عباد الله! وموعدُنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء الحادي والخمسين من سيرة حِبيبِ ربِّ العالمين محمدٍ - ﷺ - النبي الأمين، وهذا هو اللقاءُ الأخير، وحديثنُا في هذا اللقاءِ سيكونُ عن وفاة رسول الله - ﷺ -.
عباد الله! رسولُ الله - ﷺ - الذي قال الله فيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾.
والذي أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور.
والذي ختم اللهُ به الأنبياءَ والمرسلين، فلا نبي بعده ولا رسول بعده.
والذي قال الله له ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ أو قال الله له: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ فنشهد أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهدَ في سبيل دينه حتى أتاهُ اليقين، وترك أمته على المحجةِ البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك أو ضالُ.
عباد الله! رسولُ الله - ﷺ - الذي قال الله له: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠]
والذي قال الله له: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٤ - ٣٥].
[ ٥٦٢ ]
وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾.
رسول الله - ﷺ - الذي قال له جبريل ﵇: "يا محمَّد عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه" (١).
عباد الله! بعد أن فتح رسولُ الله - ﷺ - مكة وأرسل إلى ملوك ورؤساء الدول الكبرى يدعوهم إلى الإِسلام، وبدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجًا؛ أخذ رسول الله - ﷺ - يشير إلى اقتراب أجله، وُيعرضُ بقرب أجله.
فقبل حجة الوداع، خرج رسول الله - ﷺ - مع معاذ بن جبل - ﵁ - يودعه ويوصيه عندما بعثه إلا اليمن، ومعاذ راكب ورسول الله - ﷺ - يمشي تحت راحلته، فلما فرغ - ﷺ - قال: "يا معاذ، إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري".
فبكى معاذ جشعًا لفراق رسول الله - ﷺ -، ثم التفت - ﷺ - فأقبل بوجهه نحو المدينة، فقال: "إن أولى الناس بي المتقون؛ من كانوا وحيث كانوا" (٢).
ووقع ما أشار إليه رسول الله - ﷺ -، فإن معاذًا أقام باليمن حتى كانت حجة الوداع، ثم كانت وفاة النبي - ﷺ - حجة الوداع، ومعاذ باليمن.
وكان - ﷺ - يعتكف كل سنة عشرًا في شهر رمضان، فاعتكف في السنة الأخيرة عشرين ليلة، وكان جبريل يعارضه القرآن مرة في شهر رمضان،
_________________
(١) "الصحيحة" (رقم ٨٣١)
(٢) قال الشيخ الألباني: صحيح رواه أحمد (٥/ ٢٣٥).
[ ٥٦٣ ]
فعارضه في السنة الأخيرة مرتين.
قال أبو هريرة - ﵁ -: كان النبي - ﷺ - يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا (١).
أخبر النبي - ﷺ - فاطمة -﵂-: "أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة، وإنه قد عارضني به العام مرتين، ولا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري" (٢).
عباد الله! وفي حجة الوداع، ودع النبي - ﷺ - أمته وأصحابه.
في يوم النحر، وعند جمرة العقبة قال - ﷺ -: "لتأخذوا مناسككم -أي: خذوا عني مناسككم- فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه" (٣).
وعلى عرفة نزل على رسول الله - ﷺ -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
فلما تلاها - ﷺ - على أصحابه بكى عمرُ - ﵁ - فقيل له: ما يبكيك؟ فقال - ﵁ - إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان (٤).
وفي ثاني أيام التشريق نزل على رسول الله - ﷺ -: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [سورة النصر]
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٠٣٣)، ومسلم (رقم ١١٧٣).
(٢) رواه البخاري (رقم ٦٢٨٥)، ومسلم (رقم ٢٤٥٠).
(٣) رواه مسلم (رقم ١٢٩٧).
(٤) "تفسير الطبري" (٦/ ٨٠)، "البداية والنهاية" (٥/ ٧٩).
[ ٥٦٤ ]
فلما سأل عمر - ﵁ - ابن عباس - ﵄- عن هذه السورة.
قال ابن عباس: هو أجل رسول الله - ﷺ - أعلم له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ وذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾.
فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول (١).
