كان إذا قام إلى الصلاة قال: "الله أكبر" ولم يرو عنه التكلم بلفظ النية. وكان يرفع يديه مع التكبير حتى يحاذي (١) بهما أذنيه، وأحيانا يحاذي بهما كتفيه، ثم يضع يمينه علي يساره فوق صدره كذا في صحيح ابن خزيمة ثم يشرع في دعاء الاستفتاح، وذلك مروي من عدة وجوه صحيحة.
الأول: رواية أمير المؤمنين علي ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة قال: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم إنك أنت الله الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسى واعترفت بذنبى فاغفر لي ذنوبى جميعًا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدنى لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله بيدك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك" (٢).
الثاني: حديث أبي هريرة رضي الله تعالي عنه قال: كان رسول الله - ﷺ - يسكت بين التكبير والقراءة، فقلت بأبي وأمي أسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، الله نقني من خطاياي كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد" (٣).
_________________
(١) انظر صحيح البخاري بشرح فتح الباري (ج ٢ ص ٥٠٣ وما بعدها)، وأبو داود (ج ١ ص ١٩٤ وما بعدها)، والترمذي في أبواب الصلاة، باب ما جاء في وصف الصلاة حديث رقم (٣٠٤ - ٣٠٥).
(٢) الحديث أخرجه مسلم بمثله في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب (٢٦) باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه حديث (٧٧١ - ١/ ٥٣٤ - ٥٣٦)، والنسائي (٢/ ١٢٩) في الافتتاح، باب نوع آخر من الدعاء.
(٣) رواه البخاري في كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير حديث (٧٤٤ - ٢/ ١٢٧)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام حديث رقم (٥٩٨ ج ١ ص ٤١٩) وأبو داود في كتاب الصلاة. باب السكتة عند الافتتاح حديث رقم (٧٨١ ج ١ ص ٢٠٧). والنسائي (٢/ ١٢٨ - ٢٩١) باب الدعاء بين التكبيرة والقرآن.
[ ٢٨ ]
الثالث: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا استفتح الصلاة قال: "سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" (١).
الرابع: ورد في حديث آخر أنه كان يقول: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر، الحمد لله كثيرًا الحمد لله كثيرًا الحمد لله كثيرا، سبحان الله بكرة وأصيلا، سبحان الله بكرة وأصيلا، سبحان الله بكرة وأصيلا، اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم ومن همزه ونفخه ونفثه" (٢).
الخامس: ورد في رواية أخرى: "الله أكبر" عشر مرات ثم يسبح عشرًا ثم يحمد عشرًا ويهلل عشرًا ويستغفر عشرًا ثم يقول: "اللهم اغفر لي واهدني وارزقني" عشرًا ثم يقول: "اللهم إني أعوذ بك من ضيق المقام يوم القيامة" عشرًا (٣).
السادس: ورد في رواية صحيحة أنه كان يقول بعد التكبير: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد، اللهم نقنى من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس" (٤).
السابع: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض
_________________
(١) رواه مسلم بسند منقطع، ورواه الدارقطني موصولا وموقوفًا، ورواه الترمذي في أبواب الصلاة باب ما يقول عند افتتاح الصلاة حديث رقم (٢٤٣ - ٢/ ١١)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب من رأي الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك حديث رقم (٧٧٦ - ١/ ٢٠٦)، ورواه الدارقطني في كتاب الصلاة، باب دعاء الاستفتاح بعد التكبير حديث رقم (٦ - ٧ - ٨ - ٩ - ج ١/ ٢٩٩ - ٣٠٠).
(٢) رواه أبو داود بنحوه في كتاب الصلاة، باب من رأي الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك حديث (٧٧٥ - ج ١ ص ٢٠٦).
(٣) لم نجده بهذا اللفظ الذي أورده المصنف. وأورد الترمذي قريبًا منه (ج ٢ ص ١١) وأبو داود (ج ١ ص ٢٠٦)، والدارقطنى (١/ ٢٠٦).
(٤) متفق عليه، رواه البخاري في كتاب الأذان (ج ٢ ص ١٢٧ - ٧٤٤). ومسلم (ج ١ ص ٤١٩)، وأبو داود (ج ١ ص ٢٠٧)، والنسائي (١/ ٢٠٧).
[ ٢٩ ]
عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك فإنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم" (١).
الثامن: من الروايات أنه كان يقول بعد التكبير: "اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق وقولك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق والساعة حق" (٢).
وبعد هذه الأذكار يقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم يقرأ الفاتحة وكان يجهر بالبسملة في بعض الأوقات، ويخفيها في بعض الأوقات، وكان يقرأ مرتبا مرتلًا، ويقف عند آخر الكلمة ويقول: آمين بعد فراغ الفاتحة يجهر بها في الصلاة الجهرية، ويخفيها في السرية، ويوافقه في التأمين المقتدون بأسرهم، وكان يراعى سكتتين في الصلاة، سكتة بين التكبيرة وقراءة الفاتحة، وسكتة ثانية بين فراغه من الفاتحة وقراءة السورة.
وجاء في بعض الروايات أنه كان يسكت بين القراءة والركوع، فتكون هذه سكتة ثالثة. لكنها كانت في غاية اللطف والقلة، وكان يقرأ في صلاة الصبح بعد الفاتحة سورة مطولة مقدار ستين آية أو مائة آية، وأحيانا يقرأ سورة ق، وأحيانا يقرأ سورة الروم، وأحيانا يخفف إلى حد أنه كان يقتصر على قراءة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ وأحيانا بالمعوذتين.
وكان في السفر يقرأ أحيانا: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وكان يقرأ في صلاة فجر يوم الجمعة سورة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة في الركعة الأولى، ﴿هَلْ أَتَى﴾ في الركعة الثانية، وتخصيص يوم الجمعة، بقراءة هاتين السورتين، لأنهما اشتملتا علي ذكر المبدأ والمعاد، ودخول الجنة، وهذه المعاني تكون في يوم الجمعة، لأن القيامة تكون فيه فلا جرم أن يذكر الأمة هذا المعنى بقراءة هاتين السورتين.
_________________
(١) انظر صحيح مسلم (ج ١ ص ٥٣٤ - ٥٣٦)، والنسائي (٢/ ١٢٩) في الافتتاح، باختلاف عما أورده المصنف.
(٢) انظر نيل الأوطار للشوكاني (٢/ ١٢٩) وما بعدها.
[ ٣٠ ]
كما أنه كان يقرأ المحافل الكبار، والمجامع المعظمة سورة ق، واقتربت، وأمثال ذلك. وأما صلاة الظهر فكان يطولها بحيث أنه كان في بعض الأحيان بعد إقامة صلاة الظهر، يسير الماشى إلى قباء، ويرجع إلى الصلاة، ولم يكن يركع في الركعة الأولى، وكان يقرأ أحيانا في الركعة الأولى، مقدار ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، وحينا ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، أو ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ أو والليل، أو الانشقاق، أو والطارق، وما أشبه ذلك.
وأما صلاة العصر فكانت مقدار نصف صلاة الظهر في الطول، وأحيانا أخف من ذلك، وأما صلاة المغرب فكان يطولها أحيانًا بحيث أنه كان يقرأ سورة الأعراف في الركعتين، يقرأ في كل ركعة نصفًا، وحينا يقرأ الصافات، وسورة حم الدخان، وحينا سبح اسم ربك الأعلى، وحينًا والتين، وحينًا المعوذتين، وحينًا المرسلات، وحينًا قصار المفصل. وقد صحت الروايات بهذا المجموعة، والسنة أن لا يواظب على نمط واحد من تطويل، وتقصير، بل يطول حينًا، ويقصر حينًا بحسب الحال والوقت (١).
وأما صلاة العشاء فقد عين لمعاذ سورة والشمس، وسبح اسم ربك الأعلى، أو والليل، ومنعه من قراءة البقرة ونحوها وزجره، وقال له ﷺ: "أفتان أنت يا معاذ؟ " (٢). وفى بعض الأحاديث عين له والسموات، يعنى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾، والبروج، والطارق.
وأما صلاة الجمعة فإنه كان يقرأ في الأول سورة الجمعة. وفي الثانية سورة المنافقين، وحين التخفيف يقرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، والغاشية، وأما قراءة آخر سورة الجمعة في الركعة الأولى، وآخر سورة المنافقين في الثانية فمخالف للسنة.
وأما صلاة العيد، فكان يقرأ فيها سورة ق، وسورة اقتربت، وقد يقرأ
_________________
(١) ورد ما أشار إليه المصنف في كتب السنة انظر على سبيل المثال: صحيح البخاري في كتاب الأذان، باب (١٠٧) حديث رقم (٧٧٦ - ج ٢ ص ٣٦٠)، ومسلم في الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر (ج ١ ص ٣٣٣)، وأبي داود في كتاب الصلاة باب القراءة في الظهر (ج ١ ص ٢١٢) والنسائي (ج ٢ ص ١٦٥).
(٢) متفق عليه رواه البخاري ومسلم، وأورده الشوكاني في نيل الأوطار (ج ٢ ص ٢٣٥).
[ ٣١ ]
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، والغاشية (١)، وعلى هذا واظب إلى آخر عمره.
لا جرم أن الخلفاء الراشدين ساروا علي طريقه فكان الصديق رضي الله تعالى عنه يقرأ في صلاة الصبح سورة البقرة، وأمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه كان يصلي الصبح حينًا بيوسف، والنحل، وحينًا بهود وبني إسرائيل.
ولو نسخت إطالة الصلاة لما فعلها الخلفاء الراشدون. وفى حديث أنس كان رسول الله - ﷺ - أخف الناس صلاة في تمام. والمراد من هذا الحديث أن طول صلاته بالنسبة إلى صلاة غيره كان قليلا في الغاية كمعاذ مثلا، فإنه كان يقرأ في صلاة العشاء سورة البقرة، والتخفيف أمر نسبى، وفى سنن النسائى ثابت أن ابن عمر رضي الله تعالي عنهما قال: (كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا بالتخفيف ويأمنا بالصافات) (٢). فقراءة والصافات، في الصلاة من باب التخفيف الذي أمر به الصحابة، ولم يعين شيئا من السور، لشئ من الصلوات سوي الجمعة والعيدين.
قال عبد الله بن عمر: ما من سورة من طوال المفصل وقصاره إلا وقد سمعتها من رسول الله - ﷺ - يقرأها في صلاة الفريضة، وكان يقرأ السورة بتمامها غالبًا وفي النادر كان يقرأ بعض السور لبيان الجواز، وحيثما اقتصر على بعض السورة كان أولها فأما قراءة آخر السورة وأوسطها فإنه لم يرد، وكان يطول الركعة الأولى على الثانية دائمًا، وكان يطيل صلاة الصبح علي ما سواها من الصلوات، لأن النزول الربانى في ثلث الليل الأخير، باق إلى انقضاء صلاة الصبح، وبعضهم يقول إلى طلوع الفجر وكلاهما مروي.
وبعض المشايخ يقول: لما كان في عدد ركعات الصبح نقص كمل بالتطويل أو لأنها وقعت بعد الراحة بنوم الليل، أو لأنها وقت ليس فيه اشتغال بأمر المعاش والدنيا، وفيه يتواطأ القلب واللسان والسمع، ويسهل فيه تدبر القرآن، لا جرم تعين صرف تمام العناية إلي التطويل والتكميل.
_________________
(١) انظر صحيح البخاري باب (٩٩ - ج ٢ ص ٣٤٧)، ومسلم في كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح (٤٣٦ - ج ١ ص ٣٣٨)، وأبي داود في كتاب الصلاة، باب قدر القراءة في المغرب حديث (٨١١ - ج ١ ص ٢١٤)، والنسائي (ج ٢ ص ١٦٩) والموطأ (ج ١ ص ٧٨).
(٢) انظر: سبل السلام (ج ١ ص ٣٦٠)، ونيل الأوطار (ج ٢ ص ٢٣٥).
[ ٣٢ ]
فصل كيفية صلاة رسول الله - ﷺ -
كان النبي - ﷺ -: إذا فرغ من القراءة سكت قليلًا ثم كبر ورفع يديه، وركع وثبت كفيه علي ركبتيه، وجافى مرفقيه عن جنبيه وسوي ظهره ورأسه من غير رفع ولا تنكيس وقال: "سبحان ربي العظيم" ثلاثًا، وفي بعض الأحيان كان يضم إلى ذلك: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" (١) وقد يقتصر على هذا.
وطول ركوعه في الغالب كان قدر قول القائل: "سبحان ربي العظيم" عشر مرات والسجود قريب من ذلك، وأما حديث البراء في الصحيحين: رمقت الصلاة خلف رسول الله - ﷺ - فكان قيامه، وركوعه، واعتداله، وسجدته، وجلسته، ما بين السجدتين قريبًا من السواء. فإنه محمول علي أنه كان يطول الركوع والسجود حيث كان القيام طويلًا ويخفف الركوع والسجود حيث كان خفيفًا.
وهذا التأويل متعين، لأنه كان أحيانا يقرأ سورة الأعراف، فلو كان الركوع والسجود والجلسة مقدار ذلك لتمت الصلاة في نصف الليل، لكن في الصحيح أنه كان ركوعه وسجوده في بعض الأحيان قريبًا من القيام، كما في صلاة الخسوف، والكسوف، وفي التهجد أحيانًا إلا أنه كان غالب حاله الاعتدال كما بيناه.
وكثيرًا ما كان يقول في ركوعه وسجوده: "سبوح قدوس رب الملائكة والروح" (٢) وفى بعض الأحيان كان يقول: "اللهم لك ركعت، ولك خشعت،
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الأذان (١٣٩) التسبيح والدعاء في السجود وحديث رقم (٨١٧) فتح الباري (ج ٢ ص ٢٩٩)، ومسلم في كتاب الصلاة باب ما يقال في الركوع والسجود حديث رقم (٤٨٤ - ج ١ ص ٣٥٠). وأبو داود في كتاب الصلاة، باب في الدعاء في الركوع، والسجود حديث رقم (٨٧٧ - ج ١ ص ٢٣٢)، والنسائي (ج ٢ ص ٢١٩) في كتاب الافتتاح، باب الدعاء في السجود.
(٢) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي، وأورده الشوكاني في نيل الأوطار (ج ٢ ص ٢٤٦) في ذكر الركوع.
[ ٣٣ ]
وبك آمنت، وعليك توكلت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعصبي، وعظمي" وهذا كان في صلاة التهجد. وكان إذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه وقال: "سمع الله لمن حمده" (١)، وقد ثبت رفع اليدين في هذه المواضع الثلاثة، ولكثرة رواته شابه المتواتر، فقد صح في هذا الباب أربعمائة خبر وأثر، ورواه العشرة المبشرة بالجنة. ولم يزل على هذه الكيفية حتى رحل عن هذا العالم، ولم يثبت شيء غيرها، وكان إذا رفع رأسه من الركوع استوى قائمًا وكذا بين السجدتين. وقال: "لا تجزيء صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود" (٢).
وكان في بعض الأحيان إذا رفع رأسه من الركوع قال: "ربنا ولك الحمد" أو قال: "اللهم ربنا لك الحمد" (٣) وكلاهما صحيح، لكن الجمع بين اللهم والواو لم يثبت، وكان يطول هذا الركن مقدار الركوع غالبًا، وأحيانا كان يقول: "سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء من أهل الثناء، وأهل المجد أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (٤)، وأحيانًا يقول: "اللهم اغسلنى من خطاياى بالماء والثلج والبرد ونقني من الذنوب والخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب" (٥)، وأحيانا يقول: "لربي الحمد لربي الحمد" يكررها مقدار الركوع.
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري (ج ٢ ص ٢٩٩) ومسلم (ج ١ ص ٣٥٠) وانظر سبل السلام (ج ١ ص ٣٦٦).
(٢) متفق عليه.
(٣) رواه الشيخان: البخاري (ج ٢ ص ٢٩٩)، (ج ١ ص ٣٥٠) وأبو داود في كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع حديث رقم (٨٤٧ - ج ١ ص ٢٢٤)، والنسائي (ج ٢ ص ١٩٨ - ١٩٩) في كتاب الافتتاح، باب ما يقول في قيامه ذلك.
(٤) رواه مسلم في كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع حديث رقم (٤٤٧ - ج ١ ص ٣٤٧). وأبو داود في كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع حديث رقم (٨٤٧ - ج ١ ص ٢٢٤). والنسائي (ج ٢ ص ١٩٨ - ١٩٩) في كتاب الافتتاح، باب ما يقول في قيامه ذلك.
(٥) انظر صحيح البخاري (ج ٢ ص ١٢٧)، ومسلم (ج ١ ص ٤١٩). وأبي داود (ج ١ ص ٢٠٧)، والنسائي (ج ٢ ص ١٢٨ - ١٢٩).
[ ٣٤ ]
وفى بعض الأحيان كان يطول الاعتدال حتى تظن الجماعة أنه نسى، وكذا في السجود، فقد كان يطول في بعض الأحيان، حتى يظن المأموم أنه قد نسى هذا الذي ثبت من عادته في الركوع والسجود - ﷺ -، وحديث البراء بن عازب قال: كان ركوعه وسجوده بين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع، ما خلا القيام، والقعود قريبًا من السواء.
صريح في التسوية بين قيام القراءة، وقعود التشهد في الطول، وبين سائر الأركان في الطول والقصر، وليس المراد القيام بعد الركوع. وتخفيف هذين الركنين - أعني الاعتدال والجلسة بين السجدتين - وتقصيرهما من محدثات بني أمية، ولم تكن من العادات النبوية بوجه من الوجوه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
فصل سجود الرسول - ﷺ - أثناء صلاته
ك ان - ﷺ - إذا هوى ساجدًا لم يرفع يديه، والذي ورد في بعض الأحاديث، أنه كان يرفع يديه، في كل خفض ورفع سهو (١). والرواية الصحيحة أنه كان يكبر في كل خفض ورفع، وكان يضع ركبتيه على الأرض، قبل يديه، ثم يضع يديه ثم جبهته وأنفه، علي ترتيب البدن.
وأما حديث أبي هريرة الذي رواه عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه" (٢) وهمٌ من بعض الرواة، لأن أول الحديث ينقض آخره، فإن البعير يضع يديه قبل ركبتيه، حال
_________________
(١) انظر البخاري ج (٢ ص ٢١٨)، ومسلم (ج ١ ص ٢٩٢) وأبي داود (ج ١ ص ١٩١ - ١٩٢)، والترمذي (ج ٢ ص ٣٥)، والنسائي (ج ٢ ص ١٢١ - ١٢٢) وموطأ الإمام مالك (ج ١ ص ٧٥).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه حديث رقم (٨٤٠ - ج ١ ص ٢٢٢)، والنسائي (ج ٢ ص ٢٠٧)، في كتاب الافتتاح، باب أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده. والترمذي بمعناه في أبواب الصلاة، باب ما جاء في وضع الركبتين قبل اليدين في السجود حديث رقم (٢٦٩ - ج ٢ ص ٥٧ - ٥٨).
[ ٣٥ ]
البروك، والذي قال ركبة البعير في يديه، وهم وغلط وخالف قول أئمة اللغة.
والصواب أنه نهى عن التشبه بالحيوانات وقال: "لا تبركوا بروك البعير ولا تلتفتوا التفات الثعلب، ولا تفترشوا افتراش السبع، ولا تقعوا إقعاء الكلب، ولا تنقروا نقر الغراب، ولا ترفعوا أيديكم في حال السلام كأذناب الخيل الشمس واجتنبوا جميع ذلك" (١)، وجاء في رواية أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه - ﷺ - قال: "إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرك بروك الفحل" (٢).
وفي صحيح ابن خزيمة كان رسول الله - ﷺ -، إذا سجد بدأ بركبتيه وفي رواية سعد كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين، وأكثر العلماء على هذا إلا الإمام مالكا والأوزاعى وطائفة من أهل الحديث.
ولم يسجد النبي - ﷺ - على كور عمامته أبدا بل كان يضع جبهته على التراب، أو على الطين والماء، أو على سجادة من سعف النخل، أو على جلد مدبوغ، وكان إذا سجد وضع جبهته وأنفه على الأرض، وجافى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه، وقال: "إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك".
وكان يفرج بين أصابعه في الركوع ويجمع بينها في السجود، وكان يقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى" ويأمر به، وبعد ذلك يقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي"، (٣) "سبوح قدوس رب الملائكة والروح لا
_________________
(١) رواه الجماعة بمعناه وأورده الشوكاني في نيل الأوطار (ج ٢ ص ٢٥٦)، ورواه أحمد بلفظ قريب من عند المصنف انظر المصدر السابق (ج ٢ ص ٢٧٦).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه وانظر صحيح مسلم برقم (٤٨٧)، وأبى داود (٨٧٢) والنسائي (ج ٣ ص ٥٨).
[ ٣٦ ]
إله إلا أنت اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله، أوله وآخره علانيته وسره، اللهم اغفر لي خطئي وجهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطيئتي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، أنت لا إله إلا أنت" (١).
وفي بعض الأحيان كان يقول: "اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا، وعن يميني نورا، وعن شمالي نورا، وأمامي نورا، وخلفى نورا، وفوقى نورًا، واجعل لي نورًا" وكان يؤكد الاجتهاد في الدعاء حالة السجود ويقول: "جدير دعاء السجاد بالإجابة" (٢).
والدعاء على نوعين: دعاء ثناء وتمجيد، ودعاء طلب وسؤال، والدعاء الذي كان يأتى به يشملهما، والاستجابة أيضا على نوعين: أحدهما: استجابة دعاء الطالب ببذل مطلوبه ومسئوله وقضاء حاجته. والثانى: أن يقابل على دعائه بثواب، وعلى كلا الوجهين فسر قوله سبحانه ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٣) والصحيح أنه شامل للنوعين، والله أعلم.
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه بنحوه برقم (٧٧١) وذكره النووى في رياض الصالحين (ص ٥٣٦).
(٢) رواه مسلم برقم (٤٧٩).
(٣) سورة البقرة آية رقم ١٨٦.
[ ٣٧ ]
فصل قيام وسجود الرسول - ﷺ -
ك ان ﷺ يطول الركعات من صلاة الليل بخلاف ركعات النهار. وربما قرأ في ركعة واحدة سورة البقرة، وآل عمران، والنساء. أما عدد ركعات صلاة الليل فلم يزد علي إحدى عشرة ركعة.
ومن ثم اختلف العلماء في أفضلية القيام والسجود، قالت طائفة من العلماء: القيام أفضل لأن النبي - ﷺ - كان يطول صلاة الليل تطويلا عظيما، ولو كان السجود أفضل لطوله، وأيضا الذكر المشروع في القيام أفضل الأذكار، فيكون ركنه أفضل الأركان.
وأيضا ورد في الحديث الصحيح "أفضل الصلاة طول القنوت"، المراد بالقنوت القيام، وقالت طائفة من العلماء: السجود أفضل. لما ورد في الحديث الصحيح "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" وقال في موضع آخر: "ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه خطيئة".
وقال ربيعة الأسلمي: يا رسول الله إني أتمني مرافقتك في الجنة: فقال - ﷺ -: "أعنى على نفسك بكثرة السجود" (١) وأيضا أول سورة أنزلت من القرآن المجيد ﴿اقْرَأْ﴾ وختمها بالسجود، وأيضا في السجود دلالة علي زيادة الخضوع والعبودية، دون غيره من الأركان، والسجود سر العبودية، لأن العبودية هي الخضوع والذلة، وهي في السجود أزيد وأظهر.
وقالت طائفة من العلماء: طول القيام في الليل أفضل وكثرة الركوع والسجود في النهار أفضل، لاختصاص عبادات الليل بالقيام، قال الله تعالى ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ (٢) وقال - ﷺ - "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة (٤) باب (٤٣) فضل السجود والحث عليه، حديث رقم (٤٨٩ - ج ١ ص ٣٥٣) بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، وانظر سبل السلام (ج ٢ ص ٥).
(٢) سورة المزمل. الآية رقم ٢.
[ ٣٨ ]
من ذنبه" (١) وبعض العلماء يقول: بتساوي هذين الركنين في الفضل، ففضيلة القيام بقراءة القرآن. وفضيلة السجود بهيئة التذلل والخشوع، فذكر القيام أفضل من ذكر السجود، وهيئة السجود أفضل من هيئة القيام.
فصل كيف كان الرسول - ﷺ - يؤدي صلاته
كان - ﷺ - إذا فرغ من السجدة الأولى رفع رأسه وجلس بين السجدتين، مقدار سجوده ثم قال: "رب اغفر لي رب اغفر لي اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني" (٢) وأحيانًا كان يطول هذه الجلسة، حتى يظن أنه نسى ولم يكن يقوم بعد السجدة الثانية، ما لم يجلس على الأرض.
والفقهاء يسمون هذه جلسة الاستراحة وحملها بعضهم على السنة، وبعضهم على الحاجة، فلا تسن في حق من لم يحتج إليها، وكان إذا قام شرع في القراءة، من غير توقف، والسكتة التي فعلها في الركعة الأولى، لم يفعلها في سائر الركعات، وكان يصلى الثانية والثالثة والرابعة، كالأولى إلا في أربعة أشياء: السكتة، ودعاء الاستفتاح، وتكبيرة الإحرام وتطويل هذه الأربعة مختص بالركعة الأولى، وكان إذا جلس للتشهد، افترش رجله اليسرى فجلس عليها ونصب اليمني، ووضع يده علي فخذه الأيمن، وعقد
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري (ج ٤ ص ٢١٧، ٢١٨)، ومسلم برقم (٧٥٩)، وأورده النووي في رياض الصالحين (ص ٤٧٠).
(٢) رواه الأربعة إلا النسائي، واللفظ لأبي داود، وصححه الحاكم، انظر أبي داود في كتاب الصلاة، باب الدعاء بين السجدتين حديث رقم (٨٥٠ - ج ١ ص ٢٢٤)، والترمذي في أبواب الصلاة، باب ما يقول بين السجدتين حديث رقم (٢٨٤ - ج ٢ ص ٧٦)، وابن ماجه في كتاب الصلاة، باب ما يقول بين السجدتين حديث رقم (٨٩٨ - ج ١ ص ٢٩٠).
