عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من
سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن وفاء المسلمين وغدر وخيانة اليهود.
عباد الله! عندما وصل النبي - ﷺ - إلى المدينة مهاجرًا من مكة انشغل بما يلي:
أولًا: صلة الأمة بالله، فبادر - ﷺ - إلى بناء المسجد كما ذكرنا، لتظهر فيه شعائر الإِسلام التي طالما حوربت، ولتقام فيه الصلوات التي تربط المرء بربه، وتنقى القلب من أدران الأرض، ودسائس الحياة الدنيا.
ثانيًا: صلة الأمة بعضها ببعض، فآخى النبي - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار أخوة تمحى من خلالها كلمة (أنا)، ويتحرك الفرد فيها بروح الجماعة ومصلحتها وآمالها، فلا يرى لنفسه كيانًا دونها ..
ومعنى هذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية، فلا حمية إلا للإسلام، وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتأخر أحد أو يتقدم إلا بمروءته وتقواه.
ثالثًا: صلة الأمة بالأجانب عنها، ممن لا يدينون دينها، أخص بالذكر "اليهود" الذين استوطنوا المدينة في ذلك الوقت.
عباد الله! وحديثنا عن وفاء المسلمين وغدر وخيانة اليهود سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: الإِسلام دين السلام والأمن والأمان، يأمر بالوفاء وينهى عن الخيانة والغدر.
[ ٢٧٥ ]
العنصر الثاني: موقف اليهود من رسول الله - ﷺ - عندما وصل إلى المدينة.
العنصرالثالث: معاملة النبي - ﷺ - لليهود في المدينة.
العنصر الرابع: اليهود أهل غدر وخيانة.
العنصر الأول: الإِسلام دين السلام والأمن والأمان، يأمر بالوفاء وينهى عن الخيانة والغدر:
عباد الله! الإِسلام دين السلام والأمن والأمان، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ [الأنفال: ٦١].
وقال عبد الله بن سلام -وكان رجلًا يهوديًا شرح الله صدره للإسلام-: فلما رأيت وجهه (أي النبي - ﷺ -) علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: "يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" (١).
وسأل رجل النبي - ﷺ -: أي الإِسلام خير؟
قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" (٢).
وقال - ﷺ -: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه" (٣).
وقال - ﷺ -: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٤).
عباد الله! الإِسلام دين يأمر بالوفاء بالعهود ويحذر من الخيانة والغدر،
_________________
(١) "صحيح الجامع" (٧٧٤٢).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٢)، ومسلم (رقم ٣٩).
(٣) رواه مسلم (رقم ٤٦).
(٤) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٠)، ومسلم (رقم ٤٠).
[ ٢٧٦ ]
قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء:٣٤]، أي يا معشر المسلمين إذا عاهدتم فأوفوا بعهدكم، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾ [النحل: ٩١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقال تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾ [الأنعام: ١٥٢].
وقال تعالى محذرًا من نقض العهود: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد: ٢٥].
عباد الله! والنبي - ﷺ - يربي أمته على الوفاء بالعهود ويحذرهم من خلف الوعود، قال - ﷺ -: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" (١).
وقال - ﷺ -: "اضمنوا لي ستًا من أنفسكم أضمن لكم الجنة": منها "وأوفوا إذا وعدتم" (٢).
والنبي - ﷺ - يقول: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان".
وفي رواية لمسلم زاد: "وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم" (٣).
_________________
(١) "صحيح الجامع" (٧٠٥٦).
(٢) "صحيح الجامع" (١٠٢٩).
(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٣)، ومسلم (رقم ٥٩).
[ ٢٧٧ ]
عباد الله! ولذلك ضرب لنا الرسولﷺ - والمسلمون من بعده مثلًا أعلى في الوفاء بالعهود، استجابة لأمر الله ولأمر رسوله - ﷺ -.
العنصر الثاني: موقف اليهود من رسول الله - ﷺ - عندما وصل إلى المدينة.
عباد الله! اليهود شعب مجرم لا يحب إلا نفسه، ولا يعرف إلا مصالحه؛ يعيش على حساب خراب بيوت الآخرين، دائمًا يُشعلون نار الحرب بين القبائل قديمًا وبين الدول حديثًا.
واليهود في المدينة هم الذين كانوا يشعلون نار الحرب بين الأوس والخزرج، فلما جاء النبي - ﷺ - إلى المدينة بالإِسلام، عرفوا وأيقنوا أن هذا الدين الجديد يقضي على مصالحهم الخبيثة، فنظروا إلى الرسولﷺ - والإِسلام نظرة حقد وحسد وبغض ولكنهم لم يستطيعوا أن يظهروا ذلك في أول الأمر.
