أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -. وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن عمرة الحديبية (صلح الحديبية).
عباد الله! والحديبية قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم (١).
عباد الله! وحديثنا عن عمرة الحديبية أو عن صلح الحديبية سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: سبب هذه العمرة وموقف المنافقين.
العنصر الثاني: الرسول - ﷺ - والصحابة الكرام يتحركون إلى مكة.
العنصر الثالث: الأحداث التي وقعت عند الحديبية قبل الصلح.
العنصر الرابع: صلح الحديبية.
العنصرالخامس: الأحداث التي وقعت بعد الصلح.
العنصر السادس: الفوائد والدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من صلح الحديبية.
العنصر الأول: سبب هذه العمرة وموقف المنافقين.
رأى النبي - ﷺوهو بالمدينة- رؤيا بالمنام: أنه داخل مكة وطائف بالبيت العتيق، ورؤيا الأنبياء وحيٌ، فأولها رسول الله - ﷺ - على أنها إذنٌ من الله-
_________________
(١) "فتح الباري" (٥/ ٣٣٤).
[ ٤٤٧ ]
﷿- بدخول مكة.
فأذن مؤذنه في الناس بأن النبي - ﷺ - معتمر، فأجابه إلى العمرة ألف وأربعمائة من المؤمنين الصادقين.
عباد الله! وأما المنافقون فقد ظنوا بالله ظن السوء، ظنوا أن محمدًا وأصحابه إن دنوا من مكة، فإن قريش والعرب سيستأصلونهم ويبيدونهم، فلا يرجع منهم واحد البتة.
ثم زَوَّروا في أنفسهم عذرًا يعتذرون به للنبي - ﷺ - إن هو رجع، والله -﷿- يعلم ما يسرون وما يعلنون، فأنزل على رسوله قرآنًا يفضح فيه المنافقين.
قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣)﴾ [الفتح: ١١ - ١٣].
عباد الله! موقف المنافقين في كل الأحوال واحد لا يتغير إلا بأسلوبه وشكله الظاهري، وجزاؤهم على ذلك- عند الله تعالى -أيضًا واحد لا يتبدل.
فقال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٦].
[ ٤٤٨ ]
العنصر الثاني: الرسول - ﷺ - والصحابة الكرام يتحركون إلى مكة.
عباد الله! خرج رسول الله - ﷺ - وأصحابه الكرام من المدينة في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، ونظرًا لتوقع الشر من قريش فإن المسلمين أخذوا سلاحهم فكانوا مستعدين للقتال، فلما وصلوا إلى ذي الحليفة -وهي ميقات أهل المدينة- أحرموا بالعمرة، وساقوا الهدى سبعين بدنة، وبعث النبي - ﷺ - عينًا إلى مكة ليأتيه بأخبار قريش.
ولما وصل رسول الله - ﷺ - وأصحابه إلى "عسفان" جاء الخبر إلى رسول الله - ﷺ - أن قريشًا قد جمعوا المجموع، وخرجوا يريدون أن يقاتلوه، ويصدوه عن البيت الحرام.
فاستشار النبي - ﷺ - أصحابه في أن يَغِيرَ على ديار الذين ناصروا قريشًا، واجتمعوا معها ليدعوا قريشًا ويعودوا للدفاع عن ديارهم.
فقال - ﷺ -: "أشيروا أيها الناس عليّ، أترون أن أميل إلى عيالهم، وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله -﷿- قد قطع عينا من المشركين وإلا تركناهم محروبين؟ -والمحروب هو من سلب ماله- فقال أبو بكر - ﵁ -: يا رسول الله، خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه.
قال - ﷺ -: "امضوا على اسم الله" (١).
عباد الله! أخذ رسول اللهﷺ - والصحابة يسيرون إلى مكة؛ حتى إذا كانوا
ببعض الطريق قال النبي - ﷺ -: "إن خالد بن الوليد بالغميم -مكان قريب من
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٤١٧٨، ٤١٧٩).