عباد الله! ودعا النبيﷺ - فاطمة -﵂- فسارها بشيء فبكت، ثم دعاها فسارها بشيء فضحكت. فلما سألتها عائشة -﵂- قالت: سارّني في الأول فقال لي: "إن جبريل كان يُعارضُني بالقرآن كل سنة مرةً، وقد عارضني في هذا العام مرتين، ولا أرى ذلك إلا اقتراب أجلي، فاتقي الله واصبري، فنعم السلف أنا لك" فبكيت.
ثم سارني فقال: "يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة؟ " فضحكت (٢).
عباد الله! وخرج - ﷺ - يومًا إلى أحد فصلى على الشهداء كالمودع للأحياء والأموات، ثم انصرف إلى المنبر فقال: "إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض.
وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٤٩٧٠).
(٢) متفق عليه، مضى قريبًا.
[ ٥٦٥ ]
تنافسوا فيها" (١).
عباد الله! هكذا أخذ رسول الله - ﷺ - يشير ويعرض باقتراب أجله، والناس يشعرون أن رسول الله - ﷺ - يودعهم.
عباد الله! وعاد النبي - ﷺ - من حجة الوداع إلى المدينة، وهناك في المدينة بدأ النبي - ﷺ - يشتكي من صداع شديد في رأسه.
تقول عائشة -﵂- رجع النبي - ﷺ - ذات يوم من جنازة من البقيع فوجدني، وأنا أجد صداعا وأنا أقول، وارأساه، فقال: "بل أنا يا عائشة وارأساه".
ثم قالﷺ - لها: "وما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك، وصليت عليك ودفنتك".
فقالت -﵂- له: كأني بك والله لو فعلت ذلك، لرجعت إلى بيتي فعرست فيه ببعض نسائك.
تقول -﵂-: "فتبسم رسول الله - ﷺ - ثم بدئ في وجعه الذي مات فيه" (٢).
عباد الله! "اشتد الوجع برسول اللهﷺ -، فطلب من زوجاته أن يمرض في بيت عائشة أم المؤمنين فأذنَّ له، فخرج بين رجلين من أهل بيته حتى دخل بيت عائشة" (٣).
وكان - ﷺ - يقول: "يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر،
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ١٣٤٤).
(٢) صحيح ابن ماجة (١١٩٧).
(٣) رواه البخاري (رقم ٢٥٨٨).
[ ٥٦٦ ]
فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري" (١) -من ذلك السم-.
وكان - ﷺ - يخرج إلى المسجد يصلي بالناس، فلما اشتد به الوجع قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس".
فقالت عائشة: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس. فقال - ﷺ -: "مروا أبا بكر فليصل بالناس".
تقول عائشة: فقلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس. ففعلت حفصة.
فقال - ﷺ -: "مه! إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس".
فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا (٢).
وعاودت عائشة رسول الله - ﷺ - لئلا يتشاءم الناس بأبيها (٣).
عباد الله! أبو بكر - ﵁ - يصلي بالناس، وفي يوم وجد النبي - ﷺ - في نفسه خفة فخوج يهادي بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي - ﷺ - أن مكانك، ثم أُتي به حتى جلس إلى جنبه، فكان - ﷺ - يصلي، وأبو بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر (٤).
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٤٤٢٨).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٧٩)، ومسلم (رقم ٤١٨).
(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٤٤٥)، ومسلم (رقم ٤١٨).
(٤) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٩٨)، ومسلم (رقم ٦٦٤).
[ ٥٦٧ ]
عباد الله! فلما كان يوم الخميس قبل خمسة أيام من وفاته - ﷺ -؛ اشتد الوجع برسول الله - ﷺ - فقال للمسلمين حوله: "ائتوني أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده" فتنازعوا، وما ينبغي عند نبي تنازع .. فقال لهم "دعوني فالذي أنا فيه خير" (١).
ثم أراد النبي - ﷺ - أن يخرج للخطبة. فقال لأهله: "أهريقوا علي من سبع قرب لم تُحَلُ أوكيتها، لعلي أعهد إلى الناس".
تقول عائشة -﵂- "فأجلسناه في مخصب لحفصة، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب، حتى طفق يشير إلينا بيده" أن قد فعلتن، تقول -﵂- ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم (٢).
يقول أبو سعيد الخدري - ﵁ - "خطب رسول الله - ﷺ - الناس فقال: "إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله".