[ ٣٩ ]
أصابعه عقد ثلاث وخمسين ورفع إصبعه (١) المسبحة وحركها، وكان يخفف التشهد الأولى وبعد قيامه من التشهد كان يرفع يديه ويكبر، ثم يشرع في القراء ويقتصر على الفاتحة في الثالثة والرابعة غالبًا.
وقد يقرأ سورة مختصرة على سبيل الندرة. إذا جلس للتشهد الأخير جعل رجله اليسري تحت رجله اليمني، وقوي القعدة علي الأرض، وهذه الكيفية لم تكن في الجلسة الأولى أصلا.
وللعلماء في هذه الكيفية أقوال:
قال بعضهم: يتورك في التشهدين وهو مذهب الإمام مالك.
وقال بعضهم: يفترش فيهما ينصب اليمني ويفترش اليسري ويجلس عليها وهذا مذهب الإمام أبى حنيفة.
وبعضهم يقول كان يتورك في كل تشهد يسلم عقبه ويفترش فيما عداه وهذا مذهب الإمام الشافعي.
وبعضهم يقول: كل صلاة فيها تشهدان يتورك في الآخر ليفرق بين الجلوسين وهذا مذهب الإمام أحمد.
والأئمة الأربعة رضي الله تعالى عنهم افترقوا في هذه المسألة عن أربعة أقوال، ووافق كل واحد منهم جماعة من الصحابة والتابعين، وأكمل سياق ورد في بيان صفة صلاة رسول الله - ﷺ - حديث أبي حميد الساعدي في صحيح ابن حبان، وصحيح مسلم قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى صلاة كبر ثم رفع يديه حتى يحاذى بهما على منكبيه ويقيم كل عضو في
_________________
(١) انظر صحيح مسلم في كتاب المساجد، باب صفة الجلوس في الصلاة حديث رقم (٥٨٠ - ج ١ ص ٤٠٨ - ٤٠٩)، وأبي داود في كتاب الصلاة باب الإشارة في التشهد حديث رقم (٩٨٧ - ج ١ ص ٢٥٩) والترمذي في أبواب الصلاة، باب ما جاء في الإشارة في التشهد حديث رقم (٢٩٤ - ج ١ ص ٨٨)، والنسائي (ج ٢ ص ٢٣٧) في الافتتاح، باب موضع البصر في التشهد حديث رقم (٤٨ - ج ١ ص ٨٨ - ٨٩).
[ ٤٠ ]
موضعه، ثم يقرأ، ثم يرفع يديه، حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه معتدلا لا يصوب رأسه، ولا يقنع به، ثم يقول: "سمع الله لمن حمده"، ويرفع يديه، حتى يحاذي بهما منكبيه، حتى يقر كل عظم إلى موضعه، ثم يهوى إلى الأرض ساجدًا، ويجافى يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه، ويثنى رجليه، فيقعد عليهما، ويفتح أصابع رجليه إذا سجد ثم يسجد، ثم يكبر، ويجلس علي رجله اليسري، حتى يرجع كل عظم إلي موضعه ثم يقوم فيصنع في الأخرى مثل ذلك.
ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما صنع عند افتتاح الصلاة، يصلى بقية صلاته هكذا حتى إذا كانت السجدة التي قام فيها التسليم أخرج رجليه وجلس علي شقه الأيسر (١) متوركا.
وفي صلاة الصبح: كان يقنت حينا، ويترك حينا (٢). وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كان يجهر بها حينا ويخفيها حينا، وكان يسر في الظهر والعصر، وقد يرفع صوته قليلا، في بعض الآيات، بحيث يسمعه المؤتمون، ولم يكن يلتفت في الصلاة، وقال: "هو اختلاس يختلسه الشياطين". وقال: "اجتنبوا الالتفات فليكن في صلاة النافلة" وأما قول ابن عباس: كان رسول الله - ﷺ - يلحظ في الصلاة يمينًا وشمالًا ولا يلوى عنقه خلف ظهره، وإن كان في جامع الترمذي فهو غريب، ولم يثبت.
سأل شخص الإمام أحمد فقال: بعض أهل الحديث يروون بإسناد: أن النبي - ﷺ -، كان يلحظ في الصلاة ولا يلتفت، فأنكر عليه الإمام أحمد ذلك إنكارًا عظيما، وتغير لونه وارتعش وقال: هذا حديث ليس له إسناد. لكن قد ثبت أنه كان في بعض أسفاره، وقد أرسل في جهة العدو شخصًا ليطالعه
_________________
(١) رواه مسلم وأحمد بنحوه، وابن حبان، وأورده الشوكاني في نيل الأوطار (ج ٢ ص ١٨٥).
(٢) متفق عليه. انظر البخاري في كتاب الوتر، باب القنوت قبل الركوع وبعده حديث رقم (١٠٠٣ - ج ٢ ص ٤٩٠)، ومسلم في كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلوات حديث رقم (٦٧٧ - ج ١ ص ٤٦٨ - ٤٦٩)، وأبي داود في كتاب الصلاة، باب القنوت في الصلوات حديث رقم (١٤٤٣، ١٤٤٤ - ج ٢ ص ٦٨)، والنسائي (ج ٢ ص ٢٠٠) في كتاب الافتتاح، باب القنوت بعد الركوع.
[ ٤١ ]
بأخبارهم، واشتغل بالصلاة وكان يلتفت إلى جهته في أثناء الصلاة، وهذا على سبيل الندرة وفى صلاة النافلة، ولمهم دينى، ومصلحة أهل الإسلام منوطة به، وهو من باب تداخل العبادات، لأنه اشتغل في أثناء الصلاة بالجهاد، وصلاة الخوف تشبه هذا المعنى.
وكان عمر ﵁ يقول: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة وكان - ﷺ - يقرأ التحيات بعد كل ركعتين (١). وكان يدعو في سبعة مواطن:
الأول: عقيب تكبيرة الإحرام كما ذكرناه.
والثاني: قبل الركوع، وبعد الفراغ من القراءة، وفي الوتر.
الثالث: بعد الاعتدال من الركوع كان يقول: "سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم طهرنى بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرنى من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ" (٢).
الرابع: في حال الركوع كان يقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" (٣).
الخامس: في السجود وفي الغالب كان يدعو في السجود كما بيننا.
السادس: بين السجدتين كما قلنا.
السابع: بعد التشهد قبل السلام أما الدعاء الذي يفعله الأئمة بعد السلام فإنه لم يكن من عادة النبي - ﷺ -، ولم يثبت في هذا الباب شيء من
_________________
(١) انظر صحيح مسلم في كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة حديث رقم (٤٠٣ - ج ١ ص ٣٠٢ وص ٣٠٣)، وانظر سبل السلام (ج ١ ص ٣٨٥) وما بعدها.
(٢) رواه مسلم في كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع حديث رقم (٤٧٧ - ج ١ ص ٣٤٧)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع حديث رقم (٨٤٧ - ج ١ ص ٢٢٤)، والنسائي (ج ٢ ص ١٩٨ - ١٩٩) في كتاب الافتتاح، باب ما يقول في قيامه ذلك.
(٣) تقدم تخريجه.
[ ٤٢ ]
الأحاديث وهو بدعة مستحسنة وجميع أدعية الصلاة كانت في نفس الصلاة وبذلك أمر.
وبعض أئمة العلم يقول: الذكر، والتهليل، والتسبيح، والتمجيد، عند الفراغ من الصلاة، مشروع بلا خلاف. وتستحب الصلاة على النبي - ﷺ -، فناسب أن نعقب ذلك بالدعاء وطلب الحاجات من حضرة ذى العزة.
فصل سلام الرسول - ﷺ - في آخر صلاته
كان النبي - ﷺ - يقول بعد التشهد: "السلام عليكم ورحمة الله" ويلتفت على جانبه الأيمن، حتى يري بياض خده (١)، وكذا في الجانب الأيسر وعلى هذا دام عمله. رواه خمسة عشر صحابيا بأسانيد صحاح. وأما الذي في حديث عدن بن عمير، كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه فإسناده ليس بالقائم، ولم يثبت عند أهل الحديث.
وأما حديث عائشة ﵂: (كان يسلم تسليمة واحدة يرفع به صوته حتى يوقظنا) (٢) هذا الحديث أيضا معلل وإن لم يكن معللًا فليس فيه صريح دلالة علي المقصود لأنه لم ينف السلام الثاني بل سكت عنه.
_________________
(١) أخرجه مسلم والنسائي وأبو داود مثله في كتاب الصلاة، باب السلام، حديث رقم (٩٩٧) وإسناده صحيح. ورواه الترمذي وصححه وابن ماجه انظر: نيل الأوطار (ج ٢ ص ٢٩٨).
(٢) حديث عائشة أخرج نحوه أيضا الترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والدارقطني بلفظ (إن النبي - ﷺ - كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه" وأعل الدارقطنى رفعه. وقال أبو حاتم في المرفوع أنه منكر. كذا في نيل الأوطار (ج ٢ ص ٣٠٣).
[ ٤٣ ]
فصل أدعية النبي - ﷺ - في الصلاة
من جملة الأدعية التي كان يقرأها، في الصلاة: "اللهم اغفر لي ذنبى ووسع لي في داري، وبارك لي فيما رزقتني".
ومنها أيضًا "اللهم إنى أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة عند الرشد، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا ولسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم" وكثيرًا ما قال في السجود: "رب أعط نفسي تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها" وكان يقول في التشهد: "اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إنى أعوذ بك من المغرم والمأثم" (١).
وجميع الأدعية التي كان يقولها في الصلاة، رويت بلفظ الإفراد، مثل "رب اغفر لي وارحمني واهدني" ومثل: "اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد، اللهم باعد بيني وبين خطاياي" وما أشبه ذلك.
فإن قيل: ورد في حديث صحيح: "لا يؤم عبد قوما فيخص نفسه دعوة فإن فعل فقد خانهم" فالجواب نقول: قال إمام أهل الحديث أبو بكر بن خزيمة في صحيحه: هذا الحديث موضوع ومردود، وقال بعض العلماء: إن ثبت هذا الحديث، فيكون المراد به، دعاء ورد بلفظ الجمع، مثل اللهم اهدنا وغير ذلك.
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري في كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر (ج ٣ ص ٢٤١) ومسلم في كتاب المساجد (ج ١ ص ٤١٢) والنسائي (ج ٣ ص ٥٨).
[ ٤٤ ]
فصل سعادة الرسول - ﷺ - في الصلاة
اعلم أن السرور والانشراح، ونور العين. وطيب القلب الذي كان يجده في الصلاة ما كان يجده في غيرها من العبادات، ولا من الأوقات، وقال - ﷺ -: "جعلت قرة عينى في الصلاة" (١) وقال - ﷺ -: "يا بلال أرحنا بالصلاة" ومع هذا لم تفته مراعاة أحوال المأمومين، ولسماع بكاء الطفل كان يخفف الصلاة، وأحيانًا كان يتعلق به وهو في الصلاة طفل فيحمله على عاتقه، وأحيانًا كان يأتى الحسين وهو في السجود فيركب علي ظهره المبارك فيطيل السجود لأجله.
وأحيانا كانت عائشة تأتى وهو في الصلاة، وقد أغلق الباب فيخطوا ليفتح الباب لها. وأحيانًا كان يسلم عليه، وهو في الصلاة، فيجب بالإشارة (٢) باسطا يده وقد أومأ برأسه المبارك.
وكانت عائشة نائمة تجاه صلاته، فكان عند السجود يضع يده على رجلها لتخلي مكان السجود بضم رجلها، وكان قد يصل إلى آية السجدة وهو على المنبر فيهبط إلى الأرض يسجد ثم يصعد.
واختصت وليدتان من بني عبد المطلب، فتصارعتا فلما دنتا منه أمسكهما بيده، وفرق بينهما، وكان يبكي في الصلاة كثيرًا، ويتنحنح أحيانًا لحاجة، ويصلي منتعلًا وغير منتعل (٣). وقال: "صلوا في نعالكم خلافًا لليهود" وكان يصلي في ثوب واحد حينًا، وحينًا في ثوبين، ويقنت في صلاة الصبح أحيانًا، ويترك أحيانًا.
_________________
(١) أخرجه الحافظ الأصبهاني في كتاب أخلاق النبي - ﷺ - وآدابه (ص ٢٤٧) بسنده عن أنس بن مالك.
(٢) انظر: سنن أبي داود في الصلاة باب رد السلام في الصلاة حديث رقم (٩٢٧ - ج ١ ص ٢٤٣ - ٢٤٤)، والترمذي في أبواب الصلاة، باب ما جاء في الإشارة في الصلاة حديث رقم (٣٦٨ - ج ١ ص ٢٠٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي (ج ٣ ص ٥ - ٦) في السهو باب رد السلام بالإشارة في الصلاة.
(٣) انظر سنن أبي داود في كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل حديث رقم (٦٥٠ - ج ١ ص ١٧٥).
[ ٤٥ ]
قال أهل الحديث: قراءة القنوت في صلاة الصبح سنة، وتركه سنة، ومع هذا لا ينكرون علي من يواظب علي ذلك، ولا يعدونه مبتدعا ولا تاركاللسنة بل يقولون: من قنت فقد أحسن، ومن ترك فقد أحسن. والدلائل علي الطرفين كثيرة. ولما كان القصد بيان الطريقة النبوية اقتصرنا علي ذلك.
فصل في نسيان الرسول - ﷺ - في الصلاة
من جملة منن الحق تعالى ونعمه على الأمة المحمدية، أن النبي - ﷺ - كان يسهو في الصلاة أحيانا، لتقتدى الأمة به في التشريع، وإذ ذلك كان يقول: "إنما أنا بشر أنسي كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني" (١) وقال: "إنما أنسي - أو أنسي - يعني لأسن ما شرع في حيز ذلك" ثبت في الصحيحين أنه كان في صلاة الظهر ولم يشرع في التشهد بل قام إلى الثالثة، فسبحت الصحابة رضي الله تعالي عنهم، فأشار إليهم بيده أن قوموا، ولما فرغ من التشهد الثاني، أتى بسجدتين، ثم سلم بعد ذلك فعلم من هذا: أن من نسى شيئا من الصلاة غير ركن يسجد للسهو سجدتين، وإذا شرع في ركن لا يرجع إلى ما كان نسيه (٢).
ونوبة أخرى في صلاة العصر أو الظهر سلم في الركعة الثانية، وتكلم، ثم ذكر فأتم وأتي بسجدتين بعد السلام وكبر بينهما وسلم (٣) بعد ذلك أيضا.
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري في كتاب السهو، باب صلي خمسًا حديث رقم (١٢٢٦) فتح الباري (ج ٣ ص ٩٣ - ٩٤)، ومسلم في كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له حديث رقم (٥٧٢ - ج ١ ص ٤٠٠ - ٤٠١ - ٤٠٢ - ٤٠٣)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب إذا صلي خمسًا حديث رقم (١٠١٩، ١٠٢٠، ١٠٢١ - ج ١ ص ٢٦٨، ٢٦٩)، والترمذي رقم (٣٩٢، ٣٩٣ - ج ٢ ص ٢٣٨، ٢٣٩)، والنسائي (ج ٣ ص ٣١ - ٣٣) في كتاب السهو، باب ما يفعل من صلي خمسًا.
(٢) رواه أبو داود بنحوه في كتاب الصلاة، باب من قال بعد التسليم حديث رقم (١٠٣٣ - ج ١ ص ٢٧١). والنسائي (ج ٣ ص ٣٠) في السهو باب التحرى، وأحمد في المسند رقم (١٧٤٧ - ١٧٥٢ - ١٧٥٣ - ١٧٦١).
(٣) انظر مسلم في كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له حديث الباب رقم (٩٥).
[ ٤٦ ]
وفي مسند الإمام أحمد: أنه صلي في بعض الأيام، وخرج من الصلاة، وبقي منها ركعة، فلما خرج من المسجد، خرج طلحة بن عبد الله في عقبه، وقال: قد نسيت ركعة، فرجع إلى المسجد، وأمر بلالًا بالإقامة، وصلى ركعة، وسلم ثم رجع.
ونوبة أخرى صلى الظهر خمسًا، فقالت الصحابة: أزيد في الصلاة؟ فقال: "وما ذاك؟ " فقالوا: صليت خمسًا، فسجد سجدتي السهو وسلم، واقتصر على ذلك.
ونوبة أخرى صلى العصر ثلاثًا ورجع إلى البيت، فتعقبه الصحابة وأعلموه، فرجع إلى المسجد وصلي ركعة وسلم، وسجد بعد السلام للسهو سجدتين (١) ثم سلم، واقتصر علي ذلك.
هذه خمسة مواضع روى أنه - ﷺ - سها فيها في جميع عمره، ولم يثبت غير هذا.
وسجد للسهو قبل السلام في بعض المواضع وبعده في بعضها، فجعلها الإمام الشافعي في كل حال قبل السلام والإمام أبو حنيفة جعلها بعد السلام في كل حال. وقال الإمام مالك: يسجد للسهو النقصان قبل السلام ولسهو الزيادة في الصلاة بعد السلام، وإن اجتمع سهوان أحدهما زائد والآخر ناقص يسجد لهما قبل السلام.
وقال الإمام أحمد: يسجد قبل السلام في المحل الذي سجد فيه النبي - ﷺ - قبل السلام وما عداه يسجد للسهو بعد السلام.
_________________
(١) انظر صحيح البخاري في كتاب السهو، باب ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفريضة حديث رقم (١٢٢٤ - ج ٣ ص ٩٢)، ومسلم في كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له، حديث رقم (٥٧٠ - ج ١ ص ٣٩٩)، وأبي داود في كتاب الصلاة (ج ١ ص ٢٧١ - ٢٧٢)، والترمذي في أبواب الصلاة (ج ٢ ص ٢٣٥ - ٢٣٦)، والنسائي (ج ٣ ص ١٩ - ٢٠)، وموطأ الإمام مالك (ج ١ ص ٩٦ - ٩٧).
[ ٤٧ ]
وقال داود الظاهري: لا يسجد للسهو إلا في هذه المواطن الخمس التي سجد فيها رسول الله - ﷺ -، ولو سها في غيرها لا يسجد للسهو، ولم يعرض له - ﷺ - الشك في الصلاة ولكن قال: "من شك فليبن علي اليقين، ولا يعتبر الشك ويسجد للسهو قبل السلام" (١).
وقال الإمام أبو حنيفة إن كان له ظن بنى على غالب ظنه، وإن لم يكن له ظن بني علي اليقين، وقال الإمام الشافعي، والإمام أحمد: يبني علي اليقين مطلقا.
فصل الرسول وعيونه أثناء صلاته
ك ان النبي صلي الله عليه وسلم يفتح عينه المباركة في الصلاة، ولم يكن يغمضها كما يفعله بعض المتعبدين، وفي حديث أنس الذي أتي به البخاري في صحيحه: أن عائشة ﵂ كان لها ستر سترت به جانب البيت فقال: "بعدوا هذا الستر فإن تصاويره تعارضني" وروي في حديث عائشة أنه ﷺ لبس ثوبا معلما، وكان ينظر إلى أعلامه في الصلاة، فلما فرغ قال: "اذهبوا بثوبي هذا لأبي جهم وائتونى بالكساء الأنبجانى (٢) الذي له فإن أعلام هذا شغلت خاطرى في الصلاة" (٣).
_________________
(١) رواه مسلم بنحوه في كتاب المساجد باب السهو في الصلاة والسجود له حديث رقم (٥٧١ - ج ١ ص ٤٠٠)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب إذا صلى خمسًا حديث رقم (١٠٢٤ - ١٠٢٦ - ١٠٢٩ - ج ١ ص ٢٦٩ - ٢٧٠)، والترمذي في أبواب الصلاة، حديث رقم (٣٩٦ - ج ٢ ص ٢٤٣ - ٢٤٤)، والنسائي (ج ٣ ص ٢٧)، وموارد الظمآن في كتاب الجماعة، باب سجود السهو حديث رقم (٥٣٦ - ص ١٤٢).
(٢) قال ابن الأثير: الإنبجانى - بكسر الباء: المحفوظ. ويروى بفتحها. منسوب إلى منبج المدينة المعروفة وهي مكسورة الباء. ففتحت في النسب وأبدلت الميم همزة، إذا نون وانظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير.
(٣) لم نجده.
[ ٤٨ ]
وحديث مشاهدة الجنة في الصلاة وأنه ﷺ مد يديه ليتناول قطفا من فاكهتها.
وحديث رد السلام باليد، وحديث تعرض الشيطان، وأنه صلي الله عليه وسلم قبضه وخنقه. هذا المجموع رؤية العين وهو دليل على عدم تغميض العين في الصلاة. أما إذا عرض لشخص تفرقة وشتات فلا يكره له تغميض العين، بل هو إلى الاستحباب أقرب، والله أعلم.
فصل أدعية النبي بعد فروغه من الصلاة
كان - ﷺ - إذا فرغ من الصلاة، قال ثلاث: "أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه. اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام" (١) قال هذا ثم نهض راجعا إلى الحجرة.
وروى في بعض الأحاديث الصحيحة: أنه كان يقول عقيب الصلاة المفروضة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون" (٢).
_________________
(١) وراه الجماعة إلا البخاري وانظر نيل الأوطار للشوكاني (ج ٢ ص ٣٠٦)، ورواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب (٢٦) استحباب الذكر بعد الصلاة حديث رقم (٥٩١ - ج ١ ص ٤١٤).
(٢) متفق عليه رواه البخاري في كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة حديث رقم (٨٤٤ - ج ٢ ص ٣٢٥)، ومسلم في كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة حديث رقم (٥٩٣ - ج ١ ص ٤١٤ - ٤١٥)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل إذا سلم حديث رقم (١٥٠٥ - ج ٢ ص ٨٢)، والنسائي (ج ٣ ص ٧٠٠) في كتاب السهو، باب نوع آخر من القول عند انقضاء الصلاة.
[ ٤٩ ]
وفي سنن أبي داود عن أمير المؤمنين عليّ أن رسول الله ﷺ، كان إذا سلم من الصلاة قال: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم والمؤخر لا إله إلا أنت" (١).
وفي مسند الإمام أحمد مروى عن زيد بن أرقم أن النبي ﷺ كان يقول عقب كل صلاة: "اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد، أنت الرب وحدك، لا شريك لك، اللهم ربنا ورب كل شيء شهيد، أن العباد كلهم إخوة، اللهم ربنا ورب كل شيء اجعلني مخلصا لك وأهلي، في كل ساعة من الدنيا والآخرة، ياذا الجلال والإكرام، اسمع واستجب، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله نور السموات والأرض، الله أكبر، الله أكبر، حسبي الله ونعم الوكيل، الله أكبر، الله أكبر" وقال: "معقبات لا يخيب قائلهم دبر كل صلاة مكتوبة ثلاثا وثلاثين تسبيحة، وثلاثا وثلاثين تحميده، وثلاثا وثلاثين تكبيرة وقال تمام المائة. لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو علي كل شيء قدير" (٢).
وفى رواية أخرى: "أربعا وثلاثين تكبيرة" (٣) وذلك تمام المائة. وفى رواية "سبحان الله خمسا وعشرين، والحمد لله خمسا وعشرين، والله أكبر خمسا وعشرين، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير خمسا وعشرين".
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري في كتاب الدعوات باب (٦٠) قول النبي - ﷺ - "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت" حديث رقم (٦٣٩٨ - ج ١١ ص ١٩٦)، ورواه مسلم في كتاب الإيمان رقم (٩٢) الدليل على أن من مات علي الكفر لا ينفعه عمل حديث رقم (٢١٤ - ج ١ ص ١٩٦). ورواه الإمام أحمد في مسنده (ج ٤ ص ٤١٧، وج ٥ ص ٢٧٠، وج ٦ ص ٩٣).
(٢) رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب (٢٦) استحباب االذكر بعد الصلاة حديث رقم (٥٩٧ - ج ١ ص ٤١٨ - ٤١٩).
(٣) صحيح مسلم (ج ١ ص ٤١٨ - حديث رقم ٥٩٦).
[ ٥٠ ]
وفي رواية أخرى "يسبح الله عشرا، ويكبره عشرا" وفي رواية أخرى في صحيح مسلم يقول: "سبحان الله إحدى عشرة مرة، والحمد لله إحدى عشرة مرة، والله أكبر إحدى عشرة مرة" وهذا ثلاث وثلاثون.
قال بعض العلماء: هذه الرواية إنما هي تفسير من بعض رواة هذا الحديث عن أبي هريرة وهم كانوا يسبحون، ويحمدون، ويكبرون، دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين. وقال: من قال في دبر صلاة الصبح قبل أن يتكلم: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئآت، ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه، وحرس من الشيطان، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم. إلا الشرك بالله تعالى - يعاني إن صدر منه ذنب يغفر له" (١).
وثبت في مسند الإِمام أحمد من رواية أم سلمة ﵂ أنه ﷺ علم ابنته فاطمة ﵂، لما جاءت تسأله الخادم، أن تسبح عند النوم ثلاثًا وثلاثين، وتحمد ثلاثا وتلاثين، وتكبر ثلاثًا وثلاثين" (٢) وإذا صلت الصبح أن تقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" عشر مرات، وبعد صلاة المغرب عشر مرات". وكان يقول عقب صلاة الصبح: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، واصلح لي دنياى التي جعلت فيها معاشى، واصلح لي آخرتى التي جعلت فيها معادي، واجمعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر، اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري في صحيحه (ج ١١ ص ١٦٨، ١٦٩)؛ ومسلم (٢٦٩١)، وأخرجه مالك في الموطأ (ج ١ ص ٢٠٩)، والترمذي برقم (٣٤٦٤).
(٢) متفق عليه رواه البخاري (ج ٧ ث ٥٩) ومسلم برقم (٢٧٢٧)، وأخرجه أبو داود برقم (٥٠٦٢)، والترمذي (٣٤٠٥)، وأورده النووي في رياض الصالحين (ص ٥٤٩).
