أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء الخمسين من سيرة حبيب رب العالمين محمَّد - ﷺ -، النبي الأمين، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن حجة الوداع.
عباد الله! حجة الوداع كانت في السنة العاشرة للهجرة، واتفق العلماء على أن النبي - ﷺ - لم يحج بعد هجرته إلى المدينة، سوى حجةٍ واحدةٍ وهي حجة الوداع.
عباد الله! وفي حجة الوداع؛ ودّع النبي - ﷺ - أمته وأصحابه فقال لهم: "خذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه".
عباد الله! كيف حج النبي - ﷺ -.
تعالوا بنا لنستمع إلى جابر بن عبد الله - ﵁ -، وهو يصف لنا حجة النبي - ﷺ -، يقول جابر - ﵁ -:
إن رسول الله - ﷺ - مكث بالمدينة تسع سنين لم يحُجَّ، ثم أذّنَ في الناس في العاشرة: أن رسول الله - ﷺ - حاجٌّ هذا العام.
فقدم المدينة بشر كثير (وفي رواية: فلم يبق أحد يقدر أن يأتي راكبًا أو راجلًا إلا قدم) فتدارك الناس ليخرجوا معه، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله - ﷺ - ويعمل مثل عمله.
وقال جابر - ﵁ -: سمعت- قال الراوي: أحسبه رفع إلى النبي - ﷺ - (وفي رواية قال: خطبنا رسول الله - ﷺ -) فقال: "مُهَلّ أهل المدينة من ذي الحليفة
[ ٥٤٨ ]
ومهل أهل الطريق الآخر الجُحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق -أي: مكان بالبادية، وهو الحد الفاصل بين نجد وتهامة- ومهل أهل اليمن من يلَملَم".
قال جابر - ﵁ -: فخرج رسول الله - ﷺ - لخمس بقين من ذي القعدة أو أربع وساق هديًا: فخرجنا معه معنا النساء والولدان: حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عمش محمَّد بن أبي بكر.
فأرسلت إلى رسول الله - ﷺ -: كيف أصنع؟
فقال: اغتسلي واستثفري -وهو أن تشد فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشى قطنًا وتوثق طرفِها في شيء تشده على وسطها فتمنع بذلك سيل الدم- بثوب وأحرمي.
فصلى رسول الله - ﷺ - في المسجد وهو صامت -يعني أنه لم يُلب بعدُ-.
الإحرام:
ثم ركب القصواء- وهي ناقته - ﷺ - حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالحج -أي رفع صوته بالتلبية- (وفي رواية: أفرد الحج) هو وأصحابه. قال جابر: فنظرت إلى مدِّ بصري -أي: منتهى بصري- من بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول اللهﷺ - بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وماعمل به من شيء عملنا به.
فأهل بالتوحيد: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".
[ ٥٤٩ ]
وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، (وفي رواية: ولبى الناس والناس يزيدون لبيك ذا المعارج لبيك ذا الفواضل، فلم يرد رسول الله - ﷺ - عليهم شيئًا منه.
ولزم رسول الله - ﷺ - تلبيته.
قال جابر: ونحن نقول لبيك اللهم لبيك بالحج: نصرخ صراخًا لسنا ننوي إلا الحج مفردًا: لا تحلطه بعمرة: (وفي رواية: لسنا نعرف العمرة) وفي أخرى: أهللنا أصحاب النبيﷺ - بالحج خالصًا ليس معه غيره، خالصًا وحده).
قال: وأقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كانت بـ "سرِف" -أي: موضع قرب التنعيم- عرُكت أي: حاضت.
دخول مكة والطواف:
قال جابر - ﵁ - حتى إذا أتينا البيت معه صبح رابعة مضت من ذي الحجة، (وفي رواية: دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى).
فأتى النبي - ﷺ - باب المسجد فأناخ راحلته ثم دخل المسجد.
استلم الركن (وفي رواية: الحجر الأسود).
ثم مضى عن يمينه.
فرمل حتى عاد إليه ثلاثًا -والرملُ هو إسراعُ المشي مع تقارب الخطا- ومشى أربعًا على هينته.
ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)، ورفع صوته يُسمعُ الناس.
[ ٥٥٠ ]
فجعل المقام بينه وبين البيت [فصلى ركعتين].
قال: فكان يقرأ في الركعتين: (قل هو الله أحد) و(قل يا أيها الكافرون) (وفي رواية "قل يا أيها الكافرون" و"قل هو الله أحد").
