أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الفتح الأكبر (فتح مكة).
عباد الله! فتح مكة: هو الفتح الأعظم الذي أعزّ الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين، فتح مكة هو الفتح الأكبر الذي اسستنقذ الله به بلده الحرام وبيته، الذي جعله هدى للعالمين، من أيدي الكفار والمشركين.
فتح مكة: هو الفتح الذي دخل النَّاس به في دين الله أفواجًا
قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [سورة النصر]
فتح مكة هو الفتح الذي تحطمت فيه الأصنام، وزهق فيه الباطل، وانكسرت رؤوس الكفر، وعلت فيه كلمة التوحيد في مكة خاصة وفي كل الدنيا عامة، قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١]
عباد الله! وحديثنا عن فتح مكة سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: سبب هذا الفتح.
العنصر الثاني: رسول الله - ﷺ - يستعد للخروج إلى مكة في سريةٍ تامةٍ.
العنصر الثالث: رسول الله - ﷺ - والجيش الإِسلامي في طريقهم إلى مكة وأحداث الطريق.
[ ٤٩٥ ]
العنصر الرابع: أحداث الفتح.
العنصر الخامس: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من فتح مكة.
العنصر الأول: سبب هذا الفتح
صَالَحَ النبي - ﷺ - قريشًا صلح الحديبية، وأعطاهم فيه كل ما سألوه مما يعظم حرمات الله، وكان من بنود هذا الصلح:
أولًا: وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين.
ثانيًا: من أحب أن يدخل في عقد محمَّد - ﷺ - وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وأن القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين تعتبر جزءًا من ذلك الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من تلك القبائل يعتبر عدوانًا على ذلك الفريق، وحسب هذا البند دخلت خزاعة في عهد رسول الله - ﷺ - ودخلت بنو بكر في عهد قريش.
عباد الله! وظل رسول الله - ﷺ - وفيًا لقريش بعدها، ملتزمًا بكل شروط الصلح، حتى إذا كانت السنة الثامنة للهجرة عَدَتْ بنو بكر حليفة قريش على خزاعة حليفة رسول الله - ﷺ -، وقتلت منهم رجالًا، وعاونتهم قريش على هذا الاعتداء فنقضت بذلك عهدها مع رسول اللهﷺ -، وتعرف قريش أن هذا نقض صريح لصلح الحديبية، وعدوان سافرٌ على حلفاء المسلمين؛ ولذلك رأى النبي - ﷺ - أن الوقت قد حان للقضاء على قريش.
العنصر الثاني: رسول الله - ﷺ - يستعد للخروج إلى مكة في سرية تامة.
عباد الله! أصدر رسول الله - ﷺ - أمره للجيش المسلم بالتجهيز والاستعداد للخروج للغزو، ولم يُعلمهم بوجهته، وحرص - ﷺ - على السرية التامة لئلا تستعد قريش للقتال، وقد استنفر رسول الله - ﷺ - القبائل التي حول المدينة:
[ ٤٩٦ ]
أسلمُ وغفار وَمُزينة وجهينة وأشجع وسليم وخرج المهاجرون والأنصار فلم يتخلف منهم أحد.
عباد الله! وقد بلغ عدد الجيش الإِسلامي عشرة آلاف مقاتل، وهذا العدد الكبير يدل على تعاظم قوة المسلمين ما بين صلح الحديبية وفتح مكة.
عباد الله! ولما أجمع رسول الله - ﷺ - المسير إلى مكة، كتب أحد الصحابة كتابًا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله - ﷺ - من الأمر في المسير إليهم لغزوهم، وحملت الكتاب امرأةٌ، إلا أن الوحي من السماء كان إلى رسول الله - ﷺ - أسبق من الكتاب إلى قريش، فبعث رسول الله - ﷺ - من أصحابه من أتاه بهذا الكتاب الذي بعث إلى قريش.
عباد الله! تعالوا بنا إلى عليِّ بن أبي طالب - ﵁ - لنستمع إليه وهو يخبرنا الخبر: يقول عليٌّ - ﵁ -: بعثني رسول الله - ﷺ - أنا والزبير والمقداد فقال - ﷺ -: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ -مكان بين مكة والمدينة وهو من المدينة أقرب- فإن بها ظعينة -امرأة في هودج- معها كتاب من حاطب فأتوني به".
