عباد الله! وموعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ - وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن مشروعية القتال.
وكلامنا عن مشروعية القتال سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: رسول الله - ﷺ - والمسلمون قبل مشروعية القتال
العنصر الثاني: مشروعية القتال.
العنصر الثالث: السرايا والغزوات التي تحركت من المدينة بعد الإذن بالقتال.
العنصر الأول: رسول اللهﷺ - والمسلمون قبل مشروعية القتال:
عباد الله! أرسل الله رسوله إلى الناس جميعًا، وأمره أن يدعو إلى الهدى ودين الحق، فلبث في مكة يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، عباد الله! فقابل كفار مكة هذه الدعوة بالصد والاعتداء على رسول اللهﷺ - وعلى أصحابه، والله -﷿- يأمر رسوله - ﷺ - أن يقابل هذا الاعتداء؛ بالصبر، والعفو، والصفح الجميل.
قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ [الزخرف: ٨٩]، وقال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحجر: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤].
[ ٢٨٧ ]
رسول الله - ﷺ - في مكة يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، وكفار قريش يقابلون ذلك بالاعتداءات على رسول الله - ﷺ - وأصحابه. ولم يأذن الله لرسوله - ﷺ - بأن يقابل السيئة بالسيئة، أو يواجه الأذى بالأذى، أو يحارب الذين حاربوا الدعوة، أو يقاتل الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات، ولكن قال له: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦)﴾ [المؤمنون: ٩٦].
وذلك يا عباد الله! حتى لا يصطدم المسلمون مع الكفار في بداية الدعوة، فيؤثر ذلك على دعوة الإِسلام.
عباد الله! النبي - ﷺ - في مكة يربي أصحابه على العفو والصبر والصفح، وينهاهم عن قتال الكفار قبل مشروعية القتال.
ومن الأمثلة على ذلك:
١. كان النبيﷺ - يمر على أصحابه وهم يعذبون فيقول لهم: "صبرًا آل ياسر،
فإن موعدكم الجنة" (١).
٢. وعن ابن عباس -﵄-: "أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي - ﷺ - بمكة فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة- يريدون بذلك أن يأذن لهم النبي - ﷺ - أن يقاتلوا الكفار- فقال: "إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا .. " (٢).
٣. وعن خباب بن الأرت - ﵁ - قال: شكونا إلى رسول الله - ﷺ - وهو متوسد
_________________
(١) قال الشيخ الألباني في التعليق على "فقه السيرة" (ص ١٠٧) "حديث حسن صحيح".
(٢) "صحيح سنن النسائي" (٢٨٩١).
[ ٢٨٨ ]
بردة له في ظل الكعبة- ولقد لقينا من المشركين شدة-، فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقالﷺ -: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشي بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" (١).
تربية في بادئ الأمر على الصفح والعفو والصبر الجميل.
العنصر الثاني: مشروعية القتال.
عباد الله! كفار مكة يتفننون في أساليب الاعتداء على رسول الله - ﷺ - وأصحابه؛ ليصدوهم عن دينهم، والنبي - ﷺ - وأصحابه يقابلون ذلك بالعفو والصفح الجميل، ولما وصل الاعتداء قمته بتدبير مؤامرة لاغتيال النبي - ﷺ -، اضطر الرسول - ﷺ - وأصحابه أن يهاجروا من مكة إلى المدينة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠].
عباد الله! عندما وصل النبيﷺ - إلى المدينة مهاجرًا من مكة بدأ أولًا ببناء المسجد، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، ثم عقد معاهدة مع اليهود -الذين يسكنون معه في المدينة- تقتضي أن يكون المسلمون واليهود يدًا واحدة ضد كل من قصد المدينة بسوء- وهذا ما يسمى في لغة العصر تأمين
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٣٦١٢).
[ ٢٨٩ ]
الجبهة الداخلية- ليتفرغوا للتصدي لأي عدوان يأتي من الخارج على المدينة.
