عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -
وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة أُحد.
غزوة أُحد التي ظهر فيها النفاق بأظهر علاماته وأجلى صفاته.
والتي ظهر فيها الإيمان الكامل وما يفعله في النفس البشرية من الاستعلاء على الشهوات والإخلاص لرب الأرض والسماوات.
والتي تعلَّم فيها المسلمون أسباب النصر وأسباب الهزيمة.
والتي دفع فيها المسلمون الثمن غاليًا من القتلى والجرحى.
والتي ظهر فيها التوكل على الله والثقة به.
والتي ميز الله فيها الخبيث من الطيب.
والتي أفرد للحديث عنها من سورة آل عمران ستون آية لأهميتها.
عباد الله! وحديثنا عن غزوة أُحد سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: أحد جبل يحبنا ونحبه (١).
العنصر الثاني: يوم التقى الجمعان.
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٤٨٢)، ومسلم (رقم ١٣٩٢).
[ ٣٤٧ ]
العنصر الثالث: ما فعله الرسول - ﷺ - بعد انتهاء الغزوة.
العنصر الأول: أحد جبل يحبنا ونحبه:
عباد الله! جبل أحد هو الجبل الذي وقعت عنده غزوة أُحد، وهو جبل يقع بالقرب من المدينة.
وهو الجبل الذي دَفَنَ عنده النّبي - ﷺ - من خيرة أصحابه، كعمه حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وأنس بن النضر وغيرهما -﵃ جميعًا-.
وهو الجبل الذي ذهب إليه النبيﷺ - وصلى على شهداء أحد قبل موته كالمودع للأحياء والأموات.
وهو الجبل الذي قال فيه النبي - ﷺ -: "أحدٌ جبل يحبنا ونحبه".
وهو الجبل الذي التقى عنده جيش الكفر وجيش الإيمان ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران:١٣].
عباد الله! بعد أن أُصيبتْ قريش في عظمائها وأئمة الكفر فيها يوم بدر، وقلوبهم تغلي حقدًا وحنقًا وغيظًا على المسلمين والإِسلام، عبأت قريش قُوَّتها، واستعانت بحلفائها، وخرجت في ثلاثة آلاف مقاتل يقودها أبو سفيان بن حرب لتحقيق الأهداف التالية:
أولًا: استعادة مكانتها عند العرب بعد أن فقدتها بهزيمتها في غزوة بدر.
ثانيًا: الثأر لقتلاها ببدرٍ.
ثالثًا: تأمين طريق التجارة من مكة إلى الشام.
عباد الله! وصلت الأخبار إلى النبي - ﷺ - بقدوم هذا الجيش لغزو المدينة،
[ ٣٤٨ ]
ورأى النبي - ﷺ - رؤيا -ورؤيا الأنبياء حق وهي من الوحي- حكاها لأصحابه فقال: "رأيتُ في رؤياي أني هززت سيفًا فانقطع صدره، فإذا هو ما أُصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد كأحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرًا -والله خيرٌ - فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير بعد .. " (١).
عباد الله! فلما شاور النبي - ﷺ - أصحابه أشار عليه الشباب ومن حُرِمَ من شهود بدرٍ وغلبهُ الشوق إلى الجهاد وملاقاة العدو بالخروج إليهم -وهم الذين يتشوقون إلى الاستشهاد-، وكان من رأيهﷺ - ورأي الشيوخ وكذلك عبد الله بن أُبي ابن سلول المكوث في المدينة، ومقاتلتهم إذا دخلوها من الأزقة ومن أسطح البيوت.
قال - ﷺ -: "رأيت كأني في درع حصينة ورأيت بقرًا منحرةً، فأوَّلت أن الدرع الحصينة المدينة، وأن البقر هو والله خير".
ثم قال لأصحابه: "لو أنا أقمنا بالمدينة، فإذا دخلوا علينا فيها قاتلناهم فقالوا: يا رسول الله، والله ما دُخِلَ علينا فيها في الجاهلية، فكيف يُدْخَلُ علينا فيها في الإِسلام؟ ".
