[المقدمة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير أنبيائه ورسله وخير من أشرقت عليه الشمس سيّدنا ونبينا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد؛ فإن كتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» للقاضي عياض، من الكتب التي عدّها كثير من العلماء والمحققين من خير الكتب في موضوعه، فقد قال عنه المقري في أزهار الرياض: مما كمل تأليفه، رضوان الله عليه، «الشفا» الذي بلغ فيه الغاية القصوى، وسار صيته شرقا وغربا، ولقد لهجت به الخاصة والعامة، عجما وعربا، ونال به مؤلفه وغيره من الرحمن قربا. ثم قال: وفضائل هذا الكتاب لا تستوفى، ولا يمتري من سمع كلامه العذب السهل المنور في وصف النبي ﷺ أو وصف إعجاز القرآن، أن تلك نفحة ربانية، ومنحة صمدانية، خص الله بها هذا الإمام، وحلاه بدرها النظيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وقال القاري: كتاب «الشفا» في شمائل صاحب الاصطفاء أجمع ما صنف في بابه مجملا في الاستيفاء.
وقد اعتنى الأئمة بشرح هذا الكتاب والتعليق عليه، وكما اعتنى الناس بذلك اعتنوا أيضا بتصحيحه وضبطه وإتقانه. فمن العلماء الذين شرحوا الشفا، نذكر:
١- الشهاب الخفاجي، وقد شرحه شرحا مطولا، أسماه: «نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض» .
٢- شرح «الملّا علي القاري» وقد شرحه شرحا متوسط الطول. وهو الكتاب الذي بين أيدينا.
٣- الشيخ حسن العدوي الحمزاوي، وقد شرحه شرحا مختصرا، وأسماه:
«المدد الفياض» .
[ ١ / ٣ ]
٤- كتاب «مزيل الخفا عن ألفاظ الشفا» تأليف العلامة تقي الدين أحمد بن محمد بن حسن الشمني التميمي الداري الحنفي.
٥- كتاب «المقتفى في حل ألفاظ الشفا» تأليف العلامة برهان الدين إبراهيم بن محمد بن خليل الحلبي سبط ابن العجمي.
٦- ولما كان القاضي عياض قد اعتمد في مؤلفه «الشفا» على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فقد عنى السيوطي به، وخرّج أحاديثه في كتابه: «مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا» .
[ ١ / ٤ ]
ترجمة القاضي عياض
هو عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن موسى بن عياض بن محمد بن عبد الله بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي. وهو من أهل سبتة، وأصله من مدينة بسطة.
ولد في منتصف شعبان من سنة ست وسبعين وأربعمائة، وتوفي، ﵀، بمراكش مغربا عن وطنه وسط سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
وقدم الأندلس طالبا للعلم، فأخذ بقرطبة عن جلة علمائها.
وأخذ بالمشرق عن القاضي الصدفي، وعن غيره وعني بلقاء الشيوخ والأخذ عنهم، وجمع من الحديث كثيرا، وله عناية كبيرة به واهتمام بجمعه وتقييده.
وقد استقضى ببلده، مدينة سبتة، مدة طويلة حمدت سيرته فيها، ثم نقل منها إلى قضاء غرناظة، فلم تطل مدته بها.
وقال هو عن نسب أجداده: استقر أجدادنا في القديم بجهة بسطة من بلاد الأندلس، ثم انتقلوا إلى مدينة فاس وكان لهم استقرار بالقيروان، فلا أدري أكان قبل استقرارهم بالأندلس أم بعد.
قال: وكان عمرون والد جد أبي رحمة الله على جميعهم، رجلا خيرا صالحا، من أهل القرآن، انتقل من مدينة فاس إلى مدينة سبتة بعد دخول بني عبيد المغرب «١» .
وقال عنه ابنه: نشأ أبي على عفة وصيانة، مرضيّ الحال، محمود الأقوال والأفعال، موصوفا بالنّبل والفهم والحذق طالبا للعلم، حريصا مجتهدا فيه، معظما
_________________
(١) الصلة (١/ ٤٥٣)، أزهار الرياض (١/ ٢٨) .
[ ١ / ٥ ]
من الأشياخ من أهل العلم، كثير المجالسة لهم، والاختلاف إليهم، إلى أن برع أهل زمانه، وساد جملة أقرانه؛ فكان من حفاظ كتاب الله تعالى، مع القراءة الحسنة، والحظ الوافر من تفسيره وجميع علومه.
وكان من أئمة الحديث في وقته، أصوليا متكلما، فقيها حافظا للغة والأخبار والتواريخ، حلو الدعابة، صبورا حليما، حسن العشرة جوّادا سمحا، دؤوبا على العمل، صليبا في الحق «١» .
وفي أزهار الرياض يتمثل بقول ابن عاصم في وصف عياض: قد كان، ﵀، علم الكمال، ورجل الحقيقة، وقارا لا يخفّ راسيه، ولا يعري كاسيه، وسكونا لا يطرق جانبه، ولا يرهب غالبه؛ وحلما لا تزل حصاته، ولا تمهل وصاته، وانقباضا لا يتعدّى رسمه، ولا يتجاوز حكمه؛ ونزاهة لا ترخص قيمتها، ولا تلين عزيمتها، وذهنا لا يخبو نوره، ولا ينبو مطروده، وفهما لا يخفى فلقه، وحفظا لا يسبر غوره، ولا يذبل نوره، وطلبا لا تتحد فنونه، ولا تتعيّن عيونه، بل لا تحصر معارفه، ولا تقصر مصارفه «٢» .
وقال الملاحي: كان القاضي ﵀ بحر علم، وهضبة دين وحلم، أحكم قراءة كتاب الله بالسبع، وبلغ من معرفته الطول والعرض، وبرّز في علم الحديث، وحمل راية الرأي ورأس في الأصول، وحفظ أسماء الرجال، وثقب في علم النحو، وقيّد اللغة، وأشرف على مذاهب الفقهاء وأنحاء العلماء، وأعراض الأدباء «٣» .
وقال المقري في أزهار الرياض: وكان القاضي أبو الفضل كثير الاعتناء بالتقييد والتحصيل.
قال ابن خاتمة: كان لا يبلغ شأوه، ولا يبلغ مداه في العناية بصناعة الحديث، وتقييد الآثار، وخدمة العلم من حسن التفنّن فيه، والتصرف الكامل في فهم معانيه، إلى اضطلاعه بالأداة، وتحققه بالنظم والنثر، ومهارته في الفقه، ومشاركته في اللغة
_________________
(١) أزهار الرياض (٣/ ٢٧) .
(٢) أزهار الرياض (٣/ ٦) .
(٣) أزهار الرياض (٣/ ٧) .
[ ١ / ٦ ]
والعربية، وبالجملة فقد كان جمال العصر، ومفخر الأفق، وينبوع المعرفة، ومعدن الإفادة، وإذا عدّت رجالات المغرب فضلا عن الأندلس حسبناه منهم.
وقال: وكان، ﵀، معظّما للسنّة، عالما عاملا، خاشعا قانتا، قوّالا للحق، لا يخاف في الله لومة لائم، وكان معتنيا بضبط الألفاظ النبوية على اختلاف طرقها، وكتابه «المشارق» أزكى شاهد على ذلك.
وكان حاضر الجواب، حادّ الذهن، متوقّد الذكاء، جامعا للفنون، أخذ منها بالحظ الأوفر، وكان بارع الخط المغربي، حسن العبارة، لطيف الإشارة؛ وتآليفه شاهدة بذلك. وله في الفقه المالكي اليد الطولى، وعليه المعوّل في حل ألفاظ المدونة، وضبط مشكلاتها، وتحرير رواياتها، وتسمية رواتها.
[ ١ / ٧ ]
ترجمة الملّا علي القاري «١» (٠٠٠- ١٠١٤ هـ ٠٠٠- ١٦٠٦ م)
علي بن (سلطان) محمد، نور الدين الملّا الهروي القاري: فقيه حنفي، من صدور العلم في عصره. ولد في هراة وسكن مكة وتوفي بها. وقيل: كان يكتب في كل عام مصحفا وعليه طرر من القراآت والتفسير فيبيعه فيكفيه قوته من العام إلى العام. وصنف كتبا كثيرة، منها «تفسير القرآن- خ» ثلاثة مجلدات، و«الأثمار الجنية في أسماء الحنفية» و«الفصول المهمة- خ» فقه، و«بداية السالك- خ» مناسك، و«شرح مشكاة المصابيح- ط» و«شرح مشكلات الموطأ- خ» و«شرح الشفاء- ط» و«شرح الحصن الحصين- خ» في الحديث، و«شرح الشمائل- ط» و«تعليق على بعض آداب المريدين، لعبد القاهر السهروردي- خ» في خزانة الرباط (٢٥٠٣ ك) و«سيرة الشيخ عبد القادر الجيلاني- ط» رسالة، ولخص مواد من القاموس سماها «الناموسن» وله «شرح الأربعين النووية- ط» و«تذكرة الموضوعات- ط» و«كتاب الجمالين، حاشية على الجلالين- ط» جزء منه، في التفسير، و«أربعون حديثا قدسية- خ» رسالة، و«ضوء المعالي- ط» شرح قصيدة بدء الأمالي، في التوحيد، و«منح الروض الأزهر في شرح الفقه الأكبر- ط» ورسالة في «الرد على ابن العربي في كتابه الفصوص وعلى القائلين بالحلول والاتحاد- خ» و«شرح كتاب عين العلم المختصر من الإحياء- ط» و«فتح الأسماع- خ» فيما يتعلق بالسماع، من الكتاب والسنة ونقول الأئمة، و«توضيح المباني- خ» شرح مختصر المنار، في الأصول، و«الزبدة في شرح البردة- خ» في مكتبة عبيد. ونقل لي عن هامشه، بشأن الخلاف حول اسم أبي صاحب الترجمة، الحاشية الآتية: «ودأب العجم أن يسموا أولادهم أسماء مزدوجة مثل فاضل محمد وصادق محمد وأسد محمد واسم أبيه سلطان محمد. فهو من هذا القبيل على ما سمع وأما كونه من الملوك فلم يسمع» .
_________________
(١) انظر الأعلام للزركلي (٥/ ١٢، ١٣) .
[ ١ / ٨ ]
[خطبة الكتاب]
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي أنزل القرآن شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، وشفى به من كان اشفى على شفائر جهنم من الكافرين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وسيد الأولين والآخرين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وأتباعه أجمعين إلى يوم الدين.
(أما بعد) فيقول أفقر العباد إلى كرم ربه الباري علي ابن سلطان محمد القاري لما رأيت كتاب الشفاء في شمائل صاحب الاصطفاء، أجمع ما صنف في بابه مجملا في الاستيفاء لعدم إمكان الوصول إلى انتهاء الاستقصاء، قصدت أن اخدمه بشرح يشرح بعض ما يتعلق به من تحقيق الاعراب والنباء، رجاء أن أسلك في سلك مسالك العلماء يوم الجزاء، فأقول وبالله التوفيق، وبتأييده ظهور التحقيق، أن المصنف رحمه الله تعالى كان وحيد زمانه وفريد أوانه، متقنا لعلوم الحديث واللغة والنحو والآداب، وعالما بأيام العرب والأنساب، ومن تصانيفه المفيدة الاكمال في شرح مسلم، كمل به المعلم في شرح مسلم، للمازري ومنها مشارق الأنوار فسر به غريب الحديث ومنها الشفا في حقوق المصطفى ومنها شرح حديث ام ذرع إلى غير ذلك وله أشعار لطيفة متضمنة المضامين منيفة مولده منتصف شعبان سنة ست وسبعين واربعمائة وتوفي يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة وقيل في شهر رمضان سنة أربع وأربعين وخمسمائة قال: (بسم الله الرحمن الرحيم) اقتداء بالكلام المجيد واقتفاء بالحديث الحميد ثم قال (اللهمّ صلّ على محمّد، وآله) أي وأتباعه المتضمنين لأصحابه (وسلّم) وهذا طريق المغاربة حيث يأتون بالتصلية والتحية بين البسملة والحمدلة كما في الشاطبية ولعل فيه اشعارا بأن البسملة المشتملة على نعت الألوهية وصفات الرحمانية والرحيمية بمنزلة شطر الشهادتين من كلمة التوحيد فلا بد من انضمام الشطر الآخر لإتمام معنى التمجيد ليترتب على توفيق تحصيل هذا المقام مقال التحميد ثم في بعض النسخ المصححة قبل قوله الحمد لله (قال الفقيه) وفي نسخة الشيخ الْفَقِيهُ (الْقَاضِي الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ عِيَاضُ بن موسى بن عياض) بكسر العين (اليحصبيّ) بتثليث الصاد والفتح أخف وبه ثبتت رواية الشاطبي وهو نسبة إلى يحصب بن مالك قبيلة من حمير باليمن (رحمة الله عليه) ولا شك أن هذا الادخال من المقال صدر من بعض أرباب الكمال من تلاميذ المصنف أو من بعده ولكن اللائق في فعله أن يأتي به قبل البسملة ليقع الكل من مقوله. ولعله تحاشى من تقديم ذكره فوقع وهم في حقه فالأولى أن يفعل مثل هذا العنوان وراء الكتاب على قصد التبيان أو بقلم آخر أو لون مغاير في هذا المكان ثم تحقيق مباحث البسملة والحمدلة وما يتعلق بهما من وجوه التكملة قد كثر في تصانيف العلماء وتآليف الفضلاء، وقد ذكرنا طرفا منها في بعض
[ ١ / ٩ ]
تصانيفنا كما هو دأب البلغاء والمقصود بعون الملك المعبود هو أن المصنف قال (الحمد لله) بالجملة الاسمية لإفادة الديمومية لأن الفعل دال على اقتران مدلوله بزمان والزمان لا ثبات له فكذا ما قارنه واللام فيه للاستغراق عند أهل السنة خلافا للمعتزلة إذ كل كمال إنما هو لله ﷾ في حقيقة الحال أو طريقة المآل (المنفرد باسمه الأسمى) وفي نسخة المتفرد من باب التفعل بمعنى المتوحد الممتاز عن المشاركة فمآلهما واحد في المعنى وان اختلفا في المبنى والأسمى افعل التفضيل من السمو وهو الارتفاع أي الممتاز عن المشاركة في اسمه الأعلى والإضافة للتعميم فإن لله الأسماء الحسنى وكل واحد منها في مرتبته هو الأعلى والأغلى وأغرب الشمني في تفسير الأسمي بالعالي (المختصّ) صفة لله كالمنفرد ويجوز قطعهما بنصبهما أو رفعهما أي المخصوص (بالملك الأعز الأحمى) أي الموصوف باختصاص الاستيلاء على البلاد والعباد باطنا وظاهرا على وجه الأعزية الذي لا يحوم حوله ذل ومغلوبية لأنه في غاية المنعة ونهاية الحماية بحيث لا يقربه أحد أولا وآخرا والملك بضم الميم فإنه أبلغ من كسرها وعليه النسخ المصححة والأصول المعتمدة. وقال التلمساني: هو بضم الميم وكسرها (الّذي ليس دونه) أي قريب منه (منتهى) أي موضع غاية ومحل نهاية فيفيد معنى البقاء فإنه أول قديم بلا ابتداء وآخر كريم بلا انتهاء أو المراد أنه ليس للقرب منه نهاية يدركها أحد ولو كان من أهل العناية ويلائمه قوله (ولا وراءه مرمى) مقتبس من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم ليس وراء الله مرمى ولا منتهى أي ليس غيره أو بعده مقصد للورى وأصل المرمى بفتح الميمين موضع الرمي شبه بالغرض والهدف الذي ينتهي إليه سهم الرامي. قال النابغة:
وليس وراء الله للمرء مذهب وفي النهاية أي ليس بعد الله لطالب مطلب فإليه انتهت العقول ووقفت فليس وراء معرفته والإيمان به غاية تقصد وحاصل الجملتين انه تعالى ليس في جهة ولا في حيز ومسافة ليكون للقرب غاية وللبعد منه نهاية، وأما القرب والبعد الثابت في نحو حديث ولا مقرب لما باعدت ولا مباعد لما قربت فإنما هو القرب والبعد المعنوي لا الصوري والحسي وإنما كمال القرب في الحب بحيث لا يشهد السالك إلا الله ويفني عن شهود ما سواه حتى يفني عن نفسه ويبقى ببقاه ونهاية البعد هو الغفلة عن الله على وجه يشاركه ما خلقه وسواه (الظّاهر) أي بالأدلة الدالة على وجوده وكمال كرمه وجوده لعين الحقيقة في شهوده (يقينا) وقطعا (لا تخيّلا) أي لا ظنا بالقوة الخيالية (ووهما) بسكون الهاء أي ولا وهما كما في نسخة مصححة ولا غلطا بالقوة الوهمية والمراد أن الله تعالى ظاهر بصفاته لدلالة مصنوعاته وظهوره لنا ليس على جهة ظن ووهم منابل ظهورا يغلب نورا أدركناه بعيون بصائرنا في الدنيا وسيرونه الأحباء بعيون أبصارهم في العقبى والحاصل أن جميع المخلوقات دالة على وجوب وجوده وألوهيته وتحقيق وحدانيته:
ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
[ ١ / ١٠ ]
(الباطن) وفي نسخة والباطن أي باعتبار ذاته دون صفاته (تقدّسا) أي تنزها فإنه كما قال الغزالي وغيره كل ما خطر ببالك فالله وراء ذلك (لا عدما،) بضم فسكون لغة في المفتوحين أي لا فقدا وعدما إذ لا يقتضي عدم ظهوره نفي وجوده ونوره لانه قد ثبت بالدليل القطعي قدمه وما ثبت قدمه استحال عدمه والتحقيق المتضمن للتدقيق على وجه التوفيق أنه باطن لا يدرك أحد حقيقة ذاته ولا يحيط أحد بكنه صفاته وهذا بالنسبة إلى ما سواه فإنه لا يعرف الله إلا الله ونصبهما على التمييز وأما قول الدلجي تمييز أو تعليل لكونه باطنا فهو وان كان صحيحا في هذا المبنى لكن التعليل لا يصح بحسب المعنى في قوله (وسع كلّ شيء رحمة وعلما) أي أحاط بكل شيء رحمته وعلمه فإن كل شيء لا يستغني عن رحمته إيجادا وامدادا وعلمه شامل للجزئيات والكليات احصاء واعدادا والجملة مقتبسة من قوله تعالى:
رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا والاقتباس أن يتضمن الكلام شيئا من القرآن أو الحديث على وجه لا يكون فيه إشعار بأنه منه (وأسبغ) أي أكمل بالرحمة الخاصة والعلم المختص بالهداية (على أوليائه) أي المؤمنين على قدر كمالاتهم ومراتب حالاتهم (نعما) بكسر ففتح جمع نعمة، وفي نسخة بضم فسكون مقصورا لغة في النعمة لكنه يكتب بالياء مع انه غير ملائم لقوله: (عمّا) بضم المهملة وتشديد الميم جمع عميمة وهي العامة الشاملة التامة ووهم من قال من المحشيين انها جمع عمة فإنه يقال نخل عم نخلة عميمة والحاصل أن رحمته وسعت كل شيء في أمر الدنيا لكن له رحمة خاصة بأرباب العقبى كما قال:
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الآية. وكذا علمه بكل شيء محيط بمعنى المعية كما قال: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ لكن لأرباب الخصوص معية خاصة كما يدل عليه قول موسى ﵊: إِنَّ مَعِي رَبِّي وقول نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم للصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه: «لا تحزن إن الله معنا» وتأمل التفرقة بين الكلامين فإن الثاني مشير إلى مقام جمع الجمع والأول مشير إلى مقام التفرقة والمنع، وأما ما ذكره الدلجي من أن تصدير هذه الفقرة بالواو الموضوعة للجمع دون ما قبلها مع أن أجزاء الصفات المتعاقبة على موصوف واحد مشعرة به يلوح بزيادة جمعية وارتباط معية ففيه مناقشة خفية لأن أجزاء الصفات المفردة يؤتى بها من غير واو الجمعية في الجمل الاسمية، كقوله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ مع جواز إتيان العاطف بخلاف الجمل الفعلية، ولهذا قال: (وبعث) أي أرسل الله (فيهم) أي في أوليائه ولأجل أحبائه، ولذا قيل إنه لم يرسل في الحقيقة إلى أعدائه ثم المؤمنون هم المراد بأوليائه لقوله تَعَالَى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ (رَسُولًا) أي نبيا مرسلا أمر بتبليغ الرسالة موصوفا بكونه (من أنفسهم) بضم الفاء أي من جنسهم العربي أو البشري دون الملكي للحكم الإلهي (أنفسهم) بفتح الفاء ونصب السين أي أشرفهم وأعظمهم في نفوسهم فالأول جمع النفس بسكون الفاء والثاني افعل من النفيس وجمع بينهما كما قرىء في الآية بهما ونصب أنفسهم الثاني على أنه صفة رسولا أو
[ ١ / ١١ ]
بدل أو حال. وفي البعض الحواشي ضبط بالرفع على انه خبر مبتدأ محذوف أي هو أنفسهم من نفس بالضم صار مرغوبا فيه لشرفه (عربا وعجما) بضم فسكون فيهما وهو لغة في فتحتيهما والمراد بالعرب هنا أعم من سكان القرية والبادية كما أن المراد بالعجم ضد العرب الشامل لأهل الفارس والترك والهند وغيرهم ونصبهما على التمييز. وقال الدلجي: حالان لازمان من ضمير أنفسهم وردا بيانا لنوعي المنفوسين، وأما قول بعضهم في حاشيته وأنفسهم بفتح الفاء أي أعلاهم وخيارهم وهو من النفاسة ولا يجوز ضمها لأن الضمير عائد إلى الأولياء فخطأ ولعله مبني على أن لفظ أنفسهم لم يكن مكررا عنده وإلا فإن أراد عدم جواز الضم في أنفسهم الثاني فلا كلام فيه إلا أن تعليله لا يصح وان أراد مطلقا فغلط محض (وأزكاهم) أي أطهرهم وانما هم (محتدا) بفتح الميم وكسر الفوقية أي أصلا وطبعا (ومنمى) بفتح الميمين مصدر ميمي أي نموا وزيادة وارتقاء، وقد ذكر الحلبي وغيره أنه إذا كان الفعل معتل اللام مثل رمى فقياس المصدر منه مفعل مثل نمى منمى ورمى مرمى وسرى مسرى انتهى. وفيه أن مصدر الثلاثي المجرد مطلقا يجيء على مفعل بفتح العين قياسا مطردا كمقتل ومضرب ومشرب كما في الشافية فلا وجه لقيده بالمعتل نعم هذا القيد يعتبر في أسمى الزمان والمكان منه والله أعلم. واختار الدلجي أنهما اسما مكان فمحتد من حتد إذا أقام والمراد بهما مكة المشرفة فإن للأمكنة دخلا ما في شرف الأخلاق وطهارتها وحسن الافعال ونجابتها (وأرجحهم) بالنصب عطفا على أنفسهم الثاني أي أرزنهم (عقلا) أي تعقلا (وحلما) أي تحلما (وأوفرهم) أي أتمهم (علما وفهما) وفي نسخة بالعكس رعاية لحلما والفهم هو العلم وسرعة ادراك الشيء فالحمل على المعنى الثاني أولى واختلف في حقيقة العقل والأقرب قول القاضي أبي بكر العقل علم ضروري بوجوب الواجبات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات ولعله اراد به تعريف العقل الكامل والله تعالى أعلم. وقيل الفهم إزالة الوهم (وأقواهم) أي أشدهم، وفي نسخة أوفاهم أي أزيدهم (يقينا) أي علما زال فيه الريب تحقيقا (وعزما) أي اهتماما بالغا ليس فيه رخصة ما فقيل جدا وقيل صبرا (وأشدّهم) أي بهم كما في نسخة صحيحة (بهم رأفة) أي زيادة رحمة (ورحما) بضم فسكون أي رحمة وعطفا. قال الله تعالى: وَأَقْرَبَ رُحْمًا. قرأ الشامي بضم الحاء والباقون بسكونها. وفي نسخة مقصور وهو تعميم بعد تخصيص لا مجرد تغاير لفظي كما ذكره الحلبي وفيه إيماء إلى قوله تعالى:
بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ، ثم من قوله: (لا تخيلا ووهما) إلى هنا منصوبات على التمييز خلافا لما بعده ولذا فصله بقوله: (زكّاه) بتشديد الكاف أي طهره (روحا وجسما) فهما بدلان من الضمير فإنه عينهما لا غيرهما على خلاف التمييز. وقال الدلجي: مميزان حولا عن كونهما مفعولين وإيراد هذه الفقرة بلا عاطف دون ما قبلها لكمال انقطاع بينهما لاختلافهما ثبوتا وسلبا انتهى. وهو وهم منه وغفلة صدرت عنه لأن هذا الكلام إنما يصح لو عطف في زكاه وترك العطف في حاشاه، ثم المراد بالجسم الجسد وهو جسم كثيف ظاهري بخلاف
[ ١ / ١٢ ]
الروح، فإنه جسم لطيف باطني، أما تزكية روحه صلى الله تعالى عليه وسلم فلكونه أشرف الأرواح المطهرة لا من أشرفها كما قال المحشي فإنه كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم:
«أول ما خلق الله روحي وسائر الأرواح، إنما خلق ببركة روحه ونور وجوده» كما روي لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك فإنه صحيح معنى لو ضعف مبنى، وأما تزكية جسده فلشق جبريل ﵇ صدره واستخراج حظ الشيطان منه وغسله بماء زمزم لا بماء الجنة كما قاله المحشي إلا أنه إن صح رواية يجمع بينهما دراية، ويمكن أن يكون الروح والجسم كنايتين عن الخلق والخلق، فإنهما مزكيان من جانب الحق وأغرب المحشي حيث قال في رأفة ورحما اشترط من أجاز العطف أن لا بد من زيادة معنى في المعطوف. وقال هنا فيه دلالة على جواز العطف وان تغاير اللفظان والمعنى واحد من غير زيادة. وأبعد الحلبي حيث تبعه في الموضعين، وقال هنا: وهذا لا زائد ولا مساو، ولعله فعل ذلك للسجع انتهى. وقد بينت لك الفرق بين الرأفة والرحمة، وأما الفضل بين الروح والجسد فظاهر للعامة فضلا عن الفضلاء الخاصة (وحاشاه) أي نزهه الله وبرأه (عيبا ووصما) أي عارا على ما صرح به في القاموس فهو تخصيص بعد تعميم خلافا لمن زعم أنهما متساويان، وتبعه الحلبي والدلجي ثم نصبهما بنزع الخافض أي من غيب ووصم (وآتاه) بالمد أي اعطاه الله تعالى (حكمة) وهي في الأصل ما يمنع من الجهالة فإنها مأخوذة من الحكمة بفتحتين وهي اللجام المانع من النفور أي علما بالشرائع المشتملة على الحكم المبنية على الاتقان والأحكام (وحكما) بضم فسكون أي قضاء بالأحكام. قال المحشي وتبعه الدلجي فيه تجنيس التحريف وهو تحريف من أحدهما والصواب التطريف وهو أن يختلف المتجانسان في إعداد الحروف وتكون الزيادة في الآخر على ما في شرح مختصر التلخيص ثم هما منصوبان على المفعولية الثانية. وأغرب التلمساني بقوله: هما مترادفان وجمعهما للتأكيد (وفتح به) أي فتح الله تعالى بسبب نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم (أعينا عميا) عن رؤية الحق وهو بضم فسكون جمع عمياء بفتح فسكون ممدودا.
وأبعد التلمساني حيث قال: عميا صفة للأعين وهو جمع أعمى. وقال المحشي: كان الأولى أن يأتي بجمع كثرة لكن قد يأتي جمع القلة بمعنى الكثرة كقوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ بمعنى جنان، وقد تأتي الكثرة بمعنى القلة كقوله تعالى: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ أي اقراء، وتبعه الحلبي وقالا الأولى أن يأتي به جمع كثرة لكنه تبع الحديث الصحيح والمراد به هنا وبالحديث الكثرة انتهى.
وقال الحافظ العسقلاني الكثرة العددية من الأمور النسبية فيحتمل أن يكون العدول عن جمع الكثرة في الحديث إلى جمع القلة للإشارة إلى أن الكفار أكثر من المسلمين (وقلوبا) جمع قلب وسمي به لتقلبه في أيدي مقلب القلوب ﷿ كما قال الشاعر:
وما سمي الإنسان إلا لنسيه ولا القلب إلا انه يتقلب
(غلفا) بضم فسكون جمع أغلف كأنه جعل في غلاف فهو لا يعي، وَقالُوا قُلُوبُنا
[ ١ / ١٣ ]
غُلْفٌ أي ذوات غلف لا تعي كلمة الحق ولا تفهمها لأنها لا تصل إليها (وآذانا) بمد الهمزة جمع اذن (صمّا) بضم فتشديد ميم جمع صماء لا أصم كما سبق أي لا تسمع النصيحة، والحاصل أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أتاهم بآيات واضحة ومعجزات لائحة فاجتلت أبصارهم ووعت قلوبهم وقبلت أسماعهم (فآمن به) أي صدق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وما جاء به (وعزّره) أي عظمه ووقره وهو بتشديد الزاء، ووهم التلمساني حيث قال:
تخفف وتشدد. ففي القاموس العزر اللوم والتعزير التعظيم أو المعنى منعه من عدوه إذ أصل العز والمنع ومنه التعزير لأنه يمنع من معاودة القبيح (ونصره) أي أيده وأعانه إيماء إلى قوله تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ والضمير في الآية يجوز أن يكون لكل منهما والأظهر أن يكون إلى الأخير، فإن الإيمان به متضمن للأول فتأمل، ثم الفاعل قوله:
(من) أي الذي (جعل الله له في مغنم السّعادة) أي في غنائم السعادة الإيمانية وحيز السيادة الإيقانية (قسما) بكسر فسكون أي حظا ونصيبا مقسوما، وأما بفتح القاف فهو مصدر (وكذّب به) أي كفر بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم (وصدف عن آياته) أي أعرض عن معجزاته البرهانية أو مال عن قبول آياته القرآنية (من كتب الله) أي قدر وقضى وأوجب (عليه الشّقاء) بالمد مفتوحا ويكسر أي الشقاوة كما في نسخة وهي الأولى من الأولى كما لا يخفى. وقال التلمساني: الشقاء العذاب وهو ممدود انتهى. ولا يخفى عدم الملائمة بالمقابلة للسعادة مع أن صاحب القاموس قال: الشقاء الشدة والعسر ويمد، والظاهر أن معناه التعب كما فسر به قوله تعالى: (فشقى) وقوله: ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى لا بمعنى العذاب المتعارف والله أعلم. (حتما) أي حتما مقضيا يعني وجوبا متحتما لازما لا بد له من فعله ولا تبديل ولا تحويل فيه أصلا وقطعا (وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ) أي في الدنيا الدنية التي هي محل تحصيل الكمالات الدينية (أَعْمى) أي عن الأمور العلمية والعملية أو عن طريق الحق وبصيرة الصدق (فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى) [الإسراء: ٧٢] . فاعل أو خبر أي فهو فيها أعمى بالطريق الأولى أو أشد عمى مما كان في الدنيا أو أعمى عن النجاة ورؤية سبيل أهل الهدى والحاصل أن أعمى في الموضعين افعل وصف، والمعنى من كان في الدنيا لا يبصر طريق هدايته لا يرى في العقبى سبيل عنايته وقيل أعمى الثاني للتفضيل كأجهل وأبله، ولهذا عطف عليه في الآية، وَأَضَلُّ سَبِيلًا ولم يمله أبو عمرو ويعقوب لأن أفعل التفضيل تمامه بمن فكانت ألفه في حكم المتوسط كما في أعمالكم ولا يبعد أن يراد بالعمى في الدنيا الجهالة والضلالة في الأمور الدينية وكونه أعمى في الآخرة بالطريق الصورية والمعنوية (صلّى الله تعالى عليه وسلّم) جملة خبرية مبنى انشائية معنى (صلاة تنمو) بفتح فسكون فضم من النمو أي تزيد عددا دائما (وتنمى) بصيغة المجهول من الإنماء أي ويزيدها الله أو يزيد ثوابها أبدا والمعنى تزيد في نفسها أو يزاد فيها، وفي نسخة صحيحة بدل الأولى تنمى كترمى بالياء بدل الواو وهو الأولى من جهة صنيع الجناس المستحسن في المبنى مع انه
[ ١ / ١٤ ]
اللغة الأشهر عند الأكثر، ففي الصحاح نمى المال وغيره ينمى نماء، وربما قالوا ينمو نموا وانماه الله تعالى إنماء انتهى. وفي غالب النسخ المصححة تنمو بالواو. وعن الخليل انه أفصح وبهذا يتبين أن قول الحلبي وفي لغة ينمو وهو ضعيف هو الضعيف لمخالفة الجمهور ولمعارضة شيخه مجد الدين الفيروزآبادي صاحب القاموس حيث قال: نما ينمو زاده كنمى ينمى. وأما ما نقل عن الكسائي لم أسمعه بالواو إلا من أخوين من بني سليم. ثم سألت بني سليم فلم يعرفوه فالجواب عنه أنه على تسليم صحته يكون لغة لغيرهم ومن حفظ صار حجة على من لم يحفظ (وعلى آله) أي اتباعه ولذا لم يقل وأصحابه. وفي نسخة: وصحبه على انه تخصيص بعد تميم أو المراد بالآل أقاربه والعطف لزيادة التشريف والتكريم (وصحبه وسلّم) بفتح اللام عطف على صلى (تسليما) أي تسليما عظيما. ووقع في بعض النسخ زيادة كثيرا وهو مخل بالسجع المرعى في الفواصل ثم ظاهر آية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا دال على وجوب الصلاة والسلام عليه كلما ذكر وكذا حديث من ذكرت عنده فلم يصل على دخل النار فأبعده الله تعالى، وحديث رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ علي. وبه قال الطحاوي من الحنفية والحليمي من الشافعية واللخمي من المالكية وابن بطة من الحنابلة والجمهور على أنها في العمر فرض مرة والمحققون على انها فرض في كل مجلس ذكر صلى الله تعالى عليه وسلم والله تعالى أعلم.
(أمّا بعد) بضم الدال مبنيا لحذف المضاف إليه وكونه منويا. وقال الحلبي: وبفتحها.
اجازه هشام. وقال النحاس: إنه غير معروف ورفعها منونة، وكذا نصبها انتهى. وذكر النووي في باب الجمعة: من شرح مسلم أنه اختلف العلماء في أول من تكلم بأما بعد فقيل داود ﵊. وقيل: يعرب بن قحطان. وقيل: قس بن ساعدة. وقال بعض المفسرين: أو كثير منهم أنه فصل الخطاب الذي أوتيه داود. وقال المحققون: فصل الخطاب الفصل بين الحق والباطل انتهى. وفي الكشاف: ويدخل فيه، يعني في فصل الخطاب. أما بعد فإن المتكلم إذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق إليه فصل بينه وبين ذكر الله تعالى بقوله: أما بعد، انتهى. وفي غريب مالك للدارقطني بسند ضعيف أن يعقوب ﵊ لما جاءه ملك الموت قال من جملة كلامه: أما بعد.. فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء وهذا يدل على أن أول من تكلم به يعقوب لا داود عليهما الصلاة والسلام، ونظير فصل الخطاب كلمة هذا فإنه يفصل بها بين الكلامين كقوله تعالى: هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ أي الأمر هذا أو هذا كما ذكر أو خذ هذا أو هذا المعد للمتقين وأما تنظير المحشي بقوله تعالى: هذا وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ فغفلة عن لفظة التنزيل وهو قوله تعالى هذا ذِكْرٌ وهو ليس من هذا الباب نعم نظيره ما قال الشاعر:
هذا وكم لي بالحبيبة سكرة أنا من بقايا خمرها مخمور
[ ١ / ١٥ ]
فإنه أشار بهذا إلى الكلام تقدم ثم استأنف كلاما ثانيا والله تعالى أعلم. ثم اعلم أن قس بن ساعدة الإيادي بضم القاف وتشديد المهملة بليغ حكيم ومنه الحديث يرحم الله قسا إني لأرجو يوم القيامة أن يبعث أمة واحدة قيل هو أول من كتب من فلان إلى فلان وفيه نظر لقوله تعالى: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وأول من خطب بعصا وأول من أقر بالبعث من غير سماع قيل إنه عاش ستمائة سنة وقد رآه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بسوق عكاظ وهو راكب جملا له أحمر وورد رحم الله قسا إنه كان على دين أبي إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. رواه الطبراني عن غالب بن ابجر. وفي رواية: رحم الله قسا كأني انظر إليه على جمل أورق تكلم بكلام له حلاوة ولا احفظه، رواه الأزدي في الضعفاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ومن قوله: أيها الناس اسمعوا وعوا من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت ثم هو من أهل الفترة وأما يعرب بن قحطان فهو أبو اليمن. وقيل: هو أول من تكلم بالعربية وههنا قولان آخران في أول من قال: أما بعد. فقيل: كعب بن لؤي. وقيل:
سحبان، وهو بليغ يضرب به المثل. لكن هذا القول غير صحيح لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقولها في خطبته وهو قبل سحبان اجماعا لأنه كان في زمن معاوية وما أجيب عنه بأنه أول من قالها بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الإسلام لا يخفى بعده لأني ما أظن أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يتركونها في خطبهم بعد ما سمعوها منه صلى الله تعالى عليه وسلم في خطبته والله أعلم. (أشرق الله) أي أضاء ونّور (قلبي وقلبك بأنوار اليقين) أي بأنواع أنواره من علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين على قدر مراتب العارفين في ميادين الدين والأصل في النور الظهور. واعلم أن مقتضى القواعد العربية واستعمال الفضلاء الأدبية إيراد الفاء بعد: أما بعد، بل بعد بعد أيضا. إما لتقدير أما وإما لتوهم أما مع رفع توهم الإضافة وإفادة الدلالة التعقيبية. وقد قال سيبويه: إن معنى أما بعد مهما يكن من شيء بعد فتعين اتيان الفاء الجزائية وسيأتي في قوله فإنك فالجمل المذكورة دعائية اعتراضية وأما قول التلمساني في قوله تعالى: أَمَّا السَّفِينَةُ فكانت لمساكين يعملون فليس في محله لأن أما هذه تفصيلية لا شرطية (ولطف لي ولك) باللام فيهما على الأصول المصححة لا بالباء الموحدة (بما) أي بمثل ما وفي نسخة كما (لطف بأوليائه) فما مصدرية.
وفي نسخة صحيحة بما لطف لأولياء فما موصولة. وفي نسخة: بعباده (المتقين) بالباء جمعا بين اللغتين وتفننا في العبارتين. فمن الأولى قوله تعالى: إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ، ومن الثانية اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ ولطف بفتح الطاء من اللطف وهو على ما في المجمل بمعنى الرفق والرأفة، وعلى ما في الصحاح بمعنى التوفيق والعصمة. وقيل: بمعنى الهداية. وأما بالضم فمعناه دق وصغر والألطف ما قال بعضهم من أن اللطف في اللغة الرقة وهو من الله تعالى زيادة بره للأنام بأمور تدق عن الأفهام منها هدايتهم للإيمان والإسلام وتوفيقهم لطاعاته ومراعاة الأحكام وكفهم عن المعاصي والآثام وتيسير أسباب الراحات
[ ١ / ١٦ ]
الدنيوية والأخروية عليهم ودفع المضار المانعة عنهم وجلب المنافع اليهم ثم التقوى هو التوقي عن مخالفة المولى (الّذين، شرّفهم) أي الله تعالى كما في نسخة (الله بنزل قدسه) بضمتين ويسكن الثاني فيهما إلا أن السكون في الثاني أقل وفي الأول أكثر ثم النزل ما يهيأ للضيف من الكرامة لأنسه، وقيل: النزل المنزل وبه فسر قوله تعالى: جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا، وقد جزم المحشي بأنه مراد المصنف هنا والظاهر أنه لا منع من الجمع كما أشار إليه صاحب القاموس النزل بضمتين المنزل وما هيىء للضيف أن ينزل عليه كالنزل، والمعنى بالنزل الحال المقدس عن الدنس، وفي نسخة بنور قدسه وهو أظهر معنى، لأن المراد به وبما بعده مقامات العارفين في الدنيا، وان كانت سبب درجات في العقبى فلا يلائم تفسير نزل قدسه بالجنة لنزاهتها عن الكدورات الدنيوية كما اختاره الدلجي، ثم قال: ويجوز أن يريد به ما يهيأ لهم من الطعام إذا دخلوها الوارد به نزل أهل الجنة زيادة كبد الحوت، وأما ما هو في وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ نُزُلًا
فحال من ضمير تدعون تلويحا بأن ما يتمنونه بدعائهم بالنسبة إلى عطائهم مما لا يخطر ببالهم كالنزل للضيف (وأوحشهم) من الوحشة ضد الأنسية.
يقال: أوحشه فاستوحش أي جعلهم ذوي وحشة (من الخليقة) وفي نسخة من بين الخليقة (بأنسه) لأن الاستئناس بالناس من علامة الإفلاس، ولا يمكن دفع العوائق إلا بقطع العلائق، فالمعنى أبعدهم الله تعالى عن الخليقة وقرّبهم منه على مراعاة الشريعة والطريقة والحقيقة فيكونون كائنين بائنين قريبين غريبين عرشيين فرشيين مع الخلق في الصورة ومع الحق في السريرة كما هو دأب الأنبياء وعادة الأولياء به آنسون ومن غيره آيسون (وخصّهم من معرفته) أي جعلهم أهل الخصوص من أجل معرفته، وفي نسخة بمعرفته أي جعلهم مخصوصين بها بحيث لا يلتفتون إلى معرفة غيره أصلا (ومشاهدة عجائب ملكوته) فعلوت من الملك بزيادة الواو والتاء للمبالغة وفرق بين الملك والملكوت إذا اجتمعا بأن يخص الأول بظاهر الملك والثاني بباطنه أو الأول بالعالم السفلي والآخر بالعالم العلوي، قال الله تَعَالَى: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. وقال ﷿: فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ومعنى المشاهدة المعاينة، وأغرب التلمساني حيث فسرها بالحضور مع قوله مصدر شاهد بمعنى رأى ثم العجائب جمع عجيب وهو ما يتعجب فيه من الأمر الغريب (وآثار قدرته) أي من مطالعة مصنوعاته (بما ملأ قلوبهم حبرة) بفتح المهملة وسكون الموحدة أي مسرة من الحبور وهو السرور، وقيل معناها النعم والكرامة ومنه قوله تعالى: فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ أي ينعمون ويسرون ويكرمون، ثم الجار متعلق بخص أو بالمشاهدة، وما مصدرية أو موصولة وقلوبهم مفعول به وحبرة مفعول ثان كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم في حق الكفار يوم الأحزاب ملأ الله قبورهم نارا أو منصوب بنزع الخافض وإيصال الفعل كقوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ. وقيل: منصوب على التمييز. وأما ما ذكره التلمساني من أنه يقال بفتح الباء الموحدة وتسكينها فوهم لأن الفتح إنما جاء بدون التاء على
[ ١ / ١٧ ]
ما في القاموس نعم الحبرة هي سرور ظهر حبره أي أثره على وجوههم فكساها بهاء وجمالا. ففي الحديث: «يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وسبره بكسرهما وقد يفتحان أي بهاؤه وجماله (وولّه) بالتشديد (عقولهم) أي جعلها والهة بتدبرها وتفكرها (في عظمته) وفي نسخة من عظمته (حيرة) أي ذوات تحير بما غشاها من ضياء جمال وبهاء كمال. وفي نسخة ووذر عقولهم أي تركها متحيرة ولا يخفي صنعة التجنيس بين حبرة وحيرة (فجعلوا همّهم به) أي بالله ودينه قائمين بحقوق ألوهيته ووظائف عبوديته (واحدا) أي هما واحدا إشارة إلى قوله صلى الله تعالى عليه وسلم من جعل الهموم هما واحدا كفاه الله تعالى هم الدنيا والآخرة. والمراد بالهم هنا القصد والهمة والعزم والجزم التام ولا يبعد أن يكون بمعنى الحزن الموجب للاهتمام في سبيل الله أو بسبب دينه، فالضمير له سبحانه وأبعد التلمساني في جعل الضمير للوله المفهوم من وله (ولم يروا) أي لم يعتقدوا أو لم يبصروا (في الدارين غيره مشاهدا) بضم الميم وفتح الهاء أي مشهودا لأنه كما قال بعض العارفين من أرباب الأسرار ليس في الدار غيره ديار وقال آخر من أصحاب الشهود سوى الله والله ما في الوجود وزاد أبو يزيد على من سواه. وقال: ليس في جبتي غير الله ومن هذا المقام المحقق الحسين ابن منصور الحلاج نطق وقال: أنا الحق، وقال مجنون بني عامر في هذا المعنى:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا
فهذا مقام وحال لأرباب الكمال بلا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال، ويؤيد هذا المقال قول الملك المتعال كل شيء هالك إلا وجهه ويقويه ما ورد عن النبي النبيه ﵊ أصدق كلمة قالها لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل وفي نسخة بكسرة الهاء وهو لطيف جدا موافق للفظ واحدا فإنه يفيد بانضمام الفتح لأرباب الفتوح انه شاهد ومشهود كما أنه حامد ومحمود قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ
وفهم كل طائفة مذهبهم كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ لعل بعض أرباب النسخ استنكر لفظ مشاهدا فأسقطه مع انه لم يتم بدونه التسجيع بقوله واحدا وكأنهم اكتفوا بلفظ غيره حالة وقفه (فهم بمشاهدة جماله وجلاله يتنعّمون) وفي أصل التلمساني يتمتعون أي يتعيشون والمعنى انهم بمطالعة صفات انعام ولائه ونعوت بلائه وابتلائه يتلذذون فاستوى عندهم المنحة والمحنة في ثبوت كمال المحبة خلافا للناقصين في المودة على ما أخبر الله تعالى في حقهم من الحرف بقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ وفي هذا الحال قال بعض أرباب الكمال:
وليس لي في سواك حظ فكيف ما شئت فاختبرني
وفي القضية إشارة خفية إلى قوله صلى الله تعالى عليه وسلم إن قلوب بني آدم بين
[ ١ / ١٨ ]
اصبعين من أصابع الرحمن أي بين صفتي الجمال والجلال ونعتي البسط والقبض المعبر عنهما بالبقاء والفناء والتفرقة والجمع وأمثال ذلك من اصطلاحات الصوفية والسادات السنية وفي كثير من النسخ المصححة كماله بدل جماله وهو غير ملائم لمقابله لأن الكمال هو الجمع بين الجمال والجلال وقد يوجه بإتيان الأخص بعد الأعم والله تعالى أعلم. ثم لما ترقى إلى أعلى المقامات وهو مشاهدة الذات تنزل إلى ملاحظة الصفات فإن تلك الحالة العالية قد تكون لحظة ولمحة لا تستمر في الأزمنة الماضية فقال (وبين آثار قدرته) أي من صفات الأفعال (وعجائب عظمته) أي من صفات الذات، ولو قال وأنوار عظمته لكان له وجه حسن في بلاغته (يتردّدون) أي تارة إلى هذا ينظرون وأخرى بهذا ينتظرون بخلاف أهل الحجب والغفلة فهم في ريبهم يتحيرون (وبالانقطاع إليه) لقوله تعالى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (والتّوكّل عليه) لقوله عز وعلا: فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (يتعزّزون) وفيه إشارة لطيفة إلى أنهم إلى غيره ما يتذللون لأنهم بما آتاهم الله تعالى يرضون ويقنعون (لهجين) بفتح فكسر أي حال كونهم مولعين ملازمين ومواظبين مداومين متمسكين (بصادق قوله) من إضافة الصفة إلى الموصوف أي وبقوله الصادق المطابق (قُلِ اللَّهُ) أي موجودا ومعبودا ومشهودا وقل الله وليس في الكون سواه (ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) [الأنعام: ٩٢] . أي اترك أهل الغفلة واللعب والاشتغال بما لا يعنيهم في دينهم وما لا يحملهم على الحضور مع ربهم حال كونهم في شروعهم في الباطل وهو ما سوى الحق يضيعون أعمارهم ويخربون آثارهم عبثا بلا فائدة عائدة في أمر أوليهم، وفي حال أخراهم، وهذا المعنى الذي أومى إليه الشيخ من الاشارات الصوفية لا ينافي ما ذكره المفسرون وأرباب العربية من أن لفظ الجلالة فاعل لفعل مقدر أو مبتدأ خبره محذوف لما يدل عليه السياق والسباق بالاتفاق لانه جواب عن سؤال تقدم في قوله تعالى في حق اليهود: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي ما عظموه حق عظمته أو ما عرفوه حق معرفته إذ قالوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ إلى أن قال: قُلِ اللَّهُ أي امتنعوا عن الجواب وعجزوا عن الكلام الصواب قُلِ اللَّهُ أي أنزل الكتاب. وفي هذا كفاية لأولي الألباب (فإنّك) سبق انه جواب أما والجملة الدعائية معترضة بينهما (كرّرت عليّ السّؤال) أي راجعته وأكثرته (في مجموع) أي في مصنف جمع فيه صنف من الشمائل النبوية ومؤلف اجتمع فيه نوع من الفضائل المصطفوية (يتضمّن التّعريف) أي يحتوي الاعلام (بقدر المصطفى ﵊) أي بتعظيمه كقوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وتوهم الحلبي بأن المراد بالقدر هو المقدار، فقال: لو قال ببعض قدره لكان أحسن والمراد بالمصطفى المختار المجتبى والمرتضى لحديث أن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بني هاشم وهذا بحسب النسب، وأما بطريق الحسب فلقوله تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ولقوله
[ ١ / ١٩ ]
تعالى: وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ ولا شك انه الفرد الأكمل في هذا المعنى (وما يجب له من توقير) أي ويتضمن بيان ما يجب له من تعظيم واحترام (وإكرام، وما) أي وبيان أي شيء (حكم من لم يوفّ) بالتخفيف ويجوز التشديد أي من يكمل ولم يوفر (واجب عظيم ذلك القدر) الإضافة بيانية أي القدر الواجب من تعظيم ذلك القدر العظيم (أو قصّر) أي أو ما حكم من فرط (في حقّ منصبه) بفتح الميم وكسر الصاد أي مقامه (الجليل) بالجيم وهو الشريف المنيف (قلامة ظفر) بضم فسكون اختير للسجع وإلا فبضمتين هو الأفصح ويجوز بكسر الظاء وسكون الفاء أيضا وقد قرىء بهن في الآية لكن السكون مطلقا شاذ والقلامة بالضم ما يسقط من الظفر وهو كناية عن الشيء الحقير والأمر اليسير (وأن أجمع لك ما لأسلافنا) أي لعلمائنا المتقدمين (وأئمّتنا) أي لمشايخنا المتأخرين (في ذلك من مقال) أي فيما ذكر من وجوب تعظيم قدره والحكم فيمن صدر عنه بخلافه من الأقوال (وأبيّنه) أي المقال (بتنزيل صور، وأمثال) أي بتصوير صور وأمثال وتقرير محامل يزول به الاشكال إيضاحا للمعنى وإيصالا إلى الذهن في المبنى (فاعلم) أي ايقن وتنبه أيها المخاطب (أكرمك الله تعالى) أي كما قصدت إكرام النبي المكرم (أنّك حمّلتني) بتشديد الميم أي كلفتني بالحمل (من ذلك) أي الأمر الذي سألتني (أمرا، إمرا) بفتح الهمزة في الأول وكسرها في الثاني أي أمرا شاقا أو شيئا عظيما. وأما قوله تعالى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا أي عجبا أو منكرا (وأرهقتني) أي أوقعتني (فيما ندبتني) أي دعوتني (إليه عسرا) بضم فسكون وقد يضم أي أمرا عسيرا لا أقدر عليه من التحفظ عن السهو اليسير كما قيل في قوله تعالى حكاية عن موسى ﵇ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (وأرقيتني) أي أصعدتني وأطلعتني من الترقي بمعنى الصعود وهو يائي. وفي القاموس رقى إليه كرضى رقيا صعد كارتقى وترقى أو مهموز حيث قال رقا في الدرجة صعد لكن النسخ المصححة بالمركز تؤيد الأول فتأمل، والحاصل انهما لغتان والأول هو الأشهر في البيان، وأما قول التلمساني بهمزة ويسهل والهمزة أفصح، وقيل: التسهيل فيتوهم منه أن الأصل هو الهمزة وهو غير صحيح لأن التسهيل بمعنى الابدال غير مطابق لقواعد الاعلال فإنه إنما يكون على طبق ما قبله من الحركة كما لا يخفى على أرباب الكمال والله تعالى أعلم بالحال (بما كلّفتني مرتقى) بضم الميم مصدرا أي ارتقاء (صعبا) أي شديدا وليس كما توهم التلمساني بقوله وكان المعنى أرقيتني فارتقيت مرتقى صعبا أي محلا عسيرا حيث جعل المرتقى اسم مكان فاحتاج إلى تقدير فارتقيت والله تعالى أعلم (ملأ قلبي رعبا) بضم فسكون وقد يضم أي خوفا وفزعا ووقع في أصل التلمساني خوفا ورعبا، فقال معناهما واحد لكنه مخالف لسائر الأصول من النسخ المصححة، ثم الضمير في ملأ راجع إلى ما أو المرتقى، والثاني أقرب لكن يؤيد الأول قوله (فإنّ الكلام في ذلك) أي المكلف (يستدعي تقدير أصول) أي تمهيد قواعد مقررة (وتحرير فصول) أي تشييد فروع محررة مما يجب له صلى الله تعالى
[ ١ / ٢٠ ]
عليه وسلم ويجوز ويمتنع كما سيأتي (والكشف) أي ويستدعي البيان (عن غوامض) جمع غامضة وهي ما لا يدرك إلا بعد روية (ودقائق) جمع دقيقة وهي أدق مما قبلها مما يدق فهمه في كل قضية (من علم الحقائق) بيان لما قبلها وهي جمع الحقيقة وهي الأمور الثابتة من الأدلة النقلية والعقلية وقد أبعد الحلبي والتلمساني في عطف الكشف على الكلام مع عدم ظهور خبره في المقام (ممّا يجب) أي اثباته (للنّبيّ ويضاف إليه) أي وجوبا (أو يمتنع أو يجوز) أي اطلاقه (عليه ومعرفة النّبيّ والرّسول) أي بالحدود الفارقة بينهما ومعرفة مجرورة معطوفة على مدخول عن أو من أو منصوبة على انها معمولة ليستدعي أيضا (والرّسالة والنّبوّة) بالجر لا غير والمراد بهما الحالان فهما مغايران لما قبلهما (والمحبّة، والخلّة) بضم الخاء وهما نعمتان كاملتان ما اجتمعتا في غير نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم (وخصائص هذه الدّرجة العليّة) بالجر جمع خصيصة وهي ما يختص به الشخص والدرجة المنزلة والمرتبة والرفعة ودرجات الجنة أرفع منازلها والدرجات ضد الدركات وقد سومح في التسجيع بين العلية وما قبلها فإنه من الأمور الرسمية، ثم رأيت ابن السكيت قال العلية بفتح العين وكسر اللام وكسر العين وسكون اللام فتعين الثاني لموافقة المرام (وههنا) أي وفي هذه المواضع المذكورة فها للتنبيه وهنا اسم اشارة للمكان القريب (مهامه فيح) أي مفازات واسعة ومهامة بفتح الميم الأول وكسر الثانية جمع مهمة بفتحتين مفازة بعيدة وخلاء ليس فيه ماء والفيح بكسر الفاء جمع فيحاء بفتح ومد لا جمع أفيح كما توهمه التلمساني أي الأرض الواسعة (تحار) بفتح التاء أي تتحير (فيها) أي في سبيل معرفتها إفهام ذوي النهى كما قد تحار في سير المفازة المحسومة إذا سلكتها (القطا) وهو بفتح القاف مقصورا طير يضرب به المثل في كمال الهداية فيقال هو أهدى من القطا سمي بصوته، وقد قيل انه يترك فراخه ويطلب الماء مسيرة عشرة أيام وأكثر فيرده ويرجع فيما بين طلوع الفجر وظهور الشمس ولا يخطىء صادرا ولا واردا وهو اسم جنس وقول الجوهري على ما نقله الحلبي وغيره انه جمع قطاة فيه تجوز والحاصل أن القطا يعرف في المجاهل مظان المياه فلا يكاد يخطئها فإذا رأت الماء قالت قطا قطا فتعرف العرب دنو الماء ولهذا يقال فلان أصدق من القطا (وتقصر) بضم الصاد (بها) وفي نسخة فيها (الخطى) بضم ففتح جمع الخطوة بضم وفتح أي تعجز في تلك المفازة أو سيرها الخطوات من الاعياء (ومجاهل) بفتح الميم وكسر الهاء عطفا على مهامها وهو جمع مجهل للمكان الذي لا علم فيه يهتدي به (تضلّ) بفتح فكسر أي تضيع وتهلك (فيها الأحلام) بالفتح جمع الحلم بالكسر أي العقول (إن لم تهتد) أي الأحلام (بعلم علم) بفتح العين واللام في الأول وبكسر فسكون في الثاني أي بعلامة يعلم بها فالعلم بمعنى العلوم أو المراد به نوع من العلوم وأغرب الحلبي بقوله الظاهر أن المراد بالعلم الجبل وأبعد محش آخر بقوله المراد به الراية ولعل محمل كلامهما قصد الاستعارة بهما. وقال الدلجي من اضافة المشبه به إلى المشبه من التشبيه المؤكد أي بعلم
[ ١ / ٢١ ]
كالعلم (ونظر سديد) بين مهملة أي وبتأمل على صوب صواب (ومداحض) بالرفع أي مزالق (تزلّ) بفتح فكسر فتشديد (بها) أي بسببها أو فيها (الأقدام، إن لم تعتمد) أي الاقدام مجازا أو أصحابها (على توفيق من الله وتأييد) بياءين أي تقوية وإعانة على نيل المراد من التحقيق (لكنّي) أي مع هذا كله من صعوبة الحال ومزلة أقدام الرجال بحيث كاد قبولها أن يكون من المحال تحملت المقال وقبلت السؤال (لما رجوته) بكسر اللام وتخفيف الميم على أن اللام للعلة وما موصوفة أو موصولة وهو بصيغة المتكلم وفي نسخة بالخطاب وهو بعيد ولا يبعد أن يضبط لما بفتح اللام وتشديد الميم على الظرفية كما عليه جمهور القراء في قوله تعالى:
لَمَّا صَبَرُوا إلا أنه يمنعه وجود من البيانية بعده والحاصل أن خبر لكن مقدر كما أشرنا إليه وقوله (لي ولك) متعلق برجوته (في هذا السّؤال، والجواب) أي بسببهما لف ونشر غير مرتب وقدم نفسه في الدعاء لأنه الأدب المستحب وقدم السؤال لأن وجوده مقدم على الجواب وشهوده (من نوال) بيان لما أي حصول حسن منال وطيب حال ومآل في الدنيا (وثواب) أي تحصيل جزاء وعطاء في العقبى (بتعريف قدره الجسيم، وخلقه العظيم) بضمتين ويسكن الثاني أي بسبب تبيينهما (وبيان خصائصه) أي فضائله المختصة (التي لم تجتمع قبل) أي قبل خلقه (في مخلوق) ومن المعلوم استحالة وجود مثله بعده (وما يدان) أي وبيان ما يطاع (الله تعالى به) أي ويتخذ دينا (فِي مَخْلُوقٍ، وَمَا يُدَانُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ من حقّه الذي هو أرفع الحقوق) أي بعد حق الحق (لِيَسْتَيْقِنَ) متعلق بتعريف أي ليثبت أو يتيقن (الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) أي نبوته إيقانا يريد العلماء به (وَيَزْدادَ) أي بذلك (الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا) [المدثر: ٣١] . يريد العوام أو الأعم والله أعلم ثم قوله ليستيقن علة لقوله بتعريف قدره وبيان خصائصه. وأما قول التلمساني أي لكني أفعل لما رجوته وليستيقن فمخالف للنسخ المصححة حيث لم يوجد فيها الواو العاطفة (ولما) عطف على لما رجوته أي ولأجل ما (أَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) أي من الميثاق. وفي نسخة مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي من العلماء (لَتُبَيِّنُنَّهُ) بفتح اللام على انه جواب للقسم الذي ناب عنه قوله أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أي استخلفهم والمعنى ليظهرن أمر محمد صلى الله تعالى عليه وسلم جميعه (لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) أي شيئا منه وهو المناسب للمقام أو الضمير للكتاب وهو مشتمل على المرام. وفي بعض النسخ بالخطاب فيهما وهو صحيح وقد قرأ بهما السبعة في الكتاب فالياء لغيبتهم والتاء حكاية لمخاطبتهم وتتمة الآية المقتبس منها فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ وعن علي كرم الله تعالى وجهه ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا (ولما) أي وللحديث الذي (حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ أَحْمَدَ الفقيه ﵀ بقراءتي عليه) وهو هشام بن أحمد بن هشام بن خالد الأندلسي الوقشي بفتح الواو والقاف وبالشين المعجمة نسبة إلى وقش قرية من قرى طليطلة بالأندلس الكناني الفقيه الحافظ ولد سنة ثمان
[ ١ / ٢٢ ]
وأربعمائة واشتغل بالفنون وقرأ على المشايخ ومهر في النحو والعربية واللغة وفنون الأدب واعتنى بالحديث. قال القاضي عياض كان غاية في الضبط والإتقان وله تنبيهات وردود على كبار المصنفين في بعضها يقال وكان له نظر في الأصول واتهم بالاعتزال وكان من المتسعين في ضروب المعارف وكان يعرف الفرائض والهندسة وغيرهما ومات في جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين وأربعمائة كذا ذكره الحلبي وقال التلمساني: وهو هشام بن أحمد بن هشام الهلالي يعرف بابن بقوة بالباء الموحدة المفتوحة والقاف الساكنة بعدها واو مفتوحة وتاء مقلوبة في الوقف هاء وهو إمام حافظ وشيخ من شيوخه الذين اعتمد على النقل عنهم في هذا الكتاب وغيره وكثرت الروايات عنه في أسانيد القاضي رحمه الله تعالى وتكرر السماع عليه ذكره الحافظ أبو محمد بن عبد الله الحجري وأبو العباس أحمد بن الزبير الثقفي وللقاضي رحمه الله تعالى شيخ آخر على نحو هذا الاسم هو القاضي أبو الوليد هشام بن أحمد بن سعيد الكناني الوقشي الضابط صاحب كتاب غريب الموطأ جليل النفع كثير القدر والله تعالى أعلم (قال) أي هشام (حدّثنا الحسين بن محمّد) زاد في نسخة الجيآني بجيم مفتوحة فسكون تحتية فهمزة ممدودة فنون فياء نسبة وهو الحافظ أبو علي الغساني وستأتي ترجمته مبسوطة كذا ذكره الحلبي. وقال التلمساني له كتب مفيدة جدا توفي سنة ثمان وتسعين وأربعمائة (حدّثنا أبو عمر) بضم العين (النّمريّ) بفتح النون والميم نسبة إلى نمر بكسر الميم وهو أبو قبيلة وإنما فتح في النسب استيحاشا لتوالي الكسرات وهو حافظ الغرب، وشيخ الإسلام أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عامر النمري القرطبي الأندلسي الشاطبي ولد في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة وترجمته شهيرة وتصانيفه كثيرة، توفي بشاطبة ليلة الجمعة سلخ شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وأربعمائة، واستكمل خمسا وتسعين سنة وخمسة أيام. واعلم أنه وقع في أصل التلمساني زيادة. حدثنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب الشيباني التبريزي البغدادي مات في ذي الحجة سنة ثمان وستين وأربعمائة حتى قال الناس مات في هذه السنة حافظ المغرب يعنون أبا بكر الخطيب وأبا عمر رحمهما الله تعالى (حدّثنا أبو محمّد بن عبد المؤمن) أي القرطبي من قدماء شيوخ ابن عبد البر قال الذهبي في الميزان كان تاجرا صدوقا لقي ابن داسة والكبار كذا ذكره الحلبي. وقال التلمساني: يعرف ابن الزيات شيخ أبي عمر بن عبد البر روى عنه في المسند الكبير (حدّثنا أبو بكر محمّد بن بكر) أي ابن محمد بن عبد الرزاق بن داسة بمهملتين وتخفيف الثانية عند الجمهور بصري وهو أحد رواة أبي داود عنه مشهور الترجمة وقد روى عنه بالاجازة أبو نعيم الأصبهاني (حدّثنا سليمان بن الأشعث) وهو الإمام الحافظ صاحب السنن أبو داود السجستاني. قال أبو عبيد الآجري: سمعته يقول ولد سنة ثنتين ومائتين وكتب عنه شيخه أحمد بن حنبل حديث القتيرة وأراه كتابه فاستحسنه ومناقبه معروفة. قيل: الين الحديد لأبي داود كما الين الحديد لداود ﵊،
[ ١ / ٢٣ ]
مات في سادس عشر شوال سنة خمس وسبعين ومائتين بالبصرة (حدّثنا موسى بن إسماعيل) وهو أبو سلمة التنودكي نسبة إلى تنودك دار اشتراها الحافظ روى عن شعبة وهمام وخلق وروى عنه البخاري وأبو داود. وقال عباس الدوري: كتبنا عنه خمسة وثلاثين ألف حديث توفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين ثقة ثبت اخرج له الجماعة أصحاب الكتب الستة (حدّثنا حمّاد) وهو ابن سلمة بن دينار الإمام أبو سلمة أحد الأعلام. روى عن أبي عمران الجوني وغيره وروى عنه شعبة ومالك وغيرهما صدوق يغلط وليس هو في قوة مالك وأخرج له مسلم والأربعة كذا ذكره الحلبي. وقال التلمساني هو حماد بن زيد بن درهم يكنى أبا إسماعيل الأزرقي مولى لحرين حازم البصري الأزدي أخو سعيد مات سنة تسع وتسعين ومائة (أخبرنا عليّ بن الحكم) أي البناني البصري روى عن أنس وأبي عثمان النهدي وطائفة منهم نافع وعنه الحمادان وعبد الوارث وعدة اخرج له البخاري والأربعة (عن عطاء) أي ابن أبي رباح أبو محمد القرشي مولاهم المكي أحد الأعلام يروي عن عائشة وأبي هريرة وخلق. وعنه الأوزاعي وابن جريج وأبو حنيفة والليث وأمم. توفي وله ثمانون سنة، اخرج له الأئمة الستة كذا ذكره الحلبي. وقال التلمساني: هو ابن يسار أبو محمد مولى ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﵇، وهو هلالي مدني توفي سنة ثلاث ومائة (عن أبي هريرة، ﵁) وهو عبد الرحمن بن صخر على الأصح من بين نيف وثلاثين قولا وقد رأى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في كمه هرة فقال أبو هريرة فاشتهر به وقد بسطنا ترجمته في المرقاة شرح المشكاة والأوجه في وجه عدم انصراف هريرة في ابي هريرة هو أن هريرة صارت علما لتلك الهرة. ونقل التلمساني في كنيته أنه هل يجر أو لا قال أبو الفضل قاسم بن سعيد العقباني أنه يجر ورواه عن الأئمة المشارقة منهم ابن حجر يعني العسقلاني ونصره الشيخ أبو عبد الله بن مرزوق. وقال هريرة: اسم جنس مصروف أضيف إليه فهو على ما هو عليه وهو جزء اسم وجزء الاسم يجر وذكر لي بعض أصحابنا أن أبا الفضل هو الذي أفاد المشارقة صرفه فإنهم كانوا لا يجرونه فأبدى لهم علة الجر واستحسنوها وصوبوها وقال قوم إنه لا يجر وبه قال الشمني المشرقي وأبو عبد الله من شيوخنا وألف فيه وقال: إنه بعد التركيب حدث فيه المنع لأنه علم وفيه تأنيث وهما مانعان ومنه قوله في أبي خراشة:
أبا خراشة أما أنت ذا نفر فإن قومي لم تأكلهم الضبع
وروى أبو شاة في قوله: فقال رجل يقال له أبو شاة واكتبوا لأبي شاة بالوجهين وهو كأبي هُرَيْرَةَ (- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم:) وهو سيد العالمين محمد ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان على هذا النسب وقع اجماع الأمة وقد ضبطت هذه الأسماء في
[ ١ / ٢٤ ]
رسالتي المسماة بالمورد في المولد وقد ولد صلى الله تعالى عليه وسلم بالشعب وقيل بالدار التي عند الصفا التي بنتها زبيدة مسجدا («من سئل عن علم) أي مما يتعين تعليمه وقيل الحديث ورد في الشهادة وقيل في تبليغ الرسالة عند الحاجة والأظهر أن المراد به العلم الشرعي كما قال به الحليمي وكثيرون ويؤيده حديث ابن ماجه من كتم علما مما ينفع الله به الناس في الدين ألجمه الله بلجام من نار والعلوم الشرعية ما يستفيدون من الكتاب والسنة من أصولها وفروعها ومقدماتها التي تتوقف على معرفتها بقدر الحاجة إليها دون التوغل فيها (فكتمه) أي بعد ما علمه (أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ») أي عند قيامهم من قبورهم واللجام بالكسر ما تلجم به الدابة ليمنعها عن النفور شبه ما يوضع في فيه من نار بلجام في فم الدابة وهو إنما كان جزاء امساكه عن القول الحق وخص اللجام بالذكر تشبيها له بالحيوان الذي يسخر ويمنع من قصد ما يريده فإن العلم من شأنه أن يدعو الناس إلى الحق القويم ويرشدهم إلى الطريق المستقيم وقد أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي، وقال الترمذي حسن وأخرجه أيضا أحمد وابن حبان والحاكم وصححه. وفي حديث ابن مسعود فكتمه عن أهله وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «من كتم علما علمه الله أو أخذ عليه اجرا جيء به يوم القيامة ملجما بلجام من نار» وقال الشافعي:
ومن منح الجهال علما أضاعه ومن منع المستوجبين فقط ظلم
وسئل بشر عن هذا الحديث فقال إياي تعني دع هذا للجاج هنا حتى يأتي أهله فإن نشره في غير أهله كمنعه عن أهله. وروي عن أنس مرفوعا، قال: لا تطرحوا الدر في أفواه الكلاب يعني الفقه والعلم في ايدي الظالمين والمرائين وطالبي الدنيا. وعن أنس أيضا مرفوعا طلب العلم فريضة وواضع العلم في غير أهله كمعلق الجوهر واللؤلؤ على الخنزير. وروي مرفوعا أن عيسى ﵊ قام خطيبا في بني إسرائيل، وقال: لا تكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها ولا تمنعوها عن أهلها فتظلموهم ومما ينسب لعلي كرم الله تعالى وجهه:
وناشر العلم بين الجاهلين به كموقد الشمع في بيت لعميان
(فبادرت) عطف على الخبر المقدر لقوله لكني قبلت وما تأخرت بل أقبلت فبادرت (إلى نكت) بضم ففتح جمع نكتة وهي ما خفي إدراكه حتى يفتقر إلى تفكر ونكت في الأرض أي طعنها، وأما قول بعض هي كل نقطة من بياض في سواد وعكسه فليس في محله المراد أي إلى بيان لطائف (سافرة) بكسر الفاء أي مضيئة ومنيرة وموضحة ومبينة. وفي نسخة سافرة أي كاشفة (عن وجه الغرض) أي المطلب والمقصد (مؤدّيا من ذلك) أي حال كونه مؤديا من أجل ما ذكر (الحقّ المفترض) بفتح الراء (اختلستها على استعجال)، وكان الأولى أن يقول الاستعجال ليلائم تعريف البال. وفي نسخة اختلسها بالمضارع المتكلم ووقع في نسخة اختلسوها بالواو أي المفروض من نشر العلم واظهاره لا سيما بعد السؤال وتكراره
[ ١ / ٢٥ ]
وهو خطأ ظاهر ثم الاختلاس بالخاء المعجمة اختطاف الشيء بسرعة ففي الكلام تأكيد أو تجريد (لما) بكسر اللام علة للمبادرة أو الاختلاس وما موصولة أي الأمر الذي (المرء بصدده) أي في سبيله مما استقبله (من شغل البدن والبال)، أي من الاشتغال المتعلق بالقالب والقلب والمال والحال وحسن المآل ثم الشغل بضمتين وبضم فسكون وقرئ بهما في السبع وبفتح فسكون وقيل بفتحتين ضد الفراغ والبال بالموحدة القلب والحال ويصح ارادة كل منهما خلافا لما قاله الحلبي من أن المراد به الأول لذكر البدن (بما طوقه) أي الإنسان كما في نسخة صحيحة هو بضم طاء وكسر واو مشددة أي بسبب ما حمله الله وكلفه وفي نسخة صحيحة بما قلده الإنسان أي ألزمه كالطوق في عنقه (من مقاليد المحنة) أي مفاتح المشقة والبلية (التي أبتلي بها) بصيغة المجهول والظاهر أنه أراد بالمحنة جميع الأمور التكليفية والحوادث الكونية النازلة على الافراد الإنسانية والحلبي حملها على محنة مباشرة الأحكام والقضاء وأورد حديث من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين رواه أصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وقال الترمذي حسن غريب وقال الحاكم: صحيح الإسناد وفي رواية للنسائي من استعمل على القضاء فكأنما ذبح بالسكين وقال التلمساني أراد المصنف بذلك كونه في حيطة القضاء التي هي محنة وبلية كما قال بعضهم (فكادت) أي قربت مقاليد المحنة (تشغل) أي الإنسان (عن كلّ فرض، ونفل) وهو بفتح التاء والغين وأما أشغل فهو لغة جيدة أو قليلة أو رديئة على ما في القاموس، (وتردّ) أي وكادت ترد السالك (بعد حسن التّقويم) أي باستقامته على الطريق القويم (إلى أسفل سفل) وهو بضم السين وكسرها ضد العلو والمعنى إلى قبح التنزل بارتكاب الفعل الذميم إيماء إلى قوله تعالى لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ أي من الفطرة المستقيمة ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ أي من ارتكاب المعصية إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ يعني وهم في أعلى عليين وثوابهم، غير مقطوع في كل زمان وحين، (ولو أراد الله بالإنسان) أي بفرد من هذا الجنس وفي نسخة بعبده (خيرا) أي في تحصيل كماله وتحسين مآله (لجعل شغله) أي جعل اشتغال خاطره (وهمّه) أي ما يهم به الإنسان ويروى ووهمه أي باله يعني اهتمام باله (كلّه، فيما يحمد) بصيغة المعلوم أي في فعل مأمور وترك منهي مما يمدحه الإنسان (غدا) أي يوم القيامة (أو يذمّ) أي مما يكره السالك (محلّه) بفتح الحاء ويجوز كسرها والحاصل أن يكون شغله وهمه في بيان الامر الممدوح والمذموم بأن يرتكب الأول ويجتنب الثاني وقال الشمني أي فيما يحمد بفعله واجبا كان أو نفلا أو فيما يذم بتركه وهو الواجب انتهى وبعده لا يخفى وفي نسخة صحيحة ولا يذم بصيغة المجهول فيه وفيما قبله وهو ظاهر جدا ومحله مفعول ليحمد ويذم على التنازع خلافا للتلمساني حيث جعل العائد على الموصول فيما يحمد منصوبا محذوفا وأما بناء الفعلين على صيغة المجهول ورفع محله كما قاله الدلجي فمخل للتسجيع بقوله كله؛ (فليس ثمّ) بفتح فتشديد ويوقف عليه بلا هاء السكت كما في قوله تعالى وَإِذا
[ ١ / ٢٦ ]
رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ وقال التلمساني ولك الإتيان بهاء السكت وهو الأكثر أي هناك غدا (سوى حضرة النّعيم) أي حضوره وفيه إشارة إلى قوله تعالى وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا وفي نسخة صحيحة نضرة النعيم واقتصر عليه التلمساني اشعارا إلى قوله تعالى تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ أي بهجته وحسنه وابعد من قال إنه من إضافة الشيء إلى نفسه ويمنعه البصري ويجوزه الكوفي على ما ذكره التلمساني. (أو عذاب الجحيم) أي لانحصار المنزلتين كما قال الله تعالى إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ؛ (ولكان) عطف على لجعل (عليه) أي لوجب عليه الاشتغال (بخويّصته) بضم ففتح فسكون فمشددة تصغير خاصة والمراد بها نفسه أو الأمر الذي يختص به من المهمات الدينية والدنيوية وروي بخويصة نفسه وقد قيل المراد بها الموت وفيه إيماء إلى قوله تعالى عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ وإلى ما ورد عليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة ومن غريب ما وقع أن بعض الناصحين قال لمن كان في صدد أن يكون من السلاطين عليك بخويصة نفسك فلما تولى بعد مدة من الزمان قال اقتلوه فإن صفير صاده في اذني إلى الآن، (واستنقاذ مهجته) بضم الميم أي استخلاص روحه مما يرديه، (وعمل صالح يستزيده) أي الإنسان بأن يجعل ذلك العمل سببا لزيادة درجته، (وعلم نافع) أي شرعي (يفيده) أي لغيره فيكون معلما (أو يستفيده) بنفسه بأن يكون عالما أو من غيره فيكون متعلما (جبر الله تعالى صدع قلوبنا) أي أصلح الله كسرها بما اعتراها من طوارق محن وبوارق احن، (وغفر عظيم ذنوبنا) أي ومحا عيوبنا العظيمة وسترها (وجعل جميع استعدادنا) أي عدتنا في أمر زادنا، (لمعادنا) أي ليعود نفعه لنا في مرجعنا وآخر أمرنا، (وتوفّر دواعينا) أي وجعل تكثير مكاسبنا ومطالبنا (فيما ينجينا) من الانجاء أو التنجية أي فيما يخلصنا وفيه إيماء إلى الدعاء المأثور لا تجعل الدنيا أكبر همنا وفي نسخة بفتح الفاء في توفر على أنه جملة دعائية معطوفة على ما قبلها من الجمل ولو روي بصيغة المضارع المعلوم لناسب قوله: (ويقرّبنا إليه زلفى)، أي تقريبا خاصا وفي التنزيل ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى قال البيضاوي زلفى مصدر أو حال واغرب التلمساني في قوله إنه جمع مفرده زلفة إذ الصواب إن جمع زلفة ككلف جمع كلفة (ويحظينا) بضم أوله وكسر الظاء المعجمة أي يرفع قدرنا ويخصنا بالمنزلة العلية والمرتبة الحظية (بمنّه) أي بسبب امتنانه وهو متعلق بيحظينا ويقربنا أيضا وأبعد التلمساني في قوله أي متوسلين بمنه (ورحمته) .
أي بإحسانه والمعنى أنه لا يعاملنا باعمالنا ولعل الجمل المضارعية أحوال من الجمل الدعائية (ولمّا نويت تقريبه)، أي وحين أردت تقريب التصنيف إلى عالم وجوده بفضل الله وجوده (ودرّجت تبويبه)، بتشديد الراء أي جعلت تبويبه مرتبا ومدرجا يعني درجة في التأليف (ومهّدت تأصيله) بتشديد الهاء أي صيرت أصوله ممهدة مؤسسة واغرب التلمساني حيث قال مهدت أي فرشت وتأصيله أي تفريقه (وخلّصت تفصيله)، أي وجعلت فصوله مبينة معينة (وانتحيت) أي وقصدت (حصره وتحصيله) أي تبيينه في الأمور التي ذكرها قال التلمساني وفي رواية بالخاء
[ ١ / ٢٧ ]
المعجمة والباء الموحدة من الانتخاب وهو التصفية إلا أن الرواية الأولى أظهر من الثانية قلت بل لا يظهر له معنى أصلا لقوله انتخبت حصره فهو تصحيف وتحريف بلا شبهة.
(ترجمته) جواب لما أي سميته: (بالشّفاء) وهو بكسر الشين ممدودا وقصر وقفا أو مراعاة للسجع بقوله (بتعريف حقوق المصطفى) وقد أجازوا للناثر ما يجوز للشاعر من الضرائر وقصر الممدود سائغ اتفاقا وأجاز عكسه الكوفيون ومنعه البصريون حجة الأولين:
فلا فقر يدوم ولا غنا ورد بأن الرواية الصحيحة:
فلا فقري يدوم ولا غناكا وأغرب الحلبي في نقل كلام ابن مرزوق بقوله ويقال إنه قصره لأن هذا الكتاب يقصر عن حقوقه صلى الله تعالى عليه وسلم والله أعلم. (وحصرت الكلام فيه) أي في هذا الكتاب (في أقسام أربعة) وفي نسخة أربعة أقسام وهذا بيان بعد الإجمال والله أعلم بالحال (القسم الأول): بكسر القاف وهو النصيب والجزء وأما بالفتح فهو مصدر قسمت الشيء (في تعظيم العليّ الأعلى) من باب إضافة المصدر إلى فاعله أي الله ﷾، (لقدر هذا النّبيّ) صلى الله تعالى عليه وسلم زيد في نسخة الكريم والأولى وجود المصطفى (قولا وفعلا) كما سيأتي كذلك، (وتوجّه الكلام) بصيغة الماضي أي انحصر (فيه) أي في القسم الأول ولا يبعد أن يكون مصدرا مبتدأ خبره قوله (في أربعة أبواب الباب الأول) أي من القسم الأول (في ثنائه تعالى) أي حسن ذكره (عليه، وإظهاره عظيم قدره) أي مرتبته (لديه) وهو مع مراعاته للسجع أخص من عنده على ما قاله النحويون من أن عنده يجوز أن يكون بحضرته وفي ملكه وأما لديه فمختص بالحضرة، (وفيه عشرة فصول) سيأتي تفصيلها (الباب الثاني) أي من القسم الأول (في تكميله تعالى له المحاسن) أي المناقب الصورية والمعنوية جمع حسن على غير قياس وكأنه جمع محسن (خلقا) بالفتح (وخلقا) بضمتين وبسكون الثاني وقدم الأول لسبق وجوده الناشىء منه إظهار كرمه وجوده، (وقرانه) بكسر القاف أي وفي مقارنته وجمعه (جميع الفضائل الدّينيّة والدّنيويّة) بحذف الألف عند مباشرة ياء النسبة والمراد بها الفضائل الدنيوية التي تنتفع في الأمور الأخروية وإلا فقد قال أنتم أعلم بأمور دنياكم ثم الدنيا على ما قاله المصنف في مشارق الأنوار اسم لهذه الحياة لدنوها من أهلها وبعد الآخرة عنها انتهى وقيل لدناءتها، (فيه) أي في حقه (نسقا) بفتحتين أي جمعا متتابعا ولا معنى لقول التلمساني هنا أي عطفا وتبعا ولقد أجاد الدلجي حيث أفاد أي مناسبا بعضها بعضا مستوية في كمالها كجواهر منتظمة في نظام واحد زيادة لجمالها، (وفيه سبعة وعشرون فصلا) قال التلمساني بل ستة وعشرون فصلا أقول ولعله أتي بالسابع فضلا. (الباب الثالث) أي من القسم الأول من الكتاب (فيما ورد من صحيح الأخبار) أي الأحاديث والآثار، (ومشهورها) أي مشهور الأخبار عند الاخيار (بعظيم قدره عند ربّه. ومنزلته) أي مكانته وهو عطف تفسير لعظيم
[ ١ / ٢٨ ]
قدره، (وما خصّه) أي الله تعالى كما في نسخة يعني وبما جعله مخصوصا (بِهِ فِي الدَّارَيْنِ مِنْ كَرَامَتِهِ، وَفِيهِ، اثْنَا عشر فصلا) هكذا في النسخ كلها التي عليها الرواية والتصحيح والمقابلة والذي في هذا الباب من الفصول خمسة عشر ولعله أراد بالاثني عشر فصولا مهمة وبزيادة الثلاثة مكملة ومتممة وهذا ملخص كلام التلمساني (الباب الرّابع) أي في القسم الأول (فيما أظهره الله تعالى على يديه) أي بسببه (من الآيات)، أي العلامات التي هي خوارق العادات (والمعجزات) وهي تخص بالتحدي (وشرّفه به من الخصائص، والكرامات)، تعميم بعد تخصيص وإيماء إلى أن كرامات أولياء أمته بمنزلة معجزاته وفي مرتبة كراماته (وفيه ثلاثون فصلا) قال التلمساني الذي فيه من الفصول تسعة وعشرون ولعله عد ما صدر من الباب إلى الفصل فَصْلًا. (الْقِسْمُ الثَّانِي: فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْأَنَامِ) قال المحشي: فيه أقوال فقيل كل من يعتريه النوم وقيل الأنام الأناس وقيل الانام المخلوقات قلت يرد القوم الأول أنه مهموز لا معتل العين ففي القاموس الانام كسحاب الخلق أو الجن والإنس أو جميع ما على وجه الأرض انتهى ولعل الخلق خصه بالحيوانات أولا ولا يخفى أن المعاني الثلاثة محتملة في قوله تعالى وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ وأما هنا فيراد به الإنس والجن أو جميع الخلق على القول بأنه بعث إلى الخلق كافة كما في رواية مسلم فيجب على كل فرد من المخلوقات ما يناسبه في كل مقام (من حقوقه ﵊، ويترتّب القول) قال التلمساني أي يتمكن والظاهر أن المعنى يجيء الكلام مرتبا (فيه) أي في هذا القسم (في أربعة أبواب الباب الأوّل) أي في القسم الثاني: (في فرض الإيمان به) أي في بيان كون الإيمان به فرضا عينيا على جميع الأعيان، (ووجوب طاعته) أي في سائر ما أمر به ونهى عنه، (واتّباع سنّته) أي متابعة طريقته أي قولا وفعلا وتخلقا، (وفيه خمسة فصول) قال التلمساني بل هي أربعة والعذر تقدم. (الباب الثّاني) أي من القسم الثاني، (في لزوم محبّته، ومناصحته) أي مصادقته وموافقته ومخالصته، (وفيه ستّة فصول) بل هي خمسة. (الباب الثّالث) أي من القسم الثاني (في تعظيم أمره) أي شأنه أو حكمه، (ولزوم توقيره) أي تعظيمه ونصره، (وبرّه) أي زيادة إحسانه وعدم مخالفته فإنه فوق منزلة الأب وفي قراءة شاذة وهو أب لهم فيجب بره ويحرم عقوقه ولو في أمر مباح في حده وقيل طاعته، (وفيه سبعة فصول) بل ستة. (الباب الرّابع) أي من القسم الثاني (فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَالتَّسْلِيمِ، وَفَرْضِ ذَلِكَ) بالجر أي وفي بيان فرض ما ذكر (وفضيلته) أي وفي ثواب ما ذكر وزيادة فضله (وفيه عشرة فصول) بل تسعة.
(القسم الثّالث فيما يستحيل) أي لا يمكن وجوده (في حقّه صلى الله تعالى عليه وسلم) أي عقلا ونقلا (وما يجوز عليه شرعا) أي قولا وفعلا، (وما يمتنع) أي في الجملة وما لا يجوز عليه شرعا، (ويصحّ) أي وما يصح (من الأمور البشريّة أن يضاف) أي ينسب خلاصة فائدتها (إليه وهذا القسم) أي الثالث- (أكرمك الله) جملة اعتراضية بين المبتدأ وخبره وردت دعاء لمن خوطب به كما في قوله:
[ ١ / ٢٩ ]
إن الثمانين وبلغتها قد احوجت سمعي إلى ترجمان
وقد يرد الاعتراض للتنزيه كما في قوله تعالى وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ أو للتنبيه في مثل
واعلم فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قدرا
(هو سرّ الكتاب) أي خلاصته، (ولباب ثمرة هذه الأبواب) أي أبواب هذا القسم كما ذكره الدلجي والصواب أبواب هذا الكتاب والمعنى أنه زبدة نتيجتها وخلاصة فائدتها، (وما قبله) أي من القسمين (له كالقواعد) جمع القاعدة وهي الاساس في المنقولات والمعقولات من قوانين كلية مشتملة على مسائل جزئية، (والتّمهيدات) أي التوطئات، (والدّلائل) أي وكالدلائل العقلية والنقلية (على ما نورده فيه) أي في حقه ما يجب ويستحب ويباح ويحرم وغير ذلك مما يعزر قائله أو يؤدب (من النّكت البيّنات) أي اللطائف الواضحات، (وهو) أي هذا القسم الثالث أيضا (الحاكم على ما بعده) أي من القسم الأخير. (والمنجز) بصيغة الفاعل مخففا أي وهو الموفي (من غرض هذا التّأليف وعده) أي الذي سبق وعده، (وعند التّقصّي) بالقاف بمعنى الاستقصاء والتتبع أي وعند بلوغ المقصد الأقصى (لموعدته) بفتح الميم وكسر العين والتاء فيه للوحدة وهو بمعنى الموعد والمراد به المصدر وإن كان يصلح أن يكون زمانا أو مكانا وقيل الموعدة اسم للعدة (والتّفصّي) بالفاء أي التخلص والتفلت (عن عهدته) أي التزامه وتحمله، (يشرق) بفتح الياء والراء أي يضيق، (صدر العدوّ) أي قلبه واغرب التلمساني بقوله هو مقدم كل شيء وأوله (اللّعين)، أي الملعون حسدا منه والمراد بالعدو الجنس أو ابليس واقتصر عليه التلمساني والأول أظهر واتم لشموله كل كافر كما يدل عليه مقابلته بالمؤمن في قوله (ويشرق) بضم أوله وكسر الراء أي يضيء ويستنير (قلب المومن باليقين) قيد مخرج للمنافقين وفي الكلام تجنيس تحريف، (وتملأ أنواره) أي أنوار يقينه (جوانح صدره) بفتح الجيم وكسر النون جمع جانحة أي اضلاعه التي تحت الترائب مما يلي الصدر كالضلوع مما يلي الظهر والمراد الإحاطة بجميع جوانب صدره، (ويقدر) بضم الدال وقول التلمساني بضم وبكسر ليس في محله أي يعظم أو يعرف (العاقل) بالمهملة والقاف وفي نسخة بالمعجمة والفاء، (النّبيّ حقّ قدره) أي حق عظمته أو حق معرفته.
فمبلغ العلم فيه أنه بشر وأنه خير خلق الله كلهم
ولذا قال بعض العارفين الخلق عرفوا الله تعالى وما عرفوا محمدا ﷺ (وليتحرّر) أي يتلخص ويتخلص (الكلام فيه في بابين الباب الأوّل) أي من القسم الثالث (فيما يختصّ بالأمور الدّينيّة، ويتشبّث) أي يتعلق (به القول في العصمة) وهي خلق الله تعالى الامتناع من المعصية والأمور الدنية (وفيه ستّة عشر فصلا) هذا صحيح ليس فيه اعتراض أصلا. (الباب
[ ١ / ٣٠ ]
الثّاني) أي من القسم الثالث (في أحواله الدّنيويّة، وما يجوز طروّه) بضمتين فسكون واو فهمز وفي نسخة بالادغام أي وقوعه وحدوثه (عليه من الأعراض البشريّة) أي من العوارض الإنسانية فإن الأعراض جمع عرض بفتحتين وهو ما يعرض للإنسان من مرض ونحوه من السهو والنسيان ثم اعلم أن صاحب القاموس ذكر مادة طرأ مهموزا ومغتلا وعلى تقدير الهمزة يجوز الابدال والادغام (وفيه تسعة فصول) بل ثمانية. (القسم الرّابع في تصرّف وجوه الأحكام) أي تنوع أنواعها من مسائلها ونوازلها (على من تنقّصه) أي من عد فيه نقصا أو تكلم بما يتضمن نقصه (أو سبّه) تخصيص بعد تعميم أي شتمه، (﵊) وفي معناه سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (وَيَنْقَسِمُ الْكَلَامُ فِيهِ فِي بَابَيْنِ الْبَابُ الْأَوَّلُ) أي من القسم الرابع (في بيان ما هو في حقّه كسب ونقص) تعميم بعد تخصيص (من تعريض) أي كناية وتلويح (أو نصّ) أي ظاهر وتصريح وقال محش نص عليه إذا عينه وعرض إذا لم يذكره منصوصا عليه بل يفهم الغرض بقرينه الحال (وفيه عشرة فصول) بل تسعة. (الباب الثّانيّ) أي في القسم الرابع (في حكم شانئه) بهمز بعد النون أي مبغضه ومنه قوله تعالى إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ، (ومؤذيه) بالهمز ويجوز ابداله أي مضره وهو اخص مما قبله وبعده وهو قوله، (ومشقصه) وفي نسخة متنقصه، (وعقوبته) أي وفي بيان عقابه وجزائه في الدنيا (وذكر استتابته) أي طلب توبته (والصّلاة) أي وذكر صلاة الجنازة (عليه ووارثته) أي من المسلم أو المسلم منه، (وفيه عشرة فصول) قال الحلبي هكذا في الأصول لكن بخط مغلطاي أن صوابه خمسة يعني عوض عشرة. (وختمناه) أي القسم الرابع (بباب ثالث: جعلناه تكملة) أي تكميلا (لهذه المسألة ووصلة) بضم الواو أي توصيلا (للبابين اللّذين قبله) أي من القسم الرابع (في حكم من سبّ الله تعالى) متعلق بالباب الثالث (ورسله) وكذا حكم انبيائه (وملائكته، وكتبه) أي المنزلة، (وآل النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وصحبه) عموما أو خصوصا (واختصر الكلام) بصيغة المجهول الماضي وفي نسخة بصيغة المتكلم وفي أخرى واختصرنا الكلام أي بالاقتصار على المقصود (فيه) أي في هذا الباب (في خمسة فصول) بل في عشرة فصول على ما ذكره التلمساني وقال الحلبي هكذا وقع أيضا في الأصول وصوابه عشرة فصول لأنه فيما يأتي ذكره عشرة. (وبتمامها) أي بإتمام فصول هذا الباب الثالث من القسم الرابع (ينتجز الكتاب) أي ينقضي وينتهي، (وتتمّ) أي وتكمل (الأقسام) أي الأربعة، (والأبواب) أي الثلاثة عشر جميعها وهو كالتفسير لما قبله، (وتلوح) أي تضيء وتظهر به (في غرّة الإيمان) أي بياض جبهته ومقدمه طلعته (لمعة) بالضم أي قطعة (منيرة) أي منورة لمن اطلع عليها وقد يقال الغرة استعيرت للشرف والشهرة، (وفي تاج التّراجم) بكسر الجيم أي ويلوح في تاج تراجم الإيقان، (درّة خطيرة) أي ذات خطر وقدر ويعني جوهرة نفيسة أو لؤلؤة ليس لها قيمة لمن وقع يده عليها ثم كل من لمعة ودرة مرفوعة على الفاعلية لأن لاح فعل لازم ففي القاموس الاح بدا والبرق
[ ١ / ٣١ ]
أومض كلاح وجعل التلمساني ضمير يلوح إلى الكتاب المتقدم ذكره وانتصابهما على الحال (تزيح) استئناف مبين أو جملة حالية من الازاحة أي تزيل اللمعة وفي معناها الدرة (كلّ لبس)، بفتح فسكون أي إشكال وخلط وشبهة وخبط (وتوضح) أي تكشف وتظهر (كلّ تخمين) أي قول من غير تحقيق، (وحدس) أي صادر عن ظن ووهم وهو قد سقط من أصل المؤلف على ما قاله بعضهم لكن لا بد من ذكره لتمام السجع وهما بمعنى واحد، (وتشفي صدور قوم مؤمنين) عطف على تلوح وفي نسخة بحذف الياء ولعله قصد التلاوة لكنه مع ما بعده بصيغة التأنيث في نسخة صحيحة (وتصدع بالحقّ) أي تجهر به وتظهره (وتعرض عن الجاهلين) أي تتركهم إيماء إلى قوله ﷾ فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، (وبالله تعالى- لا إله) أي توكلنا إذ لا معبود بحق موجود (سواه) أي غيره الجملة معترضة حالية (أستعين) أي أطلب المعونة به لا بغيره من المخلوقين بقوله تعالى إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ أي نخصك بالاستعانة لأن غيرك عاجز عن الاعانة وفي نسخة وبالله لا سواه أستعين لا إله إلا هو الملك الحق المبين.
[ ١ / ٣٢ ]
القسم الأول [في تعظيم العلي الأعلى جل وعلا]
(في تعظيم العليّ الأعلى) أي رفعة ورتبة (لقدر النّبيّ المصطفى) وفي نسخة بحذف النبي ووجوده أولى كما لا يخفى (قولا) ورد به القرآن الكريم والفرقان القديم (وفعلا) من معجزات باهرة وآيات ظاهرة ونصبهما بنزع الخافض. (قال الفقيه) على ما في نسخة (القاضي الإمام) على ما في أخرى (أبو الفضل رحمه الله تعالى) ففيه إشعار بأنه ملحق من كلام غيره وفي نسخة صحيحة وفقه الله وسدده ففيه تصريح بأنه من كلام نفسه لكن لا يلائمه حينئذ وصف الإمام (لا خفاء) بفتح الخاء أي لا يخفى (على من مارس) أي لازم ودارس (شيئا) أي قليلا (من العلم، أو خصّ) بصيغة المجهول أي خصه الله تعالى من بين العوام (بأدنى لمحة) بفتح اللام وهي النظرة الخفية ويروى لحظة وأما قول التلمساني هي بضم أوله أي شيء قليل من النظر وأصله من لمح البصر وهو نظر لا تردد فيه واللمحة بالفتح المرة وهو الأولى ههنا لأنه إذا كان يفهم ذلك مرة فيظهر فذو المرار أولى وأشهر فهو كلام غير محرر إذ ضم اللام غير مشتهر فتدبر (من الفهم) ويروى من الفهم وهو أظهر، (بتعظيم الله قدر نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم) الباء ظرفية متعلقة بخفاء وقدر منصوب على المفعولية (وخصوصه إيّاه) أي وتخصيص الله تعالى نبينا (بفضائل) أي بزوائد من الكرامات، (ومحاسن) أي ومستحسنات من الاخلاق المكرمات، (ومناقب) أي وبنعوت وصفات كثيرات من الكمالات العلمية والعملية التي أسناها معرفة الله ﷾ من حيث الذات والصفات، (لا تنضبط) أي لا تجتمع لكثرتها ولا تنحصر ولا تدخل تحت ضبط (لزمام) بكسر الزاي قال التلمساني يروى بالباء واللام انتهى لكنه في النسخ المصححة باللام فقط أيّ لضابط يرى ضبطها ويقصد ربطها ويجتهد في احصائها ويتوهم إمكان استقصائها وهو مستعار من زمام الناقة وهو ما يجعل في حلقة مسلوكة في انفها لحصول انقيادها، (وتنويهه) أي وبرفع ذكره ومن تبعيضية وأبعد الدلجي في قوله من زائدة (من عظيم قدره) أي من قدره العظيم وفي نسخة صحيحة من عظم قدره وفي أخرى بعظيم قدره (بما تكلّ) بفتح فكسر فتشديد أي بما تعجز وتعي (عنه الألسنة) أي ألسنة الإنسان في البيان، (والأقلام) أي وتبيان البنان، (فَمِنْهَا مَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ونبّه به على جليل نصابه) أي عظيم منصبه، (وأثنى) أي وما أثنى (به عليه) أي في كتابه (من أخلاقه) أي أحواله الباطنة (وآدابه) أي أفعاله الظاهرة كما أخبر به عنه صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله أدبني ربي فأحسن تأديبي،
[ ١ / ٣٣ ]
(وحضّ) بتشديد المعجمة أي ورغب وحث (العباد على التزامه) أي حملهم على قبول تكليفه بوصف دوامه (وتقلّد إيجابه) أي بإطاعة جنابه فيما أوجبه في كتابه: (فكان ﷻ) أي عظمت عظمته وعز جماله (هو الذي تفضّل) أي اعطاه من فضله (وأولى) أي أنعم عليه بما علم المولى بأنه الأولى وهذا قبل ظهور وجوده لما تعلق به من كرمه وجوده (ثمّ طهّر وزكّى) أي طهره بالتخلية وزكاه بالتحلية في عالم دنياه بما ينفعه في عقباه من التحلية وأما قول الدلجي ثم طهره من عبادة الأصنام فلا يناسب لمقامه ﵇ (ثمّ مدح) أي مدحه (بذلك، وأثنى) أي عليه مع أنه من آثار فعله وأنوار فضله فهو الحامد والمحمود كما أنه هو الشاهد والمشهود في جميع ميادين الوجود فليس في الدار غيره موجود، (ثمّ أثاب) أي جازاه (عليه الجزاء الأوفى) أي بالجزاء الأوفر والحظ الأكبر أو نصبه على المصدر من غير فعله، (فله الفضل بدءا وعودا) أي فله الإحسان على وجه الزيادة في الابتداء والإعادة، (والحمد أولى، وأخرى)، أي في الدنيا والعقبى وفي نسخة والحمد أولى وأخرى عطفا على الفضل أي وله الحمد كما في قوله تعالى هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ فهذه النسخة أولى من الأولى كما لا يخفى ويجوز أن يكونا اسمي تفضيل أي وله أولي الحمد وأخراه الخ والمراد استيعابه كقوله تعالى وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا وأما قول بعضهم إن اسم التفضيل لا يستعمل إلا مضافا أو موصولا بمن أو معرفا باللام فمنقوض بقوله سبحانه وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى كانوا هم أظلم واطغى المهم إلا أن يعتبر من المقدرة في حكم المذكورة (ومنها ما أبرزه) أي أظهره (للعيان) بكسر العين أي للمعاينة (من خلقه) بفتح الخاء المعجمة خلافا لمن توهم وضبطه بالضم إذ المراد هنا شمائله الظاهرة ومن لبيان ما الموصولة (على أتمّ وجوه الكمال) أي أكمل أنواع وجوه كمال الجمال وهي صفات اللطف والإكرام (والجلال) وهي صفات القهر والانتقام أو المراد بالكمال النعوت الثبوتية وبالجلال الصفات السلبية وهي قولنا في حقه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا في زمان ولا في مكان وسائر الأمور الحدوثية فحينئذ يقال معناه المنزه عن شوائب النقصان في نظر أرباب الحال وفي نسخة بكسر الخاء المعجمة بمعنى الخصال، (وتخصيصه) أي ومن جعله مخصوصا (بالمحاسن الجميلة) أي الحسنة من الأفعال، (والأخلاق الحميدة) أي المحمودة من الأحوال، (والمذامي الكريمة) أي المرضية من الأقوال، (والفضائل العديدة) أي الكثيرة التي عدها من المحال وهو من العد ومعناه الكثير لا من العدد فيتوهم أنها حصرت واحصيت ويروى السديدة أي الفضائل الواقعة على سنن السداد (وتأييده) أي ومن تقويته (بالمعجزات الباهرة) أي البارعة الفائقة الغالبة القاهرة، (والبراهين الواضحة) أي وبالادلة الظاهرة (والكرامات البيّنة) أي الخوارق اللائحة وهي أعم من المعجزات فإنها مقرونة بالتحدي مع عدم المعارضة مما يصدق الله تعالى بهما انبياءه في دعوى النبوة سميت معجزة للاعجاز عن الاتيان بمثلها وسميت آية لكونها علامة دالة على تصدق الله تعالى لهم مع أن المقام مقام يذم
[ ١ / ٣٤ ]
فيه الإيجاز ويمدح الاطناب سيما في خطاب الاحباب (التي شاهدها) أي عاينها وأغرب التلمساني بقوله أي حضر لها ففاعل بمعنى فعل أي شهدها (من عاصره) أي من أدرك عصره وزمانه ويروى من عاصرها أي البراهين والكرامات، (ورآها من أدركه) أي صادف أوانه ويروى من أدركها، (وعلمها علم اليقين) وفي نسخة علم يقين أي من غير شك وتخمين قال بعض العارفين علم اليقين ما كان بشرط البرهان وعينه بحكم البيان وحقه بنعت العيان فعلم اليقين لأصحاب العقول وعينه لأصحاب العلوم وحقه لأصحاب المعارف (من جاء بعده) أي من التابعين واتباعهم، (حتّى انتهى) أي إلى أن وصل (علم حقيقة ذلك) أي بلغ حقيقة ما هنالك (إلينا وفاضت أنواره) أي ظهرت آثاره وكثرت أنواره ويروى أنوارها (عَلَيْنَا: «ﷺ كَثِيرًا» . حَدَّثَنَا) وفي بعض النسخ أخبرنا (الْقَاضِي الشَّهِيدُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الحافظ) رحمه الله تعالى وهو الأندلسي المعروف بابن سكرة بضم فتشديد ترجمته معروفة استشهد بثغر الأندلس سنة أربع عشرة وخمسمائة وكان من أهل العلم بالحديث (قراءة منّي عليه) نصب قراءة على نزع الخافض أو على أنه تمييز أو حال أي حدثنا بقراءة أو من جهة قراء أو حال قراءة مني عليه لا بقراءته ولا بقراءة غيره وهذا على مذهب من لا يرى بين حدثنا وأخبرنا وأنبأنا فرقا كالبخاري ومن تبعه، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الجبّار) أي ابن أحمد الحمامي بفتح مهملة وتخفيف وهو من أهل الخير والصلاح على ما ذكره ابن ماكولا في اكماله، (وأبو الفضل أحمد بن خيرون) بفتح معجمة فسكون تحتية ممنوعا وقد يصرف ثقة عدل متقن له ترجمة في الميزان توفي سنة ثمان وثمانين وأربعمائة قال الحلبي رأيت عن المزني أن الأصل في خيرون الصرف ولكن المحدثون لا يصرفونه لشبهه بالجمع المذكر السالم انتهى والأظهر أنه بناء على اعتبار المزيدتين مطلقا عند بعضهم كالفارسي كما قالوا في سيرين وغلبون، (قالا) أي كلاهما: (حدّثنا أبو يعلى البغداديّ) بالمعجمة في الثانية وهو الأصح وإلا فيجوز بمهملتين ومعجمتين وبإهمال إحديهما وإعجام الأخرى وهو أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر يعرف بابن زوج الحرة، (قال حدّثنا أبو عليّ السّنجيّ) بكسر المهملة وسكون نون فجيم نسبة إلى بلدة تسمى سنج مرو، (قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْبُوبٍ) هو أبو العباس المحبوبي المروزي التاجر الأمين راوي جامع الترمذي عنه مشهور، (قال: حدّثنا أبو عيسى بن سورة) بفتح مهملة وسكون واو فراء (الحافظ) أي الترمذي وهو صاحب الجامع الضرير قيل ولد اكمه قال الذهبي ثقة مجمع عليه ولا التفات إلى قول أبي محمد بن حزم أنه مجهول فإنه ما عرفه ولا أدري بوجود الجامع ولا إلى علل الدين انتهى ولا شك أن تجهيل الترمذي يضر ابن حزم بلا عكس كما لا يخفى، (قال: حدّثنا إسحاق بن منصور) هذا هو الكوسج الحافظ روى عن ابن عيينة فمن بعده وعنه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه (حدّثنا عبد الرّزاق) أي ابن همام بن نافع أبو بكر الصغاني الحافظ أحد الأعلام روى عن ابن جريج ومعمر وأبي ثور وعنه أحمد وإسحاق
[ ١ / ٣٥ ]
صنف الكتب أخرج له أصحاب الكتب الستة، (أنبأنا معمر) بفتح الميمين ابن راشد أبو عروة البصري عالم اليمن أخرج له الجماعة قال معمر طلبت العلم سنة مات الحسن ولي أربع عشرة سنة (عن قتادة) هو ابن دعامة أبو الخطاب السدوسي الأعمى الحافظ المفسر روى عن عبد الله بن سرجس وأنس وخلق وعنه أيوب وشعبة وخلق (عن أنس رضي الله تعالى عنه) أي ابن مالك خادم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وترجمته شهيرة ومناقبه كثيرة (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم: أتي) أي جيء (بالبراق) بضم الموحدة وتخفيف الراء سمي به لسرعة سيره كالبرق أو لشدة بريقه وقيل لكونه أبيض وقال المصنف لكونه ذا لونين يقال شاة برقاء إذا كان في خلال صوفها الأبيض طاقات سود وقد وصف في الحديث بأنه أبيض وقد يكون من نوع الشاة البرقاء وهي معدودة في البيض انتهى وهو دابة دون البغل وفوق الحمار ويضع حافره عند منتهى طرفه كما في الصحيح وفي رواية على ما نقله ابن أبي خالد في كتاب الاحتفال في اسماء خيل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن وجهه كوجه الإنسان وجسده كجسد الفرس وقوائمه كقوائم الثور وذنبه كذنب الغزال لا ذكر ولا انثى وفي تفسير الثعلبي جسده كجسد الإنسان وذنبه كذنب البعير وعرفه كعرف الفرس وقوائمه كقوائم الإبل وإظلافه كأظلاف البقر وصدره كأنه ياقوتة وظهره كأنه درة بيضاء وله جناحان في فخذيه يمر كالبرق (ليلة أسري به) ظرف بني على الفتح لإضافته إلى الجملة الفعلية الماضوية المبنية للمجهول (ملجما مسرجا) اسما مفعول من الالجام والإسراج وهما حالان مترادفان أو متداخلان (فاستصعب) أي استعسر البراق (عليه) أي لبعد عهده بالأنبياء من جهة طول الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام على ما ذكره ابن بطال في شرح البخاري وهي ستمائة سنة على ما ذكره التلمساني أو لأنه لم يركبه أحد قبل نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بناء على خلاف سيأتي في ذلك وقيل استصعب تيها وزهوا بركوبه ﵇، (فقال له جبريل) وفيه ثلاث عشرة لغة والمتواتر منها أربع معروفة، (أبمحمّد تفعل هذا) أي يا براق كما في رواية وضبط تفعل بخطاب المذكر ولو روي بصيغة المجهول الغائب لكان له وجه والهمزة للإنكار التوبيخي والإشارة إلى الاستصعاب المفهوم من استصعب (فما ركبك) بخطاب المذكر تعظيما له (أحد أكرم) بالرفع والنصب (على الله تعالى منه) وفي رواية فو الله ما ركبك ملك مقرب ولا نبي مرسل أفضل ولا أكرم على الله منه فقال قد علمت أنه كذلك وأنه صاحب الشفاعة وأني أحب أن أكون في شفاعته فقال أنت في شفاعتي (قال) النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أو أنس رواية عنه (فارفضّ) بتشديد الضاد المعجمة أي فسال البراق (عرقا) نصب على التمييز المحول من الفاعل أي تبدد عرقه حياء وخجالة مما صدر عنه بمقتضى طبعه فهذا يؤيد القول الأول فتأمل وقد قال الزبيدي في مختصر كتاب العين في اللغة وصاحب التحرير وهي دابة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والثناء قال النووي وهذا الذي قالاه من اشتراك جميع الأنبياء معه يحتاج إلى نقل صحيح انتهى وقد قال ابن بطال ما معناه ركبها
[ ١ / ٣٦ ]
الأنبياء وأقره السهيلي على ذلك وفي سيرة ابن هشام أنه بلغه عن عبد الله يعني ابن الزبير في حج إبراهيم البيت وفي آخره وكان إبراهيم يحجه كل سنة على البراق انتهى ونقل القرطبي في تذكرته قبيل أبواب الجنة بيسير عن ابن عباس ومقاتل والكلبي في قوله تعالى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ أن الموت والحياة جسمان فيجعل الموت في هيئة كبش لا يمر بشيء ولا يجد ريحه شيء إلا مات وخلق الحياة في صورة فرس انثى بلقاء وهي التي كان جبريل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يركبونها خطوها مد البصر فوق الحمار دون البغل لا تمر بشيء يجد ريحها الا حيي إلى أن قال حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس والماوردي عن مقاتل والكلبي وفيها أيضا في صفة الجنة ونعيمها أن البراق يركبها الأنبياء مخصوصة بذلك في أرضها وهذا من كلام الترمذي الحكيم وحديث فما ركبك أحد أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم صريح في ذلك وكل هذا يرد على النووي كذا قاله الحلبي لكن فيه بحث إذ ليس فيما ذكر نقل صحيح ولا دليل صريح على أن البراق واحد مشترك فيه فعلى تقدير صحة التعدد ينبغي أن يجعل اللام للجنس جمعا بين الروايات وأن يكون لكل نبي براق لكن أخرج الطبراني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا وأبعث على البراق فهذا يشير إلى اختصاصه ﵇ يومئذ به واشتراكه قبل ذلك اليوم وقد ذكر السيوطي في البدور السافرة قال معاذ وأنت تركب العضباء يا رسول الله قال لا تركبها ابنتي وأنا على البراق اختصصت به دون الأنبياء يومئذ الحديث فهذا ظاهره اتحاد البراق مع احتمال اختصاصه بركوبه صلى الله تعالى عليه وسلم دون الأنبياء حينئذ والله تعالى أعلم وقد جاء في بعض الروايات أن جبريل ﵊ أيضا ركب معه ﵊ والظاهر أنه ركب خلفه بل جاء صريحا فيما رواه الطبراني في الأوسط من رواية محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن أبيه أن جبريل أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالبراق فحمله بين يديه الحديث قال الطبراني لا يروى عن ابن أبي ليلى إلا بهذا الإسناد قال الحلبي وهو معضل ويرده قول العسقلاني ليس بمعضل بل سقط عليه قوله عن جده وهو ثابت في أصل الطبراني انتهى وفي مسند أبي يعلى عن علقمة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال أتيت بالبراق فركب خلفي جبريل ﵇ الحديث قال الحلبي فهذا نقل في المسألة ولكنه مرسل قلت والمرسل حجة عند الجمهور وقد ذكر ابن حبان في صحيحه أن جبريل ﵇ حمله على البراق رديفا له قال الحلبي هذا وما تقدم يتعارضان لكن حديث أبي يعلى ضعيف ولو صح لجمع بينهما بأنه تارة ركب هذا ذهابا أو إيابا والآخر كذلك إذا قلنا إن الإسراء مرة وهو الصحيح على ما قاله بعضهم قلت الصواب في دفع التعارض والجمع بين التناقض أن يجعل رديفا حالا من الفاعل في حمله على ما هو الظاهر ليكون الضميران المستتران لجبريل ﵇ والبارزان له صلى الله تعالى عليه وسلم وهو المقتضي للأدب خصوصا في الرسول بالنسبة إلى المطلوب المحبوب ويؤيده أنه صلى الله تعالى عليه وسلم
[ ١ / ٣٧ ]
قال لأبي ذر وقد رآه يمشي أمام أبي بكر أتمشي أمامه وهو خير منك ثم اعلم أنه اختلف في الإسراء والمعراج هل كانا في ليلة واحدة أو لا وأيهما كان قبل الآخر وهل كان ذلك في اليقظة أو المنام أو بعضه كذا وبعضه كذا أو يقال أسري به ولا يتعرض لمنام ولا يقظة على ما في أوائل الهدي لابن القيم فتصير الأقوال خمسة وهل كان المعراج مرة أو مرات واختلفوا في زمانه فقيل للسابع والعشرين من شهر الربيع الأول وقيل من الآخر وقيل لسبع عشرة خلت من شهر رمضان وقيل ليلة سبع وعشرين من رجب وبه جزم النووي في الروضة في السير وخالف في الفتاوى فقال إنهما ليلة السابع والعشرين من شهر الربيع الأول وخالف المكانين المذكورين في شرح مسلم فجزم بأنهما ليلة السابع والعشرين من شهر الربيع الآخر تبعا للقاضي عياض وعن الماوردي أنهما في شوال وسيأتي أقوال سبعة في تعيين السنة.
[ ١ / ٣٨ ]
الْبَابُ الْأَوَّلُ [فِي ثَنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ ﵇]
أي من القسم الأول (في ثناء الله تعالى) أي مدحه (عليه وإظهاره عظيم قدره لديه) أي عنده في مقام قربه كما يفهم من الآيات المتلوة والأحاديث النبوية وقال الدلجي أي عنده في اللوح المحفوظ لتعلم الملائكة زيادة شرفه وتمييزه على غيره إذ هي المرادة. هنا فيلتزموا توقيره وتعظيمه انتهى لكنه يحتاج إلى نقل كما لا يخفى ثم قال الدلجي الثناء هنا باعتبار غايته فهو إما أنعام بأنواعه من تكريم وتعظيم فيرجع إلى صفات الأفعال وأما إرادة ذلك فيرجع إلى صفات الذات وإلا فهو في الأصل إما بمعنى الحمد والشكر أو المدح أو عام فيهما ومورد ذلك كله الجوارح وهو في حقه محال فيكون مجازا مرسلا لكون العلاقة غير المشابهة ففيه بحث ظاهر إذ الثناء من باب الكلام وهو في حقه ﷾ ثابت حقيقة على ما عليه أهل السنة والجماعة خلافا للمعتزلة فلا يحتاج إلى اعتبار مجاز الغاية بخلاف صفتي الغضب والرحمة لما حقق في محلهما والله تعالى أعلم (اعلم) خطاب عام وهو الاحق أو خاص بالسائل كما سبق (إن في كتاب الله العزيز) أي النادر في بابه أو الغالب على سائر الكتب بنسخه في خطابه (آيات كثيرة مفصحة) أي موضحة مصرحة (بجميل ذكر المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم) أي المجتبى في باب الصفاء والوفاء (وعد محاسنه) أي وبتعداد مكارم اخلاقه (وتعظيم أمره وتنويه قدره) أي رفعة شأنه وحكمه (اعتمدنا منها) أي من تلك الآيات (على ما ظهر معناه) أي من منطوق الدلالات (وبان فحواه) أي تبين مقتضاه من مفهوم العلامات على ما له من الكمالات (وجمعنا ذلك) أي ما ذكر من الأصول (فِي عَشَرَةِ فُصُولٍ) .
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ [فِيمَا جَاءَ من ذلك مجيء المدح والثناء]
أي النوع الأول من هذا الباب (فيما جاء) أي في كتابه (من ذلك) أي مما ذكر من الآيات (مجيء المدح والثناء) نصب مجيء على المصدر. (وتعداد المحاسن) بفتح التاء أي ومجيء تكرار أخلاقه الحسنة وهو جمع حسن على غير قياس ونصبه على ما في نسخة غير مستقيم (كقوله تعالى) وفي نسخة لقوله تعالى باللام وهو غير ملائم للمرام: (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ الآية) بدأ بها فإنها مشتملة على جملة من امتنانه ﷾ مما يوجب تعظيم رسوله ويعلي شأنه منها القسم المستفاد من اللام المقرونة بقد الدالتين على تحقيق الكلام ومنها الإيماء في جاء إلى أن رسولنا لو كان في الصين لكان
[ ١ / ٣٩ ]
الواجب عليكم المأتي إليه لتعلم علم الدين ومعرفة اليقين فيكون إتيانه فضلا منا عليكم وإحسانه منه إليكم فيجب حسن استقباله وإطاعة أمره وإقباله ومنها تنكير رسول فإنه يشير إلى أنه رسول عظيم تفخيما لشأنكم وتأييدا لبرهانكم ومنها أنه جعل من جنسكم البشري فإنكم لن تطيقوا على التلقين الملكي وليكون أدعى إلى متابعته حيث يفعل أيضا بمقتضى مقالته ولو كان ملكا لربما قيل إن القوة البشرية ليست كالقدرة الملكية ومنها أنه جعل من صنفكم العربية وإلا لقلتم أمرسل إليه عربي والرسول إليه أعجمي ثم بقية الآية عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ أي شديد شاق عليه عنتكم وتعبكم ووقوعكم في عذابكم حريص عليكم أن تؤمنوا كلكم بالمؤمنين منكم ومن غيركم رؤوف رحيم والرأفة أشد الرحمة فذكر الرحيم تذييل أو عكس مراعاة للفواصل لا لكونه أبلغ كما توهم الدلجي (قال السّمرقنديّ) بفتح سين مهملة وميم وسكون راء هو المشهور على الألسنة وأما ما ضبطه بعض المحشيين كالتلمساني وغيره من سكون ميم وفتح راء فهو لحن على ما صرح به القاموس وهو الإمام الجليل الحنفي المحدث المفسر نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي الفقيه أبو الليث المعروف بإمام الهدى تفقه على الفقيه أبي جعفر الهندواني وهو الإمام الكبير صاحب الأقوال المفيدة والتصانيف المشهورة العديدة توفي سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة له تفسير القرآن أربع مجلدات والنوازل في الفقه وخزانة الفقه في مجلدة وتنبيه الغافلين وكتاب البستان وذكر التلمساني أنه أبو علي واسمه الحسن بن عبد الله منسوب إلى بلدة سمرقند من أهل الظاهر روى عن داود بن علي الظاهري لكن المعتمد هو الأول وسيأتي في مواضع من كتاب الشفاء حيث يروي عنه القاضي بواسطة واحدة والله أعلم وأبو الليث السمرقندي متقدم يلقب بالحافظ وهو الفرق بينهما ذكره التلمساني. (وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التَّوْبَةِ: ١٢٨] بِفَتْحِ الْفَاءِ) وهي قراءة شاذة مروية عن فاطمة وعائشة رضي الله تعالى عنهما وقرأ به عكرمة وابن محيص وغيرهما وفي المشترك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قرأها كذلك، (وقراءة الجمهور بالضّمّ) وضبطه بعضهم بالفتح وهو غير مشهور وضبط قراءة بصيغة المصدرية ويمكن قراءته بالجملة الفعلية ثم رأيت في حاشية أنهما روايتان والجمهور بالضم معظم الناس، (قال الفقيه القاضيّ أبو الفضل وفّقه الله تعالى) أي المصنف، (أَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ أَوِ الْعَرَبَ أَوْ أَهْلَ مَكَّةَ أَوْ جَمِيعَ النَّاسِ عَلَى اخْتِلَافِ المفسّرين من المواجه) أي من الذي وقع له المواجهة من المؤمنين أو غيرهم (بهذا الخطاب) يعني جاءكم فمن بفتح الميم موصول وكسر نونه في الوصل لالتقاء الساكنين والمواجه بصيغة المفعول مرفوع ثم الظاهر العموم الشامل لجميع الإنس بل والجن أيضا على وجه التغليب أما من اختار المؤمنين فلأنهم المرادون في الحقيقة والمنتفعون بمتابعته في الطريقة وأما من اختار العرب فلما يدل عليه ظاهر قوله تعالى حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ولما يتبادر من قوله أَنْفُسِكُمْ
[ ١ / ٤٠ ]
جنس العرب ولا ينافي ما اخترناه من العموم فتح الفاء لأنه إذا كان أشرف جنس العرب فيكون أفضل سائر الأجناس فإنهم أكرم الناس لما تقرر في محله وأما من اختار أهل مكة فلما أشار إليه المصنف بناء على قراءة الضم. (أَنَّهُ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، يَعْرِفُونَهُ) اي محله ومرتبته بحليته ونعته (ويتحقّقون مكانه) أي مكان ولادته ونسبه ورتبته أو رفعة قدره وعلو شأنه ويؤيده ما في نسخة مكانته وهو مخل بالتسجيع لما قبله ملائم لقوله (ويعلمون صدقه، وأمانته، فلا يتّهمونه بالكذب) في دعوى رسالته أي ولذا كانوا يسمونه محمد الأمين لكمال ديانته (وترك النّصيحة لهم) أي وترك ارادة الخير لهم (لكونه منهم) وهو أبعد للتهمة في ترك النصيحة في حقهم، (وأنّه) بالفتح عطف على أنه السابق الواقع مفعولا ثانيا لا علم ولا يبعد أن يكون مجرور المحل معطوفا على كونه والحاصل أنه: (لَمْ تَكُنْ فِي الْعَرَبِ قَبِيلَةٌ إِلَّا وَلَهَا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) على للمصاحبة كقوله تعالى وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ أي مع رسول الله (ولادة)، أي قرابة قريبة (أو قرابة) أي بعيدة، (وهو) أي هذا المعنى المستفاد من قوله وأنه الخ (عند ابن عبّاس)، كما رواه عنه البخاري والطبراني (وغيره) أي من المفسرين (مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الشورى: ٢٣]) في قوله تعالى قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي على التبليغ أجرا إلا المودة أي لكن المودة في القربى لازمة من الجانبين وأنا لا أقصر في نصيحتكم وإرادة الخير لكم ومحبتكم فيجب عليكم أيضا أن تجتهدوا في متابعتي ونصرتي ودفع الاذى عن أهل ملتي (وكونه) قال الحلبي هو بالرفع لكن الظاهر كما اقتصر عليه الدلجي أنه بالجر عطفا على قوله والمعنى وهو معنى كونه ﵇ (من أشرفهم) أي نسبا، (وأرفعهم) أي حسبا، (وأفضلهم) أي سخاوة ونجادة (على قراءة الفتح) أي بناء عليها (وهذه) أي المنقبة (نهاية المدح) أي من هذه الجهة، (ثمّ وصفه) أي الله ﷾ (بعد) بالضم أي بعد قوله من أنفسكم (بأوصاف حميدة، وأثنى عليه بمحامد) بالمنع جمع محمدة بمعنى مدحة (كثيرة) أي عديدة: (من حرصه على هدايتهم) أي دلالتهم على العقائد الدينية، (ورشدهم) أي إرشادهم إلى ما فيه صلاح أمورهم من الأحكام الشرعية، (وإسلامهم) أي انقيادهم واستسلامهم للحوادث الكونية بقوله حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ (وشدّة ما يعنتهم) من الأفعال والتفعيل أي ما يشق عليهم ولا يطيقونه، (ويضرّ بهم) ضبط في نسخة بضم الياء وكسر الضاد وهو غير صحيح لوجود الباء في مفعوله وقول الدلجي إن الباء زائدة غير صحيح ففي القاموس ضره وبه وأضره والصواب ضبطه بفتح وضم التقدير وما يضرهم (في دنياهم وأخراهم وعزّته عليه) أي ومن غلبة ما يعنتهم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لقوله عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ وكان الأولى مراعاة الترتيب القرآني كما لا يخفى بأن يقدم قضية العزة على الشدة ثم يقول. (ورأفته، ورحمته بمؤمنيهم) أي ومؤمني غيرهم وفي نسخة بمؤمنهم بصيغة الإفراد على إرادة الجنس بطريق الاستغراق
[ ١ / ٤١ ]
بقوله بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ والرأفة أدق من الرحمة ولعل التفاوت بحسب القابلية والرتبة، (قال بعضهم: أعطاه) أي الله (اسمين من أسمائه رؤوف) بالاشباع ودونه فمن الأول قول كعب بن مالك الأنصاري.
نطيع نبيا ونطيع ربا هو الرحمن كان بنا رؤوفا
ومن الثاني قول جرير:
يرى للمسلمين عليه حقا كفعل الوالد الرؤوف الرحيم
(رحيم) أي على وصف التنكير وأما بصيغة التعريف فالظاهر أنه لا يجوز إطلاقهما على غيره سبحانه (ومثله) أي ومثل معنى الآية الأولى (فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى قَوْلُهُ تَعَالَى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) خصوا لكونهم المنتفعين (إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [آلِ عِمْرَانَ: ١٦٤] . الْآيَةَ. وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ) أي العرب الذين غالبهم ما قرأ ولا كتب (رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: ٢]) أي أميا مثلهم لكن الأمية في حقه ﵊ معجزة ومنقبة وفي حق غيره معيبة ومنقصة (الآية) تمامها يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ أي مع كونه أميا فهذا أظهر معجزاته ويزكيهم أي يطهرهم من خبائث الأحوال والأعمال ويعلمهم الكتاب والحكمة أي السنة والشريعة. (وقوله) أي وفي الآية الأخرى وقوله: (كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ [الْبَقَرَةِ: ١٥١] الْآيَةَ) إلى قوله فَاذْكُرُونِي بالطاعة أذكركم بالمثوبة. (وروي عن عليّ بن أبي طالب، كرم الله تعالى وجهه عنه صلى الله تعالى عليه وسلم) أي كما رواه ابن أبي عمر العدني في مسنده (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التَّوْبَةِ: ١٢٩] قَالَ: نسبا) أي قرابة مختصة بالآباء على ما في القاموس ونصبه على التمييز وكذا قوله (وصهرا) قال البيضاوي في وقوله تعالى وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا أي قسمه قسمين ذوي نسب أي ذكورا ينسب إليهم وذوات صهر أي اناثا يصاهر بهن والحاصل أنه شريف الجانبين وكريم الطرفين ثم قوله (وحسبا) أريد به ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه من الدين أو الكرم أو المال وقيل الحسب والكرم قد يكونان بمن لا شرف لآبائهم والشرف والمجد لا يكونان إلا بهم (ليس في آبائي) أي أسلافي من الأب والجد والأم والجدة (من لدن آدم) بفتح لام وضم دال وسكون نون ويجوز سكون الدال وكسر النون أي من عند ابتداء زمن آدم ﵊ إلى وجود الخاتم صلى الله تعالى عليه وسلم (سفاح) بكسر السين وهو صب ماء الرجل بلا عقد على ما قاله المحشي والأولى أن يقال المراد به الوطء من غير مجوز لأن السرية لا عقد لها والحاصل أن المراد به الزنا وما لا يجوز وطؤه شرعا (كلّها نكاح) أي ذو عقد أو كل واحد منا ناكح أو قصد به المبالغة كرجل عدل وهو واقع على التغليب وإلا فأم إسماعيل ﵊ سرية اللهم إلا أن يقال قد اعتقها وعقد عليها قال المحشي ويروى كلها نكاح وهو
[ ١ / ٤٢ ]
كذا في نسخة ولعل التقدير كل المجامعة ذات نكاح وفي حديث لما خلق الله تعالى آدَمَ أَهْبَطَنِي فِي صُلْبِهِ إِلَى الْأَرْضِ وَجَعَلَنِي فِي صُلْبِ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ وَقَذَفَ بِي فِي النَّارِ فِي صُلْبِ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ لَمْ يزل ينقلني من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة إلى أن أَخْرَجَنِي مِنْ بَيْنِ أَبَوَيَّ لَمْ يَلْتَقِيَا عَلَى سفاح قط، (قال ابن الكلبيّ) وهو محمد بن السائب أبو النصر المفسر النسابة الأخباري وترجمته معروفة في الميزان وغيره: (كتبت للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم خمسمائة أمّ) لعله أراد به التكثير وإلا فمحال أن يكون بينهما خمسمائة أم إذ بينه صلى الله تعالى عليه وسلم وبين عدنان أحد وعشرون أبا إجماعا وبين عدنان وآدم على ما بينه ابن إسحاق وغيره ستة وعشرون ابا فيكون بينه صلى الله تعالى عليه وسلم وبين آدم ﵊ سبعة وأربعون أبا بسبع وأربعين أما ولا يبعد أنه عد امهاته وأمهات أعمامه وأمهات أعمام آبائه إلى آدم والله تعالى أعلم (فما وجدت فيهنّ سفاحا) أي ذات سفاح (ولا شيئا ممّا كان عليه الجاهليّة) أي من اخذ الأخدان لشهادة حديث ابن عدي والطبراني خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح وقد نقل عن أكثر أهل السير كزبير بن بكار وغيره أن كنانة خلف على برة بعد أبيه خزيمة على عادة العرب في الجاهلية في أن أكبر ولد الرجل يخلف على زوجته إذا لم يكن منها وهذا مشكل لأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول كلنا نكاح ليس فينا سفاح ما ولدت من سفاح أهل الجاهلية وذكر السهيلي وغيره في هذا اعذارا منها أن الله تعالى يقول وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ أي من تحليل ذلك قبل الإسلام وفائدة هذا الاستثناء أن لا يعاب نسب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم انتهى وبعده لا يخفى وذكر الحافظ أبو عثمان وعمرو بن بحر في كتاب له سماه كتاب الأصنام قال وخلف كنانة بن خزيمة بن مدركة على زوجة أبيه بعد وفاته وهي برة بنت اد بن طابخة تحت كنانة بن خزيمة فولدت له النضر بن كنانة وإنما غلط كثير من الناس لما سمعوا أن كنانة خلف على زوجة أبيه لا تفارق اسمها وتقارب نسبها قال وهذا الذي عليه مشايخنا من أهل العلم بالنسب قال ومعاذ الله أن يكون أصاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مقت بنكاح وقال من اعتقد غير هذا فقد أخطأ وشك في الخبر ويؤيد ذلك قوله صلى الله تعالى عليه وسلم تنقلت في الأصلاب الزاكية إلى الأرحام الطاهرة؛ (وعن ابن عبّاس، ﵄ في قوله تعالى: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) [الشعراء: ٢١٨]) أي كما رواه ابن سعد والبزار وأبو نعيم في دلائله بسند صحيح عنه أنه (قال من نبيّ إلى نبيّ حتّى أخرجتك) وفي نسخة صحيحة حتى أخرجتك (نبيّا) ولا يخفى أن المراد به أن بعض الآباء كانوا من الأنبياء وفي الآية عنه وعن غيره معاني أخر، (وقال جعفر بن محمّد) أي ابن عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب الهاشمي المدني المعروف بالصادق أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأمها اسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر وكان يقول ولدت في الصديق مرتين متفق على إمامته
[ ١ / ٤٣ ]
وجلالته وسيادته قال البخاري في تاريخه ولد سنة ثمانين وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة انتهى وقد أخرج له مسلم والأربعة وكذا البخاري في كتابه أدب المفرد: (علم الله تعالى عجز خلقه عن طاعته) أي عن معرفة ما يطلب منهم فعلا وتركا من طاعته بغير واسطة رسول وبعثته لبيان عبادته، (فعرّفهم) بتشديد الراء أي فأعلمهم (ذلك) أي العجز (لِكَيْ يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ لَا يَنَالُونَ الصَّفْوَ مِنْ خدمته) أي الخالص من طاعته بل إنما ينالون بالواسطة من فضله ورحمته كما قال الله تعالى قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا وفي قضية إبليس إيماء إلى أن كثرة الخدمة غير مفيدة مع قلة الرحمة، (فأقام بينه وبينهم مخلوقا من جنسهم في الصّورة) أي مباينا لصنفهم في السيرة؛ (أَلْبَسَهُ مِنْ نَعْتِهِ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ، وَأَخْرَجَهُ إِلَى الخلق سفيرا) أي وأظهره مرسلا إليهم حال كونه رسولا مصلحا لما بينهم (صادقا) أي مطابقا قوله فعله وموافقا حكمه خبره، (وجعل طاعته طاعته) بنصبهما أي كطاعة الله تعالى أي فيما يأمره وينهاه وهو تشبيه بليغ مفيد للمبالغة وهو أن طاعته عين طاعته وكذا قوله (وموافقته موافقته) أي في أمر دينه ودنياه فلا تجوز مخالفته في طريق مولاه كما قال ﷾ في حقه فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ (فَقَالَ تَعَالَى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠]) وقد روي من أحبني فقد أحب الله ومن عصاني فقد عصى الله تعالى وكذا قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ (وَقَالَ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) [الأنبياء: ١٠٧]) وكذا قوله صلى الله تعالى عليه وسلم إنما أنا رحمة مهداة على ما رواه الحاكم عن أبي هريرة (قال أبو بكر محمّد بن طاهر) وفي نسخة محمد ابن طاهر أي ابن محمد بن أحمد بن طاهر الاشبيلي القيسي وبهذا يعرف أن ليس المراد به عبد الله بن طاهر الأبهري الذي هو من أقران الأشبيلي خلافا لما توهمه التلمساني قال العسقلاني هو مغافري شاطبي روى عن أبيه وابن علي النسائي وغيرهما وأجاز له أبو الوليد الباجي: (زيّن الله محمّدا صلى الله تعالى عليه وسلم بزينة الرّحمة) أي بزيادة المرحمة (فكان كونه) أي وجوده (رحمة) وأغرب الدلجي في قوله مكان كونه موصوفا بالرحمة رحمة، (وجميع شمائله) جمع شمال بالكسر وهو الخلق بالضم والمراد بها أخلاقه الباطنة، (وصفاته) الظاهرة من نحو كرمه وجوده (رحمة) الأولى مرحمة لتغاير الأولى والمعنى محل رحمة نازلة (على الخلق) أي عامة وخاصة، (فَمَنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ رَحْمَتِهِ فَهُوَ النَّاجِي) قال التلمساني أي الخالص والصواب المخلص (في الدّارين) أي حالا ومآلا (من كلّ مكروه) أي مغضوب (والواصل فيهما) أي وهو الواصل في الكونين (إلى كلّ محبوب) وفيه إيماء إلى ما ورد من أن الله تعالى خلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصاب من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه فقد ضل وغوى؛ (ألا ترى) بصيغة الخطاب المعلوم ويجوز أن يقرأ بصيغة الغائب المجهول أي ألا تعلم (أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً) أي ذا رحمة وأريد بها المبالغة (لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧]) أي من غير تقييد للمؤمنين أو
[ ١ / ٤٤ ]
لأمته دون غيرهم من المخلوقين ويستفاد من نسبة الرحمة الإلهية أنها ليست من الأمور العارضية (فكانت حياته رحمة، ومماته رحمة) بل وليس هناك موت ولا فوت بل انتقال من حال إلى حال وارتحال من دار إلى دار فإن المعتقد المحقق أنه حي يرزق. (كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم) فيما رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده والبزار بإسناد صحيح:
(حياتي خير لكم) وهو ظاهر (وموتى لكم) قال الدلجي بشهادة وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ حيا وميتا انتهى وغرابته لا تخفى فالأظهر أن يقال لأنه قال تعرض على أعمالكم فأشفع في غفران سيئاتكم وأدعو لكم في تحسين حالاتكم والمعنى أني متوجه إليكم وراحم عليكم وشفيع لكم حيا وميتا بالنسبة إلى حاضركم وغائبكم أو التقدير وموتي قبلكم خير لكم فيوافق ما أراده المصنف بقوله. (وكما قال ﵊) أي على ما رواه مسلم (إذا أراد الله تعالى رحمة بأمه) قال الحافظ المروزي المعروف رحمة أمة وكذا رواه مسلم كذا ذكره الحجازي قلت وفي الجامع الكبير أيضا بلفظ أن الله تعالى إذا أراد رحمة أمة من عباده: (قبض نبيّها قبلها) أي قبل موت جميعها (فجعله لها فرطا وسلفا) أي بين يديها كما في الصحيح وهما بفتحتين أي متقدما وسابقا فإنهما ما أصيبت بمصيبة أعظم من موت نبيها وأصل الفرط هو الذي يتقدم الواردين ليهيئ لهم ما يحتاجون إليه عند نزولهم في منازلهم ثم استعمل للشفيع فيمن خلفه ثم تتمة الحديث على ما في صحيح مسلم عن أبي موسى مرفوعا وإذا اراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي فأهلكها وهو ينظر فاقر عينيه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره. (وقال السّمرقنديّ) أي أبو الليث إمام الهدى الحنفي كما ذكره الدلجي (رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧]) بالنصب على الحكاية. (يعني) أي يريد ﷾ بالعالمين (للجنّ والإنس) أي المؤمنين بقرينة تقابله بقوله. (وقيل لجميع الخلق) أي المكلفين لقوله: (للمؤمن رحمة) بالنصب ويجوز رفعها أي رحمة خاصة (بالهداية) وكان الأولى أن يقول رحمة للمؤمن بالهداية ليطابق الآية وليوافق قوله، (ورحمة للمنافق بالأمان من القتل، ورحمة للكافرين بتأخير العذاب) أي إلى العقبى ولا يبعد أن يكون تقديم المؤمن إشارة إلى حصر الرحمة المختصة بالهداية كما قال الله تعالى هُدىً لِلْمُتَّقِينَ أي بالدلالة الموصلة التي هي خلق الهداية في خواص الإنسان من أهل الإيمان مع أنه هدى للناس باعتبار عموم الهداية بالدلالة المطلقة التي هي بمعنى البيان. (قال ابن عبّاس ﵄) أي فيما رواه جرير وابن أبي حاتم في تفسيرهما والطبراني والبيهقي في دلائله: (هُوَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ إِذْ عُوفُوا مِمَّا أصاب غيرهم من الأمم المكذّبة) أي من أنواع العقوبة ومآل هذا القول إلى ما قبله ثم الأظهر أن العالمين يشمل الملائكة أيضا ويدل عليه قوله. (وحكي) بصيغة المجهول وقال الحجازي ويروى (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِجِبْرِيلَ ﵇: هَلْ أصابك من هذه الرّحمة) أي المنقسمة على هذه الأمة من نبي الرحمة (شيء) أي من الرحمة مختص بك فالاشارة إلى موجود في الذهن إذ
[ ١ / ٤٥ ]
الرحمة معنى يوجده الله تعالى فيمن يشاء من خلقه وفيها يتفاوتون. (قال: نعم، كنت أخشى العاقبة) أي آخر أمري من سوء الخاتمة لما وقع لإبليس من الزلة (فأمنت) بفتح فكسر وضبطه التلمساني بصيغة المجهول ففي القاموس الأمن ضد الخوف أمن كفرح وقد أمنه كسمع ائتمنه واستأمنه انتهى ولا يخفى أن بناء المجهول غير ظاهر في المعنى إذ المراد فصرت آمنا ببركة القرآن الذي نزل عليك (لِثَنَاءِ اللَّهِ ﷿ عَلَيَّ بِقَوْلِهِ: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) أي صاحب مكانة (مُطاعٍ) أي بين الملائكة (ثَمَّ) أي فيما هنالك (أَمِينٍ [التكوير: ٢٠- ٢١]) أي على أمر الوحي وغيره ووجه الاستدلال به أنه تعالى حيث مدحه في محكم كتابه العظيم وأخبر عن حسن حاله للنبي الكريم لا يتصور تبدل حاله ولا تغير مآله ولا يبعد أن يجعل قوله أمين بمعنى مأمون العاقبة وقد سنح بالبال والله تعالى أعلم بالحال أنه صلى الله تعالى عليه وسلم وشرف وكرم رحمة لجميع خلق الله تعالى فإن العالمين لا شك أنه حقيقة فيما سواه ولا صارف بالاتفاق يصرفه عن دلالة الإطلاق ثم من المعلوم أنه لولا نور وجوده وظهور كرمه وجوده لما خلق الإفلاك ولا أوجد الاملاك فهو مظهر للرحمة الإلهية التي وسعت كل شيء من الحقائق الكونية المحتاج إلى نعمة الإيجاد ثم إلى منحة الإمداد وينصره القول بأنه مبعوث إلى كافة العالمين من السابقين واللاحقين فهو بمنزلة قلب عسكر المجاهدين والأنبياء مقدمته والأولياء مؤخرته وسائر الخلق من أصحاب الشمال واليمين ويدل عليه قوله تعالى تبارك الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا ومن جمله انذاره للملائكة قوله ﷾ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ويقويه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم بعثت إلى الخلق كافة وقد بينت وجه ارساله إلى الموجودات العلوية والسفلية في رسالتي المسماة بالصلاة العلية في الصلاة المحمدية. (وروي عن جعفر بن محمّد) أي الباقر (الصّادق) نعت لجعفر (في قوله تعالى:
فَسَلامٌ) أي فسلامة من كل ملامة (لَكَ) أي لرحمتك (مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ [الواقعة: ٩١]) خبر سلام أي حاصل من أجلهم ولو كان من أعظمهم وأجلهم. (أي بك) أي بسبب وجودك أو بسبب كرمك وجودك (إِنَّمَا وَقَعَتْ سَلَامَتُهُمْ مِنْ أَجْلِ كَرَامَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بالشفاعة العظمى فإنها شاملة للنفوس العليا والسفلى من الأولى والأخرى فشملت رحمته في الابتداء والانتهاء في الدنيا والعقبى وقال التلمساني لمحمد روي باللام والباء واللام تعليلية والباء سببية فتكون كرامة مضافة إلى ضمير الفاعل وهو الله ﷾ انتهى والنسخ المصححة والأصول المعتمدة على الإضافة إلى المفعول وهو الظاهر في المعنى قال الدلجي أي من أجل إكرام الله إياه فوضع الظاهر موضع المضمر وإلا ظهر أنه التفات من الخطاب إلى الغيبة ثم أغرب الدلجي أن من على هذا زائدة ويجوز أنت كون بمعنى لام التعدي أي لسببك وقع السلام لأصحاب اليمين من أجل إكرام الله تعالى اياك وما قاله تكلف بعيد انتهى والكل تكلف بل تعسف والتحقيق أنه أراد أن الخطاب في
[ ١ / ٤٦ ]
ذلك للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم والتقدير فسلامة عظيمة لأجلك وبسببك حاصلة لأصحاب اليمين وقوله من أجل توضيح لقوله بك إما بطريق عطف البيان أو على سبيل الاستئناف في التبيان وهذا التأويل خلاف ما قاله أهل التفسير فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين يقال له سلام لك أي مسلم لك أنك منهم أو يا محمد لا ترى فيهم إلا ما تحب من سلامتهم من العذاب وأن منهم من يقول يوم القيامة سلام عليك، (وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [النور: ٣٥]) أي منورهما كما قرئ به ومظهر ما خلق فيهما أو موجد أنوارهما (الآية) بالنصب ويجوز رفعها وخفضها أي اقرأها أو هي معلومة أول إلى آخرها والمراد ما بعدها وهو قوله تعالى مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وقد أوضحت معنى الآية في الرسالة المسماة بالصلاة العلية في الصلاة المحمدية عند قوله اللهم صل وسلم على نورك الأسنى واعلم أن النور في الأصل كيفية تدركها الباصرة ويستحيل اطلاقه على الله تعالى إلا بتقدير مضاف ونحوه من نوع تأويل. (قال كعب) وفي نسخة كعب الاحبار بالحاء المهملة وهو كعب بن ماتع بالمثناة الفوقية أدرك زمن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يره وأسلم في خلافة أبي بكر ﵁ وقيل في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه وقيل أدرك الجاهلية وصب عمر وأكثر ما روي عنه وروي أيضا عن جماعة من الصحابة وروى عنه أيضا جماعة من الصحابة والتابعين وكان يسكن في حمص وكان قبل إسلامه على دين اليهود ويسكن اليمن توفي في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين متوجها للغزو ودفن بحمص ويقال له كعب الحبر أيضا بفتح الحاء وكسرها لكثرة علمه أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وأغرب شارح حيث قال هو كعب بن مالك الأنصاري، (وابن جبير) وهو سعيد بن جبير أحد أكابر التابعين والعلماء العاملين روى عن ابن عباس وغيره وعنه أمم من المحدثين أخرج له الجماعة في كتبهم الستة وكان أسود الصورة وأنور السيرة مستجاب الدعوة قتل سنة خمس وتسعين وهو ابن تسع وأربعين شهيدا في شعبان ومما يدل على كماله في اليقين وتمكنه في الدين ما روي أنه لما دخل على الحجاج بعد إرساله إليه قام بين يديه فقال له أعوذ منك بما استعاذت مريم إذ قالت أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
فقال له ما اسمك قال سعيد بن جبير وقال شقي بن كسير فقال أمي أعلم باسمي قال شقيت وشقيت أمك فقال الغيب يعلمه غيرك قال لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى فقال لو علمت أن ذلك بيدك ما اتخذت إلها غيرك قال لأوردنك حياض الموت فقال إذا أصاب في اسمي أمي يعني إذا كنت شهيدا أكون سعيدا قال فما تقول في محمد قال نبي ختم الله تعالى به الرسل وصدق به الوحي وأنقذ به من الجهالة إمام هدى ونبي رحمة قال فما تقول في الخلفاء قال لست
[ ١ / ٤٧ ]
عليهم بوكيل وإنما استحفظت أمر نبي قال فأيهم أحب إليك فقال أحسنهم خلقا وأرضاهم لخالقه واشدهم منه فرقا قال فما تقول في علي وعثمان في الجنة هما أم في النار لو دخلت فرأيت أهلهما لأخبرتك فما سؤالك عن أمر غيب عنك قال فما تقول في عبد الملك بن مروان قال فما لك تسألني عن امرئ أنت واحد من ذنوبه قال فما لك لم تضحك قط قال لم أر ما يضحكني وكيف من خلق من التراب وإلى التراب يعود قال فإني أضحك من اللهو قال ليست القلوب سواء قال فهل رأيت من اللهو شيئا قال لا فدعا بالزمر والعود فلما نفخ فيه بكى فقال له الحجاج ما يبكيك قال ذكري يوم ينفخ في الصور وأما هذا العود فمن نبات الأرض وعسى أن يكون قطع في غير حقه وأما هذه المثاني والأوتار فإن الله سيبعثها معك يوم القيامة قال فإني قاتلك قال إن الله قد وقت وقتا أنا بالغه فإن أجلي قد حضر فهو أمر قد فرغ منه ولا محيص ساعة عنه وإن تكن العافية فالله أولى بها قال اذهبوا به فاقتلوه قال أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شريك له استحفظ لها يا حجاج حتى القاك يوم القيامة فأمر به ليقتل فلما تولوا به ليقتلوه ضحك فقال الحجاج ما أضحكك قال عجبت من جراءتك على الله وحلم الله عنك ثم استقبل القبلة فقال إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قال فحولوه عن القبلة قال فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ قال اضربوا به الأرض قال مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى قال اضربوا عنقه قال اللهم لا تحل له دمي ولا تمهله بعدي فلما قتله لم يزل دمه يغلي حتى ملأ أثواب الحجاج وفاض حتى دخل تحت سريره فلما رأى ذلك هاله وافزعه فبعث إلى بياذوق المتطبب فسأله عن ذلك فقال لأنك قتلته ولم يهله ذلك ففاض دمه ولم يخمد في نفسه ولم يخلق الله شيئا أكثر دما من الإنسان فلم يزل به ذلك الفزع حتى منع منه النوم فيقول ما لي ولك يا سعيد بن جبير ستة أشهر ثم إن بطنه استسقى حتى انشق فمات فلما دفن لفظته الأرض وبقي بعد سعيد بن جبير ستة أشهر ونقل أن السجون عرضت بعد موته فوجد فيها ثلاثة وثلاثون ألفا من المظلومين وقد أحصى من قتله صبرا فوجد مائة ألف وعشرين ألفا: (المراد بالنّور) أي بنوره (الثّاني هنا) أي في تتمة هذه الآية: (محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) لقوله، (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: مَثَلُ نُورِهِ [النُّورِ: ٣٥] أَيْ نُورِ محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) على أنه عطف بيان لما قبله وبها يندفع ما قاله الدلجي في قوله هنا أي في هذه الآية من قوله مثل نوره هو محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فضميره لله تعالى وقوله مثله نوره أي نور محمد ﵇ إن كان قولهما فهو مناقض لما قبله إلا أن يقال الإضافة بيانية أي مثل محمد الذي هو نور وهو بعيد أو لغيرهما فلا تناقض انتهى والأظهر أن يقال المراد بالنور محمد والتقدير مثل نور الله الذي هو مشرق ظهوره ومظهر نوره في عالم الكون بخلقه وأمره حسب قضائه وقدره كمشكاة إلى آخره فإن النور عبارة عن الظهور وقد انكشف به الحقائق الإلهية والأسرار الأحدية والأستار الصمدية
[ ١ / ٤٨ ]
وبه اشرقت الكائنات وخرجت عن حيز الظلمات وبه صلى الله تعالى عليه وسلم فسر بعض المفسرين قوله تَعَالَى قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ. (وقال) وفي نسخة وقاله وهو غير صحيح (سهل بن عبد الله) هو التستري منسوب إلى تستر قال النووي هو بمثناتين من فوق الأولى مضمومة والثانية مفتوحة بينهما سين مهملة مدينة بخوزستان وقال التلمساني والتاآن مضمومتان وقيل بضم الثانية وتفتح وقيل بفتح فقط وقيل بفتح الأولى وبضم الثانية ويقال ششتر بشينين معجمتين من أعمال الأهواز وقيل بحوزستان انتهى وفي القاموس تستر كجندب بلد وبشينين معجمتين لحن وسورها أول سور بعد الطوفان وقد روي أنه كان صاحب الكرامات العالية ولم يكن في وقته له نظير في المعاملات ولم يزل يشتغل في الرياضة العملية إلى أن كان يفطر في كل يوم على أوقية من خبز الشعير بلا أدام فكان يكفيه لقوته درهم واحد في عام وهو مع ذلك يقوم الليل كله ولا ينام وأسلم عند وفاته يهود تنيف على التسعين لما رأوا الناس انكبوا على جنازته وشاهدوا أقواما ينزلون من السماء فيتمسحون بجنازته ويصعدون وينزل غيرهم فوجا بعد فوج وقد توفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين (المعنى) أي معنى الآية كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (الله هادي أهل السّموات والأرض) أي فهم بنوره يهتدون وبظهوره يوحدون ففسر النور بالهادي لأن النور هو الظاهر بنفسه المظهر لغيره وقدر المضاف ليتعلق كمال هدايته بأرباب ولايته (ثم قال) أي سهل بن عبد الله: (مثل نور محمّد) أي صفة نوره العجيبة الشأن الغريبة البرهان (إذ كان) أي حين صار (مستودعا) بفتح الدال أي مودعا (في الأصلاب) أي أصلاب الآباء أولهم آدم ﵊ من الأنبياء فنوره صلى الله تعالى عليه وسلم في كل صلب انتقل إليه (كمشكاة صفتها كذا) أي كصفة كوة غير نافذة موصوفة بكونها فيها مصباح أي سراج أو فتيلة المصباح في زجاجة أي قنديل من الزجاج الزجاجة كأنها إلى آخرها فشبه مادة جسمه وقالبه في أصلاب الآباء السالفة بالكوة في الحائط التي ليست نافذة فصح قوله.
(وأراد بالمصباح قلبه، والزّجاجة) أي وأراد بالزجاجة (صدره: أي كأنّه) يعني صدره المعبر به عن الزجاجة (كوكب) أي نجم (درّيّ) بضم أوله وتشديد آخره أي مشرق يتلألأ كأنه منسوب إلى الدر المضيء وتخفيف ياء فهمزة نسبة إلى الدرة بمعنى الدفع فكأنه يدفع الظلام بنوره ويرفع الحجاب لظهوره وبكسر أوله مع التخفيف والهمز ولعله من تغيرات النسب كما يقال في بصري وبصري (لما فيه من الإيمان والحكمة) أي من نور الإيمان والإيقان والمراد بالحكمة نور النبوة والإيقان على وجه العيان، (توقد) بصيغة المجهول أي من أوقد مذكرا أو مؤنثا وتوقد بصيغة الماضي المعلوم فقراءة التأنيث مرجعها الزجاجة وقراءة التذكير مرجعها مصباح الزجاجة على حذف المضاف (من شجرة مباركة) أي مبتدأة منتشئة من شجرة كثيرة البركة زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ: (أَيْ مِنْ نُورِ إِبْرَاهِيمَ ﵊) إذ هو أصل شجرة التوحيد وفضل ثمرة التفريد، (وضرب) بصيغة المفعول
[ ١ / ٤٩ ]
والفاعل أي بين وعين (المثل بالشّجرة المباركة) فطوبى لشجرة لها هذه الثمرة فجعل إبراهيم ﵊ لكونه معدن اسرار عوارف المنافع وأنوار لطائف الشرائع الذين هم الأنبياء وأتباعهم الاصفياء إذ غالبهم بل كلهم بعده من ذريته فهو شجرة النبوة مشبهة بشجرة مباركة زيتونة لكثرة نفعها إذ هو فاكهة وادام ودواء ودهن له ضياء والحاصل أن نور محمد صلى الله تعالى عليه وسلم انتقل من آبائه الكرام إلى أن ظهر ظهروا بينا في ظهر إبراهيم ﵊ إذ صار علما في علم التوحيد ولا سيما في باب التفويض والاستسلام فهو شجرة كثيرة الخير لأن من بعده من الأنبياء كلهم من ذريته وكان أكثرهم في جهة الشام من الأرض التي بارك الله تعالى حولها وكان الزيتونة إشارة إليها وقوله لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ أي حيث لا تقع الشمس عليها حينا دون حين بل حيث تقع عليها طول النهار كالتي تكون على قلة جبل مرتفعة أو صحراء واسعة فإن ثمرتها تكون أنمى وزيتها أصفى أولا نابتة في شرق المعمورة ولا غربها بل في وسطها وهو توابع الشام فإن زيتونه أجود الزيتون في غيرها وهذا بطريق العبارة وأما بتحقيق الإشارة فإيماء إلى قبلة أهل التوحيد وكعبة أهل التفريد حيث إنها ليست شرقية كقبله النصارى ولا غريبة كقبلة اليهود وبالجملة إشارة إلى أن الملة الحنفية أعدل الملل الإسلامية فأهلها متوسطون بين الخوف والرجاء فلا خوف لهم يزعجهم إلى بعد القنوط ولا رجاء يجرهم إلى بساط الانبساط وقال بعضهم لا دنيوية أو لا أخروية بل جذبة الهية إلى مكانة معنوية (وَقَوْلُهُ: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ [النُّورِ: ٣٥] أَيْ: تَكَادُ نبوّة محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) أي المقتبسة من شجرة النبوة. (تبين) بفتح فوقية وكسر موحدة أي تظهر (للنّاس قبل كلامه) أي بادعاء النبوة حالة الرسالة لقوة ما فيها من الأنوار الإلهية ولكونه مظهر الأسرار الصمدية (كهذا الزّيت) أي في صفاء ظاهره وباطنه حيث يضيء ولو لم تمسسه نار من الأنوار الحسية وبعد اجتماع النبوة والرسالة والجمع بين الخلوة والجلوة نُورٌ عَلى نُورٍ كما في اجتماع النار مع ضياء الزيت في كمال الظهور يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ أي لأجل نوره وبواسطة ظهوره أو إلى حضرة نوره وأخذ النور من حضوره من يشاء من خواص أوليائه وأكابر أصفيائه وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ فيه إشعار بأن ما قبله إنما هو مثل للاستئناس ليدرك المعنى في قالب المبنى لكن لا يعقلها إلا العالمون العاملون والمخلصون الكاملون رضي الله تعالى عنهم وجعلنا بفضله منهم، (وقد قيل في الآية) أي على ما ذكره المفسرون وأرباب العربية (غير هذا) أي غير ما ذكرنا مما يتعلق بالعبارة والعاقل تكفيه الإشارة لأن الزيادة على العلامة ربما تورث الملالة والسآمة (وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي القرآن في غير هذا الموضع نورا) أي عظيما مطلقا (وَسِراجًا مُنِيرًا) أي شمسا مضيئة حقا ولعل وجه التذكير أنها كوكب والظاهر أنه من باب التشبيه البليغ وكون المشبه به أقوى من حيث شهرته ووضوح دلالته العامة للخاص والعام من عالم الخلق. (فقال) أي الله تعالى: (جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ) أي لظهور الحق
[ ١ / ٥٠ ]
وإبطال الباطل وأطلق عليه ﵊ لأنه يهتدي به من الظلمات إلى النور (وَكِتابٌ مُبِينٌ [المائدة: ١٥] بين الإعجاز ومبين الاحكام بالإيجاز وهذا شاهد للمدعي الأول وبيانه أن الأصل في العطف المغايرة وقد حاول بعض المفسرين بأنه من باب الجمع بين الوصفين باعتبار تغايرهما اللفظي وأن المراد بهما القرآن وقد يقال في مقابلهم وأي مانع من أن يجعل النعتان للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم فإنه نور عظيم لكمال ظهوره بين الأنوار وكتاب مبين حيث إنه جامع لجميع الاسرار ومظهر للأحكام والأحوال والأخبار (وقال) أي الله سبحانه مخاطبا له صلى الله تعالى عليه وسلم: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا) أي على من بعثك إليهم بتصديقهم وتكذيبهم أو شاهدا على جميع الشهداء من الأنبياء كما يستفاد من قَوْلُهُ تَعَالَى فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا وهو وما بعده أحوال مقدرة مخبرة بحيازته جميع الجهات المعتبرة (وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) أي منذرا ولعل وجه العدول رعاية الفواصل أو تفنن العبارة في المحل القابل فهو بشير ونذير ومبشر ومنذر للمطيعين بالجنة والوصلة وللعاصين بالحرقة والفرقة (وَداعِيًا) أي جميع الخلق (إِلَى اللَّهِ) أي إلى دينه وحبه ومقام قربه (بِإِذْنِهِ) أي بأمره وتيسيره (وَسِراجًا مُنِيرًا [الأحزاب: ٤٥، ٤٦]) يميز بين الحق والباطل في المعتقدات وبين الحلال والحرام في المعاملات وبين محاسن الاخلاق ومساويها في الرياضات فهو الداعي بالشريعة والطريقة والحقيقة إلى المراتب الحقية والدرجات العلية عليه أفضل الصلاة وأكمل التحية.
(ومن هذا) أي الباب أو النوع أو القبيل (قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] إلى آخر السّورة) استفهام أفاد انكار نفي الشرح مبالغة في اثباته إذ انكار النفي نفي له ونفي النفي إثبات أي قد شرحناه لك ومن ثم عطف عليه قوله وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ إشارة إلى المبنى ورعاية للمعنى ومعنى قوله. (شرح: وسّع) بالتشديد، (والمراد بالصّدر هنا: القلب) لأن الصدر غير قابل للتضييق والتوسيع أي وسع قلبه لتجليات ربه وتنزلات حكمه بعد ما كان يضيق صدره لما ينعكس عليه من غبار غيره لقوله تَعَالَى وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ أي فينا أو في القرآن أو فيك ثم قال تعالى كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ فهذا نهي تكوين كما أن قوله تعالى لكِنْ أمر تكوين فيكون المأمور ولا يكون المنهي وبه ينتفي التلوين ويتحقق التمكين المعبر عنه بمرتبة جمع الجمع بين مناجاة الحق ومفاداة الخلق بحيث لا تحجبه الكثرة عن الوحدة ولا عكسه. (قال ابن عبّاس ﵄) أي كما رواه أبن أبي حاتم عن عكرمة وابن مردويه وابن المنذر في تفسيرهما عنه أنه قال: (شرحه بنور الإسلام) وفي نسخة بالإسلام وفي أخرى بالإيمان والمعاني متقاربة البيان أي فسح قلبه ووسعه بسبب نور الانقياد وتفويض الأمر إلى المريد المراد العالم بالعباد والعباد في جميع البلاد وفيه إيماء إلى قوله تعالى أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ، (وقال سهل: بنور الرّسالة) أي شرحه به خصوصا
[ ١ / ٥١ ]
فلا ينافي ما تقدم عموما. (وقال الحسن) أي الحسن البصري وهو من أفاضل التابعين ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر ﵁ تعالى ومات بالبصرة سنة عشر ومائة وهو ابن ثمان وثمانين سنة وكانت أمه خادمة أم سلمة رضي الله تعالى عنها من أمهات المؤمنين فكان إذا بكى في صغره جعلت ثديها في فمه فأصاب لذلك بركة عظيمة حتى صار عالما زاهدا يضرب به المثل في كمال العلم والعمل أخرج له الجماعة في الكتب الستة: (ملأه) بالهمزة أي ملأ قلبه (حكما) أي ما يحكم من الأحكام (وعلما) أي بجميع ضروريات الانام وفي نسخة بكسر الحاء وفتح الكاف جمع الحكمة فلعله أراد بها السنة وبالعلم ما يتعلق بالكتاب من جهة دلالة المعنى وقراءة المبنى، (وقيل معناه: ألم نطهّر قلبك) من الاستئناس بالناس (حتّى لا يؤذيك) وفي نسخة لا يقبل (الوسواس) أي لا يشوش عليك الموسوسون من الإنس والشياطين حالة الحضور في حضرة العيان وهو أتم وأعم من تفسير بعضهم الوسواس بالشيطان والحاصل أن الهمزة للتقرير في البيان والمعنى قد طهرنا لك صدرك ولذا عطف عليه قوله (وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ) أي إثمك وأصله ما يحمل على الظهر ولذا قال (الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح: ٨- ٩]) أي أثقله حتى ظهر نقيضه ونقيض الظهر صوته.
(وقيل) أي في المراد من قوله وزرك (ما سلف من ذنبك) يعني من التقصيرات أو الهفوات والغفلات (يعني) أي يريد صاحب القيل بهذا القول (قبل النّبوّة) لأنه كان بعدها في مرتبة العصمة، (وقيل أراد) أي الله تعالى به (ثقل أيّام الجاهليّة) وهو بكسر المثلثة وفتح القاف ضد الخفة ويجوز تسكينها تخفيفا وهو لا ينافي أن الثقل بالكسر والسكون واحد الأثقال لأنه لا شك أن المراد به نوع من أثقال الأحمال وهو الواقع في ازمنة الجاهلية من أصحاب الفترة قبل ظهور نور الدولة الإسلامية وقبل إعلاء أعلام العلوم الدينية ولعل فيه إيماء إلى قوله تعالى مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ أي تفاصيل ما يتعلق به على وجه الإيقان ومنه قوله تعالى وَوَجَدَكَ ضَالًّا أي جاهلا عن كمال المعرفة فهدى أي فهداك هداية كاملة وهدى بك جميع الأمة وأما الثقل بفتحتين بمعنى متاع المسافر فلا يبعد أن يكون مرادا هنا إشعارا بأنه ﷺ حال سلوكه وسيره كان حاملا لأمور ثقيلة على ظهره فرفعها الله تعالى عنه حتى تمكن في مقام تفويضه وتسليم أمره، (وَقِيلَ أَرَادَ مَا أَثْقَلَ ظَهْرَهُ مِنَ الرِّسَالَةِ) أي من أعبائها فإنه من باب التوجه من الحق إلى الخلق وهو مستثقل عند أرباب الولاية إلا بعد حصول مرتبة جمع الجمع الذي يزيل تفرقة بالكلية بحيث لا تشغله الكثرة عن الوحدة ولا الوحدة عن الكثرة (حتّى بلّغها) بتشديد اللام أي حتى بلغ الرسالة بعد ما بلغ تلك الحالة، (حكاه الماورديّ) من علماء الظاهر وهو ممن تفقه على أبي حامد الاسفراييني وصنف في الفقه والتفسير والأصول توفي سنة خمسين وأربعمائة وهو أبو الحسن بن علي بن حبيب الشافعي (والسّلميّ) من علماء الباطن وهو أبو عبد الرحمن بن عبد الله بن حبيب الكوفي سمع عليا وأبا موسى وغيرهما توفي في زمن بشر بن مروان
[ ١ / ٥٢ ]
بالكوفة سنة اثنتي عشرة وأربعمائة وهو بضم السين وفتح اللام منسوب إلى سليم كذا ذكره التلمساني وهو غير صحيح فإنه متناقض الآخر والأول فتأمل والصواب ما ذكره الحلبي بقوله هو أبو عبد الرحمن السلمي النيسابوري شيخ الصوفية وصاحب تاريخهم وطبقاتهم وتفسيرهم مولده سنة ثلاثين وثلاثمائة وتوفي في شعبان سنة اثنتي عشرة وأربعمائة له ترجمة في الميزان، (وقيل عصمناك) أي حفظناك من ارتكاب الذنوب في فعلك (ولولا ذلك) أي عصمتنا لك (لأثقلت الذّنوب ظهرك) وهذا معنى بديع (حكاه السّمرقنديّ) أي أبو الليث وبقي قوله تعالى، (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [الشَّرْحِ: ٤] قَالَ يَحْيَى بْنُ آدم) أي ابن سليمان الأموي مولاهم الكوفي أحد الأعلام أخرج له أصحاب الكتب الستة توفي سنة ثلاث ومائتين:
(بالنبوّة) أي ورفعنا ذكرك بسبب النبوة بين الملائكة أو بالنبوة المقرونة بالرسالة بين جميع الأمة أو بالنبوة الروحانية المختصة قبل خلقة آدم بين أرواح المرسلين والملائكة المقربين، (وقيل) أي في معناه (إذا ذكرت ذكرت معي) وسيأتي أن هذا حديث مرفوع قيل، (في قوله) كذا بالإضافة إلى الضمير أي في قول القائل والأظهر أن يقال في قوله: («لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ») كما في نسخة وهو مجرور كما هو ظاهر وأغرب الحلبي حيث تبع ضبط بعضهم بالرفع وحاول وجهه بما لا طائل تحته ولعله مبني على أنه وجد في نسخة قول بلا حرف الجر. (وقيل في الأذان) والأول أعم ولا يبعد أن يقال المراد برفع ذكره أنه جعل ذكره ذكره كما جعل طاعته طاعته ولا مقام فوق هذا في الرتبة وهو تشبيه بليغ يمنع الاتحاد القائل به أهل الإلحاد، (قال الفقيه القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى) أي المصنف (هذا) أي ما ذكر في هذه السورة من شرح الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر (تقرير) أي تثبيت وتمهيد (من الله جلّ اسمه) أي عظم اسمه فضلا عن مسماه (لنبيّه صلى الله تعالى عليه وسلم على عظيم نعمه لديه) أي دال على عظمة نعمته السابقة الظاهرة والباطنة عنده ﷾ (وشريف منزلته) أي قربه ومرتبته، (عنده) أي عنديته المعبر بها عن المكانة (وكرامته) أي وعلى شريف إكرامه وإعظامه (عليه) ﷾، (بأن شرح قلبه للإيمان) أي الكامل الإيقان (والهداية) أي الموصلة إلى مقام الإحسان أو هداية أفراد الإنسان إلى مراتب حقائق الإيمان (ووسّعه) بتشديد السين أي وجعل قلبه وسيعا (لوعي العلم) أي حفظه، (وحمل الحكمة) أي وتحمل ما يحكم العلم به من أمر النبوة (ورفع عنه ﷺ ثقل أمور الجاهليّة عليه وبغّضه) بتشديد الغين المعجمة أي جعله مبغوضا (لسيرها) بكسر ففتح جمع سيرة والضمير إلى الجاهلية أي لقواعدها وكان الظاهر أن يقول وبعض سيرها له ولعله من باب القلب على قصد المبالغة وأما ما ضبط بصيغة المصدر في بعض النسخ فلا وجه له أصلا لا نوعا ولا فصلا (وما كانت) عطف على سيرها أي ولما كانت الجاهلية (عليه بظهور دينه) متعلق برفع أي بغلبة أمر دينه وتعليته (على الدّين كلّه) أي على الأديان جميعها، (وحطّ) أي وضع الله (عنه عهدة أعباء الرّسالة، والنّبوّة) أي تكليف ثقلهما
[ ١ / ٥٣ ]
وحملهما وهو الجمع بينهما بالأخذ عن الحق وهو مرتبة النبوة والإيصال إلى الخلق وهو منزلة الرسالة وهو أمر صعب إلا لمن وفقه الله تعالى وقواه ومنه قوله تعالى إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا والاعباء بفتح الهمزة جمع عبء بكسر فسكون فهمز (لتبليغه) باللام وفي نسخة بالباء وما لهما واحد إذ اللام تعليلية والباء سببية أي لإبلاغه صلى الله تعالى عليه وسلم (للنّاس ما نزّل إليهم) أي متلوا كان أو غيره من أمر ونهي ووعد ووعيد وهذا مقتبس من قوله تعالى وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (وتنويهه) أي ولرفعه قدره المشعر (بعظيم مكانه) أي مكانته وشأنه (وجليل رتبته) أي عظيم مرتبته (ورفعة) أي ولرفع الله (ذكره) وفي نسخة ورفعة ذكره ويروى ورفيع ذكره، (وقرانه) أي ولجمع الله أي في كلامه بأمره وحكمه (مَعَ اسْمِهِ اسْمَهُ قَالَ قَتَادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ ذكره في الدّنيا والآخرة) أي رفعة حسية ومعنوية (فليس خطيب) أي فوق منبر (ولا متشهّد) أي عند إيجاب الإيمان أو تجديد الإيقان، (ولا صاحب صلاة) أي في قعدة أخيرة (إِلَّا يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وأنّ محمّدا رسول الله) أو عبده ورسوله وأن الأولى مخففة من المثقلة. (وروى أبو سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه) كما في صحيح ابن حبان ومسند أبي يعلى (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇، فقال إنّ ربّي وربّك يقول تدري) أي أتدري كما في نسخة صحيحة (كيف رفعت ذكرك) وفي نسخة فقلت: (الله ورسوله أعلم) الظاهر أن قوله ورسوله سهو قلم وإن وقع في نسخة زيادة يعني جبريل فإنه لا يلائم المقام، (قال) أي الله ﷾: (إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي. قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ) هو أبو العباس أحمد ابن محمد بن سهل بن عطاء الآدمي الزاهد البغدادي أحد مشايخ الصوفية بالعراق كان قانتا مجتهدا في العبادة لا ينام من الليل إلا ساعتين ويختم القرآن في كل يوم وله أحوال ومعارف وكرامات سنية مات سنة تسع وتسعين وثلاثمائة كذا ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني والحاصل أنه قال معنى رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ: (جعلت تمام الإيمان بذكري معك) وفي نسخة بذكرك معي وهو الأظهر فلا يصح ولا يعتد به شرعا ما لم يتلفظ بكلمتيه إقرارا بحقية وحدانيته تعالى وحقية رسالته صلى الله تعالى عليه وسلم بناء على اشتراط التلفظ بهما في صحته من قادر وبه قال الجمهور والحق إن اشتراطه مع إظهاره إنما هو لإجراء أحكام الإسلام عليه في الدنيا من عصمة دمه وماله ونحو ذلك فمن آمن بقلبه ولم يتلفظ بهما نفعه إيمانه عند الله تعالى وكان تاركا للأفضل كذا ذكره الدلجي وفيه أبحاث ليس هنا محلها، (وقال) أي ابن عطاء: (أيضا جعلتك ذكرا من ذكري) أي نوع ذكر من أذكاري، (فمن ذكرك ذكرني) أي فكأنه ذكرني وهو قريب مما قدمناه. (وقال جعفر بن محمّد الصّادق) بالرفع (لا يذكرك أحد بالرّسالة) أي بالإرسال للعبودية (إلّا ذكرني بالرّبوبيّة) أي وبتوحيد الألوهية، (وأشار بعضهم) كالماوردي (بذلك) أي بقوله وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (إلى مقام الشّفاعة) فإنه يظهر رفعته في تلك الحالة على جميع البرية ثم لا منع من إرادة الجمع، (ومن ذكره) جار
[ ١ / ٥٤ ]
ومجرور مضاف (معه تعالى) أي مع ذكره، (أن قرن) بفتح أن المصدرية (طاعته) صلى الله تعالى عليه وسلم، (بطاعته) ﷾ (واسمه باسمه فقال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) وكان الأظهر أن يقال وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول كما في نسخة. (وآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحديد: ٧]) وربما يقال الآية الأولى هي الأولى للدلالة على الاتحاد في المدعي بحسب المعنى. (فجمع بينهما) أي من غير إعادة العامل (بواو العطف المشرّكة) بتشديد الراء وفي نسخة بتخفيفها أي الجاعلة للمعطوف اشتراكا في المعطوف عليه بالنسبة إلى الفعل المسند إليه وهو لا ينافي أن بينهما تفاوتا في المرتبة حيث إن الإيمان بالله يقتضي الأصالة والإيمان برسوله يوجب التبعية، (وَلَا يَجُوزُ جَمْعُ هَذَا الْكَلَامِ فِي غَيْرِ حقّه) أي في حق أحد غير حقه (﵊) أي ممن لا يكون في مرتبته من وجوب الإيمان والإسلام وإلا فيقال آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأمثاله وكان الأظهر أن يقال ولا يجوز لأحد غير الله ﷾ أن يجمع هذا الجمع في الكلام كما يدل عليه استدلاله بالأحاديث الواردة عنه ﵊ حيث قَالَ (حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ محمّد الجيّانيّ) بفتح الجيم وتشديد التحتية نسبة إلى بلدة بالأندلس مات سنة ثمان وتسعين وأربعمائة له كتب مفيدة في تقييد الألفاظ وغيرها (الحافظ) وهو في اصطلاح المحدثين من أحاط علمه بمائة ألف حديث (فيما أجازنيه وقرأته على الثّقة) بكسر المثلثة وهو المعتمد وهو أبو علي بن سكرة الصدفي أو غيره من مشايخه (عنه) مرويا عن الجياني وقد أجاز وكان يمكنه السماع منه (قال) أي الجياني في الإجازة أو الراوي عنه في القراءة (أنبأنا أبو عمر النّمريّ) بفتحتين وقد سبق أنه الحافظ ابن عبد البر، (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ. قال حدّثنا أبو بكر بن داسة) سبق ذكره، (حدّثنا أبو داود السّجزيّ) بكسر مهملة وسكون جيم فزاي نسبة إلى سجستان بكسر أوله وقيل بفتحه على غير قياس وهو إقليم ذو مدائن بين خراسان والسند وكرمان. (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الباهلي (الطّيالسيّ) أخرج له الجماعة الستة قال أحمد هو اليوم شيخ الإسلام مات سنة سبع وعشرين ومائتين، (حدّثنا شعبة) هو ابن الحجاج سمع كثيرا من التابعين ومات سنة ومائة وستين (عن منصور) أي ابن المعتمر أبو عتاب السلمي توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة (عن عبد الله بن يسار) بتحتية مفتوحة وسين مهملة هذا هو الجهني الكوفي أخرج له أبو داود والنسائي وهو أخو سليمان وسعيد توفي عام إحدى وثلاثين ومائة (عن حذيفة ﵁) أي ابن اليمان (عن النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أسنده المصنف هنا من طريق أبو داود ورواه أيضا النسائي وابن أبي شيبة: (قَالَ لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، وشاء فلان) أي مع إعادة الفعل بصريحه فكيف مع حذفه وتقديره لتوهم الاشتراك في معية المشيئة وإن كانت الواو مفيدة لمطلق الجمع والاشتراك لا شك أنه من الاشراك وفلان يشمل جميع الخلق ولو من الأنبياء والأصفياء، (ولكن) أي يجوز له أن يقول (ما شاء الله ثمّ شاء فلان)
[ ١ / ٥٥ ]
على ما في الأصول المصححة أي متابعة لمشيئة وموافقة لإرادته لأن للمشيئة ولو تأخرت تأثيرا في قضيته فإن ما شاء الله كان سواء شاء أو أبى فلان وما لم يشأ لم يكن سواء شاء أو ما شاء فلان مع أن العبد لم يكن له مشيئة إلا بعد تعلق مشيئة الله بمشيئته كما قال ﷾ وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ. (قال الخطّابيّ) بفتح معجمة وتشديد مهملة هو الإمام الحافظ أبو سليمان البستي نسبة إلى جده ويقال إنه من سلالة زيد بن الخطاب كان إماما كبيرا تفقه على القفال وغيره توفي ببست سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة: (أرشدهم صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الأدب) أي الواجب مراعاته من جهة الرب (فِي تَقْدِيمِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَشِيئَةِ من سواه، واختارها) قال الحجازي ويروى واختازها بمهملة وزاء والظاهر انه تصحيف أي واختار العبارة في تغييرها لتعبيرها (بثمّ التي هي للنّسق) بفتحتين أي للعطف بالترتيب (والتّراخي) أي المهلة في الوجود والرتبة (بخلاف الواو التي هي للاشتراك) وهو قد يكون بالمعية والقبلية والبعدية وبخلاف الفاء التعقيبية، (ومثله) أي مثل الحديث المتقدم في النهي (الْحَدِيثُ الْآخَرُ: أَنَّ خَطِيبًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم) قيل هو ثابت ابن قيس بن شماس. (فَقَالَ: مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ) بفتحهما وبكسر الثاني بمعنى اهتدى، (ومن يعصهما) أي فقد غوى كما في نسخة صحيحة أي ضل عن طريق الهدى.
(فقال له النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ قُمْ) أي من هذا المجلس (أو قال اذهب) أي فإنك قليل الأدب والحديث أخرجه النسائي في اليوم والليلة وأبو داود في الأدب ورواه مسلم أيضا (قال أبو سليمان) أي الخطابي: (كره) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (منه) أي من الخطيب (الجمع بين الاسمين بحرف الكناية) مأخوذة من الكن وهو الستر وهو تعبير كوفي بمعنى الضمير المأخوذ من الضمور والضمار الذي هو الخفاء ويقابلها الظهور والظاهر وهو ضد المضمر وهو تعبير بضري (لما فيه) أي في الجمع بينهما بالكناية (من التّسوية) أي توهمها المقتضي للشركة بينهما وفيه أن توهم التسوية موجود ظاهرا في المظهر أيضا مع أن إطاعتهما وعصيانهما متلازمان في ترتب الهداية والغواية كما يشير إليه قوله تعالى وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ بإفراد الضمير الشامل لكل منهما وإن كانت رتبته تعالى أجل وأعظم من أن تقابل بمرتبة مخلوق وإن كان تشرف وتكرم ولذا قال النووي والصواب أن سبب النهي والذم هو أن الخطيب شأنه الإيضاح واجتناب الرمز والإشارة لا كراهة الجمع بين الاسمين بالكناية لأنه ورد في مواضع منها قوله ﵊ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سواهما ومما يقوي كلام النووي أن كلام الخطيب جملتان مستقلتان، (وذهب غيره) أي غير الخطابي وأراد بعضهم (إلى أنّه إنّما كره له الوقوف) أي التوقف (على يعصهما) لو صح هذا الوقف سواء أتى بعده بقوله فقد غوى أو اقتصر اكتفاء بما يعرف من الد فإنه مقصر لا محالة لعدم تمام الكلام ونظام المرام ووجود الإيهام، (وقول أبي سليمان) أي الخطابي (أصحّ) أي من قول القائل السابق (لما
[ ١ / ٥٦ ]
رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ يعصهما فقد غوى، ولم يذكر) في هذا الحديث (الوقوف على يعصهما) وأنت قد عرفت الاحتمالين ومن حفظ حجة على من لم يحفظ والاثبات مقدم على النفي، (وقد اختلف المفسّرون) للقرآن، (وأصحاب المعاني) أي من أرباب البيان (في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ) الأكثر على النصب عطفا على اسم إن (يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب: ٥٦] هل يصلّون) أي جملتها باعتبار كنايته العائدة (راجعة على الله تعالى والملائكة جميعا) وخبر عنهم مشركة بينهم في ضمير واحد (أم لا) أي بل هي راجعة إلى الملائكة فقط ويقدر لله عامل آخر لتغاير الصلاتين (فأجازه بعضهم) أي ممن قال بالجمع بين المعنيين المشتركين في إطلاق واحد فإن الصلاة من الله تعالى أنزل الرحمة ومن الملائكة الاستغفار والدعوة ومنهم الشافعي وأتباعه، (ومنعه آخرون) أي منع رجوعها إليهم (لعلّة التّشريك) أي بين المعنيين ومنهم أبو حنيفة وأشياعه أو لأجل توهم الاشتراك في العقل وأجازه الأولون لظهور المغايرة عند أرباب العقل ونهى الخطيب إنما كان لترك الأدب الذي هو كما مر شأن الخطبة من الإيضاح واجتناب الرمز (وخصّوا) أي البعض الآخرون (الضّمير) أي في يصلون (بالملائكة وتَقْدِرُوا الآية) أي هكذا (إنّ الله يصلّي، وملائكته يصلّون) أي وجعلوا خبر الثاني دليلا على خبر الأول كما في
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف
والمحققون يجعلونه من باب عموم المجاز ويقولون التقدير أن الله وملائكته يعظمون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كل بما يناسبه من أنواع التعظيم وأصناف التكريم والأولى عندي أن يقال الضمير راجع إلى الكل والمعنى يثنون عليه فالله تعالى عند الملائكة المقربين وفي كتابه المبين وعلى لسان جبريل الأمين والملائكة فيما بينهم لا سيما إذا قلنا إنه أيضا مبعوث إليهم فيجب حينئذ تعظيمه لديهم وثناؤه عليهم وهذا المعنى لغوي حقيقي على ما ذكره صاحب القاموس من أن الصلاة هي الرحمة والدعاء والاستغفار وحسن الثناء هذا وقراءة ابن عباس ورويت عن أبي عمرو وملائكته بالرفع إما عطفا على محل اسم ان أو مبتدأ خبره محذوف وهو مذهب البصريين. (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁) قال الدلجي ولم أدر من رواه (أنّه قال) أي مخاطبا للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم (من فضيلتك عند الله تعالى) أي من جملة فضائلك في حكمه (أن جعل طاعتك طاعته، فقد قال تَعَالَى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠] وقد قال تعالى) الظاهر أنه ليس من قول عمر وعطفه عليه لقربه منه معنى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١] الآيتين) يعني وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ فالآية الثانية تدل على ما تقدم من أن إطاعة الرسول كإطاعة الله وقوله فَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا أو تعرضوا عن كل من إطاعة الله وإطاعة الرسول فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ
[ ١ / ٥٧ ]
بالإعراض عن طريق المؤمنين المطيعين وأما الآية الأولى فهي في رتبة مقام المحبوبية أولى حيث جعل متابعة حبيبه شرطا لتحقق محبته ثم رتب على محبته المقرونة باتباعه محبة ثانية مجازاة من الله ﷾ على محبتهم فمتابعتهم له محفوفة بمحبتين لله سابقة ولا حقة أزلية وأبدية علمية وتنجزيه بل المحبة الأولية هي التي أوجبت المحبة الآخرية كما أشار إليه قوله ﷾ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ والحاصل أنه تعالى سد باب المحبة على جميع الخلق إلا بملازمة باب الحبيب ومتابعة آداب الطبيب الجامع بين مرتبة المحبة والمحبوبية والمريدية والمرادية والطالبية والمطلوبية والسالكية والمجذوبية فأبواب أرباب الهدى سدت السدى ومن جاء هذا الباب لا يخشى الردى ثم المحبة ميل نفس إلى ما فيه كمال يحملها على ما يقرب إليه فإذا علم العبد أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله وإن كل كمال في نفسه أو غيره إنما هو من الله وبه وإليه لم يكن حبه إلا له تعالى وفيه تعالى وذلك يدعو إلى طاعته المستلزمة لطاعة رسوله ولكونها بالإرادات أشد منها بالإدراكات فسرت بإرادة طاعته والتحرز عن معصيته ومحبته تعالى لعباده إرادة هدايتهم وتوفيقهم في الدنيا وحسن ثوابهم في الآخرى والعقبي. (وروي) أي عن جماعة كابن المنذر عن مجاهد وقتادة (أنّه لمّا نزلت هذه الآية) أي قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ، (قالوا) أي بعض الكفار (إنّ محمّدا يريد أن يتّخذه حنانا) أي ربا ذا رحمة (كما اتّخذت النّصارى عيسى حنانا) ومنه قوله تعالى وَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا وقيل محببا وقيل متمسحا به ومنه قول ورقة بن نوفل حين مر ببلال وهو يعذب والله لئن قتلتموه لاتخذته حنانا أي لأجعلن قبره موضع حنان أي مظنة رحمة من الله فاتمسح به متبركا كما يتمسح بقبور الصالحين الذين قتلوا في سبيل الله من الأمم الماضية فيرجع ذلك عارا عليكم ومسبة عند الناس راجعة إليكم، (فأنزل الله ﷿) أي بعد تلك الْآيَةَ (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ [آلِ عِمْرَانَ: ٣٢]) تأكيدا للمتابعة (فقرن طاعته بطاعته صلى الله تعالى عليه وسلم) أي تعظيما لقدره وتشريفا لأمره، (رغما لهم) بفتح الراء وهو الأشهر أي غيظا لألوفهم وكرها لألوفهم ففي القاموس الرغم الكره ويثلث وأصل هذه الكلمة من الرغام وهو التراب يقال رغم أنفه بالكسر إذا لصق بالرغام فالمعنى إلصاقا لأنوفهم بالتراب جزاء لأنفتهم من ملازمة هذا الباب ومتابعة هذا الجناب على وفق الكتاب وآداب رب الأرباب لأولي الألباب، (وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى في أُمُّ الْكِتابِ) أي أصل الكتاب المشتمل على إجمال جميع الأبواب من الثناء على الله والتعبد له والاستعانة به وطلب الهداية إليه والوعد والوعيد منه وهو سورة الفاتحة الخاتمة (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) أي من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهذا أولى ما قيل في الآية وهو صلى الله تعالى عليه وسلم يدخل فيه دخولا أوليا بلا مرية (فقال أبو العالية، والحسن البصريّ) أما الحسن بن أبي الحسن البصري فقد تقدمت ترجمته مجملة وأما أبو العالية فهما اثنان تابعيان من أهل البصرة فأحدهما أبو العالية
[ ١ / ٥٨ ]
الرياحي بكسر الراء وبالتحتية واسمه رفيع بن مهران اسلم بعد عامين من موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم روى عن عمر وأبي وابن عباس رضي الله تعالى عنهم وروى عنه قتادة وغيره أخرج له الجماعة توفي سنة تسعين والثاني أبو العالية البراء بفتح موحدة وتشديد راء بعده همزة واسمه زياد يروي عن ابن عباس وغيره وروى عنه أيوب السجستاني وغيره أخرج له الشيخان والنسائي والثاني بالكنية أشهر والمراد هنا الأول وله تفسير وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يعظمه ويجلسه معه على السرير ويفرش تحته: (الصّراط المستقيم) بالنصب على الحكاية وهو أولى من الرفع المبني على الإعراب بالابتدائية (هو رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وخيار أهل بيته، وأصحابه) بشهادة حديث خير القرون قرني وحديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ولا يخفى أنه لا يصح الحمل إلا بتقدير وهو طريق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وخيار اتباعه أو يحمل عليه مبالغة كرجل عدل فكأنه صلى الله تعالى عليه وسلم واتباعه لكمال اتباعه عين الطريق في عالم التحقيق فإن من المعلوم أنه ليس هناك صراط حسي فليس المراد إلا أنه طريق معنوي فمن تبعه أوصله إلى مطلوبه وبلغه إلى محبوبه، (حكاه) أي روى هذا التفسير (عنهما أبو الحسن الماورديّ) تقدم ذكره أي عن أبي العالية والحسن ورواه في المستدرك عن أبي العالية وصححه، (وحكى مكّيّ عنهما نحوه) أي بمعناه لا بلفظه ومكي هذا هو أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي أصله من القيروان وانتقل إلى الأندلس وسكن قرطبة وهو من أهل التبحر في علوم القرآن والعربية كثير التأليف في علم القرآن توفي سنة سبع وثلاثين وأربعمائة بقرطبة، (وقال) أي مكي (هو رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَاحِبَاهُ، أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄) ولعل وجه تخصيصهما أنهما مما اتفق الامة على حقيقتهما وجلالتهما وعلى ثبوت احكامهما بمحضر بقية الصحابة في مجالسهما فكان أقوالهما وأفعالهما بمنزلة الإجماع التقريري أو السكوتي بخلاف من بعدهما فإنه وقع الاختلاف في أمورهم من حيث تنكير بعض الصحابة وتقرير آخرين منهم في شأنهم ولا عبرة بطعن كلاب أهل النار من المبتدعة الرافضة طريق الابرار الخارجة عن الصراط المستقيم والدين القويم، (وحكى أبو اللّيث السّمرقنديّ مثله) أي مثل المحكي السابق في الصراط المستقيم عن المكي راويا له (عن أبي العالية في قوله ﷿) أي تفسير قوله (صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) أي أنه رسول الله وصاحباه ومآلهما واحد لأن الثاني بدل او عطف بيان للأول (قال) أي أبو الليث (فبلغ ذلك) أي فوصل تفسير أبي العالية هذا (الحسن) أي البصري من عاصم، (فقال صدق والله) أي في البيان (ونصح) أي الأمة في هذا التبيان (وحكى الماورديّ ذلك) أي القول المذكور (في تفسير صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ عن عبد الرّحمن بن زيد) أي ابن اسلم المدني روى عن أبيه وابن المنكدر وعنه أصبغ وقتيبة وهشام ضعفوه له تفسير وقد أخرج له الترمذي وابن ماجه ووالده زيد يروي عنه
[ ١ / ٥٩ ]
البخاري بواسطة، (وَحَكَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ) أي بعض العارفين (في تفسير قوله تعالى: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ) أي تمسك (بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى [لقمان: ٢٢] إنّه) أي العروة الوثقى وتذكيره باعتبار خبره وهو (محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) إذ من وثق به نجا ومن تبعه اهتدى (وقيل) أي المراد بالعروة (الإسلام، وقيل شهادة التّوحيد) والمآل متحد عباراتنا شتى وحسنك واحد. (وقال سهل) أي التستري (في قوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [إبراهيم: ٣٤] . قال) أي سهل (نعمته بمحمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) ويروى نعمته محمد ﵊ والأول هو الصحيح لعدم صحة الحمل في الثاني اللهم إلا أن يقال التقدير نعمته نعمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم والإضافة إلى الجلالة نظرا إلى الحقيقة والأصالة والمراد بنعمته إنعامه به علينا إذ إنعامه أصل النعم لصدورها عنه فائضة علينا لا يحصى عد أنواعها إجمالا فضلا عن إفرادها تفصيلا، (وقال تعالى: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ) أي بالحق المطابق للواقع (وَصَدَّقَ بِهِ) أي جمع بين مجيء الصدق واتيان التصديق (أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر: ٣٣]) أي في التحقيق وجمع المشار إليه بالنظر إلى أن معنى الموصول الجنس المفيد للعموم فالمراد بهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم والجمع من حيث إنه الفرد الأكمل للتعظيم أو المراد هو وأمته وهذا أظهر في باب التكريم (الآيتين) فيه أن البقية ليس لها دخل في القضية (أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ هو محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) أي لأن الكلام فيه والمراد هو وحده أو ومن معه من الأنبياء أو وأمته من الأصفياء، (وقال بعضهم: وهو الذي صدق به) وهو الظاهر لعدم إعادة الموصول، (وقرىء صدق بالتّخفيف) وهو يؤيد أنه هو الذي صدق به لأن الثاني متعين فيه، (وقال غيرهم الّذي صدّق به المؤمنون) وفيه اشعار بتقدير الموصول وهو جائز عند بعض أرباب الأصول، (وقيل أبو بكر رضي الله تعالى عنه) أي وأتباعه أو جمع لتعظيمه، (وقيل عليّ رضي الله تعالى عنه) أي وأتباعه وأشياعه أو جمع لتكريمه والأظهر أن تفسير الجمع بينهما لإرادة أمثالهما وخصا بالذكر لأنهما أول من وقع منه التصديق على خلاف بين المرتضى والصديق، (وقيل غير هذا من الأقوال) ومن جملتها ما أشرنا إليه في سابق الحال. (وعن مجاهد ﵁) أي ابن جبير بفتح جيم فسكون موحدة وقيل جبير بالتصغير روى عن أبي هريرة وابن عباس وعنه قتادة وابن عون كان إماما في القراءة والتفسير حجة في الحديث قال كان ابن عمر يأخذ لي بركابي ويسوي على ثيابي إذا ركبت قيل إنه رأى هاروت وماروت وكاد يتلف أخرج له الستة (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨] قال بمحمّد صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه) أي بما يذكر ويروى عنه وعن أصحابه لما يفيد من الدلالات اليقينية والإفادات العلمية في الأمور الشرعية مما تطمئن به القلوب وتسكن به النفوس أو بمجرد ذكره وذكر أصحابه فإن عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة وعند نزول الرحمة يحصل للقلوب الاطمئنان والسكينة.
[ ١ / ٦٠ ]
الفصل الثّاني [في وصفه تعالى بالشهادة وما تعلق به من الثناء والكرامة]
(في وصفه تعالى له) وفي نسخة في وصفه له تعالى وهو خطأ فاحش (بالشّهادة، وما يتعلّق بها من الثّناء والمدح والكرامة) المراد بالشهادة شهادته صلى الله تعالى عليه وسلم بالتزكية للأمة أو بالتبليغ للأنبياء في موقف القيامة بناء على الاحتمالين المفهومين من قَوْلُهُ تَعَالَى فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا وقوله وما يتعلق به أي بوصفه فهو تعميم بعد تخصيص ببعضه وفي نسخة صحيحة وما يتعلق بها والمتبادر أنها ترجع إلى الشهادة والتحقيق أنها لمعنى ما المبين بما بعدها (قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا) أي على من بعثت إليهم بتصديقهم وتكذيبهم ونجاتهم وضلالهم يوم القيامة أو شاهدا لله بالوحدانية أو مشاهدا له بالصمدانية (وَمُبَشِّرًا) أي للمؤمنين بالجنة والوصلة (وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥]) أي منذرا ومخوفا للكافرين بالحرقة والفرقة ولعل وجه العدول عن منذرا إلى نذيرا مراعاة للفاصلة أو تفنن في العبارة ولذا لم يقل بشيرا مع أنه بمعنى مبشر (الآية) وتمامها وداعيا إلى الله أي إلى الإقرار به وبتوحيده بإذنه أي بتيسيره أو بأمره وهو قيد لجميع ما تقدم لا للدعوة وحدها كما يستفاد من البيضاوي والله تعالى أعلم وَسِراجًا مُنِيرًا أي يستضاء به من ظلمات الجهالة ويقتبس من نوره ما يتخلص به عن الضلالة (جمع الله تعالى له في هذه الآية) أي بعد ما تعلق به عين العناية وتحقق له كمال الرعاية (ضروبا) أي أنواعا وأصنافا (من رتب الأثرة) بضم الراء وفتح ثاء جمع رتبة بمعنى المنزلة والمرتبة المخصوصة والأثرة محركة وبضم وبالكسر ما يستأثر به على غيره والأثرة بالضم المكرمة المتواترة كالمأثرة على ما في القاموس وقال النووي بالفتحتين هو الأفصح، (وجملة أوصاف) أي وجمع له نعوتا مجملة أو كثيرة (من المدحة) بكسر الميم أي الثناء والذكر الحسن وإذا فتحت الميم قلت المدح، (فجعله) أي الله تعالى (شاهدا على أمّته لنفسه) أي لذاته الشريفة (بإبلاغهم الرّسالة) من إضافة المصدر إلى مفعوله أي بإبلاغه إياهم ما يتعلق بأمر الرسالة (وهي) أي هذه الخصلة التي هي الشهادة لنفسه على الأمة بدون البينة (من خصائصه صلى الله تعالى عليه وسلم) أي حيث لم يجعل غيره شاهدا بنفسه لنفسه على أمته فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا جحدت أمتهم تبليغهم إياهم فشهدوا لأنفسهم به فإن الله تعالى يطالبهم بالبينة وهو أعلم فنشهد لهم به فتقول أممهم لنا بم عرفتم ذلك فنقول بإخبار الله تعالى لنا في كتابه فيسأل الله تعالى نبينا عنا فيزكينا بشهادة وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا الآية وكفى بها حاكما على كون الإجماع حجة، (ومبشّرا لأهل طاعته) أي بالثواب العظيم، (ونذيرا لأهل معصيته) أي بالعقاب الأليم، (وداعيا إلى توحيده، وعبادته) أي من الدين القويم وفي أصل الدلجي وداعيا إلى الله بإذنه على وفق الآية أي بتيسيره وتسهيله، (وَسِراجًا مُنِيرًا) أي مضيئا (يهتدى به للحقّ) بصيغة المجهول أي يهتدي الخلق به إلى
[ ١ / ٦١ ]
الحق كما يمد بنور السراج نور الأبصار وإلى صراط مستقيم (حدّثنا الشّيخ أبو محمّد بن عتّاب ﵀) بفتح مهملة وتشديد فوقية فموحدة قال الحجازي ليس للقاضي عياض رواية عن محمد بن عتاب وإنما يروي عن أبي محمد بن عبد الله بن محمد بن عتاب انتهى وكذا قال التلمساني هو عبد الله بن محمد بن عتاب سمع منه القاضي في رحلته إلى الأندلس انتهى وقال العسقلاني هو مسند الأندلس في زمانه عبد الرحمن بن محمد بن عتاب القرطبي الأندلسي سمع من أبيه وكان واسع الرواية فأكثر عنه وعن حاتم بن محمد الطرابلسي وغيرهما وأجاز له جماعة من الكبار منهم مكي بن أبي طالب المقري وكان ابن عتاب عارفا بالقراآت ذكر الكثير من التفسير والعربية واللغة والفقه كريما متواضعا زاهدا ومات سنة عشرين وخمسمائة (حدّثنا أبو القاسم حاتم بن محمّد) أي ابن عبد الرحمن بن حاتم التميمي المعرف بابن الطرابلسي وقد قرأ عليه أبو علي الغساني صحيح البخاري مرات (حدّثنا أبو الحسن) أي علي بن محمد بن خلف المغافري الفروي (القابسيّ) بكسر الموحدة وإنما قيل القابسي لأن عمه كان يشد عمامته شدة أهل قابس توفي سنة ثلاث وأربعمائة بمدينة القيروان ودفن بباب تونس، (حدّثنا أبو زيد المروزيّ) وهو محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد الإمام البارع المحقق النحرير المدقق الزاهد العابد المجمع على جلالته وعظمته قال الحاكم جاور بمكة وحدث بها وببغداد بصحيح البخاري عن الفربري وهو أجل الروايات بجلالة أبي زيد توفي بمرو سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، (حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بتثليث السين وبالهمزة والإبدال كيونس وهو ابن مطر بن صالح ابن بشر ابن إبراهيم الفربري وكان ثقة ورعا توفي سنة عشرين وثلاثمائة قال أبو نصر الكلابادي كان سماعه لهذا الكتاب يعني صحيح البخاري من محمد بن إسماعيل البخاري مرتين مرة بفربر سنة ثمان وأربعين ومائتين ومرة ببخارى سنة اثنتين وخمسين ومائتين انتهى وروي أنه قال سمعت الجامع بفربر في ثلاث سنين وفربر مدينة بخراسان بكسر الفاء أو بفتحها وفتح الراء الأولى فقيل الكسر أكثر وقيل الفتح أشهر، (قال حدّثنا البخاريّ) وهو أظهر من أن يذكر وهو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وقد روى عنه الترمذي وابن خزيمة والصحيح أن النسائي لم يسمع منه وكان إماما حجة حافظا في الحديث والفقه مجتهدا من أفراد العالم مع دينه وورعه وتألفه ذهب بصره في صبا فرده الله تعالى عليه بدعاء أمه ومات يوم الفطر بعد الظهر سنة خمسين ومائتين، (حدّثنا محمّد بن سنان) بكسر السين مصروف وممنوع وهو أبو بكر العوني الباهلي البصري روى عنه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه، (حدّثنا فليح) بضم فاء وفتح لام وسكون تحتية تصغير فالح أو أفلح مرخما وهو ابن سليمان العدوي روى عن نافع وغيره وعنه جماعة وأخرج الأئمة الستة (حدّثنا هلال) أي ابن علي وهو هلال بن أبي ميمونة يروي عن أنس وعطاء بن يسار وأبي سلمة وعنه مالك وفليح وغيرهما أخرج له أصحاب الكتب الستة (عن عطاء بن يسار) بفتح تحتية وخفة مهملة
[ ١ / ٦٢ ]
وروى عن ميمونة وأبي زيد وأبي ذر وعدة وعنه زيد بن أسلم وشريك وخلق وكان من كبار التابعين وعلمائهم أخرج له الأئمة الستة، (قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العاص) اختلف في كتابته والجمهور كما قاله النووي على كتابته بالياء وهو الفصيح عند أهل العربية ويقع في كثير من كتب الحديث والفقه وأكثرها بخلاف الياء وهي لغة انتهى وقال ابن الصلاح في الإملاء على المسلسل بالأولية بقول كثير من أهل الضبط في حالة الوصل بالياء جريا على الجادة والمتداول على الألسنة والمشهور حذف الياء وهو مشكل على من استطرف من العربية ولم يوغل وربما أنكره ولا وجه لإنكاره فإنه لغة لبعض العرب شبه ما فيه الألف واللام بالمنون لما بينهما من التعاقب وبها قرأ عدة من القراء السبعة كما في قوله تعالى الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ وشبهه انتهى وقد اثبت ابن كثير ياء المتعال وصلا ووقفا والجمهور على حذفها في الحالين وأراد بشبهه التلاق والتناد فإن قالون بخلاف عنه وورشا وافقا ابن كثير في اثبات الياء وصلا لا وقفا والحاصل أن المنقوص لا خلاف في جواز حذف لامه في اسم الفاعل واثباته وإنما الكلام على أن العاص هل هو اسم الفاعل من عصى بمعنى مرتكب العصيان أو حامل العصا أو الضارب بها أو هو معتل العين فلا يكون من هذا الباب وحينئذ اثبات الياء فيه خلاف الصواب والذي اقتصر عليه صاحب القاموس حيث قال في الأجوف والأعياص من قريش أولاد أمية بن عبد شمس الأكبر وهم العاص وأبو العاص والعيص وأبو العيص هذا وترجمة عبد الله مشهورة وفي الكتب المطولة مسطورة قيل بينه وبين أبيه عمرو في السن اثنتا عشرة وقيل إحدى عشرة سنة وقد أسلم قبل ابيه وأخرج البخاري هذا الحديث منفردا عن بقية أصحاب الكتب الستة في موضعين أحدهما في التفسير وثانيهما في البيوع وهو الذي ساقه القاضي أبو الفضل منه حيث قال (فقلت) وفي نسخة قُلْتُ (أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) قال الحلبي وقع في روايتنا أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم في التوراة ولم يذكر ههنا القاضي يعني بل ذكره فيما سيأتي، (قال) أي ابن عمرو (أجل) أي نعم أخبرك فكان قوله أخبرني متضمنا لمعنى اتخبرني أو ألا تخبرني على ما هو مقتضى حسن الأدب في العبارة وإن كان الأمر أيضا هنا محمولا على الالتماس دون التحكم والإجبار (والله) قسم ورد ردا للمكذبين من اليهود والنصارى والمشركين (إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القرآن) وفيه إشعار بأنه حافظ للكتابين وأن ما يوجد في القرآن مع إيجازه وإعجازه أكثر مما يوجد في غيره من التوراة ونحوه وإيماء إلى أن اليهود حذفوا بعض صفاته من التوراة أو غيروا مبانيه أو معانيه قال الحلبي فإن قيل ما الحكمة في سؤال عطاء بن يسار لعبد الله بن عمرو عن صفة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في التوراة وهو قرشي سهمي قيل لأنه كان يحفظها وقد روى البزار من حديث ابن لهيعة عن وهب عنه انه رأى في المنام كان في إحدى يديه عسلا وفي الأخرى سمنا وكأنه يلعقهما فأصبح فذكر ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه
[ ١ / ٦٣ ]
وسلم فقال تقرأ الكتابين التوراة والقرآن فكان يقرأهما انتهى والظاهر أن العسل معبر بالقرآن حيث فيه شفاء للناس وإيماء إلى حلاوة الإيمان وإشعار بأنه أعلى وأغلى من الأدهان وأن الجمع بينهما نور في عالم الاتقان بالنسبة إلى أهل الإيقان (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا) حال مقدرة من الكاف (وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) وهذا منصوص في القرآن ولعل معناه مذكور في التوراة. (وحرزا) أي حفظا أو حفظا (للأمّييّن) أي يمنعهم بهدايته إياهم من كل مكروه والأميون جمع الأمي وهو من لا يحسن الكتابة والقراءة نسبة إلى أمة العرب حيث كانوا لا يحسنونهما غالبا أو إلى الأم بمعنى أنه كما ولدته أمه وهذا المعنى مستفاد من القرآن حيث قال هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ الآية وفي تخصيصهم تشريف لهم (أنت عبدي ورسولي) وهذا أيضا موجود في القرآن حيث أضافه بوصف العبدية والرسالة إليه ﷾، (سمّيتك المتوكّل) حيث قال وتوكل على الله أو لكونه رئيس المتوكلين في قوله ﷾ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (ليس، بفظّ) فيه التفات تنشيطا للسامع والمعنى ليس هو سيىء الخلق قليل التؤدة، (ولا غليظ) أي قاسي القلب قليل الرحمة كما قال ﷾ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ وأما تفسير الحلبي وغيره الغليظ بالشديد القول فلا يلائم مبنى الآية وإن كان شدة القول والجفاوة متفرعة على غلظ القلب والقساوة (ولا صخّاب) بصاد وتشديد معجمة وهو سخاب بالسين المهملة من السخب وهو لغة ربيعة بمعنى رفع الصوت وصيغته فعال للنسبة كتمار لأن المراد به نفيه مطلقا من غير قيد قليل وكثير وقوله (في الأسواق) قيد واقعي لأن الغالب أن يقع فيها ارتفاع الصوت للمخاصمة والمشاجرة على وفق المشاهدة أو احترازي فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يرفع صوته في التلاوة حال الإمامة وفي الموعظة حال الخطبة (ولا يدفع بالسّيّئة) أي منه (السّيّئة) أي الواصلة إليه من غيره مع أنه جائز لقوله تعالى وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها وسميت الثانية سيئة للمشاكلة والمقابلة أو بالإضافة إلى التحمل والصبر كما أشار إليه ﷾ بقوله فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وهي مقابلة السيئة بالحسنة لكن الأفضل والأكمل ما قاله ﷾ لنبيه ﵊ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وهي المقابلة بالإحسان وهذا طريق أهل العرفان (ولكن يعفو) أي ولكن يدفعها بالتي هي أحسن فكان يعفو أي عن الخطائين في الباطن (ويغفر) أي في الظاهر وكان حقه أن يقول ثم ويحسن إليهم على ما هو المتبادر مما سبق ومما يفهم من قوله تعالى وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ولذا حكي أن بعض الأكابر دخل عليه خادم بطعام حار فانكب على بدنه فقرأ الخادم وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ قال كظمت فقرأ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ قال عفوت فقرأ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ قال اعتقتك وقد وقع مثل هذا كثيرا في نعته صلى الله تعالى عليه وسلم حيث حلم على جفاوة الأعراب فيما اغلظوا له بالقول والفعل وأحسن إليهم بالمال الكثير، (ولن يقبضه الله حتّى
[ ١ / ٦٤ ]
يقيم) أي الله (به) أي بسببه وببركته (الملّة العوجاء) أي غير المستقيمة لأن العرب غيرتها عن استقامتها فصارت كالعوجاء والمراد بها ملة إبراهيم ﵊ وهي العادلة المائلة عن الأديان الباطلة إلى دين الحق الذي هو التوحيد المطلق كما أشار إليه بقوله، (بأن يقولوا لا إله إلّا الله) أي ومحمد رسول الله فهو من باب الاكتفاء أو من إطلاق الجزء وارادة الكل أو على أن الكلمة المذكورة هي علم للشهادتين ولذا قال صلى الله تعالى عليه وسلم من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة إذ من المعلوم أن اليهود والنصارى وأمثالهم يقولون لا إله إلا الله ولا تفيدهم هذه الكلمة من دون إقرارهم بأن محمدا رسول الله وفي الحديث إيماء إلى قوله ﷾ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ (ويفتح) بالنصب عطفا على يقيم أو يقولوا (به أعينا) جمع عين (عميا) جمع أعمى، (وآذانا) بالمد جمع أذن (صمّا) جمع أصم، (وقلوبا غلفا) جمع أغلف والغلف غشاء القلب وغلافه المانع من قبول الحق ووصول الصدق وتعقل أمر المبدأ والمعاد كما أخبر الله تعالى عن أحوالهم بقوله صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ أي عن سماع الحق والنطق به وإدراكه ببصرهم فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ أي الحق ولا يعلمون الصدق ولعله لم يقل والسنة بكما لأنه يلزم من الصمم الأصلي البكم الفرعي والله أعلم، (وذكر مثله) بصيغة المجهول ولعل مثله مروي لابن عمر ولعطاء بن يسار كما في البخاري تعليقا وأسنده الدارمي (عن عبد الله بن سلام) بتخفيف اللام وقيل مشدده ابن الحارث الإسرائيلي ثم الأنصاري الخزرجي الصحابي كان حليفا لبني الخزرج كنيته أبو يوسف بابنه وهو من ولد يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وكان اسمه في الجاهلية حصينا فسماه ﵊ عبد الله أسلم أول قدمه ﵊ المدينة ونزل في فضله قوله تعالى وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ على مثله وكذا قوله ﷾ قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ شهد مع عمه فتح بيت القدس وشهد له صلى الله تعالى عليه وسلم بالجنة روى عنه ابناه محمد ويوسف وغيرهما توفي سنة ثلاث وأربعين أخرج له أصحاب الكتب الستة، (وكعب الأحبار) بالحاء المهملة وسبق بعض ترجمته والمعنى وذكر مثله أيضا عن كعب الأحبار فيما رواه الدارمي من طريق أبي واقد الليثي، (وفي بعض طرقه) أي طرق هذا الحديث (عن ابن إسحاق) كما رواه ابن أبي حاتم في تفسير سورة الفتح عن وهب بن منبه وفي بعض النسخ أبي إسحاق بالياء وهو تصحيف وصوابه بالنون وهو الإمام صاحب المغازي رأى عليا وأسامة والمغيرة بن شعبة وأنسا وروى عن عطاء والزهري وطبقته وعنه شعبة والحمادان والسفيانان وخلق وكان من بحور العلم صدوقا وله غرائب في سعة ما روى تستنكر واختلف في الاحتجاج به وحديثه حسن بل وفوق الحسن وقد صححه جماعة مات سنة إحدى وخمسين ومائة أخرج له البخاري في التاريخ ومسلم والأربعة في سننهم: (ولا صخب)
[ ١ / ٦٥ ]
بفتح فكسر على الوصف وسبق معناه ويفهم من بعض الحواشي أنه رفع الصوت في السوق فقوله (في الأسواق) للتأكيد أو لقصد التجريد، (ولا متزين بالفحش) بالضم أي ولا متجمل ولا متخلق ولا متصف بالقول الفاحش والفعل الفاحش قال الحجازي ويروى ولا متدين وكذا قال التلمساني بالدال من الدين وبالزاء من الزينة والظاهر أنه مصحف وإن تكلف له السيد قطب الدين عيسى بأن معناه لا يجعله دينا وطريقة انتهى ولا يخفى أنه لا يفيد نفي الفحش عنه بالكلية وهو المطلوب في المدحة الجلية وفي حاشية المنجاني ولا متزي بالفحش أي متصف به والزي غالبا إنما يكون في الأوصاف الحسنة وقد يجيء في خلافها وقرئ قوله تعالى هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا بالراء والزاي وعين زي واو وإنما قلبت واوها ياء لسكونها وانكسار ما قبلها وفيما تصرف منه من الأفعال لطلب الخفة والفحش البذاء بالمنطق وأصل الفحش في كل شيء الخروج عن المقدار والحد حتى يقبح وقيل نفى تزينه به عنه مع كونه لا يراه زينة إنما هو باعتبار كون أهله يرونه زينة وفخرا بشهادة أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ، (ولا قوّال) بتشديد الواو (للخنا) بفتح الخاء المعجمة مقصور الكلام القبيح ومنه قول زهير شعر:
إذا أنت لم تقصر عن الجهل والخنا أصبت حليما او أصابك جاهل
فهو من باب التخصيص بعد التعميم وفعال ليس للمبالغة بل للنسبة كما في قوله تعالى وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ واللام في الحديث والآية لمجرد التقوية (أسدّده) قطعه عما قبله لكمال انقطاع بينهما لأنه حكاية عن صفات نفسية سلبية وهذا عن هبات إلهية ثبوتية أي أقيمه وأوفقه (لكلّ جميل) أي نعت جزيل، (وأهب له) بفتح الهاء أي أعطيه من فضلي (كلّ خلق كريم) أي مكارم الأخلاق المتعلقة بالخالق والمخلوق ولذا قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، (ثم أجعل) ويروى وأجعل (السّكينة) أي سكون القلب واطمئنانه ورزانة القالب ووقاره فهي فعيلة من السكون والكاف منها مخففة عند الكافة إلا ما حكاه القاضي في مشارق الأنوار عن الكسائي والفراء من جواز تشديدها قال المنجاني وهو نقل غريب وتدفع غرابته بجعل التشديد للمبالغة كما في السكيت والسكين ثم رأيت صاحب القاموس قال السكينة والسكينة بالكسر مشددة الطمأنينة وقرئ بهما في قوله تعالى فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي ما تسكنون به إذا أتاكم (لباسه) أي دثاره وهو مما يظهر آثاره، (والبرّ) أي الطاعة لله والإحسان بخلق الله (شعاره) بكسر أوله أي دأبه وعادته، (والتّقوى ضميره) أي في صدره كما في الحديث التقوى ههنا فيه إيماء إلى أن كمال التقوى محصور فيه، (والحكمة) أي العلمية والعملية (معقوله) أي بحيث يظهر وجه معقوله في مقوله وقال التلمساني الحكمة أي النبوة والعلم ومعقوله مكتومه وسره ولا يخفى خفاء أمره، (والصّدق) أي في المنطق (والوفاء) أي بالوعد (طبيعته) أي غريزته وجبلته التي لا يمكنه مخالفتها، (والعفو) أي عن الاساءة،
[ ١ / ٦٦ ]
(والمعروف) أي الإحسان في محله شرعا وعرفا (خلقه) بالضم أي دأبه وعادته، (والعدل) أي في حكمه أو الاعتدال في حاله (سيرته) أي طريقته، (والحقّ) أي اظهاره (شريعته) أي دينه وملته (والهدى) بضم الهاء أي الهداية (إمامه) بكسر الهمزة أي قدوته مما يقتدى به في جميع حالاته وفي نسخة معتمدة بالفتح أي قدامه ونصب عينيه لا يتعدى منه ولا يميل عنه، (والإسلام) أي الاستسلام الظاهر والباطن (ملّته) أي دينه الذي يمليه ويقرره، (وأحمد اسمه) أي في التوراة والإنجيل وهو لا ينافي أن يكون له اسماء أخر بل فيه إيماء بأنه ابلغ الأسماء وذلك لإفادة المبالغة الزائدة التي لا توجد في غيره من الأبنية ولو كانت من هذه المادة كمحمد ومحمود فإنه بمعنى أحمد من كل حمد وحمد فله النسبة الجامعة بين كمال صفتي الحامدية والمحمودية المترتبة على جمال نعتي المحبة والمحبوبية فتأمل فإنها من الأسرار الخفية والأنوار الجلية (أهدي به) بفتح الهمزة أي أرشد الخلق بسببه (بعد الضّلالة) أي بعد تحقق حضور حصولها منهم أو بعد تعلق ثبوت وصولها بهم وفيه إيماء إلى أن ظلمة ضلالتهم لا ترتفع إلا بنور هدايته لهم مشيرا إلى الحديث القدسي والكلام الأنسي أن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه فقد غوى وارتدى ولا يبعد أن يكون المراد بعد ضلالته مشيرا إلى قوله تعالى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى أي جاهلا بالطريق أو عاشقا بالتحقيق (وأعلّم) بتشديد اللام المكسورة أي اجعل الناس ذوي معرفة (به) أي بالوحي وإنزال القرآن عليه (بعد الجهّالة) أي بعد ظهور زمان الجاهلية أيام الفترة أو بعد جهالته لقوله ﷾ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ يعني تفصيله، (وأرفع به) أي ببركته رتبه هذه الأمة (بعد الخمالة) بفتح الخاء المعجمة بمعنى الخمول أي بعد أن لم يكن لهم ذكر وقدر وشأن وبرهان في الظاهر وإن كانوا في علم الله تعالى وفي اللوح خير أمة أو أرفع شأنه بتعليمنا إياه ببيانه بعد خمول ذكره وخفاء أمره كقوله تعالى وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ، (وأسمّي به) بتشديد الميم والمكسورة كذا ضبطه الشراح ولا يبعد أن يجوز بتخفيف الميم أي أشهره بالمعرفة (بعد النّكرة) بضم النون (وأكثر به) من التكثير ويجوز من الإكثار أي أجعل الكثرة ببركته (بعد القلّة) أي في ماله وفي عدد اتباعه، (وأغني) من الاغناء أي أجعله غنيا أو أمته أغنياء (به) أي بنبوته وجهاده ورياضته وصبره على فاقته (بعد العيلة) بفتح العين وهي الفقر ومنه قوله تعالى وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إن شاء، (وأجمع به بعد الفرقة) إيماء إلى قوله تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا وهذا معنى قوله (وأؤلّف) أي أوقع الألفة والمودة (به بين قلوب مختلفة) أي في أغراض فاسدة، (وأهواء متشتّتة) أي آراء مبتدعة غير مجتمعة (وأمم متفرّقة) وجماعات من قبائل متباينة قال التلمساني وقع هنا بخط المصنف بتقديم التاء على الفاء من التفرق وبتقديم الفاء على التاء من الافتراق وهي نسخة العوفي، (وأجعل أمّته خير أمّة
[ ١ / ٦٧ ]
أخرجت للنّاس) كان حقه أن يقول به هنا أيضا لأن خيرية أمته إنما هي لأجل أفضلية نبوته بناء على الملازمة العادية لكن جعله سببا أولى من عكس القضية كما أشار صاحب البردة إلى هذه الزبدة بقوله:
لما دعا الله داعينا لطاعته بأفضل الرسل كنا أفضل الأمم
(وفي حديث آخر) رواه الدارمي عن كعب موقوفا والطبراني وأبو نعيم في دلائله عن ابن مسعود: (أخبرنا رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِفَتِهِ فِي التَّوْرَاةِ عَبْدِي) أي المخصوص عندي (أحمد المختار) أي على سائر الأخيار وفي نسخة بالجر فاللام للجنس الاستغراقي أي أحمد كل ما اخترته واصطفيته من الأنبياء والملائكة والأصفياء (مولده) أي مكان ولادته وظهور رسالته (بمكّة ومهاجره) بضم الميم وفتح الجيم أي موضع هجرته ومحل نقلته (بالمدينة) ليحصل للحرمين الشريفين بركته أولا وآخرا وباطنا وظاهرا وليكون زيادة البقعتين بمنزلة ابداء الشهادتين (أو قال طيبة) بفتح الطاء وهو اسم من اسماء المدينة كطابة والتقدير أنه قال بالمدينة أو بطيبة كما في نسخة فأو للشك في الاسم لا في المسمى وقد روي أن لها في التوراة أحد عشر اسما هذان منها وكانت قبل الإسلام تسمى بيثرب باسم رجل من العماليق قبيلة منسوبة إلى عملاق كان يسكنها فلما جاء الإسلام وسكنها ﵊ كره له هذا الاسم لما فيه من لفظ التثريب فسماها طيبة وقد جاء في القرآن لفظ يثرب ولكن الله ﷾ لم يسمها بذلك وإنما قاله حكاية عن الكفار والمنافقين وقال وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فارجعوا فنبه ﷾ بما حكى عنهم أنهم قد رغبوا عن اسم سماها به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأبوا إلا ما كانوا عليه من جاهليتهم وقد سماها الله ﷾ المدينة بقوله ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلم وقد روى في معنى قوله تعالى وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ أنه المدينة وأن مخرج صدق مكة وسلطانا نصيرا الأنصار وقد ورد من سمى المدينة بيثرب فليستغفر الله وهي طابة رواه أحمد في مسنده عن البراء (أمّته الحمّادون لله) أي المبالغون في حمده ﷾ تبعا لنبيهم أحمد فكما أنه أحمد الخلق فهم أحمد الأمم ومما يدل على كثرة حمدهم ودوام شكرهم تقييده بقوله (على كلّ حال) أي من السراء والضراء وفي حاشية المنجاني أمته الحمادون يحمدون الله على كل حال وفي رواية حماد بن سلمة عن كعب أنه قال وجدت في التوراة زيادة على هذا وهي يوضئون اطرافهم ويتزرون على انصافهم في قلوبهم اناجيلهم يصلون الصلاة لوقتها رهبان بالليل ليوث بالنهار ولم تزل اليهود بعد ما غيرت من صفات رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تغار على ظهور شيء مما بقي فيها وتكتم أشد الكتم وقد أخرج أبي ابن شيبة عن عبد الله بن مسعود في مسنده أنه قال الله تعالى ﷿ ابتعث نبيه لإدخال
[ ١ / ٦٨ ]
رجل الجنة وذلك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم دخل كنيسة فإذا هو بيهود فإذا يهودي يقرأ التوراة فلما أتوا على صفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمسكوا وكان في ناحيتها رجل مريض فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما لكم أمسكتم فقال المريض إنهم أتوا على صفة نبي فأمسكوا يعني على عادتهم أو لأجل حضورك عندهم قال ثم جاء المريض يحبو حتى أخذ التوراة وقال للقارئ ارفع يدك فرفع يده فقرأ حتى أتى على صفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أي بكمالها فقال هذه صفتك وصفة أمتك ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لولا أخاكم وأخرج الواقدي في مصنفه مما يتعلق بصفات رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال كان النعمان السابي حبرا من أحبار اليهود فلما سمع بذكر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قدم عليه فسأله عن أشياء قال إن أبي كان يختم على سفر ويقول لا تقرأه على يهود حتى تسمع بنبي قد خرج بيثرب فإذا سمعت به فافتحه قال النعمان فلما سمعت بك فتحت السفر فإذا فيه ما يحل وما يحرم وإذا فيه إنك خير الأنبياء وأن أمتك خير الأمم واسمك أحمد وأمتك الحمادون قربانهم دماؤهم وأناجيلهم في صدورهم لا يحضرون قتالا إلا وجبريل معهم يتحنن عليهم تحنن الطير على فراخه ثم قال إذا سمعت به فاخرج إليه وآمن به فكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يجب أن يسمع أصحابه حديثه فأتاه يوما فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يا نعمان حدثنا فابتدأ النعمان الحديث من أوله فرؤي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يتبسم وقال أشهد أني رسول الله والنعمان هذا هو الذي قتله الأسود العبسي وقطعه عضوا عضوا وهو يقول أشهد أن محمدا رسول الله وأنك مفتر كذاب على الله (وقال تعالى) أي في حق المتقين من المؤمنين (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ) أي الجامع بين مرتبة النبوة وهي أخذ الفيض من الحضرة بالحق المسمى بالولاية وبين مرتبة الرسالة وهي تبليغ الأحكام الشرعية إلى الخلق فهو برزخ جامع بين الاستفادة والإفادة وبين الكمال والتكميل الذي هو أعلى مقامات أرباب السعادة ولعل وجه تقديم الرسالة في الذكر مع تأخر تحققها في الوجود هو الاهتمام بنعت الرسالة أو الترتيب بحسب التدلي لا الترقي في المرتبة (الْأُمِّيَّ [الأعراف: ١٥٧]) أي مع كونه عاريا عن الكتابة والقراءة السابقة الدالة على أن معارفه كلها من العلوم اللدنية والفتوحات العندية (الآيتين) أي اقرأ إلى آخر الآيتين الدالتين على نعوته الجلية وصفاته البهية وهو الذي يجدونه أي يصادفون نعته ويعلمون صفته مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل وهما زبدة الكتب المنزلة على اليهود والنصارى يأمرهم بالمعروف استئناف مبين لأوصافه المكتوبة عندهم أو مطلقا أي يأمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بما يعرفه جميع أرباب المعرفة بالمنقولات ويستحسنه أرباب الطبيعة المستقيمة من أصحاب المعقولات حين يأمرهم بمكارم الأخلاق ومحاسن الصفات وينهاهم عن المنكر أي جنس المنكرات شرعا وعرفا نقلا وعقلا ويحل لهم الطيبات أي الحلالات
[ ١ / ٦٩ ]
والمستلذات ويحرم عليهم الخبائث أي المحرمات والمضرات ويضع عنهم أي عن من تبعه من اليهود والنصارى خصوصا إصرهم أي عهودهم الثقيلة التي أخذ عليهم العمل بها في التوراة من العبادات والرياضات والسياحات والأغلال التي كانت عليهم من التكاليف الشاقات كقطع الأعضاء الخاطئة وقرض مواضع النجاسات وتعين القصاص في العمد والخطأ وإحراق الغنائم وظهور الذنوب على أبواب فاعليها فالذين آمنوا به وعزروه أي عظموه في نفسه ونصروه على عدوه وأتبعوا النور الذي أنزل معه أي مع رسالته وهو القرآن أو الوحي الشامل للكتاب والسنة أولئك هم المفلحون الفائزون بالرحمة الأبدية قل يا أيها الناس أي الشامل لليهود والنصارى وغيرهم عامة أني رسول الله إليكم جميعا أي كافة بخلاف موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام فإنهما كانا مبعوثين إلى بني إسرائيل خاصة ولعله من هنا قال ﵊ ولو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي يعني لما كان هو وغيره كعيسى إلا اتباعي الذي له ملك السموات والأرض أي حيث يعم ملكه العلويات والسفليات شملت رسالته جميع الموجودات على ما بيناه في بعض المصنفات لا إله إلا هو فكأنه لا رسول له إلا هو فإنه لولا هو لما خلق غيره ولما وجد من يعرف معنى هو لا من حيثية مبناه ولا من طريقة معناه يُحْيِي وَيُمِيتُ بالإبقاء والإفناء وبالهداية والاغواء فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي تأكيد وتثبيت أو تبكيت لتوفقهم على الإيمان بمثل هذا النبي الذي يؤمن بالله إيمان مشاهدة وعيان ومراقبة وإيقان وكلماته وبجميع كلمات الله المنزلة على الأنبياء مجملة ومفصلة واتبعوه لأن متابعته تورث المحبة لعلكم تهتدون لكي تهتدوا ببركة متابعته إلى طريق محبته وآداب مودته. (وقد قال تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ) قيل ما مزيدة للمبالغة والأظهر أنها مبهمة مفسرها رحمة والمعنى فبرحمة عظيمة ونعمة جسيمة كائنة (مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران: ١٥٩]) أي تلطفت للخلق وتوجهت إليهم من الحق حيث وفقك للرفق وفيه إشارة خفية إلى أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يريد الثبات على النبوة التي هي الولاية الخاصة الموجبة أن لا يغفل صاحبها عن الحضرة لحظة ولا لمحة مما يوجب التفرقة المانعة عن مقام الجمعية وأراد الله ﷾ له الترقي إلى مقام جمع الجمع بحيث لا تحجبه الكثرة عن الوحدة ولا تمنعه الوحدة عن الكثرة وبهذا تبين أن مقام الرسالة أعلى مرتبة من ولاية الرسول المعبر عنها بالنبوة خلافا لمن توهم خلاف ذلك فقال الولاية خير من الرسالة وإن أول كلامه بأن المراد بالولاية النبوة لا جنس الولاية معللا بأن الولاية هي أخذ الفيض اللازم منه توجه صاحبه إلى الحق وأن الرسالة هي الإفادة بالإضافة المستلزمة للإقبال على الخلق فإنا نقول إذا استغرق في عين الجمع بحيث إنه فنى عن الجميع ولم يوجد في عين الشهود غيره موجود ولا في الدار غيره ديار فأنى يتصور منه الإقبال والإدبار وهذا بحر بلا قعر فيرجع إلى ساحل بلا وعر (الآية) وتمامها قوله وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا أي سيىء الخلق مع الخلق بناء على أن الاستئناس بالناس من علامة الإفلاس
[ ١ / ٧٠ ]
غليظ القلب أي شديدة بالعزلة عنهم لانفضوا من حولك أي تفرقوا عن مجلسك ولم يحصل لهم حظ من انسك فاعف عنهم ما صدر من الغفلة منهم واستغفر لهم فيما يختص بحق الله تعالى إتماما للشفقة عليهم وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ تلطفا بهم فَإِذا عَزَمْتَ بعد المشاورة أو الاستخارة فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ولا تعتمد على ما سواه إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ المعتمدين على ما قدره وقضاه فيهديهم إلى الصلاح وينصرهم بالنجاح والفلاح. (قال السّمرقندي ذكّرهم الله تعالى) وفي نسخة ذكر الله تعالى بتشديد الكاف (منّته) أي امتنانه وفي نسخة بنونين على صيغة الجمع لاشتمال هذه المنة على منن كثيرة (أنّه) أي ﷾ (جعل) ويروى أن جعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، رحيما بالمؤمنين رؤوفا أي للمتقين فإن الرأفة أرق من الرحمة (ليّن الجانب) أي مع الأقارب والأجانب في جميع المراتب (ولو كان) أي بالفرض (فظّا) أي سيىء الخلق في الفعل (خشنا) أي غليظا (في القول لتفرّقوا من حوله) أي ولم ينتفعوا بفعله وقوله، (ولكن جعله) أي الله ﷾ (سمحا) أي جوادا زيادة على ما طلب منه في معاملاتهم أو مسامحا لهم في فرطاتهم وزاد في نسخة سهلا أي لينا (طلقا) بفتح فسكون أي منبسط الوجه (برّا بفتح الباء أي بارا كثيرا الإحسان إلى أمته كالولد البار بأبويه وقرابته أو جامعا للخير كله فإنه من البر الذي هو وسيع الفضاء (لطيفا) أي رفيقا شريفا يراعي قويا وضعيفا (هكذا) أي مثل ما سبق لفظا أو معنى (قاله الضّحّاك) وهو ابن مزاحم الهلالي الخراساني يروي عن أبي هريرة وابن عباس وابن عمر وأنس رضي الله تعالى عنهم وعنه خلق وثقه أحمد وابن معين وضعفه شعبة أخرج له أصحاب السنن الأربع وتوفي سنة خمس ومائة، (وقال تعالى:
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) أي خيارا أو عدولا أو معتدلين في الأخلاق غير واقعين في طرفي الإفراط والتفريط من التشبيه والتعطيل والإسراف والتقتير والتهور والجبن وأمثال ذلك (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) أي بتبليغ رسالة أنبيائهم إليهم (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣]) أي مطلعا ومشاهدا ومشرفا (قال أبو الحسن القابسيّ) بكسر الموحدة وسبق ذكره (أبان الله تعالى) أي أظهر ظهورا بينا (فضل نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم، وفضل أمّته بهذه الآية) أي بسببها أو فيها بقوله (وفي قوله) أي ﷾ (في الآية الأخرى وَفِي هذا) متعلق بما قبله وهو أي ﷾ سماكم المسلمين من قبل يعني في الكتب المتقدمة وفي هذا أي القرآن (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ) بالتبليغ إليكم (وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [الحج: ٧٨]) بتبليغ رسلهم إليهم. (وكذلك) أي ومثل هذا المعنى يفيده (قوله تعالى: فَكَيْفَ) أي كيف حال الكفرة يوم الحسرة (إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) أي بنبي يشهد على أمته (الآية) وفي بعض النسخ بتمامها وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ أي على الشهداء من الأنبياء أو على أمتك من الأصفياء والأولياء شهدا حين يشهدون على الأمم المكذبة بتبليغ الأنبياء إليهم الرسالة، (وقوله تعالى: وَسَطًا أي
[ ١ / ٧١ ]
عدولا) وفي نسخة عدلا أي موصوفين بالعدالة والديانة (خيارا) أي مختارين من هذه الأمة إن كان الخطاب للصحابة وإن كان الخطاب لجميع الأمة فهم خيار الأمم السالفة (ومعنى هذه الآية) أي بناء على مبنى هذه العاطفة على الجملة المقدرة المعبر عنها بقوله: (وكما هديناكم) أي المستفاد من قوله تعالى يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فالمعنى كما هديناكم إلى صراط المستقيم والدين القويم المشترك بين عامة أهل التوحيد والتسليم (فكذلك خصّصناكم) بتشديد الصاد ويجوز تخفيفها (وفضّلناكم) أي على عامة الأمم الماضية (بأن جعلناكم أمّة) أي جماعة مجتمعة غير متفرقة بل متفقة على حقيقة واحدة (خيارا) أي مختارين بخير الرسل (عدولا) عادلين عاملين بأفضل الكتب، (لتشهدوا للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام) أي الرسل (على أممهم) أي بتبليغ الرسالة يوم القيامة (ويشهد لكم الرّسول بالصّدق) أي بصدق القول وحق الأمانة والديانة، (قيل) قد ثبت بطرق متكاثرة كادت أن تكون متواترة فكان حقه أن يقول صح ونحوه ولا يعبر بقيل المشعر بضعفه إذ رواه البخاري وغيره (إنّ الله ﷻ) أي عظم كبرياؤه (إذا سأل الأنبياء: هل بلّغتم) أي أممكم فيما أرسلتكم به إليهم (فَيَقُولُونَ نَعَمْ. فَتَقُولُ أُمَمُهُمْ، مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ، فَتَشْهَدُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْبِيَاءِ، وَيُزَكِّيهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي ويجيز الله تعالى شهادتهم بتزكيته لهم، (وقيل معنى الآية: إنّكم) بالفتح ويجوز الكسر أي أيها الأمة (حجّة) أي ذو شهادة ثابتة (على كلّ من خالفكم) أي من الأمم المكذبة (والرّسول صلى الله تعالى عليه وسلم حجّة) أي بينة واضحة دالة (عليكم) أي على صدقكم وصدق من وافقكم. (حكاه السّمرقنديّ) أي نقل هذا القول عن بعض المفسرين، (وقال تعالى) أي فيما أثنى عليه وبين إكرامه لديه: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا) أي من أمتك لا من غيرهم (أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [يُونُسَ: ٢]) ما قدموه من الأعمال الصالحة كما قاله الخطابي وغيره من المفسرين وقال بعضهم ما قدم لهم عند ربهم من السعادة السابقة في اللوح المحفوظ وقد قال حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه
لنا القدم الأولى إليك خلفنا لا ولنا في طاعة الله تابع
(قال قتادة والحسن) تقدم ذكرهما (وزيد بن أسلم) هو أبو أسامة مولى عمر بن الخطاب توفي سنة ست وثلاثين ومائة (قدم صدق هو محمّد صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْفَعُ لَهُمْ وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا) أي في رواية أخرى: (هي) أي قدم صدق وأنت الضمير لتأنيث خبره وهو قوله (مصيبتهم بنبيّهم) سواء أدركوا الموت أو حصل لهم جملة الفوت فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم حينئذ يكون لهم فرط حق وقدم صدق عند ربهم قال الحجازي يروي هي فضيلتهم بينهم أي فيما بينهم ولا يخفى عدم ملائمته للمقام ولعله تصحيف أو تحريف ولو كان فضيلتهم بنبيهم لكان وجها وجيها فإنه حينئذ لهم سبق حال صدق وتقدم مقام حق
[ ١ / ٧٢ ]
عند ربهم وهذا معنى نسخة هي محبتهم لنبيهم، (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁) نسبة إلى خدرة بضم الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة قبيلة (هي شفاعة نبيّهم محمّد صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هُوَ شَفِيعُ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ) ولعل التعبير بها عن القدم لاقدامه عليها وتقدمه على سائر أهلها (وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: هِيَ سابقة رحمة أودعها في محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) يعني في أمته ببركة متابعته على وفق محبته ووجه الاختصاص مع أن الرحمة بكل أمة لاحقة على وفق سابقة لأن سبق وجوده وأثر كرمه وجوده وظهور نوره ونشر سروره مما لا يلحقه أحد من أخوانه كما أشار إليه بقوله كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد ثم قوله أودعها بصيغة الفاعل وهي نسخة المصنف وفي نسخة العوفي على بناء المفعول وجعله التلمساني مضارعا وهو مستقيم بإسناد الفعل إليه ﷾ وأما قوله ويتجه إذا سقط في من الكلام ومحمد مرفوع إذ هو النائب عن الفاعل وهو الله ﷾ فكلام ساقط الاعتبار كما لا يخفى على المعربين الأخيار، (وقال محمّد بن عليّ التّرمذيّ) هو من كبار المشايخ له تصانيف في علوم القوم ومن تأليفه نوادر الأصول في الحديث بأسانيده وهو أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن بشر الزاهد المؤذن روى عن أبيه وقتيبة بن سعيد وغيرهما واعتنى بهذا الشأن ورحل فيه وروى عنه يحيى بن منصور وخلق كثير من علماء نيسابور فإنه قدمها سنة خمس وثمانين ومائتين وعاش نحوا من ثمانين سنة وهو معظم جليل علما وعملا واعتقادا عند أكابر ما وراء النهر من العلماء والسادة الصوفية لا سيما الطائفة السادة النقشبندية وتكلم على اعتقاده أبو العباس بن تيمية من أجل كتابه خاتم الولاية ولعله ما فهم مقصوده من الإشارات الخفية وقد سبق تحقيق الترمذي مبنى ومعنى ومنها أبو عيسى الحافظ الترمذي كما تقدم والله أعلم (هو) أي قدم صدق (إمام الصّادقين والصّدّيقين) بكسر الهمزة أي قدوتهم ومقتداهم أو بفتحها أي مقدمهم خلقة ورتبة وقدامهم في مقام الشفاعة كما أشار إليه بقوله (الشّفيع المطاع) أي المقبول الشفاعة ولعله عدل عن الشفيع المشفع للإيماء إلى قوله ﷾ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ يعني بخلاف المؤمنين فإنه لهم شفيع مطاع مع أن النفي في الآية منصب على القيد والمقيد جميعا (والسّائل المجاب) أي المستجاب في سؤاله الأعم من الشفاعة وبقية أحواله (محمّد صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. حَكَاهُ عَنْهُ السُّلَمِيُّ) .