[ ٥١ ]
من نقمتك، وأعوذ بك منك، لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (١).
قال أبو أيوب الأنصارى ﵁: ما صليت خلف رسول الله - ﷺ - إلا سمعته يقول: "اللهم اغفر لي خطاياى وذنوبي كلها، اللهم أنعشنى وأحينى وارزقنى واهدنى لصالح الأعمال والأخلاق إنه لايهدي لصالحها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عنى سيئها إلا أنت" (٢).
وقال: إِذا صليت فقل قبل أن تتكلم: "اللهم أجرنى من النار سبع مرات فإنك إن مت من يومك كتب الله لك جوارا من النار، وإذا صليت المغرب فقل قبل أن تتكلم؛ اللهم أجرنى من النار، سبع مرات فإنك إن مت من ليلتك كتب الله لك جوارا من النار" هذا الحديث في صحيح ابن حبان، وفي سنن النسائي، من رواية أبي أمامة: "من قرأ آية الكرسى - زاد الطبرانى - وقل هو الله أحد، في دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة، إلى أن يموت" (٣).
وهذا الحديث رواه جماعة غير النسائي مثل الطبراني، والروياني والدار قطنى، وابن حبان. وبعض الحفاظ يقول: هو صحيح (٤).
وذكره ابن الجورى في الموضوع وطعن الحفاظ فيه من هذه الجهة واستدل بضعف محمَّد بن حمير راوى هذا الحديث وقد عدله البخاري، ووثقه محك الرجال يحيى بن معين وهذان المعدلان كافيان في العدالة.
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء باب (١٨) التعوذ، من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل حديث رقم (٢٧٢٠ - ج ٤ ص ٢٨٧)، وانظر سبل السلام (ج ٤ ص ٤٣٦).
(٢) متفق عليه رواه البخاري في كتاب الدعوات باب (٦٠) قول النبي - ﷺ -،: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت" حديث رقم (٦٣٩٨ - ج ١١ ص ١٩٦)، رواه مسلم في كتاب الإيمان باب (٩٢) الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل حديث رقم (٢١٤ - ج ١ ص ١٩٦)، ورواه الإمام أحمد في مسنده (ج ٤ ص ٤١٧ وج ٥ ص ص ٢٧٠، ج ٢ ص ٨٦).
(٣) انظر سنن أبي داود في كتاب الصلاة، باب الاستغفار حديث رقم ٢١٥٢٢١ - ج ٢ ص ٤١٦، والنسائي (ج ٣ ص ٥٣) في كتاب السهو. باب نوع آخر من الدعاء.
(٤) رواه النسائي وصححه ابن حبان والطبراني وأورده الأمير الصنعاني في سبل السلام (ج ١ ص ٤٠٣).
[ ٥٢ ]
وفي معجم الطبراني: "من قرأ آية الكرسى في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى". وهذا الحديث رواه جماعة من الصحابة، من جملتهم أمير المؤمنين عليّ، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، والمغيرة بن شعبة، وأبو أمامة.
واختلاف طرق الحديث، ومخارجه، دليل على أن له أصلًا صحيحا، غير موضوع.
وروى عقبة بن عامر قال: أمرنى رسول الله ﷺ: أن اقرأ بالمعوذتين دبر كل صلاة وهذا الحديث في غاية الصحة، وقال لمعاذ: "أوصيك يا معاذ لا تدع في دبر كل صلاة أن تقول اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (١).
وفي معجم الطبراني من حديث جابر ﵁ قال قال: رسول الله - ﷺ - "ثلاث من جاء بهن مع الإيمان دخل من أي أبواب الجنة حيث شاء، وزوج من الحور العين حيث شاء: من عفا عن قائله، وأدى دينا خفيا، وقرأ في دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات: قل هو الله أحد" فقال أبو بكر: أو إحداهن يا رسول الله فقال: "أو إحداهن".
وكان يقول بعد صلاة الصبح: "اللهم إنى أصبحت مرتهنا بعملى فلا فقير أفقر مني، اللهم لا تشمت بي عدوى، ولا تسئ بي صديقى، اللهم لا تحعل مصيبتى في ديني، ولا تجعل الدنيا أكبر همى، ولا مبلغ علمى، ولا تسلط على من لا يرحمنى، اللهم بك أصبحنا، وبك أمسينا، وبك نحيا، وبك نموت، اللهم ما أصبح بي من نعمة، أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك، لا شريك لك، لك الحمد ولك الشكر، أصبحنا وأصبح الملك لله رب العالمين، اللهم إنى أسألك خير هذا اليوم فتحه، ونصره، ونوره،
_________________
(١) رواه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه في كتاب الصلاة، باب الاستغفار حديث رقم (١٥٢٢ - ج ٢ ص ٨٦)، والنسائي في سننه بسند قوي، في كتاب السهو، باب نوع آخر من الدعاء.
[ ٥٣ ]
وبركته، وهداه، وأعوذ بك من شر ما فيه، وشر ما بعده، اللهم عافنى في بدني، اللهم عافنى في سمعى، الله عافنى في بصرى، اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلنى إلى نفسى طرفة عين، وأصلح لي شأنى كله، لا إله إلا أنت، اللهم إني أعوذ بك من الهم، والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين، وقهر الرجال، اللهم اكفنى بحلالك عن حرامك، وأغني بفضلك عما سواك، يا حى يا قيوم" (١).
_________________
(١) جزء كبير من هذا الحديث متفق عليه فرواه البخاري في كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر حديث رقم (١٣٧٧ ج ٣ ص ٢٤١)، ومسلم في كتاب المساجد، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، باب الصلاة، حديث رقم (٥٨٨ و٥٨٩) عن أبي هريرة من عائشة (ج ١ ص ٤١٢)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب الصلاة، باب ما يقول بعد التشهد حديث رقم (٩٨٣ - ٩٨٤ ج ١ ص ٢٥٨)، والنسائي (ج ٣ ص ٥٨) في كتاب السهو، باب نوع آخر من التعوذ في الصلاة.
[ ٥٤ ]
فصل في بيان السنن والرواتب التي كان يواظب عليها في كل يوم - ﷺ -
أما في الحضر فكان لا يفوته عشر ركعات: ركعتان قبل فرض الصبح، وركعتان قبل فرض الظهر، وركعتان بعد ذلك، وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء ولم تفته ركعتا الظهر (١) في وقت من الأوقات وإن فاتتا قضاهيا بعد صلاة العصر.
وكان يداوم على صلاة ركعتين بعد العصر، وهذا هن خصائصه ﷺ، ويكره في حق غيره، وأحيانا كان يصلى قبل الظهر أربع ركعات، ولفظ البخاري "كان لايدع أربعًا قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة" وللعلماء في هذا تأويلان:
أحدهما: أنه كان إذا صلى سنة الظهر في بيته صلاها أربعا وإذا صلى في المسجد صلى ركعتين.
والثاني: إن هذه صلاة مستقلة، كان يصليها عقيب زوال الشمس، ويقول: "هذه ساعة تفتح فيها أبواب السماء وأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح" وكان عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه يصلى بعد الزوال ثمانى ركعات، ويقول: انهن تعدلن مثلهن من قيام الليل.
وقال بعض المشايخ: السر في هذا أن هذين الوقتين زمان تنزل الرحمة بعد الزوال وذلك بعد انتصاف النهار، والتنزل الإلهى في الليل يكون بعد انتصافه، ولا كان هذان الوقتان محل قرب الرحمة، ظهرت المناسبة.
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب التهجد باب (٢٩) التطوع بعد المكتوبة حديث رقم (١١٧٢ - ج ٣ ص ٥٠) ومسلم في صلالة المسافرين باب فضل السنن الرتبة حديث رقم (٧٢٩ - ج ١ ص ٥٠٤)، وأبو داود في كتاب الصلاة باب تقريع أبواب التطلوع، وركعات السنة حديث رقم (١٢٥٢ - ج ٢ ص ١٩)، والترمذي في أبواب الصلاة باب باب ما جاء أنه يصليهما في بيته رقم (٤٣٣ - ٤٣٤ - ج ٢ ص ٢٩٨)، والنسائي (ج ٢ ص ١١٩).
[ ٥٥ ]
وروى في مسند الإِمام أحمد، وسنن النسائي، والترمذي "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار" وكان يفصل بين هذه الأربع بتسليمتين.
وقال أمير المؤمنين على كان النبي ﷺ يصلى قبل الظهر أربع (١) ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين، ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين. رواه أحمد والترمذي محسنا.
وروى أمير المؤمنين علي: أن النبي ﷺ كان يصلي في كل يوم وليلة من السنة ست عشرة ركعة، ركعتين قبل فرض الصبح، وأربعا قبل فرض الظهر، وركعتين بعدها، وأربعا قبل فرض العصر، وأربعا في وقت الضحى. وهذا بعض حديث مطول، وللعلماء في إسناده مقال.
وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "رحم الله امرءا صلى قبل العصر أربعًا" (٢) صححه ابن حبان، وكان الصحابة يصلون قبل المغرب ركعتين، ولم يمنعهم - ﷺ - من ذلك، وثبت في الصحيحين أنه ﷺ قال: "صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب" وقال في الثالثة: "لمن شاء" (٣) كراهية أن يتخذها الناس سنة فصلاتها مندوبة مستحبة، لكن لا تبلغ درجة الرواتب.
_________________
(١) رواه البخاري في كباب التهجد باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى حديث رقم (١٩٦٥ - ج ٣ ص ٤٨). ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب فضل السنن الراتبة وبيان عددهن حديث رقم (٧٢٩ - ج ١ ص ٥٠٤)، والترمذي (ج ٣ ص ٢٩٠).
(٢) رواه أحمد وأبو داود في كتاب الصلاة، باب الصلاة قبل العصر حديث رقم (١٢٧١ - ج ٢ ص ٢٣)، والترمذي في أبواب الصلاة باب ما جاء في الأربع قبل العصر حديث رقم (٤٣٠ - ج ٢ ص ٢٩٥، ٢٩٦) وحسنه الترمذي، ورواه ابن خزيمة وصححه، وكذا ابن حبان وفي إسناده محمد بن مهران، وفيه مقال .. لكن وثقه ابن حبان وابن عدي. كما في تلخيص الحبير (٢/ ١٢).
(٣) رواه البخاري في كتاب التهجد، باب الصلاة قبل المغرب. حديث رقم (١١٨٣ - ج ٣ ص ٢٦)، ورواه ابن حبان في صحيحه. انظر موارد الظمآن في كتاب النوافل باب الصلاة قبل المغرب حديث رقم (ممم كلام ممسوح في المصور ممم ١٦٢، ١٦٣).
[ ٥٦ ]
وكان يصلي الرواتب في بيته، وعلى الخصوص ركعتى المغرب، فإنه لم يصلهما في المسجد أبدا. فلذلك اختلف العلماء: أنه لو صلاهما في المسجد هل يجزيه ذلك أم لا.
قال بعض العلماء: لا، وقال الإِمام المروزى: من صلى الركعتين بعد المغرب في المسجد يكون عاصيا، وقال أبو ثور أيضًا: هو عاص، وسبب العصيان أن النبي - ﷺ - قال: "اجعلوها في بيوتكم" وعند أكثر العلماء يجزيه ذلك لكن يكون تاركا للأولى. وفي سنة المغرب سنتان:
إحداهما: بأن لا يتكلم بينها وبين الفريضة، لا في الحديث: "من صلى ركعتين بعد المغرب" قال مكحول: يعني قبل أن يتكلم" رفعت صلاته في عليين" (١).
الثانية: أن يكون في البيت، دخل رسول الله - ﷺ - مسجد بني الأشهل وصلى المغرب فلما فرغ رأى أهل المسجد، اشتغلوا بصلاة السنة (٢) فقال: "هذه صلاة البيوت".
وفي لفظ ابن ماجه: "اركعوا هاتين في بيوتكم" وحاصله أن عادة حضرة سيدنا رسول الله - ﷺ -، أنه كان يصلى جميع السنن في بيته إلا أن يكون لسبب، وكان يقول: "أيها الناس صلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة".
وكان يحافظ على ركعتى الفجر، بحيث أنه كان يواظب عليها في السفر أيضًا، ولم يرد عنه أنه صلى في السفر شيئًا من السنن الرواتب إلا سنة الفجر (٣)، وصلاة الوتر.
_________________
(١) لم نجده بهذا اللفظ لكن ورد نحوه في الصحيحين انظر صحيح البخاري (ج ٣ ص ٤١)، ومسلم برقم (٧٢٩)، وموطأ مالك (ج ١ ص ١٦٦)، وأبي داود برقم (١٢٥٢)، والنسائي (ج ٢ ص ١١٩) والترمذي (٤٣٣).
(٢) انظر صحيح البخاري (ج ٣ ص ٤٩)، وأبي داود برقم (١٢٨١).
(٣) رواه البخاري بمثله (ج ٣ ص ٤٨)، وابو داود برقم (١٢٥٣)، والنسائي (ج ٣ ص ٢٥١).
[ ٥٧ ]
وللعلماء في أفضلية سنة الفجر، وصلاة الوتر قولان: قال بعضهم: سنة الفجر أكد. قال بعضهم: بل الوتر، وكما أن الوتر واجب عن البعض كذا سنة الفجر، تجب عند البعض.
وقال بعض المشايخ: سنة الفجر ابتداء العمل، والوتر ختم العمل، فهلا جرم صرفت العناية لشأنهما، ولهذا السبب شرع فيها قراءة سورة الإخلاص، وسورة قل يا أيها الكافرون (١)، لاشتمالهما على توحيد العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة، وتوحيد الاعتقاد والقصد، كما بيناه في كتاب: (حاصل كورة الخلاص في فضائل سورة الإخلاص).
فصل اضطجاع الرسول - ﷺ - بعد صلاة الفجر
عادة حضرة سيدنا رسول الله ﷺ أنه كان إذا صلى سنة الفجر وضع جنبه الأيمن على الأرض، ونام قليلا، وفي جامع الترمذي "إذا صلى أحدع الركعتين قبل صلاة الصبح فليضطجع على جنبه" (٢)، حديث صحيح غريب قال ابن حزم؛ هذا الاضطجاع فرض على المصلى حتى لو لم يأت به بين السنة والفرض ففرضه باطل (٣)،
وقد صنف بعض العلماء في نصرة هذا المذهب مجلدا ووافق هذا القول جماعة من مشايخ الطريقة، كصاحب الفتوحات وغيره، وقال بعض العلماء:
_________________
(١) انظر صحيح مسلم حديث رقم (٧٢٤ - ج ١ ص ٥٠٠ - ٥٠١)، وأبي داود برقم (١٢٥٥ - ج ٢ ص ١٩)، والنسائي (ج ٣ ص ٢٥٦)، ومالك في الموطأ حديث رقم (٣٠ - ج ١ ص ١٢٧).
(٢) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه - انظر سنن أبي داود فكتاب الصلاة، باب الاضطجاع بعدها حديث رقم (١٢٦١ - ج ٢ ص ١٢) والترمذي في أبواب الصلاة باب ما جاء في الاضطجاع بعض ركعتي الفجر حديث رقم (٤٢٠ - ج ٢ ص ٢٨١) وأحمد في مسنده (ج ٢ ص ٤١٥)، وقال الترمذي حسن صحيح غريب من هذا الوجه (٢/ ٢٨١). وقال النووى عن هذا الحديث في شرح مسلم: إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
(٣) انظر في كتاب المحلى لابن حزم (ج ٣ ص ١٩٦).
[ ٥٨ ]
بكراهة ذلك وعده من البدع، واختار جمهور العلماء الطريق المستقيم المتوسط وقالوا: باستحبابه.
قال الإِمام مالك: إن فعل ذلك للاستراحة فحسن، والسر في الاضطجاع على الجنب الأيمن أن يغلبه النوم؛ لأن القلب معلق في الجانب الأيسر، فلو اضطجع عليه لاستقر القلب وغلبت الراحة، وثقل النوم، وإذا اضطجع على شقه الأيمن، طلب القلب مستقره فقلق وأبطأ النوم لذلك، وإن جاء النوم فلا يكون ثقيلا، ولهذا اختار الأطباء النوم على الشق الأيسر طلبا لكمال الراحة، واختار صاحب الشرع الشق الأيمن طلبا لخفة النوم، وسرعة قيام الليل. وحاصلة أن النوم على الجانب الأيمن ينفع، وعلى الجانب الأيمن ينفع البدن، والله أعلم.
فصل في قيام الليل
اختلف العلماء في قيام الليل هل كان فرضا على سيدنا رسول الله - ﷺ - أو سنة؟ ولكليهما دليل واحد وهو آية التنزيل ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ (١) قالت طائفة: هذا صريح في عدم الوجوب، وقال آخرون: هذا صريح في وجوب قيام الليل والتهجد كما جاء الأمر به في مكان آخر وهو: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢) ولم يرد صريح نسخ.
وأما قوله: ﴿نافلة﴾ فلو كان المراد به التطوع لما خصص بقوله ﴿لك﴾ بل المراد الزيادة، ومطلق الزيادة لا تدل على التطوع، بل تدل على زيادة الدرجات، ولهذا خص به، لأن قيام الليل في حق غيره مباح ومكفر
_________________
(١) سورة الإسراء آية ٩٧.
(٢) سورة المزمل آية ١.
[ ٥٩ ]
للسيئات، وأما في حقه فزيادة في الدرجات وعلو المراتب، لأنه الغفور له على الإطلاق. قال مجاهد: لم يكن لغيره نوافل بل مكفرات، والنوافل خاصة به - ﷺ -، ولم يدع - ﷺ - قيام الليل (١)، في حالة من الحالات، بل حافظ عليه في السفر والحضر، وإن فاته في حين المرض أو غلبة نوم، صلى في أثناء النهار اثنى عشرة ركعة بدل ذلك، ولم يزد في صلاة الليل على ثلاث عشرة ركعة.
وربما اقتصر على إحدى عشرة ركعة منها خمس ركعات بتسليمة واحدة هن آخر الصلاة، وقال بعض العلماء: لم يزد في صلاة الليل على إحدى عشرة ركعة.
والرواية التي وردت بثلاث عشرة صحيحة لكن مع ركعتى الفجر، وحديث عائشة بين ذلك قالت: (كان رسول الله - ﷺ - يصلى ثلاث عشرة ركعة بركعتى الفجر) (٢). وقال الشعبيّ ﵀: سألت ابن عباس، وابن عمر، عن صلاة رسول الله - ﷺ - بالليل، فقالا: ثلاث عشرة منها ثمان ويوتر بثلاث وركعتين بعد الفجر.
وجاء في الصحيحين: رواية صريحة، بأن صلاة الليل، ثلاث عشرة ركعة: عن ابن عباس أنه بات في بيت خالته ميمونة، فقام النبي - ﷺ - من
_________________
(١) انظر البخاري (ج ٨ ص ٤٤٩)، ومسلم برقم (٢٨٢٠)، ٢٨١٩)، والنسائي (ج ٣ ص ٢٠٥ - ٢٠٦)، وموطأ الإِمام مالك (ج ١ ص ١٧٦) وأبى داود برقم (١٣٠٦).
(٢) متفق عليه رواه البخاري في كتاب التهجد باب (١٦) قيام النبي - ﷺ - في رمضان وغيره حديث رقم (١١٤٧) فتح البارى (ج ٣ ص ٣٣)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين باب صلاة النبي - ﷺ - في الوتر حديث رقم (٧٣٨ - ج ١ ص ٥٠٩)، وأبو داود في كتاب الصلاة باب صلاة الليل حديث رقم (١٣٤١ - ج ٢ ص ٤٠)، والترمذي في أبواب الصلاة باب ما جاء في وصف صلاة النبي - ﷺ - باب (٢) صهلاة النبي - ﷺ - في الوتر حديث رقم (٩ - ج ١ ص ١٢٠)، والنسائي (ج ١ صـ ٢١٠) في كتاب قيام الليل، باب وقت الوتر.
[ ٦٠ ]
الليل، فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاء المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح.
وفي لفظ أخرة صلى ثلاث عشرة ركعة، ثم نام، حتى نفخ، فلما تبين له الفجر، صلى ركعتين خفيفتين (١).
واتفق العلماء على إحدى عشرة ركعة، واختلفوا في ركعتين، فعند البعض هما غير ركعتى الفجر، وعند البعض هما هما. وإذا ضممت هذا العدد إلى عدد ركعات الفرائض، والرواتب، التي كان يواظب عليها، ويحافظ عليها، تجدها أربعين ركعة.
الفرض من ذلك سبعة عشر، والرواتب عشر، أو اثنا عشر، وقيام الليل إحدى عشرة، أو اثنتا عشرة، أو ثلاث عشرة، فصار المجموع أربعين ركعة.
وما زاد على هذا العدد فلسبب، كصلاة الفتح، وهي ثمان ركعات، صلاها يوم فتح مكة، وكصلاة الضحى، فإنه كان يصليها إذا قدم من السفر، وكتحية المسجد، وكالصلاة التي كان يصليها في بيت من يقصد زيارته، وما أشبه ذلك.
فينبغي لطالب متابعته - ﷺ - أن لايدع هذه الأربعين ركعة باختياره في وقت من الأوقات، وأن يواظب عليها في جميع الحالات، لأن الواظبة عليها، سبب فتح أبواب السعادات. وقيل المرادات، فجدير: بمن قرع باب أكرم الأكرمين، في كل يوم أربعين مرة، بأصبع الطلب؛ والأدب، باتباع أشرف العجم والعرب، أن يفتح له في أسرع الأوقات، وأقرب الحالات.
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري (ج ٣ ص ٢٧)، ومسلم برقم (٧٣٩).
[ ٦١ ]
فصل صلاة الليل للنبي - ﷺ -
كان - ﷺ - يستيقظ من النوم، بعد مضي نصف الليل، وأحيانا قبل ذلك، وأحيانا عند صياح الديك، وذلك يكون في الغالب بعد مضي نصف الليل، وكان إذا استيقظ مسح بيده على عينيه المباركتين، ثم استعمل المسواك ثم توضأ، وفي حالة استعمال المسواك، كان يقرأ آخر آل عمران ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١) إلى آخر السورة، ثم افتتح الصلاة بركعتين خفيفتين، وأمر أمته بذلك فقال: "إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين" (٢).
وورد في كيفية قيام الليل طرق ثمانية كلها صحيحة، والمتعبد مخير في المواظبة على أي هذه الأنواع شاء، أو اختيار نوع منها في وقت دون وقت:
الأول، حديث ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - استيقظ، فتسوك، وتوضأ وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين، وأطال فيهما القيام والركوع، والسجود، ثم انصرف، فنام، حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات، بست ركعات، كل ذلك يستاك، ويتوضأ، ويقرأ هذه الآيات، ثم أوتر بثلاث، فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة، وهو يقول: "اللهم اجعل في قلبى نورًا، وفي لسانى نورا، واجعل في سمعى نورًا، واجعل في بصرى نورًا، واجعل من خلفى نورًا، ومن أمامى نورًا، واجعل من فوقى نورًا ومن تحتى نورًا، اللهم أعطنى نورًا".
_________________
(١) سورة آل عمران آية ١٩٠،
(٢) رواه مسلم برقم (٧٦٨)، وأخرجه أبو داود برقم (١٣٢٣، ١٣٢٤).
[ ٦٢ ]
هذه الرواية في صحيح (١) مسلم، وليس فيها الافتتاح بركعتين، وأجيب عن هذا بوجهين:
الأول: أنه كان في بعض الأوقات يفتتح بركعتين خفيفتين، وفي بعض الأوقات بركعتين طويلتين.
الثاني: أن عائشة أعرف بحال قيام الليل، وقد تكون حفظت ما فات عن ابن عباس.
النوع الثاني: ما روت عائشة أنه - ﷺ - كان يفتتح الصلاة بركعتين خفيفتن، وبعدهما يطول، يصلى عشر ركعات بخمس تسليمات، ويوتر بركعة، ثم يسلم.
النوع الثالث: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة خارجا عن ركعتى الفجر.
النوع الرابع: كان يصلي ثمان ركعات بأربع تسليمات ثم صلى بعد ذلك خمس ركعات يجلس في آخراهن ويسلم، ولم يكن في أثنائهن جلوس، إلا في الآخر.
النوع الخامس: كان يصلى تسع ركعات، منها ثمان متعاقبات، ليس بينهن جلوس إلا بعد الثامنة، فإنه كان يتشهد، ويدعو ثم ينهض إلى التاسعة من غير سلام ثم يتشهد بعدها ويسلم، ثم يصلى ركعتين عقب الوتر.
النوع السادس: كان يصلي ست ركعات متصلات لا يجلس بينهن، إلا في آخرهن، ثم ينهض قبل السلام، فيصلى ركعة، ويسلم، ثم يصلى بعد ذلك ركعتين جالسا عقب الوتر.
النوع السابع: كان يسلم في ركعتين ويصلى في آخرهن ثلاث ركعات بتسليمة واحدة، وطعن الحفاظ في هذه الرواية لما في صحيح ابن حبان بإسناد
_________________
(١) انظر صحيح مسلم (ج ١ ص ٥١٠) وما بعدها.
[ ٦٣ ]
صحيح "لا توتروا بثلاث، أوتروا بخمس، أو سبع، ولا تشبهوا بصلاة المغرب" (١).
وفي حديث عائشة بإسناد صحيح، أنه كان يسلم في الركعتين الأخيرتين، ثم بعد ذلك يصلى ركعة.
وسئل الإِمام أحمد: ما تقول في الوتر؟ قال: أكثر الحديث وأقواه ركعة. فأنا أذهب إليها. ثم سئل ثانيا؟ فقال: يسلم في الركعتين بها وإن لم يسلم رجوت أن لا يضره، إلا أن التسليم أثبت.
النوع الثامن: روى النسائي بسنده عن حذيفة، أنه صلى مع رسول الله - ﷺ - يعني صلاة الليل - وطوّل في الركوع، مثل القيام، وكان يقول: "سبحان ربي العظيم" ثم بعد ذلك جلس، وقال: "رب اغفر لي" وكررها. ولما صلى أربع ركعات على هذا الوجه أذن بلال للصبح، ودعا النبي - ﷺ - للصلاة.