فقال: "شأنكم".
ثم دخل - ﷺ - فلبس لأمتهُ -أي لباس القتال- فقالت الأنصار: رددنا
على رسول الله - ﷺ - رأيه، فجاءوا فقالوا: يا نبي الله شأنُكَ إذًا -أي الرأيُ
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٦٢٢)، ومسلم (رقم ٢٢٧٢).
[ ٣٤٩ ]
رأيك فاصنع ما أراك الله-
فقالﷺ - لهم: "إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل" (١).
عباد الله! خرج النبي - ﷺ - بعد صلاة العصر من يوم الجمعة؛ في ألف مقاتل من المدينة إلى جبل أحد، وفي الطريق وبالقرب من جبل أحد انسحب من الجيش عبد الله بن أُبي ابن سلول رأس النفاق بثلث الجيش -ثلاثمائة مقاتل- وأراد بذلك أن يحطم معنويات الجيش- مدعيًا أنهُ لن يقع قتال مع المشركين!! معترضًا على قرار الرسول - ﷺ - بالخروج لقوله: (أطاعهم وعصاني) فكذب الله ابنَ سلول وأنزل الله على رسوله ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾ [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٧]
عباد الله! وكانت هذه أول فائدة من فوائد غزوة أحد، وهي تمييز المنافقين، والفصل بينهم وبين المؤمنين الصادقين.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]
عباد الله! وقد ظهر في أوساط الصحابة رأيان في المنافقين الذين انسحبوا من الجيش الرأي الأول: قتل المنافقين الذين خذلوا المسلمين بعودتهم
_________________
(١) رواه أحمد (٣/ ٣٥١)، وصححه الألباني.
[ ٣٥٠ ]
وانشقاقهم عن الجيش.
الرأي الثاني: لا يرى قتلهم، وقد بينَّ الله -﷿- في كتابه موقف الفريقين في قوله تعالى:
﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)﴾ [النساء: ٨٨].
عن زيد بن ثابت - ﵁ - قال: لما خرج رسول الله - ﷺ - إلى غزوة أُحد رجع ناسٌ ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي - ﷺ - فرقتين، فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول لا نقاتلهم، فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ (١).
عباد الله! وقد أثر موقف المنافقين في نفوس طائفتين من المسلمين، ففكروا بالعودة إلى المدينة، ولكنهم غالبوا الضعف الذي ألم بهم، وانتصروا على أنفسهم بعد أن تولاهم الله تعالى، فدفع عنهم الوهن، فثبتوا مع المؤمنين وهما: بنو سلمة (من الخزرج) وبنو حارثة (من الأوس).
وقد أخبرنا ربنا -جل وعلا- في كتابه عن موقف الطائفتين.
فقال تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]
عن جابر - ﵁ - قال: "فينا نزلت: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقوله تعالى:
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٨٨٤)، ومسلم (رقم ٢٧٧٦).
[ ٣٥١ ]
﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (١).
عباد الله! ولما انسحب ابن سلول زعيم المنافقين، هو ومن على شاكلته بثلث الجيش تبعهم عبد الله بن حرام- والد جابر بن عبد الله- ينصحهم بالثبات ويؤنبهم على العودة، وبذكرهم بواجب الدفاع عن المدينة ضد المغيرين إذا لم يكن لهم إيمان بالله واليوم الآخر وثقة بالإِسلام ورسوله، فأبى ابن أُبي الاستماع إليه وفيه ومن انسحب معه نزلت الآية ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ..﴾ [آل عمران: ١٦٧]
عباد الله! وقبل أن يصل النبي - ﷺ - إلى أُحد استعرض الجيش، فرد مَنْ ردَّ من الشباب لصغره عن سن البلوغ، وأجاز مَنْ أجاز وكان ممن ردهم عبد الله بن عمر بن الخطاب -﵄-.