[ ٤٤٩ ]
مكة- في خيل لقريش طليعة -أي في مقدمة الجيش- فخذوا ذات اليمين، فانحازوا ذات اليمين، فلم يشعر بهم خالد حتى رأى الغبار صاعدًا فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي - ﷺ - حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حلْ حلْ- وهي كلمة تقال للناقة إذا تركت السير- فألحت -أي تمادت على عدم القيام- فقالوا: خلأت القصواء -أي حرنت القصواء- فقال النبي - ﷺ -: ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل ثم قال - ﷺ -: "والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله -أي من ترك القتال في الحرم- إلا أعطيتهم إياها -أي أجبتهم إليها- ثم زجرها فوثبت -أي قامت الناقة-.
فَعَدَلَ النبيﷺ - عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على بئر قليل الماء، فما لبثوا أن نزحوه فشكوا إلى رسول الله - ﷺ - العطش، فانتزع سهمًا من كنانته؛ ثم أمرهم أن يجعلوه في البئر فما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه - وهذه من معجزاته (ﷺ) -.
العنصر الثالث: الأحداث التي وقعت عند الحديبية قبل الصلح.
عباد الله! أراد رسول الله - ﷺ - أن يبعث إلى قريش رجلًا من أصحابه يخبرهم أنهم جاءوا عمارًا، ولم يجيئوا لقتالٍ - ليعلم الجميع أن الإِسلام لا يطلب حربًا إلا إذا فرضت عليه، وإن الذين يشعلون الحرب هم أهل الكفر والشرك- فدعا عمر - ﵁ - فقال عمر: يا رسول الله ليس لي بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفان، فأرسله، فانطلق عثمان فمر على نفر من قريش فقالوا له: أين تريد؟
فقال: بعثني رسول اللهﷺ - أدعوكم إلى الله وإلى الإِسلام وأخبركم؛ أنا لم نأت لقتالٍ وإنما جئنا عمارًا.
[ ٤٥٠ ]
فقالوا: قد سمعنا ما تقول فأنفذ لحاجتك.
وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، فحمله بين يديه وأجاره حتى بلّغَ رسالة رسول الله - ﷺ -، وتأخر عثمان - ﵁ - في مكة حتى أشيع أنه قد قتل.
فدعا رسول الله - ﷺ - أصحابه إلى البيعة، فبايعوه تحت الشجرة بيعة الرضوان على أن لا يفروا، فأخذ رسول الله - ﷺ - بيد نفسه وقال: هذه يد عثمان، ثم جاء عثمان - ﵁ - بعد أن تمت البيعة.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾.
عباد الله! بينما رسول الله - ﷺ - والمسلمون على حالهم بالحديبية، إذ جاء بُديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة -وهم موضع سر رسول الله - ﷺ - وأهل النصح له- فأخبر رسول الله - ﷺ - أن قريشًا خرجت بكل ما تملك من قوة، ونزلت بالحديبية عند الماء الكثير، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال رسول الله - ﷺ -: إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب -أي أضعفت قوتهم وأموالهم- وأضرت بهم فإن شاءوا ماددتهم مدة -أي جعلت بيني وبينهم مدة يترك الحرب بيننا وبينهم فيها- وُيخلّو بيني وبين الناس -أي من الكفار العرب وغيرهم- فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد رحموا -أي فإن ظهر غيرُهم عليَّ كفاهم المؤنة، وإن أظهر أنا على غيرهم فإن شاءوا أطاعوني وإلا فلا تنقض مدة الصلح إلا وقد استراحوا وقووا-
ثم قال - ﷺ -: وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي -أي: حتى أموت- ولينفذن الله أمره -أي: وليمضين الله أمره في نصر دينه-.
[ ٤٥١ ]
فقال بُديل: سأبلغهم ما تقول، ثم انطلق حتى أتى قريشًا فقال: يا معشر قريش، إنا جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا.
فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء.
وقال ذووا الرأي منهم: هات ما سمعته.
قال سمعته يقول كذا وكذا- وعرض عليهم الخطة التي عرضها عليه النبيﷺ - فقال لهم عروة بن مسعود الثقفي: إن هذا الرجل قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته. فقالوا ائته. فأتاه فجعل يكلم النبي - ﷺ -، فقال له النبي - ﷺ - نحوًا من قوله لبُديل، فقال له عروة عند ذلك: يا محمَّد جئت لقتال قومك، فإن قتلتهم فهل رأيت أحدًا قبلك اجتاح قومه- أي أهلكهم -وإن كانت الأخرى- يعني إن هزمت أنت -فإني والله أرى حواليك أوباشًا خليقًا- أي: حقيقًا- أن يفروا عنك ويدعوك -أي يتركوك-.