قال أبو سعيد: "فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله - ﷺ - عن عبد خير، فكان رسول الله - ﷺ - هو المُخَيرُ، وكان أبو بكر أعلمنا".
فقال - ﷺ -: "إن أمنَّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإِسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر" (٣).
عباد الله! اشتد الوجع برسول الله - ﷺ -، فأخذ يوصي أمته وأصحابه في
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٤٣٢)، ومسلم (رقم ١٦٣٧).
(٢) رواه البخاري (رقم ١٩٨).
(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٦٦)، ومسلم (رقم ٢٣٨٢).
[ ٥٦٨ ]
الأيام الأخيرة من عمره بما يلي:
أولًا: أوصى أمته بإخراج المشركين في جزيرة العرب، فقال - ﷺ - قبل موته بخمس: "أوصيكم بثلاث ثم ذكر منها: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" (١).
ثانيًا: وأوصى أن تغلق الأبواب المفتوحة على المسجد إلا باب أبي بكر فقالﷺ -: "لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر" وهذه من الإشارات لاستخلافه - ﵁ - (٢).
ثالثًا: وأوصى - ﷺ - بالأنصار خيرًا.
يقول أنس - ﵁ -: "مر أبو بكر والعباس -﵄- بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقال: ما يُبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي - ﷺ - فينا فدخل على النبي - ﷺ - فأخبره بذلك. قال: فخرج النبي - ﷺ - وقد عصب على رأسه حاشية برد، فصعد المنبر- ولم يصعده بعد ذلك اليوم- فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي -أي: موضع سري وأمانتي-، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم" (٣).
رابعًا: وأوصى - ﷺ - بتعظيم الرب -﷿- في الركوع، والاجتهاد في الدعاء في السجود يقول: ابن عباس -﵄-: كشف رسول الله - ﷺ - الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: "أيها الناس، إنه لم يبق
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٣١٦٨).
(٢) مضى قريبًا.
(٣) رواه البخاري (رقم ٣٧٩٩).
[ ٥٦٩ ]
من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، ألا وأني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن -أي: حقيق وجدير- أن يستجاب لكم" (١).
خامسًا: أوصى - ﷺ - أمته بالصلاة
يقول علي - ﵁ -: كان آخر كلام رسول الله - ﷺ - "الصلاة، الصلاة، واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم" (٢).
سادسًا: ووصى - ﷺ - أمته أن تحسن الظن بالله.
يقول جابر - ﵁ -: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول قبل موته بثلاث: "لا يموت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله -﷿-" (٣).
سابعًا: نهى - ﷺ - أمته عن بناء المساجد على القبور، تقول عائشة وابن عباس - ﵃ -: إن رسول اللهﷺ - لما حضرته الوفاة جعل يلقى على وجهه طرف خميصة، فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو يقول: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
تقول عائشة: "يُحَذّرُ مثل الذي صنعوا" (٤).
عباد الله! اشتد الوجع برسول الله - ﷺ -، وانقطع عن أصحابه بقية يوم
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ٤٧٩).
(٢) انظر "إرواء الغليل" (رقم ٢١٧٨).
(٣) رواه مسلم (رقم ٢٨٧٧).
(٤) رواه البخاري (رقم ٤٤٤١).
[ ٥٧٠ ]
الخميس، والجمعة والسبت والأحد، وبينما هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين، وأبو بكر يصلي بالناس، لم يفجأهم إلا ورسول الله - ﷺ - قد كشف ستر حجرة عائشة؛ فنظر إليهم وهم صفوف في الصلاة ثم ابتسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله - ﷺ - يريد أن يخرج إلى الصلاة.
يقول أنس - ﵁ -: وهم المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم فرحًا برسول الله - ﷺ -، فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخلﷺ - الحجرة وأرخى الستر، ثم مات - ﷺ - ضحى ذلك اليوم الاثنين (١).
عباد الله! وفي يوم الاثنين اشتد المرض برسول الله - ﷺ -
تقول عائشة -﵂-: لا أكره شدة الموت لأحد أبدًا بعد ما رأيت النبي - ﷺ - (٢).
ويقول ابن مسعود - ﵁ -: "دخلت على رسول اللهﷺ - وهو يوعك، فقلت: يا رسول الله، إنك توعك وعكًا شديدًا".