الْفَصْلُ الثَّالِثُ [فيما ورد من خطابه تعالى إياه مورد الملاطفة والمبرة]
(فِيمَا وَرَدَ مِنْ خِطَابِهِ إِيَّاهُ مَوْرِدَ الْمُلَاطَفَةِ والمبرّة) أي في عتابه المنزل في كتابه والمورد بفتح الميم وكسر الراء محل ورود الكلام ومقصد المرام والمبرة بفتحتين وتشديد الراء بمعنى البر وهو الاتساع في الإحسان على ما في القاموس (فمن ذلك) أي من هذا القبيل (قوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ) معاتبة على وجه الملاطفة (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة: ٤٣]) أي
[ ١ / ٧٣ ]
للمنافقين حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين (قال أبو محمّد المكيّ) مر الكلام عليه وفي نسخة مكي (قيل هذا) أي قوله عَفَا اللَّهُ عَنْكَ (افتتاح كلام) أي ابتداء كلام الله سبحانه له في كتابه عند خطابه (بمنزلة: أصلحك الله) وما صنعت في حاجتي، (وأعزّك الله) هلا شرفتني بزيارتك لي ونحو ذلك فيما يخاطب به الملوك والعظماء بتقديم الدعاء والثناء على انباء الأنباء ونظيره ما ورد في الحديث لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترطت أن يخرجوني والحاصل أن العادة جارية في مقام التبجيل والإكرام لمخاطبة الكرام بنحو هذ الكلام وإن لم يكن هناك شيء من الآثام ثم التشبيه لا يقتضي المشابهة من جميع الوجوه فلا يرد أن مثل هذا الكلام إنما يكون بين المتساويين في الإقدام أو من الأدنى في مخاطبة الأعلى لا بالعكس كما لا يخفى. (وقال عون بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهندي الكوفي الزاهد الفقيه أخو عبيد الله الذي هو أحد الفقهاء السبعة بمدينة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم روى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقيل روايته عن الصحابة مرسلة لكن حديثه عن ابن عمر في مسلم ولم يلحقه وعنه الزهري وأبو حنيفة وقد أخرج له مسلم والأربعة توفي في حدود ستين ومائة (أخبره بالعفو قبل أن يخبره بالذّنب) تسلية له في هذا الباب وملاطفة معه في مقام العتاب وقوله يخبره من باب الافعال أو التفعيل وهما بمعنى واحد وأما قول الحلبي وكأنه أراد التنويع في الكلام ليس له نتيجة في المرام لأن التشديد في هذا المقام ليس للتنويع المتفرع على التكثير بل للتعدية كما صرح به صاحب القاموس والجوهري في التقرير (وحكى السّمرقنديّ) أي أبو الليث (عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ مَعْنَاهُ عَافَاكَ اللَّهُ يَا سليم القلب) أي عن ذكر غير الرب كما فسر به قوله تعالى إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (لم أذنت لهم، قال) أي السمرقندي أو بعضهم المنقول عنه ما تقدم (ولو بدأ) بالهمزة أي ابتدأ الله (النّبيّ) أي له (صلى الله تعالى عليه وسلم) وفي نسخة ولو بدأه (بِقَوْلِهِ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التَّوْبَةِ: ٤٣] لَخِيفَ عَلَيْهِ أن ينشقّ قلبه) أي ينصدع وينقطع (من هيبة هذا الكلام) أي المشعر بأنه وقع في الآثام، (لكن الله تعالى برحمته أخبره بالعفو) أي مبتدئا بالمسامحة عن إجازته (حتّى سكن قلبه) أي وسلم من الدهش لبه وفي نسخة يسكن قلبه وفي بعض النسخ بتشديد الكاف فقلبه منصوب، (ثُمَّ قَالَ لَهُ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ بِالتَّخَلُّفِ) أي عن غزوة تبوك (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الصَّادِقُ فِي عُذْرِهِ مِنَ الكاذب؟) أي في عذره لما حكي عن مجاهد أن بعضهم قالوا في غزوة تبوك نستأذنه في الإقامة إن أذن لنا أقمنا وإن لم يأذن لنا أقمنا واعتذرنا له بعد ذلك بعذر يقبله منا (وفي هذا) أي الخطاب في مقام العتاب وفي نسخة وهذا (من عظيم منزلته عند الله تعالى ما لا يخفى على ذي لبّ) أي صاحب عقل سليم من وهم سقيم، (ومن إكرامه إيّاه وبرّه به) أي إنعامه له (مَا يَنْقَطِعُ دُونَ مَعْرِفَةِ غَايَتِهِ نِيَاطُ الْقَلْبِ) بكسر النون عرق من الوتين ينوط القلب به من
[ ١ / ٧٤ ]
جانب الصلب إذا قطع مات صاحبه وقال بعض المفسرين هو الوريد ويروى في غير الشفاء مناط القلب، (قال نفطويه) بكسر نون وسكون فاء وفتح طاء مهملة وواو فسكون تحتية فهاء مكسورة وفي نسخة بضم الطاء وسكون الواو وفتح الياء والتاء المنقلبة عنها الهاء وقفا على وفق القياس وقيل بسكون الهاء وصلا أيضا ويؤيده ما ذكره ابن الصلاح أن أهل العربية يقولون فيه وفي نظائره بواو مفتوحة مفتوح ما قبلها ساكن ما بعدها ومن ينحو بها نحو الفارسية يقولها بواو ساكنة مضموم ما قبلها مفتوح ما بعدها وآخرها هاء على كل قول والتاء خطأ وسمعت الحافظ أبا محمد عبد القادر بن عبد الله يقول سمعت الحافظ ابا العلاء يقول أهل الحديث لا ينحون وبه أي يقولون نفطويه مثلا بواو ساكنة تفاديا من أن يقع في آخر الكلام وبه انتهى وهو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي النحوي الواسطي ظاهري المذهب له التصانيف الحسان في الآداب توفي سنة ثلاث وثلاثمائة ببغداد ودفن بباب الكوفة: (ذهب ناس) أي من المفسرين (إلى أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم معاتب بهذه الآية) بصيغة المفعول (وحاشاه من ذلك) أي هو منزه عن أن يعاتب أو ينسب إليه ذنب، (بل كان مخيّرا) ضبط بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الموحدة في حاشية الحلبي وهو تصحيف وتحريف فالصواب أنه بتشديد التحتية المفتوحة أي مختارا بين الأذن وعدمه إذ لم يتقدم له في ذلك نهي من الله سبحانه كما ذكره الزمخشري وأقول بل التخيير مصرح به في قوله تعالى فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ، (فلمّا أذن لهم) أي في هذه القضية وفي نسخة فلما أن أذن (أعلمه الله تعالى) بما اضمروه مما هو من دأبهم (أنّه لو) وفي نسخة أن (لم يأذن لهم لقعدوا لنفاقهم) أي وظهر خلافهم وتحقق شقاقهم، (وأنّه لا حرج) أي لا إثم (عليه في الإذن لهم) زاد القشيري بعد ذكر هذا المعنى في تبيين المبنى أن عفا ههنا ليس بمعنى غفر بل كما قال صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَفَا اللَّهُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الخيل والرقيق وهي لم تجب عليهم قط فكذلك قوله تعالى عَفَا اللَّهُ عَنْكَ أي لم يلزمك ذنب وَإِنَّمَا يَقُولُ الْعَفْوُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ ذنب من لم يعرف كلام العرب انتهى ولعل الأولى أن يقال وقع العتاب ولا يلزم من العتاب تحقق العقاب المحتاج إلى العفو وإنما هو بيان أن عدم إذنهم كان أصلح بخصوص شأنهم لفضاحة حالهم وخزية مآلهم خلاف ما اختاره صلى الله تعالى عليه وسلم من الأخذ برضاهم بدناءة أفعالهم استبقاء لهم على أحوالهم واعتمادا على الله في إدبارهم وإقبالهم. (قال الفقيه القاضي وفّقه الله تعالى) أي المصنف (يجب على المسلم) أي الكامل (المجاهد نفسه) أي في مرضاة ربه (الرّائض بزمام الشّريعة خلقه) بضمتين ويسكن الثاني وهو منصوب والمراد به تدريبه وتمرينه بما شرعه الله إلينا من أنواع تهذيبه والرائض بهمزة مكسورة اسم فاعل من رضت المهر أروضه رياضة ذللته وجعلته طوع إرادتك والزمام بالكسر بمعنى اللجام وهو مستعار للأحكام (أن يتأدّب بأداب القرآن) أي من المستحسنات كما قال الله تعالى وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ
[ ١ / ٧٥ ]
إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وفي نسخة بآداب القرآن فهو مصدر بمعنى المفعول أي بما يتأدب به منه (في قوله وفعله) أي مع الحق فيتسم بالعدل والصدق في معاملاته، (ومعاطاته) أي عطائه وأخذه ومناولاته، (ومحاوراته) بالحاء المهملة أي مخاطباته ومجاوباته ومراجعاته ومعارضاته مع الخلق فإن الصالح من قام بحقوق الله وحقوق العباد وكلها مستفاد من القرآن على أحسن البيان ولذا لما قيل لعائشة رضي الله تعالى عنها عن خلقه صلى الله تعالى عليه وسلم قالت كان خلقه القرآن تعني كان يمتثل لمأموراته ويجتنب عن منهياته وفيه إيماء إلى أنه لا يكون كمن قال لاخيه وهو يحاوره أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا مفتخرا بذلك متغررا به كافرا لنعمة ربه معرضا نفسه لسخطه مستوليا عليه حرصه متماديا في غفلته تاركا نظره في عاقبته ولعمري إن أكثر الأغنياء الأغبياء وإن لم يلهجوا بنحوه فألسنة أحوالهم ناطقة مع شهود أفعالهم، (فهو) أي القرآن (عنصر المعارف الحقيقيّة) أي اساسها ومنبعها من الأمور العلمية والأحوال العملية بضم العين والصاد وبفتح الأصل (وروضة الآداب الدّينيّة والدّنيويّة) أي المحتاج إليها في أمور الدين والدنيا مما له تعلق بأمر العقبى وطريق المولى لقوله تعالى وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ والعجب كل العجب من المؤمن بالكتاب والسنة المبينة للخطاب أن يعدل عن تعلمهما والعمل بهما مع أن بعضهما فرض عين خاصة ومنهما فرض كفاية عامة وهو يقدم عليهما اكتساب العلوم المذمومة أو المباحة من المنطق والكلام والهيئة والحساب والفلسفة ودقائق العربية وغيرهما مما كان السلف لم يتداولوها ولم يتناولوها بل طعنوا فيها وفي من قبل عليها، (وليتأمّل) أي وليتدبر المسلم المذكور (هذه الملاحظة العجيبة) أي والمخاطبة الغريبة الكائنة (في السّؤال) أي سؤاله ﷾ بصورة الاستفهام عنه ﵊ (من ربّ الأرباب) أي المنزه عن المناسبة بينه وبين ما خلق من التراب (المنعم على الكلّ) أي عموما وخصوصا (المستغني عن الجميع) أي جميع العباد والسعداء والاشقياء أو عن عبادة جميعهم هذا قال الجوهري كل وبعض معرفتان ولم يجيئا عن العرب بالألف واللام وهو جائز لأن فيهما معنى الإضافة أضيفت أو لم تضف انتهى وقال ابن فارس كل اسم موضوع للإحاطة يكون مضافا أبدا إلى ما بعده وقد صرح الزجاج بقوله بدل البعض من الكل كما حكاه عنه أبو حيان (ويستثر) بفتح التحتية وسكون المهملة وفتح الفوقية وكسر المثلثة من ثار الشيء إذا ارتفع وانتشر واستثاره طلب ظهوره ويروى ويتبين وجعله الحجازي أصلا كما في نسخة والظاهر أن يكون مجزوما للعطف على يتأمل كما جزم به الدلجي ويجوز رفعه كما في نسخة أي يظهر وينشر ويبحث ويستخرج (ما فيها) أي في هذه الملاطفة العجيبة (من الفوائد) أي المنافع الغريبة، (وكيف) أي ومن جملتها أن يعلم أنه ﷾ كيف (ابتدأ) أي في الخطاب (بالإكرام) أي بتعظيمه بقوله عَفَا اللَّهُ عَنْكَ مصدرا في الكتاب (قبل العتب) بفتح وسكون
[ ١ / ٧٦ ]
أي قبل بيان العتاب، (وآنس) بالمد وفي نسخة بالفتح والشد وأصل الإيناس ضد الإيحاش فالمعنى كيف اذهب وحشة الإنس وأظهر لذة الإنس من حضرة القدس (بالعفو) أي بذكره (قبل ذكر الذّنب) من إضافة المصدر إلى مفعوله وفي نسخة قبل ذكره الذنب وجعله الحجازي أصلا والآخر رواية والمراد الذنب باعتبار الصورة الظاهرة المأخوذة من المعاتبة المعبر عنها بخلاف الأولى لما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين من حيث الغفلة في تلك الحالة عن مشاهدة المولى ولذا استدركه المنصف بقوله (إن كان) أي بالفرض والتقدير (ثمّ) بالفتح فالتشديد أي هناك (ذنب) والمعنى أنه لا ذنب هناك حقيقة وإنما وقع في صورة المعتبة، (وَقَالَ تَعَالَى: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الإسراء: ٧٤]) المعنى ولولا ثبوت تثبيتنا إياك لقد قاربت أن تميل إليهم شيئا يسيرا من أدنى الميل إذ ذاك لكن امتنع قرب ميلك وهواك لوجود تثبيتنا إياك ونظيره لو لاك لما خلقت الافلاك وهذا لأن لولا حرف امتناع للشيء لوجود غيره وأن مع الفعل في تأويل المصدر والجملة في محل الرفع على الابتداء والخبر محذوف لعلم السامع به واللام جواب لو كقولهم لولا زيد أي موجود لهلك عمرو والمحققون يقدرون مضافا قبل المبتدأ ليستغنى به عن تقدير الخبر مع قيام لو مقامه واختلفوا في سبب نزول الآية فقيل وهو المحكي عن مجاهد وابن جبير أن قريشا قالوا لا ندعك تستلم الحجر الأسود حتى تمس أوثاننا فخطر في باله أن يفعل ليتمكن من استلام الحجر في مآله وقيل في استدعاء الأغنياء طرد الفقراء وقيل غير ذلك وقد روي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين. (قال بعض المتكلّمين) أي من جملة المفسرين (عاتب الله الأنبياء) أي كآدم ونوح وداود عليهم الصلاة والسلام (بعد الزّلّات) أي العثرات الصورية والخطرات البشرية الضرورية فإن الزلة ما صدر من سالك الطريقة من غير قصد المخالفة، (وعاتب نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم قبل وقوعه) أي قبل وقوع الزلل وحصول الخلل (ليكون) أي النبي ﵊ (بذلك) أي بسبب ذلك العتاب على وجه الاهتمام (أشدّ انتهاء) أي عن المخالفة، (ومحافظة لشرائط المحبّة) أي وأكثر مراعاة لشرائط المودة من الموافقة والمتابعة في الطاعة، (وهذه) أي الحالة (غاية العناية) أي ونهاية الرعاية في الحماية فإن المعاتبة إنما تكون على حسب المكانة أما ترى أن الله تعالى أخذ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بمثاقيل الذر لقربهم عنده وحضورهم وتجاوز عن العامة أمثال الجبال لمكان بعدهم وغيبتهم فإن الزلة على بساط الآداب ليست كالذنب على الباب كما لا يخفى على أولي الألباب، (ثمّ انظر) أي أيها الناظر بعين الاعتبار وتفكر فيما يشار إليه من علو المقدار لأحمد المختار صلى الله تعالى عليه وسلم (كيف بدأ) أي الله (بثباته) أي على الموافقة (وسلامته) أي من المخالفة (قبل ذكر ما عتبه عليه) وفي نسخة عاتبه عَلَيْهِ، (وَخِيفَ أَنْ يَرْكَنَ إِلَيْهِ، فَفِي أَثْنَاءِ عتبه براءته، وفي طيّ تخويفه) أي في ضمن إخافته (تأمينه) أي جعله مأمونا من المخالفة
[ ١ / ٧٧ ]
(وكرامته) أي بالثبات على الموافقة، (ومثله) أي في هذا المعنى. (قوله تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ) أي الشان (لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ) قرأ نافع من أحزنه يحزنه والباقون من حزنه يحزنه بفتح الزاي في الماضي وضمها في الغابر وكلاهما متعديان بمعنى واحد وأما حزن يحزن من باب علم فهو لازم فاعلم والزم والمعنى بالتحقيق أو في بعض أوقاتك من التضييق نعلم أن الشأن ليوقعك في الحزن ما يقولون في شأننا أو في حق القرآن أو في كقوله تَعَالَى وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ [الأنعام: ٣٣]) بالتشديد للجمهور وبالتخفيف لنافع والكسائي والمعنى لا ينسبونك إلى الكذب ولا يتهمونك به ولا ينكرون أمانتك وديانتك أو لا يكذبونك في الحقيقة (الآية) أي ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون يعني ينكرونها أو ينكرون عليك بسبب اتيان آياتنا فقط وفي هذا نوع تسلية له صلى الله تعالى عليه وسلم وتهديد لهم ولكن لم يظهر لإيرادها وجه مناسبة ولا جهة ملائمة لما نحن فيه من مرتبة المعاتبة وقضية الملامة (قال عليّ كرم الله وجهه) كما رواه الترمذي وصححه الحاكم، (قال أبو جهل للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم: إنّا لا نكذّبك) أي في الصدق والأمانة، (ولكن نكذّب ممّا جئت به) أي من القرآن الدال على التوحيد والديانة، (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ [الْأَنْعَامِ: ٣٣] الآية) وفي نسخة فنزلت وإنما هو شهادة من الله تعالى له بالصدق والديانة وبيان أن هذا مما اتفق عليه الأمة عامة (وروي أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم: لمّا كذّبه) وفي نسخة أكذبه (قومه حزن) بكسر الزاء أي اغتم (فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ: مَا يُحْزِنُكَ؟) بالوجهين السابقين فقال: (كَذَّبَنِي قَوْمِي.
فَقَالَ: إِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّكَ صَادِقٌ) يعني لكن جئت بشيء ليس لغرضهم موافقا، (فأنزل الله تعالى الآية) أي المتقدمة قال الدلجي وحديث جبريل هذا أورده بصيغة روي ولم أعرف من رواه، (ففي هذه الآية منزع) بفتح ميم فسكون نون وفتح زاء أي مأخذ ومشرع (لَطِيفُ الْمَأْخَذِ مِنْ تَسْلِيَتِهِ تَعَالَى لَهُ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) أي بإذهاب حزنه وجلب أنسه، (وإلطافه به) بكسر الهمزة أي إكرامه (في القول) أي في قوله، (بأن قرّر عنده) أي بما اطمأنت به نفسه (أَنَّهُ صَادِقٌ عِنْدَهُمْ، وَأَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَذِّبِينَ لَهُ) أي في الحقيقة بل مكذبين لنا أو غير مكذبين في الباطن، (لأنهم معترفون بصدقه قولا واعتقادا، وقد كانوا) أي عامة المشركين (يسمّونه) سماه وأسماه بمعنى والمراد هنا يصفونه ويعدونه (قبل النّبوّة الأمين) أي من الأمانة في القول والفعل والعهد والوعد ضد الخيانة، (فدفع) أي الله ﷾ (بهذا التّقرير) أي المذكور في الآية بالتحرير وهو في أصل المصنف بالراءين وجعل التلمساني اصله بالدال بعد القاف بمعنى الفرض والتصوير قال وبالراء بمعنى تبيينه وتمهيده وكل منهما قريب من الآخر فتدبر (ارتماض نفسه) أي اقلاقها وإحراقها (بسمة الكذب) بكسر السين أي بوسمته وعلامته من الوسم وأصلها في المكي للأمارة والكذب بفتح فكسر هو الأفصح ويجوز بكسر فسكون وهو أنسب إذا قوبل بالصدق للمشاكلة اللفظية كما قال به
[ ١ / ٧٨ ]
بعض أرباب العربية في الأبواب الأدبية، (ثمّ جعل) أي الله ﷾ (الذّمّ لهم بتسميتهم) أي بتسميته إياهم (جاحدين) أي منكرين عنادا (ظالمين) أي بوضع التكذيب موضع التصديق (فَقَالَ تَعَالَى: وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] فحاشاه) أي نزهه ﷾ (من الوصم) أي العيب وهو بسكون الصاد وضبط في حاشية بكسر الصاد وهو وهم لأنه حينئذ وصف لا مصدر ولا وجه له هنا، (وطوّقهم) أي الزم أطواقهم في أعناقهم (بالمعاندة) أي بسبب المناظرة على وجه العناد (بتكذيب الآيات) متعلق بالمعاندة (حقيقة المعاندة) منصوب على المفعول الثاني لطوق وفي بعض النسخ حقيقة للظلم أي تحقيقا للظلم، (إِذِ الْجَحْدُ إِنَّمَا يَكُونُ مِمَّنْ عَلِمَ الشَّيْءَ ثُمَّ أَنْكَرَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: ١٤]) أي تعديا وتكبرا ونصبهما على العلة لجحدوا والجملة بينهما معترضة بالحالية لا يقال إن الجحد بمعنى الإنكار في الماضي مطلقا كما هو مقرر في علم التصريف فوجود العلم يؤخذ من جملة واستيقنتها لأنا نقول الجحد في اللغة هو الإنكار مع العلم كما صرح به صاحب القاموس ففي الآية تجريد أو تأكيد ثم حاصل كلام المصنف رحمه الله تعالى أن الجمع بين الأمرين وهو نفي تكذيبهم وإثبات جحدهم أنهم كانوا غير مكذبين له بقلوبهم فإنهم يعلمون صدقه في كل قضية ولكنهم جحدوا بناء على عنادهم كما تدل عليه الآية الثانية وهذا تأويل حسن ومسلك مستحسن ويصححه ما روي إِنَّ الْأَخْنَسَ بْنَ شُرَيْقٍ لَقِيَ أَبَا جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا الْحَكَمِ أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس ههنا غيري وغيرك فقال له وَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَصَادِقٌ وَمَا كَذَبَ مُحَمَّدٌ قط ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش وقيل وجه ثان في الجمع بينهما وهو أن يكون معنى الآية إن الله ﷿ قال لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم أنهم لما أصروا على تكذيبك مع ظهور المعجزات الخارقة على وفق دعواك لم يكذبوك وإنما كذبوني أنا وهذا كما يقول القائل لرجل أهان عبدا له أنك لم تهن عبدي وإنما اهنتني وهنا وجه ثالث وهو أن الظالمين ما خصوك بالتكذيب بل عم تكذيبهم لسائر المرسلين ويلائمه ما ذكره المصنف بقوله (ثمّ عزاه) بتشديد الزاء أي سلاه وصبره (وآنسه) بالضبطين أي سكنه وأزال وحشته (بما ذكره عمّن قبله) أي من الأنبياء (ووعده النّصر) أي على الأعداء (بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [الأنعام: ٣٤] الآية) يعني فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ. (فمن قرأ لا يكذبونك بالتّخفيف) وهو نافع والكسائي، (فمعناه لا يجدونك كاذبا) فهو من باب ابخلته وجدته بخيلا (وقال الفرّاء) بتشديد الراء وهو الإمام النحوي اللغوي الكوفي مات سنة سبع ومائتين في طريق مكة ولم يكفه يعمل الفرو ولا يبيعها وإنما قيل له ذلك لأنه يفري الكلام أي يصنعه ويأتي بالعجب منه (والكسائيّ) بكسر الكاف لأنه كان ملتفا بكساء
[ ١ / ٧٩ ]
عند قراءته على حمزة وقيل لأنه أحرم بكساء وهذا القول جزم به أبو عمرو الداني في التيسير ونظمه الشاطبي في كتابه وهو أحد القراء السبعة والإمام في النحو واللغة من أهل الكوفه روى عن أبي بكر بن عياش وحمزة الزيات وابن عيينة وغيرهم وعنه الفراء وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهما توفي سنة تسع وثمانين ومائة بالري وقيل بطوس والحاصل أنهما قالا في معنى لا يكذبونك بالتخفيف: (لا يقولون إنّك كاذب) فيكون معناه النسبة كالإكفار والتكفير وهو أنسب للجمع في المعنى بين القراءتين، (وقيل لا يحتجّون) أي لا يستدلون (على كذبك ولا يثبتونه) أي شبهة فضلا عن حجة وهو راجع إلى قولهما في المعنى وإن اختلف في المبنى، (ومن قرأ بالتّشديد) وهم الباقون، (فَمَعْنَاهُ لَا يَنْسِبُونَكَ إِلَى الْكَذِبِ، وَقِيلَ لَا يعتقدون كذبك) وهو خلاصة المعنيين وزبدة القراءتين (وممّا ذكر من خصائصه) أي الدالة على زيادة قدره (وبرّ الله تعالى به) أي اكرامه له من بين أصفيائه (أنّ الله تعالى خاطب جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام) أي المذكورين في القرآن (بأسمائهم) أي بأعلامهم دون أوصافهم الدالة على إعظامهم (فقال يا آدم) أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ، (يا نوح) اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا، (يا إبراهيم) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، (يا موسى) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ، (يا داود) إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً، (يا عيسى) إِنِّي مُتَوَفِّيكَ، (يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وأمثال ذلك، (ولم يخاطب) بفتح الطاء ويروى ولم يخاطبه كذا ذكره الحجازي لكن لا يلائمه قوله (هو) ولعله غير موجود في تلك الرواية (إِلَّا: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، يا أيّها المزّمّل يا أيّها المدّثر) يعني فهذا كله دال على رفعة منزلته عنده فإن السيد إذا دعا أحد عبيده بأوصافه المرضية وأخلاقه العلية ودعا غيره باسمه العلم الذي لا يشعر بوصف من الأوصاف الجلية دل على أن عزته عنده أكثر من غيره كما في عرف المخاطبة وآداب المحاورة ومعنى المزمل وأصله المتزمل المتغطي بالثوب وكذا المدثر لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لخديجة ﵂ حين رجع من غار حراء بعد ما حاوره الملك ما حاوره زملوني زملوني وفي رواية أخرى دثروني دثروني على ما ورد في الصحيح وإنما خوطب بالمزمل في هذا والمدثر في هذا المقام للملاطفة والتأنيس إذ من عادة العرب إذا قصدت الملاطفة أن تسمي المخاطب باسم تشتقه من الحالة التي هو فيها كقوله ﵊ لحذيفة قم يا نومان ولعلي بن أبي طالب وقد نام في التراب قم يا أبا تراب هذا بحسب دلالة الخطاب ومن ذلك أنه تعالى منع الخلق صريحا أيضا في الكتاب لسد هذا الباب حيث قال لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا وقد قال كثير من العلماء أي لا تقولوا يا محمد يا أحمد ونحوهما ولكن قولوا يا رسول الله يا نبي الله وإن مناداته ﵊ بأسمائه الاعلام من نوع الحرام في الأحكام.
[ ١ / ٨٠ ]
الْفَصْلُ الرَّابِعُ [فِي قَسَمِهِ تَعَالَى بِعَظِيمِ قَدْرِهِ صلى الله تعالى عليه وسلم]
(في قسمه تعالى بعظيم قدره) القسم بفتحتين الحلف (قال الله تعالى: لَعَمْرُكَ أي قسمي يا محمد لعمرك (إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ) أي غمرتهم وغفلتهم (يَعْمَهُونَ [الحجر: ٧٢]) أي يتحيرون ويترددون والضمير لقوم لوط وقيل راجع إلى قريش وهو بعيد جدا غير ملائم للسابق واللاحق على ما ذكروه والأظهر أن الجملة قسمية معترضة فيما بين القصة فلا يبعد أن يكون الضمير راجعا إلى كفار قومه صلى الله تعالى عليه وسلم وهو الملائم لخطابه وحكاية غفلتهم عن جنابه ثم رأيت الطبري جزم بأن ضمير يعمهون لقريش والجملة اعتراض بين الأخبار بقبائح قوم لوط وبين الأخبار بهلاكهم تنبيها على أن من كان هذا دأبه فجدير أن لا ينفعه تأديب ولا يؤثر فيه تأنيب وتنفيرا للسامع عن هذه القبائح المورثة للفضائح (اتّفق أهل التّفسير في هذا) أي قوله لعمرك (أنّه قسم من الله تعالى بمدّة حياة محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) وقيل المراد به لوط كما ذكره البيضاوي فالمراد بأهل التفسير أكثرهم وجمهورهم مع أن البغوي أيضا اقتصر على الأول ثم إذا كان المراد به لوطا فالقائل الملك لئلا ينافي ما رواه البيهقي وابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما حلف الله تعالى بحياة أحد إلا بحياة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إلا قال لعمرك بل أخرجه ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا قال ما حلف الله بحياة أحد إلا بحياة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم قال لعمرك، (وأصله) أي أصل الاستعمال لعمرك (بضمّ الْعَيْنِ مِنَ الْعُمْرِ وَلَكِنَّهَا فُتِحَتْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ) والأظهر أن يقال العمر بضمتين وهو الأفصح الوارد في القرآن وبالضم والفتح أيضا على ما في القاموس إلا أنه لا يستعمل في القسم إلا بالفتح لخفة لفظه وكثرة دورانه كما في البيضاوي وغيره، (ومعناه) أي كما رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس، (وبقائك) أي ومدة بقائك في الدنيا (يا محمّد) كقوله تعالى وَالْعَصْرِ أي عصر نبوته في قول أو بقائك بنا بعد فنائك فينا، (وقيل) أي كما رواه ابن ابي طلحة عن ابن عباس أيضا وعزى إلى الأخفش (وعيشك) أي وطيب معيشتك في الكونين لقوله تعالى فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً أي في الدنيا بالزهد فيها والتقليل منها والصبر على مرّها والشكر على حلوها (وقيل وحياتك) أي باسمنا المحيي والتخصيص للتشريف والكل بمعنى واحد وإنما ذكرها لاختلاف ألفاظها، (وهذه) أي المعاني كلها (نهاية التّعظيم وغاية البرّ) أي التكريم، (وَالتَّشْرِيفِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄) أي فيما رواه البيهقي في دلائله وأبو نعيم وأبو يعلى (ما خلق الله تعالى) أي ما قدر (وما ذرأ) أي خلق وكأنه مختص بالذرية وفي الحديث أنهم ذرء النار أي أنهم خلقوا لها (وما برأ) أي خلق الخلق من البراء وهو التراب أو مختص بذات الروح ولذا يقال يا بارئ النسمة أو معناه خلق خلقا بريئا من التفاوت أو أريد بالثلاثة معنى واحد وكرره للتأكيد كما
[ ١ / ٨١ ]
في الحديث نعوذ بالله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه من شر ما خلق وذرأ وبرأ والمراد ما أوجد من العدم (نفسا) أي شخصا ذا نفس (أكرم: عليه) أي أنفس عنده وأفضل لديه (من محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) ثم كان كالدليل عليه، (وما سمعت الله ﷿) أي ما علمته (أَقْسَمَ بِحَيَاةِ أَحَدٍ غَيْرِهِ وَقَالَ أَبُو الْجَوْزَاءِ) بجيم وزاء مفتوحتين بينهما واو ساكنة فألف بعده همزة أوس بن عبد الله الرابعي البصري يروي عن عائشة وغيرها وعنه قتادة وعدة أخرج له الجماعة الستة وأما أبو الحوراء بالحاء المهملة والراء فراوي حديث القنوت (مَا أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِحَيَاةِ أَحَدٍ غَيْرِ محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم لأنّه أكرم البريّة عنده) والبرية بالهمزة والتشديد بمعنى الخليقة ومنه قوله تعالى أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ وهي فعيلة بمعنى مفعولة وأنثت لأنها خرجت عن الصفة واستعملت استعمال الاسماء المخصة وأما ما جزم به المنجاني من أنها غير مهموزة فغفلة عن القراءة لأن نافعا وابن ذكوان قرآ في الآية بالهمزة (وقال تعالى: يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [يس: ١- ٢]) عطف على يس إن جعل مقسما به وإلا فواوه للقسم وأسند إليه الحكمة لأنه صاحبها أو ناطق بها (الآيات) أي إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
(اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى يس عَلَى أَقْوَالٍ) أي صدرت من بعض المتأخرين أقوال فالجمهور من السلف وجمع من الخلف على أن الحروف المقطعة في أوائل السور مما استأثر الله تعالى به علما ويقولون الله أعلم بمراده بذلك (فحكى أبو محمّد مكّيّ) وقد مر ذكره (أنّه روي) أي في دلائل أبي نعيم وتفسير ابن أبي مردويه من طريق أبي يحيى التيمي قيل وهو وضاع عن سيف بن وهب وهو ضعيف عن أبي الطفيل (عن النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لِي عِنْدَ رَبِّي عشرة أسماء) وهو لا ينافي الزيادة لأنها قاربت الخمسمائة (وذكر) أي ابو محمد مكي ويحتمل أن يكون مرفوعا لكن عبارته تأبى عنه وهي (أن منها:
طه، ويس، اسمان له) ومع هذا ليس الحديث المذكور بصحيح وقد ضعفه القاضي أبو بكر ابن العربي على ما ذكره المنجاني ثم قال وأما هذا القول وهو أنه اسم للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ذهب إليه سعيد بن جبير وقد جاء في الشعر ما يعضده وذلك قول السيد الحميري.
يا نفس لا تمحضي بالنصح جاهدة على المودة إلا آل ياسينا
يريد إلا آل محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ويكون حرف النداء على هذا محذوفا من الآية وكان الأصل أن يكتب ياسين على أصل هجائها ولكن اتبعت في كتبها على ما هي عليه المصاحف الأصلية والعثمانية لما فيها من الحكمة البديعية وذلك أنهم رسموها مطلقة دون هجاء لتبقى تحت حجاب الاخفاء ولا يقطع عليها بمعنى من المعاني المحتملة ومما يؤيد هذا المعنى قوله تعالى سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ بمد الهمزة عل قراءة نافع وابن عامر
[ ١ / ٨٢ ]
فقد قال بعض المفسرين معناه آل محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ثم قيل أصل طه معناه طاء من الوطئ فأبدل الهمزة هاء وأجري الوصل مجرى الوقف وقيل معناه يا رجل بالحبشية أو العبرانية أو القبطية أو اليمانية (وَحَكَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادق أنّه أراد) بقوله يس (يا سيّد) أي بطريق الرمز (مخاطبة لنبيّه صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ملاطفة ومطايبة ومخافتة وهذا مختصر مما نقله السلمي عنه بقوله قال الصادق في قوله يس يا سيد مخاطبا لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم ولذا قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنا سيد آدم ولم يمدح بذلك نفسه ولكنه أخبر عن مخاطبة الحق إياه بقوله يس وهذا شبيه بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم حيث قرأ على المنبر ونادوا فلما أخبر الله تعالى عنه بالسيادة وأمره بتصريحه صرح بذلك فقال إن الله تعالى دعاني سيدا وأنا سيد ولد آدم ولا فخر أي ولا فخر لي بالسيادة لأن افتخاري بالعبودية أجل من إخباري عن نفسي بالسيادة انتهى والحاصل أن الياء منها للنداء والسين إشارة إلى لفظ سيد اكتفاء بفاء الكلمة لدلالتها على باقيها وهذا مذهب العرب يستعملونه في كلامهم وأشعارهم وقد حكى سيبويه أن الرجل منهم يقول للآخر إلا تا أي إلا تفعل فيقول الآخر بلى سا أي بلى سأفعل ويكتفون بذلك عن ذكر الكلمتين بكمالهما وقد ورد في الحديث كفى بالسيف شا واستغنى بذلك عن أن يقول شاهدا (وعن ابن عبّاس) أي على ما رواه ابن أبي حاتم (يس) أي معناه (يا إنسان) ولما كان الإنسان اسما لعموم أفراد الإنس قال (أراد محمّدا صلى الله تعالى عليه وسلم) أي لأنه الفرد الأكمل والمقصود من الخلق الأول، (وقال) أي ابن عباس كما رواه ابن جرير (هو) أي يس (قسم) أي اقسم به ﷾ بحذف حرف القسم فالواو في قوله وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ عاطفة أو معادة (وهو) أي يس اسم على ما رواه ابن أبي طلحة عنه (أيضا من أسماء الله تعالى) أي تصريحا أو تلويحا وهو لا ينافي أن يكون من اسمائه صلى الله تعالى عليه وسلم لأن الأسماء بمعنى الأوصاف لا بمعنى الاعلام وقد أطلق بعض صفات الله تعالى عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كالرؤوف والرحيم وأمثالهما مع الفرق بين أوصافه ﷾ ووصفه صلى الله تعالى عليه وسلم وغيره (وقال الزّجّاج) هو أبو إسحاق إبراهيم النحوي نسبة إلى الزجاج لصنعته مات سنة عشر وثلاثمائة ببغداد، (قيل معناه: يا محمّد) أي بطريق الإيماء كما سبق في يا سيد وغيره، (وقيل يا رجل) أي بالحبشية كما روي عن الحسن وسعيد بن جبير ومقاتل انها لغة حبشية يعني أنهم يسمون الإنسان سين، (وقيل يا إنسان) أي بلغة طي كما رواه الكشاف وعن ابن عباس على أن أصله يا انيسين بالتصغير فاقتصر على شطره لكثرة النداء به. (وعن ابن الحنفيّة) كما رواه البيهقي في دلائله وهو محمد بن علي بن أبي طالب نسبة إلى أمه وهي خوله بنت جعفر بن قيس بن مسلم من سبايا بني حنيفة واشتهر بها وهو من كبار التابعين دخل على عمر بن الخطاب وسمع عثمان بن عفان وغيره وأخرج له الجماعة مات سنة ثمانين وولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر (يس يا محمّد) أي بأحد
[ ١ / ٨٣ ]
التأويلات السابقة. (وعن كعب) أي كعب الاحبار (يس» قَسَمٌ أَقَسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ قَبْلَ أن يخلق السّماء والأرض بألفي عام) الظاهر أن المراد به الكثرة الخارجة عن التعديد لا التحديد وأن المقصود به هو أنه ﷾ أقسم برسوله الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم في كلامه القديم. (يا محمّد إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) فكأنه أراد أن التقدير أقسم بك يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، (ثُمَّ قَالَ تعالى) أي إظهارا بعد ذكره اضمارا وتأكيدا بعد اقسامه تأييدا:
(وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [يس: ٢- ٣]) على أنه لا بدع أنه سبحانه أقسم به صلى الله تعالى عليه وسلم قبل خلق الكائنات بألفي عام عند إبداع روحه الشريف وابداء نوره اللطيف صلى الله تعالى عليه وسلم ثم قال في كتابه القديم مطابقا لما أقسم برسوله العظيم صلى الله تعالى عليه وسلم وبهذا يندفع ما ذكره المنجاني من أن هذا القول عندي في غاية الإشكال لأن القرآن كلام الله وكلامه صفة من صفاته القديمة فلا يصح أن يذكر في تقدمه عن خلق الأرض مقدارا معينا لأن خلقها محدث فالأولى أن تضعف الروايات الواردة عن كعب بهذا ما أمكن فإن صح ذلك عنده فليترك علمه إلى الله ﷾ إذ لا يقول كعب هذا إلا بتوقيف وليس ذلك مما يدرك بالاجتهاد والرأي انتهى وفيه أن كعبا ممن ينقل عن الكتب السالفة والعلماء الماضية فلا يقال في حقه إنه لا يقول إلا بتوقيف فإن هذا الحكم مختص بالأقوال الموقوفة المروية عن الصحابة ﵃ ممن ليس لهم رواية عن غيره صلى الله تعالى عليه وسلم فموقوفهم حينئذ حكم مرفوعهم كما هو مقرر في علم أصول الحديث حتى لم يعدوا عمرو بن العاص ممن لا يقول إلا بالتوقيف فافرق بين القول الصحيح والضعيف وقد يجاب بأن المراد به أنه أبرزه في أم الكتاب أي اللوح المحفوظ إذ ما من كائن إلا وهو مكتوب فيه ثم قال المصنف. (فإن قدّر) أي فرض وفي نسخة قرر (أنّه) أي يس (من أسمائه صلى الله تعالى عليه وسلم وصحّ فيه) أي في القول (أنّه قسم) أي أيضا (كان فيه من التّعظيم ما تقدّم) أي من أن الله تعالى ما أقسم بحياة أحد غيره صلى الله تعالى عليه وسلم، (ويؤكّد فيه القسم) أي المستفاد من المقدر المرموز، (عطف القسم الآخر) بالفتح وجوز الكسر وهو المذكور المصرح (عليه) أي على ذلك القسم فتكون الواو الثانية عاطفة أو مؤكدة كما أشرنا إليه، (وإن كان) أي مجموع يس (بمعنى النّداء) يعني وليس المراد به أنه من الاسماء وإن كان يس بمعنى المنادى (فقد جاء قسم آخر فيه) أي قسم آخر ليس وجهه مما يظهر (بعده) أي بعد ندائه (لتحقيق رسالته) أي بقوله إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (والشّهادة بهدايته صلى الله تعالى عليه وسلم) أي حيث قال عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، (أقسم الله تعالى باسمه) أي بناء على القول الأول في يس، (وكتابه) أي في قوله وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (إِنَّهُ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ بِوَحْيِهِ إِلَى عِبَادِهِ، وَعَلَى صراط مستقيم، من إيمانه) أي الموجب لإيقانه والمقتضي لإكمال أعمال أركانه، (أي) يعني معنى صراط مستقيم أنه من الثابتين (على طريق لا اعوجاج فيه) أي لا ميل إلى طرفي الإفراط والتفريط من تشبيه
[ ١ / ٨٤ ]
وتعطيل وجبر وقدر (ولا عدول عن الحقّ) أي عن الحكم الثابت بالوجه الصدق أو عن الوصول إليه ﷾ والحصول على رضاه عز شأنه. (قال النّقاش) أبو بكر محمد ابن الحسن بن محمد بن زياد الموصلي البغدادي المفسر المقري توفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة وقد اثنى عليه أبو عمرو الداني وقد طعنوا في رواية حديثه (لَمْ يُقْسِمِ اللَّهُ تَعَالَى لِأَحَدٍ مِنْ أَنْبِيَائِهِ بالرّسالة في كتابه) أي القرآن لعدم علم النقاش بسائر خطابه ولا يبعد أن يراد به جنس كتابه (إلّا له) صلى الله تعالى عليه وسلم، (وفيه) أي وفي هذا التخصيص (من تعظيمه وتمجيده) أي تكريمه صلى الله تعالى عليه وسلم (على تأويل من قال) أي في يس (إنّه سيّد ما فيه) أي الذي فيه من غاية التفخيم الذي يعجز عن بيانه نطاق التكليم. (وقد قال صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فخر) قال المنجاني وأكثر الروايات في هذا الحديث أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وهكذا رواه مسلم والترمذي قلت وفي الجامع الصغير أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مشفع ورواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة ورواه أحمد والترمذي وابن ماجة عن أبي سعيد ولفظه أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من نَبِيٌّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ ولا فخر انتهى ولا شك أن زيادة الثقة مقبولة والمعنى لا أقوله افتخارا لمقامي بل تحدثنا بنعمة ربي أو المعنى لا فخر بهذا بل بما فوقه مما لا يعبر ثم السد في اللغة الشريف الذي فاق قومه في الخير وهو فعيل بكسر العين من ساد يسود وهو المعتمد الذي عليه البصريون ونظيره صيب وثيب والحاصل أن المصنف أتى بهذا الحديث عاضدا للقول بأن المراد في الآية يا سيد كما بيناه سابقا (وقال ﷻ) أي عظم شأنه وعز سلطانه: (لَا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ [البلد: ١- ٢]) ادخال النافية للتأكيد شائع في كلام العرب وسائغ عند علماء الأدب فالمعنى أنه ﷾ أقسم بالبلد الحرام وقيده بحلول رسوله ﵊ به إظهارا لمزيد فضله وإشعارا بأن شرف المكان بشرف أهله وهذا المعنى باعتبار مفهومه يفيد ما عبر عنه المصنف بقوله (قِيلَ لَا أُقْسِمُ بِهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ فيه بعد خروجك منه. حكاه مكّيّ) أي هذا القول عن بعضهم وبما قررناه وبيناه وحررناه اندفع ما قاله المنجاني من أن هذا الذي حكاه عن مكي لا يستقيم تنزيله على الآية لأنه عكس مقتضاها الا ترى أن الواو من قوله تعالى وَأَنْتَ حِلٌّ واو الحال وإذا كانت كذلك فيكون معنى الآية لا أقسم بهذا البلد إذا كنت فيه وهو ضد ما قال مكي وإنما تتأول الآية على أن تكون لا زائدة فيها أي أقسم بهذا البلد وأنت حل به ساكن فيه وإلى هذا ذهب الزجاج انتهى ولعل منشأ هذا الاعتراض هو المقابلة بقوله، (وقيل لا زائدة) وليس كذلك فإن مراده مستقيم على تقدير عدم زيادة لا ايضا كما قال مجاهد إنها رد لكلام تقدم والمعنى ليس الأمر كما توهم من توهم وأقسم بعدها إثبات للقسم ويؤيده قراءة الحسن البصري لا قسم بدون الألف
[ ١ / ٨٥ ]
وعلى التنزل يمكن أن يكون مراده المغايرة في معنى حل على القول بزيادة لا أيضا ولذا قال (أَيْ أُقْسِمُ بِهِ، وَأَنْتَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ حلال لك) أي من دخول الحرم بغير إحرام والمعنى أنت به حلال حال كونه خالصا لك (أو حل لك ما فعلت فيه) أي من قتل بعض المشركين في عام الفتح حيث قال صلى الله تعالى عليه وسلم إن مكة حرمها الله تعالى يوم خلق السموات والأرض لم تحل لأحد قبلي ولا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً من نهار ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالامس (على التّفسيرين) أي على القولين للمفسرين في معنى الحل أنه من الحلول أو من الحلال لا تفسيري كونها زائدة ونافية كما ذكره الدلجي، (والمراد بالبلد عند هؤلاء مكّة) وهو المشهور عند الجمهور. (وقال الواسطيّ، أي نحلف) كان الأولى أحلف (لك) وقال الحجازي يروى بحلولك (بهذا البلد الذي شرّفته بمكانك) أي بكونك وإقامتك (فيه حيّا وببركتك ميّتا يعني المدينة) فيه بحيث لأنه يحتمل أنه أراد به مكة أيضا لأنه شرفها بمكانه فيها حيا ويصل إليها بركاته مماتا وإن بعد عنها دفنا بل هذا هو الأظهر معنى والأوفق مبنى فلا يحتاج إلى قوله، (والأوّل) أي من قولى البلد أهي مكة أم المدينة (أصحّ لأنّ السّورة مكيّة) أي اتفاقا (وما بعده يصحّحه) أي يؤيده ويوضحه (قوله تعالى) بدل مما بعده: (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ [البلد: ٢]) وفيه أنه لا يظهر وجه تصحيحه ولا بيان توضيحه لأن حلوله في المدينة أظهر لشموله حيا وميتا ولا بدع أن الآية نزلت إشارة إلى ما سيقع من القضية (وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ عَطَاءٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تعالى: وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [التين: ٣]) أي الآمن أو المأمون فيه يأمن فيه من دخله (قال) أي ابن عطاء (أمّنها الله تعالى) بهمزة ممدودة ويجوز بالقصر والتشديد ففي القاموس آمنه وأمنه فاندفع به اعتراض الحلبي أي جعل مكة ذات أمن (بمقامه) أي بسكناه (فيها وكونه بها فإنّ كونه) أي وجوده فيها (أمان حيث كان) صلى الله تعالى عليه وسلم وأغرب التلمساني حيث قال والأمين فعيل كمفعل أو مفعول وهذا على زيادة لا وعلى نفيها فالقسم به دونها انتهى ووجه غرابته لا يخفى لأن البلد الأمين في سورة التين وليست هي مصدرة بلا أقسم حتى يستقيم هذا القسم والله أعلم وفي نسخة زيادة ثم هذا القول من ابن عطاء لا يخلو عن نوع غطاء فإن الله ﷾ جعله بلدا آمنا قبل ظهوره صلى الله تعالى عليه وسلم كما قال تعالى أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ والمراد بالبلد الأمين مكة باتفاق المفسرين وهذه جملة معترضة بين المتعاطفين بقوله (ثمّ قال تعالى: وَوالِدٍ وَما وَلَدَ [البلد: ٣] من قال) أي كمجاهد (أراد آدم) أي بقوله تعالى وَوالِدٍ (فهو عامّ) أي في جميع ولده ولا يبعد أن يراد به خلاصة افراد الأولاد وسلالة العباد وسيد الأنبياء وسند الاصفياء الذي قيل فيه لولا وجود الخاتم ما كان ذكر لآدم صلى الله تعالى عليه وسلم، (ومن قال هو إبراهيم وما ولد) أي من أولاده الصلبية يعني إسماعيل وإسحاق وأسباطه من أنبياء بني إسرائيل من نسل يعقوب وسبطه الأعظم وحافده الأفخم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من نسل إسماعيل الجميل
[ ١ / ٨٦ ]
يأني البيت الجليل مع والده الخليل وربما يقال هو المقصود بالذات من إبراهيم وولده الكريم كما أنه زبدة الكائنات وخلاصة الموجودات ولذا قال المصنف (فهي) أي الآية المذكورة (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إِشَارَةً إِلَى مُحَمَّدٍ صلى الله تعالى عليه وسلم فتتضمّن السّورة) أي المسطورة (القسم به صلى الله تعالى عليه وسلم في موضعين) أي بحسب المتعاطفين من حيث كونه ولدا لإبراهيم وكونه والدا بشهادة ما في الكشاف ونقله ابن الجوزي عن ابن عمران الجوني انه صلى الله تعالى عليه وسلم هو المراد بالوالد ونصره القرطبي بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم إنما أنا لكم بمنزلة الوالد وقد ذكر البيضاوي القولين حيث قال ووالد عطف على هذا البلد والوالد آدم أو إبراهيم وما ولد ذريته أو محمد صلى الله تعالى عليه وسلم والتنكير للتعظيم وإيثار ما على من لمعنى التعجب كما في قوله وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ أي بأي شيء وضعت يعني موضوعا عجيب الشأن غريب البرهان فاندفع ما قاله المنجاني من أن ما تقع على ذوي العقول عند النحويين على أن كثيرا منهم قالوا إن من يختص بذوي العقول وما عام ويؤيده قوله تعالى وَالسَّماءِ وَما بَناها وَالْأَرْضِ وَما طَحاها وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها وإن قال بعضهم إن المراد بها معنى الوصفية المنبئة عن العظمة كأنها قيل والشيء القادر الذي بناها ودل على وجوده وكمال قدرته وجوده بناؤها وأنت ترى أن هذا تكلف مستغنى عنه إذ جوز أن ما ترد بمعنى من على في القاموس كقوله تعالى وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ ثم وقع التناقض بين قولي المنجاني حيث قال فيلزم على قول القاضي أن تكون ما في الآية واقعة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وذلك خروج بها عما قرر النحويون لها والذي يظهر في الآية والله تعالى أعلم أن الوالد والولد اسما جنس عامان لكل والد ومولود وهو قول ابن عباس فيكون قوله ﷾ وَما وَلَدَ على هذا التأويل جاء منبها على العاقل الذي لم يلد إذ لو اقتصر في الآية على ذكر الولد لخرج منها من لم يلد ولدا البتة انتهى ووجه التناقض لا يخفى إذ جنس المولود من قبيل ذوي العقول في المعنى فيؤول إلى قول القاضي في المعنى غايته أنه أراد الفرد الأكمل من الجنس الثاني بل لو أريد به الفرد الأفضل من النوعين لا يبعد لصدق الوالدية والولدية عليه ثم التنبيه الذي ذكره لا يخفى على الفقيه النبيه حيث إن المراد بما ولد ما ولده الوالد من آدم أو إبراهيم أو جنس الوالد. (وقال تعالى: الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ) قيل فيه صنعة التبديل من علم المعمى في استخراج الاسماء والتقدير ألف لام ميم الحمد فيبقى محمد فهو نداء أو مبتدأ خبره ذلك الكتاب أي هو النسخة الجامعة في الرتبة اللامعة والمرتبة الساطعة واسطة بين الخالق والخليقة (لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: ١- ٢]) وسيأتي الكلام فيه (قال ابن عبّاس ﵄) أي فيما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (هذه الحروف) أي المقطعة في أول هذه السورة وأمثالها من سائر السور المسطورة (أقسام) جمع قسم بمعنى مقسم به (أقسم الله تعالى بها) وفي نسخة بهذا أي بما ذكر على طريق
[ ١ / ٨٧ ]
الإشارة والرمز إلى اسماء الله ﷾ وأوصاف نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يكون الألف رمزا إلى ما أوله الهمز وكذا اللام وكذا الميم وكذا سائر الحروف وحرف القسم حينئذ محذوف، (وعنه) أي ابن عباس (وعن غيره فيها غير ذلك) حتى قيل فيها سبعون قولا منها ما عليه العشرة وغيرهم ومنهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهم أن الله تعالى أعلم بمراده بذلك وقيل معنى ألم أنا الله أعلم وعن ابن عباس أن الألف آلاء الله واللام لطفه والميم ملكه وقيل هي اسماء الله بشهادة قول علي يا كهيعص يا حم عسق ولعله أراد يا منزلهما وقيل اسماء للقرآن أو لليسور وقيل الألف من أقصى الحلق وهو مبدأ المخارج واللام من طرف اللسان وهو وسطها والميم من الشفة وهي آخرها فجمع بينها تلويحا بأن العبد ينبغي أن يكون أول كلامه ووسطه وآخره ذكره الله تعالى (وقال سهل بن عبد الله التّستريّ) وروي عن ابن عباس أيضا (الألف هو الله سبحانه تعالى) أي إشارة إلى لفظة الله بناء على الحرف الأول منه في المبنى أو إلى وحدانيته بحسب المعنى لكن يؤيد الأول قوله، (واللّام جبريل) أي بناء على الحرف الأخير، (والميم محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) نظرا إلى أوله وأوسطه كذلك وما أنسبه حيث كرر مسمى الميم في الاسم والمسمى (وحكى هذا القول السّمرقنديّ) أي مطلقا (ولم ينسبه إلى سهل) وهذا أمر سهل إذ لا منافاة بين الإطلاق والتقييد مع احتمال التوارد في مقام التأييد فلا ينافيه ما عزاه السجاوندي إلى ابن عباس أيضا (وجعل) أي السمرقندي (معناه) أي معنى هذا القول المستفاد من الإشارة إلى الاسماء المستورة بحسب التراكيب المفيدة المأثورة (اللَّهُ أَنْزَلَ جِبْرِيلَ عَلَى مُحَمَّدٍ بِهَذَا الْقُرْآنِ لا ريب فيه) أي في المنزل، أو المنزل أو المنزل به أو المنزل عليه أو في كل واحد منها وهو نفي عند أرباب التحقيق ومعناه نهي بالنسبة إلى أهل التقليد والتضييق والله ولي التوفيق أو المعنى لا ريب فيه وتوضيحه إن يقال من حيث إنه لوضوح شأنه وسطوع برهانه لا يرتاب فيه عاقل بعد النظر الصحيح في كونه وحيا بالغا حد الإعجاز لا من حيث إنه لا يرتاب فيه أحد لكثرة المرتابين بشهادة وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فإنه لم ينفه عنهم بل عرفه بما يزيله منهم وهو أن يبذلوا قواهم في معارضة سورة منه وغاية جهدهم فإذا عجزوا تيقنوا أن لا شبهة فيه ولا ريبة ثم بهذا لا يزول وجه إشكال تقديم جبريل على النبي الجليل، (وعلى الوجه الأوّل) أي من قول ابن عباس وهو أن المراد بها القسم (يحتمل القسم) أي المقسم عليه (أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ ثمّ فيه) أي في القسم أو الكتاب على الاحتمال الثاني، (من فضيلة قرآن اسمه باسمه) وفي نسخة من فضيلته قرآن اسمه باسمه وهو بكسر القاف بمعنى مقارنته (نحو ما تقدّم) أي في التشهد والخطبة كما قال حسان ﵁.
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
[ ١ / ٨٨ ]
(وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق: ١] أقسم) أي الله تعالى (بقوّة قلب حبيبه محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) أي التي هو من حروفها اكتفى به عنها (حيث حمل الخطاب) أي من ربه، (والمشاهدة) أي له ليلة الإسراء (ولم يؤثّر ذلك فيه لعلوّ حاله) أي مع وجود المجاهد ويناسبه قوله تعالى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ الآية، (وقيل هو) أي ق (اسم للقرآن) أي بطريق الإشارة وإما بطريق العبارة فهو اسم للسورة، (وقيل هو اسم لله تعالى) أي بناء على رمزه إلى الاسماء التي أولها القاف كالقادر والقاهر والقوي والقريب، (وقيل جبل محيط بالأرض) أي فوقع القسم به لعظمته وهذا قول مجاهد إن ق اسم جبل محيط بالدنيا وأنه من زمردة خضراء منها خضرة السماء والبحر لكنه ضعيف جدا، (وقيل غير هذا) أي غير ما ذكر أي إيماء إلى قيام الساعة وقال سهل رضي الله تعالى عنه اقسم بقدرته وقوته كما حكى عنه السلمي وقيل معناه قضى الأمر من رسالة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أو إخبار بقهر الكفرة أو تنبيه على قيام الموتى من القبور فكلها منقولة عن المفسرين وجميعها داخل في قول من قال هي حروف أخذت من اسماء وأفعال واستغنى بها عن ذكر ما بقي منها والله تعالى أعلم ولا يبعد أن يكون إيماء إلى الأمر بالوقوف على الأحكام أي التوقف فيما أشكل من المرام كقول الشاعر:
قلت لها قفي فقالت لي قاف (وقال جعفر بن محمّد) أي الصادق (فِي تَفْسِيرِ وَالنَّجْمِ إِذا هَوى [النَّجْمِ: ١] . إِنَّهُ محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) لأنه النجم الأكبر والكوكب الأنور وقوله إِذا هَوى أي إذا صعد إلى مقام دَنا فَتَدَلَّى أو إذا أحب المولى وترك السوى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (وقال) أي الصادق (النّجم قلب محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم، هوى انشرح من الأنوار) أي لما انبسط وانبثّ فيه من الأسرار وأغرب المنجاني حيث انكر على العالم الرباني بقوله هذا تحامل على اللغة في تفسير الهوى وتحكم فيها والمنقول عن جعفر أنه إنما فسر الهوى هنا بالنزول ليلة المعراج كما حكي عنه ذلك في تفسير الغزنوي وهو أقرب إلى الاشتقاق اللغوي، (وقال انقطع عن غير الله) أي عن التعلق بما سواه. (وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) [الْفَجْرِ: ١- ٢] الْفَجْرُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه لأنّ منه تفجّر الإيمان) أي تبين منه الإيقان وظهر منه العرفان بنزول القرآن وحينئذ يناسب أن يفسر ليال عشر بالعشرة المبشرة لأن الكواكب السيارة المنيرة في ميدان الولاية تختفي في زمان النبوة وآوان الرسالة لأن أحوال الاصفياء بالنسبة إلى أحوال الأنبياء لا تخلو عن ظلمة الكدورات النفسانية والحجابات الشهوانية فناسب أن يعبر عنهم بالليالي العشر كما يلائم أن يومي إلى مرتبة النبوة والرسالة بطلوع الصبح وظهور نور الفجر وبهذا اندفع ما قاله المنجاني من أن هذا التأويل بعيد لأن الفجر في الآية مردف بالليالي العشر وفي حمله على
[ ١ / ٨٩ ]
ما ذكر تنافر في النظم وعدم تناسب في اللفظ انتهى وأما أقوال المفسرين في معنى الفجر وليال عشر فمشهورة لا تخفى والمشهور أن الفجر هو الصبح والليالي العشر ذي الحجة ومن ثم فسر بفجر عرفة أو الفجر والعشر الأول من المحرم أو الأواخر من شهر رمضان ونكرت لزيادة فضلها والله تعالى أعلم.
الفصل الخامس في قسمه
أي في حلفه في كلامه (تعالى جده) أي عظمته لقوله تعالى وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ولما في الحديث كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جد بدال مهملة في أنفسنا أي عظم وجل وعن أنس والحسن رضي الله تعالى عنهما غناه بشهادة حديث ولا ينفع ذا الجد منك الجد أي لا ينفع ذا الغنى منك غناه وإنما ينفعه إيمانه وإحسانه (له) صلى الله تعالى عليه وسلم (لتحقق مكانته) أي منزلته الرفيعة (عنده) بكسر العين أفصح ويجوز فتحها وضمها ففي القاموس عند مثلثة الأول ظرف في الزمان والمكان غير متمكن (قال جل اسمه) أي عظم وصفه ونعته فكيف مسماه وذاته (وَالضُّحى) أي أقسم بضوء الشمس إذ هو المراد بقوله وَضُحاها أو بوقته حين ارتفعها وخص بالقسم لأنه تعالى كلم فيه موسى ﵊ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ بشهادة وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ولعل هذا هو المأخذ في فضيلة صلاة الضحى أو بالنهار كله بدلالة أن يأتيهم بأسنا ضحى في مقابلة بياتا أو مقابلة قوله تعالى (وَاللَّيْلِ إِذا سَجى [الضحى: ١- ٢]) أي ركد ظلامه أو سكن أهله وقدم الليل في السورة قبلها لأنه الأصل بدليل قوله تعالى نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ ولما ورد من أن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره الحديث وعكس هنا لشرف النهار بحسن ضوئه ونوره وكمال ظهوره والأنسب بهذا المقام في تحقيق المرام أن يقال إن في الضحى إيماء إلى وجهه صلى الله تعالى عليه وسلم كما أن في الليل إشعارا إلى شعره ﵊ أو إلى حاليه إشارة فيهما إلى صبح الوصال وليل الفراق أو إيماء بهما إلى حاليه من مقامي القبض والبسط أؤ الفناء والبقاء كما يشير إليه قَوْلِهِ ﷺ إِنَّهُ لَيُغَانُ على قلبي الحديث.
(السّورة) وفي شرح الدلجي السورة منصوب بفعل كأعني قلت أو اقرأ ويجوز رفعها على أن تقديره السورة معروفة وجرها على نزع الخافض كما في النسخة المشهورة والسورة طائفة من القرآن مترجمة أقلها ثلاث آيات منقولة من سور المدينة لأنها محيطة بطائفة منه أو محتوية على ما فيها من العلوم كاحتواء سور المدينة على ما فيها هذا إن كانت واوها أصلية وإن كانت مبدلة من همزة فلكونها قطعة من القرآن فمن السؤر الذي هو بقية الشيء وهذا المعنى هو الأولى كما لا يخفى إذ المعنى الأول يدل على المغايرة بين السورة وما هي مشتملة عليه وليس كذلك في السُّورَةُ. (اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ) أي سورة والضحى (فقيل كان ترك النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيَامَ اللَّيْلِ لِعُذْرٍ نَزَلَ بِهِ فتكلّمت
[ ١ / ٩٠ ]
امرأة في ذلك بكلام) أي بما لا يليق ذكره لأهل الإسلام ويؤيده ما رواه البخاري اشتكى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثا فقالت له امرأة إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لما رأيت من عدم قيامك فأنزل أي الله تعالى وَالضُّحى وروى مسلم نحوه وحديث الثعلبي أنه ﷺ أصيب في اصبعه فدميت فقال:
هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت
فمكث ليلتين أو ثلاثا لا يقوم الليل فقالت له أم جميل امرأة أبي لهب ما أرى شيطانك إلا قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث فنزلت وروى ابن السكن أنها إحدى عماته صلى الله تعالى عليه وسلم فقال ابن عساكر وكانت عماته صلى الله تعالى عليه وسلم ستا وجميعهن متن مشركات إلا صفية بنت عبد المطلب أم الزبير ويؤيد الأول رواية الحاكم أنها امرأة أبي لهب ولعلهما قالتا له ذلك ثم قيل هي أخت أبي جهل زوج أبي لهب وكان اسمها أم جميل وكان أبو بكر بن العربي لا يكنيها إلا بأم قبيح وقد أجاد فيما أفاد وقيل هي أخت أبي سفيان بن حرب وهي زوج أبي لهب أيضا وكانت عوراء وكان أحول والقول الأخير ذكره الحاكم في مستدركه في تفسير سورة والضحى وقال إسناده صحيح (وقيل) وعليه جمهور المفسرين على ما قيل (بل تكلّم به المشركون) أي بمثل ذلك الكلام (عند فترة الوحي) أي عند انقطاعه وعدم اتصاله من الفتور بمعنى القصور وكانت المدة سنتين ونصفا وقيل بل كان ذلك بضعة عشر يوما (فنزلت السّورة) أي والضحى وفي نسخة هذه السورة ويدل عليه حديث مسلم والترمذي أبطأ جبريل عن النبي ﷺ فقال المشركون قد ودع محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فأنزل الله ﷾ ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ويمكن الجمع بين القولين بأنه لما فتر الوحي اتفق إذ ذاك أنه اشتكى فلم يقم فقالت المرأة ما قالت وقال المشركون من الرجال ما قالوا وقال البيضاوي روي أن الوحي تأخر اياما لتركه الاستثناء كما مر في سورة الكهف أو لزجره سائلا ملحا أو لأن جروا ميتا كان تحت سريره أو غير ذلك فقال المشركون إن محمدا ودعه ربه وقلاه أي تركه وأبغضه فنزلت ردا عليهم، (قال الفقيه القاضيّ أبو الفضل ﵀) كذا في بعض النسخ وهو متروك في بعضها (تضمّنت هذه السورة) أي سورة والضحى (من كرامات الله تعالى) أي من أنواع إكرامه سبحانه (له صلى الله تعالى عليه وسلم) قال الدلجي من مزيدة أو للتعظيم أي تضمنت شيئا عظيما أكرمه الله به انتهى ولا يخفى أن كونها مزيدة لا يناسب المقام لأن الزائدة إنما تكون للتنصيص على عموم في النفي نحو ما جاءني من رجل أو لتوكيد العموم نحو ما جاءني من أحد وكونها للتعظيم غير معروف فالصواب أنها للتبعيض فإنه لا شك أن ما تضمنت هذه السورة من بعض كرامات الله له (وتنويهه به) من نوه بالشيء أي رفعه ونوهت باسمه أي رفعت ذكره والمقصود رفعة شأنه وسطوع برهانه (وتعظيمه واستثناه إيّاه) أي بما خصه الله تعالى واستثناه مما سواه (ستّة وجوه)
[ ١ / ٩١ ]
بالنصب على أنه مفعول تضمنت وفي نسخة بستة وجوه وكان الوجه أن يقول ستة أوجه إلا أنه أوقع جمع الكثرة في موضع جمع القلة توسعا إذ قد يكثر استعمال أحدهما في الآخر (الأوّل) أي الوجه الأول من الستة (القسم له) أي لأجله صلى الله تعالى عليه وسلم (عمّا أخبره به) أي في هذه السورة (من حاله) أي مما يدل على عظيم جماله وكريم كماله فمن بيان لما أقسم له على نفيه (بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) [الضُّحَى: ٢] أي وربّ الضّحى) أي على حذف مضاف يكون هو المقسم به وذلك لأنه لا يقسم بمخلوق لأن فيه تعظيم غير الله تعالى ولذا قال ﷺ من حلف بغير الله فقد أشرك والأظهر أن النهي في ذلك بالنسبة إلى المخلوق وأما الخالق ﷾ فيقسم بما شاء من خلقه تشريفا له وتعظيما لشأنه، (وهذا) أي القسم له على ذلك (من أعظم درجات المبرّة) بفتحات وتشديد الراء من البر بمعنى الخير (الثّانيّ) أي من الستة (بيان مكانته عنده) تقدم بيانه (وحظوته لديه) بكسر أوله ويضم على ما في الصحاح والقاموس وبسكون الظاء المعجمة بمعنى المنزلة والفضيلة والمحبة وقيل الحاء مثلثة لأن كل اسم على فعلة ولامه واو بعدها هاء التأنيث فإنه مثلث الفاء وأصله من حظيت المرأة عند زوجها إذا كانت ذات حظ ونصيب منه وفي المثل أن لا حظية فلا الية يقول إن احظأتك الحظوة فلا تأل أن تتودد إلى الناس لعلك تدرك بعض ما تريد ذكره الجوهري (بقوله) متعلق بقوله بيان مكانته (ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ) بتشديد الدال وتخفف (وَما قَلى [الضحى: ٣]) حذف مفعول قلى لظهوره أو اكتفاء بسبق ذكره مع كونه مراعاة للفاصلة (أي ما تركك) تفسير لودعك (وما أبغضك) تفسير لما قلى على طريق اللف والنشر المرتب والمعنى ما قطعك قطع المودع إذ التوديع مبالغة في الودع أي الترك إذ من ودعك فقد بالغ في تركك وفي الحديث غير مودع ربي أي غير قاطع طاعته ولا مفارق لعبادته وقرأ عروة وابنه هشام ودعك مخففا مع استغناء أكثر العرب عنه بترك فلم ينطق به ماضيا لكن قد جاء في الحديث شر الناس من ودعه الناس اتقاء فحشه وفي الشعر أيضا كقوله:
وكان ما قدموا لأنفسهم أعظم نفعا من الذي ودعوا
ومن التشديد قوله:
ليت شعري من خليلي ما الذي رابه في الحب حتى ودعه
ثم قلي يائي وقيل واوي وعلى الأول يقال في مضارعه يقلي ويقلى بالياء والألف إلا أن الألف شاذ كما في أبى يأبى (وقيل ما أهملك) أي ما تركك هملا (بعد أن اصطفاك) أي كملا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ مَا خلاك ولا قطعك منذ اصطفاك ورفعك (الثّالث) أي من الستة (قوله) أي عز قائلا (وَلَلْآخِرَةُ) أي والدار الآخرة (خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى [الضحى: ٤]) أي من الدنيا أو الحال الآخرة خير لك من الأولى إيماء إلى أنه دائما في الترقي
[ ١ / ٩٢ ]
إلى الدرجات العلى (قال ابن إسحاق) تقدم أنه إمام أهل المغازي (أي مالك) بفتح ميم وهمز ممدود ورفع لام أي ما تؤول إليه ومصيرك (في مرجعك) أي معادك باقيا خالصا من الشوائب مما أعد لك من المراتب (عند الله) في العقبى (أعظم ممّا أعطاك من كرامة الدّنيا) ويروى كما في بعض النسخ ما لك على أن ما موصول والعائد محذوف يعني الذي أعطاكه في الاخرى خير لك من الذي اعطاكه في الأولى. (وقال سهل: أي ما ادّخرت) بتشديد الدال المهملة وقيل بالمعجمة من الذخيرة وهي الشيء النفيس يخبأ للنوائب وذاله معجمة ويقال ادخرته على افتعل يهمل ويعجم والمعنى واحد وقيل بالمعجمة ما يكون للآخرة وبالمهملة ما يكون للدنيا ونسب إلى أئمة اللغة وهي غير مشهورة ودلالة قوله تعالى تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ عليه غير صحيحه والمعنى الذي خبأته (لك من الشّفاعة) أي العظمى أو الخاصة بهذه الأمة (والمقام المحمود) أي المرتبة العلية الشاملة للشفاعة الكاملة لجميع الافراد البشرية (خير لك ممّا أعطيتك في الدّنيا) أي من الرفعة وعلو المرتبة ونفاذ الحكومة ويؤيده ما ورد في الحديث القدسي والكلام الأنسي أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ويجوز أن يراد بالمقام المحمود كما هو ظاهر الآية كل مقام يتضمن كرامة وإن كان الأكثرون على أنه مقام الشفاعة الكبرى الذي يحمده فيه الأولون والآخرون بشهادة حديث هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي أي خصوصا وسائر الأمم عموما. (الرّابع) أي من الستة (قوله تعالى وَلَسَوْفَ) خبر مبتدأ محذوف دخله بعد حذفه لام الابتداء لتأكيد مضمون الجملة أي ولأنت سوف (يُعْطِيكَ رَبُّكَ) أي ما يرضيك وتقر به عينك (فَتَرْضى [الضحى: ٥]) أي غاية الرضى والجمع بين حرفي التأكيد والتأخير للإيماء بأن العطاء كائن لا محالة وفي مصحف ابن مسعود ولسيطيك ثم أكثر المفسرين على أن هذا العطاء في الأخرى وعن بعض العلماء أنه إشارة إلى فتح مكة في الدنيا (وهذه الآية) أي ولسوف وفي بعض النسخ وَهَذِهِ آيَةٌ (جَامِعَةٌ لِوُجُوهِ الْكَرَامَةِ، وَأَنْوَاعِ السَّعَادَةِ) أي ما أعطاه في الدنيا وما وعده في العقبى، (وشتات الإنعام) بكسر الهمزة من أنعم إذا زاد على الإحسان أي متفرقا أنواع الإكرام مما لا يعلم كنهه أحد من الأنام (في الدّارين، والزّيادة) بالجر أي وجامعة للزيادة على ما أعطاه في الدنيا ووعده في العقبى من أنواع الكرامة والدرجات العلى. (قال ابن إسحاق) تقدم ذكره وقال التلمساني هو صاحب السير والمقدم فيها والمشهور بالمغازي والتاريخ توفي ببغداد سنة إحدى وخمسين ومائة وكان بينه وبين مالك كلام ومحاورة وذلك أن الأئمة اتفقوا على أن مالكا عربي صريح النسب من ذي أصبح حميري يماني وذهب ابن إسحاق إلى أنه من الموالي وقوله شاذ رواه الأئمة والله ﷾ أعلم والحاصل أنه قال في سيرته (يرضيه) أي الله ﷾ نبيه ﵊ (بالفلج) وهو على ما في الصحاح بفتح الفاء واللام وبالجيم والاسم بضم الفاء وسكون اللام أي الفوز بأحبائه والظفر بأعدائه ومنه قوله صلى الله تعالى
[ ١ / ٩٣ ]
عليه وسلم في وصف القرآن مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عدل ومن خاصم به فلج قال ابن هشام معناه ظهر وغلب وظفر والحاصل أن في الأصل نسختين مضبوطتين وفي المثل من يأت الحكم وحده يفلج أي يظهر على خصمه (في الدّنيا) كيوم بدر وقريظة والنضير وفتح مكة (والثّواب في الآخرة) أي مما أخفى له من قرة أعين وهذا القول من ابن إسحاق ليس كقول سهل بل هو قول ثالث يشير إلى أن الآية مقتضية رضاه في الدنيا والعقبى معا قيل وهو الصواب في معنى الآية. (وقيل يعطيه الحوض) أي المورود (والشّفاعة) أي المقام المحمود وهو داخل فيما قبله بلا مراء وكل الصيد في جوف الفرا وفسر عطاء وغيره الحوض بالخير الكثير تمسكا بما في رواية البخاري ومسلم أي عن أنس بن مالك بينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في المسجد أغفى اغفاء ثم رفع رأسه فقال نزلت علي آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر: ١- ٣] ثم قال أتدرون ما الكوثر هو نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير هو حوض ترده أمتي يوم القيامة آنيته عدد نجوم السماء وفي رواية لهما الكوثر نهر في الجنة عليه حوضي أي يمد ماؤه منه وفي مسلم ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل يغث فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من ورق ويغث بغين معجمة مضمومة فمثناة فوقية مشددة ومعناه يجري جريا متتابعا له صوت. (وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ آلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) وهو علي بن أبي طالب كرم الله وجهه على ما ذكره الثعلبي في تفسيره (أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ آيَةٌ فِي الْقُرْآنِ أَرْجَى منها) أي من آية وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ثم بيّن وجهه بقوله، (ولا يرضى رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ النّار) ورواه عنه أيضا ابو نعيم في الحلية موقوفا والديلمي في مسند الفردوس مرفوعا فبطل بهذا قول الحلبي قد ظهر لي والله تعالى أعلم أن هذا الرجل هو الحسن بن محمد ابن الحنفية وذلك أنه أول المرجئة وله فيه تصنيف انتهى وروي أنه لما نزلت قال إذن لا أرضى أن يكون واحد من أمتي في النار قال الدلجي وهذا إن صح فيشكل بما ورد مؤذنا بدخول بعض عصاتهم فيها ومن ثم قال ابن عبد السلام وغيره لا يجوز الدعاء لجميع المؤمنين بمغفرة جميع ذنوبهم إذ لا بد من دخول بعض منهم فيه ويعارضه رب رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ انتهى ولا يخفى أن المعارضة مدفوعة إذ ليس في الآية لفظ الجميع الشامل للإفراد كلها والإشكال السابق أيضا مدفوع بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لا يرضى رضى كاملا إلا إذا وقعت شفاعته لجميع أمته كاملا وهذا أمر في المستقبل فلا ينافي دخول بعض الأمة النار في الماضي فتأمل هذا وفي حديث الترمذي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال ما في القرآن آية أحب إلي من قوله ﷾ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وقيل أرجى آية في القرآن لأهل التوحيد قوله تعالى وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ وقيل قوله تعالى إِنَّا قَدْ
[ ١ / ٩٤ ]
أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى وقيل قوله تعالى وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ وقيل قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ وقيل قوله تعالى قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الآية وقيل قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ الآية ووجهه أنه ﷾ أمرنا بالاحتياط لدنيانا الفانية التي نهانا عن الاغترار بها والركون إليها والاعتناء بها وأمرنا بالإعراض عنها والزهادة فيها فإذا لطف بنا فيها بما ارشدنا إليه مع حقارتها في طول آية من كلامه فكيف بالدار الباقية دار الخلد في النعيم والالتذاذ الذي لا يساوي بل لا يداني بالنظر إلى وجهه الكريم وفيه قول آخر وهو ما في صحيح مسلم من حديث الإفك فأنزل الله تعالى وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى إلى قوله تعالى وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ قال حبان بن موسى قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله ﷿ انتهى وقد أخرج الحاكم في مستدركه عن ابن عباس ﵄ أن ارجى آية في القرآن لهذه الأمة قوله تعالى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي هذا وأخوف آية في القرآن قيل وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وقيل سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ وقيل قوله تعالى فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ وقيل إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ وقيل قوله تعالى أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ
وعن أبي حنيفة وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وعن الشافعي أنها قوله تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ انتهى واجتمعت الآيات سبعة في الخوف وعشرة في الرجاء إيماء إلى أنه سبقت رحمته غضبه وغلب رجاء ثوابه خوف عقابه.
(الخامس) أي من الستة (ما عدّه تعالى عليه) أي ذكر له (من نعمه) أي نعمائه وهو أنسب إلى قوله (وقرّره من آلائه) وهما مترادفان على ما قيل والأظهر أن وقت اجتماعهما يراد بهما نعمه الظاهرة والباطنة واختلفت في مفرد الآلاء فقيل إلى بالفتح والتنوين كرحى وقيل بالكسر والتنوين كمعى وقيل بفتحها وسكون اللام وبالواو كدلو وقيل بكسرها وسكون اللام وبالياء كنحى وقيل بالفتح وترك التنوين وقوله (قبله) بكسر القاف وفتح الموحدة أي عنده وجهته ونحوه (في بقيّة السّورة) من أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا إلى فَأَمَّا الْيَتِيمَ تلويحا بأنه تعالى كما أحسن إليه سابقا يحسن إليه لاحقا كما قيل:
لقد أحسن الله فيما مضى كذلك يحسن فيما بقي
فمما عد وقرر موردا له على خلاف ترتيب السورة ما أشار إليه بقوله (من هدايته) مصدر مضاف إلى فاعله أي من هداية الله إياه (إلى ما هداه له) أي المستفادة بقوله تعالى وَوَجَدَكَ ضَالًّا أي جاهلا بتفاصيل أحكام الشريعة فَهَدى أي فهداك إليها ودلك عليها (أو هداية النّاس به) أي فهدى الناس بك زيادة على هدايتك في نفسك فجمع الله له بين الهداية القاصرة والمتعدية المعبر عنهما بالكمال والتكميل اللذين يصل بهما العبد إلى مقام
[ ١ / ٩٥ ]
التعظيم ومرتبة التبجيل كما ورد عن عيسى ﵇ من تعلم وعمل وعلم يدعي في الملكوت عظيما (على اختلاف التّفاسير) أي في هدى من التقادير على ما أشرنا إليها في ضمن التحارير فهدى إما بمعنى هداه الله أو بمعنى هدى به الناس، (ولا مال له) جملة حالية والتقدير ومن كونه لا ماله (فأغناه) الله (بما أتاه) أي اعطاه من مال خديجة أو من الغنائم (أَوْ بِمَا جَعَلَهُ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْقَنَاعَةِ والغنى) أي غنى القلب كما أشار إليه صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس وبقوله القناعة كنز لا ينفد وهو من قنع بكسر النون في الماضي قناعة إذا رضي بما أعطاه الله تعالى وبفتحه قنوعا إذا سأل مما سواه ومنه القانع والمعتر أي السائل تصريحا والمعترض تلويحا وما أحسن ما قال من قال من أهل الحال:
العبد حر إن قنع والحر عبد إن طمع
فاقنع ولا تقنع فما شيء أضر من الطمع
وهذا المعنى مستفاد من قوله وَوَجَدَكَ عائِلًا أي فقيرا أو محتاجا إلى الخلق فأغناك عنهم بغناه بل أحوج إليك كل من سواه كما أشار إليه بقوله آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة (ويتيما) ومن كونه يتيما أي لا أب له لموت أبيه قبل ولادته فآواه إلى عمه أبي طالب (فحدب) بفتح الحاء وكسر الدال المهملتين أي رق له ورحمه وعطف (عليه عمّه) وأذهب عنه غمه وهمه حتى قال:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمر ما عليك غضاضة فأبشر وقر بذاك منك عيونا
وفي نسخة عمه منصوب ولا يستقيم إلا إذا كانت الدال مشددة (وآواه إليه) وأحسن في تربيته عليه حيث ضمه إلى نفسه في جملة حاله وجعله من عمدة عياله وآوى متعد ممدودا أو مقصورا لكن التعدية في المد أكثر كما أن اللزوم في القصر أشهر، (وقيل آواه الله) أي ملحوظا بعين عنايته وكفايته محفوظا في ظل حمايته ورعايته وفي نسخة آواه إلى الله أي أغناه بذاته عما سواه وروي أوى إلى الله مقصورا ومعناه لجأ إليه وتوكل عليه وأسلم الأمر لديه وهذه المعاني الأخيرة أنسب إلى ما حكي عن جعفر الصادق أنه سئل لم أفرد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أبويه فكان يتيما في صغره فقال لئلا يكون عليه حق للمخلوق انتهى ويمكن أن يقال لئلا يكون له تعلق بغير الحق فإن الاستئناس بالناس من علامة الإفلاس (وقيل يتيما لا مثال لك) أي لا نظير يماثلك هذا مراد من قال هو درة يتيمة عصماء أي محفوظة ممنوعة معصومة عن أن يكون لها نظير في الصورة والسيرة وفي الكشاف أنه من بدع التفاسير ومعناه ألم يجدك واحدا في قريش عديم النظير (فآواك إليه) والوجود في السورة بمعنى العلم فيتيما وضالا وعائلا مفاعيل ثواني له أو بمعنى المصادفة فهي أحوال من
[ ١ / ٩٦ ]
المفعول الأول ولعل وجه تقديم الهداية في كلام المصنف إيماء إلى رعاية العناية وإشارة إلى أن الواو لا تفيد الترتيب في العبارة وأما الترتيب الذكري في السورة فهو على وفق الوجود الوقوعي حيث يوجد اليتيم قبل البلوغ وبعده تتحقق الهداية الكاملة العلمية ثم رعاية القناعة العملية، (وقيل المعنى ألم يجدك) أي والناس في ضلال (فهدى بك ضالّا، وأغنى بك عائلا)، أي فقيرا حين وجدك وفيهم عيلة (وآوى بك يتيما) إذ وجدك وفيهم أيتام وهذا من بدع التفاسير أيضا وإن كان يلائمه في الجملة ما بعده من بقية السورة وهي قوله تعالى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وتذكر حال يتمك وَأَمَّا السَّائِلَ لكونه فقيرا فَلا تَنْهَرْ فلا تزجر ولا تقهر وتذكر حال فقرك وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ بإظهار الهداية والعلم بالبداية والنهاية وتذكر حال جهلك فيكون اللف والنشر مشوشا اعتمادا على فهم السامع ويمكن أن يكون مرتبا بأن يكون المراد سؤال العلم كا هو قول أبي الدرداء وغيره وأن التحدث بنعمة الرب هو الإحسان إلى الفقير المنكر القلب لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم التحدث بالنعم شكر ويمكن أن يحمل على المعنى الأعم ويستفاد منه المراد الأخص والله تعالى أعلم بمراده في كتابه؟ (ذكّره) بتشديد الكاف أي ذكره صلى الله تعالى عليه وسلم ربه تذكير امتنان لا ناشئا عن نسيان (بهذه المنن) جمع المنة بمعنى النعمة والعطية (وأنّه) بكسر الهمزة والواو للحال أي الشأن أو الله سبحانه أو هو صلى الله تعالى عليه وسلم (على المعلوم من التّفسير) أي بناء على ما علم من أنواع التفسير على ما سبق من التحرير (لم يهمله) من الإهمال أي لم يتركه ربه تعالى (في حال صغره) أي جهله (وعيلته) أي فقره (ويتمه) أي فقد أبيه، (وقبل معرفته) أي وفيما قبل معرفته الكاملة (به) تعالى، (ولا ودّعه) عطف على لم يهمله ولا تركه ولا دفعه، (ولا قلاه) أي ولا أبغضه ولا قطعه، (فكيف) أي حاله (بعد اختصاصه) بالكرامات السنية (واصطفائه) بالمقامات البهية والمعنى بعد ارساله واعلامه أنه اصطفاه واجتباه على خليقته لكرامته عنده ومنزلته وإلا فقد كان اصطفاه في ازليته قبل ظهور أبديته بدليل قوله كنت نبيا وآدم بين الماء والطين وفي رواية وآدم منجدل في طينته أي وآدم مراد إيجاده منهما في وقته فلا بينة ولا انجدال حال نبوته ثم اعلم أن ملخص الأقوال في تفسير قوله ﷾ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ستة أقاويل أولها أنه وجدك ضالا عن الشريعة وأحكامها فأرشدك إليها بتمامها وثانيها أنه وجدك منسوبا إلى الضلالة عند الأعداء فبين أمرك بالبراهين القاطعة للأحباء وثالثها أنه وجدك بين قوم ضلال فأرشدك إلى ما تميزت به عنهم إلى مقام الوصال ورابعها أنه وجدك ضالا بتزويج ابنتك في الجاهلية لبعض الكفرة فبين لك أن المشرك لا يتزوج المسلمة قال ثعلب وهذا هو قول أهل السنة في هذه الآية وخامسها أنه وجدك ضالا بين مكة والمدينة فأراك الطريق وذلك عليه وبينه أو إشارة إلى ضلالته وهو صغير في شعاب مكة حيث وجده ورقة بن نوفل ورجل من قريش فرداه إلى جده عبد المطلب وسادسها أنه وجدك ضالا أي عاشقا ومحبا فهداك إلى محبوبك والقول الأول في
[ ١ / ٩٧ ]
تفسير الآية هو المعول كما بينه قوله تعالى مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا
. (السّادس) أي من الستة (أمره) فعل ماض على ما صرح به الحلبي والأظهر أنه مصدر مضاف إلى مفعوله (بإظهار نعمته عليه) مصدر مضاف إلى الفاعل عام في جميع ما أنعم به عليه إذا أضافة المفرد قد تفيد العموم (وشكر ما شرّفه به) أي ما أحسنه إليه وعظمه لديه (بنشره) أي ببسط ما شرفه به وإظهاره تبجحا بالنعمة وقياما بشكر المنعم لا افتخارا بالعطية والحال الملم (وإشادة ذكره) أي وتشهير ذكر ما شرفه به ورفع قدره وتعظيم شأنه وأعلاء أمره وبيانه وتعريف حاله (بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضُّحَى: ١١] فإنّ من شكر النّعمة التّحدّث بها) لحديث التحديث بالنعمة شكر وفي نسخة التحديث وفي أخرى الحديث ومن التحدث بها إظهارها في الملبس والمركب ونحوهما لحديث إذا أنعم الله على عبد أحب أن يرى أثر نعمته عليه (وهذا) أي أمره بإظهارها (خاصّ له) صلى الله تعالى عليه وسلم (عامّ لأمّته) لأنه إمامهم فأمره كأمرهم وقال مجاهد معنى قوله تعالى وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ بث الشرائع والقرآن والمشتمل على البدائع والأولى حمل الآية على عموم النعمة ولعل هذا منشأ ما كان بعض الصالحين يخبر بجميع ما يفعله من الطاعات للسالكين كأنه ينحو إلى أنها نعمة أنعم الله ﷾ بها عليه فيجب عليه التحدث بها مع أنه قد يقصد أن الناس يقتدون به في فعلها (وقال تعالى) حال لازمة من ضمير قال أي متعاليا عما لا يليق بجنابه الكريم (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى [النَّجْمِ: ١] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [النَّجْمِ: ١٨] . اختلف المفسّرون في قوله تعالى:
وَالنَّجْمِ [النجم: ١]) أي في المراد به اختلافا مصحوبا (بأقاويل معروفة منها) أي من جملة الأقاويل قولهم (النّجم على ظاهره) فالمراد به إما جنس النجوم أو الثريا لغلبته عليها وهي سبعة كواكب على ما ذكره السهيلي ولا يكاد يرى السابع منها لخفائه وفي الحقيقة إنها اثنا عشر كوكبا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يراها كلها بقوة جعلها الله تعالى في بصره كما ذكر ابن خيثمة من طريق ثابت عن العباس عم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أو الزهرة لأنهم كانوا يعبدونها فنبهوا على انتقالها وزوالها كما ذكره الغزنوي في تفسيره أو الذي يرحم به فهواه غروبه أو انتثاره وانكداره يوم القيامة أو انقضاضه أو طلوعه إذ يقال هوى هويا بالفتح إذا سقط وغرب وبالضم إذا علا وصعد. (ومنها) أي من جملة الأقاويل إن النجم هو (القرآن) لأنه نزل منجما في دفعات متعددة وأوقات مختلفة فالهوى بمعنى النزول ويؤيده قوله فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ الآيات على ما اختاره بعض المفسرين وقيل إنه اسم جنس للصحابة ولعلماء هذه الأمة كما ورد عن سيد الأئمة أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ذكره في عين المعاني قال الدلجي فالهوى على هذا كناية عن الموت يعني موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم انتهى ولا يخفى بعده فإن الاقتداء بهم والاهتداء أعم من زمن حياته وبعد وفاته فالهوى بمعنى الظهور والعلو. (وعن جعفر بن محمّد) أي الصادق (أنّه) أي
[ ١ / ٩٨ ]
النجم المقسم به (محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) قال الدلجي وكثيرا ما يذكر المصنف السلام بدون الصلاة مع كون إفراد أحدهما مكروها قلت المحققون كالجزري وغيره على أنه لا يكره وإنما الجمع أفضل، (وقال) أي جعفر (هو قلب محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) اقول بل هو صلى الله تعالى عليه وسلم بقلبه وقالبه نور يستنار منه الأنوار ويستضاء منه الأسرار وقد ورد اللهم اجعلني نورا وقد سماه الله تعالى نورا على ما تقدم والله تعالى أعلم فالهوى بمعنى الظهور كما هو ظاهر في معنى النور وأما على إرادة قلبه فلعل المراد بهواه ميله إلى ربه وغيبته عن غيره واستغراقه في حبه ويؤيد ما قلناه من إرادة كله قوله، (وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ) أي البادي ليلا وأصله لسالك الطريق وخص عرفا بالآتي ليلا ثم استعمل في البادي فيه (وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ) أي شيء أعلمك أنه ما هو يعني أنه شيء عظيم لا يعرفه أحد ثم بينه أنه (النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق: ١- ٣]) أي المضيء كأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه أي (إِنَّ النَّجْمَ هُنَا أَيْضًا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) عبر عنه أولا بوصف عام ثم بين بما يخصه تفخيما لشأنه وتعظيما لبرهانه بجامع أن كلا يهتدي به وإن كان بينهما بون بين (حكاه السّلميّ) أي نقله في تفسير الحقائق. (تضمّنت) أي فقد جمعت (هذه الآيات) أي من قوله وَالنَّجْمِ إِذا هَوى إِلَى قَوْلِهِ لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (من فضله وشرفه) أي الزائد على غيره (العدّ) بكسر العين وتشديد الدال المهملتين أي الشيء الكثير الذي لا تنقطع مادته وأصله في الماء يقال ماء عد إذا كانت له مادة غير منقطعة كماء العين والبئر (ما يقف) أي العد الذي يقف (دونه) أي ينقطع قبله والضمير للعد وقال الدلجي أي يقف دون كل منهما (العدّ) بالفتح أي الاحصاء والاستقصاء والعد أيضا العدد هذا ولما نسبت الكفار المسمى بالهدى إلى الضلال والردى وأن ما ينطق به إنما هو عن الرأي والهوى رد الله عليهم وكذبهم، (وأقسم جلّ اسمه) أي عظم كمسماه (على هداية المصطفى وتنزيهه) أي براءة ساحته وأغرب التلمساني حيث قال أي تعظيمه، (عن الهوى) أي فيما أخبر به للورى، (وصدقه فيما تلا) أي قرأ، (وأنّه) أي متلوه (وَحْيٌ يُوحَى أَوْصَلَهُ إِلَيْهِ عَنِ اللَّهِ جِبْرِيلُ) أي عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى على خلاف في مرجع الضمير المنصوب هل هو القرآن أو النبي ﷺ، (وهو) أي جبريل (الشّديد القوى) من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها أي شديد قواه لأنه هو الواسطة في ابتداء خوارق العادة كاقتلاع قرى قوم لوط ورفعها إلى السماء ثم قلبها وصياحه صيحة واحدة لقوم ثمود فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ وقيل المراد به الحق ﷻ يعني شديد القوى والقدرة والحكمة ونسب هذا القول إلى الحسن (ثمّ أخبر تعالى) أي بعد قسمه وبراءة ساحته (عن فضيلته بقصّة الإسراء) أي بقضية المعراج المبتدأ بعد الإسراء إلى المسجد الأقصى كما أشار إليه بقوله، (وانتهائه إلى سدرة المنتهى) أي بقوله تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى وهي عند أكثر المفسرين شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش ينتهي إليها علم الخلائق،
[ ١ / ٩٩ ]
(وتصديق بصره فيما رأى) أي بِقَوْلِهِ تَعَالَى مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى يعني ما رأى النبي ﷺ ببصره من صورة جبريل أو من ذاته سبحانه أي ما كذب قبله بصره بما حكاه له فإن الأمور القدسية تدرك أولا بالقلب ثم بالبصر أو ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك ولو قاله لكذب لأنه عرفه بفؤاده كإراءة بصره يقينا لا تخييلا إذ قد سُئِلَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ قَالَ رَأَيْتُهُ بِفُؤَادِي والجمع بين روايات المحدثين وقول المفسرين واختلاف الصحابة والتابعين أنه صلى الله تعالى عليه وسلم رأى ربه مرتين مرة ببصره وأخرى ببصيرته هذا وقيل الضمير في رأى عائد على الفؤاد نفسه أي ما كذب الفؤاد ما رآه بل صدقه وتحققه والرؤية ههنا حينئذ بمعنى العلم وكذب بالتخفيف ككذب بالتشديد كما قرئ بهما، (وأنّه رأى من آيات ربّه الكبرى) أي بقوله لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى أي رأى ليلة الإسراء عند عروجه إلى السماء بعض آياته الملكية والملكوتية أو كلها فمن مزيدة والكبرى صفة للآيات، «وقد نبّه) أي الله ﷾ (على مثل هذا) أي رؤيته من آيات ربه (في أوّل سورة الإسراء) أي بقوله لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا والأظهر أن قوله لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا في المسجد الأقصى وقوله لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى في السموات العلى، (ولمّا كان ما كاشفه) أي الذي رآه (﵇) أي برؤيته بمعنى اطلع عليه ورآه ابتداء لا بمعنى رفع غطاءه وإن زعم لأنه لو اراد هذا المعنى لقال وكشفه ولعدم مناسبته للمقام إذ لا يقال رفع غطاء ما هنالك (من ذلك الجبروت) بفتحتين فعلوت مبالغة من الجبر بمعنى القهر كالعظموت من العظمة والمراد أنه رأى ما يدل عليه إذ هو معنى المعنى لا يشاهد بالبصر الظاهر إلا أن تحمل الرؤية على رؤية البصيرة فالمراد بها العلم والمعرفة (وشاهده من عجائب الملكوت) مبالغة من الملك كالرهبوت من الرهبة والرحموت من الرحمة والمحققون على أن الملك ظاهر السلطنة والملكوت باطنها وقيل المراد بالملك العالم السفلي وبالملكوت العلوي (لا تحيط به العبارات) أي لا تشمله أنواع التعبيرات ولا تحويه أصناف التفسيرات لقصور الافهام عن إدراكه على وجه الحقيقة والجملة خبر كان (ولا تستقلّ) بتشديد اللام أي لا تستبد (بحمل سماع أدناه) أي أقله (العقول) لعجزها عن حمل أقله فضلا عن حمل أكثره (رمز) جواب لما أي أشار الله ﷾ (عنه تعالى) أي عما كاشفه صلى الله تعالى عليه وسلم وأطلع عليه (بالإيماء) متعلق برمز ولعل الإيماء أغمض من الرمز في الإنباء من جهة الإخفاء كالإشارة بالعين والحاجب ونحوهما (والكناية) عطف على الإيماء والمراد بهما التلويح وترك التصريح بدليل قوله (الدّالة على التّعظيم) والحاصل أنه ﷾ رمز وأومأ وكنى عما كاشفه بما المبهمة الدالة على الفخامة والعظمة (فقال فَأَوْحى
) أي جبريل أو الله تعالى (إِلى عَبْدِهِ
) أي عبده الخاص الواصل إلى مقام الاختصاص صلى الله تعالى عليه وسلم (ما أَوْحى
[النجم: ١٠]) أي شيئا عظيما لا يعلم كنهه سواه ففي إبهامه من التفخيم ما ليس في إيضاحه وقيل المعنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحاه جبريل إلى محمد ﵊
[ ١ / ١٠٠ ]
وقد قال بعضهم أوحى إلى عبده أن لا يدخل أحد من الأمم الجنة قبل أمته ولعل المعنى أن هذا من جملى ما أوحي إليه (وهذا النّوع) أي الرمز بالكناية والإيماء (من الكلام) أي من أنواعه (يسمّيه أهل النّقد) أي النظر السديد، (والبلاغة) أي الفصاحة والمراد العارفون بجيد الكلام وبهرجه تشبيها لهم بصيارفة الذهب والفضة (بالوحي والإشارة) أي هنا لعدم الصراحة بالموحى به والمشار إليه فهما اسمان لمعنى واحد إذ هما أحد ما صدقا به كالكناية والإلهام والكلام الخفي قد يتفاوت وضوحا وخفاء، (وهو) أي النوع المسمى بهما (عندهم أبلغ أبواب الإيجاز) أي من حيث إنه جوامع الكلم المشابهة لكونها مبهمة للألغاز حيث فيها مبان يسيرة ومعان كثيرة يذهب فيها الفكر كل مذهب يمكن الانصراف إليها هذا وقيل كل كلام إما ناقص عن معناه أو مساو له أو زائد عليه إيجازا أو مساواة أو إطنابا وأعلاها الأول من حيث إن المعاني هي المقاصد والعبارات طرق لها فكلما قلت العبارة كان ذلك كالقرب في الطريق فكان أحق بالسلوك ويليه المساواة في الاستحسان لاقتفائها له في القرب وأكثر صياغة العبارات مصوغة عليها والاطناب كالبعد في الطريق فتراه متروكا غالبا إلا فيما يحتاج إليه من باب الخطب والمواعظ ومقام التوكيد ولكل مقام مقال بحسب اختلاف الأحوال كما قال قائلهم:
يومون بالخطب الطوال وتارة وحي الملاحظ حيفة الرقباء
(وَقَالَ: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [النجم: ١٨] أي الدالات على عظمته تعالى (انحسرت الأفهام) جمع فهم وهو عبارة عن إزالة الوهم المستولي على القلب يقال فهم كذا إذا عقله والمعنى كلت العقول (عن تفصيل ما أوحى) أي إليه إذ لا يحيط به حد ولا يحصيه عد والمراد تفصيل الشيء بيان أجزائه مفصلة وأغرب التلمساني حيث فسره بالتميز، (وتاهت الأحلام) أي وذهبت العقول متحيرة (في تعيين تلك الآيات الكبرى) فلم تهتد إلى معرفة شيء منها لكثرتها وفي نسخة في تعبير تلك الآيات أي تبيينها وتفسيرها والعقل محله القلب لقوله تعالى فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها. (قال القاضي أبو الفضل) كذا في نسخة (واشتملت) أي دلت (هذه الآيات) أي السابقة (على إعلام الله) مصدر مضاف إلى فاعله أي على اخباره ﷾ (بتزكية جملته) أي بتطهير ذاته وتنمية صفاته ﵇، (وعصمتها) أي ويحفظ الله جملته (من الآفات) أي التي تجري في الذوات (في هذا المسرى) بفتح الميم والراء مصدر ميمي أو اسم مكان (فزكّى فؤاده) أي مدح الله قلبه (ولسانه وجوارحه) أي أعضاءه التي يكتسب العمل بها وينتسب الفعل إليها والمراد هنا بصره لما سيجيء في بيان حصره (فقلبه) وهو تفصيل لما أجمله والظاهر كما في أصل الدلجي وغيره فزكى قلبه (بِقَوْلِهِ تَعَالَى مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى) وتقدم ما تعلق به من المعنى (ولسانه بقوله: تعالى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النجم: ٣]) أي لا يصدر نطقه عن هواه بل بوحي
[ ١ / ١٠١ ]
من الإله جليا كالكتاب أو خفي كالسنة وقد تعلق بظاهر الآية من لم يجوز له الاجتهاد وهو بعيد عن طريق السداد وعن استنباط المعنى المراد وأما ما ذكره ابن عطية من أن ضمير ينطق عائد إلى القرآن وإن لم يجر ذكره لدلالة الكلام عليه أي لا ينطق هذا القرآن بشهوتكم ومرادكم ونسب النطق إليه من حيث يفهم منه الأمور كلها قال تعالى هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ فغير ملائم لمقام المرام (وبصره بقوله: تعالى ما زاغَ الْبَصَرُ) أي ما مال عما رآه إلى ما سواه وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لم يحول بصره عما رآه إلى جهة من الجهات (وَما طَغى [النجم: ١٧]) أي ما تجاوز وما تعدى عن رؤية ما أمر برؤيته غيره في المقام الأعلى بل تثبت فيه ورآه رؤية صحيحة مستقيمة من غير وجل ودهشة وحيرة هذا وقد بقي الكلام على بقية الآيات فيما بين ذلك وهو قوله ﷾ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى فظاهره أن الضمير في استوى لجبريل ﵊ والكناية بقوله تعالى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولا مانع من عكس الترتيب في هذا التركيب ولا يبعد أن يكون الضمير أن يرجعان إلى أحدهما والجملة حالية وأما جعل الضميرين لله ﷾ فهو غير ظاهر كما لا يخفى ثم قوله تعالى فَتَدَلَّى أي دنى جبريل من محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فتدلى وزاد في القرب وقيل أي دنى محمد من ربه فتدلى وأما قوله تعالى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى أي مقدارهما بل أدنى فهو كناية عن كمال القرب فإن كان بين الرسولين فلا إشكال وإن كان بين الله ورسوله فهو كناية عن المكانة أو من الآيات المتشابهات وقد ذكرت بعض الفوائد المتعلقة بأوائل سورة النجم في رسالتي المعمولة للمعراج (وقال تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥» أي بالكواكب الرواجع من خنس إذا تأخر وهي ما عدا النيرين وهو زحل المشتري والمريخ والزهرة وعطارد ومجموع السبعة السيارة نظمت في قوله:
زحل شرى مريخه من شمسه فتزاهرت بعطارد أقمار
(الْجَوارِ الْكُنَّسِ [التكوير: ١٥- ١٦]) أي السيارات التي تختفي تحت ضوء الشمس من كنس الوحش إذا دخل كناسه أي بيته (إلى قوله: وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ [التكوير: ٢٥]) وهو كل متمرد من الجن والإنس والدوارب قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (لرجيم) أي مرجوم ومطرود ومبعد وما بينهما هو قوله ﷾ وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ أي أقبل أو أدبر والأول أنسب بقوله تعالى وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ أي أسفر قال المصنف (لا أقسم، أي أقسم) يعني على القول بزيادة لا وإلا فالمعنى فلا عبرة بما قالوا في حق القرآن وفي شأن المنزل عليه بل اقسم أي بما ذكر إِنَّهُ أي القرآن لَقَوْلُ رَسُولٍ أي قاله عن ربه كَرِيمٍ أي مكرم معظم، (عند مرسله) وهو الله ﷾ ذِي قُوَّةٍ أي صاحب قوة وقدرة (على تبليغ ما حمّله) بتخفيف الميم على صيغة الفاعل وكذا يجوز بصيغة
[ ١ / ١٠٢ ]
المفعول مشددا وكذا بصيغة الفاعل على ما ضبطه في بعض النسخ (من الوحي) أي مما أوحي إليه من الحق إلى الخلق، (مكين) أي ذي مكانة ومنزلة عليه عارية عن المنقصة في مرتبته (أي متمكّن المنزلة) أي الجاه ولكون المكانة على حسب حال المتمكن قال عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ تلويحا بعظم مكانته ومنزلته وعلو مرتبته كما أشار إليه المصنف بقوله (من ربّه، رفيع المحلّ) بفتح الحاء وجوز كسرها أي على الشأن (عنده) أي عنده ﷾ عندية منزهة عن المكان والزمان وقوله تعالى عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ متعلق بقوله تعالى ذِي قُوَّةٍ أو بمكين (مطاع) أي ذي إطاعة مع كونه صاحب طاعة، (ثمّ) بفتح المثلثة (أي في السّماء) إذ قد بلغ فيها ليلة الإسراء ملائكة السماء فأطاعوه أجمع في ذلك الإنباء وقرئ بضم المثلثة فالمراد بها التراخي في الرتبة، (أمين على الوحي) أي مأمور على تحمل ما أوحى إليه وتبليغ ما أنزل عليه ومقبول القول لديه والظرف يحتمل وصله بما بعده وما قبله.
(قال: عليّ بن عيسى) أي الرماني النحوي المنسوب إلى زمان الفاكهة وبيعه أو لقصر الرمان موضع معرف بواسط وهو من أصحاب ابن دريد مات سنة أربع وثمانين وثلاثمائة وهو صاحب كتاب النكت في إعجاز القرآن إمام مشهور في سائر العلوم وعن ابن السراج أنه تمذهب إلى الاعتزال والله تعالى أعلم بالحال، (وغيره) أي من أرباب المقال: (الرّسول الكريم) كان الأولى أن يقول رَسُولٍ كَرِيمٍ (هنا) أي في هذا المقام العظيم (محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم فجميع الأوصاف) أي المذكورة هنا (بعد) أي بعد ذكره وفي نسخة تعد بضم منقوطة بنقطين وفتح عين وتشديد مهملة أي تذكر (على هذا) أي على هذا القول (له) أي لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم. (وقال غيره) أي غير علي بن عيسى وهم الأكثرون من العلماء (هو) أي الرسول الكريم (جبريل فترجع الأوصاف إليه) أي بخلاف وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ فإن المراد به محمد ﷺ بإجماع المفسرين وذلك أن المشركين قالوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ فنفى الله ﷾ عنه ذلك بهذه الآية وبقوله ﷾ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وقد تمسك بعض المعتزلة وطائفة من أهل السنة في تفضيل الملائكة لعده فضائل جبريل ﵊ واقتصاره على نفي الجنون عنه ﷺ وضعف بأن المقصود منه نفي قولهم إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ لأعد فضلهما والموازنة بينهما، (وَلَقَدْ رَآهُ) أي بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (يعني) أي يريد الحق ﷾ بالرائي (محمّدا صلى الله تعالى عليه وسلم قيل) أي نقل عن ابن مسعود وغيره (رأى) أي محمد (ربّه) وقدم هذا القول لأنه أوفى بالغرض الذي هو مدح الرسول، (وقيل رأى) أي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم (جبريل في صورته) أي التي خلق عليها فقيل إن ذلك إشارة إلى رؤيته إياه عند سدرة المنتهى وقيل إنه إشارة إلى رؤيته إياه في غار حراء حين رآه على كرسي بين السماء والأرض حسبما ثبت في الصحيح، (وما هو) أي ليس النبي ﷺ (على الغيب) أي على ما يخبر به مما أوحي إليه
[ ١ / ١٠٣ ]
وغيره من الأمور الغيبية (بظنين) بالظاء المشالة وهو قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي، (أي بمتّهم) يعني من الظنة وهي التهمة، (وَمَنْ قَرَأَهَا بِالضَّادِ فَمَعْنَاهُ مَا هُوَ بِبَخِيلٍ) أي في تبليغ رسالته إلى عموم أمته من الضنة وهي البخل (بالدّعاء به) متعلق ببخيل أي بدعائه الخلق إلى الحق وفي رواية كما في نسخة بالدعاية بالتحتية كالبداية وقيل هي من الادعاء إذا قال في الحرب أنا فلان كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم في غزوة حنين أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب، (والتّذكير بحكمه) أي وبتذكيرهم بأحكام ربهم (وبعلمه) يحتمل أن يعود ضميره إلى الحكم أي وليس ببخيل بعلم كونه واجبا أو مندوبا أو حراما أو مكروها أو مباحا لهم ويحتمل عوده إليه صلى الله تعالى عليه وسلم أي ولا يبخل أن يعلمهم إياه كما علمه ولا يكتم شيئا (وهذه لمحمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) أي وهذه الآية وهي وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ على القراءتين صفة لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم (باتّفاق) أي من المفسرين إذ لم يقل أحد بعود ضمير هو إلى جبريل ﵊، (وقال تعالى: ن) اسم للحرف أو الحوت وأريد به الجنس أو للحوت الذي عليه الأرض أو للدواة فإن بعض الحيتان يخرج منه شيء أشد سوادا من الحبر يكتب به وينصر الأول سكونه ورسمه بصورة مسماه ويؤيد الثاني قوله تعالى وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ وحينئذ فالأنسب أن يراد به ذلك الحوت بعينه أو المراد جنسه الداخل فيه ويقوي الثالث قوله تعالى (وَالْقَلَمِ [القلم: ١]) وهو ما كتب به اللوح المحفوظ أو ما يكتب به مطلقا (وما يسطرون) أي يكتبون والكتبة هم الحفظة كراما كاتبين أو الأعم والله أعلم (الآيات) أي الواردة في أول السورة في حقه صلى الله تعالى عليه وسلم من حسن السيرة والصورة (أقسم الله تعالى بما أقسم به) لكثرة فوائده (من عظيم قسمه) أي تعظيما له وتكريما في تخصيص ذكره (على تنزيه المصطفى) أي تبرئته وتبعيده (ممّا غمصته) بمعجمة ومهملة بينهما ميم أي عابه واحتقره (الكفرة به وتكذيبهم له) أي وعلى تكذيبهم للمجتبي في قولهم له أنه كذاب وساحر ومجنون (وآنسه) من باب الأفعال أو التفعيل أي جعله ذا أنس بقربه ومستأنسا بحبه (وبسط أمله) أي نشر مأموله ومقصوده وأكثر له رجاءه فيما شاءه (بقوله محسنا) من باب التفعيل أو الأفعال حال من ضمير ما قبله أي مزينا (خطابه) في كتابه بقوله (ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم: ٢]) جواب القسم في الآية ومقول القول في الأصل أي ما أنت بمجنون منعما عليك بالنبوة وغيرها والمعنى أنهم مجانين حيث قالوا إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ والحال أنك أعقل العقلاء وافضل العلماء وأكمل العرفاء وسيد الأنبياء وسند الأصفياء والأولياء (وهذه) أي الحالة العظيمة أو المنقبة الجسيمة المأخوذة من قوله آنسه وبسط أمله أو التأنيث باعتبار الخبر وهو قوله (نهاية المبرّة في المخاطبة) أي غاية الإحسان والمطاوعة في المكالمة والمجاوبة (وأعلى درجات الآداب في المحاورة) أي المراجعة والمراددة (ثمّ) أي بعد أن نزهه وبرأه عما لا يليق به مما نسبوا إليه (أَعْلَمَهُ بِمَا لَهُ عِنْدَهُ مِنْ نَعِيمٍ دَائِمٍ) أي أبد الآبدين (وثواب غير منقطع) أي غير ممتنع في زمان
[ ١ / ١٠٤ ]
وحين (لا يأخذه عدّ) أي لا يضبطه عد ولا يحيط به حد (ولا يمنّ به عليه) من الامتنان أي ولا يجعله تحت الامتنان مع أن له المنة في الإحسان افتعال من المن وهو الإحسان الذي تمن به على غيرك وفي نسخة ولا يمن به عليه يقال من وأمتن عليه إذا عد عليه بمعروف اسداه إليه صنعه وقيل الامتنان عد الصنيع لإظهار الفضل، (فقال، وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ) أي غير منقطع أو غير ممنون به عليك فإنه يعطيك بلا واسطة، (ثمّ أثنى عليه بما منحه) أي أعطاه (من هباته) جمع هبة أي موهوباته وتفضلاته، (وهداه إليه) أي ودله عليه والحاصل أن المصنف رحمه الله تعالى جمع بين أقوال المفسرين في معنى قوله غَيْرَ مَمْنُونٍ أي غير منقطع وهو قول الأكثر أو غير محسوب ولا معدود وهو قول طائفة أو غير ممتن به وهو قول ضعيف ذكره الهروي في غريبه، (وأكّد ذلك) أي الذي يدل على ما منحه (تتميما للتّمجيد) من المجد وهو الكرم والعظمة أي تكميلا للتعظيم والتكريم بنسبته إليه (بحرفي التّوكيد) وهما ان واللام (فَقَالَ تَعَالَى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [الْقَلَمِ: ٤]) قيل استعظمه لفرط احتماله أذى قومه مع مبالغتهم في عداوتهم وهو يقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون (قيل) أي في تفسير خلقه العظيم (القرآن) أي ما فيه من مكارم الأخلاق ومن ثم قيل هو ما أمره الله بقوله خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ وورد عنه صلى الله تعالى عليه وسلم في تفسيره صل من قطعك وأعط من حرمك وأعف عمن ظلمك وهذا القول هو المروي عن عائشة ﵂ أنها لما سئلت عن خلق رسول الله ﷺ قالت كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ يَرْضَى بِرِضَاهُ وَيَسْخَطُ بِسُخْطِهِ، (وقيل الإسلام) وهو المنقول عن ابن عباس والمراد بالإسلام ههنا هو التوحيد الحقيقي والانقياد الظاهري والباطني لأوامر الله وأحكامه وقضائه وقدره كما قال تعالى لإبراهيم ﵊ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ، (وقيل الطّبع الكريم) ولذا كان يخالق الناس بمكارم الاخلاق ويخالطهم بلطفه وارفاقه وهو المنقول عن الماوردي، (وقيل ليس لك همّة) أي مقصد ونهمة (إلّا الله) أي الذي بيده كل رحمة ونعمة فكان مع الخلق بقالبه مباينا لهم بقلبه وهذا منسوب إلى الجنيد. (قال الواسطيّ أثنى عليه بحسن قبوله) أي أثنى الله على نبيه بقبوله الحسن (وحسن إقباله) أي ذي المنن (لما أسداه إليه من نعمه) أي لما أوصله إليه وأولاه من نعمه الظاهرة والباطنة في دنياه وأخراه (وفضّله بذلك) أي بما ذكر (على غيره) أي من جميع خلقه (لأنّه جبله) أي طبعه وخلقه (على ذلك الخلق) وفي نسخة على تلك الخلق فالخلق بمعنى الخصلة أو السجية (فسبحان اللّطيف) أي بعباده يرزق من يشاء (الكريم) أي الذي وسع كرمه كل شيء (المحسن) أي الذي لا يستغني أحد عن إحسانه وبره وامتنانه (الجواد) أي الكثير العطاء والجود بالنسبة إلى كل موجود (الحميد) الذي يحمده كل أحد من مخلوقاته وهو حامد لأنبيائه وأصفيائه القائمين بوظائف طاعاته وعباداته وفي أصل الدلجي المجيد أي ذي المجد والكرم ففي الحديث القدسي والكلام الأنسي وذلك أني جواد ماجد رواه الترمذي والبيهقي (الذي يسّر الخير) أي سهله وفي نسخة
[ ١ / ١٠٥ ]
للخير أي هيأ إهلاله كما قال تعالى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (وهدى إليه) أي ودله عليه كما قال تعالى وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (ثمّ أثنى على فاعله) أي فاعل الخير نحو قوله تعالى إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (وجزاه عليه) أي أثابه بما منحه عليه في الدنيا ووعد له بالمزيد في العقبى بنحو قوله تعالى إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ هذا (سبحانه) اسم للتسبيح بمعنى التنزيه وقد يجعل علما له فيقطع عن الإضافة ويمنع الصرف ثم نصبه بفعل ترك إظهاره ويصدر به الكلام للتنزيه عن السوء والملام فهذا أيضا معنى قوله (سبحانه) بدلا مما قبله (ما أغمر) بالغين المعجمة فميم وراء في نسخة ما أعم (نواله) بفتح النون والصيغة للتعجب أي ما أكثر عطاءه (وأوسع إفضاله) بكسر الهمزة أي بره وإحسانه (ثمّ سلّاه) من التسلية وهي التعزية والتهنئة والمعنى أزال عنه ما حز به من الغم وكربه من الهم (بعد هذا) أي بعد هذا المدح والثناء ووعد البر والعطاء وأبعد الدلجي حيث قال أي بعد ما قالوه (عن قولهم) متعلق بسلاه أي عن مقول الكفار في حقه مما لا يليق بجنابه وهو في أصل الدلجي متصل بسلاه وقوله بعد هذا (بما وعده به من عقباهم) بضم العين أي من سوء عاقبتهم الذي هو وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين وفي نسخة من أعقابهم أي عذابهم وحجابهم (وتوعّدهم) أي وبما أوعدهم وخوفهم (بقوله: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) [القلم: ٥] . الثّلاث الآيات) أي إلى قوله تعالى وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وهو منصوب بأعني أو أقرأ ويجوز رفعه وخفضه كما تقدم والضمير في فستبصر للنبي ﷺ وفي ويبصرون للكفار وهذا الإبصار إما في هذه الدار وإما في دار القرار للأبرار وفي دار البوار للفجار والمعنى فستر أو فستعلم ويبصرون بأيكم المفتون أي أيكم الذي فتن بالجنون والباء مزيدة أو بأيكم الجنون على أن المفتون مصدر بمعنى الفتنة كما قالوا ليس له معقول أي عقل ما فالمعنى بأيكم الفتنة وهي كناية عن الفساد والجنون الذي رموه به أو بأي الفريقين الجنون ابفريق المؤمنين أم بفريق الكافرين أي في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم فالباء على هذا ظرفية وخلاصته في أي فريق منكم الرجل المفتون ثم ختم الله سبحانه تعالى الآية بوعيدهم ووعد نبيه ﷺ فأوعدهم بقوله تعالى إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ووعده بقوله تعالى وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ فكأنه قال هو أعلم بالمجانين على الحقيقة واليقين وهو أعلم بالمهتدين بحيازتهم كمال العقل في الدين (ثمّ) أي بعد أن مدحه الله وسلاه متوعدا إياهم (عطف) أي التفت وكر (بعد مدحه على ذمّ عدوّه) قيل هو الأخنس بن شريق وكان ثقيفا ملصقا في قريش والأظهر أنه الوليد بن المغيرة ونقل الثعلبي في تفسيره أنه أبو جهل ونسب هذا إلى ابن عباس ﵄ أيضا وقيل هو عتبة بن ربيعة وكثير الله من المفسرين على أن جميع الصفات التي في هذه الآيات إنما جاءت أجناسا ولم يرد بها رجل بعينه بل المراد أن كل من يكون متصفا بوصف منها فلا تطعه فيها (وذكر سوء خلقه) أي وعلى ذكر سوء خلق عدوه، (وعدّ معايبه) أي وعلى تعداد قبائح مبغضه (متولّيا) أي مباشرا بنفسه (ذلك بفضله) أي من غير وجوب شيء عليه (ومنتصرا لنبيّه صلى الله
[ ١ / ١٠٦ ]
تعالى عليه وسلّم) أي منتقما لأجله من أعدائه (فذكر) أي الله ﷾ في كلامه بعد ذلك (بضع عشرة) بسكون الشين وتكسر وروي بضعة عشر (خصلة) بفتح الخاء أي خصلة قبيحة وخلة ذميمة والبضع بفتح الموحدة ويكسر ما بين الثلاث إلى التسع وهذا هو المشهور وأراد المصنف إحدى عشرة خصلة وهذا على قول من يقول بدؤه الواحد ومنتهاه العشرة لأنه قطعة من العدد ويجري في التذكير والتأنيث مجرى العدد المركب (من خصال الذّمّ فيه) أي من بعض الخصال المذمومة في عدوه (بقوله تعالى: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ [القلم: ٨]) تهييج لتصميمه على معاصاتهم (إلى قوله: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [القلم: ١٥]) وهو قوله وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ أي لو تلين فتدع نهيهم عن الشرك فيميلون أيضا إليك في بضع ما تدعوهم إليه وذلك أن قريشا قالوا في بعض الأوقات لرسول الله ﷺ لو عظمت آلهتنا لعبدنا إلهك وعظمناه فنهاه الله عن ذلك بقوله فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ أي كثير الحلف حقا وباطلا وكفى به زاجرا لمن اعتاد الحلف حيث يخاف عليه من الكذب كما ورد كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع مهين أي ذي مهانة وحقارة وحاصله أنه ضعيف وحقير ووزنه فعيل لا مفعول والميم أصلية لا زائدة هماز عياب في أعراض الناس مشاهدة مغتاب في حقهم غيبة مشاء بنميم نقال للحديث على وجه السعاية للفساد والنمم مصدر كالنميمة وهو نقل القبائح مناع للخير أي كثير المنع منه فقيل المراد بالخير هو المال فعلى هذا هو وصف بالشح وقيل بل هو على عمومه في المال وجميع أفعال الخير والخصال معتد متجاوز في الظلم أثيم كثير الإثم عتل جاف غليظ من عتله أي دفعه بعنف وشدة بعد ذلك أي بعد ما عد من مثالبه ومعايبه زنيم أي دعي كالوليد بن المغيرة ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة من مولده قيل إن الله ﷾ لا يعيب أحدا بالأنساب ولكن ذكره ليعرف بذلك وما أحسن قول حسان:
وأنت زنيم نيط في آل هاشم كما نيط خلف الراكب القدح الفرد
إن كان ذا مال وبنين علة لما بعده وقرأ حمزة وشعبة بهمزتين فالتقدير الآن كان ذا مال كثير وبنين متعددة قيل كانوا عشرة وقيل اثني عشر إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي قال ذلك حين تليت عليه والأساطير جمع اسطورة بضم الهمزة كأحدوثة وأحاديث وقيل الأساطير جمع اسطار والاسطار جمع سطر بفتح الطاء كذا في حاشية المنجاني وفي القاموس السطر الصف من الشيء كالكتاب والشجر وغيره وجمعه اسطر وسطور واسطار وجمع الجمع اساطير والخط والكتابة ويحرك في الكل انتهى وأراد الكافر به الاباطيل المنسوبة إلى المتقدمين وقائله النضر بن الحارث وسببه أنه دخل بلاد فارس وتعلم أخبار رستم وغيره (ثمّ ختم) أي الله سبحانه (ذلك) أي ما ذكره من مثالب ذلك الشقي (بالوعيد الصّادق) وفي نسخة بالوعيد الصدق (بتمام شقائه) أي تعبه أو كمال شقاوته (وخاتمة بواره) أي هلكه ودماره
[ ١ / ١٠٧ ]
(بقوله تعالى: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم: ١٦]) أي سنكويه على أنفه إهانة له وخص الأنف لأن السمة عليه أبشع وظهورها اشنع وأشيع وقيل أي نجعل على وجهه يوم القيامة سمة سوداء تكون منبهة عليه ومعرفة به قبل دخوله النار كما قال الله تعالى يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ أو معناه أنه يعذب إذ ذاك بنار تجعل على أنفه فتكون فيه كالسمة وقيل هذا في الدنيا وهي كناية عن ضربة يضرب بها وجهه وأنفه فتبقى فيه كالسمة قالوا وقد حل ذلك يوم بدر على أنف الوليد جراحة ظاهرة وعلامة باهرة وقيل ليس السمة هنا على حقيقتها وإنما هي كناية عن شهرته بما يبقى له مذموما ولا يمكنه إخفاؤه كالموسوم بسمة على أنفه والخرطوم في الأصل إنما هو للسباع كالفيل واستعمل في الآية للإنسان استعارة وإشارة إلى أنه شبيه بالحيوان صورة وسيرة كما قال تعالى أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ أي الكاملون في الغفلة عن الحضرة وقيل إنما عدل عن الأنف إلى الخرطوم لأن الأنف محل العز والأنفة لا كذلك الخرطوم لأنه محل المذلة والإهانة ولذا قيل الأنف في الأنف وقيل الخرطوم الوجه كله وهذا في الإنسان وربما قيل له في الأنف كغيره ومجمل الكلام وزبدة المرام في هذا المقام أي سنجعل له سمة أي علامة على الخرطوم أي على أنفه إما حسا كضرب أنفه بالسيف يوم بدر وبقيت علامة في أنفه حتى يأنف من أنفه أو يكون سوادا في وجهه زائدا عن غيره من الكفار في القيامة لشدة عناده وعتوه وأما معنى كسوء ذكره بالذم والمقت والاشتهار بالشر بحيث لا يخفى ذلك بوجه فيكون ذلك كوسمة على أنفه ويمكن تحقيق الجميع في حفه (فكانت نصرة الله له) أي لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم على عدوه (أتمّ من نصرته) ﵊ بنفسه (لنفسه) أي فإن من كان لله كان الله له، (وردّه) أي كان رده (تعالى على عدوّه أبلغ من ردّه) صلى الله تعالى عليه وسلم (وأثبت في ديوان مجده) أي في ديوان كرمه وشرفه وهو بكسر الدال وتفتح والجمع دواوين ودياوين وأصله ديوانه بالفارسية وذلك أن كسرى أمر كتابه أن يجتمعوا في دار واحدة ويعملوا حساب السواد في ثلاثة أيام وأعجلهم فيه وأطلع عليهم لينظر ما يصنعون فنظر إليهم فرآهم يحسبون بأسرع ما يمكن وينسخون كذلك فعجب من كثرة حركتهم فقال أين ديوانه أي هؤلاء مجانين وقيل شياطين ثم قيل في كل مخفل ديوان وأول من دون في الإسلام عمر رضي الله تعالى عنه.
الْفَصْلُ السَّادِسُ [فِيمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى في جهته ﵊ مورد الشفقة والإكرام]
(فِيمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي جِهَتِهِ) أي في حقه (صلى الله تعالى عليه وسلم مورد الشفقة والإكرام) أي مورد الرحمة والكرامة وهو منصوب على المصدرية (قَالَ تَعَالَى: طه (١) مَا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) [طه: ١- ٢] قِيلَ طه اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ ﵊) أي الحديث تقدم لي عند ربي عشرة اسماء وذكر منها طه وهو في حساب العدد
[ ١ / ١٠٨ ]
المرموز في أبجد أربعة عشر إيماء إلى أن بدر وجهه في غاية من النور ونهاية من الظهور، (وقيل هو اسم لله تعالى) قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ولعله إشارة إلى الطاهر والهادي والمعنيان صادقان في حق الله تعالى ورسوله حقيقة ومجازا وقد قيل المعنى طوبى لمن اهتدى بك (وقيل معناه يا رجل) أي في لغة عك ولعل أصله يا هذا فقلبوا ياءه طاء واقتصروا على ها (وقيل) أي في معناه (يا إنسان) قلبوا وأتوا بهاء السكت كذا ذكره الدلجي ووجهه غير ظاهر مع أن هاء السكت إنما يكون ساكنا والأظهر أن أصله يا هذا المراد به الرجل أو الإنسان، (وقيل هي حروف مقطّعة) أي يراد بها هجائية بنائية (لمعان) أي موضوعة لمعان إيمائية والله أعلم بمراده بالطريقة القطعية. (قال الواسطيّ أراد يا طاهر) وفي معناه يا طيب، (يا هادي) أي أراد بالطاء افتتاح اسم وبالهاء ابتداء اسم، (وقيل هو أمر من الوطىء) أي بالهمزة (والهاء كناية عن الأرض) فأمر بأن يطأ الأرض بقدميه فإنه كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه وأصله طأ قلبت همزته هاء أوطأها قلبت همزته ألفا وأورد عليه كتابتهما على صورة الحرف وكذا على القول بأن أصله يا هذا وأجيب بأنه اكتفى بشطري الكلمتين وعبر عنهما باسمهما على صورة مسماهما في رسمهما (أَيِ اعْتَمِدْ عَلَى الْأَرْضِ بِقَدَمَيْكَ وَلَا تُتْعِبْ نفسك بالاعتماد على قدم واحدة) أي فإنه شاق عليك (وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى [طه: ٢]) أي لتتعب في أمر العبادة بل المراد به أنك تعبد على وجه الراحة فإنك إنما بعثت بالحنيفية السمحة ثم الشقاء شائع بمعنى التعب ومنه سيد القوم اشقاهم ولعل الحكمة في عدوله عن تتعب للأشعار بأنه أنزل عليه ليسعد بحكم الضد أو لمراعاة الفواصل الآتية (نزلت) وفي نسخة ونزلت (الآية) أي أول سورة طه (فيما كان النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَكَلَّفُهُ مِنَ السَّهَرِ، وَالتَّعَبِ، وَقِيَامِ اللّيل) أي حتى تورمت قدماه وذلك لأنه قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بآية من القرآن ليلة كما رواه الترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها وروي أيضا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي حتى تورمت قدماه قال فقيل له اتفعل هذا وقد جاءك أن الله تعالى قد غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تأخر قال أفلا أكون عبدا شكورا. (حدثنا) وفي نسخة أَخْبَرَنَا (الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عبد الرّحمن) أي ابن علي بن شبري بشين معجمة مكسورة وباء موحدة ساكنة وبعد الراء مثناة من أسفل أحد العلماء الصالحين من رجال الأندلس مات سنة ثلاث وخمسمائة بإشبيلية (وغير واحد) أي وكذا حدثنا جمع كثير (عن القاضي أبي الوليد الباجيّ) بموحدة وجيم هو سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث المنجيني القرطبي الذهبي صاحب التصانيف نسب إلى باجة مدينة بقرب اشبيلية وقيل هو من باجة القيروان التي ينسب إليها أبو محمد الباجي الحافظ مات بالمدينة سنة أربع وسبعين وأربعمائة قيل كان يحضر مجلسه أربعون ألف فقيه روى عنه الخطيب وابن عبد البر وهما أكبر منه والحميدي وأبو علي الصدفي وغيرهم (إجازة) أي من طريق الإجازة (ومن
[ ١ / ١٠٩ ]
أصله) أي كتابه الذي قرأ فيه على مشايخه (نقلت) فكان في سنده إجازة ومناولة (قال حدّثنا أبو ذرّ الحافظ) أي المشهور بحفظ الحديث يعني به الهروي واسمه عبد الرحمن بن أحمد ابن محمد بن عبد الله بن غفير بغين معجمة ابن خليفة بن إبراهيم المالكي توفي في ذي القعدة سنة خمس وثلاثة وأربعمائة في الحرم مجاورا فيه وهو منسوب إلى الهرة بفتح الهاء والراء مع تخفيفه ودون همز موضع بين مكة والطائف وأما الهراة فموضع بين مكة وعسفان كذا ذكره التلمساني وأما هراة بالكسر بلا همزة فبلدة عظيمة بخراسان قال الحلبي وسمع منه جماعة وروى عنه بالإجازة جماعة منهم الخطيب وابن عبد البر وغيرهما، (قال حدّثنا أبو محمّد الحمويّ) بفتح المهملة وضم الميم المشددة وكسر الواو وياء نسبة إلى جده حمويه وهو عبد الله بن محمد بن حمويه السرخسي توفي سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، (حدّثنا إبراهيم بن خزيم) بضم خاء معجمة وفتح زاي قال التلمساني هو ابو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن خزيم (الشّاشيّ) بشينين معجمتين وأما الشامي على ما في بعض النسخ فتصحيف، (حدّثنا عبد بن حميد) بالتصغير أي ابن نصر القرشي الكشني بكاف وشين له تأليف في كتاب الله العزيز ومعانيه توفي سنة تسع وأربعين ومائتين قال الحلبي هو مصنف المسند وقد قرأت منتخبه بالقاهرة سمع يزيد بن هارون ومحمد بن بشر العبدي وعلي بن عاصم وابن أبي فديك وغيرهم روى عنه مسلم والترمذي وعلق عنه البخاري في دلائل النبوة من صحيحه فسماه عبد الحميد، (حدّثنا هاشم بن القاسم) هو أبو النصر يعرف بقيصر التميمي روى عن ابن أبي ذئب وعكرمة وعنه أحمد والحارث بن أبي أسامة أخرج له جماعة توفي سنة سبع ومائتين (عن أبي جعفر) هو محمد بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ هو والد جعفر بن محمد الصادق توفي عام عشرة ومائة وقال الحلبي أبو جعفر هذا اختلف في اسمه فقيل عيسى بن أبي عيسى بن هامان مروزي كان يتجر إلى الري روى عن عطاء وابن المنكدر وعنه جماعة اخرج له الأربعة (عن الرّبيع بن أنس) هو ولد أنس بن مالك صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وخديمة رضي الله تعالى عنه قال الحلبي الربيع تابعي وهو بفتح الراء بصري نزل خراسان وروى عن أنس وأبي العالية وعنه الثوري وابن المبارك قال أبو حاتم صدوق توفي سنة تسع وثلاثين ومائة أخرج له جماعة، (قال كان النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا صَلَّى قَامَ عَلَى رِجْلٍ وَرَفَعَ الْأُخْرَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: طه [طه: ١] يَعْنِي طَأِ الْأَرْضَ يَا مُحَمَّدُ مَا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى [طه: ٢] الآية) أي إلا تذكرة لمن يخشى أي لكن أنزلناه موعظة لمن يخاف مخالفة المولى ويتبعه بالطريق الأولى فهذا الحديث أسنده المصنف هنا من تفسير عبد بن حميد عن الربيع بن أنس مرسلا ورواه ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه موصولا بلفظ لما نزل يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا فقامه كله حتى تورمت قدماه فجعل يرفع رجلا ويضع أخرى فهبط جبريل ﵊ فقال طه أي طأ الأرض بقدميك ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى
والحاصل أن هذا التأويل في طه هو مختار
[ ١ / ١١٠ ]
الربيع بن أنس ويعزى إلى مقاتل أيضا وله تأويلان أحدهما أن يريد أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يعتمد إذا صلى على إحدى رجليه ويرفع الأخرى تحريا منه صلى الله تعالى عليه وسلم للأمور الشاقة ونفورا من الراحة فقيل له طأ الأرض برجليك معا ولا تعتمد على قدم واحدة فتتعب بذلك نفسك وهذا التأويل هو الذي تأوله المصنف وثانيهما أن يريد أن رسول الله ﷺ كانت تدعوه مشقة الصلاة إلى أن يتروح برفع إحدى قدميه وحط الأخرى فقيل له طأ الأرض بمعنى لا تلزم نفسك من القيام ما تتعب معه فتضطر إلى الترويح بإحدى قدميك قال المنجاني وهذا التأويل أحسن من التأويل الذي تأوله القاضي وإلا فالقيام على رجل واحدة لم يثبت في الشرع أنه من جملة التطوعات فيفعله النبي صلى الله تعالى عليه وسلم اختيارا دون أن يوجب ذلك موجب من تعب أو تورم قدم بل لم ينج ذلك الفقهاء إلا للضرورة قلت لا مانع من أنه كان في الشرع من التطوع ثم نسخ قال وما يستغرب في هذه الآية ما رواه الفراء في كتاب معاني القرآن له مسندا عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رجلا قرأ بمحضره طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى فقال ابن مسعود اقرا طه بكسر الطاء والهاء فقال له الرجل يا أبا عبد الرحمن أليس أمرا من الوطئ فقال له عبد الله اقرا طه بالكسر فهكذا اقرأنيهما رسول الله ﷺ قلت لعل روايته كانت بالإمالة فيهما وهي لا تنافي كونهما من الوطئ والله أعلم. (ولا خفاء بما في هذا كلّه) الباء بمعنى في وعدل إليه حذرا عن التكرار أي فيما ذكر من الآية والحديث (من الإكرام) أي إكرام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (وحسن المعاملة) أي له صلى الله تعالى عليه وسلم بإعلام حسن القيام وهذا إن جعلنا طه طأ الأرض كما تقدم فيه الكلام (وَإِنْ جَعَلْنَا طه مِنْ أَسْمَائِهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم كما قيل) أي وقد سبق (أو جعلت) أي هذه الكلمة (قسما) أي أقسم الله تعالى به (لحق الفضل بما قبله) أي اتصل هذا الفصل بالفصل الذي قبله لإنبائه بما أقسم به تعالى تحقيقا لمكانته وإفاد نهاية المبرة في مخاطبته وإعلاء درجات الآداب في محاورته، (ومثل هذا) أي ما ذكر من كون طه من اسمائه صلى الله تعالى عليه وسلم أو مقسما به أو هما وما قبلهما (من نمط الشّفقة) أي من نوع المرحمة (والمبرّة) لمناسبة بينهما قال الدلجي إذ النمط في الأصل الجماعة من الناس أمرهم واحد وفي الحديث خير هذه الأمة النمط الأوسط يلحقهم التالي ويرجع إليهم العالي انتهى ولا يخفى بعد هذا المعنى في مقام المرام بل النمط بفتح النون والميم جاء بمعنى الطريق والنوع من الشيء أيضا على ما في القاموس ويمكن حمل الحديث الذي ذكره عليه كما لا يخفى وقد قال الحلبي النمط الضرب من الضروب والنوع من الأنواع يقال ليس هذا من ذلك النمط أي من ذلك النوع قاله الهروي في غريبه وأخذ منه ابن الأثير وحذف منه بعض شيء، (قوله تعالى) خبر لقوله مثل هذا (فَلَعَلَّكَ) أي لفرط إعراضهم وتباعدهم عن ما فيه تحصيل جميع اغراضهم (باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ) أي المجدد إنزاله (أَسَفًا
[ ١ / ١١١ ]
[الكهف: ٦]) أي حزنا وتأسفا وتلهفا (أي قاتل نفسك) ويجوز بالإضافة كما قرئ في الآية (لذلك) أي لعدم إيمانهم بالقرآن (غضبا) أي عليهم (أو غيظا) أي في نفسه (أو جزعا) أي قلة صبر وتحمل والحاصل أنه صلى الله تعالى عليه وسلم شبه لما تداخله من الوجد أسفا على توليهم وتباعدهم عن الإيمان بمن فارق أعزته فذهبت نفسه حسرات على آثارهم باخعها وجدا عليهم متلهفا على فراقهم، (ومثله) أي مثل فلعلك باخع نفسك مما ورد مورد الشفقة والإكرام بشهادة لعل فإنها للإشفاق (قوله تعالى أيضا: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ) وقرئ بالإضافة هنا أي اشفق على نفسك أن تقتلها غما (أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٣]) أي مخافة أن لا يؤمنوا أو لئلا يؤمنوا (ثمّ قال) أي الله ﷾ تسلية لشأنه (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً أي دلالة ملجئة إلى الإيمان أو بلية قاصرة على أهل الكفران والطغيان (فَظَلَّتْ) أي صارت (أَعْناقُهُمْ أي جماعاتهم واشرافهم وساداتهم (لَها خاضِعِينَ [الشعراء: ٤]) أي لتلك الآية منقادين ولاقتضائها خاشعين أو لتلك البلية ذليلين خاسئين وهو عطف على الجزاء أعني ننزل إذ لو قيل أنزلنا مكانه لصح وقيل اصل الكلام فظلوا لها منقادين فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع لأن الأعناق لما وصفت بصفة لا تكون حقيقة إلا لمن يعقل عوملت معاملة من يعقل فجمعت جمعه (ومن هذا الباب) أي باب الشفقة والإكرام (قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ) أي فاجهر به وأظهره من صدع بالحجة إذا تكلم بها جهرا أو أفرق بين الحق والباطل وأصله الإبانة والتمييز وما موصولة وعائدها محذوف أي بما تؤمر به وجوز الدلجي كون ما مصدرية هنا وهو بعيد عن المعنى كما لا يخفى (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر: ٩٤]) أي إهانة لهم ولا تلتفت إلى ما يقولون وأغرب التلمساني حيث فسر أعرض بقوله اترك والغ (إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ [الحجر: ٩٧]) أي فينا أو في القرآن أو فيك (إلى آخر السّورة) وهو قوله ﷾ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ أي دفعنا عنك شرهم بقمعهم وإهلاكهم قيل كانوا خمسة نفر فمات كل واحد منهم بنوع من عذابه الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ أي عاقبة أمرهم وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي فافزع إليه بالتسبيح والتحميد وقل تسبيحا مقرونا بالحمد جمعا بين الصفات السلبية والنعوت الثبوتية أو فنزهه عما يقولون من الباطل واحمده على أنه هداك إلى الحق وكن من الساجدين أي المصلين وكان ﷺ إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ أي الموت باتفاق المفسرين وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم عند موت عثمان ابن مظعون أما هو فقد رأى اليقين قال المنجاني ويحتمل أن يكون إشارة إلى النصر الذي وعد الله ﷾ على الكفار قلت هذا مع مخالفته للإجماع غير مناسب أن تكون النصرة غاية العبادة فإن العبادة لا يجوز انفكاكها عن العباد ما دامت الارواح في الإجساد (وقوله) أي ومنه أيضا قوله (تَعَالَى وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ [الْأَنْعَامِ: ١٠]) تسلية له عما
[ ١ / ١١٢ ]
كان يرى من قومه ليقتدي بالرسل المتقدمين عن وقته حيث صبروا على ما كذبوا وأوذوا وقد قال الله تعالى فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ (الآية) يعني فحاق بالذين سخروا منهم أي من المستهزئين وقيل من المرسلين ما كانوا به يستهزئون أي فأحاط بهم الذي كانوا به يستهزئون حيث هلكوا لأجله أو فنزل بهم جزاء استهزائهم قيل يجوز أن يكون ضمير به راجعا إلى الشرع وما ترتب عليه من الثواب وأن يكون راجعا إلى العذاب والله تعالى أعلم بالصواب وأما ما جوزه المنجاني من رجعه إلى القرآن فلا يناسبه المقام كما لا يخفى على أرباب المعاني والبيان (قال مكّي) سبق ذكره (سلّاه) أي الله تعالى (تعالى بما ذكر) أي من قوله وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ (وهوّن عليه ما يلقى) وفي رواية ما يلقاه (من المشركين) أي من فرط الإيذاء (وأعلمه أنّ) وفي نسخة أنه (من تمادى) أي أصر واستمر (على ذلك يحلّ به) بضم الحاء أي ينزل به ومنه قوله تعالى أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ وأما يحل بكسر الحاء فمعناه يجب لكن لا يناسب المقام وإن قرئ بهما قوله تعالى فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي (ما حلّ) أي شيء عظيم نزل أو الذي حل (بمن قبله) أي من اعداء الأنبياء (ومن هذا) أي الباب وفي نسخة وَمِثْلُ هَذِهِ التَّسْلِيَةِ (قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ) أي قومك فلا يهولنك تكذيبهم لك (فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [فاطر: ٤]) فكان الله ﷾ يقول لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم تأس بمن قبلك من الأنبياء فإن هذه الأنواع التي يعاملك بها قومك من التكذيب وغيره قد كانت موجودة في سائر الأمم قبلك مع أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام فلست منفردا بهذا وحدك وفيه إيماء إلى أن الليلة إذا عمت طابت فإن أجل ما يخفف عن الإنسان حزنه مشاركة غيره له فيه كما قالت الخنساء:
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم «١» لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن اعزي النفس مني بالتأسي
(ومن هذا) أي الباب أو القبيل (قوله تعالى: كَذلِكَ) أي مثل تكذيب قومك لك وقولهم افتراء عليك معلم مجنون (مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا) أي ما جاءهم رسول إلا قالوا في حقه هو (ساحِرٌ) أي خداع (أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات: ٥٢]) أي به جنون وأو للتنويع باعتبار قوم دون قوم أو وقت دون وقت ولا يبعد أن تكون للشك مشيرا إلى تحيرهم في أمره مع الإيماء إلى المناقضة بين أقوالهم فإن الساحر هو العالم وهو لا يكون إلا في كمال العقل والمجنون لا يكون إلا خاليا عنه (عزّاه الله تعالى) بتشديد الزاء أي حمله على الصبر وسلاه (بما أخبر به عن الأمم السّالفة) أي عن الجماعات السابقة (ومقالها) أي وأقاويل تلك الأمم وفي نسخة ومقالتها (لأنبيائهم قبله ومحنتهم) أي ابتلائهم وفي نسخة ومحنهم بفتح فسكون وهو مجرور ووهم الحجازي حيث قال بفتح النون أي وبامتحان
_________________
(١) وفي بعض النسخ على قتلاهم قاله مصححه طاهر.
[ ١ / ١١٣ ]
انبيائهم واختبارهم في ولائهم عند بلائهم وابتلائهم (بهم) أي بقومهم وأقوالهم (وسلّاه) أي النبي ﵊ (بذلك) أي بما ذكر من ابتلاء الأنبياء (عن محنته) أي بليته ﵊ (بمثله) أي بنظير ما فعل الأمم بالأنبياء (من كفّار مكّة) في تأذيتهم له (وأنّه) أي وبأنه (ليس أوّل من لقي ذلك) أي الايذاء من قومه (ثمّ) أي بعد أن سلاه (طيّب نفسه) أي أرضاه (وأبان عذره) أي أظهره (بقوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [الذاريات: ٥٤]) إشفاقا عليه بترك معالجتهم (أي أعرض عنهم) أي بعد ما بذلت جهدك في الدعوة والزمت عليهم الحجة (فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ [الذاريات: ٥٤]) في مكالمتهم (أي) حينئذ (في أداء ما بلّغت) أي من الإعلام (وإبلاغ ما حمّلت) بضم حاء وتشديد ميم مكسورة أي كلفت من الأحكام والمعنى فما تلام في إعراضك عنهم بعد ما كررت عليهم مبالغا في تبليغ ما أمرت به لهم (وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [الطور: ٤٨]) أي بمرأى منا (أي اصبر على أذاهم) أي وبقائك في عناهم (فإنّك بحيث نراك ونحفظك) وجمع العين لجمع الضمير مبالغة في كثرة أسباب الحفظ والعصمة؛ (سلّاه الله تعالى بهذا) أي بما ذكر (في آي كثيرة من هذا المعنى) أي كما لا يخفى على حفاظ المبنى.
الفصل السّابع [فيما أخبره الله بِهِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ مِنْ عَظِيمِ قَدْرِهِ]
(فِيمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي كِتَابِهِ العزيز) أي الذي لَا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ أو الغالب على سائر الكتب بنسخه إياها والنادر في الوجود لبقائه على صفحات الدهر إلى اليوم الموعود (من عظيم قدره) أي مرتبته (وشريف منزلته) أي يشهدان بفضيلته (على الأنبياء وحظوة رتبته) بكسر الحاء وضمها وسكون الظاء المعجمة وقد تقدمت ومن بيان لما (في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ) هو كما اختاره المصنف على ظاهره من أخذ الميثاق عليهم بما ذكر أو ميثاقهم الذي وثقوه على أممهم (لَما آتَيْتُكُمْ) وفي قراءة نافع آتيناكم واللام موطئة القسم لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف وما شرطية والتقدير لمهما آتيتكم وهو ظاهر قول سيبويه ودخلت اللام عليها كما تدخل على إن إذا كان جوابها قسما نحو قوله تعالى وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أو موصولة صلتها ما بعدها والعائد محذوف أي الذي آتيتكموه (مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ [آل عمران: ٧٩]) من لبيان ما (إلى قوله) تعالى (مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١]) يعني ثم جاءكم وهو عطف على صلتها وعائدها محذوف أي جاءكم به رسول مصدق وقرأ حمزة لما بالكسر على أن ما مصدرية أي لأجل إتياني إياكم بعض الكتاب والحكمة ثم مجيء رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أي الله تعالى للنبيين أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي أي قبلتم عهدي قالوا أقررنا قال فاشهدوا أي بعضكم على بعض بالإقرار وأنا معكم من الشاهدين على إقراركم ونشاهدكم وهذا توكيد عظيم وتعظيم جسيم مع علمه تعالى بأنهم لا يدركون زمانه ولا
[ ١ / ١١٤ ]
يلحقون مكانه (قال أبو الحسن القابسي) سبق ذكره (اختصّ الله تعالى محمّدا صلى الله تعالى عليه وسلم بفضل) أي بزيادة فضيلة (لم يؤته غيره) أي من فضلاء انبيائه (أبانه به) جملة استئناف أي أظهره الله تعالى بما آتاه من فضله وفي نسخة ضبط ابانة بالمصدر على أنه منصوب على العلة أي اظهارا بفضله وكماله واشعارا بعلو شأنه وتمام جماله (وهو ما ذكره في هذه الآية) أي مما يدل على تلك الإبانة، (قال المفسّرون أخذ الله الميثاق بالوحي) أي إلى أنبيائه (فلم يبعث نبيّا إلّا ذكره له محمّدا ونعته) أي وذكر له صفته كما في التوراة والإنجيل وغيرهما على ما مر (وأخذ عليه) أي على كل نبي (ميثاقه) أي الخاص به وهو (إن أدركه ليؤمننّ به) بفتح النونين وإليه أشار ﷺ بقوله حين رأى عمر أنه ينظر في صحيفة من التوراة لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي أي لأجل أخذ الميثاق بذلك وإلا فكان الأمر يقتضي عكس ما هنالك لان اللاحق يكون تابعا للسابق، (وقيل أن يبيّنه) أي أخذه عليه أَنْ يُبَيِّنَهُ (لِقَوْمِهِ وَيَأْخُذَ مِيثَاقَهُمْ أَنْ يُبَيِّنُوهُ لمن بعدهم) وفي نسخة لمن بعده أي وهكذا إلى أن يبعث فيؤمنوا به كما بينه ﷾ بقوله وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ الآية؛ (وَقَوْلُهُ ثُمَّ جَاءَكُمْ: الْخِطَابُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ الْمُعَاصِرِينَ لمحمّد) اللام للتقوية وفي نسخة المعاصرين محمدا ﷺ أي الذين كانوا في زمانه ولا يخفى أن هذا المعنى لا يصح على القول بأنه تعالى أخذ ميثاق النبيين بذلك إذ من قاله لا يجعل الخطاب إلا لهم وإنما يصح عند من قال ميثاق معاصريهم وإضافته في الآية إلى النبيين نظرا إلى أنهم هم الذين أخذوه على أممهم وأنهم يأخذونه على من بعدهم وهكذا إلى أن يبعث فتقدير الآية وإذ اخذ الله الميثاق الذي أخذه النبيون على أممهم (قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁) كما رواه ابن جرير في تفسيره عنه أنه قال موقوفا يكون في الحكم مرفوعا (لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا مِنْ آدَمَ فَمَنْ بعده) أي نبيا بعد نبي (إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَئِنْ بُعِثَ وَهُوَ حَيٌّ لِيُؤْمِنَنَّ به ولينصرنّه) بفتح ما قبل النون الثقيلة فيهما لإفراد الضمير بهما (ويأخذ) بالنصب بفتح الذال عطف على ما دخله اللام ونون التوكيد مرادة كإرادتها في قوله:
لا تهين الفقير علك أن تر كع يوما والدهر قد رفعه
حيث أراد لا تهينن فحذفت لما استقبلها ساكن أي وليأخذن (العهد بذلك على قومه) وفي نسخة برفع يأخذ (ونحوه عن السّدّي) أي ونحو هذا القول المروي عن علي منقول عن السدي (وقتادة) تقدم الكلام على قتادة وأنه من أجلاء التابعين وعظماء المفسرين وأما السدي فهو بضم السين وتشديد المهملتين كان يجلس في سدة باب الجامع وهما اثنان كبير وصغير فالكبير هو اسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كربة السدي الكوفي يروي عن ابن عباس وأنس وطائفة وعنه زائدة وإسرائيل وأبو بكر بن عياش وخلق وهو حسن الحديث أخرج له مسلم والأربعة وأما الصغير فهو محمد بن مروان الكوفي روى عن هشام بن عروة والأعمش تركوه
[ ١ / ١١٥ ]
واتهمه بعضهم وهو صاحب الكلبي والظاهر أن المراد هنا الأول والله أعلم (في آي) أي حال كون هذه الآية مندرجة في ضمن آيات كثيرة (تضمّنت فضله) أي فضائله صلى الله تعالى عليه وسلم (من غير وجه واحد) أي بل من وجوه متعددة (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ) أي بتبليغ الرسالة وتحمل الدعوة إلى الأمة (وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [الأحزاب: ٧] الآية) أي وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وهو تخصيص بعد تعميم تلويحا ببيان فضلهم وزيادة شرفهم فإنهم أولو العزم من الرسل ومشاهير أرباب الشرائع وقدم نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم تعظيما وتكريما وإيماء إلى تقديم نبوته في عالم الأرواح المشار إليه بقوله كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد وأخذنا منهم ميثاقا غليظا أي عظيما شأنه ومؤكدا باليمين برهانه وكرر لبيان وصفه تعظيما لمقامه (وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ- إلى قوله- وَكِيلًا [النساء: ١٦٣]) وفي نسخة صحيحة شهيدا وهو الصواب وفيه تلويح إلى فضله حيث قدمه على رسله إذ كان يمكن أن يقال (كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده أوحينا إليك) على نحوه والحاصل أنه قدم من جهة الفضل والشأن لا من جهة التقدم في الزمان والواو وإن لم تقتض الترتيب لكن العرب توتر تقديم المتقدم في الذكر على المتأخر في اللفظ وإليه أشار رسول الله ﷺ حيث قال عند الصفا ابدأ بما بدأ الله به وحكى الحافظ في كتاب البيان والتبيين أن عبد بني الحسحاس لما أنشد عمر رضي الله تعالى عنه قوله:
هريرة ودع إن تجهزت غاديا «١» كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
فقال له عمر لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك (رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ تعالى عنه) وهو بعض خبر هنا ذكره الرشاطي كله في اقتباس الأنوار (أنّه قال) أي عمر (فِي كَلَامٍ بَكَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) بنصب النبي على أنه مفعول والمعنى رثاه بعد موته من بكيته مخففا ومشددا أي بكيت عليه وذلك حين أفاق من غشيته وتحقق عنده موت النبي ﷺ بخطبة أبي بكر وموعظته قائلا بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ كان لك جذع تخطب الناس عليه فلما كثر الناس اتخذت منبرا لتسمعهم عليه فحن الجذع لفراقك حتى جعلت يدك عليه فسكن فامتك أولى بالحنين عليك حين فارقتهم (فقال) أي عمر (بأبي أنت وأمّي) متعلق بمقدر ولحذفه أبدل من ضميره المتصل ضمير منفصل وحذفت الجملة لظهور المعنى حتى قيل الباء للتعدية وقد يذكر الفعل كقول الصديق فديناك بآبائنا وأمهاتنا أي أفديك بأبي وَأُمِّي (يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ بَلَغَ مِنْ فَضِيلَتِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ بَعَثَكَ آخِرَ الْأَنْبِيَاءِ) أي في مقام الوجود. (وذكرك في أوّلهم) أي في أول بعضهم عند ذكرهم إجمالا أي في معرض الكرم والجود (فَقَالَ: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [الأحزاب: ٧] الآية) أي على ما سبق. (بأبي أنت وأمّي) أي أفديك بهما مرة بعد أخرى لأنك بذلك أولى وأحرى
_________________
(١) في نسخة (غازيا) .
[ ١ / ١١٦ ]
(يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ بَلَغَ مِنْ فَضِيلَتِكَ عنده) أي عند الله سبحانه (أنّ أهل النّار يودّون) أي يتمنون ويحبون (أنّ يكونوا أطاعوك وهم بين أطباقها) أي طبقات النار (يعذّبون يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرّسولا) أي فلم يصبنا هذا العذاب تمنوا حيث لا ينفعهم التمني من جميع الأبواب والرسولا بالألف مرسوم والجمهور على إثباتها وقفا ووصلا ومن جملة ما قال عمر رضي الله تعالى عنه بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ بلغ مِنْ فَضِيلَتِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ جَعَلَ طَاعَتَكَ طاعته فقال من يطع الرسول فقد أطاع الله بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ بلغ من فضيلتك عنده أن أخبرك بالعفو قبل أن يخبرك بالذنب فقال عفا الله عنك لم أذنت لهم بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان موسى بن عمران أعطاه الله حجرا يتفجر منه الأنهار فما ذاك بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء صلى الله تعالى عليه وسلم عليك بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان سليمان بن داود أعطاه الله الريح غدوها شهر ورواحها شهر فما ذاك بأعجب من البراق حين سرت عليه إلى السماء السابعة ثم صليت الصبح من ليلتك بالأبطح صلى الله تعالى عليك بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان عيسى ابن مريم أعطاه الله تعالى إحياء الموتى فما ذاك بأعجب من الشاة المسمومة حين كلمتك فقالت لا تأكلني فإني مسمومة صلى الله تعالى عليك وسلم بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ دَعَا نُوحٌ عَلَى قَوْمِهِ فَقَالَ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا ولو دعوت علينا لَهَلَكْنَا مِنْ عِنْدِ آخِرِنَا فَلَقَدْ وُطِئَ ظَهْرُكَ وَأُدْمِيَ وَجْهُكَ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُكَ فَأَبَيْتَ أَنْ تَقُولَ إلا خيرا وقلت اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ اتبعك في قلة سنينك وقصر عمرك ما لم يتبع نوحا في كثرة وطول عمره فلقد آمن بك الكثير وما آمن معه إلا قليل بأبي أنت وأمي يا رسول الله لو لم تجالس إلا الأكفاء ما جالستنا ولو لم تنكح إلا إلى الاكفاء ما نكحت إلينا ولو لم تواكل إلا الأكفاء ما واكلتنا لبست الصوف وركبت الحمار ووضعت طعامك بالأرض تواضعا منك صلى الله تعالى عليك وسلم. (قال قتادة) أي كما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره وابن لال في مكارم الأخلاق وأبو نعيم في دلائله عنه مرسلا (إنّ النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُنْتُ أَوَّلَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الخلق) أي خلق روحه قبل أرواحهم أو في عالم الذر أو في التقدير بكتابته في اللوح أو ظهوره للملائكة (وآخرهم في البعث) أي لكونه خاتم النبيين، (فلذلك) أي فلأجل كونه أولهم خلقا (وقع ذكره مقدّما) أي في الآية السابقة (هنا قبل نوح وغيره) أي من أولي العزم فضلا عن غيرهم قال السهيلي واسم نوح عبد الغفار وسمي نوحا فيما ذكر لكثر نوحه على نفسه أو على قومه. (قال السّمرقندي) وهو الإمام أبو الليث من أئمتنا الجامع بين التفسير والحديث والفقه والتصوف (في هذا) أي في ذكر وقوعه مقدما (تفضيل نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم لتخصيصه بالذّكر قبلهم) أي إظهارا للكرم والجود (وهو آخرهم) أي بعثا كما في نسخة يعني أي والحال أنه آخرهم من جهة البعث والوجود. (الْمَعْنَى أَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ إِذْ أخرجهم من ظهر آدم كالذّرّ) وهو صغار النمل والمعنى أن للأنبياء ميثاقا خاصا بعد دخولهم
[ ١ / ١١٧ ]
في الميثاق العام المعنى به قوله تعالى أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى بتبليغ الرسالة وأخص من هذا الميثاق ميثاق الأنبياء اصالة وأممهم تبعا أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لو فرض أنه وجد في أي زمان من الأزمنة لتبعه جميع الأنبياء وجميع أممهم من العلماء والأولياء والأصفياء فكأنهم تابعون بالقوة وعلى فرض وقوعه بالفعل والحاصل أنه تعالى قال للخلق في عالم الذر بعد قوله لهم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى اعلموا أنه لا إله غيري وأنا ربكم فلا تشركوا بي شيئا فإني سأنتقم ممن أشرك بي وأني مرسل إليكم رسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي ومنزل عليكم كتبا فقالوا شهدنا أنك ربنا والهنا لا رب لنا غيرك فأخذ بذلك مواثيقهم ثم كتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم فنظر إليهم آدم فرأى فيهم الغني والحسن وغيرهما فقال يا رب لو سويت بينهم فقال إني احب أن أشكر فلما قررهم بتوحيده وأشهد بعضهم على بعض أعادهم إلى صلب آدم فلا تقوم الساعة حتى يولد كل من أخذ ميثاقه وكان إعطاء الكافرين العهد إذ ذاك وهم كارهون على جهة التقية وقد وردت الأحاديث بهذا من طريق عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وغيرهما رضي الله تعالى عنهم وقد ورد أنه ﵊ أول من قال بلى فذلك قوله تعالى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وفي قراءة ذريتهم أي أخرج ذريته بعضا من صلب بعض على ما يتوالدون واكتفى بذكر ظهورهم عن ذكر ظهره إذ كلهم بنوه وأخرجوا من ظهره وأشهدهم على أنفسهم أي أشهد بعضهم على بعض وأغرب الدلجي في أنه بعد ما ذكر الميثاق على الوجه المسطور المطابق لمذهب أهل السنة المؤيد بالأحاديث النبوية والآثار عن الصحابة مال إلى مذهب المعتزلة وتبع الزمخشري وسائر أهل البدعة حيث قالوا قوله تعالى أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى تخييل وتصوير للمعنى أي نصب لهم أدلة ربوبيته وأودع عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بها فصاروا بمنزلة من قيل لهم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شهدنا فنزل تمكينهم من العلم بها وتمكنهم من منزلة الإشهاد والاعتراف على طريقة التمثيل انتهى (والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل) وفي كتاب القصص لوثمية بن الفرات يرفعه إلى أبي موسى الأشعري أنه قال لما خلق الله ﷾ آدم ﵇ قال له يا آدم فقال نعم يا رب قال من خلقك فقال أنت يا رب خلقتني قال فمن ربك قال أنت لا إله إلا أنت قال فآخذ عليك الميثاق بهذا قال نعم فأخرج الله ﷾ الحجر الأسود من الجنة وهو إذ ذاك أبيض ولولا ما سوده المشركين بمسهم إياه لما استشفى به ذو عاهة إلا شفي به فقال الله ﷾ امسح يدك على الحجر بالوفاء ففعل ذلك فأمره بالسجود فسجد لله ﷾ ثم اخرج من ظهره ذريته فبدأ بالأنبياء منهم وبدأ من الأنبياء بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم فأخذ عليه العهد كما أخذه على آدم ثم أخذ العهد على الأنبياء والرسل كذلك وأن يؤمنوا بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وإن ينصروه أن أدركوا زمانه فالتزموا ذلك وشهد به بعضهم على بعض وشهد الله ﷾ بذلك على جميعهم وأخذ بعد العهد على سائر بني آدم فسجدوا كلهم إلا الكافرين والمنافقين لم يطيقوا ذلك لصياصي
[ ١ / ١١٨ ]
خلقت في اصلابهم ثم أمر الله ﷾ آدم فرفع رأسه ونظر إلى ذريته فرأى الأنبياء والعلماء كالسرج والكواكب فقال يا رب من هؤلاء قال هم الأنبياء والعلماء من ذريتك فقال يا رب ومن هؤلاء الذين اراهم بيض الالوان قال هم أصحاب اليمين وقد أعددت لهم الجنة والكرامة وخلقتهم سعداء قال ومن هؤلاء الذين أراهم سودا قال هم أصحاب الشمال وقد أعددت لهم الهوان وجعلتهم أشقياء فقال يا رب لو سويت بين خلقك أجمعين فقال يا آدم خلقت الجنة وجعلت لها أهلا وخلقت النار وجعلت لها أهلا ثم اختلفت العلماء في محل أخذ هذا العهد ففي كتاب الثعلبي أنه كان في السماء وأن الله ﷾ أخرج آدم من الجنة ولم يهبط إلى الأرض فأخذ عليه وعلى ذريته العهد هنالك وفي تاريخ الطبراني أن الله ﷾ أهبط آدم من السماء إلى نعمان وأخذ عليه وعلى ذريته هذا العهد هنالك ونعمان واد في طريق الطائف يخرج إلى عرفات وهو مفتوح النون ويقال له نعمان الإراك لكثرته به (وَقَالَ تَعَالَى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [البقرة: ٢٥٣] الآية) الإشارة إلى من ذكرت قصصهم في السورة أو إلى كلهم المعهودين في العلم واللام استغراقية ثم فصله ﷾ بقوله مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ بلا واسطة وهو موسى ﵊ قيل ومحمد صلى الله تعالى عليه وسلم فكلم موسى ليلة الحيرة في الطور ومحمدا ليلة المعراج في مقام النور حين كان قاب قوسين أو ادنى وقرئ كلم الله بالنصب وكالم الله إذ قد كلم الله كما أن الله كلمه ومن ثمه قيل كليم الله بمعنى مكالمه. (قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَرَادَ بِقَوْلِهِ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ محمّدا صلى الله تعالى عليه وسلم) أي رفعه على سائر الأنبياء من وجوه متعددة ومراتب متباعدة ومنها أنه خص بالدعوة العامة (لأنّه بعث) أي بالحجج المتكاثرة والآيات المتعاقبة المتواترة والفضائل العلمية والفواضل العملية (إلى الأحمر والأسود) أي العرب والعجم لغلية الحمرة والبياض على ألوان العجم والأدمة والسمرة على ألوان العرب وقيل الجن والإنس، (وأحلّت له الغنائم) أي ولم تحل لأحد قبله (وظهرت على يديه المعجزات) أي الكثيرة، (وليس أحد من الأنبياء أعطى فضيلة) أي خصلة حميدة (أو كرامة) أي خارقة عادة (إلّا وقد أعطي محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم مثلها) أي مثل تلك الفضيلة أو الكرامة بل مع الزيادة لكن جنسا لا نوعا كانشقاق القمر في مقابلة انفلاق البحر لموسى ﵇ وغير ذلك مما لا يعد ولا يحصى قيل وفي ابهام درجات تفخيم لجلال شأنه وتعظيم لعلي برهانه إذ هو العلم المعين لهذا الوصف المستغني عن التعيين عند أرباب اليقين. (قَالَ بَعْضُهُمْ وَمِنْ فَضْلِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خاطب الأنبياء بأسمائهم) أي كيا آدم ويا نوح ويا إبراهيم ويا موسى ويا عيسى (وخاطبه بالنّبوّة والرّسالة في كتابه) أي كلامه القديم وخطابه العظيم (فقال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ [الأحزاب: ١] ويا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ [المائدة: ٦٧]) بل وفد قال الله تَعَالَى لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا (وحكى السّمرقندي عن الكلبيّ) هو أبو المنذر هشام ابن محمد بن السائب الكلبي توفي في السنة التي مات فيها الشافعي رضي الله تعالى عنه
[ ١ / ١١٩ ]
وهي سنة أربع وثمانين ومائة كذا ذكره التلمساني (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: * وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) [الصافات: ٨٣]) أي أتباعه (إِنَّ الْهَاءَ عَائِدَةٌ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَيْ إِنَّ مِنْ شِيعَةِ مُحَمَّدٍ لإبراهيم أي على دينه. ومنهاجه) أي طريقه الواضح، (وأجازه الفرّاء) يروى وأجازه الفراء، (وحكاه عنه مكّيّ) ونسبه بعضهم إلى الكسائي أيضا فكان الله أخبر إبراهيم بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم فآمن به وشايعه في دينه وعود الضمير على غير متقدم لفظا شائع سائغ كقوله تعالى حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ وإنما جعل منها لتقدمه عليه خلقا ونبوة كما يدل عليه حديث أنه حيث سئل مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ قَالَ وَآدَمُ بَيْنَ الروح والجسد وفي رواية وآدم منجدل في طينته وهذا أولى مما قيل في جواب الإشكال الوارد من أن المتعارف هو أن المتأخر في الزمان هو الذي يكون من شيعة المتقدم لكن قد جاء عن العرب عكس ذلك:
وما لي الا آل أحمد شيعة والسبب في هذا أن من كنت على منهاجه ودينه فقد كان على منهاجك سواء تقدم أو تقدمت، (وقيل المراد نوح) ويروى على نوح (﵇) وهو قول أكثر المفسرين كما هو الظاهر المتبادر من حيث تقدم مرجعه فإبراهيم ممن شائع في دينه لاتفاق شرعهما في الفروع غالبا وإن كان بينهما ألفان وستمائة وأربعون سنة ونبيان هود وصالح عليهما الصلاة والسلام كذا ذكره الدلجي.
الْفَصْلُ الثَّامِنُ [فِي إِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى خَلْقَهُ بصلاته عليه وولايته له]
(في إعلام الله تعالى خلقه) أي مخلوقه (بصلاته عليه وولايته له) بكسر الواو وقد يفتح وبهما قرئ قوله تعالى ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ من شيء والكسر قراءة حمزة من السبعة فتلحين الأصمعي قراءة الأعمش في هذه الآية بكسر الواو خطأ ظاهر وقوله إن الولاية بالكسر إنما هي في الإمارة والسلطان ونحوهما بصيغة الحصر مدفوع ولو سلم فالكسر مشترك في المعنيين والله أعلم وقيل بالفتح بمعنى النصرة وبالكسر تولى الأمر أي موالاته ونصرته له (ودفعه) مصدر مضاف إلى فاعله أي ودفع الله (العذاب بسببه) أي من أجله وجهته وفي نسخة رفعه بالراء واختاره الحلبي وهو تصحيف في مبناه وتحريف في معناه إذ الرفع لا يستعمل إلا بعد الوقوع ولذا قيل الدفع أهون من الرفع (قال تعالى) أي حين قال الكفار مبالغة في الإنكار اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الْأَنْفَالِ: ٣٣]) بيان لما كان موجبا لإمهالهم مع علم الله ﷾ بأقوالهم وأفعالهم (أي ما كنت بمكّة) أي مدة كونك فيها إذ جرت سنته تعالى أن لا يعذب قوما عذاب استئصال ما دام نبيهم بين اظهرهم ومن ثمة كان العذاب إذا نزل بقوم أمر نبيهم بالخروج بمن آمن وفيه تلويح بأنهم مرصدون بالعذاب إذا هاجر (فلمّا
[ ١ / ١٢٠ ]
خرج النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم من مكّة) أي مهاجرا إلى المدينة، (وبقي فيها من بقي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ نَزَلَ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال: ٣٣]) وهو إما بمعنى وما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر من المؤمنين ممن تخلف عن رسول الله من المستطيعين أو بمعنى نفي الاستغفار أي ولو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم وعن الحسن أن الآية منسوخة بقوله تعالى وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ والظاهر أن لا تنافي بينهما إذ النفي منصب على عذاب الاستئصال والإثبات محمول على غيره من الاسر والقتل وأنواع الخزي والنكال قال المنجاني وهذا التأويل قال به جماعة من المفسرين منهم ابن عباس والضحاك ومقتضاه أن الضمير في قوله ﷾ معذبهم عائد على كفار مكة والضمير في قوله تعالى وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ عائد على المؤمنين الباقين بمكة بعد رسول صلى الله تعالى عليه وسلم أي وما كان الله ليعذب الكافرين والمؤمنون يستغفرون بينهم فتكون الآية على هذا نحوا من قوله تعالى وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ الآية وقوله تعالى لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا الآية أيضا وعلى هذا التأويل فالمؤمنون مفهومون من سياق الكلام وإلا فلم يتقدم لهم ذكر في الآية وأما التأويل الثاني الذي ذكر القاضي في هذه الآية بقوله. (وَهَذَا مِثْلَ قَوْلِهِ: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا [الْفَتْحِ: ٢٥] الآية) أي وما ذكر مما دل على إمهالهم وتأخير العذاب في آجالهم لأجل من فيها من المؤمنين وتحسين أفعالهم وأقوالهم مثل قوله ﷾ لَوْ تَزَيَّلُوا أي لو تفرقوا وتميز المؤمنون من الكافرين لعذبنا الذين كفروا منهم أي من أهل مكة عذابا أليما بالقتل والأسر. (وقوله) أي ومثل قوله تعالى (وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ [الفتح: ٢٥] الآية) أي ونساء مؤمنات بمكة لم تعلموهم أي بأعيانهم لاختلاطهم بأهل كفرهم وطغيانهم أن تطؤوهم بدل اشتمال من رجال ونساء أو من ضمير هم في تعلموهم أي أن تدوسوهم فتهلكوهم ومنه الحديث آخر وطأة وطأها الله بعرج واد بالطائف فتصيبكم منهم معرة من عره إذا غشيه بمكروه أي فيغشاكم من جهتهم مكروه كوجوب الدية والكفارة بقتلهم والتأسف عليهم وتعيير الكفار لكم به والإثم بتقصيركم في البحث عنهم بغير علم حال أي أن تطؤهم غير عالمين بهم وجواب لولا محذوف لدلالة الكلام عليه والمعنى لولا كراهة أن تهلكوا مؤمنين ومؤمنات بين أظهر الكفار جاهلين به فيصيبهم مكروه بإهلاكهم لما كف أيديكم عنهم وقوله تعالى لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ علة لما دل عليه كف الأيدي عنهم صونا لمن فيها من المؤمنين أي كان ذلك لأجل أن يدخل الله في رحمته من يشاء من مؤمنيهم أو مشركيهم أو منهما بتوفيقه للإسلام أو لزيادة الخير والإنعام (فلمّا هاجر المؤمنون) أي من مكة (نَزَلَتْ وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ [الْأَنْفَالِ: ٣٤]) أي وما يمنع من تعذيبهم بعد أن فارقتهم والمؤمنون وكيف لا يعذبون وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن اولياءة إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون (وهذا) أي ما ذكر في دلالة الآية على تأخير العذاب عنهم وهو فيهم (من أبين ما يظهر
[ ١ / ١٢١ ]
مكانته) أي من أظهر دليل يبين علو مرتبته ورفعة شأنه وعظمته (صلى الله تعالى عليه وسلم) لكل أحد عند ربه، (ودرأته) وقع بخط بعض الأكابر هنا درأ به على أنه فعل ماض وجار ومجرور أي دفع به والظاهر أنه تصحيف والصواب أنه بكسر الدال المهملة وسكون الراء وهمز وتاء أي ومن أبين ما يظهرها دفعه سبحانه (العذاب عن أهل مكّة بسبب كونه) أي وجوده المتضمن لكرمه وجوده فيهم لأنه بعث رحمة للعالمين (ثمّ كون أصحابه) بجر الكون عطفا على ما تقدم (بعده بين أظهرهم) أي بينهم وفي جوارهم فلفظ أظهرهم مقحم للمبالغة (فلمّا خلت مكّة منهم، عذّبهم) أي الله كما في نسخة (بتسليط المؤمنين عليهم) أي بتسليط رسوله إياهم وأبعد التلمساني حيث فسر التسليط بالقهر (وغلبتهم إيّاهم، وحكّم فيهم سيوفهم) بتشديد الكاف المفتوحة أي جعلها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حكما فيهم حدا وصفحا قتلا وقطعا وأسرا (وأورثهم أرضهم) أي مزارعهم (وديارهم) أي بيوتهم وحصونهم ومعاقلهم، (وأموالهم) أي نقدهم وأثاثهم ومواشيهم روي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم جعل عقارهم للمهاجرين فتكلم فيه الأنصار فقال لهم إن لكم منازلهم وروي أنه قال لهم أما ترضون أن الناس يرجعون بالأموال إلى بلادهم وأنتم ترجعون برسول الله إلى أهليكم وقال عمر رضي الله تعالى عنه أما تخمس كما خمست يوم بدر فقال صلى الله تعالى عليه وسلم لا إنما جعلت هذه لي طعمة وهذا صريح بأن مكة فتحت عنوة وعليه الإمام أبو حنيفة والأكثرون من أهل العلم وعن الإمام الشافعي أنها فتحت صلحا ومن ثمة كان يجيز إجارة دورها وبيعها بدليل حديث وهل ترك لنا عقيل من رباع لكن لا يخفى بعد وجه الاستدلال به وأبعد من قال فتح أعلاها صلحا وأسفلها عنوة، (وفي الآية) أي آية وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (أيضا تأويل آخر) وهو أن الضميرين راجعان إلى الكفار فيحتمل أن يكون وهم يستغفرون في موضع الحال بتقدير أن لو كان أي وما كان الله معذبهم وهم بحال توبة واستغفار من كفرهم لو وقع منهم واختاره الطبري وأن يكون إشارة إلى من سبق في علم الله أنه يؤمن منهم أو من ذريتهم أي وما كان الله معذبهم ومنهم من يخرج فيستغفر الله ويؤمن به واختاره الزجاج وأن يكون إشارة إلى قولهم في دعائهم غفرانك اللهم فجعله الله كما قال ابن عطية أمانا لهم من عذاب الدنيا كما قرره الدلجي والأظهر ما حرره المنجاني من أن التأويل الآخر الذي ذكره القاضي في هذه الآية مبني على أن الضميرين معا عائدان على المؤمنين لما أسنده القاضي من الحديث ليبينه به وهو قوله.
(حَدَّثَنَا الْقَاضِي الشَّهِيدُ أَبُو عَلِيٍّ ﵀ بقراءتي عليه) وهو الحافظ ابن سكرة كما سبق (قال حدّثنا أبو الفضل بن خيرون) بالصرف وعدمه فعلون من الخير ضد الشر قد تقدم ذكره، (وأبو الحسين) بالتصغير على الصحيح، (والصّيرفيّ) وهو المبارك بن عبد الجبار وتقدم ترجمته، (قالا) أي أبو الفضل وأبو الحسين كلاهما، (حدّثنا أبو يعلى ابن زوج الحرّة) بضم حاء مهملة وتشديد راء وقد سبق، (حدّثنا أبو عليّ السّنجيّ) تقدم أنه بكسر
[ ١ / ١٢٢ ]
السين المهملة وسكون النون فجيم فياء نسبة، (حدّثنا محمّد بن أحمد بن محبوب المروزيّ) بفتح الميم والواو نسبة إلى مرو وهو أبو العباس راوي جامع الترمذي كما سبق (حدّثنا أبو عيسى الحافظ) أي الترمذي صاحب السنن، (حدّثنا سفيان بن وكيع) أي ابن الجراح يروي عن أبيه ومطلب بن زياد وعنه الترمذي وابن ماجه شيخ صدوق إلا أنه ابتلي بوراق سوء كان يدخل عليه فكلم في ذلك فلم يرجع مات سنة سبع وتسعين ومائة، (حدّثنا ابن نمير) بضم نون وفتح ميم وسكون ياء فراء يكنى أبو عبد الرحمن الهمداني الكوفي واسمه عبد الله يروي عن هشام بن عروة والأعمش وعنه ابنه وأحمد وابن معين حجة أخرج له الجماعة مات سنة أربع وثلاثين ومائتين (عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر) بكسر الجيم وهو أبو بشر الاسدي مولاهم البصري يروي عن أبيه وعدة وعنه أبو نعيم وطلق بن غنام ضغيف أخرج له الترمذي وابن ماجه (عن عبّاد بن يوسف) بفتح عين مهملة وتشديد موحدة وهو أبو عثمان الكندي ثقة وقيل ابن سعيد وقيل هو عبادة بن يوسف والأول أصح بصري ثقة روى عن أبي بردة وروى عنه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر كذا ذكره التلمساني واضطرب كلام الحلبي فيه (عن أبي بردة) بضم الموحدة والصحيح أن اسمه عامر وهو قاضي الكوفة (ابن أبي موسى) يروي عن أبيه وعن علي والزبير وعنه بنوه عبد الله ويوسف وسعيد وبلال وحفيده بريد بن عبد الله وكان من النبلاء توفي سنة أربع ومائة أخرج له الجماعة (عن أبيه) وهو أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس بن سليم بضم ففتح أمير زبيد وعدن للنبي ﷺ وأمير البصرة والكوفة لعمر رضي الله تعالى عنهما روى عنه بنوه أبو بردة وأبو بكر وإبراهيم وموسى مناقبه جمة توفي سنة أربع وأربعين أخرج له الجماعة والحديث الذي أخرجه المؤلف هنا انفرد الترمذي بإخراجه من بين الستة ذكره في التفسير وقال غريب وإسماعيل يضعف في الحديث انتهى ويقويه أنه رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ موقوفا وأبو الشيخ نحوه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه موقوفا أيضا، (قال قال رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ أَمَانَيْنِ لِأُمَّتِي») يحتمل أمة الإجابة وهو ظاهر الآية ويحتمل أمة الدعوة وهو الملائم لعموم الرحمة بالأمنة (وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) وهذه الأمنة ظاهرة في عمومهم (وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الْأَنْفَالِ: ٣٣]) وهذه الأمنة لائحة لخصوصهم ويؤيده قوله. (فإذا مضيت) أي انتقلت من دار الإكدار إلى دار القرار (تركت فيكم الاستغفار) أي فعليكم بالإكثار منه في الليل والنهار ولا يبعد أن يكون الاستغفار من الإبرار سببا وباعثا لدفع عذاب الاستئصال عن الكفار ويؤيده قوله، (ونحو منه) أي من هذا الحديث في المعنى، (قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) [الأنبياء: ١٠٧]) لأن ما بعث به سبب لإسعادهم وموجب لصلاح معاشهم ومعادهم وكونه رحمة للكفار وأهل فسادهم أمنهم به من الخسف والمسخ وعذاب الاستئصال في بلادهم. (قال صلى الله تعالى عليه وسلم: أنا أمان لأصحابي) وفي
[ ١ / ١٢٣ ]
لفظ أنا أمنة لأصحابي وهو حديث صحيح رواه مسلم عن سعيد بن بردة عن أبيه عن أبي موسى قال صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء فخرج علينا فقال: ما زلتم هنا قلنا: نعم فقال: أجدتم أو أحسنتم قال فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء فقال النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي وأمتي ما يوعدون قال المنجاني وفي لفظ هذا الحديث أمنة وفي الحديث الذي ذكره القاضي أمان ولعلهما روايتان في الحديث أقول أو نقل القاضي بالمعنى مع قرب المبنى إذ الأمنة بضم الهمزة والميم والأمن والأمان بمعنى واحد على ما ذكره المنجاني والظاهر أنه بفتحهما على ما في القاموس هذا ولعله صلى الله تعالى عليه وسلم أراد بذهاب النجوم انتثارها لقوله تعالى وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ وبإتيان السماء ما توعد انفطارها وتبديلها كما قال تعالى يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وبإتيان أصحابه ما يوعدون ما أنذرهم به من الفتن والارتداد وبإتيان أمته ما يوعدون ما أخبرهم به من ظهور البدع واختلاف الآراء والهرج وغلبة الروم وتخريب الكعبة وغير ذلك مما وقع أكثره وبقي ما لا بد من وقوعه وبكونه أمانا لأصحابه: (قيل من البدع) فلم يكن منهم من ارتكب بدعة بشهادة حديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، (وقيل من الاختلاف، والفتن) قال الدلجي وفيه ما فيه لكن يلزمنا الكف عما جرى بينهم بصدوره منهم اجتهادا بتأويلات صحيحة للمصيب أجران على اجتهاده وإصابته وللمخطئ أجر على اجتهاده بشهادة حديث الشيخين أن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد انتهى وفيه ما فيه لأن ما جرى بينهم ما جرى منهم إلا بعد غيبته صلى الله تعالى عليه وسلم عنهم وارتفاع الأمان منهم وليس معنى قوله أمان لأصحابي أنهم في أمن من الفتنة إلى آخر أعمارهم بل مقيد بمدة كونه فيهم ولذا قال وإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون. (قال بعضهم: الرّسول صلى الله تعالى عليه وسلم هو الأمان الأعظم) أي لا غيره وإن كان أصحابه أيضا أمانا (ما عاش وما دامت سنّته) أي المستمرة المعتادة له (باقية) أي ثابتة موجودة وهي بالنصب خبر دام وما شرطية جزاؤها قوله (فهو باق) أي فهو صلى الله تعالى عليه وسلم باق حكما لبقاء حكمه في أمته (فإذا أميتت سنّته) أي عدمت وفنيت وتركت ولم يعمل بها أو عمل بخلافها (فانتظروا البلاء والفتن) الخطاب عام لما في نسخة فانتظروا البلاء وكان الأولى أن يقال فينتظر البلاء والفتن أي المحن الدنيوية والفتن الدينية وقيل المعنى فإذا أميتت سنته بموت أهلها فانتظروا البلاء والفتن بدليل حديث أن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبضه بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم أو لم يبق عامل اتخذ الناس رؤساء جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا (وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب: ٥٦] الآية) تقدم بعض الكلام عليها؛ (أبان الله تعالى) أي أظهر وبين (فضل نبيّه
[ ١ / ١٢٤ ]
صلى الله تعالى عليه وسلم بصلاته عليه) أي أولا تعظيما (ثمّ بصلاة ملائكته) أي ثانيا تكريما (وأمر عباده بالصّلاة والتّسليم عليه) أي بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا وفي نسخة وأمر عباده بالجر والإضافة عطفا على صلاته أي وبأمر عباده بهما عليه ثالثا بأن يقولوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ الخ على ما ورد في حديث الصلاة أو بأن يقولوا السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ كما في حديث التشهد وذلك يدل على وجوب الصلاة والسلام عليه في الجملة كلما ذكر لحديث رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ علي فدخل النار فأبعده الله وجوز الصلاة على غير ملك ونبي تبعا ويكره استقلالا لكونها في العرف شعارا لذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن ثمة كره أن يقول محمد ﷿ وإن كان عزيزا جليلا وقيل المراد بالتسليم هو الانقياد لأوامره (فالصلاة) أي مطلقا (من الملائكة ومنا) أي بني آدم (له دعاء) لحديث إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب وإن كان صائما فليصل أي فليدع ووقع في شرح الدلجي من الملائكة استغفار وهو الملائم لقوله وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا والظاهر أن الاستغفار على ظاهره وقوله تعالى وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ عام اريد به خصوص المؤمنين إذ لا يجوز الاستغفار للكافرين إلا بقصد طلب إيمانهم المستلزم استحقاق المغفرة في شأنهم وقال الدلجي أي بسعيهم فيما يستدعي المغفرة من شفاعة وإلهام وإعداد الأسباب المقربة إلى الطاعة وذلك في الجملة يعم المؤمن والكافر وحيث خص به صلى الله تعالى عليه وسلم فالمراد به السعي فيما يليق بجنابه (ومن الله تعالى رحمة) أي رحمة عظيمة أو رحمة خاصة جسيمة والمراد من الرحمة الإحسان وإرادة الانعام لاستحالة معناها الذي هو رقة القلب في حق الرب ﷾ (وقيل يصلون) أي معناه (يباركون) من البركة وهي كثرة الخير أي يكاثرونه ويزايدونه عليه ذكره الدلجي والظاهر أن معنى يباركون يدعون له بالبركة في ذاته وصفاته وأهل بيته واتباعه من أمته وحيث كانت المغايرة ظاهرة بين الصلاة والبركة قال المصنف (وقد فرق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حين علم) أي أصحابه (الصلاة عليه بين لفظ الصلاة والبركة) في حديث قد أمرنا أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك فقال قولوا اللهم صلى عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ على إبراهيم وعلى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبراهيم إنك حميد مجيد والأظهر أن يراد بقوله يصلون يعظمون ويثنون عليه ليشمل جميع الألفاظ الواردة التي من جملتها الترحم ونحوه (وسنذكر حكم الصلاة عليه) أي هل هو فرض أو سنة وهل هو فرض عين أو كفاية وما يتعلق بالمسألة من الفروع والأدلة (وقد حكى أبو بكر بن فورك) بضم الفاء وفتح الراء وهو غير منصرف للعلمية والعجمة وقيل منصرف هو إمام جليل فقها وأصولا وكلاما ونحوا ووعظا مع جلالة وورع زائد ومهابة وهو أصبهاني ومات شهيدا بالسم في سنة ست وأربعمائة ونقل إلى نيسابور ودفن بها قال ابن عبد الغفار يستجاب الدعاء عنده (أنّ بعض العلماء تأوّل) أي
[ ١ / ١٢٥ ]
فسر (قوله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ على هذا) أي على هذا المعنى. (أَيْ فِي صَلَاةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيَّ وَمَلَائِكَتِهِ وأمره الأمّة بذلك) أي بالصلاة عليه كما في نسخة (إلى يوم القيامة) واعلم أن قوله وقد حكي إلى هنا لم يثبت في الأصل الذي هو خط المؤلف القاضي وثبت في الأصل المروي عن أبي العباس الغرقي ثم اعلم أن القرة بمعنى السرور والفرحة وأصلها من القر بمعنى البرد يقال أقر الله عينه أي ابرد الله دمعته لأن دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارة ثم أكثرا لأقوال وأظهرها أنها الصلاة الشرعية لما فيها من المناجاة وكشف المعارف وشرح الصدر وسيأتي الكلام بعد إن شاء الله تعالى. (وذكر بعض المتكلّمين) أي من المفسرين (في تفسير حروف كهيعص (١) [مريم: ١] أنها مأخوذة من كفاية الله وهدايته وتأييده وعصمته وصلاته عليه فزعم (أنّ الكاف من كاف) اسم فاعل من كفى يكفي (أي كفاية الله لنبيّه ﵊ قال) أي الله ﷾ (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦]) واستفهامه لإنكار النفي مبالغة في اثبات كفايته له والمراد بعبده عبده الخاص وهو محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فالإضافة شخصية والمراد به الفرد الأكمل والإضافة للجنس أو المراد جميع عباده أو خواصهم من انبيائه وأوليائه وينصره قراءة حمزة والكسائي عباده بلفظ الجمع وهو صلى الله تعالى عليه وسلم يدخل فيهم دخولا أوليا وقيل في الكاف إشارة إلى أنه الكافي في الإنعام والانتقام لعموم الأنام وقيل الكاف إشارة إلى أنه الكاتب على نفسه الرحمة (والهاء) بالنصب ويجوز رفعه (هدايته له) أي هداية الله لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم وكان الأنسب أن يقال والهاء من هادي أي هِدَايَتُهُ لَهُ (قَالَ: وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا [الْفَتْحِ: ٢]) أي يدلك بلطفه إلى طريق دينه أو إلى تبليغ الرسالة وإقامة مراسم الرياسة (والياء تأييده له قال أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ [الأنفال: ٦٢]) أي قواك بنصرته على اعدائك والأولى أن يقال الياء إشارة إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ أو إيماء إلى يسر المنحة بعد المنحة أو إلى يده المبسوطة بالرحمة على نبي هذه الأمة أصالة وعلى أتباعه تبعية لئلا يرد عليه ما ذكره المنجاني من أن صاحب هذا القول إن أراد أن هذه حروف أخذت من أوائل هذه المصادر على ما تقدم من اقتصار العرب على أول حرف من الكلمة فإن لفظ التأييد ينقض عليه لأن فاءه همزة لا ياء وإنما الياء عينها وإن أراد أنها أحرف أخذت من هذه المصادر سواء كان كل حرف منها فاء الكلمة أو عينها فهو قول خارج عن القياس الصناعي (والعين عصمته له قال تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧]) أو إشارة إلى علمه بحاله في سره وجهره قال عز وعلا وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (والصّاد صلاته عليه قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب: ٥٦]) أي يثنون شأنه ويعظمون برهانه أو إيماء إلى اسمه الصادق في وعده والصبور في وعيده ثم اعلم أن أوائل الصور على القول المعتبر من المتشابه الذي لا يعلم حقيقته والمراد به إلا الله ﷾ وقيل إشارة للإعجاز بالقرآن وقيل إشارة لأسماء الله وقيل
[ ١ / ١٢٦ ]
لاسماء رسوله وقيل بيان لمدة الأمة المحمدية وجملة ذلك ثلاثون سنة ومائتان وأربعة آلاف وإن أسقط المكرر فتسعمائة وثلاثة وهو الأقرب لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعث في الألف السابعة وروى جعفر بن عبد الواحد القاضي حديثا يرفعه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال إن أحسنت أمتي فبقاؤها يوم من أيام الآخرة وإن أساءت فنصف يوم وذلك خمسمائة وروي أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال الدنيا سبعة آلاف سنة بعث في آخرها الفا وهو ضعيف وروي موقوفا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الدنيا سبعة أيام كل يوم منها ألف سنة وبعث رسول الله ﷺ في آخر يوم منها ويدل عليه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين يعني الوسطى والسبابة وقد ورد عن علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه أنه كان يقول في دعائه اغفر لي يا كهيعص فيحتمل أن يكون كهيعص عند علي رضي الله تعالى عنه اسما لله تعالى بجملتها ويحتمل أن يريد نداء الله ﷾ بجميع اسمائه التي تضمنتها كهيعص من كاف وهاء ونحو ذلك (وقال تعالى: وَإِنْ تَظاهَرا) وقرأ الكوفيون بالتخفيف والخطاب لعائشة وحفصة رضي الله تعالى عنهما أي وإن تتعاونا (عَلَيْهِ أي على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالمكر والحيلة في قضية مارية والغل لديه وبسائر مما يسوؤه فإنه لن يضره ولن يعدم من ينصره (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ الآية مولاه أي وليّه) يعني ناصره ومتوليه فيما أولاه (وجبريل) هو رسول الحق إليه يعينه فيما هو عليه (وصالح المؤمنين قيل الأنبياء) يعني والمرسلون (وقيل الملائكة) أي المقربون فيكون تعميما بعد تخصيص لكن فيه أنه يتكرر مع قوله تعالى والملائكة بعد ذلك ظهير أي متظاهرون عليه (وقيل أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما) أي وأمثالهما من أكابر الصحابة لما ذكر الماوردي أنهم أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (وقيل عليّ ﵁) أي ونحوه من أهل البيت وأقاربه (وقيل المؤمنين) أي جميعهم (على ظاهره) بناء على أن كل مؤمن بظاهره صالح والأظهر أن يقال المراد وصالح المؤمنين من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين والخلفاء الراشدين وسائر الصحابة من السابقين واللاحقين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وصالح بغير واو وهو مفرد أو جمع حذف منه الواو لفظا فحذف رسما وأما تعليل التلمساني بقوله وسره دلالة السرعة في النصرة لأن مدة الواو تفيد مدا وبعدا ولا كذلك حذفها فهو في غاية البعد هذا وإن صح حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال هم أبو بكر وعمر وكان بينة صدق لكونهما المراد به في القول الصدق أو ذكرهما مثلا والمراد به أمثالهما والله تعالى أعلم بكتابه ورسوله ببيان خطابه وقد ورد عن علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه أنه كان يقول في دعائه اغفر لي يا كهيعص كما سبق ثم اعلم أنه ورد في صحيح البخاري أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال مكثت أريد أن اسأل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عن آية سنة فما استطيع أن اسأله هيبة له حتى خرج حاجا فخرجت معه فلما رجعنا وكنا ببعض الطريق عدل
[ ١ / ١٢٧ ]
إلى الاراك لحاجة له فوقفت له حتى فرغ ثم سرت معه فقلت له يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أزواجه قال تلك حفصة وعائشة رضي الله تعالى عنهما قال فقلت والله إني كنت لاريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما استطيع هيبة لك قال فلا تفعل ما ظننت أن عندي منه علما فاسألني فإن كان لي علم أخبرتك به هذا وذهبت طائفة من العلماء إلى أن ذلك كان في قضية مارية القبطية وذلك أن المقوقس أهداها إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سرية فلما كان بعض الأيام وهو يوم حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما جاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مارية فواقعها فجاءت حفصة فوجدتهما فأقامت خارج البيت حتى أخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مارية وذهبت فدخلت خفصة غير متغيرة فقالت يا رسول الله أما كان في نسائك أهون عليك مني أفي بيتي وفراشي فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مرضيا لها أيرضيك أن أحرمها فقالت: نعم قال: فإني قد حرمتها ثم قال لا تخبري بهذا أحدا وخرج عنها فقرعت الجدار الذي بينها وبين عائشة وأخبرتها بذلك لتسرها ولم تر في افشائه لها حرجا واستكتمتها ذلك فنزلت الآية وهي قوله تعالى وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا إلى قوله تَعَالَى وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ واختلفوا هل حرمها بيمين أو لا على قولين فقال قتادة والحسن والشعبي حرمها بيمين وقال غيرهم لم يحرمها بيمين ويروى ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وذهبت طائفة إلى أن تظاهرهما عليه إنما كان في قصة شربه صلى الله تعالى عليه وسلم العسل في بيت زينب بنت جحش وذلك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يمكث عندها فتسقيه عسلا قالت عائشة ﵂ فتواطأت أو قالت فتواصيت أنا وحفصة على أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فلتقل إني أجد منك ريح مغافير أو أكلت مغافير وهو شجر كريه الرائحة فدخل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على إحديهما فقالت له ذلك فقال بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له واستكتمتها ذلك فأخبرت به عائشة فنزلت يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ يعني العسل لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم ولن أعود له إلى قوله ﷾ إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ الآية والوجه الأول هو قول أكثر العلماء وروي مرسلا عن زيد بن أسلم من طرق صحاح رواه ابن وهب عن مالك رضي الله تعالى عنه قال حرم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أم إبراهيم ﵄ فقال هي حرام فأنزل الله في ذلك سورة التحريم وأما الوجه الثاني فبه تواردت الأحاديث الصحيحة وأخرجه البخاري عن عبيد بن عمير عن عائشة رضي الله تعالى عنها بنحو ما سبق وقال فيه إنه شرب عند زينب عسلا كما تقدم وجاء في صحيح مسلم أنه شرب عند حفصة وأن اللتين تظاهرتا عليه هما عائشة وسودة رضي الله تعالى عنهما وأكثر المحدثين على ما في البخاري والله ﷾ أعلم.
