوه فقال: ما نحن فيما قد ظهر عليه، وكلُّ من أرسل إليه قد أجابه، فأصبح فأرسل إليَّ فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعًا وصدَّقا (^٢)
النبي - ﷺ -، وخلَّيا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم، وكانا لي عونًا على من خالفني (^٣).
_________________
(١) الحَرَجة هي مجتمع شجرٍ ملتفٍّ، سميَّت بذلك لضيقها. ويحتمل أن يكون أراد ضيق الكفر الذي هم عليه.
(٢) في جميع الأصول عدا ز: «صدَّق». والمثبت موافق لمصدر المؤلف ..
(٣) ذكره الواقدي ــ وعنه ابن سعد (٥/ ٥٧) مختصرًا، والكلاعي في «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٩٨) مطوّلًا ــ بإسنادٍ له إلى عمرو بن العاص. وعن الكلاعي نقله ابن سيد الناس (٢/ ٢٦٧) وهو مصدر المؤلف.
[ ٣ / ٨٧٩ ]
فصل: كتاب النبي - ﷺ - إلى صاحب اليمامة هوذة بن علي
فصل
وكتب النبي - ﷺ - إلى صاحب اليمامة هَوذة بن علي، وأرسل به مع سَلِيط بن عمرٍو العامري: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هَوذة بن علي. سلام على من اتبع الهدى. واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم وأجعل لك ما تحت يديك».
فلما قدم عليه سَلِيط بكتاب رسول الله - ﷺ - مختومًا أنزله وحيَّاه واقترأ عليه الكتاب، فردَّ ردًّا دون ردٍّ وكتب إلى النبي - ﷺ -: «ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، والعرب تهاب مكاني فاجعل إلي بعضَ الأمر أتَّبِعْك». وأجاز سَليطًا بجائزة وكساه أثوابًا من نسج هَجَر، فقدم بذلك كلِّه على النبي - ﷺ - فأخبره، وقرأ النبي - ﷺ - كتابه وقال: «لو سألني سَيابةً (^١) من الأرض ما فعلتُ، بادَ وباد ما في يديه!».
فلما انصرف النبي - ﷺ - من الفتح جاءَه جبريل ﵇ بأن هوذة مات، فقال النبي - ﷺ -: «أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبَّى يُقتَل بعدي»، فقال قائل: يا رسول الله، من يقتله؟ فقال له رسول الله - ﷺ -: «أنت وأصحابك»، فكان كذلك (^٢).
وذكر الواقدي (^٣) أن أركون دمشق عظيم من عظماء النصارى كان عند هَوذة فسأله عن النبي - ﷺ -، فقال: جاءني كتابه يدعوني إلى الإسلام فلم أُجِبْه،
_________________
(١) السَيابة (بفتح السين وتخفيف الياء): البلحة.
(٢) ذكره الواقدي بأسانيده كما في «الطبقات» لابن سعد (١/ ٢٢٥) مختصرًا، وفي «الاكتفاء» (١: ٢/ ٤٠٢) بطوله.
(٣) كما في «الاكتفاء» (١: ٢/ ٤٠٤) وعنه في «عيون الأثر» (٢/ ٢٧٠).
[ ٣ / ٨٨٠ ]
قال الأركون: لم لا تجيبه؟ قال: ضننت بديني وأنا مَلِك قومي، وإن تبعته لم أملك، قال: بلى والله، إن اتبعتَه ليملِّكنَّك، وإنَّ الخيرة لك في اتباعه، وإنه لَلنبيُّ العربي الذي بشر به عيسى ابن مريم، وإنه لمكتوب عندنا في الإنجيل محمد رسول الله.
فصل
في كتابه إلى الحارث بن أبي شِمر الغَسَّاني
وكان بدمشق بغُوطتها، فكتب إليه كتابًا مع شجاع بن وهب مرجعه من الحديبية (^١): «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شِمر. سلام على من اتبع الهدى وآمن به وصدق. وإني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك ملكك»، وقد تقدم ذلك (^٢).
* * *
_________________
(١) في الأصول: «المدينة»، تصحيف أو سبق قلم. وقد سبق على الصواب عند المؤلف في أوّل الكتاب (١/ ١١١).
(٢) نصُّ الكتاب ذكره الواقديُّ كما في «الاكتفاء» (١: ٢/ ٤٠٦) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٧٠). وانظر ما تقدم في الفوائد المستنبطة من قصّة المخلَّفين الثلاثة (ص ٧٣٢ - ٧٣٣).
[ ٣ / ٨٨١ ]
النسخ المعتمدة في تحقيق هذا الجزء
١ - ف (الأصل) = نسخة جامعة القرويين بفاس (مكتوبة في حياة المؤلف)
٢ - ز= نسخة مكتبة بايزيد في تركيا (٧٦٧ هـ)
٣ - س= نسخة مكتبة مانيسا في تركيا (٧٧٢ هـ)
٤ - ث= نسخة أحمد الثالث في تركيا (٧٧٦ هـ)
٥ - حط= نسخة مكتبة الحرم المكي من «الطب النبوي» (٧٨٨ هـ)
٦ - ل= نسخة بخط ابن الحبال بمتحف طوب قابي سراي بتركيا (٨٤٠ هـ)
٧ - د= نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق (٨٥٤ هـ)
٨ - ن= النسخة اليمنية بمتحف طوب قابي سراي (١١٥٣ هـ)
[ ٤ / ٤ ]