عباد الله! موعدنا في هذا اليوم- إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الدروس والعظات والعبر؛ التي تؤخذ من قصة الإسراء والمعراج.
عباد الله! في الجمعة الماضية تبين لنا أنه أسري برسولنا - ﷺ - إلى السموات العلى، إلى سدرة المنتهى إلى حيث شاء الله -﵎- وقد فرض الله -﵎- على رسولنا - ﷺ - الصلاة، وقد رأى رسولنا - ﷺ - من آيات ربه الكبرى، ثم عاد إلى المسجد الأقصى، ثم إلى المسجد الحرام في نفس الليلة، وكان ذلك بالروح والجسد، وفي اليقظة لا في المنام، وقد تبين لنا أن الإسراء والمعراج ثابت بالكتاب والسنة.
أمة الإسلام! قصة الإسراء والمعراج فيها دروس وعظات وعبر كثيرة جدًا منها:
أولًا: أهمية المسجد الأقصى في الإِسلام.
عباد الله! إذا كنتم قد نسيتم المسجد الأقصى فها نحن نذكركم به؛ المسجد الأقصى هو ثاني مسجد وضع في الأرض؛ لعبادة الله وتوحيده.
سئل - ﷺ -: أي بيت وضع في الأرض أول؟
فقال - ﷺ -: "المسجد الحرام" قيل: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى"، قيل: كم كان بينهما؟ قال: "أربعون سنة" (١).
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٣٦٦)، مسلم (رقم ٥٢٠).
[ ١٨٩ ]
المسجد الأقصى رفع بناءه وجدده سليمان بن داود ﵉: عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله - ﷺ - أن سليمان بن داود ﵉ لما بني بيت المقدس -أي المسجد الأقصى- (وفي رواية: لما فرغ من بناء مسجد بيت المقدس)، سأل الله -﷿- خلالًا ثلاثة .. " الحديث (١).
الشاهد منه يا عباد الله! أن الذي رفع بناء المسجد الأقصى وجدده؛ هو سليمان بن داود ﵉.
المسجد الأقصى هو قبلة المسلمين الأولى.
عن البراء - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - صلَّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي - ﷺ - قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت .. " الحديث (٢).
فكان - ﷺ - يقلب وجهه في السماء، يرغب، ويسأل ربه أن يحول قبلته إلى المسجد الحرام، فاستجاب الله له، قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].
أمة الإسلام! المسجد الأقصى مسجد مبارك، بارك الله فيه وحوله من بركات الدنيا والدين، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ
_________________
(١) "صحيح سنن النسائي"، (رقم ٦٦٩)، "صحيح ابن ماجه" (رقم ١٤٠٨).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٠)، ومسلم (رقم ٥٢٥).
[ ١٩٠ ]
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] وقال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنبياء: ٧١] وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: ٨١] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨)﴾ [سبأ: ١٨].
المراد بها المسجد الأقصى.
فهذه البلاد المباركة المقصود منها، هي، بيت المقدس، نسأل الله -﵎- أن يردها للمسلمين من أيدي إخوة القردة والخنازير.
أمة الإسلام! الصلاة في المسجد الأقصى فضلها عظيم.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله - ﷺ -، أن سليمان بن داود ﵉ لما بني بيت المقدس سأل الله -﷿- خلالًا ثلاثة: سأل الله -﷿- حُكمًا يُصادفُ حكمه فأُوتيه، وسأل الله -﷿- ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأُوتيه، وسأل الله -﷿- حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحدٌ لا ينهزهُ -أي يدفعه- إلا الصلاةُ فيه، أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمة (وفي رواية: فقال النبي - ﷺ -: "أمَّا اثنتان فقد أعطيهما وأرجو أن يكون قد أُعطي الثالثة" (١).
وعن أبي ذر - ﵁ - قال: تذاكرنا ونحن عند رسول الله - ﷺ - أيهما أفضل، مسجد رسول الله - ﷺ - أم بيت المقدس؟.
_________________
(١) مضى قريبًا.
[ ١٩١ ]
فقال رسول الله - ﷺ -: "صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى هو .. " الحديث (١).
فتكون الصلاة في المسجد الأقصى بمئتين وخمسين صلاة.
أمة الإسلام! أنسيتم المسجد الأقصى! هو مسرى رسول الله - ﷺ -، ومنه عرج به إلى السماء.
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾.
وقال - ﷺ -: " ثم ربط البراق في الحلقة التي تربط فيها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت تحية المسجد ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل ﵇ بإناء فيه خمر، وإناء فيه لبن فاخترت اللبن، فقال جبربل: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء .. " الحديث
أي عرج من المسجد الأقصى إلى السماء، وفي هذه إشارة أنه كما أن النبوة انتقلت من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل إلى رسولنا - ﷺ -، فهذه بشرى للنبي - ﷺ - وأصحابه والمسلمين إلى يوم القيامة بأن قيادة البشرية ستنتقل من أيدي بني إسرائيل؛ لأنهم عصوا الله وملأوا الأرض غدرًا وخيانة، ستنتقل إلى الأمة الإِسلامية، بقيادة رسولها - ﷺ - وقد فتحت الأمة الإِسلامية الدنيا من مشرقها إلى مغربها، لما كانوا متمسكين بدينهم، وبسنة رسولهم لكن لما انشغلوا بالدنيا وحطامها فقد ضيعوا الدنيا والبلاد من مشرقها إلى مغربها، ولذلك، نقول إذا أردتم يا أمة الإِسلام أن يعود الأقصى إليكم وتحرروا أرضكم من الكفار
_________________
(١) "السلسلة الصحيحة" (٢٩٠٢).
