أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة تبوك.
عباد الله! غزوة تبوك هي آخر غزوةٍ غزاها رسول الله - ﷺ - مع أصحابه، وهي أول غزوة خارج الجزيرة.
غزوة تبوك هي: غزوة العُسرة، وذلك لأن الصحابة خرجوا إليها في قلةٍ من الظهر، وفي حرٍ شديد، حتى كانوا ينحرون البعير فيشربون ما في كرشه من الماء.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة: ١١٧].
غزوة تبوك هي الفاضحة؛ لأنها كشفت عن حقيقة المنافقين، وهتكت أستارهم، وفضحت أساليبهم العدائية الماكرة، وأحقادهم الدفينة ونفوسهم الخبيثة، وجرائمهم البشعة بحق رسول الله - ﷺ - والمسلمين.
عباد الله! وحديثنا عن غزوة تبوك سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: سبب هذه الغزوة وتاريخها.
العنصر الثاني: موقف المؤمنين وموقف المنافقين من غزوة تبوك.
العنصر الثالث: أحداث في الطريق، والوصول إلى تبوك.
العنصر الرابع: العودة من تبوك إلى المدينة.
[ ٥٢٤ ]
العنصر الأول: سبب هذه الغزوة وتاريخها
عباد الله! سبب غزوة تبوك هو الاستجابة لأمر الله تعالى بالجهاد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾ [التوبة: ١٢٣]
وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩].
ولذلك عزم رسول الله - ﷺ - على قتال الروم لأنهم أقرب الناس إليه، وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الإِسلام وأهله.
فأمر رسول الله - ﷺ - المسلمين في المدينة وغيرها بالجهاد، وأعلمهم بغزوه الروم، وكان ذلك في رجب من السنة التاسعة للهجرة
يقول كعب بن مالك -﵁ -: "كان رسول الله - ﷺ - قلَّما يريد غزوة يغزوها إلا وَرَّى بغيرها حتى كانت غزوة تبوك، فغزاها رسول الله - ﷺ - في حرٍّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا، واستقبل عددًاَ كثيرًا فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أُهبة عدوِّهم، وأخبرهُم بوجهه الذي يريد" (١).
عباد الله! وقال المؤرخون: إن أسباب غزوة تبوك هو: أن الأخبار قد وصلت من الشام بأن الروم قد عزموا على غزو المدينة، فلما بلغ ذلك النبي - ﷺ -، رأى أنه لا بُدَّ من أن يستنفر المسلمين للخروج لهذا العدو قبل أن ياتيهم في أرضهم.
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٩٤٨)، ومسلم (رقم ٢٧٦٩).
[ ٥٢٥ ]
العنصر الثاني: موقف المؤمنين وموقف المنافقين من غزوة تبوك.
عباد الله! كما أنَّ الشدائد تظهر نفاق المنافقين، فهي كذلك تظهر إيمان المؤمنين، وغزوة تبوك كانت في ظروف صعبة جدًا؛ حر شديدٌ، وعُسَرةٌ في الماء وقلة في المال، وطول في الطريق، فظهر فيها نفاق المنافقين، وكذلك ظهر فيها إيمان المؤمنين الصادقين.
فعندما حثَّ النبي - ﷺ - المسلمين على الإنفاق في سبيل الله لتجهيز جيش المسلمين، جاء بعض المؤمنين الصادقين بكل ماله، ومنهم من جاء بنصف ماله، وجاء عثمان بن عفان - ﵁ - بألف دينار، فنثرها في حجر رسول الله - ﷺ -، فسُرَّ بذلك رسول الله - ﷺ -، وجعل يقبلها في حجره وهو يقول:
"ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم" (١).
عباد الله! وجعل فقراء المسلمين يتصدقون بما يجدونه وإن كان يسيرًا، والمنافقون يسخرون من هؤلاء وهؤلاء، فيتهمون أهل الغنى والبذل العظيم بالرياء والسمعة! والفقراء بأن الله عن يسير صدقتهم لغني، وفضحهم الله ﷿ في كتابه.
فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾ [التوبة: ٧٩].
عباد الله! وحاول بعض المنافقين أن يتستر خلف نفقته، ففضحهم الله -﷿-، فَرَدَّ عليهم نفقاتهم قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ
_________________
(١) "صحيح الترمذي" (٣٧٠١).