قال عليٌّ: فانطلقنا تتعادى (أي تجري) بنا خيلُنا حتى أتينا روضة خاخ فإذا نحن بالظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي من كتابٍ، فقلنا: لتخرجنَّ الكتاب أو لنُلْقِين الثياب، فأخرجته من عِقاصِها -ضفائرها- فأتينا به رسول الله - ﷺ -، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى نفر من قريش، يخبرهم فيه ببعض أمر رسول اللهﷺ -.
فقال رسول اللهﷺ -: "ما هذا يا حاطب؟ "
فقال: يا رسول الله لا تعجل عليّ! ما فعلته كفرًا بعد الإسلام، ولا ردَّة عن الدين بعد إذ هداني اللهُ إليه، ولكني كنت امرءًا مُلصقًا في قريش ولم
[ ٤٩٧ ]
أكن مِن أنفسهم، وما من أحدٍ من أصحابك إلا له أهلٌ في قريش يحمون ماله وأهله، فأردت إن فاتني ذلك من النسب أن أتخذ بهذا الكتاب عندهم يدًا يحمون بها أهلي ومالي.
فقال رسول الله - ﷺ -:"إنه قد صَدَقكم".
فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عُنق هذا المنافق.
فقال - ﷺ -: يا عمر أو ليس قد شهد بدرًا؟
وما يدريك لعلَّ الله قد اطلع على أهل بدرٍ فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم، فأنزل الله -﵎- في حاطب بن أبي بلتعة وكتابه الذي بعث به إلى قريش سورة الممتحنة.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾ [الممتحنة: ١] (١).
عباد الله! وهكذا أخفى الله -﵎- عن قريش خبر خروج رسوله - ﷺ - إليهم، وكذلك ما يستطيع أحد أبدًا أن يتكلم في حق حاطب الصحابي الجليل - ﵁ - لأنه شهد بدرًا وشفعت له حسنته الكبيرة بشهوده في بدر ما فعل.
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٠٠٧)، ومسلم (رقم ٢٤٩٤).
[ ٤٩٨ ]
العنصر الثالث: رسول الله - ﷺ - والجيش الإِسلامي في طريقهم إلى مكة وأحداث الطريق.
عباد الله! خرج رسول الله - ﷺ - بالجيش الإِسلامي من المدينة، في رمضان من السنة الثامنة للهجرة في عشرة آلاف مقاتل.
وخرجﷺ - صائمًا، وصام الجيش معه، حتى إذا كان بالكديد- مكان بين مكة والمدينة -أفطرﷺوأظهر فِطرهُ أمام الجيش ليروه ليقتدوا به فيفطروا، فلما رأوه قد أفطر أفطروا، ومازال رسول اللهﷺ - يفطر في رمضان عام الفتح، ويقصر الصلاة حتى رجع إلى المدينة.
عباد الله! الجيش الإِسلامي بقيادة رسول اللهﷺ - في طريقه إلى مكة.
وفي الطريق: يلتقي العباس بن عبد المطلب عمُّ رسول الله - ﷺ - بجيش المسلمين، وذلك عندما خرج العباس بعياله مُهاجرًا من مكة إلى المدينة، وهو لا يدري أن رسول الله - ﷺ - قادمٌ من المدينة فلقي رسول الله - ﷺ - في الطريق فلزمه، وكان العباس مسلمًا ولكنه كان مقيمًا في مكة.
عباد الله! وفي الطريق: نزل رسول الله - ﷺ - بجيش المسلمين في مكان بالقرب من مكة يُسمى "مرَّ الظهران" بالليل. فنزل الجيش، ونصبت الخيام، وأُوقدت النيران في معسكر يضم عشرة آلاف مقاتل، حتى أضاء منها الوادي، وفي هذه الليلة خرج أبو سفيان عظيم قريش وحكيم بن حزام وبُديل بن ورقاء يلتمسون الأخبار، فلما رأوا تلك النار قال أبو سفيان: كأنها نيران عرفة، فقال حكيم بن حزام: كأنهم بنو عمرو فقال أبو سفيان: بنو عمرو أقل من هذا.