ثم ذهب إلى زمزم فشرب منها، وصب على رأسه ثم رجع إلى الركن فاستلمه.
الوقوف على الصفا والمروة
ثم خرج من الباب (وفي رواية: باب الصفا) إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) أبدًا (وفي رواية: نبدأ) بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت.
فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره ثلاثًا وحمده وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد [يحيي ويميت] وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك، وقال مثل هذا ثلاث مرات.
ثم نزل ماشيًا إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه -أي انحدرت- في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا -يعني قدماه- الشق الآخر مشى حتى أتى المروة فرقى عليها حتى نظر إلى البيت.
ففعل على المروة كما فعل على الصفا.
الأمر بفسخ الحج إلى العمرة
حتى إذا كان آخر طوافه (وفي رواية: كان السابع) على المروة. فقال: يا أيها الناس: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة.
[ ٥٥١ ]
فمن كان منكم معه هدي فليحل وليجعلها عمرة، (وفي رواية: فقال: أحلوا من إحرامكم، فطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقصروا، وأقيموا حلالًا. حتى إذا كان يوم التروية -وهو اليوم الثامن من ذي الحجة- فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة).
فقام سراقة بن مالك بن جعُشمُ (وهو في أسفل المروة:) فقال: يا رسول الله أرأيت عمرتنا (وفي لفظ: متعتنا:) هذه: ألعامنا هذا أم لأبد الأبد: قال: فشبك رسول الله - ﷺ - أصابعه واحدة في أخرى وقال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، لا بل لأبد أبد، لا بل لأبد أبد، ثلاث مرات قال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أو فيما نستقبل؟ قال: لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير. قال: ففيم العمل إذن؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له.
(قال جابر: فأمرنا إذا حللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدية كل سبعة منا في بدنة فمن لم يكن معه هدي، فليصم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى أهله.
قال: فقلنا: حل ماذا؟ قال: الحل كله قال: فَكَبُرَ ذلك علينا، وضاقت به صدورنا.
النزول في البطحاء
قال: فخرجنا إلى البطحاء، قال: فجعل الرجل يقول: عهدي بأهلي اليوم.
قال: فتذاكرنا بيننا فقلنا: خرجنا حجاجًا لا نريد إلا الحج، ولا ننوي غيره، حتى إذا لم يكن بيننا وبين عرفة إلا أربع (وفي رواية: خمس ليال أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المنى من النساء، قال: يقول
[ ٥٥٢ ]
جابر بيده، (قال الراوي): كأني أنظر إلى قوله بيده يحركها، قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ قال: فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فما ندري أشيء بلغه من السماء. أم شيء بلغه من قِبل الناس.
خطبته - ﷺ - بتأكيد الفسخ وإطاعة الصحابة له.
فقام فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه فقال: أبالله تعلموني أيها الناس قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، افعلوا ما آمركم به فإني لولا هديي لحللت كما تحلون ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فحلوا.
قال: فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب ولبسنا ثيابنا وسمعنا وأطعنا. فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي - ﷺ - ومن كان معه هدي.
قال: وليس مع أحد منهم هدي غير النبيﷺ - وطلحة.
قدوم علي من اليمن مهلًا بإهلال النبي - ﷺ -
وقدم علي من سعايته من اليمن ببدُن النبي - ﷺ -.
فوجد فاطمة -﵂- ممن حل: ترجلت ولبست ثيابًا صبيغًا واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، وقال: من أمرك بهذا؟!، فقالت: إن أبي أمرني بهذا قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول اللهﷺ - محرشًا على فاطمة للذي صنعت مستفتيًا لرسول الله - ﷺ - فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها فقالت: أبي أمرني بهذا فقال: صدقت، صدقت، صدقت أنا أمرتها به.
قال جابر: وقال لعلي: ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله - ﷺ -.
[ ٥٥٣ ]
قال: فإن معي الهدي فلا تحل، وامكث حرامًا كما أنت.
قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن، والذي أتى به النبي - ﷺمن المدينة مائة بدنة.
قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي - ﷺ - ومن كان معه هدي-
التوجه إلى مِنى محرمين يوم الثامن وهو يوم التروية:
فلما كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر توجهوا إلى مني فأهلوا بالحج من البطحاء.
قال: ثم دخل رسول الله - ﷺ - على عائشة -﵂- فوجدها تبكي فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس ولم أحلِلْ، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلي بالحج ثم حجي واصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي ففعلت (وفي رواية: فنسكت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت.