هذه الطرق الثمانية ثبتت في قيام الليل وكان يصلى الوتر في أولي الليل (٢)، وحينا في أوسطه. وحينا في آخره. وهذا في الغالب.
وفي بعض الليالى، كان يكرر آية في صلاة الليل من أوله إلى آخره وهي ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣).
وصلاة النبي ﷺ كانت على ثلاثة أنواع:
أحدهما: أنه كان يصليها قائما وذلك في الغالب.
الثاني: أنه كان يصليها جالسا ويركع جالسا أيضًا.
_________________
(١) جاء في الصحيحين ما يخالف رواية المصنف التي نقلها عن ابن حبان وانظر صحيح البخاري (ج ٢ ص ٤٠٦)، ومسلم برقم، ٧٥١، وأبى داود برقم (١٤٣٨)، - النسائي (ج ٣ ص ١٣٠، ١٣١).
(٢) متفق عليه رواه البخاري (ج ٢ ص ٤٠٦)، ومسلم برقم (٧٤٥. ١٣٧)، أخرجه النسائي (ج ٣ ص ٢٣٠) والترمذي برقم (٤٥٧)، وأبو داود برقم (١٤٣٥).
(٣) سورة المائدة آية ١١٨. والحديت متفق عليه، ورد في صحيح البخاري (٢/ ٤٠٦) ومسلم (٧٤٥).
[ ٦٤ ]
الثالث: أن كان يصليها جالسا، ويقرأ غالب القراءة جالسا ثم يقوم فيقرأ ما بقي قائما ثم يركع، هذه الأنواع الثلاثة صحيحة، وأما الحديث الذي ورد بأن هيئة جلوسه في حالة الصلاة قاعدا التربع، فقد طعن الحفاظ فيه، وحملوه على خطأ بعض الرواة.
فصل النافلة من صلاة النبي - ﷺ -
ثبت بروايات صحيحة أنه - ﷺ - كان يصلى بعد الوتر ركعتين في صحيح مسلم، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه كان يصلى ثلاث عشرة ركعة (١) يصلى ثمان ركعات، ثم يوتر، ثم يصلى ركعتين، وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام، فرفع، ثم يصلى ركعتين بين النداء والإقامة.
وفي مسند الإِمام أحمد روى عن أم سلمة أنها قالت، كان رسول الله - ﷺ - يصلي بعد الوتر ركعتين خفيفتين، وهو جالس، وأبو أمامة يروى كان رسول الله - ﷺ - يصلى ركعتين بعد الوتر وهو جالس، يقرأ فيهما ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٢) وروى هذا المعنى أيضًا جماعة من الصحابة غير من ذكرنا.
وظاهرة معارض بحديث "واجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا" (٣) وقد أشكل على كثير من العلماء لا جرم أنكره الإِمام مالك، وقال الإِمام أحمد:
_________________
(١) رواه الشيخان باختلاف يسير. انظر صحيح البخاري شرح فتح الباري (ج ٣ ص ٣٣) حديث رقم (١١٤٧)، ومسلم برقم (٧٣٨ - ج ١ ص ٥٠٩)، وأبي داود برقم (١٣٤١ - ص ٤٠)، والترمذي برقم (٤٣٩ - ج ٢ ص ٣٠٢، ٣٠٣)، والموطأ برقم (٩ - ج ١ ص ١٢٠)، والنسائي (ج ١ ص ٢١٠).
(٢) لم نعثر عليه.
(٣) متفق عليه رواه البخاري (ج ٢ ص ٤٠٦)، ومسلم برقم (٧٤٥، ١٣٧)، وأخرجه أبو داود برقم (١٤٣٨)، والنسائي (ج ٣ ص ٢٣٠ و٢٣١)، والترمذي برقم (٤٥٧)، وأبو داود برقم (١٤٣٥) في كتاب الصلاة، باب في وقت الوتر (ج ٢ ص ٦٧).
[ ٦٥ ]
لا أصليها، ولا أمنع أحدا من صلاتها.
وقال جماهير العلماء: صلاها لبيان الجواز، ليعلم أن بعد الوتر، يجوز صلاة النوافل، وأن الوتر لا يقطع صلاة النوافل، وعلى هذا يكون قوله: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا" مبنيا على الاستحباب.
وقال بعض العلماء: هذه الصلاة ملحقة بالوتر، وجارية مجرى سنة الوتر، لا سيما على مذهب من يقول: بوجوب الوتر، وكما أن صلاة المغرب وتر النهار مشفوعة من السنة بركعتين كذلك وتر الليل أيضا مشفوع من السنة بركعتين.
فصل دعاء القنوت للنبي محمد - ﷺ -
لم يرد في الصحيح أنه - ﷺ - قرأ القنوات في صلاة الوتر أصلًا. قال الإِمام أحمد: كل ما ثبت في القنوت فمجموعه في صلاة الصبح. ولم يثبت في الوتر أصلًا، بل لم يرد، ولكن جماعة من الصحابة كانوا يقرءون القنوت في صلاة الوتر، لحديث مسند الإِمام أحمد عن الحسن بن علي ﵄ قال: علمني رسول الله - ﷺ - كلمات أقولهن في قنوت الوتر "اللهم اهدنى فيمن هديت، وعافنى فيمن عافيت، وتولنى فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقنى شر ما قضيت، إنك تقضى ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت وصلى الله على النبي" قال الترمذي: هذا أحسن حديث، روى في باب القنوت.
وثبت عن أمير المؤمنين عمر، وأبى بن كعب، وعبد الله بن مسعود، أنهم كانوا يقرأون القنوت في صلاة الوتر، ولم يرو عن النبي - ﷺ - قطعا،
[ ٦٦ ]
وكل ما روى فإنه مطعون ومفترى.
روى الترمذي والنسائي كان رسول الله - ﷺ - يقول في آخر وتر "اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" (١)، وهذه العبارة يحتمل أن يكون قالها بعد التشهد وهذا أقرب، بل هو متعين، لما رواه النسائي، كان يقول إذا فرغ من صلاته، وتبوأ مضجعه - وزاد في لفظ هذه الرواية: "لا أحصى ثناء عليك ولو حرصت".
وثبت في بعض الروايات الصحيحة: أنه كان يقول هذا في السجود، فيحتمل أن يكون قاله في مجلسين.
وفي مسند الحاكم من حديث ابن عباس في صفة صلاة رسول الله - ﷺ - به، ووتره، فلما قضى صلاته سمعته يقول: "اللهم اجعل في قلبى نورًا، وفي بصرى نورًا، وفي سمعى نورًا، وعن يمينى نورًا، وعن يسارى نورا، وفوقى نورًا، وتحتى نورًا، وأمامى نورًا، وخلفى نورًا، واجعل لي يوم لقائك نورًا".
وفي بعض الروايات: "وفي عصبى نورًا، وفي لحمى نورًا، وفي شعرى نورًا، وفي بشرى نورًا، وفي لسانى نورًا، واجعل في نفسى نورًا، وأعظم لي نورًا، واجزل لي نورًا، واعطنى نورًا" (٢)، وكان يقرأ في صلاة الوتر في الركعة الأولى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفى الركعة الثانية ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الركعة الثالثة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٣) والمعوذتين ويقول عقب السلام: "سبحان الملك القدوس" ثلاثا، يرفع صوته في الثالثة، ويمد
_________________
(١) أخرجه مسلم من صحيحه برقم (٤٨٦)، ومالك في الموطأ (ج ١ ص ٢١٤)، وأبو داود برقم (٨٧٩). والترمذي برقم (٣٤٩١)، والنسائي (ج ٢ ص ٢٢٢). وأورده النووي في رياض الصالحين (٥٣٨).
(٢) رواه مسلم في صحيحه باختلاف يسير، وأورده الشوكاني في نيل الأوطار (ج ٢ ص ٢٩٨).
(٣) رواه أحمد في مسنده، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب ما يقرأ في الوتر حديث رقم (١٤٢٣ - ج ٢ ص ٦٣)، والنسائي (ج ٣ ص ٢٣٥) في كتاب قيام الليل، باب ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر أبي بن كعب في الوتر، وباب نوع آخر من القراءة في الوتر، وانظر تلخيص الحبير (٢/ ١٧).
[ ٦٧ ]
الحروف، ثم يقول بعد ذلك: "رب الملائكة والروح".
وكان يقرأ بالترتيل، ويقف في آخر كل آية البتة وإن تعلقت بما بعدها وبعض القراء يقول: الوقف على مكان انتهاء الكلام، وانفصاله، أولى وأفضل. وهذا القول غير مستحسن لأن متابعة الرسول - ﷺ -، في كل حال، أكمل وأفضل.
وللعلماء اختلاف في أفضلية القراءة المرتلة، مع القلة على القراءة الكثيرة، مع السرعة، قال ابن عباس، وابن مسعود: الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل، وقال أمير المؤمنين علي، وجماعة من الصحابة والتابعين، والإمام الشافعي: كثرة القراءة أفضل لأنّ بكل حرف عشر حسنات.
وقال النبي - ﷺ - "ولا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" (١).
وقال بعض المتأخرين: ثواب القراءة بالترتيل، والتدبر أكبر وأحسن، وثواب كثيرة القراءة أزيد وأكثر، مثال ذلك شخص تصدق بجوهرة ثمينة، ومثال شخص تصدق بلآلئ صغار، أو بدراهم ودنانير كثيرة، وما أشبه ذلك.
وكان يسر في قراءة الليل أحيانا، ويجهر أحيانا، ويطيل القيام أحيانا، ويخفف أحيانا.
_________________
(١) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. برقم (٢٩١٢)، وأورده النووي. في رياض الصالحين عن ابن مسعود برقم (٩/ ٩٩٩ ص ٤٢٠ - ٤٢١).
[ ٦٨ ]
فصل في صلاة الضحى وعادة الرسول - ﷺ - في ذلك
قالت عائشة ﵂: رأيت رسول الله - ﷺ - يصلى الضحى أربعا ويزيد ما شاء الله (١)، وعن أنس قال: رأيت رسول الله - ﷺ - في سفر، يصلى سبحة الضحى ثمان (٢) ركعات، فلما انصرف قال: "إنى صليت صلاة رغبة ورهبة، فسألت ربي ثلاثًا؛ فأعطانى اثنين ومنعنى واحدة، سألته أن لا يقتل أمتي بالسنين ففعل، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوا ففعل، وسألته أن لا يلبسهم شيعا فأبى علي" صحيح رواه الحاكم (٣).
وعن عائشة ﵂ قالت: صلى النبي - ﷺ - صلاة الضحى، ثم قال: "اللهم اغفر لي وارحمنى وتب علي إنك أنت التواب الرحيم" (٤) حتى قالها مائة مرة، وعن أم ذر قالت: رأيت عائشة تصلي الضحى وتقول، ما رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي إلا أربع ركعات.
وعن جبير بن مطعم أنه رأى رسول الله - ﷺ - صلى الضحى. وعن جابر بن عبد الله أن النبي - ﷺ - صلى صلاة الضحى ست ركعات. وعن عائشة وأم سلمة قالتا: كان رسول الله - ﷺ - يصلى الضحى اثنتى عشرة (٥) ركعة.
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين باب استحباب صلاة الضحى وإن أقلها ركعتان حديث رقم (٧١٩ - ج ١ ص ٤٩٧)، وأورده محمد إسماعيل الصنعاني في سبل السلام (ج ٢ ص ٣٤ برقم ٣٦٣).
(٢) رواه الترمذي بنحوه في أبواب الصلاة باباب ما جاء، في صلاة الضحى حديث رقم (٤٧٣ - ج ٢ ص ٣٣٧) عن أنس ﵁.
(٣) رواه الحاكم وصححه وانظر نيل الأطار (ج ٣ ص ٦١، ٦٢)، سبل السلام (ج ٢ ص ٣٦) وما بعدها.
(٤) رواه مسلم بنحوه برقم (١٧٢١)، والترمذي برقم (٣٤٨٤).
(٥) رواه الترمذي في أبواب الصلاة، باب ما جاء في صلاة الضحى حديث رقم (٦٣٠)، وانظر موارد الظمآن (ص ١٦٥).
[ ٦٩ ]
وعن عليّ ﵁ أن النبي - ﷺ - كان يصلي الضحى ست ركعات، وعن أبي هريرة ﵁ قال: أوصانى خليلى بصيام ثلاثة أيام في كل شهر وركعتى الضحى وأن أوتر قبل أن أنام (١).
وعن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهى عن المنكر صدقة، وتجزئ من ذلك ركعتين تركعهما من الضحى" (٢). وفي مسند الإِمام أحمد عن معاذ بن أنس، يرفعه: "من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى سبح ركعتى الضحى، لا يقول إلا خيرا، غفر له خطاياه وإن كانت مثل زيد البحر".
وعند الترمذي عن أبي هريرة، يرفعه "من حافظ على سبحة الضحى غفر له ذنوبه وإن كان مثل زيد البحر".
وعن نعيم بن همار قال: قال رسول الله - ﷺ -: "قال الله تعالى: ابن آدم لا تعجز لي عن أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره" (٣). وعند الترمذي، وابن ماجه عن أنس يرفعه: "من صلى اثنتى عشرة ركعة بني الله له قصر في الجنة من ذهب" (٤). وعند مسلم عن زيد بن أرقم أنه رأى قوما يصلون
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري (ج ٣ ص ٤٧)، ومسلم برقم (٧٢١)، وأبو داود (١٤٣٢)، والترمذي (٧٦٠)، والنسائي (ج ٣ ص ٢٢٩).
(٢) رواه مسلم في صحيحه برقم (٧٢٠)، وأورده النووي في رياض الصالحين (ص ٤٥٨ برقم ٢/ ١١٤٠) وسلامى في الحديث بضم السين المهملة وتخفيف اللام - المفاصل والأعضاء. قد ثبت في صحيح مسلم أنها ثلاثمائة وستون. قال القاضي عياض: أصله. عظام الكف والأصابع والأرجل ثم استعمل في سائر عظام الجسد ومفاصله.
(٣) رواه أحمد وأبو داود وهو للترمذي من حديث أبي ذر وأبي الدرداء، وأورده الشوكاني في نيل الأوطار (ج ٣ ص ٦٤).
(٤) رواه الترمذي واستقر به في أبواب الصلاة؛ باب ما جاء في صلاة الضحى حديث رقم (٤٧٣ - ج ٢ ص ٣٣٧). وانظر سبل السلام (ج ٢ ص ٣٧).
[ ٧٠ ]
الضحى في مسجد قباء فقال: أما لقد علموا أن الصلاة في غير الساعة أفضل أن رسول الله - ﷺ - قال: "صلاة الأوابين حين ترمض الفصال" (١) أي يشتد حر النهار، فتهجر الفصال حر الرمضاء.
في الصحيحين أن النبي - ﷺ - صلى الضحى ركعتين، في بيت عنيان بن مالك، وعن أبي هريرة: لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب (٢). رواه الحاكم على شرط مسلم، وعنده عن أبي هريرة يرفعه أن للجنة بابا يقال له: باب الضحى فإذا كان يوم القيامة، نادى مناد أين الذين كانوا يداومون على صلاة الضحى هذا بابكم ادخلوه برحمة الله.
وعن أبي سعيد قال: كان رسول الله - ﷺ - يصلي الضحى، حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها.
وعن ابن عمر أنه قال لأبي ذر: أوصني ياعم قال: سألت رسول الله - ﷺ - كما سألتنى فقال: "من صلى الضحى ركعتين لم يكتب من الغافلين، ومن صلى أربعًا كتب من العابدين، ومن صلى ستًا لم يلحقه ذلك اليوم ذنب، ومن صلى ثمانيا كتب من القانتين، ومن صلى عشر بني الله له بيتا في الجنة" (٣).
وقال مجاهد: صلى رسول الله - ﷺ - يوما الضحى ركعتين، ثم يوما أربعًا، ثم يوما ستًا، ثم ثمانيا يوما، ثم ترك.
_________________
(١) انفرد به مسلم في صحيحه في كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الأوابين حين ترمض الفصال حديث رقم (٧٤٨ - ج ١ ص ٥١٥، ٥١٦)، وأورده النووي في رياض الصالحين (ص ٤٥٩ برقم ١/ ١٤٣) وانظر سبل السلام (ج ٢ ص ٣٦).
(٢) رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط ولم يخرجه.
(٣) رواه الطبراني عن أبي الدرداء مرفوعا وقال الحافظ في إسناده ضعف. وله شاهد من حديث أبي ممم البزار وفي إسناده ضعف أيضا، وانظر نيل الأوطار (ج ٣ ص ٦٣).
[ ٧١ ]
وعن أبي أمامة يرفعه: من مشى إلى صلاة مكتوبة، وهو متطهر إلى صلاة أخرى، كان له كأجر الحاج المحرم، ومن مشى إلى سبحة الضحى، كان له كأجر المعتمر وصلاة على أثر صلاة، لا لغو بينهما كتب في عليين.
وعن أبي أمامة يرفعه: من صلى الصبح في مسجد جماعة، ثم ثبت فيه حتى يسبح فيه سبحة الضحى، ثم يصلى الضحى، كان له كأجر حاج، أو معتمر، تام له حجته وعمرته (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: بعث النبي - ﷺ - جيشا فأعظموا الغنيمة، وأسرعوا الكرة، فقال رجل: يا رسول الله: ما رأينا بعثا قط أسرع كرة، وأعظم غنيمة من هذا البعث. فقال: "ألا أخبركم بأسرع كرة، وأعظم غنيمة؟ رجل توضأ في بيته فأحسن وضوءه، ثم عمد إلى المسجد، فصلى صلاة الغداة ثم أعقب بصلاة الضحى فقد أسرع الكرة وأعظم الغنيمة" (٢).
ومجموع هذه الأحاديث دليل على استحباب صلاة الضحى وفضيلتها. وهذا مذهب الجمهور من العلماء والمشايخ.
وقال جمع من العلماء بكراهتها واستدلوا بالأثر الذي رواه البخاري عن ابن عمر، أنه لم يكن يصليها أبو بكر، ولا عمر قلت: فالنبي قال "لا أخًا له".
وروى عن عبد الرحمن بن أبي بكر: أن أبا بكر رأى جماعة، يصلون صلاة الضحى، فقال: إنكم لتصلون صلاة ما صلاها رسول الله - ﷺ - ولا عامة أصحابه.
_________________
(١) رواه الطبراني عن عتبة عن رسول الله - ﷺ - بنحوه، قال الشوكانى، وفى إسناده الأحوص بن حكيم ضعفه الجمهور ووثقه العجليّ، انظر نيل الأوطار (ج ٣ ص ٦٠).
(٢) لم نعثر عليه.
[ ٧٢ ]
وروى عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما سبح رسول الله - ﷺ - سبحة الضحى، وإني لأسبحها، وإن كان رسول الله - ﷺ - ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به فيفترض عليهم.
وقال قيس بن عبيد: ترددت إلى ابن مسعود سنة فما رأيته صلى الضحى قط، وعن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا ابن عمر جالس عند حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها، وإذا الناس يصلون في المسجد صلاة الضحى فسألناه عن صلاتهم فقال: بدعة، ونعمت البدعة.
وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ما ابتدع المسلمون أفضل من صلاة الضحى، وقالت طائفة أخرى من العلماء: يستحب أن يصليها في بعض الأحيان ويتركها في بعض الأحيان، واستدلوا بحديث عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة هل كان رسول الله - ﷺ - يصلى صلاة الضحى؟ قالت: ما كان يصليها إلا إِذا قدم من سفره، وبحديث أبي سعيد الخدرى قال: كان رسول الله - ﷺ - يصلى الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها.
وعن عكرمة قال: كان ابن عباس يصليها يوما، ويدعها عشرة أيام - يعني صلاة الضحى - وعن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أنه كان لا يصلى الضحى فإذا أتى مسجد قباء صلى، وكان يأتيه كل سبت.
وعن منصور قال: كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة، ويصلون، ويدعون - يعني صلاة الضحى -.
وعن سعيد بن جبير قال: إني لأدع صلاة الضحى وأنا اشتهيها مخافة أن أراها حتما علي، وقال مسروق: كنا نقرأ فنبقى بعد قيام ابن مسعود، ثم نقوم فنصلي الضحى، فبلغ ابن مسعود ذلك، فقال: لم تحملون عباد الله ما لم يحملهم الله، إن كنتم لا بد فاعلين ففي بيوتكم.
[ ٧٣ ]
فهذه الطائفة تعلقت بهذه الأحاديث وقالوا: لا ينبغي المداومة عليها، والصواب أنه يستحب المواظبة عليها، فإن خوفهم توهم الفريضة قد ارتفع، لكن الأولى أن يصليها في البيت.
وقالت عائشة: لو نشر لي أبواى ما تركتها، واختار أكثر العلماء أربع ركعات لصحة أحاديثها.
وقال ابن جريرة أحاديث صلاة الضحى يظهر فيها اختلاف، أما عند التأمل فيظهر التوافق والصحة، ويرتفع التضاد ويندفع التعارض، واختلاف العدد كان بحسب اختلاف الأيام، والأحوال، فحينا كان يصلي ركعتين، وحينا أربعًا، وحينا ستا، وحينا ثمان ركعات، وحينا عشرا، وحينا اثنى عشرة.
فالشخص مخير في أي عدد أراد، وحديث أبي ذر المتقدم يدل على هذا المعنى، وهو قوله - ﷺ -: "من صلى ركعتين لم يكتب من الغافلين، ومن صلى أربعًا كتب من العابدين " إلى آخر الحديث وقد تقدم.
فصل صلاة النبي - ﷺ - في شكر الله
كان من عادة حضرة سيدنا رسول الله - ﷺ - أنه إذا تجددت نعمة أو اندفعت نقمة سجد لله تعالى شكرا.
ثبت في مسند الإِمام أحمد عن أبي بكرة، أن النبي - ﷺ -: وكان إذا أتاه أمر يسُره خرّ ساجدا شكرا لله ﵎ (١). وعن أنس أن النبي - ﷺ - بشر بحاجة فخر ساجدا.
_________________
(١) رواه الخمسة إلا النسائي، أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد باب في سجود الشكر حديث رقم (٢٧٧٤ - ج ٣ ص ٨٩)، والترمذي في كتاب الىسير باب ما جاء في سجدة الشكر حديث رقم (١٥٧٨ - ج ٤ ص ١٤١)، وابن ماجه في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة والسجدة عند الشكر حديث رقم (١٣٩٤ - ج ١ ص ٤٤٦) كتاب سبل السلام (ج ١ ص ٤٢٤ برقم ٣٢٨).
[ ٧٤ ]
وروى البيهقي بإسناد صحيح أنه لما ورد كتاب أمير المؤمنين عليّ من اليمن يتضمن أن قبيلة همدان أسلمت، خرّ النبي - ﷺ - ساجدا (١) من ساعته، وقال: "السلام على همدان، السلام على همدان".
وروى عبد الرحمن بن عوف، أن النبي - ﷺ -: لما بشر بأن من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا، وأن من سلّم عليه مرة، سلّم الله عليه بها عشرا، سجد ﷺ من ساعته شكرا (٢).
وفي سنن أبي داود أن النبي - ﷺ - رفع يديه داعيا، ثم بعد ذلك سجد شكرا لله، ثلاث مرات وقال: "شفعت في أمتي فوهبني الله ثلثها فسجدت شكرا لله، ولما رفعت رأسي شفعت ثانيا فوهبني الله ثلثا آخر، فسجدت شكرا، ولما رفعت رأسي دعوت الله ثالثا فوهبنى الثلث الباقي، فسجدت شكرا".
وثبت في مسند الإِمام أحمد: أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا نغاشا - يعني قصير الأرجل - حقيرا نزرا دميمًا فسجد شكرا (٣)، وكعب بن مالك لما أتاه البشير بقبول توبته سجد شكرا، وأبو بكر الصديق لما سمع قتل مسيلمة سجد شكرا، وأمير المؤمنين علي لما رأى ذا الثدية رئيس الخوارج بين القتلى سجد شكرا.
_________________
(١) رواه البيهقي وأصله في البخاري، وأورده صاحب سبل السلام (ج ١ ص ٤٢٦) عن البراء بن عازب.
(٢) رواه أحمد في مسنده، والحاكم في المستدرك وصححه والبزار وبن أبي عاصم في فضل الصلاة عليه - ﷺ -. قال البيهقي. وفي باب عن جابر وبن عمر وأنس وجرير وابن جحيفة وأورده الأمير الصنعاني في سبل السلام (ج ١ ص ٤٢٦).
(٣) لم نعثر عليهما.
[ ٧٥ ]
فصل سجدات القرآن ومحافظة النبي في أدائها
لم يكن - ﷺ - يترك سجدات القرآن بل حيثما بلغ آية سجدة كبر وسجد وقال في سجوده: "سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته" وربما قال: "اللهم احطط عني بها وزرًا، واكتب لي بها أجرًا، واجعلها لي عندك دخرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود" (١).
ولم يثبت أنه لما رفع رأسه من هذه كبر، أو تشهد، أو سلم. وصح أنه سجد ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة. وفي ص. وفي النجم. وفي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾.
وقال عمرو بن العاص: أقرأني رسول الله - ﷺ - خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث سجدات في المفصل، وسجدتان في الحج.
وقال أبو الدرداء: سجدت مع النبي - ﷺ - في أحد عشر موضعا ليس فيها شيء من المفصل بل في الأعراف، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج، والفرقان، والنمل، وألم السجدة، وص، وسجدة الحواميم (٢).
وصح عن أبي هريرة: أنه سجد مع النبي - ﷺ - في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وفى ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، ولما كان إسلام أبي هريرة متأخرا في سنة سبع من الهجرة، رجحوا حديثه، وقول ابن عباس: لم يسجد رسول الله - ﷺ - في المفصل منذ تحول إلى المدينة، أسقطوه لضعف إسناده، وأبو هريرة مثبت وهو ناف.
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه برقم (١٠٦٩ - ج ٢ ص ٥٥٣)، وأبو داود برقم (١٤٠٩ - ج ٢ ص ٥٩)، والترمذي برقم (٥٧٧ - ج ٢ ص ٦٩)، والنسائي (ج ٢ ص ١٥٩).
