عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء الثاني والثلاثين من سيرة النبي - ﷺ -.
وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة بدرٍ الكبرى وهي الغزوة العظيمة التي فرق الله فيها بين الحق والباطل.
وأعزَّ الإِسلام وأهله وأذلَّ الكفر وأهله.
عباد الله! وحديثنا عن غزوة بدرٍ سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: بين يدي الغزوة.
العنصر الثاني: يوم الفرقان يوم التقى الجمعان.
العنصر الثالث: نتائج الغزوة.
العنصر الأول: بين يدي الغزوة.
وصلت الأنباء إلى المدينة أن قافلة ضخمةً لقريش عائدةٌ من الشام إلى مكة تحمل لأهلها الثروة الطائلة، يقودُها أبو سفيان بنُ حربٍ مع رجالٍ لا يزيدون عن الثلاثين أو الأربعين.
ولذلك قال النبي - ﷺ - لأصحابه: "هذه عيرُ قريش، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعلّ الله ينفلكموها" (١)
وأراد الرسول - ﷺ - بذلك أن يضرب قريشًا ضربة اقتصادية تقصم
_________________
(١) قال الشيخ الألباني: حديث حسن، انظر "فقه السيرة" (ص ٢١٨).
[ ٣١٦ ]
ظهورهم؛ لأنهم بهذه الأموال يستعينون بها على محاربة الإِسلام والمسلمين.
وأراد النبي - ﷺ - بذلك أن يعوض أصحابه ما تركوا من أموال وديار في مكة أرغموهم عليها كفار قريش.
ولم يعزم الرسولﷺ - على أحدٍ بالخروج، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة، ثم سار بمن أمكنه الخروج.
وخرج المسلمون إلى بدر وهم ثلاث مائةٍ وتسعة عشر رجلًا، منهم مئة من المهاجرين وبقيتهم من الأنصار، ولم يكن معهم من الخيل إلا فرسان: فرسٌ للمقداد بن الأسود، وفرسٌ للزبير بن العوام - ﵄ -.
وكان معهم سبعون بعيرًا يتعقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، حتى رسول الله - ﷺ - كان له زميلان يتعاقبان بعيرًا.
عن ابن مسعود - ﵁ - قال: كنا يوم بدرٍ كل ثلاثةٍ على بعير، وكان أبو لبابة وعليٌ بن أبي طالبٍ زميلي رسول اللهﷺ -.
قال: وكانت عقبةُ النبي - ﷺ - (جاء دورة ليمشي).
فقال أبو لبابة وعليُّ بن أبي طالب: يا رسول الله نحن نمشي عنك - ليظل راكبًا-.
فقال - ﷺ -: "ما أنتما بأقوى على المشي مني ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما" (١).
عباد الله! قد بلغ أبا سفيان خروج المسلمين لأخذ القافلة، فسلك بها في
_________________
(١) قال الشيخ الألباني: إسناده حسن، انظر "فقه السيرة" (ص ٢١٩).
[ ٣١٧ ]
طريق الساحل، وأرسل ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة يستصرخ أهلها حتى يسارعوا إلى استنقاذ أموالهم.
واستطاع (ضمضم) هذا إزعاج البلدةِ قاطبةً، فقد وقف على بعيره بعد أن جدع أنفهُ، وحول رحلهُ، وشق قميصه، يصيحُ: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة! أموالكم مع أبي سفيان عرض لها محمدٌ وأصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث، الغوث!
عباد الله! فقام أشراف مكة، يحثون أهل مكة على أن ينفروا سراعًا؛ ليُخلِّصوا تجارتهم، من محمَّد وأصحابه، فخرجوا في نحو الألف، معهم مائة فارسٍ ومعهم- المغنيات يضربن بالدف، ويغنين بهجاء المسلمين.
وخرجوا من ديارهم كما أخبرنا الله تعالي: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧] وأقبلوا في تحملٍ وحنقٍ عظيم على رسول الله - ﷺ - وأصحابه؛ لما يريدون من أخذ عيرهم.