ويظهر لنا ذلك من قصة إسلام عبد الله بن سلام عندما أرسل النبي - ﷺ - إلى اليهود فجاءوا فقال لهم رسول اللهﷺ -: "يا معشر اليهود؛ ويلكم اتقوا الله وأسلموا، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد علمتم أني رسول الله حقًا، وأني قد جئتكم بالحق من عنده"
فقالوا: ما نعلمه -وهذا يدل على ما في قلوبهم- علمًا أنهم يعرفون رسول اللهﷺ - حقًا كما يعرفون أبناءهم.
وعندما قال لهم: "أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟
قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم.
وعندما قال لهم عبد الله بن سلام: يا معشر اليهود! اتقو الله فوالله الذي
[ ٢٧٨ ]
لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بالحق، فقالوا له: كذبت (وهذا يعبر عما في قلوب اليهود).
ويظهر لنا ذلك أيضًا مما رواه ابن إسحاق عن أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب -﵂- أنها قالت: كنت أحَبُّ ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسر؛ لم ألقهما قط مع ولدٍ لهما إلا أخذاني دونه.
قالت: فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة، ونزل قباء في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي؛ حيي بن أخطب، وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين -أي وقت صلاة الفجر-
قالت: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس.
قالت: فأتيا كالين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى
قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع. فوالله! ما التفت إلى واحدٌ منهما، مع ما بهما من الغمِّ.
قالت: وسمعت عمي أبا ياسر، وهو يقول لأبي، حيي بن أخطب: أهو هو؟ - وهذا هو الشاهد -أي: أهو الرسول الذي نعرفه في التوراة.
قال: نعم والله!
قال: أتعرفه وتثبته؟
قال: نعم
قال: فما في نفسك منه؟
قال: عداوته والله! ما بقيت -وهذا هو الشاهد- (١).
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" (١/ ٥١٨ - ٥١٩).
[ ٢٧٩ ]
هذا هو موقف اليهود من الرسول - ﷺ - عندما وصل إلى المدينة، حقد بغضاء حسد عداوة.
العنصر الثالث: معاملة النبيﷺ - لليهود في المدينة.
عباد الله! لما استقرت الأوضاع في المدينة، تطلع رسول الله - ﷺ - إلى حماية المدينة من الداخل- وهذا ما يقال في لغة العصر تأمين الجبهة الداخلية- فسعى إلى أن يكون بينه وبن اليهود -وهم على دينهم- حسن جوار فلا يؤذيهم ولا يؤذونه، ولا يعتدي عليهم ولا يعتدون عليه، فدعى النبيﷺ - إلى معاهدة سلم تكفل لهم الحرية الكاملة التامة في دينهم وأموالهم، وتضمن لهم أن يعيشوا في جوار النبيﷺ - في سلم وسلام، وأمن وأمان.
وكان من مقتضى هذه المعاهدة أن يكون المسلمون واليهود يدًا واحدة ضد كل من قصد المدينة بسوء.
وكان في المدينة من اليهود ثلاث طوائف: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، فعاهدهم النبي - ﷺ - جميعًا على المسالمة، وعلى النصرة والمؤازرة ضد كل من يقصد المدينة بسوء.
عباد الله! وأخذ النبيﷺ - يحث المسلمين على الوفاء، وأداء الأمانة، وينهاهم عن الغدر والخيانة، ويأمرهم باحترام هذه المعاهدة واحترام أهلها، ويحذرهم من الاعتداء على أهل هذه المعاهدة في نفس أو مال، فجعل - ﷺ - يقول: "ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة" (١).
_________________
(١) "صحيح أبي داود" (٢٦٢٦).
[ ٢٨٠ ]
وجعل - ﷺ - يقول: "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا" (١).
عباد الله! وتأليفًا من النبي - ﷺ - لقلوب اليهود، وطمعًا في إسلامهم: توجه - ﷺ - في صلاته إلى بيت المقدس بأمر الله له.
ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء؛ فسألهم عن سبب صيامهم فقالوا: ذاك يوم نجَّى الله تعالى فيه موسى وبني إسرائيل، وأهلك فرعون وملأه؛ فنحن نصومه شكرًا لله -﷿- فقال - ﷺ -: "نحن أحق بموسى منكم" فصامه وأمر بصيامه" (٢).
وظل - ﷺ - يوافقهم على ما هم عليه؛ فيما لم يأته فيه وحي من الله -﷿- تأليفًا لقلوبهم، فعن ابن عباس - ﵄- قال: كان رسول الله - ﷺ - يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه.
"وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، فسدل النبي - ﷺ - ناصيته ثم فرق بعد" (٣).