[ ١ / ١٢٨ ]
الْفَصْلُ التَّاسِعُ [فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ الْفَتْحِ مِنْ كراماته ﵇]
(فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ الْفَتْحِ مِنْ كَرَامَاتِهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) اعلم أن سورة الفتح نزلت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في منصرفه من الحديبية سنة ست من الهجرة وهو متوجه إلى المدينة فهي على هذا في حكم المدني وقد قيل بل نزلت بالمدينة وعلى بعضها نزل بها وقد ثبت في فضلها حديث لقد أنزل الله علي سورة هي أحب إلي ما طلعت عليه الشمس أي شمس الوجود (قال الله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا) أي بعظمتنا (لَكَ) أي لا لغيرك أو لأجلك (فَتْحًا مُبِينًا [الفتح: ١]) أي ظاهرا (إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: ١٠]) ومعناه قوله سبحانه تعالى وهو القاهر فوق عباده وكثير من السلف وبعض الخلف على أن الله ﷾ يدا لا بمعنى الجارحة بل إنها صفة له تعالى على وجه يليق بذاته وكذا قالوا في الاستواء وسائر آيات المتشابه وأحاديث الصفات ثم ما بينهما سيأتي مبينا وفي اثناء الكلام معينا وقد اختلف في هذا الفتح قال كثير إن هذا هو ما اتفق له صلى الله تعالى عليه وسلم في طريق الحديبية من التيسير واللطف وذلك أن المشركين كانوا إذ ذاك أقوى من المسلمين فيسر الله سبحانه أن وقعت بينه وبينهم المصالحة ريثما يتقوى صلى الله تعالى عليه وسلم واتفق له بعد ذلك بيعة الرضوان وهي الفتح الأعظم واستقبل صلى الله تعالى عليه وسلم فتح خيبر فامتلأت أيدي أصحابه خيرا ولم يشترك فيه مع أهل الحديبية احد ممن تخلف منهم ثم ما وقع في ذلك الوقت من الملحمة التي كانت بين الروم وفارس فظهرت فيها الروم وكان ذلك فتحا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم واصحابه لانهضام شوكة الكفر العظمى ولأنه صلى الله تعالى عليه وسلم علم كونه فتحا له من سورة الروم فكانت هذه كلها من جهة الفتح الذي جاءت الآية منبهة عليه وقد ذكر ابن عقبة أنه لما كان صلح الحديبية ونزلت الآية قال رجال من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والله ما هذا بفتح لقد صددنا عن البيت وصد هدينا فبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال بئس الكلام هذا بل هو أعظم الفتوح قد رضي المشركون أن يدفعوكم بالرواح عن بلادهم ويرغبوا إليكم في الأمان وقد رأوا منكم ما كرهوا وأظفركم الله عليهم وردكم سالمين مأجورين وهو أعظم الفتوح فقال المسلمون صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح يا رسول الله وأنت أعلم بالله وبأمره منا وذهب بعض المفسرين إلى أن الفتح في الآية إنما هو إشارة إلى فتح بمكة فمعنى فتحنا على هذا قضينا وقدرنا والأظهر إن فتح الحديبية كان سببا لفتح مكة وذهب بعضهم إلى أن الفتح في الآية إنما هو الهداية إلى الاسلام أي على الوجه العام ومال الزجاج إليه واستحسنه لإمكان الجمع بالحمل عليه قال المصنف (تضمّنت هذه الآيات) أي الواردة في صدر السورة (من فضله) أي من جملة فضائله (وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَكَرِيمِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ونعمته لديه ما) أي الذي أو شيئا (يقصر
[ ١ / ١٢٩ ]
الوصف عن الانتهاء إليه) أي لقصور إحاطة العلم به (فابتدأ ﷻ بإعلامه) أي بإعلام الله نبيه (بما قضاه له من القضاء البين) أي بما حكم له وقدره من الفتح المبين حيث قال إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا أي إنا قضينا لك على أهل مكة أن تدخلها من قابل عام الحديبية (بِظُهُورِهِ وَغَلَبَتِهِ عَلَى عَدُوِّهِ وَعُلُوِّ كَلِمَتِهِ وَشَرِيعَتِهِ) أي طريقته وفي نسخة شيعته أي أمته بعد صده بها عنها وهذا قول آخر للمفسرين مغاير لما سبق من وجه أو هو وعد بفتح مكة كما تقدم وعبر بالماضي لتحققه أو بما اتفق له بعد نزولها كفتح خيبر وفدك أو بما ظهر له في الحديبية من آية عظيمة وهي أن ماءها نضب فلم يبق بها قطرة فتمضمض ثم مج فيها فدرت ماء حتى رووا كلهم (وأنّه) عطف على أعلامه أي وبأنه صلى الله تعالى عليه وسلم (مغفور له غير مؤاخذ) بالهمز ويبدل واوا وهو تأكيد لما قبله لتضمنه معناه (بما كان وما يكون) حيث قال لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ والمعنى لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه لك ولا يكون على هذا اثبات لوقوع الذنب ثم غفرانه خلافا لما يتوهم من كلام المصنف (قَالَ بَعْضُهُمْ أَرَادَ غُفْرَانَ مَا وَقَعَ وَمَا لم يقع أي أنّك مغفور لك) أي مما يصح أن يعاتب عليه لما في قوله تعالى لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى والأظهر أن في الآية إيماء إلى أن العبد ولو وصل إلى أعلى مرتبته المقدرة لم يحصل له استغناء عن المغفرة لقصور الأطوار البشرية في القيام بحق العبودية على ما اقتضته الربوبية وقيل عد الاشتغال بالأمور المباحة والتفكر بالهمة في مهمات الأمة سيئات من حيث إنها غفلة عن مرتبة الحضرة في الجملة ولذا قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين ثم قوله تعالى لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ علة للفتح من حيث إنه مسبب عن جهاد الكفار والسعي في إعلاء دينه وإزاحة شرك الأغيار وتكميل النفوس الناقصة إجبارا واعتبارا ليصير ذلك بالتدريج اختبارا وتخليص الضعفة من أيدي الظالمة اختيارا (وقال مكّيّ جعل الله المنّة) أي العطية والامتنان بالفتح أو بالهداية إلى الإسلام (سببا للمغفرة وكلّ) أي من المنة والهداية والمغفرة حاصل (من عنده) أي لقوله ﷾ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (لا إله غيره) أي حتى يكون قضاء شيء من عنده ويروى لا إله إلا هو (منّة) أي عطية وامتنانا حال أو مفعول مطلق (بَعْدَ مِنَّةٍ وَفَضْلًا بَعْدَ فَضْلٍ ثُمَّ قَالَ) أي الله ﷿ (ويتمّ نعمته عليك) أي بجمعه لك النبوة والملك وظهور دينك وفتح البلاد عليك وغير ذلك ومنها قوله، (قيل بخضوع من تكبّر لك) متعلق بخضوع والمعنى بتواضع من تكبر عليك لأجلك بالانقياد لك والخضوع والخشوع بين يديك والتذلل إليك وفي نسخة بِخُضُوعِ مَنْ تَكَبَّرَ عَلَيْكَ (وَقِيلَ بِفَتْحِ مَكَّةَ والطّائف) أي وإقبال أهلهما إليك طوعا وكرها (وَقِيلَ يَرْفَعُ ذِكْرَكَ فِي الدُّنْيَا وَيَنْصُرُكَ وَيَغْفِرُ لك) بصيغ الأفعال تفسير على وفق المفسر وهو قوله ويتم وهو الأظهر وقال التلمساني بباء الجر وكلها مصادر ويجوز الفعل وكذا قال الحجازي ويروى برفع ذكرك وبنصرك وغفر لك بالموحدة وتنوين الأخير انتهى وفيه أن الغفر بمعنى المغفرة قليل
[ ١ / ١٣٠ ]
الاستعمال ثم هذه أقوال تناولها عموم الآية ولا مرجح لها فالأولى حملها على عمومها ثم مجمل هذه الأقوال ومحصل هذه الأحوال ما ذكره المصنف بقوله (فأعلمه) أي الله سبحانه (بتمام نعمته عليه) الأول بإتمام نعمته أي بإكمال إنعامه وإحسانه إليه (بخضوع متكبّري عدوّه له) الباء متعلق بنعمته أو بدل مما قبله أو بمعنى من البيانية له ولما بعده أي من تواضع أعدائه المتكبرين عليه سابقا غاية التواضع ولاحقا (وفتح أهمّ البلاد عليه) لأن مكة كانت صقع المشركين وكانت العرب إنما تنتظر بالإسلام ما يكون من أهل مكة مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فإن اسلموا اسلموا فكانت مكة لهذا المعنى أهم البلاد لأن إسلام أهلها يستلزم إسلام جميع المشركين أو أكثرهم ولهذا أكثر المسلمون بعد فتح مكة ودخلوا في دين الله أفواجا وفي نسخة أسنى البلاد أي أفضلها لكون القبلة فيها ومعدن النبوة بها وهي أم القرى ويتبعها ما حولها (وأحبّها له) أي على الإطلاق وإنما صارت المدينة أحب من سائر البلاد إليه بعد خروجه منها كما هو ظاهر حديث اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إلي فاسكني أحب البقاع إليك فأسكنه المدينة كما أخرجه الحاكم في مستدركه إلا أن في سنده عبد الله المقبري وهو ضعيف جدا فلا يصلح لاستدلال المالكية لأفضلية المدينة ومما يدل على قول الجمهور في أفضلية مكة ما رواه الزهري عن أبي سلمة عن عبد الله بن عدي الحمراء وفي رواية عن أبي هريرة يرفعه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حين خرج إلى الهجرة هو وأبو بكر رضي الله تعالى عنه وقف ينظر إلى البيت ثم قال والله إنك لأحب أرض الله إلي وإنك لأحب ارض الله إلى الله ولولا إن أهلك أخرجوني ما خرجت وما جاء في حديث آخر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لمكة ما أطيبك من بلد وأحبك إلي ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك فاندفع بهذا ما قيل من أن الأحب لا يعارض الأفضل خصوصا بحسب الجبلة الطبيعية (ورفع ذكره) أي مما نشأ عليه كله من نصره إياه على عدوه فعمومها شامل له بخصوصه وهو بالجر عطف على ما قبله وأما قوله (وهدايته الصّراط المستقيم) وكذا ما بعده فبالجر إلا أنه عطف على تمام أي وأعلمه بهدايته إلى الصراط المستقيم أي بقوله وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا وهو بالصاد والسين وإشمام الزاء في السبعة وبالزاء الخالصة في الشاذة والهداية يتعدى بنفسه تارة كقوله تعالى اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وبإلى أخرى كقوله تعالى وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وباللام أيضا ومنه قوله ﷾ إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (المبلّغ الجنّة والسّعادة) بكسر اللام المشددة ويجوز تخفيفها نعت للصراط أي الموصل إلى أسباب الجنة وأبواب السعادة وأصناف السيادة (ونصره النّصر العزيز) بقوله تعالى وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا أي نصرا غالبا قويا فيه عز ومنعة وقوة وشوكة ظاهرة وباطنة أو نصرا يعز به المنصور فوصف بوصفه للمبالغة وقال المنجاني عزيز في هذه الآية بمعنى معز كأليم بمعنى مؤلم وحبيب بمعنى محب فنصر معز وهو المتضمن لغلبة العدو
[ ١ / ١٣١ ]
وقهره ونصر لا بهذه الصفة وهو المتضمن لدفع أذى العدو فقظ (ومنّته) أي وأعلمه بامتنانه (على أمّته المؤمنين بالسّكينة) أي بإنزال السكينة (والطّمأنينة) عطف تفسير وهو بضم أوله وبهمز ويسهل فيبدل مصدر اطمأن سكن ويروى الطمأنينة والسكينة قيل السكينة هي الرحمة وقيل الوقار والرزانة وقيل الإخلاص والمعرفة (التي جعلها الله في قلوبهم) بقوله تعالى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ أتي يقينا مع يقينهم برسوخ العقيدة أو ليزدادوا إيمانا بالشرائع المجددة اللاحقة مع إيمانهم بالأحكام المقررة السابقة لأن حقيقة الإيمان وهي التصديق غير قابلة للزيادة والنقصان عند أرباب التحقيق والله ولي التوفيق (وبشارتهم) بكسر الباء بمعنى ما يسر به أي وأعلمه ببشارة أمته (بما لهم) أي عند ربهم كما في رواية (بعد) بضم الدال أي بعد حالهم (وفوزهم) أي نجاتهم وظفرهم (العظيم) أي في مآلهم (والعفو عنهم) أي المحو لعيوبهم (والسّتر لذنوبهم) أي فيما جرى لهم والستر بالفتح مصدر وبالكسر اسم بقوله تعالى لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا واللام علة لما دل عليه قوله تعالى وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من التدبير وحسن التقدير أي دبر ما دبر من تسليط المؤمنين على الكافرين ليعرفوا نعمة ربهم ويشكروها فيدخلوا الجنة ويتنعموا بما فيها (وهلاك عدوّه) أي أعداء النبي والمؤمنين (في الدّنيا والآخرة ولعنهم) أي طردهم (وبعدهم من رحمته وسوء منقلبهم) بفتح اللام أي قبح انقلابهم أي سوء مرجعهم ومصيرهم والمعنى أنه أعلمه ذلك بقوله تعالى وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وظنهم هو أن لا ينصر الله رسوله والمؤمنين وعليهم دائرة ما ظنوه وتربصوه بالمؤمنين لا يتجاوزهم وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم السين في دائرة السوء لا في مطلق السوء على ما في الجلالين وهما لغتان (ثمّ قال) أي الله ﷾: (إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا) أي مزكيا للأصفياء أو مشاهدا للقاء في مقام البقاء (وَمُبَشِّرًا) أي للمؤمنين الأحباء بما يحبونه (وَنَذِيرًا [الفتح: ٨]) للكافرين الأعداء بما يكرهونه وهي أحوال مقدرة وردت ببعض ما أوتيه مخبرة (الآية) كما سيأتي (فعدّ) أي الله تعالى بذلك (محاسنه) أي فضائله الحسنة (وخصائصه من شهادته على أمّته لنفسه بتبليغه الرّسالة لهم) أي بخلاف سائر الأنبياء فإنه لا تقبل شهادتهم على أممهم لأنفسهم بل يحتاجون إلى أن هذه الأمة يشهدون على الأمم بتبليغ أنبيائهم لهم كما تقدم بيانه (وقيل شاهدا) أي يشهد يوم القيامة (لهم بالتّوحيد) أي بتوحيدهم لله (ومبشّرا لأمّته) أي ويبشرهم (بالثّواب) أي في دار النجاة (وقيل بالمغفرة) أي يبشر أحباءه بحسن المآب (ومنذرا عدوّه) أي يخوف أعداءه (بالعذاب وقيل) أي في معنى منذرا (محذّرا) أي يحذر أمته (من الضّلالات) أي من أنواع الضلالة التي هي الكفر والفسق والبدعة (ليؤمن بالله) أي حق الإيمان (ثمّ به) أي برسوله
[ ١ / ١٣٢ ]
(من سبقت له من الله الحسنى) أي المنزلة الأسنى وهي الجنة العليا أو المثوبة الحسنى ويدل عليه قوله تعالى (ليؤمنوا بالله ورسوله) (ويعزّروه) أي يمنعوه ويحرسوه من أعدائه (أي يجلّونه) وهو من الإجلال أي يعظمونه وإثبات النون بناء على أصله قبل دخول لام الأمر على مفسره (وقيل ينصرونه) أي على عدوه في الجهاد أو في الاجتهاد في نصرة دينه (وَقِيلَ يُبَالِغُونَ فِي تَعْظِيمِهِ وَيُوَقِّرُوهُ أَيْ يُعَظِّمُونَهُ) الأظهر أن يقال يهابونه ويكرمونه ويخدمونه ويعدونه من أهل الوقار (وقرأه بعضهم) أي من قراء الشواذ وقد نسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (ويعزّزوه بزاءين) بالياء بعد الألف وبالهمز وكلاهما صحيح ذكره التلمساني والثاني غير صحيح لأن الفرق المعروف بين الراء والزاء بالياء في الثاني وبتركه في الأول فتأمل ولذا لم يقل بالزاء المعجمة لاستغنائه بالصورة عن القيد ولا راء مهملة لما تقدم والله تعالى أعلم (من العزّ) أي العزة والتفعيل للتكثير والمبالغة والمعنى يعززوه غاية العزة وأما جمهور القراء فقراءتهم بضم أوله وكسر الزاء مشددة وبعدها راء وقرأ الجحدري بفتح التاء وضم الزاء وكسرها وهو شاذ (والأكثر) أي القول الأكثر من المفسرين (والأظهر) أي من العلماء المعتبرين (أنّ هذا) أي قوله تعالى وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ أنزل (في حقّ محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) لأنه أقرب ذكرا فيرجع ضميراهما إليه ومما يدل عليه قوله تعالى فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ (ثمّ قال: وَتُسَبِّحُوهُ [الفتح: ٨]) أي ينزهوه أو يصلوا له (بُكْرَةً وَأَصِيلًا) أي نهارا وليلا (فهذا) أي ضمير يسبحوه (راجع إلى الله تعالى) ويؤيده أن أرباب الوقوف القرآنية جعلوا الوقف المطلق فوق قوله ﷾ وَتُوَقِّرُوهُ إيماء إلى قطع ما قبله عما بعده وقيل الضمائر الثلاثة لله وأريد بتعزيره تعالى تقوية دينه وتأييد نبيه ثم اعلم أن ابن كثير وأبا عمرو قرآ بالغيبة في الأفعال الأربعة والباقون بالخطاب له ولأمته أو لهم تنزيلا لخطابه منزلة خطابهم فعلى الأول تقدير الآية أنا إرسلناك ليؤمنوا بالله وبك يا محمد وعلى الثاني تقديره ليؤمنن بك من آمن (وقال ابن عطاء جمع) بالبناء للمجهول لأن فاعله معلوم والمعنى اجتمع (للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في هذه السّورة) أي سورة الفتح (نعم مختلفة) أي متعددة متكثرة أو مختلفة من حيث ذواتها وإن كانت من حيث صفاتها مؤتلفة (من الفتح المبين) من بيانيه للنعم المتقدمة (وهو) أي الفتح المبين (من أعلام الإجابة) بفتح همزة أعلام على أنه جمع علم بفتح اللام أي من علامات قبول إجابة الله، (لدعوته) صلى الله تعالى عليه وسلم إذ قد سأله النصر في مواطن كثيرة وفي الحديث من فتح له باب الدعاء فتح له باب الإجابة (والمغفرة) أي ومن المغفرة (وهي) أي المغفرة (من أعلام المحبّة) لقوله تعالى ردا لأهل الكتاب في محكم الخطاب وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ والمعنى أنكم لو كنتم احبائه لما عذبكم بذنوبكم كما يعذب أعداءه بل غفر لكم وأكثر عليكم عطاءه ونعماءه ومن المعلوم أن المحبة من الله تعالى إما أرادة إنعام أو نفس
[ ١ / ١٣٣ ]
إحسان وإكرام لنزاهة ذاته القدسي عن الميل النفسي (وتمام النّعمة) أي ومن تمام النعمة (وهي من أعلام الاختصاص) أي منة له بما لم يؤته أحدا غيره كما يستفاد من قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي (والهداية) أي ومن الهداية (وهي من أعلام الولاية) أي التأييد والنصرة، (فالمغفرة) بالرفع مبتدأ (تبرئة) أي تنزيه منه له (من العيوب) أي عيوب الذنوب وفي نسخة تنزيه من العيوب وأما قول الحلبي وهو بكسر الراء المشددة ثم همزة مضمومة من البراءة فخطأ ظاهر في العبارة إذ الصواب أنه بفتح التاء وسكون الموحدة وبكسر الراء المخففة وفتح الهمزة مصدر برأه يبرؤه تبرئة على وزن تفعلة والذي ذكره إنما هو بضم الراء مصدر تبرأ منه وهو غير مناسب للمقام كما لا يخفى على العلماء الاعلام (وتمام النّعمة إبلاغ الدّرجة الكاملة) أي إيصاله تعالى له إلى درجة لا درجة فوقها، (والهداية وهي الدّعوة إلى المشاهدة) أي إلى الحضرة في مقعد صدق وقرب مكانة وكرامة لأقرب مكان ومسافة: (وقال جعفر بن محمّد) أي ابن علي بن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم (مِنْ تَمَامِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ أَنْ جَعَلَهُ حَبِيبَهُ) أي اصطفاه وخصه بكرامة تشبه كرامة الحبيب عند محبه فالمحبة أصفى ود لأنها من حبة القلب بخلاف الخلة فإنها ود تخلل النفس وخالطها (وأقسم بحياته) أي في قوله تعالى لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ أي وحياتك يا محمد وتقديره لعمرك قسمي والعمر بفتح العين لغة في العمر بالضم خص به القسم ايثارا لخفته لكثرة دوران القسم على ألسنتهم (ونسخ به شرائع غيره) لقوله ﵊ لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي (وعرج) بفتح الراء أي صعد (به إلى المحل الأعلى) أي المنزل الأعلى وهو بفتح الحاء وكسرها والأول أولى والمراد به مقام قاب قوسين أو أدنى (وحفظه في المعراج) أي عن مطالعة السوي والمعراج الدرجة وقيل سلم تعرج فيه الأرواح وجاء أنه أحسن شيء لا تتمالك الروح إذا رأته أن تخرج وأن تشخص بصر الميت من حسنه (حتّى ما زاغ البصر وما طغى) أي ما مال إلى الهوى ولا تجاوز عن المولى (وبعثه إلى الأسود والأحمر) أي إلى العرب والعجم أو الجن والإنس لقوله ﵊ بعثت إلى الأحمر والأسود وفي رواية بعثت إلى الناس كافة ولقوله تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ أي الا رساله عامة لهم محيطة بهم من الكف فإنها إذا عمتهم كفتهم عن أن يخرج منها أحد منهم (وأحلّ له ولأمّته الغنائم) لقوله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأحد قبلي وفي رواية أحلت لنا الغنائم (وجعله شفيعا) أي يوم الجمع لجميع الخلائق (مشفعا) بتشديد الفاء المفتوحة أي مقبول الشفاعة في مقام محمود يحمده فيه الأولون والآخرون كما روي عن ابن عباس ﵁ مرفوعا (وسيّد ولد آدم) أي وجعله سيد البشر ولما كان بعض أولاد آدم أفضل منه فيلزم منه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أفضل من آدم ﵊ بطريق البرهان الذي يسمى بالأولى ومنه قوله تعالى فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ أي فكيف الضرب
[ ١ / ١٣٤ ]
بالكف وهو مقتبس من قوله ﵊ أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر أي ولا أقول فخرا لنفسي بل تحدثا بنعمة ربي وتقييد يوم القيامة لأنه وقت ظهوره ونظيره الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ والحديث رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد مع زيادة وما من نبي آدم فمن سواه إلا تحت لوائي ولا فخر وفي رواية لمسلم وأبي داود مع زيادة وأول شافع وأول مشفع ولا فخر وفي البخاري أنا سيد الأولين والآخرين ولا فخر (وقرن) أي جمع ووصل (ذكره بذكره) كما يستفاد من قوله تعالى وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ومن قوله ﷾ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ (ورضاه برضاه) لقوله تعالى وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ (وجعله أحد ركني التّوحيد) أي المعتبر في الدين (ثمّ قال: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ) أي يعقدون الميثاق معك على قتال أهل الشقاق (إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الفتح: ١٠]) لأنه المقصود بالبيعة بالاتفاق (يعني) أي يريد الله بهذه المبايعة (بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ أَيْ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ بِبَيْعَتِهِمْ إيّاك يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: ١٠]) استئناف مؤكد لما قبله (يريد) أي الله أن يده فوق أيديهم (عند البيعة) أي على طريق الخصوصية قال التلمساني قوله يريد عند البيعة صوابه معناه عند البيعة وإلا فالإرادة والعناية في كلام المخلوقين ولا ينبغي أن يقول المفسر يعني ولا يريد ولكن يقول من معناه أو يجوز أو يحتمل ونحو ذلك مما يجري على الألسنة (قيل) أي المراد بيد الله (قوّة الله) وقدرته والمعنى قوته وقدرته في نصر رسوله فوق قواهم وقدرهم وقد أشار الهروي في غريبه إلى هذا القول فيكون في الآية على هذا ذكر نعمة مستقبلة وعد الله بها نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم وهي النصر له وعلى القول الذي بعده يكون فيما ذكر نعمة حاصلة قد شرف الله بها المبايعين واستعمال اليد أيضا في اللغة بمعنى القوة موجودة ومنه قوله تعالى أُولِي الْأَيْدِي أي أولي القوى (وقيل ثوابه) أي المترتب على مبايعتهم بأيديهم وانقيادهم في متابعتهم فاليد بمعنى النعمة (وقيل منّته) أي عطيته ومنه يقال لفلان على يد وفي الحديث اللهم لا تجعل لفاجر علي يدا يحبه قلبي وقد قال الشاطبي ﵀ إليك يدي منك الأيادي تمدها والمعنى منته عليهم ونعمته لديهم ببيعتهم مما منحوه من العز في الدنيا والثواب في العقبى فوق منتهم عليك بمبايعتهم لك على أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم قال المنجاني وإليه ذهب أكثر المفسرين واستعمال اليد في اللغة بمعنى النعمة كثير ومنه قول الشاعر:
لجودك في قومي يد يعرفونها وأيدي الندى في الصالحين فروض
وإلى هذا المعنى يرجع قول من قال هي من الله سبحانه الثواب أعني اليد في الآية المثوبة من المبايعين الطاعة فإن الثواب من الله تعالى داخل تحت منته والطاعة منهم داخلة تحت ما يمتنون به وإلا فليس اليد في اللغة اسما للثواب ولا للطاعة (وقيل) أي المراد بيد الله (عقده) وفي نسخة عفوه وهو تصحيف وتحريف والمعنى أنه تعالى أوجد البيعة وأتم عقدها
[ ١ / ١٣٥ ]
فاستعار لإيجاد عقدها اسم اليد من حيث كان الآدميون إنما يفعلونه بأيديهم وهو من باب إطلاق اسم السبب على المسبب وجاء قوله ﷾ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ مرشحا لهذه الاستعارة والأيدي من المبايعين على هذا هي الجوارح على حقيقتها ولذا قال المصنف، (وهذه) أي هذه الأقوال المختلفة المعاني في لفظ اليد هل هي على سبيل الاشتراك والحقيقة أو على سبيل النقل والمجاز والمختار أنها (استعارات) أي إطلاقات مجازية لمناسبات سببية (وتجنيس في الكلام) أي وتفنن في العبارات الإيمائية ولم يرد به التجنيس الصناعي وهو اتفاق اللفظ واختلاف المعنى على ما ذكره التلمساني وغيره بل اللغوي بمعنى المناسبة لأن العقد مثلا إذا أطلق عليه اسم اليد فإنما يراد التي بمعنى الجاحة فبينها وبين الأيدي في الآية مناسبة والمناسبة كما ذكره التلمساني ذكر الشيء مع ما يناسبه على جهة الاستعارة والتشبيه (وتأكيد لعقد بيعتهم إيّاه) أي من حيث إن بيعتهم معه صلى الله تعالى عليه وسلم كبيعتهم مع الله تعالى لا تفاوت بينهما فيده التي تعلو أيديهم هي يد الله تخييلا (وعظم شأن المبايع) بصيغة المفعول والمراد به محمد (صلى الله تعالى عليه وسلم) وقوله عظم بكسر العين وفتح الظاء مجرور عطفا على ما قبله أي وتأكيد لعظمة شأنه وفخامة سلطانه من حيث جعل بيعتهم له بيعتهم لله سبحانه كجعل طاعته طاعته (وقد يكون من هذا) أي من قبيل قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ (قوله تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ) أي كفار بدر بنصركم وتسليطكم إياه (وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ) أي بهما إذ هو الخالق للقتل وأسبابه وهم المباشرون له بقوة الله عند اكتسابه (وَما رَمَيْتَ) أي رميا يوصل التراب إلى أعينهم ولم تقدر عليه (إِذْ رَمَيْتَ) أي يومي بدر وحنين وجوههم صورة واكتسابا أو أخذا وإرسالا (وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال: ١٧]) أي حقيقة وتبليغا وأصابه فبلغ رميه تعالى منه حدا لم يبلغ رميك من إيصاله التراب إلى أعينهم جميعا فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه فانهزموا وتمكنتم منهم قتلا وأسرا (وإن كان الأوّل) يعني إن الذين يبايعونك وإن وصلية (في باب المجاز) أي أدخل في ذلك الباب والأظهر أن يقال من باب المجاز كما في أصل الدلجي وكذا قوله (وهذا) أي فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ الآية (فِي بَابِ الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ الْقَاتِلَ وَالرَّامِيَ بِالْحَقِيقَةِ) وروي في الحقيقة (هو الله وهو خالق فعله) أي فعل المباشر من قتله ونحوه (ورميه وقدرته عليه) أي إيجادا وإبداعا وهو القاتل مباشرة واكتسابا ومن ثم أسند الفعل إليه حقيقة أيضا كما أنه نفاه عنه أيضا لكن بين الحقيقتين بون بين وبيان ظاهر لمذهب أهل السنة والجماعة من أن العبد له نسبة الكسب في الحقيقة على الجملة والحاصل أنه ﷾ وصف نفسه في هذه الآية بالقتل والرمي من حيث كونه هو الذي حصل أثرهما ومنفعتهما وإن كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه هم الذين قتلوا ورموا فهو على هذا من باب اطلاق السبب الذي هو القتل والرمي على المسبب الذي هو الأثر على الحقيقة ونسبة الفعل إلى غيره مجاز فلا تشبيه فيه لهذه الآية السابقة ولا تفريق بينهما فافهم (ومسببه) أي هو ﷾ مسبب
[ ١ / ١٣٦ ]
سبب فعل عبده وفي نسخة مشيئته أي ارادته كذا ذكر في حاشية وليس لها وجه ظاهر بل هو تصحيف كما لا يخفى (ولأنّه) أي الشأن (لَيْسَ فِي قُدْرَةِ الْبَشَرِ تَوْصِيلُ تِلْكَ الرَّمْيَةِ حيث وصلت) أي إلى وجوههم فأعمت أبصارهم (حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَمْلَأْ) أي تلك الرمية (عينيه) أي ترابا (وكذلك قتل الملائكة لهم حقيقة) أي في الصورة الكسبية والإضافة النسبية مثل إسناد القتل إلى الأفراد البشرية وإنما احتاج إلى ذكرهم لئلا يتوهم أن القدرة الملكية ليست كقوى البشرية في الاحتياج إلى القوة الإلهية والقدرة السبحانية فإن المخلوقات بأسرها متساوية في مرتبة العبودية فاندفع بتحريرنا ما توهم الدلجي خلاف تقريرنا حيث قال وما أحق هذا بالتعجب لأن القاتل حقيقة أيضا بالنسبة إليهم هو الله وهو خالق فعلهم وقدرهم إيجادا وإبداعا وهم القاتلون مباشرة واكتسابا فلا خصوصية لهم بكون قتلهم حقيقة بدون إسناده إلى الله حقيقة انتهى وظهر لي وجه آخر أنه أراد بقوله حقيقة إنه وقع من الملائكة نوع من المباشرة في قتل الكفرة لا أنه إنما كان نزول المعركة لمجرد وصول البركة وحصول النصرة (وقد قيل في هذه الآية الأخرى) أي الأخيرة وهي قوله تعالى فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ الآية (إنّها على المجاز العربيّ) بالباء أي اللغوي أعني استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة بين المعنى المجازي والحقيقي وهي هنا السببية وفي نسخة العرفي بالفاء قال العلامة محمد بن خليل الانطاكي الحنفي في حاشيته المسماة بزبدة المقتفى اعلم أن المجاز أن تجوز مستعمله عن معنى وضع ذلك اللفظ له واضع اللغة فهو المجاز اللغوي كالأسد للشجاع وإن تجوز عما وضعه الشارع له وهو الله ورسوله فهو المجاز الشرعي كالصلاة للدعاء وإن تجوز عما وضعه طائفة معينة فهو المجاز العرفي الخاص كالفعل للحدث وإن لم تكن معينة فهو المجاز العرفي العام كالدابة للشاة (ومقابلة اللّفظ) أي وعلى مقابلة اللفظ (ومناسبته) أي له لما بينهما من العلاقة المؤذنة باستعمال ما وضع للسبب من اللفظ في مسببه (أي ما قتلتموهم) أي أيها الأمة حين قتلتموهم بآلات القتل (وما رميتهم أنت) أيها النبي (إذ رميت وجوههم بالحصباء) بالمد أي بالحصى أو بالأحجار الصغار يخالطها التراب (وَالتُّرَابِ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى قُلُوبَهُمْ بِالْجَزَعِ) أَيْ واوقع في صدورهم الرعب والفزع (أي أنّ منفعة الرّمي) أي وكذا فائدة القتل (كَانَتْ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ فَهُوَ الْقَاتِلُ وَالرَّامِي بالمعنى) أي الذي هو ابتلاهم بالرعب وإدخال التراب في أعينهم حتى انهزموا (وأنت) أي القاتل والرامي (بالاسم) أي من حيث مباشرتهما بالوسم وصورة المبنى وحذف قوله القاتل والرامي في الجملة الأخيرة للعلم به من الجملة المتقدمة إذ هو من دلائل الأوائل على الأواخر والله أعلم بالظواهر والضمائر والحاصل فيه ما حكي عن المهدوي وأوضحه هبة الله بن سلامة أن الرمي أخذ وارسال وتبليغ وإيصال فالذي اثبت الله ﷾ لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم هو الأخذ والإرسال والذي نفى عنه وأثبته لنفسه هو التبليغ والإيصال والله تعالى أعلم بالحال ثم اعلم بطريق الانعطاف إلى
[ ١ / ١٣٧ ]
القضية الأمنية أن السكينة لواقعة في الآية السكينة هي كناية عن تسكين نفوس المؤمنين بتحصيل اليقين وذلك أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان أخبرهم حين توجه للحديبية بأنهم يدخلون مكة آمنين ويطوفون بالبيت لرؤيا كان رآها فذكر الله ﷾ في هذه الآية أنه خلق في نفوسهم ثقة بهذا وجعلها مستقرة في نفوسهم ومستمرة إلى أن يقع ما وعدهم به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويشاهدوه معاينة فيزدادوا بذلك إيمانا مع إيمانهم وقد قضى الله أن يكون ما وعدهم به رسوله لأن رؤيا الأنبياء وحي ولكن في غير ذلك التوجه ولهذا لما انكشف أمر الحديبية عن الصلح قال بعض أصحابه يا رسول الله ألم تقل لنا انا ندخل مكة آمنين ونطوف بالبيت فقال لهم: بلى أفقلت لكم في عامي هذا فكان تحقق هذا في عام الفتح وإلى ذلك أشار الله ﷾ بقوله لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ وجاء قوله ﷾ في هذه الآية وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بأثر ذكر السكينة زيادة في تسكين نفوسهم وإشعارا بأن الله ﷾ قادر على ما يشاء ثم عقب ذلك بوصفه نفسه بالعلم والحكمة أي فلا تستعجلوا ما وعدكم به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فإن الله يعلم في تأخير ذلك حكمة وهو معنى قوله تعالى فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا وقوله ﷾ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ أريد بهم الذين أنزل السكينة في قلوبهم فصدقوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في حديث الترمذي بسند صحيح من رواية قتادة عن أنس رضي الله تعالى عنه قال نزل على رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ مرجعه من الحديبية فقرأها عليهم فقالوا هنيئا مريئا يا نبي الله قد بين الله لك ما يفعل بك فما يفعل بنا فنزل لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ والواو لمطلق الجمع وإلا فتكفير السيئة قبل إدخالهم الجنة هذا وقد ذكر المفسرون في قوله تعالى الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ معنيين أحدهما أنه كناية عن قولهم لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا والآخر أنه كناية عما يعتقدونه من صفات الله ﷾ غير ما هي عليه فهو ظن سوء باعتبار أنه كذب وموصل لصاحبه إلى جهنم ودائرة السوء المصيبة السوء وسميت دائرة من حيث إنها تحيط بصاحبها كما تحيط الدائرة بمركزها على السواء من كل الجهات وإلى هذا مال النقاش في تفسيره وذهب بعضهم إلى أنها سميت دائرة لدورانها بدوران الزمان لأن الزمان لما كان يذهب ويجيء على ترتيب واحد صار كأنه مستدير ومنه حديث وإن الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السموات والأرض فكأن الخطوب والحوادث في طيه تدور بدورانه ثم سميت بيعة الحديبية بيعة الرضوان لقوله ﷾ فيها لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وهي سمرة من شجرة العضاة وذهبت بعد سنين من الهجرة
[ ١ / ١٣٨ ]
ومر عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي خلافته بذلك الموضع فاختلف أصحابه في موضعها وكثر تشاجرهم في ذلك فقال عمر هذا هو التكلف سيروا واتركوها وكان الذين بايعوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ألفا وأربعمائة في إحدى الروايتين عن جابر وألفا وخمسمائة في الرواية الأخرى عنه فبايعوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على أن لا يفروا قال جابر ولم يبايعوه على الموت وقال سلمة بن الأكوع في حديثه بايعناه على الموت وكلا الحديثين صحيح لأن بعضهم بايع على أن لا يفر ولم يذكر الموت وبعضهم بايع على الموت ولم يتخلف عن هذه البيعة أحد ممن حضر مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا الجد ابن قيس فإنه اختبأ تحت ناقته وكان عثمان ﵁ غائبا بمكة وبايع عنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيده وقال هذه يد عثمان ﵁ وكانت هذه البيعة بسبب غيبة عثمان عند ما شاع أن أهل مكة قتلوه وكان صلى الله تعالى عليه وسلم عندما توجه إلى مكة أراد أن يبعث رجلا إلى قريش يخبرهم أنه لا يريد حربا وإنما جاء معتمرا فبعث إليهم خراش بن أمية الخزاعي فلما وصل إليهم أرادوا قتله فمنعته الأحابيش قال ابن قتيبة في المعارف وهم جماعة اجتمعوا فتخالفوا أن يكونوا كلا على من سواهم والتحبش في كلام العرب التجمع وخلوا سبيل خراش حتى أتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره بذلك فأراد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يبعث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إليهم فقال عمر يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي وليس بمكة من عدي بن كعب من يمنعني وقد علمت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ولكن أدلك على رجل أعز بها مني عثمان ابن عفان رضي الله تعالى عنه فدعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عثمان فبعثه إلى أبي سفيان واشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت للحرب وإنما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته فخرج عثمان إلى مكة فلقيه إياد بن سعيد بن العاص قبل أن يدخل مكة فترجل له وحمله على دابته وأجازه بالزاء فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلم ما أرسله به فقالوا له حين فزع إن شئت أن تطوف بالبيت فطف فقال مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ حَتَّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم واحتبسته قريش عندها تبره وتكرمه فاتفق أن خرج صارخ في عسكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد قتل عثمان فاغتم المؤمنون وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا نبرح إن كان هذا حتى نلقي القوم وأمر مناديه فدعا إلى البيعة وبلغ بعد ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن الذي كان من أمر عثمان باطل وجاء إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سالما فحمد الله على ذلك والمبايعة في الآية مفاعلة من البيع لأن الله ﷾ باع منهم الجنة بأنفسهم وأموالهم وباعوه أنفسهم وأموالهم بالجنة وبقية قضية الحديبية في المواهب اللدنية.
[ ١ / ١٣٩ ]
الْفَصْلُ الْعَاشِرُ [فِيمَا أَظْهَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كتابه العزيز من كراماته عليه ومكانته عنده]
(فيما) أي في ذكر ما (أظهره الله تعالى في كتابه العزيز) أي المنيع الذي لا يعتري ساحة عزه إبطال وتحريف أو الكثير النفع العديم النظير اللطيف (من كرامته عليه ومكانته عنده) الأولى لديه (وما) أي وفي بيان (خصّه به من ذلك) أي الإكرام (سوى ما انتظم) أي غير ما دخل (فيما ذكرناه قبل) هو مبني على الضم مقطوع عن الإضافة أي قبل ذلك في الفصول السابقة من الفضائل المتقدمة (من ذلك) أي الذي أكرم به ولم ينتظم فيما ذكره قبل (ما نصّه الله تعالى) أي صرحه وفي نسخة قصه (من قصّة الإسراء في سورة سبحان) وفي نسخة في قصة الإسراء من سورة سبحان وهي غير صحيحة، (والنّجم) أي وفي سورته وقد سبق الكلام عليه، (وما انطوت) أي ومن ذلك ما اشتملت (عليه القصّة) أي القضية (من عظيم منزلته وقربه) أي قرب مكانته المفهوم من قوله تعالى دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (ومشاهدته) أي مطالعته (ما شاهد من العجائب) أي ما رآه من الغرائب المستفاد من قَوْلِهِ تَعَالَى لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى كرؤية الأنبياء وتمثلهم له ووقوفه على مقاماتهم وعجائب الملكوت وغرائب الجبروت ومشاهدة الملائكة المقربين وحملة العرش والكروبيين ورؤية العرش المحيط بالسموات والأرضين ورؤية رب العالمين مع كون ذهابه وإيابه في برهة من الليل مسيرة ما لا يعلمه أحد من المهندسين وقد ورد أن ما بين الأرض وسماء الدنيا مسافة خمسمائة عام وكذا ما بين كل سماء وسماء وكذا غلظ كل سماء وجميع السموات والأرضين بجنب الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة وهو بجنب العرش كحلقة ملقاة في فلاة وقد تعجب قريش من ذلك وأحالوه ولا استحالة فيه عند أرباب العقول إذ ثبت عند الحكماء في علم الهندسة أن ما بين طرفي قرص الشمس ضعف ما بين طرفي كرة الأرض مائة ونيفا وستين مرة ومع ذلك فطرفها الأسفل يصل موضع طرفها الأعلى في أقل من ساعة وقد حكم علماء الكلام من علماء الأنام بأن الأجسام متساوية في قبول الأعراض وأن الله قادر على جميع الممكنات فلا ينكر أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة فيه صلى الله تعالى عليه وسلم أو في البراق كيف وقد ورد أنه يضع حافره عند منتهى طرفه والتعجب من لوازم المعجزات، (وَمِنْ ذَلِكَ عِصْمَتُهُ مِنَ النَّاسِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) أي يحفظك من تعرض أعدائك لك روى الترمذي كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه فقال يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله ولا ينافيه ما في البخاري وغيره من شج وجهه وكسر رباعيته يوم أحد لخصوص العصمة بالقتل تنبيها على أنه يجب على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يتحمل ما دون النفس لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أشد الناس من جهة البلاء أو أنهما بعد وقعته قال المنجاني والمراد بالناس في الآية الكفار بدليل قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ قلت الظاهر هو العموم ولا دلالة في الآية على
[ ١ / ١٤٠ ]
قصد الخصوص عند أرباب الفهوم وإن كان الخصوص من الخارج هو المعلوم (وقوله تعالى) بالجر أي ومن ذلك عصمته منهم قبل نزول تلك الآية بقوله تَعَالَى (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الْأَنْفَالِ: ٣٠] الآية) ذكر ﷾ بعد الفتح مكر قريش به بمكة قبل الهجرة ليشكر نعمة ربه بخلاصه من مكرهم به واحتيالهم عليه فالقضية مكية والآية مدنية أي واذكر إذا يمكرون بك في دار الندوة متشاورين في أمرك بحضور عدو الله إبليس حيث دخل فيه وقال أنا شيخ من نجد سمعت اجتماعكم ولكن تعدموا مني رأيا ونصحا ليثبتوك بوثاق أو حبس إشارة إلى قول أبي البحتري ارى أن تحبسوه وتشدوا منافذه إلى كوة تلقون إليه منها طعامه وشرابه حتى يموت فقال إبليس بئس الرأي يأتيكم من قومه من يخلصه منكم أو يقتلوك إشارة إلى قول أبي جهل لعنة الله عليه أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما مع كل واحد سيف ويضربونه ضربة واحدة فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم فإذا طلبوه عقلناه فقال إبليس صدق الفتى أو يخرجوك إشارة إلى قول هشام بن عمرو أرى أن تحملوه على جمل فتخرجوه من أرضكم فلا يضركم ما صنع فقال له إبليس بئس الرأي يفسد قوما غيركم ويقاتلكم بهم فتفرقوا على رأي أبي جهل فأخبره جبريل بذلك وقال له لا تنم الليل في مكان نومك فأمر عليا أن ينام فيه وخرج عليهم وقد اجتمعوا عشاء لقتله وأخذ كفا من تراب فنثره على رؤوسهم يقرأ يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إلى قوله تعالى لا يُبْصِرُونَ وهذا معنى قوله تعالى وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ فمكر الله من باب المشاكلة أو محمول على المعاملة (وقوله) بالجر أي ومنه عصمته بقوله تعالى (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ [التوبة: ٤٠]) أي إن لم تنصروه ولم تخرجوا معه إلى غزوة تبوك فسينصره من نصره عند قلة أوليائه وكثرة أعدائه إذ أخرجه الذين كفروا وليس معه إلا أبو بكر فخذا الجواب وأقيم ما هو كالدليل عليه مقامه وأسند إليهم الإخراج لتسبب أذن الله له في الخروج عن همهم به فكأنهم أخرجوه وقوله ثاني اثنين حال من ضمير أخرجه أي أحد اثنين روي أن جبريل لما أمره بالخروج قال من يخرج معي قال أبو بكر (وما دفع الله) أي ومنه ما دفعه الله (به) أي بنصره (عنه في هذه القصّة) أي قصة مكرهم به لقوله تعالى وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ولما قيل من حفر بئرا لأخيه وقع فيه والمعنى ما حفظ الله له (من أذاهم) أي ليلة عزموا على قتله (بعد تحزبهم) أي تجمعهم ووقع في نسخة بعد تحريهم براء مكسورة مشددة فتحتية أي بعد قصدهم (لهلكه) بضم أوله وسكون ثانيه أي هلاكه (وخلوصهم) أي وبعد انفرادهم واعتزالهم خالصين من مخالطة غيرهم (نجيّا) مصدر أو وصف أريد به معنى الجمع وقد جاء مفردا في قوله تعالى وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا وجمعا في قوله تعالى خَلَصُوا نَجِيًّا كما هو المراد هنا أي متناجين ومتشارين (في أمره) أي على أي صفة يؤذونه ليظفروا بحاجتهم فطوقوا بخيبتهم (والأخذ) بالجر في أكثر النسخ واقتصر عليه الدلجي حيث قال والظاهر كما في نسخة مصححة رفعه عطفا على ما دفع لا على أذاهم
[ ١ / ١٤١ ]
لفساد المعنى كما لا يخفى إلا أن الأقرب والأظهر الأنسب أنه مجرور عطفا على تحزبهم وخلوصهم والمعنى بعد الأخذ (على أبصارهم عند خروجه عليهم) أي مع أبي بكر إلى الغار ليلة قصدوا قتله وكذا الكلام من حيث المبنى والمعنى على قوله (وذهولهم) أي غفلتهم (عن طلبه في الغار) أي مع ترددهم حوله فلم يهتدوا إليه وذلك بآيات أظهرها الله في الحال من نسج العنكبوت على الغار حَتَّى قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ حِينَ قَالُوا ندخل الغار ما أرى إلا انه قبل أن ولد محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وبعث حمامتين عَلَى فَمِ الْغَارِ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ لَوْ كَانَ فيه أحد لما كانت الحمام هناك والمراد بالغار نقب بأعلى جبل ثور عن يمين مكة مسيرة ساعة واللام فيه للعهد (وما ظهر) أي لهم (في ذلك من الآيات) إذ خرج عليهم وهم ببابه فلم يروه بناء على حجاب الله ونقابه تحت قبابه ونثره التراب على رؤوسهم فلم يعلموا به حتى قيل لهم إلى غير ذلك من الآيات والمعجزات (ونزول السّكينة عليه) أي ومن نزول الطمأنينة والأمن الذي تسكن عنده النفوس على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويؤيده قوله تعالى وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها أو على أبي بكر رضي الله تعالى عنه لأنه الذي كان منزعجا لقوله تعالى إذ يقول لصاحبه لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فأنزل الله سكينته عليه ويؤيده أن بعض القراء جعل عليه وقفا لازما وجعل ما بعده كلاما مستأنفا أو عطفا على صدر القصة مما يكون محلا قابلا لئلا يلزم تفكيك الضمير مع تجويز بعضهم ذلك كما في قوله تعالى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ الآية وأما قول الدلجي أن هذا هو الحق فليس في محله لورود الخلاف عن أكابر المفسرين على أن التحقيق في مقام الجمع على جهة التدقيق أن يقال المعنى فأنزل الله سكينته على منهما بناء على إرادة زيادة الاطمئنان والسكون فيهما كما يدل عليه ما في مصحف حفصة فأنزل الله سكينته عليهما ولا ينافيه ما ورد في تسلية الصديق من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم ما ظنك باثنين الله ثالثهما (وقصّة سراقة) بالجر عطفا على الآيات أي ومن قصة سراقة (بن مالك) أي ابن جعشم وهو الذي أعطت له قريش الجعائل وأخذ في طلب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين هاجر وساخت قوائم فرسه عند ذلك وهو الذي ألبس له عمر ﵁ سواري كسرى وقال الحمد لله الذي سلبهما من كسرى وألبسهما تراقة وقد كان أخبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك فهي معجزة دائمة باقية إلى يوم القيامة (حسب) بفتح الحاء والسين وقد يسكن الثاني واقتصر عليه الحلبي وغيره أي على قدر (ما ذكره أهل الحديث والسّير) بكسر ففتح جمع سيرة وارباب السير من الشمائل والمغازي (في قصّة الغار وحديث الهجرة) أي مفصلا ومجملا أنه تبعهما حين توجها من الغار مهاجرين إلى المدينة ليفتك بهما فرده الله خاسئا ثم أسلم بالجعرانة منصرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من الطائف قال الحلبي وفي الصحابة من اسمه سراقة ثمانية عشر غيره (ومنه) أي ومن ذلك (قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ) ومعناه سيأتي أي الكثير من أنواع التفضيل إلا أن فوعل أبلغ من فعيل وفيه تسلية
[ ١ / ١٤٢ ]
له عن موت ابنه إبراهيم (فَصَلِّ لِرَبِّكَ) فيه التفات من التكلم إلى الغيبة إذ مقتضى الظاهر فصل لنا أي فدم على الصلاة كما أمرنا أو على صلاة العيد خالصا لوجهه وشكرا لأنعمه فإنها جامعة لأنواع شكره لاشتمالها على أصناف ذكره ويؤيد الوجه الثاني قوله تعالى (وَانْحَرْ [الكوثر: ١- ٣]) أي ضح بالبدن التي هي خيار أموال العرب وتصدق على المحتاجي من الفقراء والمساكين وقيل المراد بالنحر وضع المصلي يده في الصلاة عند نحره ويروى هذا عن علي كرم الله وجهه (إِنَّ شانِئَكَ) أي مبغضك (هُوَ الْأَبْتَرُ) أي مقطوع الخير والبركة في الدنيا والآخرة أو الذي انقطع عن بلوغ أمله فيك (أعلمه الله) أي منة عليه في هذه السورة (بما أعطاه) أي ببعض ما أولاه وإلا فعطاؤه لا يمكن احصاؤه (والكوثر حوضه) أي لما في مسلم اتدرون ما الكوثر قيل الله تعالى ورسوله أعلم قال نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير هو حوضي ترده أمتي يوم القيامة وضمير هو راجع إلى النهر إشعارا بأن له نهرا من الجنة منصبا في حوضه يوم القيامة فلا ينافيه قوله (وقيل نهر) بفتح الهاء ويسكن (في الجنّة) كما يدل عليه حديث الترمذي رأيت في الجنة نهرا حافتاه قباب اللؤلؤ قلت ما هذا يا جبريل قال الكوثر الذي أعطاك الله وحديثه أيضا أعطاني الله الكوثر نهرا في الجنة يسيل في حوضي (وقيل الخير الكثير) وهذا هو الأظهر لأنه هو الحق كما عبر به الدلجي لأنه فوعل من الكثرة بمعنى المفرط المبالغ فيها ويؤيده خبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في البخاري الكوثر هو الخير الكثير الذي اعطاه الله قيل لسعيد بن جبير إن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة قال هو من الخير الكثير الذي اعطاه (وقيل الشّفاعة) أي العظمى الشاملة للخلائق كلها المستفاد منها الكثرة (وقيل المعجزات الكثيرة وقيل النبوّة) أي لاشتمالها على خيرات كثيرة واللام للعهد أي النبوة العظيمة أو النبوة المختوم بها ليتميز بها عن غيره بنوع المزية (وقيل المعرفة) أي الكاملة وهذه الأقوال حسنة معانيها إلا أنه لا دلالة على ما فيها؛ (ثمّ أجاب) أي الله ﷾ (عنه) أي بدلا منه صلى الله تعالى عليه وسلم (عدوّه) أي العاص بن وائل أو أبا جهل ونحوه (وردّ عليه) حين مات ابنه القاسم (قوله) أي أن محمدا قد أصبح ابتر أي قليل العدو مقطوعا من الولد إذا مات مات ذكره لأنه لا عقب له (فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الْكَوْثَرِ: ٣] أي عدوّك ومبغضك) بالنصب تفسير لشانئك؛ (والأبتر الحقير الذّليل) أي على ما قيل وهو الذي لا ذكر حسن له ولا ثناء جميل (أو المفرد) بفتح الراء أي المنفرد (الوحيد) أي الذي لا ولد له ولا عقب (أو الذي لا خير فيه) وأما هو صلى الله تعالى عليه وسلم فذكره حسن وثناؤه جميل ونسبه مستمر وآثار أنواره باقية إلى يوم القيامة وما لا يدخل تحت العبارة في الآخرة (وَقَالَ تَعَالَى:
وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر: ٨٧] وقيل) وهو المحكى عن ابن عمر وابن مسعود والمنقول عن ابن عباس (السّبع المثاني: السّور الطّوال) بكسر الطاء جمع الطويلة كما صرح به الشراح فاندفع به قول المنجاني هكذا وقع في الكتاب وصوابه الطول
[ ١ / ١٤٣ ]
مضموم الطاء دون ألف فيه لأن السورة مؤنثة فهي طولى والجمع طول لا غير وقوله (الأول) بضم همزة وفتح واو مخففة جمع الأولى وهي البقرة وآل عمران والنسائي والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال مع براءة لأنهما في حكم سورة واحدة ومن ثم لم يفصل بينهما بالبسملة وقيل السابعة سورة يونس أو يوسف بدل الأنفال، (والقرآن العظيم) بالنصب على الحكاية ويجوز رفعهما بناء على أنه مبتدأ خبره: (أمّ القرآن) أي أصله أو بمنزلة أمه لاشتمالها على كليات معانيه ومهمات مبانيه إذ أولها تمجد وأوسطها تعبد وآخرها وعد وتوعد فكأنها هو في التحقيق دون التعدد وفيه إطلاق الكل على الجزء لا سيما وهو الأكمل في المعنى ولذا وجبت قراءتها في الصلاة، (وقيل) وهو المحكي عن عمر وعلي والحسن البصري (السّبع المثاني أمّ القرآن) لحديث البخاري أم القرآن هي السبع الثاني، (والقرآن العظيم سائره) أي باقيه أو جميعه بناء على أنه مأخوذ من السؤر بالهمزة بمعنى البقية أو من السور الذي هو الجمع والإحاطة والشمول من سور الحصن فالعطف من باب عطف الخاص على العام، (وقيل السّبع المثاني: ما في القرآن) أي هو جميع القرآن وتسبيعه لما في القرآن (من أمر) أي إيجابا كأقيموا الصلاة أو ندبا كافعلوا الخير (ونهي) أي تحريما كلا تقربوا الزنا أو كراهة كلا تيمموا الخبيث منه تنفقون إذ روي أنهم كانوا يتصدقون بردى التمر فنزلت والمعنى لا تقصدوا الردى منه حال كونكم تتصدقون (وبشرى) أي ومن بشارة للمؤمنين (وإنذار) أي تخويف للمخالفين (وضرب مثل) كقوله تعالى مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ (وإعداد نعم) بكسر الهمزة على ما في نسخة مصححة أي تعداد نعم كثيرة وتذكار منح غزيرة وهو بالمعنى المصدري أنسب للعطف على ما قبله من المصادر وقال الدلجي تبعا لبعضهم بفتح همزته جمع عدد بمعنى ونعم معدودة وأغرب التلمساني بقوله ولا يصح الكسر هنا لمخالفة المعنى انتهى (وآتيناك نبأ القرآن العظيم) أي أعطيناك علم ما اشتمل عليه مما ذكر من قصص ومواعظ وبلاغة واعجاز وثناء على الله بما هو أهله وغير ذلك كذا قرره الدلجي والأظهر أن يخص النبأ بالقصص ليكون السابع للسبع المثاني ومع هذا لا يظهر وجه العدول عن نمط السابق من ذكر المصادر إلى الجملة الفعلية في المرتبة التفصلية (وقيل سمّيت أمّ القرآن) أي الفاتحة (مثاني: لأنّها تثنّى) بصيغة المجهول مثقلا ومخففا وهو أظهر لأن المثاني هو جمع المثنى كالمرامي جمع المرمى ونظيره المعنى والمعاني وقد أبعد التلمساني في قوله مثنى المعدول من اثنين اثنين أي تكرر (في كلّ ركعة) أي صلاة تسمية للشيء باسم جزئه أو في كل قومة باعتبار الركعة بعدها ففي الفائق أنها تثنى في قومات الصلاة أي في كل قومة أو في مجموع القومات وقيل سميت مثاني لأن آياتها نزلت مرة بمكة حين فرضت الصلاة ومرة بالمدينة حين حولت القبلة ثم سميت سبعا لأنها سبع آيات بالاتفاق غير أن منهم من عد التسمية آية دون انعمت عليهم ومنهم من عكس، (وقيل بل الله تعالى استثناها) أي خصها من بين الآيات (لمحمّد صلى الله تعالى عليه
[ ١ / ١٤٤ ]
وسلم، وذخرها) بالذال المعجمة أو أدخرها بالمهملة كما في نسخة أي جعلها ذخيرة (له دون الأنبياء) لما في مسلم والنسائي ورواه الحاكم أيضا وصححه من حديث ابن عباس بينا جبريل قاعد عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم سمع نقيضا أي صوتا من فوقه فرفع رأسه فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة الحديث والمعنى أنه خص بإعطاء معانيهما المأخوذة من مبانيهما فاندفع قول الدلجي تبعا للمنجاني وهذا لا يخص بالفاتحة بل جميع السورة كذلك (وسمّي القرآن مثاني: لأنّ القصص) بكسر القاف جمع القصة قبل وهي المراد هنا وبفتحها مصدر معناه الخبر والحكاية (تثنّى) بالتأنيث أو التذكير أي تكرر (فيه) والمثاني جمع مثناة أو مثنى من التثنية بمعنى التكرير أو من الثني بمعنى اللين والعطف لما فيه أيضا من تكرير الأوامر والنواهي والوعد والوعيد والأخبار والأمثال وغير ذلك أو من الثناء لما فيه من كثرة ذكره تعالى بصفاته العظمى وأسمائه الحسنى، (وقيل) أي عن الإمام جعفر الصادق (السّبع المثاني) أي معناه في قوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي (هو أنا أكرمناك بسبع كرامات: الهدى) هو وما بعده مجرور بدل بعض من كل أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف أي هي الهدى أو منصوب بتقدير أعني والمراد بالهدي الهداية الكاملة المتعدية المكملة ولا يلائم المقام تفسير التلمساني له بضد الضلالة، (والنبوّة) أي المتضمنة للرسالة وقال التلمساني أي الرفعة ولا يخفى أنه أحد معانيها اللغوية، (والرّحمة) أي لجميع الأمة، (والشّفاعة) أي العظمى يوم القيامة، (والولاية) وهي النصرة والانتقام من العدو بالغلبة، (والتّعظيم) أي ظهور العظمة، (والسّكينة) أي السكون والوقار والطمأنينة قيل فمن أوتي السبع المثاني باعتبار أخذ جميع المعاني أمن من الدخول في سبعة أبواب جهنم، (وقال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ [النحل: ٤٤]) أي القران وسمي ذكرا لأنه يذكر به الرحمن وموعظة وتنبيه للكسلان وشرف لأهل العرفان (الآية) يعني لتبين للناس أي الجن والإنس ففيه تغليب وقيل يشملهما ما نزل إليهم أي ما أمروا به ونهوا عنه وما أخبروا به وتشابه عليهم حكمه لإجماله والتبيين أعم من أن يكون بنص على المراد به أو بالرشاد إلى ما يدل عليه كأساس قياس وبرهان عقل وإيناس (وقال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ) أي حال كونك تكفهم وتمنعهم بشرعك عن ظلمهم وكفرهم فالتاء للمبالغة كما في علامة (بَشِيرًا) أي مبشرا (وَنَذِيرًا) [سبأ: ٢٨]) أي مخوفا للفجار (وقال تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف: ١٥٨]) حال من ضمير إليكم فإنه مفعول في المعنى (الآية) وتمامها الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، (قال القاضي) أي المصنف (﵀ فهذه) أي الآية (من خصائصه) جمع خصيصة أي خصلة لم يشاركه فيها أحد لورودها شاهدة باختصاصه برسالة عامة ومشعرة بأن كل رسول
[ ١ / ١٤٥ ]
بعث إلى قومه خاصة (وَقَالَ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ) أي بلغة قبيلته الذين هو منهم وبعث فيهم (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤]) ما أمروا به وما نهوا عنه فيفهموا عنه بيسر وسهولة أمر (فخصّهم بقومهم) أي لغة ورسالة ودعوة ونذارة وبشارة (وبعث محمّدا صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الخلق) أي المخلوقين (كافة) أي جميعا من الكف بمعنى الإحاطة والجمع أو من الكف بمعنى المنع أي لكفهم بدعوته عن أي يخرج منها أحد منهم لإحاطتها بهم (كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم: «بعثت إلى الأحمر والأسود») أي العرب والعجم كما تقدم وفي صحيح مسلم بعثت إلى الخلق وفي حديث بعثت إلى الناس كافة فإن لم يستجيبوا لي فإلى العرب فإن لم يستجيبوا لي فإلى قريش فإن لم يستجيبوا لي فإلى بني هاشم فإن لم يستجيبوا لي فإلى وحدي ذكره السيوطي في جامعه الصغير عن ابن سعد عن خالد بن معدان مرسلا وفيه كما في الآية السابقة إيماء إلى حكمة أنه بعث بلسان العرب وأن العجم أمروا بتتبع لغتهم مع كمال الأدب ولذا قال صلى الله تعالى عليه وسلم احبوا العرب لثلاث لأني عربي والقرآن عربي وكلام أهل الجنة عربي رواه الطبراني والبيهقي والحاكم وغيرهم عن ابن عباس وفيه إشعار بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما أرسل إلى العرب والعجم وهم مختلفوا الألسنة من الفارسية والتركية والهندية وغيرها مما يتعذر في العادة أن يكون واحد يعرف جميع اللغات المختلفة في أصناف المخلوقات اختار الله له سبحانه أفضل أنواعه وأمر الغير بتعلمه واتباعه مع أنه أيسر اللغات وأسهلها وأضبطها وأجمعها وأشملها وأيضا كان من أنفة العرب وغلاظتهم أنه لو نزل القرآن بلسان العجم أو لم يتكلم الرسول إلا بلغة غير العرب معهم لما آمنوا وتعللوا بما حكى الله تعالى عنهم في قوله تعالى وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لقالوا لولا فصلت آياته ءأعجمي وعربي وقال في موضع آخر ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ وفي الآيتين الشريفتين تشريف لطائفة العجم ولذا قال صلى الله تعالى عليه وسلم لو كان الدين أو العلم في الثريا لناله رجال من فارس (وقال تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ) أي أحق بهم في جميع أمورهم أو مقيد بأمر دينهم (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أي من أرواحهم فضلا عن آبائهم وأبنائهم (وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الأحزاب: ٦]) جمع أم أصلها أمهة وهي لغة قيل مختصة بالآدميات والأمات بالحيوانات وقيل الهاء زائدة (قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي ما أنفذه) بالنون والفاء والذال المعجمة أي أظهره وأمضاه (فيهم من أمر فهو ماض عليهم) أي ناقض وماض (كما يمضي حكم السّيد على عبده) إذ لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم فقوله كما يمضي كالنظير لأنه دون مرتبته في التأثير (وَقِيلَ اتِّبَاعُ أَمْرِهِ أَوْلَى مِنَ اتِّبَاعِ رَأْيِ النّفس) وهذا قول صحيح وعلى طبق ما تقدم صريح فتعبيره بقيل ليس لكونه كلاما غير مرضي بل لجلالة قائلة أو جهالة حاله وقد روي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم ندب إلى غزوة تبوك فقال أناس نستأذن آباءنا وأمهاتنا فنزلت ويدل على
[ ١ / ١٤٦ ]
هذا المعنى آيات أخر نحو قوله تَعَالَى قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ وكما قال تَعَالَى لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ وقال صلى الله تعالى عليه وسلم لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ من ولده ووالده والناس أجمعين رواه الشيخان وغيرهما عن أنس رضي الله تعالى عنه وقد ورد في بعض الأحاديث أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان لا يصلي على ميت وعليه دين وكان يقول صلوا على أخيكم فلما نزلت هذه الآية النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه ومن ترك مالا فهو لورثته وأخرج النسائي في السنن نحوه إلا أنه قال فلما فتح الله الفتوح ولم يقل فلما نزلت الآية، (وأزواجه أمّهاتهم أي هنّ) على ما في النسخ المصححة وقال التلمساني أي هم في الحرمة وضميرهم عائد إلى الأزواج وعليه الروايات هنا وعبر بضمير جماعة المذكرين اعتبارا للفظ الأزواج (في الحرمة) أي الاحترام والتعظيم (كالأمّهات) أي الحقيقة تنزيلا لهن منزلتهن في العظمة بل اللائق أن يكون لهن مزية تعظيما لحضره النبوة ثم إنهن فيما عدا ذلك كالأجنبيات ولذا حجبن ولم يتعد التحريم إلى بناتهن وهذا إنما هو فيمن دخل بها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من النساء وأما من تزوجها وفارقها قبل الدخول فليس لها هذا الحكم وقد كان عمر ﵁ أمر برجم امرأة فارقها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبل الدخول فنكحت بعده فقالت له لم وما ضرب رسول الله علي حجابا ولا دعيت أم المؤمنين فكف عمر عنها (حرم) بفتح الحاء وضم الراء ورفع قوله (نكاحهنّ) ويجوز ضم الحاء وكسر الراء المشددة أيضا وفي نسخة حرام بزيادة الألف وفي أخرى حرم بصيغة الفاعل من التحريم أي حرم الله ورسوله نكاحهن (عليهم بعده) أي بعد تزوجه لهن قيل ولو طلق قبل الدخول ببعضهن كما يستفاد من إطلاق قوله تَعَالَى وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا وإنما حرمهن عليهم (تكرمة له) أي لتكريمه وتعظيمه المستفاد من الآية (وخصوصيّة) أي بها يتميز عن غيره من إفراد أمته وهي بضم الخاء وقول الحجازي بفتحها سهو (ولأنّهنّ له أزواج في الجنّة وفي الآخرة) قال البغوي وكذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أزواجهم لهم في الآخرة وفي نسخة في الجنة والظاهر ان هذا مقيد بمن مات منهن في عصمته أو هو توفي عنهن وهن في عدته لتخرج من اختارت الدنيا حين نزلت آية قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا الآية فإنها كانت في آخر عمرها تلتقط البعر في سكك المدينة وأيضا لما أراد صلى الله تعالى عليه وسلم أن يطلق سودة قالت لا تطلقني يا رسول الله ويومي لعائشة رضي الله تعالى عنها لأني أريد أن أكون من نسائك في الجنة أو قولا هذا معناه (وقد قرىء)
[ ١ / ١٤٧ ]
أي في الشواذ قيل وهي قراءة مجاهد ونسبت إلى أبي بن كعب أيضا (وهو أب لهم) إذ كل نبي أب لأمته كما قال الله تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ من حيث إن به حياتهم الأبدية وتعلم الآداب الدينية ومن ثم صاروا أخوة في الدين كما قال الله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ من حيث انتسابهم إلى أصل واحد هو الإيمان الناشىء عنه صلى الله تعالى عليه وسلم (ولا يقرأ به) بصيغة المجهول أي ولا يجوز أن يقرأ به أحد (الآن) أي في هذا الزمان (لمخالفته المصحف) بتثليث الميم والضم أتم وهو ما يجمع فيه القرآن لقول عائشة رضي الله تعالى عنها ما بين دفتي المصحف كلام الله والمراد من المخالفة عدم وجود تلك الجملة من جميع المصاحف العثمانية إذ أحد أركان القراءة هي المطابقة الرسمية وثانيها الموافقة العربية وثالثها النقل المواتر الإجماعية والعمدة هي الأخيرة والأخريان تابعتان لها لازمتان لوجودها واختلف في محل الجملة الشاذة فقيل قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قبل قوله وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وقراءة أبي بعده وروي عن عكرمة أنه قال وهو أبوهم وهو أشبه بالتفسير وعلى جميع التقادير هو من باب التشبيه البليغ نحو زيد أسد أي كالأسد لا على الحقيقة أي إلا فيمن له الولادة وأما ما ذكره الدلجي أن المراد بالمصحف هو الإمام الذي نسخه عثمان وعليه الناس فقد يوهم أنه مصحف خاص وليس كذلك بل المراد المصاحف التي كتبت بأمره واختلف في عددها فأرسل واحدا إلى مكة وآخر إلى الشام وآخر إلى الكوفة وآخر إلى البصرة وأبقى عنده واحدا في المدينة والآن لم يتحقق وجود واحد منها في محالها (وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
[النساء: ١١٣] الآية) أي وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا
أي فيما أنعم عليك وبما علمك في خفيات الأمور وأمور الدين ومعارف اليقين وفي بعض النسخ (وأنزلنا عليك الكتاب والحكمة) وهو لا يصح لمخالفته تنزيل الآية (قيل فضله العظيم بالنّبوّة) وفي نسخة النبوة إذ لا فضل أعظم منها إذا قرنت بالرسالة العامة (وقيل بما سبق له في الأزل) أي من تعلق العناية القديمة العظمى حيث جعل رئيس من سبقت له الحسنى كما بدل عليه خلق نوره أولا وجعله نبيا في عالم الأرواح قبل ظهور الأشباح (وأشار الواسطي إلى أنّها) أي هذه الآية (إشارة إلى احتمال الرّؤية) أي تحملها وإطاقتها (الَّتِي لَمْ يَحْتَمِلْهَا مُوسَى ﵇) .
[ ١ / ١٤٨ ]
الْبَابُ الثَّانِي [فِي تَكْمِيلِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ المحاسن خلقا وخلقا]
أي من القسم الأول وفصوله سبعة وعشرون بعد صدر الباب على ما سبق في أول الكتاب (في تكميل الله تعالى له المحاسن) جمع حسن على غير قياس والمراد بها الأوصاف المستحسنة (خلقا وخلقا) بفتح الخاء في الأول وبضمها وضم اللام وسكونها في الثاني وهما منصوبان على التمييز أي محاسن خلقه وخلقه من صورته الظاهرة الطاهرة وسيرته الباطنة الباهرة (وقرانه) أي وفي مقارنة ذاته ﵊ (جميع الفضائل الدينية والدنيوية فيه نسقا) بفتحتين أي من جهة كون بعضها تبعا لبعض من الصفات المتوالية والمكارم المتعاقبة.
(اعلم أيّها المحبّ لهذا النّبيّ الكريم) خطاب عام في موضع التفخيم أو خاص لمن سأله هذا التأليف المتضمن للتعليم ويؤيده قوله (الباحث) أي المفتش والمتفحص (عن تفاصيل جمل قدره) أي مجملات مقداره (العظيم) والجملة الندائية معترضة بين الخطاب وما خوطب به من الجملة الفعلية (أنّ خصال الجمال والكمال) وفي نسخة الجمال بدل الجلال والجمال تمام الصورة والجلال ظهور العظمة والأولى على ما عرف في علم الأخلاق أن يقال إن خصال الجمال والجلال المقتضية للكمال (في البشر نوعان: ضروريّ) أي أحدهما ضروري (دنيويّ) أي مما لا بد له منه فيها (اقتضته الجبلّة) بكسر الجيم والموحدة وتشديد اللام أي دعته الخلقة التي خلق عليها وطبيعته التي جبل للميل إليها ومنه قوله تعالى وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ وقرأها الحسن بالضم وقال التلمساني وبسكون الباء وفتح اللام مخففة فتثليث الجيم بالهاء وبدونها والجبل يضم ويشدد ومنه قوله تعالى وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا (وضرورة الحياة الدّنيا) أي واقتضته الحاجة الضرورية الكائنة في الحياة الدنيوية مما ليس اختياريا، (ومكتسب) بصيغة المجهول أي وثانيهما مكتسب (دينيّ وهو ما يحمد فاعله) أي مما يتوقف اكتسابه على الشرع من الكمالات العلمية التي أعظمها معرفة الله وصفاته العلية (ويقرّب) بكسر الراء المشددة وفي نسخة بصيغة المجهول أي ما يقرب به (إلى الله تعالى زلفى) أي قربة اسم مصدر لا زلف وفيه أن التقسيم غير جامع لأنه غير شامل للوهبي الحاصل بالجذبة دون الخلقة الأصلية ولا بالتعلقات العارضية؛ (ثمّ هي) أي الخصال (على فنّين) بفتح فاء وتشديد نون (أيضا) أي صنفين (منها) أي من الخصال (ما يتخلّص) أي يتمحض (لأحد الوصفين) أي من الضروري والكسبي من غير امتزاج وتداخل بحيث لا يصدق عليه اسم الآخر ضروريا أو كسبيا (ومنها ما يتمازج ويتداخل) عطف تفسير أي يتخالط بأن يكون
[ ١ / ١٤٩ ]
ضروريا وكسبيا كما سيأتي بيانهما ويظهر شأنهما. (فأمّا الضّروريّ المحض) أي الخالص الذي لا يكون مكتسبا (فما ليس للمرء) بفتح فسكون فهمز والحسن لا يهمز ويخفف وابن إسحاق يضم الميم والهمز والعقيلي بكسر الميم والهمز ومؤنثه المرآة كذا ذكره التلمساني والأظهر أنه الشخص بالمعنى الأعم والله أعلم (فيه اختيار) أي في حصوله (ولا اكتساب) أي في وصوله أي بل فيه اضطرار واضطراب في تحصيله (مِثْلُ مَا كَانَ فِي جِبِلَّتِهِ مِنْ كَمَالِ خلقته وجمال صورته) فيه من البديع صنعة جناس لاحق بين كمال وجلال (وقوّة عقله) أي تعقله قال التلمساني مذهب أهل اللغة أن العقل هو العلم وقيل بعض العلوم الضرورية وقيل قوة تميز بها بين حقائق المعلومات ومحله عند أهل السنة القلب بدليل قوله تعالى فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها وقال المعتزلة محله الدماغ ووافقهم أبو حنيفة والفضل بن زياد (وصحّة فهمه) أي إدراكه (وفصاحة لسانه) أي طلاقته وطراوة بيانه مع رعاية مطابقته ووضوح دلالته (وقوّة حواسّه) أي من سمعه وبصره وشمه وذوقه ولمسه (وأعضائه) جمع عضو بضم العين وكسرها أي جوارحه وقد قيل ليس في الإنسان جارحة أحب إلى الله ﷿ من اللسان ولذلك أنطقه الله بتوحيده فإذا فحش ولم يحل اللسان فبأي شيء يذكر ويناجي ويدعو ويتلو، (واعتدال حركاته) أي وسكناته بسلامتهما من آفتهما فهو من باب الاكتفاء (وشرف نسبه) إذ في الغالب أن من تحلى به ربأ بنفسه من سفاسف الأمور إلى أعاليها ومن ذمائم الصفات إلى معاليها (وعزّة قومه) أي وغلبة قبيلته إذ المؤمن كثير بأخيه كما قال تعالى حكاية عن موسى ﵇ وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (وكرم أرضه) أي طيب مكانه الذي نشأ فيه بأن يكون بلد المسلمين ومنزل الصالحين وأبعد التلمساني في تخصيص أرضه بأرض مكة إذ ليس الكلام في خصوصه ﵊ (ويلحق به) أي يتصل بالضروري المحض وفي نسخة بصيغة المجهول واقتصر عليه الحلبي أي ويوصل به (ما تدعوه) أي كل شيء من الأمور العادية تدعو المرء (ضرورة حياته) أي شدة احتياجه فيها (إليه من غذائه) بكسر الغين وبالذال المعجمتين على ما في الأصول المصححة وعلى ما ذكره أهل الحواشي المعبرة ما يتغذى به من الطعام والشراب وما به نماء الجسم وقوامه وأما الغذاء بفتح أوله وبدال مهملة فهو طعام الغدوة من الطلوع إلى الزوال ضد العشاء بالفتح وهو غير ملائم لمقام المرام فتجويز الدلجي الوجهين وتقديم الثاني على الأول وتفسيره بقوله هو الطعام بعينه ليس في محله وكذا تقييد المحشي للأول بالقصر والثاني بالمد (ونومه) أي في ليلة ونهاره (وملبسه) بفتح الموحدة (ومسكنه) بفتح الكاف وكسرها (ومنكحه) بفتح الكاف مصادرا وأسماء لما يلبس ويسكن وينكح (وماله) أي جميع ما ينتفع به من الأمور الحسية (وجاهه) أي قدره ومنزلته واعتباره من الأحوال المعنوية قيل هو والوجه بمعنى قلب منه لأنه إن توجه بوجهه قبل منه، (وقد تلحق) ضبط معروفا ومجهولا (هذه الخصال الآخرة) أي الأخيرة المتعلقة بالأمور العادية الواقعة في
[ ١ / ١٥٠ ]
الأحوال الدنيوية (بالأخرويّة) أي بالخصال الأخروية (إذا قصد بها التّقوى) مصدر تقوى من باب التفعل أي طلب القوة على الطاعة وفي نسخة التقوى بالتخفيف أي إذا كانت مقترنة بتقوى الله (ومعونة البدن) أي إذا قصد بها مساعدته ومعاونته (على سلوك طريقها) أي سبيل الآخرة وأبعد الدلجي تبعا للتلمساني في قوله أي طريق الخصال الأخروية (وكانت) أي تلك الخصال الملحقة (على حدود الضّرورة) أي على طبق داعية الحاجة وقدر الكفاية من غير زيادة (وقوانين الشّريعة) وفي نسخة قواعد الشريعة أي وكانت أيضا على وفق الأصول الشرعية مما أبيح وجوز له من ارتكابه وهذا معنى قولهم في حديث إنما الأعمال بالنيات أن العادات تصير بالنيات عبادات؛ (وأمّا المكتسبة الأخرويّة) أي الخصال المكتسبة المستفادة المتعلقة بالأمور الأخروية (فسائر الأخلاق العليّة) أي جميعها وهي صفات وأحوال وأفعال وأقوال يحسن بها حالة الإنسان بينه وبين خالقه وأبناء جنسه (والآداب الشّرعية من الدين) أي الإيمان بما يجب تصديقه والطاعة فيما يجب عمله وتركه (والعلم) أي معرفة النفس ما لها وما عليها مما به تمام معاشها ونظام معادها (والحلم) أي الصبر على الايذاء وعدم العجلة في العقوبة على الاعداء (والصّبر) أي على أنواع المصائب وأصناف البلاء وأجناس القضاء (والشّكر) أي بالثناء على المنعم بما أولاه من النعماء وأن يصرف جميع النعم إلى ما خلقت لأجله في مقام رضى المولى (والعدل) ضد الميل عن الحق بالجور وهو ملكة يقتدر بها على اجتناب ما لا يحل فعله في باب الحكومة وقد ورد كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته وقال الله تعالى إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (والزّهد) أي عزفة النفس وقلة ميلها إلى الدنيا والمشتهيات وترك ما عدا الضروريات من المباحات أو ترك ما سوى الله مريدا به وجه الله وهو زهد المقربين (والتّواضع) أي لين الجانب والتذلل للصاحب، (والعفو) أي الصفح والمجاوزة وعدم المؤاخذة، (والعفّة) وهي قمع النفس عن المعصية أو مختصة بالزنا ونحوها وأغرب التلمساني بقوله وهو العفو عما يشين ويعيب وتركه اختيارا، (والجود) وهو الكرم المحمود بأن يكون بين طرفي افراط يسمى سرفا وتفريط يسمى بخلا وقد قيل لا سرف في خير ولا خير في سرف فهو بذل ما ينبغي فيما ينبغي كما ينبغي (والشّجاعة) وهي صفة حميدة متوسطة بين التهور والجبن (والحياء) بالمد وهو انقباض الروح عن القبيح حذرا من الذم متوسط بين وقاحة وجراءة على القبائح وعدم المبالاة بها وبين الخجالة والانحصار عن الفعل مطلقا وهو محمود إذا كف عن المعصية وذمائم الخسة ومذموم إذا كف عن تحصيل الفريضة واكتساب الفضيلة والأول من الرحمن والثاني من الشيطان (والمروة) بضم الميم والراء وتشديد الواو وقد يهمز وهو الإنسانية وكمال المرء بالأخلاق الزكية والتبعد عن الأمور الدنية (والصّمت) أي السكوت عن غير الخير لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت (والتّؤدة) بضم ففتح همز وقد تبدل واوا وهي بمعنى التأني وعدم العجلة لما قيل:
[ ١ / ١٥١ ]
قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل
وفي نسخة التودد من المودة أي التحبب إلى الصلحاء والفقراء والضعفاء فإنهم في الآخرة ملوك وشفعاء (والوقار) بفتح الواو أي الرزانة والطمأنينة وعدم الطيش والخفة (والرّحمة) أي التعطف والرأفة (وحسن الأدب) فإنه أحسن من الذهب وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم أدبني ربي فأحسن تأديبي وجعل حسن الأدب من جملة الآداب الشرعية لأنه حالة خاصة من عموم الأحوال المرضية لحديث أن من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه (والمعاشرة) أي المخالطة بالمخالقة على وجه الموافقة لقوله ﵊ خالق الناس بخلق وقوله خياركم أحسنكم أخلاقا ومن كلام الشيخ أبي مدين المغربي حسن الخلق معاملة كل شخص بما يؤنسه ولا يوحشه (وأخواتها) أي أشباهها من الأخلاق الحميدة المفصلة في نحو كتاب الاحياء والعوارف والرسالة «١» (وهي) أي هذه الملكات النفسانية المكتسبة (التي جماعها) بكسر الجيم أي جمعها واجتماعها كذا قيل وفي الحديث الخمر جماع الإثم لأنها تجمع عددا منه والأظهر أن يقال مجمعها ومجتمعها (حسن الخلق) أي المحمود عند جميع الخلق وقد قال تعالى لنبيه ﵊ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ وكان خلقه القرآن يأتمر بأوامره وينزجر بزواجره ويرضى برضاه ويسخط بسخطه ومجمله قوله تعالى خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ وقال جبريل عند نزوله هو أن تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطي من حرمك. (وَقَدْ يَكُونُ مِنْ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ مَا هُوَ في الغريزة) أي مخلوق ومودع في السجية والطبيعية وهي بفتح غين معجمة وكسر راء مهملة ثم زاء. (وأصل الجبلّة) أي الفطرة (لبعض النّاس) أي ممن طبع عليه في أول خلقته وابتداء نشأته ومنه قول القائل:
كل امرئ راجع يوما لشيمته وإن تخلق أخلاقا إلى حين
(وبعضهم لا تكون فيه فيكتسبها) بالرفع أي فهو يحصلها للاقتداء بغيره فيها فتصير له كالغريزة وقال الحلبي هو بالنصب جواب النفي انتهى وفيه بحث لا يخفى (وَلَكِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مِنْ أصولها في أصل الجبلّة شعبة) أي شائبة وقطعة خلق عليها ليرجع فيما يكتسبه إليها بميل طبعه الأول فيها (كما سنبيّنه إن شاء الله تعالى وتكون) أي تصير (هذه الأخلاق دنيويّة إذا لم يرد) بصيغة المفعول أي لم يقصد (بها وجه الله والدّار الآخرة) أي بخلاف ما إذا أريد بها ذلك فإنها صارت حينئذ قربات عند الله فيثاب عليها (ولكنّها) أي الغريزة وإن لم يرد بها ذلك (كلّها) بالنصب أي جميعها (محاسن وفضائل) أي باعتبار افرادها (بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِ الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ. وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي موجب حسنها) بكسر الجيم لا بفتحها كما قال التلمساني وسبقه الانطاكي لأنه بمعنى المقتضي وهو لا يناسب المقام كما لا يخفى أي سببها وباعثها
_________________
(١) هي للإمام الأستاذ أبي القاسم القشيري قاله مصححه طاهر.
[ ١ / ١٥٢ ]
(وتفضيلها) أي وفي تفضيلها على غيرها أو بعضها على بعض أهو ذاتي اقتضته ذواتها وطبائعها أو يخلق الله تعالى له في ذواتها قولان ثانيهما هو الحق لاستناد جميع الكائنات إليه ابتداء إذ هو الخالق وحده وهي ملكات محمودة مكملة للإنسان وإن تفاوتت النفوس بحسب الفطرة وفي الكمال باعتبار زيادة اعتدال الابدان فكلما كان البدن أعدل كانت النفوس الفائضة أكمل وإلى الخيرات أميل وللكمالات أقبل وعكسه عكسه كما قيل الظاهر عنوان الباطن ثم لا نزاع في أنها من واجبات العقل لحكمه بها من حيث إنها صفات كمال ثم ورد الشرع مؤيدا له ومقررا لحكمه بها وإنما النزاع في أن العاقل قبل وروده أو بعده ولم يبلغه هل يجب عليه بعض الأفعال أو يحرم بعضها بمعنى استحقاق الثواب والعقاب في الآخرة أم لا فعندنا لا إذ لا حكم له ولا إثابة ولا تعذيب قبل وروده وعند المعتزلة نعم بناء على مسألة الحسن والقبح كذا حققه العلامة الدلجي وقال المنجاني ذهب بعضهم إلى أن جميع الأخلاق سيئها وحسنها جبلة وغريزة في العبد ليس فيها اكتساب وإلى هذا مال الطبراني وحكاه عن ابن مسعود والحسن وذهب بعضهم إلى أن جميع هذه الأخلاق إنما هي من كسب العبد باختياره وليس في جبلته شيء منها مخلوقا وهذا مذهب طائفة كثيرة من السلف وذهب الباقون إلى ما ذكره القاضي وعليه المحققون وقال الانطاكي لا شك أن الإنسان لا اختيار له في تغيير خلقتها الأصلية وهيئتها الجبلية فالطويل لا يمكن أن يجعل نفسه قصيرا ولا القصير طويلا ولا القبيح يقدر على تحسين صورته ولا على عكس هيئته وأما الأخلاق المكتسبة من الجود والشجاعة والتواضع والعفة فقد تكون في بعضهم غريزة وجبلة بجود الهي وكمال فطري بحيث يخلق ويولد كامل الأخلاق والآداب كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبعضهم لا تكون فيه فيكتسبها بالمجاهدة والرياضة بأن يحمل النفس على الأعمال التي يقتضيها الخلق المطلوب فمن أراد مثلا أن يجعل لنفسه خلق الجود فيتكلف تعاطي فعل الجود ويواظب عليه فإنه يصير ذلك عادة له وطبعا فيصير جوادا وكذا من أراد أن يجعل لنفسه خلق التواضع فيواظب على أفعال المتواضع مدة مديدة يصير التواضع له خلقا وكذا جميع الأخلاق المحمودة يمكن تحصيلها بهذا الطريق فإذا الأخلاق الحسنة قد تكون بالطبع أغنى الفطرة وقد تكون بالطبع أغنى باعتبار الأفعال الجميلة وزعم بعض من غلبت عليه البطالة وما اشتغل بالمجاهدة في تهذيب الأخلاق أن الرياضة لا تؤثر في تغيير الأخلاق أنها طباع لا تتغير كالخلقة لكنا نقول لو كانت الأخلاق لا تتغير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات ولما قال صلى الله تعالى عليه وسلم حسنوا أخلاقكم وكيف ينكر هذا في حق الآدمي وتغيير خلق البهيمة ممكن إذ ينقل الصيد من التوحش إلى الأنس والكلب من الأكل إلى التأديب والفرس من الجماع إلى السلاسة وكل ذلك تغيير الأخلاق بتوفيق الملك الخلاق.
فصل [قال القاضي رحمه الله تعالى إذا كانت خصال الكمال والجلال]
أي هذا فصل في تعداد خصال حميدة اختص بها ذاته السعيدة مجملة وتذكر فيما بعده
[ ١ / ١٥٣ ]
من الفصول العديدة مقتبسة من الكتاب والسنة (قال القاضي رحمه الله تعالى) كذا في نسخة (إذا كانت خصال الكمال والجلال ما ذكرناه) أي في الفصل السابق (ووجدنا) وفي نسخة ورأينا أي علمنا (الواحد منّا يتشرّف) بضم الراء أي يصير شريفا رفيعا وفي نسخة بصيغة المجهول من التشريف أي يكرم ويعظم وفي أخرى يتشرف أي يفتخر (بواحدة منها) أي ولو في أقل مراتبها (أو اثنتين) أي منها (إن اتّفقت) أي هذه الخصلة وفي نسخة إن اتفقنا (له في كلّ عصر) متعلق باتفقت والعصر مثلثة وأبعد الدلجي في تجويز تعلقه بتشرف وتقديمه وفي نسخة زيادة (وأوان) عطف خاص على عام فإن العصر الدهر وهو الزمان والأوان زمان مخصوص كزمان الربيع والداعي إلى عطفه الخطابة في أن كل وقت لا يخلو من أحد يشرف بذلك ثم ما يشرف به لا يخلو من أن يكون (إمّا من نسب) أي رفعه نسب (أو جمال) أي حسن صورة (أو قوّة) أي بدنية متحملة لمزاولة أفعال شاقة والقدرة أخص منها لاشتراط الإرادة فيها إذ هي التمكن من إظهار القوة مع الإرادة (أَوْ عِلْمٍ أَوْ حِلْمٍ أَوْ شَجَاعَةٍ أَوْ سماحة) أي جود وعطاء ومسامحة ومساهلة (حتّى يعظم قدره) غاية لوصفه بما ذكر أي يرفع شأنه بين الرجال (ويضرب) بصيغة المجهول أي يبين ويعين (باسمه الأمثال) فيقال أجود من حاتم وأعدل من نوشيروان أو هو حسان زمانه أو مجتهد أوانه أو أشجع اقرانه أو أسخى إخوانه (ويتقرّر) أي يثبت (له بالوصف بذلك) أي بسبب اتصافه أي بما ذكر من الصفات (في القلوب) أي في قلوب الخلق من أهل الحق (أثرة) بضم همزته وكسرها وفتحها وسكون المثلثة وبفتحهما أي مكرمة يتفرد بها (وعظمة) عطف تفسير في المعنى (وهو) أي ذلك الواحد منا (منذ) بضم ميم وتكسر بمعنى مذ (عصور خوال) أي والحال أنه من ابتداء دهور خالية وأزمنة ماضية، (رمم) بكسر راء وفتح ميم أي رميم جمع رمة عظامه (بوال) أي بالية متفتتة اعضاؤه وأجزاؤه فالمغايرة حاصلة بينهما خلاف ما فهمه الدلجي وجعلها عطف بيان كأبي حفص عمر ثم إذا كان الأمر كما ذكر (فَمَا ظَنُّكَ بِعَظِيمِ قَدْرِ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ كلّ هذه الخصال) أي الحميدة العديدة (على وجه الكمال) وهو استفهام يورث تعجبا من هذه الحالة لا سيما وهي منضمة (إلى ما لا يأخذه عد) أي إحصاء من خصال لا توجد إلا في الأنبياء والأصفياء وأرباب الكمال (ولا يعبّر عنه مقال) أي لا يحصره قول (ولا ينال) بضم الياء أي لا يحصل (بكسب ولا حيلة) أي باكتساب ولا باحتيال (إلّا بتخصيص الكبير المتعال) أي بطريق التفضل والهبة والجذبة والعناية من العظيم الشأن في ذاته المستعلي على كل شيء بقدرته أو الكبير عن نعت المخلوقين والمتعالي عن مشابهة الامثال (من فضيلة النّبوّة) بيان لما وهي بالهمز بناء على أنه من النبأ بمعنى الخبر لإنباء الله تعالى إياه وإخباره عنه ﷾ أو بتشديد الواو بناء على إبداله أو على إنه مأخوذ من النبوة بمعنى الرفعة فإن النبي ﵊ رفيع الشأن عظيم البرهان (والرّسالة) وهي كونه واسطة بين الله تعالى وبين عباده والرسالة أخص من النبوة فإن الرسول هو المأمور بتبليغ الأحكام والنبي هو الذي
[ ١ / ١٥٤ ]
أوحي إليه سواء أمر بالتبليغ أم لا (والخلّة) بضم الخاء أي الخصلة التي توجب الاختصاص من صفاء المودة حيث تتخلل النفس وتخالطها (والمحبّة) وهي مودة تشق شغاف القلب وتصل إلى سويداء الفؤاد (والاصطفاء) أي بالخصائص الروحانية والجسمانية لقوله تعالى اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ (والإسراء) أي إلى السماء (والرّؤية) أي رؤية الله تعالى بالبصر أو بالبصيرة أو رؤيته من آيات ربه الكبرى لحديث البخاري رأى رفرفا أخضر في الجنة قد سد الأفق وحديث مسلم رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ ومع وجود هذه الاحتمالات في عبارة الرؤية لا يرد ما قاله الحلبي من أن المؤلف لم يترجح عنده أنه ﵊ رأى ولا ما رأى كما سيأتي ذلك وهنا قد جزم بها فهذا تناقض على انه قد يقال تردد هناك وجزم هنا والله أعلم (والقرب والدّنوّ) أي قرب مكانة ودنو رفعة (والوحي) أي في ذلك المكان الأعلى (والشّفاعة) أي العظمى، (والوسيلة) وهي منزلة في الجنة وهي أعلى العليا (والفضيلة) أي زيادة المرتبة على العامة والخاصة من حسن المنقبة (والدّرجة الرّفيعة) أي في الجنة العالية أو يوم القيامة أو ليلة الإسراء (والمقام المحمود) لحديث أبي حاتم يبعث الله النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تل فيكسوني ربي حلة خضراء فَأَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَقُولَ فَذَلِكَ المقام المحمود انتهى وبه يحصل الفرق بينه وبين الشفاعة الكبرى (والبراق) أي ركوبه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، (والمعراج) من الصخرة إلى السماء فإلى الجنة والعرش وما فوقه من المقام الأعلى وهو بكسر أوله لم من نور من السماء إلى الأرض فيه تصعد الملائكة وهو الذي يمد إليه الميت بصره على ما ذكره التلمساني وقد سبق ما يتعلق بالبراق في أول الكتاب مما يغني هنا عن الإطناب، (والبعث إلى الأحمر والأسود) لحديث بعثت إلى الأحمر والأسود أي العجم والعرب أو الإنس والجن أو الخلق كافة لحديث مسلم بعثت إلى الخلق كافة (والصّلاة بالأنبياء) أي ببيت المقدس عند الصخرة تارة وأخرى بالسماء (والشّهادة بين الأنبياء والأمم) أي يوم القيامة كما مر عند قوله تعالى لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ الآية (وسيادة ولد آدم) لحديث أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر بل سيادة جميع العالم لحديث أنا سيد الأولين والآخرين ولا فخر (ولواء الحمد) أي المشار إليه بقوله ﵇ آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة وقوله بيدي لواء الحمد يوم القيامة وفي الرياض النضرة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم سئل عنه فقال له ثلاث شقق ما بين السماء والأرض على الأولى مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم وفاتحة الكتاب وعلى الثانية لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وعلى الثالثة أبو بكر الصديق عمر الفاروق عثمان ذو النورين علي المرتضى (والبشارة والنّذارة) بكسر أولهما لقوله تعالى إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (وَالْمَكَانَةِ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ وَالطَّاعَةِ ثُمَّ وَالْأَمَانَةِ) أي كونه مطاعا أمينا لقوله تعالى إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ على قول بعض المفسرين (والهداية) أي القاصرة لقوله تعالى وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا
[ ١ / ١٥٥ ]
والمتعدية لقوله ﷾ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (ورحمة للعالمين) لقوله تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (وإعطاء الرّضى) لقوله تعالى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (والسّؤل) بضم السين وسكون الهمزة ويبدل بمعنى المسؤول ومنه قوله تعالى قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ولا شك أنه أفضل الخلق فهو به أحق (والكوثر) وقد مر (وسماع القول) لحديث الشفاعة وقل تسمع واشفع تشفع (وإتمام النّعمة) لقوله تعالى وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ (والعفو عمّا تقدّم وما تأخّر) وفي نسخة وما تأخر لقوله تَعَالَى لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ (وَشَرْحِ الصَّدْرِ وَوَضْعِ الْإِصْرِ وَرَفْعِ الذّكر) لقوله تعالى أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (وعزّة النّصر) لقوله تعالى وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (ونزول السّكينة) وهي الطمأنينة (والتّأييد) أي التقوية (بالملائكة) لقوله فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها أي بملائكته يوم بدر وحنين والأحزاب وعن كعب قال ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون الفا من الملائكة حتى يحفوا بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك حتى إذا انشقت الأرض خرج في سبعين ألفا من الملائكة رواه البيهقي في شعبه وفي صحيح الدارمي نحوه (وإيتاء الكتاب والحكمة) لقوله تعالى وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
(والسّبع المثاني والقرآن العظيم) لقوله تَعَالَى وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (وتزكية الأمّة) أي أمته يوم القيامة لقوله تعالى وَيُزَكِّيهِمْ أي إذا شهدوا للأنبياء حين أنكرت أممهم التبليغ والإنباء (والدّعاء إلى الله) لقوله تعالى وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ (وصلاة الله تعالى والملائكة) أي وملائكته عليه لقوله تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ (والحكم بين النّاس بما أراه الله) أي بما أعلمه الله وبين حكمه وألهمه لقوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بما أراك الله (ووضع الإصر) بكسر الهمزة قيل وتضم أي حط العهد الثقيل والتكليف الوبيل وقيل المراد به العقوبة من نحو المسخ (والأغلال) أي العبادات الشاقة (عنهم) أي عن أمته لقوله وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ وهي جمع غل وهو ما يوضع في العنق شبه ما كان لازما لهم من مشاق الأعمال بالأغلال (والقسم باسمه) أي الحلف بعمره لقوله تعالى لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (وإجابة دعوته) أي في مواطن كثيرة كبدر إذ قال اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد بعد اليوم (وتكليم الجمادات) لحديث البخاري إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قيل هو الحجر الأسود وقيل الحجر المذكور في جدار زقاق الحجر (والعجم) بضم فسكون جمع أعجم وهو من الحيوان ما لا يقدر على الكلام ومنه الحديث إذا ركبتم هذه الدواب العجم وحديث العجماء جبار أي وتكليم البهائم كنطق الضب والظبي والجمل وحماره ﵊ الذي قال له اسمي يزيد بن شهاب حين قال له يعفور (وإحياء الموتى) أي المعنوية والحسية لما ورد
[ ١ / ١٥٦ ]
أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما قفل من غزاة فمات بعير بعض أصحابه دعا الله فأحياه حتى ركبه إلى المدينة ثم مات وكما روي في قصة البنت التي طرحها أبوها في الوادي فماتت (وإسماع الصّمّ) كأمره صلى الله تعالى عليه وسلم الحجارة أن يجتمعن لقضاء حاجته فتعاقدن حتى صرن ركاما على ما في الصحيح (ونبع الماء من بين أصابعه) لما في البخاري عن جابر فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه (وتكثير القليل) لحديثي أنس في قصة أبي طلحة وزاد في البخاري فإنه أمر بما بقي منه فجيء بقليل منه فدعا وبرك فيه فكثر حتى ملؤوا كل وعاء معهم (وانشقاق القمر) قال أنس سأله قريش آية فانشق مرتين وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما انفلق فلقتين ذهبت فلقة وبقيت فلقة وعن ابن مسعود رأيت حراء عليه فلقتي القمر (وردّ الشّمس) أي في الخندق وصبيحة الإسراء وأما ما ذكره التلمساني من أنها وقفت ليلة الإسراء أو زيد في كمية الليل فلا يصح بل هو من بسط الزمان من غير تغير في ظاهر العيان (وقلب الأعيان) أي الذوات الثابتة لحديث عكاشة كان معه صلى الله تعالى عليه وسلم يوم بدر عصا فصارت بيده سيفا صارما (والنّصر بالرّعب) بسكون العين ويضم أي بالخوف لقوله تعالى وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ولحديث نصرت بالرعب (والاطلاع على الغيب) أي اطلاعه على بعض المغيبات لحديث خروج الدجال والدابة وغيرهما فالاطلاع بتشديد الطاء وهو مطاوع الاطلاع بالتخفيف لأن الله ﷿ هو الذي أطلعه ويمكن أن يكون هنا بالتخفيف والتقدير اطلاع الله إياه وأما قول التلمساني ولا يشدد لفساد المعنى فغفلة عن تحقيق المبنى (وظلّ الغمام وتسبيح الحصى) أي في كفيه الكرام، (وإبراء الآلام) لأحاديث بها رواها الاعلام والآلام جمع الألم والله أعلم (والعصمة من النّاس) لقوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (إلى) أي منتهية هذه الفضائل البهية إلى (ما لا يحويه محتفل) بكسر الفاء أي لا يشمله جامع مهتم بجمعه لكثرة إفراده، (ولا يحيط بعلمه إلّا مانحه) أي معطيه صلى الله تعالى عليه وسلم (ذلك ومفضّله) أي ولا يحيط بعلمه إلا مفضله على غيره (به لا إله غيره إلى) أي منضمة هذه إِلَى (مَا أَعَدَّ لَهُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، من منازل الكرامة، ودرجات القدس) بضم وبضمتين أي المنزهة عن النقصان والزوال في الجنة العالية (ومراتب السّعادة والحسنى) أي والمثوبة الحسنى مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (والزّيادة التي تقف دونها العقول ويحار) بفتح الياء أي يتحير في معرفتها ويحيل إحاطتها (دون ادانيها) أي عند أوائلها فضلا عن أقاصيها وفي نسخة عند إدراكها (الوهم) أي أوهام الخواص والعوام ولعلها رؤية الملك العلام لقوله تعالى لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وقد جاء تفسيرها في الحديث الصحيح بالرؤية رزقنا الله تعالى تلك السعادة وختم لنا بالشهادة قال التلمساني وروي أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حاز خصال الأنبياء كلها واجتمعت فيه إذ هو عنصرها ومنبعها فأعطي خلق آدم ومعرفة عيسى وشجاعة نوح وخلة إبراهيم ولسان إسماعيل ورضى إسحاق وفصاحة صالح وحكمة لوط وبشرى يعقوب وجمال يوسف وشدة موسى وصبر
[ ١ / ١٥٧ ]
أيوب وطاعة يونس وجهاد يوشع وصوت داود وحب دانيال ووقار إلياس وعصمة يحيى وزهد عيسى وأغمس صلى الله تعالى عليه وسلم في جميع أخلاق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وليقتبسوها منه وقد أفصح بذلك البوصيري حيث قال:
فكل آي أتى الرسل الكرام بها فإنما اتصلت من نوره بهم
فصل [إن قلت أكرمك الله تعالى لا خفاء على القطع بالجملة]
أي في جمل من أوصافه صلى الله تعالى عليه وسلم (إن قلت أكرمك الله) جملة دعائية معترضة بين القول ومقوله (لا خفاء على القطع بالجملة) أي بطريق الإجمال في التفضيل لا بطريق التفصيل إذ قد يتوهم عدم القطع بأن يوجد في غيره نعت له بالخصوص يكون أعلى وبهذا تبين أن لا يصح قول الدلجي فضلا عن القطع بالتفصيل (أنّه صلى الله تعالى عليه وسلم أعلى النّاس قدرا) أي مرتبة، (وأعظمهم محلّا) أي منزلة وكان الأحسن كما قال الدلجي أن يقال أعظمهم قدرا وأعلاهم محلا إذ العظمة بالقدر أليق والعلو بالمحل أوفق (وأكملهم محاسنا وفضلا) والمنصوبات كلها مميزات (وقد ذهبت) خطابا للمصنف من جملة المقول حالية معترضة بين الشرط والجزاء أي وقد سلكت (في تفاصيل خصال الكمال مذهبا جميلا) أي طريقا حسنا من كمال جماله (شوّقني) أي هيجني وأقلقني (إلى أن أقف عليها) أي أطلع على خصال الكمال (من أوصافه صلى الله تعالى عليه وسلم) أي شمائله وفضائله (تفصيلا) أي تبيينا وتفريعا فصلا فصلا. (فاعلم) خطاب خاص أو عام لمن يصلح له (نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبِي وَقَلَبَكَ، وَضَاعَفَ فِي هَذَا النّبيّ الكريم حبّي وحبّك) جملة دعائية معترضة بين العامل ومعموله وهو (أنّك إذا نظرت إلى خصال الكمال النّبيّ هي غير مكتسبة) أي غير مستفادة (وفي جبلّة الخلقة) عطف على غير أي في أصل الخلقة وجبلة الطبيعة والإضافة بيانية، (ووجدته) أي صادفته (صلى الله تعالى عليه وسلم حائزا) بالحاء أي حاويا وجامعا (لجميعها محيطا بشتات محاسنها) أي متفرقاتها (دون خلاف) أي بلا خلاف (بين نقلة الأخبار) أي الأحاديث والآثار (لذلك) أي لما ذكر من حيازته جميع خصال الأبرار (بل قد بلغ بعضها مبلغ القطع) أي بسبب التواتر المعنوي ثم خصال كماله أنواع كما فصله المصنف بقوله. (أمّا الصّورة) أي الصورة النبوية (وجمالها) أي وجمال تلك الصورة الخلقية (وتناسب أعضائه في حسنها) أي مما لم يتصور أن تكون كسبية بل هي خلقية هبية (فقد جاءت الآثار الصّحيحة، والمشهورة) أي المستفاضة (الكثيرة) نعت لهما (بِذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وأبي هريرة) واسمه عبد الرحمن على الصحيح من ثلاثين قولا ومنع هريرة من الصرف مع أنه ليس فيه من العلل إلا التأنيث لأن العلم الإضافي قد ينزل منزل كلمة ويجري عليه أحكام الأعلام. (والبراء بن عازب) وهما صحابيان أنصاريان، (وعائشة أمّ المؤمنين وابن أبي هالة) أي من خديجة الكبرى رضي الله تعالى عنها فهو ربيبه صلى الله
[ ١ / ١٥٨ ]
تعالى عليه وسلم واسمه هند شهد بدرا وقتل مع علي كرم الله وجهه يوم الجمل، (وأبي جحيفة) بضم جيم وفتح حاء، (وجابر بن سمرة) بفتح فضم (وأمّ معبد) بفتح الميم والموحدة عاتكة بنت خالد وهي التي نزل عليها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة وكان منزلها بقديد مصغرا (وابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما أي عبد الله (ومعرّض بن معيقيب) بتشديد الراء المكسورة والتصغير في معيقيب وقال التلمساني معرض بكسر الميم وفتح الراء وهو مخالف للأصول المصححة وللحواشي المصرحة. (وأبي الطّفيل) مصغرا واسمه عامر بن وائلة مات بمكة وهو آخر من مات من الصحابة في الدنيا شيعي تفضيلي (والعداء بن خالد) بفتح عين وتشديد دال مهملتين ممدودا (وخريم بن فاتك) بكسر التاء وتصغير خريم بالخاء المعجمة والراء (وحكيم بن حزام) بكسر الحاء وبالزاء ولد في الكعبة قبل عام الفيل بثلاث عشرة سنة ولا يعرف أحد ولد في الكعبة غيره على الأشهر وفي مستدرك الحاكم أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ولد أيضا في داخل الكعبة عاش مائة وعشرين سنة ستين في الجاهلية وستين في الإسلام وروي أنه لما حج في الإسلام أهدي مائة بدنة مجللة بالخبر وأهدي ألف شاة ووقف وأعتق بمائة وصيف بعرفات في أعناقهم أطواق الفضة منقوش عليها عتقاء الله (وغيرهم) أي ومن حديث غيرهم (﵃ مِنْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم: كان أزهر اللّون) أي نيره أو أحسنه ومنه زهرة الحياة الدنيا أو أبيضه لحديث أبيض مشرب حمرة وهو أفضل ألوان البياض ومعنى قوله ليس بالأبيض الأمهق والا بالأدم بل هو أزهر وهو بين البياض والحمرة وقيل معنى أزهر ما قابل السمرة وابيض ما سواه ودليله قول عائشة رضي الله تعالى عنها كنت أدخل الخيط في الإبرة حال الظلمة لبياض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومنه قول ابي طالب في مدحه ﵊:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
(أدعج) أي شديد سواد الحدقة (أنجل) بالنون والجيم أي ذا نجل بفتحتين وهو سعة شق العين مع حسنها (أشكل) في بياض عينيه يسير حمرة ووهم سماك بن حرب ففسره في مسلم بأنه طويل شق العين (أهدب الأشفار) أي كثير شعر حروف أجفان عينيه وهو الهدب جمع شفر بضم وفتح وهو شفير حرف العين وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعا أن الله تعالى لا يعذب حسان الوجوه سود الحدق يعني من المسلمين قال التلمساني والظاهر أنه لا يعذبهم يعني الكافرين وهم في تلك الصورة بل يسود وجوههم ويزرق أعينهم كما يدل عليه قوله تعالى يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ وقوله وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (أبلج) بالموحدة والجيم أي أبلج الوجه وهو مشرقه ولم يرد أبلج الحاجبين أي نقي ما بينهما لحديث أم معبد في دلائل البيهقي وغيره أنها وصفته بأنه أبلج الوجه أقرن أي
[ ١ / ١٥٩ ]
متصل الحاجبين (أزجّ) بالزاء والجيم والمشددة أي دقيق شعر الحاجبين طويلهما إلى مؤخر العين مع تقوس (أقنى) أي مرتفع قصبة الأنف مع احديداب يسير فيها هذا والمشهور أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان اشم الانف أي مرتفع قصبته مع استواء أعلاه قال في الصحاح فإن كان فيها احديداب فهو القنى وقد يجمع بينهما بأن ارتفاعها كان يسيرا جدا من رآه متأملا عرفه اشم ومن لم يتأمله ظنه أقنى (أفلج) بالفاء والجيم أي متباعد ما بين ثناياه وقلته ممدوحة (مدوّر الوجه) أي لكن إلى الطول أميل لما ورد في شمائله أن وجهه لم يكن مدورا وقد يشبه تدوير الوجه بالدينار لاستواء دائرته (واسع الجبين) وهو ما اكتنف الجبهة من يمين وشمال فهما جبينان فيما بين الحاجبين (كثّ اللّحية) بتشديد المثلثة أي كثير شعرها بحيث (تملأ صدره) أي ما يقابلها مع قصر فيها وانبساط إذ كان يأخذ منها ما زاد على القبضة وربما كان يأخذ من أطرافها أيضا والحاصل أنه لم يكن كوسج ولا خفيف اللحية ولا مقصوصها غير نازلة إلى صدره وقال التلمساني روي أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال من سعادة المرء خفة عارضيه ويروى لحيته ومعناه أنها لا تكون طويلة فوق الطول وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اعتبروا عقل الرجل في ثلاث في طول لحيته ونقش خاتمه وكنيته وعن الحسن بن المثنى أنه قال إذا رأيت رجلا ذا لحية طويلة ولم يتخذ لحية بين لحيتين كان في عقله شيء وقيل ما طالت لحية إنسان قط إلا ونقص من عقله مقدار ما طال من لحيته ومنه قول الشاعر:
إذا كبرت للفتى لحية فطالت وصارت إلى سرته
فنقصان عقل الفتى عندنا بمقدار ما طال من لحيته
(سواء البطن والصّدر) بالإضافة إليهما ونصب سواء أي كان مستويهما تلويح باعتدالهما خلقا وإشعارا بأن خروجهما أو احدهما عن الاعتدال بروزا أو تطامنا ليس بمحمود وروي برفع سواء منونا مع رفع البطن والصدر (واسع الصّدر) أي حسا ومعنى إذ وسع كل أحد شفقة وحلما (عظيم المنكبين) بكسر الكاف تثنية المنكب وهو مجمع عظم العضد والكتف (ضخم العظام) أي غليظها مطلقا وخصوصا كان (عبل العضدين) مثنى عضد بفتح وضم هو الصحيح وهو الساعد من المرفق إلى الكتف والعبل بفتح عين وسكون موحدة أي ضخمها وكذا قوله (والذّراعين) وهو ما بين مفصل الكف والمرفق (والأسافل) أي الفخذين والساقين وهذا كله مما يؤذن بكمال قوته لحديث البخاري أنه أعطي قوة ثلاثين رجلا (رحب الكفّين) بفتح الراء وسكون الحاء أي واسعهما صورة ومعنى إذ وسع كل أحد عطاء وقال الدلجي في نوع الترشيح من بديعيته.
عم الورى بيد سحاء يرشحها عطاؤه ليس يخشى الفقر من عدم
(والقدمين) أي واسعهما طولا وعرضا، (سائل الأطراف) أي تام الأيدي والأرجل
[ ١ / ١٦٠ ]
والأصابع طويلها وهو بالسين المهملة وروي بالمعجمة (أنور المتجرّد) بفتح الراء المشددة أي كان ما تجرد من بدنه أشرق من غيره (دقيق المسربة) بفتح ميم وسكون سين مهملة وضم راء وقال التلمساني وبفتحها وهي خيط الشعر الذي بين الصدر والسرة ودقيق بالدال قال التلمساني ويجوز فيه الراء قلت بينهما فرق دقيق (ربعة القدّ) بفتح الراء وسكون الموحدة أي مربوع القامة كما رواه البيهقي وابن أبي حيثمة في تاريخه، (ليس) أي هو أوقده (بالطّويل البائن) أي المفرط في الطول من بان بمعنى بعد أو ظهر (ولا بالقصير المتردّد) بكسر الدال وهو الذي كأنه تردد بعض خلقه على بعض من قصره والجملة بيان لما قبلها (ومع ذلك) أي مع كونه ربعة (فَلَمْ يَكُنْ يُمَاشِيهِ أَحَدٌ يُنْسَبُ إِلَى الطُّولِ إلّا طاله) أي غلبه النبي (﵊) في الطول مزية خص بها تلويحا بأنه لم يكن أحد عند ربه أفضل منه لا صورة ولا معنى، (رجل الشّعر) بكسر الجيم ويفتح وقد يسكن وبفتح العين وتسكن أي بين الجعودة والسبوطة، (إذا افتر) بتشديد الراء أي إذا أبدى أسنانه حال كونه (ضاحكا) أي متبسما (افترّ) أي انكشف (عن مثل سنا البرق) بقصر سنا وقد يمد وقيل بالقصر النور وبالمد الشرف والعلو أي يشبه ضوءه، (وعن مثل حبّ الغمام) أي السحاب وهو البرد بفتحتين يعني مثله في البياض والصفاء وامتزاج الماء فهو بهذا الاعتبار العالي أولى من تشبيه الأسنان باللآلي ثم التشبيه الثاني أبلغ من الأول فتأمل وقد أبعد الدلجي في تفسير حب الغمام بقطراته ثم قال شبه بياض ثغره في صفائه ونقائه بضوء البرق وما يطفو على ثناياه من ريقه بقطرات الغمام تشبيها بليغا انتهى موهما أن التركيب من التشبيه البليغ وليس كذلك كما لا يخفى على أرباب المعاني والبيان وقيل أول ما يضحك تلألأ كالبرق وإن بدت أسنانه فهو كالبرد، (إذا تكلّم رئي) بكسر راء وسكون ياء فهمزة مفتوحة وروي رئي بتقديم الهمز مجهولا من الرؤية وهو ظاهر ولعل الأول من قبيل القلب دخل فيه الاعلال قال التلمساني وهو الأفصح والمعنى ظهر (كالنّور) أي شيء مثل النور (يخرج من ثناياه) أي يبدو منها أو من سناها بكثرة بياضها وشدة صفائها أو إيماء إلى درر كلماته وغرر بنائها والحديث رواه الترمذي في شمائله والدارمي والبيهقي (أحسن النّاس) بالنصب عطفا على ما سبق ويجوز أن يكون بالرفع على أن التقدير هو أحسن الناس (عنقا) أي جيدا لاعتداله في كماله (ليس بمطهّم) بتشديد الهاء المفتوحة أي لم يكن مدور الوجه على في الصحاح وغيره وقيل هو السمين الفاحش وقيل المنتفخ الوجه وقيل النحيف الجسم، (ولا مكلثم) بفتح المثلثة أي لا بمجتمع لحم الوجه بل مسنون الوجه والحاصل أنه لم يكن وجهه مفرطا في الاستدارة وأما حديث علي وفي وجهه تدوير فمعناه أن فيه نوع تدوير أي قليلا منه وأبعد اليمني في قوله يريد عنقه أي ليس بمدور ولا بمجتمع بل إنه مستطيل (متماسك البدن) أي ليس برهل ولا مسترخ لحمه بل يمسك بعضه بعضا ويقويه ويشده
[ ١ / ١٦١ ]
(ضرب اللّحم) أي خفيفه ولطيفه لا يابسه وكثيفه وقيل هو اللحم بين اللحمين لا بالناحل ولا بالمطهم. (قال البراء) بن عازب أي كما رواه الشيخان وغيرهما (ما رأيت من ذي لمّة) بكسر لام وتشديد ميم وهي من شعر الرأس ما يجاوز شحمة الأذن ويلم بالمنكبين (في حلّة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) ظاهره أنها ثوب واحد بشهادة وصفها بحمراء مع اتفاق أهل اللغة أنها لا تطلق إلا على ثوبين بشهادة حديث وعليه حلة أتزر بإحديهما وارتدى بالأخرى ولك أن تجيب بأن وصفها باعتبار لفظها لا باعتبار معناها وكفى به دليلا لمن جوز لبس الأحمر بلا كراهة كالشافعي ومالك رحمهما الله تعالى كذا ذكره الدلجي وفي القاموس الحلة بالضم ازار ورداء بردا أو غيره ولا تكون حلة إلا من ثوبين أو ثوب له بطانة وكذا قال الخليل وغيره لأن كل واحد يحل على الآخر أو على الجسم وقيل الثوب الجديد الذي من طيه فاندفع دعوى اتفاق أهل اللغة على الإطلاق بل قال المنجاني إن هذا الحديث يرد عليهم انتهى وليس في الحديث الذي استشهد به دلالة إلا على أحد استعمال الحلة وأما كون هذا الحديث دليلا كافيا لتجويز لبس الأحمر فهو كاف مع قطع النظر عما ورد فيه أنواع من الخبر والأثر مما يدل على كراهة لبسه في الحضر والسفر مع أن الحديث ليس فيه تصريح أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لبس الأحمر بل يدل على أنه ما رؤي من كان صاحب لمة ولابس حلة حمراء مع أن الحسن في تلك الحالة على غاية من الصفاء فنفى أن يكون أحسن من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على أي لبس كان أو على تقدير لابسه ثم على تسليم لبسه يحمل على بيان الجواز وأن النهي وارد على سبيل الكراهة لا التحريم أو أنه قضية واقعة يحتمل وقوعها قبل النهي مع أنه قد يقال للثوب الذي فيه خطوط حمر كثيرة أنه أحمر فتدبر فإن الجمع بين الأحاديث المتعارضة هو المعتبر وقد قال أبو عبيد الحلل يرد اليمن ثم الدليل المبيح والمحرم إذا اجتمعا يقدم دليل المحظور مع أنه يكفي في دليل امتناعه التشبه بالنساء ولا شك أن تركه أحوط في حق الرجال العقلاء ومع وجود هذه الأنواع من الاحتمال كيف يكفي للاستدلال والله تعالى أعلم بالحال وأغرب الانطاكي الحنفي حيث قال في حاشيته وفي هذا دليل على جواز لبس الأحمر للرجال وادعى النووي الإجماع على جواز لبسه في المهذب انتهى ولا يخفى أن دعوى الإجماع باطلة مع وجود مخالفة الإمام الأعظم في المسألة وغيره من الأئمة ولعله أراد به الاتفاق في مذهبه والله تعالى أعلم بمقاله ومشربه هذا وقد قال المنجاني وقد اختلف السلف الماضون في ذلك فكره بعضهم لبسها هي والمصبوغة بالصفرة وأجازهما قوم آخرون وفرق بعضهم في هذا بين المشبع في الصبغ وغير المشبع فأجاز ما لم يكن مشبعا وكره ما أشبع صبغه ورأى آخرون أن ما اتخذ من هذه الثياب للمهنة جاز مطلقا وما اتخذ للباس كره ودليل الأولين ما ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نهى
[ ١ / ١٦٢ ]
أن يتعصفر الرحل ويتزعفر وروي في الصحيح عن ابن عمر قال رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على ثوبين معصفرين فقال الفقهاء فإنها ثياب الكفار وقال إبراهيم الخزاعي حدثتني عجوز قالت كنت أرى عمر بن الخطاب ﵁ إذا رأى على الرجل الثوب المعصفر ضربه وقال دعوا هذه الثياب للنساء وأما ما ذكره المنجاني من نسبة عدم الكراهة لأبي حنيفة فغير صحيح والله تعالى أعلم. (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) والمساواة منفية أيضا بالمشاهدة العرفية (كأنّ الشّمس تجري في وجهه) أي يتوهج كتوهج الشمس لحسنه وصفائه وبهاء ضيائه وقال التلمساني وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم هبط علي جبريل فقال يا محمد إن الله تعالى يقول كسوت حسن يوسف من نور الكرسي وكسوت نور وجهك من نور عرشي، (وإذا ضحك يتلألأ) بهمزتين أي تلمع ثناياه كاللآلي (في الجدر) بضمتين جمع الجدار وهو حائط الدار رواه أحمد والترمذي وابن حبان. (وقال جابر بن سمرة) رضي الله تعالى عنه كما رواه الشيخان وغيرهما (وقال) أي والحال أنه قال (له رجل كان) وفي رواية أكان (وجهه صلى الله تعالى عليه وسلم مثل السّيف؟ فقال) أي جابر (لا) أي لقصور ضيائه واحتمال فناء صفائه ولتوهم طول بنائه (بل مثل الشّمس والقمر) أي بل كان نظيرهما لاشتمالهما على كمال النور وعلى نوع من الاستدارة في مقام الظهور ولذا قال تصريحا بما قدمه تلويحا، (وكان) أي وجهه (مستديرا) أي لا مستطيلا فلا ينافي ميلانه إلى الطول. (وَقَالَتْ أُمُّ مَعْبَدٍ فِي بَعْضِ مَا وَصَفَتْهُ به) أي من رواية البيهقي في دلائله عن أخيها حبيش بن خالد عنها (أجمل النّاس) أي أتمهم جمالا وحسنا صوريا (من بعيد وأحلاه) أي أحلى الناس وأفرد لأنه اسم جنس فروعي لفظه دون معناه وكذا قول (وأحسنه من قريب) أي تبين حلاوة ملاحته وطراوة فصاحته. (وفي حديث ابن أبي هالة) أي الآتي (يتلألأ) أي يضيء (وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر) خص به لأنه زمان كماله وسمي بالبدر لمبادرته الشمس للغروب ليلة تمامه ومبادرتها إياه للطلوع في صباحه (وقال عليّ رضي الله تعالى عنه) على ما في جامع الترمذي وشمائله (في آخر وصفه) أي نعت علي له صلى الله تعالى عليه وسلم (من رآه بديهة) أي مفاجأة من غير روية كناية عن أول الوهلة (هابه) أي خافه مخافة العظمة ووقع في قلبه منه المهابة (ومن خالطه معرفة) أي من حيث عرف ما كان عليه من حسن العشرة ودوام البشاشة فنصبها على التمييز وأبعد التلمساني في جعلها مفعولا له أو حالا (أحبّه، يقول ناعته) أي واصفه (لم أر) أحدا من الناس (قبله ولا بعده مثله صلى الله تعالى عليه وسلم) لكرم شمائله وشرف فضائله والمراد من قوله قبله أي قبل وجوده ولا بعده استيفاء زمانه وإلا فعلي كرم الله وجهه أصغر سنا منه صلى الله تعالى عليه وسلم وهذا إذا كانت الرؤية بصرية وأما إذا كانت علمية فلا إشكال والله أعلم بالحال. (والأحاديث في
[ ١ / ١٦٣ ]
بسط صفته) أي تفصيل نعوته (مشهورة) أي عند المحدثين (كثيرة) أي عند المؤرخين (فلا نطيل) أي الكتاب (بسردها) أي بذكرها متصلة مفصلة في الأبواب (وقد اختصرنا) أي أوردنا على وجه الاختصار (في وصفه نكت) وفي نسخة على نكت (ما جاء فيها) بضم النون وفتح الكاف جمع نكتة أي لطائف ودقائق ما ورد في تلك الأحاديث (وجملة) أي وأوردنا جملة مجملة (ممّا فيه كفاية) ومن بيانية أو تبعيضية (في القصد إلى المطلوب) أي من وصف المحبوب، (وختمنا هذه الفصول) أي الكافلة باعتبار كل فصل بإبراز ما ورد في وصفه وفضله (بِحَدِيثٍ جَامِعٍ لِذَلِكَ نَقِفُ عَلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شاء الله تعالى) .
فصل [وأما نظافة جسمه وطيب ريحه وعرقه ﵊]
(وأمّا نظافة جسمه) أي لطافة بدنه، (وطيب ريحه) أي الخارج منه (وعرقه) أي وطيب عرقه وهو بفتحتين رطوبة تلحق الإنسان بسبب حرارة أو غيرها، (ونزاهته) أي تباعده وبراءته (عن الأقذار) بالذال المعجمة أي الأوساخ والأدناس الحسية المعنوية بل كما قيل عن الأنجاس الحقيقية (وعورات الجسد) أي ونزاهته عيوب توجد في أجساد الناس مما يشين الإنسان والعورة بسكون الواو ويحرك مأخوذة من العار الذي يلحق الذم بسببه كنقص فيه وخلل في عضو منه (فكان قد خصّه الله في ذلك) أي ما ذكر (بخصائص لم توجد في غيره) الجملة صفة كاشفة لما قبلها (ثمّ تمّمها) أي كمل تلك الخصائص الحسية (بنظافة الشّرع) أي بلطائف الآداب الشرعية والخصائص المعنوية التي من جملتها قوله (وخصال الفطرة) وهي أصل الخلقة فإن الله تعالى خلق عباده قابلين للحق حتى لو خلوا وما خلقوا عليه لاهتدوا به كما ورد حديث كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه الحديث وقال تعالى فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وقال أبو بكر ابن العربي هي عبارة عن أصل الخلقة فإن الإنسان يخلق سليما من عشرة أقذار ثم تطرأ عليه ثم أمر بالتنظيف منها أو المراد بالفطرة هي الإسلام والمذكورة في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم عشر من الفطرة ولذلك أتى بالألف واللام للمعهود علما كقوله تعالى إِذْ هُما فِي الْغارِ وإن لم يتقدم لها ذكر فقد علم ضرورة فالمعنى خصال دينية (العشر) أي خصوصا لما في مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الابط وحلق العانة وانتقاص الماء قال مصعب بن شيبة راويه ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة وقال وكيع انتقاص الماء يعني الاستنجاء وروى أبو داود نحوه إلا أنه قال بدل انتقاص انتضاح وفي رواية انتقاض بفاء وضاد معجمة وكلها كناية عن الاستنجاء هذا وحلق اللحية منهي عنه وأما إذا طالت زيادة على القبضة فله أخذها هذا وقال المؤلف في شرح مسلم ولعل العاشرة الختان لأنه مذكور في قوله ﵊ الفطرة خمس أو
[ ١ / ١٦٤ ]
خمس من الفطرة قلت فإذن يعد المضمضة والاستنشاق خصلة واحدة لاتحاد حكمهما والله تعالى أعلم. (وقال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والأولى قد بدون واو (بني الدّين على النّظافة) أي الطهارة الباطنة والظاهرة وهذا الحديث وإن قال العراقي في تخريج أحاديث الاحياء لم أجده هكذا بل في الضعفاء لابن حبان من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها تنظفوا فإن الإسلام نظيف وللطبراني في الأوسط بسند ضعيف من حديث ابن مسعود ﵁ النطافة تدعو إلى الإسلام انتهى فقد روى الرافعي في تاريخه بسنده عن أبي هريرة ﵁ بعض حديث مرفوعا تنظفوا بكل ما استطعتم فإن الله تعالى بنى الإسلام على النظافة ولن يدخل الجنة إلا كل نظيف وينصره حديث الترمذي أن الله نظيف يحب النظافة فنظفوا أفنيتكم (حدّثنا سفيان بن العاصي) بتثليث سين سفيان سمع الباجي وابن عبد البر وغيرهما وأخذ عنه المصنف وأكثر (وغير واحد) أي كثيرون من مشايخنا (قالوا حدّثنا أحمد ابن عمر) صاحب كتاب الاعلام بأعلام النبي ﵇ (قال حدّثنا أبو العبّاس الرّازيّ) وهو ابن بندار الخراساني، (قال حدّثنا أبو أحمد الجلوديّ) بضم الجيم بلا خلاف ذكره الدلجي وغيره قال التلمساني بضم الجيم وفتحها منسوب لجلود قرية ببغداد وقيل بالشام وقيل سكة نيسابور الدراسة وقيل بإفريقية وقيل كان يبيع الجلود وكان شيخا صالحا نيسابوريا ينتحل مذهب سفيان الثوري (قال حدّثنا ابن سفيان) أي المروزي النيسابوري (قال حدّثنا مسلم) أي النيسابوري صاحب الصحيح روى عن أحمد بن حنبل وغيره وعنه الترمذي وابن خزيمة وأبو عوانة وغيرهم (قال حدّثنا قتيبة) هو ابن سعيد الثقفي البلخي يكنى أبا رجاء سمع الليث ومالكا وابن عيينة وغيرهم (حدّثنا جعفر بن سليمان) الضبعي سمع ثابتا البناني ومالك بن دينار وروى عنه ابن المبارك قيل مع كثرة علمه كان أميا (عن ثابت) هو ثابت كاسمه وهو ابن أسلم البناني بضم الموحدة يروي عن أنس وابن عمر وابن الزبير وخلق وعنه الحمادان وأمم وكان رأسا في العلم والعمل يلبس الثياب الفاخرة ويقال لم يكن في وقته أعبد منه أخرج له الجماعة وهو ثقة بلا مدافعة (عن أنس) خادم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جاوز عمره المائة وكذا أولاده وفي الصحابة من اسمه أنس اثنان وعشرون وفيهم أنس بن مالك اثنان هذا وهو المشهور وأنس بن مالك أبو أمية القشيري وقيل الكعبي وانتقل أنس إلى البصرة في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه ليفقه الناس بها وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة، (قال ما شممت) بكسر ثانية ويفتح (عنبرا) هو شيء لفظه البحر أي رمى به ويقال إنه روث دابة من دواب البحر ولا يصح وأصول الطيب خمسة أصناف المسك والكافور والعود والعنبر والزعفران وكلها تحمل من أرض الهند إلا الزعفران والعنبر وأجود العنبر هو المدور الأبيض كبيض النعام أو دون ذلك (قطّ) أي فيما مضى من عمري وهو بفتح قاف وتشديد طاء مهملة مضمومة وتنون وهي للأبد لما مضى وقد تكسر الطاء ويضمان وتخفف الطاء مع ضمها وإسكانها (ولا مسكا) وأطيب المسك ما خرج من الظباء بعد بلوع النهاية في النضج وغزلان
[ ١ / ١٦٥ ]
المسك نوع خاص من الظباء (ولا شيئا) أي آخر من أنواع الطيب (أطيب) أي أفيح (من ريح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) وتتمته ولا مست قط ديباجا ولا حريرا ولا شيئا ألين لمسا من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والحديث كما ترى في مسلم وكذا في الشمائل. (وعن جابر بن سمرة) أي فيما رواه مسلم أيضا عنه قال صليت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم خرج وأنا معه فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدي أحدهم واحدا واحدا وأما أنا فمسح خدي فوجدت ليده بردا أو ريحا كأنما أخرجها من جونة عطار كذا في مسلم أو ريحا بالألف وكثيرا ما يوجد بدونها فلعله رواية فيه ولهذا رواه بلفظ (أنّه صلى الله تعالى عليه وسلم مسح خدّه) أي جانب وجهه مما يلي الوجنة من الأسفل (قَالَ فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا وَرِيحًا كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا من جؤنة عطّار) وهو بضم الجيم وسكون الواو وقد تهمز أو همزتها أصلية وقد تبدل لا أنها تحذف كما قال الدلجي وهي سفط مغشي بجلد يجعل فيه العطار طيبه والعطار فعال نسبة لا مبالغة، (قال غيره) أي غير جابر بن سمرة (مسّها بطيب أم لم يمسّها يصافح) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (المصافح) أي له (فيظلّ) بفتح معجمة وتشديد لام يقال ظل يفعل كذا إذا فعله نهارا ففي الكلام تجريد أو تأكيد وقد يجيء بمعنى دام وصار والمعنى فيصير ذلك المصافح له (يومه) أي طول نهاره (يَجِدُ رِيحَهَا، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ الصَّبِيِّ) أي مثلا (فيعرف) بصيغة المجهول أي فيميز (من بين الصّبيان) بكسر الصاد ويضم جمع الصبي (بريحها) أي بسبب ريح يده صلى الله تعالى عليه وسلم على رأس ذلك الصبي (ونام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي كما رواه مسلم (في دار أنس) أي على فراش أمه أم سليم بضم السين بنت ملحان بكسر الميم وقيل بفتحها وأما ما وقع في بعض كتب الشافية أن أم سليم جدة أنس رضي الله تعالى عنه فخطأ (فعرق) بكسر الراء (فجاءت أمّه) أي أم أنس (بقارورة) أي بإناء من زجاج (تجمع فيها عرقه) أي تبركا وتطيبا (فسألها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن ذلك) أي عن جمعها إياه المستفاد من الفعل (فقالت نجعله في طيبنا وهو) أي طيبه أو طيبنا باختلاط طيبه (من أطيب الطّيب) بل أطيب وفي رواية نرجو بركته لصبياننا زاد البخاري فأوصى أنس أن يجعل منه في حنوطه قال الدلجي وإنما نام على فراشها لأنها وأختها أم حزام كما في إكمال المصنف خالتاه من الرضاعة وأنكر فإن صح ففي الحديث جواز الخلوة بمن بينها وبينه محرمية أو النوم عندها لعصمته صلى الله تعالى عليه وسلم انتهى وهو غريب إذ ليس في الحديث ما يدل على وقوع الخلوة مع أن جوازها مع المحرم لا يعرف له خلاف وقد ورد لا يخلون رجل بامرأة ثيب إلا أن يكون ناكحا أو ذا محرم ثم قوله لعصمته ينافي ما استدل به على جوازه لكونها علة لاختصاصه فكان حقه أن يقول وإلا أي وإن لم يصح فالنوم عندها لعصمته صلى الله تعالى عليه وسلم هذا وفي صحيح مسلم أنه كان يدخل بيت أم سليم وينام على فراشها إذا لم تكن فيه فجاء ذات يوم فنام عليه فأتت فقيل لها هذا النبي نائم على فراشك فجاءت وقد عرق
[ ١ / ١٦٦ ]
الحديث. (وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ عَنْ جَابِرٍ) أي ابن عبد الله صحابيان أنصاري آخر من مات بالمدينة من الصحابة وعنه استغفر لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خمسا وعشرين استغفارة كل ذلك أعده بيدي يقول أديت عن أبيك دينه فأقول نعم فيقول يغفر الله لك (لم يكن النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يمرّ في طريق) أي من طرق المدينة وغيرها (فيتبعه) بتخفيف التاء وفتح الباء وبتشديد التاء وكسر الباء ويرفع وينصب أي فيجيء عقبه (أحد إلّا عرف) أي ذلك الأحد (أنّه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (سلكه) أي دخل ذلك الطريق ومر به (من طيبه) متعلق بعرف أي من أجل طيبه وبسببه وروى البزار وأبو يعلى بسند جيد عن أنس ﵁ كان إذا مر في الطريق من طرق المدينة وجد فيه رائحة الملك فيقال مر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من هذا الطريق. (وذكر إسحاق بن راهويه) بضم هاء ثم فتح ياء وتاء على الصحيح وهو مروزي عالم خراسان روى عنه الجماعة إلا ابن ماجة (أنّ تلك) أي الرائحة (كانت رائحته) بالنصب وفي نسخة أن تلك رائحته أي في اصل خلقته (بلا طيب صلى الله تعالى عليه وسلم) أي من غير استعمال طيب في ثوبه أو بدنه وروى ابن أبي بكر في سيرته أن أم سلمة وضعت يدها على صدر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد موته فمكثت جمعا لا تأكل ولا تتوضأ إلا وجدت ريح المسك بين يديها.
(وروى المزنيّ) بضم ميم وفتح زاي فنون وياء نسبة مصري كان ورعا زاهدا مجاب الدعوة متقللا من الدنيا قال الشافعي ﵀ في حقه لو ناظر الشيطان لغلبه له تصانيف كالمبسوط والمختصر وغيرهما وصنف كتابا مفردا على مذهبه لا على مذهب الشافعي وهو مدفون بالفراقة بالقرب من قبر الشافعي وفي نسخة صحيحة الحربي وهو بحاء مهملة وباء موحدة وهو إبراهيم بن إسحاق حنبلي المذهب أصله من مرو ونسب إلى الحربية وهي محلة معروفة ببغداد وهي تنسب إلى حرب بن عبد الله صاحب المنصور (عن جابر أردفني النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي أركبني (خلفه) الردف بكسر الراء من يركب خلف راكب يقال اردفني فردفني (فالتقمت خاتم النّبوّة) بفتح التاء وكسرها يقال لقمه والتقمه أي أدخله في فمه كاللقمة والمراد بخاتم النبوة الذي كان كالتفاحة أو بيضة الحمامة أو كرز الحجلة بين كتفيه وقد أوضحته في شرح الشمائل (بفمي) وفي نسخة بفي بكسر الفاء وتشديد الياء وذكره من باب التأكيد كقولهم رأيت بعيني وسمعت بأذني (فكان) أي الخاتم (ينمّ) بكسر النون وتضم وبتشديد الميم أي يجلب الريح ويفوح (عليّ مسكا) أي ريح مسك أو كمسك ومنه النميمة والطيب نمام أي يفوح وإن لم يرد صاحبه ذلك والزجاج كذلك لأن المرآة ترى للإنسان ما فيه من حسن أو قبح ولا تستر شيئا وفي المثل أتم من الزجاج وفي رواية يثج بضم مثلثة وقد تكسر أي يسيل تشبيها له بثج دماء الهدي أي سيلانها بسرعة ومعناه ههنا يفوح وتسطع رائحته بكثرة هذا وقد جمع بعضهم من أردفه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فبلغ نيفا وثلاثين ولم يذكر منهم جابرا (وقد حكى بعض المعتنين) اسم فاعل من الاعتناء أي المهتمين (بأخباره
[ ١ / ١٦٧ ]
وشمائله) أي سيره وأثاره (صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يتغّوط) أي يريد إخراج الغائط وهو ما يبرز من ثفل الطعام من المحل المعتاد ويطلق على المطمئن من الأرض كما في قوله تعالى أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ (انشقّت الأرض فابتلعت غائطه وبوله وفاحت) بالفاء وفي نسخة بالباء الموحدة بدل الفاء أي ظهرت (لذلك رائحة طيّبة صلى الله تعالى عليه وسلم) ذكره البيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها وقال أنه موضع كما سيأتي. (وأسند محمّد بن سعد) روى عن ابن عيينة وعنه ابن أبي الدنيا (كاتب الواقدي) وهو صاحب الطبقات وله تأليف جيد مفيد في تعريف رجال الحديث قال ابن جماعة هو ثقة لكنه يروي عن الضعفاء منهم شيخه محمد بن عمر الواقدي والواقدي ولي القضاء ببغداد للمأمون وروى عن مالك حديثا كثيرا وروى عنه الشافعي وغيره واستقر الإجماع على ضعفه كما في الميزان (في هذا) أي في أن الأرض تبتلع ما يخرج منه وتفوح له رائحة طيبة (خَبَرًا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قالت للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم إنّك تأتي الخلاء) هو بالمد (فلا نرى منك شيئا) ويروى فلا يرى منك شيء (من الأذى) بالقصر وهو ما يكره ويغتم به، (فقال يا عائشة أو ما) أي أجهلت وما (علمت أن الأرض تبتلع) وفي نسخة تبلع بفتح اللام (مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا يُرَى مِنْهُ شيء) وروى الدارقطني في إفراده عنها قالت قلت يا رسول الله أراك تدخل الخلاء ثم يجيء الرجل يدخل بعدك فما يرى لما خرج منك أثرا فقال أما علمت أن الله أمر الأرض أن تبتلع ما خرج من الأنبياء. (وهذا الخبر) أي الذي أسند ابن سعد (وإن لم يكن مشهورا) أي معروفا بين المحدثين وليس المراد به المشهور المصطلح عندهم نعم قال ابن دحية بعد أن أورده هذا سند ثابت قيل وهو أقوى ما في الباب ومع هذا (فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِطَهَارَةِ هذين الحدثين منه صلى الله تعالى عليه وسلم) عبر عن الخارجين بهما استهجانا للتصريح باسمهما (وهو قول بعض أصحاب الشّافعي ﵀) وعليه كثير من الخراسانيين لكن المعتمد في المذهب خلافه كما ذكره الدلجي وقال أبو بكر بن العربي بول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ونحوه طاهران وهو أحد قول الشافعي وقال النووي في الروضة إن بوله ودمه وسائر فضلاته طاهرة على أحد الوجهين وفيه أن الحديث السابق لا يدل على المدعي كما لا يخفى بل على ضده كما يدل عليه الابتلاع اللهم إلا أن يقال الريح الطيبة تدل على الطهارة وفيه بحث نعم قال البغوي بذلك مستدلا بشهادة الاستشفاء ببوله ودمه على ما نقله الدلجي وقرره وفيه نظر أيضا من جهة عدم لزومه إذ وقع الاستشفاء ببول الإبل والجمهور ومنهم القائل به على نجاسته. (حكاه) أي القول بطهارتهما (الإمام أبو نصر بن الصّبّاغ) بالباء الموحدة المشددة (في شامله) هو بغدادي شافعي المذهب له تآليف منها الشامل ومنها الكامل. (وَقَدْ حَكَى الْقَوْلَيْنِ عَنِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ) أي في كونهما طاهرين أو نجسين (أبو بكر) وفي رواية ابو الحسن (بن سابق) بكسر الموحدة (الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِهِ الْبَدِيعُ فِي فُرُوعِ الْمَالِكِيَّةِ وتخريج ما لم يقع لهم) أي للمالكية (منها) أي من الفروع التي هي
[ ١ / ١٦٨ ]
(على مذهبهم) أي ولم يخرجوها وإنما خرجت (من تفاريع الشّافعيّة) والظاهر المتبادر أن قوله وتخريج مجرور عطفا على فروع كما أشار إليه التلمساني وصرح به الانطاكي وأبعد الدلجي وجعله منصوبا عطفا على القولين ثم قال والتخريج في اصطلاحهم أن ينص الشافعي على حكمين مختلفين في صورتين متشابهتين ولم يظهر لهم ما يصلح فارقا بينهما فينقلوا نصه في كل صورة منهما إلى الأخرى كمسألتي الاجتهاد في الأواني والقبلة إذ قد منع في الأولى العمل بتغيير الاجتهاد وجوزه في الثانية فنقلوا منعه في تلك إلى هذه وتجويزه في هذه إلى تلك فصار في كل قولين منصوص عليهما ومخرج المنصوص في كل هو المخرج في الأخرى، (وشاهد هذا) أي دليل هذا القول على طهارة ما ذكر (أنّه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ شَيْءٌ يُكْرَهُ ولا غير طيّب) وفيه أنه منقوض بما صح عن عائشة ﵂ أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وبأنه كان يستنجي بنحو حجر ومدر وأيضا أنه لو كان الخارجان منه طاهرين لما كانا حدثين ناقضين كالعرق والدمع والبزاق والمخاط ونحوها والإجماع على أنه صلى الله تعالى عليه وسلم في نواقض الوضوء كالأمة إلا ما صح استثناؤه كالنوم بدليل أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان ينام عيناه ولا ينام قلبه كما سيأتي. (ومنه) أي ومن الشاهد بأنه لَمْ يَكُنْ مِنْهُ شَيْءٌ يُكْرَهُ وَلَا غَيْرُ طيب (حديث عليّ ﵁) أي فيما رواه ابن ماجة وأبو داود في مراسيله أنه قال (غسّلت النّبيّ ﵊) بتشديد السين وتخفيفها وهو أظهر (فذهبت) أي شرعت وقصدت (أنظر ما يكون من الميّت) أي من خروج دم وغيره من النجاسات عند خروج روحه أو حين غسله (فلم أجد شيئا) أي منها خرج منه، (فقلت طبت حيّا وميّتا) ونصبهما على الحال أو على نزع الخافض أي في الحياة والممات أو على التمييز ذكره التلمساني ولا يخفى بعد ما عدا الأول فتأمل فإنه موضوع زلل ومحل خطل ثم أنت ترى أن هذا الحديث لا يصلح أن يكون شاهدا كما لا يخفى وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه حين غسل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مسح بطنه فلم يجد شيئا فقال طبت حيا وميتا وفي رواية فاح ريح المسك في البيت لما في بطنه قيل وانتشر في المدينة (قال) أي على (وسطعت) أي ارتفعت وانتشرت وفاحت (مِنْهُ رِيحٌ طَيِّبَةٌ لَمْ نَجِدْ مِثْلَهَا قَطُّ ومثله) أي ومثل قول علي طبت حيا وميتا (قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ حِينَ قبّل النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بعد موته) رواه البزار عن ابن عمر بسند صحيح وهو بعض خبر في البخاري (ومنه) أي ومن الشاهد (شرب مالك بن سنان) بكسر السين المهملة وأما الشرب فبضم المعجمة ويجوز فتحها وكسرها (دمه) أي دم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (يوم أحد ومصّه إيّاه) قيل شربه ابتلاعه ومصه أخذه من الجرح بفيه أو شربه ابتلاعه دفعة ومصه ابتلاعه قليلا قليلا وروي إذ ذلك مرفوعا من مس دمه دمي لم تصبه النار (وتسويغه صلى الله تعالى عليه وسلم) أي تجويزه (ذَلِكَ لَهُ.
وَقَوْلُهُ لَهُ لَنْ تُصِيبَهُ النَّارُ) رواه الطبراني عن أبي سعيد الخدري عن أبيه مالك بن سنان وقتل
[ ١ / ١٦٩ ]
مالك يوم أحد وهو جبل معروف يخفف ويثقل وقيل يخفف ذكره التلمساني والتشديد فيه غريب ورواه البيهقي عن عمر بن السائب ثم في الحديث قد يقال إن الضرورات تبيح المحظورات، (ومثله) وفي أصل الدلجي ومنه أي ومن الشاهد كما رواه الحاكم والبزار والبيهقي والبغوي والطبراني والدارقطني وغيرهم فالعجب من ابن الصلاح أنه قال هذا حديث لم أجد له أصلا بالكلية وهو في هذه الأصول (شُرْبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ دَمَ حِجَامَتِهِ فقال له ﵇ وَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ وَوَيْلٌ لهم منك ولم ينكر عليه) وفيه أن هذا حكم مسكوت عنه بعد وقوعه ولم يدخل تحت تقريره إذ لم يطلع على شربه حال فعله مع أن في قوله وَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِنْكَ نوع نكير عليه إذ الويل الفضيحة المترتبة على الفتنة وروى الزبير بن بكار أنه حين ولدته أمه رآه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال هو هو فسمعته أمه فامسكت عن إرضاعه فقال أرضعيه ولو بماء عينيك كيس كيس بين ذئاب في ثياب ليمنعن البيت وليقتلن دونه وهذا مما أخبر به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من المغيبات إذ قد بويع له بالخلافة سنة خمس وستين بعد وفاة معاوية وأطاعه أهل الحجاز واليمن والعراقين وخراسان وحج بالناس ثماني سنين ثم وقعت الفتنة وعمرو بن سعيد على المدينة نائبا لعبد الملك بن مروان فكان يبعث البعوث إليه منها إلى مكة حتى أرسل له عبد الملك الحجاج فابتدأ حصاره غرة ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين وحج تلك السنة الحجاج ووقف بعرفة عليه درع ومغفر ولم يطف الناس بالبيت في تلك الحجة فحاصره ستة اشهر وسبعة عشر يوما ثم قتل في نصف جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين وعمره اثنتان وسبعون سنة وايام على ما ذكره الدلجي وروى الشعبي قال هاج الدم برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فحجمه أبو طيبة فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم اشكموه فأعطوه دينارا وقال ابن الزبير واره يعني الدم قال فتوارى ابن الزبير فشرب الدم فبلغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فعله فقال اما إنه لا تصيبه النار أو لا تمسه النار قال الشعبي فقيل لابن الزبير كيف وجدت طعم الدم فقال أما الطعم فطعم العسل وأما الرائحة فرائحة المسك أقول فهذا من باب قلب الأعيان الذي عد من معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبهذا يندفع نزاع الفقهاء ويؤيده ما ذكره التلمساني عن عائشة رضي الله تعالى عنها وذكرت أنها لا تجد في الخلاء شيئا فقال أنا معاشر الأنبياء تنبت أجسادنا على أرواح الجنة فما خرج منها من شيء ابتلعته الأرض ولكن رواه البيهقي في الدلائل عنها ثم قال هذا من موضوعات الحسين بن علوان لا ينبغي ذكره ففي الأحاديث الصحيحة المشهورة من معجزاته كفاية عن كذب ابن علوان انتهى وروي أن رجلا قال رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أبعد في المذهب فلما خرج نظرت فلم أر شيئا ورأيت في ذلك الموضع ثلاثة أحجار اللاتي استنجى بهن فأخذتهن فإذا بهن يفوح منهن روائح المسك فكنت إذا جئت يوم الجمعة المسجد أخذتهن في كمي فتغلب رائحتهن روائج من تطيب وتعطر (وقد روي نحو من هذا عنه) أي عن النبي
[ ١ / ١٧٠ ]
صلى الله تعالى عليه وسلم (في امرأة شربت بوله) أي من غير علم بأنه بول كما سيأتي (فقال لها لن تشتكي) بإسكان الياء على أن النون حذفت للناصب (وجع بطنك أبدا) وفي رواية لن تلج النار بطنك والحديث رواه الحاكم وأقره الذهبي والدارقطني. (ولم يأمر واحدا منهم) أي أحدا ممن شربه وفيه تغليب الرجال على النساء (بغسل فمه) لا دلالة في الأحاديث على الأمر ولا على عدمه مع أن غسل الفم من البول كان عندهم من قبيل المعلوم بالضرورة وعلى تسليم عدم الأمر لا يثبت طهارته لاحتمال الذهول أو للاعتماد على الظهور إلا أن يثبت أنه رأى أحدا منهم يصلي من غير غسل فم مثلا وسكت عليه وأقره كما هو مقرر عند أرباب الأصول، (ولا نهاه) أي أحدا (عن عودة) أي عن عود شرب بوله وفيه أنه لا يحتاج إلى النهي عن العود إلا إذا وقع ذلك الفعل عن العمد من غير ضرورة ولا حالة جذبه وسيأتي اعتذارها بأنها شربته بغير علمها وفي نسخة صحيحة بلفظ عودة بالتاء للوحدة هذا وروى ابن عبد البر أن سالم بن أبي الحجاج حجمه صلى الله تعالى عليه وسلم ثم ازدرد أي ابتلع دمه فقال أما علمت أن الدم كله حرام وفي رواية لا تعد فإن الدم كله حرام. (وَحَدِيثُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الَّتِي شَرِبَتْ بَوْلَهُ صَحِيحٌ) أي ولصحته (ألزم الدّارقطني) بفتح الراء وتسكن نسبة إلى دار قطن محلة ببغداد وهو صاحب السنن وروى عنه الحاكم وأبو ذر الهروي وأبو نعيم وغيرهم (مسلما، والبخاري) أي كلا منهما (إخراجه) أي تخريج الحديث وذكره بإسناده (في الصّحيح) أي في كل من صحيح البخاري ومسلم إذ رجاله كرجالهما في الضبط والعدالة وغيرهما لكن إنما يتوجه هذا الإلزام عليهما لو التزما تخريج جميع الصحيح ولم يلتزماه والحاصل أن هذا الحديث في مرتبة الحديث الذي اتفق عليه الشيخان من كمال الصحة وإن لم يخرجاه في جامعيهما لكن انتقد عليه فإنه جاء من جهة أبي مالك النخعي وأنه ضعيف وفي علل الدارقطني أيضا أنه مضطرب من جهة أبي مالك والله تعالى أعلم، (واسم هذه المرأة بركة) بالفتحات (واختلف في نسبها) فقيل هي بنت يسار مولاة أبي سفيان بن حرب بن أمية كانت هي وزوجها قيس بن عبيد الله هاجرا مع أم حبية بنت مولاها ابي سفيان وزوجها عبيد الله بن جحش فلما تنصر زوج أم حبيبة وبقيت على الإسلام خطبها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فزوجها له النجاشي واصدقها عنه أربعمائة دينار أو اربعمائة أوقية ذهب ثم بعثها إليه مع شرحبيل ابن حسنة وقدمت بركة هذه معها وكانت تخدمها وتخدم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهي اسم لثلاثة منهن أم أيمن (وقيل هي أمّ أيمن) أي الحبشية مولاته وحاضنته ومرضعته ورثها من أبيه ثم أعتقها لما تزوج خديجة فتزوجها عبيد بن زيد من بني الحارث فولدت له أيمن وبه كنيت ثم تزوجها بعد النبوة زيد بن حارثة فولدت له أسامة حبه صلى الله تعالى عليه وسلم وإلى هذا القول ذهب ابن عبد البر وغيره وقال الواقدي كانت أم أيمن عسيرة اللسان فكانت إذا دخلت قال سلام اللا عليكم يعني سلام الله عليكم فرخص لها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن تقول سلام عليكم أو السلام عليكم كذا ذكره
[ ١ / ١٧١ ]
التلمساني تبعا للحلبي وفيه أن هذا جائز لغيرها أيضا فلا وجه للترخيص لها ولعل الرخصة أن تقول سلام بدون عليكم ويؤيده قولهم إن ذلك كان تكرمة لها وروي أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال هي أمي بعد أمي (وكانت تخدم النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بضم الدال وتكسر على ما في القاموس فاندفع قول التلمساني ولا يصح الكسر كما تقوله العامة، (قالت) أي المرأة (وكان لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قدح من عيدان) بفتح عين مهملة ووزنه فعلان أو فيعال جمع عيدانة وهي النخلة الطويلة وقيل بكسرها جمع عود (يوضع) أي القدح (تَحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فِيهِ مِنَ اللَّيْلِ فَبَالَ فيه ليلة ثمّ افتقده) أي طلبه ليصبه (فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا فَسَأَلَ بَرَكَةَ عَنْهُ) أي عن بوله الذي كان في القدح (فَقَالَتْ قُمْتُ وَأَنَا عَطْشَانَةٌ فَشَرِبْتُهُ وَأَنَا لَا أعلم) أي أنه بول قال الدلجي تبعا لغيره من المحشيين الصواب عطشى لأنه مؤنث عطشان إلا أن تكون لغة قلت الصواب إن عطشانة جاء في لغة كما في القاموس وقيل هي لغة بني أسد ثم القدح إناء يشرب منه ويقال للصغير الغمر بضم الغين وهو أول الأقداح وهو الذي لا يبلغ الري ثم القعب وهو قد روى الرجل ثم القدح وهو يروي الاثنين والثلاثة ثم غيرها على ما في كتب اللغة والسرير مرفع يصنع من خشب ويوضع في ناحية من البيت أو السطح يتخذ للرقاد وقاية من الأض وما فيها. (روى حديثها) أي بكماله (ابن جريج) بالجيمين مصغرا مجمع على كونه ثقة ولد سنة ثمانين ومات سنة خمسين ومائة روى عن مجاهد وعطاء وطاوس وابن أبي مليكة وعنه ابن عيينة والثوري وغيرهما وهو مجمع على ثقته وهو أول من صنف الكتب في الإسلام وقد روى عن حكيمة بنت أميمة بنت أبي صيفي عن أمها قالت كان لرسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَحٌ مِنْ عِيدَانٍ يُوضَعُ تَحْتَ سريره ليبول من الليل فيه فبال فيه ليلة ووضع تحت سريره ثم افتقده فلم يجد فيه شيئا فقال لامرأة يقال لها بركة كانت تخدمه ما فعل بالبول الذي كان في هذا القدح فقالت يا رسول الله أني شربته وروى عبد الرزاق عنه قال أخبرت أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يبول في قدح من عيدان ثم يوضع تحت سريره فجاء فإذا هو ليس فيه شيء فقال لامرأة يقال لها بركة كانت تخدم أم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة أين البول الذي كان في القدح قالت شربته قال صحة يا أم يوسف وكانت تكنى أم يوسف فما مرضت قط حتى ماتت (وغيره) أي ورواه أيضا غير ابن جريج كأبي داود وابن حبان والحاكم عن أميمة عن أمها وروى الحاكم والدارقطني عن أم أيمن قالت قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من الليل إلى فخارة في جانب البيت فبال فيها فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت ما فيها وأنا لا أشعر فلما اصبح قال يا ام أيمن قومي فأهرقي ما في تلك الفخارة قد والله شربته فضحك ثم قال أما والله لا يجعن بطنك بعدها أبدا وهذا يدل على أنهما واقعتان وقعتا كما قال ابن دحية لبركة أم يوسف وبركة أم أيمن وينصره ما في خصائص تدريب البلقيني أنهما شربتاه هذا وقد شرب أيضا دمه ﵊ أبو طيبة عاش مائة وأربعين سنة وسفينة مولى النبي صلى الله تعالى عليه
[ ١ / ١٧٢ ]
وسلم رواه البيهقي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ذكره الرافعي في الشرح الكبير قال ابن الملقن ولم أجده في كتب الحديث (وكان النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قد ولد مختونا) أي لا قلفة له (مقطوع السّرة) بضم السين رواه أبو نعيم والطبراني في الأوسط وفي دلائل البيهقي بسند ضعيف عن ابن عباس ﵁ عن أبيه أنه ولد معذورا مسرورا أي مقطوع السرة مختونا يقال عذره وأعذره ختنه وروى الخطيب عن أنس رضي الله تعالى عنه مرفوعا وصححه أيضا في المختار من كرامتي على ربي أني ولدت مختونا ولم ير أحد سوءتي وقال الحاكم تواترت الأخبار بولادته مختونا وتعقبه الذهبي بقوله ما أعلم صحته فكيف يكون متواترا قلت يجوز أن يكون الشيء متواترا عند بعض دون بعض وقيل ختن لما شق قلبه عند مرضعته حليمة أي ختنته الملائكة عندها كما ذكره التلمساني وقيل ختنه جده يوم سابع ولادته وصنع له مأدبة وسماه محمدا (وروي) في بعض الروايات (عن أمّه آمنة) بالمد على وزن فاعلة وهي بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب ولم تلد غيره صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يتزوج غيرها عبد الله على الأصح فيهما وفي اسم آمنة أمان أمته وفي حليمة حلم وفي بركة بركة فتلك آمنة من سائر النقم وذكر السهيلي أن الله ﷿ أحيى للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم أبويه فأمنا به ثم أماتهما وكذلك نقله السيوطي في خصائص النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لكنه حديث موضوع كما صرح به ابن دحية وقد بينت هذه المسألة في رسالة مستقلة (أنّها قالت ولدته نظيفا) أي نقيا (ما به قذر) بفتحتين أي وسخ ودرن كذا رواه ابن سعد في طبقاته وروي أنه ولدته أمه بغير دم ولا وجع قال المسعودي ولد ﵊ في شهر ربيع الأول من سنة أربعين من ملك كسرى نوشيروان في دار ابن يوسف وهذه الدار بنتها بعد ذلك الخيزران أم الهادي والرشيد مسجدا. (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَا رَأَيْتُ فرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قطّ) أي إما حياء منه أو منها أو منهما والحديث رواه ابن ماجة والترمذي في شمائله وروي عنها أنها قالت ما رأيت منه ولا رأى مني أي العورة، (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَوْصَانِي النَّبِيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بأن لا (لا يغسّله غيري) بتخفيف السين وتشديدها (فَإِنَّهُ لَا يَرَى أَحَدٌ عَوْرَتِي إِلَّا طُمِسَتْ عيناه) بصيغة المجهول وأبعد التلمساني في قوله بفتح الميم مع أنه قال والطمس المحو والمطموس العين هو الذي لا شق بين جفنيه انتهى والمعنى عميت قال الدلجي قوله فإنه علة لترك غسله لغير علي كرم الله وجهه وتحذير من إقدام غيره عليه وخصه بذاك لعلمه صلى الله تعالى عليه وسلم بأن له قدرة على غض بصره انتهى وفيه نظر لأن غض البصر من كل أحد ممكن إذا أوصاه به وفي السيرة عن يونس بن بكر أنه نودي وهو يغسله أن ارفع طرفك إلى السماء وفيه إشكال إذ لا يمكن غسله بكماله مع غض البصر ورفعه وأيضا لا يخلو من أنه يغسل مجردا أو مصحوبا بما يغطي عورته من سرته إلى ركبته أو في قميصه ولا أظن أن الاحتمال الأول يصح إذ لا يجوز لغيره أن يفعل هذا به فكيف
[ ١ / ١٧٣ ]
بمثله صلى الله تعالى عليه وسلم مع قوله فإنه أي الشان لَا يَرَى أَحَدٌ عَوْرَتِي إِلَّا طُمِسَتْ عَيْنَاهُ فهو بيان تنبيه لعلى وغيره ممن كان يعينه في غسله من أهل البيت أن لا يقصدوا رؤية عورته ليحترسوا ويحترزوا عن كشفها ووقوع نظرهم عليها هذا وعن ابن إسحاق لما اختلفوا هل يغسلونه في ثوبه أو لا نودوا أن اغسلوه في ثوبه انتهى والمراد بثوبه قميصه كما بينته في شرح الشمائل للترمذي، (وفي حديث عكرمة) وهو مولى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأحد فقهاء مكة وتابعيهم ومفسريهم لكنه أباضي خارجي (عن ابن عبّاس ﵄) كما رواه الشيخان عنه (أنّه صلى الله تعالى عليه وسلم نام حتّى سمع له) بصيغة المفعول (غطيط) أي صوت يخرج مع نفس النائم (فَقَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ قَالَ عِكْرِمَةُ لِأَنَّهُ صلى الله تعالى عليه وسلم. كان محفوظا) أي من أن يخامر قلبه نوم وإن خامر عينيه لحديث أنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا وأما نومه عن صلاة الصبح في الوادي وعن صلاة التهجد أحيانا فالأظهر أنه تجديد للوضوء ويجوز أن يكون عن نقض قبله أو بعده وقيل عن مخامرة قلبه مع ندرة ليبين لأمته لكنه مردود لما سبق من عموم الأوقات المفهوم من الحديث الذي تقدم والله أعلم.
فصل [وَأَمَّا وُفُورُ عَقْلِهِ وَذَكَاءُ لُبِّهِ وَقُوَّةُ حَوَاسِّهِ وفصاحة لسانه واعتدال حركاته وحسن شمائله]
(وأمّا وفور عقله) أي زيادته على عقل غيره (وذكاء لبّه) بفتح الذال المعجمة ممدودا أي حدة فهمه وسرعة دركه واللب أخص من العقل فإنه مختص بالعقل السليم والفهم القويم من لب الشيء خالصه وسره منه قوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (وقوّة حواسّه) بتشديد السين جمع حاسة من حس بمعنى أحس وهي أسباب علمه من سمع وبصر وذوق وشم ولمس يعم جميع البدن (وفصاحة لسانه) أي حسن تعبيره وبيانه (واعتدال حركاته) أي وسكناته من قيام وقعود ومشي ورقود ونحو ذلك (وحسن شمائله) أي من خلقه وخلقه (فلا مرية) بكسر الميم وتضم كما قرئ بهما في قوله تعالى فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ إلا أن الضم شاذ أي فلا شك (أنّه كان أعقل النّاس وأذكاهم) بالذال المعجمة أي أحدهم طبعا وأطيبهم نفعا، (ومن تأمّل صلى الله تعالى عليه وسلم) أي تفكر (تدبيره) أي نظره باعتبار عاقبته (أمر بواطن الخلق وظواهرهم) أي بتصرفه فيهما إلى حسن مآلهما (وسياسة العامّة والخاصّة) من سست الرعية سياسة أمرتها ونهيتها والظاهر أنها بكسر السين وأبدلت الواو ياء لحركة ما قبلها كالقيام والصيام فإنها من مادة السوس على ما في القاموس وقال الحلبي بفتح السين والظاهر أنه سبق قلم أو زلة قدم ثم المراد بالخاصة العالم والمتعلم وبالعامة من عداهم كما ورد الناس اثنان عالم ومتعلم والباقي همج رعاع اتباع لا يعبأ الله بهم وعن علي كرم الله وجهه وقد سئل عن العامة فقال همج رعاع اتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق وأجمع الناس في تسميتهم على أنهم غوغاء وهم الذين إذا اجتمعوا غلبوا وإذا تفرقوا لم يعرفوا انتهى والغوغاء مأخوذ من غوغاء الجراد لأنه يركب بعضه بعضا
[ ١ / ١٧٤ ]
فسميت العامة باسمه لأجل الشبه الحاصل بينهما في الارتكاب أي يتبع بعضهم بعضا من غير فائدة ولا منفعة وإنما هم يقبلون لا لشيء ويدبرون لا لشيء (مع عجيب شمائله) أي أخلاقه العجيبة (وبديع سيره) بكسر ففتح جمع سيرة أي سيرة الغريبة (فضلا) مصدر لفعل محذوف يقع متوسطا بين نفي وإثبات لفظ ومعنى فالمعنى لم ينل أحد عقله يفضل فضلا (عمّا أفاضه) أي زيادة عما أبداه وبينه وأذاعه وأفشاه (من العلم) أي اعتقاديا وعمليا (وقرّره) أي أثبته وحرره (من الشّرع) بيان لما أفاضه وقرره وذلك كله (دون تعلّم سبق) أي له من غيره (ولا ممارسة) أي ملازمة (تقدّمت) أي منه لشيء من ذلك (ولا مطالعة للكتب منه لم يمتر) من الامتراء وهو جواب الشرط أي لم يشك (في رجحان عقله وثقوب فهمه) بضم المثلثة أي في سرعة دركه (لأوّل بديهة) أي في أول وهلة بدون تفكر ومهلة فكأنه يثقب العلم بقوة فهمه كما يثقب النجم الظلام بقوة ضوئه، (وهذا) أي ما ذكر (ممّا لا يحتاج إلى تقريره) أي ذكره وتحريره (لتحقّقه) وفي نسخة لتحققه أي لظهور تحققه وثبوت أمره عقلا ونقلا، (وقد قال وهب بن منبه) بتشديد الموحدة المكسورة وهو تابعي جليل من المشهورين بمعرفة الكتب الماضية روى عن ابن عباس وغيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وروى عنه ابن دينار وعوف الأعرابي وآخرون واتفقوا على توثيقه ويقال إنه ما وضع جنبيه على الأرض ثلاثين سنة وكان يقول لأن أرى في بيتي شيطانا أحب إلي من أن أرى وسادة لأنها تدعو إلى النوم وله إخوة منهم همام بن منبه وعمر بن منبه وهم من ابناء الفرس الذين بعث بهم كسرى إلى اليمين (قرأت في أحد وسبعين كتابا) أي من كتاب الله المنزلة وفي معارف ابن قتيبة قرأت من كتيب الله اثنين وَسَبْعِينَ كِتَابًا (فَوَجَدْتُ فِي جَمِيعِهَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم أرجح النّاس) أي الخلق (عقلا وأفضلهم رأيا) أي تدبيرا ناشئا من العقل الكامل الذي ينظر في بدء الأمر ودبره وأوله وآخره وقيل الرأي رأي القلب وهو ما رآه من حالة حسنة (وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فَوَجَدْتُ فِي جَمِيعِهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُعْطِ جَمِيعَ النَّاسِ مِنْ بَدْءِ الدُّنْيَا إِلَى انْقِضَائِهَا مِنَ الْعَقْلِ فِي جنب عقله صلى الله تعالى عليه وسلم إلّا كحبّة) أي لم يعطهم جميعا منه شيئا نسبته إلى عقله إلا كنسبة حبة (رمل من بين رمال الدّنيا) أي بالنسبة إلى رمالها وهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس والظاهر أنه كان أفضلهم رأيا في الأمور الدينية وكذا في الأعمال الدنيوية باعتبار الأكثرية أو حالة جزمه بالقضية فلا ينافيه حديث البخاري أنه صلى الله تعالى عليه وسلم رأى أهل المدينة يأبرون النخل بكسر الباء وضمها فسألهم عنه فقالوا كنا نفعله فقال لعلكم لو لم تفعلوا لكان خيرا فتركوه ففسد ذلك العام فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مثلكم فإذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوه وإذا أمرتكم بشيء من رأيي أي مع تردد فيه وعدم جزم بحسنه فإنما أنا بشر أخطئ وأصيب أي في غير ما أوحى إليه وحيا جليا أو خفيا كما أشار إليه قوله تَعَالَى قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ الآية (وقال مجاهد) أي كما رواه عنه ابن المنذر والبيهقي مرسلا بلفظ (كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. إذا قام في
[ ١ / ١٧٥ ]
الصّلاة) وفي نسخة إلى الصلاة والأظهر هو الأول فتأمل (يَرَى مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ بَيْنِ يديه) من فيهما جارة ويجوز أن تكون موصولة وكذا ما ورد مثلها مما سيأتي (وبه) أي وبما ذكر من أنه يرى من خلفه (فسّر) أي مجاهد (قوله تعالى: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء: ٢١٨]) بالنصب عطفا على الضمير المفعول في قوله ﷾ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ والمعنى ويرى تردد بصرك في من وراءك من المصلين لتصفح أحوالهم من الكاملين والغافلين (وفي الموطّإ) للإمام مالك عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (عنه ﵇) وصدره أترون قبلتكم هذه فو الله لا يخفى علي ركوعكم ولا سجودكم، (إنّي لأراكم من وراء ظهري ونحوه) أي نحو حديث الموطأ بحسب المعنى (عن أنس) رضي الله تعالى عنه (في الصّحيحين) وهو ما روياه عن أنس مرفوعا اقيموا الركوع والسجود فو الله اني لأراكم من بعدي وربما قال من بعد ظهري إذا ركعتم وسجدتم، (وعن عائشة ﵂ مثله) أي مثل ما في الصحيحين لفظا ومعنى (قالت) أي عائشة رضي الله تعالى عنها (زيادة) على ما سبق أي هذه المعجزة العظيمة والخصلة الكريمة زيادة فضيلة (زاده الله إيّاها في حجّته) أي لصحة نبوته (وفي بعض الرّوايات) أي لعبد الرزاق والحاكم (إِنِّي لَأَنْظُرُ مِنْ وَرَائِي كَمَا أَنْظُرُ مِنْ بين يديّ) فالموصولة متعينة فيهما وفي نسخة إلى ما وفي رواية كما انظر من بين يدي فالاحتمالان في من جائزان، (وفي أخرى) أي وفي رواية أخرى لمسلم (إِنِّي لَأُبْصِرُ مِنْ قَفَايَ كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بين يديّ وحكى بقيّ بن مخلد) بفتح الموحدة وكسر القاف وتشديد التحتية ومخلد بفتح الميم واللام بينهما خاء معجمة وهو أبو عبد الرحمن القرطبي الحافظ صاحب المسند الكبير والتفسير الجليل الذي قال فيه ابن حزم ما صنف تفسير مثله أصلا سمع ابن أبي شيبة وغيره وكان مجتهدا ثبتا لا يقلد أحدا قال ابن حزم كان بقي ذا خاصة من أحمد بن حنبل وجاريا في مضمار البخاري ومسلم والنسائي انتهى وكان مجاب الدعوة وقيل إنه كان يختم القرآن كل ليلة في ثلاث عشرة ركعة ويسرد الصوم وحضر سبعين غزوة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرَى فِي الظُّلْمَةِ كَمَا يَرَى في الضّوء) وفي رواية كما يرى في النور قال البيهقي إسناده ضعيف كما رواه أيضا من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان يرى بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار في الضوء وقال ليس بقوي وقال ابن الجوزي لا يصح ولا ينافيه ما في روضة الهجرة للسهيلي من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما تزوج أم سلمة دخل عليها في ظلمة فأصابت رجله زينب فبكت ثم في ليلة أخرى دخل في ظلمة أيضا فقال انظروا ربائبكم لا أمشي عليها لاحتمال ما سبق على حالة من أحواله المسماة بالمعجزة والكرامة وهي لا تستدعي استيفاء الأوقات والمداومة فتحمل إحداهما على الندرة أو تخص تلك الحالة بوقت الصلاة هذا وقد ذكر النووي في شرح مسلم قال العلماء معناه أن الله خلق له صلى الله تعالى عليه وسلم إدراكا في قفاه يبصر به من ورائه وقد انخرفت العادة له صلى الله
[ ١ / ١٧٦ ]
تعالى عليه وسلم بأكثر من هذا وليس يمنع من هذا عقل ولا شرع بل ورد الشرع بظاهره فوجب القول به وذكر المصنف كما سيأتي أنه قال أحمد بن حنبل وجمهور العلماء هذه الرؤية رؤية العين حقيقة وذكر مختار بن محمود مصنف القنية الزاهد من أصحابنا الحنفية وشارح القدوري في رسالته الناصرية أنه ﵊ كان بين كتفيه عينان مثل سم الخياط وكان يبصر بهما ولا يحجبهما الثياب (وَالْأَخْبَارُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ فِي رُؤْيَتِهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم الملائكة والشّياطين) أما الأول فكرواية البخاري وغيره أنه رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ على كرسي بين السماء والأرض قد سد الأفق وقد رأى كثيرا منهم ليلة الإسراء وربما قيل إنه أمر فيهم ونهي وأما الثاني فكحديث البخاري أن عفريتا تفلت علي البارحة في صلاة المغرب وبيده شعلة من نار ليحرق بها وجهي فأمكنني الله منه فدفعته ثم أردت أن أربطه بسارية من سواري المسجد فذكرت دعوة أخي سليمان وفي رواية لولا دعوة أخي سليمان لأصبح يلعب به ولدان المدينة؛ (ورفع النّجاشيّ) بفتح النون وتكسر وبتشديد الياء وتخفف وقيل هو أول من لقب من ملك الحبشة واسمه كما في البخاري اصحمة وقيل صحمة أو صمحة كتب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا قد بايعتك وأسلمت لله رب العالمين ورفع بصيغة المجهول والنجاشي وما عطف عليه مرفوع على نيابة الفاعل كما صرح به الحلبي وابعد الدلجي وجعله مخفوضا حيث قال وجاءت أيضا يعني الأحاديث في رفع النجاشي (له حتّى صلّى عليه) أي يوم مات في رجب سنة تسع من الهجرة وقد أخرج أبو داود من طريق يزيد بن مروان عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور وأما حديث صلاته عليه فرواه الشيخان وغيرهما وبه استدل الشافعي على جواز الصلاة على الغائب وأما حديث رفعه له فظاهره أن المرفوع هو على نعشه حتى قيل إنه أحضر بين يديه فلم تقع الصلاة إلا لعى حاضر وقيل رفع له الحجاب وطويت له الأرض حتى رآه قال الدلجي وجميع ما ذكر وإن كان ممكنا وقوعه فدعوى بلا بينة إذ لم يشهد به كتاب ولا سنة ومن ثمة أنكره ابن جرير لعدم وجوده في خبر ورواية عالم في أثر وإنما الوارد في رواية أبي علي والبيهقي أن معاوية بن معاوية المزني رفع له وهو صلى الله تعالى عليه وسلم بتبوك حتى صلى عليه انتهى ولا يخفى أن ثبوت هذه القضية في الجملة مع ذلك الاحتمال ينفي التعلق بفعله صلى الله تعالى عليه وسلم في مقام الاستدلال كيف وقد جاء في المروي ما يومي إليه وهو ما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث عمران بن حصين أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال إن أخاكم النجاشي توفي فقوموا وصلوا عليه فقام ﵊ وصفوا خلفه فكبر أربعا وهم لا يظنون أن جنازته بين يديه فهذا اللفظ يشير إلى أن الواقع خلاف ظنهم لأنه هو فائدته المعتد بها فإما أن يكون سمعه منه ﵊ أو كشف له وقد صرح القسطلاني في شرح البخاري ناقلا عن أسباب
[ ١ / ١٧٧ ]
النزول للواحدي عن ابن عباس قال كشف للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن سرير النجاشي حتى رآه وصلى عليه وقال التلمساني ذكر ابن قتيبة في آداب الكتاب والكلاعي في النقاية أنه توفي ورفع إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى صلى عليه حين منصرفه من غزوة تبوك هذا مع أنه قد يقال إن ذلك خص به النجاشي فلا يلحق به غيره ودليل الخصوصية أنه لم يصل على غائب إلا عليه وعلى بعض آخر صرح فيه بأنه رفع له كما رواه الطبراني من حديث أبي أمامة وابن سعد في الطبقات عن أنس أن معاوية بن معاوية المزني ويقال الليثي نزل جبريل ﵊ بتبوك فقال يا رسول الله إن معاوية بن معاوية المزني مات بالمدينة أتحب أن أطوي لك الأرض فتصلي عليه قال نعم فضرب بجناحه الأرض فرفع له سريره فصلى عليه وخلفه صفان من الملائكة في كل صف سبعون الف ملك ثم رجع فقال ﵊ لجبريل بم أدرك هذا قال بحبه سورة قل هو الله أحد وقراءته إياها حائيا وذاهبا وقائما وقاعدا وعلى كل حال (وبيت المقدس) بفتح الميم وكسر الدال وجوز ضم ميمه وفتح داله المشددة وهو بالرفع أي ورفع له أيضا بيت المقدس كما في الصحيحين (حين وصفه لقريش) الظاهر حتى وصفه لقريش حين كذبوه في أخباره أنه أسرى به إليه ثم إلى ما شاء الله تعالى ثم رجع إلى مكة في ليلة وارتد كثير ممن اسلم وأخبروا أبا بكر بذلك فقال لهم والله لقد صدق أنه ليخبرني أن الخبر يأتيه من السماء في ساعة واحدة من ليل أو نهار فأصدقه وهو أبعد مما تعجبون منه ثم قال يا نبي الله صفه لي فإني جئته فرفع له حتى نظر إليه فطفق يصفه له ويصدقه وفي مسلم لقد رأيتني في الحجر وقريش فسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس فكربت كربة ما كربت مثلها قط فرفعه الله لي فما سألوني عن شيء منه إلا أنبأتهم به. (والكعبة) أي ورفع الكعبة له أيضا حتى رآها (حين) وفي نسخة حتى (بنى مسجده) أي بالمدينة ليجعل محرابه إليها على ما رواه الزبير بن بكار في تاريخ المدينة عن ابن شهاب ونافع بن جبير بن مطعم مرسلا قال الدلجي وهو غريب والمعروف أن جبريل هو الذي اعلمه بها واراه سمتها لا أنها رفعت له حتى رآها بشهادة ما في جامع العتبية من سماع مالك قال سمعت أن جبريل هو الذي أقام له قبلة مسجده انتهى ولا يخفى أنه يمكن الجمع بينهما بأن اخبره جبريل ثم رفع له البيت الجليل أو بأن يحمل كل قضية على مسجد من مسجد المدينة وقبا فإن قيل لا خلاف في أنه أول قدومه المدينة كان يصلي إلى بيت المقدس إلى أن حولت القبلة بعد بنائه مسجده فكيف يجعل محرابه إلى الكعبة فالجواب أنه يمكن تقديم بناء المسجد وتأخير بناء المحراب إلى الكعبة بعد التحويل مع أنه قد يقال إنه صلى الله تعالى عليه وسلم صلى بعض الصلاة أول البناء إلى الكعبة ثم حول إلى بيت المقدس ثم حول إلى الكعبة ويؤيده خبر بعض نساء الأنصار كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين بنى مسجده يؤمه جبريل إلى الكعبة ويقيم له القبلة وهذا ايضا يؤيد الجمع الأول فتأمل. (وقد حكى عنه صلى الله
[ ١ / ١٧٨ ]
تعالى عليه وسلم) قال التلمساني جاء ذلك في حديث ثابت من طريق العباس عمه ﵊ ذكره ابن حيثمة (أَنَّهُ كَانَ يَرَى فِي الثُّرَيَّا أَحَدَ عَشَرَ نجما) والثريا تصغير ثروى وهي المرأة الكثيرة المال من الثروة وهي الكثرة النجم المعروف لكثرة كواكبه مع ضيق المحل وقال السهيلي الثريا اثنا عشر كوكبا وكان يراها كما جاء ذلك في حديث ثابت من طريق العباس وقال القرطبي لا تزيد على تسعة فيما يذكرونه انتهى ولعله بالنسبة إلى غيره صلى الله تعالى عليه وسلم وبالجملة فذلك لحدة بصره وقوة نظره ويقال لها النجم وهي أنجم لانها لا تفترق فهي كالواحد (وهذه) أي الأخبار المذكورة والآثار المسطورة (كلّها محمولة على رؤية العين وهو) أي هذا القول أو هذا الحمل وابعد الدلجي في قوله ذكره نظرا إلى ما بعده وهو (قول أحمد بن حنبل وغيره) أي من المحققين وهم الجمهور كما سبق والإمام أحمد من مرو وسكن ببغداد من صغره ومات بها رحمه الله تعالى وروى عنه الشيخان قال الأنطاكي تبعا للحلبي وروى عنه البغوي والظاهر أنه وهم (وذهب بعضهم) أي كالنووي في شرح مسلم (إلى ردّها إلى العلم) أي فهي رؤية علم وكشف قال المنجاني ومعنى ذلك أن الله ﷾ خلق له علما بجميع ما يفعل وراءه صلى الله تعالى عليه وسلم وذلك خروج عن ظاهر الحديث وإنما تميل إليه المعتزلة لأنهم يشترطون في الإدراك بنية مخصوصة تخلق له وأغرب الدلجي في قوله أي خلق الله تعالى له في قفاء قوة إدراكية يدرك بها من ورائه على طريق خرق العادة انتهى ولا يخفى أن مآله إلى أن الرؤية بصرية وأغرب من ذلك أنه لما ذكر هذا قال وأغرب مختار بن محمود الحنفي حيث قال وكان بين كتفيه عينان مثل سم الخياط لا يحجب بصرهما الثياب والله أعلم بالصواب، (والظّواهر تخالفه) أي ظواهر هذه الأخبار تخالف ما ذهب إليه البعض من العلماء الأخبار وأبعد بعضهم على ما ذكره المصنف في مشارق الأنوار حيث قال إنما هي بالتفاتة يسيرة إلى من ورائه معللا بأنه لو كان يرى من خلفه لما قال أيكم الذي ركع دون الصف فقال أبو بكر أنا يا رسول الله فقال زادك الله حرصا ولا تعد والجواب أن في نفس الحديث ما يدل على مدعانا إذ صرح بأنه رأى رجلا ركع قبل دخوله في الصف وعدم علمه بخصوص فاعله إما لبعده عنه وإما لكثرة الصفوف أو لاستغراق ونحوه مما يمنع التوجه إلى صوبه وتعمقه في قصده فرآه مجملا لا مفصلا مع أن خوارق العادات لا يلزم تحققها في جميع الأوقات وقال ابن عبد البر هذا قبل أن يمنحه الله بهذه الفضيلة فقد كانت خصائصه تتزايد في كل وقت وحين والله الموفق والمعين (ولا إحالة) مصدر أحاله والمحال هو الشيء الممتنع فالمعنى لا امتناع شرعا وعقلا وعادة (في ذلك) أي في كونه رواية عين بطريق المعجزة (وهي من خواصّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وخصالهم) أي المختصة بهم (كَمَا أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحمد) أي التميمي البستي (العدل من كتابه حدّثنا أبو الحسن المقرىء) أي العالم بعلم القراءة وهو نزيل مكة (الفرغانيّ) نسبة إلى فرغانة بالفتح بلد بالمغرب على ما
[ ١ / ١٧٩ ]
في القاموس وآخر بالمشرق والظاهر أنه المراد ههنا لقوله (حَدَّثَتْنَا أُمُّ الْقَاسِمِ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أبيها) وهو أبو بكر محمد بن إسحاق الكلابادي مؤلف كتاب الأخبار عن فوائد الأخيار وقيل الأخبار بفوائد الأخيار وكان بعد الأربعين والثلاثمائة (حَدَّثَنَا الشَّرِيفُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الحسني) قال التلمساني هو الشريف أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنهم قلت ولا يصح هذا لأن النسخ كلها متفقة على نسخة الحسنى بفتحتين والله ﷾ أعلم (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن محمّد بن مرزوق) هو البصري يروي عن زيد بن هارون ومحمد بن عبد الله الأنصاري (حدّثنا همام) بفتح هاء فتشديد ميم وهو ابن يحيى بن دينار العودي قال الحلبي وغيره وصوابه هانىء بن يحيى وقال التلمساني هو همام بن الحارث النخعي الكوفي سمع حذيفة وعمارا وروى عنه إبراهيم النخعي انتهى والظاهر أنه وهم منه كما لا يخفى من مرتبة الإسناد والله أعلم بالصواب والسداد في المراد (حدّثنا الحسن) أي ابن أبي جعفر الجفري كما سيأتي قريبا وهو بضم الجيم وسكون الفاء نسبة إلى مكان بالبصرة وهو أحد الضعفاء (عن قتادة) تابعي جليل (عن يحيى بن وثاب) بتشديد المثلثة ثقة مقاله خاشع مقرئ يروي عن ابن عباس وابن عمر وعلقمة وعنه الأعمش وَغَيْرِهِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عن النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لمّا تجلّى الله تعالى) أي ظهر بلا كيف (لموسى ﵇) أي في ضمن تجليه للجبل كما يشير إليه قوله تعالى فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا فلا يحتاج إلى ما تكلف له الدلجي تبعا للمنجاني قوله ولا يعزب عنك أن المتجلى له كما ذكر في الآية إنما هو الجبل فالتقدير لما تجلى الله للجبل لأجل سؤال موسى أن يراه وتعسفه ظاهر مع أنه يفيد أنه لم يقع التجلي لموسى فلم يحصل ترتب بين لما وجوابها وهو قوله (كان يبصر) أي يرى كما في أصل التلمساني (النّملة على الصّفا) بالقصر أي الصخرة الملساء ولا يبعد أن يكون بالمد لمشاكلة قوله (في اللّيلة الظّلماء) أي شديدة الظلمة (مسيرة عشرة فراسخ) أي مقدارها تحديدا أو تقريبا أو تكثيرا والفرسخ فارسي معرب وهو ثلاثة أميال والميل منتهى البصر أو أربعة آلاف خطوة والخطوة ثلاثة اقدام معتدلة بوضع قدم أمام قدم يلصق به قال التلمساني يصح في شين عشرة الفتح والكسر والسكون وهو وهم منه لأن الوجوه الثلاثة إنما تجوز إذا ركبت العشرة مع غيرها من الأعداد المؤنثة المقدمة عليها كإحدى عشرة وأمثالها وأما عند الانفراد بها فلا يجوز إلا الفتح فيها ثم اعلم أن هذا الحديث رواه الطبراني في الصغير بنحوه هذا الإسناد وقال لم يروه عن قتادة إلا الحسن تفرد به هانئ قال الحلبي أما هانئ بن يحيى السلمي فذكره ابن حيان في الثقات وقال يخطئ وأما الحسن بن أبي جعفر الجفري فضعيف (ولا يبعد على هذا) أي على طبق هذا الحديث ووفقه من المعجزة المترتبة على التجلي الموجب
[ ١ / ١٨٠ ]
لتجلية الغين وتحلية العين (أن يختصّ) بصيغة الفاعل أو المفعول أي يصير مخصوصا (نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم بما ذكرناه من هذا الباب) يعني زيادة قوة باصرة ذلك الجناب وأدخل الدلجي في العبارة ما ليس في الكتاب (بعد الإسراء) أي بعد اسرائه إلى سدرة المنتهى (والحظوة) بضم الحاء وتكسر أي وبعد الحظ والحظاء (بما رأى من آيات ربّه الكبرى) أي من عجائب الملكوت وغرائب الجبروت ورؤية الرب بنظر العين أو ببصر القلب على ما تقدم والله أعلم وهذا بالنظر إلى القوى البصرية الحسية والمعنوية. (وقد جاءت الأخبار) أي الدالة على قوته البدنية كخبر أبي داود والترمذي (بأنّه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (صرع) أي رمى وضرب على الأرض في حالة المصارعة (ركانة) بضم الراء وهو ابن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف (أشدّ أهل وقته) أي أقواهم في غلبة المصارعة وهو بالنصب بدل ويجوز رفعه (وكان) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (دعاه إلى الإسلام) جملة حالية قال الترمذي إسناده ليس بالقائم وقال البيهقي مرسل جيد وروي بإسناد موصولا إلا أنه ضعيف وفي سيرة ابن إسحاق خلا ركانة مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في بعض شعاب مكة قبل أن يسلم فقال يا ركانة ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه فقال لو أعلم ما تقول حقا لاتبعتك فقال أرأيت إن صرعتك تعلم أن ما أقول حق قال نعم فلما بطش به صلى الله تعالى عليه وسلم اضجعه لا يملك من أمره شيئا ثم قال عد يا محمد فعاد فصرعه أيضا فقال يا محمد إن ذا العجب فقال صلى الله تعالى عليه وسلم وأعجب من ذلك إن شئت أن أريكه إن اتقيت الله واتبعت أمري قال ما هو أدعو لك هذه الشجرة فدعاها فأقبلت حتى وقفت بين يديه صلى الله تعالى عليه وسلم فقال لها ارجعي مكانك فرجعت فلما رجع ركانة إلى قومه فقال يا بني عبد مناف ساحروا بصاحبكم أهل الأرض فو الله ما رأيت اسحر منه ثم أخبرهم بما رأى قال الحجازي وأسلم قبل الفتح قبل أن توفي بالمدينة سنة أربعين في زمن معاوية وقيل إنه من أجداد الشافعي قال المنجاني ولابنه يزيد أيضا إسلام وصحبة، (وصارع) يعني أيضا (أبا ركانة في الجاهليّة) صفة للملة أو الأمة أو الفترة (وَكَانَ شَدِيدًا وَعَاوَدَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ) بالنصب على نزع الخافض ويجوز رفعه أي كل ما ذكر من المرات (يصرعه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) قال الدلجي هذا وخبر أنه ﵇ صارع أبا جهل فصرعه فلم يصحا بل لا أصل لهما وفيه أنه في مراسيل أبي داود ويزيد بن ركانة أو ركانة بن يزيد على الشك لكن الظاهر أن الصحيح ركانة كما قاله الحلبي وغيره لا كما قاله النووي إنه الصواب والله أعلم نعم مصارعة أبي جهل لا تصح اتفاقا هذا وقد ذكر السهيلي أن أبا الأشد بن الجمحي واسمه كلدة بفتح اللام وكان بلغ من شدته فيما زعموا أنه كان يقف على جلد البقرة ويجاذبه عشرة لينزعوه من تحت قدميه فيتخرق الجلد ولا يتزحزح عنه وقد دعا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المصارعة وقال إن صرعتني آمنت بك فصرعه صلى الله تعالى عليه وسلم مرارا
[ ١ / ١٨١ ]
ولم يؤمن به، (وقال أبو هريرة ﵁) كما رواه الترمذي في شمائله والبيهقي في دلائله: (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم في مشيه) وفي نسخة مشيته بكسر الميم وزيادة التاء أي في هيئة مشيه وهي غير ملائمة لأسرع كما قاله المنجاني فتأمل في تحقيق المباني والمعاني (كأنّما الأرض) بالرفع لزيادة ما الكافة المانعة ما قبلها عما بعدها من العمل (تطوى له) بصيغة المجهول أي تنزوي وتجمع وتقرب وتدنو وقيل تطوى كطي الملاءة وأما المشي في الهوى وعلى الماء كما وقع لبعض الأصفياء فإنه يصدر بإذن رب السماء ثم بين وجهه بقوله، (إنّا) أي معشر الصحابة (لنجهد أنفسنا) بفتح النون والهاء وفي نسخة بضم النون وكسر الهاء من جهد دابته وأجهدها إذا حمل عليها في السير فوق طاقتها فالمعنى لنتعب أنفسنا بالجهد فوق طاقتها (وهو غير مكثرث) بكسر الراء أي والحال أنه صلى الله تعالى عليه وسلم غير مبال بمشينا ولا متأثر يمشي هونا ورفقا لقوله تعالى الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ولقوله تعالى وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ومع ذلك يسبق من شاءه كرامة خص بها إذا أعطي قوة زائدة على قوى سائر البشر لحديث كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين رجلا أي في المشي والبطش والجماع ونحوها وكان يطوف على نسائه في غسل واحد وكن تسعا، (وفي صفته ﵇) أي نعته من جهة حسن شمائله (أنّ ضحكه كان تبسّما) لما في البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عَنْهَا مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم مستجمعا قط ضاحكا حتى أرى منه لهواته إنما كان يتبسم ويشير إليه قوله تعالى فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا وفيه إيماء إلى أن الاقتصاد في الضحك هو الذي ينبغي وان كان الضحك جائزا لما ورد في بعض الروايات أنه ضحك حتى بدت نواجذه وعن عبد الرزاق أنه سئل ابن عمر أكان أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يضحكون أي أحيانا قال نعم وأن إيمانهم لأعظم من الجبال نعم يكره الاكثار منه كما قال لقمان لابنه إياك وكثرة الضحك فإنها تميت القلب وكما يشير إليه قوله تعالى فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا ولأن كثرة الضحك تنبئ عن الغفلة والبكاء ينبئ عن الرحمة وروي عن الحسن أنه كان لا يضحك وهذا لما غلب عليه من الخوف والقبض بخلاف من غلب الرجاء والبسط فإنه يضحك ولا يبكي والأعدل هو الاعتدال من هذه الخصال على وفق شمائله صلى الله تعالى عليه وسلم من تفصيل الأحوال (إذا التفت) كذا في بعض النسخ والظاهر كما في أصل الدلجي وإذا التفت أي إلى أحد الجانبين (التفت معا) وفي رواية جميعا أي بجميع نظره لا بمؤخر عينيه كما هو دأب سارق النظر ويسمى نظر العداوة ومنه قوله تعالى يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ فاندفع قول الدلجي أي بجميع بدنه وينبغي أن يخص هذا بالتفاته وراءه وأما التفاته يمنة ويسرة فالظاهر أنه يعنقه (وإذا مشى) أي في مسيرة (مشى تقلّعا) بضم اللام المشددة أي رفع رجليه رفعا بقوة لا اختيالا لشدة عزمه ولأن تقريب الخطى من مشية النساء والأغنياء الأغبياء (كأنّما ينحطّ من صبب) بفتح المهملة والموحدة الأولى أي كأنما ينحدر من مرتفع
[ ١ / ١٨٢ ]
قاله الدلجي تبعا للشمني وفي القاموس الصبب محركة تصبب نهر أو طريق يكون في حدوره وما انصب من الرمل وما أنحدر من الأرض وكل هذه المعاني تشير إلى أن الصبب بمعنى المنخفض لا بمعنى المرتفع وقد صرح الحجازي وغيره بأنه ما انحدر من الأرض وأغرب الحلبي حيث قال من موضع مرتفع منحدر فالأولى أن يقال من بمعنى في كما في قوله تعالى إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ويؤيده أنه جاء في رواية كأنما يهوي في صبوب بفتح الصاد وضمها فالمعنى كأنما ينزل من علو إلى سفل فإنه حينئذ يكون المشي بقوة لكن لا بإبطاء ولا بسرعة والمقصود من الحديث هذه الفقرة الدالة على كمال قوته البدنية في مسيرته الحسية وأما مسيرته المعنوية فقد علم في القضية الإسرائية.
فصل [وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول]
(وأمّا فصاحة اللّسان وبلاغة القول) أي في معرض البيان وخص الفصاحة باللسان لنطقه بالمفرد والمركب المطابقين لمقتضى الحال وهما يوصفان بها كالمتكلم والبلاغة بالقول إذ لا يكون إلا كلاما ذا اسناد يبلغ به المتكلم إرادته ويوصف بها الكلام كالمتكلم دون الكلمة لأنها لا يبلغ بها الغرض فراعى المصنف اصطلاح علماء المعاني والبيان في تقرير هذا الشأن (فقد كان صلى الله تعالى عليه وسلم من ذلك) أي مما ذكر من الفصاحة والبلاغة (بالمحلّ الأفضل والموضع الذي لا يجهل) بصيغة المجهول أي الظاهر بالوجه الأكمل (سلاسة طبع) بفتح السين ونصبت بنزع الخافض أي بسهولة جبلة وانقياد طبيعة وفي نسخة مع سلامة طبع (وبراعة منزع) بفتح الميم والزاء أي مأخذ ومطلع والبراعة بفتح الموحدة مصدر برع الرجل فاق أقرانه ووصفها بصفة صاحبها مبالغة أي منزعا بارعا وحاصله جودة لسان ولكافة بيان وأما قول التلمساني إنه بكسر الميم وهو السهم الذي نزع به واستعاره القاضي للسان مجازا إذ هو آلة الكلام ففي غاية من البعد مع مخالفته للأصول المعتمدة (وإيجاز مقطع) أي ومقطعا موجزا من أوجز أتى بكلام قل مبانيه وكثر معانيه والمقطع بفتح الميم والطاء منتهى المرام كما أن النزع مبدأ الكلام فالمعنى أن كلامه حسن الابتداء ومستحسن الانتهاء وهو المطلع والمقطع بأسلوب الشعراء من الفصحاء والبلغاء وأما ذكره التلمساني من أنه بكسر الميم وهو في الأصل شفرة حادة يقطع بها الشيء استعاره للقول مجازا إذ هي آلة فهو مع مخالفته للنسخ المصححة في غاية من التكلف ونهاية من التعسف (ونصاعة لفظ) بفتح النون أي ولفظا ناصعا أي خالصا من شوائب تنافر الحروف وغرابة الألفاظ وارتكاب الشذوذ (وجزالة قول) أي وقولا جزلا لا ركاكة فيه ولا ضعف تأليف وتركيب ينافيه بل نسجت خبره الحبرية على منوال تراكيب العربية (وصحّة معان) أي ومعاني صحيحة يستفاد منها مقاصد صريحة قال التلمساني ومعان جمع معنى بالياء وبدونها ولا خفاء لما فيه من ايهام أنهما لغتان وليس كذلك بل اختلافهما بحسب تفاوت إعرابهما (وقلّة تكلّف) أي قلة طلب كلفة في التأدية بعد
[ ١ / ١٨٣ ]
تأمل وتفكر وتروية وكان الأولى أن يقال وعدم تكلف لقوله ﷾ حكاية عنه وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ولعله أراد بالقلة العدم والله أعلم ومنه قول أبي أوفى كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقل اللغو أي لا يلغو رأسا ومنه أيضا قوله تعالى فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ أي لا يؤمنون أصلا (أوتي جوامع الكلم) جملة مستأنفة مبينة ومؤكدة لما قبلها أي أعطي الكلمات الجامعة للمعاني الكثيرة في المباني اليسيرة وقد جمعت أربعين حديثا يشتمل كل حديث على كلمتين وهو أقل ما يتركب منه الكلام الإسنادي كقوله الإيمان يمان والعدة دين والسماح رباح وأمثالها مما أدرجته في شرح الشمائل للترمذي والكلم بفتح كاف وكسر لام اسم جمع للكلمة ومنه قوله تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وقيل جمع لها وهو ضعيف (وخصّ ببدائع الحكم) بكسر ففتح جمع حكمة أي الحكمة البديعة المتضمنة للمعاني المنيعة (وعلم ألسنة العرب) أي وخص بمعرفة لغات طوائف العرب من قومه وغيرهم لأنه بعث إلى جميعهم فعلمه الله الألسنة ليخاطب كل قوم بما يفهمون لقوله تَعَالَى وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ وفي نسخة وعلم بصيغة الماضي المعلوم وفي أخرى بصيغة المجهول من التعليم عطفا على أوتي وقيل كان يعلم جميع الألسنة إلا أنه لم يكن مأمورا بإظهارها أو أراد أن يكون التكلم بالعربية هو ألسنة لأنه أفضل أنواع اللغة لأن كلام الله عربي ولسان أهل الجنة في الجنة عربي وأصل النبي عربي قيل ومن أسلم فهو عربي ولأنه أيسر اللغات وأضبط للكليات كما يشير إليه قوله ﷾ فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ (يخاطب) وفي نسخة فكان يخاطب (كلّ أمّة) أي طائفة (منها) أي من طوائف العرب (بلسانها ويحاورها) بالحاء المهملة أي ويجاوبها (بلغتها) وفي نسخة بلغتها (ويباريها) بالراء والياء أي يعارضها ويروى بدله ويباينها (في منزع بلاغتها) أي مأخذها ومرجع لغتها (حتّى) هي مستأنفة ههنا على ما ذكره الدلجي والأظهر أنها للغاية أي إلى حد (كان كثير من أصحابه) أي من أتباعه وأحبابه (يسألونه في غير موطن) أي في مواطن كثيرة (عن شرح كلامه) أي بيان مرامه (وتفسير قوله) عطف تفسير والأول مختص بالجمل والمركبات والثاني بالمفردات أو الأعم والله أعلم وقد صرح التلمساني بأن الصحابة كانوا يسألون عن كثير من مفردات اللغة نحو حتى تزهى وتزهو وحتى تشقح وسؤالهم عن لفظ الطاعون ونحو ذلك انتهى ثم هذا الذي ذكرناه أمر ظاهر وشأن باهر. (من تأمّل حديثه وسيره) أي أحاديثه في كتب المحدثين والأئمة المجتهدين وأقواله في كتب ارباب السير والمؤرخين وفي نسخة وسبره بالموحدة على أنه فعل ماض أي نظر في صناعة أساليبه وصياغة تراكيبه (علم ذلك) أي تفصيله (وتحقّقه) أي وثبت عنده وزال الريب عنه (وليس كلامه) أي لم يكن تكلمه (مع قريش) أي من أهل مكة (والأنصار) أي من أهل المدينة (وأهل الحجاز ونجد) أي وحواليهما (ككلامه مع ذي المشعار) بكسر ميم وسكون معجمة فمهملة أو معجمة بعدها ألف وراء وهو أبو ثور مالك بن نمط (الهمدانيّ) بميم ساكنة فمهملة نسبة إلى همدان قبيلة من اليمن قدم ﵊ مرجعه من تبوك
[ ١ / ١٨٤ ]
مع كثير من قومه مسلمين فقال هذا وفد همدان ما اسرعها إلى النصر وأصبرها على الجهد وأما همان بفتح الميم مع الذال المعجمة أو المهملة فبلد بعراق العجم قيل هاجر ذو المشعار في زمن عمر رضي الله تعالى عنه إلى الشام ومعه أربعة آلاف عبد فاعتقهم كلهم وانتسبوا إلى همدان (وطهفة) بكسر المهملة وسكون هاء ففاء (النّهديّ) بفتح فسكون قبيلة باليمن قدم ﵇ بعد فتح مكة كما قال ابن سعد وغيره (وقطن بن حارثة) بقاف ومهملة مفتوحتين وحارثة بالمثلثة (العليميّ) بالتصغير نسبة إلى بني عليم قدم عليه فسأله الدعاء له ولقومه في غيث السماء في حديث فصيح كثير الغريب على ما رواه ابن شهاب عن عروة (والأشعث بن قيس) قدم عليه مع كثير من قومه وعليهم الحبرات قد كففوها بالحرير فقال لهم الم تسلموا قالوا بلى قال فما هذا الحرير في أعناقكم فرموا به ثم ارتد بعد وفاته ﵊ ثم رجع إلى الإسلام وجيء به إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه أسيرا فعدد عليه فعلاته فلم ينكرها ثم قال با أبا بكر استبقني لحربك وزوجني أختك فزوجه ثم خرج ودخل سوق الإبل فلم يلق ذات أربع تؤكل إلا عقرها ثم قال يا قوم انحروا وكلوا هذه وليمتي ولو كنت في بلدي لأولمت كما يولم مثلي اغدوا علي فخذوا أثمان ما عقرت لكم ثم خرج مع سعد إلى العراق ويشهد معه مشاهد كثيرة في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه وسكن الكوفة إلى أن توفي وشهد معه مشاهد كثيرة في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه وسكن الكوفة إلى أن توفي بها بعد علي بأربعين يوما وصلى عليه الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين (ووائل بن حجر) بضم حاء وسكون جيم فراء واما وائل فيهمز كقائل وقول الحلبي بالمثناة التحتية قبل اللام في غير محله لأنه بناء على ما قبل إعلاله، (الكنديّ) بكسر الكاف قال الدلجي تبعا للمنجاني كذا ههنا ولعله تأخير من تقديم إذ هي نسبة الأشعث ونسبة وائل هي الحضرمي قلت لا يبعد أن يكون كنديا حضرميا ثم رأيت الحلبي صرح بأن وائل بن حجر كان من ملوك حمير الكندي الصحابي شهد مع علي في صفين وكانت معه راية حضر موت بشر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم به قبل قدومه عليه ثم قدم فأسلم فرحب به وأدناه من نفسه وقرب محله وبسط له رداءه وأجلسه عليه ودعا له بالبركة ولولده ولولد ولده وولاه على أقيال حضر موت وأرسل معه معاوية بن أبي سفيان فخرج معه معاوية رجلا ووائل على ناقته راكب فشكا إليه معاوية حر الرمضاء فقال انتعل ظل الناقة فقال معاوية له وما يغني ذلك عني لو جعلتني ردفا فقال له وائل اسكت فلست من ارداف الملوك ثم عاش وائل بن حجر حتى ولي معاوية فدخل عليه فعرفه معاوية واذكره بذلك ورحب به وأجازه لوفوده عليه فأبى من قبول جائزته وقال يأخذه من هو أولى به مني فأنا عنه في غنى (وغيرهم) أي ومع غير المذكورين أيضا (من أقبال حضر موت) بفتح همزة وسكون قاف فتحتية جمع قيل بفتح وسكون وأصله قيل بالتشديد أي المنفذ قوله ويدل عليه أنه يجمع على أقوال بالواو أيضا وقال السهيلي القيالة الإمارة ومنه قوله ﵊ في تسبيحه الذي رواه الترمذي
[ ١ / ١٨٥ ]
سبحان من لبس العز وقال به أي ملك به وقهر على ما فسره الهروي وهم بلغة حمير صغار الملوك دون الملك الأعظم من ملوك اليمن وحضر موت بسكون الضاد وفتح الباقي وبضم الميم بلد وقبيلة ويقال هذا حضر موت غير مصروف للتركيب والعلمية ويضاف فيقال حضر موت بضم الراء على إعراب الأول بحسب عامله وإعراب الثاني بإعراب ما لا ينصرف وإن شئت تنون الثاني (وملوك اليمن) تعميم بعد تخصيص؛ (وانظر كتابه) أي مكتوبه الذي بعث به ذا المشعار بعد قدومه ﵊ على ما ذكره أبو عبيدة وغيره (إلى همدان) أوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب من محمد رسول الله لأهل مخلاف خارق ويام وأهل خباب الضب وحقاف الرمل من همدان مع وافدها ذي المشعار مالك بن نمط ومن اسلم من قومه على أن لهم إلى آخره (إنّ لكم) بكسر الهمزة وفتحها وفي أصل الدلجي أن لهم وهو الملائم لما سيأتي من قوله ولهم (فراعها) بكسر الفاء أي ما ارتفع من الأرض (ووهاطها) بكسر الواو جمع وهط بالطاء المهملة وهي المواضع المطمئنة منها (وعزازها) بفتح مهملة فزايين ما خشن وصلب منها وما يكون إلا في أطرافها ومنه قول ابن مسعود للزهري بعد خدمته وملازمته مدة مديدة زاعما أنه بلغ الغاية ووصل النهاية أنك في العزاز في الأطراف من العلم لم تتوسط بعد وفي الحديث نهى عن البول في العزاز أي حذرا عن الرشاش، (تأكلون) بالخطاب أو الغيبة (علافها) بكسر العين جمع علف وهو ما يعتلف منها أو ما تأكله الماشية، (وترعون عفاءها) بفتح مهملة وتخفيف فاء ممدودا وروي بكسر العين وهو ما ليس لأحد فيه ملك ولا أثر من عفا الشيء أي خلص وصفا وفي الحديث أقطعهم من أرض المدينة ما كان عفاء وهو احد ما فسر به قوله تعالى خُذِ الْعَفْوَ، (لنا من دفئهم) بكسر مهملة وسكون فاء فهمز ومنه قوله تعالى لَكُمْ فِيها دِفْءٌ أي ما تستدفئون به من أصوافها وأوبارها وأما في الحديث فهو كناية عن الأنعام وفي المجمل الدفء نتاج الإبل وألبانها والانتفاع بها وقيل هي الغنم ذات الدفء وهو الصوف والأظهر أن يراد به الأنعام وسميت دفئا لأنها يتخذ من أوبارها وأصوافها وأشعارها ما يستدفأ به من الأكسية وغيرها قال الدلجي فصله عما قبله ملتفتا من الغيبة إلى التكلم لشبه انقطاع بينهما إذ ذاك مما خصهم به من أراضيهم وما يخرج منها وهذا مما خص به نفسه أو من معه من مواشيهم أي من إبلهم وغنمهم ضأنا ومعزا وما ينتفع به منها سميت دفئا لأنه يتخذ منها ما يستدفأ به انتهى ولا يخفى أنه ليس ههنا التفات من الغيبة إلى المتكلم بل من خطاب في قوله لكم بناء على الأصول المصححة إلى غيبة في قوله لنا من دفئهم (وصرامهم) بكسر أوله ويفتح جمع صرمة أي من نخيلهم أو من ثمراتهم لأنها تصرم وتقطع (ما سلّموا) بتشديد اللام المفتوحة أي استسلموا لا وأطاعونا (بالميثاق) أي العهد والحلف المؤكدة قيل ولعله اراد الإسلام أي لا تقبل صدقة إلا من مسلم وقيل أراد بالميثاق أنه لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق ولا يفر بزكاته ولا يخفى بعض ماله (والأمانة) أي من دون الخيانة من المالك أو العامل وقيل
[ ١ / ١٨٦ ]
المراد بالأمانة الطاعة وقيل هي الأمان ويؤيده ما سيأتي من قوله ﵊ لنهد من أقر فله الوفاء بالعهد والذمة. (ولهم من الصّدقة) أي من الأموال التي تجب عليهم فيها الصدقة والزكاة (الثّلب) بكسر المثلثة وسكون اللام فموحدة أي الهرم من ذكور الإبل الذي سقطت أسنانه قيل وتناثر هلب ذنبه (والنّاب) أي ولهم الهرمة من إناثها التي طال نابها وهي من أمارات هرمها (والفصيل) وهو ما فصل عن أمه وفطم عنها من أولاد الإبل وقد يطلق على أولاد البقر والمراد صغارها (والفارض) أي المسن من الإبل وقيل من البقر أيضا بديل قوله تعالى لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ ويروى العارض بالعين المهملة وهي المريضة أو المعيوبة (الدّاجن) وفي أصل الدلجي بالعطف وهو الظاهر وهو بكسر الجيم ما يألف البيوت ولا يرسل إلى المرعى وأغرب الأنطاكي في جعله وصفا للفارض أو العارض على اختلاف الروايتين في الداجن اعتبارا للعادة لأن المنقطع عن السوم يعلف في الأهل غالبا (والكبش الحواريّ) بفتحتين وهو كبش يتخذ من جلده نطع فإن جلده أحمر وروى الحواري أي الأبيض والمعنى لا يؤخذ منهم في هذه الأشياء التي خصوا بها وقيل المعنى لا تؤخذ هذه الأشياء منهم إما لنفاستها كالحوري وإما لخساستها كغيره وإنما يؤخذ الوسط العدل (وعليهم فيها) أي في الصدقة (الصّالغ) بكسر لام فمعجمة ما دخل في السنة السادسة من البقر والغنم والسين لغة فيه وفي النهاية لابن الأثير وعليهم الضالع بالضاد المعجمة والعين المهملة فليس بتصحيف كما زعمه المنجاني (والقارح) بالحاء المهملة بعد الراء المكسورة ما دخل من الخيل في خامس سنة. (وقوله) أي وانظر قوله (لنهد) بفتح فسكون أي لأجل قبيلة من اليمين وهو يحتمل أن يكون مشافهة أو مكاتبة فيقال وانظر قوله في كتابه لنهد لا كما قال الدلجي وانظر كتابه صلى الله تعالى عليه وسلم فيما رواه أبو نعيم في معرفة الصحابة والديلمي في مسند الفردوس (للهمّ بارك لهم في محضها) أي لبنها الذي لم يخالطه ماء ذكره المنجاني والظاهر أن المراد به ما لم يخرج منه زبده حلوا كان أو حامضا وهو بميم مفتوحة فحاء مهملة ساكنة وضاد معجمة ومنه الحديث وذلك محض الإيمان (ومحضها) بالخاء المعجمة أي ما مخض من لبنها وأخذ زبده مصدر بمعنى المفعول والمخض تحريك سقاء اللبن لاستخراج زبده وفيه صنعة التجنيس والتصحيف (ومذقها) أي ما خلط من لبنها بالماء من المذق بالذال المعجمة والقاف بمعنى المزج والخلط وقيل اللبن الرقيق وهو التحقيق وبالله التوفيق (وابعث راعيها) أي ملكها ومربيها وقد يكون مالكها وهي بمنزلة رعيته كما ورد كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته (في الدّثر) بفتح مهملة فسكون مثلثة أي المال الكثير وقيل المراد به هنا الخصب والنبات (وافجر) بضم الجيم ومنه قوله تعالى حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا قرىء بالتشديد والتخفيف في السبعة (له الثّمد) بفتح مثلثة وميم فدال مهملة وقد تسكن ميمه أي الماء القليل الذي لا مادة له والمعنى أجره لهم حتى يصير كثيرا (وبارك لهم في المال) أي الحلال وإلا فبعض المال وبال في المآل ولذا قال صلى الله تعالى عليه
[ ١ / ١٨٧ ]
وسلم نعم المال الصالح للرجل الصالح (والولد) أي الصالح وإلا فبعض الولد كمد وكبد وفي بعض النسخ وبارك له بصيغة الإفراد والمتبادر منه أنه راجع إلى الراعي والأظهر أنه خطاب عام لهم على الانفراد الذي هو أتم من الاجتماع فالمعنى بارك لكل منهم في ماله وولده، (من أقام الصّلاة) أي واظب عليها وقام بشرائطها وأركانها (كان مسلما) أي منقادا وأسلم نفسه من التعرض إليها بقتلها وأسرها وقد قيل في الصلاة جميع العبادات من قيام وقراءة وركوع وسجود ودعاء وثناء وصبر وهو حبس النفس والحواس والخواطر وزكاة وهو بذل المال في الماء واللباس وصيام وهو الإمساك عن الأكل والشرب واعتكاف وهو لزوم المكان الواحد لأدائها وحج وهو التوجه للكعبة وجهاد وهو مجاهدة النفس ومحاربة الشيطان وشهادة وهي ذكر الله ورسوله، (ومن آتى الزّكاة) أي أعطاها مستحقيها (كان محسنا) أي في إسلامه أو ببذله إلى إخوانه، (ومن شهد) أي بقلبه وأقر بلسانه (أن) أي أنه (لا إله إلّا الله) أي وأن محمدا رسول الله (كان مخلصا) أي في إيمانه واقتصر على أحد ركنيه لأنهم كانوا عبدة أصنام فقصد به نفي الهية ما سوى الله مع اشتهاره عندهم بأنه رسول الله وايناسه منهم الإيمان به بدليل قدوم كبرائهم عليه مؤمنين فهو من باب الاكتفاء أو لأن هذه الكلمة علم لمجموع الشهادتين بإطلاق البعض وإرادة الكل ولذا ورد من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة وإذا عرفت ذلك فقوله مسلما يراد به المعنى اللغوي فلا يحتاج إلى قوله الدلجي كان مسلما ومؤمنا أيضا إذ مآلهما واحد شرعا وإن اختلفا مفهوما فإن الإسلام هو الانقياد الظاهري والإيمان هو الإذعان الباطني ولا يستغني أحدهما عن الآخر لكن تخصيصه بإقامة الصلاة يوهم أنها وأمثالها جزء الإيمان على ما ذهب إليه المعتزلة فالأولى أن يقال المعنى كان مسلما كاملا وأن الواو في الجمل الشرطية لمجرد الجمعية؛ (لكم يا بني نهد ودائع الشّرك) جمع وديع من قولهم أعطيته وديعا أي عهدا وميثاقا أي أقررتكم على العهود والمواثيق التي كنتم تتعاهدونها مصالحة ومهادنة قبل الإسلام والأظهر أنها جمع وديعة والمراد بها ما استودعوه من أموال الكفار الذين لم يسلموا فأحله لهم لأنه مال كافر قدر عليه بلا عهد وشرط ويؤيده رواية ما لم يكن عهد ولا وعد (ووضائع الملك) بكسر الميم والوضائع جميع وضيعة وهي الوظيفة التي تلزم المسلمين في أملاكهم من صدقة وزكاة والمعنى ولكم الوظائف التي تلزمكم لتجاوزها منكم ولا نزيدها عليكم فصح قوله لكم دون عليكم أو بضم الميم أي ولكم ما وظفه ملوككم في الجاهلية عليكم وما استأثروا به دونكم من مغنم وغيره والمعنى لا نأخذها منكم ثم قول الحلبي بعد الألف مثناة تحتية ليس على ظاهره بل باعتبار أصله وإلا فهو مقلوب بالهمزة كنظائره من الودائع والصحائف، (لا تلطط) كلام مستأنف وهو بضم مثناة فوقية فسكون لام فمهملتين نهي لم يرد به واحدا معينا كما رواه البيهقي بل لكل من يأتي منه توجيه الخطاب وتوجه الكتاب (في الزّكاة) أي لا تمنعها من لط الغريم والط إذا منع الحق أو نهى اراد به جنس المخاطب كما رواه غيره
[ ١ / ١٨٨ ]
بصيغة الجمع وكذا قوله (ولا تلحد) وما بعده وهو من الإلحاد أي لا تعدل عن الحق ولا تمل إلى الفساد وظلم العباد في البلاد (في الحياة) أي في مدة حياتك في الدنيا وقيل الفعلان بصيغة النفي مجهولان وروى الزمخشري بالنون فيهما وأغرب التلمساني في قوله أي لا تمسك الزكاة ومنه قوله ﵊ الطوابيا ذا الجلال والإكرام أي الزموا هذا القول وتمسكوا به انتهى وهو وهم فإن الظوا في الحديث بالظاء المعجمة (ولا تتثاقل) أي لا تتكاسل (عن الصّلاة) . وفي نسخة بصيغة الجمع وفي أخرى بصيغة المجهول والمعنى أدها بالقيام بشرائطها وأركانها (وكتب لهم) قال الحجازي ويروي لكم ويروي عليكم (في الوظيفة الفريضة) بالنصب أي الهرمة المسنة وهي الفارض أيضا والمعنى هي لكم لا تؤخذ منكم في الزكاة كذا قاله الدلجي وغيره وتبعهم الانطاكي إلا أنه قال الفريضة بالرفع على الحكاية ولا يخفى أن هذا الحكم قد استفيد مما سبق مع أنه كان الملائم بسياق الكلام من سباقه ولحاقه أن يقال وكتب لكم في الوظيفة الفريضة بالرفع على أن الجملة المصدرة بقوله لكم هي المكتوب لهم وفي حاشية الحجازي أن الوظيفة هي ما يقدر كل يوم من رزق أو عمل ولا يخفى عدم مناسبته لفحوى الكلام ومقام المرام وقال التلمساني الفريضة بالرفع على الحكاية انتهى وفي رواية عليكم في الوظيفة الفريضة أي عليكم في كل نصاب ما فرض فيه وفي نسخة وكتب لهم في الوظيفة الفريضة بالجر فالمكتوب لهم قوله (ولكم الفارض) بالفاء في أكثر النسخ المعتمدة وقد سبق أنه المسنة من الإبل أو البقر وروي بالعين المهملة وهو الأظهر لئلا يتكرر فتدبر أي ولكم المريضة التي عرض لها آفة من قولهم بنو فلان أكالون للعوارض تعبيرا لهم أي لا يأكلون إلا ما عرض له مرض حذر موته والمعنى لا تؤخذ منكم في الزكاة فهي لكم (والفريش) بفاء مفتوحة ثم شين معجمة أي الحديثة العهد بالتاج كالنفساء من النساء ففي الصحاح هي كل ذات حافر بعد نتاجها لسبعة ايام وقيل ما لا يطيق من الإبل حمل الأثقال ويؤيده قوله تعالى وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا وقد جاء فرش وفريش بمعنى واحد وقيل ما انبسط على الأرض من نبات لا ساق له (وذو العنان) بكسر العين المهملة سير اللجام أي والفرس (الرّكوب) بفتح الراء ورفع الباء وهو الصواب أي الذلول الذي يلجم ويركب بلا كلفة ومشقة لتكرر ركوبه لأن فعول من أوزان المبالغة (والفلوّ) بفتح فاء وضم لام وتشديد واو كعدو وبضم أوله مع التشديد كسمو وقد تكسر فاؤه مع سكون لامه وتخفف واوه كجرو وهو ولد الفرس المسمى بالمهر بالضم إذا كان صغيرا بلغ السنة أو فطم عن الرضاعة لأنه يفلى عن أمه أي يعزل عنها قال التلمساني ويروى الفلو بدون الواو العاطفة انتهى وهو لا يصح (الضّبيس) بفتج معجمة فكسر موحدة فتحتية فمهملة أي الصعب العسر الأخلاق الذي لم يرض وقيد الصفة للغلبة لا للاحتراز إذ غالب أحوال الخيل الصعوبة وأما تخصيص الفلو فللدلالة على أن الخيل فيها الزكاة كما هو مذهب ائمتنا الحنفية والمعنى لا يؤخذ منكم شيء في المذكورات وأما ما روي من أن الله قد عفا لكم عن صدقة الخيل والرقيق فمحمول على
[ ١ / ١٨٩ ]
الخيل التي تركب كما أن الرقيق يراد به ما يخدم فالخيل السائمة والرقيق للتجارة فيهما الزكاة، (لا يمنع سرحكم) بصيغة المفعول نفي بمعنى النهي وفصل عما قبله لعدم مناسبة بينهما ويقال سرحت الماشية مخففا وسرحت هي متعد ولازم وإذا رجعت يقال راحت تروح وارحتها أنا ومنه قوله تعالى وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ أي حين تردونها من مرعاها إلى منازلكم وحين تخرجونها إليه ولعل تقديم الإراحة لما فيها من زيادة إفادة الراحة والمعنى لا تمنع ماشيتكم السارحة من مرعى مباح تريده (ولا يعضد) بصيغة المفعول أي لا يقطع (طلحكم) وهو شجر عظام من شجر الغضاة له شوك كالسدر وهو شجر حسن اللون لخضرته أي نضر له أنوار طيبة الرائحة ولكون العرب يستحسنوته لخضرته وحسن لونه وعطره نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن قطع ما ألفوه جبرا لخواطرهم ووعدا لهم ببقاء ما يحبون وهو المراد بقوله تعالى وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وهو في الآية الموز وقيل الطلع وقرئ بالعين (ولا يحبس درّكم) بمهملة مفتوحة فراء مشددة أي لا تمنع ماشيتكم التي هي ذات الدر أي اللبن عن الخروج إلى المرعى لتجتمع بموضع يعدها فيه المصدق لما فيه من الإضرار بها لعدم رعيها وفي رواية لا تحشر دركم أي لا تحشر إلى المصدق ليعدها بل إنما يعدها عند أصحابها وأغرب اليمني في تفسيره الدر هنا بمعنى المطر ولعل وجهه أنه جعل قوله ولا يحبس خبرا مغيا لقوله ما لم تضمروا وأما على ما ذهب عليه الجمهور فمتعلق ما دام مقدر ثم المعنى لكم ما قرر وما عليكم حرر (ما لم تضمروا الرّماق) من الإضمار ضد الإظهار والرماق بالكسر بمعنى النفاق يقال رامقته رماقا نظرت إليه نظر العداوة أو المعنى ما لم تضق قلوبكم عن الحق يقال عيشه رماق أي ضيق قاله ابن الأثير ويروى الإماق بفتح الهمزة وكسرها وأصله إلا معاق فخفف همزه قال في المجمل يقال أمأق الرجل إذا دخل في المأقة وهي الأنفة وفي الحديث ما لم تضمروا الامئاق أي ما لم تضمروا الأنفة انتهى والأنفة التعاظم وقيل هو الغدر وقيل الرمق القطيع من الغنم فارسي معرب فالمعنى لا تخفوا القطيع من الغنم والله أعلم (وتأكلوا الرّباق) بالكسر جمع ربقة بكسر فسكون وهي في الأصل عروة تجعل في حبل يربط بها ما خيف ضياعه من البهم فشبه ما يلزم الاعناق من العهد بالرباق واستعار الأكل لنقض العهد فإن البهيمة إذا أكلت الربقة خلصت من الرباط والمعنى ما لم تنقضوا عهود الإسلام التي الزمها أعناقكم وما لم تخلعوها ومنه حديث حذيفة من فارق الْجَمَاعَةَ قَيْدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ من عنقه قال التلمساني والربقة بكسر وبفتح وفي بعض النسخ الرفاق بالفاء بدل من الباء جمع رفقة أي بحيث لا تقطعون الطرق وتظهرون الحرب إذ كل ذلك يقتضي نقض العهد ونكث البيعة وقد يقع التصحيف في مثل هذا والله أعلم، (من أقرّ) استئناف آخر أي من ثبت واستقر واعترف مذعنا منقادا بالملة (فله الوفاء بالعهد) أي بما عوهد عليه (والذّمّة) أي وبالأمان أو الضمان الحاصل لديه (ومن أبى) أي امتنع من مقتضيات الملة أو تقاعد وتقاصر عن أداء الزكاة والصدقة (فعليه
[ ١ / ١٩٠ ]
الرّبوة) بكسر الراء ويجوز ضمه وفتحه أي الزيادة في الفريضة الواجبة عليه عقوبة له وفي رواية من أقر بالجزية فعليه الربوة أي من امتنع من الإسلام هربا من الزكاة كان عليه من الجزية أكثر مما يجب عليه من الزكاة واعلم أنه روى بهز ابن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه كان يقول في كل أربعين بنت لبون من أعطاها مؤتجرا فله أجرها ومن أبى فأنا آخذها وشطر ماله عزة ربنا رواه أبو داود وقال أحمد هو عندي صالح فقيل يأخذ الإمام معها شطر ماله وهو اختيار أبي بكر من الحنابلة وقول قديم للشافعي وعند الجمهور يأخذها من غير زيادة بدليل أن العرب منعت الزكاة ولم ينقل أنه أخذ منهم زيادة عليه وقال الجرمي غلط بهز في هذه الرواية وإنما قال وشطر ماله يعني يجعل شطرين فيستخير عليه المصدق فيأخذ الصدقة من خيار الشطرين عقوبة لمنعه الزكاة وأما ما لا يلزم فلا. (ومن كتابه لوائل بن حجر) أي على ما رواه الطبراني في الصغير والخطابي في الغريب والمعنى من مكتوبه لأجل وائل بن حجر وهو بضم الحاء كما سبق (إلى الأقيال) أي الملوك الصغار لحمير وقيل الذين يخلفون الملوك إذا غابوا جمع قيل مخففا وقيل مشددا وقد تقدم (العباهلة) بفتح عين مهملة فموحدة أي ملوك اليمن الذين أقروا على ملكهم فلم يزالوا عنه والتاء فيه لتأكيد الجمع كما في الملائكة (والأرواع) جمع رائع كالأنصار والاشهاد جمع ناصر وشاهد أو جمع أروع أي الحسان الوجوه والهيئات أو الذين يروعون الناس أي يفزعونهم بجمالهم وحسن حالهم وقيل السادة واحدهم أروع (المشابيب) جمع مشبوب أي الرؤوس السادة الحسان المناظر الزهر الألوان كأنما وجوههم تتلالأ نورا وتلمع سرورا وقيل الرجال الذين ألوانهم بيض وشعورهم سود وقيل الأذكياء وأما قول المنجاني والمشيب دخول الرجل في حد الشيب من الرجال فوهم منه في الخيال لاختلاف المادة في ميزان الأفعال فالصواب ما قاله غيره من أنه من شب من الشباب أو شب النار أوقدها؛ (وفيه) أي وفي كتابه لوائل (في التّيعة) بكسر فوقية وسكون تحتية فمهملة أي في الأربعين من الغنم (شاة لا مقوّرة الألياط) بفتح الواو والراء المشددة من الاقورار بمعنى الاسترخاء في الجلد والالياط بفتح الهمزة جمع ليط بالكسر وهو في الأصل القشر اللائط بعوده أي اللازق به شبه به الجلد لالتزاقه باللحم من الهزال والمعنى لا مسترخية الجلد لهزالها وقيل لا مقطوعة الجلد (ولا ضناك) بكسر المعجمة ثم كاف منونة وقال التلمساني بفتح الضاد وكسرها والنون الخفيفة وجوز المنجاني ضمها يستوى فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع أي ولا مكثرة اللحم وممتلئة الشحم لكرمها يريد أن هذه الشاة لا سمينة ولا هزيلة بل متوسطة الحال (وأنطوا) بهمزة قطع وضم مهملة لغة يمانية أي وأعطوا في الزكاة (الثّبجة) بفتح مثلثة وكسر موحدة فجيم مفتوحة بعدها تاء أي الشاة الوسطى التي ليست بأدنى ولا أعلى من ثبج كل شيء وسطه والتاء لانتقالها من الاسمية إلى الوصفية قال التلمساني ويروى الشجة بالشين والجيم من شج سار بشدة (وفي السّيوب) بضمتين جمع سيب وهو الركاز (الخمس) بضمتين ويسكن
[ ١ / ١٩١ ]
الميم لأن السبب لغة العطاء والركاز عطاء من الله تعالى وقال الزمخشري هي المعدن أو المال المدفون في الجاهلية لأنه من فضل الله وعطائه لمن أصابه (ومن زنى مم) بسكون الميم الثانية (بكر) بتنوين في الراء خلافا لبعضهم لأنها نكرة عامة في سياق الشرط ثم أبدلت نون من ميم لكثرة استعمالهم ذلك لفظا في مثل من ماء سيما إذا كان بعدها باء كما هنا ونحو منبر وعنبر ولو كان معرفة بلغتهم لقيل ومن زنى من أمبكر كما قال ليس من أمبر أمصيام في أمسفر ومن الجارة تبعيضية أو بيانية مفسرة للاسم المبهم الشرطي وترجمة عنه أي ومن زنى من الإبكار (فاصقعوه) بهمزة وصل وقاف مفتوحة أي اضربوه كما قال له ابن الأثير وأصل الصقع الضرب ببطن الكف وقيل أي فاضربوه على صوقعته أي في وسط رأسه قال التلمساني وعند الشارح فاصفعوه بالفاء عوض القاف أي فاضربوه (مائة) أي مائة ضربة (واستوفضوه) بالفاء والضاد المعجمة أي اطردوه أو أنفوه وغربوه (عاما) أي سنة (ومن زنى مم ثيّب) يجري فيه ما جرى في مم بكر إلا أن هناك القلب الحقيقي لأجل الباء وهنا الإخفاء المتولد من قبل الثاء وقيل القلب فيه للمناسبة والمشاكلة كقولهم ما قدم وحدث بضم دال حدث لمناسبة قدم وقيل هي لغة يمانية كما يبدلون الميم من لام التعريف أي ومن زنى من ذوي الإحصان (فضرّجوه) بمعجمة مفتوحة وتشديد راء مكسورة فجيم أي فارجموه حتى تدموه وتضرجوه أي تلطخوه بدمائه (بالأضاميم) أي برمي الحجارات جمع إضمامة بالضاد المعجمة وهو ما جمع وضم من الحجارة لأن بعضها يضم إلى بضع كالجماعات من الناس والكتب قال التلمساني يريد انه لا يرجم بحجر ههنا وحجر في موضع آخر لأن ذلك تعذيب له ولا في محل فيه حجارة صغيرة أو قليل الحجارة ولا يرجم بحجر في وقت ثم بحجر في وقت آخر وهذا كله يشمله الاضاميم (ولا توصيم) أي لا تواني ولا محاباة (في الدّين) أي في إقامة الحدود لقوله تعالى وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ وقيل التوصيم التكسير والمعنى ولا تقصدوا تكسيره بالحجارة وقيل المعنى لا عيب ولا هوان ولا كسر ولا عار في الدين (ولا غمة) بضم غين معجمة وتشديد ميم أي لا ستر ولا غطاء وفي رواية ولا عمه مهملة فميم مخففة مفتوحتين فهاء أي لا حيرة ولا تردد وفي رواية ولا غمد بكسر معجمة وسكون ميم فدال مهملة أي لا ستر ولا خفاء أو لا تستر ولا الباس (في فرائض الله) بل هي واضحة والمعنى لا تستر فرائض الله ولا تخفى بل تظهر وتجهر بها وقال التلمساني لا غمة بضم الغين المعجمة وبفتحها أي لا ضيق ولا كربة وقيل لا إبهام ولا إلباس ولا سترة أي لا تخفى فرائض الله لأنها من أعلام الإسلام وتاركها يستحق الملام فحقها أن يعلن بها إماطة للتهمة عن تركها بخلاف التطوع فإنه لا يلام بتركه ولا تهمة فيه فحقه أن يخفى (وكلّ مسكر) خمرا كان أو غيره كثيرا أو قليلا على خلاف في الأخير فيما عدا الخمر (حرام) أي شربه وأغرب التلمساني في ذكره قاعدة منطقية بقوله هذه نتيجة وكيفية تركيب المقدمتين هو أن تقول كل مسكر خمر وكل خمر حرام فينتج كل مسكر حرام انتهى ولم يعرف أن الكبرى ممنوعة هنا
[ ١ / ١٩٢ ]
(ووائل بن حجر) مبتدأ. (يترفّل) بفاء مشددة أي يتأمر ويترأس (على الأقيال) خبر معناه الإمراء لقوله بعده في آخر كتابه أمره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فاسمعوه وهو معنى قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في الكتاب الآخر وكان وجه إلى المهاجرين أبو أمية مع وائل هذا فكان فيه من محمد رسول الله إلى المهاجر بن أبي أمية أن وائلا يستسعي ويترفل على الأقيال حيث كانوا من حضر موت أي يستمل على الصدقات ويصير اميرا على الأقيال ويفتخر عليهم بكتابه ﵊ كما قال الشاعر:
إذا نحن أمرنا «١» امرأ ساد قومه وإن لم يكن من قبل ذلك يذكر
ولما كان أبو أمية مشتهرا تركه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على حاله كما يقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وحكى أبو زيد في نوادره عن الأصمعي عن يحيى بن عمر أن قريشا كانت لا تغير الأب في الكنية تجعله مرفوعا في كل وجه من الرفع والجر والنصب والحاصل أنه شبه امارته بالثوب لأنها لتلبسه بها كأنها هو واستعير لها ترفيله وهو إطالته وإسباله فكأنه يرفل فيها أي يجر ذيلها عليهم زهوا وقول التلمساني هنا إلى وائل إلى كاللام وروى بها فليس في محله ولعله فيما تقدم والله تعالى أعلم ثم جملة (أين هذا) أي كلامه هذا مع ما ذكر من الأقيال وكتابه لهم (من كتابه لأنس في الصّدقة المشهور) نعت لكتابه كما رواه أبو داود والترمذي والدارقطني وختمه ولم يدفعه له فدفعه أبو بكر بعد وفاته صلى الله تعالى عليه وسلم له حين وجهه إلى البحرين مصدقا فإن ذا بمحل من جزالة ألفاظ مألوفة وسلاسة تراكيب مأنوسة وذاك بمحل من غلاقة الفاظ غريبة وقلاقة اساليب عجيبة حتى أنها في النطق عسرة بالنسبة إلى غير أهل تلك اللغة وسبب هذا التغاير ما بينه المصنف بقوله (لَمَّا كَانَ كَلَامُ هَؤُلَاءِ عَلَى هَذَا الْحَدِّ) أي هذا المقدار غريبا غير مألوف (وبلاغتهم على هذا النّمط) أي هذا النوع وحشيا غير مأنوس (وأكثر استعمالهم هذه الألفاظ) أي التي هي غير مألوفة لغيرهم وإن كانت مأنوسة لهم وجواب لما قوله (اسْتَعْمَلَهَا مَعَهُمْ لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) أي مما تشابه عليهم من أمر ونهي ونحوهما بنص أو إرشاد أي دال على ذلك كالقياس واستحسان العقل (وليحدّث النّاس بما يعلمون) أي بما يفهمون ويعقلون لا بما لا يدركون فينكرون كما سبق من كلامه وكتابه؛ (وكقوله في حديث عطيّة السّعديّ) أي المنسوب إلى قبيلة بني سعد وهو ابن عروة ويقال ابن عمرو بن عروة على ما رواه الحاكم والبيهقي وصححه عنه قدمنا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال لي ما أغناك الله فلا تسأل شيئا (فإنّ اليد العليا هي المنطية) أي المعطية (واليد السّفلى هي المنطاة) أي المعطاة وأن مال الله مسؤول ومنطى. (قال) أي عطية (فكلّمنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بلغتنا) أي في الانطاء بمعنى الاعطاء كما قرىء بالنون في قوله تعالى إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ وهذا
_________________
(١) في نسخة (رفلنا) .
[ ١ / ١٩٣ ]
الحديث في المعنى نحو حديث مالك والشيخين وأبي داود والنسائي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال على المنبر وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة اليد العليا خير من اليد السفلى والعليا هي منفقة والسفلى هي سائلة قال أبو داود وقد اختلف عن أيوب عن نافع في هذا الحديث فقال عبد الوارث اليد العليا هي المتعففة وكذا قال واقد عن حماد بن زيد عن أيوب وقال أكثرهم عن حماد هي المنفقة قال الخطابي رواية المتعففة أشبه وأصح في المعنى لأن ابن عمر قال إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ذكر هذا الكلام وهو يذكر الصدقة والتعفف عنها فعطف الكلام على سببه الذي خرج عليه وعلى ما يطابقه في معناه أولى وقد توهم بعضهم أن معنى العليا هو كون يد المعطي مستعلية فوق يد الآخذ من علو الشيء أي فوقه وليس ذلك عندي بالوجه وإنما هو من علو المجد والكرم يريد التعفف عن المسألة والترفع عنها انتهى كلامه وفي غريب الحديث لابن قتيبة زعم قوم أن العليا هي الآخذة والسفلى هي المعطية فقال وما أرى هؤلاء إلا أنهم استطابوا السؤال فأحبوا أن ينصروا مذهبهم ونسبه في المشارق للمتصوفة وأقول لعل وجه قولهم هذا إنه ينبغي للمعطي أن يتواضع لله في حال اعطائه ويجعل يده تحت يد الفقير الآخذ وأن يعلم أن الله تعالى هو الآخذ حقيقة وإن كان هو المعطي أيضا لما ورد من أنه يأخذ الصدقة ويربيها وينميها كما يربي أحدكم فلوه ولقوله تعالى مخاطبا لنبيه ﵊ خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ولأن الآخذ هو سبب المراتب العالية للمعطي فلو لم يأخذ أحد ذلك لم يحصل له الثواب والله أعلم بالصواب ثم هنا دقيقة أخرى بالتقحيق أحرى وهي أنه إذا كانت اليد العليا خيرا من اليد السفلى واليد العليا هي المعطية فيشكل بما اجتمعت عليه السادة الصوفية وجمهور القادة الفقهية من أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر فالجواب على ما ذكره بعض المحققين أن هذا الحديث بعينه يدل على المدعي فإن المعطي لم تحصل له المرتبة العليا إلا بإخراج شيء من الدنيا والآخذ لم يتسفل عن مرتبته القصوى إلا بأخذ شيء منها والحاصل أن الأول قول ظاهري حسي للفقهاء والثاني قول باطني معنوي للأولياء والجامع بينهما هو المحقق والله هو الموفق وقيل إن تفسير اليد العليا بالمعطية والسفلى بالسائلة مدرج في الحديث وقيل معنى المتعففة المنقبضة عن الآخذ وروي عن الحسن البصري أنه قال معنى الحديث يد المعطي خير من اليد المانعة. (وقوله) أي وكقوله على ما ذكره أبو نعيم في دلائله (في حديث العامريّ) أي مخاطبا له بلغته (حين سأله) أي العامري (فقال له النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم سل عنك أي سلّ عمّا شئت) أي عما شئت كما في نسخة ويجوز سل عن أمرك وشأنك (وهي) وفي نسخة وهو (لغة بني عامر وأمّا كلامه المعتاد) أي المأنوس لجميع العباد (وفصاحته المعلومة) أي لسائر البلاد (وجوامع كلمه) أي لمعان كثيرة بألفاظ يسيرة (وحكمه) جمع حكمة (المأثورة) أي المروية عنه الدالة على اتقان علمه وإحكام عمله (فقد ألّف النّاس فيها الدّاواوين) جمع ديوان بكسر داله وقد تفتح وهو فارسي معرب وأصله ذو وإن اعل إعلال دينار وجمعه دنانير وقد سبق الكلام فيه والأظهر
[ ١ / ١٩٤ ]
مما قالوا في وجه التسمية إن الديوان بالفارسية اسم للشياطين فسمي الكتاب من الحساب باسمهم لحذقهم بالأمور ووقوفهم على الحلبي والخفي وجمعهم لما شذ وتفرق وقد يسمى مكانهم باسمهم وأول من وضعه في الإسلام عمر رضي الله تعالى عنه لحفظ ما يتعلق بالناس والمراد هنا الكتب المؤلفة من الجوامع والمسانيد وأمثال ذلك (وجمعت في ألفاظها ومعانيها الكتب) أي في بيان غرائبها وجمعت بصيغة المجهول وكان الأولى أن يقال وجمعوا في مبانيها ومعانيها الكتب؛ (ومنها) أي ومن جوامع كلمه وحكمه (ما لا يوازى) بهمز أبدل واوا من آزيته بمعنى حاذيته وهو بإزائه أي بحذائه ولا تقل وأزيته على ما في الصحاح وهو بصيغة المجهول أي لا يماثل ولا يقابل (فصاحة) تمييز للنسبة أي من جهة الفصاحة (ولا يبارى) أي ولا يعارض ولا يساوى (بلاغة كقوله) على ما رواه أبو داود والنسائي: (المسلمون تتكافأ) بالهمز في آخره وفي نسخة بحذف إحدى التاءين أي تتماثل وتتساوى (دماؤهم) أي في العصمة والحرمة خلاف ما في الجاهلية فكل مسلم شريفا أو وضيعا كبيرا أو صغيرا حرا أو عبدا في ذلك سواء أو في القصاص والدية فيقاد الشريف بالوضيع والكبير بالصغير والعالم بالجاهل والذكر بالأنثى وكذا حكم الدية إلا أنه يخص منه العبد إذ لا يكافىء حرا في بعض الصور على خلاف في المسألة (ويسعى بذمّتهم) أي بعهدهم وأمانهم (أدناهم) أي أقلهم منزلة كعبد وامرأة فإنه إذا أعطى أحدهما أمانا لأحد أو لجيش فليس لأحد منا إخفاره أي نقض أمانه لحديث البخاري ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ولحديث الترمذي أن المرأة لتأخذ على القوم أي تجير على المسلمين ولحديث أبي داود إن كانت المرأة لتجير على المؤمنين ومنه حديث ذمة المسلمين واحدة (وهم) أي المسلمون (يد) أي قوة (على من سواهم) أو جماعة يتعاونون على أعدائهم من أهل الملل لا يخذل بعضهم بعضا أو هم مع كثرتهم قد جمعتهم أخوة الإسلام وجعلتهم في وجب الاتفاق بينهم تعاونا وتعاضدا على من آذاهم وعاداهم كيد واحدة فيجب أن ينصر كل أخاه على من آذاه فهو تشبيه بليغ (وقوله) أي كقوله فيما رواه ابن لال في مكارم الأخلاق (النّاس) أي في تساوي إجراء الأحكام عليهم (كأسنان المشط) بضم الميم وتكسر وقد تفتح وتضم أو تكسر وتفتح شينه وهو مثل في التساوي وهو قريب من قوله تتكافأ دماؤهم وقيل في تساوي الاخلاق والطباع وتقاربها ويؤيده ما جاء في رواية أخرى الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي ولا فضل لعجمي على عربي وإنما الفضل بالتقوى.