يقول ابن عمر - ﵄-: "عرضني رسول الله - ﷺ - يوم أُحد وأنا ابن أربع عشرة سنة لم يجزني، وعرضني يوم الخندق وأنا ابنُ خمس عشرة فأجازني" (٢).
أين تربى هؤلاء؟! على عقيدة التوحيد وعلى سنة رسول الله - ﷺ -.
عباد الله! ومضى رسول اللهﷺ - بجيش المسلمين وعددهم سبعمائة مجاهد فقط -أي ما يعادلُ ربع جيش الكفار تقريبًا-
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٠٥١)، ومسلم (رقم ٢٥٠٥).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٦٦٤)، ومسلم (رقم ١٨٦٨).
[ ٣٥٢ ]
ونزل - ﷺ - بالجيش بالشعبِ بجبل أُحد، وجعل ظهر الجيش للجبل وعيَّن أميرًا على الميمنة، وأميرًا على الميسرة، وانتقى من مهرة الرماة خمسين رجلًا فعينهم للحراسة على الجبل، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير - ﵁ - وأصدر - ﷺ - أوامرهُ المشددة للرماة فقال: "احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نُقتل فلا تنصرونا، وأن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشرُكونا" (١).
وفي رواية قال لهم: "لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا" (٢).
عباد الله! وأخذ النبي - ﷺ - ينظم الصفوف ويحرضُ أصحابهُ على القتال، وينفث روح الحماسة والبسالة في أصحابه، فأخذ سيفًا وقال: "من يأخذ هذا السيف؟ ".
فبسطوا أيديهم كلٌّ يقول: أنا، أنا.
فقال - ﷺ -: "من يأخذهُ بحقه؟ " فأحجم القوم.
فقال أبو دجانة: "أنا آخذهُ بحقه يا رسول الله، فأخذهُ ففلق به هام المشركين" (٣).
قال ابن إسحاق: كان أبو دجانة رجلًا شجاعًا يختال عند الحرب، وكانت له عصابة حمراء إذا اعتصب بها عُلِمَ أنه سيقاتل حتى الموت.
وقام رجلٌ فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قُتلت فأين أنا؟
_________________
(١) صحيح رواه الحاكم (٢/ ٢٩٦).
(٢) قطعة من حديث رواه البخاري (رقم ٤٠٤٣).
(٣) رواه مسلم (رقم ٢٤٧٠).
[ ٣٥٣ ]
قال - ﷺ -: "في الجنة" فألقى الرجل تمرات كانت في يده ثم قاتل حتى
قُتِلَ - ﵁ - (١).
عباد الله! وعند جبل أحد تعبَأت قريش للقتال، وهم في ثلاثة آلاف وفيهم مائتا فارس، فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل.
العنصر الثاني: يوم التقى الجمعان
عباد الله! وهذا هو يوم السبت، حيث التقى فيه جيش الإِسلام الذي خرج من أجل- لا إله إلا الله-، مع جيش الكفر الذي خرج ليقتل مَنْ يقول لا إله إلا الله، قال تعالى في كتابه عن هذا اليوم:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾ [آل عمران: ١٥٥].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٦]
عباد الله! وتقارب الجمعان، وتدانت الفئتان، واندلعت نيران المعركة، واشتد القتال بين الفريقين في كل نقطة من نقاط الميدان، وكان ثقل المعركة يدور حول لواء المشركين، فتقدم أَسدُ اللهِ حمزةُ إلى حامل لواء المشركين فقتله، فلما سقط اللواء خلفه أخوه في رفعه، فقتله حمزة فتتابع تسعة رهطٍ على رفع راية المشركين فقتلهم المسلمون، وسقط لواء المشركين فلم يرفع. وتقدم أبو دجانة نحو المشركين بسيفه الذي أخذه من النبي - ﷺ - بحقه،
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٠٤٦)، ومسلم (رقم ١٨٩٩).