[ ٥٢٦ ]
إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ [التوبة: ٥٣ - ٥٤].
عباد الله! وعندما أعلن رسول الله - ﷺ - النفير العام في المدينة، وكان ذلك وقت جني التمر وطيب الثمار واشتهاء الظلال، شقَّ ذلك على بعضهم، فعاتب الله الذين تباطئوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ [التوبة: ٣٨].
وقد طالبهم الله في كتابه بأن ينفروا شبابًا وشيوخًا، وأغنياء وفقراء. بقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة: ٤١].
عباد الله! ولقد استطاع رسول اللهﷺ - أن يحشد ثلاثين ألف مقاتل من المهاجرين والأنصار وأهل مكة والقبائل العربية الأخرى.
وحزن الفقراء من المؤمنين الصادقين لأنهم لا يملكون نفقة الخروُج إلى الجهاد.
جاء سبعة رهطٍ من الفقراء إلى النبيﷺ - يسألونه أن يحملهم فقال: "لا أجد ما أحملكم عليه"، فرجعوا يبكون حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون فهذا عليَّةُ ابن زيد - ﵁ - أحد البكاءين، قام بالليل فصلى لله وبكى ثم ناجى الله -﵎- قائلا: اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ولم تجعل في يدي ما أتقوى به، ولم تجعل عند رسولك ما يحملني عليه، اللهم إنِّي تصدَّقت الليلة على كل مسلم بأي مظلمة أصابني بها، في عرضي أو مالي أو جسدي، ثم أصبح بين الناس، فقال رسول الله - ﷺ -: "أين المتصدِّق الليلة؟ " فليقم، فقام
[ ٥٢٧ ]
عُلية بن زيد فأخبر رسول الله - ﷺ - الخبر فقال - ﷺ -: "أبشر فوالذي نفسي بيده لقد كُتبت في الزكاة المتقبلة" (١).
وفي رواية أن النبيﷺ - أخبره أنه قد غُفِرَ له (٢).
عباد الله! وبلغ الأمر بالضعفاء والعجزة - ممن أقعدهم المرض، أو النفقة عن الخروج- إلى حد البكاء شوقًا للجهاد، وتحرجًا من القعود حتى نزل فيهم قرآن:
﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التوبة: ٩١ - ٩٢] وقد خصَّ النبي - ﷺ - هؤلاء المتخلفين المعذورين ممن حسنت نياتهُم، واستقامت طويتهم بقوله: "إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا؛ إلا كانوا معكم: قالوا: يا رسول الله! وهم بالمدينة؟!
قال - ﷺ -: "وهم بالمدينة، حبسهم العذر" (٣).
وقد حكى كعب بن مالك في حديثه الطويل إنه لم يبق بالمدينة إلا المنافقون وأهل الأعذار من الضعفاء (٤).
_________________
(١) صحيح: انظر "فقه السيرة" (ص ٤٠٥)، "البداية والنهاية" (٥/ ٥).
(٢) انظر "السيرة النبوية الصحيحة" العمري (٢/ ٥٣٠).
(٣) "فتح الباري" (٨/ ١٢٦).
(٤) "فتح الباري" (٨/ ١٢٦).
[ ٥٢٨ ]
عباد الله! أما المنافقون فسلكوا مسالك شتى، فمنهم من اعتذر قبل الخروج وتعلل بالعلل الباطلة، قال تعالى عنهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩)﴾ التوبة: ٤٩]. فأذن لهم النبيﷺ - فقال الله تعالى لنبيهﷺ -: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ [التوبة: ٤٣].
ثم قال الله ﷿ لرسوله - ﷺ -: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾ [التوبة: ٤٤ - ٤٥].
ومنهم من أخذ يثبط هِمَمَ الناس، قائلين لهم: لا تنفروا في الحرِّ فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾ [التوبة: ٨١ - ٨٢].