[ ١٩٢ ]
فعليكم أن تعودوا إلى دينكم وأن تتمسكوا بدينكم وسنة نبيكم، إن فعلتم ذلك نصرتم الله في أنفسكم وإن نصرتم الله في أنفسكم نصركم الله على عدوكم: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾.
أمة الإِسلام! المسجد الأقصى من المساجد التي تشد لها الرحال.
قال - ﷺ -: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي" (١).
وشد الرحال تكون للصلاة في هذه المساجد أو الاعتكاف فيها، أما شد الرحال إلى الأضرحة والقبور والأولياء، فهذا حرام ولا يجوز في شريعة الإِسلام.
عباد الله! ومن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من الإسراء والمعراج.
ثانيًا: أهمية الصلاة في الإِسلام.
أمة الإِسلام! الصلاة، الصلاة، فلأهميتها فرضها الله على رسوله - ﷺ - هناك فوق السموات، بعد سدرة المنتهى مباشرة وبدون واسطة.
عباد الله! الصلاة هي عمود الدين الذي لا يقوم إلا به.
قال - ﷺ - لمعاذ - ﵁ -: "ألا أخبرك برأس الأمر، وعموده وذِرْوة سنامه"
قلت: بلى يا رسول الله قال: "رأس الأمر الإِسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد" (٢)
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١١٩٧)، ومسلم (رقم ٨٢٧).
(٢) "رياض الصالحين" رقم (١٥٣٠) تحقيق الألباني.
[ ١٩٣ ]
الصلاة هي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر، قال - ﷺ -: "إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت، فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر" (١).
الصلاة هي آخر وصية وصى بها رسول الله - ﷺ - أمته، فقال - ﷺ - في أنفاسه الأخيرة: "الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم".
الصلاة هي آخر ما تبقى لنا من ديننا، يقول - ﷺ -: "أول ما يرفع من الناس الأمانة، وآخر ما يبقى من دينهم الصلاة، ورب مصل لا خلاق له عند الله تعالى" (٢).
الصلاة تجارة رابحة، يقول رب العزة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾ [فاطر: ٢٩].
الصلاة تمحو الذنوب والخطايا، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
وقال - ﷺ -: "أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا" (٣).
وقال - ﷺ -: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟
قالوا: بلى يا رسول الله؟
_________________
(١) "رياض الصالحين" رقم (١٠٨٨) الألباني.
(٢) "صحيح الجامع" (٢٥٧٢).
(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٥٢٨)، ومسلم (رقم ٦٦٧).
[ ١٩٤ ]
قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط" (١).
الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
الصلاة سبب للتمكين في الأرض، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤١].
الصلاة سبب لنزول الرحمة على العباد، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
الصلاة سبب لدخول الجنة، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) ..﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١ - ١١].
أولى هذه الصفات الذين هم في صلاتهم خاشعون، وآخر هذه الصفات، والذين هم على صلواتهم يحافظون.
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ٢٥١).
[ ١٩٥ ]
أمة الإِسلام! ومع ذلك فقد ضيع الكثير من الناس الصلاة.
أنسي هؤلاء الذين ضيعوا الصلاة أن من أول أسباب دخول النار ترك الصلاة، قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٣].
أنسي الذين تركوا الصلاة أن بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة، قال - ﷺ -: "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" (١)، وقال - ﷺ -: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" (٢).
أمة الإِسلام! اتقوا الله في الصلاة، فإنكم ستسألون عنها يوم القيامة.
عباد الله! من الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة الإسراء والمعراج.
ثالثًا: التحذير من الغيبة والخوض في أعراض المسلمين، وأكل لحوم الأبرياء:
قال - ﷺ -: "لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم.
فقلت: من هؤلاء يا جبربل؟
قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم" (٣).
عباد الله! الذين يغتابون المسلمين، ويأكلون لحوم الأبرياء في مجالسهم،
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ٢٨٢).
(٢) "رياض الصالحين" رقم (١٠٨٦)، تحقيق الألباني.
(٣) "رياض الصالحين" رقم (١٥٣٤) تحقيق الألباني.
[ ١٩٦ ]
هذا عذابهم في حياة البرزخ جزاءً وفاقًا، ولا يظلم ربك أحدًا، فليتق الله كل منا في لسانه؛ لأن اللسان إذا أُطلق في أعراض المسلمين أدخل صاحبه النار قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٧].