[ ٣٥٤ ]
فأعمل فيهم سيفه -أي حصد رؤوس الكفار بهذا السيف-، وتقدم حنظلة - ﵁ - حتى انتهى إلى قائد المشركين أبي سفيان فرفع سيفه عليه، فبينما هو فوق رأسه رأى رجلٌ من المشركين المشهد فقتل حنظلة من وراءه- لحكمة يريدها الله، فقد أسلم أبو سفيان بعد ذلك- ورأى النبي - ﷺ - الملائكة تُغَسِّلُ حنظلة فسأل عنه لماذا تغسله الملائكة؟ والشهداء لا يغسلون؟ فأُخبر أنه خرج إلى الجهاد جنبًا -أي كان عريسًا ينام مع زوجته- فرأى إن اغتسل تأخر عن الخروج فبادر بالخروج جنبًا، وقتل شهيدًا فغسلته الملائكة بين السماء والأرض (١).
عباد الله! حمزة - ﵁ - يحصد بسيفه رؤوس الكفر هنا وهناك في أرض المعركة، لا يقف أمامه أحدٌ من المشركين.
قال قاتلُهُ وحشيٌ: رأيت حمزة بن عبد المطلب كالجمل الأورق، حاملٌ سيفهُ يقتل به المشركين ما يقوم له شيء.
قال وحشيٌ: وخرج إليه رجلٌ من المشركين فرفع حمزة سيفهُ عليه فما أخطأ رأسه.
وقال وحشىٌ: وانتهزت منه غفلة فرفعتُ حربتي حتى إذا رضيتُها دفعتُها إليه فوقعت في ثُنته -أي أحشائه- حتى خرجت من بين رجليه (٢).
يقول ولما مات حمزة أخذت حربتي وذهبت بعيدًا عنه، وليس لي بغيره حاجة، ومع ذلك مات حمزة أسد الله، والمسلمون يحصدون روؤس الكفر، ويقتلون الكفار حتى أنهم ولوا مدبرين.
_________________
(١) إسناده جيد: انظر كتاب "الجنائز" (ص ٧٤) للألباني.
(٢) "سيرة ابن هشام" (٣/ ٧٦).
[ ٣٥٥ ]
عباد الله! وحاول المشركون وقف هذا الزحف الهائل، والسيل العارم، ولكن دون جدوى فتفرقوا وولوا مدبرين، ولم يجترئ أحدٌ من المشركين أن يدنوا من لوائِهم الذي سقط على الأرض، وأخذ جيش الكفر في الانسحاب من أرض المعركة.
عباد الله! قال ابن إسحاق: ثم أنزل الله نصره على المسلمين وَصَدَقَهُم وَعْدَهُ فحسُوهم -أي قتلوهم- بالسيوف حتى إذا كشفوهم عن المعسكر وكانت الهزيمة لا شك فيها.
روى عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه قال: والله لقد رأيتُني أنظر إلى خدم -أي سوق- هند بنت عتبة وصواحبها مشمراتٍ هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير (١) ..
ويقول البراء بن عازب - ﵁ -: "فلما لقيناهم هربوا، حتى رأيتُ النساء يشتددنَّ في الجبل يرفعن سوقهُن قد بدت خلاخيلهنَّ" (٢).
ويقول ابن عباس -﵄- ما نُصِرَ النبيُّ - ﷺ - في موطنٍ كما نصر يوم أحد.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾.
يقول ابن عباس: والحسُ القتل (٣).
عباد الله! وبينما كان الجيش الإِسلامي بعدده القليل يُسجل مرةً أخرى
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" (٢/ ٧٧).
(٢) رواه البخاري (رقم ٤٠٤٣).
(٣) صحيح: رواه الحاكم (٢/ ٢٩٦).
[ ٣٥٦ ]
نصرًا ساحقًا على جيش الكفر، لم يكن أقل روعة من النصر الذي اكتسبه يوم بدر، وقعت من أغلبية الرُماة غلطةٌ فظيعةٌ قلبت الوضع تمامًا، وأدت إلى إلحاق الخسائر الفادحة بالمسلمين وكادت تكون سببًا في مقتل النبي - ﷺ -.