فقال أبو بكر - ﵁ - لعروة: امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟
فقال عروة: مَنْ هذا؟ قالوا له: هذا أبو بكر.
فقال عروة: والله لولا يَدٌ لك عندي -أي نعمة- لم أجزك بها -أي: لم أكافئك بها- لأجبتك.
عباد الله! وأخذ عروة يكلم النبي - ﷺ -، ويأخذ بلحيته، وكان المغيرة بن شعبة - ﵁ - قائمًا عند رأس رسول الله - ﷺ - بالسيف وعلى رأسه المغفر، كلما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول الله - ﷺ - ضربها المغيرة بنعل السيف وقال له: نح يدك عن لحية رسول الله - ﷺ -.
[ ٤٥٢ ]
فقال عروة: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة.
قال عروة: أي غدر! أولست أسعى في غدرتك؟ - وكان المغيرة - ﵁ - في الجاهلية صحب رجالًا من قريش فقتلهم ثم أخذ أموالهم، ثم أتى النبي - ﷺ - فأسلم فقال النبي - ﷺ -: أما الإِسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء - لكونه أخذ غدرًا-.
عباد الله! واستمر عروة يحدث رسول الله - ﷺ - وينظر في أصحابه كيف يحترمونه، ويعزرونه ويوقرونه، فما تنخم - ﷺ - نخامة إلا وقعت في يد أحد منهم، فدلك بها وجهه وجلده، ولا توضأ وضوءًا إلا كادوا يقتتلون على وضوئه، كلهم يريد أن يمس منه، ولا تكلم بكلمة إلا بادروا بالعمل بها ولا يحدون إليه النظر تعظيمًا له.
فرجع عروة إلى قريش، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكًا يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمَّد محمدًا- وحدثهم بما رأى- ثم قال لهم: وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.
عباد الله! فقام رجل من بني كنانة فقال دعوني آته. فقالوا ائته- فأتاه فلما أشرت على رسول الله - ﷺ -، قال رسول اللهﷺ - لأصحابه: هذا رجل من بني كنانة قد أتاكم، وهو من قوم يعظمون البُدن فابعثوها له فبعثوها، واستقبله القوم يلبون- لبيك اللهم لبيك- فلما رأى البُدن وسمع التلبية قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصدوا عن البيت، ثم رجع إلى قريش فأخبرهم ما رأى قال لقريش: استقبلوني ملبين يسوقون الهدي، جاءوا معتمرين ولم يجيئوا لقتال، وما أرى أن يُصدوا عن البيت.
فقالوا له: اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك.
عباد الله! ثم أرسلت قريش مكرز بن حفص وأعقبته بسهيل بن عمرو
[ ٤٥٣ ]
فلما رآه النبيﷺ - قال: قد سهل لكم من أمركم.
العنصر الرابع: صلح الحديبية:
عباد الله! عندما أرسلت قريش سهيل بن عمرو إلى رسول الله - ﷺ - أرادت بذلك الصلح مع رسول الله - ﷺ -، ولكن بشرط أن يرجع المسلمون دون عمرة في هذا العام.
عباد الله! عندما جاء سهيل بن عمرو إلى رسول الله - ﷺ - قال: هات أكتب بيننا وبينكم كتابًا، فدعا النبي - ﷺ - الكاتب:
فقال النبي - ﷺ - للكاتب: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.
فقال سهيل: أما (الرحمن) فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: "باسمك اللهم" كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا "بسم الله الرحمن الرحيم".
فقال النبي - ﷺ -: اكتب "باسمك اللهم".
ثم قال - ﷺ -: "هذا ما قاضى عليه محمَّد رسول الله".
فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله، ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب "محمَّد بن عبد الله".
فقال النبي - ﷺ -: "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني"، اكتب "محمَّد بن عبد الله".
والرسول - ﷺ - يفعل ذلك لأنه قال: "والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها".
ثم قال - ﷺ - للكاتب: اكتب: على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به.
فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أُخذنا ضغطه، ولكن ذلك من
[ ٤٥٤ ]
العام المقبل، فكتب.
فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل -وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا.