العنصر الثالث: أحداث في الطريق، والوصول إلى تبوك
عباد الله! في يوم الخميس من شهر رجبٍ من السنة التاسعة للهجرة، خرج رسول الله - ﷺ - بجيش المسلمين من المدينة، قاصدًا غزو الروم؛ واستخلف على المدينة محمَّد بن مسلمة - ﵁ - وخلَّف عليًا - ﵁ - على أهله فناله المنافقون بألسنتهم، وقالوا: ما خلَّفه إلا استثقالًا له، وتخففًا منه فسمعها عليٌّ فأخذ سلاحه وانطلق يعدو خلف رسول الله - ﷺ - حتى أتاه فقال: يا رسول الله! قال المنافقون: إنك خلَّفتني استثقالًا لي وتخفُّفًا مني فقال - ﷺ -:
[ ٥٢٩ ]
كذبوا، كذبوا، ارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون مِن موسى؛ إلا أنه لا نبي بعدي" (١).
عباد الله! وانطلق رسول الله - ﷺ - في ثلاثين ألف مقاتل عبر الصحراء إلى تبوك، وفي الطريق أصاب جيش المسلمين جوع شديد؛ لأنَّ الزمان كان زمان عُسرةٍ، فلما تجهَّزوا لم يتجهزوا بما يكفيهم، إنما تجهزوا بما وجدوا.
يقول أبو سعيد الخدري - ﵁ -: لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا- جمع ناضحٍ وهي الإبل التي يسقى عليها- فنأكل وندَّهن، فقال رسول الله - ﷺ -: "افعلوا"، فجاء عمر بن الخطاب - ﵁ - فقال: يا رسول الله! لا تفعل، إنهم إن فعلوا نفذ الظهر -وهو ما يُحمل عليه من الإبل- ولا يجدون ما يركبون، ولكن يا رسول الله ادعهُم بفضل أزوادهم ثم ادع الله لهم بالبركة، فعسى الله أن يفعل.
فدعا رسول الله (ﷺ) -أي: بساطٍ من الجلد- فبسطهُ، وأمرهم أن يأتوا بأزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكفٍ من ذرة، وآخر يجيء بكف من تمر، وثالث يجيء بكسرة خبز حتى اجتمع على النَّطع شيءٌ قليل من الزاد، فدعا النبي - ﷺ - ربَّه بالبركة في الطعام، فبارك الله لهم في الطعام فقال - ﷺ -: "خذوا واملأوا أوعيتكم" فملأوا أوعيتهم حتى لم يبق في الجيش وعاء إلا مُلئ.
فقال رسول الله - ﷺ -: "أشهدُ أن لا إله إلا الله، وإني رسول الله، لا يلقى الله بها عبدٌ غير شاكٍ فيحجبُ عن الجنة" (٢).
_________________
(١) أصل الحديث: متفق عليه، انظر "البداية والنهاية" (٧/ ٥).
(٢) رواه مسلم (رقم ٢٧).
[ ٥٣٠ ]
الله أكبر .. الله أكبر مَن الذي أطعم هذا الجيش في هذه الصحراء؟
إنه الله -﷿- ثم ببركة دعاء النبي - ﷺ -.
عباد الله! وفي الطريق أصاب الجيش عطشٌ شديد، يقول ابن عباس -﵄-: قيل لعمر بن الخطاب - ﵁ -: حدثنا عن غزوة العُسرة - وهي غزوة تبوك-، فقال عمر: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد -أي في حرٍّ شديد- فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطشٌ شديدٌ، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا يذهب يلتمس الخلاء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويضعُه على بطنه.
فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله! إن الله عودك في الدعاء خيرًا فادع.
فقال النبي - ﷺ -: "أتحب ذلك يا أبا بكر؟ " قال: نعم.
فرفع رسول الله - ﷺ - يديه -أي: إلى السماء- فلم يرجعهما حتى قَالَت السماء -أي: تهيأت واستعدت للمطر- ثم سكبت الماء عليهم، فاستقوا وملأوا أوعيتهم قال عمر: ثم ذهبنا ننظر حدود المطر فرأينا أن المطر لم يتجاوز مكان الجيش (١).
الله أكبر .. الله أكبر مَن الذي سقى هذا الجيش في هذه الصحراء؟ إنه هو الله -﷿- ثم ببركة دعاء النبي - ﷺ -.