وبينما هم يتحدثون إذ مرَّ عليهم عيون رسول اللهﷺ - فأخذتهم إلى رسول الله - ﷺ -، فوقع ثلاثة من كبراء مكة أسرى للجيش الإِسلامي.
[ ٤٩٩ ]
هذا أبو سفيان الذي قال في غزوة أُحد: اعل هُبل، أبو سفيان الذي قال في غزوة أحد لنا العُزى ولا عزى لكم، فها هو بين يدي رسول الله - ﷺ - أسيرًا.
فما تظنون أن يفعل به رسول اللهﷺ -؟ دعاه - ﷺ - طوال الليل إلى الإِسلام فأسلم أبو سفيان.
عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى ابن عباس -﵄- وهو يخبرنا الخبر: يقول ابن عباس -﵄-: لما نزل رسول الله - ﷺ - "مرَّ الظهران"، قال العباس: والله لئن دخل رسول اللهﷺ - مكة عنوة قبل أن تستأمنه قريش لقد هلكت قريش.
فركب العباس بغلة رسول اللهﷺ - وانطلق يبحث عن ذي حاجةٍ يأتي مكة، فيأمرهم أن يخرجوا إلى رسول الله - ﷺ - فيستأمنوه قبل أن يدخل عليهم مكة.
قال العباس: فبينما أنا أسيرُ إذ سمعت صوت أبي سفيان وبُديل بن ورقاء يتحدثان.
فقلت: أبا سفيان، فعرف صوتي فقال: العباس، فقلت: نعم.
قال أبو سفيان: مالك فداك أبي وأمي؟ قال العباس: رسول الله والناسُ.
قال أبو سفيان: ويحك فما الحيلة؟
قال العباس لأبي سفيان: اركب ورائي، فركب وراءه فأتى به النبيﷺ - فأسلم.
فقال العباس للنبي - ﷺ -: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فاجعل له منه شيئًا.
[ ٥٠٠ ]
فقال النبي - ﷺ -: "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن" (١).
فأراد أبو سفيان أن ينصرف فيأتي أهل مكة فيخبرهم؛ فقال النبيﷺ -
للعباس: "يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل، حتى تمر به جنود الله فيراها".
قال العباس: فانطلقت بأبي سفيان فحبسته حيث أمرني رسول اللهﷺ - أن أحبسه، فجعلت القبائل تمرُّ علينا قبيلةً بعد قبيلةٍ، كلما مرت قبيلة سألني أبو سفيان: من هؤلاء؟ أقول بني سُليم، يقول: ماليَ ولبني سُليم ثم تمر القبيلة فيقول من هؤلاء؟ أقول مُزينة، يقول: مالي ولمزينة، فجعلت القبائل تمرُّ قبيلة قبيلة، كلما رأى قبيلة قال: يا عباسُ من هؤلاء؟ أقول بني فلان، يقول ماليَ ولبني فلان، حتى مرَّ رسول الله - ﷺ - في كتيبته الخضراء معه الأنصار والمهاجرون لا تُرى منهم إلا الأعين فلما رآهم أبو سفيان قال: يا عباس من هؤلاء؟
قلت: هذا رسول الله - ﷺ - معه المهاجرون والأنصار.
قال أبو سفيان: يا عباس! ما لأحدٍ بهؤلاء من قبل ولا طاقة.
ثم قال أبو سفيان: يا عباس! لقد أصبح ملك ابن أخيك الآن عظيمًا.
فأراد العباس أن يصحح هذه الفاهيم لأبي سفيان فقال له: يا أبا سفيان ليس الملك ولكنها النبوة؛ ليعلم الجميع أن محمدًا - ﷺ - ما جاء يومًا يبحث عن الملك ولا عن الدنيا إنما جاء بالنبوه ليدعو الناس إلى هذا الدين العظيم.
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ١٧٨٠) وانظر "صحيح أبي داود" (٢٦١١).
[ ٥٠١ ]
قال العباس له: ويحك! النجاة النجاة! أدرك قومك.