(٢) رواه مالك في الموطأ (ج ١ ص ٢٠٥ - ٢٠٦) في كتاب القرآن باب (٥) ما جاء في سجود القرآن حديث رقم (١٣).
[ ٧٦ ]
فصل في فضل يوم الجمعة وعبادات النبي - ﷺ - فيه
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، وكان لليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة فكذلك هم تبع لنا يوم القيامة ونحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة، المقضى لهم قبل الخلائق" (١)
وعن أوس بن أبي أوس - ﵁ - يرفعه: "من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا على من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي" قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليكم وقد أرمت؟ - يعنى بليت - قال: "إن الله ﷿ حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" (٢) رواه الإمام أحمد، وابن حبان، والحاكم.
وعن أبي هريرة يرفعه: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة" (٣).
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه (ج ٢ ص ٥٨٦)، وأحمد المروزي في الجمعة (٧٨)، والنسائي في سننه (ج ٣ ص ٨٧) وفي الجمعة (٢٣)، البيهقى في الجامع لشعب الإيمان (ج ٦ ص ٢٥٥) ورواه مع أطراف أخرى: أبو يعلى في المسند (ج ١١ ص ٧٩)، وابن ماجه في سننه (ج ١ ص ٣٤٤)، والبزار في مسنده (١/ ٢٩٥).
(٢) أخرج أحمد ونحوه في المسند (ج ٢ ص ٥١٨، وج ٣ ص ٨)، وأبو داود في السنن (١/ ٢٧٥)، والنسائي في السنن (٣/ ٩١)، وابن خزيمة في صحيحه (٣/ ١١٨)، وابن حبان في صحيحه (٢/ ١٣٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٧٨) وقال صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه، وأبو نعيم في دلائل النبوة (٢/ ٥٦٦) وفي معرفة الصحابة (٢/ ٢٥٤)، والبيهقى في السنن الكبرى (٣/ ٢٤٨)، وفي الجامع لشعب الإيمان (٦/ ٢٨٣).
(٣) رواه أحمد في المسند بنحوه (٤/ ٨)، وأبو داود في سننه (١/ ٢٧٥)، وابن خزيمة في صحيحه (٣/ ١١٨).
[ ٧٧ ]
وفي صحيح الحاكم: "سيد الأيام يوم الجمعة"، وفي الموطأ: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تغرب الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي ويسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه" (١).
قال كعب: ذلك في كل سنة يوم؟ فقلت: بل في كل جمعة فقرأ التوراة فقال: صدق رسول الله - ﷺ -. قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته مع كعب فقال: قد علمت أية ساعة هي؟ قلت: فأخبرنى بها؟ قال: آخر ساعة في يوم الجمعة. قلت: كيف؟ وقل قال رسول الله ﵌: "لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلى" وتلك الساعة لا يصلى فيها؟ قال ابن سلام: ألم يقل رسول الله ﵌: "من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلى" (٢). وعند الشافعى ﵀ في المسند: أتى جبريل النبي - ﷺ - بمرآة بيضاء فيها نكتة (٣)، فقال النبي - ﷺ -: "ما هذه؟ " فقال: هي الجمعة، فضلت بها وأمتك، فالناس لكم فيها تبع اليهود والنصارى، ولكم فيها خير، وفيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له وهو عندنا يوم المزيد.
فقال النبي - ﷺ -: "يا جبريل وما يوم المزيد؟ " فقال: إن ربك اتخذ في الفردوس واديا أفيح (٤) فيه كثيب من مسك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله سبحانه ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور، عليها مقاعد النبيين، وحف تلك المنابر، بمنابر من ذهب، مكللة بالياقوت والزبرجد، عليها الشهداء والصديقيون، فجلسوا من ورائهم على ذلك الكثيب (٥).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في المصنف (٣/ ٢٦٤)، وأحمد في المسند (٢/ ٢٧٢)، والطبراني في الدعاء (٢/ ٨٥٨).
(٢) رواه أحمد في المسند (٥/ ٤٥١)، وابن ماجه في السنن (١/ ٣٦٠)، أحمد المروزى في الجمعة (٣٢)، ورواه مالك في الموطأ (١/ ١٠٨)، وابن حبان في الصحيح (٤/ ١٩١)، والبيهقى في شعب الإيمان (٦/ ٢٣٤).
(٣) أى أثر قليل.
(٤) كل موضع واسع يقال له أفيح.
(٥) في مسند الإمام الشافعى: أعلى تلك الكثب.
[ ٧٨ ]
فيقول الله ﷿ لهم: أنا ربكم قد صدقتكم وعدى فسلونى أعطكم، فيقولون: ربنا نسألك رضوانك. فيقول: قد رضيت عنكم ولكم عليّ ما تمنيتم ولدى مزيد، فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخيرات، وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم ﵎ على العرش (١)، وفيه خلق آدم، وفيه تقوم الساعة" (٢).
هذا الحديث رواه الإمام الشافعى في مسنده. وجمع أبو بكر بن أبى الدنيا طرفه، ورواه بأسانيد متنوعة مختلفة.
وبالجملة فهو حديث عظيم صحيح، يشتمل على فوائد، وبشارات، وحقائق كثيرة.
وروى عن أبي هريرة: أنه سأل رسول الله - ﷺ - عن سبب تسميته بالجمعة؟ فقال: "لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة، والبعثة، وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له" (٣).
وفي كتاب (صفة الجنة) تصنيف (أبو بكر بن أبى الدنيا) بإسناد ثابت، من رواية حذيفة: أن النبي - ﷺ - قال: "أتانى جبريل وفي كفه مرآة كأحسن المرايا، وأضوئها، وإذا في وسطها لمعة سوداء، فقلت: ما هذه اللمعة التي أرى فيها؟ قال: هده الجمعة. قلت: وما الجمعة؟ قال: يوم من أيام ربك
_________________
(١) أقول إن كل ما جاء في القرآن أو صح عن الرسول الحبيب الحليم من صفات الرب ﵎ مما يوهم التشبيه وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له بالرد والتأويل والشبيه والتمثيل. وما أشكل من ذلك يجب إثباته لفظا وترك التعرض لمعناه ويرد علمه إلى قائله ويجعل عهدته على ناقلة اتباعا لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بقوله ﷻ وتنزهت صفاته وأسماؤه ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. آل عمران: ٧.
(٢) رواه مالك في الموطأ (١/ ١٠٨)، وابن حبان (٤/ ١٩١) والبيهقى في شعب الإيمان (٦/ ٢٣٤).
(٣) رواه الترمذي في السنن (٥/ ٦، ٤)، والطبرانى في المعجم الأوسط (٢/ ٥٣)، والبغوى في شرح السنة (٤/ ٤، ٢)، وأحمد في المسند (٢/ ٥١٩)، والبيهقى في السنن الكبرى (٣/ ١٧٠) وفى الجامع لشعب الإيمان (٦/ ٢٢٤).
[ ٧٩ ]
عظيم، وسأخبرك بشرفه وفضله في الدنيا، وما يرجى فيه لأهله، وبإسمه في الآخرة. فأما شرفه وفضله في الدنيا فإن اللهْ جمع فيه أمر الخلق، وأما ما يرجى فيه لأهله فإن فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم - أو أمة مسلمة - يسأل الله فيه خيرا إلا أعطاه إياه (١).
وأما شرفه وفضله في الآخرة واسمه فإن الله ﵎ إذا صير أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، جرت عليهم هذه الأيام وهذه الليالى ليس فيها ليل ولا نهار. فاعلم الله ﷿ مقدار ذلك وساعاته، فإذا كان يوم الجمعة حين يخرج أهل الجنة إلى جنتهم نادى أهل الجنة مناد: يا أهل الجنة اخرجوا إلى وادى الزبد، ووادى المزيد لا يعلم سعته وطوله وعرضه إلا الله، فيه كثبان المسك رءوسها في السماء.
قال: فيخرج غلمان الأنبياء بمنابر من نور، ويخرج غلمان المؤمنين بكراسي من ياقوت، فإذا وضعت لهم وأخذ القوم مجالسهم بعث الله تعالى إليهم ريحا تدعى المثيرة تنشر ذلك المسك. وتدخله من تحت ثيابهم وتخرجه في وجوههم وأشعارهم، وتلك الرياح أعلم كيف يصنع بذلك المسك من امرأة أحدكم لو رفع إليها كل طيب على وجه الأرض.
قال: ثم يوحى الله ﵎ إلى حملة عرشه ضعوه بين أظهرهم، فيكون أقل ما يسمعون منه: أن يا عبادى الذين أطاعونى بالغيب ولم يرونى وصدقوا برسلى واتبعوا أمرى سلوا فهذا يوم المزيد، فيجتمعون على كلمة واحدة (رضينا عنك، فارض عنا) فيرجع الله إليهم: أن يا أهل الجنة إنى لو لم أرض عنكم لم أسكنكم دارى، فسلونى فهذا يوم المزيد، فيجتمعون على كلمة واحدة، (ربنا أرنا وجهك ننظر إليه) فيكشف عن تلك الحجب، ويتجلى لهم ﷿ من نوره شيء، لولا أنه قضى أن لا يحُرقوا لاحترقوا، لما يغشاهم من نوره، ثم يقال لهم: ارجعوا إلى منازلكم، فيرجعون إلى
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (٢/ ٤٩٨)، والبخارى (٨/ ١٥٣)، ومسلم (٢/ ٥٨٤)، وابن ماجه (١/ ٣٦٠)، وابن خزيمة في الصحيح (٣/ ١٢١)، والبغوى في مسند ابن الجعد (٢/ ١٠٩٢)، والطبرانى في الدعاء (٢/ ٨٥١).
[ ٨٠ ]
منازلهم، وقد أُعطى كل واحد منهم الضعف على ما كانوا فيه، فيرجعون إلى أزواجهم، وقد خفوا عليهم، وخفين عليهن بما غشيهم من نوره.
فإذا رجعوا تراد النور حتى يرجعوا إلى صورهم التي كانوا عليها، فتقول لهم أزواجهم: لقد خرجتم من عندنا على صورة، ورجعتم على غيرها، فيقولون: ذلك إن الله ﷿ تجلى لنا فنظرنا منه، قال: (١) إنه والله ما أحاطه خلق ولكنه قد أراهم الله ﷿ من عظمته وجلاله ما شاء أن يريهم. قال: فذلك قولهم: فنظرنا منه. قال: فهم يتقلبون في مسك الجنة، ونعيمها في كل سبعة أيام الضعف على ما كانوا فيه.
قال رسول الله - ﷺ - فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) وفي لفظ: فإذا كان يوم الجمعة من أيام الآخرة هبط الرب ﷿ من عرشه إلى كرسيه، ويحف الكرسى منابر من نور فيجلس عليها النبيون، وتحف المنابر بكراسى من ذهب فيجلس عليها الصديقون والشهداء، ويهبط أهل الغرف من غرفهم فيجلسون على كثبان المسك لا يرون لأهل المنابر والكراسى فضلا في المجلس، ثم يتبدى لهم ذو الجلال ﵎.
فيقول: سلوني فيقولون بأجمعهم: نسألك الرضا يارب، فيشهد لهم على الرضا، ثم يقول: سلونى فيسألونه حتى تنتهى نهمة كل عبد منهم قال: ثم يغشى عليهم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم يرتفع الجبار عن كرسيه إلى عرشه، ويرتفع أهل الغرف إلى غرفهم وهي غرفة من لؤلؤة بيضاء أو ياقوتة حمراء أو زمردة خضراء ليس فيها فصم ولا وصم مطردة فيها أنهار متدلية فيها ثمارها فيها أزواجها وخدمها ومساكنها قال: فأهل الجنة يتباشرون في الجنهة بيوم الجمعة كما يتباشر أهل الدنيا في الدنيا بالمطر (٣).
_________________
(١) الضمير في قال: عائد على جبريل ﵇.
(٢) سورة السجدة الآية رقم ١٧.
(٣) رواه ابن خزيمة في الصحيح بنحوه مختصرا (٣/ ١١٧). والبيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٣٩١).
[ ٨١ ]
فصل تعظيم النبي محمد - ﷺ - ليوم الجمعة
كان من عوائده الكريمة - ﷺ - أن يعظم يوم الجمعة غاية التعظيم، ويخصه بأنواع التشريف والتكريم، ويحفه بأنواع العبادات، كما سنبينه فيما هو آت.
وللعلماء في يوم الجمعة، ويوم عرفة قولان: قال بعضهم: يوم الجمعة أفضل، وقال بعضهم: يوم عرفة أفضل، وكان - ﷺ - يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة سورة السجدة، وهل أتى على الإنسان.
والمراد تذكير الأمة بما اشتملتا عليه مما كان، وما يكون، لما فيهما من خلق آدم ﵊، وذكر المعاد، وحشر الخلائق، وأحوالهم في الجنة والنار، وليس المراد تخصيص هذا اليوم بالسجدة كما ظنوا. وقالوا: إن من لم يتهيأ له قراءتهما، فليقرأ بعض سورة تشتمل على سجدة، أو ليقرأ في أولى بعض سورة السجدة، وفي الأخرى باقيها.
إنما نشأ لهم هذا من عدم اطلاعهم على سر ما قُرئتا له في هذا اليوم، وقراءتهما في صلاة الصبح، من خواص الجمعة.
الخاصية الثانية: أن يستحب الإكثار من الصلاة، على النبي - ﷺ - في يوم الجمعة وليلتها، وفي الحديث الصحيح: "أكثروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة وليلة الجمعة" (١).
الخاصية الثالثة: صلاة الجمعة، وهي من أعظم فروض الإسلام، ومن تهاون في الإتيان بها ختم على قلبه، وقُرب بعض الأشخاص في يوم المزيد، بحسب تقربهم إلى الله يوم الجمعة.
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (٤/ ٨)، وأبو داود في السنن (١/ ٢٧٥)، والنسائي (٣/ ٩١) وفي الجمعة (٢٨). ابن خزيمة في الصحيح (٣/ ١١٨)، وابن حبان في الصحيح (٢/ ١٣٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٧٨) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (ج ٤ ص ٥٦)، وأبو نعيم في دلائل النبوة (٢/ ٥٦٦) وفي معرفة الصحابة (٢/ ٣٥٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢٤٨) وفي الجامع لشعب الإيمان (٦/ ٢٨٣)، وابن أبى شيبة في المصنف (١/ ٤٧٧)، والدارمى في السنن (١/ ٣٠٧) وابن ماجه في السنن (١/ ٣٤٥، ٥٢٤) وأحمد المروزى في الجمعة (٤٠)، والطبرانى في المعجم الكبير (ج ١ ص ٢١٦).
[ ٨٢ ]
الخاصية الرابعة: استحباب الغسل في ذلك اليوم، وعند جماعة يجب، ودليل وجوبه أقوى من دليل وجوب الوتر، ومن الوضوء من مس النساء، ومن القهقهة، ومن الرعاف، ومن الحجامة، ومن القئ، ومن وجوب الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد.
الخاصية الخامسة: مس الطيب، وهو في هذا اليوم أفضل منه في سائر الأيام.
الخاصية السادسة: استعمال السواك في هذا اليوم مفضل على سائر الأيام.
الخاصية السابعة: التكبير للصلاة.
الخاصية الثامنة: الاشتغال بالصلاة والذكر. والقراءة إلى أن يصعد الإمام إلى الخطبة.
الخاصية التاسعة: الإنصات للخطبة وهو واجب عند أكثر العلماء.
الخاصية العاشرة: قراءة سورة الكهف لقوله - ﷺ -: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء، يضئ إلى يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين" (١).
الخاصية الحادية عشرة: عدم كراهية صلاة النافلة في وقت الزوال كما هي في سائر الأيام مكروهة، وهذا مذهب أكثر العلماء، لما روى أبو قتادة أن النبي - ﷺ - كان يكره الصلاة نصف النهار، إلا يوم الجمعة، وقال: "إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة" (٢).
_________________
(١) رواه البيهقى في الجامع لشعب الإيمان (ج ٦ ص ٢٨٩).
(٢) انظر سنن الدرامى (ج ١ ص ٣٠٢)، وصحيح البخاري (٥/ ٢٦٤)، وصحيح مسلم (٢/ ٥٨٩)، وسنن ابن ماجه (١/ ٣٥٠)، وسنن أبى داود (١/ ٢٨٤)، وسنن النسائى (٣/ ١٠٠)، ومعجم الطبرانى الكبير (٧/ ٢١)، وسنن الدارقطنى (٢/ ١٨)، وشرح السنة للبغوى (٤/ ٢٣٩).
[ ٨٣ ]
ورد في الحديث الصحيح: استحباب الصلاة في يوم الجمعة إلى وقت الخطبة، وروى الشافعى بأسانيد متنوعة: نهى - ﷺ - عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة (١).
وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أن وقت الزوال ليس بوقت كرهة مطلقا في حال من الأحوال ولا في يوم من الأيام. وهذا مذهب الإمام مالك.
الثاني: أنه وقت كراهة في الجمعة. وغيرها وهذا مذهب الإمام أبى حنيفة، وأحد قولى الإمام أحمد.
الثالث: أنه وقت كراهة في جميع الأيام غير يوم الجمعة فإنه ليس بوقت كراهة. وهذا مذهب الإمام الشافعى، وجميع المحققين.
الخاصية الثانية عشرة: استحباب قراءة سورة الجمعة والمنافقين في الصلاة أو سورة سبح والغاشية لمواظبة النبي - ﷺ - على ذلك، والاقتصار على بعض سورة الجمعة والمنافقين ليس بمستحب بل هو خلاف السنة، وجهابذة الأئمة يداومون على ذلك.
الخاصية الثالثة عشر: أنها عيد الأمة يكرر في كل أسبوع، وروى ابن ماجه في مسنده عن أبي لبابة يرفعه أن يوم الجمعة سيد الأيام، وأعظمها وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى، ويوم الفطر، فيه خمس خلال: خلق الله ﷿ آدم دنيه، وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفى آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا أعطاه ما لم يكن حراما، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب، ولا سماء ولا أرض، ولا رياح، ولا جبال، ولا شجر، إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة.
الخاصية الرابعة عشر: استحباب لبس أحسن ثوب تصل القدرة إليه وأجوده، ثبت في مسند الإمام أحمد: "من اغتسل يوم الجمعة ومس من
_________________
(١) انظر مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٤٤٥)، مسند أحمد (٣/ ٣٣١)، وصحيح مسلم (٢/ ٥٨٨)، وأحمد المروزى في الجمعة (٧٨)، ومسند أبى يعلى (٣/ ٤٣٤)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٣٥٠).
[ ٨٤ ]
طيب إن كان له، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج وعليه السكينة، حتى يأتى المسجد فيركع إن بدا له، ولم يؤذ أحدا، ثم أنصت إذا خرج إمامه، حتى يصلي. كانت كفارة لما بينهما" (١). وفي سنن أبى داود عن عبد الله بن سلام أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول على المنبر في يوم الجمعة: "ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبى مهنته" (٢).
الخاصية الخامسة عشر: استحباب تجمير المسجد بإحراق العود واستعمال الطيب، أمر أمير الؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه بتجمير المسجد (٣) في كل جمعة.
الخاصية السادسة عشر: تحريم إنشاء السفر في يوم الجمعة بعد دخول الوقت على من لزمته الجمعة وهذا مذهب جماهير العلماء، وعند أبى حنيفة يجوز، لكن نقل السروجى في شرح الهداية عن أبي حنيفة كراهة ذلك.
وأما مذهب الشافعى فيحرم من قبل الزوال أيضا لما روى الدارقطنى أن النبي - ﷺ - قال: "ومن سافر من دار إقامته يوم الجمعة دعت عليه الملائكة أن لا يصحب في سفره" (٤).
وقال حسان بن عطية: إذا سافر الرجل يوم الجمعة دعا عليه النهار أن لا يعان على حاجة، ولا يصاحب في سفره.
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (٣/ ٨١)، وابن خزيمة في الصحيح (٣/ ١٣٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٨٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٤٣)، وفي الجامع لشعب الإيمان (٦/ ٢٤٦)، والبغوى في شرح السنة (٤/ ٢٣٠).
(٢) رواه البيهقى في السنن الكبرى (٣/ ٢٤٣) وقال: والصحيح ما رواه مالك عن ابن شهاب مرسلا، ورواه في الجامع لشعب الإيمان (٦/ ٥١٢).
(٣) أي تبخيره ولم نر أحدا يبخر المسجد يوم الجمعة في عصرنا هذا ولا ممن يدعى التمسك بالسنة، والمسجد خاص بهم ولا أدرى ما جوابهم اللهم إلا تقليد لسكوت كبيرهم على ذلك.
(٤) أخرجه الدارقطنى في الإفراد عن ابن عمر مرفوعا بنفس لفظ المصنف، وفي إسناده ابن لهيعة وهو مختلف فيه، وأخرج نحوه برواية ضعيفة الخطيب في كتاب أسماء الرواة، انظر نيل الأوطار (ج ٣ ص ٢٢٩).
[ ٨٥ ]
الخاصية السابعة عشر: هي أن من مشى إلى صلاة الجمعة كتب له بكل خطوة ثواب صيام سنة، في مسند الإمام أحمد، ومسند عبد الرازق: من غسل واغتسل يوم الجمعة وبكر وابتكر (١) ودنا من الإمام وأنصت كان له بكل خطوة يخطوها، صيام سنة وقيامها وذلك على الله يسير.
الخاصية الثامنة عشر: هي أن هذا اليوم مكفر للسيئات، روى سلمان أن رسول الله - ﷺ - قال: "أتدرى ما يوم الجمعة، لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره، ثم يأتى الجمعة فينصت، حتى يقضى الإمام الصلاة، إلا كان كفارة لما بينه وبين الجمعة المقبلة" (٢).
وورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة.
الخاصية التاسعة عشر: هي أن جهنم تضرم في كل يوم، عند منتصف النهار، إلا في يوم الجمعة، لأنه أفضل الأيام، والعبادات، والطاعات فيه أزيد من سائر الأيام، والمعاصى فيه أقل، وكثير من أهل الفجور المتغولين الأثام، يجتنبون المعاصى في يوم الجمعة وليلتها بالكلية، وهذا معنى الحديث، الذي يشير إلى أن جهنم لا تضرم في هذا اليوم.
الخاصية العشرون: هي أن في هذا اليوم ساعة إجابة كل عبد سأل فيها حاجة قُبل، وثبت في الصحيحين "أن في الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم وهو قائم يسأل الله ﷿ شيئا إلا أعطاه إياه، وقال بيده يقللها" (٣).
_________________
(١) في الصحاح قالوا بكر: أسرع، وابتكر: أدرك الخطبة من أولها وهو من الباكورة.
(٢) رواه الطحاوى في شرح معانى الآثار (١/ ٣٦٨)، البيهقى في الجامع لشعب الإيمان (٦/ ٢٤٣)، وابن خزيمة في الصحيح (٣/ ١١٨)، وأحمد المروزى في الجمعة (٧٢، ٧٣)، والطبرانى في المعجم الكبير (٦/ ٢٣٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٧٧) وقال: صحيح الإسناد. ورواه بنحوه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٤٣٩، ٤٤٠)، والطبرانى في المعجم الأوسط (١/ ٤٥٥).
(٣) رواه البخاري في كتاب الجمعة باب (٣٧) الساعة التي في يوم الجمعة حديث رقم (٩٣٥ - ج ٢ ص ٤١٥)، وانظر حديث رقم (٥٢٩٤ و٦٤٠٠)، ومسلم في كتاب الجمعة، باب في الساعة التي في يوم الجمعة حديث رقم (٨٥٢ - ج ٢ ص ٥٨٣ - ٥٨٤)، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب (٩٩) ما جاء في الساعة التي ترجى في الجمعة حديث رقم (١١٣٧ - ج ١ ص ٣٦٠) والنسائي (ج ٣ ص ١١٥) في كتاب الجمعة، باب الساعة التي يستجاب فيها للدعاء يوم الجمعة.
[ ٨٦ ]
وللعلماء في هذه الساعة خلاف على قولين:
قال بعضهم: ليست بباقية بل ارتفعت في زمان الرسول - ﷺ -.
القول الثاني: وهو الصحيح أنها باقية، وفي تعين وقتها خلاف هل هي في وقت معين من يوم الجمعة، أم ليس لها وقت معين من يوم الجمعة؟ والذين قالوا بالتعيين اختلفوا في بيانه على أحد عشر قولا.
القول الأول: مروى عن أبي هريرة: أنها بعد طلوع الفجر، إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى المغرب.
القول الثاني: القول عند الزوال، وذا يروى عن الحسن البصرى، وأبى العالية.
القول الثالث: إذا شرع المؤذن في أذان الجمعة، وذا مروى عن عائشة ﵂.
القول الرابع: هي ساعة جلوس الإمام على المنبر إلى أن يفرغ من خطبته.
القول الخامس: في زمان صلاة الجمعة.
القول السادس: هي ما بين زوال الشمس إلى وقت صلاة الجمعة.
القول السابع: هي ما بين صيرورة ظل الزوال شبرا، إلى أن يصير ذراعا.
القول الثامن: من وقت العصر، إلى غروب الشمس.
القول التاسع: آخر ساعة في النهار. وذا قول أكثر الصحابة والتابعين.
القول العاشر: من حين خروج الإمام إلى أن يفرغ من الصلاة.
القول الحادى عشر: في الساعة الثالثة من يوم الجمعة وأرجح الأقوال قولان:
القول الأول: من حين يجلس الإمام على المنبر إلى أن تتم الصلاة، ودليل هذا في الحديث الصحيح "هي ما بين أن يجلس الإمام على المنبر، إلى أن تقضى الصلاة".
[ ٨٧ ]
القول الثاني: أنها بعد العصر، وذا أرجح الأقوال ودليله الحديث الصحيح "أن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه" (١) وهي بعد العصر.
وفي سنن أبى داود، والنسائي، من رواية جابر أن النبي - ﷺ - قال: "يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة فيها ساعة لا يوجد مسلم يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه إياه فالتمسوها في آخر ساعة بعد العصر" (٢).