قال المسلمون: سبحان الله، كيف يُرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟
فبينما هم كذلك! إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو، وكان قد أسلم فحبسوه وأوثقوه في الحديد، فهرب منهم وهو مقيد، حتى رمى بنفسه بين ظهرأني المسلمين، فلما رآه أبوه قال: يا محمَّد هذا أول ما أقاضيك عليه أن تردَّه إليّ.
فقال - ﷺ -؟ إنا لم نقض الكتاب بعد.
فقال سهيل: ردَّه عليَّ، وإلا والله لا أصالحك على شيء أبدًا.
فقالﷺ - له: فأجزه لي- قال سهيل: ما أنا بمجيزه لك.
قالﷺ -: بلى فافعل، قال سهيل: ما أنا بفاعل.
فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين بعد ما أسلمت وعذبت.
عباد الله! وغضب المسلمون لرد المسلمين الفارين من قريش إليها فقالوا: "يا رسول الله تكتب هذا؟ قال لهم: نعم. إنه مَنْ ذهب إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له مخرجًا وفرجًا" (١).
عباد الله! وظهر الغضب الشديد على عمر بن الخطاب - ﵁ - فراجع رسول الله - ﷺ - في ذلك فقال: "فأتيت نبي اللهﷺ -"، فقلت: ألست نبي الله
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ١٧٨٤).
[ ٤٥٥ ]
حقًا؟ قال: بلى.
قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى
قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟
قال: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري.
قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟
قال: بلى، فأخبرتك أنا ناتيه العام؟ قلت: لا
قال: فإنك آتيه ومطوف به.
قال عمر: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقًا؟
قال: بلى.
قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى.
قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟
فقال له: أبو بكر بمثل ما قال له رسول الله - ﷺ -.
وزاد: "يا عمر إلزم غرزه -أي: تمسك بأمره وترك مخالفته- حيث كان فإني أشهد أنه رسول الله قال عمر: وأنا أشهد" (١).
وقال عمر: "ما زلت أصوم وأتصدق وأعتق مِنَ الذي صنعتُ مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيرًا" (٢).
عباد الله! وكان عمر - ﵁ - يُراجع الرسول - ﷺ - ليقف على الحكمة من موافقته على شروط الصلح، وكان يرغب في إذلال المشركين فجميع ما
_________________
(١) "مسند أحمد" (٤/ ٣٢٥) بإسناد حسن.
(٢) "مسند أحمد" (٤/ ٣٢٥).
[ ٤٥٦ ]
صدر منه كان معذورًا فيه بل هو مأجور لأنه مجتهد فيه (١).
العنصر الخامس: الأحداث التي وقعت بعد الصلح:
عباد الله! لما فرغ رسول اللهﷺ - من الصلح قال لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا، فوالله ما قام منهم رجل واحد، قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة -﵂- فذكر لها ما لقي من الناس.
قالت أم سلمة: يا نبي الله! أتحب ذلك، اخرج ولا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك.
فخرج - ﷺ - فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنة وحلق، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا.
عباد الله! وقبل أن يرجع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة جاءه نسوة مهاجرات فماذا يفعل فيهن؟
فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠].
عباد الله! وبعد أن رجع النبيﷺ - إلى المدينة جاءه رجل من قريش يقال له أبو بصير وهو مسلم، فبعثت قريش في طلبه رجلين، فأتيا النبي - ﷺ -
_________________
(١) "فتح الباري" (٥/ ٣٤٦ - ٣٤٧).
[ ٤٥٧ ]
وسألاه أن يرده عليهم فرده عليهم.
فانطلقا به فنزلا بذي الحليفة، ومعهم أبو بصير، وأخرجا تمرًا كان معهما يأكلان منه، فبينما هم يأكلون أخرج أحدهما سيفه وأخذ يلوح به.
فقال له أبو بصير: أرى سيفك هذا سيفًا جيدًا!
فقال الرجل: نعم إنه كذلك، وإني قد جربته وجربته.
فقال أبو بصير: أرنيه أنظر فيه قال الرجل: نعم خذه.
فأخذه أبو بصير وضرب به الرجل حتى قتله، فلما رآه صاحبه يُضرب، فر مذعورًا هاربًا إلى المدينة، فدخل المسجد يعدو فلما رآه النبي - ﷺ - قال: إن هذا قد رأى ذعرًا.