(والمرء) أي كقوله فيما رواه الشيخان المرء (مع من أحبّ) أي في كل موطن خير أو في المحشر أو في الجنة فيه إيماء إلى أن الله يتفضل على من أحب قوما بأن يلحقه بهم في منازلهم وإن لم يكن له مثل أعمالهم وقيل شرطه اتباع عمل محبوبه وإلا فلا فائدة لهذه المحبة والأظهر أنه شرط للكمال وأنه يكفي في إثبات المحبة مجرد التوحيد وثبوت النبوة لما في صحيح مسلم أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف
[ ١ / ١٩٥ ]
ترى رجلا أحب قوما ولما يلحق بهم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المرء مع أحب (ولا خير) أي وكقوله فيما رواه ابن عدي في كامله بسند ضعيف المرء على دين خليله وَلَا خَيْرَ (فِي صُحْبَةِ مَنْ لَا يَرَى لك) أي من الحق مثل (ما ترى له) أي مثله اغترارا بماله من كثرة المال وسعة الجاه فيتكبر مع جهله على العلماء والصلحاء والفقراء المتواضعين له وروي يرى بالياء والتاء للفاعل والمفعول على ما ذكره التلمساني والظاهر بناء الفاعل على الخطاب بل هو الصواب هذا وروي لا خَيْرَ فِي صُحْبَةِ مَنْ لَا يَرَى لَكَ مثل ما يرى لنفسه فيؤول معناه إلى حديث لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. (والنّاس معادن) أي وكقوله على ما رواه الشيخان الناس معادن أي لمكارم الأخلاق كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا بضم القاف أي مارسوا الفقه وضموا الحسب إلى النسب وجمعوا بين الشرع والطبع في الطلب وحكي بكسر القاف وهو متعين إذا كان الفقه بمعنى الفهم وحاصله أن الناس مختلفون بحسب الطباع كالمعادن وأنهم من الأرض كما أن المعادن منها وفيها الطيب والخبيث فإن منها ما يستعد للذهب الابريز ومنها ما يستعد للفضة ومنها ما يستعد لغير ذلك ومنا ما يحصل منه بكد وتعب كثير شيء يسير ومنها ما هو بعكس ذلك ومنها ما لا يحصل منه شيء أصلا فكذلك بنو آدم منهم من لا يعي ولا يفقه ومنهم من يحصل له علم قليل بسعي طويل ومنهم من أمره عكس ذلك ومنهم من يفاض عليه من حيث لا يحتسب كما هو معلوم في كثير من الأولياء والصالحين والعلماء العاملين وروي معادن في الخير والشر كالذهب والفضة (وما هلك امرؤ عرف قدره) رواه السمعاني في تاريخه بسند فيه مجهول ويقرب منه ما روي عن علي ﵁ ما ضاع امرؤ عرف قدره لأن الضائع بمنزلة الهالك. (والمستشار مؤتمن) أي على ما استشير فيه استظهار برأيه والحديث رواه الأربعة والحاكم والترمذي ايضا في الشمائل في قضية أبي الهيثم وفي بعض الروايات زيد فيه (وهو بالخيار ما لم يتكلّم) وفي رواية احمد وهو بالخيار إن شاء تكلم وإن شاء سكت فإن تكلم فليجتهد رأيه قال الدلجي وهما شاهدا صدق بأن الإشارة به بمجرد الاستشارة غير واجبة انتهى والأظهر أن المراد به أنه إن لم يكن له رأي يسكت وإلا فيتكلم ويظهر رأيه لأن الدين النصيحة وفي الإخفاء نوع من الخيانة المنافية للأمانة وعن عائشة رضي الله تعالى عنها المستشير معان والمستشار مؤتمن وعن علي كرم الله وجهه إذا استشير أحدكم فليشر بما هو صانع لنفسه (ورحم الله عبدا قال خيرا فغنم) أي بقوله الخير (أو سكت) أي عما لا خير فيه (فسلم) أي عن الشر بسكوته رواه أبو الشيخ في الثواب والديلمي ومنهم من فضل السكوت لأنه اسلم للنفس وآمن من سوء العاقبة ومنهم من فضل الكلام لوجود الغنيمة والأولى أن يقال لكل مقام مقال على أن الأظهر هو الأول لقوله ﵊ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت. (أسلم) بحذف العاطف وفي نسخة صحيحة وقوله أسلم وهو أمر بالإسلام جوابه (تسلم) بفتح اللام من السلامة وهذا القدر من الحديث متفق
[ ١ / ١٩٦ ]
عليه بين الشيخين في كتابه ﵊ لهرقل ولمسلم زيادة (وأسلم يؤتك الله أجرك مرّتين) وللبخاري في الجهاد اسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين أي إن تسلم يعطك الله أجرك مرتين مرة لإيمانه بعيسى ﵊ ومرة لإيمانه بمحمد ﵊ وهذا الحديث مع إيجازه جامع لمراتب الإسلام وما يترتب عليه من أنواع السلامة في الدنيا والآخرة مع المناسبة اللفظية في العبارة الزاخرة (وإنّ أحبّكم) أي وقوله فيما رواه الترمذي أن أحبكم (إليّ) أي في الدنيا والعقبى (وأقربكم منّي مجالس) لعل وجه الجمع اعتبار الأنواع (يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا) جمع أحسن والمراد بالأخلاق الشمائل والأحوال واستدل بهذا الحديث على أن أفعل التفضيل إذا أضيف إلى معرفة جاز أن يطابق موصوفه وأن لا يطابقه لأنه ﵇ أفرد أحب وأقرب وجمع أحاسن ففيه جمع بين اللغتين وتفنن في العبارتين (الموطّئون) بصيغة المفعول من التوطئة أي المذللون (أكنافا) جمع كنف بكسر وبفتح وهو الجانب أي الذين جوانبهم وطيئة يتمكن منها من يصاحبهم ولا يتأذى منهم مأخوذ من فراش وطيء لا يؤذي جنب النائم والمراد منهم المتواضعون اللينون الهينون كما ورد في أوصاف المؤمنين (الذين يألفون) بفتح اللام (ويؤلفون) بصيغة المجهول أي يألفون الناس والناس يألفونهم وذلك لحسن أخلاقهم وسهولة طباعهم وضياء قلوبهم وصفاء صدورهم وروي في الحديث وأن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجالس يوم القيامة الثرثارون المتشدقون المتفيهقون وروي أبغضكم إلي المشاؤون بالنميمة المفرقون للأحبة الملتمسون للبرآء العيب. (وقوله) أي وكقوله فيما رواه البيهقي في شعبه أصيب رجل يوم أحد فقالت أمه لتهنئك الشهادة فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما يدريك (لعلّه كان يتكلّم بما لا يعنيه) بفتح أوله وسكون المهملة وكسر النون أي بما لا يهمه من أمر دنياه وعقباه (ويبخل) لعل الواو بمعنى أو (بما لا يغنيه) . بضم أوله وسكون المعجمة أي من أقوال وأفعال وطلب رياسة وحب محمدة وأمثال ذلك مما يجلب له شرا ولا يذهب عنه ضرا وقد قال الحسن من علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه وفي رواية للبيهقي كما رواه الترمذي أن رجلا توفي وقالوا أبشر بالجنة فقال فلعله قد تكلم بما لا يعنيه أو بخل بما لا ينقصه قال الترمذي وهذا هو المحفوظ أقول لكن لا يخفى حسن صنعة التجنيس بين يعنيه ويغنيه في الحديث الأول (وقوله) أي وكقوله فيما رواه الشيخان (ذو الوجهين) أي الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه بمعنى أنه يأتي كلا بما يجب من خير أو شر وهذه هي المداهنة المحرمة وقيل هو الذي يظهر لكل طائفة وجها يرضيها به ويوهمها أنه عدو للأخرى ويبدي لها مساويها (لا يكون عند الله وجيها) أي ذا قدر ومنزلة لما يتفرع عليه من الفساد بين العباد بخلاف المصلح بين الناس في البلاد وأصل الوجيه هو المستقبل بالخير والتعظيم وذلك كناية عن المحبة لأن من أحب أحدا يديم النظر إلى وجهه ويستقبله بالتكريم وفي رواية الطبراني عن ابن سعيد ذو الوجهين في الدنيا يأتي يوم القيامة له وجهان من نار. (ونهيه) أي وكنهيه
[ ١ / ١٩٧ ]
فيما رواه الشيخان (عن قيل وقال) بفتح لامهما وخفضهما منونا أي عن فضول ما يتحدث به في المجالس من قولهم قيل كذا وقال كذا ويجوز بناؤهما على أنهما ماضيان في كل منهما ضمير راجع إلى مقدر وهو الأشهر الأكثر بناء على الحكاية ويجوز إعرابهما إجراء لهما مجرى الأسماء ولا ضمير فيهما وعن أبي عبيد أنهما مصدران تقول قلت قولا وقيلا وقالا وقد قرئ قال الحق بدل قول الحق والمراد النهي عن نقل أقوال الناس مما لا فائدة فيه وقيل المراد النهي عن كثرة الكلام ابتداء وجوابا مما يوقع في الخطأ وما لا يجدي نفعا فيرجع إلى حديث كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع ونسب للشافعي:
لقاء الناس ليس يفيد شيئا سوى الهذيان من قيل وقال
فأقلل من لقاء الناس إلا لأخذ العلم أو إصلاح حال
(وكثرة السّؤال) أي عما بأيدي الناس بأن يسأل الناس أموالهم أو عن أخبارهم مما لا فائدة فيه من التجسس وقيل النهي عن الأغلوطات وفي كثرة السؤال دليل جواز القلة وشرطه الحاجة ولله در القائل:
بلوت مرارة الأشياء طعما فلا شيء امر من السؤال
وقيل السؤال عن المتشابهات وقيل كثرة سؤال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ما لم ينزل ولم تدع الحاجة إليه ومنه قوله تعالى لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ومنه حديث وسكت عن أشياء غير نسيان فلا تبحثوا عنها والكثرة بالفتح وتكسر (وإضاعة المال) أي بصرفه في غير مرضاة الله ﷿ ويدخل في الاسراف في النفقة والبناء والملبوس والمفروش وأمثال ذلك وقيل إهماله وترك القيام عليه وقيل دفعه إلى السفهاء وقيل عدم صرفه في موضعه اللائق به كما قيل:
وما ضاع مال أورث المجد أهله ولكن أموال البخيل تضيغ
(ومنع) بالجر منونا وفي نسخة بفتح العين (وهات) بالكسر وفي نسخة بالفتح ويروى على بناء الماضي أي منع ما يجب عليه اعطاؤه وطلب ما ليس به (وعقوق الأمّهات) أي والآباء فهو من باب الاكتفاء أو لأن أكثر العقوق يقع بهن لضعفهن ورحمهن ولأنهن ما كان عند العرب كثير حرمة لهن أو للإيماء بأن عصيانهن اقبح لأنهن أكثر محبة وأشد شفقة لقوله تعالى وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ الآية ولما ورد من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم لما قيل له من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله قال أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك (ووأد البنات) بهمزه ساكنة وتبدل أي دفنهن حيات أنفة وغيرة ومنهم من وأد تخفيفا لمؤنتهن وخشية الإملاق بهن ولذا خصهن بالذكر وإلا فالوأد حرام وكثر ذلك الفعل بهن ومنه حديث العزل الوأد الخفي ومع هذا جاء في الحديث أن دفن البنات من المكرمات ونعم الصهر القبر وروي عن ابن عباس رضي الله
[ ١ / ١٩٨ ]
تعالى عنهما مرفوعا للمرأة ستران قيل وما هما قال الزوج والقبر قيل فأيهما استر قال القبر.
(وقوله) أي وكقوله فيما رواه أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي ذر (اتّق الله حيثما كنت) وفي الأصول من كتب الحديث حيثما كنت وكذا في أصل الدلجي ولذا قال وما زائدة بشهادة رواية حذفها والمعنى اتق الله باكتساب أوامره واجتناب زواجره في كل مكان وزمان فإنه معك أينما كنت وحيثما كنت والخطاب لرواية من صحابته أو عام لكل فرد من أفراد أمته (وأتبع) بفتح الهمزة وكسر الموحدة أي أعقب والحق (السّيّئة) أي الصادرة منك (الحسنة) أي من صلاة أو صدقة ونحوهما وروي بحسنة (تمحها) بفتح أوله وضم الحاء مجزوما بجواب الأمر وهو مقتبس من قوله تعالى إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ وقيل المعنى بالحسنة بالحديث التوبة ثم المراد بمحوها إزالتها حقيقة بعد كتابتها أو محوها كناية عن عدم المؤاخذة بها والظاهر أن جنس الحسنة يمحو جنس السيئة فلا ينافي ما ورد من أن الحسنة تمحو عشر سيئات وخص من عمومها السيئة المتعلقة بالعبد كالغيبة فلا يمحوها إلا الاستحلال ولو بعد التوبة نعم قبل وصولها إليه ترفع بالحسنة لحديث إذا اغتاب أحدكم من خلفه فليستغفر له فإن ذلك كفارة له وقيل تمحها بحسنة يضاد أثرها أثر السيئة التي ارتكبها فسماع الملاهي يكفر بسماع القرآن ومجالس الذكر وشرب الخمر يكفر بتصدق شراب حلال ونحو ذلك فإن المعالجة بالأضداد (وخالق النّاس) أي خالطهم وعاشرهم (بخلق حسن) أي بطلاقة وجه وكف أذى وبما تحب أن يعاملوك به فإن الموافقة مؤنسة والمخالفة موحشة. (وخير الأمور أوسطها) هذا حديث مستقل رواه ابن السمعاني في تاريخه أي المتوسطة بين الإفراط والتفريط في الأخلاق كالكرم بين التبذير والبخل والشجاعة بين التهور والجبن وفي الأحوال كالاعتدال بين الخوف والرجاء والقبض والبسط وفي الاعتقاد بين التشبيه والتعطيل وبين القدر والجبر وفي المثل الجاهل إما مفرط إما مفرط وفي التنزيل وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا والحاصل أن الإنسان مأمور أن يجتنب كل وصف مذموم بالبعد عنه وأبعد الجهات والمقادير من كل طرفين وسطهما فإذا كان في الوسط فقد بعد عن الاطراف المذمومة ولعل هذا معنى قولهم كن وسطا وامش جانبا.
(وقوله) أي وكقوله ﵊ فيما رواه الترمذي والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أحبب) من أحبه فإن حببته أحبه بالكسر شاذ وقوله (حبيبك) بمعنى محبوبك والمعنى أحبب الذي تحبه مما سوى الله ورسوله (هونا ما) ما زائدة للمبالغة في القلة أي حبا يسيرا ولا تسرف في حبه ولا تبالغ في تعلق القلب به كثيرا فإنه (عسى أن يكون) أي يصير وينقلب (بغيضك) أي مبغوضك (يوما ما) . أي حينا من الأحيان وتتمته وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما إذ ربما انقلب ذلك الحب بتغير الأحوال بغضا فتندم عليه إذا أبغضته أو انقلب البغض حبا فتستحي منه إذا أحببته ويقرب من هذا الكلام قول عمر
[ ١ / ١٩٩ ]
رضي الله تعالى عنه لا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفا وفي معنى هذا الحديث أنشد أبو عمرو بن عبد البر في بهجة المجالس:
وأحبب إذا أحببت حبا مقاربا فإنك لا تدري متى أنت نازع
وأبغض إذا أبغضت بغضا مقاربا فإنك لا تدري متى أنت راجع
والمقارب المقتصد (وقوله) أي وكقوله فيما رواه الشيخان (الظّلم) أي على النفس أو على الغير (ظلمات) بضم الظاء واللام وقال التلمساني ويفتح ويضم الثاني أي أنواع الظلم القاصر او المتعدي ظلمات حسية على أصحابه فلا يهتدون بسببه إلى الخلاص (يوم القيامة) أي في يوم يسعى نور المؤمنين الكاملين بين أيديهم وبإيمانهم بسبب إيمانهم وإحسانهم ويحتمل أن يراد بها الشدائد كما في قوله تعالى قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (وقوله) أي وكقوله فيما رواه الترمذي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (في بعض دعائه) أي في بعض دعواته لما فرغ من صلاته ليلة الجمعة (اللهمّ إنّي أسألك رحمة من عندك) أي من فضلك وكرمك لا بمقابلة عمل من عندي الحديث كذا في أصل الترمذي وليس في بعض النسخ لفظ من عندك (تهدي بها قلبي) أي تدله إليك وتقربه لديك (وتجمع بها أمري) أي حالي عليك (وتلمّ) بضم اللام وتشديد الميم (بها شعثي) بفتحتين أي تجمع لها تفرق خاطري وتضم بها تشتت أمري بمقام جمعي وحضوري (وتصلح بها غائبي) أي قلبي أو باطني بالأخلاق الرضية والأحوال العلية (وترفع بها شاهدي) أي قالبي أو ظاهري الأعمال البهية والهيئات السنية أو يراد بهما اتباعه الغائبون والحاضرون (وتزكّي بها عملي) أي تزيد ثوابه وتنميه أو تظهره وتنزهه عن شوائب الرياء والسمعة وسائر ما ينافيه (وتلهمني بها رشدي) أي صلاح حالي في حالي ومآلي (وتردّ) أي تجمع (بها ألفتي) بضم الهمزة اسم من الائتلاف وأما الإلفة بالكسر فالمرأة تألفها وتألفك وألفه كعلمه ألفا بالكسر والفتح على ما في القاموس فقول الدلجي بضم الهمزة وكسرها مصدر بمعنى المفعول ليس في محله والمراد بها الألفة في العبادة أو حسن الصحبة مع ارباب السعادة ومنه حديث المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف على ما رواه الدارقطني عن جابر مرفوعا ومنه قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (وتعصمني) أي تحفظني وتمنعني (بها من كلّ سوء) أي تصرفني عنه وتصرفه عني وهو بضم السين وقد تفتح الضرر الحسي والمعنوي (اللهمّ إنّي أسألك الفوز) أي النجاة (في القضاء) أي فيما قضيته وقدرته علي من البلاء وفي نسخة عند القضاء أي حين حلول القضاء وضيق الفضاء بتوفيق الرضى وروى المنجاني في العطاء ثم قال ويروى في القضاء كما ذكره المصنف في الشفاء (ونزل الشّهداء) بضمتين وتسكن الزاي وأصله ما يعد للضيف أول نزوله والمراد هنا جزيل الثواب وجميل المآب وقيل النزل بمعنى المنزل ويؤيده رواية ومنازل الشهداء (وعيش السّعداء) أي الحياة الطيبة المقرونة
[ ١ / ٢٠٠ ]
بالطاعة والقناعة من غير التعب والعناء وفي رواية زيادة ومرافقة الأنبياء (والنّصر على الأعداء) أي من النفس والشياطين وسائر الكافرين والحديث طويل كما ذكره بعض الشراح وفي هذا الحديث دليل واضح على أن السجع في الدعاء إنما يكون مكروها على ما ذكره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره إذا كان عن تكلف وتعسف يمنعه عن حسن الثناء ويشغله عن حضور القلب عن الدعاء ثم هذه الروايات من الكلمات الجامعات منضمة (إلى ما روته الكافّة عن الكافة) أي جميع الرواة عن الثقات وحكي عن سيبويه أنه لا يجوز استعمال كافة معرفا بل نكرة منصوبة على الحالية كقاطبة (من مقاماته) بيان لما والمعنى من مقالاته في اختلاف مقاماته وحالاته ومجالس وعظه ودلالاته (ومحاضراته) أي في محاوراته (وخطبه) أي في جمعه وجماعاته (وأدعيته) أي وقت مناجاته (ومخاطباته) أي في مجاوباته (وعهوده) أي في مبايعاته (ممّا لا خلاف) أي بين العلماء الأنام (أنّه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (نزل) فعل ماض وقد وهم اليمني في ضبطه بضم النون والزاي منونا وذكر معانيه التي هي غير ملائمة للمقام فالمعنى أنه تنزله وحل ووصل (من ذلك) أي مما ذكر من علو المقام (مرتبة) بقاف فموحدة أي موضعا مشرفا كما في الصحاح وفي نسخة بقاف فألف وكلتاهما بمعنى مرتبة كما في نسخة وقال اليمني هي الصواب والحاصل أن النسخ كلها بمعنى درجة عالية (لا يقاس) أي عليه (بها غيره) فأين الثريا من يد المتناول في الثرى ولا يقاس الملوك بالحدادين في السلوك (وجاز) بالحاء والزاي أي ضم وجمع (فيها سبقا) بفتح فسكون مصدر سبق وهو التقدم في السير ويستعار لإحراز الفضل والخير وبفتحهما ما يجعل من المال رهنا في المسابقة وأغرب الحلبي من بين الشراح في قوله إنه يتعين ههنا فتح الباء (لا يقدر قدره) بصيغة المجهول أي لا تعرف عظمة شأنه ورفعة برهانه (وقد جمعت) بصيغة المتكلم في أكثر النسخ وضبطه الدلجي بتاء تأنيث ساكنة مبنيا للمفعول (من كلماته) من تبعيضية أو زائدة وأنت الضمير نظرا إلى الكلمات كذا ذكره الدلجي والظاهر كون من تبعيضية لقلة وجودها زائدة في الكلام الموجب مع أن كلماته لا تستقصي في مقام الرواية والمفعول أو نائب الفاعل قوله (الّتي لم يسبق إليها) بصيغة المجهول أي ما سبقه واحد إلى تلك الكلمات البالغة لإصابتها نهاية البلاغة وغاية الفصاحة (ولا قدر أحد أن يفرغ) من الإفراغ أي (في قالبه) بفتح اللام وتكسر ففي القاموس القالب كالمثال يفرغ فيه الجواهر وفتح لامه أكثر والمعنى لم يقدر أحد أن يكسب جواهر المعاني في قوالب زواهر المباني (عليها) أي على نهج تلك الكلمات التي ليس لها مناني (كقوله) أي يوم حنين على ما رواه مسلم والبيهقي الآن (حمي الوطيس) بفتح الحاء وكسر الميم أي اشتد الحرب والوطيس في الأصل التنور شبه به الحرب لاشتعال نارها وشدة إيقادها فاستعار لها اسمه في إيرادها استعارة تحقيقية لتحقق معناها حسا وقرنها بقوله حمى ترشيحا للمجاز وقيل هو الوطئ الذي يطس الناس أي يدقهم وقال الأصمعي هو حجارة مدورة إذا حميت لم يقدر أحد
[ ١ / ٢٠١ ]
على وطئها عبر به ﵊ عن اشتباك الحرب وقيامها على ساق فهو كلام في غاية الإيجاز ومما يشبه الألغاز وكاد أن يكون من باب الاعجاز (ومات حتف أنفه) أي كقوله فيما رواه البيهقي في شعب الإيمان ولفظه من مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله يعني إذا خرج مجاهدا في سبيل الله والمعنى مات بلا مباشرة قتل ولا ضرب ولا غرق ولا حرق وخص الأنف لأنه أراد أن روحه تخرج من أنفه بتتابع نفسه أو لأنهم كانوا يتخيلون أن المريض تخرج روحه من أنفه والجريح من جراحته (ولا يلدغ المؤمن من جحر) بضم جيم فسكون حاء (مرّتين) أي كما رواه البخاري وغيره وروي لا يلسع وهو إما خبر فمعناه أن المؤمن الفطن هو اليقظ الحازم الحافظ الذي لا يؤتى من جهة الغفلة فيخدع وهو لا يشعر مرة بعد مرة وأما نهي فمعناه لا يخدعن المؤمن من باب واحد من وجه واحد مرة بعد أخرى فيقع في مكروه بل فليكن حذرا يقظا في أمر دنياه وأخراه وسبب الحديث أن أبا عزة الجمحي أسر ببدر فمن عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على أن لا يهجوه ولا يحرض عليه فغدر ثم أسر بأحد فقال يا رسول الله غلبت أقلني فقال لا أدعك تمسح عارضيك بمكة تقول خدعت محمدا مرتين وأن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين ثم أمر بضرب عنقه (والسّعيد من وعظ) بصيغة المجهول أي أتعظ (بغيره) كما رواه الديلمي وروي تمامه والشقي من وعظ به غيره (في أخواتها) أي أشباه هذه الكلمات والمعنى أنها جمعت معها كالأعمال بالنيات والمجالس بالأمانات والحرب خدعة وأمثالها من الكلما الجامعات منها كل الصيد في جوف الفرا أي الحمار الوحشي قاله لأبي السبيعي لما أسلم أي اجتمع كمال خصال الناس فيه وإياكم وخضراء الدمن ولا يجني على المرء إلا يده والبلاء مؤكل بالمنطق وترك الشر صدقة وسيد القوم خادمهم والخيل في نواصيها الخير وإن من الشعر لحكمة ونية المؤمن خير من عمله والدال على الخير كفاعله ونعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ والندم توبة ونحو ذلك (مما يدرك النّاظر العجب) أي مما يتصوره وفي نسخة بنصف الناظر ورفع العجب فالمعنى مما يلحقه العجب إذا نظر (في مضمّنها) بفتح الميم المشددة وفي نسخة من ضمنها أي مضمونها وما يتضمنها من المعاني البديعة في المباني المنيعة (ويذهب به) أي ومما يذهب بالناظر (الفكر في أداني حكمها) بكسر ففتح جمع حكمة والمعنى فيتعجب بتأمله في فهمها باعتبار أدانيها فما ظنك بأقاصيها (وقد قال له أصحابه) أي كما رواه البيهقي في شعب الإيمان. (ما رأينا الذي هو أفصح منك) الجملة من المبتدأ والخبر صلة الموصول وهو عائد الموصول لا ضمير أفصح كما توهم الدلجي فإن ضميره راجع إلى المبتدأ كما لا يخفى على المبتدي (فقال وما يمنعني) أي من أن أكون أفصح (وإنّما أنزل القرآن) أي الذي هو في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة مع إيجاز المباني وحسن البيان والمعاني (بلساني لسان عربي مبين) أي واضح او موضح ولسان بدل أو بيان. (وقال مرّة أخرى) أي كما رواه اصحاب الغرائب
[ ١ / ٢٠٢ ]
ولم يعرف له سند (أنا أفصح العرب بيد) أي غير (أنّي) أو على أني (من قريش) فيكون من باب المدح بما يشبه الذم كقول القائل:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
ومنه قول النابغة:
فتى كملت أخلاقه غير أنه جواد فما يبقى من المال باقيا
وفي مشارق الأنوار للمصنف أن بيد بمعنى لأجل وفي المعنى هنا بمعنى من أجل أني من قريش (ونشأت) أي تربيت وفي رواية ارضعت (في بني سعد) أي وهما طائفتان فصيحتان من العرب العرباء وفيهم البلغاء من الشعراء والخطباء وللطبراني أنا أعرب العرب ولدت في قريش ونشأت في بني سعد فأنى يأتيني اللحن وأما حديث أنا أفصح من نطق بالضاد بيد اني من قريش فنقله الحلبي عن ابن هشام لكن لا أصل له كما صرح به جماعة من الحفاظ وأن كان معناه صحيحا والله أعلم وأغرب التلمساني في قوله وتكسر همزة إني على الابتداء وقال روى الحديث محمد بن إبراهيم الثقفي عن أبيه عن جده (فجمع له) بصيغة المجهول أي فاجتمع له الجمع الله له (بذلك) أي بسبب ما ذكر من أصالة قريش وحضانة بني سعد (صلى الله تعالى عليه وسلم) كان محله بعدله (قوّة عارضة البادية) أي حلاوة كلام أهل البادية (وجزالتها) بالرفع وهو ضد الركاكة (ونصاعة ألفاظ الحاضرة) أي وخلوص ألفاظ أهل الحضور في القرى من شوائب خلط الخلطة بغيرهم، (ورونق كلامها) أي وحسن تعبير أهل الحاضرة المفهومة للعامة والخاصة حال كون ذلك كله منضما (إلى التّأييد الإلهي الذي مدده) بالرفع أي زيادته المتوالية وإمداده (الوحي الذي لا يحيط بعلمه بشري) أي منسوب إلى البشر وهم بنو آدم ولو قال الآدمي بدله كان أنسب معنى وأقرب مبنى لسجع الإلهي والحاصل أن كلامه صلى الله تعالى عليه وسلم متناه في الفصاحة والبلاغة ولكن لا يبلغ مرتبة المعجزة خلافا لبعض المتكلمين حيث قال إن اعجازه دون اعجاز القرآن ولعله أراد باعتبار المعنى دون المبنى. (وقالت أمّ معبد) بفتح ميم وموحدة وهي عاتكة بنت خالد الخزاعية (في وصفها له) أي للنبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) حين نزل بها في طريق المدينة سنة الهجرة كما ذكره اصحاب السير وأصحاب الشمائل تضمنا للمعجزات وخوارق العادات حينئذ فمن جملة ما وصفت أنه (حلو المنطق) أي مستلذه ومستحلاه لاشتماله على حلاوة كلامه وعذوبة مرامه وسلاسة سلامه وحسن بدئه وختامه ونظام تمامه. (فضل) أي مفصول مبين ومفهوم معين أو فاصل بين الحق والباطل أو حق لا باطل ومنه قوله تعالى في التنزيل إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ أي فاصل قاطع (لا نزر) بفتح نون فسكون زاء أي لا يسير فيشير إلى خلل (ولا هذر) بفتح هاء وسكون ذال معجمة أي ولا كثير فيميل إلى ملل وأما الهذر بفتح الذال فمعناه الهذيان وأغرب الأنطاكي حيث اقتصر في ضبطه على الفتح (كأنّ منطقه) أي منطوقة (خرزات) أي جواهر
[ ١ / ٢٠٣ ]
متعالية ولآلئ متغالية (نظمن) بصيغة المجهول أي سلكن في سلك كلماته وضمن عباراته متتابعة متناسقة متناسبة متوافقة والحاصل أنه تشبيه بليغ لارادة زيادة المبالغة على ما صرح به الدلجي إلا أنه مبني على أن كان منطقه من الأفعال الناقصة وفي بعض النسخ المصححة بتشديد النون على أنها من الحروف المشبهة فحينئذ لا يكون تشبيها بليغا كما لا يخفى على البلغاء (وكان جهير الصّوت) أي عاليه وهو مما يمدح في أحوال الرجال ولذا مدح أيضا بسعة الفم والله تعالى أعلم (حسن النّغمة) بفتح النون وسكون العين المعجمة أي حسن الصوت حيث تقبله الاسماع وتألفه الطباع كما روي أن الله لم يبعث نبيا إلا حسن الصورة وحسن الصوت (صلى الله تعالى عليه وسلم) أي أولا وآخرا والله تعالى أعلم.
فصل [وأما شرف نسبه وكرم بلده ومنشأه]
(وأمّا شرف نسبه) أي المنسوب إلى قومه (وكرم بلده ومنشأه) أي الذي ولد وتربى فيه وقيل المراد من منشأة محل مرضعته حليمة من بني سعد (فما لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ وَلَا بيان مشكل ولا خفي منه) أي مما ينسب إليه (فإنّه) أي باعتبار نسبه (نخبة بني هاشم) أي خيارهم (وسلالة قريش) أي خلاصتهم وصفوتهم سلت من خالصيهم والظاهر أنه مرفوع وجعله التلمساني مجرورا على أنه بدل من بني هاشم (وصميمها) بالرفع أي قوامهم ومدارهم محضهم وخالصهم من غير خلطة غيرهم وأصل الصميم العظم الذي به قوام العضو وظاهر كلام الدلجي أن صميمها مجرور عطفا على قريش (وأشرف العرب) لأنه من بني هاشم وبنو هاشم من قريش وهم أشرف العرب في النسب وفي شرح الدلجي أفضل العرب من غير عاطفة بالجر صفة لقريش (وأعزّهم) أي وهو أقواهم واشجعهم وأسخاهم (نفرا) أي جماعة وقرابة (من قبل أبيه وأمّه) أي من قبل قبيلة أبويه (ومن أهل مكّة) أي وهو من أهل مكة (أَكْرَمِ بِلَادِ اللَّهِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى عِبَادِهِ) وفي هذا حجة على بعض المالكية في تفضيلهم المدينة السكينة على مكة المكينة وفي بعض النسخ من أكرم ولعله تصرف من بعضهم والله تعالى أعلم نعم يستثنى ما حوى بدنه الكريم فإنه أفضل حتى من الكعبة بل من العرش العظيم وعن المحب الطبري أن بيت خديجة يلي المسجد الحرام في الفضيلة ولم يذكر المصنف في هذا الفصل شيئا مما جاء في فضل مكة لظهوره وكمال وضوح نوره. (حدّثنا قاضي القضاة) اللام للعهد إذ لا يجوز هذا الإطلاق على سبيل الاستغراق إلا على الملك الخلاق نحو ملك الملوك وسلطان السلاطين وأمثال ذلك (حسين بن محمّد الصّدفيّ) بفتحتين ففاء فياء نسبة (﵀) تعالى وقد سبق ترجمته (حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ سُلَيْمَانُ بْنُ خَلَفٍ) وهو الباجي.
(حدّثنا أبو ذر عبد بن أحمد) أي الهروي وهو عبد من غير إضافة فلا يكتب همزة ابن البتة ولو وقع أول الصفحة (حدّثنا أبو محمّد السّرخسيّ) هو الحموي وقد سبق ضبطه (وأبو إسحاق) أي المستملي وكان من الثقات (وأبو الهيثم) وهو محمد بن المكي بن الزراع
[ ١ / ٢٠٤ ]
الكشميهني بضم الكاف وسكون الشين المعجمة وفتح الميم وسكون التحتية وفتح الهاء بعدها النون وياء النسبة نسبة إلى قرية قديمة من قرى مرو (حدّثنا) أي قالوا حدثنا كما في نسخة (محمّد بن يوسف) وهو الفربري، (قال حدّثنا محمّد بن إسماعيل) أي الإمام البخاري، (حدّثنا قتيبة بن سعيد) تقدم ذكره. (حدّثنا يعقوب بن عبد الرّحمن) أي ابن محمد بن عبد الله ابن القاري بالتشديد نسبة إلى القارة (عن عمرو) بالواو وهو مولى المطلب أخرج له الأئمة الستة واختلف في كونه ثقة (عن سعيد المقبريّ) بفتح الميم وضم الموحدة ويجوز فتحها وقال التلمساني بتثليث الموحدة وقيل له ذلك لأنه كان يسكن قرب المقابر وهو سعيد بن أبي سعيد المقبري وأما ما في بعض النسخ عن أبي سعيد فخطأ على ما ذكره الحلبي وفيه بحث لأن الحجازي صرح بأن كنيته أبو سعيد وأبوه كيسان وكنيته أبو سعيد أيضا (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بني آدم قرنا فقرنا) أي خلقت وجعلت من خير طبقاتهم كائنين طبقة بعد طبقة (حَتَّى كُنْتُ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ مِنْهُ) أي حتى وجدت من بين الجمع الذي ظهرت منهم والقرن من الاقتران يطلق على أهل كل زمان يقترنون في أعمارهم وأحوالهم في مقداره أقوال عشرة عشرون ثلاثون أربعون خمسون ستون سبعون ثمانون مائة سنة مائة وعشرون مطلق من الزمان فتلك عشرة كاملة والأظهر أنه من الزمان ما غلب فيه وجود الأقران ولذا قيل:
إذا ذهب القرن الذي أنت منهمو وخلقت في قرن فأنت غريب
والمراد بالبعث تقلبه في أصلاب آبائه أبا فأبا كانتقاله من نابت بالنون ابن إسماعيل ثم من النضر بن كنانة ثم من قريش بن النضر ثم من عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ولله در القائل:
كم من أب قد علا بابن ذوي شرف كما علا برسول الله عدنان
(وعن العبّاس) كما رواه البيهقي في دلائل النبوة والترمذي وحسنه (قال: قال النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم إنّ الله خلق الخلق) أي إنسا وملائكة وجنا ويحتمل تخصيصه بالثقلين (فجعلني من خيرهم) أي فتخيرهم وجعلني من خيرهم وهم الإنس (من خير قرنهم) بصيغة الإفراد وهو بدل مما قبله (ثمّ تخيّر القبائل) أي اختارهم (فجعلني من خير قبيلة) أي من العرب وهم قريش (ثمّ تخيّر البيوت) أي البطون (فجعلني من خير بيوتهم فأنا) أي بفضل الله علي ونظر لطفه في سابق علمه إلى (خيرهم نفسا) أي ذاتا إذ خلقني خاتم النبوة وتمم بي دائرة الرسالة وجعلني مدار الوجود ومظهر الكرم والجود (وخيرهم بيتا) أي مكانا في النسب والحسب من جهة الأم والأب. (وعن واثلة) بمثلثة مكسرة (ابن الأسقع) وهو من أرباب الصفة وضبط بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح قاف فعين مهملة وقال التلمساني بالسين والصاد ويجوز الزاء كما رواه مسلم والترمذي واللفظ له (قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إبراهيم) قيل هو معرب أب رحيم والولد
[ ١ / ٢٠٥ ]
بفتحتين أو بضم فسكون أي اختار من أولاده وكانوا ثلاثة عشر (إسماعيل) إذ كان نبيا رسولا إلى جرهم وعماليق الحجاز وأغرب التلمساني حيث قال إسماعيل باللام والنون (واصطفى من ولد إسماعيل) وكانوا اثني عشر ولدا على ما ذكره ابن إسحاق (بني كنانة) وهو بكسر الكاف ابن نابت وبين كنانة ونابت فيما ذكر ابن إسحاق ثلاثة عشر أبا (واصطفى من بني كنانة) وكانوا أربعة منهم النضر (قريشا) وهم أولاد النضر روي أن في الرجل من قريش قوة رجلين من غيرهم (واصطفى من قريش بني هاشم) اسمه عمرو وسمي بذلك لأنه أول من هشم الثريد لقومه وأضيافه من الحجاج وغيرهم في سنة القحط (واصطفاني من بني هاشم) أي بني عبد المطلب بن هاشم (قال الترمذي وهذا حديث صحيح) أي إسناده قال المنجاني وقد خرجه مسلم في صحيحه؛ (وَفِي حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ رواه الطّبري) أي محمد بن جرير أحد الأعلام وصاحب التصانيف من أهل طبرستان وسمع خلائق وأخذ القراءة عن جماعة توفي سنة عشر وثلاثمائة وكذا الطبراني في معجميه الكبير والأوسط (أنّه صلى الله تعالى عليه وسلم قال إنّ الله ﷿ اختار خلقه) أي تخيرهم وقيل أوجدهم لأن المختار عند المتكلمين هو الفاعل لا على سبيل الإكراه (فَاخْتَارَ مِنْهُمْ بَنِي آدَمَ ثُمَّ اخْتَارَ بَنِي آدم) أي تنقاهم (فاختار منهم العرب ثمّ اختار العرب) أي انتقدهم (فاختار منهم قريشا) وهم أولاد النضر بن كنانة وسموا قريشا لأن قصيا قرشهم أي جمعهم في الحرم بعد ما كانوا متفرقين (ثُمَّ اخْتَارَ قُرَيْشًا فَاخْتَارَ مِنْهُمْ بَنِي هَاشِمٍ ثمّ اختار بني هاشم فاختارني) أي منهم (مِنْهُمْ فَلَمْ أَزَلْ خِيَارًا مِنْ خِيَارٍ أَلَا) للتنبيه على تحقيق ما بعده من الأمر النبيه (من أحبّ العرب فبحبّي) أي فبسبب حبه إياي (أحبّهم ومن أبغض العرب فببغضي) أي فبسبب بغضه إياي (أبغضهم) أي والمعنى إنما أحبهم لأنه أحبني وإنما أبغضهم لأنه أبغضني فثبت بذلك قول بعض المالكية من سبهم وجب قتله لكن قد يقال المعنى فبسبب حبي وبغضي إياهم أحبهم وأبغضهم لا بسبب آخر فمن أحبهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من أهل الإيمان يجب محبتهم ومن أبغضهم من أهل العدوان يجب عداوتهم وأما الطعن في جنس العرب فهذا محل بحث وسيأتي تحقيقه (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) عَلَى ما رواه ابن أبي عمر والعدني في مسنده (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كانت روحه) وفي أكثر النسخ أن قريشا أي من حيث هو فيهم كانت (نورا بين يدي الله تعالى) أي مقربا عنده ﷾ (قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ يُسَبِّحُ ذلك النّور) أي قبل عالم الظهور (وتسبّح الملائكة بتسبيحه) أي بسببه أو بما يقول من تسبيحه على طبقه ووفقه (فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أَلْقَى ذَلِكَ النُّورَ في صلبه) بضم فسكون وفي القاموس بالضم وبالتحريك هو عظم من لدن الكاهل إلى العجب وقال التلمساني هو عمود الظهر ويقال بضم الصاد وفتحها (فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: فأهبطني الله ﷿ إِلَى الْأَرْضِ فِي صُلْبِ آدَمَ وَجَعَلَنِي فِي صلب نوح) أي بعد ما كان في صلب شيث وإدريس (وقذف بي) أي بعد ذلك (في صلب إبراهيم) أي من صلب سام بن
[ ١ / ٢٠٦ ]
نوح (ثُمَّ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ تَعَالَى يَنْقُلُنِي مِنَ الأصلاب الكريمة والأرحام الطّاهرة حتّى أخرجني) أي أطهرني (من) وفي نسخة بين (أبويّ لم يلتقيا) أي أبواي من آدم وحواء إلى عبد الله وآمنة (على سفاح) بكسر السين أي على غير نكاح (قطّ) أي أصلا وقطعا (ويشهد بصحّة هذا الخبر شعر العبّاس) وهو قوله.
من قبلها طبت في الظلال وفي الخ (المشهور في مدح النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) كما سيأتي في كلام القاضي والله أعلم.
فصل [وأما تَدْعُو ضَرُورَةُ الْحَيَاةِ إِلَيْهِ مِمَّا فَصَّلْنَاهُ فَعَلَى ثلاثة ضروب الضرب الأول]
(وَأَمَّا مَا تَدْعُو ضَرُورَةُ الْحَيَاةِ إِلَيْهِ مِمَّا فصّلناه) أي مما بيناه فيما تقدم أول الباب من فضائله فيه (فعلى ثلاثة ضروب) وفي بعض النسخ أضرب أي على ثلاثة أنواع أو أصناف (ضرب الفضل) أي هو الفضل ويجوز فيه الإضافة (في قلّته) وهو الذي أورده هنا، (وضرب الفضل في كثرته) أورده في فصل ثان، (وضرب تختلف الأحوال فيه) ذكره في فصل ثالث؛ (فأمّا ما) أي ضرب (التّمدّح والكمال بقلّته اتّفاقا) أي بين العلماء والحكماء من العرب والعجم وغيرهم من العقلاء (وعلى كلّ حال) أي وفي قلته على كل حال بأصل الخلقة أو بحكم المجاهدة (وعادة وشريعة) أي عقلا ونقلا أو عادة وعبادة (كالغذاء) بكسر المعجمة الأولى ما يتغذى به من الطعام والشراب وهو أعم من الغداء بفتح المعجمة والدال المهملة وهو ما يؤكل أول النار كما أن العشاء بالفتح ما يؤكل بعد الزوال إلى العشاء بالكسر فتجويز الدلجي ضبطه بالمعجمة والمهملة من المهمل الذي ليس في محله المستعمل وكذا قول اليمني وأما الغداء بفتح الغين المعجمة والدال المهملة فهو الطعام بعينه وهو خلاف العشاء انتهى مع ما فيه من التناقض بين قوله هو الطعام بعينه وبين قوله وهو خلاف العشاء (والنّوم) أي وكالنوم، (ولم تزل العرب) أي من العقلاء (والحكماء) أي منهم ومن غيرهم من القدماء (تتمادح) أي تتفاخر (بقلّتهما وتذمّ) أي وتتعايب (بكثرتهما) او التقدير تذم التقيد بكثرتهما وفي نسخة وتذم كترتهما (لأنّ كثرة الأكل والشّرب) بتثليث الشين والضم ثم الفتح أشهر وأما الكسر ففي معنى النصيب أكثر (دليل على النّهم) بفتحتين أي الافراط في شهوة الطعام (والحرص) أي على جمع المال لنيل المنال أو على طول الحياة لحصول اللذات (والشّره) بفتحتين أي غلبة الحرص وقيل وهو أن يأكل نصيبه ويطمع في نصيب غيره فهما مجروران عطفا على النهم بفتحتين للتفسير والتأكيد ثم قوله (وغلبة الشّهوة) مبتدأ خبره قوله، (مسبّب) بكسر الباء والمسبب في الحقيقة هو الله تعالى فكان الأولى أن يقول سبب أي أمر موجب وباعث مجتلب (لمضارّ الدّنيا والآخرة) وفي بعض النسخ ضبط الحرص والشره وغلبة الشهوة كلها بالرفع فيكون مسبب خبرا ثانيا لأن ويؤيده قوله (جالب) بلا عاطف وليس كما قال الدلجي عطف على دليل أو مسبب ثم المعنى
[ ١ / ٢٠٧ ]
جاذب ومكسب (لأدواء الجسد) جمع الداء بمعنى المرض (وخثارة النّفس) بضم الخاء المعجمة أي ثقلها بلا طيب ونشاط (وامتلاء الدّماغ) وهو أعلى الرأس من القحف أي من رطوبات ابخرة متصاعدة تورث استرخاء اعضائه الذي به النوم الذي يفوت خيرا كثيرا؛ (وقلّته) عطف على كثرة الأكل وهو اسم أن أو على محلها أي قليل من الأكل (دليل على القناعة) أي الرضى باليسير والتسليم للقسمة (وملك النّفس) بكسر الميم أي وعلى قدرتها وحكمها على قمعها ومنعها من الميل إلى الشهوات واتباعها؛ (وقمع الشّهوة) بالرفع مبتدأ خبره (مسبّب للصّحة) وجوز الدلجي جره عطفا على ما قبله فيكون مسبب خبرا ثانيا لقلته وهو بعيد لفظا ومعنى وجوز الحجازي رفع ملك النفس أيضا فتأمل والمراد من الصحة صحة الظاهر وهو الجسد من الآلام والأسقام لأن التخمة أصل كل علة (وصفاء الخاطر) أي وسبب لخلوص الباطن من الكدورات المتولدة بانهماك النفس في المستلذات (وحدّة الذّهن) أي لذكائه وهي شدة قوة للنفس معدة لاكتساب الآراء المستقيمة (كَمَا أَنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ دَلِيلٌ عَلَى الْفُسُولَةِ) بضم الفاء والسين المهملة أي الرذالة وفتور النفس (والضّعف) بالضم والفتح أي ضعف البنية، (وعدم الذّكاء والفطنة) أي وعلى عدمها وقوله (مسبّب) خبر ثان لأن أو عدم الذكاء مبتدأ خبره مسبب (للكسل) أي الملالة في الطاعة (وعادة العجز) أي وتعود العجز عن القيام بالعبادة روي أن من خصائصه ﵊ أنه كان لا يتثاءب ولا يتمطى لأنهما من عمل الشيطان (وتضييع العمر) بضمهما ويسكن الثاني (في غير نفع) أي بلا منفعة حقيقية لأن النفس إذا توجهت إلى معرفة شيء ومزاولة عمل ولم تجد لها آلة تساعدها من صدق تخيل وصحة فكر وتأمل وجودة حفظ وتعقل لفقد اعتدال المزاج بسبب كثرة الأكل والنوم فترت همتها عن العلم والعمل واعتادها الكسل مع حصول عجز البدن عن وصول الأمل وإضاعة العمر في غير نفع مدة الأجل (وقساوة القلب) أي وفي شدته وغلظته (وغفلته) أي إهماله وتركه عن تحصيل منفعته (وموته) أي وموت قلبه لأن حياته بذكر ربه وفكر حبه؛ (والشّاهد على هذا) أي والدليل الظاهر على ما ذكرناه من أن كثرة الأكل والنوم تورث ما قدمناه (ما يعلم ضرورة) أي بديهة بأوائل الفطرة من غير حاجة إلى الفكرة كالعلم بجوع النفس وعطشها وقبضها وبسطها وكالعلم بأن الواحد نصف الاثنين والاثنين أكثر من واحد ونصب ضرورة على التمييز (ويوجد مشاهدة) أي معاينة منا ومن غيرنا وهي منصوبة على المفعولية، (وينقل) أي يروى إلينا ممن سبق علينا (متواترا) أي نقلا متتابعا مرة بعد مرة وفي الاصطلاح خبر اقوام عن أمر محسوس يستحيل عادة تواطئهم على الكذب (من كلام الأمم المتقدّمة والحكماء السّافلين) أي السابقة كقول الحارث ابن كلدة أفضل الدواء الازم يريد قلة الأكل والحمية وقول بعض الحكماء خصلتان يقسو بهما القلب كثرة الأكل وكثرة الكلام وقول داود لابنه سليمان ﵉ إياك وكثرة النوم فإنه يفقرك إذا احتاج الناس إلى أعمالهم (وأشعار العرب وأخبارها) ومن الأول قول الأعشى
[ ١ / ٢٠٨ ]
تكفيه حذة لحم إن الم بها من الشواء وتروى شربة الغمر
ومن الثاني قول قس بن ساعدة وقد قال له قيصر ما أفضل الأكل قال ترك الإكثار منه قال فما أفضل الحكمة قال معرفة الإنسان قدره قال فما أفضل العقل قال وقوف الإنسان عند علمه (وصحيح الحديث) كما سيأتي (وآثار من سلف وخلف) أي من الصحابة والتابعين كما سيجيء (ممّا لا يحتاج إلى الاستشهاد عليه) أي لكونه مما لا يخفى (وإنّما تركنا ذكره هنا اختصارا) أي في اللفظ (واقتصارا) أي في المعنى (على اشتهار العلم به) أي بناء واعتمادا على شهرته لكمال كثرته؛ (وكان النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَخَذَ مِنْ هَذَيْنِ الْفَنَّيْنِ) أي النوعين من الغداء والنوم (بالأقلّ) أي بالحد الأقل الذي لا يجوز التجاوز عنه ويجب الانتفاع به حفظا للبنية وقوة على الطاعة؛ (هذا) أي هذا الحد الذي أخذ به منهما واكتفى فيه عن طلب غيرهما (ما لا يدفع) بصيغة المجهول أي لا ينكر ولا يمنع (من سيرته) لكمال شهرته وكثرة نقلته (وهو الذي أمر به) أي غيره (وحضّ عليه) أي من وافق سيره (لا سيّما) مركبة من لا وسى وما وسى اسم بمنزلة مثل وزنا ومعنى أي لا مثل ما وتكون ما زائدة أو موصولة قال ثعلب من استعمله بلا واو مخفف الياء أخطأ وليس كما قال بل تحذف واوه ويخفف كقوله:
وبالعقود وبالإيمان لا سيما عقد وفاء به من أعظم القرب
كذا قرره الحجازي وفيه بحث لا يخفى (بارتباط أحدهما بالآخر) أي خصوصا مع ملاحظة ارتباطهما وانعقادهما في تلازمهما من حيث إن النفس إذا شبعت تشوقت إلى الراحة بالنوم وفترت عن العبادة فتنام كثيرا فتحسر في حياته كثيرا وتندم عند مماته كثيرا لقلة زاده ليوم معاده بدليل ما سيأتي من الأخبار والآثار منها ما قال المصنف رحمه الله تعالى. (حدّثنا أبو عليّ) أي ابن سكرة (الصّدفيّ) بفتحتين (الحافظ) أي للكتاب والسنة (بقراءتي عليه) أي هذا الحديث دون إملائه لي وهذا بيان لأحد نوعي الأخذ ودليل على كمال الحفظ وقد سبقت ترجمته (حدّثنا أبو الفضل) وهو أحمد بن خيرون وقد سبق ذكره (الأصفهانيّ) بفتح الهمزة وتكسر والفاء مفتوحة ويروى بالباء بدل الفاء وأما النطق بموحدة بين الباء والفاء فلفظ فارسي قيل وأهل المشرق يقولون بالفاء وأهل المغرب بالباء وهي مدينة عظيمة من بلاد العجم من نواحي العراق ومن شرف أصبهان أنها لا تخلو أبدا من ثلاثين رجلا يستجاب دعاؤهم لدعوة الخليل ﵇ لما حمل منهم نمرود ثلاثين للحرب فلما رأوا الخيل آمنوا به فدعا لهم بذلك كذا ذكره التلمساني (حدّثنا أبو نعيم الحافظ) قال الحلبي هذا هو الحافظ الكبير محدث العصر أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني الصوفي الأحول سبط الزاهد محمد بن يوسف البناء ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وله مصنفات كثيرة (حدّثنا سليمان بن أحمد) هذا هو الإمام الواسطي الحافظ الكبير الثبت مسند الدنيا أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي بالمعجمة الشامي
[ ١ / ٢٠٩ ]
ولد سنة ستين ومائتين واعتنى به أبوه ورحل به في حداثته وسمع بمدائن الشام والحرمين واليمن ومصر وبغداد والكوفة والبصرة وأصفهان والجزيرة وغير ذلك وحدث عن أكثر من ألف شيخ وصنف المعجم الكبير والمعجم الأوسط وهو كتاب جليل تعب عليه وكان يقول هو روحي والمعجم الصغير يذكر فيه عن كل شيخ حديثا وله مصنفات كثيرة مفيدة وعاش مائة سنة (حدّثنا أبو بكر بن سهل) أي الدمياطي روى عن عبد الله بن يوسف وكاتب الليث وطائفة وعنه الطحاوي والطبراني وجماعة توفي سنة تسع وثمانين (حدّثنا عبد الله بن صالح) أي الجهمي كاتب الليث على أحواله روى عن معاوية بن صالح وموسى بن علي وطائفة وعنه البخاري وابن معين وخلق قال الفاضل الشعراني ما رأيته إلا يحدث أو يسبح (حدّثني معاوية بن صالح) هو الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس روى عن مكحول وغيره وعنه ابن وهب وابن مهدي وجمع (أنّ يحيى بن جابر) أي الطائي الشامي قاضي حمص (حدّثه عن المقدام) بكسر الميم (ابن معد يكرب) بعدم الانصراف وقد يصرف قال الحلبي فيه لغات رفع الباء ممنوعا والإضافة مصروفا وممنوعا انتهى ولا يخفى أن الرفع لا وجه له هنا (أنّ رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وعاء شرّا من بطنه) ويرى من بطن لما فيه من الضرر الكثير به وسائر الأوعية إنما استعملت فيما هي له وهو إنما خلق ليتقوم به الصلب من الطعام فامتلاؤه يفضي إلى فساد الدين والدنيا فيكون شرا منها في مقام المرام، (حسب ابن آدم) بسكون السين أي كافيه (أكلات) بضمتين وقد تفتح الكاف وتسكن أيضا على ما صرح به بعضهم جمع أكلة بالضم والسكون لما يجعل في الفم من اللقمة وهو المراد ههنا وفي جمعها للقلة وهو لما دون العشرة إرشاد إلى قلة عددها وفي رواية لقيمات إشارة إلى قلة قدرها قال التلمساني وكان ذلك عادة عمر رضي الله تعالى عنه يقتصر على سبع أو تسع وأما بفتحتين فهو جمع الأكلة بمعنى المرة من الأكل وتجويزه ههنا للدلجي ليس في محله ويروى حسب المسلم وحسب المؤمن ورواية الترمذي بحسب ابن آدم أكلات (يقمن صلبه) بضم أوله أي يقوين ظهره بالضم وبالتحريك عظم من لدن الكاهل إلى العجب كما في القاموس فقول الدلجي تسمية للكل باسم جزئه إذ كل شيء من الظهر فيه فقار فهو صلب فيه بحث نعم خص الصلب لأنه عمود البدن وفيه النخاع الساقي للبدن وهو أصله ولذا من قطع نخعه مات وهو كناية عن أنه لا يتجاوز ما يحفظه من ضعفه ويتقوى على طاعة ربه والإسناد في الجملة مجازي لأن الإقامة صفة الهية، (فإن كان لا محالة) بفتح الميم ويضم أي لا بد ولا حيلة ولا فراق من التجاوز عن الإقامة البتة (فثلث) بضمتين وتسكن اللام مبتدأ والتقدير ثلث منه (لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) بفتح الفاء أي لتنفسه وبه يحصل نوع صفاء ورقة وكسر شهوة ورفع غفلة وسهولة مواظبة على الطاعة والعبادة والتخلص من القساوة والبلادة ومحافظة صحة البدن واعتدال المزاج غير المحتاج للمعالجة وقيل التقدير فإن كان لا بد أن يملأ بطنه ولم يقنع بما فيه قوة فليملأ ثلث بطنه بالطعام وثلثه بالشراب ويترك ثلثه خاليا
[ ١ / ٢١٠ ]
لخروج النفس ثم الأصول المعتمد والنسخ المصححة بضمير الغائب وتوهم الدلجي وذكره بلفظ طعامك وشرابك ونفسك وعلل بأنه التفات من الغيبة إلى الخطاب والله تعالى أعلم بالصواب وسمع عمر رضي الله تعالى عنه قول عنترة:
ولقد أبيت على الطوى واطيله حتى أنال كريم المأكل
فقال ذاك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وتأول كريم المأكل بالجنة ولقد صدق في تأويله رضي الله تعالى عنه وروي أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال ما وصف لي أعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة ثم أحسن ما قيل في الحديث إن لا محالة عائد إلى ضرورة الأكل وإن الثلث في حيز الاستحسان والإباحة وقيل المستحسن نصفه وهو السدس وأقل منه شيئا وهو السبع لقوله فإن كان لا بد ولا محالة هذا وقيل لسهل بن عبد الله الرجل يأكل في اليوم أكلة واحدة قال أكل الصديقين قيل فأكلتين قال أكل المؤمنين قيل فثلاثا قال قل لأهلك يبنوا لك معلفا وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا أراد أن يشتري غلاما وضع بين يديه تمرا فإن أكل كثيرا قال ردوه فإن كثرة الأكل من الشؤم (وَلِأَنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ) أي إنما تنشأ من أجل كثرتهما غالبا وإلا فقد تكون من الضعف وغيره من العلل (قال سفيان الثّوريّ) نسبة إلى أبي قبيلة وهو أحد الأئمة الأعلام من علماء الأنام روى عن ابن المنكدر وغيره وعنه الأوزاعي ومالك وشعبة وأمثالهم وأخرج له الأئمة الستة قال ابن المبارك ما كتبت عن أفضل منه ولا عبرة بمن تكلم فيه وفي أمثاله إذ قل من لم يتكلم في حقه (بقلّة الطّعام يملك سهر اللّيل) بصيغة المجهول؛ (وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ لَا تَأْكُلُوا كَثِيرًا فَتَشْرَبُوا كثيرا فترقدوا كثيرا فتخسروا كثيرا) أي فتندموا كثيرا لنقص العمر الذي هو أنفس الجواهر كذا في الأصول المعتمدة وقال التجاني زاد الغزالي فتخسروا كثيرا. (وقد روي) أي عن جمع كأبي يعلى وغيره (عنه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ ما كان على ضفف) بفتح المعجمة والفاء الأولى (أي كثرة الأيدي) يعني على الطعام وفيه حث على أن الأولى أن لا يأكل أحد وحده لما فيه من الدلالة على كرم النفس والسخاوة والمواساة والسماحة وحصول الكفاية مع توقع البركة لما في حديث مسلم طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية حملا للآكل على الاكتفاء بنصف الشبع قال ابن راهويه عن جرير تأويله شبع الواحد قوت الاثنين وهلم جرا وقد فسر الضفف بعضهم بكثرة العيال وبعضهم بالضيق والشدة واستشهد في المجمل بأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يشبع من خبز ولحم إلا على ضفف أي على كثرة الأيدي على الطعام وقال مالك بن دينار سألت رجلا من أهل البادية عن الضفف فقال هو التناول مع الناس وقيل هو أن تكون الأكلة أكثر من مقدار الطعام والجفف بالجيم وقيل بالحاء أن يكونوا بمقداره ويروى على شظف بالشين والظاء المعجمتين
[ ١ / ٢١١ ]
بمعنى الضيق والشدة. (وعن عائشة ﵂ لم يمتلىء جوف النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم شبعا) بكسر ففتح ويسكن (قطّ) تقدم ضبطه قال الدلجي لم أعرف من رواه ولا يعارضه ما أفهم شبعه في الجملة كحديث مسلم عنها ما شبع رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا مِنْ خُبْزٍ بر حتى مضى لسبيله وفي رواية من خبز شعير يومين متواليين فإن دلالة المفهوم ضعيفة فليست بحجة كما قال أبو حنيفة ولأن الامتلاء صفة زائدة على الشبع؛ (وأنّه) بالفتح فيكون من جملة رواية عائشة رضي الله تعالى عنها أو بالكسر على الاستئناف والضمير للشأن أوله صلى الله تعالى عليه وسلم (كَانَ فِي أَهْلِهِ لَا يَسْأَلُهُمْ طَعَامًا وَلَا يتشهّاه) لعدم التفاته إلى غير مولاه (إِنْ أَطْعَمُوهُ أَكَلَ وَمَا أَطْعَمُوهُ قَبِلَ وَمَا سقوه) ويجوز أسقوه (شرب) وهذا كان دأبه في آدابه وغالب حاله في سائر أفعاله كما هو طريق الأنبياء والأولياء في مقام الفناء والبقاء والمصنف لما استشعر اعتراضا واردا على ظاهر الحديث من حيث العموم دفعه بقوله؛ (ولا يعترض) بصيغة المجهول أي ولا يجوز لأحد أن يعترض (على هذا) أي قولها لا يسألهم طعاما (بحديث بريرة) بفتح فكسر أي بحديث وقع في حق بريرة وهي مولاة لعائشة رضي الله تعالى عنها واختلف أنها قبطية أو حبشية (وقوله) أي فيما رواه الشيخان عنه (ألم أر البرمة) بضم الباء وهي القدر من الحجارة أو أعم (فيها لحم) بفتح فسكون ويفتح (إِذْ لَعَلَّ سَبَبَ سُؤَالِهِ ظَنُّهُ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتِقَادَهُمْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ) أي ولو بعد أن ملكته (فأراد بيان سنّته) وهي أنه إذا ملك المتصدق عليه الصدقة حل له أكلها هدية ويؤيد ظنه جهلهم حله له بعد ملكها إياه قوله؛ (إِذْ رَآهُمْ لَمْ يُقَدِّمُوهُ إِلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ أنّهم لا يستأثرون) أي لا يختصون (عليه به فصدق عليهم ظنّه) بتشديد الدال وتخفيفها كما قرئ به في الآية والمعنى فصدق في ظنه جهلهم ذلك فيكون من باب الحذف والإيصال وجوز تعديته بنفسه كما في صدق وعده على ما ورد وكقوله ﷾ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ أو فحقق ظنه أو وجده صادقا في جهلهم ذلك (وَبَيَّنَ لَهُمْ مَا جَهِلُوهُ مِنْ أَمْرِهِ بِقَوْلِهِ هو لها صدقة ولنا هديّة) أي ففيه مبادلة معنوية واختلاف من حيثية فإن هذا اللحم بإهدائها إياه له انتقل من حكم الصدقة إلى حكم الهبة كما لو اشتراه منها غني أو ورثه عنها (وفي حكمة لقمان) روي أنه كان عبدا حبشيا نجارا وقيل نوبيا فرزق العتق وكان خياطا وقيل هو ابن أخت داود ﵇ وقيل ابن خالته وقيل كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة وأدرك داود وأخذ منه العلم والأكثرون على أنه كان وليا وذهب الآخرون إلى أنه كان نبيا ويروى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه ﵊ قال لم يكن لقمان نبيا ولكن كان عبدا كثيرا التفكر حسن اليقين أحب الله تعالى فأحبه فمنّ عليه بالحكمة وخيره في أن يجعله خليفته يحكم بالحق فقال يا رب إن خيرتني قبلت العافية وإن عزمت علي فسمعا وطاعة فإنك ستعصمني (يا بنيّ) وهو تصغير الشفقة ويجوز فتح يائه وكسرها كما قرئ بهما في الآية (إذا امتلأت المعدة) أي طعاما وشرابا وهي بفتح فكسر ويجوز كسرهما وإسكان عينها مع فتح الميم
[ ١ / ٢١٢ ]
وكسرها على ما نقله الحلبي وفي القاموس المعدة ككلمة وبالكسر موضع الطعام قبل انحداره إلى الامعاء وهو لنا بمنزلة الكرش لغيرنا (نامت الفكرة) أي غفلت أو ماتت ويؤيده ما ورد لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب وقد قالت الصوفية في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً هذا مثل ضربه الله للاولياء ليفهموا الدنيا وأهلها وذلك أن البعوضة تحيى إذا جاعت وتموت إذا شبعت وكذلك أهل الدنيا إذا امتلاؤا من الدنيا وركنوا إليها أخذتهم وأماتت قلوبهم وأهلكتهم (وخرست الحكمة) بكسر الراء أي سكنت وما ظهرت وهي كمال النفس باقتباس العلوم العقلية واكتساب الحقائق النقلية ولذا قيل الحكمة اتقان العلم والعمل (وقعدت) وفي رواية وكلت (الأعضاء عن العبادة) أي فترت وثقلت منها وكسلت عنها بسبب ما يعتريها من النوم المانع عنها؛ (وقال سحنون) بفتح السين وضمها قيل نون وهو مصروف وقيل ممنوع وهو أبو سعيد عبد السلام بن سعيد التنوخي الملقب بسحنون الفقيه المالكي قرأ على القاسم بن وهب وأشهب ثم انتهت إليه الرياسة في العلم بالمغرب وأدرك مالكا ولم يقرأ عليه وصنف كتاب المدونة في مذهب مالك وحصل له ما لم يحصل لأحد من أصحاب مالك توفي سنة اربعين ومائتين وقال التلمساني وعند القرافي ذو النون وهو أبو الفيض المصري العابد مات سنة خمس وأربعين ومائتين فيمكن أن يكون أحدهما راويا عن الآخر لأنهما في عصر واحد (لا يصلح العلم) أي على الوجه الأنفع (لمن يأكل حتّى يشبع) قال التلمساني وتمامه ولا لمن يهتم بغسل ثيابه. (وفي صحيح الحديث قوله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي كما رواه البخاري (أمّا أنا فلا آكل متّكئا والاتّكاء) أي المراد منه ههنا (هو التّمكّن) على الوطاء (للأكل والتّقعدد في الجلوس له) أي كمال الاعتماد في العقود والتقعدد المراد منه هو القعود (كالمتربّع وشبهه) أي على أي هيئة (من تمكّن الجلسات) بكسر الجيم جمع جلسة للهيئة (الَّتِي يَعْتَمِدُ فِيهَا الْجَالِسُ عَلَى مَا تَحْتَهُ) أي من الأوطئة (والجالس على هذه الهيئة يستدعي الأكل) أي الكثير (ويستكثر منه) أي بشهوة نفس وشره طبع، (والنّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ جُلُوسُهُ لِلْأَكْلِ جُلُوسَ المستوفز) أي كجلوس المستوفز وهو اسم فاعل من استوفز في قعدته انتصب فيها غير مطمئن أو وضع ركبتيه ورفع اليتيه أو استقل على رجليه ولم يستو قائما وقد تهيأ للوثوب كذا في القاموس فقوله (مقعيا) حال مؤكدة في بعض الوجوه إذ الإقعاء أن يجلس على ركبتيه وهو الاحتفاز والاستيفاز وقيل أي ملصقا مقعده بالأرض ناصبا ساقيه وفخذيه ويضع على الأرض يديه (ويقول) أي كما رواه البزار عن ابن عمر بسند ضعيف وأبو بكر الشافعي في فوائده من حديث البراء إنه ﵊ كان يقول:
(إنّما أنا عبد) أي تواضعا منه وإرشادا إليه (آكل كما يأكل العبد) لا كما يأكل الملوك والمترفين وزاد ابن سعد وأبو يعلى بسند حسن عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا (وأجلس كما يجلس العبد) وزاد الديلمي وابن أبي شيبة وابن عدي وأشرب كما يشرب الْعَبْدُ (وَلَيْسَ مَعْنَى الْحَدِيثِ فِي الِاتِّكَاءِ الْمَيْلُ على شقّ عند المحقّقين) بل هو المعنى الأعم الشامل له ولغيره
[ ١ / ٢١٣ ]
بخلاف ما فهم العامة من أن الاتكاء منحصر في الميل إلى أحد شقيه أو الاستناد إلى ما رواءه وبهذا يجمع بين ما قاله المصنف ههنا وما ذكره في الإكمال من أن الخطابي خالف في هذا التأويل أكثر الناس وأنهم إنما حملوا الاتكاء على أنه الميل على أحد الجانبين ولذا أنكره عليه ابن الجوزي وقال المراد به المائل على جنبه والله ﷾ أعلم. (وكذلك) أي ومثل كون أكله قليلا (نومه صلى الله تعالى عليه وسلم كان قليلا) أي ليصرف أوقاته النفيسة في طاعته وعاداته الأنيسة (شهدت بذلك الآثار الصّحيحة) أي والأخبار الصريحة التي أغنت شهرتها عن إيراد كثرتها، (ومع ذلك) أي مع كون نومه قليلا (فقد قال صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قلبي) كما رواه الشيخان فنومه كله يقظة ليعي الوحي إذا اوحي إليه في المنام إذ رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحي بدليل قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ (وكان نومه على جانبه الأيمن استظهارا) أي استعانة بذلك (عَلَى قِلَّةِ النَّوْمِ لِأَنَّهُ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ أهنأ) بفتح نون فهمز أي ألذ وأشهى ويروى أهدأ أي أسكن واوفق (لهدوّ القلب) بالهمز ويسهل أي سكونه واطمئنانه (وما يتعلّق به) أي ولهدوء ما يتعلق به (من الأعضاء الباطنة حينئذ) أي حين إذ ينام على الأيسر (لميلها إلى الجانب الأيسر فيستدعي) جزاء شرط محذوف أي إذا كان النوم عليه أهنأ بسبب ما ذكرنا فيستدعي (ذلك الاستثقال فيه) أي الاستغراق في النوم ويروى الاستقلال ولعله بمعنى الاستبداد (والطّول) أي وطول مدته، (وَإِذَا نَامَ النَّائِمُ عَلَى الْأَيْمَنِ تَعَلَّقَ الْقَلْبُ وقلق) بفتح قاف وكسر لام أي لم يستقر ولم يطمئن (فأسرع) أي ذلك (الافاقة) أي من النوم وسهلت اليقظة (ولم يغمره) بضم الميم أي لم يستوعبه أو لم يعله ولم يغلبه (الاستغراق) أي في عالم النوم لوضع القلب مائلا طرفه الأسفل إلى الأيسر لتتوفر الحرارة عليه فيعتدل الجسم إذ الحرارة كلها مائلة إلى الأيمن لوضع الكبد فيه ثم هذا التعليل في بيان حكمه نومه على الجانب الأيمن دون الأيسر لا ينافي ما ثبت في الحديث الصحيح أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يحب التيامن في أمره كله ولما في التيامن من اليمن لفظا ومعنى ولثناء الله ﷾ على أهل اليمين وإعطاء كتبهم بإيمانهم ونحو ذلك.
فصل [وأما الضرب الثاني ما يتفق التمدح بكثرته والفخر بوفوره]
(والضّرب الثّاني) أي مما تدعو ضرورة الحياة إليه فهو (ما يتّفق التّمدّح بكثرته والفخر بوفوره) أي الافتخار بزيادته مما حاز منه المصطفى الحظ الأوفى وفاز بالنصيب الأصفى (كالنّكاح والجاه) أي المحمودين. (أمّا النّكاح فمتّفق فيه) أي فمجمع عليه (شرعا) أي من جهة شرائع الأنبياء كافة (وعادة) أي للعقلاء والحكماء عامة (فإنّه) أي النكاح مع ذلك (دليل الكمال) أي في خلقة الرجال خصوصا مع قلة الأكل (وصحّة الذّكوريّة) بالرفع والجر كالتفسير لما قبله (ولم يزل التّفاخر بكثرته عادة معروفة) أي بحيث إن إنكاره مكابرة (والتّمادح به سيرة ماضيّة عادية) بتشديد الياء أي طريقة قديمة لا حادثة؛ (وأمّا في الشّرع) أي وأما
[ ١ / ٢١٤ ]
التفاخر بكثرته والتمادح به في الشريعة (فسنّة مأثورة) أي مروية منقولة كثيرة، (وقد قال ابن عبّاس) كما رواه البخاري (أفضل هذه الأمّة) أي أكمل إفرادها ثناء (أكثرها نساء) حيث أبيح له تسع منهن، (مشيرا إليه صلى الله تعالى عليه وسلم) وقد تزوج ﵊ إحدى عشرة توفي قبله اثنتان خديجة وزينب وما عداهما الباقيات بعده (وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم) كما ذكره ابن مردويه في تفسيره عن ابن عمر مرفوعا (تناكحوا) زيد في نسخة تناسلوا (فإنّي مباه بكم) اسم فاعل من المباهاة أي مفاخر بكثرتكم (الأمم) أي السالفة (يوم القيامة) كما في نسخة ولفظ الطبراني في الأوسط تزوجوا الولود فإنه مكاثر بكم الأمم وفي رواية أبي داود والنسائي وابن ماجة فإنا مكاثر بكم الأمم (ونهى) كما رواه الشيخان (عن التّبتّل) قال اليمني في حاشيته التبتل الانقطاع عن الدنيا ومنه قوله تعالى وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا انتهى وعدم صحته في المقام لا يخفى فالصواب أن المراد بالتبتل هنا هو انقطاع الرجل عن النساء وعكسه فإنه من شريعة النصارى وطريقة الرهابين وهذا لا ينافي قوله تعالى وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا إذ معناه انقطع عن تعلق القلب بالخلق إلى التوجه بالحق انقطاعا خاصا يعبر عنه بكائن بائن وقريب غريب وعرشي فرشي على اختلاف عبارات الصوفية نظرا إلى الأعمال الصادرة من الأحوال الباطنة والظاهرة (مع ما فيه) أي في النكاح من فوائد كثيرة كما بينه بقوله (من قمع الشّهوة) أي دفعها للرجل والمرأة (وغضّ البصر) أي خفضه وغمضه لهما (اللّذين نبّه عليهما صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله) أي فيما رواه الطبراني (من كان ذا طول) بفتح الطاء أي قدرة وسعة على المهر والنفقة ولفظ الشيخين من استطاع منكم الباءة (فليتزوّج فإنّه أغضّ للبصر وأحصن للفرج) أي أمنع وأحفظ له وهو مقتبس من قوله تعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وباقي الحديث ومن لا فالصوم له وجاء على ما رواه النسائي (حتّى لم يره العلماء) أي من الأولياء مع كونه من قضاء الشهوة (ممّا يقدح في الزّهد) أي في هذه الدنيا وشهواتها ومستلذاتها وكان شيخنا المرحوم على المتقي يقول كل شهوة تظلم القلب إلا النكاح فإنه ينوره ويصفيه، (قال سهل بن عبد الله) أي التستري وهو من أجل الزهاد وأكمل العباد (قد حبّبن) بصيغة المجهول من التحبيب أي جعلت النساء محبوبة (إلى سيّد المرسلين فكيف يزهد فيهنّ) بصيغة المجهول أي فكيف يجوز ويتصور الزهد في حقهن والميل عنهن (ونحوه لابن عيينة) وهو من علماء السنة روى عنه أحمد وخلق قال أبو نعيم أدرك سفيان ستة وثلاثين من أعلام التابعين وقد قال سفيان الثوري أيضا ليس في النساء سرف والله إني لمشتاق إلى العرس؛ (وَقَدْ كَانَ زُهَّادُ الصَّحَابَةِ ﵃) كعلي وابنه الحسن وابن عمر (كثيري الزّوجات والسّراري) بتشديد الياء وتخفف جمع سرية وكل ما كان مفرده مشددا جاز في جمعه التشديد والتخفيف كذا قال بعضهم قال الجوهري هي الأمة التي بوأت لها بيتا وهي فعيلة منسوبة إلى السر وهو الجماع
[ ١ / ٢١٥ ]
أو الإخفاء لأن الإنسان كثيرا ما يسرها ويسترها عن حرمه وإنما ضمت سينه لأن الأبنية قد تغير في النسبة خاصة كما قالوا في النسبة إلى الدهر دهري وإلى الأرض السهلة سهلي وكان الأخفش يقول إنها مشتقة من السرور لأنها يسر بها ويقال تسررت جارية وتسريت أيضا كما قالوا تظنيت وتظننت انتهى (كثيري النّكاح) أي الجماع ويبعد أن يراد به العقد لأنه علم في ضمن ما تقدم وأعاد لفظ الكثير اهتماما بالقضية قال عمر رضي الله تعالى عنه إني أتزوج المرأة وما لي فيها من ارب وأطؤها وما لي فيها من شهوة فقيل له في ذلك فقال حتى يخرج مني من يكاثر به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم؛ (وحكي في ذلك عن عليّ) بن أبي طالب روي أنه نكح بعد وفاة فاطمة رضي الله تعالى عنهما بسبع ليال فكان لعلي أربع نسوة وتسع عشرة وليدة غير من متن أو طلقن (والحسن) أي وعن الحسن الظاهر أنه ابن علي كرم الله تعالى وجهه ويحتمل الحسن البصري بناء على قاعدة المحدثين من أنه المراد عند الإطلاق لكنه يبعد هنا لتقديمه على قوله (وابن عمر) وكان من زهاد الصحابة وعلمائهم وأنه كان يفطر من الصوم على الجماع قبل الأكل وروي أنه جامع ثلاثة من جواريه في شهر رمضان قبل العشاء الأخيرة (وغيرهم) أي وعن غيرهم (غير شيء) أي شيء كثير فكان الحسن بن علي أشد الناس حبا للنساء قيل إنه أرخى ستره على مائتي حرة لأنه كان مطلاقا وكان ربما عقد على أربع في عقد واحد ولما خطب بنت سعيد بن المسيب الفزاري وخطبها أخوه الحسين وابن عمهما عبد الله بن جعفر شاور عليا فقال له أما الحسن فمطلاق والحسين شديد الخلق ولكن عليك بابن جعفر فزوجها له، (وقد كره غير واحد) أي من العلماء (أن يلقى الله عزبا) بفتح الزاي قيل ويسكن من لا أهل له كذا قيل وهو من العزب بمعنى البعد ومنه قوله تعالى لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فالعزب هو البعيد عن النساء وكأنه أراد أن يلقاه عاملا بجميع ما يرضاه ولذا قيل في تفسير قوله تعالى وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي متزوجون لأن من كمال الإسلام القيام بسنته ﵊ وهذه الكراهة رويت عن أبي مسعود وماتت امرأتان لمعاذ بن جبل في الطاعون وكان هو أيضا مطعونا فقال زوجوني فإني أكره أن ألقى الله عزبا. (فإن قيل) وفي نسخة صحيحة فإن قلت (كيف يكون النّكاح) أي أصله (وكثرته من الفضائل) أي التي أجمع عليها في كل شريعة (وَهَذَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا ﵇ قَدْ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ حَصُورًا)، أي ممنوعا من النساء بالعجز عنهن أو لعدم الالتفات إليهن (فكيف يثني الله عليه بالعجز) أو عدم الميل (عمّا تعدّه فضيلة) أي شرعا وعادة (وهذا عيسى) أي ابن مريم كما في نسخة (﵇) قد (تبتّل من النّساء) أي انقطع عنهن ولم يمل إليهن وأبعد الدلجي في قوله منقطعا إلى ربه ومنه وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا أي انفرد له بالطاعة وجه بعد لا يخفى على أرباب الصفاء مع ما تقدم في كلامنا إليه من الإيماء (ولو كان) أي النكاح فضيلة (كما قررته لنكح) أي لتزوج كل منهما (فَاعْلَمْ أَنَّ ثَنَاءَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى يَحْيَى بِأَنَّهُ حَصُورٌ لَيْسَ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ كان هيوبا) فعول من الهيبة أي جبانا عن النكاح وخائفا من
[ ١ / ٢١٦ ]
النساء وفي الحديث الإيمان هيوب أي صاحبه يهاب الذنب فيتقيه (أو لا ذكر له) وفي رواية معه أي لا همة له فيه (بل قد أنكر هذا) أي ما ذكر من القولين (حذّاق المفسرين) أي مهرتهم (ونقّاد العلماء) أي محققوهم (وقالوا هذه نقيصة وعيب) أي لا يوجب الثناء (ولا تليق بالأنبياء ﵈) أي لا تضاف إليهم. (وإنّما معناه) أي معنى كونه حصورا (أَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنَ الذُّنُوبِ أَيْ لَا يَأْتِيهَا كأنّه حصر عنها) بصيغة المجهول أي حبس ومنع وحفظ وعصم منها وهذا بناء على أنه فعول بمعنى مفعول، (وقيل مانعا نفسه من الشّهوات) أي المستلذات من المباحات لا من المستحبات فهو بمعنى فاعل، (وقيل ليست له شهوة في النّساء) أي شهوة كثيرة أو مطلقا لكنه يباشر هذه الخصلة لما فيها من الفضيلة كما سبق عن عمر رضي الله تعالى عنه وأحسن الأجوبة أوسطها وأما تقييد الدلجي بأنه الذي لا يقرب النساء مع القدرة فلا وجه له في هذه الحالة التي تفوته الفضيلة هذا وقد ذكر التلمساني أن عيسى ﵊ يتزوج في آخر الزمان بعد نزوله وقتله الدجال امرأة من جهينة ويولد له ولد ذكر ويتوفى ﵊ ويدفن مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بينه وبين أبي بكر وأما يحيى فإنه لم يمت حتى ملك بضع امرأة لكنه لم يبن عليها ففعله هذا إنما كان لنيل الفضيلة وإقامة السنة وقيل لغض البصر ودفع الفتنة. (فقد بان لك من هذا) أي الذي ذكرناه (أنّ عدم القدرة على النّكاح نقص) أي للكمل، (وإنّما الفضل في كونها) أي القدرة (موجودة) أي قائمة بمحلها ثابتة (ثمّ قمعها) قال الدلجي مبتدأ والظاهر أنه مجرور عطفا على كونها أي ثم الفضل في قمع القدرة عن النكاح مخالفة للشهوة (إمّا بمجاهدة) أي برياضة نفسانية (كَعِيسَى ﵇ أَوْ بِكِفَايَةٍ مِنَ اللَّهِ) أي لهذه المؤنة بالعصمة من غير حاجة إلى المجاهدة (كيحيى ﵇ فضيلة زائدة) بالنصب على التمييز من قوله موجودة وجعله الدلجي خبر المبتدأ بناء على إعرابه في رفع قمعها فاحتاج إلى أن يقول زائدة على فضيلة القدرة على قمعها وكان حقه أن يقول مع عدم قمعها والظاهر أن المصنف أراد أن القوة مع القدرة على قمعها فضيلة زائدة لا خصلة راتبة كما عبر الفقهاء بالسنن الزوائد والرواتب ولا شك أن الزوائد قد تترك لبعض العوارض الموجبة لكون تركها حينئذ أفضل من فعلها بالنسبة إلى بعض الأشخاص والأحوال وأوقاتها فهذه الفضيلة زائدة قد تترك (لكونها شاغلة) وفي رواية مشغلة بضم الميم وكسر الغين أو بفتحها (في كثير من الأوقات) أي عن الطاعات التي تورث الدرجات العاليات في روضات الجنات (حاطّة) بتشديد الطاء أي واضعة منزلة له من علو الحالات لكونها مرغبة ومميلة وجارة (إلى الدّنيا) أي محبتها أو جمعها والاشتغال بها لحصول تلك الفضيلة الزائدة والحاصل أن كل فضيلة لها مضار ومنافع كالنكاح والتبتل والعزلة والخلطة والغنى والفقر فينظر إلى زيادة المنفعة وقلة المضرة بالنسبة إلى طالبها وصاحبها فيحكم بمقتضاه ولا يجوز الإطلاق فيما استفتاه ولذا قال المصنف (ثمّ هي) أي الفضيلة الزائدة (في حقّ من أقدر عليها) بصيغة المجهول من الأقدار أي من أعطى له الاقتدار
[ ١ / ٢١٧ ]
عليها (وملّكها) بأن لم يتزلزل فيها وهو بفتح الميم واللام وقال التلمساني هو بضم الميم وكسر اللام مشددة على طبق اقدر قلت الأول أولى وأظهر ويؤيده قوله (وقام بالواجب فيها ولم يشغله) بفتح أوله وثالثه وفي لغة بضم أوله وكسر ثالثه أي لم تمنعه (عن ربّه) أي طاعته وحضوره (درجة علياء) بالرفع أي مرتبة قصوى وهي مضبوطة في النسخ المعتبرة بضم العين مقصورا وضبط محش بفتح العين والمد (وهي درجة نبينا محمد صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي لَمْ تَشْغَلْهُ كَثْرَتُهُنَّ عَنْ عبادة ربّه) أي طاعته وحضوره لوصوله إلى مقام جمع الجمع في كمال حصوله وهو أن لا تحجبه الكثرة عن الوحدة ولا تمنعه الوحدة عن الكثرة فكل من له حظ في هذا المقام بمتابعته ﵊ وله مؤنة القيام فتحصيل هذه الفضيلة الزائدة له من كمال المرام دون من لم يصل إلى هذه المرتبة فإن عليه ترك هذه الزيادة والاشتغال بالأمور المهمة والفضائل المؤكدة (بل زاده ذلك) أي ما ذكر من كثرتهن (عبادة لتحصينهنّ) أي لتحصينه إياهن (وقيامه بحقوقهنّ) أي من أمر المعيشة وحسن العشرة (واكتسابه لهنّ) أي ما يتعلق بهن من آدابهن (وهدايته إيّاهنّ) أي بالعلوم الدينية لا سيما ما يجب عليهن (بل صرّح أنّها) أي كثرتهن (ليست من حظوظ دنياه) أي التي تغيبه عن حضور مولاه (هو) أي بخصوصه (وإن كانت من حظوظ دنيا غيره) أي دائما أو في بعض الأوقات لأرباب الحالات (فقال ﵇) أي كما رواه الحاكم والنسائي (حبّب إليّ من دنياكم) تمامه النساء والطيب وقر عيني في الصلاة وليس زيادة ثلاث في صحيح الروايات وإنما أضاف الدنيا إليهم إشارة إلى تبرئه عنها وتقلله منها وعدم مبالاته بها والتفاته إليها لقلة بقائها وكثرة عنائها وسرعة فنائها وخسة شركائها وأورد الفعل بصيغة المجهول إيماء بأن حبه لها لم يكن إلا لما خلق في جبلته وميل طبيعته وأنه كالمجبور عليه في محبته وأما قول الدلجي تلويحا بأن حبه لها لم يكن من جبلته فهو خلاف موضوع الصيغة كما لا يخفى على أرباب الصنعة (فدلّ) أي هذا الحديث على (أنّ حبّه لما ذكر) أي بنفسه (من النّساء والطّيب اللّذين هما) كما في نسخة التي هي (من أمر) وفي نسخة من أمور (دنيا غيره) أي في الأصالة بحسب العادة (واستعماله لذلك) أي وإن استعماله لما ذكر من النساء والطيب وفي رواية واشتغاله بذلك (ليس لدنياه) أي لمجرد حظها (بل لآخرته) أي قصد مثوبته ورفع درجته (للفوائد التي ذكرناها ما في التّزويج وللقاء الملائكة في الطّيب) أي لمحبتهم إياه (ولأنّه) أي الطيب (أيضا ممّا يحضّ) أي يحث ويحرض (على الجماع ويعين عليه) أي على ذاته أو كثرته (ويحرّك أسبابه) أي مقدماته كالقبلة والشهوة (وكان حبّه لهاتين الخصلتين) أي مباشرة النساء والطيب (لأجل غيره) كمباهاته بالكثرة مثوبا ولقائه الملائكة والنساء مطيبا (وقمع شهوته) أي ولأجل قمعها بمنع الخواطر الردية ودفع الوساوس النفسية ولو كان قادرا على قمعها بمجاهدة رياضية أو بكفاية إلهية فإن هذه السيرة أعلى المراتب البهية وأولى بقواعد الملة السمحاء الحنيفية ولما كان هذا الحب جعليا وعارضيا كسائر محبة الأشياء مما سوى الله تعالى حيث إنها لا تحب إلا ابتغاء المرضاة قال
[ ١ / ٢١٨ ]
المصنف (وكان حبّه الحقيقي المختصّ بذاته) أي بذات الله (في مشاهدة جبروت مولاه) أي عظموت قدرته ومطالعة ملكوت عظمته (ومناجاته) أي في مقام حضور حضرته بغيبته عن الشعور بذاته المعبر عنه بمقام الفناء والبقاء والمحو والصحو (ولذلك ميّز بين الحبّين) أي غيريا وذاتيا (وفصل بين الحالين) أي فرق بين المقامين الجليلين بالجملتين من الفعلية والاسمية المشير بالأولى إلى الحالة الجعلية العارضية وبالثانية إلى المستمرة الذاتية كما في الرواية المشهورة بلفظ وقرة عيني في الصلاة وأما ما ذكره المصنف بقوله (فقال وجعلت قرّة عيني في الصّلاة) ففيه إشارة لتعبيره بالقرة إلى هذه المحبة إيماء إلى زيادة هذه المودة وقال الدلجي بين الحالين أي محبة ومناجاة وكأنه قصد بهذا أن المراد بقرة عيني في الصلاة الصلاة التي هي معراج المؤمن ومناجاة الموقن خلافا لمن قال المراد بها الصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وسلم (فقد ساوى) أي المصطفى (يحيى وعيسى في كفاية فتنتهنّ وزاد) أي عليهما (فضيلة) أي كاملة (بالقيام بهنّ) مع أنه لم يشغله ذلك عن قيامه بحقوق مولاه لاجلهن فهذا الحال أكمل لمن قدر عليهن؛ (وكان صلى الله تعالى عليه وسلم ممّن أقدر على القوّة) بصيغة المفعول من الاقدار أي ممن أعطي القدرة على قوة الشهوة بكثرة الجماع (في هذا) أي الأمر الذي حبب إليه مما يتعلق بدنياه وخدمه مولاه (وأعطي الكثير منه) أي الحد الكثير الزائد على العادة من أمر الجماع قوة الباءة (ولهذا أبيح له من عدد الحرائر) وهو التسع (ما لم يبح لغيره) أي من هذه الأمة وهو الزائد على الأربع؛ (وقد روينا) بفتح الراء والواو مخففة وبضم الراء وكسر الواو مشددة ولا يبعد أن يكون بضم الراء وكسر الواو المخففة بناء على الحذف والإيصال أي روى إلينا (عن أنس) كما في البخاري والنسائي (أنّه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يدور على نسائه) أي يجامعهن (في السّاعة) أي الواحدة والمراد بها الزمن القليل لا الساعة النجومية (من اللّيل) أي مرة (والنّهار) أي تارة (وهنّ) أي مجموعهن (إحدى عشرة) بسكون الشين وتكسر والمعنى منها سريتاه مارية وريحانة فلا ينافي رواية وهن تسع. (قال أنس وكنّا) أي معشر الصحابة (نتحدّث) أي فيما اختص به صاحب النبوة من القدرة والقوة (أنّه أعطي قوّة ثلاثين رجلا) أي في الجماع (خرّجه النّسائي) أي ذكره في سننه وهو هكذا في صحيح البخاري في كتاب الغسل هذا وليس أحد من أصحاب الكتب الستة توفي بعد الثلثمائة إلا النسائي فإنه توفي في سنة ثلاث وثلاثمائة، (وروي) بصيغة المجهول (نحوه عن أبي رافع) وهو مولى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقد أخرج الترمذي وابن ماجة في الظهارة والنسائي في عشرة النساء عنه أنه ﵊ طاف على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه الحديث، (وعن طاوس) وهو ابن كيسان اليماني من ابناء الفرس يقرأ بواوين قيل ويهمز قال ابن معين لقب بذلك لأنه كان طاوس القراء روى عن أبي هريرة وابن عباس وعائشة رضي الله تعالى عنهم وتوفي بمكة سنة ست ومائة (أُعْطِيَ ﵇ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا فِي الجماع، ومثله عن صفوان بن سليم) بالتصغير إمام كبير قدوة ممن يستشفى بحديثه وينزل
[ ١ / ٢١٩ ]
القطر من السماء بذكره ويقال لم يضع جنبيه على الأرض أربعين سنة وأنه مات وهو ساجد ويقال إن جبهته نقبت من كثرة السجود روي عن ابن عمر وغيره وعنه مالك وطبقته وفي الحلية لأبي نعيم عن مجاهد قوة أربعين رجلا كل رجل من رجال أهل الجنة وروى الترمذي أن رجال أهل الجنة قوة كل رجل منهم بقوة سبعين رجلا وصححه وروي بقوة مائة رجل وقال صحيح غريب قلت فعلى هذا كان صابرا عنهن غاية الصبر لكثرة الاشتياق إليهن ثم اعلم أن قوله وعن طاوس إلى آخر ما ههنا زيادة على ما في بعض النسخ المصححة والأصول المعتمدة، (وقالت سلمى) بفتح السين المهملة والميم مقصورا (مولاته) وخادمته صلى الله تعالى عليه وسلم وقيل هي مولاة صفية عمته وهي زوج أبي رافع وداية فاطمة الزهراء وقابلة إبراهيم ابن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفي الصحابيات من اسمها سلمة غير هذه خمس عشرة وقد روى ابن سعد وأبو داود عنها وعن زوجها أبي رافع عن رافع ولده منها (طاف النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة) أي دار (على نسائه التّسع) وهو كناية عن جماعهن (وتطهّر من كلّ واحدة) أي اغتسل من أجل قربان كُلِّ وَاحِدَةٍ (قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْأُخْرَى وَقَالَ هذا) أي التفريق بالغسل (أطهر) أي أنظف (وأطيب) أي ألذ وأنشط وفي رواية أحمد وأزكى وأطيب فالمراد بأزكى أنمى وأقوى وقيل الطهارة للظاهر والطيب والتزكية للباطن أي لزيادة الصفاء والضياء لا ان أولاهما لإزالة الأخلاق الذميمة وأخراهما للتحلي بالشيم الحميدة كما ذكره الدلجي فإنه لا يناسب بالنسبة إلى الشمائل المصطفوية فإنها منزهة عن الأخلاق الردية ومتحلية على الدوام بالشيم الرضية البهية السنية؛ (وقد قال سليمان ﵊) على ما رواه الشيخان (لأطوفنّ اللّيلة) من الطواف بمعنى الدوران وكذا الإطافة ومن ثمه ورد في رواية لأطيفن اللَّيْلَةَ (عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ) على الشك من الراوي وفي رواية على ستين وفي أخرى على تسعين ولمسلم على سبعين امرأة كلهن تأتي بغلام يقاتل في سبيل الله فقال له صاحبه أو الملك قل إن شاء الله فلم يقل ونسي فلم تأت واحدة منهن إلا واحدة جاءت بشق غلام فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لو قال إن شاء الله لم يحنث أي لم يفته متمناه وكان أدرك لحاجته فيما قضاه، (وإنّه فعل ذلك) فدل ذلك على كمال قوته ولا تعارض بين هذه الروايات إذ ليس في إثبات قليلها نفي لكثيرها ومفهوم العدد ليس بحجة عند جمهور أرباب الأصول مع احتمال تعدد الواقعات والله أعلم بالحالات؛ (قال ابن عبّاس) كما رواه ابن جرير في تفسيره عنه موقوفا (كَانَ فِي ظَهْرِ سُلَيْمَانَ مَاءُ مِائَةِ رَجُلٍ وكان لَهُ ثَلَاثُمِائَةِ امْرَأَةٍ وَثَلَاثُمِائَةِ سَرِيَّةٍ وَحَكَى النَّقَّاشُ) وفي نسخة وغيره كذا رواه الحاكم عن محمد بن كعب بلغني أنه (كان له سبعمائة امرأة وثلاثمائة سريّة) وفي المستدرك للحاكم في ترجمة عيسى ابن مريم أن سليمان كان له تسعمائة سَرِيَّةٍ، (وَقَدْ كَانَ لِدَاوُدَ ﵇ عَلَى زهده) أي مع كمال زهده وتورعه المفاد من قوله (وأكله من عمل يده) ويروى من يده (تسع وتسعون امرأة) هذا هو الصواب وفي أصل التلمساني تسعة
[ ١ / ٢٢٠ ]
وتسعون وفي الكشاف كان لداود أيضا ثلاثمائة سرية (وتمّت بزوج أوريّاء) بضم همزة وقيل بفتحها فواو ساكنة وراء مكسورة وتحتية ممدودة أي بزوجته (مائة) بالرفع على أنها فاعل تمت أي من النساء بتزوجه إياها بعد نزول أورياء له عنها بسؤاله على ما كان من دعاتهم في زمانه أو بعد ما مات عنها زوجها لما رآها بغتة وأحب جمالها فتنة وطلب ربه مغفرة وأناب إليه معذرة هذا وقيل إنها أم سليمان ﵊، (وقد نبّه) أي الله ﷾ (على ذلك) أي على ما ذكر من العدد (في الكتاب العزيز بقوله تعالى) أي حكاية من لسان أحد الملكين اللذين أتياه في صورة الخصمين (إِنَّ هذا أَخِي) أي في الدين (لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً [ص: ٢٢]) وهي الأنثى من الضأن وقعت ههنا كناية عن المرأة فإن الكناية أبلغ من الصراحة من حيث التأثير مع ما فيه من مراعاة الأدب في التعبير لا سيما وهو في مقام التعيير (وفي حديث أنس) بسند جيد للطبراني (عَنْهُ ﵇ فُضِّلْتُ عَلَى النَّاسِ بِأَرْبَعٍ) أي من الخصال (بالسّخاء) أي الكرم والجود مع الاحباء (والشّجاعة) بالنسبة إلى الأعداء (وكثرة الجماع) أي للنساء (وقوّة البطش) أي الأخذ حال العطاء وأما تفسيره بالأخذ الشديد بقوة كما ذكره بعضهم فلا يخفى أنه لا يناسب المقام فإنه حينئذ من جزئيات الشجاعة لا خصلة مستقلة من الأربع (وأمّا الجاه) أي الذي بتوسل به إلى مساعدة الضعفاء (فمحمود عند العقلاء) من الحكماء والعلماء (عادة) أي مستمرة لكنها مقيدة بما إذا كانت على وفق الشريعة حتى تكون معتبرة (وبقدر جاهه) أي جاه الشخص في العيون (عظمه) بكسر ففتح فضمير أي عظمته (في القلوب) أي قلوب الخلق أو بقدر جاهه صلى الله تعالى عليه وسلم عند الحق كان عظمته في قلوب الخلق ويدل عليه أنه ﵇ أخذ من أبي جهل للأراشي ثمن ابله التي اشتراها أبو جهل منه ومطله فقالت قريش لأبي جهل ما رأينا مثل ما صنعت من انقيادك لأمر محمد مع فرط أذاك له وعداوتك إياه فقال ويحكم ما هو إلا أن ضرب بأبي وسمعت صوته فملئت رعبا (وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي صِفَةِ عِيسَى ﵇ وَجِيهًا) أي ذا جاه ووجاهة عظيمة (فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ [آل عمران: ٤٥]) أي عند أهلهما أو في الدنيا بالرسالة وفي العقبى بالشفاعة (لَكِنَّ آفَاتِهِ كَثِيرَةٌ فَهُوَ مُضِرٌّ لِبَعْضِ النَّاسِ) وفي رواية ببعض الناس (لعقبى الآخرة) أي في الآخرة التي هي عقبى كما قال تعالى تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (فلذلك) أي فلكون الجاه مضرا ببعضهم (ذمّه من ذمّه ومدح ضدّه) أي الخمول وعدم الاعتبار فيما بين الخلق (وورد في الشّرع مدح الخمول) وهو بضم الخاء المعجمة ضد الشهرة كما ورد في حديث رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره وفي الحديث إن الله يحب الاتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإذا حضروا لم يعرفوا (وذمّ العلوّ في الأرض) أي ورد في الشرع ذم الجاه والشهرة كما في الحديث ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حب المال والجاه لدين المؤمن وفي رواية من حب الشرف والمال
[ ١ / ٢٢١ ]
والحاصل أن الجاه والمال مضران لأرباب الكمال الجامعين بين العلم والعمل والحال؛ (وكان صلى الله تعالى عليه وسلم قد رزق من الحشمة) أي الوقار والهيبة (والمكانة) أي التمكن في مرتبة الجلالة (في القلوب والعظمة) أي الإجلال والمهابة في العيون (قبل النّبوّة عند الجاهليّة) كما مر عن أبي جهل في تلك القضية وما روي عنه أيضا أنه ساوم رجلا من بني زبيد ثلاثة أبعرة هي خيرة إبله ثلث ثمنها فامتنع الناس من الزيادة لأجله فأخبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك فزاده حتى رضي فاشتراها منه ثم باع منها بعيرين بالثمن ثم باع الثالث وأعطى ثمنه أرامل بني عبد المطلب وأبو جهل مخزي ينظره ولا يتكلم ثم قال له صلى الله تعالى عليه وسلم إياك أن تعود لمثل ما صنعت بهذا الأعرابي فترى مني ما تكره فقال لا أعود يا محمد فقال له أمية بن خلف ذللت في يد محمد فقال إن الذي رأيتم مني لما رأيت معه رجالا عن يمنيه ويساره يشيرون برماحهم إلى ما خالفته لكانت إياها أي لأهلكوني (وبعدها) أي ورزق الجاه بعد النبوة عندهم (وهم يكذّبونه) بالتشديد والتخفيف أي والحال أن أهل الجاهلية ينسبونه إلى الكذب (وَيُؤْذُونَ أَصْحَابَهُ وَيَقْصِدُونَ أَذَاهُ فِي نَفْسِهِ خِفْيَةً) بضم الخاء وكسرها وسكون الفاء أي مخفيا لما تكن من هيبته في صدورهم وعظمته في قلوبهم (حتّى إذا واجههم) أي قابلهم علانية (أعظموا أمره) أي حشموا قدره (وقضوا حاجته) أي مقصده إليهم في سيره وهذا باعتبار غالب معاملاتهم معه فلا ينافي ما وقع من وضع أبي جهل سلا الجزور على ظهره وهو ساجد في الحجر. (وأخباره في ذلك معروفة سيأتي بعضها) أي في محله إن شاء الله ﷾؛ (وقد كان يبهت) على صيغة المجهول صورة مع ذكر فاعله كما في قوله تعالى فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ من البهت وهو الحيرة وفعله كعلم ونصر وكرم وعنى وهو أفصح فيجوز بناؤه على الفاعل أيضا أي يدهش ويتخير (ويفرق) بفتح الياء والراء أي يخاف ويفزع (لرؤيته) وفي نسخة من رؤيته (من لم يره) لما ألقي عليه من الهيبة والعظمة في قلوبهم (كما روي عن قيلة) بفتح قاف فسكون تحتية وهي بنت مخرمة العنبرية وقيل الكندية وقيل التميمية (أنّها لمّا رأته أرعدت) بصيغة المجهول أي أخذتها الرعدة بكسر الراء وهي اضطراب المفاصل خوفا والمعنى أنها ارتعدت (من الفرق) بفتحتين وهو الخوف ورواية أبي داود والترمذي في الشمائل عن عبد الله بن حسان عن جدته عنها أنها رأته في المسجد وهو قاعد القرفصاء قالت فلما رأيته متخشعا في الجلسة ارتعدت من الفرق وزاد ابن سعد (فقال يا مسكينة عليك السّكينة) بالنصب أي الزمي الطمأنينة وفي رواية بالرفع أي السكينة لازمة عليك ولم يثبت هنا ما ثبت في بعض النسخ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ تَأْكُلُ القديد وذلك غير صحيح على ما ذكره التلمساني والمسكينة بكسر الميم والسكينة بفتح السين مخففة هو الفصيح؛ (وفي حديث أبي مسعود) أي عقبة بن عمرو الأنصاري كما رواه البيهقي عن قيس عنه مرسلا وقال هو المحفوظ ورواه الحاكم وصححه (أنّ رجلا قام بين يديه) أي قدامه صلى الله تعالى عليه وسلم (فأرعد
[ ١ / ٢٢٢ ]
فقال له هوّن) أي سهل أمرك (عليك فإنّي لست بملك) بكسر اللام قيل وتسكن أي بسلطان من السلاطين الظلمة حتى تفزع مني (الحديث) أي الخ ولم يذكره لطوله. (فأمّا عظيم قدره بالنّبوّة) وهي أخذ الفيض من الحق (وشريف منزلته بالرّسالة) وهي إيصال الفيض إلى الخلق (وإنافة رتبته) بكسر الهمزة وبالفاء وفي نسخة بالباء والنون أي رفعة رتبته وزيادتها أو ظهورها (بالاصطفاء) أي على سائر الأنبياء (والكرامة في الدّنيا) أي بأنواع المعجزة منها الإسراء ومقام دنا فتدلى ووصوله إلى سدرة المنتهى (فأمر هو مبلغ النّهاية) من أثر العناية ليس فوقه غاية؛ (ثُمَّ هُوَ فِي الْآخِرَةِ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ) كما في حديث البخاري أنا سيد ولد آدم ولا فخر والمراد أنه سيد هذا الجنس وهو نوع البشر الذي هو أفضل أنواع المخلوقات بدليل حديث البخاري أيضا أنا سيد الأولين والآخرين ولا فخر وزيد في بعض الأصول هنا ولا فخر لكنه لا يصح لأن يكون حكاية. (وعلى معنى هذا الفصل) أي الأخير (نظمنا هذا القسم) يعني الأول (بأسره) أي جميعه في سلك مدحه بصفات شريفة وسمات منيفة.
فصل [وأما الضرب الثالث فهو ما تختلف فيه الحالات]
(وأمّا الضّرب الثّالث) أي مما تدعو ضرورة الحياة إليه وليست فضيلة ذاتية محتوية عليه (فهو) من هذه الحيثية واختلاف النية (ما تختلف الحالات في التّمدّح به) أي بنفسه أو بكثرته (والتّفاخر بسببه) أي فيما بين العامة. (والتّفضيل لأجله) أي عند الخاصة (ككثرة المال) فإنها تمدح في بعض الأحوال (فصاحبه على الجملة) أي على الإجمال لا على تفصيل جميع الاحوال (معظّم عند العامّة) من حيث إن قلوبهم بيد حبه أسيرة (لاعتقادها توصّله به) أي توصل صاحب المال بسببه (إلى حاجاته) أي قضاء مهمات صاحبه وفي نسخة حاجته (وتمكّن أغراضه) بالغين المعجمة وتمكن بالرفع أو الجر (بسببه وإلّا) أي وإن لم يكن هذا الاعتقاد الموجب لتعظيم صاحب المال عند العامة في الجملة (فليس) أي المال (فضيلة) وفي نسخة فضيلته (في نفسه) أي في حد ذاته وباعتبار جميع جهاته وعموم صفاته؛ (فمتى كان المال بهذه الصّورة) أي من قضاء الآمال (وصاحبه منفقا له في مهمّاته ومهمّات من اعتراه) أي غشيه واعترضه (وأمّله) بتشديد الميم أي ومن رجا كرمه ومنه قول القائل:
املتهم ثم تأملتهم فلاح لي أن ليس فيهم فلاح
وهو معنى قوله صلى الله تعالى عليه وسلم أخبر تقله والناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة (وتصريفه) بالجر أي وتصرفه بوضعه (في مواضعه) اللائقة به (مشتريا به المعالي) جمع معلاة أي مستبدلا به المفاخر العالية ومختارا به الأوصاف المتعالية (والثّناء الحسن والمنزلة) أي الجاه والمرتبة (من القلوب) وفي نسخة في القلوب (كان) أي المال (فضيلة في صاحبه) أي في الجملة (عند أهل الدّنيا) أي من العامة مع أنه لا عبرة بهم عند الخاصة، (وإذا صرفه في وجوه البّرّ) أي الطاعة والإحسان (وأنفقه في سبل الخير) وفي نسخة سبيل الخير (وقصد
[ ١ / ٢٢٣ ]
بذلك) أي الصرف (الله) أي رضاه مآبا (والدّار الآخرة) أي ثوابا (كان) أي ما له (فضيلة) أي لما يؤدي إلى الفضيلة (عند الكلّ) أي الخاصة والعامة (بكلّ حال) أي مطلقا لا في الجملة، (ومتى كان صاحبه ممسكا له) من الإمساك أي بخيلا به (غير موجّهه وجوهه) أي غير منفقه ومصرفه في وجوه ما ذكر من صرفه في مهماته ومهمات من تأمل منه قضاء حاجاته أو اكتساب محمدة أو اجتلاب محبة (حريصا على جمعه) مبالغا في منعه (عاد كثره) بضم الكاف وتكسر أي رجع كثيره وفي نسخة كثرته بفتح الكاف وتكسر وأما قول التلمساني ويصح بفتح الكاف والراء وضم الثاء فلا يصح (كالعدم) بمنزلة يسيره أو مشبها بعدمه حيث لم ينتفع به فيكون كمن لا مال له وقد ورد الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ وَمَالُ من لا مال له وجمع من لا عقل له وقد ورد أن الحسن البصري رحمه الله تعالى رأى رجلا يقلب دنانير في كفه فقال له الك هي قال نعم قال إنها ليست لك حتى تخرجها من يديك يعني أن حظك منها وحظ غيرك إذ لم تنفقها وتخرجها واحد إذ لا نفع فيها بأعيانها وورد عنه صلى الله تعالى عليه وسلم يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما تصدقت أو أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت يعني أن المال الذي لم ينفقه ولم يتصدق به قد تساوى فيه مع غيره ممن لا مال بيده إذ لا فائدة في عين المال بل فيه الوبال في المآل (وكان منقصة) بفتح القاف وكسرها أي وكان المال نقيصة (في صاحبه) أي في حقه دنيا وأخرى كما ورد تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم وكما ورد أن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة (ولم يقف) أي المال (به) أي بصاحبه (على جدد السّلامة) بفتح الجيم والدال المهملة الأولى أي طريقها المستوية تقول العرب من ملك الجدد أمن العثار وبضم الجيم جمع جدة كمدة أي طرقها من الجادة التي تسلم المارة فيها من العثرة ومنه قوله تعالى وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ أي طرائق وأما ما ضبط في بعض النسخ والحواشي بضمهما فلا مناسبة له هنا فإنه جمع جديد على ما في القاموس (بل أوقعه) أي ما له عند مآله (في هوّة رذيلة البخل) بضم هاء وتشديد واو مفتوحة أي في وهدة دناءته وعمق نقيضته والبخل بضم فسكون وبفتحهما قراءتان في السبع (ومذلة) وفي نسخة ومذمة (النّذالة) بفتح النون والذال المعجمة الخساسة والسفالة؛ (فإذا) بالتنوين وفي نسخة بالنون والفاء فصيحة معربة عن شرط مقدر أي ومتى كان المال كما وصف كان حينئذ (التّمدّح) أي تمدح صاحبه لنفسه ويروى المتمدح (بالمال) أي على توهم الكمال (وفضيلته) أي وفضيلة المال أو صاحبه (عند مفضّله) أي مرجحيه من العامة وفي نسخة بصيغة الإفراد (ليست لنفسه) أي ذاته (وإنّما هو) أي المال أو التمدح به (للتّوصّل به إلى غيره وتصريفه) بالجر اي انفاقه (في متصرّفاته) بفتح الراء أي في محاله؛ (فجامعه إذا لم يضعه مواضعه) أي من مهماته ومهمات من يرجوه (ولا وجّهه وجوهه) أي من أنواع البر واصناف الخير (غير مليء) بفتح الميم وكسر اللام فتحتية فهمزة ويجوز إبدالها وإدغامها أي غير ثقة (بالحقيقة) أي في نفس الأمر (ولا غنيّ بالمعنى) أي بل بمجرد الصورة والمبنى فكأنه فاقد لا واجد (ولا ممتدح) وفي
[ ١ / ٢٢٤ ]
نسخة ولا متمدح أي ولا ممدوح (عند أحد من العقلاء) فضلا عن العلماء والفضلاء (بل هو فقير أبدا) أي بقلبه ولو كان غنيا يدا قال المتنبي:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله مخافة فقر فالذي فعل الفقر
(غير واصل إلى غرض من أغراضه) أي لخسته وبخله؛ (إذ ما بيده من المال الموصل) بالتشديد أو التخفيف (لها) وفي نسخة إليها أي الذي في شأنه أن يوصل صاحبه إلى أغراضه (لم يسلّط عليه) بصيغة المجهول أي لم يمكن منه ولم يفوض إليه؛ (فأشبه خازن مال غيره) أي حافظه (ولا مال له) أي إلا وديعة عنده (فكأنّه ليس في يده من المال شيء) أي من الأشياء (والمنفق) أي في وجوه البر والخير من صدقة وصلة (مليّ) أي ثقة (غنيّ) واجد لا فاقد (بتحصيله فوائد المال) من جميل الحال وحسن الْمَالِ (وَإِنْ لَمْ يَبْقَ فِي يَدِهِ مِنَ المال شيء) حيث يدل على كمال كرمه واعتماده على رزق ربه وقد قال الله تعالى وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وورد اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا وهذا المعنى في حديث نعم المال الصالح للرجل الصالح. (فانظر سيرة نبيّنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم) أي طريقته (وخلقه) أي سحبيته الشريفة (في المال) أي في حق أخذه وإعطائه وامتناعه عن التلبس بوجوده وبقائه (تجد) بالجزم أي تعلمه (قد أوتي خزائن الأرض) أي عرضت عليه (ومفاتيح البلاد) أي أعطيت له وفي نسخة في رواية صحيحه مفاتح البلاد ومنه قوله تعالى وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ وهو كناية عن فتحها عليه وعلى أمته بعده وجباية أموالهم إليهم واستخراج كنوزها لديهم وتلويح بالتوصل إليها كما يتوصل بالمفاتيح إلى ما أغلق عليه من أبوابها وقد روي مرفوعا في صحيح مسلم بينا أنا نائم أوتيت مفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي أي في تصرفي وتصرف أمتي (وأحلّت له الغنائم) أي لزيادة الفضيلة (ولم تحلّ) بصيغة المجهول المناسب لأحلت أو بفتح أوله وكسر ثانيه أي والحال أنه لم تبح (لنبيّ قبله) إذ جاء في الآثار أنهم كانوا يجمعون الغنائم فتأتي نار من السماء فتأكلها وفي حديث مسلم لم تحل الغنائم لأحد من قبلنا وذلك لأن الله تعالى رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا، (وفتح عليه في حياته صلى الله تعالى عليه وسلم بلاد الحجاز) سميت بها لحجزها بين نجد والغور (واليمن) بالرفع والجر سمي به لكونه عن يمين الكعبة لمن وقف بالباب ووجهه لخارج وهو المعتبر لكونه بمنزلة المنبر (وجميع جزيرة العرب) وهي ما بين أقصى عدن إلى ريف العراق طولا ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى طرف الشام عرضا وقال مالك هي الحجاز واليمن واليمامة وقيل هي المدينة وقيل مكة والمدينة واليمامة واليمن ولعل هذا معنى قول مالك (وما دانى ذلك) أي ما قارب بلاد الحجاز وجزيرة العرب (من الشّأم) بالهمز الساكن وإبداله الفا ويقال بفتح الشين والمد وهو من العريش إلى الفرات طولا وقيل إلى نابلس وعرضا من جبل طي من نحو القبلة إلى بحر الروم وما سامت ذلك من البلاد قال ابن عساكر
[ ١ / ٢٢٥ ]
في تاريخه دخل الشام عشرة آلاف عين رأت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم واشتقاقه منه لكونه عن شمال الكعبة وأما قول الحلبي قد دخله ﵊ أربع مرات فغير معروف بل لم يدخل دمشق أصلا وإنما بلغ إلى بصرى مدينة حران (والعراق) أي عراق العرب من الكوفة والبصرة قيل فارسي معرب وقيل سمي المكان عراقا لكثرة عروق اشجاره (وجلبت إليه) ويروى وجلب وروي وجبيت أي وجيء له (من أخماسها) في الغنيمة (وجزيتها) من أهل الذمة (وصدقاتها) من أغنياء الأمة (ما لا يجبى) أي ما لا يؤتى به (للملوك إلّا بعضه) أي لكثرته مع زيادة بركته روي أن اعظم مال أتي به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من مال الجزية ما قدم عليه من البحرين وقدره مائة ألف درهم وثمانون ألفا، (وهادته) أي صالحه وفي نسخة صحيحة هادته بمعنى أهدته (جماعة من ملوك الأقاليم) أي بإرسال هدايا إليه فقبلها منهم كما في كتب السير دلالة عليه (فما استأثر) أي ما انفرد وما استبد وما اختص (بشيء منه) أي مما هادوه (وَلَا أَمْسَكَ مِنْهُ دِرْهَمًا بَلْ صَرَفَهُ مَصَارِفَهُ) أي انفقه في مواضعه من أنواع الخير واصناف البر (وأغنى به غيره) أي لغناه بربه واستغنائه بقلبه (وقوّى به المسلمين) على مهماتهم وقضاء حاجاتهم ونصرهم على اعدائهم ودفع بلائهم وكان يعطى عطاء من ليس يخشى الفقر انتهاء (وقال) أي كما رواه الشيخان عنه (صلى الله تعالى عليه وسلم ما يسرّني) أي لم يوقعني في السرور ولم يفرحني (أنّ لي أحدا) بضمتين ووجد بخط المبرد بإسكان الحاء جبل عظيم بالمدينة (ذهبا) تمييز لرفع الإبهام عن جبل أحد (يبيت) أي يثبت ليلة (عندي منه) أي من مقدار أحد ذهبا (دينار إلّا دينارا) بالنصب على الاستثناء وفي نسخة بالرفع على البدل (أرصده لديني) وفي نسخة لدين وهو بفتح الهمزة وضم الصاد وبضم وكسر من الإرصاد أي أحفظه منتظرا لقضاء ديني وقال بعضهم رصدته رقبته وأرصدت أعددت قال تعالى شِهابًا رَصَدًا وارصادا لمن حارب الله ولعل التعبير بالبيتوتة لإرادة المبالغة لأن الدليل مظنة فقد الفقير والغيبوبة توهم حصول الذهول والغفلة ووقع في أصل الدلجي درهم إلا دينارا فتكلف وقال نصبه على الاستثناء من عام عبر عنه بالدرهم ورفعه على البدل وكأنه قال ما يسرني أن يبيت عندي شيء منه إلا ما أرصده لدين لي بفتح الهمزة وضم الصاد وبضم وكسر (وأتته دنانير مرّة) وهي كثيرة (فقسمها) أي على من استحقها (وبقيت) وفي نسخة بقي (منها ستّة) وفي نسخة بقية أي قليلة يسيرة (فدفعها لبعض نسائه) نظرا إلى حدوث حاجة لهن إليها وفي رواية فرفعها بعض نسائه بالراء وهو إما بأمره وإما على عادة النساء في حفظ المال لأمر المعاش وغيره (فلم يأخذه نوم حتّى قام وقسمها) اتكالا على كرم ربه عند الاحتياج إليها (وقال الآن) وهو اسم للزمان الحاضر (استرحت) أي حصل الراحة لقلبي المعتمد على رزق ربي وفيه دلالة واضحة على ما كان عليه من التقلل للدنيا ملازمة الفاقة في أيام حياته إلى أوان مماته كما يدل عليه قوله (ومات ودرعه مرهونة) أي عند يهودي هو أبو الشحم وقيل أبو شحمة (في نفقة عياله) أي إلى سنة في ثلاثين صاعا من شعير
[ ١ / ٢٢٦ ]
على ما في البخاري والترمذي والنسائي وفي البزار أربعين وفي مصنف عبد الرزاق وسق شعير وهو ستون صاعا ويمكن الجمع بتعدد الواقعة حقيقة أو حكما عند نزول قوله تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا الآية ولعل عدوله صلى الله تعالى عليه وسلم عن الصحابة إلى معاملته بيان للجواز أو قلة الطعام عند غيره أو حذرا من أن يضيق على أصحابه أو لأنهم لا يأخذون منه رهنا ولا يتقاضون منه ثمنا بل ولا يعطونه دينا وهو لا يريد تكون صنيعة لأحد عليه أو ليكون حجة على اليهود في قولهم إن الله فقير ونحن أغنياء حيث لم يقتض القرض لصاحبه الافتقار وعدم الاقتدار ولعله كان منعوتا في كتابهم أنه يكون مختارا للفقر على الغنى وأنه لا يبالي بكلام الأعداء من الأغنياء الأغبياء الذين يدعون الاستغناء (واقتصر من نفقته وملبسه ومسكنه) بفتح الكاف وكسرها أي من أجلها أو في حقها (على ما تدعوه ضرورته إليه) أي على مقدار قليل لا بد له منه مما تقتضيه الحاجة الضرورية إليه (وزهد) بكسر الهاء أي ولم يرغب (فيما سواه)؛ فزهد فعل ماض عطف على اقتصر ووقع في أصل الدلجي وزهده بالضمير فتحير في امر مرجعه فقال عطف على الضمير المجرور بإلى أو على ضرورته أي وإلى هده أو ويدعوه زهده فيما سواه إليه ذهابا إلى الاقتصاد المحمود إذ ما قل وكفى خير مما كثر والهى (فكان يلبس) بفتح الياء والباء معا (ما وجده) أي أصابه وصادفه أي تيسر له من غير كلفة وشهوة (فيلبس في الغالب الشّملة) وهي كساء يشتمل به وقال ابن حماد هي شبه العباء وهي أكسية فيها خطوط سود كل كساء خشن فهو شملة ثم هي ضبطت في النسخ بالفتح لكن في القاموس الشملة هيئة الاشتمال وبالكسر كساء دون القطيفة يشتمل به انتهى والظاهر أنه وهم منه فإن صيغة الهيئة وهي النوع إنما هي بالكسر والفعلة موضوعة للمرة وقد تكون للاسم كما هنا ولذا أطلق صاحب النهاية حيث قال الشملة كساء يتلفف به (والكساء) بكسر الكاف معروف (الخشن) بفتح وكسر أي الغليظ ضد الرقيق (والبرد) أي اليماني وهو الثوب الذي فيه خطوط (الغليظ) أي الخشن واختار هذا كله زهدا وقناعة وتنزها عما يلبسه من لا خلاق له تفاخرا وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا أن الله يحب المتبذل الذي لا يبالي ما لبس تفاخرا وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا أن الله يحب المتبذل الذي لا يبالي ما لبس (ويقسم) بالتخفيف ويجوز تشديده بقصد التكثير (على من حضره أقبية الدّيباج) بكسر الدال وقد يفتح وهو نوع من الحرير والأقبية جمع القباء بالمد كالأكسية جمع الكساء وهو صنف من الثياب (المخوّصة) بتشديد الواو المفتوحة أي المنسوجة (بالذّهب) أي بمثل خوص النخل وهو ورقه وقيل فيه طرائق من ذهب مثل خوص النخل أو المكنوفة به وفي رواية المزرورة بالذهب أي التي لها أزرار منه أو المطوقة به أو التي زينت أزرارها به وفي الحديث مثل المرأة الصالحة مثل التاج المخوص بالذهب (ويرفع) أي منها (لمن لم يحضر) أي يغيب من أصحابه المستحقين لها كمخرمة بن نوفل كما في حديث الصحيحة عن ابن المسور قال أبي يا بني بلغني أن النبي صلى الله تعالى
[ ١ / ٢٢٧ ]
عليه وسلم قدمت عليه أقبية فأذهب بنا إليه فذهبنا فوجدناه في منزله فقال لي ادعه لي فاعظمت ذلك فقال لي يا بني أنه ليس بجبار فدعوته فخرج ومعه قباء من ديباج مزرور بالذهب فقال يا مخرمة خبأت لك هذا وجعل يريه محاسنه ثم أعطاه له ولمسلم فنظر إليه فقال رضي مخرمة زاد البخاري وكان في خلق مخرمة شدة محبة هذا وكان يفعل ذلك إيثارا لغيره وتنزها عما يتباهى العوام به؛ (إذ المباهاة) أي المنافسة والمفاخرة (في الملابس) أي الثمينة (والتّزيّن بها) أي في المنازل المكينة (ليست من خصال الشّرف والجلالة) أي شمائل أرباب الشرافة وأصحاب العظمة المعنوية (وهي) أي تلك الملابس (من سمات النّساء) بكسر السين أي من خصال النسوة وعلاماتهن المتزينة بالحلي الصورية، (والمحمود) أي الممدوح (منها) أي من الملابس المطلقه (نقاوة الثّوب) بفتح النون النظافة وفي نسخة بضمها وهي خياره لكنه غير ملائم للمرام في هذا المقام (والتّوسّط في جنسه) لورود الذم عن لبس الشهرتين (وكونه لبس مثله) أي لباس بعض أمثاله حال كونه (غير مسقط لمروءة جنسه) أي أبناء جنسه وفي نسخة حسبه بفتحتين فموحدة (ممّا لا يؤدّي) أي يؤول (إلى الشّهرة في الطّرفين) أي المكتنفين من الأعلى والأدنى للتوسط إفراطا وتفريطا وخير الأمور أوساطها وقد قال الثوري كانوا يكرهون الشهرتين الثياب الجيدة والثياب الرديئة إذ الأبصار تمتد إليهما جميعا وقد ورد النهي عن الشهرتين أيضا (وقد ذمّ الشّرع ذلك) أي ما ذكر من الشهرتين أيضا أو المباهاة في الملابس؛ (وغاية الفخر فيه) أي في ذلك المذموم (في العادة عند النّاس إنّما يعود) أي ترجع غايته (إلى الفخر بكثرة الموجود ووفور الحال) أي وسعة الجاه وكثرة المال وقد سبق أن هذا مذموم في المآل (وكذلك التّباهي) أي ومثل الفخر حكم الافتخار (بجودة المسكن) أي بتجصيصها وتزيينها وتبييضها (وسعة المنزل) بفتح السين أي من جهة طولها وعرضها زيادة على مقدار الحاجة (وتكثير آلاته) أي أمتعته وظروفه ومفارشه (وخدمه) أي من عبيده وجواريه (ومركوباته) أي زيادة على مقدار حاجاته (ومن ملك الأرض وجبى إليه) بصيغة المجهول أي أتي إليه (ما فيها) من كل زوج كريم وصنف جسيم (فترك ذلك) أي مع القدرة عليه (زهدا وتنزّها) أي رفعة للنفس وبعدا لها عما يشينها فإن الزهد هو عزوب النفس عن الدنيا مع القدرة عليها رغبة في العقبى وهذا في الحقيقة لا يتصور ممن لا مال له ولا جاه على وجه الكمال ولهذا لما قيل لابن المبارك يا زاهد قال الزاهد عمر بن عبد العزيز إذ جاءته الدنيا راغمة فتركها أما أنا ففيم زهدت والزهد أعلى المقامات وأعلى الحالات وقد ورد في الدنيا يحبك الله إذ جعله سببا لمحبة الله له (فهو حائز) أي جامع ومشتمل (لفضيلة الماليّة) التي هي اسباب التلذذ بالأعراض الدنيوية والأغراض الشهوية (ومالك للفخر) أي للافتخار في العادة بين العامة (بهذه الخصلة) أي الكثرة المالية والوسعة الجاهية (إن كانت فضيلة) بسبب ما مر من كونه وسيلتها وإلا فليست هي فضيلة في ذاتها فإن شرطية تقديرية وقال التلمساني هي بفتح الهمزة وهي تفسيرية ولا يخفى بعد ما قاله (زائد عليها في الفخر ومعرق)
[ ١ / ٢٢٨ ]
بضم الميم وكسر الراء وتفتح أي له عرق أي أصل (في المدح) والمعنى هو زائد بهما على فضيلة المال (بإضرابه) بكسر الهمزة أي بسبب إعراضه (عَنْهَا وَزُهْدِهِ فِي فَانِيهَا وَبَذْلِهَا فِي مَظَانِّهَا) بفتح ميم وتشديد نون أي محالها من صلة رحم وجهة بر وهو بالظاء المشالة وقد تصحف على التلمساني فضبطه بالضاد وقال أراد مواضع البخل.
فصل [وأما الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة]
(وأمّا الخصال المكتسبة) وتسمى ملكات نفسانية لأنها تخلقات كسبية لا سجية جبلية (من الأخلاق الحميدة) أي المحمودة من الشمائل المعدودة من الأحوال السعيدة (والآداب الشّريفة) أي الناشئة من النفوس النفيسة اللطيفة (التي اتّفق جميع العقلاء) أي من الفضلاء والعلماء إذ لا عبرة بالجهلاء (على تفضيل صاحبها) أي بالنسبة إلى فاقدها (وتعظيم المتّصف) بتشديد التاء المثناة أي المتلبس والمتخلق (بالخلق الواحد منها فضلا عمّا فوقه) أي أكثر منه مما أجمع على حسنها وطوبى لمن جمعها بأجمعها (وأثنى الشّرع على جميعها وأمر بها) أي جمعا وأفرادا مجملا ومفصلا (ووعد السّعادة الدّائمة) أي تعلقها (للمتخلّق بها) أي للذي اتخذها خلقا كما هو مذكور في الترغيب والترهيب وكتب الأخلاق من الأحياء وغيره (ووصف بعضها بأنّه من أجزاء النّبوّة) كحديث السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربع وعشرين جزءا من النبوة وحديث أن الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمس وعشرين جزءا من النبوة والمعنى أن هذه الخصال منحها الله تعالى أنبياءه فهي من شمائلهم وفضائلهم وأنها جزء من أجزائها فاقتدوا بهم فيها لا أن النبوة تتجزأ ولا أن من جمعها يكون نبيا إذ النبوة غير مكتسبة بل هي كرامة مختصة بمن تعلقت به المشيئة أو المعنى أن هذه الخصال جزء من خمس وعشرين جزءا مما جاءت به النبوة ودعت إليه أصحاب الرسالة وتأنيث اربع وخمس على معنى الخصال أو القطعة مع أن الاجزاء تجري مجرى الكل في التذكير والتأنيث (وهي) أي الخصال المكتسبة التي ورد باستحسانها الكتاب والسنة هي (المسمّاة بحسن الخلق) أي في الجملة (وهو) أي حسن الخلق (الِاعْتِدَالُ فِي قُوَى النَّفْسِ وَأَوْصَافِهَا، وَالتَّوَسُّطُ فِيهَا دون الميل إلى منحرف أطرافها) فإن لها ثلاث قوى نطقية اعتدالها حكمة وشهوية اعتدالها عفة وغضبية اعتدالها شجاعة فللنطق طرف إفراط هو الجربزة كاستعمال الفكرة واشتغال الآلة فيما لا ينبغي وتفريط وهو الغباوة كتعطيل الفكرة عن اكتساب العلوم وإفادتها واستفادتها وللشهوة طرف إفراط هو الفجور كالانهماك في اللذات وتفريط هو الخمود كترك ما رخص شرعا وعقلا من اللذات وللغضب طرف إفراط هو التهور كالإقدام على ما لا ينبغي وتفريط هو الجبن كترك الإقدام على ما ينبغي فما بينهما هو التوسط في الأخلاق المسماة مثلا بالحكمة والعفة والشجاعة وأما قول الدلجي فللحكمة والعفة والشجاعة طرف إفراط وتفريط خبط وتخبط؛ (فَجَمِيعُهَا قَدْ كَانَتْ خُلُقَ نَبِيِّنَا
[ ١ / ٢٢٩ ]
صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الِانْتِهَاءِ فِي كَمَالِهَا. وَالِاعْتِدَالِ إلى غايتها) يحتمل عطف الاعتدال على الانتهاء وهو الظاهر الأنسب في المعنى والعطف على كمالها وهو خلاف المتبادر لكنه الأقرب في المبنى (حتّى) أي إلى حد (أثنى الله عليه بذلك فَقَالَ تَعَالَى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) [الْقَلَمِ: ٥]) وقد قيل هو ما أمر به من قوله ﷾ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ وقيل هو ما ورد من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم هو أن تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطي من منعك والأكمل في تفسيره ما ذكره المصنف بقوله. (قالت عائشة ﵂) أي وقد سألها سعيد بن هشام عن خلقه صلى الله تعالى عليه وسلم: (كان خلقه القرآن) بالرفع ويجوز نصبه زاد البيهقي في دلائله على ما هو في بعض النسخ (يرضى برضاه) أي يرضى ما فيه من الواجب والمندوب والمباح (ويسخط بسخطه) أي ويغضب ويكره ما ينافيه من الحرام والمكروه وخلاف الأولى وزاد في نسخة يعني التأدب بآدابه والتخلق بمحاسنه والالتزام لأوامره وزواجره، (وقال ﵊) على ما رواه أحمد والبزار (بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق) ورواه مالك في الموطأ ولفظه بلغني أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال بعثت لأتمم حسن الأخلاق ورواه البغوي في شرح السنة بلفظ أن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق وكمال محاسن الأفعال أي الملكات النفسية والحالات القدسية التي جمعها حسن الخلق المتضمن لأداء حق الحق والخلق مما لا يستحصى ولا يتصور أن يستقصى وفيه إيماء إلى أن الأنبياء كانوا موسومين بالأخلاق الرضية والشمائل البهية إلا أنها لم تكن على وجه الكمال الذي لا يكون فوقه كمال وأنه صلى الله تعالى عليه وسلم مجتمع الأخلاق العلية ومنبع الأحوال السنية بحيث لا يتصور فوقها كمال حتى من تعدى عن ذلك الحد وقع في النقصان في المآل ويدل على ما قررنا على وجه حررنا حديث مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل قصر أحسن بنيانه وترك منه موضع لبنة فطاف به النظار يتعجبون من حسن بنيانه إلا موضع تلك اللبنة فكنت أنا سددت موضع اللبنة ختم لي النبيون ويشير إلى هذا المبنى قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ. (قال أنس رضي الله تعالى عنه) فيما رواه الشيخان (كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أحسن النّاس) أي من الأولين والآخرين (خلقا) بشهادة الله الكريم وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ؛ (وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مثله، وكان) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (فيما ذكره المحقّقون مجبولا) أي مخلوقا ومطبوعا (عليها في أصل خلقته) أي من ابتداء نشأته الروحية (وأوّل فطرته) أي خلقته الجسدية وفي بعض النسخ في أصل خلقته بالظرفية بدلا من من الابتدائية (لم تحصل له باكتساب ولا رياضة) خلافا لما قاله الفلاسفة والحكماء الرياضيةإ (لّا بجود إلهي) أي لكن حصلت له بجذبة صمدانية (وخصوصيّة ربّانيّة؛ وهكذا) أي وكذا فعل الله (لسائر الأنبياء)
[ ١ / ٢٣٠ ]
وفي رواية سائر الأنبياء أي باقي الأنبياء الماضية وأما وجود الأخلاق الحميدة في غيرهم فقيل إنها جبلية وطبيعية مثل الأنبياء وهذا بعيد عن مشرب الأصفياء ولو مال إليه الطبراني من العلماء وقيل كتسبة لا جبلية ولا طبيعية وهذا قول ظاهر البطلان لمشاهدة تفاوت الأحوال في أخلاق الأطفال والصبيان كما يدل عليه حكاية حاتم الطائي وأخيه ورواية أمهما في ابتداء ارضاعهما وقيل منها ما هي جبلية طبع عليها في أول الخلقة وما هي كسبيه تحصل بالرياضة وتصير لصاحبها ملكة ويؤيده حديث أشبح عبد القيس حيث قال له صلى الله تعالى عليه وسلم إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والإناءة فقال يا رسول الله أشيء من قبل نفسي أو جبلني الله عليه فقال جبلك الله عليه فقال الحمد الله الذي جبلني على خلقين يرضاهما الله ورسوله والتحقيق أن حال الإنسان مركب من الأخلاق المحمودة الملكية ومن الأخلاق المذمومة الشيطانية فإن مال إلى الأولى فهو خير من الملائكة المقربين وإن مال إلى الثانية فهو شر من الشياطين وتحقيق هذا المرام لا يسعه الكلام في هذا المقام وقد صنف في هذا المبحث كتب الأخلاق منها الناصرية ومنها الدوانية ومنها الكشافية وقد حقق الإمام الغزالي في الأحياء الأدلة على وجه الاستقصاء؛ (ومن طالع سيرهم) أي سلوك الأنبياء في سيرهم (منذ صباهم إلى مبعثهم) أي من مبدئهم إلى منتهاهم (حقّق ذلك) أي عرف حقيقة ما ذكر من أن أخلاقهم مرضية وهبية لا رياضة كسبية (كَمَا عُرِفَ مِنْ حَالِ عِيسَى وَمُوسَى وَيَحْيَى وسليمان وغيرهم ﵈ بل غرزت) بصيغة المجهول أي طبعت وغرست (فيهم هذه الأخلاق في الجبلّة) أي الطبيعة الأصلية (وأودعوا العلم والحكمة في الفطرة) أي أول الخلقة الإنسانية (قال الله تعالى: وَآتَيْناهُ) أي أعطينا يحيى (الْحُكْمَ) أي النبوة وإتقان المعرفة (صَبِيًّا [مريم: ١٢]) أي صغيرا. (قال المفسّرون: أعطى الله يحيى العلم) بصيغة المجهول أو المعلوم ويؤيده نسخة أعطى الله تعالى (بكتاب الله) أي التوراة أو بمضمون كتب الله تعالى مجملة أو مفصلة (في حال صباه) فيه إيماء إلى أن صبيا نصب على الحال من المفعول وقد روي أنه نبئ وفهم العلم بالكتاب وهو ابن ثلاث أو سبع؛ (وقال معمر) بفتح الميمين ابن راشد أبو عروة الأزدي مولاهم عالم اليمن روى عن الزهري وهمام وخلق وعنه ابن المبارك وعبد الرزاق اخرج له الأئمة الستة (كان) أي يحيى (ابن سنتين أو ثلاث) على ما رواه عنه أحمد في الزهد وابن أبي حاتم في تفسيره والديلمي عن معاذ ولم يسنده والحاكم في تاريخه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه بسند واه والتحقيق أن يحيى ﵊ أعطي هذا المقام وهو في بطن أمه كما ورد من أن السعيد من سعد في بطن أمه وإنما قيده ﷾ بحال الصبا لتعلق علم الخلق به حينئذ فاختلاف الروايات مبني على اختلاف إطلاع الناس على ما به من الحالات (فَقَالَ لَهُ الصِّبْيَانُ لِمَ لَا تَلْعَبُ فَقَالَ أللّعب خلقت) فهمزة الاستفهام للإنكار
[ ١ / ٢٣١ ]
على ما في الأصول المصححة واللعب فيه لغتان فتح اللام وكسر العين وكسر أوله وسكون ثانيه ووقع في أصل الدلجي ما للعب خلقت بما النافية ولعله رواية في المبنى أو نقل بالمعنى ثم أغرب واعترض على معمر في قوله أو على المصنف في اعتماده على نقله حيث قال والذي قاله معمر كان يومئذ ابن ثمان سنين وهو الأصح وما ذكر ههنا فغريب في الرواية عنه بشهادة ما رواه ابن قتيبة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ دخل يحيى بيت المقدس وهو ابن ثمان فنظر إلى العباد به واجتهادهم فرجع إلى أبويه فمر في طريقه بصبيان يلعبون فقالوا هلم فلنلعب فقال إني لم أخلق للعب فذلك قوله تعالى وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا انتهى ووجه الغرابة لا يخفى إذ لا يبعد أن يكون ظهور آثار النبوة عليه كان وهو ابن سنتين أو ثلاث ثم وقع له هذا المقام عقب هذا ولو بعد سنين مع الأطفال مع أنه لا مانع من تعدد الواقعة ولو بالاحتمال (وقيل في قوله تعالى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ من الله صدق يحيى بعيسى) أي آمن به (وهو ابن ثلاث سنين) وحكى السهيلي عن ابن قتيبة أنه كان ابن ستة أشهر (فشهد) وفي نسخة وشهد (له أنّه كلمة الله وروحه) فهو أول من آمن به وسمي كلمة لوجوده بأمره تعالى بلا أب فشابه المخترعات التي هي عالم الأمر المعبر عنه يقول كن كما قال الله تعالى إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ؛ (وقيل) كما في تفسير محمد بن جرير الطبري (صدّقه) أي آمن به يحيى (وهو في بطن أمّه) حال من ضمير الفاعل (فكانت) بالفاء وفي نسخة وكانت (أمّ يحيى) أي وهي حامل به (تقول لمريم) أي اختها إذا دخلت عليها وهي حامل بعيسى والله إنك لخير النساء وأن ما في بطنك لخير مولود (إِنِّي أَجِدُ مَا فِي بَطْنِي يَسْجُدُ لِمَا في بطنك تحيّة له) أي تعظيما وتسليما وتكريما وهذا يدل على أن مريم حملت مدة الحمل كما عليه الأكثر وهو لا ينافي ما تقدم والله أعلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حملته ووضعته في ساعة واحدة فتصديقه إنما كان وهو ابن ثلاث كما سبق؛ (وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى كَلَامِ عِيسَى لِأُمِّهِ عِنْدَ وِلَادَتِهَا إِيَّاهُ بِقَوْلِهِ لَهَا، أَلَّا تَحْزَنِي [مريم: ٢٤]) الأولى أن لا تحزني (على قراءة من قرأ مِنْ تَحْتِها [مريم: ٢٤] بفتح الميم والتاء كما قرأ به ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر (وعلي) أي وكذا علي (قول من قال إنّ المنادي عيسى) كأبي بن كعب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد لأنه خاطبها من تحت ذيلها لما خرج من بطنها وفيه احتراز عن قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعلقمة والضحاك أن المنادي جبريل لأنه كان بمكان منخفض عنها قال الدلجي لا وجه لتخصيص القراءة الأولى بالخلاف في المنادي مع وقوعه في الثانية قلت حيث تعارض القولان عن الأئمة ولا يتصور الجمع بينهما إلا بتعدد القضية أشار المصنف إلى أن القراءة الأولى محملها على المعنى الأول أولى وهو أن يكون المنادي عيسى فلا ينافي احتمال وجود آخر في المعنى على ما لا يخفى (ونصّ) أي صرح الله ﷾ (على كلامه)
[ ١ / ٢٣٢ ]
أي نطق عيسى (في مهده فقال) أي الله في كلامه حكاية عنه (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) ردا على إثبات اله سواه وافتخارا بالعبودية واحترازا عن دعوى الربوبية (آتانِيَ الْكِتابَ) أي أعطاني الله من فضله علم الإنجيل أو جنس الكتاب (وَجَعَلَنِي نَبِيًّا [مريم: ٣٠]) في سابق قضائه أو تنزيلا للمحقق وقوعه منزلة الواقع به كما في أَتى أَمْرُ اللَّهِ كذا ذكره الدلجي والظاهر المتبادر أنه جعله نبيا في ذلك الحال من غير توقف على الاستقبال فلا يحتاج إلى تأويله بالمآل ويؤيده ما روي عن الحسن أكمل الله عقله ونبأه طفلا وقضية يحيى صريحة أيضا في هذا المعنى غايته أن أعطاه النبوة في سن الأربعين غالب العادة الإلهية وعيسى ويحيى خصا بهذه المرتبة الجليلة كما أن نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم خص بما ورد عنه من قوله كنت نبيا وإن آدم لمنجدل بين الماء والطين هذا وفي المستدرك عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا لم يتكلم في المهد إلا عيسى وشاهد يوسف وصاحب جريج وابن ماشطة فرعون ولفظ مسند أحمد وابن ماشطة ابنة فرعون وزاد البغوي في تفسير سورة الأنعام إبراهيم الخليل ﵊ وممن تكلم صغيرا يحيى بن زكريا ومبارك اليمامة كلمة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ذكره في الدلائل ورضيع المتقاعسة ورضيع التي مر عليها راكب فقالت اللهم اجعل ابني مثل هذا والصبي الذي في حديث الساحر والراهب الذي قال لأمه أصبري فإنك على الحق وهو في أواخر مسلم وفي كلام السهيلي في آخر روضته أن أول كلمه تكلم بها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو مرضع عند حليمة إن قال الله أكبر قال السهيلي رأيته كذا في بعض كتب الواقدي (وقال) أي عز قائله (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ) أي الحكومة أو الفتيا إذ روي أنه تحاكم إلى داود صاحب غنم وصاحب زرع أو كرم رعته ليلا فحكم بها لصاحب الحرث لاستواء قيمتها وقيمة نقصه فقال سليمان وهو ابن إحدى عشرة سنة غير هذا أوفق بهما فعزم عليه ليحكم فدفع الغنم لصاحب الحرث ينتفع بدرها ونتاجها وأصوافها والحرث لصاحب الغنم يصلحه فإذا عاد إلى ما كان عليه ترادا ولعلهما قالا مقالهما اجتهادا فقال داود اصبت القضاء ثم حكم بذلك والأول نظير قول أبي حنيفة في العبد الجاني والثاني نظير قول الشافعي بالغرم للحيلولة في العبد المغصوب إذا أبق إما في شرعنا فلا ضمان عند أبي حنيفة لحديث جرح العجماء جبار أي هدر إلا أن يكون معها حافظ أو أرسلت عمدا وأوجبه الشافعي ليلا لا نهارا لجري العادة في حفظ الدواب بالليل دون النهار لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لما دخلت ناقة البراء حائطا على أهل الأموال حفظها بالنهار وعلى أهل الماشية حفظها بالليل وفي الحديث إشارة لطيفة إلى قول أبي حنيفة في تقييد القضية بحالة العمدية إذ تخلص الدابة ليلا أو نهارا واتلافها من غير تقصير من صاحبها لا يوجب الغرامة المنفية في الملة الحنيفية حيث قال ليس عليكم في الدين من حرج (وَكُلًّا) أي من داود وسليمان (آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا
[ ١ / ٢٣٣ ]
[الأنبياء: ٦٨]) أي معرفة بموجب الحكومة وعلما بسائر القضايا الشرعية (وقد ذكر) بصيغة المجهول (من حكم سليمان) كذا في النسخ المتعددة المعتمدة ووقع في أصل الدلجي وقد ذكر عن سليمان (وهو صبيّ) أي في حال صباه (يلعب) أي مع الصبيان (في قضيّة المرجومة) أي التي كانوا يريدون أن يرجموها وفي نسخة في قضية المرجومة وهي ما رواه ابن عساكر في تاريخه بسنده إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن امرأة حسناء في بني إسرائيل راودها عن نفسها أربعة من أكابرهم وقيل من قضاتهم الذين رفعت حكمها إليهم فامتنعت فاتفقوا أن يشهدوا عليها عند داود أنها مكنت من نفسها كلبا لها قد عودته ذلك منها فأمر برجمها أو هم به فلما كان عشية يوم رجمها جلس سليمان واجتمع إليه ولدان فانتصب حاكما وتزيى أربعة منهم بزي أولئك الأربعة وآخر بزي المرأة وشهدوا عليها بأن مكنت من نفسها كلبا فسألهم متفرقين عن لونه فقال أحدهم أسود وآخر أحمر وآخر عيسى وآخر أبيض فأمر بقتلهم فبلغ ذلك داود فاستدعى من فوره بالشهود فسألهم متفرقين عن لون كلبها فاختلفوا فقتلهم (وفي قصّة الصّبيّ ما اقتدى) أي الذي اقتدى (به) أي بسليمان ورجع إلى حكمه (داود أبوه) عطف بيان لدفع توهم أن يكون غيره وهذه القضية رواها الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى بينما امرأتان معهما ابنان لهما فأخذ ذئب أحدهما فتحاكمتا إلى داود في الآخر فقضى به للكبرى فدعاهما سليمان وقال هاتوا السكين أشقه بينهما فقالت الصغرى رحمك الله هو ابنها لا تشقه فقضى لها به مستدلا بشفقتها عليه بقولها لا تشقه ورضى الكبرى بشقه لتشاركها في المصيبة أو لما كان بينهما من العداوة ولعل داود ﵇ حكم به للكبرى لكونه في يدها أو اعتمادا على نوع من الشبه وهو لا يخلو من الشبه فإن قيل المجتهد لا ينقض حكم المجتهد فالجواب إن سليمان فعل ذلك وسيلة إلى حقيقة القضية فلما أقرت بها الكبرى عمل بإقرارها أو لعل في شرعهم يجوز للمجتهد نقض حكم المجتهد وقيل كان بوحي ناسخ للأول قيل وكان قضاؤه وهو ابن اثنتي عشرة سنة ومات وهو ابن اثنتين وخمسين سنة وقيل كان حكم داود باجتهاد وحكم سليمان بوحي والوحي ينقض غيره، (وحكى الطّبريّ) وفي نسخة وقال الطبري وهو محمد بن جرير (أنّ عمره) أي سن سليمان (كان حين أوتي الملك اثني عشر عاما) أي سنة، (وكذلك) أي ومثل ما ذكر عن سليمان في صغره (قصّة موسى) قيل وزنه مفعل أو فعلل أو فعلى (مع فرعون وأخذه بلحيته وهو طفل) وقصته أن فرعون كان يرى أن من يأخذ بلحيته ويأخذ منها خصلة هو الذي يقتله ويسلب ملكه فبينا موسى في حجره إذ تناول لحيته فأخذ منها خصلة فقال هذا عدو لنا فقالت له امرأته المسلمة آسية بنت مزاحم أنه صغير فألقى له الدر والجمر فأخذ الجمر وأدخله في فيه فمنه كان في لسانه عقد وفرعون هذا هو عدو الله الوليد بن مصعب ابن الريان كان من القبط العماليق وعمر أكثر من أربعمائة سنة وقد كتبت رسالة مسماة بفر
[ ١ / ٢٣٤ ]
العون ممن ادعى إيمان فرعون، (وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ) أي كمال هدايته وصلاح حالته (مِنْ قَبْلُ [الأنبياء: ٦٨]) أي قبل أوان معرفته (أي هديناه) ووقع في أصل الدلجي هداه بالإضافة (صغيرا) أي قبل بلوغه، (قاله مجاهد وغيره) وقال غيرهم قبل موسى وهارون وقيل قبل محمد ﵊، (وقال ابن عطاء) هو أبو العباس أحمد بن سهل بن عطاء مات سنة تسع وثلاثمائة (اصطفاه) أي في سابق قضائه في عالم الأرواح (قبل إبداء خلقه) أي إظهار جسده من العدم إلى الوجود في عالم الأشباح، (وقال بعضهم) كالكواشي وغيره (لَمَّا وُلِدَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مَلَكًا يَأْمُرُهُ عَنِ اللَّهِ أَنْ يعرفه بقلبه) التامة الشاملة للأفعال والصفات والذات الكاملة (ويذكره بلسانه) بوصف المداومة (فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ وَلَمْ يَقُلْ أَفْعَلُ فَذَلِكَ رشده) أي حيث بالغ في الامتثال حتى عبر بالماضي عن الحال فكأنه امتثله وأخبره ومن هنا قيل النفي أبلغ من النهي، (وَقِيلَ إِنَّ إِلْقَاءَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فِي النّار ومحنته) أي بليته من نمرود (كانت وهو ابن ستّ عشرة سنة) وفي عين المعاني عن ابن جريج ست وعشرين إذ أقسم (ليكيدن أصنامهم فألقوه فيها فكانت عليه بردا وسلاما) (وإنّ ابتلاء إسحاق) ﵊ (بالذّبح) أي كان كما في نسخة صحيحة (وهو ابن سبع سنين) وقيل ثلاث عشرة وهذا على أحد القولين في الذبيح مع خلاف في الترجيح حتى توقف فيه شيخ مشايخنا جلال الدين السيوطي في رسالة مستقلة بعد ذكره من الطرفين بعض الأدلة لكن المشهور بل الصحيح أنه إسماعيل لحديث أنا ابن الذبيحين أي إسماعيل وعبد الله إذ قد نذر عبد المطلب أن يسر الله حفر زمزم أو بلغ بنوه عشرة ذبح أحدهم فتم متمناه فاسهم فخرج على عبد الله ففداه بمائة من الإبل ومن ثم شرعت الدية مائة ولأن ذلك كان بمكة وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة حتى احترقا في فتنة ابن الزبير ولأن بشارته بإسحاق كانت مقرونة بأنه يولد له يعقوب المنافي للأمر بذبحه مراهقا وأيضا كانت مقرونة بالنبوة في آية أخرى والغالب في الأنبياء وصولهم إلى حد الأربعين ولأن إسماعيل كان أول ولده الابتلاء حينئذ أشق على ذبحه وفقده قيل وهذا هو الصواب عند علماء الصحابة والتابعين والقول بأنه إسحاق باطل منشأه الحسد من اليهود للعرب بأن يكون أبوهم هو الذبيح قال ابن قيم الجوزية في الهدي وهو مردود بأكثر من عشرين وجها وأما حديث سئل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أي النسب اشرف فقال يوسف صديق الله ابن يعقوب إسرائيل بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله فأما الذي قال صلى الله تعالى عليه وسلم على ما رواه البخاري وغيره الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنُ الْكَرِيمِ يوسف ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فزوائده مدرجة من الراوي وما روي من أن يعقوب كتب إلى يوسف مثله فلم يصح، (وَإِنَّ اسْتِدْلَالَ إِبْرَاهِيمَ بِالْكَوْكَبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ كَانَ) أي في نفسه (وهو ابن خمسة عشر شهرا) فحكاه الله تعالى عنه جهرا
[ ١ / ٢٣٥ ]
ولا بدع أنه كان زمان مراهقته وأول مقام نبوته تنبيها لقومه على خطائهم بعبادة غيره ﷾ وإرشادا لهم إلى طريق الحق على سبيل النظر والاستدلال على حدوث عالم الخلق وأن للشمس والقمر والكواكب وسائر الأشياء النورانية والظلمانية محدثا دبر طلوعها وسيرها وانتقالها وزوالها من حالها بدليل قوله تعالى يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (وقيل أوحى) وفي نسخة أوحى الله (إلى يوسف) بضم السين وفتحها وكسرها مع الهمزة وعدمه وكان بخده الأيمن خال أسود وبين عينيه شامة وبقي في الرق ثلاث عشرة سنة وقيل ثنتي عشرة قيل عدد حروف اذكرني عند ربك فإن عد المضاعف اثنين فثلاث عشرة وإلا فاثنتا عشرة وعن علي كرم الله تعالى وجهه أن أحسن الحسن الخلق الحسن وأحسن ما يكون الخلق الحسن إذا كان معه الوجه الحسن (وهو صبيّ) أو بالغ فعن الحسن وله سبع عشرة سنة وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة ودفن بمصر بالنيل ثم حمله موسى عليهما الصلاة والسلام حين خرجت بنو اسرائيل من مصر إلى الشام (عندما همّ إخوته بإلقائه في الجبّ) أي في قعر بئر وهي على ثلاثة فراسخ من منزل أبيهم (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا [يوسف: ١٥] الآية) أي إلى وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ففيه بشارة إلى مآل أمره أي لنخلصنك ولنخبرن إخوتك بما فعلوه وهم لا يشعرون أنك يوسف لعلو شأنك ورفعة مكانك وكان الحال كما قال تعالى فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ وأبعد من جوز تعلق جملة وهم لا يشعرون بأوحينا كما لا يخفى لأن الوحي لا يكون إلا على وجه الخفاء (إلى غيره ذلك ممّا ذكر من أخبارهم) ويروى ما ذكر من أخبار غيرهم، (وَقَدْ حَكَى أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ أَخْبَرَتْ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم ولد حين ولد) أي أول ما ولد (باسطا يديه إلى الأرض) أي معتمدا بيديه على الأرض وقد جاء كذلك مفسرا (رافعا رأسه إلى السّماء) إيماء إلى بسط دينه وملكه على بساط الأرض ورفعة شأنه بالإسراء إلى جهة السماء. (وقال في حديثه صلى الله تعالى عليه وسلم) أي على ما رواه أبو نعيم في الدلائل (لمّا نشأت) أي انتشأت بحيث ميزت بين الخير والشر وفرقت بين الحق والباطل وهو أولى من قول الدلجي تبعا للتلمساني أي شببت وصرت شابا (بغّضت) بالتشديد للمبالغة أي كره الله (إليّ الأوثان) أي عبادتها والمعنى أنه خلق في جبلته وفطرته بناء على تحقق عصمته محبة الله وبغض عبادة ما سواه (وبغّض إليّ الشّعر) لما أراد أن ينزهه عن كونه شاعرا وأن يكون كلامه شعرا وهو لا ينافي أن يكون موزونا في طبعه كما حقق في موضعه (ولم أهمّ) بفتح فضم وتشديد ميم مضمومة أو مفتوحة أي لم أقصد (بشيء ممّا كانت الجاهليّة تفعله) أي من المعازف وغيرها مما نهى الله عنه (إلّا مرّتين فعصمني الله منهما) أي من الاستمرار عليهما وفي أكثر النسخ منها أي من أفعال الجاهلية بتمامها (ثمّ لم أعد) أي لم ارجع إليها أبدا فعن علي كرم الله وجهه على ما رواه البزار بسند صحيح عنه
[ ١ / ٢٣٦ ]
مرفوعا بلفظ مَا هَمَمْتُ بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْمَلُونَ بِهِ غَيْرَ مَرَّتَيْنِ كُلُّ ذَلِكَ يَحُولُ الله بيني وبين ما أريد ثم ما هممت بعدهما بشيء حتى أكرمني الله برسالته ورواه الحاكم في المستدرك في التوبة بلفظ ما هممت بقبيح مما هم به أهل الجاهلية إلا مرتين من الدهر كلتاهما بعصمني الله منها قلت ليلة لفتى من قريش كان بأعلى مكة يرعى غنما لأهله أبصر غنمي حتى أسمر هذه الليل كما يسمر الصبيان فجئت أدني دار من دور مكة فسمعت غناء وصوت دفوف ومزامير فقلت ما هذا فقيل فلان تزوج فلانة فلهوت بذلك الغناء وذلك الصوت حتى غلبتني عيناي فما ايقظني إلا حر الشمس ثم رجعت إلى صاحبي فقال لي ما فعلت فأخبرته ثم فعلت الليلة الأخرى مثل ذلك فسمعت كما سمعت حتى غلبتني عيناي فما أيقظني إلا مس الشمس ثم رجعت إلى صاحبي فقال لي ما فعلت فما قلت شيئا أي وذلك حياء قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما هممت غيرهما بسوء مما يعمله أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته وفيه تنبيه على أن هذا الهم إنما كان حال الصغر دون البلوغ كما يشير إليه قوله كما يسمر الصبيان وهذا أوفى دليل على قبح سماء اللهو وضرب الدف إلا ما شرع له خلافا لما يفعله الجهلة من الصوفية حيث يجمعون بين الإذكار وضرب الدفوف ونفخ المزمار حتى في مجالس المواليد ومزار قبور المشايخ الابرار والحاصل أن الأنبياء مخلوقون على المكارم الرضية ومجبولون على الشمائل البهية وأنه لا يضر في ذلك ما وقع لهم حال الصغر على سبيل الندرة (ثمّ يتمكّن الأمر لهم) أي يزداد (وتترادف) أي تتوالى وتتابع (نفحات الله تعالى) جمع نفحة أي عطياته ومعارفه وجذباته (عليهم وتشرق) من الإشراق أي تضيء (أنوار المعارف في قلوبهم) أي وآثار العوارف على صدورهم (حتّى يصلوا إلى الغاية) وفي نسخة إلى الغاية أي نهاية أرباب الهداية وأصحاب العناية (وَيَبْلُغُوا بِاصْطِفَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ بِالنُّبُوَّةِ فِي تحصيل هذه الخصال الشّريفة النّهاية) بالنصب مفعول يبلغوا والمراد بها النهاية التي ما فوقها نهاية لكن كما قيل النهاية هي الرجوع إلى البداية فهم بين فناء وبقاء ومحو وصحو في مرتبة الكمال بين صفتي الجلال والجمال (دون ممارسة ولا رياضة) أي من غير معالجة وملازمة رياضة كسبية بل بخلقة جبلية وجذبة الهية (قال الله تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ) أي وصل موسى نهاية قوته وغاية نشأته من ثلاثين إلى أربعين سنة (استوى) أي استحكم عقله واستقام حاله بلغ أربعين سنة وهو سن بعث الأنبياء ﵈ غالبا في سنة الله وعادته ﷾ (آتَيْناهُ حُكْمًا) أي نبوة (وَعِلْمًا [يوسف: ٢٢، القصص: ١٤]) أي معرفة تامة وأبعد الدلجي في تفسيره الحكم بعلم الحكماء ثم في ترجيحه (وقد نجد) أي نصادف نحن (غيرهم) أي غير الأنبياء من العقلاء والحكماء والأولياء (يطبع على بعض هذه الأخلاق) أي الكريمة المستحسنة (دون جميعها) وفي أصل الدلجي دون بعضها (ويولد عليها) أي يولد بعضهم على تلك الأخلاق (فيسهل عليه
[ ١ / ٢٣٧ ]
اكتساب تمامها) بواسطة تخلقه واتصافه بها (عناية) أي بعناية (مِنَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا نُشَاهِدُ مِنْ خَلْقِهِ بعض الصّبيان) بكسر الخاء المعجمة وسكون اللام (على حسن السّمت) أي الهيئة والطريقة والتحلية بحلية أهل الحقيقة كما روي عن بعض ارباب هذا الشأن أنه لم يكن يرضع في نهار رمضان (أو الشّهامة) بفتح المعجمة أي على الجلادة وذكاء الفطنة (أو صدق اللّسان) أي مع نطق البيان (أو السّماحة) أي الجود والكرم والصبر والحلم وقلة الأكل وكثرة الحياء وكمال الأدب والرضى بما أعطي من المأكل والملبس وغيرهما (وكما نجد بعضهم) أي بعض غير الأنبياء أو بعض الصبيان (على ضدّها) أي في الصغر والكبر؛ (فبالاكتساب يكمل) بضم الميم أي يتم (ناقصها وبالرّياضة والمجاهدة يستجلب معدومها) بصيغة المجهول (ويعتدل منحرفها) أي مائلها لمن وفقه الله تعالى على إكمالها واستقامة أحوالها، (وباختلاف هذين الحالين) أي الجبلي والكسبي (يتفاوت النّاس فيها) أي قلة وكثرة وتحصيلا وتعطيلا، (وكلّ ميسّر) أي معد ومهيأ (لما خلق له) وهو مقتبس من حديث اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة؛ (ولهذا) أي ولتفاوت الناس فيها وفي أكثر النسخ ولهذا (ما) أي وثبت لهذا ما (قد اختلف السّلف فيها) أي في الأخلاق (هل هذا الخلق) أي الحسن أو جنسه (جبلّة أو مكتسبة فحكى الطّبريّ) أي صاحب التفسير والتاريخ (عن بعض السّلف أنّ الخلق الحسن) أي وكذا ضده (جبلّة وغريزة في العبد؛ وحكاه) أي بعض السلف أو الطبري (عن عبد الله بن مسعود) رضي الله تعالى عنه (والحسن) أي البصري (وبه قال هو) أي ابن جرير الطبري؛ (والصواب ما أصّلناه) أي جعلناه أصلا فيما مر أن منها ما هو جبلة غريزية ومنها ما هو كسبية رياضية وكان حق المصنف أن يقول والظاهر أو الصحيح كما في نسخة مكان قوله والصواب مراعاة لما سبق من السلف كما يقتضيه حسن الآداب ثم التحقيق ما قدمناه. (وقد روى سعد) أي ابن أبي وقاص كما في مقدمة كامل بن عدي وفي مصنف ابن أبي شيبة عن أبي أمامة (عن النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال كلّ الخلال) بكسر الخاء جمع خلة بالفتح أي الصفات والخصال (يطبع عليها المؤمن إلّا الخيانة) ضد الأمانة (والكذب) أي فلا يطبع عليهما بل قد يواجدن فيه ويعرضان ويحدثان تخلقا وتكسبا (وقال عمر ﵁) أي ابن الخطاب كما في أكثر النسخ (في حديثه) أي الذي رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وسعيد بن منصور عنه موقوفا (الجرءة) على وزن الجرعة الشجاعة ويقال بفتح الراء وحذف الهمزة كما يقال للمرأة مرة وبفتح الجيم والراء والمد (والجبن) ضدها وهو بضم الجيم وسكون الباء وقد يضم (غرائز) جمع غريزة أي طبائع وقرائح (يضعهما) وفي نسخة يضعها (الله حيث يشاء) أي كما قال تعالى الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ انتهى كلامه رضي الله تعالى عنه. (وهذه الأخلاق
[ ١ / ٢٣٨ ]
المحمودة والخصال الجميلة) وفي نسخة الشريفة بدلها وفي نسخة جميعها (كثيرة ولكنّنا) وفي رواية ولكنا وفي أخرى ولكننا (نذكر أصولها) أي في فصولها (ونشير إلى جميعها) أي باعتبار فروعها (ونحقّق) أي نثبت (وصفه صلى الله تعالى عليه وسلم بها) أي على وجه كمالها (إن شاء الله تعالى) أي إتمام ما قصدنا إليه.
فصل [وأما أَصْلُ فُرُوعِهَا وَعُنْصُرُ يَنَابِيعِهَا وَنُقْطَةُ دَائِرَتِهَا فَالْعَقْلُ]
أي في بيان أصول هذه الأخلاق تصريحا والإشارة إلى جميعها تلويحا وتحقق وصفه صلى الله تعالى عليه وسلم بها توضيحا (أمّا أصل فروعها) أي أفرادها من حيث انبعاثها من العقل الذي هو معدنها (وعنصر ينابيعها) بضم العين والصاد ويفتح أي أصلها الذي كأنها تنبع منه حين ظهورها والعطف تفسير في العبارة وتفنن بالإشارة (ونقطة دائرتها) أي مركزها وقطبها الذي هو مدارها (فالعقل) أي ادراك النفس بإشراق ظهوره وإفاضة نوره كالشمس بالنسبة إلى الأبصار (الذي منه ينبعث العلم) بالكليات (والمعرفة) بالجزئيات (ويتفرّع من هذا) أي من كونه أصلا (ثقوب الرّأي) أي نفوذه وإحكامه (وجودة الفطنة) بفتح الجيم أي حسن الفهم (والإصابة) بالرفع وفي نسخة بالجر والمراد بها إدراك الغرض على وجه الصواب، (وصدق الظّنّ) بالرفع لا غير والمراد موافقته للواقع في الخارج والذهن (والنّظر للعواقب) أي التأمل والتدبر في عواقب الأمور ليتميز محمودها من مذمومها فيكسب المدائح ويجتنب القبائح (ومصالح النّفس) أي لمصالحها ومنافعها ومحاسن عاقبتها مما لها دون ما عليها (ومجاهدة الشّهوة) أي لمدافعتها وفي بعض النسخ بالرفع أي ويتفرع منه مجاهدة النفس بترك الشهوات واللهوات والغفلات وحملها على الطاعات والعبادات (وحسن السّياسة) بالرفع أي سياسة الناس بالعدالة وصدق اللهجة ووقف النهجة (والتّدبير) أي وحسن التدبير لأمورهم معاشا ومعادا (واقتناء الفضائل) بالرفع أي تكسب الشمائل (وتجنّب الرّذائل) ويحصل الكل بمخالفة الشهوة والهوى وموافقة الشريعة والهدى (وقد أشرنا) أي فيما سبق (إلى مكانه) أي محله (منه صلى الله تعالى عليه وسلم) أي لتمكنه من كمال العقل الذي هو أساس العمل بالعدل في جميع مراتب القول والفعل (وبلوغه منه) أي وإلى وصول منه على كمال فصوله في حصوله (ومن العلم) أي وتمكنه من العلم الحاصل المنفرع على العقل الكامل (الغاية) أي بلوغه للغاية القصوى كما في نسخة (الَّتِي لَمْ يَبْلُغْهَا بَشَرٌ سِوَاهُ وَإِذْ جَلَالَةُ محلّه من ذلك) أي من أجل جلالة محله من العقل والعلم (وممّا تفرّع) وفي نسخة ومما يتفرع (منه متحقّق) ويروى متحققه أي ثابت مقطوع به في أمره لا ريب في علو قدره (عند من تتبّع) أي علم بالتتبع وفي نسخة بصيغة المضارع المجرد والأظهر أن يكون بالمضارع المزيد أي يطالع (مجاري أحواله) أي الجارية على سنن الحق ووفق الصدق (واطّراد سيره) جمع سيره أي ويشاهد استمرار شمائله الرضية الظاهرية وفق أحواله البهية الباطنية فإن الظاهر عنوان الباطن
[ ١ / ٢٣٩ ]
والإناء يترشح بما فيه (وطالع) أي علمها بطريق المطالعة (جوامع كلامه) اليسير المبنى والكثير المعنى (وحسن شمائله وبدائع سيره) أي وطالع ورأى في الكتب أخلاقه الحسنة وسيره البديعة وسير سلوكه المنيعة (وحكم حديثه) بكسر الحاء وفتح الكاف جمع حكمه أي أحاديثه المشتملة على الحكم الكاملة الشاملة لإتقان العلم والعمل (وعلمه) أي طالع إحاطة علمه (بما في التّوراة والإنجيل) بكسر الهمزة ويفتح. (والكتب المنزلة) إما مفصلة وإما مجملة مما يحتاج إليه أمر دينه في الجملة (وحكم الحكماء) أي علمه حكمهم ومعرفته حكمتهم (وسير الأمم الخالية) أي الماضية (وأيّامها) أي وقائعها في قصص الأنبياء السالفة (وضرب الأمثال) أي الواقعة في الأقوال والأفعال (وسياسات الأنام) أي أنواع زجر العوام كالأنعام لتحصيل تمام النظام في الليالي والأيام (وتقرير الشّرائع) أي بيان أحكامها أصولا وفروعا (وتأصيل الأداب النّفيسة) أي وتأسيس أبواب الآداب المرغوبة وفي نسخة النفسية والظاهر أنه تصحيف (والشّيم الحميدة) أي الأخلاق والعادات المطلوبة (إلى فنون العلوم) أي منضمة أو منتهية إلى غير ذلك من أنواع المعارف وأصناف العوارف (لتي اتّخذ أهلها كلامه صلى الله تعالى عليه وسلم فيها قدوة) بتثليث القاف والكسر أشهر ثم الضم أي مقتدى اقتدوا به (وإشاراته حجّة) أي واتخذوا إشاراته بها وبغيرها دلالة بينة واستدلوا بها (كالعبارة) بكسر العين مصدر عبر الرؤيا يعبر بمعنى التعبير والتفسير أي ذكر عاقبتها وآخر أمرها ومثله التأويل أي ذكر مآلها ومرجعها (والطّبّ) بتثليث الطاء والكسر أصح وأفصح مصدر طب أي عالج ووصف الدواء وأزال الداء وصار سبب الشفاء (والحساب) مصدر حسب أي عد وهو علم يعرف به مقادير العدد بنوع الجمع والتفريق (والفرائض) جمع فريضة من الفرض بمعنى التقدير وهو علم يعرف به علم الميراث ومراتب الورثة من أصحاب الفرائض والعصبة وحكم سائر القرابة (والنّسب) بفتحتين من نسب الرجل عزوته إلى أبيه ورجل نسابة أي بليغ العلم بالأنساب وتاؤه للمبالغة كالعلامة (وغير ذلك) أي من علوم شتى ظهرت عليه في متفرقات حالاته (ممّا سنبيّنه في معجزاته) أي في أواخر الباب الرابع في ذكر مُعْجِزَاتِهِ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى دُونَ تَعْلِيمٍ) أي من غير تعليم له من بشر ولا تعلمه من أحد (ولا مدارسة) أي بينه وبين من يدرس غيبا (ولا مطالعة كتب من تقدّم) ليتعلم منها نظرا فيما لا يعلم (ولا الجلوس إلى علمائهم) أي علماء أهل الكتاب ولا عرفاء المشركين في كل باب (بل نبيّ أمّيّ) أي منسوب إلى امه على وصف ما خلق حين تولده من غير قراءة وكتابة ومباشرة شعر وخطابه (لم يعرف) بصيغة المجهول أي لم يشتهر (بشيء من ذلك) أي مما ذكر (حتّى شرح الله صدره) أي وسعه ونوره بالإيمان والمعرفة والعلم والحكمة (وأبان أمره) أي وأظهر قدره بآيات ظاهرة ومعجزات باهرة (وعلّمه) أي ما لم يكن يعلم (وأقرأه) أي ما لم يكن يقرأ ويتعلم كما قال ﷾ في مبدأ وحيه اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ، (يعلم ذلك) بصيغة المجهول أي يعرف جميع ما ذكر (بالمطالعة) في دلائل نبوته
[ ١ / ٢٤٠ ]
وشمائل سيرته (والبحث عن حاله) أي التفحص عن أفعاله (ضرورة) أي علما ضروريا قارب أن يكون بديهيا (وبالبرهان) أي يعلم ذلك بالدليل (القاطع) مما قام من الإرهاصات بعد خلقته والمعجزات (على) دعوى (نبوّته نظرا) أي علما نظريا واستدلالا فكريا. (فلا تطوّل بسرد الأقاصيص) أي بإيراد قصص الأنبياء متتابعة مما يفيده بالطريق الضروري (وآحاد القضايا) أي ولا بسردها مجتمعة مما يقتضيه على السبيل الفكري، (إذ مجموعها ما لا يأخذه حصر) يحصيه عددا (ولا يحيط به حفظ جامع) يضبطه علما أبدا، (وبحسب عقله) بفتح الحاء والسين على ما في الأصول المصححة وضبطه الأنطاكي بسكون السين وقال أي بعقله فقط والصواب ما قلنا والمعنى وبمقدار كمال عقله (كانت معارفه ﵊) في نهاية لا ترام وغاية لا تسام بل ولا تشام مرتقيا ومعتليا (إلى سائر ما علّمه الله تعالى) أي باقيه (وأطلعه عليه من علم ما يكون) في عالم الشهادة (وما كان) في عالم الغيب من السعادة والشقاوة (وعجائب قدرته وعظيم ملكوته) أي من ظهور قوته ووضوح سلطنته (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
) من تفاصيل الشريعة وآداب الطريقة وأحوال الحقيقة (وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا
[النساء: ١١٣]) حيث أنعم عليك إنعاما جسيما (حارت العقول) أي دهشت وترددت (في تقدير فضله عليه) أي في تقرير علمه لديه وتصوير إحسانه إليه (وخرست الألسن) بكسر الراء أي سكتت وبكمت الألسنة (دون وصف يحيط بذلك) أي عجزت عن أن تنطق بما يحصي مما منّ الله به عليه (أو ينتهي إليه) أي دون نعت ينحصر لديه لأنه مظهر الاسم الأعظم والله ﷾ أعلم.
فصل [وأما الحلم]
(وأمّا الحلم والاحتمال والعفو مع المقدرة) بفتح الدال وضمها وحكي كسرها بمعنى القوة وفي نسخة مع القدرة (والصّبر على ما يكره) بصيغة المجهول أي ما تكرهه النفس ويخالفه الهوى (وبين هذه الألقاب) أي الأخلاق والآداب (فرق) أي فارق دقيق به يتميز كل عن الآخر في هذا الباب (فإنّ الحلم حالة توقّر وثبات) أي صفة تورث طلب وقار وثبوت في الأمر واستقرار (عند الأسباب المحرّكات) أي للغضب الباعث على العجلة في العقوبة، (والاحتمال) بالنصب أو الرفع (حبس النّفس) أي تحملها (عند الآلام والمؤديات) أي عند ورد ما يؤلمه ويوجعه من الأمراض ويؤذيه ويتعبه من الأعراض فالآلام من المحن الإلهية والأذى من جهة الحيوانات والآدمية فليس هذا من عطف العام على الخاص كما توهمه الدلجي وفي نسخة المرديات بالراء والدال المهملة أي المهلكات (ومثلها) أي المذكورات (الصّبر) فإنه حبس النفس على ما تكره إلا انه أعم منها فهو كالجنس وكل مما ذكر كالنوع فإن الصبر يكون على العبادة وعن المعصية وفي المصيبة وهو في الله وبالله ومع الله وعن الله:
والصبر يحمد في المواطن كلها إلا عليك فإنه مذموم
[ ١ / ٢٤١ ]
أي عنك أو على بعدك (ومعانيها متقاربة) أي وإن كانت حقائق مبانيها متباينة، (وأمّا العفو فهو ترك المؤاخذة) وأصله المحو ثم استعمل في معنى المجاوزة عن مجازاة المعصية وهو مصدر وليس كما قال الدلجي إنه من أبنية المبالغة (وهذا) أي ما ذكر من الأخلاق الكريمة (كلّه) أي جميعه على الحالة المستقيمة (مِمَّا أَدَّبَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) كما ورد عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أدبني ربي فأحسن تأديبي (فقال) أي من جملة ما أدبه به ﷾ (خُذِ الْعَفْوَ) أي المساهلة والمسامحة (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ [الأعراف: ١٩٩]) أي بالمعروف من حسن المعاشرة (الآية) أي وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ بالمجاملة وحسن المعاملة وترك المقابلة كما قال تعالى وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا أي سلام الموادعة الذي فيه السلامة من المواقعة وقد قيل ليس في القرآن آية اجمع لمكارم الأخلاق منها، (روي) أي كما في تفسير ابن جرير وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في مكارم الأخلاق وابن أبي الدنيا مرسلا ووصله ابن مردويه (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ) يعني خذ العفو إلى آخرها (سأل جبريل ﵇) قيل جبر وميك اسمان اضيفان إلى إيل أو آل وهما اسمان لله تعالى ومعنى جبر وميك عبد بالسريانية ورده أبو علي الفارسي بأنهما لا يعرفان من أسماء الله ﷾ وبأنه لو كان كذلك لم ينصرف آخر الاسم في وجوه العربية وكان آخره مجرورا أبدا كعبد الله قال النووي وهذا الذي قاله هو الصواب انتهى وفي جبريل اربع قراءات وتسع لغات (عن تأويلها) أي تحقيق تفسيرها (فقال له) أي جبريل (حتّى أسأل العالم) أي الحقيقي الذي هذا كلامه ولم يعرف غيره حقيقة مراده ومرامه فصاحب البيت أدرى بما فيه من بيان مبانيه وتبيان معانيه (ثمّ ذهب وأتاه) أي بعد سؤاله إياه (فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ وَتَعْفُوَ عمّن ظلمك وقال) أي الله تعالى (له) أي للنبي ﵊ حكاية عن وصية لقمان لابنه يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ (وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ [لقمان: ١٧]) أي من أنواع المحن وأصناف الضرر خصوصا من جهة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الآية) أي أن ذلك من عزم الأمور أي من مفروضاتها وواجباتها التي لا رخصة في إهمالها لأرباب كمالها (وقال تعالى: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ) أي أصحاب اثبات والحزم (مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: ٣٥]) إما بيانية وإما تبعيضية وهو المشهور وعليه الجمهور وهم الخمسة المجتمعة في آية مختصة وهي قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وقدم صلى الله تعالى عليه وسلم لما أنه في الرتبة قد تقدم وقيل هم الصابرون على بلاء الله فنوح صبر على أذى قومه كانوا يضربونه حتى يغشى عليه وإبراهيم صبر على النار وذبح ولده والذبيح على ذبحه ويعقوب على فقد ولده وبصره ويوسف على الجب والسجن والرق وأيوب على الضر وموسى على محن قومه وداود على قضيته وبكائه أربعين سنة على خطيئته وعيسى على
[ ١ / ٢٤٢ ]
زهده وعدم بناء لبنة على لبنة وزكريا على قطع المنشار ويحيى على الذبح وقيل هم المأمورون بالجهاد وقيل من يصيبهم فتنة منهم وقيل هم أهل الشرائع وقيل استثنى من الرسل آدم لقوله تعالى وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ويونس لقوله ﷾ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ (وقال) أي الله له ولأتباعه (وَلْيَعْفُوا) أي ما فرط في حقهم من بعضهم (وَلْيَصْفَحُوا [النور: ٢٢]) بالأغماض منهم والإعراض عنهم (الآية) أي الا تحبون أن يغفر الله لكم أي لعفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم واعتدى عليكم وفيه التفات يفيد الاهتمام بأمرهم وقد روى البخاري أنه لما نزلت قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه بلى أحب ورجع إلى مسطح نفقته التي قطعها عنه لخوضه مع أهل الإفك وخطأه وصدر الآية وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ في سبيل الله وكان مسطح قريب أبي بكر ومسكينا ومهاجريا وفي الآية دليل على فضل الصديق وسعه علمه بالتحقيق وإذا كان هذا العفو والصفح موصوفا أكابر الأمة بهما فكيف صاحب النبوة لا يكون موصوفا بأعلى مراتبهما (وقال تعالى: وَلَمَنْ صَبَرَ أي على الأذى (وَغَفَرَ) أي ستر ومحا وتجاوز وعفا (إِنَّ ذلِكَ) ما ذكر من الصبر والغفران (لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى: ٤٠]) أي من أفضل الأمور وأما قول الدلجي أي أن ذلك الصبر والغفران منه لمن عزم الأمور فحذف منه كما حذف في نحو السمن منوان بدرهم أي منه للعلم به فليس في محله إذ هو مستغني عنه في صحة حمله وحله (ولا خفاء) أي عند أهل الصفاء (بما يؤثر) أي فيما يروى (من حلمه) أي صبره مع أحبابه (واحتماله) أي تحمله على أعدائه حتى قال أبو سفيان له ما أحلمك حين قال له يا عم أما آن لك أن تسلم بأبي أنت وأمي، (وأنّ) بفتح الهمزة وفي نسخة بكسرها (كلّ حليم) أي صاحب حلم (قد عرفت منه زلّة) بفتح الزاي أي عثرة وفي الحديث اتقوا زلة العالم وانتظروا فيئته وفي الحديث ما أعز الله بجهل قط ولا أذل الله بعلم قط وقيل ما عز ذو باطل ولو طلع القمر من جبهته (وحفظت عنه هفوة) بالفاء أي معرة بمقتضى ما قيل نعوذ بالله من غضب الحليم مع أن الكامل من عدت مساويه لكنه عصم عند باريه عصمة لا يشاركه أحد فيها ولا يساويه فالكلية عامة شاملة لأصحاب النبوة وأرباب الفتوة ولذا قيل إن الأنبياء كلهم معصومون صغرا وكبرا من الكبيرة والصغيرة فإن مراتب العصمة متفاوتة (وهو صلى الله تعالى عليه وسلم) أي لثباته في محامد صفاته (لا يزيد مع كثرة الأذى) أي الواصل منهم إليه (إلّا صبرا) أي تحملا عليهم بل إحسانا إليهم (وعلى إسراف الجاهل) أي مجاوزته الحد في التقصير إليه ويروى الجاهلية أي على اسراف أهلها (إلّا حلما) أي تجاوزا وكرما. (حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عليّ التّغلبيّ) بمثناة فوقية مفتوحة وسكون غين معجمة وفتح لام وتكسر نسبة إلى قبيلة وإماما وقع في بعض النسخ من الثاء المثلثة والعين المهملة فتصحيف في المبنى وتحريف في المعنى مات سنة ثمان وخمسمائة (وغيره) أي من المشايخ المشاركين له في هذه الرواية
[ ١ / ٢٤٣ ]
(قالوا حدّثنا محمد بن عتاب) بفتح المهملة وتشديد المثناة الفوقية وآخره باء موحدة (أنبأنا) أي قال أخبرنا (أبو بكر بن واقد) بالفاء المكسورة أو القاف (القاضي وغيره) أي وغير أبي بكر (حدّثنا) أي قال حدثنا (أبو عيسى) أي الليثي واسمه يحيى بن عبيد الله بن أبي عيسى (حدّثنا) أي قالوا حدثنا (عبيد الله) يعني أباه (أنبأنا) أي قال أخبرنا (يحيى بن يحيى) لم يخرج له في الكتب الستة شيء والموطأ مشهور به وموطوؤه أصح الموطآت (أنبأنا) أي قال أخبرنا (مالك) أي ابن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي إمام المذهب قيل تابعي ولم يصح (عن ابن شهاب) أي الزهري (عن عروة) أي ابن الزبير بن العوام من الفقهاء السبعة بالمدينة كان يصوم الدهر ومات وهو صائم (عن عائشة رضي الله تعالى عنها) كما رواه الشيخان وأبو داود أيضا عَنْهَا (قَالَتْ مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) أي ما خيره الناس (في أمرين) أي في اختيار أحدهما (قطّ) أي أبدا (إلّا اختار أيسرهما) أي أهونهما على المخير أو أسهلهما عنده لأنه ورد عنه صلى الله تعالى عليه وسلم يسروا ولا تعسروا وأن هذا الدين يسر وقال الله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (ما لم يكن) أي الأيسر (إثما) أي ذا إثم (فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ) أي تنزها واجتنابا فبالأولى أن لا يختاره ولو كان سهلا ففيه تلويح باستحباب الأخذ بالأيسر والأرفق ما لم يكن حراما أو مكروها فإن الله تعالى يحب أن يؤتى رخصه كما يجب أن يؤتى عزائمه وأما قول الدلجي بني خير لمفعوله وحذف فاعله تعويلا على ظاهر القرينة وإيذانا بعمومه إذ كان هو الله أو غيره فالله ما جعل له الخيرة في أمرين جائزين إلا اختار أيسرهما كاختياره حين قال له جبريل إن شئت جعلت عليهم أي على قريش الأخشبين بقاءهم بقوله دعني أنذر قومي رجاء أن يوحدوه أو يخرج من أصلابهم من يوحده فلا يخفى أنه غفلة منه عما في نفس الحديث ما لم يكن إثما إذ من المعلوم أن الله ﷾ أو جبريل ﵊ لا يخيره بين أمرين يحتمل أن يكون أحدهما إثما ثم رأيت النووي ذكر عن القاضي أنه يحتمل أن يكون تخيره من الله فيخيره فيما فيه عقوبتان أو فيما بينه وبين الكفار من القتال وأخذ الجزية أو في حق أمته في المجاهدة في العبادة والاقتصاد فكان يختار الأيسر في هذا كله قال وأما قوله ما لم يكن إثما فيتصور إذا خيره الكفار أو المنافقون فأما إذا كان التخيير من الله أو من المسلمين فيكون الاستثناء منقطعا انتهى ولا يخفى أن التخيير من المسلمين أيضا يتصور فيما لم يصل إلى بعضهم كونه إثما في الدين، (وما انتقم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لنفسه) أي ما انتصر ولم يعاقب أحدا لأجل خاصة نفسه ما بلغت به الكراهة حدا يورثه انتقاما من أحد على مكروه أتاه من قبله (إلّا أن تنتهك حرمة الله تعالى) بصيغة المجهول أي إلا أن يبالغ احد في خرق حرمة الله التي تتعلق بحقه ﷾ أو بحق أحق من خلقه ومن جملته خرق حرمته صلى الله تعالى عليه وسلم على وجه يجب الانتقام من هاتكها والاستثناء منقطع أي لكن إذا انتهكت حرمة الله انتصر لله وانتقم له تعالى
[ ١ / ٢٤٤ ]
بسببها (فينتقم لله) أي لا لحظ نفسه (بها) بسبب حرمة الله ممن ارتكبها والحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود كما أخرجه المصنف عن مالك في موطئه وفي رواية مسلم ما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله أي ما أصيب بأذى من أحد وعاقبه به انتصارا لنفسه لكن إذا بالغ في خرق شيء من محارم الله التي من جملتها حرمته انتصر لله وعاقبه له لا لنفسه فلم يكن انتقامه إلا لله لا لغرض سواه وإن كان فيه موافقة هواه لكن المدار على متابعة هذاه والحاصل أن في الحديث دلالة على كمال حلمه وعفوه وتحمل الأذى وترك الانتقام لنفسه مع مراعاة الله في حقه فهو الجامع بين فضله وعدله تخلقا بأخلاق ربه (وروي أنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لمّا كسرت) بصيغة المجهول أي انكسرت (رباعيته) على وزن الثمانية بفتح راء وكسر عين وتخفيف ياء تحتية وهي التي بين الثنية والناب وللإنسان ثنايا أربع ورباعيات أربع وأنياب أربعة وأضراس عشرون وقد كسرها عتبة بن أبي وقاص وهو أخو سعد بن أبي وقاص رمى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فكسرت رباعيته يعني شطبت وذهبت منها فلقة (وشجّ وجهه) بصيغة المفعول شجه عبد الله بن شهاب الزهري كلاهما (يوم أحد شقّ ذلك) أي ما ذكر أو كل واحد منهما (على أصحابه شديدا) وفي نسخة شقا شديدا (وقالوا لو دعوت) أي الله (عليهم) أي بإنزال العقوبة إليهم (فقال إنّي لم أبعث لعّانا) أي صاحب لعن وطرد عن رحمة الله تعالى (ولكنّي بعثت داعيا) أي هاديا إلى الحق (ورحمة) للخلق كما قال تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (اللهمّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون) أي ولا تؤاخذهم بما يجهلون والحديث رواه البيهقي في شعب الإيمان مرسلا وآخره موصولا وهو في الصحيح حكاية عن نبي ضربه قومه زاد ابن هشام في سيرته أنها ثنيته اليمنى السفلى وجرح شفته السفلى وأن ابن قميئة جرحه في وجنته فدخلت حلقتان من المغفر في وجنته فنزعهما أبو عبيدة ابن الجراح حتى سقت ثنيته قال يعقوب بن عاصم فكان ابن قميئة هلك حتف أنفه أن سلط الله عليه كبشا فنطحه فقتله أو فألقاه من شاهق فمات وأما ابن شهاب فأسلم وأما عتبة ففي تهذيب النووي أن ابن منده عده من الصحابة وأنكره أبو نعيم إذ لم يذكره فيهم أحد قبله فالصحيح أنه لم يسلم قال السهيلي ولم يولد من نسله ولد فبلغ الحلم إلا وهو ابخر أو اهتم فعرف ذلك في عقبه وفي مستدرك الحاكم أنه لما فعل عتبة ما فعل جاء حاطب بن أبي بلتعة فقال يا رسول الله من فعل هذا بك فأشار إلى عتبة فتبعه حاطب حتى قتله فجاء بفرسه إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وفي تفسير عبد الرزاق بسنده إلى مقسم قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي وقاص حين كسر رباعيته ودمى وجهه انتهى فإن قلت حديث عبد الرزاق في تفسيره يدل على أنه صلى الله تعالى عليه وسلم دعا على عتبة حين كسرها وهذا الحديث بظاهره يدل على ضده قلنا لا يلزم من دعائه عليه عدم دعائه على الجميع مع أن النفي قد يوجه لكثرة اللعن لا لأصله فكأنه قال لم أبعث كثير
[ ١ / ٢٤٥ ]
اللعن عليهم إذ قد روى البخاري وغيره اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش اللهم عليك بعمرو بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعمارة بن الوليد والتحقيق أنه ﵊ ما دعا عليهم جملة بل دعا على من علم منهم أنهم لا يؤمنون فقوله عليك بقريش عام أريد به المخصوصون بقرينة المقام والله أعلم بالمرام. (وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه) قال الدلجي لم يعرف (أَنَّهُ قَالَ فِي بَعْضِ كَلَامِهِ بِأَبِي أَنْتَ وأمّي) أي فديتك بهما وأنت مفدى بهما (يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ دَعَا نُوحٌ عَلَى قَوْمِهِ فَقَالَ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ [نوح: ٢٦] الآية) أي من الكافرين ديارا كما في نسخة أي أحدا يدور في الأرض فيقال إنه من الدور (ولو دعوت علينا مثلها) أي مثل دعوة نوح (لهلكنا من عند آخرنا) أي إلى عند أولنا فهو كناية عن الاستئصال (فلقد وطىء ظهرك) بصيغة المجهول وهمز في آخره وكذا قوله (وَأُدْمِيَ وَجْهُكَ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُكَ فَأَبَيْتَ أَنْ تَقُولَ إلّا خيرا) وهو الدعاء بالهداية والاعتذار عنهم بالجهالة والغواية (فَقُلْتَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. قال القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى) أي المصنف (انظر) أي تأمل ايها المعتبر بنظر الفكر والعقل (مَا فِي هَذَا الْقَوْلِ مِنْ جِمَاعِ الْفَضْلِ) بكسر الجيم أي ما يجمعه (ودرجات الإحسان) أي بالعقل (وحسن الخلق) أي مع شرار الخلق (وكرم النّفس) أي على عموم الأنام (وغاية الصّبر) أي عن العدو (والحلم) أي التحمل وعدم الجزع المؤدي إلى الدعاء غالبا، (إذ لم يقتصر صلى الله تعالى عليه وسلم على السّكوت عنهم) أي في التحمل منهم (حتّى عفا عنهم) وصفا لهم (ثمّ أشفق) أي خاف (عليهم ورحمهم) أي من غاية الشفقة ونهاية الرحمة (ودعا) أي لهم و(شفع) أي عند ربه (لهم) وهو بفتح الفاء على ما في القاموس شفعه كمنعه فقول المنجاني بكسر الفاء سهو من الكتاب (فقال اغفر) أي استر قومي ووفقهم لما يستحقون المغفرة لأجله (أو اهد) أي اهدهم بالإيمان وأو للشك أو للتنويع، (ثُمَّ أَظْهَرَ سَبَبَ الشَّفَقَةِ، وَالرَّحْمَةِ بِقَوْلِهِ لِقَوْمِي) بإضافتهم إليه، (ثمّ اعتذر عنهم بجهلهم) أي بسبب جهلهم بحاله ومقام كماله (فقال فإنّهم لا يعلمون) وليس المراد بقومه قريش وحدهم كما توهمه الدلجي وقال كل ذلك لكونهم رحمة إذ ما من بيت إلا وله فيه قرابة بل لكونه رحمه للعالمين فالمراد بقومه جميع أمته بدليل حديث الشيخين إِنَّ آلَ أَبِي فُلَانٍ لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ إنما وليي الله وصالح المؤمنين لكن لهم رحم أبلهم ببلالها أي أصلهم بما يظهر أثرها وقد ورد بلوا ارحامكم أي صلوها وكأنه اراد بالبل حفظ أصلها وطراوة فرعها، (ولمّا قال له الرّجل) أي وحين قال له الرجل المنافق وهو ذو الخويصرة حرقوص ابن زهير التميمي قتل في الخوارج يوم النهروان على يد علي كرم الله تعالى وجهه (اعدل فإنّ هذه قسمة) أي قسمة غنائم بدر وقيل كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقسم ذهيبة في ترتبها بعث بها علي رضي الله تعالى عنه من اليمن (ما أريد بها وجه الله لم يرده) بالزاي أي ما زاده (في جوابه أن بيّن له ما جهله ووعظ) عطف علي بين أي ونصح صلى الله
[ ١ / ٢٤٦ ]
تعالى عليه وسلم (نفسه) أي نفس الرجل (وذكّرها) بالتشديد أي وعرفها وأعلمها (بما قال له فقال: ويحك) قيل هو بمعنى ويلك وقيل هو كلمة ترحم يقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها فلجهله رحمه مبينا له ما جهله من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أحرى الخلق بالعدل بقوله (فمن يعدل) بالرفع فإن من استفهامية (إن لم أعدل) شرط حذف جزاؤه لدلالة ما قبله عليه والمعنى أيعدل غيري وأنا أجور كلا (خبت) بكسر الخاء (وخسرت) بكسر السين وضم تاءيهما (إن لم أعدل) أي فرضا وتقديرا إرشادا إلى أن من لم يعدل فقد باء بالخيبة والخسران واشعارا بكمال اتصافه بالعدل بل بزيادة الحلم والعفو والفضل وروي بفتح تاءيهما فالمعنى حرمت كل خير وخسرته في متابعتي إن لم أعدل في قسمتي على فرض قضيتي فكأنه قال خبت أيها التابع إذا كنت لا أعدل لكونك تابعا ومقتديا لمن لا يعدل أو خبت وخسرت إذ لا تستقر في الإسلام بما تقول إن نبيك ممن لا يعدل ومعنى الخيبة الحرمان والخسران الضياع والنقصان وحاصله أنك خبت في الدنيا وخسرت في العقبى إذا اعتقدت أني لم أعدل قال الحافظ المزي والضم أولى لأنه تعليق بعدم العدل الذي هو معصوم منه صلى الله تعالى عليه وسلم وقال النووي الفتح أشهر ولعله أسقط ما وجب له عليه من قتله رعاية لإيمانه الظاهر والله أعلم بالسرائر ولما ورد في بعض طرق هذا الحديث من زيادة قوله ﵊ ويخرج من ضئضيء هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية (ونهى من أراد من أصحابه) وهو خالد بن الوليد أو عمر وهو عند الأكثر أو كلاهما فتدبر (قتله) بناء على ظهور ارتداره بسبب طعنه في النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بنفي عدله والحديث رواه الشيخان، (ولمّا تصدّى له) أي وحين تعرض له صلى الله تعالى عليه وسلم (غورث بن الحارث) على ما رواه البيهقي وهو بفتح الغين المعجمة ويضم وقيل بالمعجمة والمهملة وقيل مصغر (ليفتك به) بكسر التاء وضمها فتكا بالتثليث أي ليقتله غفلة (ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي والحال أنه (منتبذ) بكسر الموحدة وبالذال المعجمة أي منفرد عن أصحابه (تحت شجرة) أي في ظلها (وحده) حال مؤكدة أي ليس عنده أحد من احبابه (قائلا) اسم فاعل من القيلولة وقت الظهيرة أي مستريحا أو نائما (والنّاس قائلون) أي نازلون للقيلولة (في غزاة) وهي ذات الرقاع في رابع سنة من الهجرة (فلم ينتبه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي لم يستيقظ من نومه أو لم يتنبه من غفلته عن عدوه (إلّا وهو) أي غورث (قائم) أي عند رأسه (والسّيف صلتا) بفتح الصاد ويضم أي حال كونه مسلولا أو التقدير صلته صَلْتًا (فِي يَدِهِ فَقَالَ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟
فقال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (الله) أي مانعي أو يمنعني؛ (فسقط) أي السيف كما في أصل صحيح (من يده: فأخذه النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وقال) أي لغورث (مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي قَالَ كُنْ خَيْرَ آخِذٍ) بالمد أي متصفا بالحلم والعفو والكرم؛ (فتركه وعفا عنه) وكان ذلك سببا لإسلامه؛ (فَجَاءَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خير النّاس) ورواه
[ ١ / ٢٤٧ ]
الشيخان بدون سقوط السيف وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم من يمنعك مني وجواب غورث وروي أنه كان أشجع قومه فقالوا له قد أمكنك محمد فاختار سيفا من سيوفه واشتمل عليه وأقبل حتى قام على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالسيف مشهورا فقال يا محمد من يمنعك مني قال الله فدفع جبريل في صدره ووقع السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم وقام به على رأسه وقال من يمنعك مني اليوم فقال لا أحد ثم قال أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ محمدا رسول الله ثم أقبل فقال والله لأنت خير مني فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنا أحق بذلك منك. (ومن عظيم خبره) أي حديثه صلى الله تعالى عليه وسلم (في العفو) أي في جنس عفوه (عفوه عن اليهوديّة التي سمّته) أي جعلت له السم (في الشّاة بعد اعترافها على الصّحيح) متعلق بعفوه (من الرّواية) أي بعد اعترافها على ما رواه الشيخان وكان ينبغي للمؤلف أن يقدم قوله على الصحيح من الرواية على قوله بعد اعترافها وهي زينب بنت الحارث بن سلام بتشديد اللام كما ذكره البيهقي في الدلائل وموسى بن عتبة في المغازي وقال ابن قيم الجوزية هي امرأة سلام بن مشكم وقال ابو داود هي اخت مرحب وفي رواية أبي داود أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قتلها وفي شرف المصطفى قتلها وصلبها وروى ابن إسحاق أنه صفح عنها وجمع بأنه عفا عنها لحق نفسه إذ كان لا ينتصر لها ثم قتلها قصاصا بمن مات من أصحابه بأكله منها كبشر بن البراء إذ لم يزل معللا به حتى مات بعد سنة ويقال إنه مات في الحال لكن فيه اشكال لما جاء في رواية أنها أسلمت ففي جامع معمر عن الزهري أنه قال أسلمت فتركها قال معمر والناس يقولون قتلها وأنها لم تسلم والله أعلم بالأحوال وبالصحيح من الأقوال؛ (وإنّه) بالكسر والأظهر أنه بالفتح والتقدير ومن عظيم خبره في العفو أنه (لم يؤاخذ لبيد بن الأعصم) وقد هلك على التهود وقد حكى القاضي خلافا في مؤاخذته ﵊ لبيدا وسيجيء في إحياء الموتى ولعله أشار إلى صحة عدم المؤاخذة (إذ سحره) أي حين سحره (وقد أعلم به) بصيغة المجهول أي أوحى الله إليه أو جاءه جبريل وأخبره بأنه سحره (وأوحي إليه بشرح أمره) أي ببيان حاله كما رواه أحمد والنسائي والبيهقي في دلائله سحر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رجل من اليهود فاشتكى لذلك فجاء جبريل فقال إن رجلا من اليهود سحرك عقد لك عقدا في بئر كذا فبعث عليا فجاء بها فحلها فكأنما نشط من عقال فما ذكر ذلك لليهودي ولا أظهره في وجهه حتى مات، (ولا عتب عليه) أي أعرض عن معاتبته (فضلا عن معاقبته) وكان السحر أخذه عن النساء وهي امرأته زينب اليهودية وبناته منها قيل قال تعالى وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ ولم يقل النفاثين تغليبا لفعل النساء أو المراد النفوس النفاثات قال الدلجي والسحر مزاولة نفوس خبيثة أقوالا وأفعالا يترتب عليها أمور خارقة للعادة وتعلمه للعمل به حرام وفعله كبيرة واعتقاد حله كفر ولتأثيره زيادة بيان تأتي في محل تقريره ومكان تحريره وقال الإمام الرازي استحداث الخوارق إن كان لمجرد النفس فهو
[ ١ / ٢٤٨ ]
السحر وإن كان على سبيل الاستعانة بالخواص السفلية فهو علم الخواص وإن كان على سبيل الاستعانة بالفلكيات فذلك دعوة الكواكب وأن كان على سبيل تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية فذلك الطلسمات وإن كان على سبيل النسب الرياضية فذلك الحيل الهندسية وإن كان على سبيل الاستعانة بالأرواح الساذجة فذلك العزيمة انتهى وقال غيره السحر اسم يقع على أنواع مختلفة وهي السيميا والهيميا وخواص الحقائق من الحيوان وغيرها والطلسمات والأوفاق والرقى والاستخدامات والعزائم (وكذلك لم يؤاخذ) على ما رآه الشيخان (عبد الله بن أبيّ) أي ابن سلول بفتح السين المهملة وهي أمه فلا بد من تنوين أبي وكتابة ألف بعدها ورفع ابن لأن سلول أم عبد الله وزوجة أبي فلو لم يفعل ذلك لتوهم أن سلول أم أبي وليس كذلك وسلول غير مصروف للعلمية والتأنيث وقيل منصرف وقيل الصواب أن يكتب ابن بالألف لأن علة الحذف وقوعه بين علمين مذكرين أو مؤنثين فلو اختلفا لم يحذف وهو رئيس أهل النفاق وهو القائل:
متى ما يكن مولاك خصمك لم تزل تذل ويصرعك الذين تصارع
وهل ينهض البازي بغير جناحه وإن جذ يوما ريشه فهو واقع
وابنه عبد الله بن عبد الله من فضلاء الصحابة (وأشباهه) أي وكذا لم يؤاخذ أمثاله (من المنافقين) قال ابن عباس كان المنافقون من الرجال ثلاثمائة ومن النساء مائة وسبعين (بعظيم ما نقل عنهم) وفي نسخة منهم (في جهته) أي من الجرائم (قولا وفعلا) كقوله تعالى حكاية عن ابن أبي يقولون لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الأذل أراد بالأعز نفسه وبالأذل أعز خلق الله ﷾ (بل قال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على المريسيع ماء لبني المصطلق (لمن أشار) أي من أصحابه (بقتل بعضهم) أي بعض المنافقين بعد أن بلغه وقد هزم بني المصطلق قول ابن أبي وقد لطم حليفا له جعال رجل من فقراء المهاجرين مساعدة لأجير لعمر ما صحبنا محمدا إلا لنلطم والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قيل سمن كلبك يأكلك أما والله إن رجعنا الآية ثم قال لقومه والله إن أمسكتم عن جعال وذويه فضل طعامكم لم يركبوا رقابكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد فقال زيد بن أرقم أنت والله الذليل القليل المبغض في قومك ومحمد في عز من الرحمن وقوة من المسلمين ثم أخبره به الله فقال عمر يا رسول الله دعني أضرب عنقه فقال إذن ترغاد له أنوف كثيرة فقال عمر إن كرهت أن يقتله رجل من المهاجرين فمر سعد بن عبادة أو محمد بن مسلمة أو عبادة بن الصامت فليقتلوه فقال (لا، لئلا يتحدّث) بصيغة المجهول ويروى لا يتحدث الناس وهو نفي معناه نهي وقال الدلجي لا آذن لك يتحدث وفي رواية فكيف إذا تحدث الناس (أنّ محمّدا يقتل أصحابه) قيل هذا في حكم العلة لترك قتله مع رعاية إسلامه الظاهري وإنكاره هذا القول في أخباره ولعل حكمة العلة أنه يكون تنفيرا عن دخول الأنام في
[ ١ / ٢٤٩ ]
الإسلام ولذا ورد يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا ولذا كان يتألف الكفار المصرحين لكونه رحمة للعالمين وفي هذا دليل على ترك بعض الأمور التي يجب تغييرها مخافة أن يترتب عليها مفسدة أكبر منها (وعن أنس ﵁) كما رواه الشيخان (كنت مع النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وعليه برد) أي شملة مخططة أو كساء أسود مربع (غليظ الحاشية فجبذه) أي فجذبه كما في نسخة والأول لغة في معنى الثاني أو مقلوبة في حروف المباني والمعنى فجره (أعرابيّ) مجهول لم يعرف اسمه (بردائه جبذة شديدة) أي دفعه عنيفة (حَتَّى أَثَّرَتْ حَاشِيَةُ الْبُرْدِ فِي صَفْحَةِ عَاتِقِهِ) أي جانب ما بين كتفه ومنكبه ولم يتأثر هو صلى الله تعالى عليه وسلم من سوء أدبه، (ثمّ قال) أي الأعرابي على عادة أجلاف العرب (يا محمّد أحمل لي) بفتح الهمزة أي أعطني ما احمل لي وأغرب التلمساني حيث قال المعنى أعني على الحمل وفي نسخة أحملني والظاهر أنه تصحيف في المبنى لأنه تحريف في المعنى (عَلَى بَعِيرِيَّ هَذَيْنِ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عندك) زاد البيهقي (فإنّك لا تحمل لي) وفي نسخة لا تحملني وفيه ما سبق إلا أن يقال معناه أعطني على التجريد وفي أصل التلمساني لا تحمله (من مالك ولا من مال أبيك، فسكت النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي حلما وكرما (ثُمَّ قَالَ الْمَالُ مَالُ اللَّهِ وَأَنَا عَبْدُهُ، ثمّ قال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (ويقاد منك) فعل مجهول من القود أي يقتص منك ويفعل بك (يا أعرابيّ ما فعلت بي) أي مثل فعلك معي من جذب ثوبي (قال لا) أي لا يقاد مني (قال لم) أي لأي شيء (قال لأنّك لا تكافىء) بالهمز أي لا تجازي (بالسّيئة السّيّئة) بل تجازي بالسيئة الحسنة (فضحك النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي تعجبا (ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير وعلى الآخر تمر) ويروى على بعير تمر وقيل إذا أحب الله عبدا سلط عليه من يؤذيه، (وعن) وفي أكثر النسخ قالت (عائشة رضي الله تعالى عنها)، كما في الصحيحين (ما رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم منتصرا من مظلمة) بكسر اللام وتفتح أي ما يطلب عند الظلم وأما قول المنجاني وبفتح الميم الثانية وكسرها فلا وجه له (ظلمها) بصيغة المجهول (قطّ) أي أبدا (ما لم تكن) أي المظلمة (حرمة من محارم الله) أي متعلقة بحقوق الخلق أو الحق خارجة عن خاصة نفسه وحرماته فرائضه أو ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه (وما ضرب بيده شيئا قطّ) واحترزت بقولها بيده عن ضرب غيره بأمره تأديبا أو تعزيرا أو حدا وهذا كله من باب الكرم والرحم على العامة والخاصة (إلّا أن يجاهد في سبيل الله) أي فإنه كان يضرب بيده مبالغة في مقام جده واجتهاده في جهاده ثم ما ضرب أحدا من أعدائه إلا كان حتف أنفه وعذابا له في آخر أمره بدليل قول أبي بن خلف وقد خدشه يوم أحد في عنقه فجزع جزعا شديدا بألم شديد فقيل له ما هذا الجزع فقال والله لو بصق محمد علي لقتلني (وما ضرب خادما ولا امرأة،) تخصيص بعد تعميم ودفع لتوهم أن النفي الأول متعلق بمن كان خارجا عن أهله وإشعارا بأن التحمل منهما أشد ثم فيه جواز ضرب المرأة والخادم للأدب إذ لو لم يكن مباحا لم يتمدح بالتنزه عنه
[ ١ / ٢٥٠ ]
(وجيء إليه برجل) على ما روى أحمد والطبراني بسند صحيح (فقيل هذا أراد أن يقتلك) أي فحصل للرجل روع في روعه وفزع في روحه (فقال له النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لن تراع) بضم أي لن تفزع بمكروه (لن تراع) كرره تأكيدا والمعنى لا تخف لا تخف قال التلمساني وتضع العرب لن بمعنى لا كما ههنا (ولو أردت ذلك) أي قتلي (لم تسلّط عليّ) بصيغة المجهول إعلاما منه بأن قتله محال لقوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (وجاءه زيد بن سعنة) بفتح سين فسكون عين مهملتين فنون وهو الأصح على ما ذكره الذهبي في تجريده والنووي في تهذيبه وفي رواية بتحتية بدل النون (قبل إسلامه) وهو يهودي (يتقاضاه) أي حال كونه طالبا (دينا) أي قضاء دين له (عليه) صلى الله تعالى عليه وسلم (فجبذ ثوبه) أي جذب رداءه وأزاله وأبعده (عن منكبه) بكسر الكاف (وأخذ بمجامع ثيابه) جمع مجمع وهي أطرافه وحواشيه أو إزاره كله ويقال له التلبب (وأغلظ له) أي في القول بخصوصه (ثمّ قال) قصدا لعموم قومه (إنّكم يا بني عبد المطّلب مطل) بضمتين ويسكن الثاني جمع مطول كفعول بمعنى فاعل أي مدافعون في وعدكم (فانتهره عمر) أي زجره (وَشَدَّدَ لَهُ فِي الْقَوْلِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم يتبسّم) حال مبينة لكمال حلمه وحسن خلقه وجميل عفوه (فقال رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَهُوَ كُنَّا إِلَى غَيْرِ هذا) أي الذي صدر (منك) أي من الزجر الأكيد والقول الشديد (أحوج) أي أكثر احتياجا (يا عمر) فكان الأولى بك أنك (تأمرني بحسن القضاء) أي الأداء لدينه (وتأمره بحسن التّقاضي) أي المطالبة لحقه، (ثمّ قال لقد بقي من أجله) أي من أجل دينه لا عمره (ثلاث) أي ثلاثة أيام وحذف تاؤه لحذف مميزه الذي هو أيام كما في حديث من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنه صام الدهر كله، (وأمر) أي النبي ﵊ (عمر يقضيه ماله) أي ماله من الحق (ويزيده عشرين صاعا لما روّعه) بتشديد الواو أي لأجل ما خوفه عمر زجرا فيجازيه برا (فكان) أي فصار ذلك (سبب إسلامه) والحديث رواه البيهقي مفصلا ووصله ابن حبان والطبراني وأبو نعيم بسند صحيح، (وذلك) أي كونه سبب إسلامه (أنّه كان يقول) كما روى عنه عبد الله بن سلام (مَا بَقِيَ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ شَيْءٌ إِلَّا وقد عرفتها في محمّد) وفي رواية في وجه محمد (إلّا اثنتين لم أخبرهما) بفتح الهمزة وضم الموحدة أي لم أخبر بهما فلم أعرفهما ويروى لم أجدها أي لم أتحققهما (يسبق حلمه جهله) أي جهل الذي يفعل به، (ولا تزيده شدّة الجهل) أي عليه (من أحد إلا حلما) بل لطفا وكرما، (فاختبره) أي امتحنه (هو بهذا) أي الذي صدر منه في حقه قولا وفعلا (فوجده) ويروى فاختبرته بهذا فوجدته (كما وصف) بصيغة المجهول أي نعت في كتب الأولين في صفة المرسلين وكان أعلم من أسلم من أحبار اليهود وأجلهم وأكثرهم ما لا شهد مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مشاهد كثيرة وتوفي راجعا من غزوة تبوك إلى المدينة، (والحديث) الأحاديث الواردة المخبرة (عن حلمه صلى الله تعالى عليه وسلم وصبره وعفوه عند المقدرة) بفتح الدال وضمها وحكي كسرها بمعنى القدرة وهو احتراز عن توهم
[ ١ / ٢٥١ ]
كون عفوه عن معجزة (أكثر من أن تأتي عليه صلى الله تعالى عليه) أن نذكر كله أو معظمه، (وحسبك) أي كافيك ومغنيك (ما ذكرناه ممّا في الصّحيح) أي في الكتب الصحيحة (والمصنّفات الثّابتة) أي ولو لم تكن من الصحاح الستة أو ولو لم تكن صحيحة بل ثابتة حسنة فإنها حجة بينة (إلى ما بلغ) أي منضمة إلى ما وصل مجموعه (متواترا) أي في المعنى (مبلغ اليقين) أي مبلغا يحصل به اليقين للمؤمنين في أمر الدين (من صبره) بيان لما أي من تحمله (على مقاساة قريش) أي مكايدتهم ومعارضتهم ومخالفتهم (وأذى الجاهليّة) أي وتأذيه من أهل جاهليتهم وسفلتهم (ومصابرة الشّدائد) أي مبالغة المحن وفي نسخة ومصابرة الشدائد (الصّعبة) أي الشاقة (معهم) أي مع أعدائه (إلى أن أظفره الله عليهم) بنصره وأظهره كما في نسخة (وحكّمه فيهم) بتشديد الكاف أي جعله حاكما عليهم متصرفا في أمرهم (وهم لا يشكّون) أي لا يترددون بناء على زعمهم وقياسه على أنفسهم (في استئصال شأفتهم) بفتح شين معجمة فسكون همزة ففاء فتاء أي جمعهم وقطع أثرهم وهي في الأصل قرحة تخرج للإنسان في أسفل القدم فتكوى فتذهب فهم يقولون في المثل استأصل الله شأفته أي أذهبه كما أذهبها وروي في استئصاله بالإضافة ونصب شأفتهم التي في استهلاكه دابرهم من أصلهم وفصلهم (وإبادة خضرائهم) بفتح خاء وسكون ضاد معجمتين بعدهما راء فألف ممدودة أي إهلاك جماعتهم وتفريق جمعهم فالإبادة بكسر الهمزة مصدر أباده الله أي أهلكه وخضراؤهم سوادهم ومعظمهم والمعنى لا يشكون في هلاكهم وذهابهم وفنائهم (فما زاد على أن عفا) أي تجاوز عن أفعالهم (وصفح) أي وأعرض عن أقوالهم، (وقال) أي لهم تلويحا بلطفه إليهم وشفقته عليهم واستخراجا لما في ضمائرهم واستظهارا لما في سرائرهم (ما تقولون) أي فيما بينكم أو ما تظنون بي (إنّي فاعل بكم) أي بعد ما ظفرت عليكم (قالوا خيرا) أي نقول قولا خيرا أو نظن ظنا خيرا أو نفعل خيرا، (أخ كريم) أي هو أو أنت وهو في معنى العلة أي لأنك أخ كريم (وابن أخ كريم) أي فلا يجيء من مثلك إلا ما يوجب الكرم والعفو عمن ظلم، (فقال أقول) أي في جواب قولكم (كما قال أخي يوسف) أي لإخوته فأنا مقتد بالأنبياء العقلاء لا بالأغبياء الجهلاء (لا تَثْرِيبَ) لا تعيير ولا توبيخ ولا تعييب (عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [يوسف: ٩٢]) أي هذا الوقت الذي ظهر فضلي لديكم أولا أذكر لكم الذنب في هذا اليوم الذي محله التثريب فما ظنكم بغيره من الزمان البعيد أو الغريب وأما ما جوزه التلمساني من الوقف على عليكم وجعل اليوم ظرفا لما بعده ففي غاية من البعد مبنى ومعنى (يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ) أي ما فرط منكم وظهر عنكم (الآية) أي وهو أرحم الراحمين وإنما رحمتي أثر من آثار رحمته كما قال تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ وكما في الحديث الشريف أنا رحمة مهداة أي رحمة لكم ومهداة إليكم. (اذهبوا فأنتم الطّلقاء) بضم ففتح ممدودا جمع طليق بمعنى مطلوق وهو الأسير يخلى عن سبيله أي الخلصاء من قيد الأسر فإنهم كانوا حينئذ اسراء وقد قال ذلك يوم فتح مكة آخذا بعضادتي باب الكعبة على ما رواه ابن سعد
[ ١ / ٢٥٢ ]
والنسائي وابن زنجويه وجاء نوفل بن معاوية إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال يا رسول الله أنت أولى الناس بالعفو ومن منا من لم يعادك ويؤذك ونحن في جاهلية لا ندري ما نأخذ ولا ما ندع حتى هدانا الله بك وأنقذنا بوجودك من الهلكة فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد عفوت عنك فقال فداؤك أبي وأمي وقد روى سفيان عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلم أنه قال الطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف أي أهل الطائف كما رواه ابن سيرين قال التلمساني وروي أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما فتح مكة طاف بالبيت وصلى ركعتين ثم أتى الكعبة وفيها رؤساء قريش فأخذ بعضادتي الباب وقال ماذا ترون أني صانع بكم فقالوا أخ كريم وابن أخ كريم ملكت فاسمح فقال أني أقول لكم كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ الآية وقال أنتم الطلقاء ولكم أموالكم قال فخرجوا كأنما نشروا من القبور فدخلوا في الإسلام (وقال أنس) كما رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي (هبط ثمانون رجلا من التّنعيم) وهو أقرب أطراف مكة إليها وهو على ثلاثة أميال منها وقيل أربعة وهو من جهة المدينة والشام سمي بذلك لأنه عن يمينه جبل يقال له نعيم وعن شماله جبل يقال له ناعم والوادي نعمان بفتح النون (صلاة الصّبح) أي نزلوا وقت صلاة الفجر (ليقتلوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بغتة وغفلة (فأخذوا) بصيغة المجهول (فأعتقهم رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ [الفتح: ٢٤]) أي كفار مكة (عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ الآية) وهي ببطن مكة أي داخلها أو قريبا منها من بعد أن أظفركم عليهم أي أظفركم وغلبكم فهزمهم وأدخلهم بطنها وقد ذكر المفسرون أن سبب نزولها عام الحديبية أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة إلى الحديبية فبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خالد بن الوليد في جماعة فهزمهم حتى أدخلهم بطن مكة أو كان يوم فتح مكة وبه أخذ أبو حنيفة أن مكة فتحت عنوة ولا ينافيه ما ذكر من أن السورة نزلت قبله إذ هي من جملة المعجزات والأخبار عن المغيبات قبل وقوعها (وقال) أي النبي ﵊ (لأبي سفيان) أي ابن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف شهد مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حنينا وأعطاه من غنائمها مائة وأربعين أوقية وزنها له بلال كان شيخ مكة ورئيس قريش بعد أبي جهل أسلم يوم الفتح ونزل المدينة سنة إحدى وثلاثين ودفن في البقيع (وقد سيق إليه) أي جيء به إليه والجملة معترضة بين القول ومقوله مبينة لحال صاحبها والمعنى به العباس ليلا مردفا له على بغلته إليه صلى الله تعالى عليه وسلم وهو متوجه لفتح مكة (بعد أن جلب) أي ساق (إليه الأحزاب) وهي جموع مجتمعة للحرب من قبائل متفرقة والمعنى بعد كثرة قبائحه وجملة فضائحه منها أنه جمع أحزاب كفار مكة وغيرهم وأتى أهل المدينة على عزم قتلهم ونهبهم وهم أهل الخندق وكانوا ثلاثة عساكر وعدتهم عشرة آلاف قال ابن إسحاق وكانت في شوال سنة خمس وكان الحصار أربعين يوما (وقتل عمّه) أي وتسبب بقتل عمه حمزة إذ قتله
[ ١ / ٢٥٣ ]
وحشي وهو من جملة عسكره ثم أسلم (وأصحابه) أي وقتل سائر أصحابه مجازا قيل هم سبعون وقيل سبعون من الأنصار خاصة وقيل مجموع القتلى سبعون أربعة من المهاجرين حمزة ومصعب بن عمير وشماس بن عثمان المخزومي وعبد الله بن جحش الأسدي وباقيهم من الأنصار (ومثّل بهم) بتشديد المثلثة أي أمر أن يفعل بهم المثلثة أو تسبب بها على وجه المبالغة من قطع أنف وأذن ومذاكير وسائر أطرافهم والممثلة بحمزة زوجته هند بنت عتبة لقتل حمزة أباها في بدر وفي صحيح البخاري عن أبي سفيان وستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسوؤني قيل والذي فعل المثلة هند ومن معها من النسوة وقال البغوي في تفسيره لم يبق أحد من قتلى أحد إلا مثل به غير حنظلة بن راهب فإن ابا عامر الراهب كان مع أبي سفيان فتركوا حنظلة لذلك (فعفا عنه) أي مع هذا كله وجميع ما صدر عنه من الفعل (ولاطفه في القول) أي بالغ في اللطف والرفق معه حيث قال له (ويحك يا أبا سفيان) أي ترحما له وتوجعا عليه إذ لم يؤمن به بعد ولم يسلم على يديه قيل ويح كلمة ترحم لمن وقع في هلكة لا يستحقها وقيل ويح باب رحمة وويل باب هلكة وويس استصغار (ألم يأن) من أنى يأنى أي جاء أناه أي ألم يقرب الوقت (لك أن تعلم) أي علما يقينا (وتشهد أن لا إله إلّا الله) أي توحده حق توحيده الموجب للعلم بحقية رسوله (فقال) أي أبو سفيان متعجبا من سعة حلمه وكثرة صلته وقوة كرمه (بأبي أنت وأمّي) أي افديك بهما (ما أحلمك) صيغة تعجب من الحلم وفي بعض النسخ ما أجملك من الجمال فيكون بمعنى التجمل كما أن الأول بمعنى التحمل (وأوصلك) أي ما أكثر رحمك على رحمك وما أكثر عطاءك لأعدائك (وأكرمك) أي ما أكثر كرمك على من اساء إليك وخالف عليك وأبعد الدلجي في قوله وأكرمك عند ربك حيث لا يلائم المقام كما لا يخفى على ذوي المرام (وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أبعد النّاس غضبا) أي عليهم (وأسرعهم رضى) أي لطفا إليهم (صلى الله تعالى عليه وسلّم) قال التلمساني وفي الحديث جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم وهذا آخره والله أعلم ومما يناسب الباب ما ذكر التلمساني في شرح الكتاب أنه قيل لا يكمل الإنسان حتى يقبل الاعتذار ويعفو عند الاقتدار ويكون الاظهار منه مثل الإضمار وسأل معاوية صعصعة ابن صوحان فقال صف لي الناس فقال خلق الله الناس أصنافا فطائفة للعبادة وطائفة للتجارة وطائفة للخطابة وطائفة للنجدة وطائفة فيما بين ذلك يكدرون الماء ويجلبون الغلاء ويضيقون الطريق في البناء والصحراء.
فصل [وأما الجود]
(وأمّا الجود والكرم والسّخاء والسّماحة ومعانيها متقاربة) أي في إطلاقات المحاورة (وقد فرّق بعضهم) بتخفيف الراء وتشدد وقيل فرق بالتخفيف في المعاني وبالتشديد في الأجسام ويجوز استعمال كل مكان الآخر تجوزا أي فصل وميز جمع (بينها) أي بين معاني
[ ١ / ٢٥٤ ]
الألفاظ المتقدمة (بفروق) أي دقيقة (فجعلوا) أي هؤلاء البعض (الكرم الإنفاق بطيب النّفس) أي بنشاطها وانبساطها (فيما يعظم) بضم الظاء أي يجل (خطره) بفتحتين ويسكن الثاني أي قدره (ونفعه) أي يكثر الانتفاع به فلا يطلق على ما يحقر قدره ويقل نفعه (وسمّوه) أي الكرام (أيضا حرية) أي من رق العبودية للأمور العارضية ولذا ورد عنه صلى الله تعالى عليه وسلم تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم وفي بعض النسخ جرءة بضم جيم وسكون راء فهمزة ولعل وجهه تلازم السخاوة والشجاعة فإن أحدهما بذل الروح والآخر بذل المال والأول أقوى كما لا يخفى على أرباب الكمال قال التلمساني وحقيقة الحرية كمال العبودية وقيل هي أن لا يكون العبد تحت رق المخلوقات ولا يجري عليه سلطان المكونات وعلامة صحته سقوط التمييز عن قلبه بين الأشياء فيتساوى عنده أخطار الأعراض (وهو ضدّ النّذالة) بفتح نون فذال معجمة أي الرذالة والسفالة وما أحسن هذه المقالة:
أتمنى على الزمان محالا أن ترى مقلتاي طلعة حر
وهو من لم يستعبده هواه ولم تسترقه دنياه والأظهر أن يقال الكرم إنما هو عطاء ابتداء من غير ملاحظة عوض وغرض انتهاء (والسّماحة التّجافي) بنصبهما عطفا على مفعولي جعلوا ويجوز رفعهما أي والسماحة هي التباعد والتنحي (عمّا يستحقّه المرء عند غيره) أي من أداء عين أو قضاء دين (بطيب نفس) أي بلطافة نفاسته، (وهو ضدّ الشّكاسة) بفتح الشين المعجمة وإهمال ما بعد الألف أي صعوبة الخلق والمضايقة وفي التنزيل متشاكسون أي مختلفون متعسرون هذا وفيه أن بعض الأحاديث يدل على أن المراد بالسماحة السخاوة الخاصة وهي المساهلة في المعاملة كما ورد رحم الله من سمح في البيع والشراء والقضاء والاقتضاء وفي حديث السماح رباح، (والسّخاء سهولة الإنفاق) أي على الأقارب والأجانب والفقير والغنى وسائر المراتب (وتجنّب اكتساب ما لا يحمد) بصيغة المجهول أي تبعد اقتناء ما لا يمدح من البخل وارتكاب الذم الموجب لترك مدحه في الأغلب الأعم (وهو الجود) أي مرادفه من غير اعتبار مخالفة وقيل الجود اعطاء الموجود وانتظار المفقود والاعتماد على المعبود وقيل الجود هو بذل المجهود ونفي الوجود وقد يقال من أعطى البعض فهو سخي ومن بذل الأكثر فهو جواد ومن أعطى الكل فهو كريم وقيل السخاء الإنفاق من الإقتار ومنه.