وفي سنن سعيد بن منصور: أن جماعة من الصحابة اجتمعوا، وبحثوا في هذه الساعة ثم قاموا، ولم يخالف منهم أحد، في أنها آخر ساعة من يوم الجمعة.
وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن سلام قال: قلت - ورسول الله - ﷺ - جالس -: إنا لنجد في كتاب الله ساعة في يوم الجمعة لا يوافقها عبد مؤمن، يصلى، ويسأل الله فيها شيئا، إلا قضى له حاجته.
قال عبد الله: فأشار إليّ رسول الله - ﷺ -، "أو بعض ساعة" فقلت: صدقت يا رسول الله، أو بعض ساعة. قلت: أية ساعة هي؟
قال: "آخر ساعة من ساعات النهار" قلت: أنها ليست ساعة صلاة، قال: "بل إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في الصلاة".
وفي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قيل للنبي - ﷺ -: لأى شيء سمى يوم الجمعة؟ قال: "لأن فيها طبعت (٣) طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة
_________________
(١) ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة باب (٩٩) ما جاء في الساعة التي يرجى في الجمعة حديث رقم (١١٣٩ - ج ١ ص ٣٦٠ - ٣٦١) عن عبد الله بن سلام، وأبو داود في كتاب الصلاة باب الإجابة أية هي في يوم الجمعة حديث رقم (١٠٤٨ - ج ١ ص ٢٧٥)، والنسائي (ج ٣ ص ٩٩ - ١٠٠) في كتاب الجمعة باب وقت الجمعة.
(٢) رواه النسائى في سننه، وأبو داود، وأورده الشوكانى في نيل الأوطار (ج ٣ ص ٣٤٦).
(٣) فيها طبعت أي جمعت.
[ ٨٨ ]
والبعث، وفيها البطش، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له" (١).
الخاصية الحادية والعشرون: هي أن للصدقة في هذا اليوم مزية، على الصدقة في سائر الأيام.
الخاصية الثانية والعشرون: هي أن صلاة الجمعة مقرونة بالخطبة، مشروطة بشرائط ليست لغيرها، مثل اشتراط الإقامة والاستيطان، والجهر بالقراءة وغير ذلك.
الخاصية الثالثة والعشرون: هي أن يوم الجمعة يستحب فيه التفرغ للعبادة، ومزيته على سائر الأيام كمزية شهر رمضان على سائر الشهور، وهو مخصوص بعبادات واجبة ومستحبة، وكما أن لأهل كل ملة يوما متخصصا للعبادة والتخلى عن الأشغال الدنيوية، كذلك تعين يوم الجمعة لهذه الأمة المعصومة، وساعة الإجابة في هذا اليوم، كليلة القدر في شهر رمضان.
ومن هذه الجهة قال العلماء: من حصل له في يوم الجمعة السلامة من الآثام، سلم في الأسبوع، ومن سلم في شهر رمضان من الآثام، سلم في بقية العام، ومن حصل له حج بيت الله الحرام وسلم من المخالفات، سلم في جميع العمر.
فيوم الجمعة ميزان الأسبوع، وشهر رمضان ميزان السنة، وحج بيت الله ميزان العمر.
الخاصية الرابعة والعشرون: لما كان يوم الجمعة في الأسبوع كيوم العيد في السنة والعيد يشتمل على الصلاة والقربان، والجمعة تشتمل على الصلاة، جعل الحق جل شأنه التبكير إلى المسجد بدل القربان، وقائما مقامه.
_________________
(١) قال ابن حجر في فتح البارى: قد اختلف في تسمية اليوم بالجمعة مع الاتفاق على أنه كان يسمى في الجاهلية العروبة بفتح العين وضم الراء وبالموحدة فقيل سمى بذلك لأن كمال الخلق جمع فيه وهو ضعيف وقيل غير ذلك. انظر نيل الأوطار (ج ٣ ص ٢٢٢ - ٢٢٣).
[ ٨٩ ]
وفي الحديث الصحيح: "من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثاني فكأنما قرب بقرة. ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة" (١).
وفي هذه المساعات اختلاف، حملها بعض العلماء على الساعات الفلكية، وقال باستحباب التبكير بعد طلوع الشمس، وذا مذهب الشافعى وأكثر العلماء.
وحملها البعض على الساعات العرفية، وهي أجزاء لطيفة من بعد الزوال، وذا مذهب الإمام مالك، وطائفة من أهل المدينة.
الخاصية الخامسة والعشرون: أنه يوم تجلى الحق جل شأنه على عبيده في الجنة.
الخاصية السادسة والعشرون: هي أن الله أقسم بهذا اليوم من بين سائر الأيام، قال الله تعالى ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ (٢) قال - ﷺ -: "اليوم الموعود: يوم القيامة" (٣)، "واليوم المشهود: هو يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة، ما طلعت الشمس ولا غربت على أفضل من يوم الجمعة، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو فيها بخير إلا استجاب له أو يستعيذه من شر إلا أعاذه منه" (٤).
الخاصية السابعة والعشرون: هي أن السموات والأرضين، والجبال، والبحار، والخلائق كلها، غير بنى آدم، والشياطين، يخافون من يوم الجمعة.
قال كعب الأحبار: ألا أحدثكم عن يوم الجمعة: إذا كان يوم الجمعة فزعت له السموات والأرض، والجبال، والبحور، والخلائق كلها، إلا ابن آدم والشياطين.
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري (ج ٢ ص ٣٠٤)، ومسلم برقم (٨٥٠)، ورياض الصالحين (ص ٤٦٢).
(٢) سورة البروج آية رقم ٣.
(٣) إسناده لا بأس به أخرجه البزار (ج ٣ رقم ٢٢٨٣)، والهيثمى في مجمع الزوائد (٧/ ١٣٦) ررجاله ثقات والحاكم (٢/ ٥١٩).
(٤) جزء كبير من هذا الحديث في الصحيحين. انظر صحيح البخاري (ج ٢ ص ٤١٥ حديث رقم ٥٢٩٤).
[ ٩٠ ]
الخاصية الثامنة والعشرون: إنه يوم ادخره الحق سبحانه لهذه الأمة المرحومة فضلت عنه جميع الأمم: قال - ﷺ -: "يوم ادخره الله لنا" (١).
وقال: "وما طلعت الشمس، ولا غربت، على يوم خير من يوم الجمعة، هدانا الله له وأضل الناس عنه، فالناس لنا فيه تبع" (٢) الحديث.
الخاصية التاسعة والعشرون: هي أن هذا اليوم خيرة الله من الأيام، كما اختار رمضان من الشهور، وليلة القدر من الليالى، ومكة من القرى.
قال كعب: إن الله ﷿ اختار الشهور، فاختار شهر رمضان، واختار الأيام فاختار يوم الجمعة، واختار الليالى فاختار ليلة القدر.
الخاصية الثلاثون: هي أن أرواح المؤمنين في يوم الجمعة تقرب من قبورهم، ويعرفون من يزورهم فيه فضل معرفة على سائر الأيام.
الخاصية الحادية والثلاثون: كراهة صوم هذا اليوم على انفراده، عند أكثر العلماء، قال محمد بن عباد: سألت جابرا: أنهى رسول الله - ﷺ - عن صوم يوم الجمعة؟ قالط: نعم ورب هذه البنية.
وفي الصحيحين قال - ﷺ -: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوم قبله أو يوما بعده" (٣) اللفظ للبخارى، ولمسلم: "لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" (٤).
_________________
(١) لم نعثر عليه.
(٢) رواه مسلم في صحيحه (ج ٢ ص ٥٨٦)، وأحمد المروزي في الجمعة (٧٨)، والنسائي في سننه (٣/ ٨٧)، والبيهقي في الجامع لشعب الإيمان (ج ٦ ص ٢٥٥).
(٣) متفق عليه رواه البخاري في كتاب الصوم باب صوم الجمعة حديث رقم (١٩٨٥ - ج ٤ ص ٢٣٢)، ورواه مسلم في كتاب الصيام باب كراهية صيام يوم الجمعة متفردا رقم (١١٤٤ - ج ٢ ص ٣٢٠)، ورواه أبو داود في كتاب الصوم باب النهى أن يخص يوم الجمعة بصوم حديث رقم (٣٤٢٠)، ورواه الترمذي في كتاب الصوم باب ما جاء في كراهية صوم يوم الجمعة منفردا حديث رقم (٧٤٣ - ج ٣ ص ١١٩).
(٤) رواه مسلم في كتاب الصيام باب كراهية صيام يوم الجمعة منفردا حديث رقم (١١٤٤) حديث الباب رقم (١٤٨ - ج ٢ ص ٨٠١).
[ ٩١ ]
وعن جويرية بنت الحارث، أن النبي - ﷺ - دخل عليها يوم الجمعة، وهي صائمة فقال: "أصمت أمس؟ " قالت لا. قال: "تريدين أن تصومى غدا؟ " قالت: لا. قال: "فافطرى" (١).
وقال - ﷺ -: "لا تصوموا يوم الجمعة وحده" وقال: "يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده" (٢).
الخاصية الثانية والثلاثون: اختصاص هذا اليوم باجتماع الؤمنين للموعظة والتذكير.
_________________
(١) أورده الأمير الصنعاني في سبل السلام (ج ٢ ص ٢٤٨) ويشهد له ما في الصحيحين انظر صحيح البخاري (ج ٤ ص ٢٣٢) حديث رقم (١٩٨٥)، ومسلم (ج ٢ ص ٨٠١)، حديث رقم (١١٤٤)، وأورده بلفظه الإمام الشوكانى في نيل الأوطار (ج ٤ ص ٢٤٩).
(٢) رواه أحمد في مسنده، وأورده الشوكانى في نيل الأوطار (ج ٤ ص ٢٤٩).
[ ٩٢ ]
فصل في الخطبة النبوية في يوم الجمعة
كان - ﷺ - إذا خطب رفع صوته إلى غاية تحمر فيها عيناه المباركتان، وكثيرا ما كان يقول في خطبته: "بعثت أنا والساعة كهاتين وجمع بين السبابة والوسطى" (١) وبعد ذلك يقول: "أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد - ﷺ - وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإليَّ وعليَّ" (٢) رواه مسلم، وفي لفظ كانت خطبة النبي - ﷺ -: يحمد الله ويثنى عليه بما هو أهله ثم يقول: "من يهدى الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وخير الحديث كتاب الله، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" (٣).
وفي بعض الأخبار كان يقول: "الحمد لله نحمد الله، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا، بين يدى الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئا".
وكثيرا ما كان يقرأ سورة (ق) على النبر، قالت أم هشام بنت الحارث: ما حفظت سورة (ق) إلا من رسول الله - ﷺ - مما يخطب بها على المنبر (٤).
_________________
(١) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص ٤٠٤).
(٢) أورده البخاري في صحيحه وانظر زاد المسير (ج ٦ ص ٣٥٣)، والسيوطى في الدر المنثور (ج ٥ ص ١٨٢).
(٣) رواه أبو داود برقم (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٨)، وأخرحه أحمد في مسنده (ج ٤ ص ١٢٦، ١٢٧)، وابن ماجه برقم (٤٢)، والدارمى (ج ١ ص ٤٤، ٤٥) وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (١٠٢).
(٤) رواه أحمد في المسند (٦/ ٤٣٥)، ومسلم في صحيحه (٢/ ٥٩٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٥/ ١٤٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢١١).
[ ٩٣ ]
وحفظ من خطبته - ﷺ - من رواية علي بن جدعان وفيها ضعف "يا أيها الناس توبوا إلى الله ﷿، قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة، وصِلُوا الذين بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة في السر والعلانية، تؤجروا، وتحمدوا، وترزقوا".
واعلموا أن الله ﷿ قد فرض عليكم الجمعة، فريضة مكتوبة، في مقامى هذا في شهرى هذا في عامى هذا، إلى يوم القيامة، من وجد إليها سبيلا، فمن تركها في حياتى أو بعدى جحودا بها واستخفافا، وله إمام جائر أو عادل فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا صوم له، ألا ولا وضوء له، ألا ولا حج له، ألا ولا بر له حتى يتوب، فإن تاب تاب الله عليه، ألا ولا تؤمن امرأة رجلا، ألا ولا يؤمن أعرابى مهاجرا، ألا ولا يؤمن فاجرا مؤمنا، إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه وسوطه" (١).
وكان يقصر الخطبة ويطول الصلاة وقال: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مثنة من فقهه" وكان يبين في الخطبة قواعد الإسلام، ويعلم مهمات الدين، وكان إذا عرضت له حاجة أو سأله سائل، قطع خطبته وقضى الحاجة، أو أجاب السائل، ثم أتمها، وكان إذا رأى في الجماعة فقيرا أو ذا حاجة، أمر بالتصدق، وحرص على ذلك.
وكان إذا ذكر الله تعالى، أشار بالسبابة، وكان إذا اجتمعت الجماعة خرج للخطبة وحده ولم يكن بين يديه صاحب، ولا خادم، ولم يكن من عادته لبس الطرحة، ولا الطيلسان، ولا الثوب الأسود المعتاد.
وكان إذا دخل المسجد سلم على الحاضرين لديه، وإذا صعد المنبر، أدار وجهه إلى الجماعة وسلم ثانيا، ثم قعد، وإذ ذك يشرع بلال في الأذان، وعند فراغه، يقوم فيخطب قائما من غير فاصلة بين الأذان والخطبة.
_________________
(١) رواه ابن الباغندى في مسند عمر بن عبد العزيز برقم (٩٥).
[ ٩٤ ]
ولم يكن يأخذ السيف والحربة بيده، بل كان يعتمد على القوس أو العصا، وهذا قبل اتخاذ المنبر، وأما بعد اتخاذ المنبر، فلم يحفظ أنه اعتمد على العصا، ولا على القوس ولا على غير ذلك، وكان يجلس بين الخطبتين لحظة، وإذا فرغ من الخطبة أقام بلال الصلاة.
وكان في أثناء الخطبة يأمر الناس بالتقرب والإنصات، ويقول: "إن الرجل إذا قال لصاحبه أنصت فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له" (١) وكان يقول: "من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا، والذي يقول: أنصت ليس له جمعة".
وقال: "يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها ويغلو فهو حظه منها، ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات، وسكون، ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدا فهى له كفارة إلى الجمعة التي تليَها وزيادة ثلاثة أيام (٢)، وذلك أن الله ﷿ يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا (٣)﴾ " ذكره أبو داود.
وكان إذا فرغ بلال من الأذان شرع - ﷺ - في الخطبة، ولم يقم أحد لصلاة السنة، وبعض العلماء قالوا بسنة الجمعة بالقياس على الظهر، وإثبات السنة بالقياس غير جائز (٤)، والعلماء الذين صنفوا في السنن، واعتنوا بضبط سنن الصلاة، لم يرووا في سنة الجمعة قبل الصلاة شيئا. وأما بعد صلاة الجمعة، فكان إذا رجع إلى المنزل صلى أربعا وإن صلى في المسجد صلى ركعتين وقال: من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل بعدها أربعا".
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (١/ ٩٣)، وأبو داود في السنن (١/ ٢٧٦)، والبيهقي الكبرى (٣/ ٢٢٠).
(٢) قال العراقى: إسناده جيد ذكره الشوكانى في نيل الأوطار (ج ٣ ص ٢٧٢)، ورواه أحمد بإسناد لا بأس به، وله شاهد في الصحيحين انظر صحيح البخاري (ج ٢ ص ٤١٤) حديث رقم (٣٩٤)، ومسلم (ج ٢ ص ٥٨٣)، برقم (٨٥١).
(٣) سورة الأنعام آية رقم ١٦٠.
(٤) ماذا يقول المنتسبون إلى الفقه والدين في هذا العصر من قولهم: هذا سنة، وهذا سنة، وليس لذلك أصل في الدين وإنما هو سنة الفقهاء، فأوهموا الناس أنها سنن الهدى، وليس هذا من شأن العلماء ولا من الورع.
[ ٩٥ ]
فصل في صلاة العيد
كان من عادة النبي - ﷺ - أن يصلى صلاة العيد في المصلى وهو مكان في ظاهر المدينة، وصلى العيد مرة في المسجد، لسبب المطر، وكان يلبس في يوم الجمعة أجمل ثيابه، وكان له حلة فاخرة برسم العيدين والجمعة.
وفي بعض الأحيان كان يلبس بردا مخططا، بخطوط خضر، أو بخطوط حمر، وكان يفطر في يوم العيد، عيد الفطر قبل الخروج إلى المصلى على تميرات عددهن وتر، ولم يكن يأكل طعاما إلا بعد المراجعة، وكان يغتسل للعيد.
وورد في هذا الباب حديثان وكلاهما ضعيف، لكن صح عن ابن عمر أنه كان يغتسل لكل عيد، وشدة مبالغته في متابعة السنة تقتضى أن الحديث في هذا الباب صحيح، وكان يسير إلى المصلى ماشيا، ويحمل بين يديه العنزة (١).
فإذا بلغ المصلى نصبت تجاهه، لأن المصلى لم يكن له إذ ذلك جدار ولا محراب، وكان يؤخر صلاة الفطر، ويعجل صلاة الأضحى.
وعبد الله بن عمر، الذي كان لا يهمل متابعة السنة في دقيقه، كان يسير من بيته إلى المصلى، بعد طلوع الشمس، وكان يكبر في جميع طريق المصلى، وكان النبي - ﷺ - إذا بلغ المصلى شرع في الصلاة من وقته، بلا أذان ولا إقامة، ولا الصلاة جامعة، والسنة أن لا يكون شيء من هذا.
وكان يكبر في الأولى سبع تكبيرات (٢) متتابعات يفصل بين كل تكبيرتين بسكتة خفيفة. ولم يرد بين التكبيرتين ذكر ولا تسبيح معين، وكان يقرأ في الأولى سورة ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، وفي الثانية ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ (٣).
_________________
(١) العنزة: عصا قدر نصف الرمح توضع أمام المصلى.
(٢) انظر سنن أبي داود (ج ١ ص ٢٩٩) حديث رقم (١١٥١) (١١٥٢) باب التكبير في العيدين.
(٣) انظر صحيح مسلم في كتاب العيدين، باب ما يقرأ به صلاة العيدين حديث (٨٩١) ج ٢ ص ٦٠٧)، وأبي داود كتاب الصلاة، باب ما يقرأ في الأضحى والفطر حديث رقم (١١٥٤ - ج ١ ص ٣٠٠)، والترمذي في أبواب الصلاة، باب ما جاء في القراءة في العيدين حديث رقم (٥٣٤ - ج ٢ ص ٤١٥).
[ ٩٦ ]
وفي بعض الأحيان كان يقتصر على ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، ولم يصح غير هذا. وكان إذا رفع رأسه من السجود إلى الركعة الثانية شرع في التكبير، فكبر خمسا، ثم شرع في القراءة.
ويروى في بعض الأحاديث، أنه والى بين القراءتين فكبر في الأولى ثم قرأ وركع، فلما قام في الثانية قرأ، وجعل التكبير بعد القراءة، لكن هذا الخبر غير صحيح، لأنه من رواية محمد بن معاوية وهو مجروح باتفاق أكابر علماء الحديث.
وعن عمر بن عوف: أن رسول الله - ﷺ - كبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة، وفي الأخرى خمسا قبل القراءة (١).
سأل الترمذي البخاري عن هذا الحديث؟ فقال: ليس في الباب شيء أصح من هذا وبه أقول. وكان إذا فرغ من الصلاة قام وخطب قائما ولم يكن ثم منبر، لكن ورد في الحديث الصحيح (فنزل نبي الله)، وهذا يدل على أنه كان يخطب على تل، أو صفة، أو مكان عال، يقوم مقام المنبر.
وروى في بعض الأحاديث على راحلته، وفي الصحيحين عن جابر قال: شهدت مع رسول الله - ﷺ - يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن ولفظ "تصدقوا" فأكثر من تصدق النساء بالقرط والخام والشئ" (٢) فإن كان له حاجة، أو يريد أن يبعث بعثا يذكره لهم، وإلا انصرف، وكان يفتتح جميع الخطب بحمد الله، ولم يرد في حديثه أنه كان يفتتح خطبة العيد بالتكبير.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب التكبير في العيدين حديث رقم (١١٥١) ونقل الترمذي عن البخاري صحيحه.
(٢) رواه مسلم والنسائي وأورده الشوكاني في نيل الأوطار (ج ٣ ص ٣٠٤).
[ ٩٧ ]
وفي سنن ابن ماجه مروى عن سعد مؤذن النبي - ﷺ - أن النبي - ﷺ - كان يكثر التكبير بين أضعاف الخطبة (١)، وفي لفظ يكثر التكبير في خطبة العيدين وهذا لا يدل على أن الافتتاح كان بالتكبير والله أعلم.
وكان يذهب إلى صلاة العيدين من طريق ويأتى من طريق آخرى وقالوا: السر في ذلك أن يُسلم على أهل الطريقين، أو لتشمل بركته الطريقين، أو ليظهر شعار الإسلام في الطريقين، أو ليغتم أهل النفاق بمشاهدة عزة الإسلام، ورفعة أعلامه، أو لتشهد بطاعته البقاع المختلفة، والمواضع المتفرقة، أو لجموع ذلك، أو لأسرار آخر، تقصر عنها عقول أكثر الخلق.
_________________
(١) رواه ابن ماجه وذكره الشوكانى في نيل الأوطار (ج ٣ ص ٣٠٥).
[ ٩٨ ]
فصل في عباداته - ﷺ - في حال الاستسقاء
ثبت في ذلك ستة أوجه:
الوجه الأول: أنه كان يوم الجمعة في أثناء الخطبة يستمطر ويقول: "اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا، اللهم اسقنا اللهم اسقنا، اللهم اسقنا" (١).
الوجه الثاني: أنه كان يعد الصحابة بالخروج في يوم معين إلى المصلى، ويخرج في ذلك اليوم، بعد طلوع الشمس بهيئة الخاشع التواضع، مبتذلا، فإذا وصل إلى المصلى، صعد إلى النبر، وقرأ الخطبة، والمحفوظ منها: "الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، لا إله إلا الله، يفعل ما يريد، اللهم أنت الله الذي لا إله إلا أنت تفعل ما تريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنى ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوتا وبلاغا إلى حين" (٢)، ثم رفع يديه وأخذ في التضرع والابتهال والدعاء، وبالغ في الرفع، حتى بدأ بياض إبطيه، ثم استقبل القبلة واستدبر الحاضرين، وقلب رداءه المبارك، حتى صار طرف اليمين، على الجانب الشمال، وطرف الشمال على الجانب اليمين (٣).
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري في كتاب الاستسقاء باب (٦) الاستسقاء في المسجد الجامع حديث رقم (١٠١٣ - ج ٢ ص ٥٠١)، ومسلم في كتاب صلاة الاستسقاء باب (٢) الدعاء في الاستسقاء حديث رقم (٨٩٧ - ج ٢ ص ٦١٢ - ٣٠٥) وأبو داود في كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الاستسقاء حديث رقم (١١٧٤ - ج ١ ص ٣٠٤ - ٣٠٥) والنسائي (ج ٣ ص ١٥٤ - ١٥٥) في الاستسقاء، باب حتى يستقى الإمام، ومالك في كتاب الاستسقاء باب ما جاء في الاستسقاء حديث (٣ - ج ١ ص ١٩١).
(٢) أخرجه أبو دارد في كتاب الصلاة باب رفع اليدين في الاستسقاء حديث رقم (١١٢٣ - ج ١ ص ٣٠٤) وقال غريب وإسناده جيد، وذكره الأمير الصنعانى في سبل السلام (ج ٢ ص ١٦٢).
(٣) رواه أحمد في مسنده وابن ماجه، وذكره الشوكانى في نيل الأوطار (ج ٤ ص ٤) وذكره الدارقطنى في كتاب الاستسقاء حديث رقم (٢) ج ٢ ص ٦٦.
[ ٩٩ ]
وما كان من الرداء داخلا صار خارجا، وما كان خارجا صار داخلا، وكان الرداء أسود اللون، وأخذ في الدعاء كذلك، ثم نزل وشرع في الصلاة، فصلى ركعتين، بغير أذان ولا إقامة، جهر فيهما بالقراءة، وقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
الوجه الثالث: أنه صعد منبر المدينة في المسجد واستسقى في غير يوم الجمعة، ولم يرد في الاستسقاء صلاة بل مجرد خطبة ودعاء.
الوجه الرابع: أنه استسقى في مسجد المدينة قاعدا من غير قيام، ولا صعود على المنبر، وحفظ من دعاء ذلك اليوم: "اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا طبقا عاجلا غير رائت نافعا غير ضار" (١).
الوجه الخامس: أنه استسقى مرة خارج المسجد النبوى، بالقرب من الزوراء، بمكان يعرف بأحجار الزيت، هو قريب من باب من أبواب المسجد، يقال له: باب السلام وعطف على الجانب الأيمن، وسار نحوه رمية حجر، بلغ إلى المكان المعروف بأحجار الزيت.
الوجه السادس: كان في بعض الغزوات قد سبق المشركون ونزلوا على الماء واستولى العطش على المسلمين. فعرضوا حالهم على الرسول - ﷺ -، وقال المنافقون: لو كان نبيا لاستسقى لقومه، كما استسقى موسى لقومه فبلغ هذا الخبر النبي - ﷺ -، فقال: هكذا قالوا، فلا تيأسوا فلعل الله جل ثناؤه أن يسقيكم، ثم رفع يديه ودعا الله. فظهرت سحابة، في الوقت أظلمت الدنيا، ثم أمطرت إلى أن احتنقت الأودية العظيمة بالسيول، والمحفوظ من ذلك الدعاء في الاستسقاء هذه الكلمات: "اللهم اسق عبادك وبهائمك وانشر
_________________
(١) تقدم تخريجه. وانظر صحيح مسلم (ج ٢ ص ٦١٥) حديث رقم (٦١٥) وأبي داود (ج ٤ ص ٣٢٦).
[ ١٠٠ ]
رحمتك وأحي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا نافعا غير ضار عاجلا غير رائت" (١).