فانطلق أبو سفيان ليأتي أهل مكة ليخبرهم بخبر رسول الله - ﷺ -، فلما دخل مكة صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش! إن محمدًا قد جاءكم بما لا قبل لكم به اليوم ولا طاقة.
فأقبلت إليه هندُ بنت عتبة زوجته تأخذ بشاربه؛ وتقول: اقتلوا الأحمق، قبَّحك الله من طليعة قوم.
فقال أبو سيفيان: يا معشر قريش لا تغرنكُم هذه ولا مقالُها، بادروا، من دخل دار أبي سفيان فهو آمنٌ.
قالوا: قاتلك الله وما تغني عنا دارك؟
قال لهم أبو سفيان: ومن أغلق عليه داره فهو آمنٌ، ومن دخل المسجد
فهو آمن، فتفرق الناس إلى المسجد وأغلق بعضهم عليه داره" (١).
العنصر الرابع: أحداث الفتح
عباد الله! قسم النبي - ﷺ - جيش المسلمين إلى ميمنة وميسرة وقلب، وعين - ﷺقادة الجيش كلٌّ في مكانه.
ودخل النبي - ﷺ - مكة فاتحًا منتصرًا، مؤيدًا من الله﵎- وكانﷺ - خاشعًا لله، شاكرًا لأنعمه، يقرأ سورة الفتح، ويرجِّع في قراءتها وهو على راحلته.
عباد الله! وكانت قريش قد وبَّشت أوباشًا -أي: جمعت جموعًا متفرقة من
_________________
(١) "البداية والنهاية" (٤/ ٢٩٠و٢٩١).
[ ٥٠٢ ]
قبائل متفرقة لا أنساب بينهم- وقالت قريش: نقدِّم هؤلاء الأوباش -أي:
نجعلهم في المقدمة- فإن أصابوا -أي انتصروا- كنا معهم، وإن أُصيبوا -أي قُتلوا- أعطينا الذي سئلنا -أي: صالحنا المسلمين-
عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى أبي هريرة - ﵁ - وهو يخبرنا الخبر، يقول أبو هريرة: دخل رسول الله - ﷺ - مكة فنظر فرآني فقال: "يا أبا هريرة نادِ في الأنصار لا يأتيني إلا أنصاري".
قال أبو هريرة: فاجتمعوا حوله، فأقاموا به.
فقالﷺ -: "أرأيتم إلى أوباش قريش، احصدوهم حصدًا ولا تبقوا منهم أحدًا، ووضع يمينه على شماله".
قال أبو هريرة: فانطلقنا فما شاء أحدٌ منا أن يقتل أحدًا منهم إلا قتله، وما فعلوا بنا شيئًا.
فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أُبيدت خضراء قُريش، لا قريش بعد اليوم.
ثم قال أبو سفيان: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل السجد فهو آمن، فردَّد رسول اللهﷺ - مقولة أبي سفيان -تأكيدًا وإقرارًا لها- فقالﷺ -: "من دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن".
فلما سمع الأنصار مقولة رسول الله - ﷺ - قالوا فيما بينهم:
أمُّا الرجل -يعنون رسول الله (ﷺ) - فأدركته رغبة في قريته -أي: مكة- وأسرُّوها في أنفسهم، والله سميعٌ عليمٌ فأوحى الله بها إلى رسوله - ﷺ -.
فقال - ﷺ -: "يا معشر الأنصار! قلتم أمَّا الرجل فأدركته رغبة في قريته؟ ".
[ ٥٠٣ ]
قالوا: إي والله يا رسول الله، لقد قلنا هذا .. يعزُّ علينا أن تتركنا يا رسول الله وتقيم في أهلِك، فقال - ﷺ -: "إن الله ورسوله يُصِّدقانكم ويعذرانكم"، ثم قال - ﷺ - لهم: "كلا، ما أفعل الذي ظننتم، إني رسول الله هاجرتُ إلى الله وإليكم، المحيا محياكم، والممات مماتكم".