قالﷺ -: أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم.
قلت: ذلك أن لك أجرين؟
قال - ﷺ -: أجل، ذلك كذلك.
ثم قال - ﷺ -: "ما من مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقها، إلا كفر الله بها
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٨٠)، ومسلم (رقم ٤١٩).
(٢) رواه البخاري (رقم ٤٤٤٥).
[ ٥٧١ ]
سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها" (١).
وتقول عائشة -﵂- "لما نزل برسول الله - ﷺأي: وجع الموت- طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه، ويقول: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" تقول عائشة - ﵂-: لولا ذلك لأبرز قبره، خشي أن يتخذ مسجدًا (٢).
ويقول أنس - ﵁ - لما ثقل النبي - ﷺ - جعل يتغشاه الكرب فقالت فاطمة﵂- "واكرب ابتاه! قال - ﷺ -: "ليست على أبيك كرب بعد اليوم" (٣).
وتقول عائشة -﵂- "إن من نعم الله علي، أن رسول الله - ﷺ - توفي في بيتي ويومي، وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقى وريقه عند موته.
تقول -﵂-: دخل علي عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده سواك - وأنا مسندة رسول الله (ﷺ) - فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم.
فتناوله فاشتد عليه، فقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم. فلينته فأمرّه -أي استاك به- تقول -﵂- "وبين يديه ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات"، ثم نصب يده فجعل يقول: "في الرفيق الأعلى"، حتى قبض
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٥٦٤٧)، ومسلم (رقم ٢٥٧١).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٣٣٠)، ومسلم (رقم ٥٢٩).
(٣) رواه البخاري (رقم ٤٤٦٢).
[ ٥٧٢ ]
فمالت يده (١).
يقول أنس - ﵁ -، لما مات رسول الله - ﷺ -، قالت فاطمة -﵂-:
يا أبتاه! أجاب ربًا دعاه.
يا أبتاه! جنة الفردوس مأواه.
يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه" (٢).
عباد الله! لما مات رسول الله - ﷺ - وضعت عائشة -﵂- رأسه على وسادة، وسجته -أي: غطته- ببردة.
عباد الله! عائشة تبكي، وفاطمة تبكي، والكل يبكي على فراق رسول الله - ﷺ -، والخبر ينتشر هنا وهناك، فمن المسلمين من يقول: مات رسول الله - ﷺ -، ومنهم من يقول: لا ما مات رسول الله - ﷺ -، وهذا الفاروق عمر - ﵁ - يتوعد من قال مات رسول الله - ﷺ - بالقتل والقطع.
عباد الله! وصل الخبر إلى أبي بكر - ﵁ -، فجاء على فرسه، ثم دخل فكشف عن رسول الله - ﷺ - فقبله وقال: بأبي أنت وأمي طبت حيًا وميتًا، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدًا، ثم خرج وعمر يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠].
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٤٥٠)، ومسلم (رقم ٢٤٤٣).
(٢) رواه البخاري (رقم ٤٤٦٢).
[ ٥٧٣ ]
وقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤]
فنشج الناس يبكون، وقال عمر: "والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرفت أنه الحق، فَعُقِرْتُ حتى ما تُقِلُّني رجلاي، وهويت إلى الأرض، وعرفت حين سمعته تلاها أن رسول الله - ﷺ - قد مات" (١)
مات النبيﷺ - وإنها لمصيبة من أعظم المصائب؛ لأن بموته انقطع الوحي من السماء.
أيها المسلم!
اصبر لكل مصيبة وتجلدِ واعلم بأن المرء غير مُخلد
أوَما ترى أن المصائبَ جمّة وترى المنيةَ للعباد بمرصد
مَنْ لم يُصبْ ممن ترى بمصيبة هذا سبيلٌ لستَ فيه بأوحدِ
فإذا ذكرتَ محمدًا ومصابه فاذكرْ مُصابَكَ بالنبيِّ محمدِ
عباد الله! اجتمع المسلمون في سقيفة بني ساعدة، وبعد المشاورات والمحاورات تم الاتفاق على أبي بكر - ﵁ - خليفةً للمسلمين بعد رسول الله - ﷺ -، وبايعه المسلمون في المسجد على ذلك.