وفي كل وقت استسقى - ﷺ - أجيب، وجاء المطر، واستسقى مرة، فقام رجل من الصحابة يعرف بأبي لبابة وقال: يارسول الله التمر في المربد، ونخشى أن يتلف فقال - ﷺ -: "اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا فيسد ثعلب مربده (٢) بإزاره فأمطرت، فاجتمعوا إلى أبي لبابة فقالوا: إنها تقلع حتى تقوم عريانا فتسد ثعلب مربدك بإزارك كما قال رسول الله - ﷺ - ففعل فاستهلت السماء (٣).
وكانوا إذا كثر المطر وأفرط طلبوا الصحو من رسول الله - ﷺ -، وكان يقول في الاستصحاء: "اللهم على الأكام، والجبال، والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر" (٤).
وكان عند ابتداء المطر يميط ثوبه عن بعض بدنه ليصيبه المطر ويقول: لأنه حديث عهد بربه، وكان إذا سال وادى العقيق وغيره يقول: "اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهورًا فنتطهر منه، ونحمد الله تعالى عليه".
وكان إذا رأى الريح، والسحاب، ظهرت الكراهية في وجهه المبارك، وكان يتردد فإذا جاء المطر انبسط وزالت الكراهية.
_________________
(١) انظر صحيح البخاري (ج ٢ ص ٥٠١)، ومسلم (ج ٢ ص ٦١٢ - ٦١٤)، وسنن أبي داود (ج ١ ص ٣٠٤ - ٣٠٥).
(٢) المربد: موضع يجفف فيه التمر. وثعلبه: ثقبه الذي يسيل فيه المطر.
(٣) لم نجده فيما اطلعنا عليه من كتب الحديث.
(٤) متفق عليه رواه البخاري ومسلم وأورده الشوكاني في نيل الأوطار (ج ٤ ص ١٣) وقد تقدم تخريجه. والإكام - بالكسر - جمع أكمة وهي الرابية. والظراب: هي الجبال الصغير.
[ ١٠١ ]
وثبت أنه قال في بعض أدعيته: "اللهم اسقنا غيثا مغيثا، هنيئا، مريعا غدقا، مجلالا، عاما، طبقا، سحا، دائما. اللهم اسقنا الغيب، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم بالعباد، والبلاد، والبهائم، والخلق، من اللأواء، والجهد، والضنك، ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء وانبت لنا من بركات الأرض، الله ارفع عنا الجهد، والجوع، والعرى، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا، فأرسل السماء علينا مدرارا، وكان إذا دعا في الاستسقاء رفع يديه نحو السماء" (١).
وقال - ﷺ -: "استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث" (٢).
وقال - ﷺ -: "تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن: عند التقاء الصفوف، وعند نزول الغيث، وعند إقامة الصلاة" (٣)، وعند رؤية الكعبة".
_________________
(١) انظر صحيح البخاري (ج ٢ ص ٥١٨)، ومسلم (ج ٢ ص ٦١٥)، وأبي داود (ج ٤ ص ٣٢٦ - ٣٢٧)، والنسائي (٣/ ١٦٤).
(٢) أخرج نحوه أحمد في مسنده، أبو داود في سننه، الترمذي، وأورده الشوكاني في نيل الأوطار (٢/ ٥٥).
(٣) انظر: نيل الأوطار (ج ٢ ص ٥٥) وما بعدها.
[ ١٠٢ ]
فصل في عبادات السفر
أسفار رسول الله - ﷺ - لم تكن تخلو من أحد أربعة أنواع: إما سفر الهجرة من مكة إلى المدينة، أو لسفر عمرة، أو سفر حج، أو سفر جهاد، وهذا كان الغالب.
وكان إذا عزم على سفر ضرب القرعة بين أمهات المؤمنين (١) فمن ظهرت قرعتها سافر بها.
وأما في سفر الحج فإنه سافر بالمجموع، وكان يسافر أول النهار، ويحب أن يسافر في يوم الخميس (٢) وكان إذا جهز جيشا إلى الجهاد، أمرهم بالسير في أول النهار، وأمر جميع المسافرين، إذا كانوا ثلاثة أن يجعلوا أحدهم أميرا (٣). ونهى عن الوحدة دنى السفر، وقال: "الراكب شيطان، والراكبان شيطانان والثلاثة ركب" (٤).
ولم يرد سفرا إلا قال حين ينهض من جلوسه: "اللهم إليك توجهت وبك اعتصمت، اللهم كفنى ما أهمنى وما أهتم له، اللهم زودنى التقوى، واغفر لي ذنوبى، ووجهنى للخير أينما توجهت".
وكان إذا وضع رجله الباركة في الركاب قال. "بسم الله"، وإذا استوى على ظهر المركب. قال: " ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (٥)، الحمد لله، الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، سبحانك
_________________
(١) انظر طبقات ابن سعد (ج ٣ - ١٠٦)، وسيرة ابن هشام (ج ٣ ص ٢٩٠)، وتاريخ ابن جرير (ج ٢ ص ٦٠٦)، والفتح الربانى (ج ٢١ ص ٧٠ و١٨ ص ٣٠٦).
(٢) متفق عليه البخاري (ج ٦ ص ٨٠)، وأبو دواد برقم (٣٦٠٥)، وأورده النووى في رياض الصالحين (ص ٤٠٧).
(٣) حديث حسن أخرجه أبو داود في سننه برقم (٢٦٠٧)، والترمذي برقم (١٦٧٤)، وهو في الموطأ (ج ٢ ص ٩٧٨) وسنده حسن.
(٤) رواه أبو داود والترمذي، والنسائي بأسانيد صحيحة، قال الترمذي حديث حسن. انظر سنن أبي داود برقم (٢٦٠٧)، والترمذي برقم (١٦٧٤)، الموطأ (٢/ ٩٧٨).
(٥) سورة الزخرف آية ١٢، ١٤.
[ ١٠٣ ]
إنى ظلمت نفسي، فاغفر لي ذنوبى، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، وأطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إنى أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب (١)، وسوء المنظر في الأهل والمال".
وإذا رجع قالهن، وزاد فيهن: "آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون" (٢) "وكان - ﷺ - وهو وأصحابه إذا علو الثنايا كبروا، وإذا هبطوا سبحوا" (٣).
وكان - ﷺ - إذا أشرف على بلدة، أو قرية، يريد دخولها قال: "اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أظللن، ورب الرياح وماذرين، أسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وأعوذ بك من شرها، وشر أهلها، وشر ما فيها".
وفي بعض الأحيان كان يقول: "اللهم إنى أسألك من خير هذه القرية، وخير ما جمعت فيها، وأعوذ بك من شرها، وشر ما جمعت فيها، اللهم أرزقنا جناها، وأعذنا من وباها، وحببنا إلى أهلها، وحبب صالحى أهلها إلينا" (٤).
وكان - ﷺ - الصلاة الرباعية، فما جميع أسفاره، ولم يثبت أنه أتمها في وقت من الأوقات، والحديث المروى عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ -: "كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر، ويصوم" (٥) لم يبلغ الصحة.
_________________
(١) وكآبة المنظر: أي وأن انظر ما يسوءنى في الأهل والمال، أي كموت ومرض وتلف.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه برقم (١٣٤٢)، والترمذي برقم (٣٤٤٤)، وأبو داود برقم (٢٥٩٩).
(٣) رواه البخاري (ج ٦ ص - ٩٤).
(٤) لم نجده بلفظ المصنف ولكن أخرج أبو داود نحوه برقم (٢٦٠٣)، والإمام أحمد (٢/ ١٣٢) والحاكم في المستدرك وصححه (ج ٢ ص ١٠٠) ووافقه الذهبى وحسنه الحافظ في أمالى الأذكار.
(٥) حديث عائشة رواه النسائى (ج ٣ ص ١٢٢)، والترمذي (ج ٢ ص ٤٣٠) تحقيق شاكر.
[ ١٠٤ ]
وكان من العادة النبوية، أن يقتصر في السفر على صلاة الفرض، ولم يحفظ أنه في السفر صلى شيئا من السنن، لا قبل الفرض ولا بعده، إلا ركعتى الفجر والوتر، وكان يصلى صلاة التهجد على ظهر المركوب.
وعن ابن عمر قال: "كان رسول الله - ﷺ - يصلى في السفر على راحلته حيث توجهت يومئ إيماء "يعني صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته" (١).
وثبت عن رسول الله - ﷺ -، في حال قصر الصلاة أنه ما كان يدع صلاة الليل، لكن ثبت عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يصلون السنة، كان أصحاب رسول الله - ﷺ -، يسافرون فيتطوعون، قبل المكتوبة وبعدها.
وأما ابن عمر فكان لا يصلى السنة، ولا يترك صلاة الليل، كما كانت عادة النبي - ﷺ -، فلو صلاها أحد جازت صلاته، وكانت تطوعا مطلقا لا راتبة.
ونقل عن البراء بن عازب قال: سافرت مع النبي - ﷺ - ثمانية عشر سفرا فلم أره يترك ركعتين عند زيغ الشمس قبل الظهر (٢).
قال الترمذي: حديث غريب، وسألت عنه محمدا - يعني البخاري - فلم يعرفه إلا من حديث الليث بن سعد، ورآه حسنا.
وكان من عادته - ﷺ -، إذا صلى السنة على راحلته، أن يتوجه حيثما توجهت، وإن توجهت لغير القبلة، وكان يومئ في الركوع والسجود.
وثبت في سنن أحمد وسنن أبي داود، "أنه كان يوجه راحلته إلى القبلة حال تكبيرة الافتتاح ثم يتمم إلى حيثما توجهت الراحلة" (٣).
_________________
(١) انظر نيل الأوطار (ج ٣ ص ١٩٩)،
(٢) لم نجده وقد أخرج مسلم نحوه في كتات صلاة المسافرين وقصرها باب (١) صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم (٦٩١ - ج ١ ص ٤٨١)، وأبو داود - كتاب تقريع أبواب صلاة المسافر باب صلاة المسافر حديث رقم (١٢٠١ - ج ٢ ص ٣).
(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب التطوع على الراحلة والوتر حديث رقم (١٢٢٥ - ٢/ ٩).
[ ١٠٥ ]
وروى الترمذي في حديث مستقيم الإسناد أنه صلى الفرض مرة، على ظهر مركبه واقتدت به الصحابة ركبانا، ولفظه: "انتهى النبي - ﷺ - إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماء من فوقهم والبلة من أسفلهم فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن فأذن، وأقام ثم تقدم رسول الله - ﷺ - على راحلته فصلى بهم، يومئ فجعل السجود أخفض الركوع" (١).
وكان من عادته - ﷺ - إذا وقع الرحيل قبل الزوال، أن يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فإذا نزل جمع بين الظهر والعصر. وإن دخل وقت الظهر، قبل الرحيل صلى الظهر ثم ركب، وكذا في المغرب والعشاء، وإن كان في وقت المغرب والعشاء سائرا آخر الصلاة إلى وقت العشاء ليصلهما معا، وفي بعض الأوقات جمع بين الظهر والعصر، في وقت الظهر، ثم ركب، وكذا في المغرب والعشاء" (٢).
ولم يكن يعتاد الجمع في السفر فيما علمت، لكن إذا كان السير حثيثا جمع، وأما الجمع في حالة النزول، والقرار، فلم يرد ولم يعين للقصر والجمع مسافة، ولم يرد في هذا الباب شيء صحيح بل رخص في مطلق السفر، وكذا التيمم لم يرد فيه سفر محدود.
_________________
(١) روى الترمذي نحوه وصححه وأبو داود في سننه، وذكره الشوكاني في المنتقى (ج ٢ ص ١٧٢) والبلة في الحديث - بالكسر - الندواة.
(٢) انظر صحيح البخاري في كتاب تقصير الصلاة، باب إذا ارتحل بعد ما زاغت الشمس صلى الظهر ثم ركب، حديث رقم (١١١٢ - ج ٢ ص ٥٨٢ - ٥٨٣، وباب (١٥) حديث (١١١١) فتح البارى ج ٢ ص ٥٨٢)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب (٥) جواز الجمع بين الصلاتين في السفر حديث رقم (٧٠٤ - ج ١ ص ٤٨٩)، وأبو داود في سننه حديث رقم (١٢١٨ - ١٢١٩ ج ٢ ص ٧)، والنسائي (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥)، في كتاب مواقيت الصلاة، باب الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين الظهر والعصر.
[ ١٠٦ ]
فصل في عادة الحضرة النبوية - ﷺ - حال قراءة القرآن واستماعه وكمال خضوعه وخشوعه وبكائه حال سماعه
كان له - ﷺ - في اليوم وظيفة معينة، يتلوها لا يتركها أبدا إلا لضرورة، وكان يقرأ مرتلا، مفسرا، مبينا، حرفا حرفا، ويقف عند آخر كل آية، ويتمم المد في حروف المد، كالمد في الرحمن الرحيم، فإنه كان يتمم المد في كل.
وكان يقول في أول القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وفي بعض الأوقات يقول: "اللهم إنى أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه أو نفخه ونفثه" وكان يحب سماع القرآن من الغير" (١).
وأمر عبد الله بن مسعود ﵄ أن يقرأ عليه القرآن فلما أخذ في القراءة استمع له - ﷺ - وأخذ في الخشوع والتضرع والبكاء حتى جرى ماء عينيه" (٢).
وكان يقرأ القرآن على كل حال قائما، وقاعدا، ونائما، متوضأ، وغير متوضأ، ولم يكن يمنعه شيء من القراءة غير الجنابة، وكان يتغنى بالقرآن في بعض الأوقات، ويرجع في ذلك كما يفعله من الحفاظ من كان حسن الصوت، وكذا قراءة سورة الفتح في يوم فتح مكة.
وكان - ﷺ - يقول: "زينوا القرآن بالأصوات الحسنة" وقال: "من لم يتغن بالقرآن فليس منا" (٣) قيل لراوى الحديث: فإن كان شخص لا يحسن ذلك؟ قال: يبذل طاقته فيما استطاع من تحسين القراءة.
_________________
(١) انظر صحيح البخاري (ج ٩ ص ٨١)، ومسلم برقم (٧٩٣، ٢٣٦).
(٢) أخرجه البخاري (ج ٩ ص ٨٥) ومسلم برقم (٨٠٠)، وأبو داود برقم (٣٦٦٨)، والترمذي برقم (٣٠٢٧).
(٣) رواه أبو داود بإسناد جيد، برقم (١٤٧١)، وهو في صحيح البخاري (ج ١٣ ص ٤٦٨) من حديث أبي هريرة بنحوه، ومعنى "يتغنى" يحسن صوته بالقرآن انظر رياض الصالحين (ص ٤٢٣).
[ ١٠٧ ]
وينبغي أن يعلم: أن التطريب، والتغني على نوعين: نوع تقتضيه الطبيعة وتسمح به من غير تكلف، وهو لا يحتاج إلى تمرين وتعليم، بل لو حلى شخص وطبعه لصدر منه ذلك التطريب والتلحين، وهذا النوع جائز بالإجماع، ولو أعانته الطبيعة على زيادة تحسين وتزيين، كما قال أبو موسى الأشعري لسيدنا رسول الله - ﷺ - "لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا" (١) يعني لو كنت أعلم أنك تستمع قراءتى، لأتممت التزيين والتحسين.
(النوع الثاني): هو ما يحصل من سماحة الطبع، بل يحتاج فيه إلى التعليم، والتمرين، والتكلف، كأصوات المطربين إدا عمدوا إلى الإيقاع بأنواع الألحان، وقرأوا بأصوات وإيقاعات مخصوصة، وهذا النوع مكروه عند جماعات السلف وقد منعوا من القراءة به.
_________________
(١) أخرجه البخاري بنحوه (ج ٩ ص ٨١) ومسلم برقم (٧٩٣) (٢٣٦) وهذه الزيادة أوردها أبو يعلى كما في "المجمع" (ج ٧ ص ١٧٠)، فقال أبو موسى: يا رسول الله لو علمت لحبرته لك تحبيرا. وانظر "زاد المعاد في خير هدي العباد" (ج ١ ص ٤٨٤) طبع مؤسسة الرسالة.
[ ١٠٨ ]
فصل في العادات النبوية في تفقد المريض
كان - ﷺ - يعود كل مريض من أصحابه، وكان إذا دخل على المريض قرب منه، وقعد عند رأسه، وسأله عن حاله، وقال: كيف تجدك.
وكثيرا ما كان يقول: ما الذي تريد، وما الذي تشتهيه طبيعتك، فإن اشتهى شيئا لم يضره، أمر له به، وكان يجعل يده اليمنى على المريض، ويقول: "اللهم رب الناس أذهب البأس اشف، أنت الشافى، ولا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما، امسح البأس رب الناس بيدك الشفاء ولا كاشف له إلا أنت" (١).
وكان يدعو للمريض ثلاث مرات، ولما عاد سعدا. قال: "اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا" (٢).
وكان إذا دخل على مريض يعوده، يقول لا بأس طهور إن شاء الله، وفي بعض الأحيان يقول: كفارة، وطهور، وكان إذا اشتكى الإنسان الشئ منه، أو قرحة، أو جرح وضع النبي - ﷺ - السبابة على الأرض، ثم رفعها وقال: "بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا بإذن ربنا" (٣).
وقالت عائشة ﵂: "كان رسول الله - ﷺ -، إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه، ثم نفث فيهما: - يعني جمع نفسه ونفخ - يقرأ قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس ثم يمسح بهما، ما
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري في صحيحه (ج ١٠ ص ١٧٦). ومسلم برقم (٢١٩١).
(٢) رواه مسلم (ج ٣ ص ١٢٥٣ برقم ٨)، وأخرجه البخاري (ج ١٠ ص ١٠٣) وفيه: ثم وضع يده على جبهته، ثم مسح يده على وجهى وبطنى، ثم قال: "اللهم اشف سعدا، وأتمم له هجرته" فما زلت أجد برده على كبدى فيها إلى حتى الساعة. وانظر رياض الصالحين هامش (٥ ص ٣٨٨) تحقيق شعيب الأرنؤوط طبعة مؤسسة الرسالة. الطبعة السادسة، سنة ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م.
(٣) متفق عليه أخرجه البخاري (ج ١٠ ص ١٧٦، ١٧٧)، ومسلم برقم (٢١٩٤).
[ ١٠٩ ]
استطاع من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات" (١) قالت: فلما اشتكى، كان يأمرنى أن أفعل ذلك به، فكنت آخذ بيديه، وأمسح بهما لبركتهما.
وفي رواية أخرى: كان النبي - ﷺ - يقرأ، ويتنفث، وعائشة ﵂ تأخذ بيديه، وتمسح بهما بدنه، كان غاية الضعف، والوجع، كان يمنع من تحريكهما، ولم يجعل للعبادة يوما معيشا بل كان يعود في جميع الأوقات هن الليل والنهار، وقال: "عائد المريض مخرفة الجنة" (٢).
وفي رواية أخرى: "لم يزل في خرفة الجنة، وما من مسلم يعود مسلما مريضا، غدوة، إلا صلى عليه سبعون ألف ملك، حتى يمسى، وإن عادة عشية صلى عليه سبعون ألف ملك، حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة" (٣).
وكان - ﷺ - يعود من رمد العين. وكان يخدمه - ﷺ - شاب من اليهود، فلما مرض (٤) عاده، ولا مرض عمه أبو طالب عاده، مع أنه كان مشركا، وكان عرض عليهما الإسلام فلم يقبل أبو طالب وأسلم اليهودى (٥).
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري (ج ٥ ص ١٣٨)، ومسلم (ج ٧ ص ١٣١)، وانظر فقه السير (ص ٣٥٥) د. محمد سعيد رمضان البوطى، دار الفكر ط ٦، ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م.
(٢) رواه مسلم في صحيحه بمثله برقم (٢٥٦٨) (٤١) والمخرفة في الحديث بستان ٣ - بساتين الجنة.
(٣) رواه الترمذي برقم (٩٦٩) وقال: حديث حسن. وأبو داود في سننه برقم (٣٠٩٨، ٣٠٩٩) وابن ماجه (١٤٤٢) وهو حديث صحيح انظر رياض الصالحين ص ٣٨٧.
(٤) أخرج البخاري عن أنس، ﵁، قال: كان غلام يهودى يخدم النبي - ﷺ - فمرض. فأتاه النبي - ﷺ - يعوده، فقد عند رأسه فقال له: "أسلم" فنظر إلى أبيه وهو عنده؟ فقال: أطع أبا القاسم، فأسلم. فخرج النبي - ﷺ - وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه من النار" رواه البخاري في صحيحه (ج ٣ ص ١٧٦)، وأخرجه أبو داود في سننه برقم (٣ - ٩٥).
(٥) انظر: طبقات ابن سعد (ج ١ ص ١٩٤) وما بعدها، وتاريخ الطبرى (ج ٢ ص ٣٤٤).
[ ١١٠ ]
فصل في العادة النبوية في أحوال الميت وأداء حقوقه
كانت عادته - ﷺ - مشتملة على الإحسان العظمى إلى الميت، ومعاملته بأمور تنفعه في القبر، وفي القيامة، وعلى الإحسان لأقاربه وأهل بيته، وعلى تعليم الأحياء، ما يؤدون به حق العبودية، في معاملة الميت.
وأول الإحسان إلى الميت أنه كان يأمر بتجهيزه نحو آخرته، على أحسن الأحوال، وأفضل الصفات. ثم يقف - ﷺ - وجميع أصحابه صفا، يستغفرون للميت، ويطلبون له الرحمة، من حضرة ذي العزة، ثم يسيرون معه إلى مدفنه، ويقوم هو وأصحابه على قبره يدعون له، ويسألون له التثبيت والرحمة، عند أشد ما يكون محتاجا إليها، ثم لا يزال يتعهد قبره، ويخصه بالدعاء، الذي يستوجب الروح، والراحة، والمغفرة، والرحمة.
وكان يعوده قبل موته، ويذكره بالآخرة، ويأمره بالتوبة، والوصية، ويأمر من حضر مريضا مشرفا أن يلقنه الشهادة، ليكون آخر كلامه كلمة التوحيد.
وكان يمنع من عادات أمم الذين لا يؤمنون بالبعث والنشر بحال، وينهى عن لطم الحدود، وشق الجيوب، وحلق الرأس، وأمثال ذلك، ويردع عليه ردعا بليغا، ويأمر بالحمد، والاسترجاع والرضا، ولا ينهى عن جرى الدمع، وحزن القلب.
ومع أنه كان أرضى الخلق لقضاء الحق، وأشكرهم، وأصبرهم، أجرى الدمع، وبكى لما توفى ولده ابراهيم، وعمره سنتان وقال: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضى الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون" (١).
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري (ج ٣ ص ١٣٩، ١٤٠)، ومسلم برقم (٢٣١٥)، وأخرجه أبو داود برقم (٣١٢٦).
[ ١١١ ]
وكان من كمال عاداته النبوية أن يأمر بتجهيز اليث، وتطهيره، وتنظيفه، ودفنه بسرعة، وأن يكفن في ثياب بيض.
وكانت الصحابة مدة إذا احتضر شخص، وأشرف على الموت، دعوا حضرة الرسول فحضر - ﷺ - هناك إلى أن يتوفى، ويجهزه ويصلى عليه، ويشيعه إلى القبر، فلما رأت الصحابة ما في ذلك من المشقة، اقتصروا على أن يعلموه بعد وفاة الشخص، ليحضر التجهيز والصلاة والدفن، ثم رأوا أن هذا لا يخلو من مشقة، فكانوا يجهزون الميت، ويحملونه إليه - ﷺ - ليصلى عليه حينا بالمسجد، وحينا خارجه، وكلاهما يجوز.
وفي الحديث المروي عن أبي هريرة: "أن النبي - ﷺ - قال: من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له (١) " غلط، وصوابه مارواه الخطيب البغدادي.
وقال: هو في الأصل في شيء عليه (٢).
وقال بعض أئمة الحديث: هذا الحديث ضعيف لأنه من إفراد صالح مولى التوءمة، وقد صلى على أبي بكر، وعمر في المسجد، بحضرة جميع المهاجرين والأنصار، ولم يصدر من أحد إنكار.
وكان يأمر أن يغسل الميت ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر، على حسب ما يقتضيه رأى الغاسل، وأن يجعل في الغسلة الآخرة شيئا من الكافور، وكانوا لا يغسلون الشهيد، وينزعوا عنه السلاح، والملبوس، ويستعملون شيئا من الطيب، وإدا قصر الكفن غطوا رأسه، وجعلوا على رجليه شيئا من الأب (٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه عن أبي هريرة، وابن ماجة في سننه، وذكره الشوكاني في نيل الأوطار (٤/ ٦٨).
(٢) وتصويب المصنف للحديث صحيح، لما في الصحيحين من تأييد لما ذهب إليه فقد روى مسلم عن عائشة أنها قالت: لما توفى سعد بن أبى وقاص ادخلوا به المسجد حتى أصلى عليه فأنكروا ذلك عليها فقالت والله ما صلى رسول الله - ﷺ - على سهيل بن البيضاء إلا في جوف المسجد. رواه الجماعة إلا البخاري، وانظر: نيل الأوطار (ج ٤ ص ٦٨)، وانظر صحيح مسلم برقم (٩٧٣ - ج ٢ ص ٦٦٨)، وسنن أبي داود برقم (٣١٨٩، ٣١٩٠ - ج ٣ ص ٢٠٧)، والترمذي (٣/ ٣٥١).
(٣) الأب: هو المرعى المهيأ للرعي. وقيل: هو من المرعى للدواب كالفاكهة للإنسان.
[ ١١٢ ]
وكان من العادات إذا أحضروا ميتا، سأل - ﷺ - هل عليه دين (١)؟ فإن لم يكن عليه دين صلى عليه، وإلا أمر أصحابه فصلوا عليه، ولما كثرت الفتوحات وظهرت الغنائم صلى - ﷺ - على المديون، وقضى دينه، وكان إذا شرع في الصلاة، قرأ الفاتحة بعد التكبيرة الأولى.
والمحفوظ من الدعاء، الذي كان يقرأ في الصلاة على الميت. هذا: "اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، ومن عذاب النار" (٢).