ليس العطاء من الفضول سماحة حتى تجود وما لديك قليل
(وهو) أي السخاء الذي بمعنى الجود (ضدّ التّقتير) أي التضييق في الإنفاق والإمساك وهو نقيض الإسراف في الانفاق والظاهر أنه حال اعتدال بين البخل والاسراف فانظر فيه بعين الإنصاف ولا تدخل في حد الاعتساف هذا ولم يظهر وجه عدول المصنف عن النشر المرتب إلى خلافه فيما ارتكب، (فكان صلى الله تعالى عليه وسلم لا يوازى) بصيغة المفعول مهموزا ومسهلا من آزيته وأجاز بعضهم وأزيته أي لا يقاوم ولا يقابل ولا يماثل به أحد (في هذه
[ ١ / ٢٥٥ ]
الأخلاق الكريمة ولا يبارى) بصيغة المجهول وهو بالباء الموحدة والراء أي لا يعارض في هذه الشمائل الحميدة والفضائل العديدة وغيرها من الأحوال السعيدة كما أشار إلى هذه الزبدة صاحب البردة بقوله:
فاق النبيين في خلق وفي خلق ولم يدانوه في علم ولا كرم
(بهذا) أي بما ذكر وأمثاله، (وصفه) أي نعته (كلّ من عرفه) أي معرفة مشاهدة ومعاينة أو معرفة شهرة ومطالعة سيرة كما يدل عليه الحديث الذي رواه بسنده عن البخاري وقد رواه أيضا غيره ([حَدَّثَنَا الْقَاضِي الشَّهِيدُ أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ ﵀) بفتحتين وهو الحافظ ابن سكرة (حدّثنا القاضي أبو الوليد الباجيّ) بالموحدة والجيم (حَدَّثَنَا أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْهَيْثَمِ) بفتح هاء وسكون تحتية فمثلثة (الكشميهنيّ) بضم فسكون شين معجمة وفتح ميم وتكسر وسكون ياء ففتح هاء (وأبو محمّد) واسمه عبد الله بن أحمد بن حمويه (السّرخسيّ) بفتح راء وسكون خاء وقيل بالعكس وضبطه التلمساني بكسر السين الأولى والمشهور هو الفتح (وأبو إسحاق البلخيّ) وهو المشهور بالمستملي (قالوا) أي المشايخ الثلاثة (حدّثنا أبو عبد الله الفربريّ) بكسر فاء وفتح راء وسكون موحدة وقال المصنف يجوز فتح الراء وكسرها قال الحازمي والفتح أفصح قيل ولم يذكر ابن ماكولا غيره (حدّثنا البخاريّ) أي إمام المحدثين (حدّثنا محمّد بن كثير) بالثاء المثلثة العبدي البصري (حدّثنا سفيان) المراد به الثوري ههنا نعم رواه ابن عيينة (عن ابن المنكدر) عن جابر لكن انفرد به مسلم عن ابن المنكدر تابعي جليل (سمعت جابر بن عبد الله) أي الأنصاري رضي الله تعالى عنهما (يقول) أي كما رواه البخاري في الأدب عنه ومسلم في فضائله صلى الله تعالى عليه وسلم والترمذي في شمائله (ما سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن شيء) أي عن شيء كما في أصل التلمساني والمراد شيئا من باب العطاء (فقال لا) أي لا أعطي والمعنى ما سأله أحد من متاع الدنيا شيئا فمنعه بل كان يعطي أو يعده بالعطاء لقوله تعالى وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا فلا ينافيه قوله تعالى حكاية عنه صلى الله تعالى عليه وسلم قلت لا أجد ما أحملكم عليه أي الآن وأرجو في مستقبل الزمان وروي في كتاب أخيار الخلفاء في أخبار الظرفاء عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه ﵊ قال للزبير إن مفاتيح الرزق مقرونة بباب العرش ينزل الله تعالى أرزاق العباد على قدر نفقاتهم فمن كثر كثر عليه ومن قلل قلل له انتهى ويؤيده قوله تعالى وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وحديث اللهم أعط منفقا خلفا وممسكا تلفا هذا وقد قال بعض أرباب الكمال.
ما قال لا قطّ إلا في تشهده ولا نعم قط إلا جاءت النعم
وقال آخر:
فلو لم يكن في كفه غير نفسه لجاد بها فليتق الله سائله
[ ١ / ٢٥٦ ]
(وعن أنس ﵁ وسهل بن سعد ﵄) هو الساعدي الأنصاري (مثله) أي نحوه في المبنى والمعنى. (وقال ابن عبّاس ﵄) كما روى عنه الشيخان (كان النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أجود النّاس بالخير) أي بكل ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم وقد سقط لفظ بالخير من أصل الدلجي فقدر بكل ما ينفع وقرر أنه حذف للتعميم أو لفوات أحصائه كثرة (وأجود ما كان) بالنصب عطفا على ما قبله وما مصدرية أي وكان أجود أكوانه باعتبار اختلاف أزمانه حاصلا (في شهر رمضان) فهو حال سد مسد الخبر وهذا لأنه منبع النعم ومعدن الخير والكرم وفيه يسبغ الله نعمه على عباده فتخلق بأخلاق الله في أهل بلاده وقال النووي يجوز في أجود الرفع والنصب والرفع أصح وأشهر وفيه نظر إذ جاء في الصحيح خلافه بالتصريح وكان أجود ما يكون ثم وجه الرفع أنه مبتدأ وفي شهر رمضان خبر وأما القول بضمير الشأن في كان فلا محوج إليه ولا معول عليه (وَكَانَ إِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ ﵇ أَجْوَدَ بالخير) أي بجميع أنواعه (من الرّيح المرسلة) بصيغة المجهول أي في عموم المنفعة والسرعة على أن الريح قد تكون خالية من المطر وقد تكون جالبة للضرر وقيل المراد بالريح الصبا قال النووي وفيه الحث على الجود والزيادة في رمضان وعند لقاء الصالحين وعلى مجالسة أهل الفضل وزيارتهم وتكريرها ما لم يورث المزور كراهة ذلك واستحباب كثرة التلاوة سيما في رمضان ومدارسة القرآن وغيره من العلوم الشرعية وأن القراءة أفضل من التسبيح والإذكار. (وعن أنس رضي الله تعالى عنه) على ما رواه مسلم (أنّ رجلا) وهو صفوان بن أمية الجمحي القرشي أسلم بعد الفتح وشهد مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حنينا والطائف وهو مشرك فلما أعطاه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مما أفاء الله عليه وأكثر قال أشهد بالله ما طابت بهذا الأنفس نبي فأسلم يومئذ أخرج له مسلم والأربعة وأحمد في مسنده ومات بمكة في خلافة معاوية (سأله) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم شيئا من العطاء (فأعطاه غنما) أي قطيعة غنم والمراد غنما كثيرا يملأ واديا (بين جبلين) لسعة جوده وسماحة نفسه والظاهر أنه كان بعد اسلامه أو صار سببا لإسلامه لقوله (فرجع إلى بلده) ويروى إلى قومه (وقال أسلموا) فإن اعطاءه من بين أخلاقه كالمعجزة (فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى فاقة) أي حاجة أبدا لكرم نفسه وشرف طبعه وتوكله على رزق ربه، (وأعطى غير واحد) أي كثيرا من المؤلفة (مائة من الإبل) كأبي سفيان بن حرب وابنيه معاوية ويزيد ومع مائة كل واحد منهم أربعين أوقية وكحكيم بن حزام والحارث بن هشام وغيرهم، (وأعطى) كما رواه مسلم (صفوان) أي ابن أمية (مائة) من الإبل (ثمّ مائة ثمّ مائة) أي في وقت واحد أو في أزمنة متعددة، (وهذه) أي الخصال الممدوحة (كانت حاله) وفي نسخة خلقه (صلى الله تعالى عليه وسلم) أيضا (قبل أن يبعث) لما خلقت هذه الشمائل وطبعت هذه الفضائل في أصل فطرته ومادة خلقته قبل بعثته بل قبل حصول ولادته كما ورد كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد (وقد قال له ورقة) بتحريك الواو والراء فالقاف (ابن نوفل)
[ ١ / ٢٥٧ ]
وهو ابن عم خديجة رضي الله تعالى عنها وكان تنصر واختلف في إسلامه (إنّك تحمل الكلّ) بفتح الكاف وتشديد اللام أي الثقيل من العيال واليتيم ومن لا قدرة له من ضعيف الحال أي فيما بين قومه وفي التنزيل وهو كل على مولاه أي ثقيل في المؤنة ضعيف في الصنعة (وتكسب) بفتح أوله ويضم وتكسر السين (المعدوم) بالواو في النسخ المعتبرة الحاضرة قال النووي فتح التاء هو الصحيح المشهور وروي بضمها وقال الدلجي وتكسب هنا بضم أوله والمعدم بدون واو أي المحتاج تفيده المعارف والمال وتعينه على تحصيلهما والذي رواه مسلم والبخاري أنه من قول خديجة رضي الله تعالى عنها بزيادة اللام في خبر ان والواو في مفعول تكسب انتهى ولا منع من الجمع كما لا يخفى وقال ابن قرقول فتح أوله أكثر الروايات وأصحها ومعناه تكسبه لنفسك وقيل تكسبه غيرك وتعطيه إياه يقال كسبت مالا وكسبته غيري لازم ومتعد وروي بضم أوله والمعنى تكسب غيرك المال المعدوم أي تعطيه واختاره النووي وقيل تعطي الناس مالا يجدونه عند غيرك من مكارم الأخلاق وأنكر الفراء وغيره أكسب في المتعدي وصوبه ابن الأعرابي وأنشد:
فأكسبني مالا وأكسبته حمدا ثم المراد من المعدوم هو العاجز عن الكسب أو الرجل المحتاج وسمي معدوما لكونه كالمعدوم الميت حيث لم يتصرف كغيره ومن يجوز ضم التاء يقول صوابه المعدم بضم ميم وكسر دال (وردّ على هوازن) وهي قبيلة معروفة (سباياها) أي أسراها (وكانت) في نسخة صحيحة وكانوا (ستّة آلاف) أي من النساء والذرية ورد عليهم أيضا من الأموال أربعة وعشرون الفا من الإبل وأكثر من أربعين ألفا من الغنم وأربعة آلاف أوقية من فضة والأوقية أربعون درهما قيل وقوم ذلك فبلغ خمسمائة الف ألف ومن جملة جوده إعطاؤه مال جزية البحرين في يومه وكان مقداره مائة ألف وثمانين ألف درهم بعثه إليه عامله العلاء بن الحضرمي (وأعطى العبّاس) على ما رواه البخاري عن أنس تعليقا أنه أعطاه (من الذّهب، ما لم يطق حمله) من الإطاقة أي شيئا لم يقدر على حمله وحده مع قوة تحمله (وحمل إليه) بصيغة المجهول أي أتى إليه (تسعون ألف درهم) على ما رواه أبو الحسن بن الضحاك في شمائله عن الحسن مرسلا (فوضعت) بصيغة المجهول أي فسكبت ونشرت (على حصير) أي خصفة (ثمّ قام إليها يقسمها) حال وفي نسخة فقسمها (فما ردّ سائلا) أي ممن جاءه وحضر عنده (حتّى فرغ منها) أي من قسمتها وهو غاية لقوله قام أو يقسمها وأبعد الدلجي في جعله غاية لعدم رده سائلا إذ مفهومه أنه حينئذ رد سائله وقد سبق أنه لم يكن قائلا لا لمن يكون سائلا نوالا كما يدل عليه قوله (وجاءه رجل) كما رواه الترمذي في شمائله أنه جاءه رجل قال الحلبي هذا الرجل لا أعرفه (فسأله) أي شيئا معينا ومقدارا مبينا (فقال ما عندي شيء) أي مما عينت أو على قدر ما بينت (ولكن ابتع عليّ) أمر من الابتياع بباء موحدة ثم مثناة فوقية أي
[ ١ / ٢٥٨ ]
اشتر واستلف مقدار ما تختار حوالة على فالمفعول محذوف وقال التلمساني أي اعدد علي أو احسب هكذا ثبت الحديث بتقديم الياء على التاء انتهى وجوز الدلجي تقديم المثناة الفوقية على الباء الموحدة وليست عندنا في النسخ المعتمدة (فإذا جاءنا) أي من عند الله (شيء) اي مما أولاه (قضيناه) أي حكمنا به لك أو أديناه عنك (فقال له عمر) أي بناء على نظر الرحمة إليه (مَا كَلَّفَكَ اللَّهُ مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ) أي من تحمل الدين بمقتضى الوعد لما ورد من أن العدة دين والدين شين (فكره النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك) بناء على جبر خاطر السائل وما يعتريه من خيبة الأمل ولما سبق في الآية من أنه مأمور بالعدة (فقال) له (رجل من الأنصار) قيل هو بلال لكنه من المهاجرين وقد يجمع بأنها قالا له والإمام الغزالي مال إلى جعل القائل نفس السائل حيث قال في الأحياء فقال الرجل (يا رسول الله أنفق) أي بلالا (ولا تخش) أي لا تخف كما في نسخة (من ذي العرش إقلالا) أي تقليلا فإن الملك كله ملك لصاحب العرش ﷾ تعظيما وتبجيلا (فتبسّم صلى الله تعالى عليه وسلم) أي انشراحا بمن تكلم (وعرف البشر) بصيغة المجهول أي وظهرت البشاشة والطلاقة وآثار السرور وظهور النور (في وجهه) أي بتهلله وإشراق خده ولله در القائل:
تراه إذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله
(وقال بهذا أمرت) أي بهذا الكرم أمرني ربي قبل ذلك أو جاءني جبريل على وفق ما هنالك. (ذكره التّرمذي) . أي في شمائله وذكر ابن قتيبة في كتاب مشكل الحديث أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم دعا بلالا بتمر فجعل يجيء به قبصا قبصا فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا قال والقبص بالصاد الأخذ بأطراف الأصابع وبالضاد المعجمة بالكف كلها (وذكر) بصيغة المفعول وفي نسخة على بناء الفاعل أي وذكر الترمذي في شمائله أيضا (عن معوّذ) بكسر الواو المشددة وتفتح والذال المعجمة وقيل مهملة (ابن عفراء) بفتح عين وسكون فاء فراء ممدودا اسم أمه وهي من المبايعات تحت الشجرة وأما اسم أبيه فالحارث بن رفاعة بن سواد بفتح السين النجاري الأنصاري (قال أتيت النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بقناع) بكسر قاف وفتح نون (من رطب) وفي أصل الدلجي بالإضافة من غير من (يريد) أي يعني الراوي بقوله قناع (طبقا) بفتحتين أي وعاء مما يؤكل عليه وأما قول الحجازي صوابه بالمثناة الفوقية في الموضعين على تصحيح الرواية عن الربيع ففيه أن الربيع غير مذكور في المتن بل معوذ لا غير ولا يجوز تغيير التصنيف فالصواب بالياء التحتانية على أنه يرجع إلى معوذ أو إلى الراوي بالمعنى الأعم والله تعالى أعلم (وأجر) بفتح همزة وسكون جيم وكسر راء منونة جمع جرو مثلث الجيم والكسر أشهر أي قثاء صغار (زغب) بضم زاء وسكون غين معجمة جمع أزغب أي ذوات زغب أي صغار الريش أول ما يطلع شبه به ما على القثاء من الزغب وضبط في حاشية بفتح
[ ١ / ٢٥٩ ]
الزاي والغين المعجمة ويعني بها الشعرات الصفر على ريش الفرخ والفراخ زغب بضم فسكون على ما ذكره الجوهري وهذا وصف منه للقثاء باللطافة والغضاضة إذ القثاء اللطاف لا تخلو عن شيء يكون عليها شبه الزغب (يريد) يعني بأجر زغب (قثّاء) أي موصوفا بما ذكر وهو بكسر القاف ويضم ممدودا (فأعطاني) أي لأجل بدله أو مما كان عنده في نظيره (ملء كفّه) وفي رواية ملء يديه وفي رواية ملء يدي وفي أخرى كفي (حليّا) بفتح فسكون وجمعه حلي ووزنه فعول كضرب وضروب ثم دخله الإبدال والإدغام وكسرت اللام لتصح الياء وكسر الحاء أيضا حمزة والكسائي للاتباع وفي نسخة بضم فكسر فتشديد تحتية (وذهبا) تخصيص بعد تعميم إذ الحلي ما يصاغ ولو من الفضة وغيرها قال الدلجي كذا هنا من رواية معوذ ابن عفراء والذي في مسند أحمد وشمائل الترمذي بسند جيد عن ابنة الربيع مصغر ربيع قالت بعثني معوذ ابن عفراء بقناع من رطب وعليه أجر زغب من قثاء وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يحب القثاء فأتيت بها وعنده حلية قدمت عليه من البحرين فملأ يده فأعطاني وللترمذي فأتيته بقناع من رطب وأجر زغب فأعطاني ملء كفيه حليا أو ذهبا وأبوها معوذ قتل ببدر ولم يعرف له رواية عنه صلى الله تعالى عليه وسلم؛ (قال أنس رضي الله تعالى عنه) أي فيما رواه الترمذي (كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يدّخر) بدال مهملة مبدلة من معجمة إذا أصله لا يذتخر (شيئا لغد) أي لا يؤخر لمستقبله من الزمان شيئا من مأكول ومشروب لسماحة نفسه وسخاوة كفه وثقته بربه أو المعنى لا يدخر لخاصة نفسه لقوة حاله فلا ينافيه أنه كان يدخر قوت سنة لعياله. (والخبر) أي الأخبار الواردة المؤذنة (بجوده وكرمه) أي بناء على أثر نور وجوده صلى الله تعالى عليه وسلم (كثير) أي فلا يمكن إحصاؤه ولا يتصور استقصاؤه (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) لا يعرف من رواه عنه (أتى رجل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يسأله) أي شيئا من العطاء (فاستلف) أي فاستسلف له كما في نسخة والمعنى أخذ السلف واستقرض من رجل لأجله (نصف وسق) وهو بفتح الواو ويكسر وسكون السين ستون صاعا والنصف مثلث النون والكسر أشهر (فجاء الرّجل) أي رب الدين (يتقاضاه) أي يطالبه بوفائه (فأعطاه وسقا) أي بكماله (وقال نصفه قضاء) أي وفاء (ونصفه نائل) أي عطاء ثم اعلم أن في بعض النسخ هنا زيادة لا تخلو عن إفادة وهي قوله وقال أبو علي الدقاق من شيوخ الصوفية المشاهير وعلمائهم النحارير وتكلم في الفتوة وهي غاية الكرم والإيثار على رأيهم واصطلاحهم في ألفاظهم أن هذا الخلق لا يكون إلا للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فإن كان واحد في القيامة يقول نفسي نفسي وهو يقول أمتي أمتي انتهى قال ابن مرزوق هذه الرواية ثبتت في رواياتنا في هذا الموضع من الشفاء وقال التلمساني وقد ثبتت هذه الزيادة أيضا ملحقة بخط العراقي في الطرة ثم قال نقل هذا من خط المؤلف رحمه الله تعالى انتهى وقال برهان الحلبي هذا في بعض النسخ ثابت وأبو علي المذكور هو الحسن بن علي بن محمد بن إسحاق بن عبد الرحيم بن أحمد الاستاذ شيخ
[ ١ / ٢٦٠ ]
الاستاذ أبي القاسم القشيري تعقب على الحصري وأعاد على القفال المروزي في درس الحصري ثم سلك طريق التصوف حتى صار إنسان وقته وسيد عصره توفي ذي الحجة سنة خمس وأربعمائة قال فيما يرويه عنه صلى الله تعالى عليه وسلم من أكرم غنيا لغناه ذهب ثلثا دينه وذكر فيه حكمة ذكرها السبكي في الطبقات.
فصل [وأما الشجاعة والنجدة]
(وأمّا الشّجاعة) بفتح أولها معروفة (والنّجدة) بفتح نون فسكون جيم فدال مهملة بمعنى الشجاعة على مقالة الجوهري وقيل الإغاثة والإعانة وفرق المصنف بينهما بقوله (فالشّجاعة فضيلة قوّة الغضب) أي زيادتها (وانقيادها) أي مطاعة تلك القوة ومتابعتها (للعقل) أي لتقع على ما ينبغي من النعوت الآدمية وهو احتراز عن الصفة السبعية والبهيمية ولا بد من قيد انقيادها للشرع لتكون من الأوصاف البهية. (والنّجدة ثقة النّفس) أي وثوقها بربها واعتمادها على خالقها (عند استرسالها) أي إشرافها وطلبك إرسالها (إلى الموت) أي حال تثبتها من ابتدائها إلى زمان انتهائها باختياره إلى حد فنائه وزوال بقائه (حيث يحمد فعلها) أي عقلا ونقلا (دون خوف) أي من غير خوف لها يمنعها عما هي بصدده من كمالها والحاصل أن النجدة قوة تنشأ عن الشجاعة لا أنها غيرها في أصلها، (وكان صلى الله تعالى عليه وسلم منهما) أي من الشجاعة والنجدة وروي منها فالضمير لكل منهما (بالمكان) أي بالمحل (الذي لا يجهل) وبيانه قوله (قد حضر المواقف الصّعبة) بفتح فسكون أي الشديدة كبدر واحد وحنين وغيرها (وفرّ) أي هرب (الكماة) بضم كاف وتخفيف ميم جمع كمي بفتح فكسر فتشديد أي شجاع مكمي في سلاحه إذ قد كمى نفسه وسترها بدرعه وبيضته كأنه جمع كام كقاض وقضاة (والأبطال) بفتح الهمزة جمع بطل بفتحتين وهو الشجاع والمغايرة بينهما من حيث الستر وعدمه أو الثاني أبلغ والمعنى ولوا مدبرين (عنه) أي عن مساعدته صلى الله تعالى عليه وسلم (غير مرّة) أي مرات كثيرة وإن كان قصد بعضهم الكرة بعد الفرة (وهو ثابت) أي بقلبه وقدمه (لا يبرح) بفتح الياء والراء أي لا يزول عن مكانه (ومقبل) على شانئه وشأنه بكمال الإقبال (لا يدبر) أي لا ينوي الإدبار ولا التحول والانتقال (ولا يتزحزح) أي ولا يتبعد عن مواجهة الكفار والجمل المنفية أحوال مؤكدة لما قبلها والمعنى أنهم فروا عنه حال ثباته وإقباله على أعدائه، (وما شجاع) بتثليث أوله والضم أشهر أي ما وجد أحد شجيع من شجعان العرب والعجم (إلّا وقد أحصيت له فرّة) على صيغة المجهول أي ضبطت له ولو مرة واحدة من الفرار والهزيمة (وحفظت عنه جولة) بفتح جيم وسكون واو أي تردد ونفرة (سواه) أي غيره صلى الله تعالى عليه وسلم وعدم الفرار لكماله في مقام الوقار والقرار. (حدّثنا أبو عليّ الحيّانيّ) بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية وفي آخره نون ثم ياء النسبة وهو الحافظ الغساني وقيل بكسر الجيم والظاهر أنه تصحيف (فيما كتب لي) أي من هذا الحديث ونحوه مقرونا بالإجازة له مع إمكان السماع منه (حدّثنا القاضي سراج)
[ ١ / ٢٦١ ]
بكسر سين مهملة وتخفيف راء بعدها ألف فجيم (حدّثنا أبو محمّد الأصيليّ) بفتح فكسر صاد مهملة ويقال بالزاء أيضا نسبة إلى بلد بالمغرب، (حدّثنا أبو زيد الفقيه) وهو المروزي (حدّثنا محمّد بن يوسف) أي الفربري (حدّثنا محمّد بن إسماعيل) أي الإمام البخاري (حدّثنا ابن بشّار) بموحدة فشين معجمة مشددة العبدي مولاهم قال أبو داود وكتبت عنه خمسين ألف حديث (حدّثنا غندر) بضم غين معجمة فنون ساكنة فدال مهملة مفتوحة وقد تضم فراء هذلي بصري وهو منصرف (حدّثنا شعبة) أي ابن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث (عن أبي إسحاق) أي السبيعي الهمداني الكوفي تابعي جليل روى عنه السفيانان وأبو بكر بن عياش وخلائق وله نحو ثلاثمائة شيخ وهو يشبه الزهري في كثرة الرواية وقد غزا عشر مرات وكان صواما قواما (سمع البراء) بفتح الموحدة وتخفيف الراء وهو ابن عازب رضي الله تعالى عنه (وسأله رجل) لا يعرف (أفررتم يوم حنين) وهو واد بين مكة والطائف وتصحف حنين على التلمساني بخيبر ولذا قال وكانت غزوة حنين في السابعة من الهجرة وقدم جعفر بن أبي طالب ومن معه من الحبشة حينئذ وقد وقع في صحيح البخاري في غزوة الفتح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في رمضان إلى حنين وقد تقدم أنها كانت في شوال وهو المعروف ولعل المراد الفتح لأن الفتح تعقبه حنين والمعنى افررتم يوم حنين معرضين (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلم قال) أي نعم كما في نسخة ولعله حذف استهجانا للتصريح به ثم استدرك بقوله (لكنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لم يفرّ) بتشديد الراء المفتوحة ويجوز كسرها لكسر ما قبلها وقال التلمساني إنما لم يجبه ببلى او نعم لأن موجب لا قد وقع ولم يكن قصدا بل رشقتهم هوازن بنبلها ذا صباح وقد تفرقوا لحوائجهم ولم يعلموا أن للعدو كمينا فكان جولة وليس هزيمة وقد وقع ذلك من الطلقاء لأن منهم من لم يكن صادق الإسلام يومئذ انتهى ثم في هذا الاستدراك دفع توهم فراره صلى الله تعالى عليه وسلم بعد فرارهم عنه ولا والله ما فر قط بل الإجماع قاض بتحريم اعتقاد فراره وهذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد ومسلم في المغازي والنسائي في السير وهو كما في الأصل بناء على ما في بعض الطرق وفي بعضها أفررتم يوم حنين ولم يذكر عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلم وعلى هذه الرواية قال النووي ما نصه هذا الجواب الذي أجاب به البراء من بديع الأدب لأن تقدير الكلام أفررتم كلكم فيقتضي أنه ﵊ وافقهم في ذلك قال البراء لا والله ما فر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولكن جماعة من أصحابه جرى لهم كذا وكذا، (ثمّ قال) أي البراء (لقد رأيته على بغلته البيضاء) كذا في الصحيحين وفي مسلم أنها التي أهداها له فروة بن نفاثة قال بعض الحفاظ واسمها فضة وفي رواية على بغلته الشهباء وكلتاهما واحدة وقال بعضهم هي التي تسمى الدلدل وكذا سماها النووي في شرح مسلم في غزوة حنين وقال قال العلماء لا يعرف له صلى الله تعالى عليه وسلم بغلة سواها انتهى وذكر الحلبي أن فروة بن نفاثة أهدى فضة والمقوقس أهدى الدلدل وقيل كان له صلى الله تعالى
[ ١ / ٢٦٢ ]
عليه وسلم ست بغلات وقيل سبع (وأبو سفيان) أي ابن عمه الحارث بن عبد المطلب وكان أخ الرضيع له صلى الله تعالى عليه وسلم أرضعتهما حليمة وآلف الناس به قبل النبوة ثم كان أبعدهم عنه بعدها ثم أسلم يوم الفتح بالأبواء موضع بطريق مكة ومات سنة عشرين بالمدينة (آخذ بلجامها) زاد البرقاني والعباس رضي الله تعالى عنه آخذان بلجامها يكفانها عن إسراع التقدم إلى العدو شفقة منهما عليه بمقتضى البشرية وإن علما مرتبة عصمته النبوية وسيأتي رواية أخرى في هذا المعنى مع اختلاف في المبنى وفي ركوب البغلة حال الغزوة إيماء إلى كمال تحقق النجدة وزوال تصور الجولة وكيف وهو يقول اللهم بك أصول وبك أجول، (والنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يقول) والجملة حالية وأما قول الدلجي وضع فيها مبتدأها موضع المضمر أي وهو يقول فغفلة منه عن المنقول إذ لو أتي بالضمير لتوهم رجعه إلى أقرب المذكور وهو أبو سفيان المسطور (أنا النّبيّ لا كذب) بسكون الباء للوزن أو للسجع وهو الرواية على ما ذكره المازري وضبط في بعض النسخ بفتح الباء على ما أصله في البناء وقد ورد على زنة منهوك الزجر وهو ليس بشعر عند بعضهم وأن كان مقصودا ثم لا يسمى الكلام شعرا ما لم يقصد بوزنه الشعر ومنه ما جاء في التنزيل ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون وأمثال ذلك وأما قول الدلجي من رواه بفتح الباء ليخرج عن الوزن فقد نسب أفصح الخلق إلى النطق بغير فصيح فغير صحيح لأن فتح الباء كما عرفت هو الإعراب الصحيح فلا يعدل عنه إلا وقفا سواء أريد به نظم أو سجع والمعنى أنا النبي صدقا لا أفر إذا لقيت العدو حقا وروي بلا كذب بزيادة الباء ولعله حينئذ يخفف ياء النبي والمعنى لا كذب في النبوة لظهور المعجزة أو لا كذب في النصرة أو لا كذب في النبوة لأنها حق وما وعده ربه صدق. (وزاد غيره) أي غير البراء (أنا ابن عبد المطّلب) وهو بسكون الباء مع أنها في أصل الإعراب بالجر ومن قرأ بالكسر أراد إخراجه من وزن الشعر كما تقدم ثم انتسابه لجده لاشتهاره به لموت أبيه قبل ولادته مع كثرة نسبة الناس إياه إليه ولا ينافي هذا نهيه عن الافتخار بالآباء الكفار إذ لم يقل افتخارا بل إظهارا واشتهارا وإعلاما بأنه ما ولى مع من ولي وتعريفا بموضعه ليرجع إليه أهل دينه، (قيل فما رئي) بصيغة المجهول ويقال فما رئي بالنقل والبدل أي ما أبصر (يومئذ) أي يوم حنين (أحد كان أشدّ منه) أي أقوى قلبا وأشجع قالبا منه صلى الله تعالى عليه وسلم قال البغوي بعد حديث البراء بإسناده المتصل إلى مسلم على ما سبق ورواه محمد بن إسماعيل عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن إسحاق وزاد فما رئي من الناس يومئذ أشد منه ورواه أبو زكريا عن أبي إسحاق وزاد قال كنا إذا احمر البأس نتقي به وأن الشجاع منا للذي يحاذيه أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم انتهى فوجه تعبير المصنف بقيل غير ظاهر كما لا يخفى، (وقال غيره) أي غير البراء أو غير قائل هذا القيل (نزل النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم عن بغلته) وهذا يدل على كمال نعته في قضية شجاعته قال البغوي في حديثه المسند إلى مسلم عن أبي إسحاق قال رجل للبراء يا أبا عمارة أفررتم يوم حنين قال لا والله ما ولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولكنه خرج
[ ١ / ٢٦٣ ]
شبان أصحابه واخفاؤهم وهم حسر ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم فأقبلوا هناك إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ورسول الله على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث يقود به فنزل واستنصر وقال أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ثم صفهم، (وَذَكَرَ مُسْلِمٌ عَنِ الْعَبَّاسِ قَالَ فَلَمَّا الْتَقَى المسلمون) وهم ستة عشر ألفا أو اثنا عشر ألفا أو عشرة آلاف على اختلاف (والكفّار) وهم أربعة آلاف من هوازن وثقيف وكان المسلمون يومئذ أكثر ما كانوا قط حتى قال رجل من الأنصار لن نغلب اليوم عن قلة فلم يرض الله قوله ووكلهم إلى أنفسهم كما أشار إليه ﷾ بقوله لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم المشركون وخلوا عن الذراري ثم نادوا يا حماة السوء اذكروا الفضائح فتراجعوا وانكشف المسلمون وهذا معنى قوله (ولّى المسلمون) أي رجعوا وانهزموا (مدبرين) حال مؤكدة منهم قال الكلبي كان حول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاثمائة من المسلمين وانهزم سائر الناس مدبرين وقال آخرون لم يبق مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم غير العباس وأبي سفيان وأيمن ابن أم أيمن فقتل يومئذ بين يدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (فطفق) بكسر الفاء أي جعل (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يركض بغلته نحو الكفّار) أي يحركها ويدفعها إلى صوبهم وأصل الركض تحريك الرجل ومنه قوله تعالى ارْكُضْ بِرِجْلِكَ (وأنا آخذ بلجامها) جملة حالية (أكفّها) حال أخرى أو استئناف بيان (إرادة أن لا تسرع) بنصب الإرادة على العلة للجملة السابقة أي أمنعها من أجل أن لا نعجل إلى جهة العدو وهو من الإسراع (وأبو سفيان آخذ بركابه) وفي رواية بعكس القضيتين وتقدم أنهما كانا آخذين بلجامها فالجمع بأنه كان الأخذ بالمناوبة مرة وبالجمع كرة (ثمّ نادى) أبو سفيان أو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أو العباس على الالتفات (يا للمسلمين) بفتح اللام الأولى أي اقبلوا (الحديث) بالنصب على الأصح أي انظر الحديث أو طالعه بكماله قال البغوي في حديثه المسند إلى مسلم فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أي عباس ناد أصحاب السمرة فقال العباس رضي الله تعالى عنه وكان رجلا صيتا فقلت بأعلى صوتي أين أصحاب السمرة قال فو الله لكان عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفه البقرة على أولادها فقالوا يا لبيك يا لبيك قال فاقتلوا الكفار ثم أخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حصيات فرمى بهن في وجوههم ثم قال انهزموا ورب محمد قال فو الله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى أحدهم كليلا وأمرهم مدبرا وقال سلمة بن الأكوع غزونا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حنينا قال فلما غشوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب الأرض ثم استقبل وجوههم فقال شاهت الوجوه فما خلف الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين وقال سعيد بن جبير أمد الله نبيه بخمسة آلاف من الملائكة مسومين كما قال تعالى وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها. (وقيل) أي روي كما في حديث ابن أبي
[ ١ / ٢٦٤ ]
هالة (كان رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَضِبَ. وَلَا يَغْضَبُ إِلَّا لله) جملة حالية معترضة بين الشرط وجوابه وهو قوله (لم يقم لغضبه شيء) أي ما يدفعه عنه ويمنعه منه كما قال علي كرم الله وجهه كان صلى الله تعالى عليه وسلم لا يغضب للدنيا فإذا أغضبه الحق لم يعرف أحدا ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له؛ (وقال ابن عمر) كما رواه الدارمي (ما رأيت أشجع ولا أنجد) من النجدة وقد عرفت الفرق بينها وبين ما قبلها ولا يبعد أن المراد بالجمع بينهما المبالغة في وصف زيادة الشجاعة (ولا أجود) أي لا أسخى (ولا أرضى) أي باليسير فهو من باب القناعة أو ولا أسرع رضى من الرجوع عن الغضب فهو من قبيل حسن الخلق وجيمل العشرة قيل ولا أدوم رضى (من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) وضبط الدلجي ولا أحوذ بمهملة ومعجمة من حوذ يحوذ أي أجمع وهو مما استعمل بلا إعلال أي ما رأيت أحوذ يا اجمع لأموره لا يشذ عليه منها شيء متمكنا منها حسن السياق لها منه صلى الله تعالى عليه وسلم ومثله حديث عائشة رضي الله تعالى عنها تصف عمر كان والله أحوذيا نسيج وحده أي متمكنا في أموره حسن السياق لها انتهى والظاهر أنه تصحيف في المبنى بل وتحريف في المعنى لأن الأحوذي ليس أفعل التفضيل المناسب هنا للسياق من السباق واللحاق فقد قال صاحب القاموس الأحوذي الخفيف الحاذق والمشمر للأمور القاهر لها لا يشذ عليه شيء كالحويذ وأحوذ ثوبه جمعه والصانع القدح أخفه انتهى وقوله أحوذ وكذا استحوذ بمعنى غلب واستولى جاء على أصله من غير اعلاله وأما أفعل سواء كان وصفا أو تفضيلا فلا يعل كأسود وأجود؛ (وقال عليّ كرم الله وجهه) كما رواه أحمد والنسائي والطبراني والبيهقي (إنّا كنّا إذا حمي البأس) بهمز ويلين ومعناه ما في قوله. (ويروى اشتدّ البأس) وأما ما وقع في اصل الدلجي إذا حمي الوطيس فلا أصل له في النسخ المعتبرة والأصول المعتمدة (واحمّرت الحدق) بفتحتين جمع حدقة وهي ما احتوت عليه العين من سوادها وبياضها وسبب احمرارها غضب صاحبها وفي الحديث الغضب جمرة توقد في قلب ابن آدم أما ترى إلى انتفاخ أو داجه واحمرار عينيه (اتّقينا برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فَمَا يَكُونُ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ) أي تحفظنا به وأخذناه وقاية لنا من عدونا وأعل أتقى بقلب واوه ياء لكسر ما قبلها ثم تاء وأدغمت (ولقد رأيتني) أي قال علي والله لقد رأيت نفسي (يوم بدر) أي وكذا غيري لقوله (ونحن نلوذ) أي نلتجئ ونستتر (بالنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) وفي الحديث اللهم بك أعوذ وبك الوذ وفي أصل الدلجي ونحن نتقي برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وفسره بنستتر ونحتمي إلا أنه ليس في الاصول المعتمدة الحاضرة (وهو أقربنا إلى العدوّ) أي والحال أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أقرب منا إلى عدونا وهو تصريح بما سبق من تلويح (وكان من أشدّ النّاس يومئذ) أي وقت البأس وشدة الحرب أو يوم حنين (بأسا) أي قوة قلب في شدة حرب وإذا كان حاله هذا في مثل هذا الوقت ففي سائر الأوقات بالأولى فلا يحتاج إلى قول الدلجي بل أشدهم مطلقا كما لا يخفى وما أحسن من قال من أرباب الحال:
[ ١ / ٢٦٥ ]
له وجه الهلال لنصف شهر وأجفان مكحلة بسحر
فعند الابتسام كليل بدر وعند الانتقام كيوم بدر
(وقيل كان الشّجاع) أي منا (هو الذي يقرب منه صلى الله تعالى عليه وسلم إذا دنا العدوّ) أي قاربوا (ولقربه منه) أي لقرب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من العدو؛ (وعن أنس رضي الله تعالى عنه) كما في حديث الشيخين (كان النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أحسن النّاس) أي صورة وسيرة وصونا وفصاحة وملاحة (وأجود النّاس) أي سخاوة وكرامة (وأشجع النّاس) أي قلبا وثباتا، (لقد فزع) بكسر الزاي (أهل المدينة ليلة) أي خافوا تبييت العدو ولما سمعوا صوتا أجنبيا في ناحية من نواحي المدينة ولا حاجة إلى قول الدلجي من أن الفزع هو في الأصل الخوف ثم استعير ههنا للنصر والاستغاثة (فانطلق ناس) أي ذهب جمع من أهل المدينة (قبل الصّوت) بكسر القاف وفتح الباء الموحدة أي إلى جانبه ونحوه ليتحققوا ما به (فتلقّاهم) أي المنطلقين (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) حال كونه (راجعا قد سبقهم إلى الصّوت) أي منفردا (استبرأ) ويروى وقد استبرأ (الخبر) أي تعرف حقيقة الأثر وكشف الأمر وعرف عدم سبب الضرر وقال التلمساني استبرأ استقصى بهمز ويسهل وفيه نظر إذ لا يجوز تسهيل الهمز المتحرك المتطرف إلا وقفا والأظهر من استبرأ أي بحث عن ذلك واستنقى ما ينقى هنالك (على فرس) أي حال كونه راكبا على فرس كائن (لأبي طلحة) وهو أحد أصحابه (عري) بضم فسكون أي لا سرج عليها للاستعجال في ركوبها والفرس هذا اسمه مندوب كما في الصحيح (والسّيف في عنقه) أي متقلد به (وهو يقول) أي للمقبلين أو لأهل المدينة أجمعين (لن تراعوا) بضم التاء والعين أي لا تخافوا مكروها يصيبكم. (وقال) أي كما رواه أبو الشيخ في الأخلاق (عمران بن حصين) وفي نسخة صحيحة حصين الخزاعي وقد كانت الملائكة تصافحه وتسلم عليه حتى اكتوى وقيل كان يراهم (ما لقي رسول الله صلي الله تعالى عليه وسلم كتيبة) بفتح كاف وكسر فوقية أي جماعة عظيمة من الجيش (إلّا كان أوّل من يضرب) أي يقبل على ضربهم ويتوجه إلى حربهم ولا ينافي هذا ما سبق من أنه ﵊ ما ضرب بيده شيئا قط لا امرأة ولا خادما ولا غيرهما لأنه ما من عام إلا وخص فالمراد به ما عدا الكفار (ولمّا رآه أبيّ بن خلف) على ما رواه ابن سعد والبيهقي وعبد الرزاق مرسلا والواقدي موصولا (يوم أحد وهو) أي أبي (يقول أين محمّد) سؤال عن مكانه. (لا نجوت إن نجا) دعاء على نفسه فأجابه الله فأهلكه ونجى حبيبه صلى الله تعالى عليه وسلم وقد ورد البلاء موكل بالمنطق (وقد كان) أي أبي (يقول للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي قبل ذلك (حين افتدى) أي فك نفسه بإعطائه الفدية عنها (يوم بدر) متعلق بافتدى وظرف لقوله وهو (عندي فرس) أي عظيمة اسمها العود على ما في رواية (أعلفها) بفتح همز وكسر لام أي اطعمها من العلف وأصل الفرس للأنثى
[ ١ / ٢٦٦ ]
وقد يطلق على الذكر (كلّ يوم فرقا) بفتح الفاء والراء ويسكن كيلا يسع ثلاثة آصع (من ذرّة) بضم ذال معجمة وتخفيف راء نوع من الحبوب مختص بالدواب وفي النهاية لابن الأثير أن الفرق بالتحريك مكيال يسع ستة عشر رطلا وهي اثنا عشر مدا وثلاثة آصع عند أهل الحجاز وأما الفرق بالسكون فمائة وعشرون رطلا (أقتلك عليها) أي أريد أن أقتلك حال كوني عليها (فقال له النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أنا أقتلك) أي عليها أو على غيرها (إن شاء الله) وقد نال هواه بصدق متمناه والاستثناء امتثال لقوله ﷾ وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وهذه جمل معترضة بين لما وما دل على جوابها من إفادة صدورها في بدر قبل رؤيته له في أحد (فلمّا رآه) أي أبي بن خلف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (يوم أحد شدّ أبيّ على فرسه) جواب لما الثانية دال على جواب الأولى كقوله تعالى فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ بعد قوله وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ الآية والمعنى هنا حمل أبي مستعليا عليها بقوة كائنة (على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فاعترضه) أي حال بين أبي وبينه صلى الله تعالى عليه وسلم (رجال من المسلمين) أي يصدونه عنه ويدفعونه منه (فقال النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي لأصحابه (هكذا) أي مشيرا إلى جانب أبي (أي خلّوا طريقه) أي أبي فإن جوابه على والمعنى تنحوا عنه ولا تحولوا بيني وبينه (وتناول الحربة) أي أخذها (من الحارث بن الصّمّة) بكسر الصاد وتشديد الميم فتاء أبو عمرو بن عتيك الخزرجي الأنصاري أبو سعد آخى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بينه وبين صهيب وكسر بالروحاء في غزوة بدر فرده ﵇ ثم ضرب له بأجره وسهمه وثبت معه ﵊ يوم أحد هذا وقال ابن الأثير في النهاية أن كعب بن مالك ناوله الحربة ولا منع من الجمع (فانتفض بها) أي حرك بالحربة (انتفاضة) أي تحريكا شديدا وهزا شديدا (تطايروا) من الطيران أي تنحوا وتبعدوا (عنه) أي تفرقوا عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أو عن أبي والمتفرقون أما المسلمون واقتصر عليه الأنطاكي وأما المشركون وهو أبلغ وأنسب بقوله (تطاير الشّعراء) بفتح المعجمة وسكون المهملة وبالمد جمعه شعر بضم فسكون أي كتطاير ذباب أحمر أو أزرق يقع على الحيوان فيؤذيه أذى شديدا وفي رواية تطاير الشعارير قال صاحب النهاية وفي الحديث تطاير الشعر بضم الشين وسكون العين وهو جمع الشعراء ويروى الشعارير وقياس واحده شعرور انتهى قال التلمساني قوله الشعر كهذا بخط القاضي في الأصل وفي تصحيح أبي العباس العرفي الشعراء (عن ظهر البعير إذا انتفض) أي تحرك البعير تحركا شديدا (ثمّ استقبله النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي توجه إلى أبي حتى وصله (فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ) بفتح فوقية وهمزة ساكنة بين دالين مهملتين ثم همزة مفتوحة قيل وأصل الهمزتين هاآن وقيل يبدلان أي تدحرج وقيل تمايل وفي أصل الدلجي تردى أي سقط (منها) أي من أجل ضربة تلك الحربة (عن فرسه مرارا) لما غشيه من مرارة الالم وحرارة الهم (وقيل بل كسر) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بقوة ضربه (ضلعا)
[ ١ / ٢٦٧ ]
بكسر معجمة ففتح لام وتسكن أي واحدا (من أضلاعه) أي عظام أحد جوانبه (فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ يَقُولُ قَتَلَنِي مُحَمَّدٌ وَهُمْ يقولون لا بأس بك) وفي نسخة عليك (فقال لو كان ما بي) أي لو نزل مثل ما معي من الألم (بجميع النّاس لقتلهم) أي صار سببا لقتلهم (أليس قد قال أنا أقتلك) أي بقيد إن شاء الله تعالى (والله لو بصق عليّ) أي لو رمى بزاقه على بدني بقصد قتلي (لقتلني) أي ابرارا لكلامه وإظهارا لمرامه (فمات) أي أبي المسرف في عمره للاشتغال بكفره (بسرف) بفتح مهملة وكسر راء ففاء ممنوعا ويجوز صرفه مكان على ستة أميال من مكة كان فيه زواج ميمونة زوج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في عمرة القضاء واتفق أنها ماتت به بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفيه قبرها وبني مسجد عليها (في قفولهم) بضم قاف ففاء أي رجوع الكفار من أحد وهو معهم وفي أصل الدلجي من رجوعه (إلى مكّة) ولا ينافيه ما ذكره البغوي في تفسيره أنه مات بمكة لأن سرف من توابعها هذا وقد قال النسفي في تفسيره ولم يقتل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيده غيره انتهى وبالجملة فكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أشجع الناس كما يومي إليه قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ مع ما ورد من إعطائه قوة ثلاثين رجلا وربما يقاوم بعض الرجال ألفا كبعض أصحابه من المهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم أجمعين بل له من القوة الإلهية التي تعجز عنها القوى البشرية والملكية هذا وقيل الشجاعة صبر ساعة وقيل الشجاع هو الذي يميز النصراني الذي يقصده هل هو أكحل الحدقة أو ازرقها عند المقابلة وقيل هو الذي يميز كيف أمسك عدوه الرمح وقيل هو الذي يأتي عدوه وهو يسير السير الرفيق الذي يسير به بين بيوت قومه ونقل عن بعض الشجعان أنه إذا رأى القوم مقبلين إليه نزل عن فرسه وتوسد حتى إذا وصلوا إليه نهض نحوهم وسألوه عن حالته في المطاعنة فقال ما ضربت قط برمي إلا وأنا أميز بين أن أضرب به قائم السن أو منبسطا وأتخير حيث أضرب وهذا نهاية الشجاعة والاقدام وقد سبق نزوله ﵊ في أثناء محاربة الأقوام وقال مهلهل في هذا المرام.
لم يطيقوا لينزلوا فنزلنا وأخو الحرب من أطاق النزولا
فصل [وأما الحياء والإغضاء]
(وأمّا الحياء) وهي حالة تعتري من له الحياة الكاملة وقال ابن دقيق العيد الحياة تغير وانكسار يعرض للإنسان لخوف ما يعاب به أو يذم عليه وقيل الحياء حالة تنشأ عن رؤية التقصير (والإغضاء) وهو لغة إرخاء الجفن إلى حيث يقارب الانطباق فهو دون الاغماض وقد يتوافقان معنى ومنه قوله تعالى إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ومنه قول الفرزدق في علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما:
يغضي حياء ويغضي من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم
(فالحياء رقّة تعتري وجه الإنسان) أي تغشاه والمعنى تظهر من باطنه على ظاهره (عند فعل ما يتوقّع) بصيغة المفعول أي عند إرادة فعل شيء يتوقع (كراهيته) وفي نسخة كراهيته بزيادة ياء
[ ١ / ٢٦٨ ]
مخففة أو مشددة (أو ما) أي أو عند إرادة فعل شيء (يكون تركه خيرا من فعله) والأول حياء الابرار والثاني حياء الأحرار وإذا وصف به ربنا ﷾ كما ورد في الكتاب والسنة فالمراد به الترك اللازم للانقباض، (والإغضاء التّغافل) أي التجاوز (عمّا يكره الإنسان بطبيعته) أي بسجيته لا بشريعته إذ المكروه شرعا هو الداعي إلى الدين فإن الدين النصيحة ولأن الحياء من العلم مذموم على ما في الرواية الصحيحة (وكان النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أشدّ النّاس) أي أقواهم (حياء وأكثرهم) بالنصب (عن العورات) متعلق بقوله (إغضاء) وأخر مراعاة للسجع ونصب حياء وإغضاء على التمييز وآثر الحياء بالأشدية لكونه سببا للإغضاء والسبب أقوى من مسببه لكونه منشئه وبعض أثره والعورات بسكون الواو جمع عورة وهي كل ما يجب ستره إذ الغالب عند كشفها أدرك المعرة لمن انكشفت منه فهي عورة ما دامت منكشفة ومنه ما ورد اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا (قال الله ﷾: إِنَّ ذلِكُمْ) أي مكثكم في بيته مستأنسين لحديث بعضكم بعضا (كان يؤذي النبي) أي وأنتم ما تدركونه (فيستحي منكم) أي من اخراجكم (الآية) أي قوله تعالى وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ أي من إظهاره فلا يترك بيان إسراره وكفى به شاهدا للعقلاء في تأديب الثقلاء. (حدّثنا أبو محمّد بن عتّاب) بفتح مهملة وتشديد فوقية وقد تقدم ترجمته (﵀) جملة دعائية (بقراءتي عليه) أي الحديث الآتي (ثنا) أي حدثنا (أبو القاسم حاتم بن محمّد) أي التميمي المعروف بابن الطرابلسي قرأ عليه أبو علي الغساني البخاري مرات (ثنا أبو الحسن القابسيّ) بكسر الموحدة (ثنا أبو زيد المروزيّ) بفتح الميم وسكون راء وفتح واو فزاء (ثنا محمّد بن يوسف) أي الفربري (ثنا محمّد بن إسماعيل) أي الإمام البخاري (ثنا عبدان) بفتح مهملة وسكون موحدة فدال يقال إنه تصدق بألف ألف (ثنا عبد الله) أي ابن المبارك المروزي شيخ خراسان وقال الحلبي أبوه تركي مولى تاجر وأمه خوارزمية وقبره بهيت يزار ويتبرك به (انا) أي أَخْبَرَنَا (شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ) أي ابن أبي عتبة (مولى أنس) أي ابن مالك (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁) كما في الصحيحين وأخرجه الترمذي في الشمائل وابن ماجه في الزهد (كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أشدّ حياء من العذراء) بفتح المهملة فسكون المعجمة وبالراء والمد أي حياؤه أشد حياء من البنت العذراء وهي من لم تزل عذرتها أبي جلدة بكارتها (في خدرها) بكسر خاء معجمة وسكون دال مهملة أي حال كونها في داخل سترها فإنها حينئذ أشد حياء من غيرها وذهابه عنها عادة لمخالطتها ولذا نزل سكوتها منزلة إذنها في باب نكاحها ولو مع وليها؛ (وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ) أي عرفنا أنه كرهه بتغير وجهه ولو لم يتكلم بوجهه لأن وجهه مثل الشمس والقمر فإذا كره شيئا كسا وجهه ظل كالغيم عليهما (وكان صلى الله تعالى عليه وسلم لطيف البشرة) بفتحتين أي رقيق الجلدة العليا أي يتغير بأدنى كراهة والجملة كالعلة المبينة للسابقة (رقيق الظّاهر) تأكيد لما قبله أي يسرع أثر الحياء عليه ولله در القائل:
إذا قل ماء الوجه قل حياؤه ولا خير في وجه إذا قل ماؤه
أو معناه كان لينا سهلا رفيقا مهلا (لا يشافه) أي لا يواجه (أحدا بما يكرهه) أي لا يخاطبه
[ ١ / ٢٦٩ ]
تصريحا بل يظهره تلويحا أو لا يخاطبه حاضرا ويؤيده ما سيأتي وأصل المشافهة هو المخاطبة من فيه إلى فيه ثم توسع فيه فقيل بمعنى واجهه ومنه حديث كلمه شفاها (حياء وكرم نفس) أي من أجل كثرة حيائه وكرم نفسه في سخائه وقد ورد أن الحياء خير كله ولا يأتي إلا بخير وأنه شعبة من الإيمان، (وعن عائشة ﵂) كما رواه أبو داود (كان النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَلَغَهُ عَنْ أَحَدٍ مَا يكرهه) أي شيء لا يعجبه (لم يقل ما بال فلان) أي حاله وشأنه بتعيين اسمه أو وسمه أو رسمه (يقول كذا) أي أو يفعل كذا (ولكن يقول) أي منكرا له (ما بال أقوام) بصيغة الجمع لإفادة عموم الحكم له ولغيره مع الإبهام (يصنعون) أي يفعلون (أو يقولون) شك من الراوي أو أريد به تنويع الصنفين من الفعل والقول (كذا) إشارة إلى ما انكره (ينهى عنه) أي عما أنكره تلويحا (ولا يسمّي فاعله) أي تصريحا إذ المقصود المعتبر هو نهي المنكر لا خصوص فاعله من البشر. (وروى أنس) كما رواه أبو داود (أنّه) أي الشأن أو النبي ﵇ (دخل عليه رجل) وهو غير معروف (به أثر صفرة) أي بعينه أو علامة من طيب كزعفران ونحوه (فلم يقل له شيئا) أي مشافهة (وكان لا يواجه أحدا) أي لا يقابله (بما يكره) أي حياء (فلمّا خرج) أي الرجل (قال) أي لأصحاب مجلسه (لو قلتم له يغسل هذا) أي الأثر الذي به لكان حسنا فالجواب مقدر ولو للتمني وقوله يغسل خبر معناه الأمر أو التقدير ليغسل (ويروى ينزعها) بكسر الزاء أي يزيلها أو يفسخ المتلطخ بها وإنما كرهها لأنها من زي النساء وحليهن وأما قول التلمساني ينزع بفتح الزاء لا غير فوهم بناء على ما هو المفهوم من القاموس أنه بكسر الزاء ومنه قوله تعالى يَنْزِعُ عَنْهُما بكسر الزاء اتفاقا نعم شرط الفتح موجود لكن لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط بخلاف عكسه كما هو مقرر في محله ثم اعلم أن هذه الأخلاق الحسنة والأوصاف المستحسنة كانت غالبة عليه وسجية داعية إليه فلا ينافيه ما وقع من النوادر لحكمة من إرادة الزواجر أو لبيان الجواز في الظواهر من حديث سواد بن عمرو قال اتيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا متخلق فقال وَرْسٌ وَرْسٌ حُطَّ حُطَّ وَغَشِيَنِي بِقَضِيبٍ فِي يده الحديث كما أورده المؤلف في أواخر القسم الثالث والله تعالى أعلم (قالت عائشة ﵂) كما رواه الترمذي (في الصّحيح) أي من الحسن الصحيح في جامعه وشمائله (لم يكن النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فحّاشا) أي ذا فحش في كلامه وهذا يدل على كثرة حيائه وشدة صفائه ويروى فحاشا أي ذا فحش فالصيغة للنسبة لا للمبالغة وأصل الفحش هو الخروج عن الحد والفواحش عند العرب القبائح (ولا متفحّشا) أي متكلفا له ولله درها إذ نفت عنه الفحش طبعا وتكلفا (ولا سخّابا) بتشديد الخاء المعجمة أي ولا صاحب رفع صوت (بالأسواق) لحسن خلقه وكرم نفسه وشرف طبعه وحيائه من ابناء جنسه ويروى في الأسواق وفيه احتراز عن المساجد لضرورة رفع صوته حال القراءة والخطبة ثم السوق أما من قيام الناس فيها على سوقهم وإما من سوق الأرزاق إليها (ولا يجزي) بفتح أوله وكسر الزاء وسكون الياء أي ولا يجازي (بالسّيئة السّيّئة) أي الواصلة إليه الحاصلة منه وسميت الثانية سيئة مشاكلة أو صورة أو
[ ١ / ٢٧٠ ]
لأنها خلاف الأولى لقوله ﷾ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ كما حقق في قوله تعالى وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ومن هنا قالوا حسنات الأبرار سيئات الأحرار وهو في ذلك ممتثل لقوله تعالى فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (ولكن) وفي نسخة ولكنه (يعفو) أي يمحوها بالباطن (ويصفح) أي يعرض عن صاحبها بالظاهر أو يسامح عن الصغائر والكبائر مما ليس فيهما حق لأحد لقوله تعالى فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، (وقد حكي) بصيغة المفعول (مثل هذا الكلام) أي في نعت سيد الأنام ﵊ (عن التّوراة من رواية ابن سلّام) بتخفيف اللام أحد الصحابة الكرام من علماء اليهود حيث دخل في الإسلام (وعبد الله بن عمرو بن العاص) أي ومن روايته أيضا وهو صحابي قرشي كان يطالع كتب العلماء الأعلام وقد جاء في رواية أنه رأى في منامه أن في إحدى يديه سمنا وفي الأخرى عسلا فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تحفظ الكتابين فحفظ القرآن والتوراة ولهذا سأله عطاء بن يسار عن صفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في التوراة كما في الصحيح ولعل هذا قبل نزول قوله تعالى أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ فإن فيه الاكتفاء أو أن العسل فيه شفاء والسمن منه داء ودواء، (وروي عنه) أي عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما في الإحياء لكن لم يعرف العراقي وروده في الانباء (أنّه كان من حيائه لا يثبت) من التثبيت أو الاثبات أي لا يشبع (بصره في وجه أحد) أي ناظرا إليه لاستيلاء الحياء عليه (وأنّه كان يكنّي) بضم ياء وتشديد نون أو بفتح وتخفيف أي يلوح ولا يصرح ويعرض (عمّا اضطرّه الكلام إليه) أي عن شيء لا بد منه ولا يسعه السكوت عنه (ممّا يكره) بصيغة الفاعل لا المفعول كما ضبطه الحلبي أي مما لا يستحسن التصريح به تخلقا بأخلاق ربه واقتداء بآدابه في نحو أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ وقوله تعالى فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وكقوله صلى الله تعالى عليه وسلم في حديث المستيقظ فإنه لا يدري اين باتت يده حيث لم يقل فلعل يده وقعت على دبره أو ذكره أو نجاسة في بدنه ونظائره كثيرة في الأحاديث الصحيحة ثم هذا فيما إذا علم أن السامع يفهم المقصود بالكناية وإلا لكان يصرح لينتفي اللبس والوقوع في خلاف المطلوب وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرحا به والله أعلم، (وعن عائشة ﵂) كما رواه الترمذي في الشمائل (مَا رَأَيْتُ فَرْجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم قطّ) أي أبدا وهو يدل على كمال الحياء من الجانبين لكنها ما استفادت الحياء إلا من حياء سيد الاصفياء وفي رواية عنها ما رأيت منه ولا رأى مني بحذف المفعول وتريد العورة وهو نهاية المبالغة منها في باب حيائها حيث حذفت آلة الكناية عنها وفي الحديث أن من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت وأنشدوا:
إذا لم تخشى عاقبة الليالي ولم تستحي فاصنع ما تشاء
فلا والله ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
[ ١ / ٢٧١ ]
ثم الحياء محمود فيما يجب على الإنسان توقيه أو يكره له فعله ومذموم فيما يؤدي إلى ترك الواجب أو السنة.
فصل [وأما حسن عشرته وآدابه]
(وأمّا حسن عشرته) أي معاشرته ومخالطته مع أمته ولو لم يكونوا من عشيرته (وأدبه) الأدب طبيعي وهو ما جبل عليه الإنسان من الأخلاق السنية والأوصاف الرضية وكسبي وهو ما يكتسب من العلوم الدينية والأعمال الأخروية وصوفي وهو ضبط الحواس ومراعاة الانفاس ووهبي وهو حصول العلم اللدني وما يتعلق به من الكشف الغيبي وهو يجوز رفعه عطفا على المضاف وجره على المضاف إليه وهو الأحسن لحصول تسلط الحسن عليه وكذا قوله، (وبسط خلقه) أي نشر أخلاقه صلى الله تعالى عليه وسلم ومجمل حسن الخلق هو بسط المحيا وبذل الندا وتحمل الأذى وكمال الصدق والاتصاف بأخلاق الحق (مع أصناف الخلق) أي ليتوصل به إلى انقيادهم لدينه (فبحيث) بالفاء جواب أما أي فهو بمحل (انتشرت) أي كثرت واشتهرت (به) أي بما ذكر من الأمور الثلاثة (الأخبار الصّحيحة) وكذا الآثار الصريحة منها خبر الترمذي في شمائله (قَالَ عَلِيٌّ ﵁: فِي وَصْفِهِ ﵊) أي في جملة ما منحه من الصفات الحميدة والنعوت السعيدة (كان أوسع النّاس صدرا) أي لا يمل ولا يضجر في الاحتمال مما يرد عليه من الأحوال واختلاف الخلق في الأقوال والأفعال وفي أصل الدلجي كان أجود الناس صدرا قال أي قلبا وفي رواية أوسع الناس صدرا وقال التلمساني أجود بخط المؤلف وأوسع بتصحيح العرفي انتهى لكن النسخ المعتمدة والأصول المصححة على ما قدمناه وهو الموافق لقوله تعالى أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وقوله تعالى أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وفسر الشراح بمعنى الانشراح والانفساح وقد ورد هو نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده فسئل هل لذلك من علامة فقال التجافي عن الدنيا والإقبال على العقبى والاستعداد للموت قبل نزوله (وأصدق النّاس لهجة) بفتح فسكون ويفتح أي وكان أصدقهم لسانا وبيانا وفيه وضع الظاهر موضع المضمر إشعارا بأن الناس هم الصادقون في الأنفاس (وألينهم عريكة) أي وكان أسهلهم طبيعة سلسا منقادا هينا مطواعا (وأكرمهم عشرة) أي صحبة وخلطة. (حدّثنا أبو الحسن عليّ بن مشرّف) بفتح الراء المشددة (الأنماطيّ) بفتح فسكون نون (فيما أجازنيه وقرأته على غيره قال ثنا) أي حدثنا (أبو إسحاق الحبّال) بفتح مهملة وتشديد موحدة محدث مصر (حدّثنا أبو محمّد) بالتنوين أبدل منه (ابن النّحّاس) بتشديد الحاء المهملة يعني به عبد الرحمن بن عمر بن محمد ابن سعيد بن إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب النحاس المصري (ثنا ابن الأعرابيّ) أحد من رويت سنن أبي داود عنه (حدّثنا أبو داود) أي السجستاني صاحب السنن (ثنا هشام) أي ابن خالد بن يزيد وقيل زيد بن مروان (بن مروان) أي الأرزق الدمشقي (ومحمّد بن المثنّى) على
[ ١ / ٢٧٢ ]
وزن المثنى هو المقري أبو موسى الحافظ وروى عنه البخاري ونحوه (قالا) أي كلاهما (ثنا الوليد بن مسلم) وهو أحد أعلام الشام روى عنه أحمد وغيره قيل صنف سبعين كتابا (ثنا الأوزاعيّ) روى عنه قتادة ويحيى بن أبي كثير شيخاه وهو إمام أهل الشام في زمنه وكان رأسا في العلم والعبادة واختلف في بيان نسبته ذكر التلمساني أن الإمام مالكا كان يقود دابته وهو راكبها وسفيان بن عيينة يسوقها وروي أنه أفتى في سبعين الف مسألة روى عن كبار التابعين كعطاء ومكحول وعنه قتادة والزهري ويحيى بن أبي كثير وهم من التابعين وليس هو من التابعين فهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر (سمعت يحيى بن أبي كثير) بفتح فكسر مثلثة أبو نصر اليماني روى عن أنس وجابر كليهما مرسلا وعن أبي سلمة وخلق (يَقُولُ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أسعد بن زرارة) بضم زاء فراءين بينهما ألف وإلى المدينة روى عن شعبة وابن عيينة وطائفة وهو أسعد بالهمز وله أخ يقال له سعد بن زرارة (عن قيس بن سعد) أي ابن عبادة وهو أبو عبد الله الخزرجي وهو صاحب الشرطة للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم روى عنه الشعبي وابن أبي يعلى وطائفة وكان ضخما مفرط الطول نبيلا جميلا جوادا سيدا من ذوي الرأي والدهاء والتقدم وهو أبو قيس سيد الخزرج وأحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة وكان شريف قومه ليس في وجهه شعر ولا لحية وكانت الأنصار تقول لوددنا لو نشتري لقيس لحية بأموالنا وكان مع ذلك جميلا وكان أسود اللون توفي بالمدينة في آخر خلافة معاوية (قال زارنا) أي إيانا أو واحدا منا (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) إذ كان من عادته تعهد أصحابه وتفقد أحبابه إذ حسن العهد من الإيمان وتمام الإحسان (وذكر) أي قيس (قصّة) أي طويلة (في آخرها) أي وكان في آخر تلك القصة قوله (فلمّا أراد) أي النبي ﵊ (الانصراف) أي الرجوع إلى منزله وكان قد جاء على رجله قصدا لزيادة أجره (قرّب) بتشديد الراء أي قدم (له) وفي نسخة إليه (سعد حمارا) أي ليركبه تلطفا إليه وترحما عليه (وطّأ) بتشديد طاء فهمز أي رحل (عليه) أي فوق الحمار (بقطيفة) أي كساء له خمل ومنه تعس عبد القطيفة الذي يعملها ويهتم بتحصيلها (فركب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) إذ الذهاب إلى العبادة حقيقة العبادة بخلاف الأياب فإنه من ضروريات العادة ومنه تشييع الأكابر إلى الجنازة مشاة ورجوعهم ركبانا (ثمّ قال سعد) أي لولده (يَا قَيْسُ اصْحَبْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) بفتح الحاء أي كن في صحبته وخدمته وفي أصل الدلجي أصحبه والظاهر أنه أختصار منه غير لائق به كما فعل في كثير من مواضع كتابه (قال قيس فقال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اركب) أي أنت أيضا معي أو على دابة اخرى (فأبيت) أي امتنعت تأدبا معه أو حياء منه (فَقَالَ إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ تَنْصَرِفَ) بكسر إما فيهما (فانصرفت) أي فاخترت أهون الأمرين وأحسن الحكمين والحديث رواه أبو داود في الأدب والنسائي في اليوم والليلة. (وفي رواية أخرى) أي لهما أو لأحدهما أو لغيرهما (اركب أمامي) بفتح أوله أي قدامي (فصاحب الدّابّة) أي ولو بالقوة (أولى بمقدّمها)
[ ١ / ٢٧٣ ]
بفتح الدال المشددة وقد تخفف بالركوب في صدرها لما جاء في طرق متعددة صاحب الدابة وحق بصدرها وفي رواية إلا من اذن وفي أصل الدلجي أي بالركوب في صدرها لما جاء في طرق متعددة صاحب الدابة أحق بصدرها وفي رواية إلا من أذن وفي أصل الدلجي أحق بصدرها قال وفي رواية أولى بمقدمها وصنيعه هذا أيضا مخالف للأصول المعتمدة والنسخ المصححة؛ (وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) كما في شمائل الترمذي من حديث هند بن أبي هالة (يؤلّفهم) بتشديد اللام أي يوقع الألفة فيما بينهم ويجمعهم كما يستفاد من قوله تعالى فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ وهو لا ينافي إسناد التأليف إلى الله تعالى في الآية بل ولو نفي التأليف ايضا في آية أخرى من قوله تعالى وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ فإن الآيتين من قبيل قوله ﷾ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى أو المعنى كان يؤلفهم معه ويتألف بهم كما يشير إليه قوله تَعَالَى فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ الآية ولما ورد المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف كما رواه أحمد في مسنده عن سهل بن سعد ورواه الدارقطني عن جابر ولفظه المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف (ولا ينفّرهم) بالتشديد وقيل بكسر الفاء المخففة أي لا يعمل شيئا مما ينفر عنه طباعهم فهو كالتأكيد لما قبله أو المعنى يبشرهم ولا ينفرهم لحديث يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا على ما رواه أحمد والنسائي وابن ماجة عن أنس ﵁ (ويكرم كريم كلّ قوم) هو كالتخصيص بعد التعميم وفي حديث رواه ابن ماجة وغيره عن جماعة من الصحابة مرفوعا إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه وفي رواية إذا أتاكم الزائر فأكرموه (ويولّيه) بتشديد اللام المكسور أي ويجعله واليا وأميرا (عليهم) ابقاء لما اختار والديهم (ويحذر النّاس) بفتح الذال المعجمة أي يخافهم وتفسيره قوله (ويحترس منهم) أي يحترز من مكر شرارهم لما ظهر في آثارهم فورد الحزم سوء الظن على ما رواه أبو الشيخ في الثواب عن علي كرم الله وجهه وفي رواية احترسوا من الناس بسوء الظن كما رواه الطبراني في الأوسط وابن عدي عن أنس رضي الله تعالى عنه (من غير أن يطوى) أي يدفع ويمنع (عن أحد منهم بشره) بكسر الموحدة أي بشاشة وجهه (ولا خلقه) أي ولا طلاقة خلقه وزيادة لا لمبالغة نفيها، (يتفقد) وفي نسخة يتعهد (أصحابه) أي يطلبهم ويتجسس أحوالهم بالسؤال عنهم ليعرف المانع عن خدمته وملازمة حضرته منهم فيزور مريضهم ويدعو لغائبهم (ويعطي كلّ جلسائه) أي جميع من جالسه (نصيبه) أي حظه بسلام أو كلام أو طلاقة وجه والتفات خد أو إشارة وبشارة، (لا يحسب) بكسر السين وفتحها أي لا يظن (جليسه) أي مجالسه (أنّ أحدا) أي من جلسائه (أكرم عليه) أي على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (منه) أي من ذلك الجليس بحسب حسبانه لما يناله من أنواع الألفة وأصناف المودة وأجناس الكرامة، (من جالسه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لمصاحبة ومكالمة (أو قاربه لحاجة) أي دينية أو أخروية وأو للتنويع لا للترديد ومن خبرية لا شرطية وقاربه مفاعلة من
[ ١ / ٢٧٤ ]
القرب بالراء والباء وتصحف على الأنطاكي فقال أو قاومه أي قام معه كما يقال جالسه إذا جلس معه (صابره) أي انتظره صلى الله تعالى عليه وسلم وحبس نفسه على ما يريد صاحبه متصبرا (حتّى يكون) أي مجالسه أو مقاربه (هو) ضمير فصل والأصح أنه لا محل له (المنصرف عنه) بالنصب على خبر كان والمعنى بالغ في صبره حتى ينصرف مجالسه من تلقاء نفسه وهذا كله لقوله تعالى وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ الآية (ومن سأله حاجة) أي طلب عطية (لم يردّه) بفتح الدال المشددة وتجوز ضمها لضم ما قبلها (إلّا بها) أي بالحاجة بعينها حيث قدر عليها أو بوعده لها وهو معنى قوله (أو بميسور من القول) كتسهيل رزق عملا بقوله تعالى وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا ومن القول الميسور الدعاء له بتحصيلها أو بإزالة طلبها فأو على طريقة منع الخلو أي لا يخلو حاله إذا سئل عن احدهما إما عطاء ونقدا وإما دعاء ووعدا ثم قيل الميسور مصدر وقيل اسم مفعول (قد وسع النّاس) بالنصب أي عمهم وشملهم (بسطه) أي سرور ظاهره وطيب باطنه جودا ورحمة وحلما وعفوا ومغفرة وسلما أو انبساطه فقوله (وخلقه) تفسير له وعلى الأول تعميم بعد تخصيص (فصار لهم أبا) أي رحمة وشفقة وهو كما جاء في قراءة شاذة عند قوله تَعَالَى النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وهو أب لهم مع أن كل نبي أب لأمته بل هو أفصل وأكمل تربية من الأب لولده إذ الأب سبب لإيجاده والنبي باعث لإمداده وإسعاده ويشير إليه قوله تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ (وصاروا) أي الناس كلهم (عنده في الحقّ) أي في مراعاة حقهم بحسن خلقه معهم (سواء) أي مستوين لعصمته من الأغراض النفسية الحاملة على خلاف التسوية، (بهذا) أي بما ذكر من الأوصاف البهية (وصفه ابن أبي هالة) وهو هند ربيبه من خديجة، (قال) أي ابن أبي هالة (وكان) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (دائم البشر) أي متهلل الوجه وهو لا ينافي أنه كان كثير الأحزان لاختلاف الظاهر والباطن في العنوان فإنه بالظاهر مع الخلق وبالباطن مع الحق والحزن من لوازم الانكسار والذل والافتقار (سهل الخلق) أي لأصبعه (ليّن الجانب) بتشديد الياء المكسورة أي لا شديده (ليس بفظّ) أي سيىء الخلق في القول (ولا غليظ) أي في الفعل قال ابن عباس ﵄ الفظ الغليظ في القول وغليظ القلب في الفعل (ولا سخّاب) وفي رواية وكذا في نسخة بالصاد أي كثير الصياح (ولا فحّاش) أي ذا فحش في قوله وفعله، (ولا عيّاب) مبالغة عائب أي وكان لا يعيب على أحد ما يفعله من مباح وإذا كان حراما أو مكروها نهى عنه من غير تعييب وتعيير بل بقصد تبديل وتغيير قال التلمساني وهو والذي بعده فعال على النسب أي ليس بذي عيب ولا بذي مدح وليسا بفعال مبالغة للزوم بعض الأمر ومثله وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أي ليس بذي ظلم وإلا لزم بعضه قلت ليس هذا نظيرهما لأنهما على النسبة يستقيم في ذي عيب لا في ذي مدح كما لا يخفى (ولا مدّاح) مبالغة مادح أي لا يبالغ في مدح أحد بما يؤدي إلى اطراء ولا يمدح طعام ولا يذمه كما جاء
[ ١ / ٢٧٥ ]
في رواية لأنه كان شاكرا للنعمة لا ناظرا للذة ويؤيده قوله (يتغافل عمّا لا يشتهي) أي لا يحبه قولا وفعلا مما لا يترتب عليه إثم أصلا (ولا يؤيس) بضم ياء فسكون همزه وقد تبدل ففتح ياء من الإياس من باب الأفعال الذي هو متعد لأيس اللازم من المجرد والضمير في قوله (منه) راجع إليه صلى الله تعالى عليه وسلم والمعنى لا ييأس أحد من فيض وجوده وأثر كرمه وجوده وأما تجويز الدلجي كونه مبنيا للفاعل تبعا لبعض المحشيين وقوله والمعنى لا يؤيس من نفسه أو مما تغافل عنه أحدا بتغافله عنه بحيث لا يكون كذلك فهو مخالف لما في الأصول من صحة المبنى ومناف لما قدمناه من ظهور المعنى وجعل التلمساني قوله ولا يؤيس منه عطفا على لا يشتهى وقال أي ما لم يحضر في وقته ولم يحصله له فيه شهوة فيتركه ويغفله وإن كان مما يمكن حضوره في وقته ويوئس هو بضم أوله وسكون الواو ثم همزة مكسورة واليأس هو القنوط أي ما وجد مما يجوز له تناوله من المباح يستعمله وما لم يجده من ذلك لم يكن منه تكلف له قال ويفسر هذا حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنه كَانَ فِي أَهْلِهِ لَا يَسْأَلُهُمْ طَعَامًا وَلَا يشتهيه فإن أَطْعَمُوهُ أَكَلَ وَمَا أَطْعَمُوهُ قَبِلَ وَمَا سَقَوْهُ شرب الحديث انتهى وما فيه لا يخفى وقال الانطاكي بعد نقله عن الحلبي أنه ضبطه بكسر الهمزة وينبغي أن يجوز بضم أوله ثم بهمزة مفتوحة وياء مكسورة مشددة يقال آيس منه فلان مثل أيئس وكذا التأييس حكاه الجوهري انتهى وينبغي أن تكون الدراية تابعة للرواية كما لا يخفى، (وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) أي سهلت أخلاقك لهم وكثر احتمالك عنهم والتقدير فبرحمة وما مزيدة للتأكيد كذا قالوا ولعلهم أرادوا تأكيد التعظيم المستفاد من تنوين التنكير المفيد للتفخيم ولا يبعد أن يكون ما إبهامية ورحمة تفسيرية والجمع بينهما أوقع للمراتب النفسية في إفادة القضية (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا) أي سيئ الخلق (غَلِيظَ الْقَلْبِ) أي قاسيه على الخلق (لَانْفَضُّوا) أي تفرقوا (مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: ١٥٩]) ولم ينتفعوا بقولك ولم يصيبوا من رحمتك وفضلك وطولك وأما بقية الآية وهي قوله تعالى فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فليست في نسخ الشفاء وإن كان شرحها الدلجي ومزجها بتفسيرها (وَقَالَ تَعَالَى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [فُصِّلَتْ: ٣٣] الآية) وهي تحتمل قوله تعالى ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ واقتصر الدلجي عليها وقد قيل في معنى هذه الآية ادفع بكلمة التوحيد سيئة الشرك ويؤيده ما بعده من قوله ﷾ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ وقيل ادفع بالطاعة المعصية أي إذا أعلمت سيئة فاتبعها حسنة تمحها كما ورد في الحديث مضمونة أو ادفع بالتوبة المعصية ويحتمل قوله تعالى وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي اصفح عنها وقابلها بالحسنة التي هي أحسن مطلقا وإن كانت المعاقبة بمثلها حسنة أيضا أو بأحسن ما يمكن أن يقابل به من الحسنات ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في أمر الديانات وتمام الآية فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ
[ ١ / ٢٧٦ ]
نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ولا شك أن معنى الآية الثانية هو الملائم لباب حسن الخلق في معاشرة الخلق ويؤيده ما روي أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جاءه أعرابي فصيح فقال اصغ إلي أوصك ثم قال:
فحي ذوي الأضغان تسلى نفوسهم تحيتك الحسنى فقد ترفع الثقل
فإن هتفوا بالقول فاعف تكرما وإن خنسوا عنك الكلام فلا تسل
فإن الذي يؤذيك منه استماعه كأن الذي قالوا وراءك لم يقل
فقرأ عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فقال الأعرابي ليس هذا من كلام البشر وكان سبب إسلامه (وكان) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على ما رواه ابن سعد مرسلا (يجيب من دعاه) أي ولو بعد منزل الداعي ومأواه ولم يكن له مال ولا جاه تواضعا وشفقة على خلق الله وجبرا لخواطرهم وتألفا لظواهرهم وليقتدي به أمته مع معاشرهم من معاشرهم (ويقبل الهديّة) على ما رواه البخاري أيضا رعاية لزيادة المحبة وإفادة الوصلة والمودة وتفاديا من المباغضة والمقاطعة لما ورد تهادوا تحابوا على ما رواه أبو يعلى في مسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وفي رواية أحمد عنه تهادوا إن الهدية تذهب وحر الصدر أي غشه (ولو كانت) أي الهدية وهي فعيلة من الإهداء (كراعا) بضم أوله وهو مستدق الساق وهو أدون من الذراع وأما قول التلمساني أي ذا كرع فمفوت للمبالغة المطلوبة وروى البيهقي عن أنس ولفظه تهادوا فإن الهدية تذهب بالسخيمة أي الحقد ولو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدي إلى كراع لقبلت ولو هنا للتقليل كما في حديث ردوا السائل ولو بظلف محرق واتقوا النار ولو بشق تمرة والتمس ولو خاتما من حديد (ويكافىء) بكسر الفاء بعدها همز وتسهل أي يجازي (عليها) أو على الهدية وأصل المكافأة المماثلة وهو أقل حسن المعاملة وكان يكافئ بأكثر منها لما سبق عن بنت معوذ ابن عفراء ولقوله تعالى وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها على أحد التفاسير فيها من أن المراد بالتحية هي الهدية وفي رواية البخاري ويثبت عليها من الإثابة وهو مطلق المجازاة أو المجازاة الحسنى لقوله تعالى فَأَثابَهُمُ اللَّهُ. (قال أنس رضي الله تعالى عنه خدمت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عشر سنين) أي بعد الهجرة ومبدأ عمره عشر سنين أيضا (فما قال لي أفّ) بفتح الفاء وكسرها وينون الثاني وفيها لغات عشر وهذه الثلاث عن السبعة ومعناه الاستقذار والاستحقار وقال الهروي يقال لكل ما يضجر منه ويستثقل ونقل أبو حيان فيها نحو الأربعين وجها من اللغة في الارتشاف وقد نظمها السيوطي (قطّ) أي أبدا في تلك المدة (وما قال لشيء صنعته) أي فعلته (لم صنعته ولا لشيء تركته) أي ما صنعته (لم تركته) وهذا الحديث كما يدل على حسن خلقه وكمال حلمه صلى الله تعالى عليه وسلم ونظره إلى قضاء الله وقدره يدل على كمال فضيلة أنس رضي الله تعالى عنه وجمال منقبته وجميل أدبه في
[ ١ / ٢٧٧ ]
خدمته مع صغر سنه لكنها كلها مستفادة من بركة ملازمته ومداومة حضرته؟ (وعن عائشة ﵂) كما رواه أبو نعيم في دلائل النبوة بسند واه عَنْهَا (مَا كَانَ أَحَدٌ أَحْسَنُ خُلُقًا مِنْ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) كما قال حسان:
تراه إذا ما جئنه متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله
(ما دعاه أحد من أصحابه ولا أهل بيته) أي من أزواجه وذريته وأقاربه وأحبابه (إلّا قال لبّيك) أي تأدبا معهم وتعليما لهم وإحضارا لنداء ربه على لسان خلقه وقد ورد أدبني ربي فأحسن تأديبي على ما رواه ابن السمعاني عن ابن مسعود؛ (وقال جرير بن عبد الله) البجلي اليمني (ما حجبني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ما منعني عن الدخول عليه (قطّ) أي أبدا (منذ أسلمت) أي تلطفا معه وتعظيما بجنابه أن يرده عن بابه ويكسر خاطره بحجابه (ولا رآني إلّا تبسّم) لأنه كان مظهر الجمال مع كونه سيدا مطاعا عريض الجاه وسيع البال وقد بسط رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رداءه إكراما له. (وكان يمازح أصحابه) كما ذكره الترمذي في باب مزاحه صلى الله تعالى عليه وسلم مع أصحابه من الرجال والنساء والكبار والصغار ولذا كان ابن سيرين مداعبا ويضحك حتى يسيل لعابه وإذا أريد على شيء من دينه كان الثريا أقرب إليه من ذلك (ويخالطهم) أي تواضعا (ويحادثهم) أي يخاطبهم ويكالمهم تأنيسا (ويداعب صبيانهم) أي يلاعبهم ويمازحهم ومنه قوله لجابر هلا بكرا تداعبها وتداعبك ففي القاموس الدعابة بالضم اللعب وداعبه مازحه (ويجلسهم) بضم أوله أي يعقد صبيانهم (في حجره) بفتح الحاء وتكسر أي في حضنه تلطفا بهم وتطييبا لقلوب آبائهم (ويجيب دعوة الحرّ والعبد والأمّة) أي إذا كانا معتقين أو إذا جاآه وطلباه إلى منزل سيدهما (والمسكين) تواضعا لربه وتمسكنا لخلقه مع جلالة قدره ورفعة محله لحسن خلقه (ويعود المرضى في أقصى المدينة) أي ولو كانوا في أبعد منازلها (ويقبل عذر المعتذر) أي ولو كانت اعذاره ليست على تحققها وفي الحديث أنه قبل عذر من تخلف عن غزوة تبوك بحسب ما أبرزوا من أقوال ظواهرهم ووكل إلى الله أحوال سرائرهم، (قال أنس رضي الله تعالى عنه) كما رواه أبو داود والترمذي والبيهقي عنه (مَا الْتَقَمَ أَحَدٌ أُذُنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) بضم الذال وسكونها فيه استعارة وضع اللقمة في الفم لوضع الفم عند الأذن أي ما جعل أحد أذنه محاذية لفمه ليحادثه مخافتة (فينحّي) من التنحية أي فيبعد (رأسه) وهو في حكم المستثنى أي إلا فيستمر ملقما له أذنه غير منحي عنه وجهه (حتّى يكون الرّجل) المانقم (هو) ضمير فصل (الذي ينحّي رأسه) في محل نصب على أنه خبر كان وحتى غاية لقوله فينحي رأسه (وما أخذ أحد بيده) أي مصافحة أو مبايعة (فيرسل) أي فيطلق (يده) من وضع الظاهر موضع المضمر أي إلا فتستمر يده في يد آخذها (حتّى يرسلها الآخر) بفتح الخاء المعجمة فراء نقيض الأول وفي أصل الدلجي بكسر خاء فذال معجمة وحتى غاية لتركها حتى
[ ١ / ٢٧٨ ]
يرسلها هو وهو تصحيف (ولم ير) بصيغة المجهول أي ولم بيصر حال كونه (مقدّما) بكسر الدال المهملة المشددة أي لم يعلم مقدما (ركبتيه بين يدي جليس له) أي فضلا عن أن يمد رجليه عند أحد من جلسائه وهذا كله تواضع وكمال تأدب وحسن عشرة (وكان) على ما في حديث ابن أبي هالة (يبدأ) أي يبتدىء وفي رواية يبدر بضم الدال والراء أي يبادر ويسبق (من لقيه بالسّلام) فإن هذه السنة أفضل من الفريضة لما فيه من التواضع والتسبب لأداء الواجب والضمير البارز له صلى الله تعالى عليه وسلم والضمير المستتر لمن ويحتمل العكس والأول أقرب إلى الأدب (ويبدأ أصحابه بالمصافحة) مفاعلة من الصاق صفحة الكف بالكف ويلزم منه مقابلة الوجه بالوجه عند اللقاء لأنها ملحوظة في معنى المصافحة خلافا لما يتوهم من كلام الدلجي ثم يستفاد من الحديث أن ما يفعله بعض العامة من مد الأصابع أو إشارة بعضها ليس على وجه السنة ثم رأيت التلمساني قال وصفتها وضع بطن الكف على بطن الأخرى عند التلاقي مع ملازمة ذلك على قدر ما يقع من السلام أو من السؤال والكلام أن عرض لهما وأما اختطاف اليد في أثر التلاقي فهو مكروه هذا وزاد الدلجي عن أبي ذر ما لقيته قط إلا صافحني وأسنده إلى أبي داود وهو ليس بموجود في النسخ المصححة والأصول المعتمدة (لم ير) أي كما رواه الدارقطني في غريب مالك وضعفه والمعنى لم يبصر أو لم يعلم (قطّ مادّا رجليه) أو إحديهما (بين أصحابه حتّى لا يضيق بهما على أحد) وهو كالعلة لتركه مدهما أي كان يترك مدهما حذرا من أن يضيق بهما على أحد من جلسائه شفقة عليهم وهو لا ينافي قصد تواضعه وإرادة أدبه معهم وفيه اقتباس من قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ أي ولو بلسان الحال تفسحوا في المجلس فافسحوا يفسح الله لكم، (يكرم من يدخل عليه) أي استئناسا والجملة وقعت استئنافا كما وقع ما قبلها ولعله فصلها عما قبلها حذرا من توهم كونها تتمة حديث سبقها (وربّما بسط له) أي فرش للداخل عليه (ثوبه) إكراما له منهم وائل ابن حجر الحضرمي ولعل المراد بثوبه رداؤه لقوله (ويؤثره) أي يقدمه على نفسه ويفرده (بالوسادة) أي بالجلوس عليها والاعتماد على المخدة (التي تحته) أي كانت تحته مفروشة إجلالا له وتكريما (ويعزم) أي يؤكد (عليه) أي على الداخل له (في الجلوس عليها) لدفع الوحشة وحصول المعذرة (إن أبى) أي امتنع من الجلوس عليها تأدبا لتلك الحضرة (ويكنّي) بتشديد النون (أصحابه) أي يجعل لهم كنى جمع كنية كأبي تراب وأبي هريرة وأم سلمة وهو من الكناية لما فيها من ترك التصريح بأسمائهم الاعلام وهو من آداب الكرام وأما أبو لهب فعدل عن اسمه عبد العزى كراهة لذكره أو تفاؤلا لمقره أو لاشتهاره به وأبعد من قال لتألفه (ويدعوهم بأحبّ أسمائهم) أي تارة أو المراد من الاسماء ما يعم الاعلام والألقاب والكنى والمعنى أنه لا ينبزهم بما يكرهونه بل يدعوهم بما يحبونه (تكرمة لهم) أي تكريما لهم وتعليما لهم في العمل بأصحابهم والتكرمة بكسر الراء وقول التلمساني بضم الراء وهم (ولا يقطع على أحد حديثه) أي بإدخال كلام في اثنائه قبل تمامه (حتّى يتجوّز) غاية لترك قطعه
[ ١ / ٢٧٩ ]
حديثه إلى أن يتجاوز منه ويتعدى إلى ما لا يليق به وقال التلمساني أي يفرط ويكثر والأول هو الأظهر فتديره (فيقطعه) أي فحينئذ يقطع حديثه (بنهي) أي صريح له أو عام يشتمله (أو قيام) أي بتلويح والأول زجر له والثاني إعراض عنه وهو مفيد لنهيه عنه إذ لا يقر على مثله، (ويروى بانتهاء أو قيام، وروي) أي كما في الأحياء وفي نسخة وَرُوِيَ (أَنَّهُ كَانَ لَا يَجْلِسُ إِلَيْهِ أَحَدٌ وهو يصلّي) أي والحال أنه ﵊ في صلاة من النوافل (إلّا خفّف صلاته) أي في إطالة صلاته (وسأله عن حاجته) أي دنيوية كانت أو أخروية (فإذا فرغ) أي عن قضاء حاجته (عاد إلى صلاته) أي المعتادة بالإطالة قال العراقي ولم أجد له أصلا، (وكان أكثر النّاس تبسّما) لكونه مظهر الجمال والبسط غالب عليه في كل حال وهذا معنى قوله (وأطيبهم نفسا) أي مستبشرا غير عبوس (ما لم ينزل عليه) بصيغة المجهول ويصح كونه للفاعل (قرآن) أي وحي متلو (أو يعظ) أي ما لم يعظ وينصح الناس ويعلمهم التأديب بالترغيب والترهيب (أو يخطب) أي في المنبر عند الجمع الأكبر فإنه حينئذ لم يكن متبسما ولا منبسطا بل كان يغلب عليه القبض لما فيه من مقال الإجلال بإظهار مظاهر ذي الجلال ففي كل مقام مقال ولكل مقال حال لأرباب الكمال (قال) أي على ما رواه أحمد والترمذي بسند حسن (عبد الله بن الحارث) وهو آخر من توفي من الصحابة بمصر والمراد به ابن جزء ابن عبد الله بن معدي كرب الزبيدي بضم الزاء وفي الصحابة من اسمه عبد الله بن الحارث أربعة عشر غيره على ما ذكره الحلبي وقال حديثه المذكور ههنا أخرجه الترمذي في المناقب من الجامع وهو في الشمائل أيضا (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعن أنس) قال كما رواه مسلم (كان خدم المدينة) بفتحتين جمع خادم والمعنى خدام أهلها (يأتون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا صلّى الغداة) أي صلاة الصبح (بآنيتهم) متعلق بيأتون والباء للتعدية أي يجيئون بأوانيهم (فيها الماء فما يؤتى) بصيغة المفعول من أتى يأتي أي ما يجاء (بآنية إلّا غمّس) أي أدخل (يَدَهُ فِيهَا وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْغَدَاةِ الباردة) أي وهو مع ذلك لا يمتنع مما هنالك (يريدون به) أي يغمس يده فيها (التّبرك) أي طلب البركة وحصول النعمة وزوال النقمة وكمال الرحمة هذا وفي الحديث المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من الذي يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم.
فصل [وأما الشفقة والرأفة والرحمة لجميع الخلق]
(وأمّا الشّفقة) أي الخوف على وجه المحبة (والرّأفة) وهي شدة الرحمة (والرّحمة) أي المرحمة العامة (لجميع الخلق) أي مؤمنهم وكافرهم وأنسهم وجنهم وقريبهم وغريبهم وفقيرهم وغنيهم حتى مماليكهم والحيوانات وسائر الموجودات وفي نسخة صحيحة بتأخير الرأفة عن الرحمة وهو الأنسب في مقام المرتبة لكن الأول أوفق بما جاء في التنزيل فهو أولى (فقد قال الله تعالى فيه) أي في حقه ﵊ (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ
[ ١ / ٢٨٠ ]
أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨]) كذا في أكثر النسخ وفي بعضها بعد قوله فيه عزيز الخ أي شديد شاق عليه عنتكم ولقاؤكم المكروه فما مصدرية وعلى متعلق بقوله عزيز ويجوز أن يكون عزيز منقطعا عما بعده والمعنى عزيز الوجود عزيز الجود بديع الجمال منيع الجلال منبع الكمال ويكون عليه ما عنتم جملة خبرها مقدم وعلى للضرر أي ويضره ولا يهون عليه تعبكم ومشقتكم حريص عليكم أي على منفعتكم دينا ودنيا بالمؤمنين منكم ومن غيركم رؤوف رحيم في الدنيا والآخرة وقدم أبلغهما رعاية للفاصلة أو للتذييل والتتميم وقدم الجار لاختصاصهم برحمته في الأولى والعقبى (وَقَالَ تَعَالَى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧]) لأنه أرسل لإسعادهم وصلاح معاشهم ومعادهم أن اتبعوه ولم يخالفوه (قال بعضهم) أي بعض العلماء وفصله عما قبله لاختلاف القائل قدما وحدوثا (من فضله صلى الله تعالى عليه وسلم أنّ الله تعالى أعطاه) أي من جملة ما فضل به على غيره ومما دل على كمال خيره أن الله تعالى أعطاه بخلقه ﷾ فيه الرأفة والرحمة (اسمين من أسمائه) أي نعتين سماه بهما (فقال بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨]) وفي قراءة رؤوف بالقصر (وحكى نحوه) أي نقل مثل ما ذكر عن بعضهم (الإمام أبو بكر بن فورك) بضم فاء وسكون واو وفتح راء وكاف منون وقد يمنع بلغت تصانيفه في الأصلين ومعاني القرآن قريبا من مائة مصنف توفي سنة ست وأربعمائة (حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمّد الخشنيّ) بضم الخاء المعجمة وفتح الشين المنقوطة فنون فياء نسبة لقبيلة خشين (بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ حَدَّثَنَا إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَبُو عَلِيٍّ الطّبريّ) بفتح الطاء المهملة والموحدة هكذا هو في الأصول المعتبرة والنسخ المعتمدة وقال الحلبي كذا وفي نسخة في الأصل الذي وقفت عليه إمام الحرمين ثنا أبو علي الطبري انتهى والطبري منسوب إلى طبرستان وقيل إلى طبرية (ثنا عبد الغافر الفارسيّ) بكسر الراء وهو النيسابوري صاحب تاريخ نيسابور وكتاب مجمع الغرائب والمفهم لشرح مسلم ولد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة سمع جده لأمه أبا القاسم القشيري وتفقه على امام الحرمين ولزمه أربع سنين حدث عنه جماعة وروى عنه ابن عساكر بالاجازة (ثنا أبو أحمد الجلوديّ) بضم الجيم واللام وقد تقدم (ثنا إبراهيم بن سفيان) سبق ذكره (ثنا مسلم بن الحجّاج) أي صاحب الصحيح (ثنا أبو الطّاهر) روى عن ابن عيينة والشافعي وخلق وعنه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة (نا) أي انبأنا وفي نسخة أنا بمعنى أخبرنا (ابن وهب) أحد الأعلام سمع مالكا وغيره أخرج له أصحاب الكتب الستة طلب للقضاء فجنن نفسه وانقطع (نا) أي أنبأنا (يونس) أي ابن زيد الأيلي بفتح همزة وسكون تحتية روى عن عكرمة والزهري وعنه ابن المبارك وغيره قال الحلبي وفي يونس ست لغات ضم النون وفتحها وكسرها مع الهمزة وعدمه (عن ابن شهاب) أي الزهري (قال غزا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غزوة وذكر حنينا) بالتصغير أي وذكر ما يدل على أنه أراد بها حنينا وهو واد بين مكة والطائف
[ ١ / ٢٨١ ]
وراء عرفات على بضعة عشر ميلا من مكة وكانت غزوته في شوال سنة ثمان (قال) أي ابن شهاب (فأعطى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي في تلك الغزوة من غنائمها (صفوان بن أميّة) تصغير أمة (مائة من النّعم) بفتحتين أي الإبل والبقر والشاة وقيل الإبل والشاة وهو جمع لا واحد له من لفظه وفي رواية من الغنم (ثمّ مائة ثمّ مائة) أي ثالثة تألفا إليه وشفقة عليه وانقاذا له من النار ولمن تبعه من الكفار، (قال ابن شهاب ثنا) أي حدثنا كما في نسخة (سعيد بن المسيّب) بفتح التحتية المشددة عند العراقين وهو المشهور وبكسرها عند المدنيين وذكر أن سعيدا كان يكره الفتح وهو إمام التابعين وسيدهم جمع بين الفقه والحديث والعبادة والورع روي عنه أنه صلى الصبح بوضوء العشاء خمسين سنة وعنه أنه قال ما نظرت إلى قفاء رجل في الصلاة مذ خمسين سنة لمحافظته على الصف الأول وقال أيضا ما فاتتني التكبيرة الأولى مذ خمسين وكان يسمى حمامة المسجد وكان يتجر في الزيت (أنّ صفوان قال والله لقد أعطاني) أي رسول الله (ما أعطاني) أي الذي أعطانيه من المئين (وإنّه لأبغض الخلق إليّ) الجملة الحالية (فما زال يعطيني) أي بعد ذلك (حتّى أنّه) أي أنه ﵊ صار الآن (لأحبّ الخلق إليّ) وذلك لعلمه ﵊ أن دواءه من داء الكفر ذلك المبتج إسلامه إذ الطبيب الماهر يعالج بما يناسب الداء وقد رأى أن داء المؤلفة حب المال والأنعام فدواهم بأكرم الانعام حتى عرفوا من نقمة الكفر بنعمة الإسلام ثم اعلم أن الراوي إذا قدم الحديث على السند كَانَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم كذا وكذا أخبرني به فلان ويذكر سنده أو قدم بعض الإسناد مع المتن كهذا الحديث الذي نحن فيه فهو إسناد متصل لا يمنع ذلك الحكم باتصاله ولا يمنع ذلك من روى ذلك أي تحمله من شيخه كذلك بأن يبتدئ بالإسناد جميعه أولا ثم يذكر المتن كما جوزه بعض المتقدمين من أهل الحديث قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح وينبغي أن يكون فيه خلاف نحو الخلاف في تقديم بعض المتن على بعض فقد حكى الخطيب المنع من ذلك على القول بأن الرواية على المعنى لا تجوز والجواز على القول بأن الرواية على المعنى تجوز ولا فرق بينهما في ذلك كذا ذكره الحلبي، (وروي) بصيغة المجهول وقد روى أبو الشيخ والبزار (أنّ أعرابيّا) وهو غير معروف (جاءه) أي أتى النبي ﵊ (يطلب منه شيئا) أي من مطالب الدنيا (فأعطاه ثمّ قال) أي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (أحسنت إليك) بهمزة ممدودة وسكون هاء لاجتماع همزة الاستفهام وهمزة الأفعال للتقرير وهو حمل المخاطب على الإقرار بأنه أحسن إليه وأنعم عليه، (قال الأعرابي لا) أي لا أعطيتني كثيرا ولا قليلا (ولا أجملت) أي ولا أتيت يا جميل أو ولا أوصلتني جميلا حيث لا أحسنت جزيلا وقيل معناهما واحد كرر للتأكيد وقيل ما أجملت ما أكثرت وهو أولى كما لا يخفى ولا يبعد من غلظته وجلفته لديه إن أراد بقوله ولا أجملت دعاء عليه ويؤيده قوله، (فغضب المسلمون وقاموا إليه) ليوافوه بما استحقه زجرا عليه
[ ١ / ٢٨٢ ]
(فأشار) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (إليهم أن كفّوا) أي كفوا أو بأن كفوا بضم فتشديد أي امتنعوا عنه وكفوا أنفسكم منه شفقة عليه وإحسانا إليه (ثمّ قام) أي النبي ﵊ (ودخل منزله) أي للاهتمام (وأرسل) وفي نسخة فأرسل (إليه وزاده شيئا) أي على ما قدمه عليه (ثمّ قال أحسنت إليك) كما سبق (قال نعم فجزاك الله به) أي بسبب ما أحسنت به إلى (من أهل وعشيرة خيرا) بالنصب على أنه مفعول ثان لجزى ومن تبعيضية والجملة اعتراض بين الفعل ومفعوله نصب على الاختصاص أو على الحال أي اخصك من بينهما أو حال كونك منهما، (فقال له النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم إنّك قلت ما قلت) أي شيئا عظيما مستهجنا قبيحا (وفي نفس أصحابي) أي وفي نفوسهم وفي أصل التلمساني وفي نفس أصحابي بصيغة المفرد (من ذلك) أي قولك (شيء) أي أمر عظيم وخطب جسيم (فإن أحببت) أي أردت إزالة ذلك (فقل بين أيديهم) أي عندهم (ما) وفي نسخة مثل ما (قلت بين يديّ) أي من المديح ليكون كفارة لذلك القبيح (حتّى يذهب) أي بقولك لهم ذلك (ما في صدورهم عليك) أي من الغضب لما صدر عنك فإن المعالجة بالاضداد، (قال نعم) أي أقول لهم ذلك. (فلمّا كان الغد) أصله غدو فحذفوا الواو بلا عوض (أو العشيّ) بفتح فكسر فتشديد وأو لشك الراوي (جاء) أي الأعرابي (فقال صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ قَالَ مَا قال) أي ما سمعتموه في أول الحال (فزدناه) أي بعض المال (فزعم أنّه رضي) أي به عنا (أكذلك) استفهام تقرير أي أحق ما نقلته عنك (قَالَ نَعَمْ فَجَزَاكَ اللَّهُ مِنْ أَهْلٍ وَعَشِيرَةٍ خيرا) فكان المراد بالأهل هو الأخص أو الأعم والله أعلم. (فقال) أي النبي كما في نسخة صحيحة (صلى الله تعالى عليه وسلم: مثلي ومثل هذا) المثل بفتحتين في الأصل هو النظير ثم استعمل في القول السائر الممثل مضربه بمورده أي موضع ضربه بموضع وروده فالمورد هو الحالة الأصلية التي ورد فيها كحالة المنافقين والمضرب هو الحالة المشبهة كحالة المستوقد نارا ولا يضرب إلا بما فيه غرابة زيادة في التوضيح والتقرير فإنه أوقع للنفس وأقمع للخصم ويريك المخيل محققا والمعقول محسوسا ثم استعير لما له شأن عجيب وفيه أمر غريب من صفة أو حال أو قصة نحو مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ولله المثل الأعلى ومثل الجنة التي وعد المتقون وأمثالها والمعنى هنا شبهي وشبه العجيب الشأن والغريب البيان (مثل رجل له ناقة شردت عليه) أي نفرت وذهبت في الأرض عنه أو غلبت عليه (فأتبعها النّاس) من الاتباع أو الاتباع أي فتبعوها ليلحقوها (فلم يريدوها إلّا نفورا) أي تنفرا منهم وتبعدا عنهم (فناداهم صاحبها خلّوا بيني وبين ناقتي) أي اتركوني معها (فإنّي أرفق بها) أي أشفق عليها (منكم وأعلم) أي بحالها وطبعها وطريق أخذها (فَتَوَجَّهَ لَهَا بَيْنَ يَدَيْهَا فَأَخَذَ لَهَا مَنْ قمام الأرض) بضم القاف وتخفيف الميم جمع قمامة وهي في الأصل الكناسة أريد بها ههنا ما تلقمه من الأرض فتأكله شبه بالكناسة لخسته فاستعير له اسمها لمشاركة صفته (فردّها) أي طمعها إليه (حتّى جاءت واستناخت) أي طلبت البروك
[ ١ / ٢٨٣ ]
وهو بنون قبل الألف وخاء معجمة بعدها يقال أناخ الجمل فاستناخ أي بركه فبرك (وشدّ عليها رحلها) أي ربط عليها قتبها (واستوى عليها) أي استقر عليها جالسا (وإنّي لو تركتكم حيث قال الرّجل) أي حين قوله (ما قال) أي شيئا قاله أو لا (فقتلتموه دخل النّار) أي عقوبة له بما ظهر من الكفر في اساءة أدبه معه صلى الله تعالى عليه وسلم فكان حسن ملاطفته وزيادة عطيته سببا لإرضائه وباعثا لتوبته فهو أرفق بأمته وأعلم بحالهم منهم فإنه بهم رحيم وبدوائهم حكيم ومما يناسب المقام ويلائم المرام ما روي عن خوات بن جبير من الصحابة الكرام أنه قال نزلت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بمر الظهران فإذا نسوة يتحدثن فأعجبتني فأخرجت حلة من عيبتي فلبستها وجلست إليهن فمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فهبته فقلت يا رسول الله جمل لي شرود وأنا ابتغي له قيد والله فمضى وتبعته فألقى على ردائه ودخل الاراك فقضى حاجته وتوضأ ثم جاء فقال يا أبا عبد الله ما فعل شراد جملك ثم ارتحلنا فجعل كلما لحقني قال السلام عليك يا أبا عبد الله ما فعل شراد جملك فتعجلت المدينة وتركت مجالسته والمسجد فطال ذلك علي فتحينت خلو المسجد ثم دخلت فطفقت أصلي فخرج من بعض حجره فصلى ركعتين خففهما وطولت رجاء أن يذهب عني فقال طول أبا عبد الله ما شئت فلست ببارح حتى تنصرف فقلت والله لأعتذرن إليه فانصرفت فقال السلام عليك يا أبا عبد الله ما فعل شراد الجمل فقلت والذي بعثك بالحق ما شرد ذلك الجمل منذ اسلمت فقال رحمك الله مرتين أو ثلاثا ثم لم يعد.
(وروي عنه) بصيغة المجهول وهو مروي من طريق أبي داود عنه (أنّه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ) من التبليغ أو الإبلاغ كما قرئ بهما في السبعة قوله تعالى أُبَلِّغُكُمْ وهو يحتمل النهي والنفي وهو بمعنى النهي كما هو أبلغ أي لا يوصلني أحد منكم بأن ينقل (عن أحد من أصحابي شيئا) أي مما ينكر فعله من أيهم كان من أي وقت كان وهذه النكرات وردت في حيز نفي متوشحة بنهي فعمت جميع الأصحاب والأوقات والأشياء مكروهة أو حراما بشهادة المقام إذ لا يتعلق نهى بماح ومأذون فيه (فإنّي أحبّ أن أخرج) أي من الدنيا (إليكم وأنا سليم الصّدر) جملة حالية وفيه إيماء إلى قوله تعالى إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ أي سالم من الغش والحقد للخلق ومن الغفلة عن ذكر الحق.
(ومن شفقته على أمّته ﵊ تخفيفه) أي عنهم أعباء التكاليف (وتسهيله عليهم) أي وتهوينه بما يقوي قلوبهم عليه من الترغيب والترهيب. (وكراهته) أي لهم (أشياء مخافة أن تفرض) أي تلك الأشياء (عليهم) ومخافة منصوب على العلة للأفعال الثلاثة وفي نسخة بدلها خوف أن تفرض عليهم وهذا حكم إجمالي أو رد لكل ما يناسبه جمعا وتقسيما (كقوله) على ما رواه الشيخان (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مع كلّ وضوء) أي أمر وجوب فيؤخذ استحبابه في كل حال ولو كان للصائم بعد الزوال فإن لولا لامتناع الشيء لوجود غيره والمعنى امتنع الأمر بالفريضة لوقوع المشقة. (وخبر صلاة
[ ١ / ٢٨٤ ]
اللّيل) بالجر وهو الصحيح وفي نسخة بالرفع على أنه مبتدأ خبره يأتي ولعله أراد به ما رواه الشيخان في قيام الليل من خبر خذوا من العمل ما تطيقون إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يريد يستغفر الله فيسب نفسه وما روياه في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص حيث قال وأما أنا فأرقد وأقوم وأصلي ومنعه عن قيام الليل كله وقد روي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم خرج ليلة في شهر رمضان فصلى بالقوم عشرين ركعة واجتمع الناس في الليلة الثانية فخرج وصلى بهم فلما كانت الليلة الثالثة كثر الناس فلم يخرج وقال عرفت اجتماعكم لكن خشيت أن نفرض عليكم (ونهيهم) بالوجهين أي ونهيه إياهم (عن الوصال) كما روياه وهو أن لا يفطر أياما متوالية؛ (وكراهته) أي لأجلهم (دخول الكعبة) أي دخوله فيها على ما رواه أبو داود وصححه الترمذي (لئلّا تتعنّت أمّته) من الاتعاب وهو الإيقاع في التعب والمشقة وفي نسخة لئلا تتعب أمته بفتح التاء والعين ورفع أمته وفي نسخة صحيحة لئلا يعنت من أعنت غيره إذا أوقعه في العنت وهو المشقة وفي نسخة بتشديد النون المكسورة؛ (ورغبته لربّه) أي دعاؤه إياه على طريقة الميل والرغبة (أن يجعل سبّه) أي شتمه ﵊ (ولعنه لهم) أي بأن دعا عليهم بالطرد والبعدان صدر شيء منهم لبعضهم أو لكلهم (رحمة بهم؛ وأنّه) ضبط بالكسر والفتح وهو الأظهر أي ومن شفقته عليهم كما وراه الشيخان أنه (كان يسمع بكاء الصّبيّ) أي الصغير والبكاء يمد ويقصر (فيتجوز) أي فيقتصر ويخفف ويتعجل (في صلاته) أي المعقودة للجماعة رحمة لهم وحذرا من ذهاب خشوع من صلى معه من والديه. (ومن شفقته صلى الله تعالى عليه وسلم أن دعا ربّه) أي سأله (وعاهده) أي وأخذ عهده ﷾ فيما بينه وبينه (فقال أيّما رجل) وكذا حكم المرأة تبعا (سببته أو لعنته) ليس أو للشك بل للتنويع (فاجعل ذلك له زكاة) أي نماء وبركة يتبارك بها (ورحمة) أي ترحما بها (وصلاة) أي ثناء أو بعادة وقال الدلجي عطف تفسير إذ هي منه تعالى رحمة وقال الأنطاكي عطف الصلاة على الرحمة وإن كانت في معناها لتغاير اللفظ ولا يخفى أن ما اخترناه هو السديد لأن التأسيس أولى من التأكيد (وطهورا) يتطهر به وجعله الدلجي أيضا من باب التأكيد حيث فسر الزكاة بالطهارة خلافا لما قدمناه (وقربة) أي وسيلة (تقرّبه بها إليك يوم القيامة) قال الدلجي إنما أعاده لما فيه من الزيادة أقول وكان الأولى للمصنف أن يجمعهما من غير فصل بينهما واعلم أن أول الحديث اللهم إن محمدا بَشَرٌ يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ وَإِنِّي قَدِ اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه فأيما رجل سببته أو لعنته الحديث قيل وإنما يكون دعاؤه عليهم رحمة وزكاة ونحو ذلك إذا لم يكن اهلا للدعاء عليه والسب واللعن بأن كان مسلما كما جاء في الحديث كذلك في بعض الروايات فأيما رجل من المسلمين سببته الحديث وإلا فقد دعا صلى الله تعالى عليه وسلم على الكفار والمنافقين ولم يكن ذلك رحمة بلا شبهة فإن قيل كيف يدعو صلى الله تعالى عليه وسلم على من ليس
[ ١ / ٢٨٥ ]
بأهل للدعاء عليه أو سبه أو لعنه فالجواب أن المراد ليس بأهل لذلك عند الله تعالى وفي باطن الأمر ولكنه في الظاهر مستوجب له فيظهر له صلى الله تعالى عليه وسلم استحقاقه لذلك بأمارة شرعية وهو مأمور بحكم الظواهر والله يتولى السرائر (ولمّا كذّبه قومه) أي ومما يدل على كمال شفقته على أمته حديث الشيخين أنه لما كذبه قريش من كفار مكة (أتاه جبريل ﵇) أي تسلية لحاله وتسكينا لتألمه (فقال له إنّ الله قد سمع قول قومك لك) أي لأجلك (وما ردّوا عليك) أي من تكذيب وغيره في حقك وقيل المعنى وما أجابوك وذلك لأنه ﷾ لا يعزب عن علمه مسموع إلا أن سمعه صفة تتعلق بالمسموعات من غير جارحة على هيئة الموجودات فإنه ﷾ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فنزه ﷾ أولا عن التشبيه والتمثيل ثم أثبت ردا على أهل التعطيل (وقد أمر ملك الجبال) أي أذنه بالانقياد لك (لتأمره) أي لأجل أن تأمره (بما شئت فيهم) أي فيطيعك في حقهم (فناداه ملك الجبال) أي فحضره الملك وناداه باسمه أو بوصف من أوصافه (وسلّم عليه) الواو لمطلق الجمع لمناسبة تقديم السلام على النداء والكلام (وقال مرني بما شئت) أي في قومك وحذف مفعوله للتعميم ثم خصص بقوله (إن شئت أن أطبق) بضم الهمزة وكسر الموحدة أي أوقع وأرمي (عليهم الأخشبين) أي فعلت وفي أصل الدلجي أطبقت وهو الأوفق لكنه مخالف للأصول المصرحة والنسخ المصححة والمراد بالأخشبين وهو بالخاء والشين المعجمتين فموحدة تثنية الأخشب وهو الجبل الخشن وأنشد أبو عبيدة:
كان فوق منكبيه أخشبا جبلان مطبقان بمكة
قيل هما أبو قبيس وقعيقعان أو الجبل الأحمر الذي أشرف على قعيقعان وعن ابن وهب هما جبلان تحت عقبة مني فوق المسجد (قال) وفي أصل الدلجي فقال (النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بل أرجو) أي لا أريد استئصالهم بل أتوقع (أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ الله وحده) أي منفردا (ولا يشرك به شيئا) أي شيئا من الإشراك لا جليا ولا خفيا والجملة الثانية كالمؤكدة لما قبلها ويمكن اعتبار مغايرتها لها وما ذاك إلا لكونه رحمة للعالمين وقد أمضى الله ﷾ رجاءه فكأنه صلى الله تعالى عليه وسلم دعا لهم بالخير ولو بواسطة تحمل الضير. (وروى ابن المنكدر) تقدمت منقبته وأنه تابعي جليل فالحديث مرسل إلا أنه ليس مما يقال بالرأي فيكون له حكم الموصول كما قالوا في موقوف الصحابي بهذا المعنى إنه يكون في حكم المرفوع لا سيما ويعضده الحديث السابق المروي في الصحيحين والحاصل أنه روي (أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ: لِلنَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ السَّمَاءَ والأرض والجبال أن تطيعك) أي بإطاعتك فمرها بما شئت فقال (أؤخّر عن أمّتي) أي العذاب الذي استحقوه بكفرهم (لعلّ الله أن يتوب عليهم) أي على
[ ١ / ٢٨٦ ]
بعضهم بتوفيق إيمانهم أو يخرج مؤمنا من أصلابهم؛ (قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: «مَا خُيِّرَ رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا) أي أهونهما كما اختار تأخير العذاب عن أمته كما صرح به صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث الأول بقوله بل للاضراب عما خير فيه من الاطباق وعدمه وحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما سبق الكلام عليه وذكر السيوطي في جامعه الصغير برواية الترمذي والحاكم في مستدركه عن عائشة رضي الله تعالى عنها بلفظ ما خير بين أمرين إلا اختيار ارشدهما هذا وما أحسن ما قيل في المداراة:
ودارهم ما دمت في دارهم وأرضهم ما دمت في أرضهم
وقوله:
ما دمت حيا فدار الناس كلهم فإنما أنت في دار المداراة
من يدر داري ومن لم يدر سوف يرى عما قليل نديما للندامات
(وقال ابن مسعود) أي فيما رواه الشيخان (كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يتخوّلنا) بالخاء المعجمة أي يتعهدنا (بالموعظة) أي بالنصائح المفيدة وقيل هو تخويف بسوء العاقبة وقال أبو عمرو بن الصلاح والصواب بالمهملة أي يتحرى الحال التي ينشطون فيها للموعظة فيعظم فيها ولا يكثر عليهم فيملوا منها ورواه الأصمعي يتخوننا بالنون بدل اللام مع الخاء المعجمة بمعنى يتعهدنا (مخافة السّامة) بهمزة ممدودة أي الملالة (علينا؛ وعن عائشة:
أنّها ركبت بعيرا) بفتح أوله ويكسر أي جملا (وفيه صعوبة فجعلت تردّده) أي من الترديد وهو الرد بالتشديد (فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عليك بالرّفق) أي الزمي اللطف مع كل شيء في كل حال والباء زائدة والمعنى استعملي الرفق وقد ورد مرفوعا ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه كما رواه عبد بن حميد والضياء عن أنس رضي الله تعالى عنه وفي صحيح مسلم بروايته عن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا مرفوعا ولفظه عليه بالرفق أن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه وروى البخاري في تاريخه عنها أيضا عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش.
فصل [وأما خلقه صلى الله تعالى عليه وسلم في الوفاء]
(وأمّا خلقه صلى الله تعالى عليه وسلم في الوفاء) أي القيام بمقتضى الوعد (وحسن العهد) أي وفي تهد العقد ومراعاة الوجد (وصلة الرّحم) بالإحسان إلى ذوي القرابة خصوصا (فَحَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَامِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بقراءتي عليه) والقراءة أحد وجوه الرواية على اختلاف في أنها الأفضل أو السماع من الشيخ هو الأكمل وتحقيق الفصول في الأصول (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) وفي نسخة ابن أحمد (حدّثنا أبو إسحاق الحبّال) بفتح مهملة فتشديد موحدة (حدّثنا أبو محمّد بن النّحّاس) بفتح نون وتشديد مهملة (حدّثنا ابن الأعرابي
[ ١ / ٢٨٧ ]
حدّثنا أبو داود) أي صاحب السنن (حدّثنا محمّد بن يحيى) إمام جليل نيسابوري روى عن ابن مهدي وعبد الرزاق وعنه البخاري والأربعة وغيرهم ولا يكاد يفصح البخاري باسمه لما جرى بينهما قال أبو حاتم هو إمام أهل زمانه (حدّثنا محمّد بن سنان) بكسر أوله مصروف روى عنه البخاري وغيره (حدّثنا إبراهيم بن طهمان) بفتح مهملة وسكون هاء وهو أبو سعيد الخراساني يروي عن سماك بن حرب وثابت البناني وعنه ابن معين وخلق وثقه أحمد وأبو حاتم وكان من أئمة الإسلام فيه إرجاء أخرج له اصحاب الكتب الستة (عن بديل) بضم موحدة وفتح دال مهملة وسكون تحتية فلام وهو ابن ميسرة العقيلي يروي عن أنس وجماعة وعنه شعبة وحماد بن زيد (عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شقيق) وفي نسخة أبي شقيق (عن أبيه) أبوه هو عبد الله بن شقيق وهو عقيلي بصري يروي عن عمر وأبي ذر وعنه قتادة وأيوب وثقه أحمد وغيره (عن عبد الله عن أبي الحمساء) بمهملتين بينهما ميم ساكنة فألف ممدودة وفي نسخة بخاء معجمة فنون وهو تصحيف كما قال الحلبي وقال التلمساني وهو الأكثر في الرواية والصواب بالميم وفي نسخة عن أبي الحمساء وأبو الحمساء لا إسلام له ولا رواية (قال بايعت النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ببيع) أي بعقد بيع لا بعهد بيعة (قبل أن يبعث) أي بالرسالة (وبقيت له بقيّة) إما من الثمن أو المثمن فإن البيع من الأضداد (فوعدته) وفي نسخة وهي الأظهر فواعدته (أن آتيه بها) أي أجيئه بالبقية (في مكانه) أي الذي صدر فيه البيع أو غيره (فنسيت) أي أن آتيه بها (ثمّ ذكرت بعد ثلاث) أي ثلاث ليال أو ثلاثة أيام ولم يلحق التاء به لحذف مميزه وقيل المراد الليالي بأيامها والليل سابق والحكم للسابق وأبعد من قال ويحتمل ثلاث ساعات وأغرب التلمساني بقوله وهو الأقرب ووجه الغرابة أن الانتظار ثلاث ساعات مما لا يستغرب (فجئت) وفي نسخة فجئته بإبراز ضميره (فإذا هو في مكانه) أي مكان وعده (فقال يا فتى لقد شققت علّي) أي أوقعت المشقة علي وثقلت علي (أنا ههنا منذ ثلاث) يفيد أنه ما تحول من مكانه ذلك (أنتظرك) أي لتأتيني هنالك وهذا من جملة أخلاق جده إسماعيل ﵇ حيث قال تعالى وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ قال مجاهد لم يعد شيئا إلا وفى به وقال مقاتل وعد رجلا أن يقيم مكانه ﵇ حتى يرجع إليه الرجل فأقام إسماعيل مكانه ثلاثة أيام للميعاد حتى رجع إليه الرجل وقال الكلبي انتظره إسماعيل حتى حال عليه الحول. (وعن أنس رضي الله تعالى عنه) كما رواه البخاري في الأدب المفرد (كان النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) الظاهر إن كان للاستمرار الغالبي أو لمجرد الربط التركيبي (إذا أتى) أي جيء (بِهَدِيَّةٍ قَالَ اذْهَبُوا بِهَا إِلَى بَيْتِ فُلَانَةَ) كناية عن علم امرأة وهي هنا لا تعرف من هي (فَإِنَّهَا كَانَتْ صَدِيقَةً لِخَدِيجَةَ إِنَّهَا كَانَتْ تُحِبُّ خديجة) وهو للتأكيد إذ تفيد الجملة الأولى أن خديجة كانت تحبها أيضا او فيه الحث على البر والصلة وحسن العهد؛ (وعن عائشة ﵂) كما في الصحيحين (قالت ما غرت) بكسر غين معجمة وسكون راء وفي نسخة صحيحة قالت ما غرت (على امرأة) أي من نساء النبي
[ ١ / ٢٨٨ ]
صلى الله تعالى عليه وسلم (ما غرت) أي كغيرتي (على خديجة لما كنت) علة لغيرتها أي لأجل كوني دائما (أسمعه) أي اسمع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (يذكرها) أي ذكرا جميلا وثناء جزيلا قال الطبري وغيره الغيرة من النساء مسموح لهن ومفسوح في أخلاقهن لما جبلن عليه وأنهن لا يملكن عندها أنفسهن ولهذا لم يزجر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عائشة عليها ولا رد عليها عذرها لما علم من فطرتها وشدة غيرتها قال الزبيدي والعامة تكسرها والصواب فتحها، (وإن كان) بكسر الهمزة على أن أن مخففة من المثقلة أي وأنه ﵊ كان (ليذبح الشّاة) بفتح اللام وهي المسماة بالفارقة نحو قوله تعالى وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً (فيهديها) بضم الباء أي فيرسلها هدية (إلى خلائلها) جمع خليلة أي صدائقها لكل واحدة منها قطعة (واستأذنت عليه أختها) أي طلبت الإذن في الاتيان إليه صلى الله تعالى عليه وسلم أخت خديجة وهي هالة بنت خويلد بن أسد أم أبي العاص بن الربيع زوج زينب بنته صلى الله تعالى عليه وسلم واسمه لقيط بن الربيع ذكرها ابن منده وأبو نعيم في الصحابة (فارتاح لها) وفي نسخة صحيحة إليها أي فرح بمأتاها وأكرمها ورحب بها ونظر إليها، (ودخلت عليه امرأة) أي أخرى في وقت آخر (فهشّ لها) بتشديد شين معجمة أي فرح بها واستبشر منها (وأحسن السّؤال عنها) لزيادة الاستيناس بها بسبب طول عهدها (فَلَمَّا خَرَجَتْ قَالَ إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا أَيَّامَ خديجة) أي في زمانها (وإنّ حسن العهد من الإيمان) وفي الجامع الصغير أن حسن العهد من الإيمان رواه الحاكم في مستدركه عن عائشة ﵂ مرفوعا، (ووصفه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (بعضهم) أي بعض السلف (فقال كان يصل ذوي رحمه) أي يحسن إليهم ويعطف عليهم وإن بعدوا عنه أو أساؤوا إليه (من غير أن يؤثرهم) أي يختارهم ويفضلهم (على من هو أفضل منهم) أي من غيرهم عدلا منه وإعطاء لكل ذي حق حقه لقوله تعالى يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ ولقوله ﷾ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ فلا يفضل أحد بني هاشم أو غيرهم على عالم من علماء الدين وأكابرهم كما يستفاد من حديث الشيخين الذي ذكره بقوله. (وقال صلى الله تعالى عليه وسلم إنّ آل بني فلان) وفي أصل الحجازي أن آل بني فلان ثم قال وفي بعض النسخ أن آل أبي فلان قال ابن قرقول وهو المشهور انتهى وقال بعضهم أن آل بني فلان غلط بل هو آل أبي فلان والمراد الحكم بن أبي العاص وقال بعضهم هو أبو العاص بن أمية بن شمس بن عبد مناف كنى عنه الراوي حذرا من آل بني أمية إذ كانوا حينئذ أمراء (ليسوا لي بأولياء) وقال ابن قرقول وفي الحديث المشهور أن آل أبي ليسوا أولياء قال وبعد قوله أبي بياض في الأصول كأنهم تركوا الاسم تورعا أو تقية وعند ابن السكن أن آل أبي فلان كنى عنه بفلان انتهى ولا يخفى أن قوله تورعا لا وجه له إذ نص صلى الله تعالى عليه وسلم على اسمه ثم على تقدير آل أبي فلان لا يبعد أن يكون كناية مبهمة ليشمل جميع أقاربه وقد يحمل عليه رواية آل أبي من غير فلان إذ الظاهر أن المقصود ليس منحصرا في
[ ١ / ٢٨٩ ]
جميع قريبه دون غيرهم كما يدل عليه عموم قوله ليسوا لي بأولياء أي حقيقة حتى أواليهم صداقة لقوله تعالى إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ ولقوله ﷾ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ هذا وقد قال التلمساني والذي لم يسم ذلك يحتمل عم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويجوز غيره وهو أولى وراوي الحديث هو عمرو بن العاص وفي بعض الروايات قال سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جهارا غير سر يقول إن آل أبي سفيان ليسوا لي بأولياء ثم ساق الحديث ومعنى الحديث من كان غير صالح تقي فليس بولي لي وإن قرب نسبه مني (غير أنّ لهم) أي لآل أبي فلان (رحما) أي قرابة (سأبلّها) بضم موحدة ولام مشددة أي سأصلها وأراعيها وأقوم بحقها (ببلالها) بكسر الموحدة وفتحها قال البخاري في صحيحه وبلالها أصح يعني بكسر الباء قال وبلالها يعني بفتحها لا أعرف له وجها وسقط كلام البخاري هذا من الأصل الأصيل انتهى والبلال جمع بلل وهو ما يبل به الحلق من ماء أو لبن وفيه استعارة ومعناه أن القطع حرارة كالنار والوصل برودة كالماء وهو يبرد حرارة القطيعة ويطفئها أي أصلها في الدنيا ولا أغني عنهم من الله شيئا في العقبى شبهت قطيعتها بالحرارة تطفأ بالماء وتندى بالصلة ومنه حديث بلوا ارحامكم ولو بالسلام كما رواه البزار والطبراني والبيهقي أي صلوها كما في رواية. (وقد صلّى ﵊) كما رواه الشيخان (بأمامة) بضم الهمزة (ابنت ابنته زينب) أي بنت أبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس من بنته صلى الله تعالى عليه وسلم (يحملها على عاتقه) جملة حالية وفي نسخة صحيحة فجعلها على عاتقه وقال التلمساني يحملها بفتح الميم وكسرها معا إلا أن الفتح أفصح وروي فحملها على عاتقه والعاتق ما بين المنكب والكتف (فإذا سجد) أي اراد أن يسجد (وضعها) أي على الأرض بعمل يسير (وإذا قام) أي أراد القيام (حملها) وهذا بيان لكيفية صلاته بها ومثل هذا لا يشغل أرباب الكمال عما هم فيه حسن الحال حيث وصلوا إلى مرتبة جمع الجمع الذي لا تحوم حولهم التفرقة بأن لا تمنعهم الوحدةة عن الكثرة ولا الكثرة عن الوحدة فهم كائنون بائنون قريبون غريبون عرشيون فرشيون بحسب الأرواح اللطيفة والأشباح الشريفة كما قال قائلهم:
رق الزجاج ورقت الخمر فتشابها وتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح وكأنما قدح ولا خمر
فالذي ما زاغ بصره وما طغى فيما رأى من آيات ربه الكبرى كيف يشغل قلبه عن ربه قطعه من لحمه ولكن هذا مشرب ارباب السرائر دون مذهب أصحاب الظواهر وقد علم كل اناس معراج مشربهم وسلك كل طائفة منهاج مذهبهم قال الخطابي وإسناد وضعها وحملها في كل خفض ورفع فيها إليه مجاز لأنه يشغله عن صلاته وإنما كانت قد ألفته وأنست به فإذا سجد جلست على عاتقه فلا يدفعها فتبقى محمولة إلى ان يركع فيرسلها إلى الأرض فإذا كل
[ ١ / ٢٩٠ ]
سجد فعلت كذلك قاله الدلجي وظاهر قوله فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها يأباه إلا قربية صارفة إلى المجاز وقال ابن بطال كان في صلاة نافلة أشهب عن مالك ورواه النووي بما رواه ابن عيينة عن أبي قتادة قال رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يؤم الناس وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه وينصره رواية أبي قال بينا نحن ننتظر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لصلاة الظهر أو العصر فخرج إلينا وأمامة على عاتقه فقام في مصلاه وقمنا خلفه قال النووي وزعم بعض المالكية أنه منسوخ قال ابن دقيق العيد وروي عن مالك وقال ابن عبد البر لعله نسخ تحريم العمل في الصلاة بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم إن في الصلاة لشغلا ورد بأنه كان قبل بدر عند قدوم راويه عبد الله بن مسعود من الحبشة وقدوم زينب بأمامة كان بعد ذلك ونقل أشهب وغيره أن حملها كان لضرورة دعت إليه إذ لم يكن من يتعهدها حتى يفرغ وتركها بلا متعهد أشق واشغل عليه من حملها مصليا وزعم بعضهم أنه خاص به قال النووي وهذه كلها دعاوى مردودة لا بينة عليها ولا ضرورة إليها والحديث قاض بجواز ذلك صريحا ليس فيه ما يخالف قواعد الشرع وما في جوفها من نجاسة معفو عنه لكونه في معدته وثياب الأطفال وأجسادهم على طهارتها وأدلة الشرع شاهدة بأن هذه الأفعال لا تبطلها هذا وإنما فعل ذلك تشريعا للجواز وقد أفاد أن لمس المحارم لا ينقض وضوءا والعمل اليسير لا يبطل صلاة انتهى كلامه وأبو أمامة أبو العاص أسر يوم بدر فمن عليه بلا فداء إكراما لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بسبب زينب ثم أسلم قبيل فتح مكة وحسن إسلامه ورد صلى الله تعالى عليه وسلم زينب عليه بنكاح جديد أو بالنكاح الأول ثم بعد موته تزوجها علي بوصاية فاطمة إليه في ذلك ثم بعد على تزوجها المغيرة بن نوفل بن عبد المطلب بن هاشم وليس لزينب ولا لرقية ولا لأم كلثوم رضي الله تعالى عنهن عقب وإنما العقب لفاطمة رضي الله تعالى عنها وزينب أكبر بناته صلى الله تعالى عليه وسلم قال التلمساني روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أهديت له هدية فيها قلائد من جزع فقال لأدفعنها إلى أحب أهلي فقال النساء ذهبت بها ابنة ابن أبي قحافة فدعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمامة بنت زينب فأعلقها في عنقها (وعن أبي قتادة) كما رواه البيهقي وهو أنصاري فارس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعرف بذلك (قال وفد) بفتح الفاء أي قدم (وقد للنّجاشي) أي جماعة من عنده رسلا إليه صلى الله تعالى عليه وسلم وقد سبق ضبط النجاشي وترجمته (فقام النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يخدمهم) بضم الدال وتكسر وإنما خدمهم بنفسه تواضعا لربه وإرشادا لأمته (فقال له أصحابه نكفيك) أي خدمتهم (فقال إنّهم كانوا لأصحابنا مكرمين) أي حين هاجروا إليهم ونزلوا عليهم (وإنّي أحبّ أن أكافئهم) بكسر فاء بعدها همزة مفتوحة أي أجازيهم بمثل ما فعلوا بهم من الإحسان جزاء وفاقا.
(ولمّا) أي وحين (جيء بأخته من الرّضاعة) بفتح الراء وتكسر وفي نسخة من الرضاع (الشّيماء) بفتح الشين المعجمة وسكون التحتية ممدودة وفي أصل الدلجي بلا ياء وهي رواية
[ ١ / ٢٩١ ]
ذكرها المحب الطبري وهي مجرورة بيانا لأخته ويجوز رفعها ونصبها كما هو معلوم في أمثالها عند أربابها قال الحلبي الشيماء فيها قولان هل هي بنت حليمة أو أختها قال الحجازي أبوها الحارث أدرك الإسلام وأسلم بمكة وأسلمت واسمها جدامة بجيم مضمومة فمهملة فألف فميم وقيل خذافة بمعجمة مكسورة وذال معجمة وبفاء وقيل بميم (في سبايا هوازن) متعلق بجيء أي في أسارى قبيلة هوازن من بني سعد بن بكر (وتعرّفت له) أي أعلمت باسمها ومكانها وأطلعته على شأنها مما وقع له معها في زمانها وهو عطف على جيء وجعله الدلجي جملة حالية اعتراضية بين لما وجوابها وهو وقوله (بسط لها رداءه) إجلالا لها وإكراما لأجلها ومكافأة لفعلها إذ هي التي كانت تربيه مع أمها حليمة (وقال لها) أي على وجه التخيير (إن أحببت أقمت عندي مكرّمة) بضم ميم وفتح راء أي معظمة (محبّبة) بضم ميم ففتح فتشديد أي محبوبة وفي أصل التلمساني محببة قال وروي محبة وهما بمعنى والأول أكثر والثاني قليل أغنى عنه محبوبة في الثلاثي (أو متّعتك) أي إن كنت تريدين المراجعة أعطيتك متاعا حسنا ودفعت إليك ما تتمتعين به وتنتفعين منه وزودتك (ورجعت إلى قومك) أي رجوعا مستحسنا (فاختارت قومها) لعلها الضرورة الجأتها إليه (فمتّعها) أي فزودها وأعطاها أشياء تتمتع بها فقيل أعطاها غلاما له اسمه مكحول وجارية فزوجت أحدهما من الآخر فلم يزل فيهم من نسلهما بقية قيل وقد فازت هي وأبوها وأخوها بسعادة الإسلام وزيادة الإكرام ببركته ﵊ والحديث رواه ابن إسحاق والبيهقي، (وقال أبو الطّفيل) تصغير طفل وفي نسخة ابن الطفيل وهو تصحيف وهو عامر بن واثلة بالمثلثة الكناني آخر من مات من الصحابة على الإطلاق كان مولده عام احد وتوفي سنة مائة من الهجرة وقد روى أربعة أحاديث وكان تفضيليا وقد روى أبو داود بسند صحيح عنه (رأيت النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي وكان جالسا يوما بالجعرانة يقسم لحما (وأنا غلام) أي حال كوني غير بالغ وقيل الصبي إذا فطم سمي غلاما إلى سبع سنين (إذ أقبلت امرأة حتّى دنت منه) أي قربت ووصلت إليه (فبسط لها رداءه) تكريما لها (فجلست عليه) أي بأمره (فقلت) لمن عنده (من هذه قالوا أمّة التي أرضعته) فقيل هي حليمة وقيل ثوبية قال الحافظ الدمياطي لا يعرف لحليمة صحبة ولا إسلام وقال المرأة التي بسط لها رداءه أختها الشيماء وروى ابن عبد البر في استيعابه عن عطاء بن يسار أن حليمة بنت عبد الله مرضعة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جاءت يوم حنين فقام لها وبسط لها رداءه وفي سيرة مغلطاي وصحيح ابن حبان وغيره ما يدل على إسلامها. (وعن عمرو بن السّائب) كذا في النسخ المصححة المعتبرة عمرو بالواو قال الحجازي وهو ابن راشد المصري مولى بني زهرة تابعي ذكر الحافظ عبد الغني في إكماله فيمن اسمه عمرو وهمه الحافظ المزي وقال اسمه عمر بضم العين قال الحلبي وهو غلط صريح صوابه عمر بن السائب بضم العين وحذف الواو وهو يروي عن أسامة بن زيد وجماعة وعنه الليث وابن لهيعة وغيرهما ذكره ابن حبان في الثقات والحديث رواه أبو داود مرسلا عنه
[ ١ / ٢٩٢ ]
أنه بلغه (أنّ رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ جَالِسًا يَوْمًا فَأَقْبَلَ أَبُوهُ من الرّضاعة) هو الحارث بن عبد العزى واختلف في إسلامه (فَوَضَعَ لَهُ بَعْضَ ثَوْبِهِ فَقَعَدَ عَلَيْهِ ثُمَّ أقبلت أمّه) أي حليمة (فوضع لها شقّ ثوبه) بكسر الشين أي طرفه (مِنْ جَانِبِهِ الْآخَرِ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ أخوه من الرّضاعة) وهو عبد الله بن الحارث المذكور على ما هو الظاهر فيهم جميعا لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم كانت له مراضع خمس وقيل ثمان (فقام صلى الله تعالى عليه وسلم فأجلسه بين يديه) أي تكريما له وتعظيما لوالديه. (وكان يبعث) أي يرسل من المدينة إلى مكة (إلى ثويبة) بضم مثلثة وفتح واو فسكون تحتية فموحدة (مولاة أبي لهب) بفتح الهاء وتسكن عمه ﵊ يقال إنها أسلمت (مرضعته) بالجر بيان أو بدل لثويبة (بصلة) أي نفقة (وكسوة) قال التلمساني بضم الصاد وكسرها وكسوة بضم وبكسر وقرىء بهما في السبع انتهى ولا نعرف أحدا من القراء أنه قرأ بضم الكاف وكذا الصاد غير معروف في اللغة (فَلَمَّا مَاتَتْ سَأَلَ: مَنْ بَقِيَ مِنْ قَرَابَتِهَا فقيل لا أحد) أي ما بقي منهم أحد والحديث رواه ابن سعد عن الواقدي عن غير واحد من أهل العلم وفي الروض الأنف كان يصلها من المدينة فلما فتح مكة سأل عنها وعن ابنها مسروح فقيل ماتا. (وفي حديث خديجة ﵂) كما رواه الشيخان (أنّها قالت له صلى الله تعالى عليه وسلم أبشر) بفتح الهمزة وكسر الشين المعجمة أي استبشروا فرح ولا تحزن (فو الله لا يحزنك الله) بضم الياء وسكون الخاء المعجمة وكسر الزاء أي لا يهينك ولا يذلك ولمسلم أيضا لا يحزنك من الحزن وهو بفتح الياء وضم الزاء وبالنون أو بضم أوله وكسر ثالثه كما في بعض الروايات وبعض النسخ وقد قرئ بهما في السبعة (أبدا) أي دائما سرمدا (إنّك لتصل الرّحم وتحمل الكلّ) بفتح فتشديد أي ثقيل الحمل العاجز عن تحمل مؤنة عياله (وتكسب المعدوم) أي تصل كل معدوم من فقير محروم وفي رواية بضم أوله أي تعطي الناس الشيء المعدوم (وتقري الضّيف) بفتح أوله وكسر الراء أي تطعمهم (وتعين) أي الخلق (على نوائب الحقّ) بالإضافة البيانية إشعارا بأنها تكون في الحق والباطل قال لبيد.
نوائب من خير وشر كلاهما فلا الخير ممدود ولا الشر لازب
وقال التلمساني المراد بالحق هو الله ﷾ لأنه الخالق لها قال العلماء ومعنى كلام خديجة رضي الله تعالى عنها أنك لا يصيبك مكروه لما جعل الله فيك من مكارم الأخلاق ومحاسن الشمائل وفي هذا دلالة على أن خصال الخير سبب السلامة من مصارع السوء.
فصل [وأما تواضعه صلى الله تعالى عليه وسلم]
(وأمّا تواضعه صلى الله تعالى عليه وسلم) وهو هضم نفسه من الملكات المورثة للمحبة الربانية والمودة الإنسانية (على علوّ منصبه) بكسر الصاد أي مع سمو منزلته (ورفعة وثبته) أي مرتبته من تمام نبوته ونظام رسالته وفي نسخة رتبه جمع رتبة وأغرب الدلجي في
[ ١ / ٢٩٣ ]
جعل على على صرافته وصرف عبارته إلى تمثيل تمكنه منهما واستقراره عليهما بحال من اعتلى شيئا واقتعد غاربه وغرابته لا تخفى على أرباب الصفاء (فكان أشدّ النّاس تواضعا) أي لعظم قدره وكرم أمره (وأعدمهم كبرا) كذا في الاصول المصححة ولعله أراد بأنه كان يتكبر أحيانا لظهور كبرياء الله ﷾ فيه بالنسبة إلى بعض المتكبرين لما ورد من أن التكبر على المتكبر صدقة وفي أصل الدلجي وأعدمهم كبرا وذكر الحجازي أنه رواية والمعنى أفقدهم وهو يرجع إلى المعنى الأول لكنه باعتبار اللفظ فيه أنه لا يصاغ اسم التفضيل إلا من فعل وجودي والحاصل أنه بلغ من هذا المعنى السلبي مبلغا لا يشاركه فيه أحد ثم قال وفي نسخة وأقلهم كبرا والأولى أجود لافتقار الثانية إلى حملها على نفيه من أصله لكونه في مقام مدح له انتهى وقد ذكر عند قوله تعالى فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ أنه وصف مصدر محذوف أي إيمانا قليلا وقيل لا قليلا ولا كثيرا يقال قلما يفعل أي لا يفعل اصلا ومن استعمال القلة بمعنى النفي حديث النسائي عن ابن أبي اوفى قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يكثر الذكر ويقل اللغو، (وحسبك) مبتدأ خبره الجملة بعده أي وكافيك (أنّه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على ما رواه أحمد والبيهقي (خيّر بين أن يكون نبيّا ملكا) بكسر اللام أي سلطانا (أو نبيّا عبدا) أي أو أن يكون نبيا عبدا من جملة عباد الله تعالى داخلا في الرعايا والضعفاء وسلك المساكين والفقراء (فاختار أن يكون نبيّا عبدا) أي تباعدا عما هو من شأن الملوك من التكبر والتجبر والتكاثر للخدم والترفع عن الخدمة وتقربا إلى ما هو من صفات العبيد من التقلل في الدنيا والتكثر في خدمة المولى، (فقال له إسرافيل عند ذلك) من اختيار النعت الجليل (فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَاكَ بِمَا تَوَاضَعْتَ لَهُ) أي في هذا العالم (أنّك سيّد ولد آدم يوم القيامة) وهذا كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم من تواضع لله رفعه الله كما رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وكقوله ﵊ تواضعوا وجالسوا المساكين تكونوا من كبراء الله وتخرجوا من الكبر رواه أيضا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه وقوله تواضعوا لمن تتعلمون منه وتواضعوا لمن تعلمونه ولا تكونوا جبابرة العلماء رواه الخطيب في الجامع عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وقوله التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله تعالى رواه ابن أبي الدنيا ثم تقييده بقوله يوم القيام لظهور سيادته فيه عيانا لكل أحد كقوله ﷾ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ مع كون الملك له مطلقا (وأوّل من تنشقّ الأرض عنه) للبعث (وأوّل شافع) أي يوم القيامة للعامة أو في الجنة لرفع درجات الخاصة لحديث مسلم أنا أول شفيع في الجنة.
(حدّثنا أبو الوليد بن العوّاد) بتشديد الواو (﵀) جملة دعائية (بقراءتي عليه في منزله بقرطبة) بضم قاف وطاء بلد بالمغرب (سنة سبع وخمسمائة) والمقصود مما ذكره كله كمال استحضاره لروايته عنه (قال حدّثنا أبو عليّ الحافظ) أي الغساني وقد تقدم (حدّثنا أبو عمر)
[ ١ / ٢٩٤ ]
بضم العين وهو يوسف بن عبد الله بن عبد البر بن عاصم النميري القرطبي وانتهى إليه مع إمامته علو الاسناد الدال على جلالته وترجمته مسطورة ومصنفاته مشهورة (حدّثنا ابن عبد المؤمن) وهو أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن (حدّثنا ابن داسة) بتخفيف السين المهملة (حدّثنا أبو داود) أي صاحب السنن (حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة) صاحب التصانيف الحجة عن شريك وابن المبارك وعنه الشيخان وغيرهما قال الغلاس ما رأينا أحفظ منه وقال الذهبي في الميزان ابو بكر ممن قفز القنطرة وإليه المنتهى في الثقة (حدّثنا عبد الله بن نمير) بضم نون وفتح ميم عن هشام بن عروة والأعمش وعنه أحمد وابن معين حجة وأخرج له الأئمة الستة (عن مسعر) بكسر ميم ويفتح وبفتح عين وهو ابن كدام بن أبي سلمة الهلالي الكوفي أخذ العلم عن عطاء وغيره وعنه القطان ونحوه وله ألف حديث وهو من العباد القانتين أخرج له أئمة الستة (عن أبي العنبس) بفتح عين فسكون نون فموحدة مفتوحة فسين مهملة (عن أبي العدبّس) بفتح العين والدال المهملتين وتشديد الموحدة فسين مهملة (عن أبي مرزوق) قال ابن حيان لا يجوز الاحتجاج بما انفرد به (عن أبي غالب) اختلف في توثيقه (عن أبي أمامة) أي الباهلي (قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم متوكئا) أي متحملا ومعتمدا (على عصا) أي لعارض من ضعف أو مرض (فقمنا له) أي تعظيما وتكريما (فقال) أي تواضعا (لا تقوموا) أي لي أو مطلقا (كما تقوم الأعاجم) أي بطريق الالتزام أو على سبيل الوقوف على الأقدام (يعظّم بعضهم) أي بعض تلك الجماعة (بعضا) على ما هو دأب الملوك الفخام والأكابر العظام ولا يعارضه حديث قوموا لسيدكم خطابا للأنصار حين أقبل سعد راكبا على الحمار وهو شاكي يحتاج إلى استعانة جمع في نزوله إلى محل القرار وأبعد من استدل به على استحباب القيام المتعارف بين الأنام والأقرب أن يحمل النهي على التنزيه أو خاص لطائفة العرب لأن يستمروا على عاداتهم من تكلف في مقام الأدب قال التلمساني والقيام أربعة أقسام فمحظوره القيام لمن يحب أن يقام له ومكروهه القيام لمن لا يحب أن يقام له ومجازه القيام للعالم المتواضع وحسنه القيام للقادم من سفر وإنما خشي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من فعلهم أن يتخذوه سنة وكان لا يحب التشبه بأهل الضلالة (وقال) أي تواضعا لله وترحما على خلق الله (إنّما أنا عبد) أي مشابه للعبيد في مقام التواضع وعدم التكلف والتصنع (آكل كما يأكل العبد) أي من غير سفرة وخوان وجمعه إخونة وأخوان (وأجلس كما يجلس العبد) على التراب من غير سرير وفرش حرير وفي رواية لا آكل متكئا إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ وأجلس كما يجلس العبد وربما جثى على ركبتيه وربما نصب اليمنى وجلس على ظهر قدميه اليسرى وعن عبد الله بن جعفر قال رأيت في يمين النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قثاء وفي شماله رطبا يأكل من ذا مرة ومن ذا مرة (وكان صلى الله تعالى عليه وسلم) أيمن كمال تواضعه مع قدرته على
[ ١ / ٢٩٥ ]
ركوب الفرس والبغل والناقة (يركب الحمار) أي وحده تارة ومع غيره أخرى كما ورد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في طريف قبا (ويردف خلفه) من الإرداف أو من الثاني بكسر الدال في الماضي وفتحها في المستقبل أي ويركب ورآه ظهره على الناقة وغيرها من أراد من أصحابه كالصديق وذي النورين والمرتضى وعبد الله بن جعفر وزيد وأسامة والفضل ومعاوية وغيرهم ممن بلغ عددهم خمسة وأربعين (ويعود المساكين) من المرضى (ويجالس الفقراء) أي ويجتنب مجالسة الأغنياء ويقول اتقوا مجالسة الموتى والمغايرة بين الفقراء والمساكين من تفنن العبارة وإن اختلف الفقهاء في الفرق بينهما في مصرف الصدقة (ويجيب دعوة العبد) أي إلى بيت سيده أو المراد به العبد المعتوق بأن يأتي بيته جبرا لخاطره وتواضعا مع ربه وامتثالا لأمره ﷾ بقوله وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (ويجلس) كما في حديث هند بن أبي هالة كان يجلس (بين أصحابه) أي فيما بينهم (مختلطا بهم) لا يتخير مجلسا يترفع به عليهم بل كان من دأبه معهم أنه (حيثما انتهى به المجلس) أي وخلا فيهم المكان المؤنس (جلس) أي تواضعا له ﷾ وإرشادا لأصحابه ليتأدبوا بآدابه. (وفي حديث عمر) أي من رواية البخاري (عنه صلى الله تعالى عليه وسلم لا تطروني) من الإطراء وهو المبالغة في الثناء إلى حد يقع الكذب في الاثناء أي لا تجاوزوا الحد في مدحي بأن تنسبوا إلى ما لا يجوز في وصفي (كما أطرت النّصارى عيسى ابن مريم) حتى زعموا أنه ابن الله وغير ذلك (إنّما أنا عبد) أي من عبيد ربي (فقولوا عبد الله ورسوله) وفيه إيماء إلى ما قيل:
لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف اسمائي
والنهي إنما هو عن الإطراء لا لمطلق المدح والثناء لتقريره صلى الله تعالى عليه وسلم خديجة على مدحها له وأما حديث إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب فمحمول على المجاوزة عن الحد بالكذب ونحوه في هذا الباب كما تشير إليه صيغة المبالغة وقد أشار صاحب البردة إلى زبدة هذه العمدة بقوله:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم وأحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
(وعن أنس ﵁) كما رواه مسلم (أنّ امرأة) قيل لعلها أم زفر ماشطة خديجة إذ قد ورد مرسلا أنها كانت صحابية ويحتمل غيرها (كان في عقلها شيء) أي من جنون (جَاءَتْهُ فَقَالَتْ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَّةً قَالَ اجلسي يا أمّ فلان) لعل الراوي لم يعرف اسم ابنها فكنى عنه (في أي طرق المدينة) أي اجزائها (شئت) أي أردت أنت مما هو اهون عليك أو قريب إليك (أجلس إليك) أي معك أو متوجها إليك وهو مجزوم لجواب شرط فقدر بعد الأمر أي إن تجلسي أجلس إليك (حتّى أقضي حاجتك) أي من الكلام أو طلب المرام، (قال) أي أنس (فجلست فجلس النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهَا حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ
[ ١ / ٢٩٦ ]
حاجتها) من كمال تواضعه لها وملاطفته معها. (قال أنس رضي الله تعالى عنه) على ما رواه أبو داود والبيهقي (كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يركب الحمار) بل عريانا أحيانا (وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْعَبْدِ وَكَانَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ) أي زمن غزوتهم وهي عقب غزوة الخندق (راكبا على حمار مخطوم) أي في رأسه خطام وهو حبل كالزمام (بحبل من ليف) أي ورق نخل (عليه إكاف) جملة حالية من ضمير مخطوم والإكاف بكسر الهمزة أو ضمها البردعة أو ما يشد فوقها. (قال) أي أنس رضي الله تعالى عنه (وكان يدعى إلى خبز الشّعير، والإهالة) وهي بكسر الهمزة كل ما يؤتدم به من الأدهان وقيل ما أذيب من الشحم والإلية (السّنخة) بفتح السين المهملة وبكسر النون أي المتغيرة الرائحة الزنخة (فيجيب) أي من دعاه إلى ذلك. (قال) أي أنس (وحجّ صلى الله تعالى عليه وسلم على رحل) أي كور أو قتب وهو للبعير كالسرج للفرس (رثّ) بتشديد المثلثة أي خلق بال (وعليه) أي وعلى كتفه أو على رحله (قطيفة) أي كساء له خمل (ما تساوي أربعة دراهم فقال) أي مع هذا كله (اللهمّ اجعله حجّا) بفتح الحاء وكسرها على ما قرئ بهما في السبع وزيد في نسخة مبرورا (لا رياء فيه ولا سمعة) بل اجعله خالصا لوجهك الكريم (هذا) مبتدأ محذوف الخبر من اسمي فعل أمر وإشارة يورد كأما بعد للانتقال من أسلوب مقال إلى مقال آخر من الأحوال والواو بعده الحال ويذكر بعده خبره كما في قوله تعالى هذا ذِكْرُ أي تأمل هذا الصنيع الجليل والقصد الجميل يورثاك تعجبا من حجه على تلك الهيئة من التواضع والاستكانة كذا حققة الدلجي والأظهر أن يقال إنه مركب من كلمتي التنبيه والإشارة أي تنبه لهذا (وقد) أي والحال أنه قد (فتحت عليه الأرض) أي وألقت أفلاذها من ذهب وغيره من فلذاتها إليه صلى الله تعالى عليه وسلم (وأهدى) كما روى مسلم عنه (في حجّه ذلك) أي عام الوداع (مائة بدنة) أي ناقة تقربا إلى ربه وإرشادا لمن يقتدى به وإيماء إلى أن ترك تكلفه في ثوبه ومركوبه لم يكن عن افتقار به وقد نقل أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نحر بيده الكريمة ثلاثا وستين بقدر سني عمره وأمر عليا كرم الله وجهه بنحر البقية في يومه (ولمّا فتحت عليه مكّة) على ما رواه ابن إسحاق والبيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها والحاكم والبيهقي وأبو يعلى عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما فتحت عليه مكة (ودخلها بجيوش المسلمين) أي بأصناف منهم (طأطأ) بهمزتين أولاهما ساكنة وقد تبدل وثانيتهما مفتوحة أي خفض مفتوحة وأطرق وأرخى (على رحله) أي حال كونه راكبا فوقه (رأسه) مفعول طأطأ (حتّى كاد) أي قارب صلى الله تعالى عليه وسلم (يمسّ) بفتح الميم كقوله تعالى لا يَمَسُّهُ وقال التلمساني بضم الميم لا غير والظاهر أنه وهم منه أي يصيب برأسه أو قارب رأسه أن يمس (قادمته) أي مقدمة رحله فحتى غاية لطأطأة رأسه وقوله (تواضعا لله) مفعول لأجله وفيه إيماء إلى ما يشير إليه قوله تعالى وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ
[ ١ / ٢٩٧ ]
الْقَرْيَةَ إلى أن قال وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا أي متواضعين لا متكبرين كالجبارين (ومن تواضعه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ) مثلث النون وبالهمزة ست لغات (ابن متّى) بفتح ميم وتشديد مثناة وهي أم يونس ﵇ ولم يشتهر نبي بأمه غير عيسى ويونس كذا ذكره ابن الأثير في الكامل أما يونس فللغلبة وأما عيسى فلأنه لا أب له ومنه قول القائل:
ألا رب مولود وليس له أب وذي ولد لم يلده أبوان
مشيرا إلى آدم ﵇ ولم يلده بفتح الياء وسكون اللام وفتح الدال للضرورة وقد قيل إنه من بني إسرائيل وإنه من سبط بنيامين قال الحجازي وما ذكر في قصص الكسائي من أن متى أبوه ليس بصحيح فإن قيل ما الجمع بين قوله في صحيح البخاري لا تفضلوني على يونس ابن فلان ونسبه إلى أبيه وظاهره أن متى أبوه وأجيب بأن متى مدرج في الحديث من كلام الصحابي لبيان يونس بما اشتهر به ولما كان ذلك موهما أن الصحابي سمعه من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم دفع ذلك بقوله ونسبه إلى أبيه أي لا كما فعلت أنا من نسبته إلى أمه كذا ذكره الحجازي وتبعه الدلجي وغيره ولكن لا يخفى أن مثل هذا التصرف لا يجوز للراوي مع ما فيه من قلة أدب في نسبته إلى أمه لولا أنه منقول من أصله هذا ثم الحديث بهذا اللفظ غير معروف ولفظ البخاري لا يقولن أحدكم إني خير من يونس بن متى ولعل وجه تخصيصه نفيه ﷾ عنه العزم بقوله تعالى فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ أو لما وقع له صلى الله تعالى عليه وسلم من المعراج العلوي وليونس ﵇ من المعراج السفلي إيماء إلى أن الأمكنة بالإضافة إلى قرب الله تعالى على حد سواء تستوي فيه الأرض والسماء وقد أجاب العلماء عن هذا الحديث بأجوبة منها أنه قاله تأدبا وتواضعا ومنها أنه قال قبل أن يعلم أنه افضلهم فلما علم قال أنا سيد ولد آدم بل وفي البخاري أنا سيد الأولين والآخرين ولا فخر ومنها أنه نهى عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة كما ثبت سببه في الصحيح بورود لا تفضلوني على موسى كما سيجيء ومنها أنه نهى عن تفضيل يؤدي إلى نقص بعضهم لا عن كل تفضيل لثبوته في الجملة كما قال تَعَالَى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ ومنها أنه نهى عن التفضيل في نفس النبوة لا في ذوات الأنبياء وعموم رسالتهم وزيادة خصائصهم ومزية حالاتهم وهذا معنى قوله صلى الله تعالى عليه وسلم على ما رواه الشيخان (ولا تفضّلوا بين الأنبياء) وأما قوله ﵊ (ولا تخيّروني على موسى) فسببه ما رواه الشيخان وأبو داود والنسائي من أنه استب مسلم ويهودي قال والذي اصطفى موسى على العالمين فلطم المسلم وجهه وذكر ذلك للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فسأل المسلم عنه فأخبره فقال لا تخيروني على موسى أي تخيير مفاضلة يؤدي
[ ١ / ٢٩٨ ]
إلى مخاصمة وأما قوله صلى الله تعالى عليه وسلم كما رواه الشيخان (ونحن أحقّ بالشّكّ من إبراهيم) أي إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى إنما صدر عنه تواضعا لربه وهضما لنفسه لا اعترافا به في حق إبراهيم ولا في حقه فكأنه قال إذا كنت لم أشك في إحياء الله الموتى فإبراهيم بعدم الشك أولى فأثبته لهما بنفي الشك عنهما وقيل بل قال ذلك على سبيل التقديم لأبيه أي أنه لم يشك ولو شك لكنت أنا أحق بالشك منه ثم قوله رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى شاهد صدق بأن سؤاله لم يكن من قبل الشك والشبهة بل من قبل رؤية تلك الكيفية العجيبة الدالة على كمال قدرته الباهرة شوقا إلى معرفتها مشاهدة كاشتياقنا إلى رؤية الجنة معاينة والحاصل أنه ﵊ أراد بقوله أرني الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم ليس الخبر كالمعاينة ويدل عليه بقية الآية حيث قال تعالى أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي وأما قوله صلى الله تعالى عليه وسلم، (ولو لبثت) أي لو مكثت (في السّجن) فرضا وتقديرا (ما لبث يوسف) بتثليث السين مهموز أو غيره ست لغات أي مدة لبثه في السجن (لأجبت الدّاعي) وهو رسول الملك والمعنى لأسرعت إلى إجابة دعوته مبادرة إلى الخلاص من السجن ومحنته قال ذلك هضما لنفسه ورفعة لمقام يوسف ورتبته وإيثارا للأخبار بكمال تثبته وحسن نظره في بيان نزاهته وإظهار براءته وحمدا لصبره وترك عجلته وتنبيها على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإن كانوا من الله بمكان لا يرام فهم بشر يطرأ عليهم من الأحوال بعض ما يطرأ على غيرهم من الأنام وأن ذلك لا يعد نقصا لهم في مقام المرام وتمام النظام (وقال) أي النبي ﵊ على ما رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال (للذي قال له) أي خاطبه بقوله (يا خير البريّة) بالتشديد والهمز على ما قرىء بهما في السبع أي الخليقة (ذاك إبراهيم) تعليما لأبوته وتعليما لأمته ودفعا للافتخار عن ذاته. (وسيأتي الكلام على هذه الأحاديث) أي على حل ما فيها من الاشكال الذي تقدم بعض الأجوبة عنه (بعد هذا) أي محل اليق منه (إن شاء الله تعالى) أي بيانه فيه. (وعن عائشة والحسن) أي البصري (وأبي سعيد) أي الخدري وكان حقه أن يقدم على الحسن اللهم إلا أن يراد به الحسن بن علي كرم الله وجهه لكن قاعدة المحدثين أن الحسن إذا أطلق فهو البصري (وغيرهم) أي وغير المذكورين أيضا كما رواه البخاري وغيره (في صفته) أي نعته صلى الله تعالى عليه وسلم (وبعضهم يريد على بعض) أي وبعض الرواة منهم يزيد على بعضهم بعض العبارات في تفصيل الصفات ومجمله قوله. (وكان في بيته في مهنة أهله) بفتح الميم وكسره وأنكره الأصمعي ورجحه المزي بقوله وهو أوفق لزنته ومعناه أي خدمة أهله وفي الحديث ما على أحدكم لو اشترى ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته في أهله مما يتعين عليهم رفقا بهم ومساعدة لهم وتواضعا معهم وبيانه قوله (يفلي ثوبه) بكسر اللام
[ ١ / ٢٩٩ ]
أي يزيل قمله كراهة لوجوده وتنظيفا لوسخه لما في الشفاء لابن سبع أنه لم يقع على ثيابه ذباب قط ولم يكن القمل يؤذيه تكريما له وتعظيما فيه وروي أم حرام كانت تفلي رأسه (ويحلب شاته) بضم اللام وتكسر (ويرقع ثوبه) بفتح القاف وفي نسخة من الترقيع (ويخصف نعله) بكسر الصاد أي يخرزها ويطبق طاقا على طاق من الخصف وهو الجمع والضم ومنه قوله ﷾ وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أي يطبقان ورقة على ورقة على بدنهما بالخزر أو الربط أو اللصق ومن أحسن ما قيل في مثال نعله صلى الله تعالى عليه وسلم:
أمرغ في المثال بياض شيبي لما عقد النبي له قبالا
وما حب المثال يشوق قلبي ولكن حب من لبس النعالا
وقال بعضهم:
يا لاحظا لمثال نعل نبيه قبل مثال النعل لا تتكبرا
والثم له فلطا لما عكفت به قدم النبي مروحا ومبكرا
أو لا ترى أن المحب مقبل طللا وإن لم يلف فيه مخبرا
أقول وأنا في هذا الحال أقبل خيال المثال تعظيما لنبي ذي الجلال (ويخدم نفسه) بضم الدال وكسرها وهو تعميم بعد تخصيص ثم ذكر ما يعم نفعه له ولغيره بقوله (ويقمّ البيت) بضم القاف وكسرها وتشديد الميم أي يكنسه (ويعقل البعير) بكسر القاف أي يربط ركتبه بالعقال وهو ما يعقل به من الحبال ومنه العقل لأنه يمنع صاحبه عما يضره ويبعثه على ما ينفعه (ويعلف) بكسر اللام قيل ويضم أوله (ناصحه) أي بعيره الذي يستقي عليه الماء (ويأكل مع الخادم) أي مملوكا أو غيره وهو يشمل المذكر والمؤنث (ويعجن معها) أي مع الخادمة من الجارية وغيرها وخص العجن بها لأن الغالب أنه من عملها (ويحمل بضاعته) أي مشتراه من مأكول وغيره (من السّوق) أي إلى محله في بعض أوقاته إذ ثبت أنه ﵊ كان له خدم يقومون بماله من المرام. (وعن أنس رضي الله تعالى عنه) على ما رواه البخاري في الأدب تعليقا ووصله ابن ماجه (إن) هي المخففة من المثقلة والمعنى أن الشان (كانت الأمة من إماء أهل المدينة) أي من جنسها (لتأخذ) بفتح اللام الفارقة (بيد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فتنطلق به) أي تذهبه (حيث شاءت) أي من طرق المدينة وبيوتها (حتّى تقضي حاجتها) أي منه ﵊ بشفاعة ونحوها. (ودخل عليه رجل) هو غير معروف (فأصابته من هيبته) أي مخافته وعظمته (رعدة) بكسر الراء أي اضطراب أو برودة (فقال له هوّن عليك) أي يسر أمرك ولا تخف (فإنّي لست بملك) أي سلطان جائر والحديث سبق إلا أنه أعاده هنا لما فيه من زيادة قوله (إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ تَأْكُلُ القديد) وهو اللحم المجفف فعيل بمعنى المفعول تنبيها له على أنه مأكول
[ ١ / ٣٠٠ ]
المساكين (وعن أبي هريرة ﵁) كما رواه الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عنه أنه قال (دخلت السّوق مع النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فاشترى سراويل) فارسي معرب شابه من كلام العرب ما لا ينصرف معرفة ونكرة (وقال للوزّان) بتشديد الزاء أي وأزن الفضة من الصيرفي وغيره (زن) بكسر الراء (وأرجح) بفتح همز وكسر جيم أي اعطه راجحا على وزنه بالزيادة (وذكر القصّة) أي بطولها ومن جملته، (قال) أي أبو هريرة رضي الله تعالى عنه (فوثب) أي فقام الوزان بسرعة متوجها (إلى يد النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يقبّلها) بتشديد الموحدة جملة حالية أي حال كونه مريدا لتقبيلها لما رأى فيها من زيادة السخاوة وحسن المعاملة (فجذب يده) أي تواضعا وتباعدا عما يوجب النخوة والعجب والغرور (وقال هذا) أي التقبيل (تفعله الأعاجم) أي أهل فارس (بملوكها) أي ويورثهم كبرا وفخرا ولأصحابهم ذلا (ولست بملك) أي من جنس ملوكهم (إنّما أنا رجل منكم) أي بشر مثلكم أو واحد من جنس عربكم أعاملكم بمعاملة أدبكم وهذا لا ينافي ما ورد عن أنهم كانوا يتبركون به وبآثاره ولا ما ذكره النووي وغيره من أن تقبيل يد الغير إن كان لجاه وغنى فمكروه أو لصلاح وعلم فمستحب (ثمّ أخذ السّراويل) أي من بايعه بعد تسليم ثمنه (فذهبت) قصدت (لأحمله فقال صاحب الشّيء أحقّ بشيئه) أي بمتاعه المختص به (أن يحمله) لأنه أبقى على تواضعه وأنفى لكبره وقد قيل لم يثبت أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لبس السراويل لكن اشتراها قيل بأربعة دراهم وفي الاحياء بثلاثة ولم يلبسها وجاء في الهدى لابن القيم من أنه لبسها قالوا وهو من سبق القلم لكن السيوطي صحح لبسه صلى الله تعالى عليه وسلم والله ﷾ أعلم هذا وقد ذكر التلمساني أنه أخرج أبو داود الحديث عن سماك بن حرب قال حدثني سويد بن قيس قال جلبت أنا ومخرمة العبدي بزامن هجر فأتينا به مكة فجاءنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يمشي فساومنا بسراويل فبعناه وثم رجل يزن بالأجر فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زن وارجح وكذلك ذكر الترمذي الحديث وصححه أبو عمرو في الاستيعاب ثم نقل عن شيخه أن في الحديث فوائد منها الرجحان في الوزن وهو من الورع الظاهر الفضل لأن التطفيف حرام والتحري فيه طول أو شغب تمام والرجحان يقطعه والفضل يظهره قال وفيه رد على أبي حنيفة المانع هبة المجهول قلت إنما نشأ هذا من جهله بمرتبة الإمام وعدم فرقه بين الشائع الحاضر والمجهول الحاضر في هذا المقام والله ﷾ أعلم بحقيقة المرام.
فصل [وأما عدله صلى الله تعالى عليه وسلم وأمانته وعفته وصدق لهجته]
(وأمّا عدله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي حكمه على وفق الحق ومنهاج الصدق (وأمانته) أي في أداء روايته وقضاء ديانته (وعفّته) أي عما لا يليق بحضرته (وصدق لهجته) أي منطقه وحكايته، (فكان صلى الله تعالى عليه وسلم آمن النّاس) بهمزة ممدودة أعظمهم
[ ١ / ٣٠١ ]
أمانة وأمنا من أن يقع منه خيانة (وأعدل النّاس) لأنه أعلمهم وأحكمهم وأرحمهم وكان الأظهر أن يقدم أعدل على آمن ليكون النشر مرتبا (وأعفّ النّاس) أي أكثرهم عفة واصبرهم على ما يوجب نزاهته (وأصدقهم لهجة) أكثرهم صدقا من جهة الناطقة (منذ كان) أي من ابتداء ما وجد لما جبل عليه من الأخلاق الحسنة ولا وجه لقول الدلجي من حين اعترف لأن قوله (اعترف) استئناف بيان وفي نسخة ثم اعترف (له بذلك) أي بما ذكر من الشمائل الرضية (محادّوه) بتشديد الدال المضمومة أي مخالفوه ومنه قوله تعالى مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ لكون كل واحد منهما في حد كما قيل في وجه اشتقاق قوله ﷾ مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ
(وعداه) بكسر عينه مقصورا اسم جمع أي أعداؤه ومعادوه (وكان يسمّى قبل نبوّته) أي ظهورها ودعوتها (الأمين)؛ لغاية أمانته ونهاية ديانته (قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ كَانَ يُسَمَّى الْأَمِينَ بِمَا جمع الله فيه من الأخلاق الصّالحة) أي لأن تستعمل في طريق الحق وسبيل الخلق. (وقال تعالى) أي مكرم (مُطاعٍ) أي (ثَمَّ) أي عند الملأ الأعلى والحضرة العليا (أَمِينٍ [التكوير: ٢١]) موصوف بالأمانة في دعوى النبوة ووحي الرسالة (أكثر المفسّرين على أنّه) أي المراد بالمطاع الأمين (محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) وكثير منهم على أنه جبريل ﵇ وسياق النظم يؤيده وسباق الكلام يؤكده وعلى كل فاتصافه بالوصفين لا أحد ينكره؛ (ولمّا اختلفت قريش) على ما رواه أحمد والحاكم وصححه الطبراني أنه حين اختلفت أكابر قريش ورؤساؤهم (وتحازبت) بالزاي أي وصارت أحزابا وطوائف مجتمعة وضبطه بعضهم بالراء وهو تصحيف (عند بناء الكعبة) حين أجمرت امرأة فطارت شرارة فاحترقت الكعبة فهدموها وأرادوا تجديد بنائها فوقع خلافهم (فيمن يضع الحجر) أي الأسود والركن الأسعد في موضعه الأصلي قيل هدمه وكل يقول انا وأتباعي نضعه افتخارا بوضعه لأنه الركن الأعظم في ذلك المقام الأفخم وكاد أن يقع بينهم القتال لكثرة منازعة الرجال (حكّموا) جواب لما أي حكموا فيما بينهم لدفع النزاع عنهم (أن يكون الواضع أوّل داخل عليهم) أي ولا يكون واحدا منهم (فإذا بالنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم داخل) أي ففاجأهم دخوله وباغتهم وصوله (وذلك) أي ما ذكر (قبل نبوّته) أي دعوى نبوته وظهور رسالته (فقالوا) أي مقرين له بوصف أمانته (هذا محمّد هذا الأمين قد رضينا به) ففرش صلى الله تعالى عليه وسلم رداءه المبارك ووضع الحجر عليه وأمر كل رئيس أن يأخذ بطرف منه وهو آخذ من تحته الذي فوض فيه الأمر إليه ووضعوه في موضعه. (وعن الرّبيع بن خثيم) بضم معجمة وفتح مثلثة روى عن ابن مسعود وغيره وعنه الشعبي ونحوه وكان ورعا قانتا مخبتا حتى قال ابن مسعود لو رآك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأحبك فطوبى له ثم طوبى له قال التلمساني وهو من الزهاد الثمانية ومن رجال حلية أبي نعيم (كان يتحاكم) بصيغة المجهول (إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في الجاهليّة قبل الإسلام) أي قبل زمن البعثة وظهور النبوة (وقال صلى الله تعالى عليه وسلم) كما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه. (والله إنّي لأمين في السّماء)
[ ١ / ٣٠٢ ]
أي عند الله وملائكته المقربين (أمين في الأرض) عند المؤمنين وغيرهم من المجرمين لكمال أمانته وظهور ديانته وعدم خلفه في وعده وتحقق صدقه في قوله (حدّثنا أبو عليّ الصّدفيّ) بفتحتين (الحافظ) أي المعروف بحفظ الحديث (بقراءتي عليه ثنا) أي حدثنا (أبو الفضل بن خيرون) بفتح معجمة وضم راء بصرفه ومنعه والأول أظهر. (ثنا أبو يعلى ابن زوج الحرّة) تقدم (ثنا أبي علي السنجي) بكسر مهملة فسكون نون فجيم مروزي (ثنا محمّد بن محبوب المروزيّ) أي راوي جامع الترمذي عنه. (ثنا أبو عيسى) أي الترمذي (الحافظ) أي المعروف وهو جامع السين وصاحب الشمائل. (ثنا أبو كريب) بالتصغير الهمداني الكوفي روى عن ابن المبارك وخلق وعنه أصحاب الكتب الستة روي أنه ظهر له بالكوفة ثلاثمائة ألف حديث، (ثنا معاوية بن هشام) أي القصار الكوفي روى عن حمزة والثوري وعنه أحمد وغيره وهو من الزهاد الثمانية (عن سفيان) أي الثوري على ما صرح به عبد الغني الحافظ وإن أطلق على غيره (عن أبي إسحاق) أي الهمداني الكوفي أحد الأعلام الشهير بالسبيعي روى عن كثير من الصحابة والتابعين وقد رأى عليا كرم الله وجهه (عن ناجية بن كعب) بنون فألف فجيم مكسورة فتحتية مخففة تابعي وليس بصحابي (عن عليّ) أي ابن أبي طالب كرم الله وجهه (أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم إنّا لا نكذّبك) بالتشديد والتخفيف أي لا ننسبك إلى الكذب لثبوت صدقك (ولكن نكذّب) بالتشديد لا غير (بما جئت به) أي من القرآن والإيمان بالتوحيد والبعث ونحو ذلك فدلت هذه المناقضة الظاهرة على أن كفر أكثرهم كان عنادا؛ (فأنزل الله تعالى) أي في شأنه وعظيم برهانه (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ [الأنعام: ٣٣]) بالتشديد وقرأ نافع والكسائي بالتخفيف (الآية) وهي قوله ﷾ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ أي المتلوة أو المصنوعة يجحدون أي ينكرون فتكذيبهم في الحقيقة راجع إلى ربهم ففيه وعيد أكيد وتهديد شديد لهم وتسلية له صلى الله تعالى عليه وسلم. (وروى غيره) أي غير الترمذي زيادة عليه (لا نكذّبك وما أنت فينا بمكذّب) تأكيد لنفي الكذب عنه وهو بتشديد الذال المعجمة والمفتوحة وفي نسخة بمكذوب. (وقيل) أي روى كما أخرجه ابن إسحاق والبيهقي عن الزهري وكذا ابن جرير عن السدي والطبراني في الأوسط (إنّ الأخنس) بفتح همزة وسكون معجمة وفتح نون فمهملة (ابن شريق) بفتح معجمة وكسر راء له صحبة وقال التلمساني ذكره الحلبي قتل يوم بدر كافرا وفيه نزل قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا (لقي أبا جهل يوم بدر) وكان يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من رمضان سنة اثنتين من الهجرة (فقال له) أي بحكم العادة أو تلطف العبارة (يا أبا الحكم) بفتحتين كنيته في الجاهلية فغيرها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وكناه أبا جهل (ليس هنا غيري وغيرك) أي أحد (يسمع كلامنا) أي فيما بيننا، (تخبرني) خبر معناه أمر أي أخبرني (عن محمّد) أي عن وصفه (صادق) وفي نسخة زيادة هو والتقدير أصادق هو في معتقدك (هو أم كاذب عندك) والمراد من الاستفهام
[ ١ / ٣٠٣ ]
حمله على الإقرار بما يعرفه من صدقه ﵊ (فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَصَادِقٌ) أي لموصوف بالصدق ولا يخفى ما في الجملة من زيادة الأدوات المؤكدة (وما كذب محمّد قطّ) اعتراف بالحق وروي أن أبا جهل قال بعد قوله وما كذب محمد ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش فهذا يدل على أنه ما منعه عن توحيد الله إلا طلب الجاء فالخلق حجاب عظيم عن الحق. (وسأل هرقل) بكسر ففتح وضبط بكسرتين وكذا بضمتين بينهما ساكن ولا ينصرف للعجمة والعلمية وهذا اسمه العلم وأما قيصر فهو لقب كل من ملك الروم (عنه) أي عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (أبا سفيان) بن حرب على ما رواه الشيخان (فقال) أي هرقل مخاطبا لأبي سفيان ومن معه (هل كنتم تتّهمونه) بتشديد التاء الثانية (بالكذب) أي هل كنتم تنسبونه إلى الكذب ولو بالتهمة بناء على المظنة (قبل أن يقول ما قال) أي من دعوى الرسالة (قال لا) وهذا السؤال يدل على كمال عقل هرقل ومعرفته بصفة الأنبياء لكن لم ينفعه علمه حيث لم يقترن بعمله إذ هلك كافرا بعد فتح عمر رضي الله تعالى عنه بلاده وتوغل في بلاد الكفر هربا من الإسلام ولا تغتر بمن شذ فزعم إسلامه ذكره الدلجي وقال الحلبي في الاستيعاب أنه آمن وهذا مؤول أي بأنه أظهر الإيمان وتمنى الامان لكنه غرته سلطنة الزمان. (وقال النّضر بن الحارث) أي العبدري وهو بفتح النون وسكون الضاد المعجمة وكان شديدا العداوة للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم أخذ أسيرا ببدر فأمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عليا رضي الله تعالى عنه فقتله بالصفراء عقيب الواقعة وأما النضير بالتصغير فهو أخوه وكان من المؤلفة وأعطى يوم حنين مائة من الإبل فاحذر أن يتصحف عليك كما توهم الحلبي ثم حديثه هذا رواه ابن إسحاق والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (أنه قال لقريش) أي لأكابرهم (قد كان محمّد فيكم غلاما حدثا) بفتحتين أي من حال صغره قبل أوان كبره والأنسب أن يراد به ههنا ما قبل من أن الغلام هو الصغير إلى حد الالتحاء (أرضاكم فيكم) الظرفان حالان لازمان (وأصدقكم حديثا) أي قولا ووعدا (وأعظمكم أمانة) أي صدقا وديانة وهذه الشهادة لكونها من أهل العداوة حجة لما قيل الفضل ما شهدت به الأعداء (حتّى إذا رأيتم في صدغيه) بضم فسكون الشعر المتدلي على ما بين الأذن والعين (الشّيب) أي بياض الشعر (وجاءكم بما جاءكم) أي بما أظهر لكم من الحق وكلام الصدق (قلتم) أي في حقه (أنه ساحر) في غيبته وحضوره، (لا والله ما هو بساحر) الجملة القسمية مؤكدة لما يفهم من الجملة المقدرة المنفية بلا النافية. (وفي الحديث) وفي نسخة عنه أي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم ما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها (ما لمست) بفتح الميم (يده يد امرأة قطّ لا يملك رقّها) بكسر راء وتشديد قاف أي لا يملكها نكاحا أو ملكا فقد قال لأسماء التزويج رق المرأة فلتنظر أين تضع رقها وأما ما في البخاري أتت امرأة تبايع فقبض يدها فمحمول على المحرم أو من فوق الثوب. (وفي حديث عليّ) أي ابن أبي
[ ١ / ٣٠٤ ]
طالب كرم الله وجهه (في وصفه صلى الله تعالى عليه وسلم أصدق النّاس لهجة) أي لسانا وبيانا وقد تقدم، (وقال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (في الصّحيح) أي في الحديث الذي صح عنه وقد تقدم ذكره (ويحك فمن يعدل) بالرفع (إن لم أعدل؟ خبت وخسرت) بالتكلم أو الخطاب لرئيس الخوارج (إِنْ لَمْ أَعْدِلْ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂) أي على ما سبق من رواية الترمذي وغيره عَنْهَا (مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم في أمرين) وزيد في نسخة قَطُّ (إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ منه) سبق حل مبناه وبيان معناه (قال أبو العبّاس) أي البصري (المبرّد) بفتح الراء المشددة وكان إماما في النحو واللغة مات ببغداد ودفن بمقابر باب الكوفة (قسّم) بتخفيف السين أولى من تشديدها وإن اقتصر الانطاكي على الثاني (كسرى) بكسر الكاف وفتح الراء مقصورا اسم لكل من ملك الفرس واسمه الخاص برويز (أيّامه) أي زمان دولته وأوان مملكته (فقال) أي كسرى في قسمته وقته (يصلح يوم الرّيح للنّوم) المبني على السكون لكون الوقت غير قابل للحركة من القيام للخدمة ولا للقعود في الصحبة (ويوم الغيم للصّيد) لعدم التأذي بشدة الحرارة التي تقتضيها كثرة حركة المعالجة، (ويوم المطر للشّرب واللهو) لعدم إمكان الخروج، (ويوم الشّمس للحوائج) جمع حاجة على خلاف القياس أي لحوائج الخلق والنظر إلى مهماتهم بالعدل وفق الصدق. (قال ابن خالويه) بفتح اللام والواو وسكون التحتية وكسر هاء ويقال بضم لام وسكون واو وفتح تحتية فتاء تقلب هاء وقفا نحوي لغوي أصله من همذان بفتح الميم والذال المعجمة دخل بغداد وأدرك أجله العلماء مثل ابن الأنباري وابن مجاهد المقري وتوفي بحلب سنة سبعين وثلاثمائة وله تصانيف كثيرة (ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم) كذا في النسخ بثبوت ما قبل كان والظاهر زيادتها ويكن جعلها موصولة أو موصوفة أو كان زائدة وما تعجبية وحاصله أنه إنما كان أعرفهم بسياسة دنياهم ولم يكن يعرف ما يتعلق بآخرتهم من مراتب عبادة مولاهم ولذلك استشهد بقوله تعالى (يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ [الروم: ٧]) وحاصله أنه ليس في تقسيمه كبير منفعة بخلاف تجزئية صاحب النبوة ولهذا استدركه بقوله (ولكن) بالتخفيف أولى (نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم) على ما رواه الترمذي وغيره عنه (جزّأ) بتشديد الزاء فهمز أي قسم (نهاره) أي ساعات يومه (ثلاثة أجزاء) أي أقسام (جزءا) بالنصب وجوز بالرفع وقد يضم زاءه (لله) تقديما لرضاه وقياما بالاشتغال بذكره عما سواء (وجزءا) بالوجهين (لأهله) إيثارا لهم على حقه (وجزءا لنفسه) لحديث أن لنفسك عليك حقا ثم لعل هذا الجزء الأول من الصبح إلى الظهر والثاني إلى العصر والثالث إلى المغرب والمعنى حصته لنفسه لا دخل فيها لغيره من الأهل خاصة دون العامة لقوله، (ثمّ جزّأ جزأه بينه وبين النّاس) أي عموما بحسب حاجاتهم والحاصل أنه جعل ذلك الوقت أيضا وقتا للحق لنفعه بنفسه عموم الخلق فإن كان أحد منهم احتاج إليه وحضر لديه أقبل عليه وأفاده بالفوائد
[ ١ / ٣٠٥ ]
الدينية والدنيوية والعوائد الحسية والمعنوية النافعة في الدرجات الأخروية وإلا فاشتغل بمراعاة نفسه خاصة لفراغه من الواجبات المفروضة عليه من جهة حق الله تعالى وحقوق الأهل بحسب تقديم الأهم فالأهم والله تعالى أعلم (فكان) أي من عادته في جزء خاصة نفسه (يستعين بالخاصّة) أي من أرباب صحبته وأصحاب خدمته (على العامّة) أي قضاء حاجتهم والمجاهدة في منفعتهم لقوله تعالى وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى ولقوله ﵊ الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله كما رواه الطبراني عن ابن مسعود والمعنى يأمر الخاصة بتبليغ العامة إذ ليس كل إنسان يتوصل إلى ذلك (ويقول أبلغوا) أي وكان يقول لهم أوصلوا إلى (حاجة من لا يستطع إبلاغي) أي إبلاغ حاجته لي (فإنّه) أي الشأن (من أبلغ حاجة من لا يستطيع) أي إبلاغها كما في نسخة صحيحة (آمنه الله) بهمزة ممدودة أي جعله في أمن من الضرر (يوم الفزع الأكبر) وهو وقت النفخة الثانية أو حالة الانصراف إلى العقوبة والحديث رواه الطبراني في الكبير بسند حسن عن أبي الدرداء ولفظه ثبت الله قدميه على الصراط يوم القيامة وكذا لفظ الترمذي في الشمائل برواية الحسن عن أخيه الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم (وعن الحسن) أي البصري على ما رواه أبو داود في مراسيله (كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يأخذ أحدا) أي لا يؤاخذه ولا يجازيه (بقرف أحد) بفتح قاف وسكون راء أي بذنبه وكسبه ومنه قوله تعالى وَمَنْ يَقْتَرِفْ أو بظن أحد ورميه وفي نسخة بقذف أحد بسكون الذال المعجمة من قذفه بالمكروه أي نسبه إليه (ولا يصدّق أحدا على أحد) أي ولا يقبل كلام أحد في حق أحد سواء ترتبت عليه المؤاخذة أم لا فهو تعميم بعد تخصيص، (وذكر أبو جعفر) وهو محمد ابن جرير (الطّبريّ) بفتحتين نسبة إلى طبرية وكذا رواه ابن راهويه في مسنده والبيهقي في دلائله (عن عليّ كرم الله وجهه عن النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ما هممت بشيء) أي ما قصدت عملا (ممّا كان أهل الجاهليّة يعملون به) وإنما أعاد المصنف هذا الحديث ههنا مع تقدمه لإفادة زيادة قوله (غير مرّتين كلّ ذلك) ضبط الرفع والنصب وهو أظهر أي في جميع ما ذكر من الكرتين (يحول الله) أي يصير بحوله حائلا ومانعا (بيني وبين ما أريد من ذلك) أي عمل أهل الجاهلية وهذا معنى قوله تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ إلى أي يحجز ويمنع وقال أبو عبيد يملك عليه قلبه فيثرفه كيف شاء، (ثمّ) أي بعد ما هممت بهما (ما هممت بسوء) أي أبدا بتوفيقه وعصمته (حتّى أكرمني الله برسالته) ومن المعلوم أن بعد تحقق نبوته لم يتصور وجود مخالفته ثم بين المرتين من الحالتين المذكورتين بقوله، (قلت ليلة لغلام) أي لفتى أو مملوك (كان يرعى معي) أي غنمي أو غنم غيري وهو الأظهر لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم ما من نبي إلا وقد رعاها يعني الغنم قيل ولا أنت يا رسول الله قال نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة ولعل الحكمة أن يتدرب على سياسة الرعية على سبيل الشفقة والرحمة ولا يبعد أن تكون الغنم له أو لغيره لكن كانت غي عهدته بقوله
[ ١ / ٣٠٦ ]
(لو أبصرت إلي غنمي) أي تمنيت والتمست منك إن راعيت حفظ ما يتعلق بي (حتّى أدخل مكّة فأسمر بها) بفتح الهمزة وضم الميم أي أحادث ليلا مطلقا أو ليلا مقمرا والسمر في أصله ضوء القمر وجعل الحديث فيه سمرا ومنه قوله تعالى مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ كانوا يجتمعون حول البيت بالليل وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن وتسميتهم إياه سمرا فلهذا ذمهم الله بقوله تَهْجُرُونَ (كما يسمر الشّباب) أريد به الجنس ووقع في أصل الدلجي بلفظ الشباب والمعنى فاسمر سمرا مشابها لسمرهم في مشاهدة قمرهم حال سهرهم ورقادهم في سحرهم لغلبة سكرهم وكثرة نكرهم وقلة فكرهم، (فخرجت لذلك) أي لقصد السمر (حتّى جئت أوّل دار من مكّة) أي مما فيها آلات لذات الشهوة (سمعت عزفا) بفتح مهملة فسكون زاء ففاء أي لعبا بالمعازف وهي الملاهي أو صوتا حسنا وغناء في الطباع مستحسنا مختلطا (بالدّفوف والمزامير) أو بسبب ضرب الدفوف وأصوات الملاهي كالعود والطنبور ونحوها (لعرس بعضهم فجلست) أي خارج الباب أو داخله أو بعد الأذن وبعد رفع الحجاب (أنظر) أي حال كوني انظر لعبهم وأتسمع لهوهم أو من أجل أن أنظر إليهم واتسمع لديهم؛ (فضرب) بصيغة المجهول (على أذني) بضم الذال وتسكن وبفتح النون وتشديد ياء المتكلم أو بكسر النون وتخفيف ياء الإضافة على إرادة الجنس أي أنامني الله إنامة ثقيلة لا يمنعني عن النوم اضطراب أصوات ولا كثرة حركات ومنه قوله تعالى فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ أي أنمناهم (فنمت) بكسر النون (فما أيقظني إلّا مسّ الشّمس) أي إصابة حرها على بدني (فرجعت ولم أقض شيئا) أي مما قصدت من المعصية وارتكاب السيئة ولعل سماع المزامير كان مباحا في الشرائع المتقدمة، (ثمّ عراني) أي أصابني (مرّة أخرى مثل ذلك) أي مما هممت به في المرة الأولى فعصمني منها المولى (ثم لم أهمّ) بضم هاء وتشديد ميم مفتوحة ويجوز ضمها وكسرها أي لم أقصد (بعد ذلك) أي ما ذكر من المرتين (بسوء) أي بهم سوء قط وهو بضم السين ويفتح.
فصل [وأما وقاره صلى الله تعالى عليه وسلم]
(وأمّا وقاره صلى الله تعالى عليه وسلم) بفتح الواو رزانته ورصانته وحلمه وتحمله (وصمته) أي وسكوته وسكونه وطمأنينته وسكينته (وتؤدته) بضمتين بضم ففتح همز ويبدل أي تأنيه في قوله وعمله وتثبته ومهلته بلا عجلة (ومروءته) فسكون واو فهمزة وتبدل وتدغم فتشدد (وحسن هديه) أي سيرته وطريقته المشتملة على حقائق شريعته ودقائق حقيقته (فحدّثنا) كذا بالفاء ههنا على ما في النسخ المصححة (أبو عليّ الجيانيّ) بفتح جيم وتشديد تحتية ثم نون وهو الغساني (الحافظ إجازة) أي نوعا من أنواع الإجازة ومنها المناولة ولو بالمكاتبة (وعارضت) أي قابلت (أصلي بكتابه) أي المروي عن مشايخه (قال ثنا) أي حدثنا (أبو العبّاس الدّلائي) بكسر دال مهملة فلام مشددة وقد تخفف بعدها ألف ممدودة (أنا) أي
[ ١ / ٣٠٧ ]
أخبرنا وفي نسخة ثنا (أبو ذرّ الهرويّ) تقدم ذكره (أنا) أي أخبرنا (أبو عبد الله الورّاق) بتشديد الراء. (ثنا) أي حدثنا (اللّؤلؤيّ) بهمزتين وقد تبدل الأولى (ثنا أبو داود) أي صاحب السنن. (ثنا عبد الرّحمن) أي ابن محمد (بن سلام) بتشديد اللام قيل وهو يكتب بهمزة الابن ههنا إيماء لوجود الفاصلة روى عن ابن المبارك وابن فضالة وروى عنه أبو زرعة (قال ثنا الحجّاج) وفي نسخة صحيحة حجاج (بن محمّد) وهو الأعور المصيصي الحافظ عن ابن جريج وشعبة وعنه أحمد وغيره قال ابن ماجه بلغني أن ابن معين كتب عنه نحوا من خمسين ألف حديث (عن عبد الرّحمن بن أبي الزّناد) وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان روى عن أبيه وشرحبيل بن سعد وعنه هناد وعلي بن حجر (عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ وُهَيْبٍ) بالتصغير وفي نسخة عن وهب وهو تصحيف قال الحلبي هو عمر بن عبد العزيز بن وهيب الأنصاري مولى زيد بن ثابت روى عن خارجة بن زيد وعنه عبد الرحمن ابن أبي الزناد وأخرج له أبو داود في المراسيل هذا الحديث قال الذهبي في الميزان لا يعرف من ذا (سمعت خارجة بن زيد) أي ابن ثابت الأنصاري وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة المقول فيهم:
ألا كل من لا يهتدي بأئمة فقسمته ضيزى عن الحق خارجه
فخذهم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجه
وكنيته أبو زيد (يقول) أي خارجة وهو تابعي فيكون حديثه هذا مرسلا وهو حجة عند الجمهور (كان النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أوقر النّاس) أكثرهم حلما وأعظمهم تحملا في جميع أوقات أنسه لا سيما (في مجلسه) أي المعد لمصاحبة جنسه محافظة على رعاية آدابه تعليما لأصحابه وأحبابه وطلبة حديثه وحملة كتابه (لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه) أي من بزاق فمه أو مخاط أنفه أو قطع ظفره أو قلع وسخه ووقع في اصل الدلجي شيء بالرفع وقال في قوله لا يكاد يخرج مبالغة في لا يخرج أي لا يقرب أن يظهر من تحت ثيابه شيء من أطرافه فضلا عن أن يظهر منها شيء انتهى فتدبر واختر ما صفا ودع ما كدر. (وروى أبو سعيد الخدريّ) كما أخرجه عنه أبوداود وكذا الترمذي في شمائله (كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا جلس في المجلس) أي في جنس مجلسه الخاص فيما بين أصحابه (احتبى بيديه) بأن جمع بين ظهره وساقيه إما بيديه أو بثوبه كما في رواية والاسم الحبوة بضم الحاء وكسرها والعامة تقول حبية (ولذلك كان أكثر جلوسه صلى الله تعالى عليه وسلم) أي هيئات جلوسه وحالات قعوده (محتبيا) لكثرة التواضع لديه وعدم التكلف فيما كان سلف العرب عليه ولذا قال أكثر الأوقات إليه وفي الحديث الاحتباء حيطان العرب وأحيانا يقعد على هيئة التحية. (وعن جابر بن سمرة) كما روى مسلم وأبو داود (أنّه تربّع) أي أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا جلس في المجلس تربع أحيانا لقوله
[ ١ / ٣٠٨ ]
(وربّما) بالتشديد والتخفيف (جلس القرفصاء) بضم القاف والفاء وروي بكسرهما وبمد وقصر فيهما وعن الفراء إذا ضممت مددت وإذا كسرت قصرت ومعناه عن أبي عبيد أن يجلس على اليتيه ملصقا بطنه بفخذيه محتبيا بيديه (وهو) أي جلوسه القرفصاء على ما رواه الترمذي (في حديث قيلة) بفتح قاف فسكون تحتية بنت مخرمة العنبرية وقيل العدوية وقد تقدم (وكان كثير السّكوت) لتفكره في مشاهدة الملكوت وتذكره مطالعة الجبروت (لا يتكلّم في غير حاجة) أي من قضية ضرورية دينية أو دنيوية أو مسألة عملية أو علمية لقوله تعالى وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ولحديث أن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، (يعرض عمّن تكلّم بغير جميل) أي بما لا يستحسن ذكره ولا يباح أمره إذا صدر عمن تكلم بناء على جهله لقوله تعالى وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ والظاهر أن المراد بالإعراض هو الصفح وعدم الاعتراض فيختص بالمكروهات التنزيهية على مقتضى القواعد الشرعية وأما المحرمات القطعية وكذا المكروهات التحريمية فلا بد للشارع من أن يأمر ويزجر قياما بحق النبوة والرسالة وأما قول الدلجي في تفسير غير جميل حراما أو مكروها إذ لا يقر على باطل وإعراضه كاف عن انكاره صريحا لإشعاره بعدم رضاه به فهو ليس من الحمل الجميل لأن الإنكار القلبي لا يكون كافيا إلا للعاجز عن إنكاره بيده ولسانه وهذا غير متحقق في زمانه لا سيما بالنسبة إلى عظمة شأنه وإن كان زماننا هذا يكتفي فيه بالسكوت وملازمة البيوت والقناعة بالقوت إلى أن يموت على محبة الحي الذي لا يموت، (وكان ضحكه) بكسر فسكون وروي بفتح فكسر (تبسّما) أي من جهة الابتدائية كقوله تعالى فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها أو من طريقة الأغلبية لما في الشمائل للترمذي من حديث عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم وأما القهقهة فمنفية ويمكن حمله على ظاهره من عمومه لما في الشمائل أيضا من حديث جابر بن سمرة وكان لا يضحك إلا تبسما لكن الشراح حملوه على غالب حاله وقيل كان لا يضحك في أمر الدنيا إلا تبسما أما في أمر الآخرة فكان قد يضحك حتى تبدو نواجذه على ما في الترمذي أيضا وهو توفيق حسن وجمع مستحسن (وكلامه فصلا) أي وكان كلامه فرقا بين الحق والباطل أو فاصلا بين الحلال والحرام وأو بينا يتبينه كل من سمعه ولا يشتبه على من يتفهمه وما ذلك إلا لجعله تعالى له مبينا للأنام في مشكلات الأحكام كَمَا قَالَ تَعَالَى لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ او مختصرا ملخصا لقوله (لا فضول) بالفتح أي لا زيادة في كلامه (ولا تقصير) أي ولا نقصان عن قدر الحاجة أو لا إيجاز ولا إطناب بل التوسط المحمود في كل باب بالجمع بين المباني اليسيرة والمعاني الكثيرة، (وكان ضحك أصحابه عنده) أي في حضرته (التّبسّم) أي لا غير (توقيرا له) أي تعظيما لحرمته (واقتداء به) أي في كيفية ضحكه وهيئته.
(مجلسه مجلس حكم) بضم فسكون أي مجلس علم بالأحكام أو عمل بالعدل في حق
[ ١ / ٣٠٩ ]
الأنام ولو ثبت كسر حاء وفتح كا لكان له وجه وجيه في المرام بأن يكون مجلسه للصحبة ملآن من أنواع الحكمة ويؤيده أن رواية الترمذي مجلس علم وفي نسخة بكسر حاء وسكون لام وكذ وقع في أصل الدلجي وهو ملكة تورث التؤدة وعدم العجلة عند حركة الغضب وداعية العقوبة (وحياء) أي ومجلس حياء مشتمل على صفاء وضياء وهي ملكة تمنع مما لا يليق فعله في الحضرة والغيبة (وخير) أي ومجلس كل خير من خيري الدنيا والآخرة فهو تعميم بعد تخصيص (وأمانة) أي مجلس أمانة دون خيانة تخصيص للاهتمام بأمرها لتعلقها بغير صاحبها ولذا ورد لا إيمان لمن لا أمانة له على ما رواه أحمد وابن حبان في صحيحيهما عن أنس رضي الله تعالى عنه (لا ترفع) بصيغة المجهول مذكرا أو مؤنثا (فيه) أي في مجلسه (الأصوات) تأدبا لسيد الكائنات ولقوله ﷾ لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ الآيات (ولا تؤبن) بضم فسكون همز وتبدل وفتح موحدة مخففة وقد تشدد أي لا ترمى بصريح ولا تذكر بقبيح (فيه الحرم) بضم وفتح جمع الحرمة وهي ما لا يحل انتهاكه وروي بضمتين بمعنى النساء من الأهل وما يحميه الرجل والمعنى لا تقذف ولا تعاب من ابنته أي رميته بسوء ومنه حديث النهي عن شعر تؤبن فيه النساء وكذا حديث الإفك أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي وحاصله أن مجلسه كان يصان من رفث القول وفحش الفعل وقد تصحف على اليمنى حيث قال مأخوذ من المآثر واحدها مأثرة ويحتمل لا تؤبر أي لا تلدغ من أبرته العقرب لدغته انتهى، (إذا تكلّم) أي هو صلى الله تعالى عليه وسلم (أطرق جلساؤه) أي خفضوا رؤوسهم وسكنوا نفوسهم (كأنّما) بزيادة ما الكافة (على رؤوسهم الطّير) يجوز في مثله ثلاثة أوجه بحسب القراءة وهي كسر الهاء وضم الميم وكسرهما وضمهما وفي التشبيه تنبيه على المبالغة في وصفهم بالسكوت والسكينة وعدم الخفة لأن الطير لا يكاد يقع إلا على شيء ساكن من الحركة. (وفي صفته) أي وجاء في نعت مشيه على ما في الشمائل وغيره (يخطو) بضم طاء وسكون واو أي يمشي (تكفّؤا) بضم فاء مشددة فهمزة وتبدل وفي نسخة بكسر فاء وفتح تحتية أي تمايلا إلى قدام قال النووي وزعم كثيرون أن أكثر ما يروى بلا همز وليس كما قالوا انتهى وقال صاحب النهاية هكذا روي غير مهموز والأصل الهمز وبعضهم يرويه مهموزا لأن مصدر تفعل من الصحيح تفعلا كتقدم تقدما وتكفأ تكفؤا والهمزة حرف صحيح وأما إذا اعتل انكسر عينه نحو تسمى تسميا وتخفى تخفيا فإذا خففت الهمزة التحق بالمعتل فصار تكفيا بالكسر (ويمشي هونا) أي مشيا هونا لقوله تعالى وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا أي سكونا لا سريعا ولا بطيئا ولا خيلاء بل افتقارا للحق وتواضعا للخلق وفي رواية الهويني تصغير هوني تأنيث أهون فالتقدير مشية هوينى (كأنّما ينحطّ) بتشديد الطاء أي ينزل (من صبب) بفتحتين وموحدتين أي منحدر ويلزم منه الميل إلى القدام لا السرعة المنافية لمقام المرام كما زعم من ليس له في هذا الفن المام وفي رواية
[ ١ / ٣١٠ ]
للترمذي في صبب وهو أظهر فتدبر (وفي الحديث الآخر إذا مشى) أي في جميع أوقاته (مشى مجتمعا) أي مشيا معتدلا مستويا مجتمعا بين توالي حركاته لا متفرقا في حركاته وسكناته وقال الهروي أي ما كان يمشي مسترخيا (يعرف في مشيته) بكسر الميم أي هيئة مشيه وضبط في نسخة بفتحها وهو سهو قلم من كاتبها (أنّه غير غرض) بفتح معجمة وبكسر راء وتنوين معجمة مأخوذ من الغرض بفتحتين وهو الضجر والملال ومنه قول الحسن علم الله أنها بلد غرض فرخص لعباده من شاء أن ينفر في النفر الأول ومن شاء أن ينفر في النفر الآخر وروي بلد غرض بالإضافة والصفة (ولا وكل) بفتحتين على ما في النسخ المصححة ففي القاموس رجل وكل محركة عاجز وقال الدلجي بكسرهما وقال التلمساني الغرض بفتح الراء وروي بكسرها والوكل بفتح الكاف وحكي كسرها والله تعالى أعلم (أي غير ضجر) تفسير من المصنف لغرض على وزانه أي غير قلق وملل (ولا كسلان) تفسير لو كل يعني ولا عاجز يكسل في فعله أي الهداية والدلالة فيكل أمر إلى غيره معتمدا على تحصيله. (وقال عبد الله بن مسعود) فيما رواه البخاري عنه موقوفا (إنّ أحسن الهدي) بفتح فسكون أي السيرة والطريقة المشتملة على حجية الشريعة وحقية الحقيقة وفي نسخة بضم وفتح مقصورا أي الهداية والدلالة (هدي محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) وفي نفس الأمر هديه هدى ربه لفنائه في بقائه فيصح إسناده إليه تارة وإلى ربه أخرى كما قال تعالى قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ وفي آية أخرى قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى. (وعن جابر بن عبد الله) صحابيان أنصاريان (﵄ كَانَ فِي كَلَامِ رَسُولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم ترتيل) أي تبيين لحروف البناء وتمهيل في كيفية الأداء لقوله تعالى وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا وقوله لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (ترسيل) عطف تفسير وهو موافق لما في المصابيح وفي نسخة صحيحة بأو على أنه شك من الراوي. (وقال ابن أبي هالة) واسمه هند وأمه خديجة رضي الله تعالى عنهما فهو ربيبه صلى الله تعالى عليه وسلم (كان سكوته على أربع) أي على أربعة أحوال والحال يذكر ويؤنث لأنها بمعنى الوصف والصفة (على الحلم) على جهة التحمل مع القدرة والمجاوزة عن المؤاخذة (والحذر) أي الحراسة من عداء المخالفة، (والتّقدير والتّفكّر قالت عائشة) رضي الله تعالى عنها كما رواه الشيخان (كان رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ) أي لو أحصى عدد حروفه المحصي من أهل الحساب (لأحصاه) أي لقدر على إحصائه وعد عدده وجمعه وحفظه وهذا مبالغة في الترتيل والتبيين وقد روي أنه كان صلى الله تعالى عليه وسلم إذا تكلم تكلم ثلاثا ولعل الأول للسماع والثاني للتنبيه والثالث للفكر والأظهر أن الثلاث باعتبار مراتب مدارك العقول من الأعلى والأوسط والأدنى، (وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يحبّ الطّيب والرّائحة الطيب) أي الحاصلة من غير جنس الطيب كبعض الأزهار والاثمار (ويستعملهما كثيرا) استعمالا مناسبا لكل منهما مع أنه بذاته بل وبفضلاته طيب كما هو مقرر في محله فكان
[ ١ / ٣١١ ]
استعمالهما لزيادة المبالغة بنية ملاقاة الملائكة ولأنهما يورثان النشاط والقوة (ويحضّ عليهما) أي يحث ويحرض على استعمالهما (ويقول حبّب إليّ من دنياكم النّساء) وفي رواية تأخيره (والطّيب) كما رواه النسائي والحاكم في المستدرك من حديث أنس بإسناد جيد وضعفه العقيلي وليس فيه لفظ ثلاث وإنما وقع في بعض الكتب كالإحياء وغيره فما وقع في بعض النسخ من لفظ ثلاث بعد دنياكم خطأ فاحش ومما يدل على بطلانه تغيير سياق الحديث وتعبيره بقوله، (وجعلت قرّة عيني في الصّلاة) إيماء إلى أن قرة العين ليست من الدنيا لا سيما من الدنيا المضافة إلى غيره صلى الله تعالى عليه وسلم ودفعا لما تكلف بعضهم من أن الصلاة حيث كانت واقعة في الدنيا صحت إضافته إليها في الجملة على اختلاف في أن المراد بالصلاة هل هي العبادة المعروفة أو الصلاة عليه ﵊ والله تعالى أعلم بحقيقة المرام ثم تحقيق الكلام ما ذكره حجة الإسلام في الإحياء حيث قال الدنيا والآخرة عبارة عن حالين من أحوال القلب فالقريب الداني منهما يسمى دنيا وهي كل ما قبل الموت والمتراخي المتأخر يسمى آخرة وهي ما بعد الموت ثم الدنيا تنقسم إلى مذمومة وغير مذمومة فغير المذمومة ما يصحب الإنسان في الآخرة ويبقى معه بعد الموت كالعلم والعمل فالعالم قد يأنس بالعلم حتى يصير الذ الأشياء عنده فيهجر النوم والمطعم والمشرب في لذته لأنه اشهى عنده من جميعها فقد صار حظا عاجلا له في الدنيا ولكن لا يعد ذلك من الدنيا المذمومة كذلك العابد قد يأنس بعبادته ويستلذ بها بحيث لو منعت عنه لعظم ذلك عليه حتى قال بعضهم ما أخاف الموت إلا من حيث يحول بيني وبين قيام الليل فقد صارت الصلاة من حظوظه العاجلة وكل حظ عاجل قاسم الدنيا ينطلق عليه من حيث الاشتقاق من الدنو وعلى هذا ينزل جعله ﵊ الصلاة من حكم ملاذ الدنيا أو لأن كل ما يدخل في الحس والمشاهدة فهو في عالم الشهادة وهو من الدنيا والتلذذ بتحريك الجوارح بالركوع والسجود إنما يكون في الدنيا فلذلك أضافها ﵊ إلى الدنيا إلا أنها ليست من الدنيا المذمومة في شيء فإن الدنيا المذمومة هي حظ عاجل لا ثمرة له في الآخرة كالتنعم بلذائذ الأطعمة والمباهاة بالقناطير المقنظرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والقصور والدور ونحوها يريد على قدر الضرورة والحاجة (ومن مروءته صلى الله تعالى عليه وسلم) أي أخلاقه المرضية وشمائله البهية (نهيه) كما رواه أحمد (عن النّفخ في الطّعام والشّراب) أي جميعا ولأبي داود وابن ماجه والترمذي وصححه نهيه عن النفخ في الإناء وللترمذي في الشراب لأنه في الطعام يؤذن بالعجلة وشره النهمة وقلة التؤدة وفي الإناء يورث رائحة كريهة ولأنه قد ينفصل بالنفخ فيهما من الفم ما يكون موجبا لنفرة الطبيعة وقيل نفس الآدمي سم (والأمر) كان الأولى ان يقال وأمره ليحسن عطفه على نهيه أي ومن مروءته أيضا الأمر (بالأكل ممّا يليه) أي الآكل بصيغة الفاعل لحديث الشيخين قل بسم الله وكل بيمينك مما يليك على الخلاف في أن الأمر
[ ١ / ٣١٢ ]
للوجوب أو الندب وعليه الأكثر، (والأمر بالسّواك) أي وكذا أمره به من جملة مروءته كما في حديث لا مرية في صحته ومن فوائد السواك إزالة تغير الفم وتنظيف الأسنان وتطييب النفس وغيرها مما بلغ أربعين آخرها أنه يذكر الشهادة عند الخاتمة على ضد أكل الأفيون وشرب الدخان نسأل الله العافية (وإنقاء البراجم) بالجر عطفا على بالسواك وفي نسخة بالرفع على أن التقدير ومن مروءته تنظيف البراجم (والرّواجب) وهما جمع برجمة بالضم وراجبة والمراد بهما مفاصل الأصابع من ظهر الكف وباطنها (واستعمال خصال الفطرة) بالاحتمالين وهي فيما رواه الشيخان خمس الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الاظفار ونتف الابط زاد مسلم المضمضة وقص الشارب وإعفاء اللحية والاستنجاء وأبو داود من حديث عمار الانتضاح ومن حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فرق الرأس والاستنشاق في معنى المضمضة وقد سبق في معانيها ما يغني عن إعادتها هنا.
فصل [وأما زهده صلى الله تعالى عليه وسلم في الدنيا]
(وأمّا زهده في الدّنيا) أي عدم ميله إليها وقلة المبالاة بوجودها وفقدها اعتمادا على خالقها (فقد تقدّم من الأخبار) أي الأحاديث الواردة عن الثقات الأخبار (أثناء هذه السّيرة) أي سيرة سيد الأبرار (ما يكفي) أي يغني عن الإعادة والتكرار، (وحسبك من تقلّله منها) أي كافيك من منفعتها (وإعراضه عن زهرتها) بفتح الزاء أي زينتها وبهجتها؛ (وقد سيقت إليه) أي والحال إنها جلبت لديه وعرضت عليه (بحذافيرها) جمع حذفار وقيل حذفور أي بأسرها من أولها وآخرها (وترادفت) أي تتابعت (عليه فتوحها) والجملتان معترضتان بين المبتدأ وخبره وهو قوله (أن توفّي) بصيغة المجهول بعد أن المصدرية والمعنى كافيك مما ذكر حال حصول ما ذكر وفاته (صلى الله تعالى عليه وسلم) وفي نسخة إلى أن توفي على أنها متعلقة بتقلله إيماء إلى اختيار زهده في الدنيا باعتبار الحالة الأولى والأخرى دفعا لما توهم بعضهم من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم في آخر عمره اختار الغنى ومما يأبى هذا المعنى قوله (ودرعه) أي والحال أنها (مرهونة عند يهوديّ في نفقة عياله) كما سبق تفصيل أحواله، (وهو يدعو) أي والحال أنه مع ذلك يطلب من ربه كفاية أمره وأمر من يتعلق به من أهله وآله (ويقول) كما رواه الشيخان (اللهمّ اجعل رزق آل محمّد قوتا) أي بلغة تسد رمقهم ليقوموا بعبادة من خلقهم وفي رواية لمسلم والترمذي وابن ماجة اللهم اجعل رزق آل محمد في الدنيا قوتا وفسر القوت بما يمسك رمق الإنسان لئلا يموت والظاهر أن المراد به هنا قدر الكفاية لما في رواية كفانا. (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ الْعَاصِي وَالْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الحافظ) هو ابن سكرة وليس بالغساني كما حرره الحلبي (والقاضي أبو عبد الله التّميميّ قالوا) أي كلهم (ثنا) أي حَدَّثَنَا (أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الرَّازِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْجُلُودِيُّ) بضم الجيم (ثنا أبو سفيان) وفي نسخة صحيحة ابن سفيان (ثنا أبو الحسين مسلم بن الحجّاج) أي
[ ١ / ٣١٣ ]
صاحب الصحيح (ثنا أبو بكر بن أبي شيبة) تقدم ذكرهم، (ثنا أبو معاوية) وهو محمد بن خازم بالخاء المعجمة والزاء أحد الأعلام وحفاظ الإسلام روى عن الأعمش وهشام وعنه أحمد وإسحاق وابن معين وكان مرجئا أخرج له الأئمة الستة (عن الأعمش) تابعي جليل روى عن ابن أبي أوفى ورزين وأبي وائل وعنه شعبة ووكيع وخلق له ألف وثلاثمائة حديث (عن إبراهيم) هو النخعي أبو عمران الكوفي الفقيه رأى عائشة رضي الله تعالى عنها وروى عن خاله الأسود وعلقمة وجماعة وكان عجبا في الورع رأسا في العلم (عن الأسود) أي ابن يزيد النخعي عن عمر وعلي ومعاذ حج ثمانين مرة كل مرة بعمرة وكان يصوم حتى يحتضر ويختم في ليلتين (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ مَا شبع) بكسر الموحدة أي ما أكل حتى شبع (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ثلاثة أيّام) أي بلياليها (تباعا) بكسر التاء الفوقية مصدر تابع أي متابعة وموالاة (من خبز) أي مطلقا ووقع في أصل الدلجي من خبز بر وليس من البر (حتّى مضى سبيله) أي إلى أن توفاه الله تعالى بحسب ما قدره وقضاه والحديث في أواخر مسلم وقد أخرجه البخاري وغيره أيضا. (وفي رواية أخرى) أي له أو لغيره أو للشيخين كما قاله الدلجي (مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ وَلَوْ شَاءَ) أي الله كما في نسخة صحيحة ويدل عليه قوله (لأعطاه) إذ لو كان التقدير لو شاء رسول الله لكان المناسب أن يقول لأعطاه الله أو لأعطى أي متمناه (ما لا يخطر) بكسر طاء ويضم أي ما لم يمر (ببال) أي لا يحدث في خلال خيال، (وفي رواية أخرى) أي لهما (مَا شَبِعَ آلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم من خبز برّ) لقلة وجوده أو لكثرة زهده (حتّى لقي الله) وفي نسخة زيادة عز أي تعالى شأنه وجل أي أعظم برهانه (وقالت عائشة ﵂) كما رواه مسلم (ما ترك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بعد وفاته، (دينارا) أي من الذهب (ولا درهما) أي من الفضة وهو بكسر الدال وفتح الهاء وتكسر ولله در القائل:
النار آخر دينار نطقت به والهم آخر هذا الدرهم الجاري
والمرء بينهما إن لم يكن ورعا معذب القلب بين الهم والنار
(ولا شاة ولا بعيرا) أي وإنما ترك ما في التمسك به نجاة الثقلين والفوز بسعادة الكونين وهو الكتاب والسنة فمن أخذ بهما ظفر بكنوز الجنة، (وفي حديث عمرو بن الحارث) أخو جويرية من أمهات المؤمنين له ولأبيه صحبة كما رواه البخاري عنه (ما ترك) أي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كما في نسخة (إلا سلاحه) بكسر أوله والمراد سيوفه ورماحه وقسيه ودروعه ومغافره وغيره ذلك مما علقه الحلبي على البخاري (وبغلته) أي البيضاء وهي دلدل (وأرضا جعلها صدقة) الأقرب أن الضمير إلى الأرض وجعلها صدقة لا ينفي كونها مخلفة عنه بطريق تكلمه عليها لكونه ناظرا لها والأنسب عوده إلى الجميع والمعنى جعلها بعد موته صدقة كما حقق في حديث نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة ثم
[ ١ / ٣١٤ ]
الاستثناء مفرغ أي ما ترك شيئا يعتد به إلا ما ذكر ونحوه إن ثبت أنه ترك غيره. (قالت عائشة ﵂) كما رواه الشيخان (ولقد مات وما في بيتي) اللام ابتدائية أو قسمية والواو حالية أي لهو قد أو والله لقد مات والحال أنه ليس في بيتي (شيء يأكله ذو كبد) بفتح فكسر ويجوز سكونه مع كسر وفتح أي ذو حياة وخص الكبد لأنه منبع الدم (إلّا شطر شعير) لعله نصف صاع وقال الترمذي أي شيء من شعير ثم المختار رفعه على البدلية ويجوز نصبه على الاستثناء (في رفّ لي) بفتح راء وتشديد فاء خشب يرفع عن الأرض في جدار البيت يرقى عليه ما يراد حفظه وهو الرفرف أيضا وفي الصحاح الرف شبه الطاق وتمام الحديث فأكلت منه حتى طال علي فكلته ففني وهو متفق عليه ثم قالت. (وقال لي) أي تسلية لحالي (إنّي عرض عليّ) بني للمفعول وحذف فاعله إجلالا (أن يجعل لي) بالتذكير أو التأنيث أي يصير ويقلب لأجلي (بطحاء مكّة) أي حصاها أو مسيلها (ذهبا فقلت لا) أي لا اختاره (يا ربّ) فاختر لي (أجوع يوما) أو معناه لا أريد بل أريد أن أجوع يوما أي وقتا (فأصبر) وقدمه لأنه مذكر للافتقار إليه وباعث للاتكال عليه ومبالغة في احتقار عرض عروض الدنيا لديه (وأشبع يوما) أي وقتا آخر (فأشكر) لأكون مؤمنا كاملا فإن الإيمان نصفان نصفه صبر ونصفه شكر كما في الحديث وإليه يشير قوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ وهذا مقام الأنبياء والأولياء من أرباب الكمال وهو التربية بنعتي الجلال والجمال ثم بين ما يترتب على كل منهما من حسن الحال بقوله (فَأَمَّا الْيَوْمُ الَّذِي أَجُوعُ فِيهِ فَأَتَضَرَّعُ إِلَيْكَ) أي اتذلل وألتجئ (وأدعوك) بما أؤمل لديك (وأمّا اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك) أي فأشكرك (وأثني عليك) وصنيعنا في تفسير الحمد بالشكر أولى من قول الدلجي إن العطف تفسيري فإن التأسيس أولى من التأكيد لا سيما ومقام النعمة يقتضي الشكر الموجب للمزيد ومما يؤيده أيضا ما رواه الترمذي بلفظ فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك وإذا شبعت شكرتك وحمدتك (وفي حديث آخر) قال الدلجي لا أدري من رواه بهذا اللفظ قلت فكان ينبغي أن يذكر من رواه بهذا المعنى ليكون مؤيدا له في المبنى والحاصل من كلامه ونقل غيره (أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ إِنَّ الله تعالى يقرئك السّلام) أي يسلم عليك وفي القاموس اقرأ ﵇ أبلغه كاقرأه ولا يقال أقرأه إلا إذا كان السلام مكتوبا وفي الاكمال اقرأته السلام وهو يقرئك السلام بضم الياء رباعيا فإذا قلت يقرأ عليك السلام فبفتح الياء وقيل هما لغتان وبهذا يندفع ما تكلف الدلجي بقوله يقال اقرأ فلانا السلام كأنه حين يبلغه سلامه يحمله على أن يقرأ السلام ويرده (ويقول) أي الله ﷾ (لك) أي اعتبارا أو اختيارا (أتحبّ أن أجعل هذه الجبال) من الصفا وأبي قبيس وغيرهما مما حوالى مكة وأطرافها أو جنس هذه الجبال بأنواعها وأصنافها (ذهبا وتكون) أي جبال الذهب (معك حيثما كنت) أي من جهة الشرق والغرب وما بينهما وما مزيدة للتأكيد (فأطرق ساعة) أي خفض رأسه تأدبا وتفكرا مع سكوته انتظارا لما يلهمه ربه من الخيرة كما ورد في دعائه اللهم خر لي واختر لي ولا تكلني إلى اختياري (ثُمَّ قَالَ يَا
[ ١ / ٣١٥ ]
جِبْرِيلُ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ له ومال من لا مال له) أي في المآل (قد) للتقليل (يجمعها) أي يريد جمعها (من لا عقل له) أي لقلة معرفته بحقيقة الدنيا من سرعة فنائها وكثرة عنائها وقلة غنائها وخسة شركائها ولمنافاتها للآخرة باعتبار درجاتها (فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ ثَبَّتَكَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ بالقول الثّابت) الجملة دعائية أو خبرية والمراد ههنا بالقول الثابت هو الحق المطلق المحقق وإن ورد في التنزيل في جواب المؤمن للملكين في القبر حيث قال تعالى يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ مع أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فقول الدلجي في هذا المقام أي أدامك على قول لا إله إلا الله لا يناسب المرام كما لا يخفى على الكرام ثم في الحديث على إمكان قلب الأعيان هذا وقد رواه أحمد الدنيا دار من لا دار له قد يجمعهما من لا عقل له والبيهقي ولفظه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال لجبريل يوما ما أمسي لآل محمد كفة سويق ولا سفة دقيق فاتاه إسرافيل فقال إن الله تعالى سمع ما ذكرت فبعثني إليك بمفاتيح الأرض وأمرني أن أعرض عليك إن أحببت أن أسير معك جبال تهامة زمردا وياقوتا وذهبا وفضة فعلت وفي رواية لأحمد والله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة ولابن سعد وكذا لابن عساكر لو شئت لسارت معي جبال الذهب وللطبراني لو سألت أن يجعل لي تهامة كلها ذهبا لفعل (وعن عائشة ﵂) كما رواه الشيخان (قالت إنّ) قال الأنطاكي إن كلمة تأكيد بمعنى قد واللام للتأكيد أيضا وقيل إن نفي واللام استناد والأظهر الأشهران أن مخففة من المثقلة وقد روي أنا (كنّا آل محمّد) يجوز رفعه على البدل من المضمر ونصبه على الاختصاص والثاني أظهر (لنمكث شهرا) أي قدره (ما نستوقد نارا إن هو) أي ما قوتنا (إلّا التّمر والماء) وفي رواية إلا الأسودان. (وعن عبد الرّحمن بن عوف) على ما رواه الترمذي والبزار بسند جيد (هلك) واعترض بأن الصواب نحو توفي وقبض لأن الهلاك أكثره في العذاب وفي موت الكفار ويمكن دفعه بأنه قال تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ ونسخة قال هلك أي مات (رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَشْبَعْ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ من خبز الشّعير) أي فضلا عن خبز البر فلا عبرة بما يتوهم من قيده باعتبار مفهومه من حصول شبعه من غيره (وَعَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ) أي بمعناه مع اختلاف مبناه (قال ابن عبّاس) كما روى ابن ماجه والترمذي وصححه (كان رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبِيتُ هُوَ وَأَهْلُهُ اللَّيَالِيَ الْمُتَتَابِعَةَ) أي فيها بأيامها (طاويا) حال منه لأنه الأصل والأعلى أو من أهله فهو بالأولى (لا يجدون) أي أهله أو هو وأهله (عشاء) وهو تأكيد لما قبله ولعل الاقتصار على العشاء للإيماء بأنه الأهم من الغداء. (وعن أنس ﵁) برواية البخاري (قال ما أكل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على خوان) بكسر أوله ويضم أي مائدة أو هو ما يؤكل عليه من نحو كرسي على عادة المترفهين لئلا يفتقروا إلى الانحناء حال أكلهم وسئل قتادة على ما كانوا يأكلون يعني الصحابة قال على
[ ١ / ٣١٦ ]
السفر (ولا في سكرّجة) بضم الثلاثة وتشديد الراء وجوز فيها الفتحة إناء صغير يؤكل فيه القليل من الأدم فارسي معرب وأكثر ما يوضع فيه وأمثاله ما يعتاده المترفهون من إحضار المخللات ونحوها من المهضمات والمرغبات في أطراف المأكولات (ولا خبز له) بصيغة المجهول الماضي (مرقّق) بصيغة المفعول أي أرغفة واسعة رقيقة وتسمى الرقاق كطويل وطوال وقيل اللين الأبيض المسمى بالحواري (ولا رأى شاة سميطا قطّ) فعيل بمعنى مفعول أي مسموطا بمعنى مشويا بجلده فإن الغالب سمطها بأن ينزع صوفها بالماء الحار بعد تنظيفها من القاذورات وإخراج ما في بطنها من النجاسات وإلا فحرام في أصح الروايات وكذا حكم الرؤوس والدجاجات والسمط لا يحسن إلا في صغار الغنم. (وعن عائشة ﵂) برواية الصحيحين (إنّما كان فراشه صلى الله تعالى عليه وسلم) أي الخاص كما بينته بقولها (الذي ينام عليه أدما) بفتحتين أي جلدا مدبوغا وقيل الأحمر منه وقال الدلجي جلدا أسود (حشوه ليف) بكسر اللام أصول سعف النخل، (وعن حفصة ﵂) أي ابنة عمر أم المؤمنين كما في الشمائل للترمذي (قَالَتْ كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم في بيتي) أي مكاني المنسوب إلي ووقع في أصل الدلجي بلفظ في بيته وتصح الإضافة بأدنى الملابسة وإنما الكلام في ثبوت الرواية (مسحا) بكسر الميم بلاسا من شعر أبيض وقيل من شعر أسود (نثنيه) بكسر النون المخففة أي نطويه (ثنتين) بكسر المثلثة أي عطفتين وفي نسخة ثنيين بالتذكير على المصدر وفي أخرى ثنتين أي مرتين (فينام عليه) وهذا من دأبه وعادته في كل وقته (فثنيناه له ليلة بأربع) أي أربع طاقات والباء من باب الزيادات وبات عليه من غير شعوره ابتداء به لاستغراقه في شهود نوره ووجود حضوره (فلمّا أصبح قال ما فرشتم لي اللّيلة) استفهام انكاري أو استعلام (فذكرنا ذلك له) أي ثنيه أربعا ليوجب له راحة ونفعا (فقال ردّوه بحاله) أي على وفق عادتي (فإنّ وطأته منعتني اللّيلة صلاتي) أي لينته منعتني كمال حضوري في طاعتي أو شغلتني عن القيام لصلاتي وقراءتي (وكان) كما رواه الشيخان والترمذي وابن ماجة (ينام أحيانا) أي في بعض الأوقات (على سرير مرمول بشريط) أي منسوج بحبل مفتول من سعف (حتّى يؤثر) أي يظهر أثر خشونة الشريط (في جنبه) لكونه يرقد عليه من غير حائل بينه وبينه قيل حتى ابتدائية والصيغة المضارعية حكاية الحال الماضية وقيل مرادقة لكي التعليلية والأولى أظهر فتدبر. (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ لَمْ يمتلىء) بهمز هو الصحيح وفي نسخة بلام مفردة ولعل وجهها التخفيف المسهل ثم معاملته معاملة المعتل فتأمل أي ما امتلأ (جوف النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم شبعا) بكسر ففتح وقد يسكن وقيل الأول نقيض الجوع والثاني ما شبع من الشيء فالمعول هو الأول إذ نصبه على التمييز فتأمل (قطّ) أي أبدا ولعل مرادها غالب أحواله أو شبعا مفرطا غير مناسب لكماله (ولم يبث) بضم موحدة وتشديد مثلثة أو بضم أوله وكسر ثانيه أي لم ينشر ولم يظهر (شكوى) أي شكايته ولا بطريق حكايته في جميع حالاته (إلى أحد) من أصحابه وزوجاته لقوله تعالى في
[ ١ / ٣١٧ ]
ضمن آياته حكاية عن يعقوب في شدة ما ابتلاه قال نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
(وكانت الفاقة) أي الحاجة الملازمة من الفقر المقتضي للصبر (أحبّ إليه من الغنى) المقتضي للشكر وهذا صريح في تفضيل الصبر على الشكر كما ذهب إليه أجلاء الصوفية وأكثر علماء الفقهية هذا وقد ورد لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة على ما رواه الترمذي عن فضالة بن عبيد (وإن) مخففة من المثقلة أي وأنه (كان ليظلّ) بفتح الظاء المعجمة وتشديد اللام أي يكون في طول النهار (جائعا) بهمزة مكسورة (يلتوي) أي حال كونه يتقلب ويضطرب (طول ليلته من الجوع) أي من استمرار جوعته أو من أجل حرارة لذعته ولذا ورد اللهم أني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع كما رواه الحاكم في مستدركه عن ابن مسعود مرفوعا وهذا كله لكمال زهده في الدنيا وإقبال قلبه على الأخرى بناء على رضى المولى (فلا يمنعه) أي جوعه (صيام يومه) أي الذي فيه ولو كان نفلا أو صيام يوم عادته في مستقبله وهذا بيان بعض شدة حاله (ولو شاء) أي الغني وما يترتب عليه من التنعم وحصول المنى ووصول الهدى (سأل ربّه جميع كنوز الأرض) أي استدعاه لا سيما وقد عرضها عليه مولاه (وثمارها) يجوز نصبها وهو الأشهر في المبنى وجرها وهو الأظهر في المعنى أي جميع ثمار اشجارها أو جميع فوائدها وعوائد فرائدها (ورغد) والرغد بفتحتين ويسكن على ما في القاموس (عيشها) أي سعة معيشتها وطيب منفعتها (وَلَقَدْ كُنْتُ أَبْكِي لَهُ رَحْمَةً مِمَّا أَرَى بِهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِي عَلَى بَطْنِهِ مِمَّا بِهِ من الجوع) أي من أثر جوعه المختص به وهذا يدل على أنه كان يطعم أهله ويؤثرهم على نفسه (وأقول) أي والحال أني اقول حينئذ (نفسي لك الفداء) بالمد تفاديا به من ألم الجوع وشدته ومرارة حرارته (لو تبلّغت من الدّنيا بما يقوتك) بضم قاف أي لو توسعت من البلغة وتوصلت إلى المتعة بقدر ما يقويك على قيام الطاعة ويعينك على زيادة العبادة لكان أولى من هذه الحالة فجواب لو مقدر وما قدرناه أحسن من التقدير المشهور وهو لكان أحسن ويجوز أن يكون لو للتمني ويشير إلى ما اخترناه ما صدر عنه صلى الله تعالى عليه وسلم من الجواب الدال على أن اختاره هو الصواب.