ويقول معاذ بن جبل - ﵁ -: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عام غزوة تبوك،
_________________
(١) رواه البزار والطبراني في "الأوسط"، وقال الهيثمي: ورجال البزار ثقات "مجمع الزوائد" (٦/ ١٩٤)، وقال الشيخ الألباني: حسن انظر "فقه السيرة" (ص ٤٠٧).
[ ٥٣١ ]
فكنا نجمع الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا.
فلما كان ذات ليلةٍ قال رسول الله - ﷺ -: "إنكم ستأتون غدًا عين تبوك- إن شاء الله تعالى- وإنكم لن تأتوها حتى يُضحي النهار، فمن جاءها منكم فلا يمسَّ من مائها شيئًا حتى آتي"، فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين تبضُّ بشيءٍ من ماء، فسألهما رسول اللهﷺ -: "هل مسستما من مائها شيئًا؟ ".
قالا: نعم. فسبَّهُما، وقال لهما ما شاء اللهُ أن يقول، ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلًا قليلًا حتى اجتمع شيءٌ، وغسل رسول الله - ﷺ - فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماءٍ كثير، فاستقى الناسُ.
فقال رسول اللهﷺ -: "يا معاذ! يوشك إن طالت بك حياةٌ، أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانًا" (١).
عباد الله! وفي الطريق إلى تبوك ضلَّت ناقة رسول الله - ﷺ -. فقال رجل من المنافقين: أليس يزعم أنَّه نبي، ويخبركم عن السماء وهو لا يدري أين ناقته؟
فقال رسول الله - ﷺ -: "إنَّ رجلًا يقول: هذا محمَّد يخبركم أنه نبي، ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟
وإني والله ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في هذا الوادي في شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها" فذهبوا فجاؤوا بها (٢).
عباد الله! وفي الطريق مرَّ رسول الله - ﷺ - بجيش المسلمين على الحِجر
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ٧٠٦ بعد ١٠).
(٢) "زاد المعاد" (٣/ ٥٣٣).
[ ٥٣٢ ]
- وهي ديار ثمود- فأمر النبي - ﷺ - المسلمين أن لا يدخلوا مساكنهم، وأن يُسرعوا الخطى، وأن يكونوا باكين، ونهاهم عن التزود من مياههم إلا بئر الناقة.
عن عبد الله بن عمر -﵄- قال: لما مرَّ النبي - ﷺ - بالحِجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم؛ أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين، ثم قنع رأسه - ﷺ -، وأسرع السير حتى أجاز الوادي" (١).
وقال - ﵁ -: "إن الناس نزلوا مع رسول الله - ﷺعلى الحجر- أرض ثمود- فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله - ﷺ - أن يهريقوا ما استقوا، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردُها الناقة" (٢).
عباد الله! وهذا منهج نبويٌ كريم، في توجيه رسول الله - ﷺ - صحابته والمسلمين إلى الاعتبار بديار ثمود، وأن يتذكروا بها غضبُ الله على الذين كذَّبوا رسوله، وأن لا يغفلوا عن مواطن العظة، ونهاهم عن الانتفاع بشيءٍ مما في ربوعها؛ حتى الماء، لكيلا تفوت بذلك العبرة، وتخف الموعظة بل أمرهم بالبكاء، وبالتباكي، تحقيقًا للتأثر بعذاب الله.
عباد الله! وصل رسول الله - ﷺ - بجيش المسلمين إلى تبوك، وأخبر الجيش بأن ريحًا شديدة ستهُب، وأمرهم بأن يحتاطوا لأنفسهم ودوابهم، فلا يخرجوا حتى لا تؤذيهم، وليربطوا دوابهم حتى لا تُؤذى، وتحقق ما أخبر به رسول اللهﷺ -، فهبت الريح الشديدة، وحملت من قام فيها إلى مكان بعيد. روى مسلم في "صحيحه" بإسناده إلى أبي حُميد قال: وانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول اللهﷺ -: "ستهب عليكم الليلة ريحٌ شديدة فلا يقم منكم أحدٌ،
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٣٣)، ومسلم (رقم ٢٩٨٠).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٣٧٩)، ومسلم (رقم ٢٩٨١).
[ ٥٣٣ ]
فمن كان له بعيرٌ فليشدَّ عقاله".
فهبت ريحٌ شديدة فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء" (١).