عباد الله! وأمر رسول الله - ﷺ - جيش المسلمين بتحطيم الأصنام، وتطهير البيت الحرام منها، وشارك - ﷺ - في ذلك بيده، فكان يهوي بقوسه إليها فتتساقط على الأرض تحت الأقدام وهو يقرأ: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾ وكانت الأصنام ستين وثلاث مئة.
عباد الله! ولطخ النبي - ﷺ - صور إبراهيم وإسماعيل وإسحق وهم يستقسمون بالأزلام- وكانت هذه الصور داخل الكعبة- وقال - ﷺ -: قاتلهم الله ما كان إبراهيم يستقسم بالأزلام.
ولم يدخل الرسول - ﷺ - الكعبة إلا بعد أن محيت هذه الصور منها، ثم دخلﷺ - الكعبة فصلى فيها ركعتين، ثمَّ استلم الرسول - ﷺ - الحجر الأسود، وطاف بالبيت سبعًا مهللًا مكبرًا ذاكرًا شاكرًا، فلما فرغ - ﷺ - من الطواف بالبيت سبعًا، رقي الصفا فاستقبل الكعبة وهلَّل وحمد الله، وأثنى عليه، ومجَّدهُ بما هو أهله ودعا بما شاء الله أن يدعو به، ولم يطف بين الصفا والمروة لأنه لم يكن محرمًا بعمرة (١).
عبادة الله! وأمر رسول الله - ﷺ - بلالًا أن يصعد فوق ظهر الكعبة، فيؤذن
_________________
(١) انظر "صحيح مسلم" (رقم ١٣٣٠)، و"صحيح البخاري" (رقم ٣٣٥٢).
[ ٥٠٤ ]
للصلاة، فصعد بلال وأذن للصلاة، وأنصت أهل مكة للنداء الجديد على آذانهم كأنهم في حُلمٍ، إن هذه الكلمات تقصف في الجو فتقذف بالرعب في أفئدة الشياطين، فلا يملكون أمام دويِّها إلا أن يولوا هاربين، أو يعودوا مؤمنين، الله أكبرُ الله أكبرُ، اللهُ أكبر اللهُ أكبر.
ذلك الصوت الذي كان يهمس يومًا تحت أسواط العذاب وهو يقول: أَحدٌ أَحدٌ، ها هو اليوم يُجلجل فوق كعبة الله قائلا: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، والكل خاشعٌ منصت خاضع.
ها هي الآن كلمة التوحيد هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، فها هي الأصنام تحت الأقدام، إنها لحظة والله يبكى فيها القلب فرحًا على هذا النصر العظيم.
عباد الله! ثم أخذ رسول الله - ﷺ - يبايع الناس على الإِسلام، فبايعهم على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا؛ بايعهم رجالًا ونساءً صغارًا وكبارًا. وما مست يدُ رسول الله - ﷺ - يد امرأة قط (١).
وقال - ﷺللنساء: "إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأةٍ كقولي لمئة امرأة" (٢).
عباد الله! فلما بايع النبيﷺالرجال والنساء على الإِسلام والسمع والطاعة لله ولرسوله - ﷺ - واستقر الأمن .. خرج - ﷺ - فدخل بيت أمِّ هانئ بنت أبي طالب بنت عمه، فاغتسل - ﷺ - ثم صلى ثماني ركعات شكرًا لله تعالى على هذا الفتح.
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٥٢٨٨)، ومسلم (رقم ١٨٦٦).
(٢) "صحيح النسائي" (٤١٩٢).
[ ٥٠٥ ]
وأجارت أم هانئ حموين لها، فقال رسول الله - ﷺ -: "قد أجرنا من أجرتِ يا أمِّ هانئ" (١).
عباد الله! فلما مكن الله رسولهﷺ - من أهل مكة، واستقر الفتح أمَّنَ رسول اللهﷺ - الناس جميعًا، وعفا عنهم كلهم ولم يأخذهم بجريرتهم السابقة، إلا أربعة رجالٍ وامرأتين كانوا قد آذوه إيذاءً شَديدًا.
فقالﷺ -: "اقتلوهم ولو وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة" فمنهم من قتل ومنهم من أسلم.