(فيقول يا عائشة ما لي وللدّنيا) استفهامية انكارية أي لا حاجة لي إليها ولا إقبال لي عليها قال التلمساني قيل يجوز أن يكون ما استفهامية وتقديره أي الفة ومحبة لي معها حتى أرغب فيها وقيل يجوز أن يكون ما نافية أي ليس لي الفة إلى آخرة انتهى ثم بين إعراضه عنها بقوله (إخواني من أولي العزم من الرّسل) أي كلهم وأجلهم (صبروا على ما هو) أي على أمر عظيم هو (أشدّ من هذا) أي مما أنا صابر عليه لما روي أن بعضهم مات من الجوع وبعضهم من شدة اذى القمل وبعضهم من كثرة الجراحات وشدة الأمراض والعاهات وقد خصني الله تعالى فيما حثني وحضني على الاقتداء بهم بقوله ﷾ فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ وفيه إيماء إلى أن العبرة في الكتاب والسنة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (فمضوا على حالهم) أي التي كانوا عليها مما يقتضي الصبر ولم يطلبوا
[ ١ / ٣١٨ ]
من ربهم السعة ولا دفع المضرة نظرا إلى كمال حسن مآلهم (فقدموا على ربّهم) راضين بقضائه صابرين على بلائه شاكرين على نعمائه (فأكرم مآبهم) أي مرجعهم إليه (وأجزل) أي أعظم (ثوابهم) لديه (فأجدني أستحي) بياءين وفي نسخة بياء واحد أي فأرى نفسي مستحيية (إن ترفّهت) أي لو تنعمت (في معيشتي أن يقصّر بي) بتشديد الصاد المفتوحة (غدا دونهم) أي دون مرتبتهم وتحت درجتهم وهمتي أن أكون فوق جملتهم (وَمَا مِنْ شَيْءٍ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ اللّحوق بإخواني) أي في الجملة (وأخلائي) أي أحبائي في الملة. (قالت فما أقام) أي في الدنيا (بعد) بالضم أي بعد قوله ذلك (إلّا شهرا حتّى توفّي صلى الله تعالى عليه وسلم) غاية لإقامته أي إلى أن مات وانتقل إلى رحمة ربه وهذا يدل على اختياره الفقر في جميع أمره إلى آخر عمره قال الدلجي رحمه الله تعالى لم أدر من روى هذا الحديث لكن روى ابن أبي حاتم في تفسيره عنها قالت ظل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صائما ثم طواه ثم ظل صائما ثم طواه ثم ظل صائما قال يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد يا عائشة إن الله تعالى لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها والصبر عن محبوبها ولم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم فقال فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ قفاها وإني والله لأصبرن كما صبروا جهدي ولا قوة إلا بالله قال التلمساني هنا مسألة وهي من قال ما لي صدقة على أعقل الناس فأفتى الفقهاء على أنه يعطى الزهاد لأن العاقل من طلق الدنيا وأنشدوا:
طلق الدنيا ثلاثا وأطلبن زوجا سواها
إنها زوجة سوء لا تبالي من أتاها
أنت تعطيها مناها وهي تعطيك قفاها
فإذا نالت مناها منك ولتك وراها
فصل [وأما خوفه صلى الله تعالى عليه وسلم من ربه ﷿]
أي ثالث (وأمّا خوفه ربّه) معمول للمصدر المضاف إلى فاعله وفي نسخة من ربه (وطاعته له) أي كمال انقياده في جميع حالاته (وشدّة عبادته) أي كمية وكيفية (فعلى قدر علمه بربّه) أي بمقدار معرفته بعظمته (ولذلك) أي لكون ما ذكر على قدر علمه (قال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (فيما حدّثناه) أي في جملة ما رواه لنا (أبو محمّد بن عتّاب) بتشديد التاء الفوقية (قراءة منّي) أي بين أقراني (عليه) ففيه دلالة على تسوية إطلاق الحديث على القراءة والسماع (قال ثنا) أي حدثنا (أبو القاسم الطّرابلسيّ) بضم الموحدة واللام (ثنا أبو الحسن القابسيّ) بكسر الموحدة (ثنا أبو زيد المروزيّ ثنا أبو عبد الله الفربريّ) بكسر ففتح فسكون (ثنا محمّد بن إسماعيل) أي البخاري صاحب الصحيح. (ثنا يحيى بن بكير) بالتصغير روى عن مالك والليث قال أبو حاتم لا يحتج به وضعفه النسائي قال الذهبي كان
[ ١ / ٣١٩ ]
ثقة واسع العلم وذكر في الميزان أنه وثقه غير واحد قال الحلبي كيف لا وقد احتج به البخاري وروى عنه (عن اللّيث) أي ابن سعد عالم أهل عصره روى عن عطاء وابن أبي مليكة ونافع قال أبو نعيم في الحلية أدرك نيفا وخمسين رجلا من التابعين وعنه قتيبة وخلق كان نظير مالك في العلم وقال الشافعي الليث أفقه من مالك ولكن أضاعه أصحابه وقيل كان دخله في السنة ثمانين ألف دينار فما وجبت عليه زكاة وقد حج وأهدى إليه مالك طبقا فيه رطب فرد إليه على الطبق ألف دينار وأخرج أبو نعيم عن لؤلؤ خادم الرشيد قال جرى بين الرشيد وبين بنت عمه زبيدة بنت جعفر كلام فقال لها هارون أنت طالق إن لم أكن من أهل الجنة ثم ندم فجمع الفقهاء فاختلفوا ثم كتب إلى البلدان فاستحضر علماءها إليه فلما اجتمعوا جلس لهم فسألهم فاختلفوا وبقي شيخ لم يتكلم وكان في آخر المجلس فسأله فقال إذا خلا أمير المؤمنين في مجلسه كلمته فصرفهم فقال يدنيني أمير المؤمنين فأدناه فقال اتكلم على الأمان قال نعم فأمر بإحضار مصحف فأحضر فقال تصفحه يا أمير المؤمنين حتى تصل إلى سورة الرحمن فأقرأها ففعل فلما انتهى إلى قوله تعالى وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ قال أمسك يا أمير المؤمنين قل والله فاشتد ذلك على هارون فقال يا أمير المؤمنين الشرط املك فقال والله حتى فرغ من اليمين قال قل إني اخاف مقام ربي فقال ذلك يا أمير المؤمنين فهي جنتان وليست بجنة واحدة قال فسمعنا التصفيق والفرح من وراء الستر فقال الرشيد احسنت والله وأمر له بالجوائز والخلع وأمر له باقطاع وأن لا يتصرف واحد بمصر إلا بأمره وصرفه مكرما وقد ذكروا في ترجمته أنه كان لا يتكلم كل يوم حتى يتصدق على ثلاثمائة وستين مسكينا عدد أيام السنة (وعن عقيل) بضم مهملة وفتح قاف وهو ابن خالد الأيلي أخرج له الأئمة الستة (عن ابن شهاب) هو الزهري (عن سعيد بن المسيّب) بفتح التحتية المشددة وتكسر وهو من أجلاء التابعين وساداتهم (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ يقول) يدل على تكرر سماعه لهذا الحديث عنه (قال رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قليلا ولبكيتم كثيرا) أخرجه البخاري في الدقائق وروى أحمد والبخاري أيضا ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس وزاد الحاكم عن أبي ذر ولما ساغ لكم الطعام ولا الشراب ورواه الطبراني والحاكم والبيهقي عن أبي الدرداء بزيادة ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى لا تدرون تنجون أو لا تنجون (زاد) أي شيخنا السابق أو بعض مشايخنا وقد أخطأ الدلجي بقوله أي زاد أبو هريرة أو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأنه يصير التقديران أحدهما زاد في روايتنا عن أبي عيسى رفعه إلى أبي ذر وخطأه لا يخفى على من له ذرة من العقل الذي يدرك مراتب النقل (في روايتنا) أي من غير قراءتنا (عن أبي عيسى التّرمذيّ) أي صاحب السنن (رفعه) أي الترمذي إسناده أو حديثه (إلى أبي ذرّ ﵁) أي في قوله مرفوعا كما صرح به الترمذي في الزهد وقال حسن غريب ويروى عن أبي ذر موقوفا وأخرج ابن ماجه فيه نحوه ورواه محمد بن حميد الرازي ورفعه أيضا (إنّي أرى ما لا
[ ١ / ٣٢٠ ]
ترون) أي أبصر ما لا تبصرون من عجائب الملكوت (وأسمع ما لا تسمعون) أي من غرائب أخبار عالم الجبروت (أطّت السّماء) بتشديد الطاء أي صوتت (وحقّ لها) بصيغة المجهول أي وينبغي لها (أن تئطّ) لكثرة ما عليها من الملائكة فكأنهم أثقلوها كثرة وقوة حتى اطت كالقتب وهو تمثيل للتلويح بكثرتها وإن لم يكن ثم أطيط لها تقريرا لعظمة خالقها ومثله حديث العرش على منكب إسرافيل وأنه ليئط أطيط الرحل الجديد بعظمته وعجزه عن حمله إذ من المعلوم أن اطيط الرحل وهو الكور براكبه إنما يكون لقوة ما فوقه من ثقله (ما فيها موضع أربع أصابع) ظرف مستقر لاعتماده على حرف النفي (إلّا وملك) حال من فاعل الظرف وهو موضع أي إلا وفيه مالك (واضع) بالتنوين (جبهته) أي جبينه (ساجدا لله) حال من الضمير قبله، (والله لو تعلمون ما أعلم) أي من شدائد الأحوال وعظائم الأهوال (لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا) جواب القسم الساد مسد جواب لو وفيه مقابلة الضحك والقلة للبكاء والكثرة ووقع هنا للدلجي خبط وعدم ربط وتقديم وتأخير لا يليق بضبط الكتاب ولا بحديث الباب لا بد من إصلاحه على نهج الصواب، (وما تلذّذتم بالنّساء على الفرش) بضمتين جمع فراش فهو من قبيل مقابلة الجمع بالجمع، (ولخرجتم إلى الصّعدات) بضمتين جمع صعيد أي الطرقات (تجأرون) أي حالي كونكم ترفعون أصواتكم وتستغيثون وتتضرعون في جميع حالاتكم (إلى الله» لوددت أنّي) بكسر الدال الأولى أي لأحببت وتمنيت ووقع في أصل الدلجي بزيادة الواو قبل وفي رواية ليتني (شجرة تعضد) بصيغة المجهول أي تقطع، (روي) استئناف بصيغة المجهول أي نقل (هذا الكلام) أي بخصوصه مما سبق من المرام وهو قوله (وَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ، مِنْ قَوْلِ أَبِي ذرّ نفسه) موقوفا عليه من غير رفعه، (وهو) أي إسناده الموقوف (أصحّ) أي من إسناده المرفوع قال الحلبي ولما وقفت على قوله وددت إلى آخره من زمن طويل قطعت بأن هذا ليس من كلام النبوة ثم رأيت بعض الحفاظ المتأخرين من مشايخ مشايخي في أربعين له قال إنه مدرج ثم رأيت كلام القاضي أنه من قول أبي ذر وهو أصح وهذه العبارة ما هي مخلصة والذي ذكره بعض مشايخ مشايخي من إنه مدرج هو الصواب فيما يظهر لي انتهى وقد تصحف قوله وهو أصح على الدلجي بما وقع له في أصله وهو واضح بزيادة واو ونقطة صاد يعني وهو ظاهر ثم بينه بقوله أي من حيث إنه أشبه بكلامه وأليق بحاله مع كونه صلى الله تعالى عليه وسلم أعلم بمكانته عند ربه وأنزه من أن يتمنى عليه دون ما أعطاه انتهى ولا يخفى أن الكلام في صحة الرواية وإلا فلا يخفى وجه ظهور الدراية لأن مثل هذا الكلام إنما ينشأ عن غلبة الخوف من مشاهدة الله بوصف عظمته ومطالعة نعت سخطه المقتضي لعقوبته الجائزة من حيث العقل أنه المطابق للنقل أنه ﷾ لو عذب أهل سمواته وأرضه يكون عادلا في قضائه وحكمه إذ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون فمن نظر إلى نعوت الجمال حصل له البسط في الحال والمقال ومن طالع صفات الجلال وقع في قبض الحال وضيق البال والكلال وبهذا يجمع بين قول بعضهم من عرف الله طال
[ ١ / ٣٢١ ]
لسانه وقول آخرين من عرف الله كل لسانه هذا وقد ذكر الحافظ أبو نعيم في الحلية أن عمر رضي الله تعالى عنه مر برجل من المنافقين جالس والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي فقال له ألم تصل مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له مر إلى عملك فذكر ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له ﵊ إن لله تعالى في السموات السبع ملائكة يصلون له غنى عن صلاة فلان قال عمر ما صلاتهم يا نبي الله قال فلم يرد عليه شيئا فأتاه جبريل ﵇ فقال يا نبي الله سألك عمر عن صلاة فلان فقال اقرأ على عمر السلام وأخبره بأن أهل سماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون سبحان ذي الملك والملكوت وأهل السماء الثانية ركع إلى يوم القيامة يقولون سبحان ذي العزة والجبروت وأهل السماء الثالثة قيام إلى يوم القيامة يقولون سبحان الحي الذي لا يموت انتهى وفي آخر الحديث ما فيها موضع أربع أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ. (وفي حديث المغيرة) أي ابن شعبة كما رواه الشيخان وغيرهما عنه وهو من دهاة العرب وكذا زياد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان قال ابن وضاح أحصن المغيرة في الإسلام ألف امرأة (صلّى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي من كثرة صلاة الليل (حتّى انتفخت قدماه) أي تورمت قال ابن مرزوق إنما ذلك من طول القيام فتنصب المواد إلى الأسافل فتستقر في القدم فيرم لذلك وينتفخ وذلك لبعده من حرارة القلب قيل كان يصلي الليل كله حتى تورمت قدماه من طول القيام فأنزل الله عليه من القرآن ما خففت به عليه وعلى من تبعه وهو قوله إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى وكذا قوله طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى، (وفي رواية) أي لهما عنه (كان يصلّي) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (حتّى ترم قدماه) على زنة تعد مضارغ ورم كورث بمعنى تورمت كما في رواية وأما تشديد الميم على ما في بعض النسخ فخطأ فاحش والعدول عن الماضي لحكاية الحال الماضية كقولهم مرض حتى لا يرجونه فالظاهر أنه مرفوع ومنه قوله ﷾ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ بالرفع على قراءة نافع، (فقيل له أتكلّف هذا) بحذف إحدى التاءين وتشديد اللام أي أتتحمل هذا التحمل وجوز الدلجي كونه من كلف بكسر اللام ومنه حديث إني أراك كلفت بعلم القرآن وحديث اكلفوا من العمل ما تطيقون لكنه غير موافق لما في القاموس فإنه قال كلف كفرح أولع وهو مناسب للحديث الأول ثم قال واكلفه غيره وهو الملائم للحديث الثاني أي كلفوا أنفسكم أو غيركم ما تطيقون من أعمالكم ثم قال صاحب القاموس وتكلفه تجشمه والمتكلف المتعرض لما لا يعنيه انتهى ولا يخفى أن هذا المبنى هو المناسب في المعنى الواو هنا بالجملة الحالية بقوله (وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وما تأخّر) كما أخبر الله ﷾ في سورة الفتح بِقَوْلِهِ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وفي عطف ما تأخر اعتناء عظيم فتدبر وحاصله أنك معصوم من ارتكاب الذنب المتعارف ولو فرض أن يقع منك ما لا يليق بمقامك فإن حسنات الأبرار سيئات الأحرار فإنه مغفور عنك ثم لما كان الغالب أن كثرة العبادة ينشأ
[ ١ / ٣٢٢ ]
عن غلبة خوف العقوبة (قال أفلا أكون عبدا شكورا) على ما أنعم علي من المغفرة وجاء الحديث طبق الآية في مدح نوح ﵊ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا وفي ذكر العبد إيماء إلى أنه لا بد لي من القيام بوظائف العبودية ومبالغة في أداء شكر حقوق الربوبية.
(ونحوه) أي مثله في المعنى مع اختلاف يسير في المبنى (عن أبي سلمة وأبي هريرة) كذا في النسخ بالعطف والظاهر تكرار عن لما في الشمائل للترمذي بإسناده بلفظ عن أبي سلمة عن أبي هريرة وأبو سلمة هذا تابعي جليل أحد الفقهاء السبعة وهو ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد العشرة ويحتمل أن يكون في ذلك حديث لأبي سلمة الصحابي موقوفا أو مرفوعا والله أعلم (وقالت عائشة ﵂) أي فيما رواه الشيخان (كان عمل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ديمة) بكسر الدال أي دائما باعتبار الغلبة فلا ينافي تركه على سبيل الندرة وما الطف عبارتها بقولها ديمة فإنها في الأصل المطر الدائم فلا يبعد أن يجعل من التشبيه البليغ مع قصدها المبالغة في عموم الفائدة، (وأيّكم يطيق ما كان يطيق) أي لما كان له من قوة النبوة الموجبة للمداومة. (وقالت) أي فيما روياه عنها أيضا (كان يصوم حتّى نقول) بالنصب وروي بالرفع كما سبق وروي بالوجهين مخاطبا والمعنى حتى نظن (لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ. ونحوه عن ابن عبّاس وأمّ سلمة) وهي آخر أمهات المؤمنين توفيت في إمارة يزيد (وأنس وقال) أي كل منهم رضي الله تعالى عنهم لا أنس وحده كما اقتصر عليه الانطاكي لكونه أقرب مبنى فإن الجمع أنسب معنى (كنت) أيها المخاطب (لا تشاء أن تراه في اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ مُصَلِّيًا وَلَا نَائِمًا) أي ولا تشاء أن تراه نائما (إلّا رأيته نائما) لما ورد عنه أما أنا فأصلي وأنام وأصوم وأفطر. (وقال عوف بن مالك) وهو من أكابر الصحابة وقد روى عنه أبو داود والنسائي والترمذي (كنت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة) ولعله كان في السفر (فاستاك) أي أول ما استيقظ (ثمّ توضّأ) والظاهر أنه اكتفى بالاستياك الأول. (ثمّ قام يصلّي) أي التهجد؛ (فقمت معه) يحتمل مقتديا ومتابعا (فبدأ) أي القراءة (فاستفتح البقرة) أي بعد الفاتحة لكونها كمقدمتها أو لبيان الجواز بترك قراءتها، (فلا يمرّ بآية رحمة إلّا وقف) أي في موقفها (فسأل) أي الله الرحمة، (وَلَا يَمُرُّ بِآيَةِ عَذَابٍ إِلَّا وَقَفَ فَتَعَوَّذَ) أي التجأ من العقوبة لكونه واقفا بين مقامي الخوف والرجاء ووصفي الفناء والبقاء وملاحظا نعتي الجلال والجمال كما هو حال أهل الكمال، (ثمّ ركع فمكث) بضم الكاف وفتحها أي لبث فيه (بقدر قيامه يقول سبحان ذي الجبروت) فعلوت للمبالغة من الجبر بمعنى القهر والغلبة فإنه هو القاهر فوق عباده (والملكوت) مبالغة الملك أو باطنه أن الملك ظاهره وهذا المعنى متعين عند الجمع بينهما (والكبرياء) أي العظمة المناسب ذكرها في الركوع ولذا لما نزل قوله ﷾ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال اجعلوها في ركوعكم يعني قولوا فيه سبحان ربي العظيم، (ثمّ سجد) أي سجودا طويلا كما هو الظاهر (وقال مثل ذلك) أي نظيره أو بعينه لشمول معنى الكبرياء وصف العلاء الملائم ذكره في
[ ١ / ٣٢٣ ]
السجود لانه لما نزل قوله سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال اجعلوها في سجودكم أي قولوا فيه سبحان ربي الأعلى (ثمّ قرأ آل عمران) أي في ذلك الركعة أيضا أو في أخرى وهو الظاهر لقوله، (ثمّ سورة سورة) أي ثم قرأ في كل ركعة سورة، (يفعل مثل ذلك) أي من تطويل الركوع والسجود والتسبيح المذكور وغير ذلك. (وعن حذيفة مثله) أي مثل حديث عوف كما في مسلم (وقال) أي زيادة على تلك الرواية مع احتمال إطلاعه على غير تلك الحالة (سَجَدَ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، وَجَلَسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ نحوا منه) أي قريبا من طوله (وقال) أي حذيفة (حَتَّى قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءَ وَالْمَائِدَةَ) أي في ركعة والظاهر في أربع ركعات بتسليمة أو تسليمتين. (وعن عائشة) أي برواية الترمذي (قالت قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بآية من القرآن) وهي إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ اقتداء بعيسى ﵊ في الكلام وإيماء إلى أنه صلى الله تعالى عليه وسلم يريد المغفرة والرحمة ورفع العقوبة عن جميع أمة الإجابة مع التسليم تحت الإرادة وإنما كررها للتدبر في معناها وما يتعلق بمبناها من آثار القدرة وأسرار العزة وأنوار الحكمة (ليلة) أي في ليلة من الليالي وهو يحتمل كلها أو بعضها والأظهر أكثرها وظاهر القيام أن تكرارها كان في الصلاة حال الوقوف وأما ما رواه أحمد والنسائي بسند صحيح عن أبي ذر بلفظ قام حتى أصبح بآية إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فلا يدل على إحياء الليل كله لأنه لم يكن من دأبه فيحتمل أنه قام من الليل أو قام لصلاة التهجد حتى أصبح. (وعن عبد الله بن الشّخير) بكسر شين وخاء مشددة معجمتين صحابي نزل البصرة وأدرك الجاهلية والإسلام فهو مخضرم كما روى أبو داود والترمذي والنسائي عنه (أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يصلّي) جملة حالية (ولجوفه) أي صدره (أزيز) بكسر الزاي الأولى أي حنين من البكاء ويراد به هنا الخنين بالخاء المعجمة وهو البكاء مع غنة وانتشاق الصوت من الأنف (كأزيز المرجل) أي كغليانه وهو بكسر ميم وفتح جيم قدر من نحاس على ما في الصحاح وسمي به لأنه إذا نصب كأنه أقيم على رجله. (وقال ابن أبي هالة) وهو هند ربيبه ﵊ من خديجة (كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم متواصل الأحزان) أي متتابعها لعلمه بشدائد الأحوال وموارد الأهوال حالا ومآلا ولكونه في سجنه سبحانه المقتضي أحزانه وما أحسن قول ابن عطاء:
ما دمت في هذه الدار لا تستغرب وقوع الاكدار وأما ما ورد من قوله أعوذ بك من الحزن فمحمول على حزن يتعلق بالدنيا كما قال ﷾ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ، (دائم الفكرة) أي في عاقبة الأمر (ليست له راحة) لقيامه بما كلف من تحمل أعباء الرسالة ومن وظائف العبادة وقد بسطت تحقيق هذه الأحاديث كلها باعتبار مبناها ومعناها في جمع الوسائل لشرح الشمائل.
[ ١ / ٣٢٤ ]
(وقال صلى الله تعالى عليه وسلم) أي فيما رواه مسلم وغيره (إنّي لأستغفر الله) أي أطلب مغفرته وأسأل رحمته (في اليوم) أي الواحد بل ورد عنه في المجلس الواحد (مائة مرّة) أي بلفظ استغفر الله أو بزيادة العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه أو بلفظ رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم (وروي) كما في البخاري والترمذي (سبعين مرّة) وكل منهما يحتمل التحديد والتكثير وكأنه صلى الله تعالى عليه وسلم عد اشتغاله بدعوة الأمة ومحاربة الفكرة وتألف المؤلفة ومعاشرة الأهل والعشيرة ومباشرة الأكل والشرب وسائر ضرورات المعيشة مما يحجزه عن كمال الحضور وظهور نور السرور الحاصل من مراقبته ومشاهدته ولهذا المعنى لما سئل الشبلي عن سبب سد باب إفادته فقال لأن أكون طرفة عين مع رب العالمين خير عندي من علوم الأولين والآخرين وقد قال الغزالي ضيعت قطعة من العمر العزيز في تصنيف البسيط والوسيط والوجيز مع أن الأخير هو خلاصة مذهب الإمام الشافعي من طريق النووي والرافعي وهذا بالنسبة إلى قياس ما ظهر لنا من أحوالنا وإلا فالأمر كما روي عن الأصمعي في حديث إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر ربي من أنه لو صدر هذا على قلب صلى الله تعالى عليه وسلم لفسرته ولله در أدبه حيث عظم قلب حبيب ربه الذي هو مهبط وحيه. (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن سنّته) أي طريقته المبنية على شريعته وحقيقته (فقال المعرفة رأس مالي) لأنها المقصودة من أصل الخلقة قال الله تعالى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ قال ابن عباس أي ليعرفون، (والعقل أصل ديني) أي بناء مداره ومحل اعتباره (والحبّ أساسي) أي أساس قلبي في حضوري مع ربي (والشّوق مركبي) لأن صاحب الشوق وطالب الذوق في سلوك الطائرين وفاقدهما سيره ضعيف في منازل السائرين (وذكر الله أنيسي) أي مؤنسي وسبب لأن يكون جليسي لحديث أنا أنيس من ذكرني وجليس من ذكرني وفي نسخة أنسي بضم فسكون (والثّقة) أي بالله كما في رواية يعني أن الاعتماد على ربي (كنزي) لما ورد القناعة كنز لا يفنى ولما يشير إليه قوله ﷾ ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ (والحزن رفيقي) حيث إنه لا ينفك عن قلبي لما سبق من أنه كان متواصل الأحزان ولحديث إن الله يحب قلب كل حزين (والعلم سلاحي) لأني أحارب به عدوي من نفسي وشيطاني وأدفع عني به كيد إخواني (والصّبر ردائي) أي موضع تحملي ومحل تجملي وسبب رفعتي وكبريائي (والرّضى) بالقصر مصدر وفي نسخة بالمد على أنه اسم (غنيمتي) لأنه مغتنم في جميع ما يجري من القضاء ولذا قيل الرضى بالقضاء باب الله الأعظم وقد قال تعالى وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ وفيه إيماء بأن رضى الله والعبد متلازمان لا يتصور أنهما ينفكان (والعجز فخري) أي افتخر بإظهار العجز والافتقار في مرتبه العبودية إلى الاحتياج للقدرة والقوة الربوبية كما يشير إليه قوله تعالى وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ ولعل هذا هو وجه ما وقع في نسخة من لفظ الفقر بدل العجز وإن قال ابن تيمية إن حديث الفقر فخري كذب وقال
[ ١ / ٣٢٥ ]
العسقلاني إنه باطل فإن الحكم بوضعه إنما هو باعتبار ما وصل من سنده لا من حيث مبناه المطابق معناه لما ورد في كتاب الله ولا يبعد أن يكون هذا من علي كرم الله وجهه موقوفا بمضمون ما سمعه عنه صلى الله تعالى عليه وسلم في بعض أحوال متفرقة مرفوعا. (والزّهد حرفتي) يعني أن أرباب الدنيا لأجل تمتعها وانتفاعها كل أحد يتعلق بحرفة من حرفها لتحصيل طرف من طرفها وأنا لقلة ميلي إليها وعدم إقبالي عليها جعلت زهدي عنها كسبي فيها اعتمادا على باريها (واليقين) بجميع مراتبه من علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين (قوّتي) أي قوة قلبي في معرفة ربي وفي نسخة بسكون الواو أي قوة روحي وسبب زيادة فتوحي (والصّدق شفيعي) لما قيل من أن الصدق أنجى ولقوله تعالى والمصنف هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ (والطّاعة حسبي) أي كفايتي في مرضاة ربي، (والجهاد خلقي) بضم وضمتين أي دأبي وعادتي وهو يشمل الجهاد الأكبر والأصغر، (وقرّة عيني في الصّلاة) أي من جملة عباداتي أو من جملة عناياتي بناء على أن المراد بالصلاة العبادة المشهورة أو الدعوة المأثورة (وفي حديث آخر) أي برواية أخرى (وثمرة فؤادي) أي نتيجة معارف قلبي (في ذكره) أي ذكر ربي (وغمّي) أي همي الذي يغمني في كل حالتي (لِأَجْلِ أُمَّتِي: وَشَوْقِي إِلَى رَبِّي ﷿) أي في نهاية رتبتي فهذه كلمات جامعة معانيها مطابقة لما في الكتاب والسنة والمصنف ثبت ثقة حجة فحسن الظن به أنه ما رواها إلا عن بينة وإن لم تكن عندنا بينة وأما قول الدلجي قال الأئمة موضوع يحتمل أن يكون باعتبار بعض أفراده بناء على اختلاف إسناده كما بيناه والله أعلم.
فصل [اعلم وفقنا الله تعالى وإياك أن صفات جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام]
أي رابع (اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ صِفَاتَ جَمِيعِ الأنبياء) أي نعوتهم عامة (والرّسل) أي خاصة (صلوات الله عليهم) أي كافة (من كمال الخلق) بالفتح وتفسيره قوله (وحسن الصّورة وشرف النّسب) أي مما يقتضي جمال الحسب (وحسن الخلق) بالضم أي السيرة والسريرة والعشرة مع العشيرة، (وجميع المحاسن) أي من الشمائل البهية والفضائل العلية (هي هذه الصّفات) أي المتقدم ذكرها في الفصول الماضية ثم هذه الجملة خبر ان واللام فيه للعهد لا كما توهم الدلجي أنها للاستغراق المبين بمن (لأنّها صفات الكمال والكمال) بالرفع (والتّمام) عطف تفسير كما قال الدلجي إلا أن بينهما فرقا دقيقا وهو أن التمام ما لا يتم الشيء إلا به حتى لو فقد يسمى ناقصا والكمال ليس كذلك لأنه أمر زائد على مقدار التمام فتأمل في مقام المرام (البشري) أي المنسوب إلى جنس البشر جميعهم (والفضل) أي الأمر الزائد على الكمال العرفي (الجميع) مبتدأ خبره (لهم صلوات الله عليهم) والجملة خبر لما قبلها من المبتدءات أي من حيث جميعها فيهم لا في غيرهم ومجموعها حاصل لهم في الجملة بحسب المشاركة وإن كانت تختلف حالهم في مزية المرتبة بل هو المناسب لحال الملك
[ ١ / ٣٢٦ ]
العلوي ولذا لم يقل والكمال والتمام البشريان (إذ رتبتهم أشرف الرّتب) أي رتب الموجودات إلا أن في الملائكة خلافا لبعض الأئمة أو رتب البشر فهو بإجماع الأمة وهذا في الدنيا وقوله (ودرجاتهم أرفع الدّرجات) أي في العقبى (ولكن فضّل الله بعضهم على بعض) أي في الدنيا والآخرة (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [البقرة: ٢٥٣]) الإشارة إلى من يعلمه نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم فاللام للعهد وإنما لم نقل بالاستغراق لقوله تعالى وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ على أنه لا يبعد أنه ﷾ أعلم نبيه بجميعهم وإن لم يعلمه بقصصهم ثم المراد بالفضيلة هنا هو الأمر الزائد على أصل معنى الرسالة لاستوائهم باعتبار تلك الحالة كما يدل عليه بقية الآية مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ أي تفضيلا له كموسى ليلة الحيرة في الطور وكمحمد ليلة المعراج ولعل تخصيص موسى بقوله وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا لتكرير تكليمه له أو لاختصاصه به بالنسبة إلى من تقدم كما يشير إليه قوله تعالى وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ أي على جميعهم لا على باقيهم كما قاله الدلجي درجات هو نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم تفضيلا على غيره بمناقب متكاثرة ومراتب متوافرة كالدعوة العامة والفضيلة التامة الجامعة بين الرؤية والمكالمة وبين المحبة والخلة وكالآيات الكاملة والمعجزات الظاهرة الشاملة فهو المفرد العلم الأكمل الغني عن البيان في هذا المحل أو هو إبراهيم ﵊ حيث خص بالخلة التي هي من أعلى مراتب المقام أو إدريس ﵊ رفعه الله مكانا عليا وقيل بقية أولي العزم من الرسل (وقال: وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ) أي بني إسرائيل (عَلى عِلْمٍ أي بهم (عَلَى الْعالَمِينَ [الدخان: ٣٢]) أي عالمي زمانهم لكثرة الأنبياء فيهم والمعنى أنا اصطفيناهم عالمين بأنهم أحقاء باصطفائنا إياهم وإذا كان بنو إسرائيل مصطفين لوجود الأنبياء فيهم فبالأولى ثبوت الاصطفاء لهم فتأويلنا هذا الكلام المصنف أولى من قول الدلجي هذا على توهم جعل الضمير للانبياء والحق جعله لبني إسرائيل قبله (وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم) أي كما رواه الشيخان (إنّ أوّل زمرة) أي طائفة (يدخلون الجنّة) بصيغة المعلوم أو المجهول كما قرئ بهما في السبعة (على صورة القمر) أي في هيئته من كمال إنارته (ليلة البدر) وهي ليلة أربع عشرة سمي بدرا لمبادرته غروب الشمس في الطلوع أو لتمامه فيها (ثمّ قال) أي النبي ﵊ (آخر الحديث) أي آخره بعد عد جميع زمره وإنما اختصره المصنف لطوله (على خلق رجل واحد) أي كلهم على صورة رجل واحد وهذا على رواية فتح الخاء والأظهر رواية الضم بشهادة رواية اخلاقهم على خلق رجل واحد وبدلالة رواية أخرى لا اختلاف بينهم ولا تباغض في قلوبهم على قلب رجل واحد وأغرب الدلجي حيث جعل الرواية الثانية شاهدة لرواية الخلق بالفتح نعم قد يرجح الفتح كما قال الحلبي لظاهر قوله (على صورة أبيهم آدم ﵇) أي صورة خلقه ولا يبعد أن يكونوا أيضا على سيرة خلقه خلافا للدلجي حيث اقتصر على الأول فتدبر
[ ١ / ٣٢٧ ]
وتأمل (طوله ستّون ذراعا في السّماء) أي في جهتها احتراسا من طول عرضه من جهة الأرض فقد قيل أرضه سبعة أذرع وقيل التقدير وهو في السماء. (وفي حديث أبي هريرة) كما روياه أيضا (رأيت موسى) أي في ليلة المعراج أو في المنام أو في بعض الكشوفات (فإذا هو رجل ضرب) بفتح فسكون أي خفيف اللحم مستدق الجسم على ما ذكره الدلجي تبعا للخليل أو ما بين الجسمين كما قاله الحلبي وهو الأولى لأنه الوصف الأعلى كما ذكره في شمائل المصطفى هذا وقد قال ابن قرقول وقع عند الأصيلي بكسر الراء وسكونها معا ولا وجه للكسر كما قاله القاضي وفي حديث آخر مضطرب وهو الطويل غير الشديد وفي صفاته في كتاب مسلم عن ابن عمر جسيم سبط يحمل على هذا القول الموافق لرواية مضطرب لا على كثرة اللحم وإنما جاء جسيم في صفة الدجال (رجل) بكسر الجيم وروي فتحها أي شعره بين الجعودة والسبوطة (أقنى) أي طويل الأنف مع ارتفاع وسطه ودقة ارنبته (كأنّه من رجال شنوءة) بفتح معجمة وضم نون فواو وهمزة وقد تبدل فتدغم قبيلة من اليمن ويمكن الوجهان في قول الشاعر:
نحن قريش وهمو شنوءه بنا قريش ختم النبوه
(ورأيت عيسى فإذا هو رجل ربعة) بفتح راء وسكون موحدة وقد تفتح أي بين الطول والقصر وهو لا ينافي كونه إلى الطول أقرب كما هو أنسب على ما في شمائله صلى الله تعالى عليه وسلم (كثير خيلان الوجه) بإضافة الكثير أي شاماته جمع خال وهو نقطة سوداء تكون في الجسد ويستحسن قليلة في الوجه (أحمر) أي أبيض مائل إلى الحمرة على ما حقق في نعته صلى الله تعالى عليه وسلم هذا وقد اختلف في صفة عيسى ﵇ فروى أبو هريرة بأن عيسى أحمر وقال ابن عمر والله ما قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بأن عيسى أحمر وإنما اشتبه على الراوي وروى ابن عمر أنه عيسى آدم والآدم الأسمر وفي البخاري من طريق مجاهد عن ابن عمر أنه احمر فالمراد ما قارب الحمرة والأدمة كما قدمنا فإنه قد جاء في شمائله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه اسمر مع أنه جاء أيضا كونه أبيض مشربا بالحمرة فتدبر (كأنّما خرج من ديماس) بكسر الدال ويفتح ويؤيد الأول قولهم أعل بقلب ميمه الأولى ياء لكسر ما قبلها فقيل معناه لكن أو الستر أي كأنه مخدر لم ير شمسا وهو بظاهره لا يلائم كونه أحمر فالصواب ما جاء مفسرا في حديث بأنه الحمام وفي الحديث رأيته يطوف بالبيت ثم رأيت بعده الدجال يطوف بالبيت واستشكل بأنه كيف ذلك وقد حرم الله عليه دخول مكة وأجيب بأن التحريم مقيد بوقت فتنته أو حرمت عليه جسمه وهذا باعتبار روحه وفيه إيماء إلى أن مرجع الكل إلى باب المولى وأن لا يقدر أحد أن يخرج عن حكمه تعالى (وفي حديث آخر) لم أعرف من رواه كما قاله الدلجي (مبطّن) بتشديد الطاء المهملة المفتوحة أي ضامر البطن وإن كان قد يطلق على عظيمه (مثل السّيف) أي لاستوائهما واعتدالهما كما ذكره
[ ١ / ٣٢٨ ]
الدلجي وغيره فهو تأكيد والأظهر أنه نعت مستقل ومعناه أنه مثله ضياء وصفاء وفي الشمائل للترمذي فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود وهو ثقفي قتله رجل من ثقيف عند تأذينه بالصلاة، (قال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (وأنا أشبه ولد إبراهيم به) بفتح واو ولام وبضم فسكون أي أولاده من الأنبياء. (وقال في حديث آخر) على ما رواه البخاري (في صفة موسى كأحسن) ووقع في أصل التلمساني كأشبه (ما أنت راء) بكسر همز من غير ياء اسم فاعل من باب رأى وما موصولة أو موصوفة (من أدم الرّجال) أي من سمرهم وهو بضم همز وسكون دال مهملة جمع آدم أفعل شديدة السمرة قال ابن الأثير الأدمة في الإبل البياض مع سواد المقلتين وهي في الناس السمرة الشديدة وهي من أدمة الأرض وهو لونها وبه سمي آدم ﵊ وقال النضر بن شميل إنما قيل لآدم آدم لبياضه وقد استدل بعضهم على أن موسى اسمر بقوله ﷾ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فدل ذلك على أنها خالصة اللون وهذا أحسن والله تعالى أعلم. (وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) كما رواه أبو يعلى وابن جرير، (عنه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ بَعْدِ لُوطٍ نَبِيًّا إِلَّا فِي ذُرْوَةٍ مِنْ قومه) بكسر الذال المعجمة ويروى مثلثة أي في رفعة أو في عزة كما في حديث سعيد بن منصور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما موقوفا والمعنى في منعة وحرمة وغلبة ونصرة (ويروى في ثروة) بفتح المثلثة (أي كثرة) أي توجب غلبة (ومنعة) بفتحتين ويسكن النون أي قوة تمنع المذلة وقيل المنعة بالتحريك جمع مانع أي جماعة يمنعونه ويحمونه من اعدائه هذا والتقييد ببعدية لوط يفيد انه لم يكن في منعة كما يشير إليه قوله لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أي بدنية أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ أي قبيلة قوية واستشكل الدلجي قوله تعالى لليهود فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ولو كانوا في منعة لما قتلوا منهم ببيت المقدس في يوم واحد ثلاثمائة نبي انتهى ويمكن دفعه بأن منعتهم مقيدة بكونهم في قبيلتهم والقضية واقعة في غير محلتهم أو المراد بالمنعة ما تعلق به من أمر النبوة ومخالفة الأمة مع أنه قد تكون المغلوبية لأرباب المنعة. (وحكى التّرمذيّ) بل روى في الشمائل (عن قتادة) أي مرسلا (ورواه الدّارقطنيّ) وهو الحافظ المشهور إمام المحدثين في زمانه تفقه على الاصطخري وسمع البغوي وروى عنه الحاكم وغيره منسوب إلى دار قطن محلة ببغداد (من حديث قتادة عن أنس رضي الله تعالى عنه) أي موقوفا (ما بعث الله تعالى نبيّا إلّا حسن الوجه) فحسن الوجه يدل على معروف صاحبه كما قيل الظاهر عنوان الباطن وقد أنشد:
يدل على معروفه حسن وجه وما زال حسن الوجه أهدى الدلائل
وقد روى الدارقطني في الإفراد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا ابتغوا الخير عند حسان الوجوه ورواه الطبراني بلفظ التمسوا وقبح الوجه على عكسه باعتبار مفهومه كما قيل:
يدل على قبح الطوية ما يرى بصاحبها من قبح بعض ملامحه
[ ١ / ٣٢٩ ]
والظاهر أن الأمرين غالبيان لتصور خلافهما في بعض افراد الإنسان وفي الحديث اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي فالجمع بينهما كمال الجمال (حسن الصّوت) قال تعالى يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ قرئ بالحاء المهملة وإن كانت المعجمة لهما شاملة (وَكَانَ نَبِيُّكُمْ أَحْسَنُهُمْ، وَجْهًا وَأَحْسَنُهُمْ صَوْتًا صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) أي من الكل فيشتمل حسن صورة يوسف وصوت داود باعتبار الصباحة والملاحة وزيادة البلاغة والفصاحة هذا وقد قيل يوسف أعطي شطر حسن آدم وقيل شطر حسن جدته سارة لأنها لم تفارق الحور إلا فيما يعتري الآدمية من الحيض وغيره وقد أعطي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم كمال الجلال والجمال من تمام الصباحة فما رآه احد إلا هابه ومن تمام الملاحة فما رآه أحد إلا أحبه وفي الحديث دلالة على جواز مثل هذه الإضافة إذا لم يرد بها المهانة أو البراءة. (وفي حديث هرقل) على ما في الصحيحين من أنه قال لأبي سفيان (وَسَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَنْسَابِ قَوْمِهَا) والزعم قد يستعمل بمعنى القول ولعله استعمل بمعنى الظن لما يوهم من معنى التهمة أو لأن أمر النسب مبني على غلبة الظن لا على الحقيقة كما روي عن ابن سلام في قوله تعالى الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وقد رفع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هذا الوهم في نسبه بما ورد عنه في أحاديث مضمونها أني ولدت من أب إلى أب إلى آدم كلهم من نكاح ليس فيهم سفاح وهذا كله على مقتضى ما وقع في أصل الدلجي وأما على ما صح عندنا من النسخ المعتمدة فذكرت أنه فيكم فلا إشكال (وقال تعالى في أيّوب) أي في نعته (إِنَّا وَجَدْناهُ) أي علمناه أو صيرناه (صابِرًا) بتخليقنا أو بتوفيقنا (نِعْمَ الْعَبْدُ) أي أيوب مبتدأ خبره ما قبله وخص بالمدح لصبره على بلائه ورضاه بقضائه ولا يضره شكواه ما به من ضر إلى مولاه (إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ٤٤]) أي كثير الرجوع إلى الله وقال الانطاكي أي تواب والتحقيق هو الفرق بين أواب وتواب بأن التوبة عن المعصية والأوبة عن الغفلة قيل كان ببلاد حوران وقبره مشهور عندهم بقرب نوى وفي قربه عين جارية يتبركون بها على زعم أنها المذكورة في القرآن (وقال تعالى: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ) أي التوراة (بِقُوَّةٍ [مريم: ١٢]) أي بجد وجهد ومبالغة في مواظبته (إلى قوله: وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
[مريم: ١٥]) وهو قوله ﷾ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ أي الحكمة أو النبوة أو المعرفة بالشريعة صبيا وَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا أي رحمة وشفقة منا عليه أو رحمة وتعطفا في قلبه على أبويه وزكاة أي طهارة أو نماء ورفعة وكان تقيا أي عن المعاصي نقيا وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
أي مبالغا في برهما ولم يكن جبارا متكبرا عصيا عاقا وَسَلامٌ
أي من الله عليه يَوْمَ وُلِدَ
أي من أن يمسه الشيطان كغيره من بني آدم كما أخبر به صلى الله تعالى عليه وسلم وَيَوْمَ يَمُوتُ
أي من ضمة القبر ونحوها أي حين يدفن في حجرته ﵇ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
من هول القيامة وخوف العقوبة قال سفيان بن عيينة أوحش ما يكون الإنسان في هذه الأحوال الثلاثة يوم ولد فيخرج مما كان ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر لم ير نفسه فيه فخص يحيى
[ ١ / ٣٣٠ ]
بالسلامة في هذه المواطن قلت ولعل وجه تخصيصه ما روي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا أَلَمَّ بِذَنْبٍ أَوْ كاد إلا يحيى بن زكريا ﵉ (وقال تعالى: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ) من التبشير أو البشارة لثبوتهما في السبعة (بِيَحْيى إلى الصَّالِحِينَ) يعني قوله مصدقا بكلمة من الصالحين أي القائمين بحقوق الله تعالى وحقوق عباده أجمعين (وقال: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا) أي اختارهما (وَآلَ إِبْراهِيمَ) أي إسماعيل وإسحاق وأولادهما ومنهم نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم من نسل إسماعيل ويدخل إبراهيم في من اصطفى دخولا أوليا كما لا يخفى (وَآلَ عِمْرانَ [آل عمران: ٣٣]) أي موسى وهارون ابني عمران بن يصهر أو عيسى وأمه بنت عمران بن ماثان وكان بين العمرانين ألف وثمانمائة سنة على ما ذكره الدلجي (الآيتين) يعني قوله عَلَى الْعالَمِينَ أي على عالمي زمانهم أو على المخلوقين جميعهم ذرية أي حال كونهم ذرية واحدة بعضها من بعض في الديانة وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ بأقوالهم وأحوالهم فاصطفاهم لعلمه بهم (وَقَالَ فِي نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء: ٣]) حامدا لله في جميع حالاته مع القيام بوظائف طاعاته قيل كان نوح ﵊ إذا أكل طعاما أو شرب شرابا أو لبس ثوبا قال الحمد لله فسمي عبدا شكورا أي كثير الشكر (وقال) أي بعد قوله تعالى إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ (اللَّهَ يُبَشِّرُكِ) بالوجهين (بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) أي بوجود من يخلق بأمركن من عنده سبحانه بغير واسطة وجود أب (اسْمُهُ الْمَسِيحُ) مبتدأ وخبر أي مسح بالبركة والميمنة أو مسح الأرض بالسياحة (إلى الصَّالِحِينَ [آل عمران: ٤٥- ٤٦]) وهو قوله عيسى ابن مريم وجيها حال مقدرة أي ذا وجاهة في الدنيا بالنبوة والآخرة بالكرامة والشفاعة ومن المقربين في الحضرة وصحبة الملائكة وعلو الدرجة في الجنة ويكلم الناس أي ومكلما لهم في المهد وكهلا أي طفلا وكهلا كلام الأنبياء من غير قصور في الحالين من تغيير الإنباء ومن الصالحين فيه إشارة إلى أن مرتبة الصلاح غاية الفوز والفلاح (وقال تعالى) أي حكاية عن عيسى (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) انطقه الله به في أول الحالات لكونه مبتدأ المقامات ولكون ردا على من زعم الوهيته من أهل الضلالات (آتانِيَ الْكِتابَ) أي الإنجيل (إلى ما دُمْتُ حَيًّا [مريم: ٣٠- ٣١]) أي قوله تعالى وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أي نفاعا للغير معلما للخير أين ما كنت وَأَوْصانِي أي أمرني بالصلاة والزكاة أي إن ملكت مالا أو بالصدقة على حسب الطاقة أو طهارة النفس من الخباثة ما دمت حيا أي في مدة حياتي إلى ساعة مماتي (وقال) أي في حق موسى ﵊ (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى [الأحزاب: ٦٩] الآية) يعني فبرأه الله مما قالوا أي حيث قذفوه بعيب في بدنه برصا أو أدرة لفرط تستره حياء على وفق طبعه وشرعه فأطلعهم الله على براءته منه ونزاهته عنه وكان عند الله وجيها أي ذا وجاهة وقربة عند ربه عندية مكانة لا مكان لتنزهه ﷾ (قال النّبي صلى الله تعالى عليه وسلم) كما رواه الشيخان (كان موسى رجلا حييّا) بكسر التحتية الأولى وتشديد الثانية فعيل بمعنى شديد الحياء في جميع الأحوال (ستيرا) بكسرتين مع تشديد
[ ١ / ٣٣١ ]
الثانية أي كثير التستر في حال الاغتسال وفي نسخة صحيحة بفتح فكسر تحتية مخففة قال ابن الأثير ستير قليل بمعنى فاعل أقول واختيار المبالغة أبلغ وانسب بقوله (ما يرى من جسده شيء استحياء) وفي نسخة استحاء أي لأجل كمال حيائه من رفقائه (الحديث) وتمامه قوله ﵊ فآذاه من آذاء من بني إسرائيل فقالوا ما تستر هذا التستر إلا عن عيب بجلده إما برص أو أدرة وهي بالضم نفخ الخصية وأن الله أراد أن يبرئه فخلا يوما وحده أي منفردا ليغتسل فوضع ثوبه أي جميعه وهو المناسب لدفع الأدرة أو الزائد عن إزاره إن كان البرص على زعمهم فوقه ففر الحجر أي بعد فراغه من غسله ويحتمل كونه من قبله فجمح بجيم فميم مفتوحة فحاء مهملة أي أسرع في أثره يقول أي قائلا ثوبي أي ألقه أدرة بأحجر حتى انتهى أي مشيه ووصل إلى ملأ بني إسرائيل فرأوه عريانا أحسن خلق الله حالان من ضمير رأوه إذ الرؤية بصرية ليس لها إلا مفعول واحد فقالوا والله ما بموسى من بأس فأخذ ثوبه أي من فوق الحجر وقد ضربه حيث فر ولعله ﷾ به أمر فوالله إن بالحجر لندبا بفتح النون والدال المهملة والموحدة أي تأثيرا من أثر ضربه ثلاثا صفة لاسم أن مبينة لعدده وفي رواية أو أربعا أو خمسا والظاهر أن الجملة القسمية من تمام الحديث وجوز الدلجي أن تكون مدرجة فيه من كلام الراوي لكن ليس فيه ما يشعر به ولا يلجئه وفي الحديث أن تكون مدرجة فيه من كلام الراوي لكن ليس فيه ما يشعر به ولا ما يلجئه وفي الحديث جواز الغسل عريانا في الخلوة وإن كان الأفضل ستر العورة وبه قال الأئمة الأربعة وفيه إيماء إلى ابتلاء الأنبياء والأولياء بإيذاء السفهاء وصبرهم عليه في حال البلاء وأن الأنبياء منزهون من النقائص خلقا وخلقا (وقال تعالى عنه) أي حكاية بعد قوله فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ (فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا [الشعراء: ٢١]) أي نبوة وعلما (الآية) تمامها وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (وقال في وصف جماعة منهم) موسى مد حالهم (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ [الدخان: ١٨] وقال) أي حكاية لقول بنت شعيب في حق موسى (يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [الْقَصَصِ: ٢٦]) روي أن شعيبا قال لها وما علمك بقوته وأمانته فذكرت اقلابه الحجر الثقيل الذي لا يحمله إلا أربعون أو عشرون وغضه البصر حين بلغته الرسالة وأمره إياها بأن تمشي وراءه وتدله بالحجارة إن أخطأ تلقاءه (وقال: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: ٣٥]) تقدم أنه منهم ومن أفضلهم أو هذا الوصف يعمهم (وقال: وَوَهَبْنا لَهُ) أي لإبراهيم (إِسْحاقَ) أي ابنه (وَيَعْقُوبَ) ابن إسحاق سبطه (كُلًّا) أي منهما (هَدَيْنا [الأنعام: ٨٤] إلى قوله) أي في كلام يطول منتهيا إلى قوله إجمالا (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠]) بهاء السكت وفي قراءة ابن عامر بكسرها وفي رواية لابن ذكوان بإشباعها على أنه ضمير راجع إلى المصدر وقرأ حمزة والكسائي بحذف الهاء وصلا والكل بسكونه وقفا والمعنى اقتد بطريقتهم وسيرتهم وسريرتهم أو بما توافقوا عليه من أمر التوحيد والنبوة والبعثة وأمثالها دون الفروع المختلف فيها إذ ليست مضافة إلى كلهم مع عدم إمكان الاقتداء في جميعها بهم لتباين أحكامهم (فوصفهم) أي الله
[ ١ / ٣٣٢ ]
﷾ (بأوصاف) أي نعوت معنوية لا كما توهم الدلجي من زيادة حسية (جمّة) أي كثيرة (من الصّلاح) من بيانية وهو مستفاد من قوله كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (والهدى) أي من صدر الآية وختمها (والاجتباء) من قوله وَاجْتَبَيْناهُمْ (والحكمة) أي الحكم (والنّبوّة) من قوله تعالى أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وكان ينبغي أن يذكر نعت الاحسان قبل الصلاح فإنه مستفاد من قوله تعالى وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (وقال وَبَشَّرُوهُ) أي إبراهيم (بِغُلامٍ عَلِيمٍ [الذاريات: ٢٨]) أي كثير العلم (وحليم) أي وفي آية أخرى بِغُلامٍ حَلِيمٍ أي ذي حلم وحاصله أنه جامع بين العلم والحلم ولا يخفى حسن تقدم العلم ولعل هذا وجه تقديم المصنف له مع أن ترتيب القرآن عكس ذلك حيث جاء في الصافات حليم بالحاء وفي الذاريات عليم بالعين على احتمال خلاف ذلك باعتبار حال النزول لكن كان حقه أن يقول فبشرناه بغلام حليم وبشروه بغلام عليم فإن ما فعله اقتصار محل لا سيما اقتصاره على قوله فبشرناه فإنه لا يصح إلا مع قوله بغلام حليم بالحاء وإلا فيلزم منه التركيب الممنوع في علم القراءة كالتلفيق المنهي في المعاملة ثم المبشر به إسماعيل وهو أصح من القول بأنه إسحاق وقد تقدم والله تعالى أعلم (وَلَقَدْ فَتَنَّا) أي امتحنا (قَبْلَهُمْ) أي قبل كفار مكة (قَوْمَ فِرْعَوْنَ أي معه بإرسال موسى إليهم وإيقاع الفتنة بالإمهال في العقوبة وتوسعة الرزق عليهم (وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ) أي على الله والمؤمنين أو في نفسه لشرف نسبه وفضل حسبه (إلى أَمِينٌ [الدخان: ١٧- ١٨]) وهو قوله أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ أي حق الدعوة من الإجابة وقبول الطاعة عباد الله أي يا عباد الله أو سلموهم إلى وأرسلوهم معي إلى حيث ما أمر الله إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ غير متهم في أمر الدين (وقال) أي حكاية عن إسماعيل خطابا لوالده إبراهيم ﵉ عند قصد ذبحه بأمر ربه لما رأى في نومه (سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصَّافَّاتِ: ١٠٢]) أي على حكم الله وقضائه أو في ابتلائه من أمره بذبحه (وَقَالَ فِي إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ [مريم: ٥٤]) وخص به لأنه وعد بالصبر على ذبحه وقد وفى بوعده (الآيتين) أي تمامهما وهو قوله وَكانَ رَسُولًا أي إلى قبيلة جرهم نبيا لعله أخر للفاصلة أو دفعا لتوهم كونه رسولا بالواسطة كقوله ﷾ إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ أي من أصحاب عيسى ﵊ وكان يأمر أهله أي أهل بيته أو جميع أمته بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا أي في مقاله وفعاله وحاله (وفي موسى) أي وقال في حقه (إِنَّهُ كانَ مُخْلَصًا [مريم: ٥١]) أي لربه في عبادته عن الرياء وعن متابعة هواه بل طالبا لرضاه إذ سلم وجهه لله وأخلص نفسه عما سواه وفي قراءة للسبعة بفتح اللام أي أخلصه الله واختاره لنفسه واجتباه وهذا أكمل مقام في منازل السائرين وأفضل حال في مراحل الطائرين وتمام الآية وكان رسولا نبيا (وفي سليمان نِعْمَ الْعَبْدُ) أي قال في حقه هذا القول (إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ٣٠]) أي كثير الرجوع إلى رب الأرباب (وقال) أي في حق جماعة منهم (وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ) وقرأ ابن كثير عبدنا فالمراد به إبراهيم لخصوصية أو الإضافة جنسية فتوافق الجمعية
[ ١ / ٣٣٣ ]
وهو أولى كما لا يخفى (أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ أي أصحاب القوة في مباشرة الطاعات العملية وأرباب البصيرة في الأمور العلمية وفيه تعريض بالبطلة والجهلة الواقعين في تحصيل الشهوات النفسانية واللذات الحيوانية (إلى الْأَخْيارِ [ص: ٤٥- ٤٦]) يعني قوله ﷾ إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ أي جعلناهم خالصين لنا بخصلة خالصة لهم هي ذكرى الدار أي دار القرار لما فيها من قرب الجوار كما قال مجنون العامري:
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا
فالخواص لا يذكرون الجنة ولا يطلبونها بالمرة إلا لما فيها من وعد الرؤية ومنزلة القربة وقرأ نافع وهشام بإضافة الخالصة إضافة بيانية وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ أي المجتبين من بين أمثالهم الأخيار أي المختارين بأفعالهم (وفي داود أنه أواب) أي حيث كان يفطر يوما ويصوم يوما وينام بعض الليل ويقوم بعضه (ثمّ قال: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ) أي قويناه بالهيبة وكثرة الجنود في الخدمة ودوام النصرة والغلبة (وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ) أي اتقان العلم والعمل أو الحكومة والنبوة (وَفَصْلَ الْخِطابِ [ص: ٢٠]) أي الخصام بتمييز الحق عن الباطل في الأحكام أو الكلام الملخص الذي يتبينه المخاطب في كل باب أو قوله أما بعد في كل خطبة أو في أول كتاب (وقال عن يوسف) أي اخبارا عما خاطب به الملك بقوله (اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٥]) فدل على غاية حفظه ونهاية علمه بتقرير الحق سبحانه وعظم شأنه وقد روي عن مجاهد أن الملك أسلم على يديه أي لما رأى من وفور علمه وحفظه وشفقته ومرحمته على خلق الله من خاصة وعامة حتى ما كان يشبع في حالته مع وجود الخزائن تحت تصرفه وحيز ارادته مما شهدت أموره الخارقة عن العادة بصحة ثبوته ورسالته (وفي موسى) حيث قال للخضر (سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا [الكهف: ٦٩]) أي معك غير منكر لك وتعليق الوعد بالمشيئة للإشارة إلى أن أفعال العباد جارية على وفق الإرادة الإلهية (وقال تعالى عن شعيب) لعل المصنف اختار تزيين التلويح والتفنن في مقام التحسين فتارة عبر بفي وأخرى بعن (سَتَجِدُنِي أي مخاطبا لموسى (إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [القصص: ٢٧]) أي في حسن المعاملة والوفاء بالمعاهدة والمعاشرة بالمجاملة والتعليق للاتكال على توفيقه ﷾ ومعونته لا للاستثناء في معاهدته بكونه إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل فإن هذا ليس من شأن الكمل (وقال) أي في حقه أيضا (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ) من قولهم خالفت فلانا إلى كذا إذا قصدته مع إعراضه عنه والمعنى ما أريد أن آتي ما نهيتكم عنه لأستبد به لعلمي بأنه خطأ وفي ارتكابه خطر فلو كان صوابا لآثرته ولم أتركه فضلا عن أن أنهى غيري عَنْهُ (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ [هود: ٨٨]) أي ما أريد بأمركم للمعروف ونهيكم عن المنكر إلا حصول الصلاح ووصول الفلاح ما دمت استطيعه أو القدر الذي أطيقه قال الثعلبي نقلا عن
[ ١ / ٣٣٤ ]
عطاء وغيره أنه من نسل مدين بن إبراهيم الخليل ويقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه وعمي في آخر عمره قال قتادة بعثه الله رسولا إلى أمتين مدين وأصحاب الأيكة وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن شعيبا كان كثير الصلاة فلما طال تمادى قومه على كفرهم بعد المعجزة وكثرة المراجعة وأيس من صلاحهم ورجوعهم إلى فلاحهم دعا الله عليهم بقوله رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ فاستجاب الله للدعوة وأهلكهم بالرجفة وهي الزلزلة وأهلك أصحاب الأيكة بعذاب الظلة قال السمعاني في الأنساب قبر شعيب في خطين وهي قرية بساحل بحر الشام وعن ابن وهب أن شعيبا ومن معه من المؤمنين ماتوا بمكة وقبورهم غربيها بين دار الندوة وبين باب بني سهم وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما قبر إسماعيل في الحجر وقبر شعيب مقابل الحجر الأسود انتهى وما صح قبر نبي من الانبياء عليهم الصلاة والسلام غير قبر نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم إيماء إلى أن غيره من الأنبياء كالبدر السائرة المستورة عن عين الشهود عند ظهور نور شمس دائرة الوجود (وقال: وَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء: ٧٤]) أي حكمة ونبوة وحكومة في الخصومة قال الثعلبي نقلا عن وهب بن منبه خرج لوط من أرض بابل في العراق مع عمه إبراهيم تابعا له على دينه مهاجرا معه إلى الشام ومعهما سارة أمرأة إبراهيم ﵇ وخرج معهما أزر أبو إبراهيم مخالفا لإبراهيم في دينه مقيما على كفره حتى وصلوا حوران فمات بها آزر فمضى إبراهيم وسارة ولوط إلى الشام ثم مضوا إلى مصر ثم عادوا إلى الشام فنزل إبراهيم فلسطين ونزل لوط الأردن فأرسله الله إلى أهل سدوم وما يليها وكانوا ألفا يأتون الفواحش قال أبو بكر بن عياش عن أبي جعفر استغنت رجال قوم لوط بوطىء رجالهم واستغنت نساؤهم بنسائهم (وقال إِنَّهُمْ) أي الأنبياء المذكورين في سورتهم (كانُوا) أي بحملتهم (يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ [الأنبياء: ٨٩]) أي يبادرون إلى الطاعات (الآية) وهي قوله تعالى وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا أي للرغبة في المثوبة والقربة والرهبة عن العقوبة بالحرقة والفرقة وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ أي خاضعين أو لأجلنا مع خلقنا متواضعين أو خائفين وجلين حزينين ولعله أشار إلى هذا المعنى بقوله (قال سفيان) أي الثوري أو ابن عيينة وهما تابعان جليلان وجزم التلمساني بالأول (هو) أي معنة الخشوع (الحزن الدّائم) أي المورث للمسارعة إلى الخير (في آي كثيرة) متعلق بقوله وقال تعالى في أيوب أي قد ورد ما ذكر من الآيات الشاهدة على شرف حالهم وكمال جمالهم مما هي نبذة يسيرة مندرجة في آيات كثيرة لا يمكن إحصاؤها وإتيانها بأسرها (ذكر فيها من خصالهم) أي بعض نعوتهم الشاهدة على جميل حالهم (وَمَحَاسِنِ أَخْلَاقِهِمُ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِهِمْ وَجَاءَ مِنْ ذلك) أي من قبيل ما ذكر في الآيات (في الأحاديث كثير) أي مما ينبغي أن يروى منها قدر يسير (كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي على ما رواه البخاري وابن حبان والحاكم: (إِنَّمَا الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنُ
[ ١ / ٣٣٥ ]
الْكَرِيمِ: يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إبراهيم) وفي اتيان إنما إيماء بحصر كرم النسب وشرف الحسب فيه إذا لم يتفق لأحد أنه (نَبِيٌّ ابْنُ نَبِيٍّ ابْنُ نَبِيٍّ ابْنُ نَبِيٍّ) غيره مع إيذان تعريف المبتدأ والخبر به أيضا لتأكيده فلا ينافيه ما رواه أحمد والبخاري عن ابن عمر وأحمد أيضا عن أبي هريرة بلفظ أن الكريم الخ مع أنه وافق لموازنة ما بعده حتى قيل أنه موزون بلفظه ثم الظاهر أن قوله نبي ابن نبي الخ مدرج من كلام الراوي أو تفسير للقاضي. (وفي حديث أنس) أي كما رواه البخاري بعد قوله تنام عيني ولا ينام قلبي (وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ) أي فلا يتطرق إليهم ما يحجزهم من إشراق الأنوار الأحدية أو يحجبهم عن الأسرار الصمدية (وروي) أي من طريق الطبراني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا (أنّ سليمان كان مع ما) ويروى فيما (أعطي من الملك) مما يقتضي تكبرا وتجبرا وترفعا (لَا يَرْفَعُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ تَخَشُّعًا وَتَوَاضُعًا) أي لله كما في نسخة (وكان) أي سليمان على ما روى أحمد في الزهد عن فرقد السنجي (يطعم النّاس لذائذ الأطعمة) وفي أصل التلمساني لذائذ جمع لذيذة وهو ما يوافق الطبع ويلائمه (ويأكل خبز الشّعير وأوحي إليه) وفي نسخة وأوحى الله تعالى إليه (يا رأس العابدين) أي من الملوك أو الموجودين (وابن محجّة الزّاهدين) أي على غيره وفي نسخة محجة بفتحات وتشديد جيم أي مجمعهم أو معظم طريقهم وفيه غاية المبالغة (وكانت العجوز) ووقع في اصل الدلجي وإن كانت فقال هي المخففة من المثقلة (تعترضه) أي تأتيه من عرض طريقه (وهو على الرّيح في جنوده) أي وهو معهم في تلك العظمة (فيأمر الرّيح) أي بالوقوف لأجلها (فتقف) أي بأمره لها (فينظر في حاجتها) أي يتأمل فيها ويقضي بها (ويمضي) أي يتوجه إلى مقصده، (وَقِيلَ لِيُوسُفَ مَا لَكَ تَجُوعُ وَأَنْتَ عَلَى خزائن الأرض) جملة حالية (قال أخاف أن أشبع فأنسى الجائع) أي جنس الجائعين وأغفل عن تفقد المحتاجين وفي نسخة الجياع بكسر الجيم جمع الجيعان، (وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْهُ ﵊) كما في البخاري (خفّف على داود القرآن) أي قراءة الزبور (فكان يأمر بدوابّه) أي لأجله وأصحابه وروي بدابته فيحتمل إضافة الجنسية لكن إرادة الواحدية أبلغ في مقام خرق العادة (فتسرج) له (فيقرأ القرآن قبل أن تسرج) أي فيختمه في زمن يسير مع أنه كتاب كبير بناء على خرق العادة من بسط الزمان أوطى اللسان وقد وقع نظير هذا لبعض أكابر هذه الأمة (وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ قَالَ الله تعالى: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) أي كالشمع يتصرف فيه كيف يشاء من غير طرق وإحماء (أَنِ اعْمَلْ) بأن المصدرية بتقدير الباء السببية أي وأحينا إليه وأمرناه إن أعمل فإن مصدرية أو مفسرة وأما قول التلمساني إن التقدير تكلف لعدم الدليل على الحذف ففي غير محله نشأ من قلة تأمله (سابِغاتٍ) أي دروعا واسعات (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) [سبأ: ١٠- ١١]) أي اجعله على قدر الحاجة في النساجة والسرد في اللغة اتباع الشيء بالشيء من جنسه ومنه سرد الحديث والمعنى لا تصغر حلقه فتضيق حال لابسها ولا توسعها فينال لابسها من
[ ١ / ٣٣٦ ]
خلالها وقيل لا تقصد الخصافة فتثقل في الجملة والخفة فتزيل المنعة وفي البخاري ولا تدق المسمار فتسلس هو من قولهم سلس أي لين وروي فيتسلسل أي فيتصل فيسرع كسره باندقاقه (وَكَانَ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَرْزُقَهُ عَمَلًا بِيَدِهِ يغنيه عن بيت المال) أي فعلمه الله صنعة الدرع وسبب ذلك ما روى عنه أنه كان يسأل الناس عن نفسه فيثنون عليه فرأى ملكا في صورة آدمي فسأله فقال نعم الرجل إلا أنه يطعم عياله من بيت المال قيل وكان يعني داود ﵊ بعد ذلك يأخذ الحديد بيده فيصير كالعجين فيعمل منه الدرع في بعض يوم يبيعها بألف درهم فيأكل ويتصدق ويجعل ثلثه في بيت المال (وقال ﵊) كما رواه الشيخان وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر (أحبّ الصّلاة) أي أنواع صلاة الليل (إلى الله صلاة داود، وأحبّ الصّيام) أي صيام النافلة (إلى الله صيام داود وكان ينام) كذا في النسخ والأظهر كان بلا عاطفة ليكون بيانا لقضية سالفة أي كان ينام (نصف اللّيل) للاستراحة الموجبة للتقوية على العبادة (ويقوم ثلثه) من أول النصف الثاني لأنه أفضل أجزائه (وينام سدسه) لينشط لعبادة أول نهاره (ويصوم يوما ويفطر يوما) إما رعاية لحالة الاعتدال لئلا يضعف بالصوم على وجه الاتصال أو لتتصور له مداومة الأعمال ففي الصحيحين أحب الأعمال إلى الله أدومها إن قل ولئلا يصير الصوم عادة فلا يتخلص عبادة أو لأن هذه الكيفية أشق على النفس والأجر عل قدر المشقة ثم في الجملتين الأخيرتين بيان علية الأحب في المقدمتين ولفظ الجامع الصغير أحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما وأحب الصلاة إلى الله صلاة دَاوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وينام سدسه انتهى (وكان يلبس الصّوف ويفترش الشّعر) أي نفسه أو ما يصنع منه تواضعا لربه ولذا اختاره الصوفية (ويأكل خبز الشّعير بالملح والرّماد) ولعله أراد به ما اختلط بالخبز واستهلك فيه وإلا فأكل الرماد حرام لما فيه من مضرة العباد (ويمزج شرابه بالدّموع) كما رواه ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه ومجاهد موقوفا (ولم ير ضاحكا بعد الخطيئة) أي المعهودة المسماة بالخطيئة وإن لم تكن خطيئة في الحقيقة إلا أن حسنات الابرار سيئات الأحرار إذ لم يثبت عنه سوى أنه خطب امرأة كان قد خطبها أوريا فزوجها أهلها من داود رغبة فيه أو سأله أن ينزل له عنها فتزوجها وكان ذلك في زمانه عادة لهم فأرسل الله إليه ملكين تنبيها له على ان ذلك خلاف الأولى فيما هنالك لاستغنائه بتسع وتسعين امرأة فلما تنبه في هذا الباب استغفر ربه وخر راكعا وأناب وقد بالغ في تضرعه وبكائه لما له من عظيم المرتبة وكريم المنزلة في مقام حيائه (ولا شاخصا ببصره) أي ولا رؤى رافعا له مع تحديد نظره (إلى السّماء) أي إلى جهتها وفي نسخة نحو السماء (حياء من ربّه ﷿) أي لكمال قربه والحديث رواه أحمد في الزهد عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الله الجدلي بلفظ ما رفع داود رأسه إلى السماء بعد ما أصاب الخطيئة حتى مات وبهذه الرواية مع ما قدمناه من الدراية اندفع قول الحلبي لو قال القاضي غير هذه
[ ١ / ٣٣٧ ]
العبارة كان أحسن (ولم يزل باكيا حياته كلّها) أي في جميع مدة عمره إلى حالة مماته بعد تلك الواقعة؛ (وقيل بكى) بل روى ابن أبي حاتم عن أنس رضي الله تعالى عنه مرفوعا وعن مجاهد وغيره أنه بكى (حتّى نبت العشب) بضم فسكون هو الحشيش (من دموعه) أي من كثرة وقوع دموعه على الأرض (وحتّى اتّخذت الدّموع في خدّه أخدودا) أي شقا مستطيلا ممدودا والمعنى أثرت في خده أثرا كالشق والحفر الطويل في الأرض ومنه قوله تعالى قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ وهو مفرد جمعه أخاديد (وقيل) كما في الكشاف وغيره (كان يخرج متنكّرا يتعرّف سيرته فيسمع الثّناء عليه) أي في غيبته (فيزداد تواضعا) أي لربه شكرا لمزيد نعمته؛ (وقيل لعيسى ﵇) كما رواه أحمد في الزهد وابن أبي شيبة في مصنفه (لو اتّخذت لك حمارا) أي لو اخترته لتركبه أحيانا عند الحاجة إليه (قال أنا أكرم على الله تعالى من أن يشغلني بحمار) أي بأن يتعلق قلبي به وبكلفته وخدمته ويشغلني بفتح الغين فإن الاشغال لغة رديئة؛ (وكان) كما روى أحمد في الزهد عن عبيد بن عمير ومجاهد والشعبي وابن عساكر في تاريخه أنه كان (يلبس الشّعر) أي ثوبه (ويأكل الشّجر) أي ورقه (ولم يكن له بيت) أي مسكن يأوي اليه. (أَيْنَمَا أَدْرَكَهُ النَّوْمُ نَامَ؛ وَكَانَ أَحَبُّ الْأَسَامِي) جمع الأسماء (إليه أن يقال له مسكين) وقد رواه أحمد في الزهد عن سعد بن عبد العزيز بلفظ بلغني أنه ما من كلمة كانت تقال لعيسى ابن مريم أحب إليه من أن يقال هذا المسكين؛ (وقيل) كلمة رواه أحمد أيضا في الزهد وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه موقوفا (إِنَّ مُوسَى ﵇ لَمَّا وَرَدَ مَاءَ مدين) سمي باسم ابن إبراهيم الخليل (كانت ترى خضرة البقل) أي الذي كان يأكله بعد خروجه من مصر خائفا يترقب متوجها إلى مدين (في بطنه من الهزال) بضم الهاء نقيض السمن على ما في القاموس فبطل قول التلمساني هو الضعف قيل وصوابه لو قال من الطوى أو الجوع انتهى ولا يخفى بعده عن المدعي وهو متعلق بقوله كانت ترى وتعليله كما ترى. (وقال ﵊) كما رواه الحاكم وصححه عن أبي سعيد مرفوعا (لَقَدْ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلِي يُبْتَلَى أَحَدُهُمْ بِالْفَقْرِ) أي بشدة الحاجة في مطعمه (والقمل) أي بكثرته في ثوبه وبدنه (وكان أحبّ إليهم من العطاء إليكم) رضي بقضاء المولى وعلما بأن ما أعده الله لهم خير وأبقى وقد أورد المؤلف هذا الحديث في الفصل الأخير من القسم الثالث بطريق آخر وهو وقوله وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا وَضَعَ يده على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى قوله فقال النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ يُضَاعَفُ لَنَا الْبَلَاءُ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ لَيُبْتَلَى بِالْقَمْلِ حَتَّى يقتله وإن كان النبي ليبتلى بالفقر وإنهم كانوا ليفرحون بالبلاء كما تفرحون بالرخاء. (وَقَالَ عِيسَى ﵇ لِخِنْزِيرٍ لَقِيَهُ اذْهَبْ بسلام) أي مناو منك (فقيل له في ذلك) استعظاما لمرتبته مع الخنزير في حقارته (فَقَالَ أَكْرَهُ أَنْ أُعَوِّدَ لِسَانَيِ الْمَنْطِقَ بِسُوءٍ) أي النطق به لقوله ﷾ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ
[ ١ / ٣٣٨ ]
أَحْسَنُ ولقوله تعالى وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا؛ (وقال مجاهد) كما رواه ابن أبي حاتم وأحمد في الزهد عنه (كان طعام يحيى العشب) أي زهدا وقناعة ورفضا للنعمة (وكان) أي مع ذلك (يبكي من خشية الله ﷿) أي مخافته مع أنه قط ما همّ بمعصية (حتّى اتّخذ الدّمع مجرى في خدّه) أي موضع جري كالنهر في وجهه من أثر دمعه لشدة معرفته بربه لقوله ﷾ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (وَكَانَ يَأْكُلُ مَعَ الْوَحْشِ لِئَلَّا يُخَالِطَ النَّاسَ) لأن الاستيناس بالناس من علامة الإفلاس (وحكى الطّبريّ) وهو الإمام محمد بن جرير (عن وهب) أي ابن منبه (أنّ موسى ﵇ كان يستظلّ بعريش) هو بيت من عيدان تنصب ويظلل عليها قال التلمساني هو بسقوط لا في أصل القاضي وبثبوته في رواية العراقي أي لا يستظل انتهى ولا يخفى بعده وعدم مناسبته لما بعده من قوله (يأكل في نقرة) بضم نون وسكون قاف أي حفرة ومنه نقرة القفاء (من حجر) أي بدلا من طرف خشب أو خزف، (ويكرع) بفتح الراء (فيها) أي يأخذ الماء بفيه من غير كف ولا إناء فيشربه منها (إِذَا أَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ كَمَا تَكْرَعُ الدَّابَّةُ) أي حين لم تلق وعاء الماء (تواضعا لله) أي لإكرامه (بما أكرمه الله من كلامه) وفيه إيماء إلى أن زهده هذا كان مستمرا إلى كماله وآخر حاله (وأخبارهم) أي آثار الأنبياء (في هذا كلّه) أي في هذا المعنى جميعه (مسطورة) أي مكتوبة ومضبوطة ومحفوظة (وصفاتهم في الكمال) أي في كمال ذواتهم (وجميل الأخلاق وحسن الصّورة) ووقع في أصل التلمساني الصور جمع الصورة وهو الأنسب لجمع ما قبله من الأخلاق وما بعده من قوله، (والشّمائل معروفة مشهورة) أي مذكورة في محلها وقد سئل محمد بن سالم بماذا يعرف الأولياء في الخلق فقال بلطف لسانهم وحسن إخلاقهم وبشاشة وجوههم وسخاء أنفسهم وقلة اعتراضهم وقبول عذر من اعتذر إليهم وتمام الشفقة على إخوانهم (فلا نطوّل بها) أي بذكر جميعها (ولا تلتفت) أيها المخاطب (إِلَى مَا تَجِدُهُ فِي كُتُبِ بَعْضِ جَهَلَةِ المؤرّخين) بالهمز والواو أي المدعين علم تواريخ الأنبياء وغيرهم (والمفسّرين) أي التابعين لهم فيما نقلوه من أخبارهم (ممّا يخالف هذا) أي الذي ذكرناه عنهم في سيرهم الثابتة عن علماء السلف وخيارهم.
فصل [قد آتيناك أكرمك الله سبحانه من ذكر الأخلاق الحميدة]
(قد أتيناك) بالمد أي أعطيناك وأعلمناك وفي نسخة صحيحة اتيناك بالقصر أي جئناك والأول أولى لقوله بعد الجملة المعترضة الدعائية وهي قوله (أكرمك الله من ذكر الأخلاق الحميدة) اللهم إلا أن يدعي أن من بمعنى الباء ثم الأخلاق الحميدة هي الشمائل السعيدة، (والفضائل المجيدة) أي الكريمة العظيمة، (وخصال الكمال العديدة) جمع خصلة بمعنى الخلة بالفتح أي المعدودة المعتدة الدالة على كمال ذاته وجمال صفاته صلى الله تعالى عليه وسلم وشرف وكرم (وأريناك) أي أظهرنا لك (صحّتها) أي صحة روايتها ونسبه ثبوتها
[ ١ / ٣٣٩ ]
المناسبة (له صلى الله تعالى عليه وسلم وجلبنا) بجيم فلام فموحدة أي أوردنا وروينا وتصحف على الدلجي بقوله وحكينا (من الآثار ما فيه مقنع) بفتح ميم ونون أي ما يقنع به ويكتفى بذكره (والأمر) أي الشأن في مناقبه (أوسع) أي أكثر من أن يذكر هنا جميع مراتبه (فمجال هذا الباب) بالجيم وزيادة الميم أي سعته وكثرته (في حقّه صلى الله تعالى عليه وسلم) أي من جهة نعته وصفته (ممتدّ) أي طويل لا يكاد ينتهي إلى حد معتد (ينقطع دون نفاده) بفتح نون ثم دال مهملة أي قبل تصور فراغه أو من غير تحقق فنانه وجوز إعجام الدال بمعنى مضيه (الأدلّاء) جمع أدلة جمع دليل أي دال على مساحة البر. (وبحر علم خصائصه) أي الذي لسعته وكثرته (زاخر) أي ممتلىء كثير ممدود عرضا وطولا قال التلمساني ووصف ابن عباس عليا رضي الله تعالى عنهم فقال هو قمر باهر في ضوئه وبهائه وأسد خادر في شجاعته ومضائه وفرات زاخر في جوده وسخائه وربيع باكر في خصبه وحيائه وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه وصف به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (لا تكدّره الدّلاء) جمع دلو أي لا تؤثر فيه حين أخذ بعضه بنقص يورث صفوه كدرة في ساحته وفيه إيماء إلى أنه لم يصل أحد من العلماء إلى غاية بربره وحلمه ولا نهاية من ساحل كرمه وعلمه ولذا قال (ولكنّ أتينا فيه بالمعروف) أي اختصرنا في وصفه على ما هو معروف من الروايات (ممّا أكثره في الصّحيح والمشهور) أي في مرتبة الحسن (من المصنّفات واقتصرنا في ذلك) أي المعروف مما هنالك (بقلّ من كلّ) بضم كل من القاف والكاف وتشديد اللامين وهما لغتان في القلة والكثرة أي على نقل قليل من كثير وفي الحديث الربا وإن كثر فإنه إلى قل أي إلى قلة وانتقاص لقوله تعالى يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ (وغيض من فيض) بالضاد المعجمة فيهما والغيض النقص والفيض الزيادة يقال أعطى غيضا من فيض أي قليلا من كثير ويقال غاض الكرام وفاض اللثام والمعنى وآتينا هنا بنعت يسير من وصف غزير وهو أولى من جعله تفسيرا لما قبله وتأكيدا واعتباره تفننا كما ذكره الدلجي (ورأينا أن نختم هذه الفصول) أي الواردة في هذا الباب من جملة الكتاب (بذكر حديث الحسن) أي ابن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما الوارد بالإسناد الحسن عنه (عن ابن أبي هالة) وهو خاله هند (لجمعه) علة لقوله رأينا أو نختم أي لاستجماع حديثه أو استحضاره نفسه (من شمائله) أي أخلاقه صلى الله تعالى عليه وسلم (وأوصافه كثيرا) أي شيئا كثيرا مما لم يجمعه غيره إلا نزرا يسيرا (وإدماجه) أي ولإدخال هند أو الحسن في حديثه (جملة كافية) أي جملا وافية (من سيره) أي من شمائله الخلقية (وفضائله) أتي الوهبية، (ونصله) عطف على نختم أي ورأينا أن نلحق حديثه بعد تمامه (بتنبيه لطيف) في تبيين مجمله (على غريبه) من جهة المبنى (ومشكله) من طريقة المعنى. (حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الحافظ) أي ابن سكرة وقد تقدم (﵀ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِمِائَةٍ ثنا) أي حَدَّثَنَا (الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهر) بطاء مهملة (التّميميّ قراءة عليه) بالنصب وفي نسخة قرأت عليه (أخبركم) أي قال
[ ١ / ٣٤٠ ]
أخبركم في ضمن اخباري لكم (الفقيه الأديب) أي الجامع بين علمي المسائل الشرعية والقواعد العربية (أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحسن النّيسابوريّ) بفتح نون فتحتية ساكنة فسين مهملة معرب المعجمة بلد بخراسان (وَالشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أحمد بن الحسن المحمّديّ) أي المنسوب إلى مسمى بمحمد بصيغة المفعول، (وَالْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جعفر الوخشيّ) بفتح واو وسكون خاء فشين معجمتين وقيل بالحاء المهملة قرية من أعمال بلخ سمع أبا بكر الخيري بخراسان وأبا نعيم الحافظ بأصبهان وأبا عمر الهاشمي بالبصرة وابا عمر بن مهدي ببغداد وتمام الرازي بدمشق وأبا محمد بن النحاس بمصر روى عنه طائفة وحدث عنه الخطيب وهو أقرانه وسمع منه الحسن بن البلخي سنن أبي داود (قالوا) أي كلهم (ثنا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بن الحسن الخزاعيّ) بضم خاء معجمة منسوب لقبيلة خزاعة (أنا) أي أخبرنا (أبو سعيد الهيثم بن كليب) بالتصغير (الشّاشيّ) بمعجمتين منسوب إلى بلد مشهورة من بلاد ما وراء النهر صاحب المسند ومحدث ما وراء النهر (أنا أبو عيسى محمّد بن عيسى بن سورة) بفتح المهملة والراء (الحافظ) وهو الترمذي صاحب الجامع والشمائل (قال حدّثنا سفيان بن وكيع) أي ابن الجراح ضعيف (ثنا جميع) بضم جيم وفتح ميم وسكون تحتية (ابن عمر بن عبد الرّحمن العجليّ) بكسر مهملة فسكون جيم منسوب إلى قبيلة عجل (إملاء من كتابه) أي رواية من كتابه المقروء على شيخه وهو أقوى من الإملاء عن ظهر قلبه وثقه ابن حبان وضعفه غيره (قال حدّثني رجل من بني تميم) قال الأنطاكي هو أبو عبد الله التميمي (من ولد أبي هالة) بفتح الواو واللام وبضم فسكون أي أحفاده (زوج خديجة) بالجر بدل من أبي هالة (أمّ المؤمنين ﵂) أي قبل وصولها إليه صلى الله تعالى عليه وسلم (يكنّى أبا عبد الله) بفتح الكاف وتشديد النون المفتوحة وبسكون الكاف وتخفيف النون أي يعرف ذلك الرجل بهذه الكنية (عن ابن لأبي هالة) أي بلا واسطة وهو غير معروف كما صرح به الذهبي في ميزانه وأصل هالة علم لدارة القمر فهو أقوى في منع الصرف من هريرة في أبي هريرة لأن هريرة اسم جنس ثم هذا الإسناد ظاهره الاتصال ولكنه منقطع لأن الرجل لم يسم بل لم يسم فيه رجلان ومثل هذا يسمى منقطعا ولكنه إن سمى فيه الرجل من طريق آخر فهو متصل من وجه ومنقطع من وجه وإن لم يسم مطلقا فهو منقطع أبدا كذا ذكره بعض الأئمة وقال بعض علمائنا إنه لا يضر الإسناد مثل هذه الجهالة فهو في حكم المرسل وهو حجة عند الجمهور والله تعالى أعلم (عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله تعالى عنه قال) أي الحسن (سَأَلْتُ خَالِيَ هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ قَالَ القاضي) كان حقه أن يكتب رمز «ح» إشارة إلى التحويل من سند إلى آخر أو يأتي بالعاطفة فيقول وقال القاضي (أبو عليّ ﵀) وهو ابن سكرة (وَقَرَأْتُ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي طَاهِرٍ أَحْمَدَ بْنِ الحسن) وروى فيه الحسين بالتصغير (ابن أحمد بن خذادادا) بضم خاء فذال معجمتين فألف فدال مهملة بعدها ألف فدال مهملة أو معجمة لغة فارسية ومعناه
[ ١ / ٣٤١ ]
بالعربية عطاء الله (الكرجيّ) بفتح كاف فسكون راء فجيم (الباقلّاني) بتشديد اللام وبعد ألفه نون فياء نسبة لباقلا على غير قياس (قال وأجاز لنا الشّيخ الأجلّ) أي الجليل القدر أو أجل زمانه وأكمل أقرانه (أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خَيْرُونَ) بفتح معجمة فسكون تحتية فضم راء يصرف ويمنع (قالا) أي كلاهما (ثنا) أي حَدَّثَنَا (أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ) بمعجمتين (ابن حرب بن مهران) بكسر الميم (الفارسيّ) بكسر الراء ويسكن (قراءة عليه فأقرّ به) أي اعترف بجواز نقله عنه وهو شرط فيمن قيل له أخبركم فلان أو أخبرني فلان عنك أو نحوه وإن لم يقربه فلا يكون دليلا ولا حجة ولا بد من الإقرار وفيه تصحيح الرواية (قال) أي أبو علي المذكور (أنا) أَخْبَرَنَا (أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْحَسَنِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ) بالتصغير في الثلاثة (ابن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ أَخِي طاهر العلويّ) بفتحتين قال الحلبي هذا الرجل ترجمه الذهبي في الميزان ونسبه كما هنا ثم قال روي بقلة حيائه عن الديري عن عبد الرزاق بإسناد كالشمس على خير البشر وعن الدبري عن عبد الرزاق عن معمر عن محمد بن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر مرفوعا قال وذريته يجتمعون الأوصياء إلى يوم القيامة فهذان دالان على كذبه وعلى رفضه عفا الله عنه ولولا أنه متهم لازدحم عليه المحدثون فإنه معمر انتهى ولا يخفى أنهما يدلان على كذبه ووضعه وعلى تفضيله أيضا وإما على رفضه بمعنى سبه وبغضه فلا غايته أن الحديث ضعيف أو موضوع من طريقه لكنه لا يضر حيث إنه ثابت بإسناد الترمذي في شمائله وإنما أراد المصنف أن يتبرك بذكر مشايخه في إسناده ويسلك بنفسه في سلك استناده وإلا فكان يكفيه أن يسند الحديث إلى الترمذي المعروف بثبوت سنده إما بكونه صحيحا أو حسنا أو ضعيفا لأنه وغيره ملتزمون أن لا يذكروا حديثا فيه راو حكم بوضعه (ثنا) أي حَدَّثَنَا (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ) بالتصغير (ابن عليّ بن أبي طالب قال حدّثني) وفي نسخة قال حدثنا (عليّ بن جعفر) أي الصادق (بن محمّد بن عليّ بن الحسين) قال الحلبي على هذا يروى عن أبيه وأخيه موسى والثوري وعنه أحمد البزي وجماعة أخرج له الترمذي فقط قال الذهبي ما رأيت أحدا بينه ولا وثقه ولكن حديثه منكر جدا ما صححه الترمذي ولا حسنه وقد رواه عن نصر بن علي عنه عن أخيه موسى عن أبيه عن أجداده من أحبني انتهى والحديث هو مَنْ أَحَبَّنِي وَأَحَبَّ هَذَيْنِ وَأَبَاهُمَا وَأَمَّهُمَا كَانَ معي في درجتي يوم القيامة أخرجه الترمذي في المناقب وانفرد بالإخراج له كذا ذكره الحلبي (عن أخيه موسى بن جعفر) أي ابن محمد العلوي الكاظم روى عن أبيه وعبد الله بن دينار ولم يدركه وعنه ابنه علي الرضى وأخواه علي ومحمد وبنوه إبراهيم وإسماعيل وحسين قال أبو صالح حاتم ثقة إمام مات في حبس الرشيد أخرج له الترمذي وابن ماجة وقال المسعودي قبض موسى ببغداد مسموما لخمس عشر خلت من ملك الرشيد سنة ست وثمانين ومائة وهو ابن أربع وخمسين سنة (عن
[ ١ / ٣٤٢ ]
جعفر بن محمّد) أي الصادق (عن أبيه محمّد بن عليّ) هو أبو جعفر الباقر سمي به لتبقره في العلم أي لتوسعه فيه روى عن أبويه وجابر وابن عمر وطائفة وعنه ابنه جعفر الصادق والزهري وابن جريج والأوزاعي وآخرون أخرج له الأئمة الستة (عن عليّ بن الحسين) هذا زين العابدين روى عن أبيه وعائشة رضي الله تعالى عنها وأبي هريرة وجمع وعنه بنوه محمد وزيد وعمر والزهري وأبو الزناد وخلق قال الزهري ما رأيت قرشيا أفضل منه أخرج له الأئمة الستة قال المسعودي وكل عقب الحسين فهو من علي بن الحسين هذا (قال قال الحسن بن عليّ رضي الله تعالى عنهما واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (لهذا السّند) أي لأهل هذا السند الثاني وهو بالنون لا بالياء التحتية قال التلمساني هذا إسناد شريف لأنه مروي عن أهل البيت ومثله الإسناد المروي في صفة الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حتى قال فيه الأئمة إسناد لو ذكر على ذي علة أو حمى لبريء أو مصاب لا فاق ولو رقى به ملسوع لبرئ (سَأَلْتُ خَالِي هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ عَنْ حلية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) بكسر حاء وسكون لام فتحتية أي وصفه ونعته (وكان) أي هند (وصّافا) أي كثير الوصف له ﵊ جملة معترضة (وأنا أرجو) جملة حالية أي اتمنى وأحب كما في رواية (أن يصف لي منها) أي من حليته (شيئا) أي بعضا منها (أتعلّق به) أي اتشبث به علما وعملا وهذا الحديث من طريق الترمذي في الشمائل وقد انفرد بإخراجه عن أصحاب الكتب الستة وقد بسطت الكلام على دقائق مبانيه وحقائق معانيه في جمع الوسائل لشرح الشمائل وهنا اتبع المصنف في ضبط مبناه أولا وربط معناه ثانيا وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق (قال) أي هند (كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فخما مفخّما) أي مهيبا عظيما في العيون (مفخما) بتشديد الخاء المعجمة المفتوحة أي معظما مكرما في القلوب كما يشير إلى هذا المعنى ما ورد أنه من رآه فجأة هابه ومن خالطه عشرة أحبه وليس المراد بهما بيان ضخامته في جسمه وخلقته لما سيأتي خلافه في نعته ولا يبعد أن يقال معناهما عظيم عند الحق ومعظم عند الخلق (يتلألأ وجهه) أي يضيء من كمال نوره وجمال ظهوره (تلألؤ القمر ليلة البدر) أي كاضاءته حال بدره وبدوره (أطول من المربوع) أي القصير المربوع القامة (وأقصر من المشذّب) بتشديد الذال المعجمة المفتوحة أي الطويل البائن (عظيم الهامة) بتخفيف الميم أي كبير الرأس المشير إلى الوقار والرزانة (رجل الشّعر) بكسر الجيم وفتح العين ويسكن أي متكسره قليلا (إن انفرقت عقيقته) أي انفرق شعر رأسه من ذات نفسه (فرق) أي تركه مفروقا (وإلّا فلا) أي وإن لم ينفرق فلا يفرقه عن قصد منه والفرق هو الطريق الأبيض الذي هو حاجز بين ناحيتي شعر الرأس (يجاوز شعره) أي شعر رأسه (شحمة أذنيه) أي أحيانا ويروى شحمة اذنه بالإفراد والشحمة معلق القرط وهو ما لان من أسفلها (إذا هو وفّره) بتشديد الفاء وقيل بتخفيفها وفي نسخة صحيحة وفره بزيادة الضمير أي تركه وافرا أو جعله وفرة إذ لا يسمى وفرة إلا إذا وصل إلى الشحمة (أزهر اللّون) أي أبيض نيرا وقد جاء من حديث علي
[ ١ / ٣٤٣ ]
رضي الله تعالى عنه أنه كان أبيض مشربا بحمرة على ما أخرجه أبو حاتم عنه وكذا أخرج عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان أبيض اللون وفي المسند من رواية عبد الله من طريقين إن رجلا سأل عليا عن نعته ﵊ فقال فيه إنه أبيض شديد الوضح ولعل الأول باعتبار الوجه والأعضاء التي تبدو للشمس وهذا باعتبار سائر البدن والمراد بالوضح كمال صفاء بياضه فلا ينافي ما جاء في الصحيح من حديث أنس أنه ﵇ لم يكن بالأبيض الأمهق ولا بالآدم وأما ما في المسند لأحمد من حديث أنس أنه ﵊ كان اسمر فالمراد به اسمر إلى البياض كما ذكره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (واسع الجبين) أي من جمال خلقه ويمكن أن يكون كناية عن كمال خلقه وأصل الجبين ما بين الصدغين (أزجّ الحواجب) بتشديد الجيم الأولى أي دقيقها مع غزارة شعرها وتقوس أصلها (سوابغ) أي كوامل طولا وشوامل أصلا والسين أعلى من الصاد (من غير قرن) بفتحتين وقد يسكن أي من دون اجتماع واتصال بين الحاجبين وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ وَصْفُهُ بِالْقَرْنِ ولعل منشأ الخلاف من جهة قرب الرائي وبعده أو المراد بالإثبات قرب القرن وبالنفي بعده لأن المطلوب اعتداله المحمود من كل وجه له وأما ما جوزه الحلبي من أنه كان بغير قرن ثم حدث له القرن فيبعد تصوره (بينهما) أي بين حاجبيه، (عرق) بكسر أوله (يدرّه) من الإدرار أي يكثر دمه ويحركه ويهيجه (الغضب) أي عند مشاهدة مخالفة الرب فلا يخالف حديث لا يغضب (أقنى العرنين) بالكسر أي طويل الأنف مع دقة أرنبته وحدب في وسطه على ما في نهاية ابن الأثير ويكنى به عن العزيز الذي معه منعة وذلك لشموخ أنفه وارتفاعه على قومه هذا وقال الجوهري وعرنين كل شيء أوله وعرنين الأنف تحت مجتمع الحاجبين وهو أول الانف حيث يكون فيه الشمم (له) أي لأنفه بخصوصه (نور يعلوه) أي يظهر عليه أو يرفعه من كثرة ضيائه وشدة بهائه وقوة صفائه (يحسبه) بكسر السين وفتحها أي يظن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أو أنفه الوضيء (من لم يتأمّله) أي وجهه (أشمّ) مفعول ثان ليحسبه والاشم الطويل قصبة الأنف قال الجوهري وهو من ارتفع وسط قصبة أنفه مع استواء أعلاه وأشراف أرنبته قليلا من منتهاه فإن كان فيه أحد يدأب فهو أقنى (كثّ اللّحية) بتشديد المثلثة أي غزير شعرها وكثير أصلها وفي رواية كان كثيف اللحية وفي أخرى عظيم اللحية ذكره ميرك شاه رحمه الله تعالى فما في شرح الشمائل لابن حجر المكي من قوله غير دقيقها ولا طويلها ينافي الرواية والدراية لأن الطويل مسكوت عنه مع أن عظم اللحية بلا طول غير مستحسن عرفا كما أن الطول الزائد على القبضة غير ممدوح شرعا ثم هذا لا ينافي ما ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعا من سعادة المرء خفة لحيته كما رواه الأربعة فإن الكثيف والخفيف من الأمور الإضافية فيحمل على الاعتدال الذي هو الكمال في جميع الأحوال ولا يبعد أن يحمل الكثيف على أصله والخفيف على عدم طوله وعرضه وأما قول الفقهاء في تعريف اللحية الخفيفة هي ما تظهر البشرة من تحتها فحادث اصطلاحا ومبنى
[ ١ / ٣٤٤ ]
الأحاديث هذه على المعنى اللغوي تصحيحا وإصلاحا (أدعج) أي في العين وهو شدة سواد الحدقة مع شدة بياضها (سهل الخدّين) أي سائلهما غير مرتفع الوجنتين (ضليع الفم) أي عظميه أو واسعه والعرب تمدح عظيمه وتذم صغيره ولعله للإيماء إلى سعة الفصاحة وظهور أثر الملاحة (أشنب) بمعجمة فنون فموحدة أي أبيض الأسنان أو الشنب رونقها وماؤها وبهاؤها (مفلّج الأسنان) بتشديد اللام المفتوحة أي مفرج الثنايا لحديث علي أفلج الثنايا ولأن تباعد الأسنان كلها عيب (دقيق المسربة) بضم الراء ما دق من شعر الصدر كالخيط سائلا إلى السرة (كأنّ) بتشديد النون (عنقه) أي رقبته وجيده (جيد دمية) بضم المهملة صورة تعمل من عاج أو رخام أو غيرهما ويتأنق في تحسينها ويبالغ في تزيينها حال كون عنقه (في صفاء الفضّة معتدل الخلق) بفتح الخاء أي متناسب الأعضاء في الحسن والبهاء (بادنا) أي عظيم البدن من جهة اللحم أو خلقه العظيم وليس معناه السمين الضخم بل صلب الجسم غير مسترخي اللحم كما قال (متماسكا) أي ليس بمسترخي اللحم وروي متماسك بالرفع أي هو متماسك يمسك بعضه بعضا لشدته ولا ينافيه ما ورد من أنه ﵇ كان ضرب اللحم أي خفيفه يعني بالإضافة إلى السمين البطين (سواء البطن والصّدر) بالإضافة أي مستويان لا يرتفع أحدهما على الآخر فهما معتدلان (مشيح الصّدر) بضم ميم وكسر معجمة فتحتية فمهملة أي بادية وظاهره لا تطامن ولا انخفاض به كما أنه لا ارتفاع له وروي بفتح الميم ومهملتين من المساحة أو السياحة أي عريضه وهو إيماء إلى سعة صدره في أمره وأنشراح قلبه بحكم ربه (بعيد ما بين المنكبين) أي وسيع ما بين الكتف والعنق قال ههنا بعيد وفيما سبق عظيم فعظمه إما لبعده فهما سواء أو هناك كثير اللحم وهنا بعيد فهما موصوفان وما موصولة (ضخم الكراديس) أي عظيم رؤوس العظام وجسيمها جمع كردوس وهو رأس العظم أو كل عظمين التقيا في مفصل كالمنكبين والوركين (أنور المتجرّد) بفتح الراء المشددة وهو ما جرد عنه ثوبه من جسده (موصول ما بين اللّبّة) بفتح اللام وتشديد الموحدة أي موضع القلادة وهو الصدر أو النحر وما موصولة (والسّرّة بشعر) متعلق بموصولة (يجري كالخطّ) بتشديد الطاء المهملة أي يمتد مشابها للخط المستطيل وهو ما سبق من معنى المسربة شبهه بجريان الماء وهو امتداده في سيلانه (عاري الثّديين) بفتح فسكون أي ليس عليهما شعر وقيل لحم ويؤيد الأول قوله (ما سوى ذلك) أي ما سوى الخط والمعنى إلا ما سبق من شعر المسربة وروي مما سِوَى ذَلِكَ (أَشَعَرَ الذِّرَاعَيْنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ وَأَعَالِيَ الصَّدْرِ) جمع أعلى أي ما فوقه فإن جميعها كثير الشعر لما تقدم أن ما بعده قليل الشعر وأما ما ورد عن علي كرم الله وجهه على ما في حسان المصابيح من أنه ﵊ كان أجرد والأجرد هو الذي لا شعر عليه فمحمول على أنه أريد بالأجرد ضد الأشعر والمعنى أنه لم يكن على جميع بدنه شعر لا الأجرد المطلق (طويل الزّندين) بفتح فسكون أي عظمي الذراعين من اليدين (رحب الرّاحة) بفتح فسكون وقد يضم أوله أي وسيع الكف وهو قد
[ ١ / ٣٤٥ ]
يكون كناية عن نهاية الجود وغاية الكرم (شئن الكفّين والقدمين) بسكون المثلثة وقيل بالفوقية وهما لغتان على ما في القاموس أي يميلان إلى غلظ وقصر أو إلى غلظ فقط ويحمد ذلك في الرجال لأنه أشد لقبضهم وبطشهم وأقوى لمشيهم وثباتهم ذكره ابن الأثير في المثلثة (سائل الأطراف) بالسين المهملة واللام اسم فاعل (أو قال) شك من الراوي (سائن الأطراف) بالنون وهما بمعنى أي ممتدها وقد تبدل اللام نونا ذكره الدلجي وزيد في نسخة صحيحة وسائر الأطراف بالراء ويدل عليه ذكره في كلام المصنف عند حل مشكله وقد قال ابن الأنباري روى سائل الاطراف أو قال سائن بالنون وهما بمعنى واحد تُبْدَلُ اللَّامُ مِنَ النُّونِ إِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ بِهَا وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَسَائِرُ الْأَطْرَافِ فإشارة إلى ضخامة جوارحه كما وقعت مفصلة في الحديث قال الأنطاكي هو بواو العطف أي وسائر أطرافه ضخم (سبط العصب) بفتح سين مهملة وسكون موحدة وفي نسخة بكسرها وروي بتقديم الموحدة والعصب بفتح المهملتين على ما في الأصول المصححة والنسخ المعتبرة وأما قول الحلبي هو تصحيف والصواب بالقاف فهو عن صوب الصواب تحريف والمعنى ممتدة أطناب مفاصله وممتلئة من غير تعقد ونتوء وروي القصب بالقاف قال الهروي وهو كل عظم عريض كاللوح وكل أجوف فيه مخ كالساعد رواه ابن الأنباري قالوا وهو الأشبه والمراد عظام ساعديه وساقيه باعتبار طولهما (خمصان الأخمصين) بضم الخاء المعجمة الأولى مبالغة من الخمص أي شديد تجافي أخمص القدم عن الأرض وهو الموضع الذي لا يلصق بها منها عند الوضع (مسيح القدمين) أي ملساوين لينين لا نتوء بهما وهو بفتح الميم وكسر المهملة قال الحجازي ويروى بضم الميم وشين معجمة (ينبو عنهما الماء) على زنة يدعو أي يأبى عن قبولهما وقوفه فيهما لملاستهما (إذا زال) أي عن مكانه (زال تقلّعا) بضم اللام المشددة ويروى قلعا بكسر اللام وسكونها ويروى إذا مشى تقلع أي رفع رجليه من الأرض رفعا بقوة كأنه يثبت في المشية بحيث لا يظهر منه العجلة وشدة المبادرة عملا بقوله تعالى وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ أي لا مشي الخيلاء ولا سير متماوت كالنساء وروي إذا مشى مشى تقلعا وزيد في نسخة صحيحة (ويخطو تكفأ) بضم فاء مشددة فهمز أو واو وسبق بيان مبناه وتبينان معناه (ويمشي هونا) أي برفق وسكون ووقار وسكينة من غير دفع ومزاحمة لقوله تعالى وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وهو لا ينافي قوله (ذريع المشية) بالذال المعجمة وكسر الميم أي سريعها بسعة الخطوة كما يشير إليه قوله (إذا مشى كأنّما ينحطّ) أي ينزل (من صبب) أو في صبب كما في رواية أي منحدر من الأرض لقوة مشيه وتثبت خطوه في وضعه وحطه قال الأزهري الانحطاط من صبب والتكفؤ إلى قدام والتقلع من الأرض قريب بعضها من بعض في المعنى وإن اختلفت الفاظها في المبنى وأما حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ما رأيت أحدا أسرع في مشيه من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فمحمول على السرعة المرتفعة عن دبيب المتماوت لا أنه ﵊ كان يثب وثوب الشطار أو
[ ١ / ٣٤٦ ]
على أن السرعة كانت تقع في مشيه ﵇ لسعة خطوه من غير قصد له كيف وقد روي أنه ﵇ قال سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن على ما رواه جماعة من الحفاظ (وإذا التفت) أي يمنة أو يسرة أو إلى أحد من جانبيه (التفت جميعا) أي مجتمعا إليه ومقبلا بكليته عليه فلا يسارق النظر ولا يكون كالطير الخفيف الطيش بل يقبل جميعا ويدبر جميعا (خافض الطّرف) أي بصره حياء من ربه وتواضعا لأصحابه، (نظره إلى الأرض أطول) أي أكثر مدة (من نظره إلى السّماء) لأنه أجمع للفكرة وأوسع للعبرة (جلّ نظره) بضم الجيم وتشديد اللام أي معظمه (الملاحظة) مفاعلة من اللحظ وهو مراعاة النظر بشق العين مما يلي الصدغ وكأنه أراد بها هنا حال كثرة تفكره في أمره المانع من توجهه بجميع نظره إلى جانب من طرقه أو إلى أحد من أهله (يسوق أصحابه) أي يقدمهم أمامه ويمشي خلفهم تواضعا لربه وتعلميا لأصحابه وهذا في الحضر وأما في السفر فلزيادة مراعاة أضعف القوم ومحافظتهم من ورائهم وكان لا يدع أحدا يمشي خلفه ويقول دعوا خلفي للملائكة قال النووي وإنما تقدمهم في سؤر صنعه جابر لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم دعاهم إليه فجاؤوا تبعا له كصاحب الطعام إذا دعا طائفة مشى أمامهم انتهى ولا يبعد أن يقال إنما نقدمهم مبادرة إلى ما أراد من تكثير الطعام بوضع يده الشريفة عليه ﵊ (ويبدأ) وفي رواية ويبدر بضم الدال أي يتبادر (من لقيه بالسّلام) لأنه الاكمل وثوابه الأفضل لما فيه من التواضع أولا والتسبب لفرض الجواب ثانيا ولذا عدت هذه الخصلة من السنن التي هي أفضل من الفريضة وفيه إشارة إلى أنه يستحب للأكبر أن يبتدئ به على الأصغر كما روي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة الإسراء لما وصل إلى مقام الانتهاء وقال التحيات لله والصلوات والطيبات وبالغ في الثناء قال الله تعالى السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فأجابه صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك يرجع السلام السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقالت الملائكة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله والحديث إلى هنا اتفق عليه الترمذي والطبراني والبيهقي في روايتهم عن ابن أبي هالة وقد اقتصر عليه السيوطي في جامعه الصغير وأما بإسناد المصنف على وفق ما في الشمائل للترمذي فقد قال الحسن بن علي لخاله هند لما وصل إلى هذا المحل وقد حصل له الحظ الأكمل من بعض فعله الأجل (قلت صف لي منطقه) أي كيفية آداب نطقه وبيان أخبار صدقه (قال) أي هند (كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم متواصل الأحزان) أي وهو مما يوجب تكليل اللسان وتقليل البيان (دائم الفكرة) أي في أمر الآخرة (ليست له راحة) لأنه في دار محنة وهذا كله مما يقتضي قوله (ولا يتكلّم في غير حاجة) وكونه (طويل السّكوت) ثم ليس المراد بحزنه الما بفوت مطلوب عاجل ولا بتوقع مكروه آجل فإن ذلك منهي عنه لقوله ﷾ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ ولا ما أصابكم ولما ورد من دعائه ﵊ اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وإنما المراد به التيقظ والاهتمام لما يستقبله من الأمور العظام كما أشار إليه
[ ١ / ٣٤٧ ]
قوله تعالى حكاية عن أهل الجنة حال وصولهم إلى غاية المنن الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ وأما ما نقله الحلبي عن ابن إمام الجوزية من أن حديث هند بن أبي هالة في صفته ﵊ أنه كان متواصل الأحزان لا يثبت وفي إسناده من لا يعرف وكيف يكون وقد صانه الله تعالى عن الحزن على الدنيا وأسبابها ونهاه عن الحزن على الكفار وغفر لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ فمن أين يأتيه الخزن فمدفوع بما نقله الحلبي أيضا عن شيخ الإسلام ابي العباس بن تميمة في حديث هند بن أبي هالة أنه ﵊ كان كثير الصمت دائم الفكر متواصل الأحزان أما لفظه فالصمت والفكر للسان والقلب وأما الحزن فليس المراد به الألم على فوت مطلوب أو حصول مكروه فإن ذلك لم يكن من حاله انتهى وهذا تقرير لثبوت الحديث في المبنى واحتياج تأويله في المعنى ثم هذا كله من هند يدل على كماله حيث ذكر هذه المقدمة توطئه في مقام مقاله إجمالا ثم بينه تفصيلا بقوله (يفتتح الكلام ويختمه) أي يطلب ابتداءه وانتهاءه (بأشداقه) أي جوانب فمه لرحب شدقه والعرب تتمدح به (ويتكلّم بجوامع الكلم جمع جامعة) أي بالكلم الجوامع لمباني يسيرة ومعاني كثيرة وفي الحديث كان يستحب الجوامع من الدعاء أي الجامعة لمقاصد صالحة وفوائد صحيحة (فضلا) أي يتكلم حال كون كلامه كلاما بينا يعرفه كل أحد هينا ومنه قوله ﷾ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ أي بين الحق والباطل أو قاطع جامع مانع (لا فضول فيه) أي عريا من الفائدة فيكون مملا (ولا تقصير) أي فيه عن أصل معناه وما يتعلق بمبناه من منافعه الزائدة فيكون مخلا (دمثا) بفتح مهملة وكسر ميم فمثلثة أي كان لين الخلق سهلا (ليس بالجافي) أي غليظ الطبع أو الذي يجفو أصحابه (ولا المهين) بفتح الميم وضمها قال ابن الأثير فالضم من الإهانة أي لا يهين أحدا من الناس فتكون الميم زائدة والفتح من المهانة أي الحقارة فتكون الميم أصلية انتهى ومنه قوله تعالى حكاية عن فرعون أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ أي حقير (يعظّم النّعمة) أي نعمة الله (وإن دقّت) أي قلت وصغرت (لا يذمّ شيئا) أي من نعمه ﷾ أو أحدا من خلقه لنزاهته عن البذاء والأذى مع قوله (لم يكن يذمّ) أي يعيب (ذواقا) بفتح أوله وتخفيف واوه أي مأكولا ومشروبا وأما حديث إن الله لا يحب الذواقين والذواقات فيعني بهما سريع النكاح وسريع الطلاق (ولا يمدحه) أي لنزاهة ساحة قلبه عن الرغبة إلى غير ربه فيميل إلى التمتع بمتاع الحياة الدنيا والتوجه إلى حظ نفسه منها ليترتب عليه مدحها وذمها قيل لبعضهم ما بال عظة السلف تنفع وعظة الخلف لا تنجع فقال علماء السلف إيقاظ والناس نيام وعلماء الخلف نيام والناس موتى أو كالأنعام (ولا يقام لغضبه إذا تعرّض للحقّ) ببناء المفعول فيهما والمعنى لا يقوم أحد من الخلق لدفع غضبه إذا تعرض أحد له في أمر ربه (بشيء) أي بسبب مأمور أو منهي وروي لشيء باللام أي لأجل أمر وحاصله أنه إذا تعدى الحق لم يقم لغضبه شيء (حتّى ينتصر له) أي يقوم بنصرة الحق الواجب في حقه هذا غاية لعدم التعرض لغضبه (ولا يغضب لنفسه) أي لحظها وبسببها (ولا
[ ١ / ٣٤٨ ]
ينتصر لها) أي لمجرد حقها (إذا أشار) أي وقت خطابه فيما بين أصحابه (أشار بكفّه كلّها) قصدا للإفهام ودفعا للإبهام واستثنى منه حال ذكر التوحيد والتشهد حيث كان يشير بالمسبحة إلى تحقيق المرام (وإذا تعجّب) أي من شيء عظم وقعه عنده (قلّبها) بتشديد اللام وتخفيفها أي قلب كفه إلى السماء للإيماء إلى انه فعل الرب وأنه ينقلب عن قرب حال ما به العجب (وإذا تحدّث) أي تكلم (اتّصل) أي كلامه (بها) أي مقرونا بكفه وإشارته إليها تأكيدا بسببها وتصحف الدلجي حيث وضع الفاء موضع التاء ثم قال أي قصد من قولهم فصل علينا أي خرج من طريق أو ظهر من حجاب قاصدا بها (فضرب بإبهامه اليمنى راحته اليسرى) ويروى براحته اليمنى باطن ابهامه ولعل اختلاف الرواية بناء على تعدد الحالة في الرؤية هذا بيان كيفية اتصال كلامه بها وهذا عادة من تحدث بأمر مهم وفعل ملم تأكيدا بالجمع بين تحريك اللسان وبعض الأركان على أن له وقعا في الخطب والشأن وتوجها من جانب الجنان فكأنه بكليته متوجه إلى حصول قضيته (وإذا غضب) أي ظهر أثر غضبه على أحد (أعرض) أي عنه ليبعد منه ويسهل أمره (وأشاح) بشين معجمة وحاء مهملة في آخره أي مال وانقبض ذكره الأنطاكي تبعا للمصنف والأظهر أن يقال بالغ في إعراضه بصفح عنقه عنه ممتثلا لقوله ﷾ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ (وإذا فرح) أي حصل له سرور (غضّ طرفه) بفتح فسكون أي غمض عينيه أو خفض بصره وأطرق رأسه تواضعا لربه وتباعدا عن حصول شرهه وأشره، (جلّ ضحكه التّبسّم) أي معظم أنواع ضحكه التبسم وهو ما لا صوت فيه مطلقا وقد روي أن يحيى إذا لقي عيسى ﵉ يلقاه عيسى متبسما ويلقاه حزينا يشبه باكيا فقال يحيى لعيسى أراك تبتسم كأنك آمن وقال عيسى ليحيى أراك تحزن وتبكي كأنك أيس فأوحى الله إليهما أحبكما إلي أكثركما تبسما ولعل يحيى كان غلب عليه القبض والخوف لكونه مظهر الجلال وعيسى غلب عليه البسط والرجاء لأنه مظهر الجمال والكمال وهو كون الجلال ممزوجا بغلبة الجمال لقوله الأنسي في الحديث القدسي سبقت رحمتي غضبي وفي رواية غلبت (ويفترّ) بتشديد راء أي يبدي أسنانه ضاحكا (عن مثل حبّ الغمام) أي البرد النازل من السحاب حال البرد (قال الحسن) أي ابن علي (فكتمتها) أي اخفيت هذه الحلية أو هذه الرواية (عن الحسين بن عليّ زمانا) أي اختبارا وامتحانا (ثمّ حدّثته) أي أخبرته بهذا الحديث أي ليتبين إطلاعه عليه (فوجدته قد سبقني إليه) أي مع زيادة فضيلة وجدت لديه كما بينه بقوله (فَسَأَلَ أَبَاهُ عَنْ مَدْخَلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم ومخرجه) بفتح العين فيهما (ومجلسه) بكسر اللام أي عن كيفية دخوله وخروجه وجلوسه أو عن أحوال مجلسه وهو مكان جلوسه وهو بكسر اللام سواء كان مصدرا أو مكانا وقال الحلبي هو بفتح اللام أي هيئة جلوسه وهو خطأ فاحش لأن الجلسة بكسر الجيم وهو الموضوع للنوع والهيئة (وشكله) بفتح أوله وجوز كسره وهو يحتمل صورته وسيرته لكن الثاني هو المراد هنا لتقدم ما تعلق بالأول ولقوله فيما سيأتي فسألته عن سيرته (فلم يدع منه شيئا) أي فلم يترك الحسن شيئا من
[ ١ / ٣٤٩ ]
متعلقات جميع ما ذكر إلا وقد سأله وحققه وهذا من كمال انصاف الحسن وجمال خلقه المستحسن ثم هذا بطريق الإجمال وأما بطريق التفصيل فكما بينه بقوله. (قال الحسين سألت أبي) أي عليا كرم الله وجهه (عن دخول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي زمان دخوله وكيفية وصوله وهذا من قبيل رواية الأكابر عن الأصاغر أو من رواية الأقران فإن ما بينهما تفاوت قليل من الزمان (فقال) أي على (كان دخوله) أي في بيته (لنفسه) أي لحقه خاصة ولأهل بيته عامة حال كونه (مأذونا له) أي من عند ربه (في ذلك) أي فله الأجر الجزيل والثناء الجميل لما هنا لك وقيل كان مأذونا له أن يدخل حيث شاء من بيوته لأنه ﷾ لم يوجب قسما عليه في زوجاته وقيل معناه أنه لا يدخل بغير استئذان (فكان إذا أوى) بالقصر هو الأولى ومنه المأوى أي وصل إلى منزلة واستقر في محله (جزّأ) بتشديد الزاء فهمز أي قسم (دخوله) أي زمنه (ثلاثة أجزاء) أي أقسام (جزءا لله وتعالى) بالنصب يعبده في النوافل كالإشراق والضحى ونحوهما من الأمور الكوامل (وجزءا لأهله) أي يدبر أمرهم وحالهم ويصلح شأنهم ومآلهم فيما لهم (وجزءا لنفسه) أي لاستراحتها كالقيلولة ونحوها ولورود وفود ضرورة قضية الجأت بعض الناس إلى الدخول عليه والمشورة بين يديه وعرض أحوال الجهاد وأعمال العباد وأمثال ذلك عليه وهذا معنى قوله (ثمّ جزّأ جزأه بينه وبين النّاس) أي من خواص أصحابه وزمرة أحبابه (فيردّ) أي في بعض زمن نفسه (ذلك) أي نفعه لما هنالك (على العامّة) أي الذين لم يقدروا عليه في تلك الحالة (بالخاصّة) أي بواسطتهم وحصول رابطتهم وقد قال ابن الأثير أراد أن العامة كانت لا تصل إليه في هذا الوقت فكانت الخاصة تخبرهم بما سمعوا منه فكأنه أوصل الفوائد إلى الخاصة بالعامة وقيل إن الباء بمعنى عن أي يجعل وقت العامة بعد الخاصة فيكونون بدلا منهم (ولا يدّخر) أي لا يخفى من العلم أو المال (عنهم شيئا) أي مما ينفعهم وأصل يدخر بالدال المهملة المشددة يذتخر بالمعجمة قلبت التاء دالا مهملة لاتحادهما مخرجا فصار يذدخر بمعجمة فمهملة ثم أدغم بالمهملة بعد قلب المعجمة بها وهذا نطق الأكثر ومنه قوله تعالى وأدكر (فكان) كذا في النسخ وكان الظاهر بالواو (من سيرته) أي من حسن طريقته (في جزء الأمّة) أي أمة الإجابة لشريعته (إيثار أهل الفضل) أي اختيارهم لاعتبارهم (بإذنه) أي بأمره إكراما لهم ونفعا لمن تبعهم أو بأمر أهل الفضل ومنه حديث الشراب في الغلام وهو ابن عباس رضي الله تعالى عنه مع الأشياخ أبي بكر وعمر فاستأذن فأذنوا له، (وقسمته) بفتح القاف أي قسمته كما في نسخة صحيحة وهو مصدر مضاف إما إلى الفاعل أو المفعول أي قسمة الجزء أو قسمة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إياه (على قدر فضلهم) أي الأفضل فالأفضل (في الدّين) أي بالعلم والعمل المتعلق به المسمى بالتقوى لقوله تعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ لا بمجرد النسب ومقتضى الحسب أو كثرة الذهب ثم هم مع تفاوتهم في مراتب الفضيلة متفاوتون في مقدار استحقاقهم بحسب الحاجة كما يشير إليه قوله (مِنْهُمْ ذُو الْحَاجَةِ وَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَتَيْنِ وَمِنْهُمْ ذو الحوائج)
[ ١ / ٣٥٠ ]
أي ثلاثا فأكثر وهو جمع حاجة من غير قياس وقيل جمع حائجة (فيتشاغل بهم) أي على حسب منافعهم (ويشغلهم) بفتح الياء والغين لا بضم أوله وكسر ثالثه فإنه لغة رديئة (فيما يصلحهم) أي ذلك الوقت وفي نسخة يصلحهم ولعله من قبيل حكاية الحال الماضية (والأمّة) بالنصب عطفا على الضمير فالتقدير ويصلح عامة الأمة (من مسألته) وروي من مسألتهم (عنهم) أي من أجل سؤاله عن أحوالهم وتفقده لأعمالهم وجعل الدلجي من بيانا لما وهو غير صحيح في المعنى لأنه لو أريد هذا المعنى لقال من مسألتهم عنه كما لا يخفى (وأخبارهم) أي ومن أجل إخباره إياهم (بالذي ينبغي لهم) أي يصلح لهم خاصة أو للعامة كافة (ويقول) أي في جميع المراتب (ليبلّغ) بالتشديد والتخفيف (الشّاهد) أي ليوصل الحاضر (منكم الغائب) أي الموجود أو من سيوجد في عالم الوجود ما سمعه مني ولو بالمعنى خلافا لبعضهم من الصحابة كالصديق ومن التابعين كابن سيرين وأبي حنيفة وبعض علماء الأمة وقيل المراد بالشاهد الصحابي الأكبر والغائب الأصغر أو الشاهد الصحابي والغائب التابعي أو الشاهد العالم والغائب الجاهل ومنه قول القائل شعر:
أخو العلم حي خالد بعد موته واوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى يعد من الأحياء وهو عديم
أو الشاهد الحضري والغائب البدوي أو الشاهد السامع والغائب من لم يسمع أو الشاهد الذكور والغائب الإناث أو الشاهد المسلم والغائب الكافر وروى الشاهد الغائب بدون منكم (وأبلغوني) أي أوصلوا إلى (حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته) وروى إبلاغ حاجته (فإنّه) أي الشأن (من أبلغ سلطانا) أي نبيا أو خليفة أو قاضيا أو حاكما أو أميرا أو وزيرا أو لو سلطانا جائرا (حاجة من لا يستطيع إبلاغها) أي بنفسه إلا بكلفة ومشقة (ثبّت الله قدميه) أي على الصراط أو في الموقف (يوم القيامة) لما قام بحق الإخوة وثبت في مقام الرحمة والشفقة (لا يذكر عنده) بصيغة المجهول (إلّا ذلك) أي الذي ينشأ عنه نفعهم ويترتب عليه رفعهم (ولا يقبل) أي هو (من أحد غيره) أي غير ما فيه منفعة هنالك ولا يبعد أن يقرأ ولا يقيل بصيغة المفعول فتأمل (قال) أي على (في حديث سفيان بن وكيع) أي بروايته خاصة (يدخلون روّادا) بضم فتشديد أي حال كونهم طالبين منه العلم وملتمسين منه الحكم وروي بكسر أوله مخففا على أنه مصدر أي يتحينون وقت الوصول إليه وروي لو إذا باللام والذال المعجمة أي ملتجئين إليه ومتحصنين ممتنعين به أو متقربين لما عنده (ولا يتفرّقون) أي لا يفترقون بعد دخولهم (إلّا عن ذواق) بفتح أوله أي عن علم وحكم وحلم يكتسبونها منه أو عن مذوق من مأكول أو مشروب يحضر عنده واقتصر أهل الذوق على الأول فتأمل وإن كان الجمع إن تصور أو تيسر فهو الأكل بالنسبة إلى الكمل (ويخرجون أدلّة) جمع دليل أي هداة (يعني فقهاء) أي علماء بالكتاب والسنة قال التلمساني هذا القول لابن شاذان على ما نقله بعض الشيوخ
[ ١ / ٣٥١ ]
وروي بذال معجمة أي متواضعين أو منقادين (قلت) القائل هو الحسين بالتصغير لأبيه رضي الله تعالى عنهما (فَأَخْبِرْنِي عَنْ مَخْرَجِهِ كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِيهِ) لا تتبع في جميع أفعاله من دخوله وخروجه وسائر أحواله (قال) أي علي (كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يحزن لسانه) بضم زاي أي يجعله مخزونا ومحبوسا وممنوعا (إلّا ممّا يعنيهم) بكسر النون أي يهمهم وينفعهم وفي نسخة من الإعانة أي يساعدهم ويقوي دينهم من جواهر لفظه وزواجر وعظه ومنه:
إذ المرء لم يخزن عليه لسانه فليس على شيء سواه بخازن
(ويؤلّفهم) بتشديد اللام أي يوقع الألفة بينهم من سحائب كرمه وسواكب نعمه فيجمعهم (ولا يفرّقهم) بتشديد الراء أي لا يتكلم بما ينفرهم لأنه برحمة من الله لان لهم (يكرم) من الإكرام أي يعظم (كريم كلّ قوم) أي رئيسهم وشيخهم ويقول أيضا إذ أتاكم كريم قوم فأكرموه كما رواه ابن ماجة وغيره (ويولّيه) بتشديد اللام أي يجعله واليا (عليهم) أي تألفا به وبهم (ويحذر النّاس) أي لقوله تعالى وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عن بعض ما أنزل الله إليه ثم عطف بالتفسير قوله (ويحترس منهم) أي يتحفظ عنهم ففي الحديث الحزم سوء الظن وفي لفظ احترسوا من الناس بسوء الظن والمعنى لا تثقوا بكل أحد منكم فإنه أسلم لكم فهو لا ينافي قوله تعالى إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ او فيحذر من الغائب ويحترس من الحاضر والمراد من الناس جنسهم كالأعرابي لأجميعهم في هذا الباب (من غير أن يطوي) بكسر الواو أي يمنع (عن أحد) وفي نسخة على أحد (بشره) بكسر الموحدة أي بشاشة بشرة وجهه وطلاقته (وخلقه) أي حسن عشرته وطراوته وهذا في حق من حضر منهم في خدمته إذا وجدوا (ويتفقّد أصحابه) أي يتعرف أحوالهم إذا غابوا وفقدوا (ويسأل النّاس عمّا في النّاس) أي مما يوجب التفقد والتفحص للاستئناس (ويحسّن الحسن) بتشديد السين وتخفف أي يبين حسن ما يكون حسنا ويجعله مستحسنا (ويصوّبه) بتشديد الواو أي يحكم بكونه صوابا ترغيبا فيه وتحريضا عليه وروي ويقويه (ويقبّح القبيح ويوهنه) بتشديد الياء والهاء مشددة أو مخففة بعدها نون او ياء أي يظهر قبحه وضعفه تنفيرا عنه وتحذيرا منه (معتدل الأمر) أي كان أمره وشأنه كله في غاية من الاعتدال ونهاية من كمال الجمال مما للقلب فيه راحة وللعين قرة (غير مختلف) حال مؤكدة أي غير مفرط ولا مفرط أو غير متناقض ولا متعارض (لا يغفل) بضم الفاء أي لا يظهر الغفلة بالمرة لأرباب الصحبة (مخافة أن يغفلوا أو يملّوا) بفتح ميم وتشديد لام أي يسأموا وأو للتنويع (لكلّ حال) أي من أحوال الدنيا والعقبى (عنده عتاد) بفتح مهملة ومثناة فوقية أي عدة زاد ومعد معاد (لا يقصّر عن الحقّ) أي لا يفرط في إقامته (ولا يجاوزه إلى غيره) أي ولا يتعدى عن غاية مرتبته (الذين يلونه) أي يقربونه (من النّاس خيارهم) مبتدأ وخبر (وأفضلهم عنده أعمّهم نصيحة) أي لله وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم كافة وقد ورد خير الناس أنفعهم للناس والنصيحة الخلوص لغة وهي كلمة جامعة
[ ١ / ٣٥٢ ]
يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جُمْلَةِ إِرَادَةِ الْخَيْرِ لِلْمَنْصُوحِ بها خالصة (وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة) أي مشاركة في الرزق والمعيشة قلبت همزتها واوا بدليل حديث ما أحد عندي أعظم يدا من أبي بكر آساني بنفسه وماله وآساه بالهمز أعلى من واساه وقيل لا تكون المواساة إلا من كفاف (وموازرة) أي معاونة من الوزر بمعنى الملجأ أو بمعنى الحمل وروي بالهمز مكانه من الأزر بمعنى الظهر لأن منه قوة البدن فوازره بمعنى قواه ووقع في أصل الدلجي تقديم موازرة وهو مخالف للأصول المعتبرة (ثم قال) أي الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما (فسألته) أي أبي (عن مجلسه) أي جلوسه صلى الله تعالى عليه وسلم أو مكانه وكيفية حاله ومراتب شأنه ولذا أبدل منه بقوله (عمّا كان يصنع فيه) أي في جلوسه أو مجلسه وقد أغرب الدلجي حيث قال هنا أيضا ما سبق له من أنه بفتح اللام كما تقدم قريبا والظاهر أنه يجوز بكسر اللام وقد تقدم أن فتحها خطأ مبنى ومعنى (فقال) أي علي (كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يجلس) أي بعد قيامه من نوم أو غيره (ولا يقوم) أي بعد جلوسه (إلّا على ذكر) أي من إفادة علم وذكر أو بيان حمد وشكر عملا بقوله تعالى الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ (ولا يوطّن الأماكن) من الإيطان أو التوطين أي لا يجعل لنفسه مجلسا معينا يعرف به بحيث لا يجلس في غيره (وينهى) أي غيره أيضا (عن إيطانها) أي اتخاذها معينة وقيل مصلى لصلاته المبينة فروى الحاكم وغيره أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نهى أن يوطن الرجل المكان يصلي فيه وفي رواية نهى عن أن يوطن الرجل في المكان بالمسجد كما يوطن البعير والمعنى أنه نهى أن يألف الرجل مكانا معلوما من المسجد مخصوصا يصلي فيه كالبعير لا يأوي من العطن إلا إلى مبرك قد وطنه واتخذه مناخا له ولعله اريد به خصوص من لم يألف من المسجد مكانا يفتي به أو يدرس فيه فإن له أن يقيم من سبقه إليه لئلا يتفرق أصحابه عليه ولكن الأولى أن لا يلتزم جلوسه لمكان معين بحيث لا يتقدم ولا يتأخر عنه نظرا إلى عموم النهي ورخص للإمام بوقوفه في موضع معين من محراب المساجد للضرورة ولعل نهي غيره مخالفة دخول الرياء والسمعة في الطاعة ثم رأيت النووي صرح به حيث قال وإنما ورد النهي عن إيطان موضع من المسجد للخوف من الرياء ونحوه وإلا فلا بأس بملازمة الصلاة في موضع من البيت لحديث عقبان بن مالك فلم يجلس يعني النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حين دخل البيت ثم قال أين تحب أن أصلي من بيتك فأشرت إلى ناحية من البيت الحديث وقال التلمساني كان مقعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عند العمود المخلق وكان لأصحابه مواضع فيه معروفة الأماكن وقال بعض الشيوخ نهيه عن ذلك لوجوه أحدها خوف الرياء والسمعة والتظاهر بالملازمة والثاني أن يغيب فيقع الناس فيه فيأثمون به والثالث أن يرى أنه استحقه دون غيره قلت والرابع أنه يعتقد عدم جوازه في غيره كما قيل في كراهة تعيين سورة في صلاته وينبغي أن يستثني ملازمة المواضع المأثورة كما أنه استثنى ما ورد في قراءته الآثار المسطورة ولا يبعد أن النهي مختص بموضع يتبارك الناس بالصلاة فيه كتحت الميزاب
[ ١ / ٣٥٣ ]
والمقام والمحراب والله أعلم بالصواب (وإذا انتهى إلى قوم) أي جالسين أو إلى مجلسهم (جلس حيث ينتهي به المجلس) ولم يتقدم عليهم ولم يتميز عنهم بل كان يجلس حيث اتفق معهم فإن شرف المكان بالمكين دون العكس المبين (ويأمر بذلك) تأكيدا للأمر بالقول بانضمامه إلى الفعل ويقول ان الله يكره عبده أن يراه متميزا عن أصحابه (ويعطي كلّ جلسائه نصيبه) أي من مباشرته ومحادثته (حتّى لا يحسب جليسه) أي لا يظن مجالسه (أنّ أحدا أكرم عليه منه) أي من غاية استجلاب خاطره ونهاية جبر حال ظاهره (من جالسه أو قاومه) أي وافقه في جلوسه أو قيامه بمعنى جلس معه أو قام (لحاجة) أي عارضة لصاحبه (صابره) أي بالغ في حبس نفسه للصبر معه (حتّى يكون هو المنصرف عنه) أي بعد انقضاء حاجته منه (من سأله حاجة لم يردّه) بفتح الدال وضمها (إلّا بها) أي إلا بقضائها أو وعد ادائها كما بينه بقوله (أو بميسور) أي بما تيسر له (من القول) وهو يشمل دعاءه له بحصولها فأو للتنويع وفيه إيماء إلى قوله تعالى وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (قد وسع النّاس) بالنصب أي عمهم (بسطه وخلقه) أي بسط يده وانبساط خلقه وسماحة نفسه وسعة كرمه (فصار لهم أبا) أي من كمال الشفقة وحسن تأديب الترتبة لأن نبي كل قوم بمنزلة ابيهم كما قال تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ وفي قراءة شاذة بعد قوله ﷾ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وهو أب لهم (وصاروا عنده في الحقّ) أي في حق الرحمة والرأفة (متقاربين) أي كالأولاد عند الوالدين متساوين في أصل المحبة (متفاضلين فيه بالتّقوى) أي عن المعصية والتقوى على الطاعة لقوله تعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ (وفي الرّواية الأخرى) أي عنه أو عن غيره (وصاروا عنده في الحقّ سواء) أي في حكم الحق للخصومة أو في أصل حق المودة مستوين. (مجلسه مجلس حلم) أي وقار وسكينة (وحياء وصبر وأمانة) أي لا مقام وقاحة وخفة وخيانة (لا ترفع فيه الأصوات) لقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ الآية وهذا بيان لحلمهم وحيائهم (ولا تؤبن فيه الحرم) وضبطهما تقدم أي لا يذكرون فيه بسوء وهذا بيان لصبرهم وأمانتهم، (ولا تثنى) بضم أوله فسكون نون وفتح مثلثة أي لا تشاع ولا تذاع ولا تذكر من النثاء وهو أعم من ذكر الحسن والقبيح وخبر الخير والشر وقيل مختص بالشر وهو في هذا المقام أظهر فتدبر وفي نسخة بمثناة فمثلثة فنون أي لا تعاد (فلتاته) بفتحتين وقد تسكن اللام أي زلات مجلسه وعثرات من حضر في مقام أنسه والمعنى لم يكن لمجلسه فلتة فتنقل فالنفي منصب على القيد والمقيد كقوله تعالى لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا أي أصلا (وهذه الكلمة) أي الجملة الأخيرة وهي ولا تنثى فلتاته ثابتة (من غير الرّوايتين) أي المذكورتين في سند هذا الحديث (يتعاطفون) أي فيه كما في نسخة صحيحة أي في مجلسه خصوصا يتحابون وبتراحمون (بالتّقوى) أي بسببها لحديث أبي داود والترمذي لا تنزع الرحمة إلا من شقي أو بحسب تفاوت مراتبها حال كونهم (متواضعين) أي بعضهم لبعض كما قال تعالى أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى
[ ١ / ٣٥٤ ]
الْكافِرِينَ وكما قال أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (يوقّرون فيه) أي في مجلسه خصوصا الكبير أي في السن أو الرتبة بما يجب له من العظمة (ويرحمون الصّغير) أي بمقتضى الشفقة (ويرفدون) بضم الفاء وكسرها وحكي فتحها وفي نسخة من الارفاد أي يعينون ويغيثون (ذا الحاجة) ويعطون صاحب الفاقة وقيل رفد أعطى وارفد اعانه والرفد بالكسر هو العطاء (ويرحمون الغريب) أي لبعده عن بلاده وأصحابه ومفارقة أولاده وأحبابه (ثم قال) أي الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما (فسألته) أي أبي (عن سيرته صلى الله تعالى عليه وسلم في جلسائه) أي عن طريقته في حقهم حال حضورهم في خدمته (فقال) أي علي (كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم دائم البشر) أي غير مقيد طلاقه وجهه وبشاشة بشرته بوقت دون وقت في حالته، (سهل الخلق) أي لين الطبع مع عموم الخلق، (ليّن الجانب) بتشديد التحتية وتخفف أي في كمال من الرفق، (ليس بفظّ) أي سيىء الخلق (ولا غليظ) أي سيىء القلب (ولا سخّاب) أي صياح وفي رواية ولا سخوب والصاد لغة فيهما وكلاهما للمبالغة إلا أن النفي لأصل المعنى لا للزيادة والأظهر أن الكلمة بوضعها للنسبة كتمار ومنه قوله تعالى وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وجاء في حديث المنافقين خشب بالليل سخب بالنهار أي إذا جن عليهم الليل سقطوا نياما كالخشب فإذا أصبحوا تساخبوا على الدنيا تهالكا عليها وتمالؤوا إليها وفي رواية في الأسواق فالمراد نفي رفع الصوت بالمخاصمة والمشاجرة على ما هو المعروف في العادة فلا ينافي ما ورد من أنه كان إذا دخل السوق قال لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له إلى آخره مع غيره مما ثبت من الأدعية في أثره (ولا فحّاش) أي ذي فحش من كلام غليظ (ولا عيّاب) أي على أحد قولا وفعلا مرضيا أو في غيبة أحد أو لمأكول ومشروب كما سبق (ولا مدّاح) أي مبالغ في مدح أحد ويروى بالزاء أي كثير المزح لما ثبت في وصفه من مدحه ومزحه أحيانا وأما ما وقع عند شارح بالراء فتصحيف لمخالفته الأصول وإن قال إنه من المرح وهو الفخر والتجبر (يتغافل عمّا لا يشتهي) أي مما لا يجب على أحد فيه أن ينتهي (ولا يؤيس منه) بالبناء للفاعل أو المفعول من اليأس ضد الرجاء على ما مر له من بيان المعنى (قد ترك نفسه) أي لم يجعل لها حظا (من ثلاث) أي ثلاث خصال بينها بإفادة ابدال مع إعادة من بقوله (في الرّياء) وكذا من السمعة فإنهما من الشرك الأصغر وهذا إنما يبتلى به من لا يعرف الله ممن يلتفت إلى ما سواه ووقع في أصل التلمساني الرياء بدون من فجوز جره على بدل المفصل من المجمل كقوله تعالى حكاية نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ورفعه على أنه خبر لمحذوف قلت لو صحت هذه الرواية لجاز نصبه بتقدير أعني كما لا يخفى على أرباب الدراية، (والإكثار) أي ومن إكثار القول الممل للحضار أو من إكثار متاع الدنيا لكمال توجهه إلى المولى والدار الآخرة التي هي بالاستكثار أولى وأحرى، (وما لا يعنيه) أي ومما لا يهمه ولا ينفعه ولا يغنيه وكيف لا وفي حديث الترمذي من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وقد قال ﷾ وَالَّذِينَ
[ ١ / ٣٥٥ ]
هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وهو يشمل القول والفعل وتوجه القلب وإقبال العقل، (وترك النّاس) أي أبعدهم عن ساحة ما ينقصهم (من ثلاث) بينها بإبدالها كما قال الدلجي بقوله (كان لا يذمّ أحدا) أي بما يضع قدره؛ (ولا يعيّره) بتشديد التحتية أي لا يعيبه بعيب سبق أمره إذ ورد في حديث الترمذي عن معاذ مرفوعا من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله قال التلمساني هما واحد وإلا كان العدد أربعا قلت الصواب أنهما عددان لأنهما متغايران وأن الثالث قوله (ولا يطلب عورته) أي لا يسيء ظنه به فيتجسس عن أمره ويتفحص عن خلله لقوله ﷾ وَلا تَجَسَّسُوا ولحديث أبي داود على المنبر يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم فإن من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته بمعنى كشف الله حاله وفضحه فهو من باب المشاكلة لوروده بالمقابلة وقد تمت الثلاث فعطف على ما قبلها قوله. (ولا يتكلّم إلّا فيما يرجو ثوابه) أي في فعله أو يخاف من عقابه في تركه ولعله ترك للاكتفاء أو لكمال ظهوره، (إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطّير) أي إكراما له واحتراما لقوله وسبق تحقيقه (وإذا سكت تكلّموا) أي تأدبا معه وزيادة استفادة منه (لا يتنازعون عنده الحديث) أي لا يتجاذبونه بينهم كما بينه بقوله (من تكلّم عنده أنصتوا له) أي سكتوا له أو أسكت بعضهم بعضا لأجله (حتّى يفرغ) أي من كلامه وتحصيل مرامه، (حديثهم حديث أوّلهم) مبتدأ وخبر متضمن لتشبيه بليغ أي حديث آخرهم كحديث أولهم في الرغبة إليه والنشاط لديه وعدم الملالة والسآمة عليه وفي رواية حتى يفرغ حديث أولهم وروي حتى يفرغ من كلامهم حَدِيثُهُمْ حَدِيثُ أَوَّلِهِمْ (يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ) أي بحكم المؤانسة وحق المجالسة (ويتعجّب ممّا يتعجّبون منه) تطييبا لخواطرهم وتحسينا لسرائرهم وظواهرهم (ويصبر للغريب على الجفوة) بفتح جيم فسكون فاء أي الغلظة والسقطة والغلطة (في المنطق) أي في العبارة وهذا كله كان دأبه في العادة (ويقول إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها) جملة حالية أو استينافية بيانية (فأرفدوه) بهمزة قطع أو وصل أي أعطوه ولو بعض كفايته أو أعينوه على قضاء حاجته (ولا يطلب الثّناء) أي ولا يقبله كما في رواية (إلّا من مكافىء) بكسر فاء فهمز أي معتقد لثنائه أو مقتصد في ثنائه غير متجاوز إلى اطرائه ألا تراه يقول ولا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ولكن قولوا عبد الله ورسوله فإذا قيل هو نبي الله أو رسول الله فقد وصف بما لا يوصف به أحد من أمته فهو مدح مكافىء له وما أحسن قول البردة في هذه الزبدة
دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
(ولا يقطع على أحد حديثه) أي كلامه في اثنائه بل ينصت له (حتّى يتجوّزه) أي يتعداه ويتخلص (فيقطعه بانتهاء) أي لحديثه ولو بعد في قعوده (أو قيام) أي له على طريق وداعه؛ (هنا انتهى حديث سفيان بن وكيع) أي شيخ الترمذي؛ (وزاد الآخر) أي بسند المصنف من
[ ١ / ٣٥٦ ]
طريق أبي علي الحافظ ابن سكرة منتهيا إلى الحسن بن علي راويا عن أخيه حسين رضي الله تعالى عنهم (قلت) أي لأبي (كيف كان سكوته صلى الله تعالى عليه وسلم قال) أي علي (كان سكوته على أربع) أي حالات أو صفات (على الحلم) أي الوقار والسكينة دون الخفة والعجلة، (والحذر) أي مما يخشى فيه من الضرر، (والتّقدير) أي تقدير الشيء بمعنى التصوير، (والتّفكّر) أي فيما يحتاج إليه من التقدير. (فأمّا تقديره) تفصيل على خلاف ترتيب ما أجمل به (ففي تسوية النّظر) أي التأمل في الأمر أو مساواة النظر بالبصر (والاستماع بين النّاس) كما قرر في آداب القضاء من العدالة بين الخصماء على حد سواء في الاستواء وروي الاستمتاع بمعنى الانتفاع. (وأمّا تفكّره ففيما يبقى) أي من أعمال العقبى (ويفنى) أي من أحوال الدنيا كقوله تعالى الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا أو فيما يبقى عند المولى ويفنى عند السوى كقوله تعالى ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ (وجمع له الحلم صلى الله تعالى عليه وسلم في الصّبر) أي في حال صبره (فكان لا يغضبه) بضم أوله وكسر ضاده أي لا يحمله على الغضب (شيء يستقرّه) بتشديد الزاء أي يستخفه ويفزعه (وجمع له في الحذر) أي التيقظ في الحضر والسفر والتحرس عن الضرر (أربع) أي من الخصال الحميدة والأحوال السعيدة إحداها (أخذه بالحسن) أي قولا أو فعلا (ليقتدى به) أي علما وعملا سواء كان واجبا أو مندوبا أو مباحا فهو مرفوع على أنه مبتدأ خبره مقدر أو على أنه خبر مبتدأ محذوف هو هو أو على أنه بدل من أربع بدل الكل بتأخير الربط أو بدل البعض بتقديمه على وجه شموله ويجوز نصبه بتقدير أعني أيضا لا كما توهم الدلجي في اقتصاره على ضبط نصبه على أنه مفعول من أجله، (وتركه القبيح) أي حراما أو مكروها أو ما هو خلاف الأولى (لينتهى عنه) بصيغة المفعول أي لينتهي عنه غيره تبعا له والمعنى أنه كان يترك ما يعد قبيحا في حق غيره وإن كان وجوده صحيحا في حقه ليكون دليلا على انتهائه صريحا أو ليعلم أنه عامل بعلمه ومتعظ يوعظه كما قال الله تعالى حكاية عن شعيب ﵇ وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ (واجتهاد الرّأي) أي بذل الجهد في ظهور الأحرى (بما أصلح أمّته) أي بسبب إصلاح أمرهم وموجب فلاح أجرهم (والقيام لهم) أي لمصالحهم ونظام أحوالهم (بما جمع لهم أمر الدّنيا والآخرة) بنصب الأمر على ما في الأصول المعتمدة على أنه مفعول جمع ووقع في أصل الدلجي من أمر الدنيا والآخرة بزيادة من وهو يحتمل أن تكون تبعيضية أو بيانية وهو الأولى كما فسره بقوله من معاش ومعاد قال المصنف. (انتهى الوصف) أي وصف نبي الله (بحمد الله) تعالى أي مقرونا بحمده حيث لا يستحق الحمد سواه ولا ينبغي أن يحمد إلا إياه.
فصل [في تفسير غريب هذا الحديث ومشكله]
(في تفسير غريب هذا الحديث) أي باعتبار مبناه (ومشكله) من جهة معناه وإنما سمي
[ ١ / ٣٥٧ ]
غريبا لغرابة استعماله حيث غيره في المداولة أكثر نصيبا ويكون إلى الفهم قريبا. (قوله المشذّب) بفتح الذال المعجمة المشددة (أي البائن الطّول) بالإضافة أي المفرط فيه المباين عن قد الطوال أو المفارق عن رتبة قامة الربعة (في نحافة) أي حال كونه واقعا في صفة النحافة التي هي ضد الضخامة (وهو) أي المشذب (مثل قوله في الحديث الآخر) أي للترمذي والبيهقي (ليس بالطّويل الممغّط) بتشديد الميم الثانية فمعجمة فمهملة أي المتناهي طولا والممتد قامة وأصله منمغط اسم فاعل من باب الانفعال والنون للمطاوعة فقلبت ميما وأدغمت يقال مغطت الحبل إذا مددته وانمغط النهار إذا امتد وفي نسخة بكسر العين المهملة ويروى بصيغة المفعول من باب التفعيل بالغين المعجمة والكل بمعنى، (والشّعر) بفتح العين وتسكن (الرّجل) بفتح راء فكسر جيم مبتدأ موصوف خبره (الذي كأنّه مشط) بضم ميم فتخفيف شين معجمة مكسورة (فتكسّر قليلا) أي فبقيت جعودته يسيرة وسبوطته كثيرة ومنه الترجيل وهو تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه لا أنه من الترجيل كما توهمه الدلجي لأن المزيد يؤخذ من المجرد لا بالعكس (ليس) أي شعره الرجل (بسبط) بسكون الموحدة وتكسر والأول أنسب بقوله (ولا جعد) والجملة تفسير لما قبلها أؤ بيان لما كان عليه من أصل خلقه والحاصل أنه لم يكن شديد السبوطة والجعودة وقد روى أحمد وأبو داود أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن الترجل الا غبا ولعل العلة ما ينشأ عن الكثرة مما يشعر ببطر النعمة قال النووي والسبط بفتح الباء وكسرها لغتان مشهورتان ويجوز إسكان الباء مع كسر السين ومع فتحها على التخفيف كما في كتف، (والعقيقة) وهي في الأصل الشعر الذي يولد به الولد يقال عقّ عن المولود إذا حلق عقيقته يوم سابع ولادته وذبح عنه شاة وسميت باسمه عقيقة كما سمي به (شعر الرّأس) لأنه نسيت أصوله (أراد) أي الراوي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان لا يفرق شعر رأسه باختياره بل دأبه أنه (إن انفرقت) أي عقيقته (من ذات نفسها) وروي من ذاتها (فرّقها) أي تركها متفرقة (وإلّا تركها) أي على حالها أي (معقوصة) أي وفرة واحدة قيل وكان هذا في صدر الإسلام وروى الشيخان وغيرهما أنه كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به وكانوا يسدلون شعورهم وكان المشركون يفرقون فسدل صلى الله تعالى عليه وسلم ناصيته ثم فرق بعد ومن ثمه قال النووي المختار جوازهما والفرق أفضل (ويروى عقيصته) أي إن انفرقت عقيصته فرقها وإلا تركها على حالها وهي فعيلة بمعنى مفعولة كضفيرة بمعنى مضفورة زنة ومعنى وأصله اللى وإدخال أطراف الشعر في أصوله، (وأزهر اللّون نيّره) بتشديد التحتية المكسورة أي أبيض مشرق متلألىء ومنه الزهرة نجم مشهور (وقيل أزهر حسن ومنه) أي من هذا القبيل أو الاشتقاق (زهرة الحياة الدّنيا أي زينتها) يعني حسنها وبهجتها (وهذا) أي كونه أزهر (كما قال) أي واصفه (في الحديث:
الآخر) أي مما رواه الشيخان والترمذي (ليس بالأبيض الأمهق) أي الشبيه بالأبرص (ولا بالآدم) أي بالأسمر القريب إلى الأحمر بل كان بياضه مشربا بحمرة (والأمهق هو النّاصع البياض) أي خالصه كلون الجص (والآدم الأسمر اللّون) وأما ما ورد في الحديث أنه كان اسمر اللون
[ ١ / ٣٥٨ ]
فمحمول على أن ما برز منه للشمس كان اسمر وما سترته ثيابه كان أبيض والحاصل أن أصل خلقته أبيض وقد كان تعتريه السمرة فلا ينافي كونه اسمر فتدبر. (ومثله) أي ومثل كون لونه بينهما المفاد بلا ولا (في الحديث الآخر) أي الذي رواه الترمذي والبيهقي (أبيض مشرب) بضم ميم وفتح راء مخففة أو مشددة للمبالغة أي مشرب بحمرة كثيرة ولذا قال (أي فيه حمرة) وهذا أحسن الوجوه وأحسن الألوان من أفراد أنواع الإنسان كما أخبر الله ﷾ عنه في القرآن بقوله في وصف الحور البيض كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ ولا عبرة ببعض الطباع العادية من ميلهم إلى الصفر أو الخضر أو السودان هذا وفي شرح المصابيح لابن الفقاعي الإشراب خلط بلون بلون كأن أحد اللونين يسقى الآخر يقال بياض مشرب حمرة بالتخفيف فإذا شدد كان للتكثير والمبالغة قلت ومنه قوله تعالى وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ أي أخلط حبه في قلوبهم، (والحاجب الأزجّ) أفعل من الزجج وهو دقة الحاجبين مع سبوغهما إلى مؤخر العين وحسنهما (المقوّس) بفتح الواو المشددة أي المشبه بالقوس في نوع من الإدارة فلا ينافيه أنه (الطّويل) أي طرفه وهو احتراز من كون قصيرا فلا ينافي أنه لم يكن اشم (الوافر الشّعر) احتراز من كونه خفيفا، (والأقنى السّائل الأنف) أي طويله وممتده مع دقة ارنبته (المرتفع وسطه) احتراز من حديثه فإن كثرتها غير مستحسن، (والأشمّ الطّويل قصبة الأنف والقرن) بفتحتين وتكسر الراء (اتصال شعر الحاجبين) أي طرفيهما حتى يتلاقيا؛ (وضدّه البلج) بفتحتين بعدهما جيم وهو الذي بينهما فصل بين والجمع بين الروايات أن شعر حاجبيه لم يكن في غاية من الاتصال ولا في نهاية من الأنفصال بل على حد الاعتدال المطلوب في جمال أرباب الكمال فلا تنافي بين ما سبق من المصنف وبين ما ذكره بقوله (ووقع في حديث أمّ معبد) بفتح ميم فسكون عين مهملة فموحدة وهي التي رأته صلى الله تعالى عليه وسلم في طريق الهجرة من مكة إلى المدينة. (وصفه) أي وصفها إياه (بالقرن) وقد يجمع بينهما بأن أم معبد رأته من بعد فظنت أنه أقرن لقرب طرفيهما التقاء فوصفته بالقرن وعلي كرم الله تعالى وجهه حققهما من قرب فرآهما كادا يلتقيان فوصفه بالبلج وأما قول الدلجي من أن الصحيح وصفه بالبلج إذ هو المحمود عند العرب دون القرن فغير صحيح لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم خلق على جمال موصوف بكمال عند العرب والعجم نعم يستبعد تجويز الحلبي حدوث القرن له ﵊ بعد فإنه ينزه ﵊ عن حدوث ما يعد عيبا فيه، (والأدعج) من الدعج وهو السواد في العين وغيرهما وقيل هو شدة سواد العين في شدة بياضها وهو المراد ههنا وقوله (الشّديد سواد الحدقة) أي حدقة العين من باب الاقتصار أو من قبيل الاكتفاء والاختصار أو لتحقق البياض في غالب العادة وإنما تختلف الحدقة باعتبار السواد والزرقة والشهلة. (وفي الحديث الآخر) أي الذي رواه مسلم (أشكل العين، وأسجر العين) بمهملة فجيم وهما بمعنى واحد، (وهو الذي في بياضها حمرة) أي يسيرة والشكلة بالضم شكلة محبوبة محمودة ثم اعلم أن في القاموس عين سجراء خالطت بياضها حمرة فما ضبط في بعض النسخ الصحيحة بالحاء
[ ١ / ٣٥٩ ]
المهملة ليس في محله لما في القاموس من أن السحر بفتحتين هو البياض يعلو السواد وأما ضبط بعضهم بالشين المعجمة فلا وجه له أصلا، (والضّليع) أي الفم كما سبق أي عظيمه وهو ممدوح في الرجال كما مر وقيل كما قال المصنف: (الواسع) فالمراد به الوسع في الجملة كما في اعتدال الخلقة لا ضيقه بالمرة (والشّنب) بفتح النون (رونق الأسنان. وماؤها) أي صفاؤها وبهاؤها وإنما يتمادح بكثرة الريق في المحاورات والخطب والحرب لأنه يدل على ثبات جنان المتكلم ورباطة جأشه ففؤاده رطب بخلاف الجبان إذا تكلم في هذه المحافل جف ريقه في فمه وما الذ قول العارف ابن الفارض قدس سره:
عليك بها صرفا وإن شئت مزجها فعدلك عن ظلم الحبيب هو الظلم
(وقيل) أي في معناه (رقّتها) بالراء بمعنى دقتها (وتحزيز فيها) بزايين أي أشر وتحديد فيها (كما يوجد في أسنان الشّباب) أي لأنهم في زمان ازدياد قواهم النامية واشتعال حرارتهم الغريزية المورثة لابتهاج نضارة الأعضاء وبهائها وحسن رونقها وبريق مائها، (والفلج) بفتحتين (فرق بين الثنايا) واحدتها ثنية ومجموعها أربع وهي الأوائل المبدوءة، (ودقيق المسربة) بضم الراء (خيط الشّعر الذي بين الصّدر والسّرّة) أي الذي لدقته وقلته وطوله كالخيط الدقيق الممتد من الصدر إلى السرة، (بادن ذو لحم) أي البادن باعتبار أصله هو الضخم من البدانة وهي كثرة اللحم ولم يكن صلى الله تعالى عليه وسلم سمينا بدينا ولذا عطف عطف تفسير بقوله (ومتماسك) ثم بينه بعطف بيان حيث قال (معتدل الخلق) أي متوسطه ومع ذلك (يمسك بعضه بعضا) أي ولم يكن لحمه مسترخيا فلم يكن صلى الله تعالى عليه وسلم ضخما بل كان فخما فأفرق بينهما فهما ولا تتبع ما قال بعضهم وهما والحاصل أن مضمون هذا الحديث في إفادة اعتدال خلقه من جهة لحمه وغيره (مثل قوله في الحديث الآخر) أي على ما رواه الترمذي والبيهقي (لم يكن بالمطهّم) بتشديد الهاء المفتوحة (ولا بالمكلثم) بفتح المثلثة (أي ليس بمسترخي اللّحم) تفسير للمطهم أي لم يكن فاحش السمن والأوجه أن معناه لم يكن منتفخ الوجه لأنه من لوازم كثرة اللحم. (والمكلثم القصير الذّقن) بفتحتين أي الحنك الداني إليه والمشهور تفسيره بمدور الوجه سواء كان مع خفة لحمه أو كثرته، (وسواء البطن والصّدر) هكذا الرواية بتقديم البطن على الصدر وإن كان الأظهر عكسه كما وقع في أصل الدلجي لكنه ليس بمعتبر حيث يخالف الأصول (أي مستويهما) يعني لا ينبو أحدهما عن الآخر بأن لا يكون بطنه ضخما مرتفعا ولا صدره منخفضا (ومشيح الصّدر) بضم ميم فشين معجمة مكسورة على ما في النسخ المعتبرة (إن صحّت هذه اللّفظة) أي بالضبطة المذكورة (فيكون) أي المشيح (من الإقبال) اسم فاعل من أشاح بمعنى أقبل فالمراد أنه مقبل الصدر (وهو) أي الإقبال (أحد معاني أشاح) ومنها أعرض ذكره الدلجي وفي القاموس الشيح بالكسر الجاد في الأمور كالشائح والمشيح والحذر وقد شاح وأشاح على
[ ١ / ٣٦٠ ]
حاجته والمشيح المقبل عليك والمانع لما وراء ظهره (أي أنّه كان بادي الصّدر) بالياء أي ظاهره (ولم يكن في صدره قعس) بفتحتين وهو خروج الصدر ودخول الظهر ضد الحدب (وهو تطامن فيه) بفتحتين فسكون همز وقد يبدل أي انخفاض (وبه) أي بكون المعنى باديا صدره إلى آخره (يتّضح قوله قبل) أي يتبين معنى ما روي من قبل ذلك (سواء البطن والصّدر) بالإضافة وقيل بتنوين سواء رفع ما بعده (أي ليس بمتقاعس الصّدر) أي غير منخفضة؛ (ولا مفاض البطن) مجرور بالعطف على متقاعس وزيد لا للتأكيد وهو بضم ميم ففاء فمعجمة أي ضخمه ومرتفعة، (ولعلّ اللّفظ) أي صحف على أن أصله (مسيح بالسّين) أي المهملة (وفتح الميم) أي لا بضمها (بمعنى عريض) أي وسيع الصدر مأخوذ من المساحة وهو طول المسافة ومنه الساحة وهي فناء الدار المتسعة (كما وقع في الرّواية الأخرى) أي بهذا اللفظ صريحا وينصره تلويحا حديث كان مسيح القدمين أي ممسوح ظاهرهما وهما ملسا وإن إذا مسهما الماء نبا عنهما، (وحكاه ابن دريد) بالتصغير (والكراديس) جمع الكردوس (رؤوس العظام وهو) أي قوله والكراديس رؤوس العظام (مثل قوله في الحديث الآخر) أي الذي رواه الترمذي والبيهقي (جليل المشاش) بضم الميم أي ضخم رؤوس العظام كالركبتين والمرفقين والكتفين على ما في النهاية أو رؤوس العظام اللينة التي يمكن مضغها على ما في الصحاح وهو أقرب إلى مادة المشمشة يقال تمشمش العظام تمشمشا (والكتد) بالجر عطف على المشاش وهو بفتح التاء أفصح من كسرها وهذا لفظ الحديث ثم قال المصنف. (والمشاش رؤوس المناكب) جمع منكب وهو ما بين الكتف والعنق، (والكتد مجتمع الكتفين) بفتح الميم الثانية وهو الكاهل وقيل ما بين الكاهل إلى الظهر، (وشثن الكفّين، والقدمين لحيمهما) وهو خلاف ما مر في تعريفهما؛ (والزّندان) تثنية زنذ (عظما الذّراعين) أي رأساهما على طبق ما سبق أو قصبتاهما على خلاف ما تحقق قال الأصمعي أخبرني أبي أنه لم ير حدا أعرض زندا من الحسن البصري كان عرضه شبرا؛ (وسائل الأطراف أي طويل الأصابع) أي من أطراف يديه ورجليه؛ (وذكر ابن الأنباريّ) بفتح الهمزة بعدها نون ساكنة منسوب إلى مدينة الأنبار مدينة بالفرات وهو محمد بن القاسم بن بشار وقد جاء في بعض الأحاديث قال الأنباري ولم يسمعه وهو محمد بن سليمان الأنباري فاعلمه كذا ذكره التلمساني (أنّه) أي هذا اللفظ (روي سائل الأطراف) أي بالشك في روايته لقوله، (أو قال) أي الراوي (سائن بالنّون قال) أي الأنباري (وهما بمعنى) أي واحد كجبريل وجبرين (تبدل اللّام من النّون) يعني فالأصل هو النون والأظهر أن الأصل هو الكلام وأن النون تبدل منها لتقاربهما في مخرجيهما أو لتجانسهما في حيزهما وهذا كله (إن صحّت الرّواية بها) أي بالنون فإن الرواية باللام ثابتة بلا مرية. (وأمّا على الرّواية الأخرى) أي بالراء كما بينه بقوله (وَسَائِرُ الْأَطْرَافِ فَإِشَارَةٌ إِلَى فَخَامَةِ جَوَارِحِهِ كَمَا وقعت مفصّلة في الحديث) أي كما مر في فصل قبله (ورحب الرّاحة) بفتح الراء وضمها (أي واسعها) وهي الكف حقيقة وهو ظاهر
[ ١ / ٣٦١ ]
(وقيل كنّى) أي واصفه (بها) أي بالراحة وفي نسخة صحيحة به أي بقوله رحب الراحة (عن سعة العطاء والجود) ولا منع من الجمع بين العبارة والإشارة؛ (وخمصان الأخمصين) بضم أوله (أَيْ مُتَجَافِي أَخْمَصَ الْقَدَمِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي لا تناله الأرض من وسط القدم) وفي النهاية أن خمصان للمبالغة قال وسئل ابن الأعرابي عنه فقال إذا كان خمص الأخمص بقدر لم يرتفع جدا ولم يستو أسفل القدم جدا فهو أحسن ما يكون وإذا ارتفع جدا فهو ذم فالمعنى أن أخمصه معتدل الخمص، (ومسيح القدمين أي أملسهما ولهذا) أي لكونهما ملساوين (قال) الراوي في الحديث السابق (ينبو عنهما الماء) وقد تقدم معناه. (وفي حديث أبي هريرة) أي كما رواه البيهقي (خلاف هذا) أي خلاف كون قدميه اخمصين لأنه (قال فيه إذا وطىء بقدمه) بكسر الطاء أي داس بهما أو وقف عليهما (وطىء بكلّها ليس له أخمص) ويمكن الجمع بينهما بأن مراد أبي هريرة أنه وطئ بكلها لا ببعضها كما يفعله بعض أرباب الخيلاء وأن قوله ليس له أخمص محمول على نفي المبالغة كما تقدم أو أنه مدرج من الراوي بحسب ما فهمه من حديثه وهذا الجمع أولى مما اختاره المصنف حيث قال (وهذا) أي معنى قوله ليس له اخمص (يوافق معنى قوله مسيح القدمين) وفيه أنه لا منافاة بين كونه أخمص وبين كونه مسيحا لما سبق من أنه قدمه كانت ملساء كأنها ممسوحة وأما قوله الأنطاكي من أن باطيس ذكر في المعنى في صفته ﵊ أنه كان لرجله أخمص فمحمول على ما ذكرناه من الجمع بأنه كان له بعض الخمص لا أنه لم يبلغه حديث أبي هريرة أو لم يصح الحديث عنده كما اختاره الأنطاكي (وبه) أي بمسيح القدمين (قالوا) أي بعضهم (سُمِّيَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ أَيْ لَمْ يَكُنْ له أخمص) أي بطريق المبالغة لا بالكلية مع أن الأنسب أن يقال لكون قدمه ملساء ممسوحة (وقيل مسيح لا لحم عليهما) وفيه أنه لا يظهر وجه المناسبة الاشتقاقية حينئذ أصلا (وهذا) أي قوله لا لحم عليها (أيضا يخالف قوله شثن القدمين) أي عند من فسره بلحيمهما كالمصنف وأما عند من فسره بميلهما إلى غلظ وقصر أو في أناملهما غلظ بلا قصر فلا إذ لا تلازم بين اللحيمية والغلظ فقد يكون الغلظ بلا كثرة اللحم (والتقلّع رفع الرّجل بقوّة) أي مع تثبت في المشي بحيث لا يظهر فيه شدة ولا سرعة، (والتّكفّؤ:
الميل إلى سنن الممشي) بفتحتين وفي نسخة الممشي على أنه مصدر ميمي أو اسم مكان أي إلى صوبه (وقصده) أي من جهته معتدلا بها من غير انحراف عنها وفي الحديث القصد القصد تبلغوا أي الزموا الأمر الوسط في العمل تصلوا ما تقصدونه من المحل فنصبه على الاغراء وتكراره للتأكيد بالبناء، (والهون) مبتدأ وخبره (الرّفق والوقار) وفي رواية كان يمشي الهوينا تصغير الهونى تأنيث الأهون فيكون القصد منه المبالغة في الهون المندوب في قوله تعالى وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وفي الأدب المفرد عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أحبب حبيبك هونا ما أي لا إفراط فيه بل قليلا بشهادة ضم ما إليه؛ (والذّريع: الواسع الخطو) أي من الذرع وهو الطاقة والوسع ومنه قوله تعالى وَضاقَ بِهِمْ
[ ١ / ٣٦٢ ]
ذَرْعًا (أَيْ إِنَّ مَشْيَهُ كَانَ يَرْفَعُ فِيهِ رِجْلَيْهِ بسرعة) أي بقوة (ويمدّ خطوه) أي في مشيه (خلاف مشية المختال) أي لعصمته من الاختيال لقوله ﷿ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا والمشية بكسر الميم لأنه مصدر للنوع (ويقصد) بكسر الصاد (سمته) أي مقصده في طريقه بدون ميل عن وسطه لقوله ﷾ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ. (وكلّ ذلك) أي ما ذكر من المراعاة في مشيه إنما كان (برفق) أي وفق لطف (وتثبّت) أي طلب ثبات (دون عجلة) إذ هي أيضا مذمومة كالخيلاء فكان مشيه معتدلا (كما قال) الراوي (كأنّما ينحطّ) أي ينزل (من صبب) وفي رواية في صبب وهو بفتحتين أي منحدر وروي كأنما يهوي من صبوب بضمتين، (وقوله يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه) أي بجوانب فمه جمع شدق بالكسر (أي لسعة فمه) يعني إنما كان ذلك لاتساع فيه؛ (والعرب تتمادح بهذا) أي بوسع الفم وعظمته لدلالته على فصاحة صاحبه وبلاغته؛ (وتذمّ بصغر الفم) الباء زائدة أو سببية أي تذم الإنسان لصغر فمه ولا يعارض حديث أبغضكم إلي الثرثارون المتشدقون لأن المراد بهم المتوسعون في الكلام بدون احتياط واحتراز في نظام المرام والمستهزئون بالناس بلى الشدق ونأي الجانب والتمطي ونحو ذلك من أفعال اللئام، (وأشاح) أي بناء على أحد معانيه (مال) أي إلى كذا مانعا لما وراء ظهره (وانقبض) أي مما أرهقه وأغضبه إذ المشيح هو الحذر والجاد في الأمر أي المقبل عليه وفي الحديث أنه صلى الله تعالى عليه وسلم ذكر النار ثم أعرض وأشاح أي حذر منها كأنه ينظر إليها أوجد في الإيصاء باتقائها أو أقبل ومال في خطابه إليه، (وحبّ الغمام) أي السحاب (البرد) بفتحتين شبه بحب الأرض ولو من بعض الوجوه. (وقوله فيردّ ذلك بالخاصّة على العامّة) ولما كانت الجملة المضارعية لحكاية الحال الماضية صح تفسيره بقوله (أي جعل من جزء نفسه) أي بعض أوقات حظ نفسه (ما يوصّل الخاصّة إليه) أي زمانا مجعولا لا يكون وسيلة إلى توصيل الخاصة إليه (فتوصّل عنه للعامّة) أي بالواسطة لعدم إمكان الزمان أو لضيق مكانه عن وصول كافة الخلق إلى حصول إدراك شأنه وما لا يدرك كله لا يترك كله (وَقِيلَ يُجْعَلُ مِنْهُ لِلْخَاصَّةِ ثُمَّ يُبَدِّلُهَا فِي جزء آخر بالعامّة) وقد عرفت وجه ضعفه فيما تقدم والله تعالى أعلم؛ (ويدخلون) أصحابه عنده (روّادا) بضم راء وتشديد واو جمع رائد (أي محتاجين إليه وطالبين لما عنده) لما لديه من هداية ومعرفة نازلة عليه (ولا يتفرقون) أي لا ينصرفون كما في نسخة (إلّا عن ذواق) بفتح أوله بمعنى مذوق من الذوق المعنوي أو الحسي، (قيل عن علم يتعلّمونه) أي ثم يصيرون هداة للسان يعلمونهم ومثل هذا يروى عن أبي بكر بن الأنباري وزاد عليه فقال فيقوم لهم ما يتعلمونه مقام الطعام والشراب لأنه ﵊ كان يحفظ أرواحهم كما يحفظ الطعام والشراب أجسامهم وأشباحهم (ويشبه) أي والأشبه (أن يكون) أي ذواقهم (على ظاهره أي في الغالب والأكثر) أي من مأكول أو مشروب باعتبار الأكثر الأغلب وإلى هذا المعنى قال الإمام الغزالي في الإحياء والحمل على المعنى الأعم هو الأتم والله تعالى أعلم؛
[ ١ / ٣٦٣ ]
(والعتاد) بالفتح (العدّة) بالضم (والشّيء الحاضر المعدّ) بصيغة المجهول أي المهيأ لما يقع من الأمور الملمة والأحوال المهمة؛ (والموازرة المعاونة) من الوزر وهو في الأصل الحمل والثقل ومنه قوله تعالى وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي أي معينا يحمل عن بعض حملي وفي حديث البيهقي نحن الأمراء وأنتم الوزراء جمع وزير وهو من يوازر السلطان فيحمل عنه ما حمله من أثقال الزمان، (وقوله لا يوطّن الأماكن) بتشديد الطاء وتخفيفها (أي لا يتّخذ لمصلّاه موضعا معلوما) أي لا يصلي إلا فيه، (وقد ورد نهيه عن هذا) أي إيطان المكان في المساجد (مفسّرا) أي مصرحا ومبينا (في غير هذا الحديث) أي من حديث الحاكم وغيره كما سبق. (وَصَابَرَهُ أَيْ حَبَسَ نَفْسَهُ عَلَى مَا يُرِيدُ صاحبه ولا تؤبن فيه) أي في مجلسه (الحرم) بضم ففتح (أَيْ لَا يُذْكَرْنَ فِيهِ بِسُوءٍ وَلَا تُثْنَى فلتاته أي لا يتحدّث بها) أي مطلقا وهو يحتمل احتمالين كما بينه بقوله (أي لم تكن فيه فلتة) فالنفي إلى القيد والمقيد (وإن كانت) أي فلتة فرضا وتقديرا (من أحد) أي غيره صلى الله تعالى عليه وسلم (سترت) أي في ذلك المجلس وما ذكرت في غيره لقوله ﵊ المجالس بالأمانة؛ (ويرفدون يعينون) أي كل من يريد الإعانة أو الإغاثة، (والسّخّاب الكثير الصّياح) بكسر الصاد، (وقوله ولا يقبل الثّناء إلّا من مكافىء) استثناء مفرغ (قيل من مقتصد في ثنائه ومدحه) أي لم ينته وصفه إلى إطرائه، (وقيل إلّا من مسلم) أي كامل فإن ثناءه لا يكون إلى في محله اللائق به وتوضيحه أنه كان لا يقبل الثناء عليه إلا من رجل يعرف حقيقة اسلامه وحقيقة مرامه ولا يدخل عنده في جملة المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم فإذا كان المثنى عليه بهذه الصفة قبل ثنائه وكان مكافئا ما سلف من نعمة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عنده وإحسانه إليه، (وقيل إلّا من مكافىء على يد) أي نعمة (سبقت من النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم له) أي من إحسان صوري وإلا فلا يخلو أحد منه من إنعام معنوي؛ (ويستفزّه) بتشديد الزاء: (يستخفّه) بتشديد الفاء، (وفي حديث آخر) أي كما رواه مسلم (في وصفه صلى الله تعالى عليه وسلم منهوس العقب) بمهملة ومعجمة على ما ذكره ابن قرقول في مطالعه ثم فسره بما فسره المصنف (أي قليل لحمها) يعني كأنه نهس فإن النهس هو أخذ اللحم بالأسنان ثم قال وقيل هو بالمعجمة ناتئ العقبين معروقهما وفسر في الحديث شعبة المهملة قال قليل لحم العقب انتهى ولا يخفى أن تفسير شعبة الراوي هو الأولى هنا وفي رواية منهوس الكعبين وفي أخرى القدمين؛ (وأهدب الأشفار) أي أشفار العين جمع شفر بالضم وهي حروف الأجفان التي ينبت عليها الشعر وذلك الشعر هو الهدب وجمعه أهداب وحرف كل شيء شفره وشفيره (أي طويل شعرها) وعن الشعبي كانوا لا يوقتون في الشفر شيئا أي لا يوجبون فيه شيئا مقدرا وهو مخالف للإجماع على وجوب الدية في الأجفان ذكره الدلجي وفيه أنه إنما نفي الشيء المقدر في الشريعة وهو لا ينافي ما ذكره الفقهاء بطريق الحكومة.
[ ١ / ٣٦٤ ]
الْبَابُ الثَّالِثُ [فِيمَا وَرَدَ مِنْ صَحِيحِ الْأَخْبَارِ ومشهورها بتعظيم قدره عند ربه ﷿]
أي من القسم الأول (فيما ورد من صحيح الأخبار ومشهورها) أي عند المحدثين فهو متوسط بين المتواتر والآحاد والغالب فيه أن يكون صحيحا وربما يكون حسنا ولا يكون ضعيفا أو عند العامة فيشمل الصحيح وغيره وربما يكون موضوعا والأظهر أن الشيخ أراد به النوع الأول كما يقتضيه مقام المرام فتأمل وعلى كل فهو من قبيل عطف العام على الخاص لا عكسه كما زعم من توهم أن كل مشهور صحيح (بعظيم قدره) متعلق بورد والباء للتعدية أي بمقداره المعظم (عند ربّه ومنزلته) أي وبرفعة مرتبته عند ربه الأكرم (وما خصّه به في الدّارين) أي الأولى والآخرة (من كرامته صلى الله تعالى عليه وسلم) بيان لما. (لا خلاف أنّه أكرم البشر) لما في الترمذي والدارمي أنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر كذا ذكره الدلجي وكأنه ذهب وهمه إلى أن اللام في الأولين والآخرين للعهد أو للجنس المراد بهم البشر والأظهر أن اللام للاستغراق وأنه أكرم الخلائق بالاتفاق ولا عبرة بخلاف المعتزلة وأرباب الشقاق، (وسيّد ولد آدم) لحديث الترمذي أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبِيَدِي لواء الحمد ولا فخر وما من نبي يومئذ آدم فمن دونه إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عنه الأرض ولا فخر، (وأفضل النّاس منزلة عند الله) أي مرتبة ومكانة، (وأعلاهم درجة) أي أرفعهم قربة، (وأقربهم زلفى) أي تقربا وأكثرهم حبا لكونه حبيب رب العالمين. (واعلم أنّ الأحاديث) جمع حديث على غير قياس (الواردة في ذلك) أي في بيان ما ذكر (كثيرة جدّا) بكسر جيم وتشديد دال منصوب منون مصدر والمراد به المبالغة في الكثرة (وقد اقتصرنا منها على صحيحها ومنتشرها) أي مشتهرها الشامل لحسنها دون ضعيفها لعدم اقتضاء الاقتصار (وَحَصَرْنَا مَعَانِيَ مَا وَرَدَ مِنْهَا فِي اثْنَيْ عشر فصلا) أي تفاؤلا باثني عشر نقيبا.
الفصل الأول [فِيمَا وَرَدَ مِنْ ذِكْرِ مَكَانَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ ﷿]
(فيما ورد بين ذكر مكانته) أي قرب منزلته (عند ربّه ﷿ والاصطفاء) أي اجتبائه في رفعة مرتبته (ورفعه الذّكر) أي بين خليقته (والتّفضيل) أي وبيان زيادة فضيلته، (وسيّادة ولد آدم) أي وسيادته لأبناء جنسه المكرم على غيره (وما خصّه) أي الله تعالى (به في الدّنيا من مزايا الرّتب) أي من الرتب الدالة على مزيته (وبركة اسمه الطّيّب) أي الدال على طيب مسماه من ذاته وصفاته (حدثنا) وفي نسخة أَخْبَرَنَا (الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحمد
[ ١ / ٣٦٥ ]
الملقب بالعدل) بفتح العين وسكون الدال التميمي مات عام إحدى وخمسمائة (إذنا بلفظه) أي بعبارته دون إشارته. (حدّثنا أبو الحسن الفرغانيّ) بفتح أوله منسوب إلى فرغانة ناحية بالمشرق قال التلمساني هو علي بن عبد الله المقري (حَدَّثَتْنَا أُمُّ الْقَاسِمِ بِنْتُ أَبِي بَكْرِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهَا، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ وَهُوَ ابْنُ عقيل) بالتصغير وقال التلمساني هو بفتح العين وكسر القاف ابن المهتدي المرادي اللؤلؤي (عَنْ يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يَحْيَى الحمّانيّ) بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم وبعد الألف نون ثم ياء نسبة حافظ كوفي روى عن شريك وخلق وعنه أبو حاتم وابن أبي الدنيا والبغوي وطائفة وثقه يحيى بن معين وغيره وأما أحمد فقد كان يكذب جهارا وقال النسائي ضعيف كذا ذكره الحلبي وغايته أن الحديث بهذا الإسناد ضعيف لكن يتقوى بما رواه الطبراني والبيهقي كما نقله الدلجي فلا يضر قول الحلبي هذا الحديث ليس في الكتب الستة، (حدّثنا قيس) قال الحلبي الظاهر أنه أبو محمد قيس بن الربيع الكوفي روى عنه أبو نعيم وغيره اختلف في توثيقه (عن الأعمش) هو إمام جليل (عن عباية) بفتح مهملة فموحدة فألف بعدها تحتية وقيل بهمزة فهاء وأصله لباس فيه خطوط سود (ابن ربعيّ) بكسر راء وسكون موحدة فمهملة بعدها ياء نسبة روي عن علي وعنه موسى بن طريف وكلاهما من غلاة الشيعة له عن علي أناقيم الناس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «إنّ الله تعالى قسّم الخلق) أي من الثقلين (قسمين) بكسر أوله أي شقيا وسعيدا لا فاضلا وأفضل كما ذكره الدلجي مقدما على ما اخترناه (فجعلني من خيرهم قسما) أي من قسم السادة التي هم أرباب السعادة كما يدل عليه قوله. (فذلك) أي جعلهم قسمين يؤذن به (قوله تعالى أَصْحابُ الْيَمِينِ) أي السعادة في أنواع من النعيم المقيم (وَأَصْحابُ الشِّمالِ) أي الشقاوة في أصناف من عذاب الجحيم فقيل سموا بهما لأخذهم كتبهم بأيمانهم أو لأنهم أصحاب اليمين والمشأمة على أنفسهم (فَأَنَا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَنَا خَيْرُ أَصْحَابِ اليمين) وقد أغرب الدلجي حيث قال بعد قوله فجعلني من خيرهم قسما وهم العرب بشهادة فذلك قوله تعالى وَأَصْحابُ الْيَمِينِ (ثمّ جعل) أي الله ﷾ (القسمين) أي المذكورين في اثناء السورة المراد بهما أصحاب اليمين وأصحاب الشمال (أثلاثا) أي ثلاثة أصناف في آخر السورة بجعل القسم الأول الذين هم أرباب السعادة صنفين كما سيأتي لا أثلاثا متفاوتين شقاوة وسعادة كما ذكره الدلجي إذ لم يذكر تفاوت ارباب الشقاوة في هذه السورة أصلا وإن كانوا متفاوتين في الدركات كما أن أهل الجنة متفاوتون في الدرجات (فجعلني في خيرها ثلثا) وهم المقربون (وذلك) أي جعلهما أثلاثا يؤذن به (قوله تعالى فأصحاب الميمنة) أي المنزلة السعيدة (وأصحاب المشأمة) أي المنزلة الشقية (والسّابقون السّابقون) أي في مرتبة القربة العلية. (فَأَنَا مِنَ السَّابِقِينَ وَأَنَا خَيْرُ السَّابِقِينَ ثُمَّ جعل الأثلاث قبائل) أي من العرب وغيرهم (فجعلني من خيرها قبيلة) وهم العرب وأبعد الأنطاكي حيث قال هم قريش (وذلك) أي جعلها قبائل يشير إليه (قوله) أي بعد
[ ١ / ٣٦٦ ]
قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى (وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا) جمع شعب بالفتح لا بالكسر كما توهم بعضهم فإنه طريق بين الجبلين وأما بالفتح فما تتشعب منه القبيلة (وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا [الحجرات: ١٣]) الآية) تمامها إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ ثم الشعب جمع عظيم ينسب إلى أصل واحد وهو يجمع القبائل (فَأَنَا أَتْقَى وَلَدِ آدَمَ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ ولا فخر) أي ولا أقوله افتخارا به بل تحدثا بنعمة الله لأمره أو ولا فخر لي بذلك لأنه ليس من قبلي ولا بقوتي وحولي بل من فضل الله وتوفيقه من أجلي أو ولا فخر لي بهذا المقام بل افتخاري بقرب ربي الذي هو غاية المرام، (ثمّ جعل القبائل) أي قبائل العرب (بيوتا) أي بطونا وأفخاذا وفصائل متفاوتة في الشرف والفضائل من قريش وغيرهم (فجعلني من خيرها بيتا) وهو بيت بني هاشم من بطن قريش (فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ) أي وسخ والشرك ودنس المعصية (أَهْلَ الْبَيْتِ [الأحزاب: ٣٣]) نصبه على المدح أو النداء وهذا معنى ثالث لأهل البيت على ما قرر في محله (وَيُطَهِّرَكُمْ) أي من الأخلاق الدنية (تَطْهِيرًا) أي مبالغا بحيث يسرع في تبديلها بتنوير الأمور الدينية المشتملة على الأحوال الدنيوية والأخروية (الآية) كذا في بعض النسخ وهو ليس في محله لأنه آخر الآية وما بعدها ليس له تعلق بما قبلها فمحله اللائق به بعد قوله أهل البيت كما في نسخة صحيحة وأما تخصيص الشيعة أهل البيت بفاطمة وعلي وابنيهما بحديث إدخالهم في كسائه ثم قراءتهم هذه الآية واحتجاجهم بها على عصمتهم وكون إجماعهم حجة فضعيف لمنافاة التخصيص ما قبل الآية وما بعدها نعم الحديث قاض بأنهم اهل البيت وخواصهم لا بأنه ليس غيرهم منهم؛ (وعن أبي سلمة) أي ابن عبد الرحمن بن عوف أحد الفقهاء السبعة عند الأكثر (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) كما رواه الترمذي وصححه. (قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى وَجَبَتْ لك النّبوّة) أي في أي زمان ثبتت مرتبة النبوة (قال وآدم بين الرّوح والجسد) جملة حالية وردت جوابا لقولهم متى وجبت أي وجبت لي في الحالة التي كان آدم فيها بين تصوير جسمه وبين إجراء روحه في بدنه وفي الحديث إيماء إلى ان الغايات والكمالات سابقة شهودا لاحقة وجودا هذا وفي حديث أحمد إني عند الله مكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته (وعن واثلة) بالمثلثة (ابن الأسقع) وكان من أصحاب الصفة اسلم ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يتجهز لغزوة تبوك وخدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاث سنين توفي بدمشق وله مائة سنة وقد روى مسلم وغيره عَنْهُ (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إبراهيم إسماعيل) كذا في النسخ المصححة ووقع في اصل الدلجي زيادة أن الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم واصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل الحديث وقال إنما أعاده هنا لزيادة صدره (واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة) بكسر الكاف (وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁) أي الذي رواه الترمذي وصدره أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا
[ ١ / ٣٦٧ ]
بُعِثُوا وَأَنَا قَائِدُهُمْ إِذَا وَفَدُوا وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا أَنْصَتُوا وَأَنَا شَفِيعُهُمْ إِذَا حُبِسُوا وَأَنَا مبشرهم إذا آيسوا الكرامة والمفاتيح بيدي ولواء الحمد يومئذ بيدي (أَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي وَلَا فخر) زاد الدارمي يطوف على ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور (وفي حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنه) أي الذي رواه الترمذي والدارمي وصدره جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فسمعهم يتذاكرون قال بعضهم إن الله اتخذ إبراهيم خليلا وقال آخر إن الله كلم موسى تكليما وقال آخر عيسى كلمة الله وقال آخر آدم اصطفاه الله فخرج عليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال قد سمعت كلامكم وعجبكم أن إبراهيم خليل الله وَهُوَ كَذَلِكَ وَمُوسَى نَجِيُّ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ وعيسى روح الله وكلمته وهو كذلك وآدم اصطفاه اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ القيامة تحته آدم فمن دونه وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ يوم القيامة وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حِلَقَ الجنة فيدخلنيها ومعي فقراء المهاجرين ولا فخر (أنا أكرم الأوّلين والآخرين) أي على الله كما في رواية (ولا فخر. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها عنه ﵊) كما رواه البيهقي وأبو نعيم والطبراني (أتاني جبريل ﵇ فقال قلّبت) بتخفيف اللام وتشديدها وهو أبلغ أي فتشت وتفحصت وقيل نظرت ورأيت (مشارق الأرض ومغاربها) أي بجميع أطرافها وجوانبها (فلم أر رجلا أفضل من محمّد) عدل إلى الغيبة مصرحا باسمه الشريف المفيد للمبالغة الدالة على كثرة صفاته الحميدة وسماته السعيدة (ولم أر بني أب) أي أهل بيت (أَفْضَلَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ الله تعالى عنه) كما في الصحيح (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أتي بالبراق) أي جيء به وسبق بيان مبناه ومعناه (ليلة أسري به) بصيغة المجهول (فاستصعب) أي البراق (عليه) أي عند إرادة ركوبه (فقال له جبريل أبمحمّد تفعل هذا) فيه إيماء إلى أن هذا كان دأبه لغيره كما يشير إليه تقديم المتعلق على فعله والهمزة لإنكار استصعابه كما علله بقوله (فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ فارفضّ عرقا) بتشديد الضاد المعجمة أي سال عرقه من شدة ما اعتراه من الهيبة والحياء. (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْهُ ﵊) كما رواه ابن أبي عمر العدني (لمّا خلق الله آدم اهبطني) أي من الجنة حال كوني (في صلبه) بضم أوله وقدم التلمساني فتحه (إلى الأرض) يعني وهكذا ينقلني من صلب كريم إلى رحم طاهر بعده (وَجَعَلَنِي فِي صُلْبِ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ وَقَذَفَ بي) أي القاني (في النّار في صلب إبراهيم) أي حين القاه نمرود فيها وقد وقع في أصل الدلجي حتى مكان الواو العاطفة في وجعلني وقذف وهو مخالف للأصول المعتمدة والنسخ المصححة (ثمّ لم يزل ينقلني) أي يحولني (في الأصلاب الكريمة) كذا في النسخ بلفظ في ولعله بمعنى من الملائم لقوله (إلى الأرحام الطّاهرة) جمع رحم وهو هنا مقر الولد من المرأة كما أن الصلب مقر المني من الرجل (ثم) وفي نسخة صحيحة حتى (أخرجني) أي أظهرني (بين أبويّ) أي فيما بينهما لقوله تعالى
[ ١ / ٣٦٨ ]
يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (لم يلتقيا) أي لم يجتمعا في جماع (على سفاح) بكسر السين أي على حال غير نكاح (قطّ) أي لاحين شهودي ولا قبل وجودي (وإلى هذا) أي هذا المعنى وهو نفي السفاح في المبنى (أَشَارَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁) وفي أصل التلمساني عمه من العمومة وهو بدل من العباس (بقوله) أي فيه كما في نسخة أي في حقه وفي أخرى فيه بقوله (من قبلها) أي قبل الدنيا أو الولادة من غير ذكر لها كما في قوله تعالى حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ الشمس كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ أي الأرض إِنَّا أَنْزَلْناهُ أي القرآن وأما رجع الضمير إلى النبوة كما ذكره الدلجي وغيره فغير مناسب لمقام المرام نعم لو وضع الرسالة موضعها لوقع في الجملة موقعها وقيل من قبل نزولك الأرض (طبت في الظّلال) أي في ظلال الجنة قال التلمساني ثبت بخط القاضي الظلال وروى العرفي طبت في الجنان (وفي مستودع) بفتح الدال كما في قوله تعالى فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ أي طبت في مستودع من صلب آدم بقوله (حيث يخصف الورق) بصيغة المجهول وهو مستفاد من قوله تعالى وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ والمعنى يضم بعضه إلى بعض ويلصق ورقة فوق آخرى (ثمّ هبطت البلاد) أي من الجنة إلى الدنيا في صلب آدم (لَا بَشَرٌ أَنْتَ وَلَا مُضْغَةٌ وَلَا عَلَقُ) أي والحال أنك لم تكن حينئذ واحدا منها والمضغة قطعة قدر ما يمضغ في الفم والعلق اسم جنس مفرده علقة وهي قطعة لحم من دم جامد ورتب بينها في التنزيل للترقي وهنا للتدلي ولذا قال (بل نطفة تركب السّفين) أي بل نزلت وأنت في صلبه نطفة ثم صرت إلى نوع حال كونك تركب السفينة وإنما أتى بلفظ الجمع لكبره أو هو اسم جنس وإن صرح صاحب الصحاح بأنه جمع لما فيه من المسامحة أو لعدم الفرق بينهما عند بعض أهل اللغة وقيل جمع التعظيم أو لضرورة الوزن وأما ما روي حجة بدل نطفة فلا يلائم مقام المرام ثم قد للتحقيق في قوله (وقد ألجم نسرا وأهله الغرق) بفتحتين أي منعهم من الكلام وظهور المرام وهو مأخوذ من اللجام وفي قوله نسرا إشارة إلى قوله تعالى حكاية عن قوم نوح وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وقد روي أنه كان لآدم ﵇ بنون خمسة يسمون بهذه الأسماء وكانوا عبادا فماتوا فحزن أهل عصرهم فصور لهم إبليس اللعين مثالهم من صفر ونحاس ليستأنسوا بهم فكرهوها في القبلة فجعلوها في مؤخر المسجد فلما هلك العصر قال اللعين لأولادهم هذه آلهة آبائكم فاعبدوها ثم إن الطوفان دفنها فأخرجها اللعين للعرب فكان ود لكلب بدومة الجندل وسواع لهذيل بساحل البحر ويغوث لغطيف من مراد ويعوق لهمدان ونسر لذي الكلاع من حمير ثم أحدثوا للأصنام اسماء أخر (تنقل من صالب إلى رحم) بصيغة المفعول وصالب بكسر اللام وفتحها لغة في الصلب بالضم إلا أنه قليل الاستعمال كما قاله ابن الأثير (إذا مضى عالم بدا طبق) العالم بفتح اللام والمعنى إذا ذهب قرن ظهر قرن وقيل للقرن طبق لأنه طبق الأرض بكسر الطاء أي مائها ثم ينقرضون ويأتي طبق آخر ومنه طبقات المشايخ وغيرهم وقد قيل الطبق
[ ١ / ٣٦٩ ]
الجماعة من الناس ويرجع معناه إلى الأول فتأمل وزيد في بعض النسخ أبيات أخر ويدل على صحة وجودها كلام بعض المحشيين في بيان الفاظ ورودها وهو قوله (ثمّ احتوى) أي اجتمع وانضم وفي أصل الدلجي حتى احتوى فهي غاية لما دل عليه البيت قبله أي منقلا من صلب إلى رحم قرنا فقرنا إلى أن احتوى (بيتك المهيمن) أي الشاهد (من خندف) بكسر الخاء المعجمة وسكون النون وكسر الدال المهملة وقد تفتح بعدها فاء وهو في الأصل مشية كالهرولة والمراد به امرأة الياس بن مضر سميت بها القبيلة واسمها ليلى وهي القضاعية أم عرب الحجاز فهو غير منصرف قوله (علياء) بفتح العين ممدودة منصوبة أي منزلة علياء مفعول احتوى (تحتها) وفي نسخة دونها (النّطق) بضم النون والطاء جمع نطاق قال ابن الأثير وهي أعراض من جبال بعضها فوق بعض أي نواح وأوساط فيها شبهت بالنطق التي يشد بها أوساط الناس ضربه مثلا له في ارتفاعه وتوسطه في عشيرته وجعلهم تحته بمنزلة أوساط الجبال وأراد ببيته شرفه في عشيرته أو نفسه في حد ذاته والمهيمن نعته أي حتى احتوى شرفك الشاهد على فضلك أعلى مكان من نسب خندف فإن أصل النطق هو الجبل الاشم إذ السحاب لا يبلغ اعلاه وقال القشيري وغيره أيها المهيمن على أن النداء لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والله أعلم ثم قيل في الياس أنه موافق اسم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وصحح السهيلي أنه اليأس الذي هو ضد الرجاء وأما الياس فجد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفيه يقول لا تسبوا الياس فإنه كان مؤمنا وذكر أنه كان يسمع في صلبه تلبية النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالحج وهو أول من أهدى البدن إلى البيت (وأنت لمّا ولدت أشرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق) وفي نسخة صحيحة وضاءت أي أضاءت وهما لغتان ومنه الضوء أي استنارت بنورك نواحيها (فنحن في ذلك الضياء وفي النّور وسبل الرّشاد نخترق) بسكون موحدة السبل لغة في ضمها جمع السبيل وهو مجرور عطف على ما قبله وقوله تخترق بفتح نون فسكون خاء معجمة أي ندخل ونقتحم وقال التلمساني أي وسبل الرشاد نخترقها بمعنى نقطعها فالسبل منصوب والأبيات عن العباس رضي الله تعالى عنه رواه أبو بكر الشافعي والطبراني عن خريم بن أوس بن حارثة وذكر هذه الأبيات في الغيلانيات بسنده إلى خريم بضم الخاء المعجمة وفتح الراء قال هاجرت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقدمت عليه منصرفه من تبوك فأسلمت فسمعت العباس يقول يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قل لا يفضض الله فاك قال فأنشد العباس يقول فذكرها سبعة أبيات آخرها نخترق وكذا قال ابن عبد البر في استيعابه في خريم وذكر ابن إمام الجوزية في كتاب هدي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في غزوة تبوك نحوه وزاد بعضهم بيتا آخر وجد بخط علي أبي الغساني وهو:
يَا بَرْدَ نَارِ الْخَلِيلِ يَا سَبَبًا لِعِصْمَةِ النّار وهي تحترق
[ ١ / ٣٧٠ ]
أي تحرق (وروى عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أبو ذرّ) كما رواه أحمد والبيهقي والبزار وكان خامسا في الإسلام روى عنه ابن عباس رضي الله تعالى عنه وعبادة بن الصامت وخلق توفي بالربذة (وابن عمر) كما رواه الطبراني وأبو نعيم (وابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما) كما رواه أحمد وابن أبي شيبة والبزار (وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه) كما أخرجه الشيخان (وجابر بن عبد الله) كما رواه الشيخان والنسائي (أنّه) أي النبي ﵊ (قال أعطيت خمسا) أي خمس خصال (وفي بعضها ستّا) رواه مسلم عن أبي هريرة فضلت على الأنبياء بست فكأنه صلى الله تعالى عليه وسلم أعطي أولا خمسا فحدث بها ثم زيد السادسة فحدث بها مع أنه لا يلزم استيفاؤها حيث ما بينها بل قد يكتفي بالحالة اللائقة ببعضها لا سيما والعدد لا مفهوم له حتى عند القائل به (لم يعطهنّ نبيّ قبلي) وفي رواية جابر لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي (نصرت بالرّعب) بسكون العين وضمها أي الفزع والخوف بإلقاء الله تعالى إياه في قلوب عداه ممن كانت المسافة بينه وبينهم (مسيرة شهر) أي قدر سير في شهر وفي رواية شهر أمامي وشهر خلفي، (وجعلت لي) أي لأجلي أصالة ولأمتي تبعا (الأرض) أي جميع وجهها ولا وجه لقول التلمساني كلها أو مكة وحولها أو ما رأته أمته (مسجدا وطهورا) حيث لا يختص جواز الصلاة بمكان دون مكان لا متى بخلاف غيرنا فإنه لا صلاة لهم إلا في كنائسهم وبيعهم كما بينه بقوله (فأيّما رجل من أمّتي أدركته الصّلاة) أي بعد دخول وقتها (فليصلّ) أي في ذلك المكان إما بطهارة أصلية إن وجد الماء وإما بطهارة خلفية من التراب إن لم يجد الماء كما فهم من قوله طهورا فالتفريع مترتب عليهما وفي بعض النسخ بالواو وفي رواية وأظنه مصحفا فأينما وما مزيدة فيهما (وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ) بصيغة المجهول وفي نسخة بصيغة المعلوم (لنبيّ قبلي) أي فضلا عن أمة له بل كانوا يجمعونها في موضع فتنزل نار من السماء فتحرقها (وبعثت إلى النّاس) أي الإنس والجن ولعل اقتصاره إيماء إلى الاكتفاء ثم المراد بالناس مؤمنهم وكافرهم ولذا قال (كافّة) وفي رواية كافة عامة وفي رواية جابر قبله وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وفي رواية مسلم وبعثت إلى الخلق كافة فلا يرد أن نوحا ﵊ بعد خروجه من الفلك كان مبعوثا إلى جميع أهل الأرض لأن هذا العموم في رسالته لم يكن في أصل البعثة وإنما وقع لأجل حدوث الحادثة وهي انحصار الخلق في الموجودين معه بخلاف نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم في عموم رسالته في أصل بعثته وشمول دعوته (وأعطيت الشّفاعة) وفي رواية عد هذا رابعا واللام فيها للعهد إذ المراد بها الشفاعة العظمى في المقام المحمود وله صلى الله تعالى عليه وسلم شفاعات أخر يحتمل اختصاص بعضها به منها في جماعة يدخلون الجنة بغير حساب ومنها في أناس استحقوا دخول النار فلا يدخلونها ومنها في أناس دخلوا النار فيخرجون منها ومنها في رفع درجات أناس في الجنة ومنها شفاعته لمن مات بالمدينة ومنها شفاعته لمن صبر على لأوائها ومنها شفاعته لفتح باب الجنة كما رواه مسلم ومنها شفاعته
[ ١ / ٣٧١ ]
لمن زار ﵊ لما روى ابن خزيمة في صحيحه عن ابن عمر مرفوعا من زار قبري وجبت له شفاعتي ومنها شفاعته لمن أجاب المؤذن وصلى عليه صلى الله تعالى عليه وسلم لما في الصحيحين من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم حلت له شفاعتي ومنها تخفيف العذاب عمن استحق الخلود فيها كما في حق أبي طالب لقوله ولعل تنفعه شفاعتي ولقوله ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار قال القرطبي في تذكرته في الجواب عن الآية ما نصه فإن قيل فقد قال الله تعالى فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ قيل له لا تنفع في الخروج من النار كعصاة الموحدين الذين يخرجون من النار ويدخلون الجنة وقال الحلبي إنها شفاعة بالحال لا بالمقال فبسببه صلى الله تعالى عليه وسلم يخفف عن أبي طالب أي لا أنه يطلبها وهو لا يخلو عن الاحتمال فلا يكفي لدفع الاشكال بخلاف ما سبق من جواب السؤال والله تعالى أعلم بالأحوال. (وفي رواية أخرى) أي عن أبي ذر (بدل هذه الكلمة) وهي قوله أعطيت الشفاعة (وقيل لي سل تعطه) بصيغة المفعول فهاء السكت وفي نسخة بالضمير (وفي رواية أخرى) أي للبزار والبيهقي رحمهما الله تعالى (وعرض عليّ أمّتي فلم يخف) أي لم يكتم (عليّ التّابع من المتبوع) أي في الخير والشر وقيل المراد بالتابع الوضيع الذي يقتدى بغيره وبالمتبوع الشريف الذي يقتدى به ويرجع إلى قوله (وفي رواية) أي عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه (بعثت إلى الأحمر والأسود) وظاهره عموم الخلق كما ذهب إليه بعضهم وقال بعثت حتى إلى الحجر والمدر والشجر وجميع الكائنات كما بينته في بعض المقامات. (قيل السّود) وهو جمع الأسود (العرب لأنّ الغالب على ألوانهم الأدمة) بضم الهمزة أي السمرة الشديدة (فهم من السّود) أي في الجملة. (والحمر) بضم فسكون جمع الأحمر (العجم) أي لأن الغالب على ألوانهم الشقرة مع البياض وكأنه أراد بالعجم الفرس ومن يشاركهم في هذا المعنى من الترك بناء على الإطلاق العرفي وأما العجم المقابل للعرب بحسب الوضع اللغوي فلا يلائم المقام لدخول الهنود والسنود والحبوش والسودان وغيرهم معهم (وقيل البيض والسّود من الأمم) أي على الوجه الأعم وهو في إفادة التعميم أتم، (وقيل الحمر الإنس) أي لنورهم وظهورهم. (والسّود الجنّ) لاجتنانهم وتسترهم. (وفي الحديث الآخر عن أبي هريرة ﵁) كما رواه الشيخان (نصرت بالرّعب وأوتيت جوامع الكلم) أي القرآن العظيم والفرقان الحكيم أو الأحاديث الجامعة والكلمات اللامعة التي مبانيها يسيرة ومعانيها كثيرة ويؤيده ما رواه أبو يعلى في مسنده عن عمر ولفظه أعطيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا (وبينا) أي بين أوقات (أنا نائم) أي في بعضها (إذ جيء بمفاتيح خزائن الأرض) جمع مفتاح وأما مفاتح بدون الياء فجمع مفتح بمعنى مخزن (فوضعت في يديّ) بفتح الدال وتشديد التحتية كذا ضبطه الحفاظ ولعل في اختيار التثنية إشعارا بكسرة المفاتيح والمراد بها ما فتح الله على أمته من الكنوز الحسية والمعنوية لحديث أوتيت مفاتيح الكلم وفي رواية مفاتح الكلم وفي سيرة الكلاعي أن رستم من الأرامنة أمير جيش يزدجرد رأى في منامه وقد
[ ١ / ٣٧٢ ]
جاءهم سعد بن أبي وقاص من قبل عمر لفتح بلادهم أن ملكا نزل من السماء فأخذ جميع اسلحتهم وأعطاها للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأعطاها لعمر فكان الفتح والغنيمة والنصر الذي يكاد يفوت الحصر في عصر عمر. (وفي رواية) أي رواها مسلم (عنه) أي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (وختم بي النّبيّون) هذا وقد روى أحمد في مسنده عن علي كرم الله وجهه مرفوعا أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب وأعطيت مفاتيح الأرض وسميت أحمد وجعل لي التراب طهورا وجعلت أمتي خير الأمم ثم اعلم أن له خصوصيات أخر كإعطاء الآيات من خواتيم سورة البقرة والمفصل من القرآن وجعل صفوف أمته كصفوف الملائكة وغير ذلك مما يحتاج إلى تأليف مستقل لبيان تفصيل ما هنالك (وعن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه) صحابي جهني مضري (أنّه قال ﵊) كما رواه الشيخان (إنّي فرط لكم) وأما ما وقع في أصل الدلجي من قوله أنا فرطكم فليس في الأصول المعتمدة والنسخ المعتبرة والمعنى أنا متقدمكم وفرط صدق لكم وأصل الفرط الذي يتقدم لطلب الماء بالحبل والرشاء وأسباب ضرب الخباء (وأنا شهيد عليكم) أي بالثناء الجميل والوفاء الجزيل (وإنّي والله لأنظر إلى حوضي) أي وإلى من يشرب منه ومن يذب عنه في الموقف والمحشر (الآن) أي في هذا الحاضر من الزمان (وإنّي قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض) بمعنى عرضت علي فلم اقبلها لعدم الالتفات إلى الدنيا والتوجه الكلي إلى الآخرة والإقبال القلبي إلى المولى والعلم بأن الآخرة خير من الأولى وبأن الجمع بينهما على وجه الكمال من جملة المحال كما بينه حديث من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخر اضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى كما رواه أحمد والحاكم عن أبي موسى ويؤيد ما قررناه من المراد بمفاتيح الأرض هنا بخلاف ما سبق من أن المراد بها ما يسره الله عليه وعلى أمته من فتح البلاد واتساع العباد مع أنه لا يبعد أيضا عن المراد قوله (وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بعدي) أي جميعكم (ولكنّي أخاف) أي عليكم كما في نسخة صحيحة (تنافسوا) بفتح أوله على أنه حذف إحدى التاءين منه أي ترغبوا (فيها) أي في الدنيا الدنية الخسيسة كما يرغب في الأشياء الغالية العالية النفيسة فهو مأخوذ من ميل النفس إلى النفيس ومنه قوله تعالى وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ ومنه اقتباس إمامنا الشاطبي رحمه الله تعالى بقوله:
عليك بها ما عشت فيها منافسا وبع نفسك الدنيا بأنفاسها العلى
وأغرب الحلبي كغيره في رجع ضمير فيها إلى خزائن الأرض نعم ذكر المفاتيح سابقا يدل على كون الضمير للدنيا لاحقا نحو قوله وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ لدلالة الناس أو الدابة على الأرض مع أن قرينة المقام كافية في تعيين المرام (وعن عبد الله بن عمر) بالواو وفي نسخة بتركها وقد رواه أحمد بسند حسن (أن رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَنَا مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ) أي المنسوب إلى أم القرى وهي مكة أو إلى
[ ١ / ٣٧٣ ]
أمة العرب لكون غالبهم أميين لا يقرؤون ولا يكتبون أو المضاف إلى الأم بمعنى أني على أصل ولادتي وجبلتي من غير قراءتي وكتابتي وذلك شرف له وعيب في غيره وهذا المعنى هو الأولى بالمدعي كما أفاد صاحب البردة هذه الزبدة بقوله:
كفاك بالعلم في الأمي معجزة وقد قال تعالى ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (لا نبيّ بعدي) أي وإن وجد أحد يكون تابعا لي (أوتيت جوامع الكلم) أي مع كوني أميا (وخواتمه) قيل هو وجوامع بمعنى أي ختم علي بأن أجمع المعنى الكثير في المبنى اليسير أو المراد بخواتمه أنه لا يكون بعد وجود ختمه احتياج إلى غيره وهو المناسب لكونه خاتم النبيين (وقد علّمت) بضم عين وتشديد لام مكسورة ويجوز تخفيفها مع فتح أوله كما قال تعالى وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
(خزنة النّار) أي الملائكة الموكلين عليها وكبيرهم يسمى مالكا مشتق من الملك وهو القوة (وحملة العرش) أي من الملائكة فهم اليوم أربعة ويكونون يومئذ ثمانة كما أخبر الله عنهم لكن على خلاف في تمييز العددين من الصفوف أو الألوف أو الصنوف. (وعن ابن عمر) كما روى أحمد بسند حسن (بعثت بين يدي السّاعة) أي قدامها وقريبا من وقوعها كما رواه أحمد والشيخان والترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه بعثت أنا والساعة كهاتين (ومن رواية ابن وهب) هو عبد الله بن وهب المصري أحد الأعلام عن ابن جريج وعنه أحمد وغيره قال يونس بن عبد العلي طلب للقضاء فجنن نفسه وانقطع أخرج له الأئمة الستة (أنّه صلى الله تعالى عليه وسلم قال) أي على ما رواه البيهقي من حديث اسماء في الإسراء حيث أتى سدرة المنتهى (قال الله تعالى سل يا محمّد) أي ما شئت (فقلت ما أسأل يا ربّ) أي من المقامات العالية حيث أعطيت جميعها للأنبياء الماضية كما بينه بقوله (اتّخذت إبراهيم خليلا) أي بقولك وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا (وكلّمت موسى تكليما) كما قلت وكلم الله موسى تكليما، (واصطفيت نوحا) كما قلت إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا، (وأعطيت سليمان ملكا لا ينبغي) أي لا يكون (لأحد من بعده) حيث بينته بقوله فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ الآية. (فقال الله تعالى ما أعطيتك) أي الذي أعطيتكه (خير من ذلك) أي كله، (أعطيتك الكوثر) فوعل من الكثرة ومعناه الخير الكثير وفي النهاية هو نهر في الجنة وجاء في التفسير أنه القرآن ولعل هذا هو المراد في هذا المقام ويشير إليه قوله ﷾ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا
وفيه إشارة إلى مزية العلم والمعرفة على كل مقام وحال ومرتبة قال ابن عرفة انظر في قوله تعالى إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ أهو إنشاء أم خبر فإن قيل الإنشاء هنا مستحيل لأن كلام الله تعالى قديم أزلي فالجواب أنه باعتبار ظهور متعلقه فإن قلت في تعلقه خلاف هل هو قديم أو حادث قلنا التعلق التنجيزي حادث وأما التعلق الصلوحي فيصح هنا
[ ١ / ٣٧٤ ]
كذا ذكره التلمساني (وجعلت اسمك مع اسمي) أي مقرونا به في كلمة الشهادة (ينادى به) بصيغة المفعول (في جوف السّماء) أي وقت الأذان والخطبة أو فيما بين أهل السماء (وجعلت الأرض طهورا) أي حكيما (لك ولأمّتك) أي خاصة (وَغَفَرْتُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تأخّر) أي جميع ما فرط وما يفرط منك مما يصح أن يعاتب عليك (فأنت تمشي في النّاس) وفي نسخ بالناس وفي أخرى بين الناس (مغفورا لك) حال من ضمير تمشي، (ولم أصنع ذلك) أي غفران ما تقدم وما تأخر ذكره الدلجي والأظهر إن الإشارة إلى جميع ما تقدم والله تعالى أعلم وحينئذ لا إشكال في قوله (لأحد قبلك) بخلاف ما اختاره ودفعه بقوله ولعله من غير الأنبياء وإلا فهم كذلك وفيه أنهم ليسوا كذلك إذ لم يعلم أنهم بشروا بغفران ما تقدم وما تأخر ويؤيده أن غفرانهم مشوب بمخافة المعاتبة بدليل حديث فيأتون نوحا فيقولون ألا تشفع لنا فيقول نفسي لست لها الحديث، (وجعلت قلوب أمّتك مصاحفها) فيه منقبة عظيمة لحفاظ القرآن من الأمة كما يشير إليه قَوْلِهِ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وتنبيه نبيه على أن الأمم السالفة غالبهم لم يكونوا يحفظون شيئا من صحفهم، (وخبّأت لك شفاعتك) أي ادخرتها عندي لليوم الموعود والمقام المحمود وهي الشفاعة العظمى لفصل القضاء حين يفزع الناس حتى الأنبياء (ولم أخبأها لنبيّ غيرك) بل أوفيت إجابة دعواتهم في الدنيا فلم يبق لهم حينئذ شفاعة شاملة في العقبى. (وفي حديث آخر، رواه حذيفة) كما في تاريخ ابن عساكر مرفوعا (بشّرني يعني ربّه) تفسير من المصنف أو ممن قبله (أوّل من يدخل الجنّة معي) أي بقرب زماني لا آني (من أمّتي) أي من الصحابة والتابعين وغيرهم (سبعون ألفا) أي أصالة (مع كلّ ألف سبعون ألفا) تبعا في العلم والعبادة (ليس عليهم حساب) فلا يكون لجميعهم عذاب ولا حجاب وروي سبعمائة ألف مع كل واحد سبعمائة ألف ذكره التلمساني.