فلما انتهى إلى النبي - ﷺ - قال: قتل والله صاحبي، وإني لمقتول.
فبينما هو عند رسول اللهﷺ - إذ جاء أبو بصير، فقال يا نبي الله! قد أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، فقال النبيﷺ -: "ويل أمه مسعر حرب، لو كان معه أحد" فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر -أي: ساحله- فعلم أبو جندل بن سهيل بن عمرو أن أبا بصير يقيم على سيف البحر، فاحتال حتى تَفَلَّتَ من قريش وأتى أبا بصير، فأقام معه على سيف البحر، وسمع رجال من المستضعفين من المسلمين من مكة أن أبا بصير وأبا جندل على سيف البحر، فخرجوا إليهم حتى كانوا عصبة، لا يسمعون بعِيْرٍ لقريش جاءت من الشام إلا خرجوا عليها، وقتلوا من فيها فأرسلت قريش إلى النبي - ﷺ - تناشده الله والرحم، لما أرسل إليهم فمن أتاه منهم فهو آمن، فأرسل النبي - ﷺ - إليهم فأنزل الله -﷿-: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ
[ ٤٥٨ ]
مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٤:٢٦].
وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينه وبين البيت.
العنصر السادس: الفوائد والدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من صلح الحديبية.
أولًا: كان صلح الحديبية فتحًا مبينًا على رسول الله - ﷺ - وعلى المسلمين، ففي عودة النبي - ﷺ - والصحابة من الحديبية نزل على رسول الله - ﷺ - الوحي بسورة الفتح.
يقول - ﷺ - لعمر بن الخطاب: "لقد أنزلت علي الليلة سورة لهيَ أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ (١).
يقول البراء - ﵁ - "تعدون أنتم الفتح؛ فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية" (٢).
عباد الله! وقد اشتملت هذه السورة العظيمة على المبشرات الكثيرة
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٤١٧٧).
(٢) رواه البخاري (رقم ٤١٥٠).
[ ٤٥٩ ]
الطيبة لرسول الله - ﷺ - وللصحابة الكرام - ﵃ - ومن هذه
المبشرات:
١. المغفرة من الله -﷿- لرسول اللهﷺ - ما تقدم وما تأخر من ذنبه.
قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ [الفتح: ١ - ٣].
٢. تبشير المؤمنين بالجنة.
قال تعالى ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)﴾ [الفتح: ٥]
٣. بشرهم بفتح خيبر.
قال تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ ..﴾ [الفتح: ٢٠].
قيل هذه غنائم خيبر.
٤. بشرهم الله -﷿- برضاه عنهم.
قال تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨].
٥. بشرهم بالنصر والتمكين في الأرض وظهور هذا الدين.
فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى
[ ٤٦٠ ]
الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح: ٢٨].
ثانيًا: في صلح الحديبية تطبيق النبي - ﷺ - لمبدأ الشورى في الإِسلام.
حيث استشار المسلمين في الإغارة على ذراري المشركين عندما قال لهم:
"أشيروا أيها الناس عليَّ" وأخذ برأي الصديق - ﵁ - واستشار أم سلمة -﵂- في أمر الناس؛ لما لم يبادروا بالنحر والحلق حين أمرهم بعد الصلح، وأخذ - ﷺ - برأيها.
ثالثًا: وقد ظهرت معجزات النبي - ﷺ - في صلح الحديبية عندما ازداد الماء بين يديه يقول جابر - ﵁ -: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله - ﷺ - بين يديه ركوة، فتوضأ منها ثم أقبل الناس نحوه فقال رسول اللهﷺ -: "ما لكم؟ " قالوا يا رسول الله ليس عندنا ما نتوضأ به ولا نشرب إلا ما في ركوتك، فوضع النبي - ﷺ - يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون.
قال جابر: فشربنا وتوضأنا.
قال رجل لجابر: كم كنتم يومئذ؟
قال جابر: لو كنا مائة ألفٍ لكفانا كنا خمس عشرة مائةً (١).
اللهم اجعل للمسلمين فرجًا ومخرجًا.
_________________
(١) رواه البخاري (١٥٢).
[ ٤٦١ ]