سدل رسول الله - ﷺ - ناصيته تأليفًا منه لليهود، وموافقة لهم حتى يكون قريبًا منهم، ومع ذلك لم يستجيبوا له، ثم فرق بعد أن دخل الوثنيون في الإِسلام وأبى اليهود إلا الكفر.
عباد الله! وكان القرآن الكريم ينزل على النبي - ﷺ - مفرقًا في العلاقة بين
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٣١٦٦).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٠٠٥)، ومسلم (رقم ١١٣١).
(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٥٥٨)، ومسلم (رقم ٢٣٣٦) واللفظ له.
[ ٢٨١ ]
المسلمين واليهود، وبين المسلمين والوثنيين.
فنهى الله تعالى رسوله والمسلمين عن أكل طعام الوثنيين وعن الزواج منهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠].
نهيٌ عن أكل ذبائح المشركين، ونهى عن الزواج منهم.
أما اليهود والنصارى فقد أحل الله تعالى طعامهم والزواج منهم.
فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥].
عباد الله! ونزل القرآن الكريم يدعو اليهود والنصارى إلى الإيمان، ويرغبهم فيه، وينهاهم عن الكفر.
قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ
[ ٢٨٢ ]
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾ [آل عمران: ٧٠ - ٧١].
عباد الله! ومع ذلك كله، فقد أصر اليهود على الكفر، واستكبروا استكبار، ومكروا للإسلام والمسلمين مكرًا كبارًا، فمن مكرهم وخديعتهم، أن يدخل في الإِسلام نفر منهم أول النهار، ويجلسون عند رسول الله - ﷺ - وبين المسلمين، ويراهم المسلمون جميعًا، حتى إذا كادت الشمس تغرب رجع هؤلاء اليهود عن إسلامهم آخر النهار وذلك حتى يقال: إن اليهود أهل نبوة وأهل كتاب، وعندهم علم من السماء فقد دخلوا في الإِسلام يظنونه دين الحق، فلما دخلوا فيه تبين لهم أنه ليس دين الحق، ولذلك رجعوا عنه فتكون هذه فتنة لضعاف الإيمان، والذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم بعد، والله -﷿- الذي خلقهم يعلم طبائعهم وخبثهم، فأخبرنا في كتابه عن صنيعهم، قال: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٢ - ٧٣].
وحذر ربنا -جل وعلا- اليهود من هذا الفعل، فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾ [آل عمران: ٩٩].
[ ٢٨٣ ]
عباد الله! وقد أخبرنا الله -﷿- في كتابه عما تحمله اليهود في قلوبهم نحو المسلمين والإِسلام، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ [المائدة: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠].
عباد الله! من أجل ذلك حذر الله -﷿- رسوله - ﷺ - والمسلمين من أهل الكتاب- اليهود والنصارى-
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾ [آل عمران: ١١٨ - ١٢٠]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [آل عمران: ١٠٠ - ١٠١].
[ ٢٨٤ ]
العنصر الرابع: اليهود أهل غدر وخيانة.
عباد الله! ومع ذلك كله ظل النبي - ﷺ - وفيًا لهم بعهده، ملتزمًا بالميثاق الذي أخذه على نفسه لهم، حتى كانوا هم أول من نقض العهد، فأجلاهم وأخرجهم من المدينة، وقتل فيهم من قتل، وكان أول من نقض العهد من طوائف اليهود بنو قينقاع، ثم نقض بنو النضير عهدهم في نفس السنة، ولما جاءت الأحزاب في السنة الخامسة نقض بنو قريظة عهدهم، فلما رجعت الأحزاب أتاهم النبي - ﷺ - فقتل مقاتليهم وسبق ذراريهم ونسائهم، وقد أخبرنا الله في كتابه أن اليهود أهل غدر وخيانة ونقض للعهود.
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾ [النساء: ١٥٣ - ١٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا
[ ٢٨٥ ]
مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ [المائدة: ١٢ - ١٣].
عن عبد الله بن عمر -﵄- أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله - ﷺ -، فأجلى رسول اللهﷺ - بني النضير وأقر قريظة، ومنَّ عليهم حتى حاربت قريظة بعد ذلك، فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا أن بعضهم لحقوا بالنبي - ﷺ - فاَمنهم وأسلموا، وأجلى رسول الله - ﷺ - يهود المدينة كلهم بني قينقاع (وهم قوم عبد الله بن سلام) ويهود بني حارثة، وكل يهودي كان في المدينة" (١).
فقد ثبت بالكتاب والسنة والتاريخ أن المسلمين أهل وفاء وأمانة، وأن اليهود أهل غدر وخيانة.
فنسأل الله سبحانه كما أخرج اليهود من المدينة؛ أن يخرجهم من أرض فلسطين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٠٢٨)، ومسلم (رقم ١٧٦٦).
[ ٢٨٦ ]