(وأعطاني أن لا تجوع أمّتي) أي جوعا شديدا بجدب وقحط بحيث يهلك جميعهم (ولا تغلب) بصيغة المجهول أي ولن تغلب بعدو يستأصلهم أي يأخذهم من أصلهم لحديث أني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة أن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم الحديث، (وأعطاني النّصرة) أي الإعانة على الاعداء (والعزّة) أي القوة والغلبة والمنعة، (والرّعب) أي الخوف مع بعد المسافة كما بينه بقوله (يسعى بين يدي أمّتي) أي يتقدم الرعب لأعدائي قدامهم (شهرا) يعني وكذا من خلفهم شهرا لما تقدم وفيه تنبيه نبيه على أن الرعب غير مخصوص بحضرته بل يوجد من عموم أمته، (وطيّب) بفتح التحتية المشددة أي وأحل (لي ولأمّتي الغنائم) جمع غنيمة ووقع في أصل الدلجي المغانم جمع مغنم وهما قريبان في الدراية وإنما الكلام في صحة الرواية، (وأحلّ لنا) أي بخصوصنا على وجه يعمنا (كثيرا ممّا شدّد) الله تعالى (على من قبلنا) أي بتحريمه عليهم أو بتكليفه لديهم كقتل النفس في التوبة وقطع موضع النجاسة وخمسين صلاة في اليوم والليلة وصرف ربع المال في الصدقة، (وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) أي تضييق وهو تعميم بعد
[ ١ / ٣٧٥ ]
تخصيص وتنبيه على ما أباح لنا من الرخص عند الاعذار كالتيمم والقصر والإفطار كما بينه بقوله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وقد ورد في ذلك أن الله رأى صعفنا وعجزنا. (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) أي برواية الشيخين (عنه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ) من الأولى مزيدة وللتأكيد مفيدة والثانية تبعيضية مشيرة إلى المبالغة (إلّا وقد) بالواو (أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البشر) ما موصولة أو موصوفة وفي بعض الروايات الصحيحة أو من عليه البشر وكتبه بعضهم أيتمن وروى القاضي أمن من الأمان ولا يظهر له وجه في هذا الشأن والمعنى أن الله تعالى أيد كل نبي بعثه من المعجزات بما يصدق دعواه وتقوم به الحجة على من عاداه، (وإنّما كان الذي أوتيته) أي من الآيات المتلوة المشتملة على أنواع من المعجزات من الفصاحة والبلاغة في المبنى والأنباء الواقعة في الأزمنة السابقة واللاحقة في المعنى الباقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة النافعة في أمور الدنيا وأحوال الآخرة مع ما فيها من معرفة الذات والصفات الأسنى والأسماء الحسنى (وحيا) أي وحيا يتلى ومعجزة تدوم وتبقى (أوحى الله إليّ؛ فأرجو) وفي نسخة بالواو ولكن الفاء التفريعية مع إفادة التعقيبية هي الأولى والمعنى أتوقع (أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) أي لاستمرار تلك المعجزة بخلاف معجزة سائر الأنبياء حيث انقضت في حال الأحياء وإنما أراد بقوله الذي أوتيته معظم ما أعطي من المعجزات المشتملة على أنواع من الأنباء وإلا فقد أعطى معجزات كثيرة من جنس معجزات الأنبياء (ومعنى هذا) أي الحديث بجملته (عند المحقّقين بقاء معجزته) أي الخاصة به وهي الآية الكبرى والنعمة العظمى (ما بقيت الدّنيا) أي مدة بقائها، (وسائر معجزات الأنبياء) أي بقيتها (ذهبت للحين) أي حين وقوعها في حياة نبيها (ولم يشاهدها إلّا الحاضر لها) أي حال معاينتها ووقت مشاهدتها (ومعجزة القرآن) أي مبنى ومعنى باقية دون كل معجزة (يقف عليها قرن بعد قرن) أي جماعة بعد انقراض جماعة (عيانا) بكسر العين أي معاينة (لا خبرا) إذ ليس الخبر كالمعاينة كما ورد (إلى يوم القيامة) وقد وقع في أصل الدلجي يقف عليها عيانا لا خبرا قرن بعد قرن وهو مخالف للأصول المصححة، (وفيه) أي من هذا الحديث أو في هذا المعنى (كلام يطول) أي من جهة المبنى (هذا نخبته) أي خلاصته، (وقد بسطنا القول فيه) أي اطنبنا في هذا الحديث، (وفيما ذكر فيه) أي في هذا المعنى (سوى هذا) أي الكلام الذي قدمناه (آخر باب المعجزات) أي في آخره لأنه المحل الأليق به. (وعن عليّ ﵁) كما رواه ابن ماجة والترمذي وحسنه (كلّ نبيّ أعطي سبعة) قال الحجازي ويروى أربعة والظاهر أنه تصحيف أو وهم (نجباء) أي نقباء فضلاء وزيد في رواية وزراء رفقاء (وأعطي نبيّكم ﵊ أَرْبَعَةَ عَشَرَ نَجِيبًا مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ وابن مسعود وعمّار رضي الله تعالى عنهم) ولفظ الترمذي قلنا من هم قال أنا وابناي وجعفر وحمزة وأبو بكر وعمر ومصعب بن عمير وبلال وسلمان وعمار وابن مسعود ولم يذكر ابن عبد البر مصعبا وزاد تكملة لهم حذيفة وابا ذر والمقداد وقال التلمساني
[ ١ / ٣٧٦ ]
ذكر أبو نعيم عن علي مرفوعا ولفظ لم يكن نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي سبعة نقباء نجباء وزراء وأني قد أعطيت أربعة عشروهم حمزة وجعفر وعلي وحسن وحسين وأبو بكر وعمر وعبد الله بن مسعود وأبو ذر والمقداد وحذيفة وعمار وسلمان وبلال انتهى وقال ذو النون المصري رحمه الله تعالى النقباء ثلاثمائة والنجباء سبعون والأبدال أربعون والأخيار سبعة والعمدة أربعة والغوث واحد وحكى أبو بكر المطوعي عمن رأى الخضر وتكلم معه وقال له أعلم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما قبض بكت الأرض فقالت إلهي وسيدي بقيت لا يمشي على نبي إلى يوم القيامة فأوحى الله تعالى إليها أجعل على ظهرك من هذه الأمة من قلوبهم على قلوب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا أخليك منهم إلى يوم القيامة قلت له وكم هم قال ثلاثمائة وهم الأولياء وسبعون وهم النجباء وأربعون وهم الأوتاد وعشرة وهم النقباء وسبعة وهم العرفاء وثلاثة وهم المختارون وواحد وهو الغوث فإذا مات الغوث نقل من الثلاثة واحد وجعل مكان الغوث ونقل من السبعة إلى الثلاثة ومن العشرة إلى السبعة ومن الأربعين إلى العشرة ومن السبعين إلى الأربعين ومن الثلاثمائة إلى السبعين ومن سائر الخلق إلى الثلاثمائة وهكذا إلى يوم ينفخ في الصور انتهى ولا ينفخ فيه وفي الأرض من يقول الله ولا حول ولا قوة إلا بالله جعلنا الله من خواص المسلمين وحشرنا معهم يوم الدين (وقال صلى الله تعالى عليه وسلم) كما في الصحيحين (إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ) أي لما جاء به أبرهة الحبشي في جيشه لتخريب الكعبة فأهلكهم الله بطير أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل (وسلّط عليها رسوله والمؤمنين) أي أمرهم بالغلبة عليها أو أذن لهم يقتال أهلها ففتحوها سنة ثمان من الهجرة، (وإنّها لم تحلّ) وفي نسخة لا تحل وفي أخرى لن تحل والفعل يحتمل معروفا ومجهولا (لأحد بعدي) أي من بعدي كما وقع في أصل الدلجي وفيه التفات من الغيبة (وإنّما أحلّت لي ساعة من نهار) يعني فإن ترخص أحد بقتال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقولوا له كما في الحديث كذا ذكره أكثرهم إجمالا وقال أبو بكر ابن العربي في العارضة أراد بذلك دخوله بغير إحرام لأجل القتال لأنه أحلت له لأجل القتال ساعة من نهار لأن القتال فيها حلال أبدا بل واجب حتى لو تغلب فيها كفار أو بغاة وجب قتالهم فيها بالإجماع انتهى وهو الأقرب إلى قواعد مذهبنا والله تعالى أعلم (وعن العرباض) بكسر أوله (ابن سارية) وهو من أكابر الصحابة وأصحاب الصفة سلمي سكن الشام ومات بها (قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَخَاتَمُ النّبيّين) كذا في النسخ المعتبرة بالواو العاطفة ووقع في أصل الدلجي بغير واو فضبطه بالنون بمعنى لديه وهو الموافق لرواية المصابيح وقال وفي رواية أني عبد الله مكتوب خاتم النبيين ثم الخاتم تكسر تاؤه وتفتح كما قرىء بهما في السبعة (وإنّ آدم لمنجدل) أي والحال أنه لساقط (في طينته) أو مطروح على الجدالة وهي الأرض الصلبة والمراد بطينته خلقته المركبة من الماء والتربة ومنجدل خبر لأن والجار خبر ثان (وعدة أبي إبراهيم) بكسر العين وتخفيف الدال أي وعده
[ ١ / ٣٧٧ ]
بمقتضى دعائه بقوله رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ الآية ويؤيده ما في نسخة دعوة أبي إبراهيم وصدر الحديث وسأخبركم ببادىء أمري أو بادئ نبوتي وبعثتي هو عدة إبراهيم وللحاكم وغيره وسأونبئكم بتأويل ذلك هو دعوة أبي إبراهيم رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ الآية (وبشارة عيسى ابن مريم) يعنى قوله تعالى حكاية عنه وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ وزاد الحاكم ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج من رحمها نور اضاء له قصور الشام وصححه لكن تعقبه الذهبي بأن أبا بكر بن أبي مريم أحد رواة إسناده ضعيف. (وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما) كما رواه البيهقي والدارمي وابن أبي حاتم (قَالَ إِنَّ اللَّهَ فَضَّلَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم على أهل السّما) أي من الملائكة المقربين (وعلى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم) أي أجمعين (قالوا) أي أصحاب ابن عباس (فَمَا فَضْلُهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ [الأنبياء: ٢٩] الآية) أي فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (وقال لمحمّد صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح: ١] الآية) وهي لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وفيه بحث لا يخفى إذ قال تعالى له صلى الله تعالى عليه وسلم أيضا لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ مع أن القضية فرضية وتقديرية وإلا فعصمة الأنبياء والملائكة قطعية ولذا قال الكشاف هذا على سبيل التمثيل مع إحاطة علمه سبحانه وتعالة بأن لا يكون كما قال تعالى وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ انتهى فلعل مراد الخبر هو أنه صلى الله تعالى عليه وسلم مبعوث إليهم كما يفيده قوله تعالى تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا وإنذاره للملائكة قطعي بقوله وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ والله تعالى أعلم، (قَالُوا فَمَا فَضْلُهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ؟
قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤] الآية) أي ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم، (وقال لمحمد وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً) أي رسالة عامة (لِلنَّاسِ [سبأ: ٢٨]) وقد يقال المراد بالناس عمومهم الشامل للأولين والآخرين على تقدير وجودهم في المتأخرين كما يستفاد من قوله تعالى إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ وكما أشار إليه حديث لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي وكما يقع بالفعل متابعة عيسى ﵇ بعد نزوله لشريعته ويكون مفتخرا بكونه من أمته (وعن خالد بن معدان) بفتح ميم وسكون عين فدال مهملتين كلاعي شامي روى عن ابن عمر وثوبان ومعاوية رضي الله تعالى عنهم كان يسبح في اليوم والليلة أربعين ألف تسبيحة أخرج له الأئمة الستة وقد أخرج عنه ابن إسحاق ووصله أحمد والدارمي (أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا عن نفسك) أي مبدأ أمرك (وقد روي نحوه) بصيغة المجهول والواو للحال أي مثله معنى لا مبنى (عن أبي ذرّ) رضي الله
[ ١ / ٣٧٨ ]
تعالى عنه صحابي جليل (وشدّاد) بتشديد الدال الأولى (ابن أوس) بفتح فسكون وهو ابن ثابت بن المنذر بن حرام بالراء صحابي أنصاري ابن أخي حسان بن ثابت نزل بيت المقدس ومات بالشام، (وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵃ فَقَالَ) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في جواب كل منهم (نعم) أي أخبركم بأول قصتي وما ظهر من نبوتي على لسان إبراهيم وغيره (أنا دعوة أبي إبراهيم يعني قوله) أي حكاية عن إبراهيم وإسماعيل واقتصاره على الأول لأنه المعول (رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ) أي في الأمة المسلمة المذكورة في الآية الماضية (رَسُولًا مِنْهُمْ [البقرة: ١٢٩]) ولم يبعث فيها من ذريته من نسل إسماعيل غيره صلى الله تعالى عليه وسلم فهو المجاب به دعوتهما (وبشّر بي عيسى) أي بشارته حين قال لقومه وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ وفي نسخة وبشر بي عيسى بالموحدة وياء الإضافة والظاهر أنه تصحيف لمخالفة ما قبله وإن كان يلائم قوله (ورأت أمّي) وفي بعض الروايات ورؤيا أمي ولعل العدول لئلا يتوهم أن الرؤيا منامية (حين حملت بي) بالباء للتعدية وفي رواية حين وضعتني ويمكن جمعهما بالجمل على مرتين وأما تجويز الدلجي كون الرؤيا منامية فبعيد جدا من حيث استدلاله صلى الله تعالى عليه وسلم برؤيتها فإن رؤيا غير الأنبياء ليست معتمدا عليها حتى لا يعمل بمقتضاها (أنّه خرج منها نور أضاء له) أي استنار لذلك النور (قصور بصرى) بضم موحدة فسكون مهملة مقصورا مدينة بحوران (من أرض الشّام) وهي أول مدينة فتحت صلحا في خلافة عمر وذلك في شهر الربيع الأول لخمس بقين منه سنة ثلاث عشرة وقد وردها صلى الله تعالى عليه وسلم مرتين، (واسترضعت) أي كنت رضيعا (في بني سعد بن بكر) قبيلة معروفة (فبينا أنا) أي بين أوقات كنت أنا (مع أخ لي) أي رضاعا (خلف بيوتنا نرعى بهما لنا) بفتح موحدة وسكون هاء جمع بهمة ولد الضأن ذكرا كان أو أنثى وقيل ولد الضأن والمعز مجتمعة ولعله باعتبار الغلبة وإلا فولد المعز حال انفراده يسمى سخلة (إذ جاءني رجلان) أي على صورة رجلين فقيل هما جبريل وإسرافيل (عليهما ثياب بيض) تركيب توصيف، (وفي حديث آخر ثلاثة رجال) قيل ثالثهم ميكائيل أي جاؤوا (بطست) بفتح طاء وجوز كسره وضمه فسين مهملة وكذا بمعجمة على ما في القاموس فلا عبرة بمن قال إنه لغة العامة وأنه خطأ وهو إناء معروف يكون من نحاس أو صفر وأصله الطسس أبدل من إحدى السينين ثاء (من ذهب) فيه إيماء إلى ذهاب حظ الشيطان عنه بعصمة ربه وذهابه عن الأمة بسببه قال التلمساني وفيه دليل على جواز تغشية آلات الطاعة بالذهب والفضة كالمصحف وآلات الغزو انتهى والأظهر أن استعمال آنية الذهب والفضة حرام لا أعلم فيه خلافا بين علماء الأنام لكن الملائكة لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يؤمرون فلا يقاس الإنسان بالملك كما يقاس الحداد بالملك هذا وقد ذكر البغوي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هي طست ذهب من الجنة يغسل فيه قلوب الأنبياء ﵈ (مملوءة) يجوز همزه
[ ١ / ٣٧٩ ]
وإبداله مدغما ولعل التاء للمبالغة أو باعتبار كونه آنية (ثلجا) بسكون اللام وهو ماء جامد لأنه يبرد القلب وينظفه وقد روي حكمة وفسرت بالنبوة والأولى تفسيرها بإتقان العلم وإحسان العمل (فأخذاني) أو فأخذوني (فشّقا بطني) أو شقوه (قال) ووقع في أصل الدلجي وقال (فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ نَحْرِي إِلَى مراقّ بطني) بفتح الميم وتخفيف الراء وتشديد القاف لا واحد له من لفظه وميمه زائدة أي من أعلى صدري إلى مارق ولان من بطني (ثم استخرجا) أي أخرجا أو اخرجوا (منه قلبي فشقّاه) أي قلبي (فاستخرجا منه علقة) أي قطعة دم منعقدة (سوداء) يكون فيها الحسد والحقد والشهوة النفسية وسائر الأخلاق الرديئة (فطرحاها) أي رمياها بقوة وفي رواية مسلم وقالا هذه حظ الشيطان منك قال العلامة تقي الدين بن السبكي تلك العلقة خلقها الله تعالى في قلوب البشر قابلة لما يلقيه الشيطان فيها فأزيلت من قلبه صلى الله تعالى عليه وسلم فلم يكن فيه مكان قابل لأن يلقي الشيطان فيه شيئا قال فهذا معنى الحديث فلم يكن للشيطان فيه صلى الله تعالى عليه وسلم حظ قط فإن قلت لم خلق هذا القابل في هذه الذات الشريفة وكان يمكن أن لا يخلقه فيها قلت لأنه من جملة الاجزاء الانسانية فخلقه تكملة للخلق الإنساني ونزعه أمر ثان طرأ بعده انتهى ونظيره خلق الأشياء الزائدة في بدن الإنسان من القلفة وتطويل الظفر والشارب وأمثال ذلك فلله الحكمة البالغة وعلى العبد احتمال الكلفة (ثُمَّ غَسَلَا قَلْبِي وَبَطْنِي بِذَلِكَ الثَّلْجِ حَتَّى أنقياه) أي نظفاه عن تلوت تعلق العلقة قال التلمساني شق قلبه صلى الله تعالى عليه وسلم مرتين مرة في صغره عند ظئره وذلك ليذهب عنه حظ الشيطان ومرة عند الإسراء ليدخل على طهارة ظاهرة وباطنة على الرحمن قلت ومرة عند نزول القرآن في جبل حراء على ما ذكره أبو نعيم والطيالسي وغيره على ما في المواهب اللدنية وقد قيل شق صدره مرة في صباه ليصير قلبه مثل قلوب الأنبياء ومرة ليلة المعراج ليصير قلبه مثل قلوب الملائكة قلت ومرة عند نزول الوحي ليصير مثل قلوب الرسل والله تعالى أعلم. (قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ ثُمَّ تَنَاوَلْ أَحَدُهُمَا شَيْئًا فَإِذَا بِخَاتَمٍ فِي يَدِهِ مِنْ نُورٍ يحار) بفتح أوله أي يتحير (النّاظر دونه) أي عنده فلا يدري كيف يهتدي إلى معرفة كنهه (فختم به قلبي) أي لئلا يصل إليه ما لا يليق بجناب ربي (فامتلأ إيمانا وحكمة) أي إيقانا وإحسانا أو علما وفهما (ثمّ أعاده) أي رده (مكانه وأمرّ) بتشديد الراء أي أذهب (الآخر) أي منهما (يده على مفرق صدري) بفتح الميم والراء وبكسر الراء ذكره الشمني والحلبي وقال الدلجي بكسر الميم مع فتح الراء وبفتحها مع كسرها انتهى لا يخفى أن كسر الميم الموضوع للآلة غير مناسب هنا فإنه وسط الرأس حيث يفرق فيه الشعر في أصل اللغة إلا أنه استعير هنا لموضع الشق (فالتأم) بهمزة مفتوحة بعد التاء أي فاجتمع أو التحم وانتظم (وفي رواية) أي للدارمي وأبي نعيم في الدلائل (إنّ جبريل قال قلب) أي هذا قلب (وكيع أي شديد) تفسير من أحد الرواة ومعناه متين في العلم ومحكم في الفهم كما يشير إليه قوله (فيه) وفي أصل التلمساني له (عينان تبصران) أي تدركان
[ ١ / ٣٨٠ ]
للأمور العقلية (وأذنان سميعتان) وفي نسخة تسمعان أي تعيان العلوم النقلية وضمير فيه راجع إلى القلب وهو أقرب أو إلى القالب وهو أنسب (ثمّ قال) أي أحدهما (لصاحبه) أي من الملكين (زنه) بكسر الزاء أمر من الورن (بعشرة من أمّته) أي في الفهم والعقل أو في الأجر والفضل (فوزنني بهم) أي حسا أو معنى (فرجحتهم) بتخفيف الجيم أي فغلبتهم في الرجحان (ثمّ قال) أي أحدهما لصاحبه (زنه بمائة من أمّته فوزنني بهم) أي بمائة منهم (فوزنتهم) أي رجحتهم في الوزن (ثُمَّ قَالَ زِنْهُ بِأَلْفٍ مِنْ أُمَّتِهِ فَوَزَنَنِي بهم فوزنتهم ثمّ قال دعه عنك) أي استرك وزنه (فلو وزنته بأمّته) أي جميعهم (لوزنها) أي لما منح من المنح السنية ومن المنن العلية (وقال) أي النبي ﵊ (في الحديث الآخر) أي في الرواية الأخرى وهي حديث ثلاثة رجال بشهادة قوله (ثمّ ضمّوني إلى صدورهم وقبّلوا رأسي) أي إشعارا برياستي وأني رئيس أمتي (وما بين عيني) بصيغة التثنية لا غير إيماء إلى أنه قرة العينين في الكونين (ثمّ قالوا يا حبيب) أي يا محبوب لمطلق الخلق والحق ويروى فقالوا إنك حبيب الله (لم ترع) بضم ففتح فسكون من الروع أي لا تفزع وفي التعبير بالماضي مبالغة في تحققه وفي رواية لن تراع بتأكيد نفي الاستقبال (إِنَّكَ لَوْ تَدْرِي مَا يُرَادُ بِكَ مِنَ الخير) أي الذي لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (لقرّت عيناك) بفتح القاف وتشديد الراء أي لطابت نفسك وسكن قلبك أو لسررت وفرحت وأصله برد الله تعالى دمعة عينيك لأن دمع السرور بارد وقيل معناه بلغك الله تعالى أمنيتك حتى ترضى وتسكن عينك فلا تستشرف إلى غيره (وفي بقية هذا الحديث) أي حديث ثم ضموني (من قولهم) بيان للبقية (مَا أَكْرَمَكَ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ مَعَكَ) معية مكانة وقربة وحضور وجمعية لامعية مكانية واجتماعية واتصالية واتحادية على ما تقوله الطائفة الإلحادية (وملائكته) أي معك كذلك في الحفظ والحراسة والنصرة والمعونة؛ (قال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (في حديث أبي ذرّ) كما رواه الدارمي (فما هو) أي الأمر والشأن (إلّا أن ولّيا) أي أدبرا الملكان ورجعا (عنّي فكأنّما أرى الأمر) أي أمر النبوة والرسالة (معاينة؛ وحكى أبو محمّد المكّيّ وأبو اللّيث السّمرقنديّ؛ وغيرهما؛ أنّ آدم ﵇ عند معصيته) أي الصورية وهي التي خرج بسببها من الجنة (قال) كما رواه البيهقي والطبراني من حديث ابن عمر بسند ضعيف (اللهمّ بحقّ محمّد) أي المغفور من ذريتي (اغفر لي خطيئتي ويروى وتقبّل توبتي) ولا منع من الجمع (فقال له الله تعالى من أين عرفت محمّدا) أي ولا رأيته أبدا. (قال رأيت في كلّ موضع من الجنّة) أي من شرف قصورها وصدور حورها وأطراف أنهارها واتحاف أشجارها (مَكْتُوبًا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله. ويروى) أي بدلا من هذه الجملة أو زائدا بعد هذه الكلمة (محمّد عبدي ورسولي) أي المختص بي من بين عبيدي ورسلي الشامل للملائكة (فعلمت أنّه أكرم خلقك عليك) أي حيث خصصته بتشريف الإضافة إليك ولم تذكر غيره من الخلق لديك (فتاب الله عليه وغفر له) أي رجع عليه بقبول توبته وحصول
[ ١ / ٣٨١ ]
مغفرته ووصول هدايته كما قال تعالى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (وهذا) أي قوله اللهم بحق محمد لا كما توهم الدلجي أنه لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (عند قائله) أي رواية وناقله (تَأْوِيلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ [البقرة: ٣٧]) أي تلقاها من إلهامه وإعلامه وإن كان المشهور عند الجمهور إن المراد بالكلمات هي قوله رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا الآية (وفي رواية الآجري) بمد الهمزة وضم الجيم وتشديد الراء بعدها ياء نسبة قال الحلبي الظاهر أنه الإمام القدوة أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي مصنف كتاب الشريعة في السنة والأربعين وغير ذلك روى عنه أبو نعيم الحافظ وخلق وكان عالما عاملا سكن مكة ومات بها سنة ستين وثلاثمائة وفي نسخة وفي رواية أخرى بمض همزة وسكون خاء معجمة (فقال آدم) أي في جواب ما تقدم (لمّا خلقتني) أي حين خلقتني في أول وهلتي (رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه) أي في قوائمه كما في رواية (مَكْتُوبٌ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله) يعني وليس فيه ذكر رسول سواه (فعلمت أنّه) أي الشأن (لَيْسَ أَحَدٌ أَعْظَمُ قَدْرًا عِنْدَكَ مِمَّنْ جَعَلْتَ اسمه مع اسمك) أي مقرونا به في عرشك الذي هو أعظم خلقك (فأوحى الله إليه وعزّتي وجلالي) أي وعظمتي (إنّه لآخر النّبيّين من ذرّيتك) إيماء إلى أنه بمنزلة الثمرة لهذه الشجرة وأنه في مرتبة العلة الغائية في الخلقة الإنسانية وإشارة إلى أنه الغاية القصوى والمقصد الأسنى من مظاهر الأسماء الحسنى كما يدل عليه قوله (ولو لاه ما خلقتك) ويقرب منه ما روي لو لاك لما خلقت الأفلاك (قال) أي الآجري (وكان آدم يكنّى) بصيغة المجهول مخففا ومثقلا (بأبي محمّد) كما رواه البيهقي عن علي مرفوعا ووجه تخصيصه لكونه أفضل أولاده أو للتشرف باستناده، (وقيل بأبي البشر) أي عموما وفيه تنبيه أنه لم يكن يكنى بغيره من أولاده وذريته إشعارا بخصوصيته ولما تحت العموم من اندراج قضيته ولا يبعد تقدير مضاف بأن يقال كان يكنى بأبي خير البشر فاقتصر فتدبر (وروي عن سريج بن يونس) أي ابن إبراهيم الحارث البغدادي العابد القدوة أحد ائمة الحديث روى عنه مسلم والبغوي وأبو حاتم وهو بضم مهملة وفتح راء وسكون تحتية فجيم وأما ضبطه بالشين المعجمة في نسخة فتصحيف وكذا بالحاء المهملة (أنّه قال إنّ لله ملائكة سيّاحين) بتشديد التحتية أي سيارين على وجه الأرض للعبادة (عيادتها) بالتحتية أي زيارة تلك الجماعة من الملائكة السياحة وتفقدها من عاد يعود إذا زار ورجع للزيارة وفي نسخة بالموحدة ولا يخفى مزية العبادة على العادة بالتعمية المخفية (على كلّ دار) وفي نسخة على دار أي واقعة للمحافظة على كل دار (فيها أحمد أو محمّد) أي مسمى بأحدهما وفي نسخة عبادتها كل دار واقتصر عليها الشمني حيث قال عبادة بالباء الموحدة مبتدأ خبره كل دار على حذف مضاف أي حفظ أهل كل دار أو إعانة أهل كل دار (إكراما منهم لمحمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) حيث عظموا دارا فيها سميه، (وروى ابن قانع القاضي) بالقاف وكسر النون فمهملة هو ابن مرزوق واسمه عبد الباقي صاحب معجم الصحابة وكتاب اليوم والليلة
[ ١ / ٣٨٢ ]
وتاريخ الوفيات من أول سنة الهجرة فروى في معجم الصحابة له وكذا رواه الطبراني (عن أبي الحمراء) بفتح حاء مهملة فسكون ميم فراء ممدودة قال الحجازي هو مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم واسمه بلال بن الحارث وقال اليمني هو اسم لصحابيين أحدهما مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أخرج هذا الحديث ابن ماجة عنه والآخر مولى أبي عفراء ولا يعلم له رواية وقال الحلبي كان ينبغي للقاضي أن يذكر بقية هذا السند من ابن قانع إلى أبي الحمراء حتى نعرفهم ونعرف من أبو الحمراء فإن أبا الحمراء في الصحابة اثنان أحدهما مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اسمه هلال بن الحارث بن ظفر أخرج حديثه ابن ماجة في التجارات أعني غير هذا الحديث المذكور في الأصل وأما هذا فليس له شيء في السنة والله تعالى أعلم روى عنه أبو داود والأعمش وغيره قال ابن معين كان بحمص وقال البخاري يقال ليس له صحبة ولا يصح حديثه انتهى وأما الثاني فيقال مولى الحارث بن رفاعة شهد بدرا واحدا ولا أعلم له رواية وإن كان أبو الحمراء من التابعين أو من بعدهم فلا أعلم فيهم أحدا يقال له أبو الحمراء وقد وقفت على الحديث المذكور لكن من رواية أنس وقد قال الذهبي فيه شيء تراه (قال قال رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ إِذَا عَلَى الْعَرْشِ مَكْتُوبٌ لَا إِلَهَ إِلَّا الله محمّد رسول الله أيّدته) أي قويته (بعليّ) أي لغاية قوته وعلو همته فال الدلجي وقد ورد انه حمل باب حصن خيبر وتترس به ورواه ابن عدي عن عيسى بن محمد عن الحسين بن إبراهيم البياني عن حميد الطويل عن أنس بلفظ لما عرج بي رأيت على ساق العرش مَكْتُوبًا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله أيدته بعلي أو نصرته بعلي قال في الميزان وهذا اختلاف من الحسين بن إبراهيم (وفي التّفسير عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما) كما رواه الخطيب فيما رواه مالك عنه (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما [الكهف: ٨٢]) وقد رواه البزار مرفوعا من حديث أبي ذر وموقوفا على عمر وعلي (قال) أي ابن عباس وكذا من روى نحوه من غيره (لوح) أي الكنز المذكور جامع في المبنى والمعنى فإنه لَوْحٌ (مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ مَكْتُوبٌ عَجَبًا لِمَنْ أيقن بالقدر) أي بتقديره الذي لا يتصور تغييره (كيف ينصب) بفتح الصاد أي كيف يتعب وما قدر له يأتيه أن تعب وإن لم يتعب لكن قد يقال إن من جملة ما قدر تقديره أن يتعب فكيف لا يتعب قال البغوي القدر سر من أسراره ﷾ لم يطلع عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا يجوز الخوض فيه ولا البحث عنه بل الله تعالى خلق فمنهم شقي ومنهم سعيد وقال رجل لعلي أخبرني عن القدر فقال طريق مظلم لا تسلكه فأعاده السؤال فقال بحر عميق لا تلجه فأعاد فقال سر الله قد خفي عليك (عجبا لمن أيمن بالنّار) أي بوجودها (كيف يضحك) أي قبل ورودها (عجبا لمن يرى) وفي نسخة لمن رأى (الدّنيا وتقلّبها بأهلها) أي في انقلاب أحوالها لا سيما ومآلها إلى زوالها (كيف يطمئنّ إليها) أي يغتر بها ولا يعتبر بمن مضى فيها (أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا مُحَمَّدٌ عبدي ورسولي) أي إلى الخلق كافة
[ ١ / ٣٨٣ ]
كما أن إلاله الههم عامة. (وعن ابن عبّاس ﵄) قال الدلجي لا أعلم من رواه عنه (قال عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبٌ إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ لا أعذّب من قالها) أي من صميم قلبه وتوفيق ربه على ثباته إلى مماته، (وذكر أنّه وجد) بصيغة المفعول فيهما وضمير أنه للشأن (على الججارة القديمة) أي العتيقة (مكتوب محمّد تقيّ) أي من الشرك ونقي من الشك (مصلح) أي لما أفسد الخلق من الحق تغييرا أو تبديلا، (وسيّد) أي للخلق (أمين) أي عند الخلق والحق؛ (وذكر السّمنطاريّ) بكسر مهملة وميم وسكون نون فمهملة من جملة المحدثين والأئمة المصنفين تآليف كثيرة في فنون العلوم على ما ذكره التلمساني (أَنَّهُ شَاهَدَ فِي بَعْضِ بِلَادِ خُرَاسَانَ مَوْلُودًا وُلِدَ عَلَى أَحَدِ جَنْبَيْهِ مَكْتُوبٌ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَعَلَى الْآخَرِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) أقول إذا ثبت ما سبق من كونه مكتوبا على العرش وغيره بروايات معتبرة فلا يحتاج إلى مثل هذه الرواية التي يحتمل أن تكون معتمدة وكذا قوله، (وذكر الأخباريّون) بالخاء المعجمة (أَنَّ بِبِلَادِ الْهِنْدِ وَرْدًا أَحْمَرَ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ بالأبيض) أي منقوش به بجعل الأحمر على أطرافه بالأبيض كالاسفيداج ونحوه وفي نسخة صحيحة مكتوبا على الورد الأحمر بِالْأَبْيَضِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله) وعن الحافظ المزي أخبرني من سافر إلى بلاد الهند أن فيه شجرة معروفة يسقط منها في كل سنة ورقة مكتوب عليها لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وقال ابن القيم في تاريخه في ترجمة الحسن بن أحمد بن الحسن الوراق الخواص المصيصي مسندا عنه إلى علي بن عبد الله الهاشمي الرقي أنه قال دخلت في بلاد الهند إلى بعض قراها فرأيت وردة كبيرة طيبة الرائحة سوداء عليها مكتوب بخط أبيض لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أبو بكر الصديق عمر الفاروق فشككت في ذلك وقلت إنه معمول فعمدت إلى وردة لم تفتح ففتحتها فكان فيها مثل ذلك وفي البلد منه شيء كثير وأهل تلك القرية يعبدون الحجارة لا يعرفون الله تعالى انتهى وقال الشيخ عبد الله بن أسعد اليافعي في كتاب المسمى بروض الرياحين قال بعض الشيوخ دخلت بلاد الهند فدخلت مدينة فيها شجر يحمل ثمرا يشبه اللوز له قشران فإذا كسر خرج منه ورقة خضراء مطوية مكتوب عليها بالحمرة لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ كتابة جلية وهم يتبركون بها ويستسقون بها إذا منعوا من الغيث فحدثت بهذا أبا يعقوب الصياد فقال لي ما استعظم هذا كنت اصطاد على نهر الإبلة فاصطدت سمكة مكتوب على جنبها الأيمن لا إله إلا الله وعلى جنبها الأيسر محمد رسول الله فلما رأيتها قذفتها في الماء احتراما لما عليها كذا ذكره الشمني والذي يخطر بالبال الفاتر والله أعلم بالظواهر والسرائر أن هذه كلها كشوفات مكشوفات لأهلها لا يراها من لم يستأهلها وربما يقال أن اسمه ﷾ مع اسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مرسوم على كل شيء من الأشياء بحكم قوله تعالى وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ أي جعلنا ذكرنا معك في كل شيء من ملك وفلك وبناء وسماء وفرش وعرش وحجر ومدر وشجر وثمر ونحو ذلك ولكن أكثر الخلق لا يبصرون تصويرهم ونظيرهم قوله ﷾ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
[ ١ / ٣٨٤ ]
وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ (وروي عن جعفر) أي الصادق (ابن محمّد عن أبيه) أي محمد الباقر وهو من أكابر أهل البيت وأجلاء التابعين أدرك جابرا وغيره (إذا كان يوم القيامة نادى مناد) أي في الموقف كما في رواية (أَلَا لِيَقُمْ مَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ فَلْيَدْخُلِ الْجَنَّةَ لكرامة اسمه) صلى الله تعالى عليه وسلم أي لإظهار كرامته وأشعار شفاعته وإليه أشار صاحب البردة بقوله:
فإن لي ذمة منه بتسميتي محمدا وهو أوفى الخلق بالذمم
(وروى ابن القاسم) أي العتقي واسمه عبد الرحمن جمع بين الزهد والعلم صحب مالكا عشرين سنة ومات بمصر أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي (في سماعه) أي عن مالك ورد عنه قال خرجت إلى مالك اثنتي عشرة مرة انفقت في كل مرة ألف دينارا خرج له البخاري وغيره (وابن وهب) وقد سبق ترجمته قريبا وهو ممن تفقه على مالك بن دينار والليث بن سعد وصنف الموطأ الكبير والموطأ الصغير وكان مالك يكتب إليه إلى أبي محمد المفتي (فِي جَامِعِهِ عَنْ مَالِكٍ سَمِعْتُ أَهْلَ مَكَّةَ) أي بعض علمائهم (يَقُولُونَ مَا مِنْ بَيْتٍ فِيهِ اسْمُ مُحَمَّدٍ إلّا نما) من النمو أي زاد وزكا يعني كثر بركته وفي نسخة نمى بناء على أن المادة واوية أو يائية وفي أخرى إلا قد وقوا بضم واو وقاف أي حفظوا (ورزقوا ورزق جيرانهم) أي ببركة أسمائهم وإيمانهم وإيقانهم وإحسانهم (وعنه ﵊ أنه قال) أي على ما رواه ابن سعد من حديث عثمان العمري مرفوعا (مَا ضَرَّ أَحَدَكُمْ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِهِ محمّد ومحمّدان وثلاثة) أي وأكثر ويميز بينهم مثلا بالأصغر والأوسط والأكبر هذا وفي مسند الحارث بن أبي أسامة عنه صلى الله تعالى عليه وسلم من كان له ثلاثة من الولد ولم يسم أحدهم بمحمد فقد جهل (وعن عبد الله بن مسعود) كما رواه أحمد والبزار والطبراني (أنّ الله تعالى نظر إلى قلوب العباد) أي جميعهم من أولهم إلى آخرهم (فاختار منها قلب محمّد ﵊ فاصطفاه لنفسه) أي اختاره لذاته أن يكون مظهر صفاته (فبعثه برسالته) أي إلى جميع كائناته؛ (وحكى النّقّاش أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَزَلَتْ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا [الأحزاب: ٥٣] الآية) تمامها إن ذلكم كان عند الله عظيما. (قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْإِيمَانِ إنّ الله تعالى فضّلني عليكم تفضيلا) أي زائدا يليق بقدره وهو على وفق محله (وفضّل نسائي على نساءكم تفضيلا) أي احتراما وتكريما ورفعا لشأنه وتعظيما.
فصل [في تفضيله صلى الله تعالى عليه وسلم بما تضمنته كَرَامَةُ الْإِسْرَاءِ]
(فِي تَفْضِيلِهِ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ كَرَامَةُ الإسراء من المناجاة) أي المكالمة. (والرّؤية) أي البصرية أو القلبية (وإمامة الأنبياء) أي إمامته لهم في بيت المقدس (والعروج به إلى سدرة المنتهى) فإنها ينتهي إليها ما ينزل من فوقها وما يصعد من تحتها (وما رأى من آيات ربّه الكبرى) هذا بيان قضيته إجمالا وأما تفصيل قصته في الجملة اكمالا فقوله (ومن خصائصه
[ ١ / ٣٨٥ ]
﵊) أي من جملة ما خص في الإعطاء ولم يعط مثله لسائر الأنبياء (قصّة الإسراء) أي إسرائه إلى السماء (وما انطوت) أي اشتملت (عليه من درجات الرّفعة) أي بحسب ما ثبت في اثناء الأنباء (ممّا نبّه عليه الكتاب العزيز) أي من بعض الإسراء (وشرحته صحاح الأخبار) أي وبينته الأحاديث والآثار وفي نسخة صحائح الأخبار قال الحلبي وكلاهما جمع صحيح وإطلاق كل منهما فصيح (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ) أي سيره (لَيْلًا منصوب على الظرفية وتنكيره للدلالة على تقليل المدة الاسرائية مع ما فيه من الصنعة التجريدية فإن السري والإسراء كلاهما هو السير بالليل واختير زيادة الهمزة للمبالغة في مقام التعدية المقرونة بالمصاحبة والمعية المشيرة إلى التخلية من مقام التفرقة إلى التحلية والتجلية في مرتبة الجمعية مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الآية) أي الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ثم سبحان علم للتسبيح بمعنى التنزيه ولعل إيراده هنا للتنبيه على أنه منزه عن المكان وإن إسراءه ﵊ لإعلاء الشأن ولإطلاعه على عجائب الملك والملكوت في ذلك الزمان وهو مضاف إلى الموصول الذي بعده كما يدل عليه قوله فَسُبْحانَ اللَّهِ ونحوه ونصبه على المصدرية وأغرب السمين في إعرابه حيث قال وهو منصرف لوجود الزيادة والعلمية وقال وَالنَّجْمِ إِذا هَوى قوله إلى لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى وقد الفت رسالة مستقلة في خصوص هذه المسألة وبدأتها بتفسير صدر سورة الإسراء وختمتها بتفسير صدر سورة والنجم وذكرت فيما بينهما بعض ما يتعلق بهذه الكرامة العظمى وسميتها المدراج العلوي في المعراج النبوي وههنا اتبع كلام الشيخ في تبيين مبناه وتعيين معناه واتتبع كلام شراحه وحواشيه واختار ما ألقاه من مقتضاه ثم الظاهر من الآية المذكورة أن ابتداء الإسراء كان من نفس المسجد لحديث بينا أنا في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان أتاني جبريل بالبراق وليطابق المبتدأ المنتهي لأنه ليس حرم للمسجد الأقصى أو من الحرم كما قال صاحب البردة:
سريت من حرم ليلا إلى حرم وسماه مسجدا لإحاطته به ولحديث أنه كان في بيت أم هانىء بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته وقص عليها من قصته ويمكن الجمع بينهما بأن كان في بيت أم هانئ فرجع بعد صلاة العشاء إلى المسجد وأتى الحجر عند البيت كما يشير إليه قوله بين النائم واليقظان عند نزوله رجع إليها وقص عليها القصة وكان ذلك قبل الهجرة بسنة ثم وجه تسميته الأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام والمراد ببركة حوله بركات الدين والدنيا لأنه مهبط الوحي ومتعبد الأنبياء من لدن موسى إلى زمن عيسى عليهم الصلاة والسلام وهو محفوف بالأنهار والأشجار والأزهار والأثمار وفي الحديث بارك الله فيما بين العريش والفرات وخص فلسطين بالتقديس ذكره الدلجي ومن جملة إراءة الآيات ذهابه في لحظة مسيرة أربعين ليلة
[ ١ / ٣٨٦ ]
ورؤيته ببيت المقدس للأنبياء وإمامته لهم مع علو حالاتهم ووقوفه على مقاماتهم (وقال) أي الله ﷾ (وَالنَّجْمِ) أي الثريا أو نجوم السماء أو الرجوم من النجوم أو الكواكب إذا انتثرت أو نجوم القرآن (إِذا هَوى [النجم: ١]) أي غرب أو طلع أو أنقض أو انتثر أو نزل وانتشر (إِلَى قَوْلِهِ لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [النجم: ١٨] فلا خلاف) كذا بالواو بلا خلاف في النسخ المصححة وفي أصل الدلجي فلا بالفاء فحاول أن الفاء فصيحة أي إذا كان الأمر كذلك فلا ريب (بين المسلمين) أي من أهل السنة وطائفة المعتزلة وغيرهم (في صحّة الإسراء به ﵊) أي بطريق إجمال المرام (إذ هو نصّ القرآن) أي وعليه إجماع أئمة الإسلام إلا أن المعتزلة ومن تبعهم من المبتدعة فسروا الإسراء إلى بيت المقدس لا إلى السماء ممن أنكر مطلق الإسراء فهو كافر بال امتراء (وجاءت بتفصيله وشرح عجائبه) أي بسط غرائبه (وخواصّ نبيّنا محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم فيه) أي وظهور خصوصياته في اسرائه وتنزلاته في مراتب سنائه (أحاديث كثيرة منتشرة) أي مشتهرة كادت أن تكون متواترة (رأينا أن نقدّم أكملها) أي أكمل الأحاديث الواردة في الاسراء تصريحا وتوضيحا (ونشير إلى زيادة من غيره) أي غير اكملها تلويحا وترشيحا (يجب ذكرها) أي يتعين بيانها تحقيقا وتصحيحا. (حدّثنا القاضي الشّهيد أبو عليّ) أي ابن سكرة (والفقيه أبو بحر) بفتح موحدة وسكون مهملة وهو ابن العاص (بسماعي عليهما) أي منهما أو واقع على كلامهما. (وَالْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ) أي وكثير (من شيوخنا) أي المحدثين (قالوا) أي كلهم (حدّثنا أبو العبّاس العذريّ) بضم مهملة وسكون ذال معجمة نسبة إلى عذرة قبيلة (حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الرَّازِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الجلوديّ) بضم الجيم (حَدَّثَنَا ابْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ) أي صاحب الصحيح (حدّثنا شيبان بن فرّوخ) بفتح فاء وضم راء مشددة فواو ساكنة فمعجمة غير منصرف للعجمة والعلمية وصرف في نسخة قال التلمساني وصرفه أكثر قيل عنده خمسون ألف حديث وهو من التابعين (حدّثنا حماد بن سلمة) أحد الأعلام روى عن شعبة ومالك وأبو نصر التمار قال عمرو بن عاصم كتبت عن حماد بن سلمة بضعة عشر ألفا (حدّثنا ثابت البنانيّ) بضم الموحدة وتخفيف النون بعدها ألف فنون فباء نسبة إلى قبيلة بنانة كان رأسا في العلم والعمل يابس الثياب الفاخرة ويقال لم يكن في وقته أعبد منه أخرج له الأئمة الستة وقال الذهبي هو ثابت كاسمه (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال أتيت) بصيغة المجهول المتكلم (بالبراق) بضم الموحدة لشدة بريقه ولمعانه وسرعة سيره وطيرانه كالبرق (وهو دابّة) أي مركوب (أبيض) وفيه إيماء إلى ما قيل إنه ليس بذكر ولا أنثى (طويل) أي مائل إلى الطول (فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ منتهى طرفه) بفتح فسكون أي نظره وبصره (قال فركبته حتّى أتيت بيت المقدس) أي حضرته وهو بفتح فسكون فكسر وعلى زنة محمد أيضا لأن فيه يتقدس من الذنوب أو لأنه منزه عن العيوب قال التلمساني وروي باب
[ ١ / ٣٨٧ ]
المقدس (فربطته) أي البراق (بالحلقة) بإسكان اللام وفتحها (التي يربط) بضم الموحدة وكسرها (بها الأنبياء) أي دوابهم عند باب المسجد كما صرح به صاحب التحرير وسيأتي فيه ما ينافيه والبراق إن ثبت أن له الإسراء أيضا إلى بيت المقدس ويؤيده أن إبراهيم ﵇ كان يزور هاجر بمكة عليه ويقويه قول جبريل له فما ركبك أحد أكرم على الله تعالى منه كما سيأتي وفي حديث الترمذي من طريق بريدة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم حين انتهى إلى بيت المقدس أشار جبريل ﵇ إلى الصخرة فخرقها وربط البراق بها ويمكن الجمع بأنه كان الخرق فيها مسدودا فأظهر خرقها ثم في ربطه دليل على أن الإيمان بالقدر لا يمنع الحازم من توقي المهالك والحذر في السفر والحضر ومنه قوله ﵊ اعقل وتوكل وقد قال وهب بن منبه كذا وجدته في سبعين كتابا من كتب الله القديمة ثم اعلم أن نسخ الشفاء كلها اتفقت على لفظ بها بضمير المؤنث وهو ظاهر وقال النووي في شرح مسلم وهو في الأصول يعني أصول مسلم به بضمير المذكر أعاده على معنى الحلقة وهو الشيء انتهى ولا يخفى أن الأولى رجع الضمير إلى خرقها بحذف مضاف أو ارتكاب مجار آخر فتدبر (ثمّ دخلت المسجد) أي أقصى (فصلّيت فيه ركعتين) أي تحية المسجد (ثمّ خرجت) أي منه (فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لبن) أي امتحانا من الله تعالى قال التلمساني هكذا في مسلم وفي البخاري وإناء من ماء وروي ثلاثة لبن وخمر وعسل وروي أربعة لبن وخمر وعسل وماء ولعل هذا هو الأظهر حيث عرض عليه من الأنهار الأربعة الموعودة في الجنة واختياره اللبن لأنه مغن عن غيره بخلاف غيره وقيل العسل إشارة لزهرة الحياة الدنيا ولذتها وحلاوتها والماء للغرق ولذا قيل لو اخترته لغرقت وغرقت أمتك ولعل المراد بغرقهم استغراقهم في جمع المال الذي يؤدي إلى سوء الحال ونقصان المآل وأما الخمر فإشارة إلى جميع الشهوات (فاخترت اللّبن) أي أعرضت عن الخمر وروي فأخذت اللبن (فقال جبريل اخترت الفطرة) أي علامة الإسلام والاستقامة لكونه طيبا طاهرا أسهل المرور في الحق سليم العاقبة سائغا شرابه وطيبا مذاقه والخمر أم الخبائث جالبة لأنواع شرور الحوادث (ثمّ عرج بنا) أي صعد بنا (إلى السّماء) بنون المتكلم إما لتعظيمه أو له ولمن معه فالضمير إلى الله تعالى أو جبريل أو البراق وفي نسخة صحيحة بصيغة المجهول وجزم به الأنطاكي وكذا فيما بعده وهو في غاية من القبول مع الإشارة إلى أن سيره من المسجد الأقصى إلى السموات العلى لم يكن بالبراق بل بالمعراج الذي له درجة من ذهب وأخرى من فضة وبه سميت القصة (فاستفتح جبريل) أي باب السماء الدنيا استئذانا للملائكة ولا يبعد أن يكون الاستفتاح كناية عن مجرد الاستئذان فلا يكون هناك فتح واغلاق وهو الأظهر في مقام أدب الإجلال والاستحقاق (فقيل من أنت؛ قال) أي جبريل (جبريل) أي أنا جبريل (قيل ومن معك) أي لما كوشف لهم أن أحدا معه أو استدلوا باستئذانه على خلاف دأبه ومقتضى شأنه (قال محمّد) أي هو أو معي محمد (قيل وقد بعث
[ ١ / ٣٨٨ ]
إليه) أي أطلب وقد بعث إليه للإسراء وصعود السماء وليس استفهاما عن بعثة الدعوة لبلوغها من الظهور في الملكوت إلى ما لا يخفى على الخزنة ولكونه أوفق بقام الاستفتاح والاستئذان في الجملة وقيل كان سؤالهم استعجابا بما أنعم الله عليه من القربة واستبشارا بعروجه لحصول الرؤية ثم هذا مؤذن بأن للسموات أبوابا حقيقة وعليها ملائكة مؤكلة هذا وفي رواية صحيحة أرسل إليه وهو قابل للتأويل المذكور مع أنه لا يبعد أن تكون بعثة الرسالة خفيت على بعض الملائكة لكمال اشتغالهم بالعبادة على ما ذكره الطبري (قَالَ قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أنا بآدم صلى الله تعالى عليه وسلم فرحّب بي) بتشديد الحاء أي قال لي مرحبا كما ورد مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح أي لقيت رحبا وسعة (ودعا لي بخير) أي في الدارين (ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ مَنْ أَنْتَ قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ قَالَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وَقَدْ بُعِثَ إليه قال قد بعثت إليه ففتح لنا) فيه إيماء إلى أن أهل كل سماء لا يدرون عن حال أهل سماء أخرى أو أرادوا التلذذ بهذه المذاكرة التي هي بالمحاورة أحرى وفيه اشعار إلى غاية بسط الزمان ونهاية طي المكان ولا يبعد أن تكون هذه المكالمة على لسان الملائكة أو بالمناداة من غير الواسطة استقبالا لصاحب الرسالة كما يشير إليه تعبير الأفعال بقيل ونحوه من العبارة فيكون كلام الجبار مع سيد الأبرار من وراء الأستار في لباس الاعيار كما يقتضيه معنى المعية والحالة الجمعية من شهود عين الوحدة في عين الكثرة (فإذا أنا بابني الخالة) لأن أم يحيى ايشاع أخت مريم (عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريّاء) ممدودا أو مقصورا (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا فَرَحَّبَا بِي وَدَعَوَا لِي بخير) وفي نسخة صحيحة دعيا لي بالياء ففي القاموس دعيت لغة في دعوت (ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَذَكَرَ مثل الأوّل) أي مثل ما ذكر فيما قبله من استفتاح الباب والسؤال والجواب وهذا اختصار من المصنف أو من غيره والله تعالى أعلم (فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الحسن) أي نصفه أو بعضه والمراد بالحسن جنسه أو حسن حواء أو حسن سارة أو حسن نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم وهو الأظهر والله تعالى أعلم وروي في حديث مرفوع مررت بيوسف الليلة التي عرج بي إلى السماء فقلت لجبريل من هذا فقال يوسف فقيل يا رسول الله كيف رأيته فقال كالقمر ليلة البدر قال البغوي في تفسيره إنه ورث ذلك الجمال من جدته وكانت قد أعطيت سدس الحسن وقال ابن إسحاق ذهب يوسف وأمه يعني جدته بثلثي الحسن انتهى فالمراد بالشطر البعض لا النصف كما قال البعض والله تعالى أعلم (فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَذَكَرَ مِثْلَهُ فَإِذَا أنا بإدريس ﵊) وهو سبط شيث وجد والدنوح أول مرسل بعد آدم ﵇ وأول من خط بالقلم وخاط اللباس ونظر في علم النجوم والحساب وأما قولهم إدريس مشتق من الدرس إذ قد روي أن الله تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفة فلقب به لكثرة الدراسة فمدفوع بعدم صرفه للعلمية والعجمة (فرحّب بي
[ ١ / ٣٨٩ ]
وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا [مريم: ٥٧]) هو شرف النبوة ومقام القربة وعن الحسن هو الجنة إذ قال لملك الموت أذقني الموت ليهون علي ففعل بإذن الله تعالى ثم حيي فقال له أدخلني النار ازدد رهبة ففعل ثم قال له ادخلني الجنة أزدد رغبة ففعل ثم قال ملك الموت له اخرج فقال قد ذقت الموت ووردت النار فما أنا بخارج فقال الله تعالى بإذني دخل دعه وقيل هو في السماء الرابعة لهذا الحديث (ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَذَكَرَ مِثْلَهُ فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَذَكَرَ مِثْلَهُ فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَذَكَرَ مِثْلَهُ فَإِذَا أَنَا بإبراهيم مسندا) بصيغة الفاعل منصوب على الحال كما في مسلم وشرح السنة وفي بعض نسخ المصابيح مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي وهو مسند (ظهره إلى البيت المعمور) قال المصنف يستدل به على الاستناد إلى القبلة وتحويل الظهر إلى الكعبة وفي استدلاله نظر لاحتمال كون إبراهيم حينئذ متوجها إلى الكعبة أو إلى العرش على خلاف أيهما أفضل في باب الاستقبال أو باعتبار نظر ذي الجلال مع احتمال أن يكون التقدير مسندا ظهره إلى شيء من أجزاء السماء أو إلى طرف بابها متوجها إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يوم سبعون ألف ملك لا يعوذون إليه) أي لكثرتهم وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال البيت المعمور في السماء الرابعة يقال له الضراح وهو بمعجمة مضمومة ومهملة بينهما راء فألف من الضراحة بمعنى المقابلة إذ هو مقابل للكعبة كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وممن رواه بصاد مهملة فقد تصحف بصراح الغلط وروى أبو هريرة في السماء الدنيا وقيل في الرابعة وقيل في السادسة ولعل كل بيت في كل سماء يسمى البيت المعمور بالمعنى المذكور وأنه في السماء السابعة على القول المشهور الوارد في حقه أنه نقل من محل الكعبة إلى السماء كما بين في محله المسطور (ثمّ ذهب بي) أي جبريل وضبطه الأنطاكي بصيغة المفعول (إلى سدرة المنتهى) أي ينتهي علم الخلائق عندها وخصت السدرة لأن ظلها مديد وطعمها لذيذ ورائحتها طيبة فشابهت الإيمان الذي يجمع قولا ونية وعملا فظلها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوزه وامتداده وطعمها بمنزلة النية لكمونه ورائحتها بمنزلة القول لظهوره (وإذا ورقها كآذان الفيلة) بكسر فاء وفتح تحتية جمع فيل قيل والآذان بالمد جمع الأذن (وإذا ثمرها) كذا في النسخ المصححة ووقع في اصل الدلجي وإذا نبقها (كالقلال) بكسر القاف جمع قلة كقباب جمع قبة وفي رواية كقلال هجر بفتحتين مدينة قرب المدينة ويعمل بها القلال تسع الواحدة مزادة من الماء سميت قلة لأنها تقل أي ترفع وتحمل وليست بهجر الذي هو من توابع البحرين؛ (قال فلمّا غشيها) بفتح فكسر أي علاها وغطاها (من أمر الله تعالى) أي من أجل أمره وارادته أو من آثار عظمته وأنوار قدرته (ما غشي) أي ما غشيها كما في نسخة وهو مستفاد من قوله تعالى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (تغيّرت) أي السدرة مما غشيها من أسرار القدرة (فما أحد من خلق الله يستطيع) أي يقدر
[ ١ / ٣٩٠ ]
(أن ينعتها) أي يصف كيفية غشيتها أو ماهية ما غشيها (من حسنها) أي من غاية ضيائها ونهاية بهائها فقيل هو فراش من ذهب فقيل لعله شبه ما غشيها من الأنوار التي تنبعث منها وتتساقط على مواقعها بالفراش وجعلها من الذهب لا ضاءتها وصفاء ذاتها وعن الحسن غشيها نور رب العزة فاستنارت (فأوحى الله إليّ ما أوحى) وهو تفسير لقوله تعالى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
وفي إبهامه تفخيم للموحي كما لا يخفى (ففرض) أي الله تعالى كما في نسخة (عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) بيان لما أوحي كله أو بعضه (فنزلت إلى موسى) أي منتهيا إليه (فَقَالَ مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ قُلْتُ خَمْسِينَ صَلَاةً قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التّخفيف) أي تخفيف هذا التكليف هذا وإن كان متضمنا للتعريف والتشريف ويجوز في فاسأله التخفيف بالنقل وغيره كما قرئ بهما في السبعة (فإنّ أمّتك) أي جميعهم (لا يطيقون ذلك) وكأنه علم ﵊ ضعفنا وعجزنا فرحمنا فجزاه الله تعالى أفضل الجزاء عنا ثم علل ذلك بقوله (فإنّي قد بلوت بني إسرائيل) أي جربتهم وبلاه وابتلاه بمعنى ففي الحديث اللهم لا تبتلنا إلا بالتي هي أحسن (فخبرتهم) بتخفيف الموحدة عطف تفسيري أو إشارة إلى أنه جربهم مدة بعد مرة والمعنى امتحنتهم وعالجتهم فلقيت منهم الشدة وعدم الطاقة فيما قصدت منهم من تحمل الكلفة وقبول الطاعة (قال فرجعت إلى ربّي) قال النووي معناه رجعت إلى الموضع الذي ناجيته أولا فناجيته فيه ثانيا (فقلت يا ربّ خفّف عن أمّتي) أي الضعفاء وفيه إيماء إلى قوة الأنبياء والأصفياء إذ كثير منهم واظبوا على ألف ركعة في اليوم والليلة وقد أشار موسى ﵇ إلى هذا المعنى فيما سبق من المبنى وبهذا يظهر ضعف قول الدلجي لم يقل خفف عني حياء من ربه لسؤاله التخفيف عنه (فحطّ عنّي) أي فوضع عني في ضمن الحد عن أمتي (خمسا) ولم يقل عن أمتي لئلا يتوهم بقاء فرضية الخمسين عليه وفيه إشارة إلى أن من كان لله كان الله له (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ حَطَّ عَنِّي خَمْسًا قال إنّ أمّتك لا يطيقون ذلك) أي لا يقدرون على هذا أيضا (فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ قَالَ فَلَمْ أزل أرجع بين ربّي) وفي نسخة بين يدي ربي (تعالى وبين موسى) أي بين موضع مناجاتي له تعالى وملاقاتي لموسى ويجوز أن يكون الرجوع بمعنى المراجعة في السؤال وإحضار البال والله تعالى أعلم بالحال (حتّى قال) أي الرب ﷾ (يا محمّد إنّهنّ) ضمير مبهم تفسيره قوله (خمس صلوات) ذكره الدلجي والأظهر أن يقال التقدير أن الصلاة المفروضة أو الخمسين خمس صلوات محتمة (كلّ يوم وليلة) بالنصب على الظرفية وفي نسخة في كل يوم وليلة (لكلّ صلاة) أي من الخمس (عشر) أي ثواب عشر صلوات (فتلك خمسون صلاة) أي بحسب المضاعفة ولعل هذه المراجعة منهما لما الهم إليهما حيث لم يكن الوجوب حتما مبرما أو أوجبها أولا ثم رحمنا فنسخها بيانا فيجوز نسخ وجوب الشيء قبل وقوعه كنسخ وجوب ذبح إسماعيل ﵇ عند قصده تبيانا لمحل فضله وكرمه ثم لما كان نية نبينا وهمة صفينا له أصالة ولأتباعه نيابة
[ ١ / ٣٩١ ]
أن يقوم بوظيفة خمسين صلاة وجوزي بذلك حيث خفف عليهم في الكمية وزيد لهم في الكيفية ذكر قضية كلية وقاعدة مطردة قياسية في ضمن الحديث القدسي والكلام الأنسي بقوله (ومن همّ بحسنة) أي من صلاة نافلة وغيرها بأن قصدها وعزم على فعلها (فلم يعملها) أي لعاقة عن عملها (كتبت له حسنة) بصيغة المجهول ونصب حسنة على المصدرية والمعنى كتبت له الحسنة التي هم بها ولم يعملها كتابة واحدة لأن الهم سببها وسبب الحسنة حسنة فوضع حسنة موضع المصدر وفي بعض النسخ بصيغة الفاعل والاسناد إلى المتكلم وهو ظاهر لكن لا يلائم ما بعده لم تكتب (فإن عملها كتبت له عشرا) وهذا أقل المضاعفة كما قال الله تعالى مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها (ومن همّ بسّيّئة فلم يعملها) أي فلم يقدر على عملها (لم تكتب) أي تلك السيئة التي هم بها (شيئا) أي ولا سيئة واحدة إذا ندم وتركها خوفا من الله تعالى بل تكتب له حسنة لأجلها كما ورد كتبها الله تعالى عنده حسنة كاملة وقد زاد مسلم في رواية إنما تركها من جر أي بفتح الجيم وتشديد الراء أي من أجلي أو شيئا من الزيادة إذا كان همها باقيا فإن هم السيئة المصمم سيئة وشيئا وعشرا منصوبان وفي بعض نسخ المصابيح مرفوعان ولعله غلط من الناسخ (فإن عملها كتبت سيّئة واحدة) أي باندراج الهم في العمل حيث لا مضاعفة في السيئة كما يستفاد الحصر من قوله تعالى وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها (قَالَ فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ فقال ارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) وفي نسخة صحيحة فَقُلْتُ (قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ منه) بياءين وفي نسخة بياء واحدة ولعل وجه الحياء هو أن المبالغة في تخفيف العبادة نوع من الجفاء والقيام بماتعين وتحتم من باب الوفاء في تحمل البلاء لحصول الولاء هذا ولعل الحكمة في وجوب الصلاة ليلة الإسراء للإيماء إلى أنها معراج المؤمن إلى أعلى كمالاته ومقاماته ومحل مناجاته من بين عباداته وكمال ترقي منازل سعاداته وأما حكمة ظهور الأنبياء المذكورين بخصوصهم من بين عمومهم وتخصيص كل بسماء المشير إلى مراتب علوهم فلم يتكلم به أحد من السلف ولم يظهر تحقيقه من الخلف فتبعنا السابقين كما هو وظيفة اللاحقين ثم الصلوات الخمس فرضت بمكة اتفاقا وكذا الزكاة مطلقا وأما تفصيلها فبينت بالمدينة وفرض رمضان ثم الحج بها أيضا فما ذكره التلمساني من أنه فرضت الصلاة والزكاة والحج ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة وفرض صيام رمضان وزكاة الفطر وهو بمكة خطأ فاحش (قال القاضي رضي الله تعالى عنه) كذا في النسخ لكن الأولى أن يقال رحمه الله تعالى لأن الترضية في العرف مختصة بالصحابة كما أن التصلية والتسليم مختصان بالأنبياء والعزة والجلالة بالله ﷾ (جوّد) بتشديد الواو أي حسن (ثابت) أي البناني (رحمه الله تعالى) وفي نسخة رضي الله تعالى عنه (هذا الحديث) أي بيان روايته وضبط عبارته الدالة على درايته (عن أنس رضي الله تعالى عنه ما شاء) أي ما شاء الله تعالى
[ ١ / ٣٩٢ ]
من تجويده وتحسينه وتحريره (ولم يأت أحد) من الرواة (عنه) أي عن أنس رضي الله تعالى عنه (بأصوب من هذا) أي أقرب إلى الصواب من هذا المروي في هذا الكتاب (وقد خلّط) بتشديد اللام (فيه) أي في هذا الحديث (غيره) أي غير ثابت من الرواة (عن أنس) رضي الله تعالى عنه (تخليطا كثيرا) أي وتخبيطا كبيرا (لا سيّما) أي خصوصا ما ورد (من رواية شريك بن أبي نمر) أي عن أنس وشريك هذا بفتح الشين ونمر بفتح نون وكسر ميم فراء مدني روى عن ابن أنس وابن المسيب وجماعة وعنه مالك وأنس بن عياض وطائفة قال ابن معين لا بأس به وقال النسائي ليس بالقوي انتهى وشريك هذا تابعي صدوق وثقه أبو داود وقال ابن عدي روى عنه مالك رحمه الله تعالى فإذا روى عنه ثقة فإنه ثقة ووهاه الحافظ أبو محمد بن حزم لأجل حديثه في الإسراء الذي أشار إليه القاضي وله فيه أوهام معروفة وقد نبه مسلم على ذلك بقوله في صحيحه وقدم فيه شيئا وأخر وزاد ونقص انتهى وقال الحافظ عبد الحق في كتابه الجمع بين الصحيحين بعد ذكر رواية شريك هذا فقد روي حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقين والأئمة المشهورين كابن شهاب وثابت البناني وقتادة يعني عن أنس فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك وقد زاد فيه زيادة مجهولة وأتى فيه بألفاظ غير معروفة وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث انتهى والأماكن في حديث الإسراء معدودة عند أهل العلم فيقال أربعة ويقال ثمانية ذكره الحلبي (فقد ذكر) أي شريك (في أوّله) أي مبدأ حديثه (مجيء الملك له) أي لأجله (وشقّ بطنه وغسّله بماء زمزم وهذا) أي ما ذكر كله (إنّما كان وهو صبيّ وقبل الوحي) فيه أنه يمكن تعدده فلا وهم إلا بسبب ما بينه المصنف بقوله (وقد قال شريك في حديثه) أي هذا بعينه (وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَذِكْرُ قِصَّةِ الإسراء) أي معه (ولا خلاف أنّها) أي في أن قصة الإسراء (كانت بعد الوحي) فثبت وهمه بهذا التعارض الواقع بين كلاميه ولكن قال الإمام الحافظ أبو محمد الحسين البغوي هذا الاعتراض الذي اعترض به على رواية شريك لا يصح عندي لأن ذلك كان رؤيا في النوم أراه الله تعالى ﷿ قبل الوحي بدليل آخر الحديث فاستيقظ وهو بالمسجد الحرام ثم عرج به في اليقظة بعد الوحي تحقيقا لرؤياه من قبل كما أنه رأى ﵊ فتح مكة في المنام عام الحديبية سنة ست من الهجرة ثم كان تحقيقه سنة ثمان ونزول قوله تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ انتهى وبهذا الجمع يزول الإشكال عن قَوْلُهُ تَعَالَى وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ فيكون التقدير تصديق الرؤيا وتحقيقها إذ لا تترتب الفتنة على نفس الرؤيا كما لا يخفى (وقد قال غير واحد) أي كثير من العلماء المحدثين (إنّها كانت) أي قصة الإسراء (قبل الهجرة بسنة) فقد ذكر النووي أن معظم السلف وجمهور المحدثين والفقهاء على أن الاسراء كان بعد البعثة بستة عشر شهرا وقال السبكي الإجماع على أنه كان بمكة والذي نختاره ما قاله شيخنا أبو محمد الدمياطي أنه قبل الهجرة بسنة وهو في الربيع الأول انتهى وروى السيد جمال الدين المحدث في
[ ١ / ٣٩٣ ]
روضة الأحباب أنه كان في سبعة وعشرين من شهر رجب على وفق ما هم عليه في الحرمين الشريفين من العمل وقيل في الربيع الآخر وقيل في رمضان وقيل في شوال وقيل بعد نقض الصحيفة وقيل بعد بيعة العقبة وقيل أسري به في الحجة لأنه كان ابن إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر وثمانية وعشرين يوما وقيل ليلة اثني عشر من الربيع الأول ليلة الاثنين منه فيكون زمان معراجه كميلاده ومدراجه باعتبار يوم الاثنين وشهر الربيع الأول والله ﷾ أعلم (وقيل قبل هذا) أي قبل ما قبل الهجرة وفي نسخة غير هذا أي غير هذا القول إلا أنهم اتفقوا على أنها كانت بعد الوحي (وقد روى ثابت) أي البناني (عَنْ أَنَسٍ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَيْضًا مَجِيءَ جِبْرِيلَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم وهو يلعب مع الغلمان) جمع غلام يعني الصبيان (عند ظئره) بكسر أوله أي مرضعته حليمة أو زوجها الذي لبنها منه فإنه يطلق عليهما (وشقّه) أي وكذا روى ثابت شق جبريل (قلبه تلك القصّة) بدل اشتمال على كل واحدة من القصة حال كونها (مفردة من حديث الإسراء) أي غير منضمة إلى قصة المعراج (كما رواه النّاس) أي كما رواه غيره من الرواة الثقات (فجوّد) أي ثابت (في القصّتين) أي قصة الشق وقصة الإسراء حيث لم يخلط بينهما (وفي أنّ الإسراء) أي ولا خلاف في أَنَّ الْإِسْرَاءَ (إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى كَانَ قِصَّةً وَاحِدَةً وَأَنَّهُ وَصَلَ إِلَى بيت المقدس) أي أولا (ثمّ عرج من هناك) أي من بيت المقدس إلى سدرة المنتهى عند من قال بالجمع بينهما من أهل السنة والجماعة خلافا للمعتزلة (فأزاح) أي أزال ثابت (كلّ إشكال أوهمه غيره) أي من شريك ونحوه في روايتهم (وقد روى يونس) أي ابن يزيد الأيلي وهو الحافظ أبو بكر الشيباني سمع ابن إسحاق وابن شهاب والأعمش قال ابن معين صدوق وقال أبو داود ليس بحجة يواصل كلام ابن إسحاق بالأحاديث (عن ابن شهاب) أي الزهري (عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ: أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال فرج) بصيغة المجهول مشددا ومخففا أي كشف وفتح (سقف بيتي فنزل جبريل ﵇ ففرج صدري) أي شق كما في رواية ومنه قوله تعالى وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ أي انشقت كما في آية أخرى (ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جَاءَ بطست من ذهب ممتلىء حكمة وإيمانا فأفرغها) أي الحكمة وما في معناها أو من مقتضاها (في صدري ثمّ أطبقه) أي غطاه وأصلحه (ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ وذكر) أي يونس (القصّة) أي قصة المعراج بطولها. (وروى قتادة الحديث) أي حديث الإسراء (بمثله) أي بمثل مروي يونس (عن أنس) أي ابن مالك (عن مالك بن صعصعة) أي الخزرجي المازني له حديث الإسراء أخرج له البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد في مسنده وليس له في الكتب غير حديث الإسراء على ما ذكره الحلبي قال النووي في تهذيبه روي له عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلم خمسة أحاديث اتفق البخاري ومسلم على أحدها وهو حديث الإسراء والمعراج وهو أحسن أحاديث الإسراء انتهى وكذا ذكر ابن الجوزي في تنقيحه أن له خمسة
[ ١ / ٣٩٤ ]
أحاديث (وفيها) أي وفي رواية قتادة عن أنس بن مالك (تقديم وتأخير وزيادة ونقص) أي في بعض مواضعها (وخلاف في ترتيب الأنبياء في السّموات) أي بالنسبة إلى بعضهم وبعضها. (وحديث ثابت) أي البناني (عن أنس أتقن وأجود) أي من حديث قتادة عن أنس عن مالك وكذا غيره مما قدمه على ما تقدم والله تعالى أعلم (وقد وقعت في حديث الإسراء زيادات) أي من الفوائد على اختلف روايات (نذكر منها) أي من جملتها (نكتا) بضم ففتح جمع نكتة وجمعها أيضا نكات وهي بمعنى النقط وتطلق على معاني لطيفة (مفيدة في غرضنا) أي مقصودنا في هذا الباب من الكتاب (منها في حديث ابن شهاب) أي الزهري (وفيه) أي وفي حديثه الذي رواه (قول كلّ نبيّ له) أي مختصا له صلى الله تعالى عليه وسلم (مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ إِلَّا آدَمَ وإبراهيم فقالا له والابن الصّالح) أي بدل والأخ الصالح لأنه كان من ذرية إسماعيل ولقوله تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ وأما ما يقوله أهل النسب والتاريخ أن أدريس أب من آباء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وإنه جد نوح ﵇ فإنه لا ينافي كونه أبا له فإن قوله الأخ الصالح يحتمل أنه قاله تأدبا وتلطفا وهو أخ له وإن كان ابنا فإن الأنبياء إخوة كما أن المؤمنين إخوة (وفيه) أي وفي حديث الزهري أو في حديث الإسراء (من طريق ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما) أي كما أخرجه البخاري (ثمّ عرج بي) بصيغة المفعول أو الفاعل (حتّى ظهرت بمستوى) بصيغة المجهول في أوله باء أو لام أي صعدت بمكان عال أو في مكان مرتفع وقيل الباء بمعنى على وقيل هو عبارة عن فضاء فيه استواء (أسمع فيه صريف الأقلام) أي صوت حركتها وجريانها على المخطوط فيه مما تكتبه الملائكة من أقضية الله ﷾ ووحيه وينسخ من اللوح المحفوظ ومنه قوله تعالى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ وفي نسخة صرير براءين وهو أشهر في اللغة على ما صرح به بعضهم ثم جمع الاقلام يحتمل أن يكون للتعظيم أو لكبره في التجسيم، (وعن أنس رضي الله تعالى عنه) أي مرفوعا (ثمّ انطلق بي) بصيغة المجهول أو المعلوم (حتّى أتيت سدرة المنتهى فغشيها ألوان) أي أصناف من الأنوار وأنواع من الاسرار (لا أدري ما هي) أي ماهيتها وحقيقتها (قَالَ ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ. وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ بن صعصعة رضي الله تعالى عنه) أي كما رواه الشيخان وغيرهما (فلمّا جاورته يعني موسى ﵇) تفسير من بعض الرواة (بكى) أي تأسفا على قومه إذ لم يتبعوه فينتفعوا به انتفاع هذه الأمة بنبيهم إذ لا حسد في ذلك العالم لآحاد المؤمنين فضلا عن الأنبياء والمرسلين كذا قرره الدلجي وغيره ويؤيده قوله يدخل من أمته الجنة أكثر من أمتي ولا يبعد أن يراد به الغبطة على تلك المنزلة وكثرة الأمة والظاهر أنه لمجاوزته عن مقامه ومرتبته كما يشير إليه قوله فلما جاوزته ولما سيأتي صريحا من قول موسى ﵇ لم أظن أن يرفع على أحد ويعضده قوله ﵊ لقيت موسى في السماء السادسة فلما جاوزته بكى وقال يزعم بنوا إسرائيل أني أكرم ولد آدم وقد جاوزني هذا وكأنه سلم التقديم لإبراهيم لكونه جدا له يحق له التعظيم مع
[ ١ / ٣٩٥ ]
سبقه عليه سبعمائة سنة في مقام التقديم ولذا عبر عنه ﵊ بالغلام فتأمل في هذا المقام لعله يتبين لك المرام ثم الأظهر أن وجه الغبطة في القربة أمور كثيرة من أنواع علو الرتبة (فَنُودِيَ مَا يُبْكِيكَ قَالَ رَبِّ هَذَا غُلَامٌ بعثته) وفي نسخة بعث (بَعْدِي يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ أَكْثَرُ مِمَّا يدخل من أمّتي) ولعله سماه غلاما مع كونه حينئذ كهلا أو شيخا على اختلاف القولين في تعريفهما والغلام إنما يطلق فيمن بلغ سبعا أو ثماني وقد يطلق على الطفل تفاؤلا وقد يقال له ما دام شابا فكأنه نظر إلى قصر عمره وتأخر عصره مع جموم مناقبه وعموم مراتبه. (وفي حديث أبي هريرة) أي ومنها في حديثه الذي رواه البيهقي وغيره (وقد رأيتني) بضم التاء حكاية عن نفسه وفي أصل الدلجي ولقد رأيتني (في جماعة من الأنبياء) أي بأجسامهم أو بأرواحهم ممثلة بصورهم التي كانوا عليها (فحانت الصّلاة) أي دنت الصلاة الجامعة لعظمة تلك الواقعة وقد أبعد الدلجي في قوله ولعلها صلاة الصبح إذ الإسراء لا يكون إلا آخر الليل وهي مما فرض على الأنبياء انتهى وقد سبق أن ابتداء الإسراء كان بعد صلاة العشاء وهو لم يكن إلا زمنا قليلا من الليل على ما يفيده تنكير ليلا فلا يتصور حمله على صلاة الصبح أصلا (فأممتهم) بتخفيف الميم الثانية أي صليت بهم تلك الصلاة إماما وقال النووي في بعض فتاواه ويحتمل أن تكون صلاته بالأنبياء ليلة الإسراء ببيت المقدس قبل صعوده إلى السماء ويحتمل أن تكون بعد نزوله منها قلت وهذا يتوقف على صحة أن يكون رجوعه إليه منها ثم قال واختلف العلماء في هذه الصلاة فقيل إنها الصلاة اللغوية وهي الدعاء والذكر والثناء وقيل هي الصلاة المعهودة المعروفة وهذا أصح لأن اللفظ يحمل على الحقيقة الشرعية قبل اللغوية إلا إذا تعذر حمله على الشرعية ولم يتعذر هنا فوجب الحمل على الحقيقة الشرعية وكان قيام الليل وإحياؤه واجبا قبل ليلة الإسراء ثم نسخ ليلة الإسراء ووجبت فيها الصلوات الخمس (فقال قائل منهم يا محمّد هذا مالك خازن النّار) فيه إشعار بأن الصلاة كانت في السماء وفي رواية أنها كانت في المسجد الأقصى ولا منع من الجمع ولا لنزول مالك وإن كان مقرة في السماء (فسلّم عليه) بصيغة الأمر لأنه ﵇ كالقائم وهو كالقاعد والقائم يسلم على القاعد وإن كان مفضولا (فالتفتّ) أي نظرت إليه (فبدأني بالسّلام) لأنه كان بمنزلة الوافد أو عملا بالأفضل خصوصا مع التأدب بالنبي الأكمل وأما ما قيل إنما بدأه به ليزيل ما يستشعره من الخوف منه فليس في محله (وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) أي المحكي عنه ما تقدم من الزيادة (ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَنَزَلَ فربط فرسه) أي براقه (إلى صخرة) أي قريبة من صخرة بيت المقدس أو إلى صخرة عظيمة معروفة مشهورة في وسط المسجد الأقصى قال البرقي في غريب المواطن قيل إن مياه الأرض كلها تخرج من تحت صخرة بيت المقدس وهي من عجائب مخلوقات الله تعالى في أرضه ومن غرائبها فإنها صخرة صماء في وسط المسجد الأقصى مثل الجبل بين السماء والأرض قد انقطعت عن الأرض كلها من كل جهة
[ ١ / ٣٩٦ ]
لا يمسكها إلا الله الذي أمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه وفي أعلاها من جهة الحرف موضع قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين ركب البراق ليلة الإسراء قد مالت من تلك الجهة من هببته ومن الجهة الأخرى إثر أصابع الملائكة التي أمسكتها إذا مالت به ذكره التلمساني أعلم أن التعبير بالفرس جاء في تذكرة القرطبي برواية البيهقي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي هريرة وكذا رواه الطبراني وجاء في التفسير في سورة الملك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومقاتل والكعبي في قوله تعالى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ إن الموت والحياة جسمان فجعل الموت في هيئة كبش لا يمر بشيء ولا يجد ريحه شيء إلا مات وخلق الحياة على صورة فرس انثى بلقاء وهي التي كان جبريل والأنبياء ﵈ يركبونها خطوها مدى البصر فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشيء يجد ريحها إلا حي ولا تطأ شيئا إلا حي وهي التي أخذ السامري من أثرها والقاه في العجل حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والماوردي عن مقاتل انتهى فلا يحتاج إلى ما تكلف بعضهم من القول بتعدد الإسراء والله تعالى أعلم (فصلّى مع الملائكة) أي الحاضرين من الزائرين (فلمّا قضيت الصّلاة) بصيغة المجهول (قالوا يا جبريل من هذا معك فقال) وفي نسخة قَالَ (هَذَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ قَالُوا وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قَالُوا حيّاه الله) جملة دعائية إما من الحياة بمعنى البقاء أي بقاه الله وأبقاه بمعنى عمره أو من التحية أي سلمه الله أو سلم عليه (من أخ) إذ المؤمنون إخوة عموما والأنبياء خصوصا لحديث الأنبياء إخوة بنو علات أبوهم واحد أي الإيمان وأمهاتهم شتى يعني الشرائع (وخليفة) أي لله في الأرض حيث يحكم بحكمه من أمره ونهيه (فنعم الأخ ونعم الخليفة) أي هو صلى الله تعالى عليه وسلم (ثمّ لقوا) أي النبي وجبريل ومن معه من الملائكة أو لأن الاثنين أقل الجمع أو جمع للتعظيم والمعنى ثم لقي (أرواح الأنبياء) أي ممثلة أو منضمة إلى اشباحهم ولعل الاقتصار على الأرواح لكمال صفائهم وضيائهم ثم هذه الملاقاة إما ببيت المقدس بعد انقضاء الصلاة أو بعد العروج في مراتبهم من السموات (فأثنوا على ربّهم) أي شكرا لما أنعم عليهم (وذكر) أي أبو هريرة (كلام كلّ واحد منهم) أي مما اثنوا على ربهم (وَهُمْ إِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَدَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ ثُمَّ ذكر كلام النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي فيما اثنى على ربه روي إن إبراهيم ﵇ قال الحمد لله الذي اتخذني خليلا وأعطاني ملكا عظيما وجعلني أمة قانتا يؤتم بي وانقذني من النار وجعلها بردا وسلاما وقال موسى ﵊ الحمد لله الذي كلمني تكليما واصطفاني وأنزل علي التوراة وجعل اهلاك فرعون ونجاة بني إسرائيل على يدي وجعل من أمتي قوما يهدون بالحق وبه يعدلون وقال داود ﵇ الحمد لله الذي جعل لي ملكا عظيما وعلمني الزبور وألان لي الحديد وسخر لي الجبال يسبحن معي والطير وآتاني الحكمة وفصل الخطاب وقال سليمان ﵊ الحمد لله الذي سخر لي الرياح
[ ١ / ٣٩٧ ]
وسخر لي الشياطين يعملون لي ما شئت من محاريب وتماثيل وعلمني منطق الطير وآتاني ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي وجعل ملكي ملكا طيبا ليس فيه حساب وقال عيسى ﵊ الحمد لله الذي جعلني كلمته وجعلني مثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله تعالى وجعلني ابرئ الأكمة والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله تعالى ورفعني وطهرني وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم فلم يكن للشيطان علينا سبيل (فقال) أي أبو هريرة رضي الله تعالى عنه (وأنّ محمّدا صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ ﷿ فَقَالَ كُلُّكُمْ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ وَأَنَا أَثْنَى عَلَيَّ رَبِّي الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْسَلَنِي رَحْمَةً للعالمين) أي لعامة الخلق (وكافّة للنّاس) أي أجمعين كما في نسخة (بشيرا) أي بالثواب (ونذيرا) أي بالعقاب (وأنزل عليّ الفرقان) أي المبالغ في الفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام (فيه تبيان كلّ شيء) أي من مهمات أمور الدنيا والدين إما بالنص أو بالإحالة على السنة لقوله تعالى وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا أو بالحث على الإجماع لقوله تَعَالَى وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ أو بالقياس لقوله تعالى فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (وجعل أمّتي خير أمّة) أي أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ الآية (وجعل أمّتي أمّة وسطا) أي خيارا عدولا أو معتدلين في أعمارهم وأخلاقهم وأرزاقهم مقتصدين في أعمالهم (وجعل أمّتي هم الأوّلون) أي في دخول الجنة (وهم الآخرون) أي في حصول الخلقة وفي إتيان ضمير الفصل تبيان أنهم هم المختصون بهذا الفضل كذا ذكره الدلجي لكن فيه بحث إذ هم في هذا التركيب مبتدأ والأولون خبره والجملة في محل نصب على أنه مفعول ثان لجعل هذا وفي صحيح مسلم نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق نحن أول من يدخل الجنة (وشرح لي صدري) أي ليسع مناجاة الحق ودعوة الخلق (ووضع عنّي وزري) أي ثقل حمل أعباء النبوة وما ترتب عليه من لأواء المشقة (ورفع لي ذكري) أي باقتران اسمه لاسمه واشتراك طاعته لرسمه (وجعلني فاتحا) أي لأبواب التحقيق وأسباب التوفيق وحاكما في خلقه أو بادئا في ظهور أمره ووجود نوره ويناسبه قوله (وخاتما) أي وجعلني خاتم النبيين والأظهر أن يقال معناهما أولا وآخرا لما روي أنه ﵊ قَالَ كُنْتُ أَوَّلَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْخَلْقِ وَآخِرَهُمْ في البعث (فقال إبراهيم بهذا) أي بمجموع ما ذكر فيما حمده وشكره (فضلكم محمّد) أيها الأنبياء وهو بتخفيف الضاد أي بهذا صار أفضلكم (ثمّ ذكر) أي أبو هريرة رضي الله تعالى عنه (أنّه) أي جبريل (عرج به) وفي نسخة بصيغة المجهول فضمير أنه للشأن (إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَمِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ نحو ما تقدّم) فيه إيماء إلى أن ملاقاته الأنبياء هذه كانت ببيت المقدس والله تعالى أعلم. (وفي حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه) أي مما رواه أبو نعيم في دلائله وابن عرفة في جزئه (وانتهى بي) يعني جبريل ﵇
[ ١ / ٣٩٨ ]
قاله الدلجي لكنه بصيغة المجهول في النسخ المصححة (إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ) كذا في مسلم قال النووي في جميع أصوله وعن المصنف هو الأصح وقول الأكثرين ومقتضى تسميتها بالمنتهى أنها في السماء السابعة ولذا صحح في بعض النسخ المعتمدة بلفظ السابعة وقد جمع بينهما النووي بأن أصلها في السادسة ومعظمها في السابعة انتهى وفي الروايات الأخر من حديث أنس رضي الله تعالى عنه أنها فوق السماء السابعة قال المصنف وخروج النهرين الظاهرين النيل والفرات من أصلها مؤذن بأنه في الأرض انتهى وفيه بحث لا يخفى ومع تسليم ظاهر ما ادعى يمكن الجمع بأن مبدأها في الأرض ومعظمها في السماء السادسة وانتهاءها ومحل اثمارها وغشيان أنوارها في السماء السابعة ويؤيده قوله (إليها) أي إلى السدرة (ينتهي من يعرج به من الأرض) بصيغة المجهول وكذا قوله (فيقبض منها) أي تقبضه الملائكة الموكلون فيها بأخذ ما صعد به من الأعمال والأرواح إليها (وإليها ينتهي ما يهبط) أي ينزل (من فوقها فيقبض منها) أي فيقبضه من أذن له بقبضه وإيصاله إلى من قضى له به وفي الحاشية قال ابن عباس والمفسرون سميت سدرة المنتهى لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ﷾ أعلم (قال) أي الله ﷾ (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى [النجم: ١٦]) أي يغطيها ما يغطي مما يصعد إليها من تحتها ويهبط عليها من فوقها وهذه عبارة لم أر من عبر بها وبهذا يجمع بين روايات مختلفة إذ روي أنه يغشاها جم غفير من الملائكة وفي رواية رفرف من طير خضر وتقدم عن الحسن أنه نور رب العزة (قال) أي ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (فراش من ذهب) الفراش بفتح الفاء الطائر الذي يلقى نفسه في ضوء السراج وقد يطلق على الحباب الذي يعلو النبيذ ونحوه وقد ذهب توجيهه (وفي رواية أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) أي ومنها في روايته (من طريق الرّبيع بن أنس رحمه الله تعالى) والربيع هذا بصري نزل خراسان روى عن جماعة من الصحابة وروى عن النووي وابن المبارك وطائفة (ر فقيل لي هذه) أي المشار إليها (سدرة المنتهى) وفي نسخة صحيحة السدرة بالألف واللام قال الأنطاكي هذا ما وقع في النسخ في هذه الرواية السدرة بالألف واللام وفي باقي الروايات سدرة المنتهى بدونهما وكذا وقع في صحيح مسلم السدرة بالألف واللام في قوله ﵊ ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى قال النووي في شرحه وفي غيره من الروايات سدرة المنتهى يعني بدون الألف واللام ولم يذكر لذلك علة (ينتهي إليها كلّ أحد) أي روحه أو عمله أو بكليته عند دخول جنته (من أمّتك خلا على سبيلك) أي مضى على طريقتك ومنه قوله تَعَالَى وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ أي مضى نبي منذر وأما ما ضبط في حاشية بضم الخاء وتشديد اللام على أنه مبني للمفعول فتصحيف وتحريف (وَهِيَ السِّدْرَةُ الْمُنْتَهَى يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا أَنْهَارٌ من ماء غير آسن) بهمزة ممدودة أو مقصورة كما قرىء بهما في السبعة غير متغير طعما ولونا وريحا، (وأنهار من لبن لم يتغيّر
[ ١ / ٣٩٩ ]
طعمه) لعل الاقتصار على الطعم لأن مدار التنعم عليه أو للزوم تغييره بتغيير لونه وريحه (وأنهار من خمر لذّة) تأنيث لذ أي لذيذة أو ذات لذة (للشّاربين) وقد يقال وصفها بلذة للمبالغة كأنها نفسها وعينها، (وأنهار من عسل مصفّى) أي مخلص من خلط شمع وغيره من فضلات النحل وغيرها فإنه مخلوق لا من صنع نحل، (وهي) أي سدرة المنتهى (شجرة) أي عظيمة (يسير الرّاكب في ظلّها سبعين عاما) وفي رواية الترمذي مائة سنة (وأنّ ورقة منها) أي من أوراق تلك الشجرة بسبب كبرها وكثرة طولها وعرضها (مظلّة الخلق) بضم الميم وكسر الظاء المعجمة من الإظلال وفي نسخة بفتحهما أي محل ظلالهم والمعنى أن ظلها شامل لهم حافل عليهم والتشبيه السابق لورقها بآذان الفيلة من حيثية الهيئة لا ينافي كبرها باعتبار العظمة (فغشيتها نور) أي نور عظيم من الأنوار الالهية لقوله (وغشيتها الملائكة) أي بأنوارهم الملكية فبقي نور على نور قيل غشيها ملائكة كأمثال الطير يقعن على الشجر وهذا التقرير أولى من قول الدلجي في قوله غشيها نور لعله نور الملائكة حين أقبلت إذ قد خلقت من نور ثم رأيت في حاشية أنه في التفسير فغشاها نور رب العزة وقد سبق أنه قول الحسن فهو أحسن (قال) أي الراوي (فَهُوَ قَوْلُهُ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى [النجم: ١٦]) أي فما سبق هو معنى قوله تعالى ما يَغْشى وإيضاح له بعد إبهامه تفخيما وتعظيما وتكثيرا لما يغشاها (فقال تبارك) أي تكاثر خيره وتزايد بره (وتعالى) أي تنزه شأنه وتبين برهانه (له) أي للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم (سل) أي تعط (فقال إنّك اتّخذت إبراهيم خليلا) أي والخلة أعظم خلة إذ هي كرامة جليلة ومقامة جميلة تشبه كرامة الخليل عند خليله مأخوذة من الخلال فإنها ود يتخلل النفس ويخالطها وقد روي أن إبراهيم ﵇ بعث إلى خليل له بمصر يمتار منه لأزمة أي شدة منه أصابت الناس فقال لو ان إبراهيم أراد لك لنفسه فعلت ولكن يريد لأضيافه وقد علم إبراهيم ما أصاب الناس فاجتاز غلمانه ببطحاء لينة فملأوا منها أوعيتهم فوجده أهل بيته دقيقا حواري فخبزوا منه فشم إبراهيم رائحة الخبز فقال من أين لكم هذا فقيل من خليلك المصري فقال بل من خيلي الله فسماه الله تعالى خليلا (وأعطيته ملكا عظيما) أي ملكا جسيما كما قال الله تعالى فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا أي آل إبراهيم معه ومنهم داود وسليمان (وكلّمت موسى تكليما) أي وعظمته بذلك تعظيما وتكريما (وأعطيت داود ملكا عظيما) قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان أشد ملوك الأرض سلطانا كان يحرس محرابه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل ذكره البغوي في تفسيره (وألنت له الحديد) أي كالشمع لا يحتاج إلى إحماء وطرق (وسخّرت له الجبال) أي معه كما في أصل الدلجي وقد قال الله تعالى إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (وأعطيت سليمان ملكا عظيما) أجمله ثم فصله بالعطف التفسيري في قوله (وسخّرت له الجنّ والإنس والشّياطين) أي كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (والرّياح وأعطيته ملكا لا
[ ١ / ٤٠٠ ]
ينبغي) أي لا يوجد (لأحد من بعده) وهذا تعميم بعد تخصيص وإعادة لما فيه زيادة وتلويح إلى ما حكاه الله عنه رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي وإنما قاله ليكون له معجزة خارقة للعادة لا أنه قصد به الحسد في الرياسة والمنافسة أو لئلا يقع أحد فيما وقع فيه من ابتلاء الحالة التي لا تخلو من نوع المحاسبة والمناقشة وصنف من المخاطرة من نقصان كمال المرتبة (وعلّمت عيسى التّوراة) أي تبعية (والإنجيل) أصلية يروى وعلمت موسى التوراة وعيسى الإنجيل (وجعلته يبرىء الأكمه) أي من ولد أعمى أو هو الممسوح العين (والأبرص) أي ممن ببدنه بياض أمهق كالجص روي أنه ربما اجتمع الألوف عليه ومن لم يطق اتيانه ذهب إليه وما يداوي إلا بالدعاء لديه والمعنى أن هذا في حال الكبر (وأعذته وأمّه من الشّيطان الرّجيم) أي في حال الصغر (فلم يكن له) أي الشيطان (عليهما سبيل) أي لقوله سبحانه إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ولاستعاذة جدته حنة امرأة عمران (فقال له ربّه تعالى) أي تسلية لنبينا عن مرتبة الغبطة بالعطية من أعلى الرتبة (قد اتّخذتك خليلا وحبيبا) والمحبة أخص من الخلة فإنها من حبة القلب ولأن الفعيل يحتمل معنى الفاعلية والمفعولية فله الجمع بين مرتبيي المحبية والمحبوبية ويؤيده أن في نسخة صحيحة خليلا وحبيبا وهي في إرادة هذا المعنى صريحة وأما قوله (فَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ مُحَمَّدٌ حَبِيبُ الرَّحْمَنِ) فلا ينافيه ما قدمناه من البيان إذا ذكر بما خص به من مقام الأعيان هذا وقد قال الدلجي هذا مدرج من كلام الراوي إقامة بينة لصحة زيادة رواية أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ولعل وجه تخصيص إضافته إلى الرحمن لكونه رحمة للعالمين من عند ارحم الراحمين (وأرسلتك إلى النّاس كافّة) أي رسالة عامة فإرساله إلى الناس تعميما يفيد تعظيما بالنسبة إلى من أوتي ملكا عظيما ثم زاد عليه بما ضم إليه من قوله (وجعلت أمّتك هم الأوّلون) أي في دخول الجنة شهودا (وهم الآخرون) أي في الدنيا وجودا (وجعلت أمتك) أي أمة الإجابة (لَا تَجُوزُ لَهُمْ خُطْبَةٌ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّكَ عبدي ورسولي) أي ولو خارج الخطبة فلا يرد على أبي حنيفة في تجويز الخطبة على نحو تسبيحة وتحميدة أو المراد بالأمة أمة الإجابة والمراد بنفي الجواز أنه لا ينبغي ترك الشهادة لا سيما حال القدرة فالمعنى على نفي الكمال كحديث كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء أي ناقصة مقطوعة الفائدة كحديث كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بسم الله أو بالحمد لله فهو أجذم أو أبتر أو أقطع روايات (وجعلتك أوّل النّبيّين خلقا) أي لأنه ﷾ خلقه قبل آدم فلما خلق آدم قذفه في صلبه فلم يزل في صلب كريم إلى رحم طاهر من السفاح حتى خرج من بين أبويه فكان أولهم خلقا ووجودا (وآخرهم بعثا) وشهودا مع زيادة أنه أعظمهم خلقا (وأعطيتك) أي خاصة (سبعا من المثاني) وهي الفاتحة على الصحيح من قوله ﷾ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ الآية (ولم أعطها نبيّا قبلك) تأكيد لما قبله وتأييد (وأعطيتك خواتيم سورة البقرة) الظاهر أنها من قوله آمَنَ الرَّسُولُ إلى آخر السورة (من
[ ١ / ٤٠١ ]
كَنْزٍ تَحْتَ عَرْشِي لَمْ أُعْطِهَا نَبِيًّا قَبْلَكَ) أي بإنزال مضمونها على أحد منهم ادخارا لك وقال التوربشتي بل المعنى أنه استجيب له ولمن سأل بحقه مضمون قوله تعالى غُفْرانَكَ رَبَّنا الخ قال الدلجي ويؤيده أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما دعا بهن قيل له قد فعلت وأوثر الإعطاء مناسبة للتعبير بكنز تحت العرش انتهى ولا يخفى أنه لا منافاة بين الجمع فالحمل عليه أولى (وجعلتك فاتحا وخاتما) أي مبدأ للخيرات ومنتهى للمبرات أو أولا وآخرا باعتبار الأرواح والأشباح من بين الأنبياء (وفي الرّواية الأخرى) أي التي رواها مسلم (قال) أي ابن مسعود (فأعطي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاثا) أي مما لم يعطها غيره (أعطي الصّلوات الخمس) أي فريضة في كل يوم وليلة (وأعطي خواتيم سورة البقرة) أي قراءة وإجابة (وغفر لمن لا يشرك بالله شيئا) أي من الشرك (من أمّته المقحمات) أي السيئات المهلكات أهلها ولو من غير توبة وفيه إشارة إلى أنه من خصوصيات هذه الأمة المرحومة ببركة نبي الرحمة لكنه مع هذا تحت المشيئة ومختص بمن تعلقت به الإرادة لقوله تعالى وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فاندفع ما أورده الدلجي من وجه الإشكال بقوله يفيد ظاهره العموم فيلزم أنه لا يعذب أحد مع الإجماع على تعذيب بعض عصاة المؤمنين أي من هذه الأمة وإلا فلا إشكال وأبعد من قال أراد بغفرانها أن لا يخلد أحد منهم في النار لا أن لا يعذب أصلا إذ فيه أنه لا خصوصية حينئذ قطعا ثم المقحمات بضم ميم وكسر حاء مهملة مخففة وقيل منتقلة الذنوب العظام التي من شأنها أن تقحم صاحبها في النار وتدخله الشدة في دار البوار وهو مرفوع على أنه نائب الفاعل لقوله غفر والمعنى أنه أعطي الشفاعة لأهل الكبائر من الأمة (وقال) أي ابن مسعود فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى [النجم: ١١] الآيتين) أي في هذه الآية وما بعدها من قوله تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أخرى (رأى جبريل في صورته) أي التي خلق عليها في أصل جبلته (له ستمائة جناح) أي مختص بزيادة الأجنحة على سائر الملائكة كما قال ﷾ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ وأشار إليه ﷾ بقوله عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى لأن القوة على قدر زيادة الأجنحة اللازمة لعظم الجثة ومنه حديث أبي داود وغيره أن الملائكة لتضع اجنحتها لطالب العلم إما حقيقة صيانة لأمره وحفظا لشأنه أو تواضعا تعظيما لحقه وأما ما ذكره السهيلي من أنه قد قال أهل العلم في أجنحة الملائكة أنها ليست كما يتوهم من أجنحة الطير ولكنها صفات ملكية لا تفهم إلا بالمعاينة فهو خلاف الظاهر المتبادر من معنى الحقيقة التي لا ينافيها عقل ولا نقل وقد أبعد بقوله واحتجوا بالآية فإنه لم ير طائر له ثلاثة أجنحة أو أربعة حيث غفلوا عن أنه لا يقاس الغائب على الحاضر وجهلوا معنى قوله ﷾ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وفي الآية قول آخر لبعض الأئمة وهو أنه رأى ربه تعالى والمعنى ما كذب بصره ما حكاه له قلبه. (وفي حديث شريك) أي ومنها في روايته (أنّه) أي النبي صلى الله تعالى عليه
[ ١ / ٤٠٢ ]
وسلم (رأى موسى في السّابعة) أي السماء السابعة كما في أصل الدلجي وقد تقدم الجمع بينهما فلا يحتاج إلى حمله على تعدد الإسراء أو تكلفه بأن إحديهما موضع استقراره والأخرى غير موضع استيطانه أو باعتبار طلوعه ورجوعه وهذا أولى مما قاله الأنطاكي ولعله رآه في السادسة ثم ارتقى إلى السابعة وهذا وجه التوفيق بين ما روي في صحيح مسلم أنه ﵊ وجد إبراهيم في السادسة وبين ما روي أنه وجده في السماء السابعة انتهى والأظهر أنه من وهم بعض الرواة فإن النسيان يغلب الإنسان (قال) أي شريك أو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (بتفضيل كلام الله) أي له كما في أصل الدلجي والمعنى أن جعله في السابعة مسبب عن ذلك قال يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ أي ولا تطلب المعراج ولا الرؤية في ذلك المدراج (ثمّ علي به) بصيغة المفعول وفي أصل الدلجي ثم علا بي أي جبريل (فوق ذلك) أي فوق ما ذكر من السماء السابعة والسدرة (بما لا يعلمه إلّا الله) أي بمقدار لا يعلمه سواه فلا يحتاج إلى ما تكلف له الدلجي بقوله إن بدل من فوق ذلك والباء للاستعلاء كما في قوله تعالى وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ أي عليه أو بمعنى إلى كما في وقد أحسن بي أي علا بي على مكان أو إلى مكان لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ (فَقَالَ مُوسَى لَمْ أظنّ أن يرفع عليّ أحد وقد روي) بصيغة المجهول أي ومنها أنه قد روي (عن أنس: أنّه صلى الله تعالى عليه وسلم صلّى بالأنبياء ببيت المقدس) أي إماما وهو لا ينافي ما روي أنه صلى بهم في السماء أو صلى مع الملائكة في المسجد الأقصى. (وعن أنس رضي الله تعالى عنه) أي ومنها ما رواه البزار والبيهقي عَنْهُ (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم بينا أَنَا قَاعِدٌ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ دَخَلَ جِبْرِيلُ ﵇ فوكز) بالواو والزاي أي دفع بأطراف أصابعه أو ضرب بكفه مجموعة (بين كتفيّ) بتشديد التحتية وهذا ضرب تلطف ومحبة أو سبب قيام وخفة ويشير إليه قوله (فَقُمْتُ إِلَى شَجَرَةٍ فِيهَا مِثْلُ وَكْرَيِ الطَّائِرِ) أي مكانين مماثلين للوكرين وهو بفتح الواو عش الطائر سواء كان في حجر أو في شجر وقيل إن كان في شجر فهو عش وإن كان في حجر فهو وكر (فقعد) أي جبريل (في واحدة) ولعل تأنيث الوكر باعتبار البقعة أو القطعة من الشجرة (وقعدت في الأخرى) وما ذكرناه أولى وأحرى مما قاله الحلبي أن تأنيثه هنا حمل على الغالب إذ الغالب أن ما يلازم الوكر الانثى للبيض والجلوس عليه وغير ذلك فاكتسب التأنيث بحسب الإضافة انتهى ويرده ما في القاموس من أن الوكر عش الطائر وإن لم يكن فيه وأما قول الدلجي انثهما باعتبار أن كلا منهما بمعنى العش وأهل مكة يذكرونه ويؤنثونه والغالب الآن على ألسنتهم التأنيث فليس في محله لأنه غير مسموع بل في القاموس ما يدل على أنه من وجهين مدفوع حيث قال العش بالضم موضع الطائر يجمعه من دقاق الحطب في افنان الشجر وبفتح (فنمت) بفتح النون والميم من النمو أي زادت وفي نسخة صحيحة فسمت بالسين المهملة والميم المخففة من السمو أي ارتفعت والضمير إلى
[ ١ / ٤٠٣ ]
الآخرى (حتّى سدّت الخافقين) بتشديد الدال المهملة أي طرفي السماء والأرض أو أفقي المشرق والمغرب (ولو شئت) أي من كمال رفعتي (لمسست السّماء) بكسر السين الأولى وتفتح وقد تحذف كما في نسخة (وأنا أقلّب طرفي) بتشديد اللام والطرف بسكون الراء بمعنى النظر والجملة حالية أي والحال أني أردد بصري تبعا لبصيرة قلبي في آيات ربي في الآفاق وفي الأنفس (ونظرت جبريل) أي رأيت كما في نسخة أي وأبصرته نازلا عني وبعيدا مني (كأنّه حلس) بكسر وسكون وفي نسخة بفتحهما أي كساء رقيق يلي ظهر البعير تحت قتبه شبه به لرؤيته له (لاطئا) بكسر مهملة فهمزة أي لاصقا بما لطئ به من هيبة الله تعالى وشدة الخشية من كمال عظمته كذا قرره الدلجي بناء على نصب لاطئا في أصله لكنه مخالف للأصول المصححة لأنه مرفوع على أنه نعت لقوله حلس ومنه حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه كن حلس بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية أمره بلزوم بيته هذا وقد روي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال مررت ليلة أسري بي وجبريل بالملأ الأعلى ساقط كالحلس البالي من خشية الله تعالى (فعرفت فضل علمه بالله سبحانه عليّ) لأنه إنما يخشى الله من عباده العلماء ولأن من يكون أعلم يكون أخشى واتقى وهذا من باب تواضعه صلى الله تعالى عليه وسلم وتعليم لأمته واتباعه وتنبيه نبيه على أن أفضل الملائكة إذا كان يخشى هذه الخشية مع ظهور العصمة فغيره أولى بأن يكون على تلك الحالة مع احتمال وجود السيئة وتحقق الغفلة (وفتح لي باب السّماء) بصيغة المفعول (ورأيت) وفي نسخة ونظرت (النّور الأعظم) أي نور الحضرة الإلهية ذكره الدلجي والله تعالى أعلم (ولطّ) بضم لام وتشديد طاء مهملة أي أرخى وفي نسخة وإذا أدنى بإذا المفاجأة أي قرب ودنا (دوني الحجاب) أي ستر باب الجناب لأن رب الأرباب منزه عن أن يدخل تحت الحجاب أو يخرج من تحت النقاب (وفرجه) بالنصب وهو بضم الفاء وسكون الراء أي ومركوز في شقه (الدّرّ والياقوت) ويروى فوقه الدر والياقوت والظاهر أنه تصحيف وضبط في حاشية التلمساني وغيره بضم الفاء وفتح الراء جمع فرجة وهو الأظهر فتدبر (ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ مَا شَاءَ أَنْ يوحي) أي إلي كما في نسخة صحيحة. (وَذَكَرَ الْبَزَّارُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله تعالى عنه) وفي نسخة بخط مغلطاي البراء بفتح موحدة وخفة راء والصواب هو الأول وهو بموحدة فزاي مشدة فألف نسبة إلى عمل بزر الكتان زيتا بلغة البغداديين وهو الحافظ العلامة أبو بكر أحمد بن عمر بن عبد الخالق البصري صاحب المسند الكبير المعلل سمع عبد الأعلى بن حماد والحسن بن علي بن راشد وطائفة وعنه أبو الشيخ والطبراني وجماعة فإنه ارتحل في آخر عمره إلى أصبهان وإلى الشام وإلى النواحي ينشر علمه ذكره الدارقطني وأثنى عليه وقال ثقة يخطىء ويتكل على حفظه مات بالرملة سنة اثنتين وتسعين ومائتين (لمّا أراد الله تعالى أن يعلّم) بتشديد اللام أي يعلمه ويلهمه (رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم الأذان) أي ما يختار للإعلام بدخول أوقات الصلوات (جَاءَهُ جِبْرِيلُ بِدَابَّةٍ يُقَالُ لَهَا الْبُرَاقُ
[ ١ / ٤٠٤ ]
فذهب يركبها) أي شرع وأراد أن يَرْكَبُهَا (فَاسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهَا جِبْرِيلُ اسْكُنِي فو الله مَا رَكِبَكِ عَبْدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم فركبها حتّى أتى بها) أي انتهى بها (إلى الحجاب الذي يلي الرّحمن تعالى) أي عرشه ﷾ (فبينا هو) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (كذلك) أي بالوصف الذي هنالك (إذ خرج ملك) أي فاجأه خروجه (مِنَ الْحِجَابِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم يا جبريل من هذا) أي من الملائكة (قال) أي جبريل (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَأَقْرَبُ الْخَلْقِ مَكَانًا) أي في السماء أو من الحجاب لا من رب الأرباب لأنه منزه عن المكان والزمان وسائر سمات الحدثان (وَإِنَّ هَذَا الْمَلَكَ مَا رَأَيْتُهُ مُنْذُ خُلِقْتُ قبل ساعتي هذه) يعني فهو داخل تحت قوله سبحانه وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ وقوله تعالى وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (فَقَالَ الْمَلَكُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقِيلَ له) أي جوابا عن مقوله (مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ صَدَقَ عَبْدِي أَنَا أَكْبَرُ أنا أكبر) هذا يحتمل أنه أمر ملكا أن يقوله عن أمر ربه كعكسه حين حكى الله عن الملائكة في قوله وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ (ثُمَّ قَالَ الْمَلَكُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقِيلَ لَهُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ صَدَقَ عَبْدِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أنا) ووقع في أصل الدلجي أنه لا إله إلا أنا وهو مخالف للنسخ المعتمدة (وذكر) أي الراوي (مثل هذا) أي الذي ذكر قولا وجوابا (فِي بَقِيَّةِ الْأَذَانِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ) فقيل له من وراء الحجاب (جَوَابًا عَنْ قَوْلِهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ على الفلاح وقال) أي الراوي (ثمّ أخذ الملك) أي المؤذن (بيد محمّد فقدّمه) أي في المقام الأتم (فأمّ أهل السّماء) أي من الملائكة والأنبياء (فيهم آدم) أبو البشر الأكبر (ونوح) ابو البشر الأصغر ولعل هذا وجه تخصيصهما فتدبر وأما ما وقع في أصل الدلجي من قول آدم وإبراهيم ثم قوله وخصا بالذكر لأنهما أبا الأنبياء فهو مخالف للأصول المعتبرة. (قال أبو جعفر) أي الصادق وهو الباقر (محمّد بن عليّ بن الحسين) أي ابن علي بن أبي طالب وهو زين العابدين رضي الله تعالى عنهم ويسمى سلسلة الذهب (راويه) أي راوي هذا الحديث الذي ذكره البزار في مسنده حيث قال حدثنا محمد بن عثمان بن مخلد حدثنا أبي عن زياد بن المنذر عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أبيه عن جده علي بن أبي طالب قال لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُعَلِّمَ رَسُولَهُ الأذان فذكره وفي سنده زياد بن المنذر وهو كذاب وقد أخرج له الترمذي وقد مال السهيلي في روضه إلى صحته لما يعضده ويشاكله من أحاديث الإسراء والله تعالى أعلم وقد تصحف في أصل الدلجي فوقع رواية بالمصدر بدل راويه (أكمل الله تعالى) أي أكمل وأتم (لمحمّد صلى الله تعالى عليه وسلم الشّرف) أي السيادة الأعم (على أهل السّموات وَالْأَرْضِ قَالَ الْقَاضِي وَفَّقَهُ اللَّهُ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ ذِكْرِ الْحِجَابِ فَهُوَ فِي حقّ المخلوق) أي مقصور من جميع الأبواب إذ الحجاب لغة المنع والستر وحقيقته للاجرام المحدودة إلا أنه قد يطلق مجازا ويقصد به التمثيل لما يفهم من مجرد المنع من رؤيته تعالى بالمشاهدة ليتصور السامع حتى يكون مستحضرا كأنه ينظر إليه متيقنا له متبصرا وأما المعنى الحقيقي فهو منحصر فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ
[ ١ / ٤٠٥ ]
(لا في حقّ الخالق) لأنه منزه عن ذلك (فهم المحجوبون) أي حسا ومعنى (والبارئ) أي الخالق البريء عن مشابهة المخلوقين (جلّ اسمه) أي وعز مسماه (منزّه عمّا يحجبه) أي يستره عن خلقه ويجعله محجوبا في حقه (إذ الحجب) بضمتين جمع حجاب (إنّما تحيط بمقدّر) أي محدود (محسوس) أي داخل تحت نطاق حاسة البصر (ولكن حجبه) بضمتين جمع حجاب وبفتح فسكون مصدر أي قد يكون حجابه (على أبصار خلقه) بفتح الهمزة أي أعينهم الظاهرة (وبصائرهم) أي أعينهم الباطنة (وإدراكاتهم) عطف تفسير (بما شاء) أي من أنواع الحجاب وفي الحديث حجابه النور أي لكماله في الظهور (وكيف شاء) أي في هذا الباب (ومتى شاء) أي من أوقات تعلق الحجاب (كقوله) أي في الكتاب (كَلَّا إِنَّهُمْ) أي الكفار (عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥]) أي لممنوعون عن رؤيتنا وشهود قدرتنا بخلاف المؤمنين فإنهم في عين عنايتنا وزين رعايتنا وحمايتنا عن عين الأغيار ورين الأوزار (فقوله في هذا الحديث الحجاب) يجوز جره على الحكاية ورفعه على الإعراب في قوله ﵊ (وَإِذْ خَرَجَ مَلَكٌ مِنَ الْحِجَابِ يَجِبُ أَنْ يقال إنّه حجاب حجب به من ورائه) أي بحسب ظاهره (من ملائكته عن الاطّلاع) بتشديد الطاء (على ما دونه) أي بحسب باطنه (من سلطانه وعظمته وعجائب ملكوته وجبروته) وقد سبق أن الملكوت هو الملك العظيم والجبروت كمال العظمة بناء على أن بناء الفعلوت للمبالغة وما أحسن قول ابن عطاء في كشف هذا الغطاء مما يدلك على وجود قهره ﷾ أن حجبك عنه بما ليس بموجود معه وقد انشدوا في هذا المعنى واطنبوا في هذا المبنى:
من أبصر الخلق كالسراب فقد ترقى عن الحجاب
إلى وجود يراه رتقا بلا ابتعاد ولا اقتراب
ولم يشاهد به سواه هناك يهدي إلى الصواب
فلا خطاب به إليه ولا مشير إلى الخطاب
(ويدلّ عليه) ما ذكرناه (من الحديث) أي من بعض ما في نفس الْحَدِيثِ (قَوْلُ جِبْرِيلَ عَنِ الْمَلَكِ الَّذِي خَرَجَ مِنْ وَرَائِهِ إِنَّ هَذَا الْمَلَكَ مَا رَأَيْتُهُ مُنْذُ خُلِقْتُ قَبْلَ سَاعَتِي هَذِهِ فَدَلَّ عَلَى أنّ هذا الحجاب) أي تعلقه (لم يختصّ بالذّات) بل اختص بالمخلوقات نعم الذات محتجبة بالصفات والصفات محتجبة بالموجودات لا بمعنى أن ذلك الجناب يحجب بالحجاب بل بمعنى إن أكثر الكائنات احتجبوا بوجود الخلق عن شهود صفات الحق وبشهودها عن الموجود المطلق ثم منهم من حجب عن الله تعالى بالشهوات الدنيوية والدرجات الأخروية أو المقامات العلية ومنه قولهم العلم حجاب في هذا الباب وكل ذلك من الأغيار العدمية والوجودات الوهمية ولو ارتفع الحجاب عنهم لفنوا عن أنفسهم وإرادتهم وبقوا بربهم فإن الفناء على ثلاثة أوجه فناء في الأفعال ومنه قولهم لا فاعل إلا الله تعالى وفناء في الصفات
[ ١ / ٤٠٦ ]
ومنه لا حي ولا عالم ولا قادر ولا مريد ولا سميع ولا بصير ولا متكلم على الحقيقة إلا الله تعالى وفناء في الذات أي لا موجود على الإطلاق إلا الله وأنشدوا في هذا المبنى لتصحيح المعنى:
فيفنى ثم يفنى ثم يفنى فكان فناؤه عين البقاء
(ويدلّ عليه) أي على ما ذكرنا من تعلق الحجاب بالكائنات دون الذات (قول كعب) أي كعب الأحبار (في تفسير سدرة المنتهى) أي في بيان سبب تسميتها بها (قال إليها ينتهي علم الملائكة و) يعني وسببه (أنهم عندها يجدون أمر الله تعالى) أي لا عند غيره (لا يجاوزها علمهم) أي فهم محجوبون عما وراءها (وَأَمَّا قَوْلُهُ الَّذِي يَلِي الرَّحْمَنَ فَيُحْمَلُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ يَلِي عَرْشَ الرَّحْمَنِ أَوْ أمرا مّا) كذا بالنصب في النسخ والظاهر كونه مجرورا أو مرفوعا ولعله أراد أن أي بمعنى يعني أو أعني أمرا من الأمور اللائقة بمرام هذا المقام وذهب الدلجي إلى أن التقدير يلي أمرا ما (من عظيم آياته أو مبادىء حقائق معارفه) أي المتعلقة بذاته وصفاته (ممّا هو أعلم به) أي من أسرار مكنوناته (كما قال تعالى) أي في استعمال حذف المضاف (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] أي أهلها) يعني أنه من قبيل مجاز الحذف وهو أشهر مما قيل إنه من باب ذكر المحل وإرادة الحال والله تعالى أعلم بالحال (وَقَوْلُهُ فَقِيلَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ صَدَقَ عَبْدِي أنا أكبر) كما تقدم (فظاهره أنّه سمع) بصيغة المجهول وقال الدلجي أي سمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (في هذا الموطن كلام الله تعالى ولكن مِنْ وَراءِ حِجابٍ قلت فيأول الإشكال في هذا الباب مع ما فيه من سماع كلامه من جهة محصورة بوهم الحجاب ولهذا دفعه بقوله (كما قال تَعَالَى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشُّورَى: ٥١]) فإن المراد بالوحي على طريق المكاشفة لأن الوحي إعلام في خفاء إما بالإلهام وهو القذف في القلب كما أوحي إلى أم موسى ﵇ أو في المنام كما أوحي إلى إبراهيم ﵇ في ذبح ولده وبقوله مِنْ وَراءِ حِجابٍ أن يكون البشر من وراء حجاب البشرية المانعة من شهود وجود الذات الصمدية بأن يسمعه ولا يراه كما كلم موسى ﵊ وليس المراد أن هناك حجابا يفصل موضعا عن موضع أو يدل على تحديد المحجوب وإنما هو بمنزلة ما يسمع من وراء الحجاب حيث لم ير المتكلم في هذا الباب والله تعالى أعلم بالصواب ولذا قال المصنف (أي وهو) أي البشر (لا يراه) أي الحق ﷾ (حجب بصره) أي منعه (عن رؤيته) أي لا ذاته عن بصره، (فَإِنْ صَحَّ الْقَوْلُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم رأى ربّه) أي بعين البصر (فيحتمل أنّه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رآه (في غير هذا الموطن بعد هذا) أي هذا الوقت (أو قبله) أي من الزمان بمعنى أنه (رفع الحجاب عن بصره حتّى رآه) وفي أصل الدلجي فرآه (والله أعلم) أقول ولا مانع من أنه رآه في ذلك الحين بعينه إذ لا يختص برفع
[ ١ / ٤٠٧ ]
الحجاب وكشف النقاب مكان دون مكان ولا زمان دون زمان لإرادة العيان كما لا يخفى على الأعيان ولابن عطاء حكم توجب في الجملة كشف غطاء فأحببت أن أذكرها وهي قوله. كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء أم كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء بل وهو الظاهر قبل وجود كل شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء فالحق ليس بمحجوب وإنما المحجوب أنت عن النظر إليه إذ لو حجبه شيء لستره ما يحجبه ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر وكل حاصر لشيء فهو له قاهر وهو القاهر فوق عباده انتهى وإذا قال الله تعالى لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا كيف يحيطون به جرما وإني للعدم حتى يغلب القدم نعم أن لله ﷾ سبعين ألف حجاب من النور في عالم الظهور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليها نور بصره وقد قال الله تعالى كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ أي باطل ومضمحل وفان في نظر أرباب العرفان في كل آن وزمان ولذا قال بعض أرباب الشهود سوى الله والله ما في الوجود وقال بعض الشطار ليس في الدار غيره ديار فهو من غاية ظهوره باطن ومن نهاية بطونه ظاهر وفي عين أبديته أول وفي عين أزليته آخر وغيره كالهباء في الهواء والسراب في نظر مشتاق الشراب وإلا فما للتراب ورب الأرباب والله تعالى أعلم بالصواب.
فصل [ثم اختلف السلف والعلماء هل كان إسراء بروحه أو جسده]
أي من متعلقات هذا الباب (ثمّ اختلف السّلف) أي الصحابة والتابعون (والعلماء) أي الخلف المجتهدون (هل كان) أي وقع (الإسراء بروحه) أي فقط (أو جسده) أي مع روحه في جميع اسرائه أو في بعضه كما سيأتي في كلامه ويندرج فيه أيضا قول آخر لبعضهم أنه أسري به مرتين مرة مناما ومرة يقظة جمعا بين الروايتين وكذا قول التوقف بأن يقال اسري به ولا يقال يقظة ولا مناما وهو قول غريب حكاه الإمام الجوزية في أوائل كتابه الهدى ولعل وجهه أنه ورد في بعض طرق الخبر أنه كان بين النائم واليقظان فلم يعرف حقيقة أمره ولذا عبر بعضهم عنه بالنوم وبعضهم باليقظة اعتبارا بالغلبة وكأن المصنف لم يلتفت إلى هذه المقالة فينتظم قوله (على ثلاث مقالات) أي لطوائف ثلاث كما فصلها بقوله (فذهبت طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ إِسْرَاءٌ بِالرُّوحِ وَأَنَّهُ رُؤْيَا منام) بدل مما قبله أو عطف تفسير له إذ هو في هذا المقام إنما يكون في حال المنام (مع اتّفاقهم أنّ رؤيا الأنبياء حقّ) أي ثابت غير كذب (ووحي) أي يعمل به بخلاف رؤيا غيرهم ويدل عليه قوله تعالى حكاية يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ وحديث تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم (وإلى هذا ذهب معاوية رضي الله تعالى عنه) أي من الصحابة كما رواه ابن إسحاق وابن جرير عنه وهو ابن أبي سفيان كلاهما من مسلمة الفتح وهو أحد كتبة الوحي وقيل إنما كتب له كتبه إلى الاطراف وتولى الشام في زمن عمر رضي الله تعالى عنه ولم يزل بها حاكما إلى أن مات وذلك أربعون سنة روى عنه ابن عباس وأبو
[ ١ / ٤٠٨ ]
سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما وكان عنده إزار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ورداؤه وقميصه وشيء من شعره وأظفاره فقال كفنوني في قميصه وأدرجوني وفي رواية وآزروني بإزاره وأحشوا منخري وشدوا مواضع السجود مني بشعره وأظفاره وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين (وحكي) أي مثل ذلك (عن الحسن) أي البصري. (والمشهور عنه خلافه) وهو أنه كان في اليقظة (وإليه) أي وإلى هذا القول (أشار محمّد بن إسحاق) أي ابن يسار إمام المغازي (وحجّتهم) أي لقولهم إنه رؤيا منام (قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ) أي ظاهرة إذ في آخر الآية دلالة على أنه كان باليقظة حيث قال (إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء: ٦٠]) أي ابتلاء وامتحانا في تصديق القضية إذ انكرته قريش وارتد كثير من أهل التقليد وصدقه الصديق وأهل التوفيق والتأييد إذ من المعلوم أنه لا فتنة إلا إذا كان في حال اليقظة فالرؤيا بمعنى الرؤية ولعل تسميتها بها لأنها من غرابتها في معنى الرؤيا وقد سبق جواز تقدير مضاف أي تحقيق الرؤيا وتصديقها وبه يجمع بين الروايات فإنه رأى أولا رؤيا وثانيا رؤية فقد قال السهيلي وذهبت طائفة منهم شيخنا أبو بكر إلى أن الإسراء كان مرتين أحديهما في نومه توطئة له وتيسيرا عليه كما كان بدء نبوته الرؤيا الصادقة ليسهل عليه أمر النبوة فإنه عظيم تضعف عنه القوى البشرية وكذا الإسراء سهل عليه بالرؤيا لأن هوله عظيم ورأيت المهلب في شرح البخاري قد حكي هذا القول عن طائفة من العلماء وأنهم قالوا كان الإسراء مرتين مرة في نومه ومرة في يقظته ببدنه صلى الله تعالى عليه وسلم انتهى ولا يبعد أن يقال اسراؤه الروحي كان مرات باعتبار المكاشفات في اليقظات والمنامات وأما اسراؤه الجسدي فمرة واحدة تحقيقا لتلك المقامات والحالات مع الزيادة الحاصلة بالكلام والرؤية وسائر الدرجات هذا مع أن آية وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا قد قيل المراد بها ما رآه عام الحديبية أنه وأصحابه دخلوا مكة بدليل قوله تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ الآية فلما صدوا فيه عنه فتنوا فقيل لم يقل في هذا العام فدخلها بعد أو ما رآه في وقعة بدر بدليل قوله تعالى إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا ووقع في أصل الدلجي وقيل رآها عام الحديبية وهو يوهم أنه من أصل الكتاب وهو ليس في الأصول الصحيحة على الصواب (وما حكوا) أي وحجتهم أيضا ما حكوه من رواية ابن إسحاق وابن جرير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَا فَقَدْتُ جسد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) ويبطله أنه لم يدخل بها إلا بعد الهجرة والإسراء إنما كان بمكة بعد البعثة كما قال ابن إسحاق بعد ان فشا الإسلام بمكة والأشبه أنه كان بعدها بخمس سنين كما نقله النووي عن المصنف وروي عنها ما فقد جسد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بصيغة المفعول وهو أظهر في الاحتجاج المنقول (وقوله) أي وحجتهم أيضا قوله (بينا أنا نائم) أي في الحطيم وربما قال في الحجر. (وقول أنس رضي الله تعالى عنه) أي وحجتهم أيضا قوله في حديثه (وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَذَكَرَ الْقِصَّةَ) أي قصة الإسراء وفيه أن كونه نائما في
[ ١ / ٤٠٩ ]
أول الوهلة لا ينافي وقوع القصة في اليقظة آخر الدفعة (ثمّ قال) أي أنس رضي الله تعالى عنه (في آخرها) أي القصة (فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام) وفيه أن المراد بالاستيقاظ هو الاستحضار والاستشعار عما كان له من الاستغراق في مقام الابرار مع احتمال أن نومه في حال رجوعه واستيقاظه وقت وقوعه (وذهب معظم السّلف والمسلمين) أي من الخلق (إلى أنّه إسراء بالجسد) أي مع الروح لا بالروح دون الجسد (وفي اليقظة) بفتح القاف ولا يجوز تسكينها وهي ضد المنام (وهذا هو الحقّ) أي الثابت عند أهله (وهو قول ابن عبّاس وجابر) أي ابن عبد الله (وأنس رضي الله تعالى عنه) أي ابن مالك (وحذيفة) أي ابن اليمان (وعمر رضي الله تعالى عنه) أي ابن الخطاب وكان حقه أن يقدم على ما سبق من الأصحاب (وأبي هريرة ومالك بن صعصعة رضي الله تعالى عنهما) مدني سكن البصرة وروى عنه أنس وغيره (وأبي حبّة) بفتح حاء مهملة وتشديد موحدة قيل بالنون وقيل بالتحتية (البدريّ) قيل هو الأنصاري وقيل هو غيره (وابن مسعود) رضي الله تعالى عنه وكان حقه أن يذكر بعد عمر لأنه أفضل الصحابة بعد الخلفاء الأربعة وبه تم ذكر الصحابة رضي الله تعالى عنهم (والضّحّاك) أي ابن مزاحم الهلالي البلخي المفسر تابعي جليل يروي عن أبي هريرة وأنس وابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم وثقه أحمد وابن معين وذكره الشيرازي في فقهاء خراسان من أصحاب عطاء الخراساني وغيره (وسعيد بن جبير) يروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره قتل في شعبان شهيدا أخرج له الأئمة الستة (وقتادة) أي ابن دعامة (وابن المسيّب) بفتح التحتية المشددة وتكسر (وابن شهاب) أي الزهري (وابن زيد) أي ابن أسلم وهو متكلم فيه (والحسن) أي البصري (وإبراهيم) أي النخعي (ومسروق) أي ابن الأجدع الهمداني يروي عن أبي بكر ومعاذ رضي الله تعالى عنهما وكان أعلم بالفتيا من شريح أخرج له الأئمة الستة وهو من الزهاد الثمانية يقال إنه سرق صغيرا ثم وجد فسمي مسروقا وقد كانت عائشة تبنته فسمي ابن عائشة وكني بها روى عنه الشعبي والنخعي وغيرهما (ومجاهد) أي ابن جبير (وعكرمة) أي المفسر مولى ابن عباس لكنه أباضي وسيأتي في كلام المصنف بيانه (وابن جريج) بالجيمين مصغرا فهؤلاء كلهم من أجلاء التابعين رحمهم الله تعالى (وهو دليل قول عائشة) أي مذهبها المختار لها وهو لا ينافي ما سبق مما نسب إليها وحكي عنها وهذا الاستعمال شائع فيما بين العلماء والفقهاء حيث يقال هذا قول أبي حنيفة ومالك رحمهما الله ويحكى عنهما خلاف ذلك وبهذا بطل اعتراض الدلجي على المصنف بقوله كيف يكون الإسراء يقظة بدليل قولها ما فقدت جسده المحتج به آنفا أنه كان مناما وقد سمعت إبطاله وتعجب من حكاية المصنف له في المذهبين مع امتناع كونه حجة للأول وكون الثاني دليلا له فإنه سهو لا ريب من ذي فهم ثاقب انتهى ومما يدل على ما قدمنا عنها أنها نفت الرؤية البصرية وقالت بالرؤيا البصيرية ومثل هذه المسألة الخلافية لا تتصور إلا إذا كانت القضية في اليقظة بخلاف الحالة المنامية (وهو قول الطبري) أي محمد
[ ١ / ٤١٠ ]
ابن جرير (وابن حنبل) أي الإمام أحمد صاحب المذهب (وجماعة عظيمة) أي رتبه وكثرة (من المسلمين وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ والمتكلّمين والمفسّرين وقالت طائفة) أي من الجامعين بين الروايات المختلفة (كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس) يروى يقظة في المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى (وإلى السّماء بالرّوح) أي مناما وهذا يشبه قول المعتزلة (وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء: ١]) ووجه الاحتجاج ما بينه المصنف بقوله (فَجَعَلَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى غَايَةَ الْإِسْرَاءِ الَّذِي وقع التّعجّب فيه بعظيم القدرة) أي المؤثرة وفق الإرادة حيث كان في سيره ساعة طي مسافة كثيرة والتعجب من لوازم المعجزة وإن صدر من أعدائه على طريق الاستحالة (والتّمدّح) أي ووقع التمدح (بتشريف النّبيّ محمّد) صلى الله تعالى عليه وسلم (به) أي بالإسراء نفسه (وإظهار الكرامة له) أي ووقع إظهار الكرامة له صلى الله تعالى عليه وسلم (بالإسراء إليه) أي إلى المسجد الأقصى بخصوصه (قال هؤلاء) أي الذاهبون إلى المذهب الثالث في الإسراء (وَلَوْ كَانَ الْإِسْرَاءُ بِجَسَدِهِ إِلَى زَائِدٍ عَلَى المسجد الأقصى لذكره) أي سبحانه في كتابه (فيكون) أي ذكره فيه (أبلغ في المدح) أي في مقام مدحه من عدم ذكره ولعل الحكمة في ذلك أن يكون الإيمان في هذه القصة ثابتا بمجموع الكتاب والسنة؛ (ثمّ اختلفت هذه الفرقتان) أي الثانية والثالثة في أنه صلى الله تعالى عليه وسلم (هل صلّى ببيت المقدس أم لا) فقيل نعم (فَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صلاته فيه) أي بالأنبياء وسبق أنه صلى الله تعالى عليه وسلم مع الملائكة ولا منع من الجمع (وأنكر ذلك) أي كون صلى الله تعالى عليه وسلم صلى فيه (حذيفة بن اليمان وقال) أي حذيفة كما رواه أحمد عنه (والله ما زالا) أي النبي وجبريل ﵉ (عن ظهر البراق حتّى رجعا) وهو بعيد جدا لما سبق صريحا فيما ورد صحيحا من ربط البراق بباب المسجد وصلاته فيه على ما هو اللائق بأدب المسجد من التحية التي هي السنة فيه ثم من القواعد المقررة أن المثبت مقدم على النافي ومن حفظ حجة على من لم يحفظ (قال القاضي رحمة الله تعالى عليه والحقّ من هذا) أي ما ذكر (والصّحيح إن شاء الله تعالى) استثناء للتبرك بمنزلة والله تعالى أعلم (إِنَّهُ إِسْرَاءٌ بِالْجَسَدِ وَالرُّوحِ فِي الْقِصَّةِ كُلِّهَا وعليه) أي وعلى هذا (تدلّ الآية وصحيح الأخبار) أي مجموعهما على جميعها غايته أن دلالة الآية على الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى نص قاطع يكون جاحده كافرا أو منافقا ودلالة الاحاديث على اسرائه إلى السماء وسدرة المنتهى ومقام قاب قوسين أو أدنى ظنية منكر يكون مبتدعا فاسقا (والاعتبار) بالرفع معطوف على ما قبله على ما اقتصر عليه الحلبي ولا يبعد أن يكون مجرورا بالعطف على الإخبار والمراد به المقايسة يعني إذا ثبت اسراؤه من الحرام إلى الحرام معجزة بدلالة الآية فيجوز اسراؤه إلى السماء بالمقايسة المقرونة بالأحاديث الثابتة إذ لا فرق بينهما في تعلق الإرادة والقدرة (ولا يعدل عن الظّاهر)
[ ١ / ٤١١ ]
بصيغة المجهول أي ولا يصرف عن ظاهر دلالة الآية والأخبار الواردة (والحقيقة) أي ولا عن إرادة الحقيقة اللغوية المنضمة مع الإرادة العرفية (إلى التّأويل) أي فيهما أو في أحدهما (إلّا عند الاستحالة) أي العقلية والشرعية (وليس في الإسراء بجسده) أي الشامل لبدنه وروحه (وحال يقظته استحالة) أي لا شرعا ولا عقلا حتى يحتاج إلى تأويل في مآله بل يتعين أن يكون بكمال جماله ويقظة حاله (إِذْ لَوْ كَانَ مَنَامًا لَقَالَ بِرُوحِ عَبْدِهِ ولم يقل بعبده) أي لأنه بحسب إطلاقه محمول على كمال إفراده من عباده (وقوله) أي ويدل على كونه يقظة لا مناما قوله (ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [النجم: ١٧]) إذ ليس للروح بصر بل بصيرة وأيضا لا يمدح عدم زيغ بصر النائم إذ لا حقيقة لحاله فلا يعد عدم الطغيان من كماله ومعنى الآية ما مال بصره يمينا ولا شمالا في مقام أدبه مع ربه وما جاوز ما أمره (ولو كان) أي الإسراء (مناما لمّا كانت فيه آية) وقد قال الله تَعَالَى لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (ولا معجزة) أي أمر خارق للعادة وإن كانت رؤيا الأنبياء حقا وأخبارهم عنها صدقا (ولمّا استبعده الكفّار ولا كذّبوه فيه) أي في أخباره (وَلَا ارْتَدَّ بِهِ ضُعَفَاءُ مَنْ أَسْلَمَ وَافْتُتِنُوا به) أي ولا وقعوا به في الفتنة في انباء اسرائه (إذ مثل هذا) أي الحال (من المنامات لا ينكر) أي لا يعد من المحال لأن أحد الناس يرى في نومه أنه يسير في الشرق مرة وفي الغرب أخرى وهو لم يتحول عن مكانه ولم تتبدل حاله الأولى (بل لم يكن ذلك) أي الإنكار والاستبعاد وعده من الاستحالة ووقوع الارتداد (منهم إلّا وقد علموا أنّ خبره) أي عن اسرائه (إنّما كان عن جسمه) أي مع روحه (وحال يقظته) أي أخذا من خبره منضما (إلى ما ذكر) أي النبي ﵊ وقال الحلبي إنه بصيغة المجهول (في الحديث) أي الحديث المشهور في الإسراء (من ذكر صلاته بالأنبياء ببيت المقدس) أي قبل اسرائه إلى السماء (فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ أَوْ فِي السَّمَاءِ عَلَى ما روى غيره) أي غير أنس كما تقدم من المنافاة بينهما إذ لا يخفى وجه جمعهما (وذكر مجيء جبريل ﵇ له) عطف على قوله ذكر صلاته المجرور بمن البيانية أي ومن ذكر مجيء جبريل له ﵇ (بالبراق وخبر المعراج) أي ومن ذكر خبر حال عروجه إلى السماء بالإسراء والمراد بالمعراج آلة العروج كالسلم للصعود (واستفتاح السّماء فيقال ومن معك) أي بعد ما يقال من أنت فيقول جبريل فيقال ومن معك (فيقول محمّد) أي وأمثال هذا من الدلالات في الروايات (ولقائه) أي ومن ملاقاته ﵊ (الأنبياء فيها) أي في السماء بأصنافها (وخبرهم معه) أي خبر الأنبياء معه بتفصيل مقاماتهم وتبيين حالاتهم (وترحيبهم به) أي وتحيتهم له كما في نسخة وأصل الترحيب قول مرحبا، (وشأنه) أي وقصته (في فرض الصّلاة) أي خمسين اولا (ومراجعته) أي ومكالمته (مع موسى في ذلك) أي في تخفيفها أو مراجعته إلى الله تعالى مع مساعدة موسى عليهما الصلاة والسلام في ذلك (وفي بعض هذه الأخبار) أي أدلة صريحة على هذا المدعي وروايات صحيحة المبنى من طريق الشيخين عن أنس رضي الله تعالى عنه (فأخذ يعني جبريل بيدي) تفسير من بعض
[ ١ / ٤١٢ ]
الرواة (فعرج بي إلى السّماء) أي فلما جئت السماء الدنيا قال جبريل لخازنها افتح فلما فتح علونا السماء الدنيا إذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة الحديث بطوله (إِلَى قَوْلِهِ ثُمَّ عَرَجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام) أي صريرها كما في رواية وقد فرض الله هناك عليه خمسين صلاة فرجع فمر بموسى فلم يزل بينه وبينه حتى قيل له هي خمس وهن خمسون (وَأَنَّهُ وَصَلَ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَأَنَّهُ دَخَلَ الجنّة) أي جنة المأوى (ورأى فيها ما ذكره) أي من جنابذ اللؤلؤ وأن ترابها المسك قال الدلجي وظاهر هذا كله شاهد صدق بأنهما نزلا عن البراق وإن أنكره حذيفة انتهى ولا يخفى أن الظاهر عدم النزول عن البراق إلا أن يدل دليل صحيح وصارف صريح فيها هنالك لذلك (قال ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما) أي كما رواه البخاري (هي رؤيا عين رآها صلى الله تعالى عليه وسلم) أي في حال اليقظة (لا رؤيا منام) أي وإن كان رؤيا الأنبياء حقا في ثبوت المرام وقد قيل بتعدد المعراج إلى سبع مرات فيمكن الجمع بذلك بين الروايات (وعن الحسن) أي البصري (فيه) أي في حديث معراجه كما رواه ابن إسحاق وابن جرير عنه مرسلا (بينا أنا نائم في الحجر) بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم وقال النووي إنه رأى لبعض المصنفين على المهذب أنه يقال أيضا بفتح الحاء كحجر الإنسان فقيل كله من البيت وقيل ستة أذرع وقيل سبعة هذا وقد سبق أنه رأى بين النائم واليقظان ولا يبعد أن يراد بالنائم المضطجع فإنه على هيئة النائم وقد يعبر به عنه على أنه لا تنافي بين كونه نائما في أول القضية ومستيقظا في آخر القصة مع أنه روي بينا أنا جالس في الحجر (جاءني جبريل فهمزني) أي غمزني (بِعَقِبِهِ فَقُمْتُ فَجَلَسَتْ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا فَعُدْتُ لمضجعي، ذكر) أي الحسن أو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ فَأَخَذَ بِعَضُدَيَّ) بصيغة الإفراد وفيه أربع لغات فتح العين مع ضم الضاد وكسرها وسكونها وضم العين مع السكون أي أمسك ما فوق مرفقي (فجرّني إلى باب المسجد) قال الدلجي الله أعلم بصحة هذا الحديث لنزاهة جبريل عن أن يفعل به ذلك انتهى ولا يخفى أنه إذا ثبت من طريق أمامين جليلين هذا المبنى ينبغي أن يحمل على محمل لطيف في المعنى وهو مناسبة الرجل للرجل في قوله فهمزني بعقبه وقد نبه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعض أصحابه من المنام بهذه الكيفية فهذا ليس من باب قلة الأدب بل من طريق عدم التكلف الدال على كمال الخصوصية وقد قيل ان الهمز تنبيه الرجل بحركة لطيفة وأما الأخذ بالعضد فلا خفاء في المناسبة المساعدة للتقوية العضدية وأما قوله فجرني فكناية عن كمال الجذبة الملكية المتسببة عن الجذبة الالهية على ما تقتضيه القضية الإسرائية إلى المراتب الاصطفائية وقد روي فجبذني وهو مقلوب جذبني (فَإِذَا بِدَابَّةٍ وَذَكَرَ خَبَرَ الْبُرَاقِ وَعَنْ أُمِّ هانىء) بكسر النون فهمز وهي بنت أبي طالب أخت علي رضي الله تعالى عنهما اسلمت يوم الفتح وقد خطبها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقالت إني امرأة مصيبة واعتذرت إليه فعذرها روى عنها علي وابن عباس وعكرمة وعروة وعطاء وخلق كما روى ابن إسحاق
[ ١ / ٤١٣ ]
والطبراني وابن جرير عنها أنها قالت (ما أسري برسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا وَهُوَ فِي بَيْتِي تِلْكَ اللّيلة) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن الحرم كله مسجد أي لإحاطته بالمسجد والتباسه به فلا ينافي قوله تعالى من المسجد الحرام (صلّى العشاء الآخرة) أي بأن خرج منه ودخل الحجر فصلى فيه (ونام بيننا) أي فيما بيننا بأن رجع ونام مع أهل بيت أم هانىء وهو كناية عن أنه كان بعد صلاة العشاء الآخرة عندهم في مكة فبيننا بمعنى عندنا وقد تصحف على الدلجي بقوله شيئا أي نام شيئا من الليل أو بعضا من النوم (فلمّا كان قبيل الفجر أهبّنا) بتشديد الموحدة أي أيقظنا (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) وظاهر هذا الحديث أن الإسراء إنما كان في الثلث الأخير من الليل وهو وقت السحر وزمان التهجد للعبادة على أنه لا يلزم من إيقاظه لهم حينئذ أن يكون عقب نزوله إذ يمكن أنه كان في المسجد مشتغلا بالطواف والعبادة فلما قارب الصحيح رجع إليهم وأيقظهم (فلمّا صلّى الصّبح) أي نقلا أو كانت صلاتان فريضة قبل الإسراء صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها والأظهر أنه صلى الصبح المفروض في ليلة الإسراء من جملة الخمس (وصلّينا) أي معه أو بدونه (قال يا أمّ هانىء لقد صلّيت معكم العشاء الآخرة) فيه نوع تغليب أن صلت معه صلى الله تعالى عليه وسلم حقيقة أو معنى (كما رأيت بهذا الوادي) أي وادي مكة لإحاطة الجبال بها (ثمّ جئت بيت المقدس) أي ذهبت إليه (فصلّيت فيه) أي صلاة التهجد مع الأنبياء والملائكة (ثمّ صلّيت الغداة) أي صلاة الغدوة وهي الصبح (معكم الآن كما ترون) أي كما رأيتم فالعدول عن الماضي إلى المضارع لاستحضار الحال الماضية. (وهذا بين) بتشديد التحتية المكسورة أي وهذا الحديث برهان ظاهر (في أنّه) أي الإسراء (بجسمه) أي لا بروحه فقط ولا ينافي قولها وصلينا أنها اسلمت عام الفتح وهو بعد الإسراء بكثير لأن المراد بضمير الجمع جماعة قد اسلموا قبل ذلك وصلوا هنالك وأما قول الدلجي إنه ليس من قولها بل أدرجه الراوي في كلامها فمحمل بعيد وتأويل غير سديد وكذا تأويل الشمني أن معنى صلينا هيأنا له ما يحتاج إليه في الصلاة ثم هذا كله مبني على أن المعراج من بيت المقدس وأنه مع الإسراء في ليلة واحدة وأما على أنه من مكة وأنه ليس مع الإسراء في ليلة واحدة فقولها صلى الصبح على حقيقية من غير تأويل لأن الصلوات الخمس فرضت ليلة المعراج وهو على هذا القول كان في رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا والإسراء كان في الربيع الأول قبل الهجرة بسنة. (وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ مِنْ رِوَايَةِ شَدَّادِ بْنِ أوس عنه) أي كما رواه البيهقي وابن مردويه (أنّه قال للنّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ طَلَبْتُكَ يَا رسول الله البارحة في مكانك) أي في محلك المعتاد أول الليلة أو آخرها (فَلَمْ أَجِدْكَ فَأَجَابَهُ إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇) أي بأنه (حملني) وهو الظاهر المتبادر فلا يحتاج إلى تكلف الدلجي من غير نص على كسر أن حيث قال التقدير فأجابه قوله له إن جبريل حملني أي على البراق (إلى المسجد الأقصى) ثم هذا الحديث أيضا دليل ساطع على أن الإسراء كان يقظة؛
[ ١ / ٤١٤ ]
(وعن عمر ﵁) أي كما رواه ابن مردويه من طريق عَنْهُ (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فِي مقدّم المسجد) أي المسجد الأقصى (ثمّ دخلت الصّخرة) أي تحتها أو مكانها (فإذا بملك) وفي نسخة فإذا ملك (قائم) بالجر والرفع بناء على النسختين (معه آنية ثلاث) أي من اللبن والخمر والعسل، (الحديث) أي كما سبق. (وهذه التّصريحات) أي في الروايات الصحيحات ظاهرة في أن القصة كانت يقظة (غير مستحيلة) أي شرعا وعقلا وثبت نقلا (فتحمل على ظاهرها) أي ولا يجوز العدول عنه؛ (وعن أبي ذرّ رضي الله تعالى عنه) كما في الصحيحين مرفوعا (عنه صلى الله تعالى عليه وسلم فرج) بصيغة المفعول مخففا وجوز مشددا أي كشف وأزيل (سقف بيتي) أضيف إليه تارة لأنه كان ساكنا فيه وإليها أخرى من حيث إنه كان ملكها (وأنا بمكّة) جملة حالية (فنزل جبريل فشرح صدري) أي فعل بي ما يوجب شرح صدري وتصحف على الدلجي بقوله ففرج بالفاء والجيم وفسره بقوله شقه (ثمّ غسله بماء زمزم) لأنه أفضل مياه العالم وقد أبعد الدلجي حيث علله بقوله لأنه فد ألفه صغرا وكبرا (إلى آخر القصّة) أي كما سبقت (ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنه أتيت) بصيغة المفعول أي أتاني آت وهو جبريل ﵇ كما صرح به في رواية (فانطلق) بصيغة المجهول أي فذهب (بي) وفي نسخة فانطلقوا بي (إلى زمزم فشرح عن صدري) الجار نائب الفاعل (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عنه صلى الله تعالى عليه وسلم) كما رواه مسلم (لقد رأيتني) بضم تاء المتكلم (في الحجر وقريش تسألني عن مسراي) بفتح ميم وسكون سين أي عن علامات سيرى أو مكانه (فسألتني عن أشياء) أي من بيت المقدس وطريقه (لم أثبتها) من باب الافعال أي لم احفظها ولم اضبطها وعدم اثباته تلك الأشياء لكمال ثباته في مقام الإسراء باشتغاله بالملائكة والأنبياء وعجائب ملكوت الأرض والسماء وأبعد من توهم أن قوله لم أثبتها قرينة على أن القضية كانت مناما فإن النائم أقل ضبطا من المستيقظ حيث لم يعرف أنه لا فرق بين ضبطه مناما ويقظة إذ الأنبياء لا تنام قلوبهم ورؤياهم وحي وأما الإحاطة بجميع علامات الطرق والمسجد الأقصى فليس شرطا في حصول العلم به إذ يكفيه إخباره ببعض العلامات مما يوجب كونه من الآيات وخوارق العادات (فكربت كربا) بفتح فسكون أي غما يأخذ النفس والفعل مبني للمجهول كقوله (مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أنظر إليه) فما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم (ونحوه عن جابر) أي روي عن جابر نحو ما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مع اختلاف في المبنى دون المعنى (وَقَدْ رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى خديجة) أي بسرعة (وما تحوّلت عنه جانبها) أي إلى جانب آخر منها وفيه إشعار بتقليل زمن الإسراء مع انه كان إلى السموات العلى وسدرة المنتهى ومقام قاب قوسين أو أدنى ولعله صلى الله تعالى عليه وسلم أول ما رجع دخل على خديجة ثم ذهبت إلى أم هانئ في بيتها.
[ ١ / ٤١٥ ]
فصل [إبطال حجج من قال أنها نوم]
(فِي إِبْطَالِ حُجَجِ مَنْ قَالَ إِنَّهَا نَوْمٌ) ويروى أنها رؤيا نوم ثم الحجج بضم حاء وفتح جيم وجمع حجة وهو بمعنى دليل وبينة وأنث ضمير أنها مع أنه راجع إلى الإسراء باعتبار القول بأنه كان رؤيا منام (احتجّوا) بتشديد الجيم أي استدلوا (بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ [الإسراء: ٦٠] فسمّاها رؤيا) بالتنوين يعني والرؤيا مختصة بالنوم كما أن الرؤية باليقظة (قلنا قوله سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ [الإسراء: ١] يردّه) أي يدفع الاحتجاج به (لأنّه لا يقال في النّوم أسرى) لأن الإسراء هو السير في الليل وهو لا يكون حقيقة إلا في اليقظة واعتبار الحقيقة أولى من المجاز ما لم يصرف عنها صارف نعم الرؤيا أيضا في النوم حقيقة وفي اليقظة مجاز لكن لنا أجوبة صارفة لها عن المعنى الحقيقي إلى القصد المجازي كما بينه المصنف بقوله، (وَقَوْلُهُ فِتْنَةً لِلنَّاسِ يُؤَيِّدُ أَنَّهَا رُؤْيَا عَيْنٍ وإسراء بشخص) أي بجسده (إذ ليس في الحلم) بضمتين وتسكن اللام بمعنى الاحتلام ورؤية المنام (فتنة) أي امتحان وخبرة (وَلَا يُكَذِّبُ بِهِ أَحَدٌ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَرَى مِثْلَ ذَلِكَ فِي مَنَامِهِ مِنَ الْكَوْنِ) أي حدوث شيء لم يكن والألف واللام بدل من المضاف إليه أي من كونه (في ساعة واحدة في أقطار متباينة) أي في أطراف مختلفة وجوانب مفترقة ونواحي متباعدة؛ (عَلَى أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الآية) أي في تفسيرها وفي المراد بمورد الرؤيا وتعبيرها (فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَضِيَّةِ الحديبية) وهي بتخفيف التحتية قبل هاء التأنيث مصغرا ذكره الشافعي وأهل اللغة وبعض المحدثين وكثير من المحدثين على تشديدها وهي قرية صغيرة سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة على نحو مرحلة من مكة قريبة من حدة في طريق جدة وتسمى الآن تلك البئر بئر شميس والأصح أن الشجرة التي وقع تحتها بيعة الرضوان غير معروفة الآن وهي كانت عند آخر الحل وأول الحرم على ما قيل وقال مالك الحديبية من الحرم وقال ابن القصار بعضها من الحرم كذا قال الواقدي وهو الصحيح عندنا هذا والقضية بالضاد المعجمة واحدة القضايا قال الأنطاكي ومما يؤيد أن بعضها من الحرم ما روي أن مضارب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلّم يعني معسكره وموضع خيامه عام الحديبية كانت في الحل ومصلاه في الحرم والله تعالى اعلم وفي نسخة في قصة الحديبية بكسر قاف وتشديد صاد مهملة وهي أنه صلى الله تعالى عليه وسلّم رأى في المنام أنه دخل المسجد الحرام فصده المشركون في ذلك العام (وما وقع) أي ونزلت فيما وقع (في نفوس النّاس) أي جماعة منهم (من ذلك) أي من جهة صدهم وعدم دخولهم حتى امتنع بعضهم من تحللهم فقيل إنه لم يقل في هذا العام فدخل من قابل المسجد الحرام واعترض بأن الآية مكية وأجيب بأنه رآها بمكة وأخبر بها يومئذ (وقيل غير هذا) أي غير ما تقدم فقيل رآه ايوم بدر لقوله تعالى إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا تثبيتا لأصحابك وتشجيعا لهم على عدهم ولقوله حين ورد ماء بدر كأني أنظر إلى مصارع القوم هذا مصرع
[ ١ / ٤١٦ ]
فلان وهذا مصرع فلان فبلغ ذلك قريشا فسخروا منه (وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّهُ قَدْ سَمَّاهَا فِي الْحَدِيثِ) أي المتقدم (مَنَامًا وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ بَيْنَ النَّائِمِ واليقظان) بفتحتين (وقوله أيضا) أي في الحديث (وهو نائم وقوله ثمّ استيقظت) أي كما في حديث آخر (فلا حجّة فيه) أي في كل واحد منها لعدم تصريح في الدلالة بها (إِذْ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنَّ أَوَّلَ وُصُولِ الْمَلَكِ إليه كان وهو نائم) أي كما يدل عليه حديث الحسن البصري بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ جَاءَنِي جِبْرِيلُ ﵇ فهمزني بعقبه فجلست الحديث (أو أوّل حمله) أي ويحتمل أن أول أخذه (والإسراء به وهو قائم) أي في حال نومه لحديث وهو نائم بالمسجد الحرام ولا يلزم منه استمرار المنام (وليس في الحديث) أي في حديث ما لا صحيح ولا ضعيف (أنّه كان نائما في القصّة كلّها) أي في قضية الإسراء جميعها من أولها إلى آخرها (إلّا ما يدلّ عليه) أي في الجملة قوله (ثمّ استيقظت وأنا في المسجد الحرام) لكن يحتمل احتمالات تمنع صحة الاستدلال بها على تصحيح المنام وتصريح المرام؛ (فلعلّ قوله استيقظت بمعنى أصبحت) إذ الاستيقاظ غالبا يكون حالة الاصباح فعبر به عنه مجازا وهذا لا يخفى بعده (أو استيقظ) وفي نسخة صحيحة أو استيقظ (من نوم آخر) أي حدث حال نزوله (بعد وصوله بيته ويدلّ عليه) أي على كونه نوما آخر (أنّ مسراه لم يكن طول ليله) أي في جميعه (وإنّما كان في بعضه) أي ذهابا أو إيابا كما يشير إليه تنكير ليلا (وَقَدْ يَكُونُ قَوْلُهُ اسْتَيْقَظْتُ وَأَنَا فِي الْمَسْجِدِ الحرام لما كان غمره) بالغين المعجمة ثم الراء أي لأجل ما غشيه وعلا قلبه وغطاء (من عجائب ما طالع من ملكوت السّموات والأرض) قال المحققون إن الملك ظاهر العالم والملكوت باطنه وقيل الملكوت الملك العظيم (وخامر) بالخاء المعجمة أي خالط ومازج (باطنه من مشاهدة الملأ الأعلى) أي من ملائكة السماء وأصل الملأ الجماعة من الاشراف والوجوه مما يملأ العيون كثرة وعزة وأراد بالملأ الأعلى الملائكة المقربين وصفوا بذلك لعلو مكانهم أي لعلو منزلتهم وشأنهم عند ربهم (وما رأى من آيات ربّه الكبرى) أي وما حصل له من شهود الكثرة في الوحدة ووجود الوحدة في الكثرة ونور الوحدة بلا ظهور الكثرة والاستغراق في بحور الشهود ولجة الوجود والذهول عن غير المعبود والمقصود (فلم يستفق) أي لم ينتبه (ويرجع) أي ولم يعد من مشاهدة التجليات الإلهية (إلى حال البشريّة) أي من اقتضاء صفات العنصرية (إلّا وهو بالمسجد الحرام) هذا وقول الدلجي خامر أي ستر ليس في محله وما ذكر فيه من الشاهد أيضا غير ملائم وهو قوله كتب أبو الدرداء إلى سلمان يدعوه إلى الأرض المقدسة فكتب يا أخي إن بعدت الدار من الدار فإن الروح من الروح قريب وطير السماء على أرفه خمر الأرض يقع أي على أخصب ساتر فيها أراد أن وطنه ارفه له وأرفق به فلا يفارقه (ووجه ثالث) أي في الجمع بين الروايات المتفرقة والرد على من زعم أن الإسراء إنما كان بروحه فقط (أَنْ يَكُونَ نَوْمُهُ وَاسْتِيقَاظُهُ حَقِيقَةً عَلَى مُقْتَضَى لفظه) أي المفاد منه بطرفي حديث أنس رضي الله تعالى عنه وهو قوله وأنا نائم في المسجد
[ ١ / ٤١٧ ]
الحرام وقوله واستيقظت وأنا في المسجد الحرام (وَلَكِنَّهُ أُسْرِيَ بِجَسَدِهِ وَقَلْبُهُ حَاضِرٌ وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حقّ) أي ولو في المنام (تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم) أي كما ثبت في الحديث ولعل الحكمة في حمل جسده مع أن العمل حينئذ كله لروحه أن يشاهد الملائكة ذاته ويفاض عليهم من بركاته ويصير مرآة للتجلي الإلهي في تنزلاته وانعكاس ظهور كمال صفاته (وقد مال بعض أصحاب الإشارات) وفي نسخة أهل الإشارات (إلى نحو من هذا) أي مما ذكرناه من كونه نائم العين حاضر القلب لشهود ملكوت الرب (قال) أي بعض أصحاب الإشارات (تغميض عينيه) أي سدهما نوما أو قصدا (لئلّا يشغله) بفتح أوله وثالثه وجوز ضم أوله وكسر ثالثه (شيء من المحسوسات عن الله ﷿) وفيه أن من وصل إلى حالة الجمعية وزال عنه مرتبة التفرقة لا يحجبه شهود الكثرة عن وجود الوحدة وبالعكس وفيه أيضا أن المقام مشاهدة عجائب الملكوت لقوله تعالى لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إذ المتبادر منه رؤية العين والمحسوسات من الحواس وهي خمس السمع والبصر والشم والذوق واللمس وهي هيئة حالة في جميع الجسد (ولا يصحّ هذا) أي تغميض العين (أن يكون في وقت صلاته بالأنبياء) لأنه في حال الصلاة مكروه عند عامة الفقهاء (وَلَعَلَّهُ كَانَتْ لَهُ فِي هَذَا الْإِسْرَاءِ حَالَاتٌ) أي مراتب ومقامات فكان في أوله نائما ووقت صلاته بهم قائما وفي شهود الآيات مطالعا وفي حال التجلي مستغرقا وفي حال الرجوع متحيرا والحاصل أنه كان بين سكر وشكر وقبض وبسط وصحو ومحو وفناء وبقاء. (ووجه رابع) أي شاهد بأنه كان يقظة ويأول ما يكون فيه مخالفة (وهو أن يعبّر بالنّوم ههنا عن هيئة النّائم من الاضطجاع) ووقع للدلجي هنا زيادات وكذا فيما قبله مكررات ليست في الأصول المعتمدة والنسخ المعتبرة (ويقوّيه) أي ويؤيد التعبير بالنوم عن الاضطجاع (قوله) أي في الحديث (في رواية عبد بن) بالوصف لا بالإضافة (حميد) بالتصغير وهو حافظ كبير شهير واسمه عبد الحميد وعبد لقب له (عن همّام) بفتح الهاء وتشديد الميم إمام حافظ يروي عن الحسن وعطاء وخلق وعنه ابن مهدي وغيره قال أحمد ثبت عند كل المشايخ أخرج له أصحاب الكتب الستة (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ وَرُبَّمَا قَالَ مُضْطَجِعٌ وَفِي رواية هدبة) بضم الهاء وسكون الدال المهملة بعدها موحدة وهو ابن خالد القيسي الجهني أبو خالد البصري الحافظ المسند ويقال له هداب عن همام بن يحيى وحماد بن سلمة وجرير بن حازم وعنه البخاري ومسلم وأبو داود والبغوي وأبو يعلى قال ابن عدي لا أعرف له حديثا منكرا قال الحلبي وفي نسخة معاوية بدل هدبة وهو غير صحيح (عنه) أي عن همام (بينا أنا نائم في الحطيم) قال الدلجي أي بين الركن والباب وفيه أن هذا حد الملتزم نعم قد يطلق ويراد به ما بين الركن الأعظم والمقام وزمزم لكن الأظهر أنه يراد به الحجر لقوله (وربّما قال في الحجر مضطجع) وسمي حطيما لما حطم من جداره فلم يسو ببناء البيت على ما ذكر البغوي وسمي حجرا لأنه حجر عن البيت أي من إدخاله فيه فمؤداهما واحد وهو المستدير بالبيت جانب الشمال وعن مالك الحطيم ما بين المقام
[ ١ / ٤١٨ ]
إلى الباب وعن ابن جريج ما بين الركن والمقام والله اعلم بالمرام، (وقوله) أي وكذا يقويه قوله (فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ فَيَكُونُ) أي النبي ﵇ (سمّى هيئته) أي الاضطجاع (بالنّوم لما كانت) أي تلك الهيئة (هيئة النّائم غالبا) وقيده به إذ قد ينام وهو قاعد أو مستلق ونحو ذلك (وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَاتِ مِنَ النّوم) أي من ذكره (وذكر شقّ البطن ودنوّ الرّبّ) أي قربه المنزه عن المكان (الواقعة) بالنصب صفة الزيادات أو بدل منها أي التي وقعت (في هذا الحديث) أي في أحاديث الإسراء (إنّما هي من رواية شريك) وهو ابن عبد الله بن أبي نمر (عن أنس رضي الله تعالى عنه فهي) أي فهذه الزيادات المذكورة (منكرة) بفتح الكاف (من روايته) أي شاذة مخالفة لروايات سائر الثقات (إِذْ شَقُّ الْبَطْنِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ إِنَّمَا كان في صغره صلى الله تعالى عليه وسلم) أي مرة عند مرضعته (وقبل النّبوّة) تأكيد لما قبله فإن أول بعثة النبوة كان بعد أربعين سنة نعم ثبت شق صدره أيضا بجبل حراء عند نزول صدر سورة اقرأ ولا يبعد أن يشق صدره عند الإسراء أيضا كما صرح به السهيلي أن الشق وقع مرتين مرة في صغرة ومرة في كبره عند رقيه إلى العالم العلوي وكان الأول لإزالة حظ الشيطان والآخر لملئ الحكمة والإيمان لكن شريك منفرد بذلك في هذا الحديث وإن وافقه السهيلي فيما هنالك هذا وقد روى الطيالسي والحارث في مسنديهما من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن الشق وقع مرة أخرى عند مجيء جبريل ﵇ بالوحي في غار حراء ومناسبته ظاهرة جدا وروي الشق وهو ابن عشر أو نحوها في قصة له مع عبد المطلب أخرجه أبو نعيم في الدلائل قال العسقلاني وروي مرة خامسة ولا يثبت لكن تعقبه بعض المتأخرين وقال رواه أبو نعيم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن آمنة قلت وإذا ضم إلى ذلك قصة شق الصدر في المنام فتكون سادسة (ولأنّه) أي شريكا (قَالَ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ. وَالْإِسْرَاءُ بإجماع كان بعد المبعث) ويروى البعث. (فهذا) أي فما ذكر (كلّه يوهن) من الايهان أو التوهين أي يضعف (ما وقع في رواية أنس رضي الله تعالى عنه) أي من طريق شريك لكن قال العسقلاني في باب المعراج من كتاب المبعث استنكر بعضهم وقوع شق الصدر ليلة الإسراء وقال إنما وقع وهو صغير في بني سعد ولا إنكار في ذلك فقد توارد الروايات به وثبت شق الصدر أيضا عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في الدلائل ولكل منها حكمة فالأول وقع فيه من الزيادة كما عند مسلم فأخرج علقة فقال هذا حظ الشيطان منك وكان هذا في زمن الطفولية منشأ على اكمل الأحوال من العصمة من الشيطان ثم وقع شق الصدر عند المبعث زيادة في إكرامه ليبلغ ما أوحي إليه بقلب قوي في اكمل الأحوال من التطهير ثم وقع شق الصدر عند إرادة العوج إلى السماء ليتأهب للمناجاة ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة كما في شرعه انتهى وقال أيضا في كتاب التوحيد قد تقدم الرد على من أنكر شق الصدر عند الإسراء وبينت أنه ثبت في غير رواية
[ ١ / ٤١٩ ]
شريك في الصحيحين من حديث أبي ذر وأن شق الصدر أيضا وقع عند البعثة كما أخرجه أبو داود والطيالسي في مسنده وأبو نعيم والبيهقي في دلائل النبوة انتهى وقال العراقي قد أنكر وقوع الشق ليلة الإسراء ابن حزم وعياض وأدعى أنه تخليط من شريك وليس كذلك فقد ثبت من غير طريق شريك في الصحيحين وقال القرطبي لا يلتفت لإنكاره لأنه رواية ثقات مشاهير هذا ووقع شق صدر الكريم أيضا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه حين كان ابن عشر سنين وهي عند عبد الله بن أحمد في زوائد المسند ذكره العسقلاني وقال صاحب الآيات البينات في حديث شق الصدر وهو ابن عشر سنين رواه ابن حبان والحاكم والضياء في المختارة وصححوه (مَعَ أَنَّ أَنَسًا قَدْ بَيَّنَ مِنْ غَيْرِ طريق) أي من طرق كثيرة (أنّه) أي أنسا (إنّما رواه) أي الحديث (عن غيره) كمالك بن صعصعة وأبي ذر مرفوعا (وَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي من غير واسطة (فقال) أي أنس (مرّة) أي في رواياته (عن مالك بن صعصعة) وهذا لا يضر لأن مراسيل الصحابة بالاتفاق مقبولة محجوح بها (وَفِي كِتَابِ مُسْلِمٍ لَعَلَّهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ صعصعة على الشّكّ) أي من الراوي عن أنس (وقال مرّة كان أبو ذر يحدّث) ولا منع من الجمع بأن أنسا سمع الحديث منهما جميعا فتارة أضاف إلى واحد وأخرى إلى آخر فتدبر ثم رأيت الحلبي ذكر أنه قال الحاكم في الأكليل حديث المعراج صح سنده بلا خلاف بين الأئمة نقله العدل عن العدل ومدار الروايات فيه على أنس رضي الله تعالى عنه وقد سمع بعضه من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وبعضه من أبي ذر وبعضه عن مالك يعني ابن صعصعة قال وبعضه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (وأمّا قول عائشة) أي كما رواه ابن إسحاق وابن جرير (ما فقدت جسده) بصيغة المجهول وفي أصل الدلجي وهو رواية ما فقدت بصيغة المتكلم (فَعَائِشَةُ لَمْ تُحَدِّثْ بِهِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ لِأَنَّهَا لم تكن حينئذ) أي حين إذ وقع الإسراء (زوجه) بالإضافة وفي نسخة زوجة أي له صلى الله تعالى عليه وسلم (ولا في سنّ من يضبط بضم الموحدة وكسرها أي بل ولا كانت حينئذ في سن من يحفظ الأمور (ولعلّها لم تكن ولدت بعد) بضم الدال أي تلك الساعة (على الخلاف في الإسراء) أي بناء على الاختلاف الواقع للعلماء في زمن الْإِسْرَاءِ (مَتَى كَانَ فَإِنَّ الْإِسْرَاءَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَى قَوْلِ الزُّهْرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ بعد المبعث) ويروى البعث بلد المبعث (بعام ونصف) وهو مخالف لما نقله النووي فيما مر عنه من أنه بعده بخمسة أعوام (وكانت عائشة في الهجرة) أي زمنها (بنت نحو ثمانية أعوام) فكان الإسراء على هذا قبل ولادتها بنحو ثلاثة أعوام ونصف إذ قد مكث بمكة بعد البعثة ثلاثة عشر عاما (وقد قيل كان الإسراء لخمس) أي من السنين (قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَقِيلَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِعَامٍ وَالْأَشْبَهُ) أي الأظهر (أنّه لخمس) أي قبل الهجرة وهو مخالف لما حكاه النووي عنه ثم اختلف في الشهر الذي أسري به صلى الله تعالى عليه وسلم فيه فقيل في الربيع الأول وجزم به النووي في الفتاوى وقيل في الربيع الآخر وبه جزم أيضا في شرح مسلم تبعا للقاضي
[ ١ / ٤٢٠ ]
المصنف وقيل في رجب وجزم به النووي أيضا في الروضة وقال الواقدي في رمضان وقال الماوردي في شوال والله تعالى اعلم بالحال هذا ومعظم السلف والخلف من المحدثين الفقهاء أن الإسراء كان بعد البعثة لستة عشر شهرا على ما نقله النووي عن الحريري قال السبكي الإجماع على أنه كان بمكة والذي نختاره ما قاله شيخنا أبو محمد الدمياطي أنه قبل الهجرة بسنة وهو في الربيع الأول قال ولا احتفال بما تضمنه التذكرة الحمدونية أنه في رجب وإحياء المصريين ليلة السابع والعشرين منه بدعة (والحجّة لذلك) أي لإبطال كونه مناما ذكره الدلجي والأظهر أن يكون مراده لما ذكره من الأدلة والأقوال المختلفة في تاريخ وقت المعراج بخصوصه (تطول ليست من غرضنا) فضربنا صفحا من إطالتها لئلا يقع أحد في حد ملالتها (فإذا لم تشاهد ذلك عائشة) أي سواء ولدت قبله أو بعده (دلّ على أنّها حدّثت بذلك عن غيرها) أي بتاء المتكلم حكاية لقول من أخبرها باقيا على صورته الأولى كقولك لمن قال هذه تمرتاك دعني من تمرتاك قال ذو الرمة سمعت الناس ينتجعون غيثا يرفع الناس أي سمعت هذا القول فكأنها قالت سمعت من فلان أو فلانة مَا فَقَدْتُ جَسَدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم (فلم يرجّح خبرها على خبر غيرها) أي لروايتها له عن مجهول بل لعدم ثبوته، (وَغَيْرُهَا يَقُولُ خِلَافَهُ مِمَّا وَقَعَ نَصًّا فِي حديث أمّ هانىء وغيره) أي وفي غير حديث أم هانئ كحديث أبي ذر ومالك بن صعصعة (وأيضا) مصدر آض بمعنى عاد ورجع والمعنى وقلت معاودا (فليس حديث عائشة ﵂) أي ما فقدت جسده (بالثّابت) أي عند ائمة الحديث لقادح في سنده عنها إذ فيه ابن إسحاق وقد تكلم فيه مالك وغيره، (والأحاديث الأخر) بضم ففتح جمع آخر أي الواردة في الإسراء (أثبت) أي اكثر ثبوتا وأصح رواية من حديثها (لسنا) وفي نسخة صحيحة ولسنا (نعني) أي لا نريد بقولنا والأحاديث الأخر أثبت (حديث أمّ هانىء) أي ماأسري برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا وهو في بيتي (وما ذكرت فيه خديجة) بصيغة المفعول أي ولا نعني حديث عمر الذي ذكرت فيه خديجة لعدم ورودهما في الصحيح (وَأَيْضًا فَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مَا فقدت) أي جسده (ولم يدخل بها إلّا بالمدينة) جملة حالية مؤذنة بعدم صحة حديث ما فقدت عنها إذ الإسراء كان بمكة إجماعا (وكلّ هذا) أي وكل ذلك سابقا ولا حقا (يوهنه) أي بالوجهين أي بضعف حديث ما فقدت ويروى يوهنونه بفتح الواو وكسر الهاء مشددة وبالواو ضمير الجماعة ذكره الحجازي وفيه نظر (بَلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ صَحِيحُ قَوْلِهَا إِنَّهُ) بفتح الهمزة وكسرها أي أن إسراءه كان (بجسده لإنكارها أن تكون رؤياه لربّه) أي ليلة الإسراء (رُؤْيَا عَيْنٍ وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَهَا مَنَامًا لَمْ تنكره) أي لم تنكر كون رؤيته لربه مناما (فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى (١١) [النَّجْمِ: ١١] فَقَدْ جَعَلَ مَا رآه للقلب) أي لا للبصر (وهذا) أي الجعل (يدلّ على أنّه رؤيا نوم، ووحي) بالرفع عطف على رؤيا وقد أبعد الدلجي في قوله ووحي بالجر عطف على نوم أي ورؤيا وحي فيه (لا مشاهدة عين وحسّ)
[ ١ / ٤٢١ ]
أي لا على أنه مشاهدة عين وحس بصري فهو عطف تفسيري وقال الأنطاكي مشاهدة نصب أي لا رؤيا مشاهدة عين فحذف المضاف وأعرب المضاف إليه بإعرابه انتهى وبعده لا يخفى (قلنا) أي في الجواب عنه (يقابله) أي يعارضه (قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) [النجم: ١٧]) أي ما مال عما رآه وما تجاوزه (فقد أضاف الأمر) في الرؤية (لِلْبَصَرِ وَقَدْ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِهِ تعالى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) [النجم: ١١] أي لم يوهم القلب) بالرفع (العين) بالنصب وفي نسخة عكس ذلك (غير الحقيقة) أي غير حقيقة ما رآه (بل صدق رؤيتها) ويؤيده قراءة التشديد (وَقِيلَ مَا أَنْكَرَ قَلْبُهُ مَا رَأَتْهُ عَيْنُهُ) أي فيكون ضمير رأى راجعا إليه صلى الله تعالى عليه وسلم لا إلى الفؤاد والله تعالى اعلم بالمراد وحاصله وما قبله أنه يقل قلبه لما رأى لم أعرفك ولو قال لكذب إذ قد عرفه كما عرفه بصره إذ الأمور القدسية يدركها القلب أولا ثم يوردها على البصر ثانيا بدليل حديث مسلم هل رأيت ربك قال رأيته بفؤادي كذا قرره الدلجي ولا يخلو عن خلجان في القلب لعله يظهر بعد ذلك بتوفيق الرب.
فصل [وأما رؤيته صلى الله تعالى عليه وسلم لربه ﷿]
(وأمّا رؤيته صلى الله تعالى عليه وسلم لربّه جلّ) أي عظم شأنه (وعزّ) أي وغلب سلطانه (فاختلف السّلف فيها) أي في رؤيته له ﷾ بعين بصره (فأنكرته عائشة ﵂) أي كونها ووقوعها أو قول مسروق لها هل رأى محمد ربه وفي أصل الدلجي فأنكرتها عائشة أي الرؤية المذكورة. (حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ سِرَاجُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الحافظ) أي للحديث (بقراءتي عليه قال حدّثني أبي) أي عبد الملك ووهم الحلبي في قوله أبوه هو القاضي سراج وكأنه وقع في أصله أبو الحسين بن سراج وهو مخالف للنسخ المعتمدة (وأبو عبد الله بن عتّاب) بفتح فتشديد (قالا) أي كلاهما (حدّثنا القاضي يونس بن مغيث) بضم ميم فغين معجمة مكسورة فتحتية فمثلثة قال ابن ماكولا في إكماله وأبو محمد بن عبد الله بن محمد بن مغيث الأندلسي يعرف بابن الصفار مشهور بالعلم والأدب جمع من أشعار الخلفاء من بني أمية كتابا وابنه يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث أبو الوليد قاضي الجماعة بقرطبة سمع أبا بكر محمد بن معاوية القرشي المعروف بابن الأحمر والعباس بن عمرو الصقلي وروى عنه أبو عمر بن عبد البر النمري وابو محمد بن حزم قاله الحميدي (حدّثنا أبو الفضل الصّقيلي) بكسر الصاد وسكون القاف نسبة إلى صقلية جزيرة من جزائر بحر الغرب ذكره الحلبي وغيره وضبط في بعض النسخ بضم الصاد وضبطه ابن خلكان بفتحتين وتبعه الحجازي وزاد تشديد اللام وقال التلمساني بفتح الصاد والقاف وكسرهما واللام مخففة فيهما (حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أبيه وجدّه) أي قاسم وثابت (قالا) أي كلاهما (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بن آدم) هو مروزي يروي عن ابن عيينة وأبي بكر بن عياش
[ ١ / ٤٢٢ ]
وجماعة وعنه البخاري وأبو بكر بن أبي داود وطائفة توفي سنة ثمان وخمسين ومائتين (حدّثنا وكيع) تقدم ذكره (عن ابن أبي خالد) هو إسماعيل بن سعيد البجلي الكوفي عن ابن أبي أوفى وأبي جحيفة وقيس وخلق وعنه شعبة وغيره حافظ إمام وكان طحانا تابعي ثقة أحد الاعلام أخرج له الأئمة الستة (عن عامر) وهو الصواب لا ما وقع في بعض النسخ عن مجاهد ذكره الشمني وزاد الحلبي فإنه ليس له شيء من الكتب الستة عن مسروق وهو عامر بن شرحبيل أبو عمرو الشعبي الهمداني قاضي الكوفة أحد الأعلام ولد في خلافة عمرو وروايته عن علي في البخاري وروى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه والمغيرة وخلق قال أدركت خمسمائة من الصحابة وقال ما كتبت سوادا في بياض ولا حدثت بحديث إلا حفظته مات سنة ثلاث ومائة اخرج له الأئمة الستة وقال الدلجي قد روى المصنف هنا حديث مسلم بسند آخر شاهدا لإنكارها ذلك يقظة وهو بفتح الشين وسكون العين واختلف في نسبته وقد يضرب به المثل في الحفظ فيقال أحفظ من الشعبي وقال الزهري العلماء أربعة ابن المسيب بالمدينة والشعبي بالكوفة والحسن بالبصرة ومكحول بالشام وقال مكحول ما رأيت أفقه من الشعبي في زمانه (عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ ﵂ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ ربّه) يعني ليلة الإسراء في حال اليقظة (فقالت لقد قفّ شعري) بفتح القاف وتشديد الفاء من القفقفة وهي الرعدة أي اقشعر وقام شعر جسدي من الفزع (ممّا قلت) أي طالبا مني تصديقي بثبوت رؤيته لربه أو لا ثبوتها أو لكوني سمعت ما لا ينبغي أن يقال (ثلاث من حدّثك) كذا بكاف الخطاب ثبت بخط القاضي المصنف وعند العرفي بحذفها وكلاهما صحيح والمعنى من اعلمك أو روى وأخبر (بهنّ فقد كذب) وفي نسخة كذبك أي افترى فرية بلا مرية فيهن وبيانها قولها (مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كذب ثمّ قرأت) أي للاستشهاد على دعوى المراد (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: ١٠٣] الآية) أي وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير وأجيب بأن الآية دالة على أنه لا تحيط به ولا بحقيقته حاسة بصر إذا تجلى بنور كماله وصفة كبرياء جلاله لحديث مسلم نوراني أراه أي حجابه نور فكيف أراه إذ كمال النور يمنع الإدراك من غاية الظهور وأما إذا تجلى بما يسعه نطاق القدرة البشرية من صفات جماله الصمدية فلا استبعاد لرؤيته بدون إحاطة فنفي الآية رؤيته على سبيل الإحاطة لا يوجب نفي رؤيته بدونها لا محالة (وذكر) مسروق (الحديث) أي الخ قال التلمساني الأولى هذه والثانية قولها رضي الله تعالى عنها من زعم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كتم شيئا من الوحي ثم قرأت يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الآية والثالثة من زعم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم يخبر بما يكون في غد فقد أعظم الفرية ثم قرأت إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية انتهى وزاد الانطاكي ولكنه رأى جبريل مرتين وقال الغزالي في الإحياء والصحيح أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما رأى الله تعالى ليلة المعراج لكن النووي صحح الرؤية في الفتاوى ونقله عن المحققين والله ﷾ أعلم قال الحلبي
[ ١ / ٤٢٣ ]
هذا الحديث الذي ساقه القاضي هنا هو في البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وهو في البخاري في التفسير عن يحيى عن وكيع بالسند الذي ساقه القاضي وهو يدل ولو رواه القاضي من طريق البخاري كان يقع له أعلى من هذا وسبب عدول القاضي عن إخراج هذا الحديث من أحد هذه الكتب مع أنه بين القاضي وبين شيخ الشيخ البخاري وكيع سبعة وهذا الذي ساقه بينه وبين وكيع ثمانية فالذي في الصحيح أعلى ليتنوع وليظهر كثرة الشيوخ والمسموعات والله ﷾ أعلم بالنيات (وقال جماعة) أي من المحدثين والمتكلمين (بقول عائشة وهو المشهور) أي كما رواه الشيخان (عن ابن مسعود) أي أنه رأى جبريل (ومثله) أي في كونه مشهورا ما رواه البخاري (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ إِنَّمَا رَأَى جبريل ﵇ واختلف عنه) أي عن أبي هريرة إذ قد روى عنه أنه قال رآه بعينه كابن مسعود وأبي ذر والحسن وابن حنبل. (وَقَالَ بِإِنْكَارِ هَذَا وَامْتِنَاعِ رُؤْيَتِهِ فِي الدُّنْيَا جماعة من المحدّثين، والفقهاء والمتكلّمين) جوز أن يكون المشار إليه ما لم يشتهر من قول أبي هريرة أنه رآه بعينه وأن يكون ما انكرته عائشة أي بإنكار ما انكرته وفاقا لها ولذا أكده بالجملة الثانية دفعا لتوهم كون انكارهم انكارا لانكارها كذا حققه الدلجي ونقل الحلبي أنه حكى أبو عبد الله ابن إمام الجوزية عن عثمان بن سعيد الدارمي الحافظ لما ذكره مسألة الرؤية ما لفظه وهي مسألة خلاف بين السلف والخلف وإن كان جمهور الصحابة بل كلهم مع عائشة كما حكاه عثمان ابن سعيد الدارمي إجماعا للصحابة (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ رآه بعينه) وبه قال أنس وعكرمة والربيع (وروى عطاء عنه) أي عن ابن عباس (بقلبه) أي أنه رآه بعين بصيرته وعطاء هذا هو ابن أبي رباح بفتح الراء وبالموحدة أبو محمد المكي الفقيه أحد الأعلام يروي عن عائشة وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما وخلق وعنه أبو حنيفة والليث والأوزاعي وابن جريج وأمم أخرج له الأئمة الستة وقد أخرج هذا الحديث مسلم عن عطاء عن ابن عباس في صحيحه في باب الإيمان عن أبي بكر بن أبي شيبة عن حفص بن غياث عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه به (وعن أبي العالية عنه) أي عن ابن عباس (رآه بفؤاده مرّتين) وأبو العالية هذا هو رفيع بن مهران الرياحي بكسر الراء والمثناة تحت وهذه الرواية أخرجها مسلم في الإيمان (وذكر ابن إسحاق) أي محمد بن إسحاق بن يسار الإمام في المغازي عن عبد الله بن أبي سلمة (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ يَسْأَلُهُ هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ ربّه) أي بعين بصره إذ لا خلاف في رؤيته ببصيرته (فقال نعم) والحاصل أنه اختلفت الرواية عن ابن عباس في مسألة الرؤية (والأشهر عنه) أي عن ابن عباس (أنّه رأى ربّه بعينه روي ذلك) أي القول الأشهر (عنه من طرق) أي بأسانيد متعددة اقتضت الشهرة (وقال) أي في بعض طرقه وهو ما رواه الحاكم والنسائي والطبراني أن ابن عباس قال تقوية لقوله إنه رأى ربه بعينه (إنّ الله اختصّ موسى بالكلام) أي من بين سائر الأنبياء ﵈ فلا ينافي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم وقع أيضا له الكلام على وفق
[ ١ / ٤٢٤ ]
المرام وكذا قوله (وإبراهيم بالخلّة) بضم الهاء فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم جمع له بين كونه خليلا وحبيبا (ومحمّدا بالرّؤية) أي البصرية هذا ولا منافاة بين قول ابن عباس رآه بعينه وبين قوله رآه بفؤاده لإمكان الجمع بينهما بثبوت الرؤية للبصر والبصيرة كما يشير إليه قوله تعالى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى أي ما كذب فؤاده مرئيه بل صدقه وطابقه ووافقه (وحجّته) أي دليل ابن عباس أي على أنه صلى الله تعالى عليه وسلم رأى ربه (قوله تعالى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى) أي بعينه إذ لا يقال ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى بقلبه فالمعنى ما اعتقد قلب محمد خلاف ما رأى ببصره وهي مشاهدة ربه تعالى بفؤاده بجعل بصره فيه أو ببصره بجعل فؤاده فيه لأن مذهب أهل السنة أن الرؤية بالإراءة لا بالقدرة هذا والراجح كما قال النووي عند أكثر العلماء إنه رآه بعيني رأسه ليلة الإسراء وإثبات هذا ليس إلا بالسماع منه صلى الله تعالى عليه وسلم وهو مما لا شك فيه وإنكار عائشة وقوعها لم يكن لحديث روته ولو كان لحديث ذكرته بل احتجت بقوله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ قلنا المراد بالإدراك الإحاطة إذ ذاته تعالى لا تحاط ولا يلزم من نفيها نفي الرؤية بدونها وبقوله وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا
قلنا لا تلازم بين الرؤية والكلام لجواز وجودها بدونه كذا قرره الدلجي فيما نقله عن النووي وفيه أنه لا يعرف حديث مسموع مرفوع بل كل من عائشة وابن عباس مستدل بآية من الكتاب والله تعالى أعلم بالصواب (أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى أي افتشكون أو افتجادلونه بالاستفهام الإنكاري وإنما وقع الجدل والشك في رؤية البصر إذ لا يشك أحد في رؤية البصيرة ولعل الاستدلال بهذه الآية بناء على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وإلا فالظاهر أن الشك إنما وقع من الكفار في نفس الإسراء وما رأى في عالم السماء (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [النجم: ١١- ١٣]) وهي فعلة من النزول اقيمت مقام المرة ونصبت نصبها قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كانت له في تلك الليلة عرجات لحط عدد الصلوات ولكل عرجة نزلة ذكره الدلجي وفي الاحتجاج بهذه الآية نظر ظاهر إذ جمهور المفسرين على أن ضمير المفعول راجع إلى جبريل ﵇ لا سيما ضعف الاحتمال لضعف الاستدلال (قال الماورديّ) سبق ذكره (قِيلَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَسَمَ كَلَامَهُ وَرُؤْيَتَهُ بين موسى ومحمّد صلى الله تعالى عليه وسلم فرآه محمّد مرّتين) أي حيث كان قاب قوسين أو أدنى وعند سدرة المنتهى (وكلّمه موسى مرّتين) أي مرة وقت إرساله إلى فرعون ومرة بعد هلاكه ورجوعه إلى الطور وفيه أن قائل هذا مجهول فالاستدلال به غير معقول.
(وحكى أبو الفتح الرّازي) الله أعلم به كذا ذكره الدلجي وقال التلمساني هو سليمان بن أيوب مات غريقا سنة سبع وأربعين وأربعمائة (وأبو اللّيث السّمرقندي) تقدم ذكره (الحكاية) أي التي ذكرها الماوردي (عن كعب) وفيه أن كعب الأحبار هو من أهل الكتاب والتواريخ فلا يكون قوله حجة في هذه المسألة (وروى عبد الله بن الحارث) هو زوج أخت محمد بن سيرين روى عن جماعة من الصحابة وروى هذا الحديث مرسلا كذا ذكره الشمني تبعا
[ ١ / ٤٢٥ ]
للحلبي وفي كون هذا الحديث مرسلا نظر ظاهر في المنقول ولا يخفى على من له المام بعلم الأصول وقال الأنطاكي هو أبو الوليد عبد الله بن حارث البصري روى عن عائشة وأبي هريرة وزيد بن أرقم وابن عباس وابن عمر وغيرهم وعنه ابنه يوسف والمنهال بن عمرو وعاصم الأحول وخالد الحذاء وجماعة وثقه أبو زرعة والنسائي وأخرج له الأئمة الستة (قال) أي عبد الله بن الحارث (اجْتَمَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَعْبٌ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَمَّا نَحْنُ بَنُو هَاشِمٍ فَنَقُولُ إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ فَكَبَّرَ كَعْبٌ حَتَّى جاوبته الجبال وقال) أي كعب أو ابن عباس (إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وموسى فكلّمه موسى ورآه محمد بقلبه) أي وبعينه أيضا قاله الدلجي أقول الظاهر إن هذا قول كعب وإنه مخالف لقول ابن عباس وتكبيره كان لتعظيم الأمر وتفخيم القدر وأما ما قاله أبو الفتح اليعمري في سيرته في الإسراء ما لفظه وروينا من طريق الترمذي حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن مخالد عن الشعبي قال لقي ابن عباس كعبا بعرفات فسأله عن شيء فكبر حتى جاوبته الجبال فقال ابن عباس إنا بنو هاشم نقول إن محمدا رأى ربه فقال كعب إن الله تعالى قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى فكلم موسى مرتين ورآه محمد مرتين فقال الحلبي لم أر هذا الحديث في أطراف المزي فإن كان في الجامع فلعله سقط من نسختي وإن كان من طريقه في غير الجامع فلم أقف عليه قلت وعلى تقدير ثبوته فلعله عنه روايتان (وَرَوَى شَرِيكٌ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ في تفسير الآية) أي قوله تعالى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (قال رأى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ربّه) فيه أنه مبهم يحتمل احتمالين وأغرب الدلجي هنا حيث قال أي بقلبه بشهادة أول الآية وهو مناقض لما سبق عنه من تقرير الرواية بالبصر فتدبر. (وحكى السّمرقنديّ) أي كرواية ابن أبي حاتم (عن محمّد بن كعب) أي القرظي كما في نسخة صحيحة وهو تابعي جليل (وربيع بن أنس) هو أيضا تابعي مشهور (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ قَالَ رأيته بفؤادي ولم أره بعيني) وهذا الحديث صريح في طرفي الإثبات والنفي ولا يضر كون الحديث مرسلا لأنه حجة عند الجمهور لا سيما وقد اعتضد بما رواه ابن جرير عن محمد بن كعب عن بعض أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مرفوعا وأما قول الدلجي لعله في المرة الأولى إذ قد روى ابن عباس أنه رآه مرتين فلا يقاوم الحديث من وجوه يعلمها أهله (وروى مالك بن يخامر) بضم تحتية فخاء معجمة مخففة فألف فميم مكسورة فراء لا ينصرف للعلمية ووزن الفعل يقال له صحبة والأصح أنه تابعي روى عن جماعة من الصحابة منهم عبد الرحمن بن عوف وروى عنه معاوية بن أبي سفيان وجماعة من التابعين وفي نسخة وَرَوَى مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ (عَنْ مُعَاذٍ عَنِ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال رأيت ربّي) فيه احتمالان إن كان في الإسراء لكن قال المزي حديث مالك بن يخامر عن معاذ مبين في بعض الروايات أنه في النوم (وذكر كلمة) أي جملة من الكلام وقال الأنطاكي من دأب السلف إذا وقع في الحديث لفظ يستعظمون
[ ١ / ٤٢٦ ]
التصريح به أن يعبروا عنه بقولهم وذكر كلمة أي كلمة عظيمة (فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى الحديث) وهذا حديث جليل ولفظه طويل ونفعه جزيل فلا بد من إيراده ليقع الوقف على مراده فقد رواه أحمد وغيره عن معاذ قال صلى الله تعالى عليه وسلم صلاة الغدوة ثم أقبل علينا فقال إني سأحدثكم إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي فنعست وفي رواية فوضعت جنبي فإذا أنا بربي في أحسن صورة وهو حال منه صلى الله تعالى عليه وسلم أو من ربه ولا إشكال فيه كما قال البيضاوي إذ قد يرى النائم غير المتشكل متشكلا وعكسه ولا يعد ذلك خللا في الرؤيا ولا في خلد النائم فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ورواية المصابيح فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد قلت أنت أعلم أي رب مرتين قال فوضع كفه وفي رواية يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي وفي رواية فوجدت برد أنامله بين ثديي فعلمت ما في السماء والأرض وفي الرواية الثانية فتجلى لي كل شيء وعرفت ما في السماء والأرض ثم تلا هذه الآية وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ثم قال فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد قلت في الكفارات قال وما هن قلت المشي على الأقدام إلى الطاعات والجلوس في المساجد بعد الصلوات وفي رواية خلف الصلوات وإبلاغ الوضوء وأماكنه على المكاره وفي رواية في المكاره من يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير ويكن من خطيئته كيوم ولدته أمه ومن الدرجات إطعام الطعام وبذل السلام وأن يقوم بالليل والناس نيام ثم قال قل اللهم إني اسألك الطيبات وترك المنكرات وفعل الخيرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وتتوب علي وإذا اردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون قال الأنطاكي واعلم أن من العلماء من امتنع عن الكلام في تأويل قوله ﵊ في أحسن صورة منهم أحمد بن حنبل روي أنه هجر أبا ثور في تأويله قوله ﵊ إن الله خلق آدم على صورته ومنهم من تكلم فيه فقيل قوله (في أحسن صورة) يحتمل أن يكون حالا من الرائي وهو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ومعناه رأيته وأنا في أحسن صورة وصفة من غاية انعامه ولطفه تعالى علي ويحمل أن يكون حالا من المرئي وهو الرب ﷻ وصورته تعالى ذاته المخصوصة المنزهة عن المماثلة وقال الخطابي الصورة ترد في كلام العرب على ظاهرها وعلى معنى حقيقة الشيء وعلى معنى صفته يقال صورة هذا أمر كذا وكذا أي صفته وقال وهو المراد هنا وقال في جامع الأصول المراد أنه في أحسن صفته ثم المراد بالاختصام تقاولهم في فضل تلك الأعمال واي بفتح الهمزة بمعنى يا وقوله مرتين متعلق بقوله فقال فيم يختصم الخ أي جرى السؤال من ربي والجواب مني مرتين وقوله فوضع كفه بين كتفي كناية عن تخصيصه تعالى إياه بمزيد الفضل وإيصال الفيض إليه وإلا فلا كف ولا وضع حقيقة كما أن من عادة الملوك إذا أراد أحدهم أن يقرب بعض خدمه من نفسه ويذكر معه أحوال مملكته أن يضع يده على ظهره ويلقى ساعده على عنقه تلطفا به وتعظيما لشأنه
[ ١ / ٤٢٧ ]
والبرد الراحة والضمير في بردها يعود إلى الكف وأراد بقوله بين ثديي قلبه وهو كناية عن وصول ذلك الفيض إلى قلبه انتهى وهذا كله يحتاج إليه إذا صح الحديث في اليقظة والله أعلم. (وحكى عبد الرّزاق) وهو ابن همام بن رافع الحافظ الكبير الصغاني أحد الاعلام صاحب التصانيف روى عن عبيد الله بن عمرو عن الأوزاعي والثوري ومعمر وخلائق وعنه أحمد وإسحاق وابن معين وجماعة وقد وثقه غير واحد وأخرج له الأئمة الستة ونقموا عليه التشيع وهو غير ثابت فيه بل كان يحب عليا رضي الله تعالى عنه ويبغض من قاتله وقد قال سلمة بن شبيب سمعت عبد الرزاق يقول والله ما انشرح صدري قط أن أفضل عليا على أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهم (أنّ الحسن) أي البصري (كَانَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ) فيه احتمالان (وحكاه) أي نقل مثله (أبو عمر الطّلمنكيّ) بفتح الطاء المهملة واللام والميم فنون ساكنة فكاف مكسورة وهو الإمام الحافظ المقرئ أبو عمر بضم العين روى عنه ابن عبد البر وابن حزم وغيرهما وكان رأسا في علم القراآت ذا عناية تامة بالحديث إماما في السنة توفي في ذي الحجة سنة تسع وعشرين وأربعمائة (عن عكرمة) تقدم ذكره. (وحكى بعض المتكلّمين) قال الحلبي لا أعرفه (هَذَا الْمَذْهَبَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَحَكَى ابْنُ إسحاق) أي صاحب المغازي (أَنَّ مَرْوَانَ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ هَلْ رَأَى محمّد ربّه فقال نعم) ومروان هذا ابن عبد الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي ولد سنة اثنتين ولم يصح له سماع ولا رؤية روى عن عثمان وعلي وزيد بن ثابت وروى عنه عروة ومجاهد وعلي بن الحسين دولته تسعة أشهر وأيام وتملك ابنه عبد الملك بعده اخرج لمروان الستة غير مسلم إلا أن البخاري روى حديث الحديبية عنه مقرونا بالمسور بن مخرمة. (وَحَكَى النَّقَّاشُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ أَنَا أَقُولُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَيْنِهِ رآه رآه) أي كرره (حتّى انقطع نفسه) بفتح الفاء (يعني نفس أحمد) أي ابن حنبل كما في نسخة صحيحة وهذا تفسير من المصنف أو غيره قال بعض الحنابلة من العلماء كلاما معناه أن أحمد لم يقل إنه رآه ليلة الإسراء وإنما رآه في النوم يعني الحديث الذي فيه رأيت ربي في أحسن صورة الحديث يعني رؤيا الأنبياء وحي (وقال أبو عمر) الظاهر أنه أراد به ابن عبد البر فإنه الفرد الأكمل الأشهر خلافا للحلبي ومن تبعه حيث قال الظاهر أنه أبو عمر المتقدم يعني الطلمنكي (قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَآهُ بِقَلْبِهِ وَجَبُنَ) بفتح الجيم وضم الموحدة وقيل تفتح أي خاف أحمد وتأخر (عن القول برؤيته بالأبصار) أي الحسية (في الدّنيا وقال سعيد بن جبير لا أقول) أي أنه (رآه ولا لم يره) وهذا يدل على غاية الاحتياط منه وعلى تعارض الأدلة عنده (وقد اختلف في تأويل الآية) أي آية ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى أو قوله تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ وَابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله تعالى عنهم فحكي) بصيغة المجهول (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ رَآهُ بِقَلْبِهِ وَعَنِ الْحَسَنِ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَأَى جِبْرِيلَ وَحَكَى عَبْدُ الله بن أحمد بن حنبل) هو الإمام الحافظ الثبت محدث العراق روى عن
[ ١ / ٤٢٨ ]
أبيه وخلائق وعنه النسائي وغيره (عن أبيه أنّه قال رآه) وقد سبق الكلام عليه من جهة مبناه ومعناه (وَعَنِ ابْنِ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشَّرْحِ: ١] قَالَ شَرَحَ صَدْرَهُ للرّؤية وشرح صدر موسى للكلام) أي إجابة لدعائه ﵊ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وما بينهما بون بين إذ الأول مراد ومطلوب للمحبوب والثاني مريد وطالب للمرغوب (وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيُّ رضي الله تعالى عنه) كذا في النسخ والأولى أن يقال ﵀ لأنه ليس من الصحابة (وجماعة من أصحابه أنّه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (رأى الله تعالى ببصره وعيني رأسه) قال الحلبي هذا هو الشيخ القدوة إمام المتكلمين علي بن إسماعيل بن أبي بشر بن سالم بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى عبد الله بن قيس أبو الحسن الأشعري كان أولا معتزليا ثم ترك ذلك برؤيا رآها في نومه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وكان لا يتكلم في علم الكلام إلا أن يجب عليه قياما في الحق وكان حبرا عظيما لا يناضل ولا يباري قال القاضي أبو بكر الباقلاني أفضل أحوالي أن أفهم كلام أبي الحسن ولد سنة اثنتين ومائتين ومات قبل الثلاثين والثلاثمائة على الأصح قال الشيخ أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين كان شافعيا تفقه على الشيخ أبي إسحاق المروزي وقال التلمساني وأبو الحسن هذا مالكي المذهب (وقال) أي الأشعري (كلّ آية) أي معجزة (أُوتِيَهَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ فَقَدْ أوتي مثلها) أي حقيقة ونظيرها صورة (نبيّنا صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُصَّ مِنْ بَيْنِهِمْ بِتَفْضِيلِ الرُّؤْيَةِ) أي بزيادة حصول الرؤية واللقاء ووصول الدرجة العلياء في ليلة الإسراء (ووقف) أي توقف (بعض مشايخنا) جمع مشيخة وهو القياس أو شيخ على غير قاس (في هذا) أي في ذلك كما في نسخة، (وقال ليس عليه دليل واضح) أي على ثبوت وقوعه (ولكنّه جائز أن يكون) أي وجائز أن لا يكون وهذا يحتمل أن يكون في كلام القاضي وأن يكون من كلام الأشعري. (قال القاضي أبو الفضل وفّقه الله) أي المصنف (والحقّ الذي لا امتراء) افتعال من المرية أي لا شك (فِيهِ أَنَّ رُؤْيَتَهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا جَائِزَةٌ عقلا وليس في العقل ما يحيلها) أي شيء من توهم واحتمال يحكم باستحالتها لجزمه بجواز وقوعها فيها (وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا فِي الدُّنْيَا سُؤَالُ مُوسَى ﵇ لها) أي حيث قال رب أرني انظر إليك مع اعتقاده أنه تعالى يجوز أن يرى فيها فسألها (ومحال) بضم الميم أي ومن المحال (أَنْ يَجْهَلَ نَبِيٌّ مَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ وَمَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ بَلْ لَمْ يَسْأَلْ إلّا جائزا غير محال) أي غير مستحيل كما في نسخة لاستحالة سؤال الأنبياء ما يكون من المحال (ولكن وقوعه ومشاهدته) أي لنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم خاصة (مِنَ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا مَنْ علّمه الله تعالى) بتشديد اللام أي أطلعه إياه (فقال الله تعالى) أي لموسى أي غير ناف للجواز (لَنْ تَرانِي [الأعراف: ١٤٢]) أي دون لن أرى المؤذن بنفيه أي المشعر بنفي جواز بل فيه ما يدل على نفي وقوعه فقط حيث قال لن تراني (أي لن تطيق) أي تحمل تجلياتي (ولا تحتمل رؤيتي) أي
[ ١ / ٤٢٩ ]
في الدنيا لأنها دار الفناء واللقاء إنما يكون في دار البقاء وحال الإسراء يعد من أمر الآخرة بدليل الكشوفات الذاخرة والمقامات الفاخرة المقتضية لخرق العادة في قوة بنية نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم في تلك الحالة (ثمّ ضرب) أي بين (له مثلا) وفي نسخة مَثَلًا (مِمَّا هُوَ أَقْوَى مِنْ بِنْيَةِ مُوسَى) بكسر موحدة وسكون نون فتحتية أي من تركيب بناء جسده واعضاء جسمه (وأثبت) تفسير لا قوي (وهو الجبل) أي بحسب الهيكل الصوري حيث قال وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فسوف تراني (وَكُلُّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ مَا يُحِيلُ رُؤْيَتَهُ في الدّنيا) أي يقتضي ردها ويروى وقوعها محالا (بل فيه جوازها على الجملة) أي دليل جواز وقوعها في الجملة حيث علق وقوع رؤيته على استقرار الجبل في مكانه بعد تجلي رؤيته والتعليق بالممكن يفيد الإمكان إذ معنى التعليق هو أن يقع على تقدير وقوع المعلق عليه والمحال لا يقع على تقدير أصلا (وليس في الشّرع) أي في الكتاب والسنة (دليل قاطع على استحالتها) أي استحالة جوازها (ولا امتناعها) أي ولا دليل على امتناع وجودها (إذ كلّ موجود) أي لأنه ﷾ موجود بل واجب الوجود وكل موجود جائز الرؤية (فرؤيته جائزة غير مستحيلة) كما قال الأشعري (ولا حجّة لمن استدلّ على منعها) أي امتناع جوازها (بِقَوْلِهِ تَعَالَى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الْأَنْعَامِ: ١٠٣] لِاخْتِلَافِ التأويلات في الآية) أي ومع الاحتمال لا يصح أن يكون حجة إذ قد قيل المراد بالإدراك الإحاطة ولا يلزم منه نفي مطلق الرؤية وقيل ليس عاما في الأوقات فيخص ببعضها ضرورة الجمع بين الأدلة ولا في أشخاص إذ هو في قوة قولك لا كل بصر يدركه فيخص ببعضهم لقوله تَعَالَى كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ وقد أغرب عز الدين بن عبد السلام في قوله لا تراه الملائكة (وإذ ليس) عطف على الاختلاف وقيل على قوله كل موجود ولا يخفى بعده أي ولأنه (لا يقتضي قول من قال في الدّنيا) أي بمنعها في الدنيا (الاستحالة) أي للرؤية لأنه ليس نصا في المنع بل أخذ بتأويل واحتمال لا يقتضي الاستحالة (وقد استدلّ بعضهم بهذه الآية) أي آية لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ (نَفْسِهَا عَلَى جَوَازِ الرُّؤْيَةِ وَعَدَمِ اسْتِحَالَتِهَا عَلَى الجملة) إذ مفهوم نفي الإحاطة جواز الرؤية (وقد قيل) أي في تأويل الآية (لا تدركه أبصار الكفّار) على أن اللام للعهد بقرينة قوله كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (وقيل لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ لا تحيط به) أي كما مر مرارا (وهو قول ابن عبّاس وقد قيل) أي في التأويلات (لا تدركه الأبصار) أي أنفسها (وإنّما يدركه المبصرون) أي بسببها وبقوة الهية فيها وهو بضم الميم وإسكان الباء وكسر الصاد قال تعالى فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ والمعنى أن الإدراك إنما يكون للمبصر بواسطة البصر لا للبصر نفسه (وَكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ لَا تَقْتَضِي مَنْعَ الرُّؤْيَةِ ولا استحالتها) أي بل تقتضي جوازها (وكذلك لا حجّة لهم) أي على منعها (بِقَوْلِهِ تَعَالَى لَنْ تَرانِي [الْأَعْرَافِ: ١٤٢] وَقَوْلِهِ تُبْتُ إِلَيْكَ [الأعراف: ١٤٣] لما قدّمناه) أي للتأويل الذي قدمناه وهو قوله أي لن تطيق مما يؤذن بجوازها كسؤال موسى إياها (ولأنّها) أي آية لَنْ تَرانِي
[ ١ / ٤٣٠ ]
(ليست على العموم) وفي نسخة من العموم أي في نفيها لجميع أفراد الإنسان في جميع الأزمان لجواز أن يراه غير موسى مما يخلق الله فيه استعدادا لها في أبانها كليلة الإسراء فإن لن لنفي المستقبل فقط ولا تفيد توكيد النفي في الاستقبال ولا تأبيده على ما عليه أهل السنة خلافا للزمخشري وأهل الاعتزال حيث يدعون أنها تفيد التوكيد أو التأبيد ورد بقوله تعالى وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا وبقوله فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا إذ يلزم تكرار الأبد وعدم فائدة التقييد باليوم (وَلِأَنَّ مَنْ قَالَ مَعْنَاهَا لَنْ تَرَانِي فِي الدّنيا إنّما هو تأويل) أي مما لا يقتضي استحالة ولا منعا فيها مطلقا لجواز اختصاص المنع فيها بموسى دون غيره على أنه قد يقال إن حالة الإسراء مما لا يعد من أحوال الدنيا بل إنما هي من مقامات العقبى أو حالة أخرى كالبرزخ (وأيضا ليس) وفي نسخة فليس (فيه) أي في قوله تعالى لَنْ تَرانِي (نصّ الامتناع) أي من الرؤية مطلها (وإنّما جاءت) أي آية لَنْ تَرانِي مفصحة بامتناعها (في حقّ موسى) أي خصوصا ولا يلزم من منع الخصوص منع العموم مع أنه قابل للتقييد بذلك المكان والزمان (وحيث تتطرّق التّأويلات) بحذف إحدى التاءين أي تردد وتتابع وتزاحم ويؤيده أنه في نسخة تتطرق ويقويه قوله (وتتسلّط الاحتمالات) عطف تفسير (فليس للقطع) أي لقطع المنع (إليه) أي إلى امتناع الرؤية (سبيل) أي طريق ودليل (وقوله: تُبْتُ إِلَيْكَ) أي مأول بقولهم (أي من سؤالي) أي من الاقدام على دعائي (ما لم تقدّره لي) روي بضم التاء وفتحها وفتح القاف فلا يلائم إلا مع ضم التاء وتشديد الدال فيكون المعنى ما لم تقدره لي في الأزل وكتبته علي في سابق علمك وأما سكونها فمعناه ما لم تجعله له في قدرتي ووسعي كذا ذكره التلمساني (وقد قال أبو بكر الهذليّ) بضم هاء وفتح ذال معجمة (فِي قَوْلِهِ: لَنْ تَرانِي أَيْ لَيْسَ لِبَشَرٍ أَنْ يُطِيقَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيَّ فِي الدُّنْيَا) أي والإسراء ليس من الدنيا بل من الأخرى (وأنّه) أي الشان (من نظر إليّ) أي في الدنيا (مات) أي في الحال بدليل صعق موسى حين رأى الجبل قال المزي ويؤيده ما في مسلم من حديث الدجال فاعلموا أنه أعور وأن الله ﷾ ليس بأعور وأن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت (وَقَدْ رَأَيْتُ لِبَعْضِ السَّلَفِ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مَا مَعْنَاهُ أنّ رؤيته تعالى في الدّنيا ممتنعة) أي لا من حيث ذاتها لثبوت جوازها فيها كما مر الكلام عليها وإنما امتنعت فيها (لضعف تركيب أهل الدّنيا) أي بنيتهم (وقواهم) بضم القاف وتخفيف الواو أي حواسهم (وكونها متغيّرة عرضا) بفتحتين وضبطه بعضهم بفتح الغين المعجمة والراء وبالضاد المعجمة أي هدفا فالإنسان غرض والآفات سهام وفي نسخة صحيحة وكونها معرضة بتشديد الراء المفتوحة أي هدفا (للآفات) من نوائب مقلقة ونواكب للاكباد مفلقة تقتضي نقصانها (والفناء) أي مما يوجب زوالها (فلم تكن لهم قوّة على الرّؤية) أي في الدنيا (فإذا كان) أي الشأن (في الآخرة وركّبوا تركيبا آخر) أي أقوى وأبقى من الأول (ورزقوا قوى) بضم وتخفيف قاف منونا جمع قوة أي أعطوا حواس وفي نسخة قوة (ثابتة) من الثبوت وفي نسخة ثانية بالنون والباء (باقية) أي تامة وافية
[ ١ / ٤٣١ ]
(وأتمّ) بصيغة الفاعل أو المفعول أي أكمل (ألله أنوار أبصارهم) أي الظاهرة (وقلوبهم) أي وبصائرهم الباطنة (قووا بها) بفتح قاف وضم واو وأصله قويوا فأعل بالنقل والحذف وهو جواب الشرط أي صاروا ذوي قوة في الآخرة (على الرّؤية) وهذا أمر ظاهر وقول باهر ولا غبار عليه ولا شقاق لديه إذ لا مرية أن الله تعالى يخلقهم في العقبى على خلق أكمل منهم في الدنيا من جهة جمع القوى كما جاءت الأخبار فيه في الأكل والشرب والجماع وغير ذلك فلا ينكر زيادة القوة السامعة والباصرة ونحوهما هنالك لا سيما وقد نفى الشرع إثبات الرؤية للعامة في الدنيا وأثبتها للخاصة في العقبى فلا بد من الجمع بين الأدلة كما هو دأب الأئمة وهو لا ينافي استواء القدرة الكاملة في حالتي الراهنة والمستقبلة الشاملة فاندفع قول الدلجي وهذا منهم دعوى بلا بينة إذ القادر على خلق ذلك لهم في الآخرة قادر على خلقه لهم في الدنيا فلا وجه لتخصيص ذلك بالآخرة ولا دليل عليه إذ الرؤية بمجرد خلقه غير مشروطة بشيء (وقد رأيت نحو هذا) أي مثل هذا القول المنقول عن بعض السلف بعينه (لمالك بن أنس) وهو إمام المذهب (﵀ قال لم ير) بصيغة المجهول أي ما يرى الله ﷾ (في الدّنيا لأنّه) أي الله تعالى (باق ولا يرى الباقي بالفاني) أي بالحس الفاني أو بالمكان الفاني (فإذا كان) أي أمر الرؤية (في الآخرة ورزقوا أبصارا باقية) أي وبصائر قوية (رئي الباقي بالباقي) وضبط الأنطاكي رئي بكسر الراء وسكون الياء ثم بهمزة على بناء المجهول (وهذا) أي الذي قاله مالك وما سبق هنالك (كلام حسن مليح) أي ومرام مستحسن صريح ولا عبرة بمنع الدلجي هذه العلة (وليس هو) أي امتناعه وفي نسخة صحيحة وليس فيه أي في امتناعه في الدنيا (دليل على الاستحالة) أي على كونه محالا في العقبى أو مطلقا أو في ذاته بل ليس امتناعه واستحالته (إلّا من حيث ضعف القدرة) أي قدرة العبد وضعف بنيته وفناء حالته وقوته (فَإِذَا قَوَّى اللَّهُ تَعَالَى مَنْ شَاءَ مِنْ عباده) أي على ما شاء من مراده (وأقدره) في أصل الدلجي قدره بتشديد الدال أي وجعله قادرا (على حمل أعباء الرّؤية) بفتح الهمزة وسكون العين فموحدة بعدها ألف ممدودة جمع عبء بالكسر وهو الحمل الثقيل ومنه العباء أي تحمل اثقالها تحت تجلي جمالها وجلالها (لم تمتنع) أي الرؤية (في حقّه) أي في أي وقت كان وفي أي شخص بأن روى ابن عطاء أن الله ﷾ أوحى إلى أيوب ﵇ إنك لتنظر إلي غدا فقال يا رب أبهاتين العينين فقال أجعل لك عينين يقال لهما عينا البقاء فنتظر إلى البقاء وحكي أنه دخل على ابن الماجشون رجل ينكر حديث القيامة وأن الله يأتيهم في صورته فقال له يا بني ما تنكر من هذا فقال إن الله تعالى أعظم من أن يرى في هذه الصفة فقال يا أحمق إن الله تعالى ليس تتغير عظمته ولكن تتغير عيناك حتى تراه كيف شاء فقال الرجل أتوب إليه ورجع عما كان عليه (وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا ذُكِرَ فِي قُوَّةِ بَصَرِ موسى ومحمّد ﵊ ونفوذ إدراكهما) بالذال المعجمة أي مضيه وبلوغه (بقوّة إلهية منحاها) بصيغة المجهول أي أعطياها (لإدراك
[ ١ / ٤٣٢ ]
ما أدركاه ورؤية ما رأياه) أي في الجملة إذ رؤية موسى كانت مترتبة على النظر حين تجلى الرب على الجبل بخلاف رؤية نبينا الأكمل (والله أعلم) أي بحقيقة الحال وحقيقة المآل.
(وقد ذكر القاضي أبو بكر) يعني الباقلاني لأن القاضي أبا بكر بن العربي معاصر للمصنف إذ مولده سنة ثمان وستين وأربعمائة ومماته سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ومولد المصنف سنة ست وسبعين وأربعمائة ومماته سنة أربع وأربعين وخمسمائة ذكره الشمني ونسبه بالنون على غير قياس إذ القياس أن يقال بالهمز بدله (في أثناء أجوبته عن الآيتين) أي الدالتين على نفي الرؤية وهما لا تدركه الأبصار ولن تراني (ما معناه) أي الذي مؤداه لا لفظه ومبناه (أنّ موسى ﵇ رأى الله تعالى) أي بواسطة تجلي ربه للجبل (فلذلك خرّ) بتشديد الراء (صعقا) بفتح فكسر ويروى بفتحتين أي سقط مغشيا عليه وإلا فالصعق بمجرد رؤية الجبل دكا بعيد في النظر السديد (وأنّ الجبل رأى ربّه فصار دكّا) أي مدكوكا مدقوقا (بإدراك) متعلق برأى (خلقه الله تعالى له) أي في الجبل كما نقله الماتريدي عن الأشعري وقال الإمام الرازي في المعلم خلق الله تعالى في الجبل حياة وعقلا وفهما وخلق فيه الرؤية فرأى بها (واستنبط) أي القاضي أبو بكر (ذلك) أي رؤيتهما زبهما (وَاللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ) أي وبقي على حاله وشأنه عند تجلي ربه (فَسَوْفَ تَرانِي [الْأَعْرَافِ: ١٤٣] ثُمَّ قَالَ: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ) أي بلا كيف (جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا [الْأَعْرَافِ: ١٤٣] وَتَجَلِّيهِ للجبل هو ظهوره له) أي ظهورا تاما بلا كيف (حتّى رآه) أي بناء (على هذا القول) أي الذي عزاه للقاضي أبي بكر (وقال جعفر) أي الصادق (بن محمّد) أي الباقر في حكمة الواسطة في الرؤية (شغله) أي ﷾ أي موسى (بالجبل حتّى تجلّى) الأظهر حين تجلى (ولولا ذلك) أي الشغل بالجبل (لمات) أي موسى (صعقا بلا إفاقة) أي بعده مطلقا قال المصنف (وقوله هذا) أي قول جعفر (يدلّ على أنّ موسى رآه) أي رؤية بواسطة من وراء حجاب فلا ينافي قوله تعالى لَنْ تَرانِي بلا واسطة وهذا جمع سديد وقد أبعد الدلجي بقوله هنا وهذا بعيد (وقد وقع لبعض المفسّرين) أي حيث قال (في الجبل) أي في حقه (أنّه رآه) أي رأى تجلي ربه بإدراك وعلم خلقه في خلقته فاندك إذ الدك بمجرد التجلي بلا إدراك بعيد كيف وقد نقل الماتريدي عن الأشعري أن معنى التجلي أن الله تعالى خلق فيه حياة وعلما ورؤية فرآه وهذا نص منهما على اثباتها كذا ذكره الدلجي (برؤية الجبل له) أي لربه تعالى (اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِرُؤْيَةِ مُحَمَّدٍ نَبِيِّنَا لَهُ) أي الله ﷾ (إذ جعله) أي جعل الله تعالى ما ذكر من رؤية الجبل له (دليلا على الجواز) أي للرؤية قال الدلجي ذكر الضمير نظرا لما بعده والأولى ما قدمناه مع أن المصدر يؤنث ويذكر فتدبر (ولا مرية) بكسر الميم وتضم أي ولا شك (في الجواز) أي جواز الرؤية (إذ ليس في الآيات) أي آية لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وآية لَنْ تَرانِي وآية فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي (نصّ في المنع) أي للرؤية بل هي مشيرة إلى الجواز في مقام المرام كما سبق عليه الكلام. (وأمّا
[ ١ / ٤٣٣ ]
وجوبها) أي وجوب وقوعها (لنبيّنا) صلى الله تعالى عليه وسلم، (والقول) أي الجزم (بأنّه رآه بعينه فليس فيه قاطع) أي من قواطع الأدلة أي على وقوع الرؤية (ولا نصّ) أي دليل صريح يعول في ثبوت وقوعه عليه (إذ المعول فيه) أي المعتمد عليه في هذا الاستدلال (على آيتي النّجم) أي قوله تعالى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (والتّنازع فيهما مأثور) أي والاختلاف في معنى الآيتين بين الأئمة في كتب التفسير والسير مذكور ومسطور (والاحتمال) أي العقلي والنقلي (لهما ممكن) أي من حيث دلالتهما على الرؤية وعدمها لعدم صراحتهما بها (وَلَا أَثَرَ قَاطِعٌ مُتَوَاتِرٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم بذلك) أي بكونه رآه بعينه وفي نسخة صحيحة لذلك أي لما ذكر (وحديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنه) أي الذي تقدم من أنه رآه بعينه (خبر عن اعتقاده) أي الذي نشأ عن استنباطه (لم يسنده إلى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي حتى يعتبر (فيجب) بالنصب (العمل) وفي نسخة العلم (باعتقاد مضمّنه) بتشديد الميم المفتوحة أي مفهومه ومضمومه من رؤية ربه بعينه (وَمِثْلُهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ) أي قوله رأى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ربه. (وحديث معاذ) أي رأيت ربي في أحسن صورة (محتمل) بكسر الميم (للتّأويل) أي على ما تقدم من أنه رآه بفؤاده وفي منامه (وهو) أي والحال أن حديثه (مضطرب الإسناد والمتن) أي ومن المعلوم أن اضطراب أحدهما موجب لضعف الحديث فلا يصلح للاستدلال لا سيما مع ما سبق من الاحتمال ثم اضطرابه من حيث الإسناد فإنه تارة يروي عن عبد الرحمن بن عابس الحضرمي مرسلا فإن عبد الرحمن ليس بصحابي وتارة عن معاذ ابن جبل واضطرابه من حيث المتن فإنه رواه الطبراني في كتابه بإسناده عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل قال احتبس علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن صلاة الغدوة حتى كادت الشمس تطلع فلما صلى الغدوة قال إني صليت الليلة ما قضى لي ووضعت جنبي في المسجد فأتاني ربي في أحسن صورة الحديث ورواه أحمد بن حنبل على هذا السياق وفيه أني قمت من الليل فصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي حتى استيقظت فإذا أنا بربي ﷿ في أحسن صورة الحديث فقد اختلف متن الحديث كما ترى وسياق الإسناد واحد والاختلاف في متن حديث واحد موجب للاضطراب. (وحديث أبي ذرّ الآخر) بالرفع على أنه صفة لحديث (مختلف) بكسر اللام أي من حيث اللفظ والمبنى (محتمل) أي من حيث المعنى (مشكل) أي حيث لا يمكن الجمع بينهما ولا ترجيح أحدهما أو محتمل لأن يكون رآه ولم يره أو رآه وبعينه أو بقلبه مشكل من حيث اطلاق النور على الذات والنور بمعنى المنور من جملة الصفات (فروي) ويروى فيروى وهو حديث أبي ذر قال سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هل رأيت ربك فقال (نور) أي هو نور عظيم (أنّى أراه) بهمزة مفتوحة فنون مشددة مفتوحة بمعنى كيف أي كيف يتصور أني أرى الله تعالى فإن الشيء يرى بالنور وهو إذا غشي البصر حجبه عن رؤية ما
[ ١ / ٤٣٤ ]
وراءه من كمال الظهور فالضمير في اراه عائد إلى الله تعالى كما صرح الإمام أبو عبد الله المازري أي كمال النور منعني عن الرؤية وتمام الظهور كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار فيمنعها من الإبصار قال الحلبي هكذا رواه جميع الرواة في جميع الأصول أي جميع أصول مسلم والروايات ومعنا حجابه النور فكيف أَرَاهُ. (وَحَكَى بَعْضُ شُيُوخِنَا أَنَّهُ رُوِيَ نُورَانِيٌّ) أي بفتح النون والراء بعده ألف فنون مكسورة وتحتية مشددة منونة و(أراه) بضم همزة على ما ذكره الحجازي قال المزي وهذا تصحيف والصواب الأول ويدل عليه قوله رأيت نورا وقوله حجابه النور انتهى وقال الشمني يحتمل أن يكون معناه راجعا إلى ما سبق ولا يخفى بعده وغرابته إذ الأول دال على نفي رؤيته واستبعاده والثاني على اثباته واستعداده، (وفي حديثه الآخر) أي وفي حديث آخر لأبي ذر (سألته) أي النبي ﷺ أرأيت ربك (فقال رأيت نورا) كيف أراه وفي شرح الدلجي قال المصنف وهذه الرواية لم تقع لنا ولا رأيتها في أصل من الأصول أي أصول مسلم ومحال أن يكون ذاته تعالى نورا إذ النور جسم يتعالى الله عنه ومن ثمة كان تسميته ﷾ في الكتاب والسنة نورا بمعنى ذي النور أي منوره أو منه النور كما قيل نور السماء بالشمس والقمر والنجم ونور الارض بالأنبياء والعلم وروي بالنبات والاشجار أو المراد بالنور خالقه هذا وفي تخريج أحاديث الإحياء للعراقي في كتاب المحبة قال ابن خزيمة في القلب من صحة إسناده شيء أي من حيث إن في رواية أحمد عن أبي ذر رأيته نورا أني اراه ورجالها رجال الصحيح. (وليس يمكن الاحتجاج بواحد منها) أي من حديثي أبي ذر (على صحّة الرّؤية) أي وقوعها ونفيها لتعارض معنييهما وتناقض إسناديهما (فإن كان الصّحيح) أي متنا أو إسنادا (رَأَيْتُ نُورًا فَهُوَ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ ير الله تعالى. وَإِنَّمَا رَأَى نُورًا مَنَعَهُ وَحَجَبَهُ عَنْ رُؤْيَةِ الله تعالى وإلى هذا) أي إلى معنى قوله رأيت نورا (يرجع قوله نور أنّى أَرَاهُ أَيْ كَيْفَ أَرَاهُ مَعَ حِجَابِ النُّورِ المغشّى) بصيغة الفاعل مخففا أو مشددا أي المغطى (للبصر وهذا) أي حديث نوراني أراه (مثل باقي الحديث الآخر) أي من حيث المعنى (حجابه النّور) كما رواه الطيالسي عن أبي موسى الأشعري وأصله في مسلم وأوله أن الله لا ينام ولا ينبغي أن ينام (وفي الحديث الآخر) أي الذي رواه ابن جرير عن محمد بن كعب عن بعض الصحابة (وفي الحديث الآخر) أي الذي رواه ابن جرير عن محمد بن كعب عن بعض الصحابة (لم أره بعيني ولكن رأيته بقلبي) زيد فيه ههنا (مرّتين وتلا) أي قرأ الراوي شاهدا لصحة رؤيته ربه بقلبه (ثُمَّ دَنا) أي قرب نبينا (فَتَدَلَّى [النجم: ٨]) أي زاد في التقرب إليه ﷾ فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (والله تعالى قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ الْإِدْرَاكِ الَّذِي فِي الْبَصَرِ في القلب) أي على أن يجعله في القلب (أو كيف شاء) أي بأن يخلق إدراك في السمع أو غيره وأن يخلق إدراك الرؤية السمع في البصر ونحوه (لا إله غيره) أي حتى يمانعه ويدافعه عن مراده في عباده (فإن ورد حديث نصّ بيّن) بتشديد الياء المكسورة أي ظاهر لا يحتمل تأويلا (في الباب) أي في باب الرؤية
[ ١ / ٤٣٥ ]
من ثبوتها ووقوعها (اعتقد) بصيغة المجهول وفي نسخة احتمل (وَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ إِذْ لَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ) أي في جواز الرؤية وحصولها (ولا مانع قطعيّ) أي من جهة شهود العقل أو ورود النقل (يردّه) أي عند المحقق (والله الموفّق للصّواب) أقول والله ﷾ أعلم أنه يمكن الجمع بين الأدلة في هذه المسألة المشكلة بأن ما ورد مما يدل على إثبات الرؤية إنما هو باعتبار تجلي الصفات وما جاء مما يشير إلى نفي الرؤية فهو محمول على تجلي الذات إذ التجلي للشيء إنما يكون بالكشف عن حقيقته وهو محال في حق ذاته تعالى باعتبار احاطته وحياكته كما يدل عليه قوله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وقوله ﷾ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ومما يؤيده أنه قال تعالى فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا ففي ذكر الرب والجعل تلويح لما قررناه وكذا في قوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ تلميح لما حررنا وكذا في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته تصريح بما قررنا والحاصل أن ما علم يقينا من معرفته في الدنيا يصير عين اليقين بها في العقبى مع أن التجليات الصفاتية الكاشفة عن الحقيقة الذاتية لا نهاية لها في المقامات الأبدية والحالات السرمدية فالسالك المنتهي في السير إلى الله تعالى يكون في الجنة أيضا سائرا في الله كما قال تعالى وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى مع أنه لا نهاية لآخريته كما أنه لا بداية لأوليته فهو الأول والآخر والباطن والظاهر وهو أعلم بالظواهر والضمائر وما كشف للعارفين من الحقائق والسرائر.
فصل [في فوائد متفرقة]
في فوائد متفرقة مما وقع له صلى الله تعالى عليه وسلم في ليلة الإسراء (وأمّا ما ورد في هذه القصّة) أي قصة الإسراء (من مناجاته لله ﷿) أي مكالمته سرا (وكلامه معه) جهرا أو من محادثته صلى الله تعالى عليه وسلم ﷾ وكلام الله معه عز شأنه (بقوله) أي بدليل ما ورد من قوله تَعَالَى (فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى
[النَّجْمُ: ١١] إلى ما تضمّنتصه الأحاديث) أي ما وردت به السنة مما سيذكر في هذا المعنى (فَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمُوحِيَ هُوَ اللَّهُ تعالى إلى جبريل وجبريل إلى محمّد إلّا شذوذا منهم) أي إلا طائفة قليلة من المفسرين خارجة عن جمهورهم منفردة عنهم (فذكر عن جعفر بن محمّد الصّادق) صفة جعفر (قال أوحى إليه بلا واسطة) أي كما يقتضيه مقام الكرامة وحالة المباسطة (ونحوه عن الواسطيّ) أي منقول (وإلى هذا) أي قوله (ذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ مُحَمَّدًا كَلَّمَ رَبَّهُ في الإسراء) أي في ليلته أو حالته (وحكي عن الأشعري) أي القول بأنه كلمه فيها (وَحَكَوْهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنْكَرَهُ) أي نفي تكليمه بلا واسطة (آخرون) وسيرد ما يردهم (وَذَكَرَ النَّقَّاشُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الإسراء عنه صلى الله تعالى عليه وسلم في قوله دَنا فَتَدَلَّى أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (فارقني جبريل) أي في مقام معين له كما أخبر الله
[ ١ / ٤٣٦ ]
﷾ عن الملائكة بقوله وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وقال معتذرا لو دنوت انملة لاحترقت (فانقطعت الأصوات عنّي) أي بعد مفارقة جبريل مني وحصل الرعب والوحشة في قلبي (فسمعت كلام ربّي وهو يقول ليهدأ) بكسر لام الأمر ففتح فسكون ففتح فهمز ساكن أي ليسكن (روعك) بفتح الراء أي فزعك وإن روي بضم الراء فالمعنى ليطمئن نفسك فإني معك وأصل الروع بالضم القلب ومنه الحديث نفث جبريل في روعي فيحتمل أنه ذكره لأنه محل الروع فسمي باسم ما حل فيه أو سمي كله باسم القلب الذي فيه الروع فسمي باسم بعضه (يا محمّد ادن) بضم همزة ونون أمر من الدنو (ادن) كرر للتأكيد وإفادة زيادة القرب والتأييد فالدنو بالنسبة إليه صلى الله تعالى عليه وسلم دنو رتبة وقربة ومكانه لا دنو مكان ومسافة ومساحة أو المراد الدنو إلى عرشه المحيط بعلو العالم وفرشه. (وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْإِسْرَاءِ نَحْوٌ مِنْهُ) أي موقوفا عليه أو مرفوعا عنه فإن صح رفعه وكذا وقفه لأنه يعطى حكمه فلا كلام فيه مع أنه يمكن الجمع بأن ما أوحي إليه من الوحي الجلي وهو القرآن المبين فلا يكون إلا بواسطة جبريل الأمين كما قال تعالى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وما أوحي إليه من الوحي الخفي فهو بلا واسطة أحد وبلا تقييد لغة كما هو قضية الإلهام مما لا يخفى على العلماء الأعلام ومشايخ الإسلام من هداة الأنام (وقد احتجّوا) أي الآخرون (في هذا القول) بأنه كلمه بلا واسطة بقوله تعالى وَما كانَ لِبَشَرٍ) أي لآدمي (أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا) كلاما خفيا يدرك بسرعة لا بتأمل وروية وهو إما بطريق المشافهة به كما وقع لنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أو على سبيل الهتف كما حصل لموسى ﵇ في وادي الطور بطوى (أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ) أي كما وقع لسائر الأنبياء من الوحي الخفي ولبعض الأصفياء من الإلهام الجلي (أَوْ يُرْسِلَ) أي الله تعالى إلى البشر (رَسُولًا) من الملائكة (فَيُوحِيَ) إليه أي بالواسطة بأن يبلغ الملك الرسول من البشر (بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [الشورى: ٥١]) أي من الإحكام والإنباء وهذا الذي ذكرناه أظهر مما ذكره المصنف بقوله (فقالوا هي) أي الآية الدالة على أنواع الكلام أو مكالمته تعالى للبشر على (ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ كَتَكْلِيمِ مُوسَى هذا) أي أحدها (وبارسال الملائكة) الأظهر الملك بصيغة الإفراد لأن المشهور ان جبريل هو صاحب الوحي ولعل وجه الجمع أنه ما يخلو عن صحبته جماعة من الملائكة كما يستفاد من قوله تعالى عالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا (كحال جميع الأنبياء) الأولى كحال سائر الأنبياء جميعها (وأكثر أحوال نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم) وهذا هو القسم الثاني قال الواحدي المفسر في قَوْلِهِ تَعَالَى وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى الآية الرسول الذي أرسل إلى الخلق بإخبار جبريل إليه عيانا وحاوره شفاها والنبي الذي تكون نبوته الهاما أو مناما فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا هذا كلام الواحدي قال النووي في تهذيبه فيه نقص في
[ ١ / ٤٣٧ ]
صفة النبي فإن ظاهره أن النبوة المجردة لا تكون برسالة ملك وليس كذلك. (والثّالث قوله) أي ما أفاده (إلا وحيا) وهو وما بعده أحوال أي إلا موحيا أو مسمعا من حجاب أو مرسلا (ولم يبق من تقسيم صور الكلام) أي المنحصر في هذا المقام ثم الكلام كذا في نسخ الكرام وقال التلمساني الكلام كذا ثبت بخط القاضي المصنف وبخط العراقي المكالمة وهو الصواب بدليل قوله (إلّا المشافهة مع المشاهدة) فاختص بها نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم والله ﷾ أعلم وحاصل قوله إنه لم يبق من تقسيم صور الكلام الخ أنه ينبغي أن يحمل قوله وحيا على المشافهة مع المشاهدة إذ لم يبق من التقسيم إلا هذا (وقد قيل الوحي هنا) أي في عالم السماء أو في هذه الآية الاسمى (هو ما يلقيه) أي يقذفه الهاما (في قلب النّبيّ) أي قلب نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أو النبي من الأنبياء (دون واسطة) أي من الوحي الخفي كما سبق إليه الإشارة (وقد ذكر أبو بكر البزّار) بتشديد الزاء ثم راء نسبة إلى عمل بزر الكتان زيتا بلغة البغداديين (عَنْ عَلِيٍّ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مَا هُوَ أوضح) أي أظهر وأصرح (في سماع النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لكلام الله من الآية) أي من الاستدلال بمفهومها من الأقسام الثلاثة وقال الدلجي من آية فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
وهو بعيد كما لا يخفى (فذكر فيه) أي علي مرفوعا أو موقوفا يقتضي أن يكون في الحكم مرفوعا (فقال الملك) بفتح اللام (الله أكبر الله أكبر فقيل لي) فيه دلالة على أن الحديث مرفوع وفي نسخة له أي للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفيه إشارة إلى أن الحديث موقوف أو نقل بالمعنى (مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ صَدَقَ عَبْدِي أَنَا أَكْبَرُ أنا أكبر، وقال) أي الله تعالى مِنْ وَراءِ حِجابٍ (في سائر كلمات الأذان مثل ذلك) أي صدق عبدي مع ما يناسب ما قبله من النداء وفيه أنه إنما يدل على كلامه بلا واسطة لا مع المشافهة والمشاهدة كما يقتضيه اقسام الآية (ويجيء الكلام في مشكل هذين الحديثين) أي حديث ابن عباس وعلي (في الفصل بعد هذا) أي الفضل (مع ما يشبهه) أي مما ورد في حديث غيرهما (وفي أوّل فصل من الباب منه) أي سيجيء الكلام على دفع إشكال المرام وضمير منه يعود إلى ما في قوله مع ما يشبهه (وكلام الله تعالى لمحمّد) ﵊ (ومن اختصّه من أنبيائه) كموسى ﵇ (جَائِزٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا وَلَا وَرَدَ فِي الشّرع يمنعه) أي يمنع جوازه نقلا (فإن صحّ في ذلك خبر) أي في كلامه لغير موسى ﵇ منهم (اعتمد عليه) بصيغة المجهول وفي نسخة احتمل عليه (وكلامه تعالى لموسى كائن) أي واقع (حقّ) أي ثابت (مقطوع به نصّ ذلك في الكتاب) أي بقوله وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى (وأكّده بالمصدر) أي بقوله تكليما (دلالة) بفتح الدال وتكسر أي علامة (على الحقيقة) أي ودفعا لتوهم ارادة المجاز في القضية بناء على ما ذهب إليه المحققون من أن الفعل إذا أكد بالمصدر دل على الحقيقة ولذا يقال أراد زيد إرادة لا يقال إراد الجدار إرادة لأنه لا يتصور منه حقيقة الإرادة (ورفع مكانه) أي الحسي المشعر بعلو قربه المعنوي (على ما ورد في الحديث) أي جاء التصريح في
[ ١ / ٤٣٨ ]
بعض طرق الحديث الصحيح بأنه (في السّماء السّابعة) أي على ما رواه البخاري في التوحيد أن موسى في السماء السابعة وإبراهيم في السادسة ثم قال بتفضيله لكلام الله تعالى وهو موافق لما في الأصل وقيل صوابه السادسة لأن موسى فيها وإبراهيم في السابعة فالسابعة لموسى غلط ويؤيده أنه قال الحاكم تواترت الأحاديث أنه في السادسة ثم هذه الرفعة في المقام (بسبب كلامه) أي تكليم الله تعالى إياه ﵇ (ورفع محمّدا فوق هذا كلّه) كما أشار إليه قوله ﷾ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ (حتّى بلغ مستوى) أي مكانا مستويا لا ترى فيه عوجا ولا أمتا (وسمع صريف الأقلام) أي صوت جريانها بما تكتبه من الأقضية والأحكام (فكيف يستحيل في حقّ هذا) أي النبي ﵊ (أو يبعد) أي يستغرب ويستبعد منه (سماع الكلام؟ فسبحان من اختصّ) وفي نسخة من خص (من شاء بما شاء) أي من جزيل كرمه وجميل نعمه (وجعل بعضهم فوق بعض درجات) أي في المقامات العاليات.