وركب رسول الله - ﷺ - وصلى بها (يعني مني، وفي رواية: بنا) الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر.
ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس.
وأمر بقبة له من شعر تضرب له بنمرة -وهو موضع بجانب عرفات وليس من عرفات-.
التوجه إلى عرفات والنزول بنمرة:
فسار رسول الله - ﷺ - ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة ويكون منزله ثم كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز -أي
[ ٥٥٤ ]
جاوز المزدلفة ولم يقف بها- رسول الله - ﷺ - حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد
ضربت له بنمرة فنزل بها.
حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فركب حتى أتى بطن الوادي.
خطبة عرفات
فخطب الناس وقال:
"إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا وإن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي هاتين موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعد إن اعتصمتم به، كتاب الله وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك وأديت ونصحت لأمتك، وقضيت الذي عليك فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم أشهد، اللهم أشهد".
الجمع بين الصلاتين والوقوف على عرفة:
ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا.
[ ٥٥٥ ]
ثم ركب رسول الله - ﷺ - القصواء حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصَّفرة قليلًا حتى غاب القُرصُ، وأردف أسامة خلفه.
الإفاضة من عرفات
ودفع رسول الله - ﷺ - (وفي رواية: أفاض وعليه السكينة) وقد شنق للقصواء الزمام، حتى أن رأسها ليصيب مورِك رحله -وهو قطعة أدمٍ يتورك عليها الراكب تجعل في مقدم الرحل، شبه المخدة الصغيرة- ويقول بيده اليمنى "أيها الناس! السكينة السكينة .. ".
الجمع بين الصلاتين في المزدلفة والبيات بها:
حتى أتي المزدلفة فصلى بها، فجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا، ثم اضطجع رسول الله - ﷺ - حتى طلع الفجر.
وصلى الفجر حين تبين له الفجر، بأذان وإقامة.
الوقوف على المشعر الحرام
ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام.
فاستقبل القبلة، فدعا (وفي لفظ: فحمد الله) وكبره وهلله ووحده. فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا. وقال: وقفت ها هنا، والمزدلفة كلها موقف.
الدفع من المزدلفة لرمي الجمرة
فدفع من جمع قبل أن تطلع الشمس وعليه السكينة.
وأردف الفضل بن عباس- وكان رجلًا حسن الشعر أبيض وسيمًا-.
فلما دفع رسول الله - ﷺ - مرت به ظعن تجرين- الظعينة البعير الذي عليه
[ ٥٥٦ ]
امرأة، ثم سمى به المرأة مجازًا لملابستها البعير- فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله - ﷺ - يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر، فحول رسول الله - ﷺ - يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهة من الشق الآخر.
حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلًا وقال: عليكم السكينة.
رمي الجمرة الكبرى
ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرجك على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها ضحى بسبع حصيات.
يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف.
رمى من بطن الوادي وهو على راحلته وهو يقول: لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه.
قال جابر - ﵁ - ورمى بعد يوم النحر في سائر أيام التشريق إذا زالت الشمس.
ولقيه سراقة وهو يرمي جمرة العقبة، فقال: يا رسول الله، ألنا هذه خاصة؟ قال: لا، بل لأبد.
النحر والحلق
ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنه بيده.
ثم أعطى عليًا فنحر ما غبر يقول: ما بقي، وأشركه في هديه.
ثم أمر من كل بدنه ببضعة -وهي القطعة من اللحم- فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها.
[ ٥٥٧ ]
(وفي رواية قال: نحر رسول الله - ﷺ - عن نسائه بقرة).
(وفي أخرى قال: فنحرنا البعير، عن سبعة، والبقرة عن سبعة).
(وفي رواية خامسة عنه قال: فاشتركنا في الجزور سبعة، فقال له رجل: أرأيت البقرة أيشترك؟ فقال: ما هي إلا من البدن).
(وفي رواية: قال جابر: كنا لا نأكل من البدن إلا ثلاث مني، فأرخص لنا رسول الله - ﷺ -، قال: "كلوا وتزودوا". قال: فأكلنا وتزودنا حتى بلغنا بها المدينة.
رفع الحرج عمن قدم شيئًا من المناسك أو أخر يوم النحر.
(وفي رواية: نحر رسول الله - ﷺ - فحلق.
وجلس بمنى يوم النحر للناس، فما سئل يومئذ عن شيء قدم قبل شيء إلا قال: "لا حرج، لا حرج".
حتى جاءه رجل فقال: حلقت قبل أن أنحر؟ قال: "لا حرج".