عباد الله! لما استقر رسول الله - ﷺ - بالمدينة، وألف الله بين قلوب المسلمين، وقامت للمسلمين دولة في المدينة، ساء ذلك قريشًا وأحزنهم، فأخذوا يهددون رسول الله - ﷺ - وأصحابه. ومن الأمثلة على ذلك:
١ - انطلق سعد بن معاذ إلى مكة معتمرًا، فنزل على أمية بن خلف بمكة فقال لأمية: انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت فخرج به قريبًا من نصف النهار فلقيهما أبو جهل فقال: يا أبا صفوان! من هذا معك؟
فقال: هذا سعد
فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنًا وقد آويتم الصباة (أي أصحاب النبي - ﷺ -)، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم أما والله! لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالمًا، فقال له سعد ورفع صوته عليه: أما والله! لئن منعتني هذا لأمنعك ما هو أشد عليك منه، طريقك على أهل المدينة" (١).
وهذا هو الشاهد، التهديد من كفار مكة لمن جاء إلى المدينة.
أمر ثان يشهد بالتهديد من كفار مكة للنبي - ﷺ - وأصحابه.
٢ - عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - "أن
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٣٦٣٢).
[ ٢٩٠ ]
كفار قريش كتبوا إلى عبد الله بن أبي، ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج، والنبي - ﷺ - يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر: إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه، أو لتخرجنه، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم.
فلما بلغ ذلك ابن أبي ومن كان معه من عبده الأوثان اجتمعوا لقتال رسول الله - ﷺ - فلما بلغ ذلك النبي - ﷺ - لقيهم فقال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم، فلما سمعوا ذلك من النبي - ﷺ - تفرقوا" (١).
عباد الله! لما أرسل كفار مكة كتاب التهديد إلى ابن سلول وافق ذلك هوىً في نفسه، إذ كان أهل المدينة قبل هجرة النبي - ﷺ - يرصعون التاج لابن أبي ليتوجوه ملكًا عليهم، فلما وصل رسول الله - ﷺ - المدينة انصرف الناس كلهم إليه، وأعرضوا عن ابن سلول، فكان ابن سلول يعتقد أن النبي - ﷺ - سلبه الملك، فما هو أن أتاه هذا الكتاب من كفار قريش حتى بادر إلى تجميع الناس، وتحريضهم على قتال النبي - ﷺ -، فاجتمع هو ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج لقتال النبي - ﷺ -، فلما وصل الخبر إلى النبي - ﷺ - خرج إليهم، وذكرهم ونصحهم، فلما سمعوا كلام النبي - ﷺ -، كفوا أيديهم، وألقوا سلاحهم، ورجعوا عما عزموا عليه.
٣ - واستمر كفار مكة في تهديد المسلمين، فأرسلوا كتابًا آخر إلى المسلمين في المدينة يهددونهم بالهجوم عليهم في أي لحظة من ليل أو نهار للقضاء عليهم.
_________________
(١) "صحيح سنن أبي داود" (رقم ٢٥٩٥).
[ ٢٩١ ]
وعلم النبي - ﷺ - أن هذا التهديد ليس مجرد تهديد، وأن قريشًا قد تهاجمهم بالفعل في المدينة في آية ساعة من ليل أو نهار، مما جعل النبي - ﷺ - يسهر بالليل ولا ينام.
عن عائشة -﵂- قالت: "سهر رسول الله - ﷺ - مقدمه المدينة ليلة؟ فقال: ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة.
قالت: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح -أي: صوت سلاح-
فقال رسول الله - ﷺ -: مَنْ؟
قال: سعد بن أبي وقاص.
قال: وما جاء بك؟
قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله - ﷺ - فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله - ﷺ -، ثم نام حتى أصبحنا" (١).
واستمر هذا السهر من النبي - ﷺ -، واستمرت الصحابة في حراسته ليلًا، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
فقال رسول الله - ﷺ -: "أيها الناس انصرفوا، فقد عصمني الله -﷿-" (٢).
عباد الله! ولم يكن هذا السهر خاصًا به - ﷺ - وحده، بل كان أصحابه جميعًا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه، حتى شق عليهم ذلك، وكانوا لا يظنون أن يأتي عليهم يوم يضعون فيه السلاح، ويأمنون فيه على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم.
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٨٨٥)، ومسلم (رقم ٢٤١٠).
(٢) "صحيح سنن الترمذي" (٣٠٤٦).
[ ٢٩٢ ]
عن أبي بن كعب - ﵁ - قال: لما قدم رسول الله - ﷺ - وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار، ورمتهم العرب عن قوس واحدة -أي اتفقوا الكفار جميعًا على النبي - ﷺ - وعلى أصحابه- كانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه، فقال بعضهم لبعض وهم كذلك: تظنون أن يأتي علينا يوم نأمن على أنفسنا، ونضع السلاح ولا نخاف إلا الله -﷿- من شدة البلاء-
فأنزل الله -﷿- قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] (١).