وحينا كان يقول: "اللهم اغفر لحينا، وميتنا، وصغيرنا، وكبيرنا، وذكرنا، وأنثانا، وشاهدنا، وغائبنا، اللهم من أحييت منها، فأحيه على الإسلام والسنة، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده" (٣).
وفي بعض الأوقات. كان يقول: "اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك، وحبله جوارك، فقه من فتنة القبر، وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء، والحق، فاغفر له، وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم" (٤).
وحينا كان يقول: "اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت رزقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، تعلم سرها، وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر لها" (٥).
_________________
(١) وقال - ﷺ -: "نفس المؤمن بدينه حتى يقضى عنه" رواه الترمذي برقم (١٠٧٨ و١٠٧٩). وأخرجه أحمد (٢/ ٤٤٠ و٤٧٥ و٥٠٨)، والدارمى (٢/ ٢٦٢) وسنده حسن.
(٢) رواه مسلم في صحيحه برقم (٩٦٣) وأخرجه أحمد في مسنده (ج ٦ ص ٢٣ و٢٨)، وذكره النووى في رياض الصالحين (ص ٣٩٩).
(٣) أخرجه الترمذي في سننه برقم (١٠٢٤)، وأبو داود برقم (٣٢٠١)، وابن ماجه برقم (١٤٩٨) وصححه ابن حبان (٧٥٧)، والحاكم في المستدرك (ج ١ ص ٣٥٨)، ووافقه الذهبى، وهو كما قالوا.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه برقم (٣٢٠٢)، وابن ماجه (١٤٩٩)، وأحمد (ج ٣ ص ٤٩١)، صححه ابن حبان برقم (٧٥٨).
(٥) أخرجه أبو داود برقم (٣٢٠٠) وفي سنده علي بن شماخ لم يوثقه غير ابن حبان عادته في توثيق ممم كلمة ممسوحة من المصور ممم وأورده النووى في رياض الصالحين بمثله (ص ممم رقم ممسوح من المصور ممم).
[ ١١٣ ]
وكان يكبر في بعض الأحيان أربعا، وفي بعضها خمسا، وفي بعضها ستا، والذين يمنعون من الزيادة على أربع. يقولون: ثبت أن آخر صلاة صلاها الرسول - ﷺ - كان أربعا.
وروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن الملائكة لما صلوا على آدم كبروا أربعا. وقالوا: هذه سنتكم يابنى آدم؟ وكان يخرج من الصلاة بتسليمتين، وقد يقتصر على واحدة.
وكان يرفع يديه في كل تكبيرة، وحيثما فاتته صلاة الجنازة على شخص صلى على قبره فصلى مرة على قبر، بعد يوم وليلة، وأخرى بعد ثلاثة أيام، وأخرى بعد شهر، وحديث الصلاة على القبر صح من طرق ستة.
وكان يصلى على الطفل الميت، ويقول: "صلوا على أطفالكم فإنهم من أفراطكم" (١)، وكان لا يصلى على من أهلك نفسه، ولا على من كان يخون في الغنائم، ويصلى على من قتل بحد شرعى. وثبت أنه صلى على الجهنية التي رجمها فقال عمر: تملى على من زنى؟ فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل الدينة لكفتهم" (٢).
وأي توبة أفضل، من توبة من وضع نفسه في طريق الحق؟ وكان إذا صلى على الميت، سار معه إلى المدفن ماشيا وقال "عجلوا في الذهاب" (٣).
وكان لا يجلس حتى توضع الجنازة عن رقاب الرجال، وقال: "إذا اتبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع". وكان لا يصلى على كل غائب، لكن صح أنه
_________________
(١) روى أحمد نحوه والنسائي والترمذي وصححه وأورده الشوكاني في نيل الأوطار (ج ٤ ص ٤٥).
(٢) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه برقم (١٦٩٦)، وأبو داود برقم (٤٤٤٠)، والترمذي برقم (١٤٣٥). والنسائي (ج ٤ ص ٥١)، وأحمد في مسنده (ج ٤ ص ٤٣ و٤٣٥ و٤٣٧ و٤٤٠).
(٣) روى الجماعة نحوه كما في المنتقى (ج ٤ ص ٧٠).
[ ١١٤ ]
صلى على النجاشى وقد توفى بالحبشة، وأمر الصحابة بذلك. وقال: "توفى أخ لكم فصلوا عليه" (١) وصلى على معاوية الليثى، صلاة الغائب.
واختلف الفقهاء في هذا. فقال الشافعى وأحمد: الصلاة على الغائب سنة مطلقا، وأبو حنيفة ومالك يمنعان مطلقا، وبعض المحققين يقول: إن كان قد مات في بلد لم يصل عليه صلينا، وإن صلى عليه فقد سقط الفرض فلا حاجة، وكانت العادة أن لا يدفن الميت وقت طلوع الشمس، ولا وقت غروبها، ولا وقت استوائها، وكانوا لا يرفعون القبر، ولا يبنون عليه بآجر، ولا نورة، ولا حجر، ولا لبن، ولا غير ذلك.
وكانوا لا يجعلون على هذا القبر، عمارة ولا قبة، وهذا كله بدعة، ومكروه، ومخالف للطريقة النبوية، وبعث رسول الله - ﷺ -، علي بن أبى طالب أن لا يدع تمثالا إلا طمسه، ولا قبرا مشرفا إلا سواه، ونهى أن يتخذ على القبر مسجد أو يشعل عليه سراج، ولعن فاعل ذلك، ونهى عن الصلاة عند المقابر، وعن الصلاة على القبر (٢)، ونهى عن إهانة القبور، وعن أن تداس أو يتكأ عليها، أو يجلس عليها (٣).
ومن العادات النبوية زيارة القبور، والدعاء، والاستغفار، ومثل هذه الزيارة تستحب، وقال: "إذا رأيتم المقابر فقولوا: السلام عليكم أهل الديار
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري في كتاب الجنائز باب (٤) الرجل ينعى إلى أهل الميت، بنفسه حديث رقم (١٢٤٥ - ج ٣ ص ١١٦) وباب الصفوف على الجنازة حديث رقم (٩٥١ - ج ٢ ص ٦٥٦، ٦٥٧)، وأبو داود في كتاب الجنائز باب في الصلاة على المسلم يموت في بلاد الشرك حديث رقم (٣٣٠٤ ج ٣/ ٢١٢). والترمذي برقم ١٠٢٢١ ج ٣/ ٣٤٢)، والنسائي (٤/ ٧٢)، ومالك في الموطأ حديث رقم (١٤ - ج ١ ص ٢٢٦، ٢٢٧).
(٢) انظر صحيح مسلم في كتاب الجنائز حديث رقم (٩٧ - ج ٢ ص ٦٦٧)، وأبي داود برقم (٣٢٥، ٣٢٦ ج ٣/ ٢١٦)، والترمذي برقم (١٠٢٥ - ج ٣ ص ٣٦٨)، والنسائي (ج ٤ ص ٨٦).
(٣) راوه مسلم في صحيحه في كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها حديث رقم (٩٧٥ ج ٢ ص ٦٧١)، والنسائي (٤/ ٩٤) في الجنائز، باب الأمر بالاستغفار للمؤمنين.
[ ١١٥ ]
من المؤمنين، والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية" (١).
وكان يقرأ وقت الزيارة من نوع الدعاء، الذي كان يقرؤه في صلاة الميت، وقد ذكرناه فيما تقدم، وكانت العادة أن يعزى أهل الميت ويأمرهم بالصبر، ولم تكن العادة أن يجتمعوا للميت، ويقرأ له القرآن ويختموه عند قبره، ولا في مكان آخر، وهذا المجموع بدعة ومكروه، ولم يكن من عادة أهل الميت، أن يرسلوا للناس طعاما، بل كان يأمر الناس أن يرسلوا لأهل الميت طعاما لأنهم من المصيبة، في شغل كاف.
_________________
(١) راوه مسلم في صحيحه في كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها حديث رقم (٩٧٥ ج ٢ ص ٦٧١)، والنسائي (٤/ ٩٤) في الجنائز، باب الأمر بالاستغفار للمؤمنين.
[ ١١٦ ]
فصل الصلاة أثناء معارك الرسول - ﷺ -
كان إذا دخل وقت الصلاة في حال القتال، والعدو إلى جانب القبلة، تقدم - ﷺ - واصطفت الأصحاب عقبه، وشرعوا في الصلاة، وركعوا بجملتهم، ورفعوا الرؤوس من الركوع بجملتهم، ثم أخذوا في السجود بعد هذا، سجد معه أهل الصف الأول، واستقام أهل الصف الثاني، تجاه العدو، حتى إذا فرغ النبي - ﷺ - وأهل الصف الأول، من الركعة الأولى، وقاموا إلى الركعة الثانية، هناك يسجد أهل الصف الثاني، ثم يقومون، ويتقدمون إلى مكان أهل الصف الثاني، سجدتا الركعة الثانية، ليحصل لكلتا الطائفتين فضيلة الصف الأول، وليحصل لأهل الصف الثاني مع النبي - ﷺ - كما حصل لأهل الصف الأول (١) - سجدتا الركعة الأولى، فيتساويان في الفضيلة، وذا غاية العدل، فإذا جلس في التشهد، سجد أهل الصف المؤخر، ثم لحقوه في التشهد وسلم المجموع بالاتفاق.
وأما إذا لم يكن العدو في جهة القبلة، جعل الناس طائفتين: طائفة تجاه العدو، وطائفة معه، وصلوا مع النبي - ﷺ -، ثم صاروا إلى مكان تلك الطائفة فأدركوا الركعة الثانية مع الرسول - ﷺ -، ثم سلم هو وقضى كل من الطائفتين ركعة بعد سلام الرسول - ﷺ -.
وفي بعض الأحيان كان يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، فإذا تشهد خرج المأمون من الصلاة وتوقف الرسول - ﷺ - في التشهد، إلى أن تأتى الطائفة
_________________
(١) انظر صحيح البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة ذي الرقاع حديث رقم (٤١٢٩ ج ٧ ص ٤٢١)، وصحيح مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب (٥٧) صلاة الخوف حديث رقم (٨٤١ ج ١ ص ٥٧٥)، وسنن أبي داود في كتاب الصلاة، باب صلاة الخوف حديث رقم (١٢٣٧ ج ٢ ص ١٢ - ١٣)، والترمذي في أبواب الصلاة، باب من يقوم صف الإمام .. حديث رقم (٥٦٥ ج ٢ ص ٤٥٥)، والنسائي (٣/ ١٧٠ - ١٧١) في صلاة الخوف، ومالك في كتاب صلاة الخوف (١) صلاة الخوف حديث رقم (٢ ج ١ ص ١٨٣ - ١٨٤).
[ ١١٧ ]
الأخرى، فيصلي بهم ركعتين، ويسلموا جميعا، فيكون قد صلى - ﷺ - أربعا، وهم ركعتين، وحينا كان يصلي بكل طائفة ركعتين مستقبلا ويسلم، وحينا كان يصلى بكل طائفة ركعة.
والطائفة الأولى يخرجون من الصلاة بعد تمام ركعة، وتأتى الطائفة الأخرى، فيصلون مع الرسول - ﷺ -، ويخرجون معه من الصلاة، فتكون طائفة قد صلت ركعة، وصلى الرسول - ﷺ - ركعتين (١).
وهذه الوجوه كلها جائزة، وبعض علماء الحديث روى هذه الصلاة على خمسة عشر وجها، لكن أصح الوجوه هذا الذي بيناه، وبالله التوفيق.
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري في كتاب صلاة الخوف، باب صلاة الخوف حديث رقم (٩٤٢ ج ٢ ص ٤٢٩)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين باب (٥٧) حديث رقم (٨٣٩ ج ١ ص ٥٧٤) وأبو داود في كتاب الصلاة باب من قال يصلي بكل طائفة ركعة .. حديث رقم (١٢٤٣ ج ٢ ص ١٥ - ١٦)، والترمذي أبواب الصلاة، باب ما جاء في صلاة الخوف حديث رقم (٥٦٤ ج ٢ ص ٤٥٣ - ٤٥٤)، والنسائي (٣/ ١٧١ - ١٧٣) في صلاة الخوف، ومالك في صلاة الخوف، باب صلاة الخوف حديث رقم (٣ ج ١ ص ١٨٤).
[ ١١٨ ]
فصل مراعاة النبي - ﷺ - لأحوال الفقراء في الزكاة
كان من العادة النبوية في الزكاة مراعاة الفقراء، مع مراعاة أصحاب الأموال والنظر في مصلحة الجانبين، بأقصى الغاية، وأوجب الزكاة في أصناف أربعة من المال، دورانها بين الخلق أكثر، واحتياج الناس إليها أوفر.
الصنف الأول: الزروع والثمار.
الصنف الثاني: بهيمة الأنعام من الإبل، والبقر، والغنم (١).
الصنف الثالث: الذهب والفضة اللذان بهما قوام معاش العالم.
الصنف الرابع: أموال التجارة من أي صنف، وأمر أن تؤدى في السنة مرة، وفي الزرع والثمار يوم حصاده على الفور، وذا غاية العدل، وبحسب سعى الشخص في تحصيل المال، وسهولته، ومشقته تفاوت الواجب، فيما بين ﵌.
لا جرم أوجب الخمس، في مال يحصل من غير مشقة، وتكلف، كما إذا وجد كنز، ولم يعتبر السنة في ذلك، بل حال ما يجده عليه إخراج الخمس، وما لا بد في تحصيله من مشقة وكلفة ما أوجب فيه نصف ذلك. كالزروع، والثمار الحاصل من ماء المطر، وأوجب نصف ذلك فيما يحتاج في تحصيله إلى زيادة تكلف من دولاب أو بئر، أو شراء ماء.
وأوجب نصف ذلك فيما يحتاج إلى عمل، وتعب دائم، كارتكاب مشقة الأسفار، وركوب البحار، والترقب، والانتظار، وما أشبه ذلك.
وأيضا عين في كل نوع من المال نصبا بحسب مصلحة الحال. ففى الفضة مائتا درهم، وفي الذهب عشرون مثقالا، وفي الغلات والثمار ثمانمائة مد
_________________
(١) انظر صحيح البخاري في كتاب الزكاة، باب (٣٨) زكاة الغنم حديث رقم (١٤٥٤) فتح البارى (ج ٣ ص ٣١٧ - ٣١٨)، وسنن أبي داود في كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة (ج ٢ ص ٩٦، ٩٧)، والنسائي (٥/ ١٨ - ٢٣) في الزكاة، باب زكاة الإبل.
[ ١١٩ ]
شرعى، وذلك وقر خمس من الإبل العراب، وفي الغنم أربعون، وفي البقر ثلاثون، وفي الإبل خمس.
ولما لم يحتمل هذا النصاب المواساة من جنسه عين شاة، في كل خمس من الإبل، أما إذا بلغ خمسا وعشرين احتمل أن يؤدى من جنسه، لا جرم يكون مخيرا بين خمس شياه وبعير، ومن علم أنه من أهل الزكاة أعطاه منها، وإن طلب شخص من الزكاة شيئا، ولم يعلم حاله أعطاه.
إما إذا علم غناه، أخبره أن لاحظ فيها لغنى، ولا لقوى مكتسب. وكانت العادة أنهم إذا أخذوا الزكاة من مدينة، أو قرية، صرفوها على فقراء ذلك المكان، فإن فضل شيء، أتوا به إلى حضرة الرسول - ﷺ -، فيصرفه لفقراء المدينة.
ولم يكن من العادة النبوية، أخذ الزكاة من الخيل، والرقيق، والبغال، والحمير، والبقول، والبطيخ، والخيار، والعسل، والفواكه، التي لا تدخل المكيال، ولا تصح للادخار، إلا الرطب، والعنب، فإنه كان يأخذ الزكاة منهما، لا يفرق بين الرطب واليابس، ومن أتى بزكاته، إلى حضرة سيدنا، رسول الله - ﷺ - دعا له وقال: "اللهم بارك فيه وفي إبله" (١).
وكان ينهى المتصدق، أن يشترى صدقته، وكان يدوغ إبل الصدقة، بيده المباركة، وفي الغالب كان يدوغ على الأذن، وربما اقترض لمصالح الإسلام، وأحال على مال الصدقة، وفي أوقات الضرورة، كان يطلب زكاة سنتين تقدمة.
_________________
(١) أصله في الصحيحين، أخرجه البخاري في كتاب البخاري، باب (٦٤) صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة حديث رقم (١٤٩٧ ج ٣ ص ٣٦١)، وانظر حديث رقم (٤١٦٦ - ٦٣٣٢)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب الدعاء لمن أتى بصدقته حديث رقم (١٠٧٨ ج ٢ ص ٧٥٦ - ٤٥٧)، وأبو داود في كتاب الزكاة، باب دعاء المصدق لأهل الصدقة حديث رقم (١٥٩٠ ج ٢ ص ١٠٦)، والنسائي (٥/ ٣١، في كتاب الزكاة، باب صلاة الإمام على صاحب الصدقة، وابن ماجة قى كتاب الزكاة باب (٨) برقم (١٧٩٦ ج ١/ ٥٧٢).
[ ١٢٠ ]
فصل في زكاة الفطر
كان - ﷺ - يرسل مناديا، ينادى في الأسواق، والمحلات، والأزقة من مكة: "ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ومسلمة ذكر أو أنثى حر أو عبد صغير أو كبير" (١) مدان من قمح، أو سواه صاعا من طعام".
وثبت في سنن النسائى: أنه لما أفضت نوبة الحلافة إلى أمير المؤمنين، علي ﵁. قال: أما إذا وسع الله عليكم فأوسعوا، اجعلوا صاعا من بر وغيره. وفي لفظ أبي داود: فلما قدم على ﵁، رأى رخص السعر. فقال: قد أوسع الله عليكم فلو جعلتموه صاعا من كل شيء.
ومن العادة النبوية، أن تؤدى زكاة الفطر، قبل صلاة العيد وكان يقول: "من أداها قبل صلاة الفطر فهى صدقة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهى صدقة من الصدقات" (٢)، وفي الصحيحين عن ابن عمر، أنه قال: "وأمر رسول الله - ﷺ - بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة (٣).
وظاهر هذه الأحاديث، أنها بعد الصلاة لا تجزى، وكان يخص المساكين بهذه الصدقة، ولا يقسمها على الأصناف الثمانية، ولم يرد بذلك أمر نصا، وبه قال بعض العلماء ويجوز الصرف للأصناف الثمانية.
_________________
(١) أخرجه الشيخان رواه البخاري في كتاب الزكاة باب (٧٠) فرض صدقة الفطر حديث رقم (١٥٠٣ ج ٣ ص ٣٦٧)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير حديث رقم (٩٨٤ ج ٢ ص ٦٧٧)، وأبو داود في سننه برقم (١٦١١، ١٦١٢ ج ٢ ص ١١٢)، والترمذي برقم (٦٧٦ ج ٣ ص ٦١)، والنسائي (٥/ ٤٧)، ومالك في الموطأ حديث رقم (٥٢ ج ١ ص ٢٨٤)، وابن ماجة برقم (١٨٢٥، ١٨٢٦ ج ٥٨١٨).
(٢) أخرجه الشيخان وغيرهما انظر صحيح البخاري (ج ٣ ص ٣٦٧). ومسلم (ج ٢ ص ٦٧٧) وأبي داود (ج ٢ ص ١١٢).
(٣) رواه الجماعة وانظر صحيح البخاري (٣/ ٣٦٧)، ومسلم (ج ٢ ص ٦٧٧) وسنن أبي داود (ج ٢ ص ١١٢)، والترمذي (ج ٣ ص ٦١) والنسائي (٥/ ٤٧) وابن ماجة (ج ١ ص ٥٨٤، ٥٨٥).
[ ١٢١ ]
وأما صدقة التطوع فإنه كان يحبها حبا شديدا، وكان يسر بأدائها، أشد من سرور الفقير بأخذها، وكان لا يستكثر ما يصرفه في طريق الحق، بل يحسبه قليلا وما سأله أحد شيئا حاضرا إلا أجابه، ولم يعده كثيرا قل أو جل.
وكان يعطى عطاء من لا يخاف الفقر، ولا يبالى بالعدم، وإذا رأى محتاجا أثره بطعامه وشرابه، وكان يتنوع في العطاء والصدقة، فحينا يهب وحينا يتصدق، وحينا يهدى، وحينا يشترى شيئا، ويدفع ثمنه، ثم يهبه لبائعه، وحينا كان يقترض، ويؤدى أكثر من المبلغ، وحينا كان يشترها شيئا، ويؤدى أكثر من الثمن، وحينا كان يقبل الهدية وينعم بأضعافها، وكان الغرض من إيصال أنواع الإحسان إلى الخلق، مهما أمكن، وكان يأمر الناس بالصدقة، ويحرص عليها، وكان يدعو إلى السماحة والسخاوة بحاله ومقاله، بحيث أن البخيل الشحيح، إذا رآه أثر فيه وتخلق بالكرم، والبذل، وكل من خالطه وصاحبه، لم يكد يملك نفسه، حتى يغلبه الإحسان، والبذل، ولهذا لم يزل منشرح القلب، طيب النفس، منبسط الخاطر - ﷺ -.
[ ١٢٢ ]
فصل في أسباب انشراح صدر حضرة سيدنا رسول الله - ﷺ - الذي أنزلت فيه سورة (ألم نشرح لك صدرك) للإمتنان بتلك النعمة
ينبغي أن يعلم أن أجل أسباب انشراح الصدر هو: التوحيد. وبحسب كماله وتمامه، وقوته، وزيادته، يزيد انشراح الصدر. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ (١) وقال الله تعالي: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٢) فلا جرم أن يكون التوحيد، والهداية، من أعظم أسباب انشراح الصدر، والشرك والضلالة هن أعظم أسباب ضيق الصدر والقلب.
ومن جملة أسباب انشراح الصدر، نور يجعله البارى تعالى، في قلب العبد، ضياء وذلك نور الإيمان، فمتى ما وقع في قلب العبد، دخله الفرح، والسرور، والانشراح وسعة القلب، وظهر فيه.
وإذا فقد ذلك النور وقع في ضيق القلب، وابتلى بالشدة، والمشقة، وقال - ﷺ -: "إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح" قالوا: وما علامة ذلك
_________________
(١) سورة الزمر آية ٢٢. وروى أن هذه الآية نزلت في علي وحمزة ﵄ وأبي لهب وابنه وهما اللذان كانا من القاسية قلوبهم. وفي الكلام محذوف يدل عليه الظاهر .. تقديره: كالقاسى القلب والمعرض عن أمر الله. " وشرح الله صدره" استعارة لتحصيله للنظر الجيد والإيمان بالله. و"النور" هداية الله، وهي أشبه شيء بالضوء. قال ابن مسعود ﵁: قلنا يا رسول الله كيف انشراح الصدر؟ قال: "إذا دخل النور القلب انشرح وانفسخ" قلنا: وما علامة ذلك؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافى عن دار الغرور، والتأهب للموت" أخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود - ﵁ - وأخرجه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن ابن عمر - ﵄ - أن رجلا قال: يا نبى الله أي المؤمنين أكيس؟ قال "أكثرهم ذكرا للموت". ثم أخرج عن أبي جعفر عبد الله بن المسور، عن رسول الله - ﷺ - نحوه. وزاد فيه: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ الدر المنثور.
(٢) سورة الأنعام الآية رقم ١٢٥.
[ ١٢٣ ]
يا رسول الله؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله" (١).
وينبغي أن يعلم أن نصيب الشخص، من انشراح الصدر، وسعة القلب، بحسب نصيبه من كثرة النور، ومن هذه الجهة للنور المحسوس أيضا من فرح الخاطر، وشرح الصدر، حظ وافر، والظلمة المحسوسة بعكس ذلك.
ومن جملة أسباب دلك أيضا العلم، فإن العلم يجعل كل زاوية من روايا القلب، أوسع، وأشرح من السماء والأرض، وكلما زاد علم الشخص، زاد انشراح صدره، وليس المراد من هذا كل علم، بل العلم المورث من الأنبياء. فإن الأنبياء لم يورثوا دينارا، ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، أشار إلى ذلك العلم.
وأهل ذلك أوسع قلبا، وأطيب عيشا، وأحسن خلقا، من سائر الخلق ومن هذا العلم تتولد الإنابة، ومحبة الحق، وللمحبة في شرح الصدر مدخل عظيم، وكلما نمت المحبة، وقويت، زاد شرح الصدر، وكمل، وأعظم أسباب ضيق الصدر وأقوى موجباته الإعراض عن الحق، وتعلق القلب بغير ذلك الجناب، والغفلة عن ذكر الحق، ومحبة غيره.
ومن أحب غير الحق عذب به، وحبس معه، ولم يك في العالم أسوأ حظا منه، ولا أمر عيشة ولا أكثرهما، لأن المحبة محبتان:
إحداهما: سرور النفس، ولذة القلب، ونعيم الروع، ودواء الهموم، وهي محبة الحق ﷾ بكل قلب.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في تفسيره (ج ١٢ ص ١٠٠، ١٠١) من طريقين عن عبد الله بن مسعود، وكلاهما ضعيف، وأورده ابن الجوزي في تفسيره (ج ٣ ص ١١٩ - ١٢٠)، وابن كثير (ج ٣ ص ١٧٤)، بعد أن ذكره من طريق مرسل عن أبي جعفر الهاشمى، وقال. فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضا. وانظر تعليق الأستاذ محمود شاكر على الحديث في تفسير الطبرى (ج ١٢ ص ٩٩، ١٠٠).
[ ١٢٤ ]
والأخرى: عذاب الروح، وهم النفس، وحبس القلب، وضيق الصدر، ومادة كل بلاء وهي محبة غير الحق، وأيضا جملة أسباب شرح الصدر: دوام ذكر الحق في حال، وأيضا الإحسان إلى خلق الله، مهما أمكن من جار، ومال، وغير ذلك، وأيضا الشجاعة، وأيضا تطهير القلب، من الصفات المذمومة.
والرسول - ﷺ - كان صاحب الكمال، في مجموع هذه الخصال، ومن جعل اتباعه قصده، يكون أكمل الخلق، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
[ ١٢٥ ]