عباد الله! فلما كان الغد من يوم الفتح قام النبي - ﷺ - في الناس خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ومجَّدهُ بما هو أهله، ثم قال: "يا أيها الناس إن مكة حرَّمها الله، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يحل لأحد أن يسفك فيها دمًا، ولا أن يعضد فيها شجرة، فإن أحدٌ ترخص بقتال رسَّوَل الله - ﷺ - يوم الفتح -أي بفعل رسول الله - ﷺ - فقولوا: إن الله أذن لنبيه ولم يأذن لكم، وإنما أحلها الله لي ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب" (٢).
عباد الله! وفي فتح مكة نزلت سورة النصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾.
العنصر الخامس: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من فتح مكة.
أولًا: كان فتح مكة بداية فتحٍ عظيم للمسلمين، فقد كان الناس تبعًا
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٥٧)، ومسلم (رقم ٣٣٦).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٠٤)، ومسلم (رقم ١٣٥٤).
[ ٥٠٦ ]
لقريش في جاهليتهم كما أنهم تبعٌ لقريش في إسلامهم، وكانت القبائل تنتظر ما يفعل رسول الله - ﷺ - مع قومه وعشيرته، فإن نصره الله عليهم دخلوا في دينه، وإن انتصرت قريش عليه يكونون بذلك قد كفوهم أمره.
فلما نصر الله رسوله والمسلمين، وفتحوا مكة عرف الناس جميعًا أنه رسول الله صدقًا، فدخل الناس في دين الله أفواجًا. قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) ..﴾.
ثانيًا: سورة النصر علامة على أجل رسول الله - ﷺ -.
قالت عائشة - ﵂-: كان رسول الله - ﷺ - يُكثر من قوله: "سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه".
فقال - ﷺ -: "أخبرني ربي أنى سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتُها أكثرت من قول: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه"، فقد رأيتها: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ (١).
عباد الله! وهذه السورة تسمى سورة التوديع، حيث جاءت مخبرة بقرب أجل المصطفى - ﷺ - فعن ابن عباس: قال: كان عمر يُدخلني مع أشياخ بدرٍ فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لِمَ تُدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله. فقال عمر: إنه من حيث علمتم، فدعاني ذات يومٍ فأدخلني معهم فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم.
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٨١٧)، ومسلم (رقم ٤٨٣ بعد ٢١٧) واللفظ له.
[ ٥٠٧ ]
قال: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾.
فقال بعضهم: أمرنا أن نحمده ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا.
فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟
قلت: هو أجلُ رسول الله - ﷺ - أعلمه له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، - وذلك علامة أجلك- ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.
فقال عمر: "ما أعلم منها إلا ما تقولُ" (١).
ثالثًا: التحذير من الشفاعة في حدٍ من حدود الله
قال عروة بن الزبير: إن امرأةً سرقت في عهد رسول الله - ﷺ - في غزوة الفتح، ففزع قومُها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه.
قال عروة: فلما كلمة أسامة فيها تلون وجه رسول الله - ﷺ -، فلما كان العشيّ قام رسول الله - ﷺ - خطيبًا فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد، فإنما أهلك الناس قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي محمَّد بيده، لو أن فاطمة بنت محمَّد سرقت لقطعت يدها" ثم أمر رسول الله - ﷺ - بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت.
قالت عائشة: فكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله - ﷺ - (٢).
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٤٩٧٠).
(٢) رواه البخاري (رقم ٢٦٤٨).
[ ٥٠٨ ]
رابعًا: الكبيرة دون الشرك لا تخرج صاحبها من الإيمان وقد تكفر بالحسنة الكبيرة، وهذا يؤخذ من فعل حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ - عندما أرسل كتابًا إلى قريش يخبرهم فيه بخبر رسول اللهﷺ -، وشفع له شهوده بدرًا فقالﷺ - لعمر بن الخطاب: يا عمر أو ليس قد شهد بدرًا؟ وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدرٍ فقال: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".
عقيدتنا في أصحاب الكبائر أنهم في مشيئة الله إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم، ولا نكفرهم، ولا نخرجهم من الملة كما تفعل الخوارج.
اللهم رد المسلمين إلى دينهم ردًا جميلًا.
[ ٥٠٩ ]