ثم جاء آخر فقال: حلقت قبل أن أرمي؟ قال: "لا حرج".
ثم جاءه آخر فقال: طفت قبل أن أرمي؟ قال: "لا حرج".
قال آخر: طفت قبل أن أذبح، قال: "اذبح ولا حرج".
ثم جاءه آخر فقال: إني نحرت قبل أن أرمي؟ قال: "ارم".
ثم قال نبي الله - ﷺ -: قد نحرت ها هنا، ومنى كلها منحر وكل فجاج مكة
طريق ومنحر فانحروا في رحالكم.
خطبة النحر
وقال جابر - ﵁ -: خطبنا - ﷺ - يوم النحر فقال: أي يوم أعظم حرمة؟ فقالوا: يومنا هذا، قال: فأي شهر أعظم حرمة؟ قالوا: شهرنا هذا، أي بلد أعظم
[ ٥٥٨ ]
أولا: تحديد مصدر التلقي
حرمة؟ قالوا بلدنا هذا، قال فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد.
الإفاضة لطواف الصدر:
ثم ركب رسول الله - ﷺ - فأفاض إلى البيت فطافوا ولم يطوفوا بين الصفا والمروة فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: "انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم" فناولوه دلوًا فشرب منه (١).
عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من حجة الوداع فهي:
أولًا: تحديد مصدر التلقي، ففي حجة الوداع، حدد النبيﷺ - مصدر التلقي الذي يجب على الأمة أن ترجع إليه، وذلك عندما قال لهم: "خذوا عني مناسككم"، وقال لهم: "تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمت به؟ كتاب الله".
عباد الله! وكما قال - ﷺ - في الحج قال في الوضوء: "من توضأ نحو وضوئي هذا" وقال أيضًا في الصلاة: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
فعلى الأمة أن تأخذ دينها من الكتاب والسنة، حتى لا تضل عن الصراط المستقيم لقوله - ﷺ -: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي".
وعلى المسلمين أن يفهموا الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة؛ أصحاب محمَّد - ﷺ - ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ
_________________
(١) "حجة النبيﷺ - كما رواها جابر - ﵁ -" للشيخ الألباني.
[ ٥٥٩ ]
الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.
وقال - ﷺ -: "وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: التي تكون على ما أنا عليه وأصحابي".
وقال - ﷺ -: "إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ".
ثانيًا: قطع الصلة بالجاهلية، والابتعاد عن الذنوب والمعاصي:
وهذا يؤخذ من قوله - ﷺ -: "ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع؛ دماء الجاهلية موضوعة .. وربا الجاهلية موضوع". فيجب على الأمة الإِسلامية أن تبتعد عن أمور الجاهلية؛ لتعيش في ظل الإِسلام كاملًا، والتبرج يا عباد الله من أمور الجاهلية، قال تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، والحكم بغير ما أنزل الله من أمور الجاهلية، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ..﴾ والفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم والنياحة من أعمال الجاهلية قال - ﷺ -: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن؛ الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" (١).
ثالثًا: الوصية بالنساء
_________________
(١) "صحيح "الجامع" (٨٩٦).
[ ٥٦٠ ]
وهذا يؤخذ من قوله - ﷺ - في خطبته: "فاتقوا الله في النساء".
عباد الله! كان النبي - ﷺ - يوصي دائمًا بالنساء فيقول: "استوصوا بالنساء خيرًا"، وفي آخر أيامه وهو في فراش الموت يقول: "الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم" والله -﷿- وصى بالنساء فقال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
فيجب على المسلمين أن يتقوا الله في النساء؛ لأن النبيﷺ - حذر من الاعتداء على المرأة، فقال - ﷺ -: "اللهم إني أحرج حق الضعيفين؛ المرأة واليتيم" (١).
رابعًا: من مات في الحج محرمًا يبعث يوم القيامة ملبيًا.
قال ابن عباس -﵄-: بينما رجل واقف مع رسول الله - ﷺ - بعرفة، إذ وقع عن راحلته فأوقصته، أو قال فأقعصته -أي: قتلته في الحال- فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال: "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تحنطوه -أي: لا تضعوا عليه من الطيب شيئًا- ولا تخمروا رأسه -أي: لا تغطوا رأسه- فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا" (٢).
اللهم ارزقنا علمًا نافعًا
_________________
(١) صحيح "رياض الصالحين" (٢٧٥) تحقيق الألباني.
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٢٦٥)، ومسلم (رقم ١٢٠٦).
[ ٥٦١ ]