عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء السابع والثلاثين من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون: عن غزوة بني المصطلق.
عباد الله! وبنو المصطلق بطن من قبيلة خزاعة، وكانوا يسكنون قديدًا وعُسفان على الطريق من المدينة إلى مكة، وأول موقف عدائي لبني المصطلق من الإِسلام كان في إسهامهم واشتراكهم في جيش قريش من غزوة أحد.
عباد الله! وحديثنا عن غزوة بني المصطلق سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: أحداثُ الغزوة.
العنصر الثاني: دور المنافقين الخبيث في هذه الغزوة.
العنصر الثالث: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من هذه الغزوة.
العنصر الأول: أحداث الغزوة
عباد الله! تجرأت قبيلة بني المصطلق على المسلمين نتيجة لغزوة أُحُدٍ كما تجرأت القبائل الأخرى المحيطة بالمدينة، فأخذت هذه القبيلة برئاسة الحارث بن أبي ضرار تتهيأ وتستعد، بجمع الرجال والسلاح لغزو المدينة لتستأصل المسلمين.
عباد الله! ووصل الخبر إلى النبي ﷺ أن بني المصطلق جمعوا المجموع لغزو المدينة فبعث - ﷺ - عيونه يتأكدوا له من صحة هذا الخبر، فأكدوه، فكان لا بدَّ للنبي - ﷺ - والمسلمين من التحرك السريع نحو هذه
[ ٣٩١ ]
المجموع لتفريقها، وتلقينها درسًا قاسيًا لا تنساه، ويكون رادعًا لغيرها من القبائل التي تفكر أن تحذو حذوها في حرب الرسول - ﷺ - وغزو المدينة
عباد الله! خرج النبي - ﷺ - بجيش المسلمين إلى بني المصطلق فباغتوهم في ساعة لم يتوقعوها عند بئر يقال له المريسيع، فتفرقوا يمينًا وشمالًا وولوا الأدبار، فقتل من قتل منهم، وأُسر من أُسر منهم، وسبى رسول اللهﷺ - النساء والذراري، وغنم الأموال دون آية مقاومة تُذكر.
عباد الله! وبهذا لقَّن النبي - ﷺ - بني المصطلق، وغيرهم من القبائل المجاورة درسًا لا ينسونه، أراهم من نفسه أن به وبالمسلمين قوة قادرة على حماية المدينة، وردّ كل من يريدها بسوء.
عباد الله! ولما عاد الجيش من غزوة بني المصطلق، وفي الطريق إلى المدينة أدركت الجيش القائلة في وادٍ كثير العضاة فنزل رسول الله - ﷺ - وتفرّق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله - ﷺ - تحت سَمُرة فعلق بها سيفه ونام الجيش نومة، فجاء أعرابيٌ مشرك فأخذ سيف رسول الله - ﷺ - فاخترطه -أي سله وهو في يده- فقال الأعرابي لرسول الله - ﷺ -: تخافنُي؟ قالﷺ -: "لا".
فقال الأعرابي: فمن يمنعك مني؟ قال - ﷺ -: "الله- ثلاثًا"، فسقط السيف من يد الأعرابي، فأخذه رسول الله - ﷺ - فقال: "من يمنعك مني؟ " فقال الأعرابي: كن خير آخذٍ.
فقال له - ﷺ -: "تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ ".
قال الأعرابي: لا، ولكني أُعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلَّى سبيله، فأتى الأعرابي أصحابه فقال: "جئتكم من عند خير الناس" (١).
_________________
(١) صحيح: "رياض الصالحين" (رقم ٧٩) تحقيق الألباني.
[ ٣٩٢ ]
إنها والله أخلاق النبوة.
عباد الله! لما رجع النبي - ﷺ - إلى المدينة وقسم سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار رئيس بني المصطلق في سهم واحدٍ من الصحابة فكاتبتهُ ثم جاءت النبي - ﷺ - تستعينه على كتابتها، فرأى النبي - ﷺ - بحسن رأيه. ودقة نظره، أن يُكرمها ويرفع من شأنها وينزلها منزلتها اللائقة بها كبنت ملك أو رئيس قوم، فعرض عليها أن يدفع عنها كتابتها ويتزوجها فوافقت -﵂-.
عباد الله! تعالوا بنا لنستمع على عائشة -﵂- وهي تخبرنا الخبر.