عباد الله! ولما رأى أبو سفيان أنه قد نجا وأحرز العير، كتب إلى قريش أن ارجعوا فإنكم إنما خرجتم لتُحرِزوا عيركمُ وقد سلَّمها الله، فوصلهم الخبرُ وهم بالجحفةَ. فهمُّوا بالرجوع؛ إلا أن أبا جهل أصرَّ على الخروج والوصول إلى بدر، قائلًا: والله لا نرجع حتى نأتي بدرًا فنقيم عليها ثلاثًا، ننحرُ الجُزر، ونطعم الطعام، ونُسقى الخمر، وتعزف علينا القيان، حتى تسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا؛ فلا يزالون يهابوننا بعد ذلك اليوم أبدًا، ومضت قريش في مسيرها مستجيبة لرأي أبي جهل حتى نزلت بالعدوة القصوى من وادي بدرٍ، وكان المسلمون قد انتهوا من رحيلهم المضني إلى العدوة الدنيا.
[ ٣١٨ ]
وهكذا اقترب كلا الفريقين من الآخر، وهو لا يدري ما وراء هذا اللقاء الرهيب.
عباد الله! ولما وصل الخبرُ رسولَ الله - ﷺ - أن كفار قريش قد خرجوا لملاقاتهم، وأن العيرَ قد نجت، وهي على مشارف مكة استشار أصحابه في لقاء العدو،
فقال بعضهم: ما خرجنا إلا للعير، وما أردنا النفير، ولم نستعد له، وقد أخبرنا الله -﷿- في كتابه عن هؤلاء، فقال تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧)﴾ [الأنفال: ٥ - ٧].
عباد الله! وكان الأنصار قد بايعوا الرسول - ﷺ - في بيعة العقبة الثانية على أن يحموه في بلدهم (المدينة)، ولم يبايعوه على القتال معه خارج المدينة، لذلك اقتصرت السرايا التي سبقت بدرٍ على المهاجرين، ونظرًا لوجود الأنصار مع المهاجرين ببدرٍ، وتفوقهم العددي الكبير فقد أراد الرسول - ﷺ - معرفة رأيهم من الموقف الجديد.
فاستشار - ﷺ - أصحابه عامةً وقصد الأنصار خاصة.
وقد روى ابن إسحاق خبر المشورة بسند صحيح قال:
"فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امضي لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما
[ ٣١٩ ]
قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى بَرْكِ الغماد (١) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.
فقال له رسول اللهﷺ - خيرًا ودعا له.
ثم قال رسول الله - ﷺ - أشيروا عليَّ أيها الناس؟ وإنما يريد الأنصار .. فلما قال ذلك رسول الله - ﷺ - قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل.
قال سعد: فقد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجلٌ واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبرٌ في الحرب، صُدقٌ عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقرُ به عينك، فسر على بركة الله. فسُر رسول اللهﷺ - بقول سعد ونشّطه ثم قال - ﷺ -: "سيروا وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم" (٢).
عباد الله! فلما رأى النبي - ﷺ - طاعة الصحابة وشجاعتهم، واجتماعهم على القتال، وحبهم للتضحية، بدأ بتنظيم جندهُ ثم أرسل عيونه - الجواسيس- يأتونه بأخبار القوم، فعرف النبي - ﷺ - أين القوم، وعددهم، ومن فيهم من أشراف قريش.
_________________
(١) وهو مكان يضرب فيه المثل في البعد.
(٢) انظر "السيرة النبوية الصحيحة"، أكرم ضياء العمري (١/ ٣٥٨ - ٣٥٩).
[ ٣٢٠ ]
وقال النبي - ﷺ - لأصحابه: "هذه قريش قد ألقت إليكم بأفلاذ كبدها"؟ ونزل جيش الإِسلام بالعدوة الدنيا، ونزل جيش الكفر بالعدوة القصوى، ولا يعرف كل منهم ما وراء هذا اللقاء الرهيب.
عباد الله! العنصر الثاني: يوم الفرقان يوم التقى الجمعان.
هذا اليوم الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل، وأعز الله فيه الإِسلام وأهله، وأذل فيه الكفر وأهله، يقول الله -﷿-: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾ [الأنفال: ٤١ - ٤٤].