عباد الله! لما رأى الرُّماة أن المسلمين بدأوا يجمعون الغنائم التي خلَّفها المشركون، قال بعضهم لبعض: الغنيمة، الغنيمة، ظهر أصحابكم فماذا تنتظرون؟ أما قائدهم عبد الله بن جبير فقال لهم أنسيتم عهد رسول الله إليكم؛ ألا تبرحوا مكانكم حتى يأذن لكم؟ قالوا: إنما أراد رسول الله - ﷺ - أن نحمي ظهر الجيش حتى ينصرهم الله، وقد نصرهم الله، والله لنأتين القوم فنصيب معهم من الغنائم، فنزل أربعون من الرماة وبقى الأمير في عشرة فقط.
عباد الله! نظر خالدُ بن الوليد وقد ولَّي هاربًا، فإذا الجبل قد انكشف ولم يبق عليه غيرُ عشرةٍ، فاستدار خالدٌ في نفر من فرسان المشركين وعلو الجبل -أي جبل الرماة- فقتلوا أمير الرماة ومن معه، ثم دخلوا في المسلمين من ورائهم فأصابوا منهم ما أصابوا، وصرخ عدو الله إبليس في المسلمين: أي عباد الله أُخراكم، أي جاءكم العدو من ورائكم، فرجعت أولاهم على أُخراهم فاجتلدت أولاهم مع أُخراهم -المسلمون أنفسهم- هؤلاء راجعون وهؤلاء متقدمون، فأُعميت الأبصار فلم يلتفتوا إلى شيء وجعلوا يضربون بعضهم بعضًا، ونظر حذيفة بن اليمان فرأى أباه المسلم والسيوف تعمل فيه فقال: أبي أبي، فما انحجزوا عنه حتى قتلوه.
ونظر رسول الله - ﷺ - فرأى أصحابه قد ولوا عنه مدبرين فجعل ينادي: إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله، فسمع المشركون صوته فعرفوه، فأقبلوا عليه يريدون قتله ولكن الله عصمه، فأنزل ملائكتهُ تقاتلُ دونه.
[ ٣٥٧ ]
عباد الله! ومع ذلك خلُص بعض المشركين إلى رسول اللهﷺ - نفسه وهو في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش.
فقال: "من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة؟ " فقاتلوا عنه واحدًا واحدًا حتى استشهد الأنصار السبعة" (١).
وأنزل الله -﵎- جبريل وميكائيل يدافعان عن رسول الله - ﷺ -.
عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: "رأيت يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان دون رسول الله - ﷺ - ما رأيتهما قبلُ ولا بعد -يعني جبريل وميكائيل" (٢).
وقام سعد بن أبي وقاص بين يدي رسول اللهﷺ - يَرُدُّ المشركين عنه، ونثل رسول الله - ﷺ - له كنانتهُ، وجمع له أبويه ولم يجمعهما لغيره وقال - ﷺ -:
"ارم سعد، فداك أبي وأمي" (٣)،
وترَّس أبو طلحة - ﵁ - على رسول الله - ﷺ -، وجعل يحمي السهام عن رسول الله - ﷺ - فيتلقفها في صدره ونحره وظهره وجعل رسول الله - ﷺ - يقول: "ارم أبا طلحة! ارم أبا طلحة".
وكلما مر رجل من المسلمين معه سهامٌ قال: "انثرها لأبي طلحة"، فيرمي أبو طلحة فينظر رسول الله - ﷺ - أين وقع السهم، ويقول أبو طلحة له: دونك يا رسول الله، لا يصيبك سهم من سهامهم نحري دون نحرك" (٤).
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ١٧٨٩).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٠٥٤)، ومسلم (رقم ٢٣٠٦).
(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٠٥٥)، ومسلم (رقم ٢٤١٢).
(٤) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٠٦٤)، ومسلم (رقم ١٨١١).