تقول عائشة -﵂-: "لما قسَّم رسول الله - ﷺ - سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو ابن عم له، وكانت امرأةً مُلاّحة تأخذها العين، فجاءت تسأل رسول الله - ﷺ - في كتابتها، فلما قامت على الباب فرأيتها كرهت مقامها، وعرفت أن رسول اللهﷺ - سيرى منها مثل الذي رأيتُ.
فقالت: يا رسول الله! إني جويرية بنت الحارث، وقد كان من أمري ما لا يخفى عليك، وإني وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس فكاتبته على نفسي، وجئتك يا رسول الله أستعينك على كتابتي.
فقال - ﷺ -: "أو خيرٌ من ذلك"؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟
قال: "أدفع عنك كتابتك وأتزوجُك" قالت: قد فعلتُ، فما هو أن تزوجها حتى قال أصحاب رسول الله - ﷺ -: أصهار رسول الله - ﷺ - تحت أيدينا، فبادروا فأطلقوا سراح السبايا كلهن.
[ ٣٩٣ ]
قالت عائشة: فما رأيت امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها، أُعتق بسببها أكثر من مائة أهل بيت من بني المصطلق" (١).
العنصر الثاني: دور المنافقين الخبيث في غزوة بني المصطلق.
عباد الله! لما خرج رسول الله - ﷺ - إلى غزوة بني المصطلق، خرج معه نفرٌ من المنافقين فكان خروجهم كما وصفهم الله في كتابه: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾.
وعندما انتصر المسلمون على بني المصطلق، وعند ماء المريسيع كشف المنافقون عن الحقد الذي يضمرونه للإسلام والمسلمين، فكلما كسب الإِسلام نصرًا جديدًا ازدادوا غيظا على غيظهم كما وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾، فعند ماء المريسيع عكّرَ المنافقون هذا النصر بأن أثاروا العصبية الجاهلية بين المهاجرين والأنصار، وأثاروا الفتنة وغرسوا بذور الفرقة في النفوس.
عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى جابر بن عبد الله الأنصاري - ﵁ - وهو شاهد عيان يخبرنا الخبر.
يقول - ﵁ -: "كنا في غزاة -وهي غزوة بني المصطلق- فكسح رجلٌ من المهاجرين رجلًا من الأنصار -أي ضربه برجله- فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين.
فسمع ذلك النبي - ﷺ - فقال: "مَا بالُ دعوى الجاهلية"؟
_________________
(١) "صحيح أبي داود" (٣٣٢٧).
[ ٣٩٤ ]
قالوا: يا رسول الله! كسح رجلٌ من المهاجرين رجلًا من الأنصار.
فقال - ﷺ -: "دعوها فإنها منتنة".
فسمع بذلك عبد الله بن أُبي -زعيم المنافقين- فقال: أو قد فعلوها؟
-يقصد بذلك المهاجرين- أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل- يعني: لعنة الله بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله - ﷺ - فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبيﷺ -: دعه يا عمر، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة ثم إن المهاجرين كثروا بعد" (١).
عباد الله! والذي بلَّغ رسول الله - ﷺ - مقالة ابن أبي هو زيد بن الأرقم - ﵁ - فتعالوا بنا لنستمع إليه وهو يخبرنا الخبر يقول زيدٌ - ﵁ -: "خرجتُ مع رسول الله - ﷺ - في غزاة - وهي غزوة بني المصطلق- فقال عبد الله بن أُبي لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
قال زيد: فذكرتُها لعمِّي أو لعمر فذكرها للنبي - ﷺ -.
فأرسل النبي - ﷺ - إلى ابن أُبي وأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا فصدقهم وكذَّبني قال زيد: فأصابني همٌ ما أصابني مثلهُ قط، فجلستُ في بيتي فجاء عمِّى فقال:
ما أردت إلى أن كذَّبك رسول الله ومقتك؟ فأنزل الله على رسوله - ﷺ -
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٤/ ١٤٦، ٦/ ١٢٨)، و"صحيح مسلم" (٨/ ١٩).
[ ٣٩٥ ]
﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ١ - ٨].
فدعاني رسول الله - ﷺ - فقرأها علي ثم قال: "إن الله قد صدَّقك يا زيدُ" (١).