عباد الله! وبدأ المسلمون في تجهيز النبيﷺ -.
أولًا: الغسل:
تقول عائشة -﵂-: لما أرادوا غسل النبي - ﷺ - قالوا: والله لا
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٤٤٥٤).
[ ٥٧٤ ]
ندري أنجرد رسول الله - ﷺ - من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه؟
فلما اختلفوا ألقى الله -﵎- عليهم النومُ حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره.
ثم كلَّمهم مُكَلِّمٌ من ناحية البيت- لا يدرون مَنْ هو-: أن غسلوا النبي - ﷺ - وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله - ﷺ - فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكون القميص دون أيديهم وكانت عائشة تقول "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه" (١).
ثانيًا: الكفن:
فلما فرغوا من غسله - ﷺ - كفنوه في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة. كما قالت عائشة -﵂ (٢) -.
ثالثًا: الصلاة عليه:
ثم أخذوا في الصلاة عليه - ﷺ - فرادى، لم يؤمهم أحد، دخل الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان (٣).
رابعًا: الدفن:
فلما أرادوا دفنهﷺ - اختلفوا أين يدفنونه؟
فقال أبو بكر - ﵁ -: سمعت من رسول الله - ﷺ - شيئًا ما نسيته، قال - ﷺ -: "ما قبض الله نبيًا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه فدفنوه، في موضع
_________________
(١) "صحيح أبي داود" (٢٦٩٣).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٢٧٢)، ومسلم (رقم ٩٤١).
(٣) "البداية والنهاية" (٥/ ٢٦٥).
[ ٥٧٥ ]
فراشه" (١).
وكان بالمدينة رجل يُلحد، وآخر يضرح.
فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه.
فسبق صاحب اللحد، فلحدوا للنبي - ﷺ - (٢).
تقول عائشة -﵂-: ما علمنا بدفن رسول الله - ﷺ - حتى سمعنا صوت المساحي في جوف ليلة الأربعاء (٣).
فلما فرغوا من دفنه قالت فاطمة -﵂-: "يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله - ﷺ - التراب" (٤).
وتقول أم سلمة -﵂- بينما نحن مجتمعون نبكي لم ننم، ورسول الله - ﷺ - في بيوتنا، ونحن نتسلى برؤيته على السرير، إذ سمعنا صوت الكرارين في السحر، فصحنا وصاح أهل المسجد فارتجت المدينة صيحة واحدة، وأذن بلال بالفجر، فلما ذكر رسول الله - ﷺ - بكى وانتحب فزادنا حزنًا (٥).
عباد الله! إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا رسول الله لمحزونون، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون.
_________________
(١) "صحيح الترمذي" (١٠١٨).
(٢) "صحيح ابن ماجه" (١٢٦٤).
(٣) حسن "الفتح الرباني" (٢١/ ٢٥٦).
(٤) رواه البخاري (رقم ٤٤٦٢).
(٥) "البداية والنهاية" (٥/ ٢٧١).
[ ٥٧٦ ]
ويقول أنس - ﵁ -: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله - ﷺ - المدينة، أضاء منها كلُّ شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه، أظلم منها كلُّ شيء، وما نفضنا أيدينا عن التراب حتى أنكرنا قلوبنا (١).
عباد الله! وعزاؤنا في رسول الله - ﷺ - أنه قال: "إذا أراد الله رحمة أمةٍ من عباده قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطًا وسلفًا بين يديها" (٢).
وتقول عائشة -﵂-: "ما ترك رسول الله - ﷺ - دينارًا ولا درهمًا ولا شاةً ولا بعيرًا ولا أوصى بشيء" (٣).
"بل لقد مات - ﷺ - ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعًا من شعيرٍ أخذها لأهله" (٤).
ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير
توفنا على الإسلام وألحقنا بالصالحين
_________________
(١) "صحيح الترمذي" (٣٦١٨).
(٢) رواه مسلم (رقم ٢٢٨٨).
(٣) رواه مسلم (رقم ١٦٣٥) من حديث عائشة وأخرجه البخاري (رقم ٤٤٦١) من حديث عمرو بن الحارث.
(٤) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٤٦٧)، ومسلم (رقم ١٦٠٣).
[ ٥٧٧ ]