عباد الله! في هذه الظروف الخطيرة التي كانت تهدد كيان المسلمين بالمدينة، والتي كانت تنبئ عن أنَّ قريشًا لا يفيقون عن غيهم، ولا يمتنعون عن تمردهم بحال؛ أذن الله للمسلمين بالقتال.
قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٣٩ - ٤١].
عباد الله! شرع الله القتال للمسلمين على مراحل:
_________________
(١) صحيح، رواه الحاكم (٢/ ٣٠١).
[ ٢٩٣ ]
المرحلة الثالثة
المرحلة الأولى: الإذن بالقتال دفاعًا عن النفس.
قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾.
المرحلة الثانية: أمر الله المسلمين بالقتال دفاعًا عن النفس والعقيدة.
قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠].
المرحلة الثالثة: أمر الله المسلمين بقتال المشركين، وابتدائهم به، وذلك للتمكن للعقيدة الإِسلامية من الانتشار دون أية عقبات تضعها قوى الشرك، ولتصبح كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وبذلك لا يقوى أحد على فتنة المؤمنين، وصرفهم عن دينهم حيثما كانوا، ويظهر ذلك من:
قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩].
عباد الله! وهذا القتال الذي شرعه الله -﷿- للمسلمين، وأمرهم به، هو الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وهو يختلف عن الحروب الأخرى التي تقوم بها الشعوب والدول.
[ ٢٩٤ ]
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٧٦].
وكان - ﷺ - إذا أرسل جيشًا قال لهم: "اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا" (١).
العنصر الثالث: السرايا والغزوات التي تحركت من المدينة بعد الإذن بالقتال.
عباد الله! لما أذن الله تعالى لرسوله - ﷺ - في الدفاع عن نفسه، وعن أصحابه، أخذ - ﷺ - يبعث سراياه إلى الجهات المختلفة لمقاصد عالية وحكم غالية منها:
أولًا: إشعار قريش بأن المسلمين لم يهاجروا فرارًا، ولم يخرجوا هربًا، وإنما هاجروا ليعدوا أنفسهم لمقاومة الطغيان، ورد الظلم والعدوان، ولتعلم قريش أن المسلمين أصبحوا أقوياء.
ثانيًا: السيطرة على بعض أموال قريش ليكون في ذلك إضعاف لقريش عن حرب المسلمين، وتقوية للمسلمين أنفسهم حتى ينفقوا هذه الأموال في سبيل الدعوة إلى الله، بدلًا من إنفاق قريش تلك الأموال في الصد عن سبيل الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦].
ثالثًا: إعلام الكفار من يهود المدينة ومن حولها؛ أن المسلمين قادرون على دحر أي عدوان ورد أي طغيان على المدينة، سواء كان من العدو
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ١٧٣١).
[ ٢٩٥ ]
الداخلي -يعني اليهود- أو من العدو الخارجي -يعني كفار قريش-.
رابعًا: استطلاع الأحوال واستكشاف الآراء، والإحاطة بالمواقع ومعرفة ميول الناس حول المدينة هل هي مع المسلمين أو عليهم.
خامسًا: الدعوة إلى الله -﷿-، ونشر دين الله -﵎- ولذلك لم يحصل قتال في أي سرية بعثها النبي - ﷺ - إلا بعد عناد الكفار، وإصرارهم على القتال، فكان المسلمون يضطرون إلى منازلة الكافرين لإصرارهم على المنازلة.
عباد الله! ففي رمضان من السنة الأولى التقى "حمزة بن عبد المطلب" في ثلاثين من المسلمين، بأبي جهل يقود قافلة لقريش، ومعه ثلاث مئة راكب وقد حجز بينهما مجدي بن عمرو الجهني فلم يقع قتال.
٢ - وفي شوال من السنة نفسها، سار عبيدة بن الحارث في ستين راكبًا إلى وادي رابغ، فالتقى بمائتي مشرك على رأسهم أبو سفيان، وقد ترامى الفريقان بالنبل ولم يقع قتال.
٣ - وفي ذي القعدة خرج "سعد بن أبي وقاص" في نحو عشرين رجلًا يعترض عيرًا لقريش ففاتته.