عباد الله! وقد فضح الله هذا المنافق، وضعف مركزه في قومه، فكانوا يعنفونه ويلومونه كلما أخطأ.
فهذا ابنه - الصحابي الجليل- عبد الله بنُ عبد الله بن أُبي استأذن رسول الله - ﷺ - في قتل أبيه، فنهاه النبي - ﷺ - فقال له: "لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته" (٢).
فداك أبي وأمي يا رسول الله، إنها أخلاق النبوة.
عباد الله! ومنع هذا الابن المؤمن أباه المنافق من دخول المدينة حتى يأذن له رسول الله - ﷺ - بدخولها، وقال له: لتعلم أنك الذليل وأن رسول الله - ﷺ - هو العزيز.
عباد الله! ولما فشل المنافقون بزعامة ابن سلول في إثارة العصبية الجاهلية
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٩٠٠)، ومسلم (رقم ٢٧٧٢).
(٢) "السيرة النبوية الصحيحة" العمري (٢/ ٤١٠).
[ ٣٩٦ ]
بين المهاجرين والأنصار، سعوا إلى إيذاء الرسول - ﷺ - في نفسه وأهل بيته، فشنوا حربًا نفسية مريرة من خلال حادثة الإفك التي اختلقوها.
عباد الله! ما هو الإفك؟ ومن الذي تولى نشره بين الناس؟
ومن التي اتهموها بهذا الإفك؟ هذا الذي نعرفه في الجمعة القادمة - إن شاء الله تعالى-.
العنصر الثالث: الدروس والعظات والعبر التي تؤخد مما حدث في غزوة بني المصطلق:
أولًا: على الدعاة إلى الله أن يتخلقوا بأخلاق النبي - ﷺ - في دعوتهم؛ استجابة لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾.
فرسول الله - ﷺ - كان يعفو عن الجاهلين، ولا ينتصر لنفسه أبدًا ولا يغضب لها ويظهر ذلك:
١ - من معاملته - ﷺ - مع الأعرابي عندما أراد أن يقتل رسول الله - ﷺ -، فقال له من يمنعك مني؟ فقال له رسول الله: "الله- ثلاثًا .. "، فوقع السيف، وأخذه رسول الله فقال له: "من يمنعك مني .. " فعندما خلى سبيله رجع الأعرابي إلى قومه يقول: جئتكم من عند خير الناس.
٢ - ومن معاملته - ﷺ - مع ابن سلول زعيم المنافقين بعد ما قال ما قال، وأراد ابنه المؤمن أن يقتل أباه فقال له - ﷺ -: "لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته".
ثانيًا: الأسماء الشريفة المشروعة إذا قُصد بها تفريق المسلمين وتفتيت جماعتهم، تصير من دعوى الجاهلية، وهي مُنتنةٌ كما أخبر النبي - ﷺ -، فمع أن اسم المهاجرين واسم الأنصار من الأسماء الشريفة التي تدل على شرف
[ ٣٩٧ ]
أصحابها، وقد سماهم الله -﷿- بهذه الأسماء على سبيل المدح لهم فقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.
إلا أن هذه الأسماء لما استعملت الاستعمال الخاطئ لتفريق المسلمين وإحياء العصبيات الجاهلية أنكر ذلك رسول الله - ﷺ - وقال: "دعوها فإنها منتنة".
ومن هنا أقول: من المشروع ولا بأس في ذلك ولا حرج أن يقول الإنسان أنا عراقي أو مصري أو فلسطين أو أردني، ولكن إذا استعملت هذه الأسماء في العصبية والحمية التي تفرق المسلمين فهي من دعوى الجاهلية وهي منتنة.
ثالثًا: العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، والذل والهوان للكفرة والمشركين والمنافقين.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون:٨]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
فعندما أراد ابن سلول- زعيم المنافقين- أن يُعز نفسه بمعصية الله؛ أذلة الله وفضحه، كما حدث في غزوة بني المصطلق. فالعزة بالإِسلام.
رابعًا: المفسدة الكبرى تُدفع بالمفسدة الصغرى
ويؤخذ ذلك مما حدث في غزوة بني المصطلق عندما قال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال له - ﷺ -: "دعه يا عمر، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه".
اللهم فقهنا في ديننا.
[ ٣٩٨ ]