أي: كنا في الدنيا نخوض بألسنتنا بالباطل وأكل لحوم الأبرياء
وعن أبي هريرة - ﵁ -: "أن رجلًا قال: يا رسول الله إن فلانة تُذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها" -أي النافلة- "ولكنها تؤذى جيرانها بلسانها، فقال - ﷺ -: "هي في النار".
قال رسول الله - ﷺ -! إن فلانة تُذكر من قلة صلاتها وصيامها وصدقتها، ولكنها لا تؤذى جيرانها بلسانها، قال - ﷺ -: "هي في الجنة".
وعن معاذ - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟
قال - ﷺ -: "لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه" فبعد أن أخبره ودله على أبواب الخير.
قال - ﷺ - له: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله".
قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه وقال: "كف عليك هذا".
قلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟
فقال: "ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا
[ ١٩٧ ]
حصائد ألسنتهم؟ " (١).
وقال - ﷺ - للرجل عندما سأله: ما النجاة؟ قال: "أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك؟ " (٢).
وقال - ﷺ -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" (٣).
وقال رجل يا رسول الله! أي المسلمين أفضل، فقال - ﷺ -: "من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٤).
وقد حذر النبي - ﷺ - الذين يأكلون لحوم الناس بألسنتهم، فقال - ﷺ -: يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته، يفضحه ولو في جوف بيته" (٥).
فاتقوا الله يا معشر المسلمين في ألسنتكم وأمسكوها عن أعراض المسلمين، وعن الغيبة، فإنكم راجعون إلى الله وموقوفون بين يديه، وسائلكم عن ألسنتكم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
عباد الله! ومن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة الإسراء والمعراج
_________________
(١) "رياض الصالحين" رقم (١٥٣٠) تحقيق الألباني.
(٢) "رياض الصالحين" رقم (١٥٢٨) الألباني.
(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٠١٨)، ومسلم (رقم ٤٧).
(٤) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١١) ومسلم (رقم ٤٢).
(٥) "صحيح الجامع" (٧٨٦١).
[ ١٩٨ ]
رابعًا: التحذير من خطباء السوء الذين يقولون ما لا يفعلون، والذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، والذين يدعون الناس إلى كل شر الذين يدعون الناس إلى الشرك والبدع والخرافات، الذين يدعون الناس إلى الحزبية البغيضة التي فرقت الأمة، الذين يحرضون المسلمين على ولاة أمرهم ليفسدوا في الأرض.
قال رسول الله - ﷺ -: "رأيت ليلة أسري بي- رجالًا تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟
قال: هؤلاء خطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب؛ أفلا يعقلون؟! (١).
فهذا الخطيب الذي يقول للناس هذا حرام ثم يفعله، ويقول لهم هذا حلال ولا يفعله، خطيب السوء الذي يأمر بالبر وينسى نفسه، يأمر الناس بالحجاب وينسى امرأته وابنته، يأمر الناس أن يبتعدوا عن البنوك ويضع ماله في البنوك، يأمر الناس بالمحافظة على الصلاة وهو يضيع الصلاة، يحذر الناس من الكذب وهو يكذب، يحذر الناس من الغيبة والنميمة وهو واقع فيها هذا خطيب لا عقل له، قال رب العزة: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤].
ونقول لهذا الخطيب:
يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام من الضنا كيما يصح به وأنت سقيم
_________________
(١) قال الشيخ الألباني ﵀ حديث حسن انظر كتاب "الإسراء والمعراج" ص (٥٢).
[ ١٩٩ ]
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
والله ﷾ يمقت ذلك، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣].
وقد أخبر النبي - ﷺ - عن عذاب الذي يقول للناس ويخالف بفعله ما يقول، فقال - ﷺ -: "يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه" (١).
أمة الإِسلام! خطباء السوء "دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، وهم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا" (٢).
فاحذروهم يا عباد الله!.
فهذا حذيفة - ﵁ - قال: يا رسول الله: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال - ﷺ -: "فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" (٣).
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٢٦٧)، ومسلم (رقم ٢٩٨٩).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٦٠٦)، ومسلم (رقم ١٨٤٧).
(٣) متفق عليه، قطعة من الحديث الذي قبله.
[ ٢٠٠ ]
فيا أمة الإِسلام! فوالله إني لكم لناصح أمين، فإن وجدتم المنابر قد صعد إليها الخطباء الذين يدعون إلى الحزبية البغيضة، ولا هم لهم إلا أن يحرضوا الناس على ولاة الأمر، ويجعلون بلاد المسلمين بركة من الدماء، فاحذروهم، وارجعوا إلى عقيدة التوحيد وإلى منهج رسول الله - ﷺ - وإلى ما كان عليه الصحابة، كما قال ربنا -جل وعلا-: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وكما قال النبي - ﷺ -: "وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة" قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: "التي تكون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي" (١).
وقال - ﷺ -: "إياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم
فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليه بالنواجذ" (٢).
أسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلني وإياكم من المتبعين لرسوله - ﷺ -.
_________________
(١) حسن بشواهده.
(٢) صحيح، أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦).
[ ٢٠١ ]