[ ٣٥٨ ]
عباد الله! ورغم استبسال الصحابة - ﵃ - في الدفاع عن رسول اللهﷺ - فقد أُصيب إصابات كثيرة منها: كُسرت رُباعيته، وسال الدم من وجهه، ووقع - ﷺ - في حفرةٍ ودخلت حلقة المغِفر في وجنتيه، وجعلﷺ - يقول: "كيف يُفلح قومٌ شجوا نبيهم وكسروا رباعيتهُ، وهو يدعوهم إلى الله".
فأنزل الله -﷿-: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ [آل عمران: ١٢٨] (١).
عباد الله! وقد أُشيع بين الصحابة - ﵃- أن رسول الله - ﷺ - قد قُتل، فاغتم المسلمون غمًا على غمهم، وحزنًا على حزنهم، وتولى بعضهم إلى المدينة وانطلقت طائفة فوق الجبل، واختلطت على الصحابة أحوالهم فما يدرون كيف يفعلون. كما قال تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥].
عباد الله! أخذ رسول اللهﷺ - في الانسحاب بالبقية الباقية حوله حتى انتهى بهم إلى الشِّعب، وأرادت قريش أن تمنع هذا الانسحاب ولكن
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ١٧٩١).
[ ٣٥٩ ]
دون جدوى، فانتهى رسول الله - ﷺ - بأصحابه إلى الشعب الذي قد نزل فيه في أول القتال.
عباد الله! وقد يئس المشركون من إنهاء المعركة بنصر حاسم، وتعبوا من طولها ومن جلادة المسلمين فكفوا عن القتال.
فانتهزها أبو سفيان فرصة ليولي الأدبار هو الآخر، وخاف أن تكون الجولة الثالثة للمسلمين كما كانت لهم الجولة الأولى، إلا أنه وقف يشمت بالمسلمين، ويفخر بآلهتهم وجعل ينادي: أفي القوم محمَّد؟ فقال - ﷺ - "لا تجيبوه" فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟
فقال - ﷺ - "لا تجيبوه" قال: أفي القوم ابن الخطاب؟
فقال أبو سفيان لقد قتل هؤلاء- لتعلموا أنهم قد جاءوا للقضاء على محمَّد - ﷺ - وعلى كبار الصحابة- فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت عدو الله لقد أبقى الله لك ما يخزيك.
فقال أبو سفيان: أُعلُ هبل.
فقال النبي - ﷺ -:"أجيبوه" قالوا: ماذا نقول يا رسول الله؟
قال: قولوا: الله أعلى وأجل.
قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عُزى لكم.
فقال النبي - ﷺ -: "أجيبوه" فقالوا: ماذا نقول يا رسول الله؟
قال: قولوا: "الله مولانا ولا مولى لكم".
قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال، وتجدون مُثلةً لم آمر بها ولم تسؤني" - أي لم آمر الجيش أن يمثل بقتلاكم، ولكن لم يسؤني. وفي رواية
[ ٣٦٠ ]
أخرى قال عمر: "لا سواءٌ قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار" (١).
عباد الله! مَثّلَ المشركون يوم أحد بقتلى المسلمين، جدعوا أُنوفهم وآذانهم، وبقروا بطونهم حتى إن هندًا بنت عتبة بقرت بطن حمزة - ﵁ - واستخرجت كبدهُ فلاكتها ثم لفظتها، وَمَثَّلوا بأنس بن النضر حتى أنه ما عرفهُ أحد إلا أخته عرفته ببنانه" (٢).
العنصر الثالث: ما فعله الرسولﷺبعد انتهاء الغزوة.
عباد الله! ولما ولَّى المشركون مدبرين ولم يحرزوا نصرًا، ولم يقتلوا ما أرادوا من المسلمين، ولكنهم أصابوا من المسلمين ما أصابوا لحكمة يريدها الله، قام - ﷺ - وصف المسلمين خلفه ثم رفع يديه يثني على ربه:
"اللهم لك الحمد كلُّه، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لما هديت، ولا معطى لما منعت، ولا مانع لما أعطيت ولا مُقرِّب لما بعدت، ولا مبعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من فضلك ورحمتك وبركتك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك العون يوم القيلة -أي الفاقة-، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينهُ في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الفجرة، الذين
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٣٠٣٩، ٤٠٤٣).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٨٠٥)، ومسلم (رقم ١٩٠٣).