عباد الله! وبات الجيش المسلم ليلة الجمعة، ليلة السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة ببدرٍ يرتقب هجوم العدو الكافر في أي ساعةٍ، فطار النوم من عيون المسلمين، وخافت قلوبهم، فأرسل الله عليهم النعاس، فناموا تلك الليلة حتى احتلم بعضهم، فلما أصبحوا ولا ماء أنزل الله عليهم من السماء ماءً فكان على المشركين وبالًا شديدًاَ منعهم من المتقدم، وكان على المسلمين طلًا طهرهم به وأذهب عنهم رجز الشيطان، ووطأ به الأرض، وصلَّب به الرمل، وثبت به الأقدام، ومهد به المنزل، وربط به على
[ ٣٢١ ]
قلوبهم قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾ [الأنفال: ١١].
عباد الله! ووصف عليٌّ - ﵁ - كيف بات المسلمون ليلة السابع عشر من رمضان ببدرٍ وأمامهم معسكر المشركين؟
قال: "لقد رأيتُنا يوم بدرٍ وما منا إلا نائم، إلا رسول الله - ﷺ -، فإنه كان يصلى إلى شجرة ويدعو حتى أصبح .. " (١).
عباد الله! وفي الصباح صف النبي - ﷺ - جنوده للقتال كما يحب الله ﷿.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [الصف: ٤].
وقال - ﷺ - لأصحابه: "لا يقدمنَّ أحدٌ منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه" وكان رسول الله - ﷺ - يباشر القتال بنفسه.
قال عليٌّ - ﵁ -: لقد رأيتُني يوم بدرٍ ونحن نلوذُ برسول الله - ﷺ -، وهو- أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا" (٢).
فئة مؤمنة تقاتل من أجل لا إله إلا الله، وفئة كافرة جاءت لتقضي على الذين يقولون لا إله إلا الله.
_________________
(١) رواه أحمد في "المسند".
(٢) رواه أحمد في "المسند" (٢/ ٢٢٨).
[ ٣٢٢ ]
عباد الله! بدأ القتال بمبارزاتٍ فردية، فقد تقدم عتبة بن ربيعة وتبعه ابنهُ الوليد وأخوه شيبة طالبين المبارزة، فانتُدب لهم شباب من الأنصار فرفضوا مبارزتهم، طالبين مبارزة بني قومهم، فأمر الرسول - ﷺ - حمزة وعليًا وعبيدة بن الحارث بمبارزتهم.
وقد تمكن حمزة من قتل عتبة، ثم قتل عليٌ شيبة، وأما عبيدة فقد تصدى للوليد وجرح كل منهما صاحبه فعاونه عليٌ وحمزة فقتلوا الوليد واحتملا عبيدة إلى معسكر المسلمين" (١).
عباد الله! وقد أثرت نتيجة المبارزة في معسكر قريش وبدأوا بالهجوم، فأمر النبي - ﷺ - أصحابه بنضح المشركين بالنبل إذا اقتربوا منهم، حرصًا على الإفادة من النبال بأقصى ما يُستطاع.
فقال - ﷺ - "إذا أكثبوكم -يعني دنوا منكم- فارموهم واستبقوا نبلكمُ" (٢).
ورمى النبي - ﷺ - الحصى في وجوه المشركين وقال: "شاهت الوجوه".
قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر أُمر رسول اللهﷺ -، فأخذ كفًا من الحصى فاستقبلنا به فرمى بها وقال: "شاهت الوجوه".
فأنزل الله -﷿-: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٣).
عباد الله! وقال النبي - ﷺ - لأصحابه: "قوموا إلى جنةٍ عرضها السماوات
_________________
(١) صحيح أبي داود (٢٣٢١).
(٢) رواه البخاري (رقم ٢٩٠٠).
(٣) قال الشيخ الألباني: حديث حسن، "فقه السيرة" (ص ٢٢٨).
[ ٣٢٣ ]
والأرض"، فقال عُمير بن الحُمام: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟
قال: "نعم". فقال: بخ بخ.
فقال رسول الله - ﷺ -: "ما حملك على قولك بخ بخ"؟
قال: رجاءَ أن أكون من أهلها، فقال: "فأنت من أهلها".
فأخرج عميرٌ تمرات ليأكلها فجعل يأكلها، ثم قال: لئن أنا حييتُ حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة، ثم رمى بالتمرات، وأقبل على القوم فدخل في صفوفهم فقاتلهم - ﵁ - حتى قُتل" (١).
عباد الله! حميَ الوطيس، واستدارت رحى الحرب، واشتد القتال، وأخذ رسول الله - ﷺ - في الدعاء والابتهال، ومناشدة ربه -﷿- حتى سقط رداؤه عن منكبيه.