عباد الله! وهناك في تبوك لم يلق النبي - ﷺ - وجيش المسلمين أي جُنديٍّ من جنود العدو، وألقى الله الرعب في قلوب الرومان على كثرتهم وقوة عدّتهم، فآثروا السلامة على الفناء، فجلسوا في أرضهم بالشام ولم يتحركوا أدنى مسافة للقاء رسول الله - ﷺ -.
فقام رسول اللهﷺ - بتبوك بضعة عشر ليلة، لم يجد أدنى مقاومة وجاءت القبائل العربية المتنصرِّة حلفاء الرومان، فصالحت رسول الله - ﷺ - على الجزية، وكتب لها كتاب صُلحٍ، ثم عاد رسول الله - ﷺ - من تبوك إلى المدينة سالمًا غانمًا.
عباد الله! وغزوة تبوك تشبه غزوة الأحزاب.
فغزوة الأحزاب لم يكن فيها قتال، وغزوة تبوك لم يكن فيها قتال. غزوة الأحزاب أولها شدة وبلاء، كما قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾ [الأحزاب: ١٠ - ١١].
وغزوة تبوك أولها أيضًا شدة وبلاءٌ وعُسرة، في الظَهر والمال والماء، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة: ١١٧].
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ٧٠٦ بعد ١٠).
[ ٥٣٤ ]
ونهاية الأحزاب نصرٌ على الأعداء بدون قتال، وكذلك في غزوة تبوك نصرٌ على الأعداء بدون قتال، قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب: ٢٥].
العنصر الرابع: العودة من تبوك إلى المدينة:
عباد الله، عاد رسول الله - ﷺ - بجيش المسلمين من تبوك إلى المدينة سالمًا غانمًا منتصرًا.
وفي طريق العودة حاول مجموعة من المنافقين أن يغتالوا رسول الله - ﷺ -، وآذوا رسول الله والمؤمنين بألسنتهم.
وفي هؤلاء المنافقين نزل قول الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)﴾ [التوبة: ٧٤]. قال ابن كثير: أن الضحاك قال: إن نفرًا من المنافقين هموا بالفتك بالنبي - ﷺ - وهو في غزوة تبوك في بعض الليالي في حال السير، وكانوا بضعة عشر رجلًا نزلت فيهم هذه الآية (١).
عباد الله، وفي طريق العودة، جاء رسول الله - ﷺ - خبر مسجد الضرار الذي بناهُ المنافقون بالمدينة وكانوا قد طلبوا من النبي - ﷺ - أن يُصلي فيه.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٣٧٢).
[ ٥٣٥ ]
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ [التوبة: ١٠٧ - ١٠٨].
فأمر النبي - ﷺ - أصحابه بهدم هذا المسجد.
عباد الله! لما دنا رسول الله - ﷺ - والمسلمون من المدينة قال - ﷺ -: "هذه طابة وهذا أحدٌ جبلُ يحبنا ونحبه" (١).
وخرجت النساء والصبيان والولائد يستقبلن أكبر جيش خرج لقتال المشركين في عصر السيرة؛ يقلن.
طلع البدرُعلينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع (٢)
عباد الله! ودخل رسول الله - ﷺ - المدينة، فبدأ بالمسجد؛ فصلى فيه ركعتين ثم جلس للناس، فجاءه المتخلفون من المنافقين يعتذرون إليه بشتى الأعذار، ويحلفون له، فقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله -﷿-.
عباد الله! أما كعب بنُ مالك أحدُ ثلاثةٍ من المؤمنين الصادقين تخلَّفوا من
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٤٨١)، ومسلم (رقم ١٣٩٢).
(٢) انظر "زاد المعاد" (٣/ ٥٤٩).
[ ٥٣٦ ]
غير عذر، فقد جاء هو وصاحباه إلى رسول الله - ﷺ - فاعترف بذنبه، فماذا قال كعب لرسول الله - ﷺ -؟ وماذا قال له رسول الله - ﷺ -. وماذا أمر بهم رسول الله - ﷺ -؟ وما هي نتيجة الصدق؟
هذا الذي نعرفه في الجمعة القادمة -إن شاء الله تعالى-
اللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.
[ ٥٣٧ ]