[ ٣٦١ ]
يكذبون رسُلك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك إله الحق، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق" (١).
عباد الله! ثم قام - ﷺ - يتفقد أصحابه ويجمع الشهداء، وحمل نفرٌ من المسلمين شهداءهم ليدفنوهم بالمدينة في مقابر أهلهم فنادى منادي رسول الله - ﷺ -: "ادفنوا الشهداء في مضاجعهم" (٢).
ومن هنا كانت السنة عدم نقل الموتى من بلدٍ إلى بلدٍ.
وقام - ﷺ - بنفسه يشرف على دفن الشهداء، وأمر أن يُدفنوا في ثيابهم ودمائهم ولم يُغسِّلهم ولم يصل عليهم، وكان ربما جمع الشهيدين والثلاثة في قبر واحد، لكنه كان يقول: "أيهم أكثر أخذًا للقرآن فإذا أُشير إلى أحدٍ منهم قدمه في اللحد على أصحابه" (٣) إكرامًا لأهل القرآن.
فلما فرغ من دفنهم قام ينظر إليهم، ويشهد لهم شهادة لا تُرد أبدًا إن شاء الله تعالى، قام يقول: "أنا شهيدٌ على هؤلاء، ما من جريح جُرحَ جرحًا في سبيل الله إلا أتى يوم القيامة ينزف جرحه، اللون لون الدم والريح ريح المسك".
عباد الله! ثم عاد النبي - ﷺ - آخر النهار من يوم السبت، السادس من شوال، من السنة الثالثة للهجرة، فلما بات ليلة الأحد خاف - ﷺ - أن يرجع العدو إلى المدينة مرة أخرى، فانتدب سبعين من أصحابه يخرجون في إثر العدو.
عن عائشة -﵂- أنها قرأت قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢].
_________________
(١) صحيح انظر: "فقه السيرة" (ص ٢٨٤ - ٢٨٥) تحقيق الألباني.
(٢) "صحيح سنن النسائي" (١٨٩٣).
(٣) رواه البخاري (رقم ١٣٤٣).
[ ٣٦٢ ]
فقالت لعروة ابن أختها: يا ابن أختي كان أبوك منهم الزبير وأبو بكر، لما أصاب الرسول - ﷺ - ما أصاب يوم أحد فانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، فانتدب منهم سبعين رجلًا كان فيهم الزبير وأبو بكر (١) ".
عباد الله! ولما انتهى أبو سفيان إلى مكان بعيد عن المدينة لقيه رجلٌ. فقال: هل أنت مُبلِّغ عني محمدًا ولك كذا وكذا؟ قال: نعم فقال: أخبر محمدًا أنا راجعون إليهم لنستأصل بقيتهم ونسبي نساءهم وذراريهم، فلما بلغ الخبر رسول الله - ﷺ - وأصحابه، قالوا: "حسبنا الله ونعم الوكيل".
يقول ابن عباس - ﵄- "حسبنا الله ونعم الوكيل"، قالها إبراهيم - ﵇ - حين ألقي في النار، وقالها محمَّد - ﷺ - قال لهم الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ (٢).
حسبنا الله لديننا، حسبنا الله لكتابنا، حسبنا الله لسنة نبينا، حسبنا الله ونعم الوكيل.
اللهم انصر الإِسلام وأعز المسلمين واخذل الشرك والمشركين، اللهم عليك بالكفرة الفجرة الذين كذبوا رسولك وصدوا عن سبيلك.
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٠٧٧)، ومسلم (رقم ٢٤١٨).
(٢) رواه البخاري (رقم ٤٥٦٣).
[ ٣٦٣ ]