وها هو عمر - ﵁ - يخبرنا الخبر فيقول: "لما كان يوم بدر نظر رسول الله - ﷺ - إلى المشركين وهم ألفٌ، وأصحابه ثلاثمائةٍ وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله - ﷺ - القبلة، ثم مدّ يديه فجعل يهتف بربه -أي يصيحُ ويستغيث بالله بالدعاء- "اللهم أنجز لي ما وعدتني: اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تُهلك هذه العصابةُ -أي الجماعة من أهل الإِسلام- لا تُعبد في الأرض" فما زال يهتف بربه، مادّا يديه، مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءهُ فألقاه على منكبيه، ثم التزمهُ ورائه وقال: يا نبي الله! كذلك -أي كفاك- مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك.
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ١٩٠١).
[ ٣٢٤ ]
فأنزل الله -﷿-: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩ - ٩] فأمده الله بالملائكة (١).
وقد خرج - ﷺ - من العريش الذي بُني له وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ [القمر: ٤٥] (٢).
عباد الله! وتقدم المسلمون يقتلون المشركين، والملائكة تقاتل معهم حتى قال ابن عباس: بينما رجلٌ من المسلمين يشتدُّ في أثر رجل من المشركين إذ سمع ضربة بالسوط، وصوت فارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه خرَّ مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خُطم أنفه، وشق وجهه كضربة السوط، فجاء ذلك المسلم وأخبر النبي - ﷺ - فقال: "ذلك من مدد السماء الثالثة" (٣).
قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠]، وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: ١٢]
وخرج رسول الله - ﷺ - من عريشه وهو يقول: "يا أبا بكر، أبشر أتاك نصر
الله، هذا جبريل آخذٌ بعنان فرسه عليه آلة الحرب" (٤).
_________________
(١) "شرح النووى على صحيح مسلم" (١٢/ ٨٤ - ٨٥).
(٢) رواه البخاري (رقم ٤٨٧٥).
(٣) رواه مسلم (١٧٦٣/ ١٣٨٣/ ٣).
(٤) أخرجه ابن إسحاق كما في "الفتح" (٧/ ٣١٣).
[ ٣٢٥ ]
ولما جيء بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا جاء به رجل من الأنصار
قصير يقول:
يا رسول الله أسرتُ هذا، فقال العباس: يا رسول الله! والله ما أسرني هذا ولكن أسرني رجل أبلج، على فرس أبلق وجهه كأحسن وجوه الناس، لا أراه في القوم فقال الأنصاريُ: أنا يا رسول الله أسرتُه.
فقال - ﷺ -: "اسكت لقد أعانك الله عليه بملك كريم" (١).
عباد الله! ورجع كفار مكة يجرون أذيال الخيبة والهزيمة، قُتِلَ منهم سبعون وأُسِرَ منهم سبعون.
قال تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧)﴾ [آل عمران: ١٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ [الأنفال: ٧ - ٨].
عباد الله! العنصر الثالث نتائج الغزوة.
انتهت غزوة بدرٍ بنصر الإِسلام والمسلمين، وهزيمة الشرك والمشركين، وكان من نتائج الغزوة.
أولًا: نصر عظيم من الله للمؤمنين.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ
_________________
(١) رواه أحمد (١/ ١٧) وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
[ ٣٢٦ ]
بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٦]
ثانيًا: هلاك أئمة الكفر:
فقد قتل المسلمون سبعين رجلًا من بينهم أئمة الكفر.
هلاك أبي جهل لعنه الله:
عن عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - قال: لقد رأيتني يوم بدر في الصف بين غلامين حديثة أسنانهما، فتمنيتُ أن أكون بين أكبر منهما، قال: فغمزني الذي عن يميني وقال: يا عماه أين أبو جهل؟ فقلت: يا ابن أخي ومالك ولأبي جهل قال: يا عماه لقد أخبرت أنه كان يسب رسول الله! لئن لقيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا.
قال: ثم غمزني الذي عن يساري وأسرّ إليّ بمثلها، فلم أنشبْ أن رأيت أبا جهل يجول في الناس.
فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه وكان الغلامان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء" (١).