٤ - وفي صفر من السنة الثانية خرج الرسول - ﷺ - بنفسه بعد أن استخلف سعد بن عبادة على المدينة، وسار حتى بلغ ودّان يريد قريشًا وبني ضمرة، فلم يلق قريشًا وعقد حلفًا مع بني ضمرة.
٥ - وفي ربيع الأول من السنة نفسها خرج الرسول - ﷺ - على رأس مائتين من المهاجرين والأنصار إلى "بواط" معترضًا عيرًا لقريش يقودها أمية بن خلف ومعه مائة من المشركين ففاتته.
[ ٢٩٦ ]
٦ - ثم أغار كرز بن جابر الفهري على المدينة واستاق سرحها، فخرج النبي - ﷺ - في طلبه حتى بلغ وادي سنوان قريبًا من "بدر" فلم يدركه وتسمى هذه "غزوة بدر الأولى".
عباد الله! بعث النبي - ﷺ - سرية، وأمّر عليها عبد الله بن جحش الأسدي، وكان ذلك في شهر رجب، وكتب النبيﷺ - لعبد الله بن جحش كتابًا وأمره أن لا تنظر فيه حتى يسير يومين، فخرج عبد الله بن جحش في اثني عشر رجلًا من المهاجرين فلما سار يومين فتح الكتاب ونظر فيه، وإذا رسول الله - ﷺ - يأمره أن يسير حتى ينزل في نخلة، مكان بين مكة والطائف، فيرصد فيها قريشًا ويتعرف على أحوالها، وأمره النبيﷺ - أن لا يستكره أحدًا من أصحابه على السير معه، فلما قرأ عبد الله كتاب النبي - ﷺ - قال: سمعًا وطاعةً لرسول الله - ﷺ -، وأخبر أصحابه أنه قد أمر أن لا يستكره أحدًا منهم فمن أحب الشهادة فليسر، ومن كره الموت فليرجع.
فمضوا كلهم حتى إذا كانوا ببعض الطريق، أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه ومضى عبد الله بن جحش في عشرة من المهاجرين حتى نزلوا بنخلة فمرت لهم عير قريش قادمة من الشام على رأسها عمرو بن الحضرمي ومعه ثلاثة نفر من كفار قريش فلما رأوا العير تشاوروا ماذا يفعلون؟
إننا في آخر يوم من رجب، فإن قاتلناهم قاتلناهم في الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا المسجد الحرام، فرأوا أن يقاتلوهم حتى لا يفلتوا منهم، فرمي أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله، ثم أسروا رجلين وأفلت الرابع، فرجعوا إلى النبي - ﷺ - بالعير والأسير، فأنكر عليهم النبي - ﷺ - تصرفهم ولم يقرهم عليه، وانتهزت قريش الفرصة للتشنيع على المسلمين والتشهير بهم، وذمهم وعيبهم على قتالهم في الشهر الحرام، وقالوا: انظروا إلى محمَّد
[ ٢٩٧ ]
- ﷺ - وأصحابه، يزعمون أنهم يعظمون الأشهر الحرم وقد قاتلوا في الشهر الحرام، واشتد ذلك على أصحاب رسول الله - ﷺ -، فعفى الله عنهم، ورفع الحرج عنهم وأنزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
فأقر الله ﵎ الكفار على عيبهم على المسلمين قتالهم في الشهر الحرام، وقال إن القتال في الشهر الحرام كبير، ولكن أكبر منه وأعظم جرمًا ما أنتم عليه معشر المشركين من الكفر بالله، والصد عن سبيله وعن المسجد الحرام، وما أنتم عليه من الشرك، وإخراج المسلمين أولياء الله من بيت الله الحرام، هذا الذي أنتم عليه أكبر عند الله من انتهاك المسلمين للشهر الحرام، فأنتم تستحقون القدح والذم والعيب والمقت والعقوبة.
أما المهاجرون؛ فإنهم وإن انتهكوا حرمة الشهر الحرام؛ فإنما انتهكوها بنوع تأويل أو تقصير حصل، والله يعفو عنهم لأنهم أهل الإيمان وأهل توحيده وعبادته، هم الذين هاجروا مع رسوله، ونصروا دينه وتركوا ديارهم وأموالهم، ابتغاء مرضاته، فلا حرج عليهم فيما كان منهم من القتال في الشهر الحرام (١).
اللهم انصر الإِسلام وأعز المسلمين.
_________________
(١) "زاد المعاد" (٣/ ١٧٠).
[ ٢٩٨ ]