والظاهر أنهما تركاه مثخنًا في جراحه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة
ولذلك روى أبو داود في "سننه": أن عبد الله بن مسعود - ﵁ - مرَّ بأبي جهل صريعًا فوقف على رأسه وقال: أخزاك الله يا عدو الله، ثم جعل يجهز عليه بسيفه، قال: فلم تغن عني شيئًا فما زلت أضربه حتى سقط سيفه من يديه فضربته به حتى برد (٢).
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣١٤١)، ومسلم (رقم ١٧٥٢).
(٢) "صحيح أبي داود" (٣٣٥٧).
[ ٣٢٧ ]
هلاك عقبة بن أبي مُعيط أشقى القوم لعنه الله:
أما عقبةُ بن أبي معيط، فقد أمر النبي - ﷺ - بضرب عنقه وكان من الأسرى، وفيه جواز قتل الأسير الكافر؛ لأنه كان من أشقى القوم، وممن يطلق عليهم بمصطلح العصر (مجرم حرب) وسيق الأشقياء الثلاثة إلى النار وبئس القرار، وكم لاقى المسلمون بمكة من إيذائهم واستهزائهم، وليبشر أئمة الكفر في كل زمان بهذه النهاية المشؤومة، إن لم يتوبوا إلى ربهم ويثوبوا إلى رشدهم، فإن الله -﷿- يمهل ولا يُهمل "إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلتهُ" (١).
﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]
هلاك أمية بن خلف عدوالله:
الذي كان يعذب المسلمين في مكة، ومنهم بلال - ﵁ -، فقد أسره عبد الرحمن بن عوف بعد المعركة، وأسر معه عليًا ابنه فلمحه بلال، وكان هو الذي يعذبه بمكة، فقال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، واستصرخ عليه الأنصار، فأعانوه على قتله هو وابنه علي (٢).
عباد الله! وأمر رسول الله - ﷺ - بسحب قتلى المشركين إلى آبار ببدر فألقوا فيها، فلما كان ببدر اليوم الثالث وقف على أربعة وعشرين رجلًا منهم من صناديد قريش في إحدى الآبار فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم:
يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟
_________________
(١) رواه أبو داود (٢٦٦٩).
(٢) "فتح الباري" (٤/ ٤٨٠).
[ ٣٢٨ ]
فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟
فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟
فقال رسول الله - ﷺ -: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم"
قال قتادة: "أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا ونقمة وحسرة" (١).
ثالثًا: ومن نتائج غزوة بدرٍ الكبرى: الأسرى.
فقد أسر المسلمون سبعين رجلًا من صناديد قريش.
وقد استشار الرسول الله - ﷺ - أبا بكر وعمر فيما يصنع بالأسرى؟
فأشار أبو بكر بأخذ الفدية منهم، وعلل ذلك بقوله "فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام".
وأشار عمر بن الخطاب بقتلهم وعلل ذلك بقوله "فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها"، ولم يكن قد نزل من أمرهم وحيٌ.
ومال النبي - ﷺ - إلى رأي أبي بكر بقبول الفدية، فنزلت الآية الكريمة في موافقة رأي عمر - ﵁ -: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨] (٢).
رابعًا: الغنائم
وقد غنم المسلمون في بدر من الكفار غنائم كثيرة جدًا، ووقع خلاف
_________________
(١) "فتح الباري" (٧/ ٣٠٠).
(٢) انظر "شرح النووى على مسلم" (١٢/ ٨٦ - ٨٧).
[ ٣٢٩ ]
حول الغنائم إذ لم يكن حكمها قد شرع بعد، فنزل القرآن بتقسيمها كما نزل بمشروعيتها، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ [الأنفال: ١].
وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ [الأنفال: ٤١]، وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾ [الأنفال: ٦٩].
خامسًا: الشهداء
واستُشهد من المسلمين في بدرٍ أربعة عشر رجلًا اتخذهم الله شهداء فضلًا منه ونعمة، سبحانه وهو القائل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩].
وجاءت أم حارثة وقد قتل ولدها ضمن الأربعة عشر شهيدًا، فقالت: يا رسول الله، أنبئني عن حارثة، فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك بكيت عليه بكاءً لم يُبكَ على غيره.
فقال - ﷺ -: "أهبلت يا فلانة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك قد حاز الفردوس الأعلى منها" (١).
اللهم انصر الإِسلام وأعز المسلمين.
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٥٨٠٩).
[ ٣٣٠ ]