فصل [وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ وَظَاهِرُ الآية من الدنو والقرب]
أي في متممات هذه القصة ومكملات هذه القضية (وأمّا ما ورد في حديث الإسراء) أي أحاديث سيره إلى السماء (وَظَاهِرُ الْآيَةِ مِنَ الدُّنُوِّ وَالْقُرْبِ مِنْ قَوْلِهِ: دَنا فَتَدَلَّى) أي حيث ظواهر الضمائر إليه صلى الله تعالى عليه وسلم لا إلى جبريل كما قيل (فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ) أي قدرهما (أَوْ أَدْنى [النجم: ٨]) أي بل أقرب وكون أو للتنويع أنسب (فَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الدُّنُوَّ وَالتَّدَلِّيَ مُنْقَسِمٌ مَا بين محمّد وجبريل ﵉) إذ قد دنا كل منهما من الآخر (أو مختصّ بأحدهما) أي بأن محمدا أو جبريل دنا (من الآخر) وفيه أنه لم يكن بينهما بعد حتى يقال دنا فتدلى فتدبر قال النووي المراد بالقاب في الآية عند جميع المفسرين هو المقدار ثم اعلم أن من ذهب إلى أن الدنو والتدلي ما بين محمد وجبريل يقول المعنى دنا جبريل من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فتدلى أي نزل عليه وذلك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سأله أن يراه على صورته التي جبل عليها فقال لن نقوى على ذلك قال بلى قال فأين تشاء أن أتخيل لك قال بالأبطح قال لا يسعني قال فبمنى قال لا يسعني قال فبعرفات قال ذلك بالحرى أن يسعني فواعده فخرج النبي ﷺ للوقت فإذا جبريل قد استوى له أي قام في صورته التي خلقه الله تعالى عليها له ستمائة جناح وهو بالأفق الأعلى أي في جانب المشرق في اقصى الدنيا عند مطلع الشمس فسد الأفق من المغرب فلما رآه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كبر وخر مغشيا فتدلى جبريل ﵇ فنزل عليه حتى إذا دنا منه قدر قوسين أفاق فرآه في صورة الآدميين كما في سائر الأوقات فضمه إلى نفسه وقال لا تخف يا محمد فقال صلى الله تعالى عليه وسلم ما ظننت أن أحدا من خلق الله هكذا قال كيف لو رأيت إسرافيل ﵇ أن العرش لعلى كاهله وأن رجليه قد خرقنا تخوم
[ ١ / ٤٣٩ ]
الأرضين السفلى وأنه ليتصاغر من عظمة الله حتى يصير كالوصع يعني كالعصفور الصغير قيل ولم ير جبريل ﵇ أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد فإنه رآه فيها مرة في الأرض ومرة في السماء ليلة المعراج عند سدرة المنتهى ذكره الأنطاكي (أو من السّدرة المنتهى) وهذا في غاية من البعد على ما لا يخفى (قال الرّازيّ وقال ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما) أي كما رواه ابن أبي حاتم (هُوَ مُحَمَّدٌ دَنَا فَتَدَلَّى مِنْ رَبِّهِ وَقِيلَ معنى دنا قرب) بضم الراء (وتدلّى زاد في القرب) أظن لا معنى له غيره (وقيل هما بمعنى واحد) أي جمع بينهما للتأكيد (أي قرب) غاية القرب والأول أظهر لأن التأسيس هو الأكثر ولأن زيادة المبنى تفيد زيادة المعنى وقال ابن الأعرابي تدلى إذا قرب بعد علو (وحكى مكّيّ والماوردي عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما) أي كما رواه ابن جرير (هو الرّبّ دنا من محمّد) أي تجلى بوصف القرب له وأما قول الدلجي دنو علم فليس في محله إذ لا خصوصية له ولا بمقامه ثم لا معارضة بين قولي ابن عباس إذ نسبة القرب بينهما متلازمة بل إضافته إلى الرب هو الحقيقة فإنه لو لاقربه لما تصور تقربه كما حقق في قوله ﷾ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (فتدلّى إليه) أي نزل إليه صلى الله تعالى عليه وسلم (أي أمره وحكمه) يعني على حذف مضاف أو ارتكاب مجاز والأنسب في معناه قرب الرب منه فتقرب إليه والأول يسمى قرب الفرائض والثاني قرب النوافل هكذا قرره بعض أرباب الفضائل. (وحكى النّقّاش عن الحسن) أي البصري (قال دنا) أي الرب الأمجد (من عبده محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم فتدلّى فقرب منه) أي قرب مكانه لا قرب مسافة وقرب انعام لأقرب أقدام وقرب عناية لا قرب غاية (فَأَرَاهُ مَا شَاءَ أَنْ يُرِيَهُ مِنْ قُدْرَتِهِ وعظمته) أي مما لا إطلاع لأحد على تفصيل جملته وفيه إيماء إلى تفسير قَوْلِهِ لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (قال) أي الحسن أو النقاش وهو الأقرب والأنسب (وقال ابن عبّاس هو) أي مجموع قوله دَنا فَتَدَلَّى (مقدّم ومؤخّر) أي فيه تقديم وتأخير كما بينه بقوله (تدلّى الرّفرف) وهو بساط خضر من نحو الديباج وقيل ما تدلى من الأسرة من غالى الثياب والبسط وقيل هي المرافق وقيل النمارق والطنافس وقيل كل ثوب عريض وقيل هو البساط مطلقا (لمحمّد صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ) وفي نسخة حتى (رفع) أي بصيغة المجهول أي لربه (فدنا من ربّه) أي دنوا بالنسبة إليه (قال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما سبق عنه (فارقني جبريل) أي في مقام قرب الجليل وقال لو دنوت انملة لاحترقت (وانقطعت عنّي الأصوات) أي أصوات الملائكة وسائر المخلوقات (وسمعت كلام ربّي ﷿) أي بجميع الحواس من جميع الجهات وهذا في المعنى هو تجلي الذات بجميع الصفات (وعن أنس في الصّحيح) أي على ما رواه شريك بن أبي نمير (عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَدَنَا الجبّار) أي القاهر لعباده على وفق مراده (ربّ العزّة) أي الغلبة والقوة في القدرة (فتدلّى) أي الجبار (حتّى كان منه) أي من سيد الأبرار (قاب قوسين) أي قدره وهو غاية القرب في
[ ١ / ٤٤٠ ]
الكونين (أو أدنى) أي بل أقرب مما يوصف بالقرب للمزيد فإنه في مقام المزيد أقرب من حبل الوريد (فأوحى إليه بما شاء) أي من غير واسطة أحد من العبيد ثم التقدير في الآية مكان مسافة قربه مثل قدر قوسين عربيين وفي أنوار التنزيل والمقصود من الآية تحقيق استماعه لما يوحى إليه بنفي العبد الملبس على الخلق (وأوحى إليه خمسين صلاة) أي بأن يصلي هو والأمة في كل يوم وليلة. (ثم خففت حتى قال يا محمد هي خمس وهي خمسون) أي خمسون حقيقة أو حكما (ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ) في أنها خمسون في الجملة وفي رواية أنهن خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ عشر فتلك خمسون صلاة هذا الحديث في الصحيح من رواية شريك عن أنس وقد استغرب الذهبي في الميزان هذا اللفظ فقال بعد أن ذكر حديث الإسراء إلى أن قال ثم علا به فوق ذلك ما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَدَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى وهذا من غرائب الصحيح كذا ذكره الحلبي (وعن محمّد بن كعب) أي القرظي كما في نسخة (هو) أي المراد بمن في الآية (محمّد دنا من ربّه فكان قاب قوسين) أي في مقام قربه لكمال حبه ووقع في أصل الدلجي هو محمد دنا محمد فتكلف له بأن وضع الظاهر موضع المضمر لكمال العناية بذكره إلا أنه مخالف لما في الأصول. (وقال جعفر بن محمّد) أي الصادق (أدناه ربّه منه) أي غاية الدنو وهو يحتمل جعل فاعل دنا الرب أو محمدا والأول أقرب (حتّى كان منه كقاب قوسين) ما أحسن هذه العبارة من زيادة الكاف المفيدة بحسب الإشارة إلى أنه ليس مقدار قوسين في المسافة في مقام القرب المعنوي بل يشبه به باعتبار القرب الحسي كما يستفاد هذا المعنى من قوله الآتي. (وقال جعفر بن محمد) أي الصادق ولم يطلقه لئلا يشتبه بجعفر الطيار، (والدّنوّ من الله لا حدّ له) أي لا يدخل تحت حدود العبارة ولا في ضمن وجود الإشارة على وفق سائر حقائق صفاته فضلا عن حقيقة ذاته (ومن العباد بالحدود) أي والدنو من العباد لا يتصور إلا بالحدود الغائية المنتهية إلى غاية ونهاية في الشهود. (وقال) أي جعفر (أيضا) أي حال كونه معاودا منتقلا إلى معنى الكلام في الدنو ومقام المرام (انقطعت الكيفيّة عن الدّنوّ) أي عن معرفة كنهه وحقيقته (ألا ترى كيف حجب جبريل ﵇) بفتح الحاء أي الرب الجليل (عن دنوّه) أي دنو الخليل فكيف يطعمع غيره إلى معرفة سواء السبيل مع اختلاف القال والقيل (ودنا محمّد إلى ما أودع قلبه) بصيغة المفعول أو الفاعل (من المعرفة والإيمان) أي من كمال المعرفة وزيادة الإيمان المنتجة إلى مقام الإحسان وشهود العرفان (فتدلّى بسكون قلبه إلى ما أدناه) أي قربه إليه وأشرق بأنوار المعارف وأسرار العوارف لديه (وزال عن قلبه الشّكّ والارتياب) أي عن توهم حلول الشك حول ذلك الجناب في حصول فتح هذا الباب والله تعالى أعلم بالصواب وهذا معنى خاص في الآية على طريق الإشارة القريب إلى معنى العبارة. (قال القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى) أي المصنف (اعْلَمْ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ إِضَافَةِ الدُّنُوِّ والقرب هنا من الله) أي لعبده (أو إلى
[ ١ / ٤٤١ ]
الله) أي من عبده (فليس بدنوّ مكان) أي مسافة بل دنو عناية ومكانة (ولا قرب مدى) بفتح الميم والدال منونا أي ولا قرب غاية ونهاية تعالى الله عن الاتصال والانفصال والحلول والاتحاد وما يقوله أرباب الضلال والإضلال (بل كما ذكرنا عن جعفر بن محمّد الصّادق ليس بدنوّ حدّ) أي يحس ببصر أو يدرك بنظر (وإنّما دنوّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم من ربّه. وقربه منه) عطف تفسير (إبانة عظيم منزلته) أي إظهار عظمته ومرتبته (وتشريف رتبته) أي وإظهار شرف رتبة قربته الناشئة من نهاية محبته وغاية طاعته (وإشراق أنوار معرفته) أي بذاته وصفاته. (ومشاهدة أسرار غيبه) أي مغيباته في ملكوت أرضه وسمواته (وقدرته) أي على ما تعلقت به مشيئته من وجود مخلوقاته (ومن الله تعالى) أي من جهته ﷾ وهو متعلق بإبانة ووقع في أصل الدلجي زيادة الواو العاطفة وهو مخالف لما في الأصول المعتبرة (له) أي ﷾ في حق نبيه أو لنبيه في مقام قربه (مبرّة) بفتح الميم والباء وتشديد الراء بمعنى البر أي مزيد جزيل فوائده إليه وجميل عوائده عليه (وتأنيس) أي وزيادة أنس (وبسط) أي غاية انبساط (وإكرام) أي وظهور إحسان وإنعام (ويتأوّل) بصيغة المجهول (فيه) أي في دنوه ﷾ من نبيه (ما يتأوّل في قوله) أي على ما ورد في الكتب الستة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا (ينزل ربّنا إلى سماء الدّنيا كل ليلة) أي يؤول دنوه تعالى منه بما يؤول به نزوله ﷾. (على أحد الوجوه) أي من أن نزوله إنما هو يكون (نزول إفضال وإجمال وقبول وإحسان) والمعنى أنه تعالى يتجلى ذلك الزمان بهذه الصفات من إفاضة الفضل وإفادة الكرم ورعاية القبول ونهاية الإحسان (قال الواسطيّ من توهّم) أي من المريدين (أنّه بنفسه) أي بحوله وقوته (دنا) أي قرب من ربه (جعل ثمه) بفتح المثلثة وتشديد الميم أي في ذلك المقام (مسافة) أي ولا مسافة في قربه للاستحالة (بل كلّ ما دنا بنفسه من الحقّ) أي بزعمه (تدلّى بعدا) أي في حقيقة أمره ونتيجة حكمه (يعني) تفسير من المصنف أو غيره أي يريد (عن درك حقيقته) بسكون الراء وفتحها أي بعد عن إدراك حقيقته وتصور حقيته إذ هو منزه عن شمول إحاطته (إذ لا دنوّ للحقّ ولا بعد) أي دنو مسافة ولا بعد مساحة وأما قوله تعالى فَإِنِّي قَرِيبٌ فتمثيل لكمال علمه وتمام فيضه وإجابته، (وقوله قاب قوسين أو أدنى) يحتمل احتمالين في المعنى (فمن جعل الضّمير) أي في دنا ويروى فإن جعل الضمير (عائدا إلى الله تعالى لا إلى جبريل على هذا) أي يحتاج إلى تأويل وهو أنه (كان) أي الدنو (عبارة عن نهاية القرب) أي المعنوي (ولطف المحلّ) أي المقام الأنسي (وإيضاح المعرفة) من باب الافعال أو الافتعال أي وضوح المعرفة في مقام المشاهدة ويروى المنزلة بدل المعرفة (والإشراف) وفي نسخة بالقاف أي الاطلاع (على الحقيقة) أي المنزهة عن المسافة (من محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) أي من جهته ورعايته، (وعبارة) بالنصب عطف على عبارة السابقة (عن إجابة لرغبة) أي مرغوباته (وقضاء المطالب) بأداء مطلوباته (وإظهار التّحفّي) بفتح المثناة الفوقية والحاء المهملة وتشديد الفاء
[ ١ / ٤٤٢ ]
المكسورة أي المبالغة في ظهور البر والإحسان أو في إظهار العلم والإيقان يقال تحفى فلان بصاحبه أي بالغ في بره وتلطفه بالسؤال عن حاله ومنه قوله تعالى إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا قال الزمخشري هو البليغ في البر (وإنافة المنزلة) أي رفعة الرتبة أو زيادتها ويروى إبانة من البيان، (والمرتبة) أي القربة (من الله له ويتأوّل فيه) أي في هذا الدنو (ما يتأوّل في قوله) أي المروي في صحيح البخاري (مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا) هذا الحديث القدسي والكلام الأنسي تمثيل لقرب معنى القرب المعنوي في لباس القرب الحسي فإنه أوقع في النفس الأنسي (ومن أتاني يمشي) أي في طاعته (أتيته هرولة) أي سبقته مسرعا بجزاء عطيته أو بتوفيق عبادته فالدنو في الآية والقرب في الحديث (قُرْبٌ بِالْإِجَابَةِ وَالْقَبُولِ، وَإِتْيَانٌ بِالْإِحْسَانِ وَتَعْجِيلِ الْمَأْمُولِ) أي وإسراع لتحصيل المسؤول لكن بين المقامين بون بين وبين القربين تباين متعين فلا تقاس الملوك بالحدادين لتفاوت مراتب المقربين ومنازل السالكين من المحبين والمحبوبين نفعنا الله ببركاتهم أجمعين.
فصل [في ذكر تفضيله في القيامة بخصوص الكرامة]
(في ذكر تفضيله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقِيَامَةِ بِخُصُوصِ الْكَرَامَةِ حَدَّثَنَا القاضي) أي الشهيد (أبو عليّ) أي الحافظ ابن سكرة (حدّثنا أبو الفضل) أي ابن خيرون (وأبو الحسين) بالتصغير وفي نسخة أبو الحسن بفتحتين والأول هو الصواب على ما حققه الحلبي وهو المبارك بن عبد الجبار (قالا) أي كلاهما (حدثنا أبو يعلى) وهو المعروف بابن زوج الحرة (حدّثنا السّنجيّ) بكسر السين وسكون النون فجيم منسوبا (حدّثنا ابن محبوب) هذا هو أبو العباس المحبوبي راوي جامع الترمذي عنه (حَدَّثَنَا التِّرْمِذِيُّ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَزِيدَ الْكُوفِيُّ) هو الطحان (حدّثنا عبد السّلام بن حرب) أي النهدي يروي عن عطاء بن السائب وغيره وعنه ابن معين ونحوه أخرج له الأئمة الستة (عن ليث) أي ابن سليم الكوفي أحد الأعلام روى عن مجاهد وطبقته ولا نعلم أنه لقي صحابيا وعنه شعبة وخلق وفيه ضعف يسير من سوء حفظه وكان ذا صلاة وصيام وعلم كثير وبعضهم احتج به (عن الرّبيع بن أنس) تقدم (عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنا أوّل النّاس خروجا) أي من القبر (إذا بعثوا) بصيغة المفعول أي أثيروا من قبورهم ونشروا (وأنا خطيبهم) أي متكلم عنهم فيما بينهم (إذا وفدوا) أي قدموا على ربهم (وأنا مبشّرهم) أي بما يسرهم (إذا أيسوا) أي قنطوا من رحمة ربهم من شدة حسابهم وهو عذابهم. (لواء الحمد) أي يومئذ كما في الجامع الصغير (بيدي) أي لإنفراده بالحمد الذي يليهم به أو لأنه يحمده الأولون والآخرون تحت لوائه كما قال آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولذا سمي مقاما محمودا وهو قيامه بالشفاعة العظمى وأصل اللواء الراية ولا يمسكها إلا صاحب الجيش وموضوع اللواء شهرة مكان الرئيس ليعتمدوا عليه ويرجعوا إليه (وأنا أكرم ولد آدم) أي هذا الجنس
[ ١ / ٤٤٣ ]
(على ربّي) أي عنده (ولا فخر) أي ولا أقول هذا فخرا من أثر عجبي بل تحدثا بنعمة ربي.
(وفي رواية ابن زحر) بفتح زاي فسكون حاء مهملة فراء وهو عبيد الله بن زحر الإفريقي العابد يروي عن علي بن يزيد وابن إسحاق وطبقتهما وله مناكير ضعفه أحمد وقال النسائي لا بأس به وقد أخرج له البخاري في الأدب المفرد (عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ فِي لَفْظِ هَذَا الحديث) لعله من طريق أخرى للمصنف غير طرق الترمذي فاندفع به قول الحلبي هذه الرواية ليست في الكتب الستة فضلا عن الترمذي وتوجيه قول الدلجي إن هذه رواية أبي نعيم في الدلائل عن ابن زحر ثم رأيت التلمساني ذكر أنه ثبت بخط القاضي وفي رواية ابن زحر والربيع بن أنس يعني بالعطف وعند العرفي عن الربيع عن أنس يعني كما في الأصل وعلى كلا الوجهين المروي عنه هو أنس بن مالك (أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا وَأَنَا قائدهم إذا وفدوا) أي مقدمهم وفي الحديث قريش قادة رادة (وأنا خطيبهم إذا أنصتوا) أي سكتوا ولم يقدروا أن يتكلموا فاعتذر لهم عما فعلوا (وأنا شفيعهم إذا حبسوا) أي وقفوا يوم القيامة فيموج بعضهم في بعض فيفزعون إلى الأنبياء فيقول كل نفسي نفسي فيأتونه فيشفع لهم الشفاعة العظمى لفصل القضاء (وأنا مبشّرهم إذا أبلسوا) بضم همز وسكون موحدة وكسر لام فسين مهملة أي يئسوا وتحيروا ومنه قوله تعالى فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ وبه سمي إبليس وكان اسمه عزازيل هكذا ذكره التلمساني وروي يئسوا بتقديم الياء على الهمزة من اليأس وروي بتقديم الهمزة على الياء من الإياس وهو قطع الرجاء. (لواء الكرم) أي الذي ترتب عليه الحمد (بيدي) أي بتصرفي وأصل اللواء العلم والراية ويجوز أن يراد به حقيقته وهو الأولى لأن الرئيس علامته اللواء ويجوز أن يكون إشارة لرفعة مقامه وظهور مرامه ويؤيد الأول ما ورد من أنه يكون يوم القيامة لكل متبوع لواء يعرف به أنه قدوة حق أو أسوة باطل وجاء في حديث عقبة بن عامر أن أول من يدخل الجنة الحمادون لله تعالى على كل حال يعقد لهم يوم القيامة لواء فيدخلون الجنة ثم قيل اللواء ما كان مستطيلا والراية ما كان مربعا والأظهر أن اللواء هو الراية العظيمة فهي أعم والله تعالى أعلم (وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي وَلَا فخر) أي ولا أقول فخرا بل أمتثل أمرا (ويطوف عليّ ألف خادم) أي من أفضل خدام أهل الجنة (كأنّهم لؤلؤ مكنون) أي مصون عن الغبار والصفار مثل الدر في الصدف على طراوته أو لمصان المدخر لنفاسته وفي اللؤلؤ أربع لغات الهمز فيهما وتركه وهمز الأولى مع ترك الثانية وعسكه ويسمى كباره المرجان لقوله تعالى كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ لأن المراد الحمرة والبياض والله تعالى أعلم وخلاصة المعنى أنهم في الحسن والبياض والصفاء والضياء كأنهم لؤلؤ مستور في صدقه لم تمسه الأيدي من الكن وهو الستر (وعن أبي هريرة ﵁) كما روى الترمذي وصححه (وأكسى) بصيغة المجهول أي وألبس (حلّة) أي عظيمة (مَنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ ثُمَّ أَقُومُ عَنْ يَمِينِ العرش) تلويح بقربه من ربه وكرامته في مقام حبه (لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ يَقُومُ ذَلِكَ الْمُقَامَ غيري) يعني به المقام المحمود وصدر الحديث على ما في الجامع الصغير من رواية
[ ١ / ٤٤٤ ]
الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى حلة الحديث (وعن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه) أي الخدريّ كما في نسخة وقد رواه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة عنه مرفوعا (قال قال رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القيامة) قيده به لظهور سيادته ووضوح رياسته مطلقا فيه لكل أحد من غير منازع ولا مدافع وفي الأصل ولا فخر هنا أيضا (وبيدي لواء الحمد ولا فخر) أي إلا بمثل هذا (وما نبيّ) وفي نسخة ولا نبي وفي نسخة صحيحة وما من نبي (يومئذ آدم) بالنصب ويجوز رفعه (فمن سواه) بكسر السين وضمها أي فمن بعده ولو كان أفضل منه كإبراهيم ونوح وموسى وعيسى ﵈ كما يستفاد من العطف بالفاء دون الواو (إلّا تحت لوائي) ووقع في اصل الدلجي آدم يومئذ فمن سواه فتكلف في توجيهه بقوله اعتراض بين النفي والاستثناء أفاد أن آدم بالرفع بدلا أو بيانا من محله (وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلَا فخر) وفي الأصول هنا زيادة وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ (وعن أبي هريرة عنه) كما رواه مسلم وأبو داود (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مشفّع) بفتح الفاء المشددة أي أول مقبول في الشفاعة وإنما ذكر الثاني بإعادة أول لأنه قد يشفع اثنان فيشفع الثاني منهما قبل الأول ذكره النووي ففي البخاري يحبس المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا إلى أن قال فيأتونني فاستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء أن يدعني فيقول محمد ارفع وقل تسمع واشفع تشفع. (وعن ابن عبّاس ﵄) كما روى الترمذي والدارمي (أَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فخر) أي إلا بهذا قيل يعارض هذا الحديث ونحوه ما روي عنه ﵊ اللواء يحمله يوم القيامة علي وأجيب بأن حديث علي هذا ذكره ابن الجوزي في الموضوعات قيل ولئن صح فالجواب أن عليا لما كان حاملا للواء بأمره أضاف حمله إلى نفسه والأولى أن يقال لواء علي خاص له ولأشياعه وكذا لأبي بكر وأتباعه وكذا لكل إمام وشيخ مقتدى مع تلاميذه ومريديه لما تقدم والله تعالى أعلم (وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ) أي بهذا بل لي عند الله فوق ذلك مما أفتخر به هنالك (وأنا أوّل من يحرّك حلق الجنّة) أي بابها للاذن بدخولها والحلق بفتحتين وقد تكسر حاؤه جمع حلقة (فيفتح لي) بصيغة المجهول (فأدخلها فيدخلها معي) أي من أمتي (فقراء المؤمنين) أي من المهاجرين وغيرهم على مراتبهم (ولا فخر) أي في هذا المقام إلا بالفقر وأما حديث الفقر فخري فموضوع كما صرح به الحفاط ثم الفقر قد يكون مذموما كما ورد كاد الفقر أن يكون كفرا ومنه حديث أعوذ بك من الفقر والمحمود منه إنما هو بغنى النفس كما ورد ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس ونعم ما قيل:
غنى النفس ما يكفيك عن سد حاجة فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا
[ ١ / ٤٤٥ ]
وقد قال الله تعالى وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ والفقير الحقيقي هو الذي يرى دوام افتقاره في حال اضطراره واختياره (وأنا أكرم الأوّلين والآخرين ولا فخر) أي إلا بالغيبة عنهم وبالحضور مع ربهم (وعن أنس رضي الله تعالى عنه) كما روى مسلم (أنا أوّل النّاس يشفع) وفي نسخة يشفع بتشديد الفاء المفتوحة (في الجنّة) أي لرفع درجات المطيعين ولدخول العصاة من المؤمنين (وأنّا أكثر النّاس) أي من الأنبياء (تبعا) ولفظه في مسلم على ما في الجامع الصغير أنا أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة وأنا أول من يقرع باب الجنة (وعن أنس رضي الله تعالى عنه) كما في الصحيحين (قال النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وتدرون لما ذلك) كأنه قيل الله ورسوله أعلم فقال أو لما علم أنهم لا يدرون ما هنالك قال (يَجْمَعُ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ. وَذَكَرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ) وهو إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض فيأتون آدم ليشفع لهم فيقول لست لها إلى أن قال فيأتونني فأقول أنا لها الحديث أي أنا الكائن لها والمتكفل بها ومن ثمة قيل أنت لها أحمد من بين البشر (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَطْمَعُ أَنْ أَكُونَ أَعْظَمَ الأنبياء أجرا يوم القيامة) لأنه أعظمهم في المشقة بما كلف من عموم الدعوة مع تمرد الكفرة وعتو الفجرة أو المعنى أكثرهم أجرا لكون أمته أكثرهم نفرا. (وفي حديث آخر) أي عنه أو عن غيره (أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ وَعِيسَى فِيكُمْ) أي محشورين في جملتكم (يوم القيامة) أما تخصيص إبراهيم ﵇ فلقوله تعالى إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهذا النبي والذين آمنوا ولموافقته في كمال التوحيد في مقام التفريد كما يشير إليه قوله تعالى ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا ولكونه جده ومنه جده وأما عيسى ﵇ فلما أنه يتبعه في ملته بعد نزوله من رفعته ويدفن بعد موته في تربته (ثُمَّ قَالَ إِنَّهُمَا فِي أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أمّا إبراهيم فيقول أتت دعوتي) أي أثر إجابة دعائي حيث قلت في ندائي رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ (وذرّيتي) أي وأنت من ذريتي المذكورة في دعوتي أيضا بقولي رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ الآية ولا نزاع أنه من نسل ولده إسماعيل وأنه لم يبعث منهم بني سواه فهو المجاب به دعوته (وأمّا عيسى ﵇ فالأنبياء) أي جميعهم (أخوة) أي أولاد أب واحد حقيقة وكذا حكما لاتفاقهم فيما بعثوا لأجله من توحيد وإيمان بما يجب تصديقه ودعوة الخلق إلى الحق وإرشادهم إلى نظام معاشهم وتمام مرادهم في معادهم فتساويهم في أصولهم اعتقادا كان لهم واحد ولتفاوتهم واختلافهم في بعض فروعهم عملا (بنو علّات) بفتح عين مهملة وتشديد لام أي أولاد أمهات مختلفات وأبوهم واحد وبنو الاخياف لمن أمهم واحدة والآباء مختلفون وبنو الاعيان لمن أمهم واحدة وكذا أبوهم واحد كما بينه بقوله (أمّهاتهم شتّى) بفتح شين وتشديد تاء شتيت جمع كمرضى جمع مريض أي متفرقات في نسبة الولادات التي يتولد منها الاختلافات، (وإنّ عيسى أخي) أي بالخصوص من حيث إنه بشر بي قبلي وقام بديني بعدي ويروى وأن عيسى (ليس بيني وبينه نبيّ) ففيه كمال اتصال له بي وكأنه جار لي في
[ ١ / ٤٤٦ ]
مقامي. (وأنا) ويروى فأنا (أولى النّاس به) أي أحقهم ببره أو أخصهم باتصاله بي وقد روى البخاري ومسلم وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة الأنبياء بنو علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد وليس بيننا نبي وأما ما ذكره في مستدرك الحاكم من أن فيما بين عيسى ومحمد ﵉ بعض الأنبياء كخالد بن سنان فأسانيده لا تقاوم الصحيح وعلى فرض صحته يقال المعنى ليس بيننا نبي مرسل. (قوله) صلى الله تعالى عليه وسلم أي في الحديث السابق (أنا سيّد النّاس) وفي نسخة ولد آدم (يوم القيامة) أتى بقيده ليفيد ظهوره كقوله تعالى وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ومالِكِ يَوْمِ الدِّينِ والْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ (هو سيّدهم في الدّنيا ويوم القيامة) أي وما بعده من العقبى (ولكن أشار صلى الله تعالى عليه وسلم لانفراده) أي إلى اختصاصه (فيه بالسّؤدد) بضم السين وسكون الواو وفتح الدال الأولى (والشّفاعة) أي العظمى (دُونَ غَيْرِهِ إِذْ لَجَأَ النَّاسُ إِلَيْهِ فِي ذلك) تحتمل إذ ان تكون تعليلية وأن تكون حينية ظرفية (فلم يجدوا سواه) أي ملجأ وملاذا يعتمدون عليه. (وَالسَّيِّدُ هُوَ الَّذِي يَلْجَأُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِي حوائجهم) أي في فضائها (فكان حينئذ) أي وقت يلجأون إليه ويتضرعون لديه (سَيِّدًا مُنْفَرِدًا مِنْ بَيْنِ الْبَشَرِ، لَمْ يُزَاحِمْهُ أحد في ذلك) أي ممن استحق السيادة (ولا ادّعاه) أي أحد ممن لا يستحقها وهذا منه صلى الله تعالى عليه وسلم (كما قال تعالى) أي يوم القيامة (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) فلا يجيبه أحد من هول ذلك المشهد فيجيب نفسه بقوله بعد (لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [غَافِرٍ: ١٦] وَالْمُلْكُ لَهُ تَعَالَى) أي والحال أن حقيقة الأمر ناطقة بأنه له الملك (في الدّنيا والآخرة لكن في الآخرة) لكون زوال أسبابه وارتفاع وسائطه (انقطعت دعوى المدّعين لذلك) أي للملك أو الملك في الجملة (في الدّنيا) أي لغفلتهم عن أنعت المولى (وكذلك لجأ إلى محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم جميع النّاس في الشّفاعة) أي ليريحهم من هول تلك الساعة (فكان سيّدهم في الأخرى دون دعوى) أي من أحد كان يدعي السيادة في الدنيا، (وعن أنس ﵁) كما في مسلم (قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم آتي) بمد الهمزة أي أجيء (باب الجنّة يوم القيامة فأستفتح) أي فأطلب فتحها لأدخلها (فيقول الخازن) أي رضوان (من أنت) قيل واسم خازن النار مالك وناسب كل اسم ما وكل عليه فالجنة دار الكرامة والرضى فناسب رضوان والنار دار المشقة والعذاب والشدة فناسب مالك كذا ذكره التلمساني ولا يبعد أن يقال لأن الجنة إنما تحصل بالرضى عن المولى والنار إنما تنشأ عن طلب الملك والملك في الدنيا (فأقول محمّد فيقول بك) أي بسببك (أمرت أنه لا أفتح لأحد قبلك) أو أمرت أن افتح لك حال كوني لا أَفْتَحَ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ. (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمرو) أي ابن العاص كما في الصحيحين (قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حوضي) أي مسافته أو دورته ومساحته (مسيرة شهر) أي قدر سير شهر (وزواياه) بفتح الزاء جمع زواية أي نواحيه (سواء) بفتح السين ممدودا أي مستوية أي لتربيع أرضه لا يزيد طوله على عرضه قيل أركانه أربعة وسقاته أربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين فمن أبغض واحدا لم يسقه الآخرون
[ ١ / ٤٤٧ ]
وأورد التلمساني حديثا في هذا المعنى ولكن الله تعالى أعلم بصحة المبنى (وماؤه أبيض) أفعل تفضيل وهو حجة للكوفي على البصري أي أشد بياضا (من الورق) بكسر الراء وسكونها وحكي كسر الواو وسكون الراء ونسب إلى الفراء وحكي فتحهما الصغاني وادعى أنه قرئ بها في قوله تعالى بِوَرِقِكُمْ أي الفضة أو الدراهم المضروبة وفي نسخة من اللبن بدل من الورق والأول هو المذكور في جميع نسخ صحيح مسلم والثاني وقع وفي نسخة المصابيح والجمع بتعدد الرواية (وريحه أطيب من المسك) أي من ريحه وفي تخصيصه إيماء إلى أنه أفضل نوع من جنس الطيب (كيزانه) جمع كوز (كنجوم السّماء) أي كثرة وإضاءة وهي من ذهب وفضة كما في رواية ثم قيل المراد به الكثرة لا عددها على الحقيقة والصواب ما قاله النووي من أن العدد على ظاهره ولا مانع شرعا ولا عقلا مما ثبت نقلا لا سيما وقد ورد مؤكدا بالقسم في حديث والذي نفسي بيده لأكثر من عدد نجوم السماء (من شرب منه لم يظمأ) أي لم يعطش (أبدا) أي بعده وفيه إشكال سيذكر في آخر الفصل حله (وعن أبي ذرّ نحوه) أي على ما رواه مسلم. (وقال) أي أبو ذر في حديثه هذا (طوله ما بين عمان) بضم العين وتخفيف الميم من قرى اليمن وبفتح العين وتشديد الميم من قرى الشام بالبلقاء من أقصى حوران والمعروف أنه غير مصروف والمعنى أن مسافة ما بين طرفيه طولا مثل المسافة منها (إلى أيلة) بهمزة مفتوحة وتحتية ساكنة قرية في آخر طرف الشام بساحل البحر متوسطة بين المدينة ودمشق وثمان مراحل بينها وبين مصر قيل هي التي قال الله تعالى وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ هذا وقد قال ابن قرقول عمان التي في الحوض رويناه بفتح العين وتشديد الميم وهي قرية بالشام من عمل دمشق وكذا قاله الخطابي وحكي أيضا فيه تخفيف الميم وفي الترمذي من عدن إلى عمان البلقاء والبلقاء بالشام قاله البكري ويقال فيه أيضا عمان بالضم والتخفيف وزعموا انه المراد بالحديث لذكره مع أيله جرباء وأذرع والكل من قرى الشام وأما عمان التي ببلاد اليمن فبالضم والتخفيف لا غير ووقع في كتاب ابن أبي شيبة ما يدل على أنها المراد في حديث الحوض لقوله ما بين بصرى وصنعاء اليمن ومثله في البخاري وفي مسلم وعرضه من مقامي إلى عمان بالفتح والتشديد عند الصدفي وعند غيره بالضم والتخفيف وقال ابن الأثير حديث الحوض من مقامي إلى عمان هي بفتح العين وتشديد الميم مدينة قديمة بالشام من أرض البلقاء فأما بالضم والتخفيف فهو صقع عند البحرين وله ذكر في الحديث وقال السهيلي بالضم والتخفيف قرية باليمن سميت بعمان بن سنان من ولد إبراهيم فيما ذكروا وبالفتح والتشديد قرية بالشام قرب دمشق سميت بعمان بن لوط بن هاران كان يسكنها فيما ذكروا وقال الحافظ المزي يتعين الضم والتخفيف فإن في الحديث الآخر أيلة وصنعاء (يشخب) بفتح الخاء وضمها من شخب اللبن كمنع ونصر أي يسيل سيلانا شديدا متواليا وقيل يصب بصوت وفي رواية يغت بغين معجمة وتاء مثناة ومعناه اتباع الصب وروي يعب بعين مهملة وباء موحدة ومعناه الشرب بسرعة في نفس واحد وفي رواية ابن ماهان يثعب
[ ١ / ٤٤٨ ]
بثاء مثلثة وعين مهملة وباء موحدة ومعناه يتفجر (فيه) أي في ذلك الحوض (ميزابان) بكسر الميم وسكون الياء وقد يهمز إذ أصله الهمز وقد يشدد تثنية ميزاب وهو مثعب الماء أي الجدول الذي يجري منه الماء إلى الحوض لكن في التعبير عنه بالميزاب إشعار بأن أرض الموقف في أسفل (من الجنّة) أي من أنهارها. (وعن ثوبان مثله، وقال) أي ثوبان في روايته فيما رواه مسلم (أحدهما من ذهب. والآخر من ورق) أي فضة وإنما نوع للزينة كما في الحلي المرصعة والعمارات المزخرفة، (وفي رواية حارثة بن وهب) أي فيما رواه الشيخان عنه وهو بالحاء المهملة وبعد الراء ثاء مثلثة خزاعي له صحبة وهو أخو عبد الله بن عمر بن الخطاب لأمه: (كما بين المدينة وصنعاء) بفتح الصاد وسكون النون ممدودة قاعدة اليمن ومدينته العظمى وهي من عجائب الدنيا كما قال الشافعي وأما صنعاء الروم فقرية في ناحية ربوة دمشق والله تعالى أعلم (وَقَالَ أَنَسٌ: أَيْلَةُ وَصَنْعَاءُ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) أي فيما رواه الشيخان عنه (كما بين الكوفة والحجر الأسود) واختلاف الروايات يدل على أن المراد كثرة طوله وإنما ورد تقديره تمثيلا لكل أحد بحسب بعده وتقريبا لفهمه. (وروى حديث الحوض أيضا أنس) كما في الصحيحين (وجابر بن سمرة) فيما رواه مسلم وفي نسخة وجابر وسمرة فعلى تقدير صحته فقد روى جابر بن عبد الله حديثا في الحوض وهو في مسند أحمد وأما سمرة فلم يعرف حديثه فالصواب هو النسخة الأولى، (وابن عمر) كما رواه الشيخان وأبو داود (وعقبة بن عامر) كما رواه مسلم وغيره (وحارثة بن وهب الخزاعيّ) بضم أوله كما رواه البخاري والترمذي (والمستورد) بصيغة الفاعل على ما رواه الشيخان وهو ابن شداد بالشين المعجمة كما أفاده الحلبي (وأبو برزة) بفتح الموحدة وبتقديم الراء على الزاي (الأسلميّ) فيما رواه أبو داود وابن حبان والبيهقي (وحذيفة بن اليمان) كما رواه مسلم وغيره (وأبو أمامة) على ما رواه ابن حبان والبيهقي وهو صدي بن عجلان على ما هو الظاهر وإلا ففي الصحابة خمسة يقال لهم أبو أمامة (وزيد بن أرقم) فيما رواه أحمد بن حنبل والبيهقي (وابن مسعود) كما رواه الشيخان (وعبد الله بن زيد) كما في الصحيحين (وسهل بن سعد) بروايتهما أيضا (وسويد) بالتصغير (ابن جبلة) بفتح الجيم والموحدة تابعي وقيل صحابي فكان ينبغي تأخيره عمن اتفق على صحبته رواه عنه البيهقي وأبو زرعة الدمشقي في مسند أهل الشام ووقع في أصل الحلبي هنا زيادة قوله وابن بريدة وتفرع له اعتراض على المصنف لكنه مخالف لما في النسخ المصححة هذا وفي حاشية قال الصواب سويد بن غفلة بفتح الغين المعجمة والفاء وهو مخضرم عاش مائة وعشرين سنة ومات عام الفيل كذا في الأصل ولعله تصحيف وصوابه ولد عام الفيل (وأبو سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه) فيما رواه مسلم (وعبد الله الصّنابحيّ) بضم الصاد المهملة فنون بعده ألف فموحدة مكسورة فحاء مهملة فياء نسبة قيل هو صحابي نسب إلى جده صنابح رواه أحمد وابن ماجة عنه (وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه) كما في الصحيحين (والبراء) بفتح الباء وتخفيف الراء أي ابن عازب كما في نسخة رواه أحمد
[ ١ / ٤٤٩ ]
والطبراني عنه (وجندب) بضم الجيم والدال ويفتح رواه الشيخان عنه وهو عبد الله بن سفيان البجلي وإلا ففي الصحابة من يقال له جندب غيره أثنا عشر قال ابن الأثير متى أطلق اسم جندب من غير ذكر أبيه فهو جندب بن عبد الله هذا وإلا فاسم أبي ذر الغفاري جندب بن جنادة الغفاري مشهور بكنيته (وعائشة) كما في مسلم (وأسماء بنتا أبي بكر رضي الله تعالى عنه) على في الصحيحين (وأبو بكرة) أي السقفي راه الطبراني واسمه نفيع مصغرا وهو ممن اعتزل يوم الجمل ولم يقاتل مع أحد من الفريقين وكان يقول أنا مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال السهيلي وقد تدلى من سور الطائف على بكرة فتسمى أبا بكرة وهو من أفاضل الصحابة (وخولة) بفتح الخاء المعجمة (بنت قيس) كما رواه أحمد وغيره عنها وهي انصارية نجارية زوج حمزة بن عبد المطلب (وغيرهم ﵃) كأبي بكر الصديق في صحيح أبي عوانة والبيهقي وعمر للبيهقي في البعث وأبي بن كعب وأسامة بن زيد وحذيفة بن أسيد بفتح فكسر والحسن بن علي وسلمان الفارسي وسمرة بن جندب وأبي الدرداء وأبي معوذ كلهم في الطبراني وأسيد بن حضير في الصحيحين وابن عباس في البخاري وأم سليم في مسلم وجابر بن عبد الله وعائد بن عمرو وثابت بن أرقم وخولة بنت حكيم رواه أحمد في مسنده عنهم ولقيط بن صبرة في زيادات المسند وخباب بن الأرت في المستدرك وكعب بن عجرة في الترمذي والنسائي وبريدة في مسند البزار وعتبة بن عبيد والعرباض بن سارية في صحيح ابن حبان والنواس بن سمعان في كتاب ابن أبي الدنيا وعثمان بن مظعون في تاريخ ابن كثير وعبد الرحمن بن عوف في الطبراني ومعاذ بن جبل في حادي الأرواح ذكره الدلجي وقال زعم المصنف تواتر حديث الحوض والظاهر أن تواتره معنوي لا لفظي لقول ابن الصلاح وغيره لا يكاد يوجد شرط هذا وفي نسخة بعد قوله وسويد بن جبلة وأبو بكر وعمر وابن بريدة ونقل عن ابن جبير أن هذه الزيادة وقعت في طرة الأم بخط المؤلف بغير علامة يخرج إليها ثم ابن بريدة قال الحلبي هو تابعي فحديثه مرسل قلت المرسل حجة عند الجمهور فكيف إذا كان مع جمع حديثهم مشهور هذا وممن روى حديثا في الحوض ولم يذكره القاضي خولة بنت حكم وعبد الله بن عباس أخرجهما أحمد في مسنده كما ذكره الحلبي وقد جمع ذلك كله الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب البعث والنشور بأسانيده وطرقه المتكاثرات واختلف في أن الحوض هل هو قبل الصراط أو بعده أو له حوضان أحدهما بعده والآخر قبله والله تعالى أعلم هذا وقد قال المصنف ظاهر الحديث أن الشرب من الحوض يكون بعد الحساب والنجاة من النار فهذا هو الذي لا يظمأ بعده قال وقيل لا يشرب منه إلا من قدر له السلامة من النار قال ويحتمل أن من شرب من هذه الأمة وقدر عليه الدخول لا يعذب فيها بالظمأ بل يكون عذابه بغير ذلك لأن ظاهره الحديث أن جميع الأمة تشرب منه إلا من ارتد ومات كافرا قال وقيل إن جميع المؤمنين يأخذون كتبهم بإيمانهم ثم يعذب الله من يشاء من عصاتهم وقيل إنما يأخذ بيمينه الناجون خاصة قال وهذا مثله والله ﷾ أعلم.
[ ١ / ٤٥٠ ]
فصل [في تفضيله بالمحبة والخلة]
(في تفصيله بالمحبّة والخلّة) بضم المعجمة وتشديد اللام وسبق فيهما الكلام وسيأتي ما يتحقق به المرام في هذا المقام (جاءت بذلك) أي بتفصيل تفضيله (الآثار الصّحيحة) أي من الأخبار الصريحة (واختصّ بصيغة المفعول أو الفاعل (صلى الله تعالى عليه وسلم على ألسنة المسلمين بحبيب الله) يعني وألسنة الخلق أقلام الحق لا سيما وهذه الأمة لا تجتمع على الضلالة مع كونه جاء صريحا في بعض الأحاديث بأنه حبيب الله. (أنا) أي أخبرنا (أبو القاسم بن إبراهيم الخطيب) هو الإمام المقري يعرف بابن النخاس بالخاء المعجمة المشددة (وغيره) أي وغير أبي القاسم أيضا من المشايخ (عن كريمة) بفتح الكاف وكسر الراء هي الحرة الزاهدة (بنت أحمد) أي ابن محمد بن حاتم المروزي سمعت جامع البخاري من الكشميهني وسمعت زاهد بن أحمد السرخسي وحدثت كثيرا وكانت مجاورة بمكة إلى أن ماتت رحمها الله كذا ذكره الأمير في إكماله على ما نقله الحلبي فما في بعض النسخ بنت محمد غير صحيح (ثنا) أي حدثنا (أبو الهيثم) أي الكشميهني (وحدّثنا) بالواو الدالة على تحويل السند وفي أصل الحلبي وأخبرنا (حسين بن محمّد الحافظ سماعا عليه) هو ابن سكرة. (حدّثنا القاضي أبو الوليد) أي الباجي (حدّثنا عبد بن أحمد) بالوصف لا بالإضافة هو أبو ذر الهروي (حدّثنا أبو الهيثم) أي الكشميهني (حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) أي الفربري (حدّثنا محمّد بن إسماعيل) أي الإمام البخاري (حدّثنا عبد الله بن محمّد) الظاهر أنه المسندي ومستنداته أنه من طلبة أبي عامر وإلا فقد روى البخاري عن أربعة كل منهم اسمه عبد الله بن محمد على ما ذكره الحلبي وقال الكلاباذي هو عبد الله بن محمد بن جعفر بن السمان أبو جعفر المعروف بالمسندي لأنه كان وقت طلبه يتتبع الأحاديث المسندة ولا يرغب في المقاطيع والمراسيل (حدّثنا أبو عامر) أي عبد الملك بن عمرو بن قيس أي العقدي بفتح العين والقاف بصري أخرج له الستة (حدّثنا فليح) بضم الفاء وفتح اللام فمثناة تحتية ساكنة فحاء مهملة ابن سليمان العدوي مولاهم المدني واسمه عبد الملك ولقبه فليح محتج به في الصحيحين وقال ابن معين وأبو حاتم والنسائي ليس بالقوي اخرج له الأئمة الستة (حدّثنا أبو النّضر) بالضاد المعجمة هو سالم بن أبي أمية المدني التابعي (عن بسر) بضم موحدة وسكون سين مهملة (بن سعيد) أي ابن الحضرمي المدني الزاهد مات ولم يخلف كفنا (عن أبي سعيد) أي الخدري (عن النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خليلا غير ربّي لاتّخذت أبا بكر) أي خليلا والمعنى جعلته مخصوصا بالصداقة والمحبة وهو فعيل من الخلة بالضم وهي الصداقة التي تتخلل باطن القلب فالخليل الصديق الواد فعيل بمعنى الفاعل كما في هذا الحديث وإنما قال ذلك لقصر خلته على حب ربه وربما ورد بمعنى مفعول وهو المناسب لقوله. (وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ) كما سيأتي مصرحا في حديث
[ ١ / ٤٥١ ]
ابن مسعود وربما يفرق بينه صلى الله تعالى عليه وسلم وبين إبراهيم ﵇ بهذا التغاير في المعنى مع الاشتراك في المبنى والحديث الأول رواه البخاري في فضل أبي بكر وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي أيضا (وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما) كما رواه الدارمي والترمذي عنه، (قال جلس ناس) أي جمع (من أصحاب النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ينتظرونه) أي خروجه إليهم ووصوله لديهم رجاء إنزال فيضه عليهم. (قال فخرج) أي من مقامه متوجها لهم (حتّى إذا دنا منهم) أي قرب (سمعهم) وفي رواية فخرج سمعهم أي حال كونه قد سمعهم (يتذاكرون) أي متذاكرين كلاما فيما بينهم (فسمع حديثهم) أي فحققه وفهمه (فقال: بعضهم عجبا) أي تعجبا (إنّ الله) بالكسر أو تعجب عجبا أن الله بالفتح (اتّخذ إبراهيم من خلقه خليلا) أي كما أخبره تعالى وقد سقط لفظ إبراهيم من أصل الدلجي فقال يريد إبراهيم ﵇، (وقال آخر) أي بعض أو صحابي آخر (ماذا) أي ليس هذا وهو اتخاذ الله إبراهيم خليلا (بِأَعْجَبَ مِنْ كَلَامِ مُوسَى كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا) أي كما أخبر تعالى، (وقال آخر فعيسى كلمة الله وروحه) الفاء فصيحة أي إذا ذكرتم خليل الله وكليمه في مقام الافتخار فاذكروا عيسى فإنه كلمة الله خلقه بأمركن من غير أب أو إضافته للتشريف أي كلمته مقبولة عنده سبحانه ودعوته مستجابة لديه وهو روح مجرد من عند ربه نفخ فيه بغير واسطة أو رحمة منه، (وقال آخر آدم اصطفاه الله) في أصل خلقته من غير واسطة من أب وأم في فطرته وجعله أبا البشر وجد الأنبياء والاصفياء وذكره في كتابه بوصف الاجتباء وحاصل كلامهم أنه يتوهم من هذه الأوصاف لهم أنهم أفضل من نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم حيث ما بلغهم صريحا أنه اختص ببعض المقامات العاليات كما يشير إليه قوله تَعَالَى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ (فخرج عليهم) أي وصل إليهم (فسلّم) فتكراره ليناط به غير ما نيط به أولا أو خرج أولا من مكان إلى آخر فسمع قولهم مارا ثم خرج منه وسلم عليهم (وقال:
«قد سمعت كلامكم) أي في تخصيص بعض الرسل ببعض الفضائل (وعجبكم) أي وإظهار تعجبكم باختصاصهم ببعض الشمائل كما بينه قوله (بأنّ الله) الخ وتكلف الدلجي حيث قدر له عاملا بقوله أي أدركت عجبكم وجعله من قبيل قلدته سيفا ورمحا وعلفتها تبنا وماء باردا وتبعه الأنطاكي ورأيت بخط قطب الدين عيسى الصفوي أنه لا حاجة إلى هذا التكلف فإن المراد سماع ما يدل على تعجبهم هذا وفي نسخة صحيحة إن الله وهي بكسر الهمز أو بفتحه (اتّخذ إبراهيم خليلا، وهو كذلك) أي خليله أو اتخاذه محقق (وموسى نجيّ الله) أي كما قال الله تعالى وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا من المناجاة وهي المكالمة سرا (وهو كذلك) أي نجيه أو أمره كذلك، (وعيسى روح الله وهو كذلك) أي ذو روح منه خلقه بلا واسطة أب (وآدم اصطفاه الله) أي اجتباه (وهو كذلك) بمعنى صفيه بالنبوة والرسالة كما قال الله تعالى اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ (ألا) أي تنبهوا لخصائصي مع اشتراكي معهم في الاصطفاء كما
[ ١ / ٤٥٢ ]
قال (وأنا حبيب الله) بمعنى محبوبه الذي هو أخص من كل مرتبة ومقام عند ربه (ولا فخر) أي ولا أقوله فخرا بل تحدثا بنعمته شكرا (وأنا حامل لواء الحمد) كما قال في حديث آخر وآدم ومن دونه تحت لوائي (يوم القيامة) أي في المحشر الأكبر في المقام المحمود الذي يحمده الأولون والآخرون (ولا فخر) أي إلا بقربي لربي (وأنا أوّل شافع) أي في الشفاعة العظمى أي كل مرتبة من مراتب الشفاعات الحسنى (وأوّل مشفّع) أي مقبول الشفاعة (ولا فخر) أي بالنسبة إلى ما لي من الذخر، (وأنا أوّل من يحرّك حلق الجنّة) بفتح الحاء واللام وبكسر أوله أي حلق بابها (فيفتح الله لي) أي بأمره لرضوان الجنة بأن يفتح لي كما في رواية (فيدخلنيها) أي الله بفضله وكرمه كما قال إلا أن يتغمدني الله برحمته (ومعي فقراء المؤمنين) أي بعمومهم على تفاوت مراتبهم مقدمون على أغنيائهم على اختلاف أحوالهم وهو لا ينافي ما ورد بلفظ ومعي فقراء المهاجرين لأنهم أفضل فقراء المؤمنين ووقع في أصل الدلجي ما يخالف الأصول المعتبرة (ولا فخر) أي بهذا أيضا لأنه ورد في الحديث القدسي والكلام الأنسي أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، (وأنا أكرم الأوّلين والآخرين) أي من الخلائق أجمعين وهذا فذلكة الكلام ونتيجة المرام (ولا فخر) أي في هذا المقام أيضا إذ الفناء عن السوي والبقاء في حضرة اللقاء هو المقام الأسنى والحاله الحسنى (وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) أي من أحاديث الاسراء (من قول الله تعالى) وفي نسخة في قول الله أي في جملة قوله ﷾ (لنبيّه صلى الله تعالى عليه وسلم إنّي اتّخذتك خليلا) أي كما اتخذت إبراهيم فجمع له بين كونه خليلا وحبيبا فله في المزية زيادة مرتبة المحبوبية كما أشار إليه قوله ﷾ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ أي يحصل لكم حظ من المنزلة المحبوبية بواسطة المتابعة المطلوبية ويؤيده قوله (فهو مكتوب في التّوراة ليس) كذا في نسخة صحيحة من غير ضبط على هذه الصورة وهي ألف بعدها سين مهملة ثم جرة وفي بعض النسخ مكتوب بإزائها على الطرة ذكر ابن جبير بخطه في كتابه أن هذه اللفظة وقعت في الأم المبيضة بخط المؤلف كما هي هنا مبهمة فحكيتها كما وقعت ذكره الشمني ولا يبعد أن يكون بالتاء الفوقية في آخر الكلمة وهي للربط في الجملة بالفارسية وفي نسخة ضبط بكسر الهمزة وسكون السين المهملة وضم الموحدة وقيل بفتح الهمزة وسكون السين وضم المثناة فوق ولعلها كلمة سريانية بقرينة ذكرها في التوراة أي أنت كما في نسخة (حبيب الرّحمن) وفي نسخة أحمد حبيب الرحمن ولعله مدلولها هذا وقد قال الأنطاكي كذا وقع في النسخ خليلا ولعله مصحف فقد تقدم حديث أبي هريرة هذا في فصل ذكر تفصيله ﵊ بما تضمنته كرامة الإسراء ولفظ الحديث هنالك قد اتخذتك حبيبا قال وأيضا لفظ الحبيب هنا أنسب بآخر الحديث وهو قوله أنت محمد حبيب الرحمن قال ثم إني وقفت على نسخة قديمة قد كان اللفظ فيها أولا إني اتخذتك حبيبا ثم غيرته أيدي التحريف فصيرته خليلا وعلامة الإهمال
[ ١ / ٤٥٣ ]
تحت الخاء كانت باقية فيها بعد والله يعلم المفسد من المصلح قلت حمل جميع النسخ على التصحيف بعيد عن صوب الصواب وميل إلى التحريف لا سيما والنسخة القديمة أيضا ظهرت سقيمة وصحت سلمية هذا من جهة المبنى وأما من حيثية المعنى فلا شك أن التأسيس أولى من التأكيد مع ما في مغايرة العبارة من الإشارة إلى الجمع بين النعتين الجليلين والوصفين الجميلين ثم الظاهر أن هذا رواية أخرى عن أبي هريرة لمغايرة الفاظهما في المحلين من الكتاب والله ﷾ أعلم بالصواب. (قال القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى) كذا في الأصول المعتبرة ووقع في أصل الدلجي هنا فصل (اختلف) بصيغة المجهول وفي نسخة اختلفوا (في تفسير الخلّة) بالضم (وَأَصْلِ اشْتِقَاقِهَا فَقِيلَ الْخَلِيلُ الْمُنْقَطِعُ إِلَى اللَّهِ) أي المعرض عما سواه يزيادة نعته بأنه (الَّذِي لَيْسَ فِي انْقِطَاعِهِ إِلَيْهِ وَمَحَبَّتِهِ لَهُ اختلال) أي نقص وخلل لديه فعليه اشتقاقه من الخلال وهو وسط الشيء فإن الود يتخلل النفس ويخالطها بحيث لا يختل بحصول خلل فيه حال خلاله وفي هذا المعنى قوله تعالى وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا وقوله ﷾ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ (وقيل الخليل المختصّ) أي بوصف الخلة سواء كان مشتقا من الخلة بضم الخاء كما سبق أو من الخلة بالفتح بمعنى الفقر والحاجة من الخل إذ كل خليل محتاج إلى أن يسد خلل خليله وفي الحديث اللهم ساد الخلة أي الحاجة والفاقة أو من الخلة بمعنى الخصلة فإنهما يتوافقان في الخصال كما ورد المرء على دين خليله وقيل هو المختص بخلافة مولاه والذي اختصه الله تعالى فجعله من خلاصة عباده وسلالة عباده ولكن لا يظهر وجه الاشتقاق في هذين القولين وإن كان الدلجي ذكرهما واقتصر عليهما ثم رأيت الأنطاكي قال المختص يعني بالصداقة والمحبة يقال دعا فلان فخلل أي خص (واختار هذا القول) أي الأخير (غير واحد) أي كثير من الأخيار، (وقال بعضهم أصل الخلّة) بالضم (الاستصفاء) أي الاختيار من الصفوة أو الصفاء أي يختار كل خليل رضى خليله أو يصفو معه في كل حالة كخليله (وَسُمِّيَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلَ اللَّهِ لِأَنَّهُ يُوَالِي فِيهِ ويعادي فيه) أي يحب في الله ويبغض في الله أو لابتغاء رضاه ليس له غرض سواه ففي البخاري الحب في الله والبغض في الله من الإيمان أي من كماله، (وخلّة الله له) أي لإبراهيم (نصره) أي على عدوه (وجعله إماما لمن بعده) كما قال تعالى إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا فلم يبعث نبي بعده إلا كان من ذريته مأمورا باتباع ملته قال الدلجي وفي نسخة وجعله أمانا لمن بعده بشهادة أجعل هذا بلدا آمنا والظاهر أنه تصحيف وتوجيهه تحريف (وقيل الخليل أصله الفقير المحتاج المنقطع) أي عن الأعوان والإخوان أو عما سوى الله تعالى في الأكوان (مأخوذ من الخلّة) بفتح الخاء (وهي الحاجة) أي شدتها الملحئة إلى الفافة (فسمّي بها) أي بالخلة يعني بالاتصاف بها في إطلاق الخليل ووقع في أصل الدلجي به بالضمير المذكر وهو واضح دراية لو ثبت رواية أي فسمي بالخليل (إبراهيم لأنّه قصر حاجته) أي حصرها (على ربّه) أي على طلبها من ربه أو على حصول قربه ليس له مأمول غيره في قلبه ويؤيده قوله (وانقطع إليه بهمّه) أي بهمته ونهمته وعزيمته ونيته
[ ١ / ٤٥٤ ]
أو المراد بالهم ما يهمه ويغمه لقوله (ولم يجعله) أي همه (قبل غيره) بكسر القاف وفتح الموحدة أي عند غيره والمعنى لم يكل همه إلى أحد غيره إذ ليس للغير أثر وجود في نظره وكان هذا حال الخليل في المقام الجليل (إذ جاءه جبريل وهو في المنجنيق) بفتح الميم والجيم وقيل بكسر أوله لأنه آلة للرمي ويؤيد الأول ما في كتب اللغة أنها هي آلة ترمي بها الحجارة معربة وأصلها بالفارسية «من جه نيك» أي ما أجودني ويقال جنق إذا رمى بالمنجنيق قالوا كنا نجنق مرة ونرشق أخرى (ليرمى به في النّار) بصيغة المجهول (فَقَالَ أَلَكَ حَاجَةٌ قَالَ أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا) وزيد في رواية فقال فاسئل ربك قال حسبي من سؤالي علمه بحالي؛ (وقال أبو بكر بن فورك) بضم الفاء وفتح الراء غير منصرف وقد ينصرف (الخلّة) بالضم (صفاء المودّة) أي خلوص المحبة التي لا يتخللها نوع من المخالفة (التي توجب الاختصاص) أي في حالتي المسرة والمضرة من المحبوب للمحب وعكسه (بتخلّل الأسرار) بفتح الهمزة جمع سر أي يدخل في قلوب الأخيار وصدور الاحرار والجملة حالية ولو قرئت بالباء الجارة وصيغة المصدر لكان له وجه وجيه (وقال بعضهم أصل الخلّة المحبّة) أي مطلقا في اللغة (ومعناها) أي مؤداها (الإسعاف) بكسر الهمزة أي انجاز الحاجة بلا مهلة (والإلطاف) بالكسر أي الاعانة على وجه اللطافة (والتّرفيع) أي رفعه على نفسه في مقام أنسه وهو معنى قول بعضهم الترفيع التعظيم والتكريم (والتّشفيع) أي قبول شفاعته وحصول رعايته؛ (وقد بيّن) أي الله تعالى (ذلك) أي هذا المعنى (في كتابه) أي في مفهوم المبنى (بِقَوْلِهِ: وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ) أي اتباع ابنيه عزيز والمسيح على حذف المضاف المقدر أو نزلوا أنفسهم منزلتهما في المقام المعتبر فتدبر وكذا قوله (وَأَحِبَّاؤُهُ) أي محبوبوه أو محبوه ويلزم كونهم محبيه للملازمة الغالبية في نسبة المحبية والمحبوبية كما يشير إليه قوله سبحانه يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ [المائدة: ١٨]) أي إن صح ما زعمتم فلم يعذبكم بذنوبكم إذ من كان بهذه المثابة لا يعذب بهذه المثابة وقد عذبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ والأصر وسيعذبكم في النار الموقدة باعترافكم أياما معدودة (فأوجب) أي الله بطريق الإشارة المفهوم من العبارة (للمحبوب أن لا يؤاخذ) بفتح الخاء أي لا يعاقب (بذنوبه) وإن كان قد يعاتب بعيوبه فالحبيب لا يعذب حبيبه بالنار والوالد لا يرمي ولده في العار (قال) أي الله ﷾ (هذا) أي هذا الكلام أو قال ذلك البعض خذ هذا أو الأمر هذا أو هذا كما ذكر (والخلّة أقوى) أي في النسبة (من النبوّة) بتقديم الموحدة على النون وضمهما وتشديد الواو (لأنّ النبوّة قد تكون فيها) أي يوجد معها (العداوة) أي الموجبة للمخالفة (كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ) أي بعضهم (عَدُوًّا لَكُمْ) بالمخالفة الدينية أو الدنيوية (فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن: ١٤]) أي عن المخالطة والمغالطة (الآية) أي وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ عَدَاوَةٌ مَعَ خِلَّةٍ) أي مع صداقة على الحقيقة فإنهما ضدان لا يجتمعان على وجه الكمال نعم قد توجد
[ ١ / ٤٥٥ ]
عداوة من حيثية وصداقة من حيثية كمحبة ولد عاق وعداوة والد جاف وعلى هذه الحالة مدار معاشرة العامة بل ومداراة الخاصة (فإذا) بالتنوين أي فحينئذ (تسمية إبراهيم ومحمّد) وفي نسخة تسميته أي تسمية الله إبراهيم ومحمدا عليهما الصلاة والسلام (بالخلّة إمّا بانقطاعهما إلى الله) أي بالكلية (ووقف حوائجهما عليه) أي حتى في الأمور الجزئية (والانقطاع عمّن دونه) أي في الأحوال الظاهرية (والإضراب) أي الإعراض والانصراف (عن الوسائط والأسباب) أي في الخواطر السرية كما قال أرباب الإشارات التوحيد إسقاط الاضافات (أو لزيادة الاختصاص منه تعالى لهما) أي من بين الأنبياء والاصفياء (وخفيّ إلطافه) بفتح الهمزة أي ولزيادة الطافه الخفية (عندهما) أي من أخفى الشيء إذا ستره لا من خفيته بمعنى أظهرته وحديث خير الذكر الخفي يحتملهما على ما ذكره الدلجي لكنه بمعنى الظهور بعيد كما لا يخفى نعم لو قيل المعنى هنا ظهور الطافة لظهر له وجه وفي نسخة وحفي بالحاء المهملة وكسر همزة الطافه أي ولزيادة مبالغة في إكرامه من حفي إذا بالغ في الإكرام واستقصى عن سؤال المرام ومنه قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها ومنه أيضا حديث أن امرأة دخلت عليه ﵊ فسألها فأحفى وقال إنها كانت تأتينا في زمن خديجة وأن كرم العهد من الإيمان (وما خالل) أي خالط وباشر (بواطنهما من أسرار إلهيّته) أي وأنوار صمديته (ومكنون غيوبه) أي ومن استار مغيباته، (ومعرفته) أي تعريفاته بذاته وصفاته (أو لاستصفائه) أي اختيار الله ﷾ (لهما) ومنه حديث محمد خيرة الله من خلقه (واستصفاء قلوبهما عمّن سواه) أي تخليصهما عن التعلق بالعوائق من الخلائق (حتّى لم يخاللهما حبّ لغيره) بل إذا أحبا أحدا أحباه الله ﷾ ولذا دعا صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله اللهم لا تجعل لفاجر علي يدا يحبه قلبي وبقوله اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك (ولهذا) أي المعنى المستفاد من هذا المبنى (قَالَ بَعْضُهُمْ الْخَلِيلُ مَنْ لَا يَتَّسِعُ قَلْبُهُ) بتشديد التاء وكسر السين ويروى من لا يتبع قلبه (لسواه) أي على جهة الشركة في المحبة الأصلية (وهو) أي هذا المعنى هو (عندهم معنى قوله ﵊) أي كما رواه البخاري أن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر (ولو كنت متّخذا خليلا) أي من الناس أرجع في المهمات عليه والجأ في الملمات إليه (لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا لَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ) ورواية المصابيح ولكن بالواو أي ليس بيني وبينه خلة لكن أخوة الإسلام ثابتة بيني وبينه في أعلى المرتبة فيقوم مقام اتخاذي له خليلا قال التلمساني كذا وقع في النسخ الصحيحة من الشفاء أخوة بالألف وفي الإكمال خوة دون ألف ثم قال كذا للعذري ولغيره بالألف وقوله ﵊ لو كنت متخذا خليلا الخ قال في المشارق لو كنت متخذا خليلا أفتقر إليه وألتجئ إليه في جميع أموري لكان أبا بكر ولكن الذي التجئ إليه وافتقر إليه هو الله تعالى أو لو كنت منقطعا لحب مخلوق لكان أبا بكر لكن مرافقة الإسلام انتهى وفيه إيذان إلى أن الخلة فوق الأخوة والمودة. (واختلف العلماء أرباب
[ ١ / ٤٥٦ ]
القلوب) أي أصحاب القلوب الصافية والألباب الواعية من المشايخ الصوفية الجامعين بين المعارف اليقينية البهية والأخلاق السنية الرضية (أيّهما أرفع) أي أي الخصلتين أو الحالتين اعلى أو أغلى في الدرجة العلية والرتبة الجلية (درجة الخلّة) أي درجة الخلة أرفع من درجة المحبة (أو درجة المحبّة) أي أرفع من درجة الخلة فهما مرفوعان بناء على أنهما بدل من أيهما المرفوع ويجوز نصب درجة على أنه تمييز ذكره التلمساني وهو بعيد جدا لا سيما مع وجود أو الترديدية وكونهما معرفة بالإضافة نعم لو ثبت الجر لكان له وجه من حيث إنه بدل من المضاف إليه في أيهما والصحيح ما أشرنا إليه من أنهما مرفوعان بالابتداء وأن خبرهما أرفع مقدارا مع تقدير الاستفهام في أولهما (فجعلهما بعضهم سواء) أي في المرتبة ليس بينهما تفاوت في الدرجة (فَلَا يَكُونُ الْحَبِيبُ إِلَّا خَلِيلًا، وَلَا الْخَلِيلُ إِلَّا حَبِيبًا لَكِنَّهُ خَصَّ إِبْرَاهِيمَ بِالْخِلَّةِ وَمُحَمَّدًا صلى الله تعالى عليه وسلم بالمحبّة) أي بناء على الغلبة ولكن في هذا الاختصاص دلالة باهرة وإشارة ظاهرة إلى زيادة درجة المحبة على رتبة الخلة كما لا يخفى على أرباب المعرفة (وبعضهم قال درجة الخلّة أرفع) أي من مرتبة المحبة وهذا بعيد جدا إلا أن يراد بالخلة معنى الخصوص وبالمحبة معنى العموم وليس الكلام فيه لا في المنطوق ولا في المفهوم (واحتجّ) أي ذلك البعض لما زعمه (بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي فيما رواه البخاري (لو كنت متّخذا خليلا غير ربّي) أي لاتخذت أبا بكر خليلا (فلم يتّخذه) أي غير ربه خليلا (وقد أطلق المحبّة لفاطمة وابنيها) أي الحسنين رضي الله تعالى عنهم (وأسامة) أي وكذا لأسامة ابن مولاه زيد بن الحارث الملقب بحب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقد كان أسامة أسود كالغراب وأبوه زيد أبيض كالقطن (وغيرهم) أي كأبي بكر وعمر وعائشة رضي الله تعالى عنهم فلو كانت المحبة أرفع من الخلة لم يتخذ غير ربه مما ذكر حبيبا كما لم يتخذ غيره خليلا وفيه أنه لم يطلق على أحد منهم بكونه حبيبا وإنما أراد بمحبتهم المحبة الطبيعية الناشئة عن النسبة الجزئية أو الحالة الصادرة عن تحقق الشمائل الرضية مع أنه صلى الله تعالى عليه وسلم سمى حبيب الله بمعنى محبوبه فأين هذا المعنى من ذلك المبنى فليس له شريك في هذا الوصف على وجه الكمال كما لا يخفى وهذا هو المشهور عند الجمهور ولذا قال، (وأكثرهم جعل المحبّة) أي الخالصة دون المودة العامة (أرفع) أي درجة (من الخلّة) أي مع أنها من مراتب الخاصة (لِأَنَّ دَرَجَةَ الْحَبِيبِ نَبِيِّنَا أَرْفَعُ مِنْ دَرَجَةِ الخليل إبراهيم ﵇) يعني اختصاص هذا الوصف بمن هو أكمل يدل على انه أفضل من سائر أوصاف الكمل وإلا لكان الانعكاس أولى فتأمل فإنه اندفع به ما ذكره الدلجي بقوله وأنت خبير بأن أرفعية المحبة على الخلة إنما هي من أرفعية موصوفها لا من حيث ذاتها ثم مما يدل على هذا التحقيق الموجب للتوفيق أن الخليل إنما هو فعيل بمعنى الفاعل مسندا إلى إبراهيم ﵇ وأما الحبيب فيحتمل أن يكون بمعنى فاعل أو مفعول ولا شك أن نسبة المفعولية في هذا المقام أتم من نسبة الفاعلية في المرام
[ ١ / ٤٥٧ ]
كما يشير إليه قوله ﷾ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ لا سيما ومحبة الله تعالى كاملة سابقة ذاتية أبدية أزلية ومحبة العبد ناقصة لا حقة عرضية غرضية وأما حديث لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أبا بكر وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا فهو محمول على أنه اتخذ أن يكون خليلا خاصا لا يتخذ غيره خليلا على ما يدل عليه سياق الكلام وسياقه فهو بمعنى الفاعل على حاله وليس كما توهم الدلجي أنه بمعنى المفعول والحاصل أنه يقال محمد حبيب الله والله حبيب محمد ولا يقال الله خليل إبراهيم مع جواز إبراهيم خليل الله وقد صرحوا بأن المعنى الأول أصح يعني كونه مشتقا من الخلة بالضم لأنها تتصور من الجانبين والحاجة لا تتصور من الجانبين فلا يجوز أن يقال الله تعالى خليل إبراهيم لما فيه من إيهام أن يكون مأخوذا من الخلة التي هي الحاجة، (وأصل المحبّة) أي المأخوذة من حبة القلب أو أصل معناها (الميل إلى ما يوافق المحبّ) أي يلائم طبعه ويستلذ به وهذا ظاهر في كونه اسم الفاعل من أحبه فهو محب على ما صرح به الانطاكي وضبطه الحلبي بضم الميم وفتح الحاء أي المحبوب وتبعه الدلجي وزاد عليه قوله من إرادة طاعاته وابتغاء مرضاته لكنه مخالف للرواية وغير مناسب للدراية لأنه ليس اصل المحبة هذا بل نتيجة محبة المحب للمحبوب أن لا تقع منه المخالفة كما قالت رابعة رضي الله تعالى عنها:
تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمرك في الصنيع بَدِيعُ
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لَأَطَعْتَهُ إِنَّ المحب لمن يحب مطيع
هذا وقد قال الأنطاكي وفي بعض النسخ وقع محب بفتح الحاء والظاهر أنه خطأ لما سيأتي في كلام المصنف من أن حقيقة المحبة الميل إلى ما يوافق الإنسان (وليكن هذا) أي التعريف إنما يصح (في حقّ من يصحّ الميل) أي وجود ميلان القلب (منه) أي إلى محبوبه أو مطلقا (والانتفاع بالوفق) بفتح الواو وسكون الفاء أي وفي حق من يتصور منه الانتفاع والارتفاق بالشيء الذي فيه الموافقة له أو على وفق ميل القلب وهوى النفس إليه (وهي) أي المحبة بمعنى الميل (درجة المخلوق) أي صفته ورتبته، (فأنا الخالق) أي الذي قدس عن القلب والميلان وسائر نعوت الحدثان (فمنزّه عن الأعراض) بالغين المعجمة وهي العلل والحاجات وكذا عن الأغراض بالعين المهملة وهي الأمراض والآفات (فمحبّته لعبده تمكينه من سعادته) أي بأقداره على طاعته وعبادته، (وعصمته) بالرفع وأبعد الدلجي في تجويز الجر أي ومحافظته عن ارتكاب معصيته (وتوفيقه) أي على ارتكاب الحسنات واجتناب السيئات (وتهيئة أسباب القرب) بضم فسكون ولا يبعد أن يكون بضم ففتح أي من النوافل كصلاة وصوم وصدقة وتسبيح وتحميد وتكبير وتهليل وسائر القرب (وإفاضة رحمته عليه) أي بقبول ما منه إليه وجعله مقربا لديه (وقصواها) بضم القاف مقصورة أي غاية المحبة ونهايتها بالنسبة إلى الخلق (كشف الحجب عن قلبه) أي كشف الرب الحجب النفسانية والنقب الإنسانية عن
[ ١ / ٤٥٨ ]
قلب المحب لجمال الذات الربانية وكمال الصفات الصمدانية (حتّى يراه بقلبه) أي يرى جمال ربه بعين قلبه (وينظر إليه) أي إلى تجلي ربه في مقام عظمته (ببصيرته) أي بعين بصيرته فيفني عن نفسه وحجبه ويبقى ببقاء ربه فيكون محوا بعد ما كان صحوا وسكرا بعد ما كان فكرا وشكرا وحاضرا في الحضرة بعد ما كان غائبا في الغفلة (فيكون كما قال) أي ﷾ (في الحديث) أي القدسي والكلام الأنسي على ما رواه البخاري لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه (فإذا أحببته) أي أظهرت حبي له فإن حبه ﷾ قديم غير حادث بعد تقرب عبده (كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يبصر به ولسانه الذي ينطق به) وفي رواية زيادة ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها أي كنت حافظ أعضائه وحامي أجزائه أي يتحرك بغير رضائي وأن يسكن إلى غير قضائي والحاصل أنه جعل سلطان محبته لربه آخذا بمجامع قلبه فلا يهم إلا بمرضاة محبوبه ولا يسعى بجميع جوارحه إلا في سبيل مطلوبه وقيل أي كنت أسرع إلى قضاء حوائجه من سمعه في الإسماع وبصره في النظر ولسانه في النطق وهنا معنى أدق من هذا وهو أنه يظهر للعبد في هذا المقام ما يتم به المرام وهو أنه يشاهد أن قوة سمعه وبصره ولسانه وسائر اركانه إنما هي من آثار قدرة ربه وقوته عز شأنه وليس المراد منه الحلول والاتحاد والاتصال على ما توهمه أهل الضلال كما قال (ولا ينبغي أن يفهم) بصيغة المفعول (من هذا) أي الحديث (سوى التّجرّد لله) أي تجرد القلب عن غير حب الرب (والانقطاع إلى الله) أي ترك الالتفات إلى ما سواه (والإعراض عن غير الله) أي بالتوجه الكلي إلى مولاه حتى كأنه بمسمع منه ومرأى له فيما يتحراه (وصفاء القلب لله) أي بحيث لا يخطر بباله سواه كما قال العارف بالله ابن الفارض نفعنا الله به
ولو خطرت لي في سواك إرادة على خاطري سهوا حكمت بردتي
(وإخلاص الحركات لله) وكذا جعل السكنات في رضاه لأن من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل إيمانه وقد قال تعالى حكاية عن حال إبراهيم إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها كان خلقه القرآن) أي في جميع الشأن (برضاه يرضى وبسخطه يسخط) أي لا ينشأ عنه شيء من الهوى ولا ينظر في جميع أحواله غرض السوى بل يدوم على التخلق بأخلاق المولى؛ (ومن هذا) أي المقام (عبّر بعضهم عن الخلّة) أي التي هي خلاصة المرام لسلالة الكرام من الأنام (بقوله قد تخلّلت مسلك الرّوح منّي) أي تداخلت لحبي إياك تخالط الروح من بدني وهو كالماء في العود الطري وكالطراوة في اللؤلؤ المعدني (وبذا) أي وبذلك التخلل المأخوذ من الخلة (سمّي الخليل) أي إبراهيم وغيره (خليلا فإذا ما) زائدة (نطقت) أي عنك (كنت حديثي) أي منك لما قيل من أن الإناء يترشح بما فيه ولما ورد من أحب شيئا أكثر من ذكره (وإذا ما سكتّ) أي بك أو عن غيرك أو عن بيان حالي معك (كنت الغليلا) بالغين المعجمة وألف
[ ١ / ٤٥٩ ]
الإطلاق أي حرارة العطش وفي نسخة الدخيلا أي الذي يداخل في الأمور ويخالل بما في الصدور (فإذا) بالتنوين وقد يكتب بالنون أي فحينئذ (مزية الخلّة وخصوصيّة المحبّة حاصلة لنبيّنا محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم بما دلّت عليه الآيات) وفي نسخة الآثار وهي ملائمة لقوله (الصّحيحة المنتشرة المتلقّاة بالقبول من الأمّة) كحديث لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أبا بكر خليلا وفي رواية ولكن أخي وصاحبي وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا وكحديث أنا حبيب الله ونحو ذلك من شواهد الأحاديث الصحيحة المطابقة للآيات الصريحة (وكفى بقوله تعالى) أي كفى شاهدا ودليلا قوله ﷾ (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ [آلِ عِمْرَانَ: ٣١] الآية) أي فاتبعوني يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وفيه الغاية القصوى في المقام الأسنى حيث جعل متابعته شرط صحة دعوى محبته له تعالى ورتب على متابعته محبته ﷾ له ولعل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تمنوا كونهم في أمته ومتابعة ملته لتحصيل هذا المرام وهو مرتبة المحبوبية والمرادية المجذوبية المطلوبية لأهل الكمال من السادة الصوفية ولذا قالوا جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين وقد قال الله تعالى يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ فالجملة الأولى إشارة إلى مقام المراد في المرتبة المريد والثانية إلى مقام المريد في حال الانابة ووصف المستزيد والحاصل أن هذه الآية الشريفة لما كانت دالة على المرتبة المنيفة، (حَكَى أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ الْكُفَّارُ إِنَّمَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ أَنْ تتّخذه حنانا) بفتح الحاء المهملة وتخفيف النونين أي معبودا مسجودا (كما اتّخذت النّصارى عيسى بن مريم) هذا باطل قطعا من وجهين أحدهما أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يرد هذا المعنى أصلا بل لما قيل له انسجد لك قال لو أمرت أن يسجد أحد لأحد لأمرت أن تسجد المرأة لزوجها وأيضا إنما نزل القرآن من أوله إلى آخره على رد أهل الشرك الغنيد وإثبات التوحيد على وجه التجريد والتفريد فكيف يتصور له أن يريد خلاف ذلك حيث يكون مناقضا لما هنالك ولكنهم على زعمهم وقياس الكاملين على نفوسهم ومقتضى طباعهم صدر هذا الكلام عنهم وظهر هذا المرام منهم وثانيهما أن التشبيه في كلامهم غير صحيح لأن عيسى ابن مريم لم يرد اتخاذ النصارى له إلها معبودا كما ظنوا لأنه من صغره إلى حال كبره كان يقول إني عبد الله وأبرئ الأكمة والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله ولم يخطر بباله وجود من سواه فضلا عن إشراكه مع مولاه وأما ما ذكره الدلجي من قوله الحنان الرحمة والعطف أي نتخذه موضع حنان من الرحمة فنرحمه ونعطف عليه ونتبرك به كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم حنانا فلا يناسب التشبيه الذي يلائم التنزيه ولا يسبب لما قاله أهل التفسير (فأنزل الله غيظا لهم) أي زيادة غيظ في حالتهم (ورغما) بفتح الراء ويضم وحكي كسرها أي ردا (على مقالتهم هذه الآية) أي الآتية وهي قوله (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ [آل عمران: ٣٢]) لان إطاعة كل واحد مستلزمة لإطاعة الآخر وفيه إيماء له خفاء إلى أن الرسول لا يأمر بالمنكر فتدبر (فَزَادَهُ شَرَفًا بِأَمْرِهِمْ بِطَاعَتِهِ وَقَرْنِهَا بِطَاعَتِهِ ثُمَّ
[ ١ / ٤٦٠ ]
توعّدهم على التولّي) أي الاعراض (عنه) أي ابتداء وانتهاء (بقوله تعالى فَإِنْ تَوَلَّوْا) يحتمل الماضي والمضارع أي تتولوا (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ [آلِ عِمْرَانَ: ٣٢]) أي لا يرضى عنهم ولا يثني عليهم وفي وضع الظاهر موضع المضمر تسجيل على كفرهم لئلا يشمل الفاجرين بنوع من التولي لا يكون موجبا للكفر وفيه أيضا تنبيه نبيه على أن مدار الأمر على الخاتمة ونوع حض على التوبة الموجبة للمحبة والمغفرة والمثوبة (وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ) بضم أوله وهو غير منصرف للعلمية والعجمة وقد يصرف (عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ كَلَامًا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ المحبّة والخلّة يطول جملة إشاراته) أي وتفصيل عباراته (ترجع إِلَى تَفْضِيلِ مَقَامِ الْمَحَبَّةِ عَلَى الْخِلَّةِ وَنَحْنُ نذكر منه طرفا) بفتحتين أي شيئا يسيرا من الكلام (يهدي إلى ما بعده) أي من مقام المرام، (فمن ذلك قولهم: الخليل يصل) أي إلى من اتخذه خليلا (بالواسطة) أي اخذا لوصوله إليه بها دليلا (من قوله: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْأَنْعَامِ: ٧٥]) أي وليكون بواسطة إراءة الله له ذلك من الموقنين لما هنالك (والحبيب يصل إليه) أي لحبيبه كما في نسخة (به) أي بذاته دون واسطة من إراءة كائناته أخذا له (من قوله تعالى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ) أي قدرهما أَوْ أَدْنى [النجم: ٩]) أي بل أدنى من قابهما (وَقِيلَ الْخَلِيلُ الَّذِي تَكُونُ مَغْفِرَتُهُ فِي حَدِّ الطّمع) أي لأنه من المريدين وهذا المعنى مأخوذ (من قوله تعالى وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي [الشُّعَرَاءِ: ٨٢]) أي يوم الدين (والحبيب الذي مغفرته في حدّ اليقين) أي الناجز الذي غير متوقف ولا متأخر إلى حين لكون صاحبه من المرادين (مِنْ قَوْلِهِ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: ٢]) أي من جميع ما يصح فيه العتاب دون العقاب لعدم مناسبته في هذا الباب وفي عطف ما تأخر اعتناء عظيم فتدبر فإن الغفران السابق يشمل الواقع واللاحق (الآية) أي ومع زيادة إتمام النعمة وإكمال المنة بالهداية الخاصة والنصرة العامة المستفادة من تتمة الآية التي هي قوله ﷾ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا هذا وقد ذكر فرقا آخر بينهما بقوله، (وَالْخَلِيلُ قَالَ: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ [الشُّعَرَاءِ: ٨٧]) أي لكونه طالبا في الطريق (وَالْحَبِيبُ قِيلَ لَهُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ [التحريم: ٨]) أي لأنه مطلوب في مقام التحقيق وهذا معنى في التوفيق هو الذي بينه المصنف بقوله (فابتدىء) أي الحبيب (بالبشارة) أي بنفي الخزي من يقال الفضاحة عنه (قبل السّؤال) أي بحصول المنال في المآل بخلاف الخليل حيث وقع منه السؤال ولم يقع جواب حصوله لا في الحال ولا في الاستقبال فيكون بين الخوف والرجاء في تحسين المآل ثم ذكر فرقا آخر فقال، (والخليل قال في المحنة) أي في ابتلائه بنمرود حين القاه في النار (حسبي الله) أي كان في دفع بلائي ورفع عنائي فكانت عليه بردا وسلاما، (والحبيب قيل له يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ [الأنفال: ٦٤]) ووجه الفرق أن بونا بينا بين من يقول هو حسبي وبين من يقال له أنا حسبك فإن كل أحد يدعي أنه محب لله ولكن الكمال هو أن يقول الله أنا محبوبه أو محبه ونظير
[ ١ / ٤٦١ ]
هذا الفرق ما وقع بين قول يحيى وعيسى ﵉ حيث قال في الأول سلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا وقال الثاني والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم ابعث حيا ولا شك أن السلام الأول في هذا المحل أفضل لأنه شهادة من الله تعالى على سلامته في جميع حالاته بخلاف الثاني فإنه يخبر به عن حال نفسه وإن كان صادقا في مقاله ولا يتصور تخلف في وقوعه ثم هذا لا ينافي كون عيسى أفضل من يحيى لأنه قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل مع أنه قد يقال إن عيسى كان في مقام الانبساط والبقاء فطال لسانه وكان يحيى في مقام القبض والفناء فكل لسانه فقام الحق عنه في الانتهاء كما قال هو بحقه ﷾ في الابتداء حيث لم يهم بمعصية في الاثناء ومن كان لله كان الله له ومن ترك حظ نفسه قام الله معه هذا (والخليل قال وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ) أي في الآخرين كما في نسخة أي ثناء جميلا وذكرا جزيلا قال واجعل لي لسان صدق) أي في الآخرين كما في نسخة أي ثناء جميلا وذكرا جزيلا فيمن يجيء بعده إلى يوم الدين فاستجيب له فما من أمة إلا وهم محبون له ومثنون عليه ومتمنون أن ينتسبوا إليه ولا يبعد أن يقال المراد بالآخرين هذه الأمة من السابقين واللاحقين (وَالْحَبِيبُ قِيلَ لَهُ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [الشَّرْحِ: ٤]) أي فوق المنابر والمنابر مقرونا بذكر ربه بل مكتوبا على ساق عرشه وأشجار جنته وقصورها ونحور حورها (أعطي) أي الحبيب صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك المنال في الحال (بلا سؤال) وأجيب دعوة الخليل ﵇ في الاستقبال؛ (وَالْخَلِيلُ قَالَ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ) أي بعدني وإياهم عن عبادتها وهذه لغة نجد ولغة الحجاز جنبني وأراد بنيه لصلبه حتى يصدق عليه أن دعاءه مستجاب عند ربه لظهور الكفر من بعض أحفاده وفيه إيماء إلى أن عصمة الأنبياء بتوفيق الله تعالى وحفظه (والحبيب قيل له) أي من غير سؤال منه (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ) أي الذنب المدنس (أَهْلَ الْبَيْتِ [الأحزاب: ٣٣]) بالنصب على المدح أو النداء ولعل المراد بأهل البيت من كان في زمنه صلى الله تعالى عليه وسلم من أولاده وذريته وأزواجه هذا والخليل قال الملائكة لسارة زوجته رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت فمن هنا نشأ فرق آخر بين نسبة أهل بيت الحبيب ونسبة أهل بيت الخليل (وفيما ذكرناه) أي من الخلاف في تفسير الخلة والمحبة وما صدر من أهل المعرفة (تنبيه على مقصد أصحاب المقال من تفضيل المقامات والأحوال) أي للمحبة والخلة وتفاوت مرتبة كل منهما في الحال والمآل وهو بالضاد المعجمة أو المهملة كما في النسخ المختلفة (وكُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ) أي طريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلال أو على عادته وجبلته التي طبع عليها في أوائل الأحوال كما قال الله تعالى فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى الآيتين (فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا [الْإِسْرَاءِ: ٨٤]) أي وبمن هو أخطأ مسلكا ودليلا فسبحان من أراد جعله مهيبا عزيزا ولو شاء صيره مهينا ذليلا.
[ ١ / ٤٦٢ ]
فصل [في تفضيله بالشفاعة والمقام المحمود]
(في تفضيله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي على غيره (بالشّفاعة) أي العظمى تحت اللواء الممدود (والمقام المحمود) كالتفسير لما قبله (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ) أي يقيمك (مَقامًا مَحْمُودًا [الإسراء: ٧٩]) أي يحمده فيه الأولون والآخرون (أخبرنا الشّيخ أبو عليّ الغسّانيّ) بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة (الجيّانيّ) بفتح الجيم وتشديد التحتية (فيما كتب به) أي به كما في نسخة (إليّ) أي مرسلا أو أصلا إلى (بخطّه) أي إجازة فإن القاضي لم يسمع منه شيئا، (ثنا) أي حَدَّثَنَا (سِرَاجُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي حَدَّثَنَا أبو محمّد الأصيليّ حدّثنا أبو زيد) أي المروزي (وأبو أحمد) أي الجرجاني (قالا) أي كلاهما (حدّثنا محمّد بن يوسف) أي الفربري (حدّثنا محمّد بن إسماعيل) أي البخاري (حدّثنا إسماعيل بن أبان) بفتح الهمزة وفيه الصرف وعدمه والأجود الصرف هو أبو إسحاق الوراق أزدي كوفي روى عنه أحمد بن معين والدارمي وأبو حاتم وخلق وثقه أحمد وجماعة وقال البخاري صدوق وقال غيره فيه تشيع ذكره الحلبي قلت هو لا ينافي كونه صدوقا (حدّثنا أبو الأحوص) بحاء وصاد مهملتين له أربعة آلاف حديث (عن آدم بن عليّ) أي العجلي (قال سمعت ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول) أي موقوفا لكنه لكونه مما لا يقال مثله من قبل الرأي يكون في الحكم مرفوعا (إنّ النّاس يصيرون) أي يكونون يوم القيامة (جثى) بضم الجيم فمثلثة مقصورا منونا جمع جثوة بضم جيمها وقد تكسر وحكي الفتح وهي ما جمع من تراب ونحوه ثم استعير للجماعة ومنه حديث عامر رأيت قبور الشهداء اجثاء أي اتربة مجموعة وأما قول بعضهم جمع جاث وهو الذي يكون معتمدا على ركبتيه فبعيد بل لا يصح لأن فاعلا لا يجمع لعى فعل مخففا وفي نسخة جثاء مضموم الجيم ممدود الآخر أي جماعات واحدها جثوة وفي أخرى بتشديد المثلثة جمع جاث وهو من يجلس على ركبتيه ومنه حديث علي أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله أي يصيرون فيه جماعات متخاصمين ومنه قوله تعالى وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا وهو الملائم لقوله (كلّ أمّة تتبع نبيّها يقولون) أي قائلين لأنبيائهم باسمائهم (يا فلان اشفع لنا) أي لخصوصنا أو لعمومنا (يا فلان اشفع لنا) أي وهكذا واحدا بعد واحد وهو يقول لست لها (حتّى تنتهي الشّفاعة) أي العظمى (إلى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فذلك) أي الوقت (يوم) بالرفع وروي بالنصب أي فذلك الحال في يَوْمُ (يَبْعَثُهُ اللَّهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ. وَعَنْ أَبِي هريرة رضي الله تعالى عنه) أي فيما رواه أحمد والبيهقي (سئل عنها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعني قوله) أي يريد أبو هريرة بضمير عنها آية هي قَوْلَهُ (عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا [الإسراء: ٧٩] فقال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جوابا لمن سأل (هي الشّفاعة) أي المراد بها مقام الشفاعة الكبرى لأهل الموقف عامة ولا يبعد أن يكون
[ ١ / ٤٦٣ ]
الضمير راجعا إلى المقام المحمود وتأنيثه باعتبار الخبر فتدبر. (وروى كعب بن مالك) أي كما رواه أحمد (عنه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أنا وأمّتي على تلّ) أي مكان مرتفع (ويكسوني ربّي حلّة خضراء) لعله إشارة إلى مقام سعادة السيادة (ثمّ يؤذن لي) أي في القول بعد أن الخلق ما كانوا ينطقون (فأقول ما شاء الله أن أقول) أي من محامد الحق وشفاعة الخلق (فذلك المقام المحمود) وهذا لا ينافي ما ورد عن بعضهم منهم مجاهد أن المقام المحمود هو أن الله يجلس معه محمدا على كرسيه كما ورد به حديث وتعقبه القرطبي بأنه قول غريب وإنه إن صح يتأول على أنه يجلسه مع انبيائه وملائكته ثم ذكر كلام ابن عبد البر قريبا منه على ما نقله الحلبي وفيه أنه تأول بعيد عن المقام سديد في حصول المرام بل المراد بالمعية انفراده صلى الله تعالى عليه وسلم عن البرية في مرتبة المزية كقول موسى إِنَّ مَعِي رَبِّي وسيأتي ما يؤيد هذا التأويل في مقام التفضيل. (وعن ابن عمر ﵄) أي في رواية (وذكر حديث الشّفاعة) أي العظمى (قال فيمشي) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (حتّى يأخذ بحلقة الجنّة) بسكون اللام وتفتح (فيومئذ) أي فحينئذ (يبعثه الله المقام المحمود الذي وعده) بصيغة الفاعل أو المفعول أي وعده الله ﷾ أن يقيمه يوم القيامة وفي رواية فاستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني إلى أن تلا عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا قال وهذا المقام المحمود الذي وعده نبيكم. (وعن ابن مسعود عنه) كما رواه أحمد وغيره (عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنّه) أي المقام المحمود الموعود (قِيَامُهُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ مَقَامًا لَا يَقُومُهُ غيره يغبطه) بفتح الياء وكسر الباء أي يتمناه (فيه الأوّلون والآخرون) وفي أصل الدلجي به وجعلها إما ظرفية أو سببية؛ (ونحوه عن كعب) أي كعب الأحبار (والحسن) أي البصري، (وفي رواية هو المقام الذي أشفع فيه لأمّتي) أي أصالة ولغيرهم تبعا أو جعل الكل أمة له لأنه أخذ الميثاق منهم بأنهم لو أدركوه لآمنوا به واتبعوه كما ورد لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي. (وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه) على ما رواه أحمد (قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إني لقائم المقام المحمود) اللام المفتوحة للتأكيد في خبر إن وتوهم الدلجي حيث قال أي والله إني لقائم ثم قال وهذا مرشد إلى جواز القسم في الأمر العظيم انتهى ولا خلاف في جوازه مطلقا إلا أن بعض العارفين لم يحلفوا من جهة أمر الدنيا لحقارتها (قبل وما هو) وللدارمي عنه قيل له ما المقام المحمود (قال ذلك يوم) روي بالنصب على أنه ظرف مضاف إلى الجملة وبالرفع والتنوين فيقدر فيه (ينزل الله ﵎ على كرسيّه) أي يتجلى عليه كتجليه سبحانه على الطور وهو صلى الله تعالى عليه وسلم جالس على الكرسي كما سبقت به الرواية ولا يبعد أن يكون ينزل بضم أوله وكسر الزاء أي يوم يجلسه الله على كرسيه إشعارا للمقام عليه لكن يوافق المعنى الاول بقية الحديث الذي أشار إليه بقوله (الحديث) أي بطوله
[ ١ / ٤٦٤ ]
مع تتمة قوله فيئط أي يصوت كما يئط الرجل الجديد من تضايقه به أي لعظمة تجليه عليه وهو أي الكرسي يسع السماء والأرض ويجاء بكم حفاة عراة غرلا بضم فسكون أي قلفا غير مختونين لقوله تعالى كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فيكون أول من يكسى إبراهيم لأنه أول من عري في ذات الله حين ألقي في النار والظاهر أن الأول هنا إضافي لقوله ﵊ فيما سبق ويكسوني ربي حلة خضراء مع أنه لا بدع أن يكون في المفضول بعض ما لا يوجد في الفاضل لا سيما وهو في مقام البنوة وحالة التبعية في مرتبة النبوة يقول الله تعالى اكسوا خليلي فيؤتى بريطتين أي ملاءتين رفيعتين بيضاوين من رياط الجنة ثم أكسى على أثره بفتحتين وبسكر فسكون أي على عقبه وهو يحتمل أن يكون خلعة أخرى بعد ما سبقت له الكسوة الأولى ثم أقوم عن يمين الله أو يمين عرشه أو كرسيه أو جانب يمينه حال تجليه مقاما يغبطني الأولون والآخرون أي يتمنون أن يعطوا مثل ما أعطى ولا ينالونه أبدا.
(وعن أبي موسى) أي الأشعري مات بمكة وقيل بالكوفة (عنه ﵊) كما رواه ابن ماجة (خيّرت) بصيغة المجهول أي جعلت مخيرا ورواية المصابيح أتاني آت فخيرني (بين أن يدخل نصف أمّتي الجنّة) أي من غير حساب وعذاب (وبين الشّفاعة) أي في هذا الباب (فاخترت الشّفاعة) أي من أول الوهلة (لأنّها أعمّ) أي في المنفعة والظاهر أن هذه الشفاعة دون الشفاعة العظمى مختصة بهذه الأمة إما لإدخال جماعة الجنة بغير محاسبة أو لمن استحق دخول النار فلا يدخلها أو لمن دخلها فيخرج منها وفي الجملة الشفاعة ثابتة على ما أجمع عليه أهل السنة لقوله تعالى يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ولا عبرة بمنع الخوارج وبعض المعتزلة مستدلين بقوله تعالى فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ فإنه مخصوص بالكافرين وأما تخصيصهم أحاديث الشفاعة بزيادة الدرجات في الجنة فباطل لتصريح الأدلة بإخراج من دخل النار من المؤمنين منها كما يشير إليه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم (أترونها) بالاستفهام الإنكاري بمعنى النفي وبضم التاء وفتح الراء أي لا تظنون الشفاعة التي اخترتها (للمتّقين) أي عن المعاصي خاصة، (ولكنّها) وفي نسخة لا ولكنها الشفاعة (للمذنبين الخطّائين) وفي نسخة للمؤمنين أي الكاملين وفي أخرى للمنقين بفتح النون وتشديد القاف المفتوحة والظاهر أنه تصحيف عن الدلجي حيث اقتصر عليه نعم رواية ابن عرفة أترونها للمنقين ولكنها للمذنبين الملوثين فالتلويث يناسب التنقية في مقام المقابلة ثم رأيت الحلبي قال وهو كذا في أصلنا لسنن ابن ماجة وهو أصل صحيح وقفه الملك المحسن وقد كتب تجاهه على الهامش ن ق وعليها تصحيح مرتين والله تعالى أعلم ثم الخطائين بتشديد الطاء أي المبالغين في الخطأ أي بالتعمد أو الكثرة أو العظمة ويؤيده قوله ﵇ فيما رواه أبو داود والترمذي شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي وفي نسخة الخاطئين وفي أخرى للخاطئين بإعادة العامل تأكيدا. (وعن أبي هريرة ﵁) أي قال كما في نسخة وقد رواه البيهقي عنه وكذا شيخه أبو عبد الله الحاكم وصححه
[ ١ / ٤٦٥ ]
(قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا وَرَدَ) من الورود أي نزل (عليك في الشّفاعة) ما استفهامية وذا موصولة بمعنى الذي وصلته ما بعده وفي نسخة صحيحة ما رد بضم راء وتشديد دال أي ماذا أجيب عليك في مقام الشفاعة أو في أهلها وفي أخرى بصيغة الفاعل لله أو الملك (فقال شفاعتي) أي ورد على شفاعتي أو أجيب شَفَاعَتِي (لِمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله) أي وإن لم يكن من أمتي وقيل التقدير وأني رسول الله اكتفاء بأحد الجزأين عن الآخر علما بأنه لا بد من الاتيان به في صحة الإسلام وقيل هذه الكلمة صارت علما لكلمتي الشهادة (مخلصا) أي لا كرها ولا نفاقا ولا رياء (يصدّق) بتشديد الدال أي يطابق ويوافق (لسانه) بالنصب على أنه مفعول أو بالرفع على أنه فاعل وقوله (قلبه) عكس ذلك. (وعن أمّ حبيبة) أي أم المؤمنين كما رواه البيهقي والحاكم (أريت) بضم الهمزة وكسر الراء أي أظهر الله لي (ما تلقى) أي من النوائب والمتاعب (أمّتي) وفي أصل الدلجي من أمتي أي بعضهم (من بعدي) متعلق بتلقى وفي نسخة بعدي أي بعد ذهابي إلى ربي (وسفك بعضهم دماء بعض) وهو مصدر مضاف إلى فاعله معطوف على ما تلقى ولا يبعد أن يكون سفك ماضيا عطفا على ما تلقى أي وما سفك ويؤيده قوله (وسبق) أي وما سبق (لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا سَبَقَ لِأُمَمٍ قَبْلَهُمْ) أي من الابتلاء ببعض اللمم (فسألت الله أن يؤتيني) أي يعطيني (شفاعة) وفي نسخة يوليني شفاعتهم بتشديد اللام المكسورة أي يجعلني متوليا لشفاعتهم (يوم القيامة فيهم) أي في حقهم (ففعل) أي أعطاه ما سأل. (وقال حذيفة) كما رواه البيهقي والنسائي وهو وإن كان موقوفا لكنه مرفوع حكما (يجمع الله النّاس في صعيد واحد) أي أرض مستوية لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (حيث يسمعهم الدّاعي) أي صوته وهو بضم الياء وكسر الميم وهذا على الفرض والتقدير وقال الدلجي لعله بعد الشفاعة لفصل القضاء أيتها الخلائق هلموا إلى الحساب انتهى ويرد عليه ما سيأتي من بقية الحديث في الكتاب (وينفذهم البصر) بفتح الياء وضم الفاء والذال المعجمة وفي نسخة بضم الياء وكسر الفاء أي يبلغهم ويجاوزهم بصر الباصر بحيث لا يخفى أحد منهم من الأكابر والأصاغر لاستواء الصعيد الباهر وعن أبي عبيد ينفذهم بصر الرحمن أي يأتي عليهم جميعهم وفيه أن بصره تعالى دائما محيط بهم وقد يدفع بأن اثباته مقيدا لا ينافي دوامه ولعل وجه التخصيص هو إفادة هول المقام أو ظهور ذلك الوصف على وجه الكمال والتمام على سائر الأنام كما ذكروا في قوله سبحانه مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وعن أبي حاتم أن المحدثين يروونه بالذال المعجمة وإنما هو بالمهملة أي يبلغ أولهم وآخرهم حتى يراهم كلهم من نفد الشيء وانفدته قال الحجازي وفيما قاله نظر إذ في الصحاح نفذ البصر بالمعجمة القوم بلغهم وجاوزهم ونفذ بالمهملة فنى ولعله من أنفذ فيضم أول مضارعه انتهى وقال النووي محصله خلاف في فتح الياء وضمها وفي الذال والدال وفي الضمير في ينفذهم والأصح فتح الياء وبالذال المعجمة وأنه بصر المخلوق انتهى قال أبو عبيد وحمل الحديث على بصر المبصر أولى من حمله على
[ ١ / ٤٦٦ ]
بصر الرحمن لأن الله يجمع الناس يوم القيامة في أرض يشهد جميع الخلائق حساب العبد الواحد على انفراده ويبصرون ما يصير إليه هذا وقد روي أن صفوف أهل الجنة مائة وعشرون صفا منها ثمانون لأمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وباقيها لغيرهم زاد كعب ما بين كل صفين كما بين المشرق والمغرب (عراة) لا ثياب على بدنهم ولا نعال بأرجلهم وفي رواية حفاة وزاد الشيخان في روايتهما غرلا بضم الغين المعجمة وسكون الراء جمع أغرل وهو الأقلف (كما خلقوا) أي أول مرة (سكونا) أي غير ناطقين (لا تكلّم) بحذف إحدى التاءين أي لا تتكلم (نفس) أي بما ينفع أو ينجي من جواب أو شفاعة (إلّا بإذنه) كقوله تعالى لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وهذا في موقف وأما قوله هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ففي موقف آخر أو المأذون فيه هو الجوابات الحقة والممنوع منه هو الاعتذارت الباطلة (فينادى) بصيغة المفعول (محمّد) بالرفع والتنوين على أنه نائب الفاعل وفي رواية بالضم على حذف حرف النداء يؤيد الأول قوله (فيقول لبّيك) أي أحببت لك إجابة بعد إجابة (وسعديك) أي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة (والخير في يديك) أي بتصرفك وفي حيز إرادتك وقدرتك في الدنيا والعقبى كما قال الله تعالى وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (والشّرّ ليس إليك) أي منسوبا وإن كنت خالقه أدبا أولا يتقرب به إليك أصلا أو لا يصعد إليك وإنما يصعد إليك الخير قولا وعملا أو ليس الشر بالنسبة إلى حكمك وحكمتك فإنك لا تحكم باطلا ولا تخلق عبثا وإلا فمن المعلوم عند أهل الحق من أهل السنة والجماعة أن جميع الكائنات خيرها وشرها ونفعها وضرها وحلوها ومرها من الله تعالى ومنسوبة إلى خلقه على وجه اراده (والمهتدي) أي في الحقيقة وفي نسخة والمهدي (من هديت) أي بخلق الهداية وتوفيق الطاعة وتحقيق الرعاية (وعبدك بين يديك) أي حاضر معتمد عليك (ولك) أي الحكم والقضاء (وإليك) أي مرجع الخلق والأمر في الابتداء والانتهاء (لا ملجأ) بالهمز مقصورا (ولا منجى) بالقصر وقد يهمز للازدواج وقد يبدل همز الأول ألفا للمشاكلة أي لا مستند ولا معتمد ولا ملاذ ولا معاذ (منك) أي من قضائك (إلّا إليك) أي بالرجوع إلى ساحة فنائك (تباركت) أي تكاثر خيرك (وتعاليت) أي تعظم شأنك (سبحانك ربّ البيت) بالنصب على النداء وجوز رفعه على الابتداء أي أنت رب البيت والإضافة للتشريف (قال) أي حذيفة (فذلك) أي المجمع المذكور والمقال المسطور هو (المقام المحمود الذي ذكره الله) . أي ذكره في كتابه المشهور بقوله عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا (وقال ابن عبّاس) لفظه موقوف وحكمه مرفوع (إِذَا دَخَلَ أَهْلُ النَّارِ النَّارَ وَأَهْلُ الْجَنَّةِ الجنّة) لعل تقديم أهل النار للاشعار بأنها ممر الأبرار والفجار أو لأن ذكر النعمة أوقع في النفس بعد ذكر النقمة أو ترهيبا في أول الوهلة من أهوالها وترغيبا في الجنة نظرا إلى حسن مآلها (فيبقى آخر زمرة) أي جماعة (من الجنّة) أي من زمر أهلها باقية في النار (وآخر زمرة من النّار) أي ثابتة فيها (فتقول زمرة النّار) أي من الكفار (لزمرة الجنّة)
[ ١ / ٤٦٧ ]
أي الواقعة في النار من الفجار (ما نفعكم إيمانكم) أي المجرد عن الطاعة حيث لم يدخلكم الجنة (فيدعون ربّهم ويضجّون) بفتح الياء وكسر الضاد المعجمة وتشديد الجيم أي ويصيحون لما يجزعون من شماتة الأعداء في فظاعة البلاء ولذا قيل النار ولا العار (فَيَسْمَعُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَيَسْأَلُونَ آدَمَ وَغَيْرَهُ بَعْدَهُ في الشّفاعة لهم) ولعل الحكمة في سؤالهم من غير نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أولا ليظهر اختصاصه بذلك المقام آخرا (فكلّ) أي فكل واحد منهم (يعتذر) أي بما عوتب عليه وبما انسب من صورة الذنب إليه (حتّى يأتوا محمّدا صلى الله تعالى عليه وسلم فيشفع لهم) أي فيشفع في حقهم وتقبل شفاعته لهم (فذلك المقام المحمود) أي في الجنة وهو لا ينافي كونه المقام المحمود أيضا في الموقف (ونحوه) أي مثل قول ابن عباس فيما رواه أحمد والطيالسي (عن ابن مسعود أيضا ومجاهد) أي موقوفا أو مقطوعا (وذكره) أي مثله أو نحوه (عليّ بن الحسين) أي ابن علي بن أبي طالب وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم (عن النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي مرسلا ورواه الحاكم عن أهل العلم عنه موصولا (وقال جابر بن عبد الله) أي كما رواه مسلم (ليزيد الفقير) هو يزيد بن صهيب الفقير لأنه كان يشكو فقار ظهره فهو فعيل بمعنى مفعول وفقرات الظهر خرزاته من عجب الذنب إلى نقرة القفا ثنتان وثلاثون فقرة وقد ضربت عائشة مثلا في عثمان فقالت ركبوا منه الفقر الأربع استعارته من فقار الظهر لما ارتكبوا منه لأنها موضع الركوب أي انتهكوا فيه أربع حرم حرمة الصحبة والصهورة والخلافة والبلدة روى عنه أبو حنيفة ومسعر وجماعة ثقة أخرج له الشيخان وغيرهما (سمعت) بفتح التاء أي اسمعت (بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ، يَعْنِي الَّذِي يَبْعَثُهُ اللَّهُ فِيهِ) أي من المقام المحمود (قال) أي يزيد (قلت نعم) أي سمعت اللفظ الذي أفادنيه (قال) أي جابر (فإنّه مقام محمّد) أي الخاص به (المحمود الذي يخرج الله به) أي بسببه (من يخرج) بضم ثم كسر أي من يخرجه من عصاة عامة المؤمنين أو خاصة هذه الأمة والأول أظهر لما سبق فتدبر (يعني من النّار) أي يريد إخراج من يخرجه من النار، (وذكر) أي جابر (حديث الشّفاعة في إخراج الجهنّميين) أي فوجا فوجا من النار على حسب مراتب الفجار. (وعن أنس رضي الله تعالى عنه نحوه) أي في رواية الشيخين (وقال) أي أنس (فهذا) أي الإخراج المذكور (المقام المحمود الذي وعده) أي الله ﷾ وفي نسخة بصيغة المجهول (وعن سلمان) أي الفارسي وهو سلمان الخير وسلمان ابن الاسكار عاش ثلاثمائة وفي أصل التلمساني عن شيبان بدل عن سلمان قال وهو بشين معجمة وياء مثناة من أسفل وبعدها موحدة لعله شيبان بن عبد الرحمن النحوي انتهى والظاهر أنه مصحف لمخالفته سائر النسخ المعتبرة والأصول المعتمدة (المقام المحمود هو الشفاعة في أمته يوم القيامة) أي بالأصالة وفي غيرهم بالتبعية أو لأنه هو البادئ في مقام الشفاعة ويتبعه الأنبياء في تلك الساعة (ومثله عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) كما في
[ ١ / ٤٦٨ ]
الصحيحين (وقال قتادة) تابعي مشهور (كان أهل العلم) أي من أكابر الصحابة وإجلاء التابعين (يرون) بصيغة الفاعل من الرأي أو بصيغة المفعول أي يظنون (المقام المحمود شفاعته يوم القيامة) أي لعامة الخلق في اراحتهم من عذاب الموقف (وعلى) أي وكانوا على (أن المقام المحمود) أي هو كما في نسخة (مقامه ﵊ للشفاعة) أي العظمى في الساعة الكبرى (مذاهب السلف) أي السالفين (من الصحابة والتابعين وعامة أئمة المسلمين) أي من المجتهدين والمفسرين والمحدثين وسائر علماء الدين رضي الله تعالى عنهم أجمعين (وبذلك) أي وبطبق ما ذكر وعلى وفق ما سطر (جاءت) الشفاعة (مفسرة) أي مبينة (في صحيح الأخبار) أي مما كادت أن تتواتر عن الأخيار (عنه ﵊ وجاءت مقالة في تفسيرها شاذة) أي منفردة (عن بعض السلف) وهو مجاهد مخالفة لنقل الثقات ضعيفة في أصول الروايات وحصول الدرايات (يجب أن لا تثبت) أي عند الاثبات لعدم الاثبات (إذ لم يعضدها) أي لم يقوها (صحيح أثر) من منقول (ولا سديد نظر) أي من معقول والنظر السديد والسداد ما كان موافقا للحق والرشاد ومنه قوله تعالى وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (ولو صحت) أي على فرض صحة بعض أسانيدها حيث لا يقاوم ما يعارضها (لكان لها تأويل غير مستنكر) أي معروف معتبر عند أرباب النظر جمعا بين الأدلة كما هو طريق المحققين من الأئمة وحاصله أنه روي عن مجاهد أنه قال يجلسه معه على العرش وعن عبد الله بن سلام قلا يقعده على الكرسي وأمثال ذلك مما ظاهره منكر من القول فيجب رده وانكاره على ناقله أو تأويله لحسن الظن بقائله وبعضهم أول ذلك بأن يجلسه مع انبيائه وملائكته على ما حكاه الطبري وقد قدمنا تأويلا آخر فتدبر (لكن ما فسره النبي (في صحيح الآثار يرده) بتشديد الدال أي يرد ظاهر ما جاء بخلافه ويدفعه فيتعين أن يأول غيره إليه ولا ينعكس الأمر عليه وفي نسخة ترده بفتح التاء وكسر الراء وتخفيف الدال أي ترد عليه ويلائمه قوله (فلا يجب أن يلتفت إليه) أي بتأويل قال وقيل لأنه تضييع عمر في توضيح أمر (مع أنه لم يأت) أي خلافه (في كتاب ولا سنة) أي ثابتة حتى يحتاج إلى تأويل ومعالجة (ولا اتفق) وفي نسخة ولا اتفقت (على المقال به أمة) أي جماعة من المجتهدين وعلماء الدين حتى يحتاج إلى تأويل بجمعه أرباب اليقين (وفي إطلاق ظاهره منكر من القول وشنعة) بضم فسكون أي وشناعة في العبارة يأتي دفعها بالإشارة (وفي رواية أنس وأبي هريرة وغيرهما) على ما في الصحيحين ونحوهما (دخل حديث بعضهم في حديث بعض) أي فيما ذكرناه هنا عنهم (قال ﵊ يجمع الله الأوّلين والآخرين يوم القيامة) أي يوم يقوم الناس لرب العالمين (فيهتمّون) بتشديد الميم أي فيحزنون حزنا شديدا إلا أنه لا يهتم أحد إلا لنفسه ولا يلتفت إلى غيره ولو كان أقرب أهله ويقصدون إزالة هذا الهم العظيم والكرب الفخيم وذلك لما وجد في حديث إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قبله ولا بعده مثله (أو قال فيلهمون) أي إلى طلب الشفاعة بالوسيلة إلى أحد من كبراء البرية
[ ١ / ٤٦٩ ]
(فيقولون لو استشفعنا إلى ربّنا) أي لكان حسنا أو لربما يكون فيه نجاتنا أو لو للتمني ولا جواب له (ومن طريق آخر) أي لهذا الحديث باعتبار إسناده أو راويه (عنه) أي عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (ماج النّاس بعضهم في بعض) أي دخلوا فيما بينهم واضطربوا اضطراب ماء البحر حال شدة غليانه إيماء إلى قوله تعالى وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بعض وإشارة إلى قوله تعالى أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ، (وعن أبي هريرة) أي في حديث الشيخين (فتدنو الشّمس) أي تقرب من رؤوسهم قدر الميل كما في رواية على اختلاف في أن المراد منه ميل الفرسخ أو ميل المكحلة ثم قيل الشمس في الدنيا وجهها إلى جهة السماء وهي ظاهرة لنا من جهة القفا فينقلب أمرها في العقبى (فيبلغ النّاس) بالنصب وقيل بالرفع (من الغمّ) بيان مقدم لقوله (ما لا يطيقون) أي الصبر عليه والتحمل لديه وهذا معنى قوله (ولا يحتملون) أي لا يقدرون ولا يستطيعون (فيقولون) أي بعضهم لبعض (ألا تنظرون) أي ألا تختارون (من يشفع لكم) أي إلى ربكم في ازاحة شدة الموقف عنكم (فيأتون آدم) بدأوا بما بدأ الله به ليظهر جلالة ما ختم الأمر بسببه (فيقولون) أي له جل مقصودهم من الشفاعة لمعبودهم (زاد بعضهم) أي في بيان ما أجمل من القول (أنت آدم أبو البشر) أي فيتعين عليك الشفقة والمرحمة على الذرية مع كونك معظما مكرما عنده ﷾ من جملة الطائفة البشرية (خلقك الله بيده) أي بقدرته من غير واسطة في خلقته (ونفخ فيك من روحه) أي الخاص بتشريفه وكرامته (وأسكنك جنّته) أي وأظهر عليك نعمته ورحمته (وأسجد لك ملائكته) أي تعظيما لشأنك وتفخيما لبرهانك (وعلّمك أسماء كلّ شيء) أي دليلا على ظهور سلطانك (اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مكاننا) من الاراحة بمعنى الازاحة واعطاء الراحة بالإزالة من محل الغضب إلى موضع حكم به الرب من دار الثواب أو دار العقاب (ألا ترى ما نحن فيه) أي من الغم والحزن (فيقول إنّ ربّي غضب اليوم غضبا) أي عظيما لكونه عميما (لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مثله) أي فلا يمكنني الشفاعة فيه لا سيما (ونهاني عن الشّجرة) أي أكلها (فعصيت) أي بذوقها وهي شجرة الكرم وقيل السنبلة وقيل شجرة العلم عليها معلوم الله تعالى من كل لون وطعم ذكره الحلبي وفيها أقوال أخر وهي النخلة والتين والكافور ذكرها الحجازي. (نفسي نفسي) أي أهم عندي من غيري أو الزم نفسي أو أخلص نفسي ولا اجترئ على غير مقامي (اذهبوا إلى غيري) من الأنبياء والأصفياء عموما (اذهبوا إلى نوح) أي خصوصا لأنه أول أولي العزم من الرسل (فيقولون) أي فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ (أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أهل الأرض) أي من الكفار والفجار فلا ينافي أن آدم أيضا مرسل إلى أولاده الأبرار وكذا شيت ابن آدم وإدريس جد نوح ولد شيت على ما عليه علماء الأخبار (وسمّاك الله عبدا شكورا) أي وصفك به حيث قال في كتابه كانَ عَبْدًا شَكُورًا أي مبالغا في الشكر مع أنه تعالى قال وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (ألا ترى ما نحن فيه) أي من الغم والحزن (ألا ترى ما بلغنا)
[ ١ / ٤٧٠ ]
بفتح الغين وجوز اسكانها وصلنا من الشدة (ألا تشفع لنا إلى ربّك) أي ليكون خلاصنا بسببك (فيقول إنّ ربّي غضب اليوم) أي أظهر (غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَا يَغْضَبُ بعده مثله) أي لانقطاع تكليف من يؤاخذ بترك ما كلفه (نفسي نفسي) فيه إيماء إلى قوله تعالى يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها. (قال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (في رواية أنس ويذكر) أي نوح اعتذارا عن ترك الشفاعة في تلك الساعة (خطيئة التي أصاب) أي أصابها وتابها (سؤاله ربّه) بيان أو بدل مما قبله (بغير علم) حال من الضمير في سؤاله ووجه العتاب أنه كان الأولى أن يفوض الأمر إلى المولى ولم يقل أن ابني من أهلي حتى لا يقال إنه ليس من أهلك عندي (وفي رواية أبي هريرة) أي زيادة في قول نوح (وقد كانت لي دعوة) مستجابة في حق العامة (دعوتها على قومي اذهبوا إلى غيري) أي من بعدي من أكابر إخواني (اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ اللَّهِ فَيَأْتُونَ إبراهيم فيقولون أنت نبيّ الله تعالى) أي ورسوله (وخليله من أهل الأرض) أي في زمانه (اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى مَا نحن فيه) أي من الكرب (فَيَقُولُ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا فذكر مثله) أي مثل آدم أو مثل نوح أو مثل ما تقدم (ويذكر ثلاث كلمات) أي في صورة كذبات وهي إِنِّي سَقِيمٌ وفعله كبيرهم هذا وأنها أختي لسارة (كذبهنّ) أي وليست كذبات وإنما هي معاريض وتوريات حيث اراد بقوله فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا معنى التبكيت بدليل قوله تعالى إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ وبقوله إِنِّي سَقِيمٌ أي سأسقم لأن من عاش يسقم أو يهرم ويموت وبقوله أختي في الإسلام إلا أن الأولى لمراتب الأنبياء تركها (نفسي نفسي لست لها) أي للشفاعة العظمى لكوني متلوثا بنوع من الخطايا (ولكن عليكم بموسى) استدراك لدفع ما أرهقهم من خيبة الأمل ووصمة الخجل وعليكم اسم فعل والباء زائدة لمزيد الاستعانة أي الزموا موسى واستعينوا به على الشفاعة عند المولى (فإنّه كليم الله تعالى) ويقتضي أنه ممن طال لسانه لا ممن كل بيانه. (وفي رواية فإنّه عبد) وفي نسخة عبد الله (أتاه الله التّوراة) أي وهي من أعظم الكتب الإلهية وأولها (وكلّمه) أي تكليما (وقرّبه) أي تشريفا وتكريما (نجيّا) أي مناجيا (قال فيأتون موسى فيقول لست لها) أي للحال التي ظننتم أني مستعد لها (ويذكر خطيئته التي أصاب) أي أصابها ووقع فيها (وقتله النّفس) أي وقتله القبطي وهو عطف تفسيري بدليل رواية بعض رواة البخاري بدون عاطفة وقد عده خطيئة كما عده من عمل الشيطان في الآية وسماه ظلما واستغفر ربه منه جريا على عادة الأنبياء في استعظامهم محقرات جائزة صدرت عنهم إذ لم يكن هذا عن عمد بل وقع خطأ في كافر حربي ظالم على مسلم سبطي قبل الاذن بقتله وقد أبعد الدلجي في شرحه للخطيئة بعجلته إلى ربه فإنها في نفسها نقيصة ومن ثمة عتبه عليها بشهادة وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى فإنه سؤال عن سببها تضمن إنكارها من حيث إنها نقيصة انضم إليها اغفال قومه انتهى ولا يخفى أن هذه جرأة عظيمة ونقيصة فخيمة من الدلجي حيث أثبت خطيئة لكليم الله تعالى هو عنها نزيه وقد لاطفه ﷾ بقوله
[ ١ / ٤٧١ ]
وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ليترتب عليه الجواب بالوجه الأولى كما قال تعالى وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى فكذا في الجواب هنا قال هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى أي ما تقدمتهم إلا بخطى يسيرة ابتغاء لمرضاتك في المسارعة إلى امتثال أمرك والمبادرة إلى الوفاء بوعدك (نَفْسِي نَفْسِي وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ الله) أي ذو وح خاص من خلقه أجراه فيه بنفخ جبريل في جيب درع أمه فأوجده في بطنها بلا توسط مادة أو إضافته للتشريف كبيت الله وناقة الله (وكلمته) أي حيث كان بكلمة كن أو كان يكلم الناس في المهد بطريق خرق العادة فكذا ينبغي أن يتكلم في مقام الشفاعة وهول الساعة في موقف القيامة (فيأتون عيسى فيقول لست لها) أي مجازا أو مأذونا لأمرها (عليكم بمحمّد) فإن علمه ووصفه معلم بكون المقام المحمود له خاصة (عبد) بالجر على أنه صفة لمحمد وبالرفع على تقدير هو عَبْدٌ (غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذنبه وما تأخّر) أي بالنص في كتابه وأما غيره فممن أبهم في جوابه والحاصل أنه غير معاتب بما صدر عنه فيطلب هذا المقام منه (فأوتي) بصيغة المفعول المضارع المتكلم من أتى يأتي وإبدال الهمزة الثانية واوا للاجتماع الذي وقع فيه الإجماع والمعنى فيأتوني كما في رواية وهي بتشديد النون أي فيجيئونني ويطلبون الشفاعة مني (فأقول أنا لها) أي كائن أو معد أو مختص أو مدخر أو مأذون أو مخلوق (فأنطلق) أي إلى جهة العرش أو باب الجنة (فأستاذن على ربّي) أي في الطلوع إلى الكرسي أو في الدخول إلى الجنة وفي مقام الشفاعة لما ورد مصرحا به في مكان لا يقف فيه داع إلا أجيب ليس فيه بينه وبين ربه حجاب (فيأذن لي) أي ويتجلى علي بظهور آثار الجمال وسر مكاشفة استار الكبرياء والجلال (فإذا رأيته) أي علمته بهذا الحال من أوصاف الكمال (وقعت ساجدا) أي شكرا لما أنعم علي من الإفضال هذا ولا بدع أن يكون المراد بالرؤية رؤية الذات الجامعة لجوامع كمال الصفات فإنه جائز في الآخرة عند أهل السنة والجماعة خلافا للمحرومين من سعادة الزيادة ثم الحكمة في نقله صلى الله تعالى عليه وسلم من موقف العرض والحساب المؤذن بحالة السآمة والملامة إلى موقف الرحمة والكرامة لتقع الشفاعة موقع الإجابة كمن يتحرى بدعائه موقف الخدمة فإنه أحق بالاستجابة لموضع الحرمة وقد جاء في مسند أحمد أن هذه السجدة والسجدة والسجدة الآتية بعدها مقدار كل سجدة جمعة من جمع الدنيا وجاء في بعض الأخبار أن كل يوم مقدار عشر سنين فهاتان السجدتان كل سجدة مقدار سبعين سنة. (وفي رواية فآتي) أي فأجيء (تحت العرش فأخرّ ساجدا.
وفي رواية) أي بدل فآتي تحت العرش (فأقوم بين يديه) أي يدي العرش أو بين يدي ربه يعني في مقام العبودية والخلوص عن الملاحظة الغيرية (فأحمده بمحامد لا أقدر عليها) أي الآن كما في نسخة يعني لا أعرفها في الدنيا ولا أقدر على أن أعبر عنها لرواية ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن (إلّا أنّه) أي لكنه ﷾ (يلهمنيها الله) أي في
[ ١ / ٤٧٢ ]
ذلك المقام لتكميل المرام وفي نسخة إلا أن يلهمنيها وفي أخرى أن يلهمنيه الله وفي نسخة بمحامد لا أقدر عليه قال النووي هكذا هو في الأصول يعني في أصول مسلم قال وهو صحيح ويعود الضمير في عليه إلى الحمد؛ (وفي رواية فيفتح الله عليّ بمحامده) وفي نسخة من محامده (وحسن الثّناء عليه) عطف تفسيري على ما قاله الدلجي والأظهر هو التأسيس بالمغايرة فإن الثناء أعم من الحمد كما لا يخفى من أن الحمد قد يرد بمعنى الشكر (شيئا) أي عظيما (لم يفتحه على أحد قبلي) أي ولا بعدي من باب الاكتفاء أو بالبرهان الأولى أو المعنى قبل وقتي هذا؛ (قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَيُقَالُ يَا محمّد ارفع رأسك) أي رفع الله قدرك (سل) أي لنفسك (تعطه) بهاء السكت على بناء المفعول مجزوما على جواب الأمر (واشفع) أي في حق غيرك (تشفّع) بتشديد الفاء المفتوحة أي تقبل شفاعتك ولا ترد دعوتك (فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا ربّ أمّتي) أي اسألك عفوهم أولا وعفو غيرهم آخرا أو لوحظ في الأمة معنى التغليب للاشرفية أو كان جميع الأمة في تلك الحالة كأمته لرجوعهم إلى حضرته والتجائهم إلى دعوته والتكرير للتأكيد أو أمتي حقيقة أمتي كافة مجازا وهذا كله إذا أريد به المقام المحمود من الشفاعة الكبرى كما هو الظاهر من السباق والسياق واللحاق (فيقول) أي الله ﷾ أو ملك بأمره وفي نسخة فيقال (أدخل من أمّتك) أي من أهل الإجابة (من لا حساب عليه) أي لا مؤاخذة ولا عتاب إما عدلا وإما فضلا وهو الأظهر فضلا (من الباب الأيمن) أي الأبرك أو الأقرب بكونه يمينا فإن أبواب الجنة من جهة اليمين لا شك أنها كثيرة كما يشير إليه قوله (مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سوى ذلك من الأبواب) أي إن اختاروا دخلوهم منها وهذا غاية التعظيم ونهاية التكريم أنه يعرض عليهم جميع الأبواب ويختار لهم الأفضل الأبرك الأقرب إلى ذلك الجناب الأقدس قال المؤلف في شرح مسلم للجنة ثمانية أبواب باب الصلاة وباب الصدقة وباب الصوم ويقال له الريان وباب الجهاد وباب التوبة وباب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس وباب الراضين ثم قال فهذه سبعة أبواب جاءت في أحاديث ولعل الثامن هو الباب الأيمن الذي يدخل منه من لا حساب عليه والله تعالى أعلم (ولم يذكر) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. (في رواية أنس رضي الله تعالى عنه) أي عنه (هذا الفضل) أي من الكلام وهو قوله ﵊ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارفع رأسك إلى قوله فيما سواه من الأبواب، (وقال) أي في رواية أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (مكانه) أي بدل ما سبق (ثمّ أخرّ) بفتح همزة وكسر خاء معجمة فتشديد راء أي أسقط (ساجدا) أي لله متوسلا به لأنه أقرب حال يكون العبد من ربه في مقام قربه (فَيُقَالُ لِي يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يسمع لك) أي كل كلامك (واشفع تشفّع وسل تعطه) أي جميع مرامك (فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيُقَالُ انْطَلِقْ فمن كان في قلبه مثقال حبّة) أي وزنها (من برّة) بضم موحدة وتشديد راء أي حنطة (أو شعيرة) شك من الراوي في رواية مسلم (من إيمان) أي من ثمراته من أعمال القلب كشفقة
[ ١ / ٤٧٣ ]
على مسكين أو خوف من الله تعالى أو نية صادقة أو نحو ذلك والله تعالى أعلم لأن نفس الإيمان لا يتجزأ ويدل عليه ما جاء في رواية أخرى وكان في قلبه من الخير ما يزن كذا (فأخرجه) أي من النار أو من موقف العار (فأنطلق) أي فأذهب (فأفعل) أي ما أمرت به من إخراج من يستوجب العذاب قال الغزالي وفي مفهوم هذا الحديث أن من إيمانه يزيد على مثقال حبة من برة أو شعيرة لا يدخل النار إذ لو دخل لأمر بإخراجه أولا قال ومن أهل النار من يعذب قليلا ومنهم من يعذب ألف سنة وأقصاه في حق المؤمنين سبعة ألف سنة قال وذلك آخر من يخرج من النار على ما ورد في الأخبار (ثمّ أرجع إلى ربّي) أي مقام الخطاب (فأحمده بتلك المحامد، وذكر مثل الأوّل) أي مثل ما تقدم أو مثل ما ذكر الراوي الأول وهو قوله ثم أخر ساجدا الخ (وقال فيه) أي في هذا الحديث من رواية مسلم (مثقال حبّة من خردل) أي من إيمان والخردل بالدال ويقال بالذال حب الرشاد والواحد خردلة، (فأفعل) وفي نسخة قال فافعل (ثمّ أرجع) أي إلى ربي كما في نسخة صحيحة، (وذكر مثل ما تقدّم وقال) وفي نسخة ثم قال (فيه) أي في الحديث من رواية مسلم (مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى) ثلاث مرات كذا في أصول مسلم على ما ذكره النووي (من مثقال حبّة من خردل) وهذا كله مثل للقلة لأن الإيمان والمعرفة عرض لا يوزن بالكمية وإنما يختلف باعتبار الكيفية، (فأفعل) وفي نسخة قال فافعل أي في المرة الثالثة ما أمرت به من الإخراج (وذكر في المرّة الرّابعة) أي من رواية البخاري (فيقال لي ارفع رأسك وقل متسمع) كما في نسخة أي يجب قولك وتستجب دعوتك (واشفع تشفّع وسل) وفي نسخة واسأل (تُعْطَهُ فَأَقُولُ يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ) أي في شفاعة من (قال لا إله إلّا الله) أي في إخراج من اكتفى بالتوحيد المقرون بإقرار النبوة من النار وإدخاله في دار الأبرار وفي هذا إشعار بأن ما سبق من تقدير مثقال حبة ونحوها من الإيمان ثمرته المعبر عنها بالإيقان أو العمل بالأركان لا مجرد الإيمان الذي هو التصديق القلبي والاعتراف اللساني فكأنه أراد بمن قال لا إله إلا الله من لم يصدر عنه عبادة سواه. (قال ليس ذلك) أي الأمر بالشفاعة في حقه راجعا (إليك) ولعل وجهه أنه لم يصدر عنه ما يوجب المتابعة الباعثة على الشفاعة وإنما وقع منه مجرد إطاعة الأمر الإلهي بالتوحيد الرباني وقبول إرسال النبي الصمداني هذا ولما كان النفي موهما أن لا شفاعة لهم اصلا ولا خلاص لهم فضلا وإنما يجب عذابهم عدلا كما توهم المعتزلة في هذه المسألة فصلا استدرك ﷾ وأكده بالقسم وعظم شأنه بقوله (ولكن وعزّتي وكبريائي) أي ارتفاع مقامي (وعظمتي وجبريائي) بكسر الجيم والراء ممدودا قيل أتى به كذا اتباعا والصحيح أنه لغة في الجبروت أي وجبروتي المشعر بالجبر والقهر المشير إلى أني لا أبالي (لَأُخْرِجَنَّ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إلّا الله) أي ولو مرة من غير تكرار وإكثار يعني من شهد أنه لا معبود موجود قادر على كل شيء سواه وبه خص عموم حديث البخاري أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه أي وعمل عملا صالحا لربه ويؤيده
[ ١ / ٤٧٤ ]
حديث الشيخين ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط أي غير لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، (وَمِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ عنه) أي عن أنس رضي الله تعالى عنه (قال) أي النبي ﵊ (فلا أدري في الثّالثة أو الرّابعة) اعتراض بين قال ومقوله أفاد صدور شك إما من أنس أو من قتادة في ايتهما قَالَ (فَأَقُولُ يَا رَبِّ مَا بَقِيَ فِي النّار إلّا من حبسه القرآن) أي منعه ترك الإيمان بما نزل به القرآن وقوله (أي من وجب عليه الخلود) حاصل المعنى وخلاصة المبنى وهذا تفسير قتادة قيل ومعناه من أخبر القرآن أنه مخلد في النار وهم الكفار. (وعن أبي بكر) أي الصديق رضي الله تعالى عنه برواية أحمد وابن حبان (وعقبة بن عامر) أي برواية ابن أبي حاتم وابن مردويه (وأبي سعيد) أي برواية الترمذي (وحذيفة) أي برواية أبي داود في البعث (مثله) أي مثل حديث أنس (قال فيأتون محمّدا فيؤذن له) أي في الشفاعة (وتأتي الأمانة والرّحم فتقومان) بالتأنيث تغليبا (جنبتي الصّراط) بفتح النون ويسكن أي جانبيه وناحيتيه وطرفيه يمنة ويسرة والمعنى أنهما يمثلان أو يجسمان فيشهدان للأمين والواصل وعلى الخائن والقاطع وقال بعضهم ويجوز أن تحمل الأمانة على الأمانة العظمى المؤذن بها آية إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ والرحم على صلتها الكبرى المشير إليها قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ إلى قوله تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ فيدخل في الحديث معنى التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فكأنهما اكتفتا جنبتي الصراط المستقيم والدين القويم هذا وقد جاء أن الصراط صعوده ألف سنة واستواؤه ألف سنة وهبوطه ألف سنة وفي مسلم عن أبي سعيد بلغنا أنه أحد من السيف وأدق من الشعر وهذا جاء مسندا مرفوعا عنه ﵊ وأما قول الحلبي فإن قيل الصراط مم هو فالجواب أنه شعرة من جفون عين مالك فغير منقول المبنى ولا معقول المعنى فلا يجزم بهذا الجواب بل يقال في مثل هذا لا أدري لأنه نصف العلم والله تعالى أعلم بالصواب؛ (فذكر) وفي نسخة وذكر بالواو (في رواية أبي مالك) كما أخرجه أبو داود في البعث (عَنْ حُذَيْفَةَ فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَشْفَعُ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ) بصيغة المجهول أي فيوضع على متن جهنم جسرا ممدودا ففي حديث الحاكم على شرط مسلم ورواه غيره أيضا بوضع الصراط مثل حد الموسى (فيمرّون) أي عليه كما في نسخة وجاء في رواية فيتهافت أهل النار فيها وينجو أهل الجنة منها كما قال تعالى ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (أوّلهم كالبرق) أي الخاطف كما في رواية (ثمّ كالرّيح والطّير) أي وكالطير (وشدّ الرّجال) بالجيم أي عدوهم وجريهم وقد خطئ من رواه بالمهملة وهو العرفي وجعله جمع رحل وهي رواية ابن ماهان والمراد به هنا الناقة فإن الرحل ما يوضع على البعير ثم يعبر به تارة عن البعير مجازا لكن الأول هو الصحيح المعروف بخط المصنف مضبوط بالجيم وهو كذا لكافة رواة مسلم وعند الهروي الرحال بالحاء قال ابن قرقول وهو تصحيف هذا وقد أغرب بعضهم في قوله إن المرور للصراط بهم (ونبيّكم) بالرفع يعني نفسه على طريقة
[ ١ / ٤٧٥ ]
التجريد (على الصّراط) أي مستعليا (يقول اللهمّ سلّم سلّم) التكرير للتكثير أي بالنسبة إلى كل أحد من دعوة التغرير ويؤيده قوله (حتّى يجتاز النّاس) وحتى تحتمل الغاية والعلة (وذكر) أي النبي ﵊ (آخرهم جوازا الحديث) بفتح الجيم أي مرورا على الصراط ولو روي بكسرها لجاز ويكون معناه مجاوزة عنه (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يجيز) بضم الياء وكسر الجيم وبالزاي أي من يمضي عليه ويقطعه وفي نسخة صحيحة يجوز وهما لغتان يقال جاز وأجاز بمعنى كما ذكره النووي وزاد في نسخة صحيحة يومئذ.
(وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما) أي كما رواه الشيخان (عنه ﵊ يوضع) يجوز تذكيره وتأنيثه (للأنبياء منابر) أي على قدر مراتبهم (يَجْلِسُونَ عَلَيْهَا وَيَبْقَى مِنْبَرِي لَا أَجْلِسُ عَلَيْهِ قائما) أي تاركا جلوسي حال قيامي (بين يدي ربّي منتصبا) أي على هيئة طالب الحاجة عند صاحب النعمة (فيقول الله ﵎ ما تريد أن أصنع بِأُمَّتِكَ فَأَقُولُ يَا رَبِّ عَجِّلْ حِسَابَهُمْ فَيُدْعَى بهم فيحاسبون فمنهم من يدخل الجنّة برحمته) أي بتوفيق طاعته (ومنهم من يدخل الجنّة بشفاعتي) أي لتقصيره في متابعتي (ولا أزال أشفع حتّى أعطى) بصيغة المفعول للمتكلم (صكاكا) بكسر الصاد جمع صك بفتح الصاد فارسي معرب أي كتبا (برجال) أي بأشخاص كتب فيها اسماؤهم (قد أمر بهم إلى النّار) أي أولا فيقع خلاصهم بالشفاعة آخرا (حتّى إنّ خازن النّار) بكسر الهمزة وفتحها (ليقول) بفتح اللام المؤكدة (يَا مُحَمَّدُ مَا تَرَكْتَ لِغَضَبِ رَبِّكَ فِي أمّتك من نقمة) بكسر نون وسكون قاف ويقال إنها ككلمة أي عقوبة وفي نسخة بقية أي من نفس باقية؛ (ومن طريق زياد) أي ابن عبد الله (النّميريّ) بضم النون وفتح الميم بصري اختلف في توثيقه وتضعيفه (عن أنس) كما رواه البيهقي وأبو نعيم (أنّ رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْفَلِقُ) بالفاء بعد النون أي تنشق وتنفرق (الأرض عن جمجمته) بضم الجيمين أي عن رأسه ومنه قوله تعالى فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى أي شاقهما للانبات والمعنى أنه أول من ينشق عنه القبر في البعث (ولا فخر) أي ولا أقول فخرا بل اتحدث شكرا أو أمتثل أمرا.
(وَأَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ. وَمَعِي لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنَا أَوَّلُ من تفتح له الجنّة) أي بابها (ولا فخر) أي فيه وفيما قبله أيضا. (فآتي) الفاء تفصيلية أي فأجيء (فآخذ بحلقة الجنّة) بسكون اللام وتفتح والمعنى فأحركها كما في رواية (فَيُقَالُ مَنْ هَذَا؟ فَأَقُولُ مُحَمَّدٌ، فَيُفْتَحُ لِي فيستقبلني الجبّار تعالى) أي بتجلي الصفات العلى (فأخرّ ساجدا) أي استعطافا له على مراده وطلبا منه لمرضاته على عباده (وذكر نحو ما تقدّم) أي من رواية ابن عباس رضي الله تعالى عنهما؛ (ومن رواية أنيس) تصغير أنس وفي نسخة من رواية أنس والأول هو الصواب وهو رجل من الأنصار روى عنه شهر بن حوشب ولم ينسبه ولم يرو عنه غيره حديثه كذا في الاستيعاب وقال إسناده ليس بالقوي (سمعت رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَأَشْفَعَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَكْثَرَ ممّا في الأرض من حجر
[ ١ / ٤٧٦ ]
وشجر) وقد رواه أحمد بسند حسن عن بريدة إني لأشفع الخ والمعنى لعدد هو أكثر مما في الأرض جميعها من حجر وشجر والقصد الكثرة أو المراد بهما نوع من الحجر والشجر فتدبر وقد ابعد الدلجي حيث قال ولا يستبعد أن يستغيث به صلى الله تعالى عليه وسلم الناميات والجمادات مما لا يعقل فرقا من حر نار جهنم وبرد زمهريرها نعوذ بالله تعالى منهما (فَقَدِ اجْتَمَعَ مِنَ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ هَذِهِ الْآثَارِ) وفي نسخة صحيحة من اختلاف ألفاظ هذه الآثار أي الاخبار المنقولة عن الأخيار (أنّ شفاعته صلى الله تعالى عليه وسلم) أي للخلق (ومقامه المحمود) أي بين يدي الحق (من أوّل الشّفاعات) وهو الشفاعة العظمى لفصل القضاء (إلى آخرها) وهو إخراج المؤمنين من النار (من حين يجتمع النّاس) بفتح النون وفي نسخة بالتنوين أي من وقت فيه يجتمع الناس (للحشر) وهذا الجار والمجرور خبر ان أو ما قبله هو الخبر وهذا ظرف لوقوع الشفاعات وظهور مقامه المحمود فيه ومن ابتدائية أي فابتداؤها من حين اجتماعهم للحشر بعد سؤالهم الأنبياء ليشفعوا كما يشير إليه قوله (وتضيق بهم الحناجر) حتى لا يكاد أحد منهم يخرج نفسا من تفاقم الهم وتراكم الغم بصوادع القول وصوارع الهول فيرتفع إلى الحنجرة وهي رأس الغلصمة حيث تراه ناتئا فيضيق ومنه قوله تعالى وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وهذا كناية عن ضيق الأحوال عند مشاهدة الأهوال (ويبلغ منهم) أي يؤثر فيهم (العرق) أي عرق الخجالة (والشّمس) أي حرارتها مع دنوها (والوقوف) أي تعب القيام على أرجلهم (مبلغه) أي نهاية وصوله وغاية حصوله (وذلك) أي وجميع ما ذكر من أنواع التعب الحاصل لعامة الخلق (قبل الحساب) أي الذي يترتب عليه الثواب والعقاب (فيشفع حينئذ لإراحة النّاس من الموقف) بالراء أي لتخليصهم من تعبه وبالزاي لإزالتهم وتبعيدهم من نصه (ثمّ يوضع الصّراط) أي على ظهر جهنم كما ورد (وَيُحَاسَبُ النَّاسُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أبي هريرة وحذيفة رضي الله تعالى عنهما) أي كما سبق (وهذا الحديث أتقن) بالتاء الفوقية والقاف أي أحكم وبالقبول أحق ولو روي بالياء التحتية لجاز ومعناه أثبت (فَيُشَفَّعُ فِي تَعْجِيلِ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ من أمّته إلى الجنّة) أي أولا (كما تقدّم في الحديث) أي السابق (ثمّ يشفع فيمن وجب عليه العذاب) أي استحق العقاب لارتكاب المعاصي من المؤمنين (ودخل النّار منهم حسب) بسكون السين وفتحها ونصبه على المصدر أي وفق ومثل (ما تقتضيه الأحاديث الصّحيحة) أي بالدلالات الصريحة (ثُمَّ فِيمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) أي وعمل عملا ما بمقتضاه (وليس هذا) أي قبول شفاعته لمن قال لا إله إلا الله (لسواه صلى الله تعالى عليه وسلم) أي من بين الشفعاء (وفي الحديث المنتشر) أي المشتهر (الصّحيح) أي الوارد في الصحيحين (لكلّ نبيّ دعوة) أي عامة (يدعو بها) أي لأمته أو عليهم وقد دعا بها كل منهم في الدنيا كما وقع لنوح وصالح وهود وموسى ﵈ (واختبأت) وفي رواية ادخرت (دعوتي شفاعة لأمّتي يوم القيامة) أي لأجل النفع العام في أهم المقام
[ ١ / ٤٧٧ ]
(قال أهل العلم) أي بعضهم (معناه) أي معنى حديث لكل نبي دعوة لكل منهم (دعوة أعلم) بصيغة المجهول أي أعلم (أنّها) أي تلك الدعوة (تستجاب لهم) أني بضمير الجمع نظرا إلى معنى كل وأفرد في اعلم باعتبار لفظه وفي رواية اعلموا بصيغة الجمع مجهولا وهو ظاهر (ويبلغ) بصيغة المجهول أي يوصل (فيها مرغوبهم) ويحصل مطلوبهم (وإلّا) أي وإن لم يكن كذلك ولم يحصل على ما هنالك (فكم) أي فكثيرا (لكلّ نبيّ منهم من دعوة مستجابة) أي استجيب لهم في الدنيا (ولنبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم منها) أي من أصناف الدعوة (ما لا يعدّ) أي ما لا يحصى (لكن حالهم) أي في باقي دعواتهم (عند الدّعاء بها) أي بالدعوة التي لم يعلموا باستجابتها (بين الرّجاء والخوف) وهو لا ينافي غلبة رجاء المراد على خوف قوته في بعض المواد (وضمنت لهم) بصيغة المجهول مخففا أي جعلت مضمونة (إجابة دعوة) أي واحدة (فيما شاؤه) أي أرادوه واختاروه (يدعون بها على يقين من الإجابة) حال من ضمير يدعون؛ (وقد قال محمّد بن زياد) أي الجمحي البصري يروي عن أبي هريرة وعائشة رضي الله تعالى عنهما وغيرهما وعنه شعبة والحمادان وآخرون ثقة (وأبو صالح) أي السمان الزيات الكوفي هو من الأئمة الثقات روى عن عائشة وأبي هريرة وغيرهما وعنه بنوه وخلق سمع منه الأعمش ألف حديث توفي بالمدينة واسمه ذكوان بالذال المعجمة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِكُلِّ نبيّ دعوة دعا بها) أي استعجل بها (في أمّته) أي في هلاكهم أو نجاتهم (فاستجيب له وأنا أريد أن أوخّر دعوتي) بهمز ويبدل وفي نسخة صحيحة أدخر بالدال المشددة أي أجعلها ذخيرة لوقت الشدة (شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي صالح) عن أبي هريرة كما في الصحيحين (لكلّ نبيّ دعوة مستجابة) أي في حق عامة أمته (فتعجّل كلّ نبيّ دعوته) أي طلب حصولها في الدنيا وأني ادخرت شفاعتي لأمتي في العقبى أي فإن نفعها أعم وأبقى زاد مسلم فهي نائلة أي واصلة وشاملة إن شاء الله تعالى من مات لا يشرك بالله شيئا. (وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هريرة) وأبو زرعة هذا هو هارم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي يروي عن جده وغيره وروى عنه خلق من التابعين وثقه ابن معين وغيره (وَعَنْ أَنَسٍ مِثْلُ رِوَايَةِ ابْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَتَكُونُ هَذِهِ الدَّعْوَةُ الْمَذْكُورَةُ مَخْصُوصَةً بالأمّة مضمونة الإجابة) أي في حق العامة (وإلّا فقد أخبر صلى الله تعالى عليه وسلم أنّه سأل) أي ربه (لأمّته) أي لبعضهم أو لكلهم (أشياء من أمور الدّين والدّنيا أعطي بعضها ومنع بعضها) أي من حيث إنها لم تكن مضمونة الإجابة (وادّخر لهم هذه الدّعوة) أي لعامة الأمة التي هي مضمونة الإجابة (ليوم القيامة) وفي نسخة صحيحة ليوم الفاقة أي لوقت شدة الحاجة (وخاتمة المحن) أي وغاية أنواع المحنة ونهاية أصناف الشدة (وعظيم السّؤال) بسكون الهمز ويبدل هو الأمنية (والرّغبة) عطف تفسيري (جزاه الله) أي عنا (أحسن ما جزى) أي الله تعالى (نبيّا عن أمّته) أي ورسولا عن دعوته (وصلّى
[ ١ / ٤٧٨ ]
الله عليه وسلّم تسليما كثيرا) أي سلاما كثيرا يترتب عليه مراما كبيرا هذا وقد ثبت أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال سألت ربي لأمتي ثلاثا فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها وفي مسلم استأذنت ربي في أن استغفر لها يعني أمه فلم يؤذن لي واستأذنت في أن أزور قبرها فأذن لي والله ﷾ أعلم ثم قيل آخر من يخرج من النار هناد بعد سبعة آلاف سنة قال الحسن يا ليتني كنت هنادا يعني لقطعه بحسن الخاتمة خوفا من سوء العاقبة فنسأل الله تعالى العافية.
فصل [في تفضيله فِي الْجَنَّةِ بِالْوَسِيلَةِ وَالدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ وَالْكَوْثَرِ وَالْفَضِيلَةِ]
(في تفضيله صلى الله تعالى عليه وسلم في الجنّة بالوسيلة) وهي منزلة القربة والوصلة (والدّرجة الرّفيعة) أي العالية التي ليس فوقها درجة (والكوثر) فوعل من الكثرة ومعناه الخير الكثير والعطاء الوفير وفي الحديث أعطيت الكوثر وهو نهر في الجنة يعني ويصب منه في حوض الكوثر يوم القيامة (والفضيلة) أي الصفة الزائدة التي عجز عن بيانها الواصفون مما لا عين رأي ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ولا يبعد أن يراد بها أنواع الفضيلة فهو تعميم بعد تخصيص (حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عيسى التّميميّ) تقدم، (والفقيه أبو الوليد هشام بن أحمد) سبق (بقراءتي عليهما قالا ثنا) أي حدثنا (أبو علي الغّسّاني) بتشديد السين المهملة مر ذكره (قال حدّثنا النّمريّ) بفتح النون هو الحافظ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ) أي عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن القرطبي (حدّثنا أبو بكر التّمّار) بتشديد الميم نسبة إلى التمر (حدّثنا أبو داود) وهو محدث العصر صاحب السنن (حدّثنا محمّد بن سلمة) أي المرادي أبو الحارث المصري وكان أحد الأئمة الأثبات. (حدّثنا ابن وهب) سبق ذكره (عن ابن لهيعة) بفتح فكسر حضرمي بصري ضعيف وكان قاضي مصر (وحيوة) بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية ابن شريح المصري الحمصي كان حافظا مجاب الدعوة روى عنه البخاري وغيره (وسعيد بن أبي أيّوب) أي المصري ثقة (عن كعب بن علقمة) وفي نسخة عن كعب عن علقمة والأول هو الصواب كما صرح به الحلبي وغيره وهو تابعي روى عن سعيد بن المسيب وطائفة وعنه الليث وجماعة (عن عبد الرّحمن بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة مصري فقيه مقرئ ثقة وكان مؤذنا (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) وفي نسخة العاصي بالياء والصواب الأول (أنّه سمع النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يقول) قال الحلبي هذا الحديث أخرجه القاضي كما ترى من سنن أبي داود وقد أخرجه أبو داود في الصلاة وأخرجه مسلم أيضا فيها بالسند الذي أخرجه أبو داود سواء إلا أنه قال عن ابن وهب عن حيوة بن شريح وسعيد بن أيوب وغيرهم كلهم عن كعب بن علقمة به وأخرجه الترمذي في المناقب وقال صحيح والنسائي في الصلاة وفي اليوم والليلة وإنما أخرجه المصنف من
[ ١ / ٤٧٩ ]
عند أبي داود ولم يخرجه من عند مسلم للتنوع في الروايات ولأن بينه وبين أبي داود في هذا الحديث خمسة أشخاص بالسماع ولو روي بالإجازة عن أبي علي الغساني كان بينه وبينه أربعة وليس كذلك مسلم فمسلم يقع له بالسماع بينه وبينه ستة وتارة خمسة فوقع له حديث مسلم موافقة في شيخه انتهى وحاصله أنه إنما أسنده إلى أبي داود دون مسلم لقرب سنده إليه (إذا سمعتم المؤذّن) أي صوته وفي نسخة يؤذن أي حال كونه يؤذن أو حين أذانه (فقولوا مثل ما يقول) أي من كلمات الأذان جميعها إلا الحيعلتين لحديث مسلم وغيره عن عمر المستفاد منه أنه يقال عند سماعهما لا حول ولا قوة إلا بالله ثم هل الأمر بالقول المعلق بالسماع واجب على من سمع حيث لا مانع أو مندوب قال النووي فيه خلاف ذكره الطحاوي والصحيح عن الجمهور ندبه واختلفوا هل يندب عن سماع كل مؤذن أو الأول فقط والأصح يندب إجابة الكل وكون الاول آكد (ثمّ صلّوا عليّ) قال الحلبي صرفه عن الوجوب الإجماع (فإنّه) أي الشأن (من صلّى عليّ مرّة) كذا في الأصول وكأنها سقطت من أصل الدلجي فقال أي مرة بقرينة المقام (صلّى الله عليه) أي بها كما في اصل الدلجي وقال بالمرة أو بالصلاة مرة لكنه هو غير موجود في الأصول والمعنى رحمه وضعف أجره (عشرا) أي باعتبار اقل المضاعفة الموعودة بقوله تعالى مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها (ثمّ اسألوا) وفي نسخة ثُمَّ سَلُوا (اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ) أي عظيمة كائنة (في الجنّة لا تنبغي) وفي نسخة لا ينبغي أي لا تحصل أو لا تليق (إلّا لعبد) أي كامل (من عباد الله) تعالى أي من أنبيائه وأصفيائه (وأرجو أن أكون أنا هو) ثم جوز أن يجعل أنا مبتدأ خبره هو والجملة خبرا أكون وأن يجعل تأكيدا لاسمها وخبرها وضع موضع إياه أو موضع اسم إشارة أي أنا ذلك العبد وأتى بلفظ الرجاء تأدبا وإيماء إلى أنه لا يجب على الله شيء (فمن سأل الله لي الوسيلة) أي هذه الدرجة وفي معناه كل ما يتوسل به إلى زيادة الزلفة (حلّت) بتشديد اللام أي نزلت ووقعت (عليه الشّفاعة) أي وجبت وجوبا واقعا عليه وقيل غشيته وقيل حقت وثبتت له وفي الحديث إيذان بجواز سؤال الدعاء من المفضول ليفوز من الفاضل المدعو له مع ثواب الله ﷾ لهما بفائدة عظيمة وعائد جسمية من نحو شفاعة وسعادة قربة مع الإيماء إلى أن مراتب القرب إلى الله تعالى لا يتصور فيها الانتهاء. (وفي حديث آخر) كما رواه الترمذي (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الْوَسِيلَةُ أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ. وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنه) كما في البخاري (قال قال رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ إذ عرض لي) أي فاجأني وظهر لي (نهر) بفتح الهاء وتسكن (حافتاه) بتخفيف الفاء أي جانباه وطرفاه (قباب اللؤلؤ) بكسر القاف جمع قبة وهي بيت صغير مستدير ووقع في أصل الدلجي فيهما لؤلؤ مثل القباب وهو ليس من نسخ الكتاب ولا أظنه أنه رواية في هذا الباب بل هو من تصرف الكتاب وفي أصل التلمساني اللؤلؤ والدر فقيل هما بمعنى وقيل اللؤلؤ الكبير (قلت لجبريل ما هذا) أي الذي أراه (قال هذا الكوثر الذي أعطاكه الله تعالى) أي خاصة (قال) أي
[ ١ / ٤٨٠ ]
النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (ثمّ ضرب) أي جبريل (بيده إلى طينته) بالإضافة وفي نسخة إلى طينة بالتنكير وتاء التأنيث أي من طينه (فاستخرج مسكا) أي شيئا هو مسك أو كمسك وسماه طينا جريا على غالب العادة في كون مقر الماء طينا أو بحسب الصورة. (وعن عائشة وعبد الله بن عمرو) بالواو (مثله) أي مثل حديث أنس قبله (قال) أي في حديثهما (ومجراه) أي جريان مائة (على الدّرّ) اسم جنس واحده درة وكذا قوله (والياقوت) أي ومن تحتهما المسك كالطين تحت حصى الماء فلا منافاة بين حديثهم (وماؤه أحلى) أي أكثر حلاوة وأشد لذاذة (من العسل وأبيض) وفي رواية وأشد بياضا (من الثّلج) وفي رواية أبيض من اللبن قال الدلجي ولا يلزم من كونه أحلى من العسل الاستغناء به عن أنهار العسل المصفى في الجنة لأنها ليست للشرب انتهى ولا يخفى أن نفي كونها للشرب يحتاج إلى بيان حجة في تحقيق المدعي والتحقيق أن الأنهار الأربعة عامة لأهل الجنة والكوثر موضوع للخاصة مع أنه قد يقال التقدير وماؤه أحلى من العسل الموجود في الجنة باعتبار كمال اللذة (وفي رواية عنه) أي عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (فإذا هو) أي ماؤه (يجري) أي على وجه الأرض من غير نهر (ولم يشقّ) بصيغة الفاعل وفي نسخة بصيغة المفعول (شقّا) أي لم يمل إلى شق من أحد طرفيه بل يجري جريا مستويا كما أراده سبحانه أو تمناه صاحبه من أهل الجنة (عليه) أي على النهر (حديث حوض) أي عظيم (ترد عليه) وفي نسخة صحيحة ترده (أمّتي) أي ضيافة في الجنة أو يوم القيامة والثاني أظهر لقوله (وذكر) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (الحوض) ومطلقه ينصرف إلى الأشهر مع احتمال التعدد فتدبر ومعنى كون الحوض على النهر اعتماده عليه من حيث إن ماءه ممتد من مائة ومنتهى إليه إذ النهر في الجنة والحوض خارجها لما ورد ليردن على الحوض أقوام أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم فأقول إنهم مني فيقال لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقا سحقا لمن غير بعدي (ونحوه) أي ونحو ما ذكر عن المذكورين مروي (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا) كما في البخاري (قَالَ الْكَوْثَرُ الْخَيْرُ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ) أي ومنه الحوض وغيره ولعله لم يصفه بالكثير كما في بعض الروايات لما يستفاد من الصيغة للمبالغة. (وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالنَّهْرُ الَّذِي فِي الجنة من الخير الذي أعطاه الله تعالى) أي لأنه مقصور على النهر أو الحوض بل الكوثر أتم وأعم والله تعالى أعلم. (وعن حذيفة فيما ذكر ﵊ عن ربّه) أي روايا عنه (وأعطاني الكوثر نهرا من الجنّة) بنصب نهرا على أنه بدل أو بتقدير أعني أو على المدح ووقع في أصل الدلجي مخالفا للنسخ نهر بالرفع فقال خبر حذف مبتدأه أي هو بشهادة رواية أعطيت الكوثر وهو نهر في الجنة (يسيل) أي ينصب (في حوضي) أي يوم القيامة أو في الجنة (وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما) كما روى ابن جرير وابن أبي حاتم بسند صحيح (في قوله) أي تفسير قوله تعالى (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [الضحى: ٥] قال) أي ابن عباس (أَلْفُ قَصْرٍ مِنْ لُؤْلُؤٍ تُرَابُهُنَّ الْمِسْكُ وَفِيهِ) أي وفي كل قصر أو فيما ذكر من
[ ١ / ٤٨١ ]
القصور وقد اخطأ التلمساني بقوله صوابه فيهن (ما يصلحهنّ) بضم الياء وكسر اللام أي ما يصلح القصور ويزينهن ويحسنهن من الخدم والأزواج والأثاث وأصناف الحور وأنواع الحبور. (وفي رواية أخرى) أي مبينة للأولى (وفيه) أي وفي كل قصر (ما ينبغي) أي يليق (له من الأزواج) أي نساء الجنة من الحور وغيرها من نساء الدنيا وهن أفضلهن وأكملهن جمالا لما قدمن في الدنيا أعمالا (والخدم) أي من غلمان كأنهن لؤلؤ مكنون والله تعالى أعلم وقد ذكر الدارقطني من طريق مالك بن مغول عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إن الله تعالى أعطاني نهرا يقال له الكوثر لا يشاء احد من أمتي أن يسمع خرير ذلك الكوثر إلا سمعه فقلت يا رسول لله كيف ذلك قال أدخلي أصبعيك في اذنيك وسدي فالذي تسمعين فيهما من خرير الكوثر ونقله السهيلي ذكره التلمساني.
فصل [فَإِنْ قُلْتَ إِذَا تَقَرَّرَ مِنْ دَلِيلِ الْقُرْآنِ وصحيح الأثر]
(فإن قلت إذا تقرّر) أي ثبت وتحرر (من دليل القرآن وصحيح الأثر) وفي نسخة الآثار ووقع في أصل الدلجي الأخبار (وإجماع الأمّة) أي من اتفاقهم (كونه أكرم البشر) يعني والبشر خير من الملك كما هو مقرر (وأفضل الأنبياء) وهم أعم من الرسل (فَمَا مَعْنَى الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِنَهْيِهِ عَنِ التَّفْضِيلِ) أي بين الأنبياء (كَقَوْلِهِ فِيمَا حَدَّثَنَاهُ الْأَسَدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا السَّمَرْقَنْدِيُّ ثنا) أي حدثنا (الفارسيّ) بكسر الراء وهو عبد الغفار (حدّثنا الجلوديّ) بضم الجيم واللام (حدّثنا ابن سفيان) وهو إبراهيم (حدّثنا مسلم) وهو صاحب الصحيح (حدّثنا محمّد بن مثنّى) وفي نسخة محمد بن مثنى بضم ميم وفتح مثلثة وتشديد نون منون (حدّثنا محمّد بن جعفر) وهو غندر وقد تقدم (حدّثنا شعبة) أي ابن الحجاج (عن قتادة سمعت أبا العالية) يراد به هنا رفيع بن مهران فإنه الذي يروي عنه قتادة وأما زياده بن فيروز فيروي عنه أيوب السختياني ومطر الوراق وبديل بن هبيرة كما حققه الحلبي (يَقُولُ حَدَّثَنِي ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم يعني) أي يريد به (ابن عبّاس) وهو عبد الله (عن النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) قال الحلبي وهذا الحديث في البخاري ومسلم وأبي داود (قال ما ينبغي) أي ما يصح أو ما يصلح (لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بن متّى) بفتح الميم وتشديد المثناة فوق مقصورا وقد تقدم أنها أمه والمراد بعبد كل مكلف ثم يختلف الحكم بمرجع أنا فإن لم يكن نبينا فقد كفر لما فيه من الانتقاص الذي بمثله كفر إبليس إذ قال أنا خير منه وإن كان نبيا فينبغي له التواضع لما أكرم به النبوة كذا قرره الدلجي والظاهر أنه صلى الله تعالى عليه وسلم يريد أنه لا يجوز لأحد من أمتي أن يعظمني وأن يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى تفضيلا لي عليه وهذا من كمال التواضع لديه قال التوربشتي وإنما خص يونس بالذكر دون غيره من الرسل لما قصه الله تعالى في كتابه عنه من توليه عن قومه وتضجره منهم وقلة صبره فقال
[ ١ / ٤٨٢ ]
وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ وقال وَهُوَ مُلِيمٌ وقال إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
فلم يأمن صلى الله تعالى عليه وسلم أن يخامر بواطن ضعفاء أمته ما يؤدي إلى تنقيصه فبين أن ذلك ليس بقادح فيما منحه الله له من كرامة النبوة وشرف الرسالة وأنه مع ما صدر منه كإخوانه من المرسلين انتهى وقد يقال وجه تخصيصه من بين الأنبياء لكونه صلى الله تعالى عليه وسلم لما وقع عروجه إلى السماء ليلة الإسراء وحصل له مقام قاب قوسين أو أدنى مع سائر الكرامات وكان معراج يونس بطن الحوت في الظلمات لربما يتوهم متوهم أن معراج السموات أقرب إلى الرب فيكون صاحبه أفضل وأحب فدفع بأن الأمكنة بالنسبة إلى الله تعالى مستوية إذ هو بذاته تعالى منزه عن المكان ولو كان أعلى في ظهور الشأن (وَفِي غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال يعني) أي يريد أبو هريرة بالقائل (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما ينبغي لعبد الحديث) أي الخ كما تقدم (وفي حديث أبي هريرة) أي كما رواه الشيخان (في اليهودي الذي قال) أي حين استب هو ورجل من الأنصار (والذي اصطفى موسى على البشر) أي في زمانه ولكنه بإطلاقه المتبادر كان يعم نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم بحسب الظاهر (فلطمه رجل من الأنصار) أي غيرة على نبينا المختار (وقال تقول ذلك) أي أتقول هذا القول (والنبي بين أظهرنا) أي بيننا موجود وطالعنا بطلوعه مسعود (فبلغ ذلك) أي الخبر (النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي فدعا الأنصاري فأخبره بذلك (فقال لا تفضّلوا) بضم أوله وتشديد الضاد المكسورة أي لا توقعوا التفضيل (بين الأنبياء) يعني بمجرد الأهواء والآراء وزاد بعضهم ثم قال وَلَا أَقُولُ إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلَ مِنْ يُونُسَ بن متى ثم إن النسخ والأصول بالضاد المعجمة وأعرب الدلجي حيث قال ومعناه بالصاد المهملة أي لا تفرقوا بينهم بتفصيل وبالمعجمة لا توقعوه بينهم انتهى وهو صحيح المعنى وإنما الكلام في ثبوت المبنى مع ما فيه من معارضته لقوله تَعَالَى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ فلا بد من اعتقاد التفضيل بالإجمال أو التفصيل وأما قوله تعالى لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ فالمعنى نؤمن بكلهم تعريضا لليهود فيما حكاه الله تعالى عنهم ويقولون نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ، (وفي رواية) أي للشيخين ولأبي داود والنسائي (لا تخيّروني) بضم التاء وكسر الياء المشددة لا تفضلوني (على موسى) قاله تواضعا أو ردعا عن تفضيل يوجب نقيصة أو فتنة مفضية إلى عصبية وحمية جاهلية أو كان هذا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ والله تعالى أعلم (فذكر) أي الراوي (الحديث) أي بقيته وهي قوله قال فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأصعق فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان فيمن استثنى الله تعالى وفي رواية فلا أدري أجوزي بالصعقة أم لا وهي لغة أن يغشى على الإنسان من صوت شديد سمعه وربما مات ثم استعمل في الموت كثيرا والمراد بها ههنا ما أفاده وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا قال المصنف رحمه الله تعالى وهذا من أشكل الاحاديث لأن موسى مات فكيف يصعق وإنما يصعق الأحياء فيتحمل أن تزن هذه الصعقة صعقة فزع بعد
[ ١ / ٤٨٣ ]
البعث حين تنشق السماء ويؤيده قوله فأفاق فإنه إنما يقال أفاق من الغشي وبعث من الموت وبه جزم التوربشتي حيث قال وأما الصعقة في الحديث فهي بعد البعث عند نفخة الفزع وأما البعث فلا تقدم لأحد على نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم فيه واختصاص موسى ﵇ بهذه الفضيلة لا يوجب له تفضيلا على من فاز بسوابق جمة ولواحق عمة (وفيه) أي وفي هذا الحديث (وَلَا أَقُولُ إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلَ مِنْ يُونُسَ بن متّى. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) كما في رواية البخاري (مَنْ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ متّى) أي من جميع الوجوه. (فقد كذب) إذ قد يكون له خصوصية في نوع من الفضيلة قال الدلجي ويجوز رجوع أنا كما مر إليه صلى الله تعالى عليه وسلم أو إلى كل قائل أي لا يقول ذلك أحد وإن بلغ في العلم والعبادة أو غيرهما من الفضائل ما بلغ إذ لم يبلغ يونس من درجة النبوة انتهى ولا يخفى أن أنا في الحديث السابق يحتمل الاحتمالين وأما هنا فالاحتمال إلى القائل بعيد عن موضع تحقيق وتأييد لأن جزاءه حينئذ فقد كفر كما سبق فتدبر وأيضا ما كان أحد يتوهم منه أنه يدعي كونه أفضل من يونس حتى ينهى عنه وإنما كان يتوهم بعضهم أن نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أفضل منه في أمر النبوة والرسالة أو في علو المرتبة وفضيلة الدرجة فنهاهم إما إعلاما بتسوية نسبة النبوة والرسالة وإما تواضعا لربه وهضما لنفسه وإما قبل علمه بعلو مقامه.
(وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى وَفِي حَدِيثِهِ) أي ابن مسعود (الآخر) أي الذي رواه مسلم وأبو داود والترمذي (فجاءه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (رجل فقال يا خير البريّة) أي الخلق من برأه الله يبرؤه براءة خلقه فهو فعيل بمعنى مفعول والتاء للمبالغة في الكثرة وأصله مهموز كما قرأ به نافع وابن ذكوان ثم أبدلت الهمزة ياء وأدغمت وهي قراءة الباقين فقول صاحب النهاية ولم يستعمل مهموزا مبني على عدم علمه بالقراءة (فقال ذاك) وفي نسخة ذلك باللام (إبراهيم) قاله تواضعا وإكراما لكونه أبا أو لأنه أمرنا باتباعه أو قبل العلم بأنه أفضل منه. (فاعلم) جواب الشرط السابق أي فإن قلت الخ فاعلم (أنّ للعلماء في هذه الأحاديث) أي الناهية عن التفضيل بين الأنبياء (تأويلات) أي وجوها أربعة أو خمسة تقدم بيان بعضها في حل لفظها (أحدها) أي الوجه الأول منها (أنّ نهيه عن التفضيل) أي فيما بينهم (كَانَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ فَنَهَى عَنِ التَّفْضِيلِ إِذْ يَحْتَاجُ إِلَى توقيف) أي إلى سماع في تفضيل الأنبياء إذ لا درك فيه لعقول العلماء (وأنّ من فضّل) أي أحدا منهم على غيرهم (بلا علم) أي يقيني أو ظني يصلح للاستدلال (فقد كذب) أي في ذلك المقال، (وكذلك) أي مأول (قَوْلُهُ لَا أَقُولُ إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْهُ) أي من يونس (لا يقتضي تفضيله هو) أي يونس على إطلاقه وقد أبعد الدلجي في قوله أي هو صلى الله تعالى عليه وسلم على يونس لدخوله في عموم النكرة في سياق النفي انتهى ووجه غرابته لا يخفى مع عدم ملائمته للمدعي بحسب المعنى (وإنّما هو) أي قوله هذا (في الظّاهر كفّ) بتشديد الفاء أي منع منه صلى الله تعالى عليه وسلم لغيره (عن التّفضيل) إذ من شأنه أن يكون منشأ
[ ١ / ٤٨٤ ]
للنقص أو التجهيل (الوجه الثّاني أنّه قاله صلى الله تعالى عليه وسلم على طريق التّواضع) أي مع إخوانه وأقرانه أو لربه في عظمة شأنه (ونفي التّكبّر، والعجب) أي عن باطنه تعليما لأمته وإرشادا إلى طريقته (وهذا) أي الوجه من التأويل (لا يسلم من الاعتراض) أي في صحة التعليل فإن عدم جريه على موجب علمه أخبار بخلاف وقوعه وهو ينافي منصب النبوة وفيه أن هذا الاعتراض إنما يرد لو ثبت نفيه تواضعا بعد علمه بكونه أفضل الأنبياء أو بتفصيل التفضيل بين الأصفياء وأما قبل العلم فلا يرد اعتراض أصلا مع احتمال حمل التواضع من حيث إنه لا مفضول إلا وقد يوجد فيه ما لا يوجد في الفاضل فليس أحد منهم أفضل مطلقا على أن من تواضع لله رفعه الله وقد أبعد التلمساني حيث قال الاعتراض هو أنه لا يظهر حينئذ فائدة تخصيص يونس ﵇ بالذكر انتهى وتبعه الأنطاكي وبعد كلامهما لا يخفى لأنه كما قال الخطابي إنما خص يونس ﵇ لأن الله تعالى لم يذكره في جملة أولي العزم من الرسل فكأنه قال فإذا لم آذن لكم أن تفضلوني على يونس فلا تفضلوني على غيره من أولي العزم بالأولى. (الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَلَّا يُفَضِّلَ بَيْنَهُمْ تَفْضِيلًا يُؤَدِّي إلى تنقّص بعضهم) أي طلب نقصان في المرتبة أو ظهور منقصة في المنقبة لبعضهم (أو الغض) بغين وضاد مشددة معجمتين أي النقص منهم جميعا كذا ذكره الدلجي وفيه أن النسخ كلها (منه) بضمير الإفراد الراجع إلى بعضهم فالاولى أن يفسر الغض بالإغماض الذي هو كناية عن الاعراض (لا سيّما) كلمة استثناء مركبة من سي بمعنى مثل ومن ما وهي إما موصولة فيرتفع الاسم بعدها خبر مبتدأ محذوف كما في جاء القوم لا سيما أخوك أي لا مثل الذي هو أخوك وأما زائدة فينجر ما بعدها بسي لأنها كما في أكرم القوم لا سيما أخيك أي لا مثل أخيك إكراما وقول امرئ القيس ولا سيما يوم بدارة جلجل ورد مرفوعا ومجرورا والمعنى هنا خصوصا إذا كان التفضيل المتنازع فيه (فِي جِهَةِ يُونُسَ ﵇ إِذْ أَخْبَرَ الله عنه بما أخبر) أي في تنزيله بقوله ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم وبقوله فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ وبقوله إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
فوقع النهي عن التفضيل عليه (لِئَلَّا يَقَعُ فِي نَفْسِ مَنْ لَا يَعْلَمُ) أي مقام قربه وأنه تداركه نعمة من ربه (منه) متعلق بيقع أي لئلا يقع في نفس الجاهل بمقامه من جهة منزلته (بذلك) أي بسبب ما أخبر الله عنه (غضاضة) بفتح أوله مرفوعة على أنها فاعل يقع أي نقص وحقارة (وانحطاط) أي تنزل (من رتبته) بضم الراء أي مرتبته (الرّفيعة) أي العالية التي هي أصل النبوة والرسالة (إذ قال تعالى) بدل من قوله إذ خبر الله تعالى (عنه) أي حكاية عن حاله ورواية عن مآله حيث قال في موضع (إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا) أي فارق قومه وخرج عنهم حال كونه مغاضبا عليهم لإصرارهم على الكفر والعدوان وعدم رجوعهم إلى الإيمان والإحسان وكان خروجه وذهابه لم يكن عن إذن من الرحمن ولذا عبر عنه بقوله (إذ أبق) بفتح الباء وحكي كسرها (إلى الفلك المشحون) أي المملوء فإن أصل الإباق هو الهرب من السيد فحسن إطلاقه عليه ههنا لهربه من قومه بغير إذن ربه (فَظَنَّ أَنْ
[ ١ / ٤٨٥ ]
لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨]) أي لن نضيق عليه أو لن نقضي عليه بالعقوبة وينصره قراءته مثقلا وروى الزمخشري أن معاوية قال لابن عباس رضي الله تعالى عنه ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك قال وما هي يا معاوية فقرأ هذه الآية فقال أو يظن نبي الله أن لا يقدر الله عليه فقال له هذا من القدر لا من القدرة قال ابن عرفة أي من الإرادة أي فظن أن لن نريد عقوبته (فَرُبَّمَا يُخَيَّلُ لِمَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ حَطِيطَتُهُ) أي حط مرتبته ونقص منزلته عن رتبة نبوته ورفعة رسالته (بذلك) أي بسبب ما ذكره ومن جهة ما أخبر (الوجه الرّابع منع التّفضيل) أي نهيه (في حقّ النّبوّة والرّسالة) أي باعتبار أصلهما وحقيقة ماهيتهما لا في ذوات الأنبياء وزيادة خصائص الأصفياء، (فإنّ الأنبياء فيها على حدّ واحد) أي سواء غير متعدد (إذ هي) أي مادة النبوة والرسالة (شيء واحد) وهو البعثة المجردة الحاصلة بالوحي فقط وتسمى النبوة أو منضمة إلى تبليغ الغير وتسمى الرسالة وهي في حد ذاتها شيء واحد (لا يتفاضل) أي بالنسبة إى أصحابها فلا يقال مثلا نبوة آدم أفضل من نبوة غيره منهم ونظيرها حقيقة الإيمان فإنها شيء واحد بالنسبة إلى المؤمنين حال الإيقان وهذا معنى قوله ﵊ لا تفضلوني على إخواني المرسلين فإنهم بعثوا كما بعثت. (وإنّما التّفاضل في زيادة الأحوال) أي الناشئة عنها من تحسين الأخلاق والأعمال (والخصوص) أي والخصوصيات في مقامات أرباب الكمال (والكرامات) أي المعجزات وخوارق العادات (والرّتب) أي ومراتب العبادات والمجاهدات. (والألطاف) أي وأنواع الملاطفة وأصناف المخالطة من حسن المعاشرة والمجاملة والمداراة مع الأمة كاختلاف مراتب أهل الإيمان من ظهور ثمرات الإيقان ونتائج الإحسان ولوايح العوارف ولوامع المعارف وخوارق العادات للأولياء ومراتب الاجتهادات للعلماء والأصفياء. (وأمّا النّبوّة في نفسها) وكذا الإيمان في حد ذاته (فلا تتفاضل) أي لا تفاوت في حالاتها ولا تتزايد في مقاماتها، (وإنّما التّفاضل بأمور أخر) أي كما سبقت الإشارة إليها (زائدة عليها) أي على حقيقتها (ولذلك منهم رسل) أي بعض الأنبياء موصوفون بزيادة وصف الرسالة على نعت النبوة (ومنهم أولو عزم) أي الجد والاحتياط والحزم (من الرّسل) أي بناء على أن من تبعيضية وهو المعتمد لا بيانية ثم هم مجموعون في آيتين إحديهما قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وفي تقديم منك إشعار بأوليته وأفضليته صلى الله تعالى عليه وسلم على بقيتهم والباقي ذكر على ترتيب وجودهم حين بعثتهم وإن كان بعض أفضل من بعض في مقام كرمهم وجودهم وسيرتهم (ومنهم) أي وكان من الأنبياء (من رفع مكانا عليّا) كإدريس ﵇ وهو سبط شيث وجد نوح كما قال تعالى وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا أي رفع إلى السماء وقيل إلى الجنة، (ومنهم من أوتي الحكم) أي النبوة أو الحكمة أو فهم التوراة (صبيا) أي حال صغره كيحيى ﵇ كما قال تعالى وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا قيل أوتي النبوة وهو ابن ثلاث سنين
[ ١ / ٤٨٦ ]
وقيل قرأ التوراة وهو صغير (وأوتي) أي أعطي (بعضهم الزّبور) وهو داود ﵇ ووقع في أصل التلمساني ههنا الزبر بضمتين جمعا أي صحفا مزبورة أي مكتوبة كما قال تعالى وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (وبعضهم البيّنات) أي المعجزات الظاهرات أو المبينات للنبوة بحسب الدلالات كعيسى ﵇ كما قال تعالى وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ أي كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالمغيبات (ومنهم من كلّم الله تعالى) كموسى كلمه مرتين ليلة الحيرة وعلى الطور (ورفع بعضهم درجات) تفضيلا له على غيره في المقامات وهو نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم إذ لا تحصى درجات كمالاته ولا تعد مراتب مقاماته وحالاته مع مشاركته لكل من الأنبياء في ظهور آياته واقتران زيادة معجزاته وخصوصياته ولعله أبهم اعتمادا على ما أفهم لأنه كالمتعين من حيث إنه الفرد الأكمل لا سيما في مقام الختم المؤذن بكونه الأفضل (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ [الإسراء: ٥٥] الآية) فالتفضيل ثابت مقطوع به في الجملة بين أرباب النبوة وكذا بين أصحاب الرسالة لقوله (وقال) أي الله ﷾ (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٣]) أي بفضائل سنية وشمائل بهية وفواضل انسانية منزهة عن علائق جسمانية وعوائق شهوانية ونحوها في الدنيا ومراتب جلية ودرجات علية وأمثالها في العقبى فإن الدنيا مزرعة للآخرة (قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالتَّفْضِيلُ الْمُرَادُ لَهُمْ هنا في الدّنيا) أي غير مقصور في العقبى لا أنه غير موجود في الأخرى (وذلك) أي سبب تفضيلهم في الدنيا (بثلاثة أحوال) أي يعرف بثلاثة أوصاف (أن تكون آياته) أي خوارق عاداته (ومعجزاته) أي المقرونة بالتحدي فهي أخص مما قبله (أبهر) أي أظهر (وأشهر) ولا شك أن معجزات نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أظهر وأشهر ولو لم يكن إلا القرآن لكفى دليلا للبرهان (أو تكون أمّته أزكى) أي اتقى (وأكثر) أي أزيد من غيرهم كيفية وكمية أما الكيفية فقد قال تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وأما الكمية فقد ثبت أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال صفوف المؤمنين مائة وعشرون وأمتي منهم ثمانون وفي نسخة أظهر بالظاء المعجمة بدل أكثر والأظهر هو الأول فتدبر وعلى تقدير صحته فلعل معناه أغلب (أو يكون) أي النبي المفضل (في ذاته أفضل وأطهر) بالطاء المهملة أي أنور وقد تصحف بالمعجمة على الدلجي وفسره بأشهر ثم مما يدل على أفضلية نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم في ذاته أنه ﷾ خلقه قبل جميع موجوداته بل جعله كالعلة الغائية في مراتب مخلوقاته وجعله أولا وآخرا في مقامات كائناته وجعل نور مشكاته محل فيوض أنوار ذاته واسرار صفاته ومعدن ظهور تجلياته هذا، (وفضله) أي وفضل كل نبي (فِي ذَاتِهِ رَاجِعٌ إِلَى مَا خَصَّهُ اللَّهُ به من كرامته) أي من إكرام الله له بمناقب عظيمة ومراتب جسيمة (واختصاصه) بالجر أي وإلى اختصاص كل نبي بمقام علي وحال جلي (من كلام) أي كما وقع لموسى في الطور ولنبينا في مقام دنا بل أدنى في معرض الظهور (أو خلّة) أي كما ثبت للخليل ولنبينا الجليل مع زيادة المحبة الخاصة
[ ١ / ٤٨٧ ]
والحالة الجامعة بين المحبية والمحبوبية بل الوسيلة لكل محب ومحبوب في المرتبة المطلوبية والمجذوبية (أو رؤية) أي بصرية كما اختص به نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم على ما تقدم أو رؤية بصيرية وهي مقام المشاهدة برفع الحجب الجسمانية كما يحصل للكمل من الافراد الإنسانية (أو ما شاء الله من ألطافه) أي الخفية وهي بفتح الهمزة جمع لطف وهو برد دقيق (وتحف ولايته) أي العلية وهي بضم التاء وفتح الحاء جمع تحفة بمعنى الهداية، (واختصاصه) أي إياهم بالمراتب الجلية (وقد روي) كما في تفسير ابن أبي حاتم ومستدرك الحاكم عن وهب بن منبه (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إنّ للنّبوّة) أي المقرونة بالرسالة (اثقالا) أي تكاليف مثقلة ذات مرارة تعرض لها بسبب التبليغ بشارة ونذارة كما أشار إليه قوله تعالى إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (وإنّ يونس) أي لعدم تحمله وغلبة ضجره في مقام صبره عند ترك انقياد قومه وإصرارهم وشدة عنادهم وتمادي أضرارهم (تفسّخ منها) أي انسلخ منها وتجرد عنها (تفسّخ الرّبع) بالنصب أي كتفسخه تحت الحمل الثقيل وهو بضم الراء وفتح الباء أي الفصيل وهو ولد الناقة يولد في الربيع والمعنى أن يونس ﵇ لم يستطع أن يحمل أعباء النبوة كما أن الربع لا يستطيع أن يحمل الأثقال الكبيرة (فحفظ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بنهيه عن التفضيل بينهم (موضع الفتنة من أوهام) التي هي أوهام (من يسبق إليه) أي إلى فهمه من وهمه والوهم هو الاحتمال المرجوح عند تردد حكم العقل (بسببها) أي بسبب اثقالها من سآمة وضجر وضيق نفس وقلة صبر (جرح) بفتح الجيم وسكون الراء أي طعن (في نبوّته) وفي نسخة بفتح حاء وراء وبجيم أي ضيق والظاهر أنه تصحيف (أو قدح) أي عيب (في اصطفائه) أي بالرسالة أو في اجتبائه الثابت في قوله تعالى فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (وحطّ في رتبته) أي وضع من رفعته (ووهن في عصمته) أي ضعف فيها بتوهمه ذلك (شفقة) على الحفظ أي راعي هذا المعنى المفاد من المبنى أي مخالفة (منه صلى الله تعالى عليه وسلم على أمّته) ورحمة على أهل ملته كيلا يقع أحد في وهدة غفلته وينزجر عن الإقدام على جرأته (وقد يتوجّه على هذا التّرتيب) أي على ما رتب من أن يونس ممن خصه الله تعالى بعهد النبوة والطاف الكرامة (وجه خامس وهو أن يكون) لفظ (أنا) أي في الحديث السابق (رَاجِعًا إِلَى الْقَائِلِ نَفْسِهِ أَيْ لَا يَظُنُّ) يعني لا يتوهم (أحد) أي من العلماء والأولياء (وإن بلغ من الزّكاء) أن وصلية أي وإن وصل من الفهم العالي وهو بالزاء في خط المصنف وعند العرفي بالذال المعجمة ومعناه قريب من الأول فتأمل (والعصمة) أي من الأفعال الردية (والطّهارة) أي من الأخلاق الدنية (ما بلغ) أي من الغاية والنهاية في مرتبة الولاية (أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ لِأَجْلِ مَا حَكَى الله تعالى عنه) أي من ظهور تضجره وتبرمه وقلة صبره على تمادي قومه في ترك الإيمان بما جاء به (فإنّ درجة النّبوّة أفضل) يروى أعظم (وأعلى) أي من درجة الولاية ولهذا فرق بين الحفظ والعصمة حيث خصت العصمة للأنبياء والحفظ للأولياء إذ لا يتصور
[ ١ / ٤٨٨ ]
حصول الذنب عمدا من أرباب النبوة بخلاف أصحاب الولاية ولذا لما سئل جنيد أيزني العارف أطرق مليا ثم قال وكان أمر الله قدرا مقدورا وبهذا يتبين أنه لا يوجد في النبي ما يكون سببا لسلب النبوة أو الإيمان والمعرفة بخلاف الولي فإنه قد يخرج عن مرتبة الولاية بارتكاب الكبيرة ويخاف عليه من سوء الخاتمة نسئل الله العافية ولعل هذا التفصيل يبين لك معنى قوله، (وإنّ) بكسر الهمزة وفتحها (تلك الأقدار) أي المقدرات جمع قدر محركة وتسكن (لم تحطّه عنها) بتشديد الطاء أي لم تنزله عن درجة النبوة (حبّة خردل) وهي حبة الرشاد (ولا أدنى) أي أقل منها بقدر ذرة بل أقول إنها كلها كانت أسباب زيادة مثوبة ورفعة درجة من حيث إنها نشأت عن الغضب في الله والهجرة في مرضاته إلا أن بعضها كان خلاف الأولى بالنسبة إلى المقام الأعلى فإن حسنات الأبرار سيئات الأحرار فعوتب في ذلك تنبيها لما هنالك؛ (وسنزيد في القسم الثّالث في هذا) أي المبحث (بيانا) أي شافيا كافيا (إن شاء الله تعالى) أي أراد كونه جامعا مانعا (فقد بان لك الغرض) بفتح الغين المعجمة والراء أي المقصود (وسقط بما حرّرناه شبهة المعترض) أي المردود، (وبالله التّوفيق) أي على طاعة المعبود (وهو المستعان) أي في كل مورود (لا إله إلّا هو) أي الواجب الوجود وصاحب الكرم والجود وهو نعم الإله ولا إله سواه.
فصل [في أسمائه صلى الله تعالى عليه وسلم وما تضمنته من فضيلته]
(في أسمائه ﵊ وما تضمّنته من فضيلته) أي المشعرة بتفضيله على سائر الأنبياء الكرام اعلم أن ابن العربي المالكي في الأحوذي شرح الترمذي حكى عن بعضهم أن لله تعالى ألف اسم وللنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ألف اسم ثم ذكر منها على التفصيل نيفا وستين قال الحلبي وقد رأيت مجلدين في القاهرة مصنفا يقال له المستوفى في اسماء المصطفى لابن دحية الحافظ جمع فيه للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فوق الثلثمائة قلت وكان شيخ مشايخنا السيوطي اختصره في كراريس وسماها بالبهجة البهية في الاسماء النبوية واقتصر منها على التسعة والتسعين وفق عدد اسماء الله الحسنى الثابتة بالطرق المرضية إذ قد قال ابن فارس هي الفان وعشرون وفي الجملة كثرة الاسماء تدل على شرف المسمى المشعرة بكثرة النعوت والأوصاف (حدّثنا أبو عمران) بكسر أوله (موسى بن أبي تليد) بفتح فكسر (الفقيه) بالرفع (ثنا) أي حدثنا (أبو عمر الحافظ) أي ابن عبد البر، (ثنا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ) بفتح همزة وسكون مهملة وفتح موحدة فغين معجمة غير مصروف الإمام الحافظ محدث الأندلس سمع ابن قتيبة وابن أبي الدنيا وروى عنه حفيده قاسم بن محمد والحافظ الباجي وفي آخر عمره قطع الرواية خوفا من الغلط وانتهى إليه علو الإسناد والحفظ والجلالة وتوفي بقرطبة سنة أربعين وثلاثمائة (ثنا محمّد بن وضّاح) بتشديد الضاد المعجمة (ثنا يحيى) أي راوي الموطأ (ثنا مالك) أي الإمام (عن ابن شهاب) أي الزهري
[ ١ / ٤٨٩ ]
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبيه) قال التلمساني لم يثبت في رواية يحيى هكذا وإنما أرسله ابن شهاب عن محمد بن جبير عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلم قيل وارساله هو الصحيح عن مالك في الموطأ ووصله غيره عن مالك وغيره عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بن مطعم عن أبيه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلم ورواه ابن بكر والقعنبي وابن القاسم وعبد الله بن يوسف وإسماعيل بن أبي أويس كيحيى ووصله معن بن عيسى وعبد الله بن نافع وأبو مصعب ومحمد بن المبارك الهروي ومحمد بن عبد الرحيم ورواه القعنبي عن مالك مرسلا وعن ابن عيينة مسندا والأكثر عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ ورواه حماد بن سلمة عن جعفر بن أبي وحشية عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه يعني جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل صحابي اسلم بعد الحديبية قال الحلبي هذا الحديث أخرجه القاضي من الموطأ كما ترى وهو في البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وإنما لم يخرجه من عند البخاري مثلا فإنه بين القاضي وبين مالك في هذا الحديث ستة أشخاص ولو أخرجه من طريق البخاري كان بينه وبين مالك في بعض الطرق ثمانية أشخاص فاجتمع له في رواية هذا الحديث علو لا يجتمع له إذا رواه من عند البخاري وكذا يجتمع له إذا أخرجه من بقية الكتب والله تعالى أعلم (قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لي خمسة أسماء) أي عظيمة أو شهيرة (أنا محمّد) اسم مفعول من التحميد مبالغة الحمد نقل من الوصفية إلى الاسمية سمي به رجاء أن يحمده الأولون والآخرون بالهام الله تعالى وكان كذلك في الدنيا والعقبى وعن ابن قتيبة أن من أعلام النبوة أنه لم يسم قبله أحد باسمه صيانة من الله تعالى لرسمه إذ قد سماه به في كتبه وبشر به الأنبياء قبله فلو تسمى به غيره وقع الاشتراك له وربما انتشرت دواعي النبوة ووقعت الشبهة وقامت الفتنة لكن لما قرب زمنه وبشر بقربه أهل الكتاب تسمى به قليلون لم يدع أحد منهم النبوة لئلا تقع الشبهة والله تعالى ولي العصمة، (وأنا أحمد) اسم تفضيل بمعنى الفاعل أو المفعول كما سيأتي بيانه من المنقول. (وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ) أي الكفر العام أو غلبته على دين الإسلام ولم يقل به ليعود ضمير الصلة إلى الموصول لأن قصده الإخبار عن نفسه مع أن ضميرها عبارة عنه فلم يبال بعوده إليه لا من اللبس لديه وقال التلمساني روي الكفر ومعناه يذهب أصله والتشرع به حتى يكون معتقدا ومذهبا وروي الكفرة جمع كافر فالتقدير دين الكفرة أو نفس الكفرة قتلا وسبيا وإجلاء (وأنا الحاشر) أي الجامع (الذي يحشر النّاس) بصيغة المجهول (على قدمي) بتخفيف الياء وكسر الميم على الإفراد أي على سابقتي كذا قيل وبتشديدها مع فتح الميم على التثنية قال النووي كذا ضبطوه بالوجهين أي على أثري وبعد ظهوري وقيامي في قبري بدليل حديث أنا أول من تنشق عنه الأرض كما ذكره البغوي في شرح السنة وبهذا المعنى يغاير قوله (وأنا العاقب) أي الآتي عقب الأنبياء ليس بعدي نبي ففي الصحاح العاقب يعني آخر الأنبياء وكل من خلف بعد شيء فهو عاقبة وبالجمع بينهما أشار إلى حديث نحن الأولون الآخرون وقيل
[ ١ / ٤٩٠ ]
معنى على قدمي على أثري وزمان نبوتي وليس بعدي نبي بشهادة رواية وأنا الحاشر الذي يحشر الناس خلفه وعلى ملته دون غيره فيكون قوله وأنا العاقب كالتأكيد لما قبله. (وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مُحَمَّدًا) أي بقوله وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ومحمد رسول الله (وأحمد) أي بقوله حكاية عن عيسى وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (فمن خصائصه تعالى له) مصدر مضاف إلى فاعله أي فمما خصه الله ﷾ به (أن ضمّن) بتشديد الميم أي تضمين الله سبحانه (أسماءه) أي من نحو أحمد ومحمد مع انهما أعلام له (ثناءه) أي ما يثنى به عليه (فطوى) بالفاء لا بالواو كما وقع في أصل الدلجي أي فأدخل (أثناء ذكره) أي خلال ذكر اسمه (عظيم شكره) كقوله وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، (فأمّا اسمه أحمد فأفعل) أي للتفضيل (مبالغة) أي لإفادته ثبوت زيادة الحمد وحذف متعلقه لإفادة الشمول وإلا فافعل ليس من صيغ المبالغة كالحماد لكن في المعنى أبلغ منه (من صفة الحمد) أي مأخوذ منه، (ومحمّد مفعّل مبالغة) أي للمبالغة (من كثرة الحمد) أي المحمودية المستفادة من مصدره الذي هو التحميد الموضوع باعتبار بنائه للتكثير والمبالغة في التكرير قال التلمساني وقد ضمن اسمه سورة الحمد انتهى وقد أشار إليه العارف الجامي حيث قال في ألم ألف لام الحمد ميم يعني بطريق التبديل على قواعد التعمية فيصير المعنى محمد وأن الإشارة به في ذلك إليه صلى الله تعالى عليه وسلم فإنه الكتاب الجامع واللباب اللامع (فهو صلى الله تعالى عليه وسلم أجلّ من حمد) أي أعظمه بفتح فكسر (وأفضل من حمد) بضم فكسر أي أكرمه ففيه لف ونشر مرتب لمعنيي أحمد ومحمد وضبط في بعض النسخ بعكس ما ذكر فيكون لفا ونشرا مشوشا ولا يبعد أن يكون المعنيان مستفادين من احمد وحده لأن أفعل قد يبنى للفاعل وقد يبنى للمفعول ويراد بقوله (وأكثر النّاس حمدا) كون مصدره بمعنى المفعول وإن احتمل كونه للفاعل أيضا والحاصل أن صفة الحامدية والمحمودية فيه بلغت غاية الكمال ونهاية الجمال (فَهُوَ أَحْمَدُ الْمَحْمُودِينَ وَأَحْمَدُ الْحَامِدِينَ وَمَعَهُ لِوَاءُ الحمد يوم القيامة) أي المسمى بيوم الدين (ليتمّ له) بفتح ياء وكسر تاء وروي بصيغة المجهول (كمال الحمد ويتشهّر) من باب الافتعال وفي نسخة ويتشهر من باب التفعل أي وتظهر هيبته وتنتشر (في تلك العرصات) بفتح الراء جمع عرصة بسكون الراء وهو في الأصل كل موضع واسع لا بناء فيه من فناء الدار وساحتها وجمع للمبالغة كما في عرفات والمراد به مقامات يوم القيامة ومواقفها ولا يبعد أن يكون وجه الجمع هو أن كل عرصة مخصوصة بأمة (بصفة الحمد) أي العامة للخلق، (وَيَبْعَثَهُ رَبُّهُ هُنَاكَ مَقَامًا مَحْمُودًا كَمَا وَعَدَهُ) أي في كتابه بقوله عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا (يحمده فيه الأوّلون والآخرون بشفاعته لهم) أي عامة وخاصة (ويفتح) أي الله تعالى (عليه فيه) أي في ذلك المقام (من المحامد) جمع محمدة بمعنى الحمد (كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم: ما لم يعط غيره) أي أحد من العالمين (وسمّى أمّته) أي وصفهم (في كتاب أنبيائه بالحمّادين) كما في حديث
[ ١ / ٤٩١ ]
الدارمي عن كعب يحكي عن التوراة قال نجد مكتوبا فيها محمد رسول الله عبدي المختار لا فظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر مولده بمكة وهجرته بطيبة وملكه بالشام وأمته الحمادون يحمدون الله تعالى في السراء والضراء يحمدون الله في كل منزل ويكبرونه على كل شرف رعاة للشمس يصلون الصلاة إذا جاء وقتها يتأزرون على أنصافهم ويتوضأون على أطرافهم مناديهم ينادي في جو السماء صفهم في القتال وصفهم في الصلاة سواء لهم بالليل دوي كدوي النحل (فحقيق) أي وإذا اختص بما منحه الحق من مناقب حميدة ومراتب محمودة فجدير (أن يسمّى محمّدا وأحمد) أي لأكثرية حامديته وأظهرية محموديته (ثمّ في هذين الاسمين) أي العظيمين الوسيمين (من عجائب خصائصه) أي غرائب خصوصياته، (وبدائع آياته) أي الدالة على كمال صفاته (فنّ آخر) أي نوع آخر من أنواع كراماته (وهو أنّ الله جلّ اسمه حمى) أي حفظ اسمي حبيبه ومنع بالقدرة (أن يسمّى بهما أحد قبل زمانه) أي لئلا يشاركه أحد في علو شأنه كما يشير إليه قوله تعالى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (أمّا أحمد الذي أتى في الكتب) أي من نحو الإنجيل (وبشّرت به الأنبياء) كموسى وعيسى ﵉ (فمنع الله تعالى بحكمته) أي وبإرادته وقدرته (أن يسمّى) وفي نسخة يتسمى (به أحد غيره) أي على جهة العلمية (ولا يدعى به مدعوّ قبله) أي على نسبة الوصفية (حتّى لا يدخل لبس) بفتح اللام أي التباس واشتباه صوري (على ضعيف القلب) أي ممن ينظر إلى مجرد الاسم ولم يتفكر في حقيقة مسماه (أو شكّ) أي تصوري في معدن النبوة ومنبع الرسالة فيستوي عنده الإسمان مع أن مسمياهما لا تستويان كما وقع لبعض أرباب العقول الخالية من المعقول والمنقول من التسوية بين اله العالمين وبين الإله المنحوت من الحجر والطين ولهذا قال الله تعالى قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ قال الانطاكي وهذا الذي ذكره المؤلف هو الصواب ونقل الحافظ أبو حفص الأنصاري عن القشيري قولا في تسمية الخضر بأحمد ثم قال وقد وهاه ابن دحية والله تعالى أعلم (وكذلك) أي وكاسمه أحمد (محمّد أيضا) أي حمى (لم يسمّ) وفي نسخة لم يتسم (بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ وَلَا غَيْرُهُمْ إِلَى أن شاع) أي بإخبار الرهبان وغيرهم (قبيل وجوده ﵊ وميلاده) أي قبيل زمان ولادته (أن نبيّا) أي عظيم الشأن في آخر الزمان (يبعث) أي يرسل (اسمه محمّد فسمّى قوم) أي جمع (قَلِيلٌ مِنَ الْعَرَبِ أَبْنَاءَهُمْ بِذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يكون أحدهم هو) أي إياه يعني النبي المبعوث، (والله أعلم حيث يجعل رسالته) وفي قراءة رسالاته (وهم) أي المسمون بمحمد قبل ميلاده (محمّد بن أحيحة) بضم همزة وفتح حاءين مهملتين بينهما تحتية ساكنة (ابن الجلاح) بجيم مضمومة وتخفيف اللام في آخره مهملة وعده من الصحابة ابن عبد البر وأبو موسى (الأوسيّ) بفتح الهمزة نسبة إلى قبيلة من الأنصار، (ومحمّد بن مسلمة) بفتح فسكون ففتح (الأنصاريّ) أحد بني حارثة شهد بدر أو غيرهما ومات بالمدينة وفي عده منهم نظر ذكره الشمني وغيره. (ومحمّد بن بدّاء) بفتح
[ ١ / ٤٩٢ ]
موحدة وتشديد دال مهملة بعدها ألف ممدودة وفي نسخة صحيحة بباء موحدة فراء ممدودة وعده من الصحابة أبو موسى (البكريّ) بفتح فسكون (ومحمّد بن سفيان بن مجاشع) بضم الميم وكسر الشين المعجمة واختلف في صحبته على ما قاله أبو نعيم وأبو موسى قال التلمساني والصحيح أنه لم يسلم. (ومحمّد بن عمران) بكسر العين وسكون الميم وفي نسخة حمران بضم الحاء من الحمرة واقتصر عليه التلمساني (الجعفيّ) بضم الجيم (ومحمّد بن خزاعي) بضم الحاء وبالزاي المعجمة (السّلميّ) بضم ففتح (لا سابع لهم) وزاد بعضهم على المصنف اسماء أخر لا فائدة في ذكرها. (ويقال أوّل) وفي نسخة أن أول (من سمّي) بصيغة المجهول وفي نسخة تسمى (محمّدا محمّد بن سفيان) أي ابن مجاشع التميمي، (واليمن، تقول) أي وأهل اليمن يقولون (بل) وفي نسخة محمد بن سفيان باليمن ويقولون بل (محمّد بن اليحمد) أي هو المسمى به أولا واليحمد بضم الياء وسكون الحاء وكسر الميم على ما ضبطه المحققون كالنووي وغيره وفي نسخة بفتح الياء وضم الميم وفي أخرى بالفتح والكسر وفي القاموس يحمد كيمنع وكيعلم قال التلمساني وروي الحمد مصدر حمد (من الأزد) بالفتح الهمزة وسكون الزاي قبيلة عظيمة في اليمن فيكون هو السابع على ما هو الشائع (ثُمَّ حَمَى اللَّهُ كُلَّ مَنْ تَسَمَّى بِهِ أن يدّعي النّبوّة) أي بنفسه (أو يدّعيها أحد له) أي ويتبعه (أو يظهر عليه سبب) أي من خرق العادات (يشكّك) بكسر الكاف الأولى أي يوقع في الشك (أحدا) أي من أهل زمانه (في أمره) أي شأنه (حتّى تحقّقت السّمتان) بكسر السين وفتح الميم أي العلامتان الدالتان على المحمدية والأحمدية (له صلى الله تعالى عليه وسلم) وفي بعض النسخ السيمتان بياء بعد السين والصواب الأول هذا وتحققت بصيغة الفاعل على ما هو المتبادر وضبطه الأنطاكي بضم التاء والحاء على بناء المجهول وهو خلاف الظاهر (ولم ينازع) بفتح الزاي أي يعارضه أحد (فيهما) أي في النعتين الموسومين، (وأمّا قوله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بي الكفر) أي يزيله ربي بسببي (ففسّر) بصيغة المجهول أي فبين (في الحديث) أي نفسه من غير احتياج إلى تفسير غيره غايته أن محوه مجمل محتمل كما بينه بقوله (ويكون محو الكفر) أي ذهاب أثره، (إمّا من مكّة وبلاد العرب) أي أيام حياته (وما زوي) بضم الزاي وكسر الواو أي قبض وجمع (له من الأرض) كما ورد أن الله زوي لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وأن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها (ووعد) بصيغة المجهول (أنّه يبلغه ملك أمّته) أي بعد مماته فعلى هذا يكون المحو خاصا (أو يكون) حقه أن يقول ويما أن يكون (المحو عامّا بمعنى الظّهور والغلبة) أي في الحجة على كل دين وملة في جميع الأمكنة والأزمنة (كما قال تعالى: لِيُظْهِرَهُ) أي ليغلبه ويعليه والضمير إلى دين الحق أو إلى الرسول المطلق (عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: ٣٣]) أي على الأديان جميعها بمحو أدلتها وبرهانها وظهور بطلانها وإبطال سلطانها (وقد ورد تفسيره في الحديث) أي على ما رواه البيهقي وأبو نعيم (أَنَّهُ الَّذِي مُحِيَتْ بِهِ سَيِّئَاتُ مَنِ اتَّبَعَهُ) قال
[ ١ / ٤٩٣ ]
الدلجي لقوله تَعَالَى قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وفيه أن هذا حكم عام غير مختص به ﵊ فالأولى أن تحمل السيئات على الصغائر والاتباع على معظم الحسنات واجتناب الكبائر بشهادة قوله تعالى إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ وقوله تعالى فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ولا يبعد أن تكون هذه الخصلة من خصائص هذه الملة. (وَقَوْلُهُ وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قدمي) قد سبق تحقيق مبناه وتدقيق معناه إلا أنه زاد الموصول هنا ثم لم يقل على قدمه لأن قصده الإخبار عن نفسه كما في قول علي أنا الذي سمتني أمي حيدره واعاده هنا أيضا ليفسره بقوله (أي على زماني وعهدي) فالمراد بالناس الخلق الآتون بعده كما بينه بقوله (أي ليس بعدي نبيّ) أي يكون على عهده وفيه إيماء إلى أن عيسى ﵇ بعد نزوله يكون تابعا له في دينه وحاكما على وفق قوله كما قال الله تعالى (وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠]) بكسر التاء وفتحها (وسمّي عاقبا لأنّه عقب) بفتح القاف أي خلف (غيره من الأنبياء) وجاء بعدهم لتكميل الخير وزيد في بعض النسخ المصححة هنا (وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَا الْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدِي نَبِيٌّ. وَقِيلَ مَعْنَى عَلَى قَدَمِي أَيْ يُحْشَرُ النّاس بمشاهدتي) أي بمشهد مني ومحضر عندي (كَمَا قَالَ تَعَالَى: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) أي شاهدين لهم أو شاهدين عليهم (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣]) أي شاهدا ومطلعا أو مزكيا ومثنيا الذي قررنا دفع قول الدلجي وهذا مخالف لظاهر الآية المفاد فيها بالتعدية بعلى ولو كانت كما زعم لكانت باللام على أن على قد تأتي بمعنى اللام في الكلام كقوله تعالى لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وزيد في بعض النسخ هنا (وقيل على قدمي) أي معناه (على سابقتي) أي سبق قدمي وتقدم قيامي من قبري وتحقق تقدمي في مقامي (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [يونس: ٢]) أي مراتب تقدم مترتب على تفاوت صدق لهم في حالهم عند ربهم ووقوعهم على قدر مقامهم (وَقِيلَ عَلَى قَدَمِي أَيْ قُدَّامِي وَحَوْلِي أَيْ يجتمعون إلى يوم القيامة) يعني ويلجأون إلي في طلب الشفاعة (وقيل قدمي على سنّتي) أي على قدر متابعتي ومقدار طاعتي في الدنيا ليكون لهم القرب والمنزلة في العقبى وفي نسخة وقيل قدمي سنتي (ومعنى قوله لي خمسة أسماء) أي مع أن له اسماء كثيرة (قيل إنّها موجودة) أي الخمسة جميعها مذكورة ومسطورة (في الكتب المتقدّمة) أي بأجمعها (وعند أولي العلم) أي ومشهورة عند العلماء من الأنبياء والأصفياء (من الأمم السّالفة) أي الماضية فهذا وجه تخصيصها؛ (والله أعلم) أي بما أراد نبيه بها (وقد روي) أي كما في الدلائل لأبي نعيم وفي تفسير ابن مردويه من طريق أبي يحيى التيمي وهو وضاع عن سيف بن وهب وهو ضعيف عن أبي الطفيل (عنه صلى الله تعالى عليه وسلم) وفي نسخة ﵊ (لي عشرة أسماء) الجمهور على أن مفهوم العدد ليس بحجة فلا معارضة بينه وبين ما سبق من حديث لي خمسة اسماء (وذكر منها) أي من جملة العشرة (طه ويس؛ حكاه مكّيّ) أي كما سبق
[ ١ / ٤٩٤ ]
وأعاده هنا لبيان مبناه وتبيان معناه (وقد قيل في بعض تفاسير طه. إِنَّهُ يَا طَاهِرُ يَا هَادِي، وَفِي يس يا سيّد) إيماء بذكر الحروف الواقعة في اوائل المسميات إلى تلك الصفات غايته أنه مع تصريح ياء النداء في يس وتقديره في طه، (حكاه) أي هذا التأويل (السّلميّ) بضم ففتح وهو أبو عبد الرحمن بن عبد الخبير صاحب تفسير الحقائق (عن الواسطي) وهو الإمام الجليل الصوفي محمد بن موسى (وجعفر بن محمّد) أي وعنه أيضا وهو الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر أحد أكابر أئمة أهل بيت النبوة؛ (وذكر غيره) أي غير أبي محمد مكي (لي عشرة أسماء، فذكر) أي ذلك الغير (الخمسة) أي الاسماء (التي في الحديث الأوّل) وهي محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب، (قال) أي ذلك الغير في بيان الخمسة الأخر (وأنا رسول الرّحمة) الخ وأما تفسير الدلجي قال كما رواه ابن سعد عن مجاهد مرسلا فهو وإن كان يناسب المقام إلا أنه ينافي المرام هذا وقد جاء أنا رحمة مهداة وقال الله تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (ورسول الرّاحة) أي لما يترتب على الرحمة الراحة في الدنيا والآخرة والأظهر أن المراد بالراحة نفي الكلفة ورفع المشقة عن هذه الأمة لقوله تعالى وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ولقوله وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ولقوله ﵊ عليكم بدين العجائز (ورسول الملاحم) بفتح الميم وكسر الحاء المهملة جمع ملحمة وهو الحرب الشديد وأصلها معركة القتال وهي موضعه ولفظ مجاهد فيما رواه ابن سعد عنه مرسلا أنا رسول الرحمة أنا رسول الملحمة وأضيف إليها لحرصه على المجاهدة المأمور بها ومن ثمه قال علي كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلم يكن أحد منا إلى العدو أقرب منه ثم لا تعارض بين كونه رسول الرحمة ورسول الملحمة إذ هو سلم لأوليائه وحرب لاعدائه كالنيل ماء للمحبوبين ودماء للمحجوبين وكالقرآن شفاء ورحمة للمؤمنين وداء ونقمة للمتكبرين وقد قال الله تعالى في حقه بَشِيرًا وَنَذِيرًا أي للمطيعين والعاصين ولعل رحمته كانت غالبة تخلقا باخلاق ربه حيث قال في الحديث القدسي والكلام الأنسي سبقت رحمتي غضبي كما يشير إليه تقديم البشير في مقام العموم وهو لا ينافي تقديم الأنذار حال خطاب الكفار المفيد في ذلك المحل تقديم التخويف فتأمل قال التلمساني وروي أن قوما من العرب قالوا يا رسول الله أفنانا الله تعالى بالسيف فقال ذاك أنقى لآخركم فهذا معنى الرحمة المبعوث بها صلى الله تعالى عليه وسلم اعلم (وأنا المقفيّ) بصيغة الفاعل من باب الافتعال وفي نسخة المقفي بضم ففتح فتشديد فاء مكسورة بضيغة الفاعل كما صرح به شمر وهو أنسب بقوله (قفّيت) بتشديد الفاء وفي نسخة بتخفيفها وفي نسخة قفوت (النّبيّين) أي جئت بعدهم واتبعت هديهم او أريد به المولى الذاهب والمعنى أنه آخر النبيين فإذا قفى فلا نبي بعده وأما قول الدلجي قال الله تعالى ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا فيوهم أن الوصف بصيغة المفعول وليس كذلك (وأنا قيّم) بتشديد الياء المكسور، (والقيّم الجامع) أي للخير
[ ١ / ٤٩٥ ]
(الكامل) أي للفضائل والفواضل في تحسين الشمائل (كذا وجدته) أي بخط بعض العلماء أو في تصنيف بعض العلماء (ولم أروه) أي عن أحد من أئمة الحديث في طريق الأنبياء لكن رواه الديلمي في فردوسه ولم يسنده في مسند الفردوس وفي النهاية حديث أتاني ملك فقال أنت قيم وخلقك قيم أي حسن مستقيم (وأرى) بفتح الهمزة والراء أي أذهب أو بضم الهمزة وفتح الراء أي وأظن (أنّ صوابه قثم بالثّاء) أي المثلثة المفتوحة بعد القاف المضمومة وهو غير مصروف لأنه معدول عن قائم وهو المعطي (كما ذكرناه بعد) أي كما سيأتي ذكره بعد ذلك (عن الحربيّ) أي منقولا عنه بلفظ قثم بالمثلثة وهو المأخوذ من القثم بمعنى الجمع كما أشار إليه بقوله (وهو أشبه) أي من حيث اللفظ (بالتّفسير) أي الذي سبق قريبا من قوله الجامع الكامل واستحسن كلامه الحلبي ولا يبعد أن تكون الروايتان ثابتتين وكون إحديهما أشبه بالتفسير لا يفيد صوابها وتصحيف غيرها مع أنه قد يكون التفسير حاصل المعنى لا أصل المبنى على أن قوام الشيء واستقامته لا يكون إلا بكماله وجامعيته في حد ذاته ويؤيد ما قررنا ويقوى ما حررنا قوله (وقد وقع أيضا) أي القيم بالتحتية (في كتب الأنبياء) أي الماضية ومنها رواية المصنف (قَالَ دَاوُدُ ﵇ اللَّهُمَّ ابْعَثْ لَنَا محمّدا مقيم السّنّة) أي مقومها بطريق الوفرة (بعد الفترة) أي الفتور في الطاعة (فقد يكون القيّم بمعناه) أي بمعنى المقيم الوارد بمعنى المقوم كما فسر الدعاء الوارد اللهم أنت قيم السموات بمعنى مقومها ومقيمها ومديمها وقد أبعد الدلجي في تقييد قوله معناه بالمثلثة، (وروى النّقّاش عنه ﵊ لي في القرآن) أي مذكور ومسطور (سبعة أسماء محمّد) وهو قوله تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (وأحمد) وهو قول عيسى ﵇ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (وطه ويس) وفي نسخة تقديم وتأخير بينهما وسبق بيانهما (والمدّثّر، والمزّمّل) أي في أوائل سورهما (وعبد الله) كما في قوله ﷾ وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ ولعله اقتصر عليها لشهرتها وإلا فله فيه اسماء كثيرة كالنبي والرسول والخاتم والحريص والعزيز والرؤوف والرحيم وأمثال ذلك مما يدل على صفات له هنالك. (وفي حديث) أي ثابت (عن جبير) بالتصغير (ابن مطعم) بضم ميم وكسر عين (﵁ هي) أي اسمائي (ستّ) الظاهر ستة ولعل وجه التّذكير تأنيث الضمير (محمّد، وأحمد وخاتم) بكسر التاء وفتحها (وعاقب وحاشر وماح) اسم فاعل من المحو وقد سبق معانيها في ضمن مبانيها؛ (وفي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه) كما رواه مسلم (أنّه كان صلى الله تعالى عليه وسلم يسمّي لنا نفسه أسماء) أي متعددة (فيقول: «أنا محمّد وأحمد والمقفّي) بكسر الفاء المشددة أي الذاهب المولى فمعناه آخر الأنبياء والمتبع لهم كالقفا فكل شيء يتبع شيئا فقد قفاه (والحاشر) أي الجامع للحشر والباعث للنشر (ونبيّ التّوبة) أي من حيث إنه يتوب على يده جمع كثير من أهل دينه أو لأن توبة هذه الأمة حاصلة بمجرد الندامة وما يتبعها من العلامة بخلاف توبة الأمم السالفة فإنها كانت بارتكاب الأمور الشاقة أو أنه كثير
[ ١ / ٤٩٦ ]
التوبة بالرجعة والأوبة لحديث البخاري إني لأستغفر الله تعالى في اليوم مائة مرة أو لأن باب التوبة ينغلق في آخر هذه الملة، (ونبيّ الملحمة) بفتح الميم والحاء القتال العظيم وهو كقوله بعثت للسيف. (ونبي الرحمة ويروى المرحمة والرّاحة) روايات أربع (وكلّ) أي من الألفاظ المذكورة (صحيح إن شاء الله تعالى) أي كما سيأتي وجوهها مسطورة (ومعنى المقفّي معنى العاقب) وقد سبق بيانه وقيل المتبع للنبي (وأمّا نبيّ الرّحمة والتّوبة والمرحمة والرّاحة فقد قال الله تَعَالَى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠٧]) يعني والرحمة مرادفة للمرحمة ومتضمنة للراحة ومتسببة عن التوبة (وكما وصفه) أي ﷾ (بأنّه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بكونه منعوتا بالرحمة الموجبة للراحة والباعثة على التوبة المقتضية للمرحمة (يزكّيهم) أي يطهر أمته عن دنس المعصية (ويعلّمهم الكتاب والحكمة) أي السنة وكلها أسباب الرحمة وبواعث التوبة (ويهديهم إلى صراط مستقيم) أي ويدلهم على دين قويم. (وبالمؤمنين رؤوف رحيم) أي وعلى العاصين كافة كريم حليم (وقد قال) أي النبي ﵊ (في صفة أمّته إنّها أمّة مرحومة) أي مغفور لها متاب علينا كما رواه الحاكم في الكنى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بسند ضعيف ورواه أبو داود والطبراني والحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عقاب في الآخرة إنما عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل والبلايا (وقد قال تعالى فيهم) أي في حقهم أصالة وفي حق غيرهم تبعا حيث نزل فِيهِمْ: (وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ [الْبَلَدِ: ١٧]) أَيْ بموجبات الرحمة أو بها كافة على البرية (أَيْ يَرْحَمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَبَعَثَهُ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم ربّه تعالى) أي على وجه الإكرام (رحمة لأمّته) أي خاصة (ورحمة للعالمين) أي عامة إذ هو رحمة للكفار من عذاب الاستئصال في هذه الدار (ورحيما بهم) أي بخصوصهم وعمومهم بحسب استحقاقهم (ومترحّما) أي متكلفا لإظهار الرحمة أو مبالغا في استنزال المرحمة (ومستغفرا لهم) أي طالبا المغفرة لذنوب أمة الإجابة وتوفيق الإيمان لأمة الدعوة (وجعل) أي الله ﷾ (أمّته أمّة مرحومة) أي لكونه نبي الرحمة (ووصفها بالرّحمة) أي بكونها راحمة كما قال الله تعالى رُحَماءُ بَيْنَهُمْ لكونه نبي الرحمة فهم جامعون بين الراحمية والمرحومية كما يشير إليه قوله (وأمرها بالتّراحم) أي بأن يترحم بعضهم على بعض (وأثنى عليه) أي ومدح التراحم وبالغ فيه ليكون سببا لرحمته ﷾ عليهم وفي نسخة وأثنى عليها أي على صفة الرحمة (فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) كما رواه الشيخان عن أسامة بن زيد إلا أنه بلفظ يرحم بدل يحب (وقال) أي في حديث آخر رواه أبو داود والترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يرحمكم) بالجزم والرفع (من في السّماء) أي من الملأ الأعلى أو من في السماء ملكه وعرشه أو من هو معبود في السماء زاد الترمذي والرحمة شجنة من الرحمن أو قطعة مأخوذة من صفة الرحمن
[ ١ / ٤٩٧ ]
من وصلها وصله الله تعالى ومن قطعها قطعه الله تعالى وهو حديث مسلسل بالأولية لبعض أرباب الرواية لكن أسانيده غير صحيحة عند أصحاب الدراية لانقطاع التسلسل من عمرو بن دينار عن أبي قابوس عن مولاه ابن عمرو، (وأمّا رواية نبيّ الملحمة) على ما أخرجه ابن سعد عن مجاهد (فَإِشَارَةٌ إِلَى مَا بُعِثَ بِهِ مِنَ الْقِتَالِ والسّيف) أي وضرب السيف بعد انقطاع المقال وثبوت الحجة ووضوح المحجة حال الجدال بسببه (صلى الله تعالى عليه وسلم وهي) أي هذه الرواية او الإشارة (صحيحة) وعلى تصحيح المدعي صريحة قال تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ (وروى حذيفة مثل حديث أبي موسى) كما رواه أحمد والترمذي في الشمائل، (وفيه) أي وفي حديث حذيفة (ونبيّ الرَّحْمَةِ وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ وَنَبِيُّ الْمَلَاحِمِ وَرَوَى الْحَرْبِيُّ) أي كأبي نعيم في الدلائل عن يونس بن ميسرة (في حديثه ﵊ أنّه قال أتاني ملك فقال) أي لي كما في نسخة (أنت قثم) بالمثلثة (أي مجتمع) يعني لأنواع العطاء فإن القثم هو الإعطاء (قال) أي الحربي (والقثوم) بفتح القاف (الجامع للخير) يروي والقثم ويؤيده قوله (وهذا) أي قثم (اسم هو في أهل بيته ﵊ معلوم)، أي عند أهله وهو قثم بن العباس وقثم عم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أيضا هذا وقال التلمساني والجامع إما للخير أو ما افترق في غيره أو جمع الله به شمل الأمة وكان قد افترق الملة ثم قال وقثم عم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو شقيق الحارث بن عبد المطلب وبه سميت محلة بسمرقند لأنه دفن فيها انتهى والصحيح أن قثم عمه مات صغيرا وأن المحلة التي بسمرقند دفن فيها قثم بن العباس على ما ذكره المغرب ونقله الأنطاكي (وقد جاءت من ألقابه ﵊) وهي الصفات الغالبة عليه (وسماته) بكسر أوله جمع سمة وهي العلامة (في القرآن) أي نعوته المعلمة المعلومة فيه مما نسب إليه (عدّة كثيرة) أي جملة معدودة مبنية لديه (سوى ما ذكرناه) أي ومعناه قررناه (كالنّور) أي في قوله تعالى قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ (والسّراج المنير) أي في قوله تعالى وَسِراجًا مُنِيرًا، (والمنذر) أي في قوله تعالى وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ ولِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (والنّذير والمبشّر) أي في قوله تعالى إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (والبشير) قال تعالى فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ (والشّاهد) كما سبق لقوله تعالى وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (والشّهيد) قال تعالى وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا. (والحقّ المبين) لقوله تعالى قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ وهو أولى من قول الدلجي لما في حديث البخاري اللهم أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن وفيه ومحمد حق إذ فيه أن هذا ليس في القرآن والكلام في اسماء مذكورة فيه مع أنه خبر عنه لا وصف له كما في بقية الحديث والجنة حق والنار حق إلا أن حق المصنف كان أن يقول والمبين بالعطف للإشارة إلى أنهما وصفان مستقلان وللإشعار إلى قوله تعالى لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ فإن وصفه ﵊ بمجموع الحق المبين غير معروف لا في الكتاب ولا في السنة ولعله ذكرهما
[ ١ / ٤٩٨ ]
بحذف العاطف (وخاتم النّبيّين) كما قال تعالى وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وهو بفتح التاء على الاسم آي آخرهم وبالكسر على الفاعل لأنه ختم النبيين فهو خاتمهم ذكر الأنطاكي والتحقيق أن المراد بالفتح ما يختم به من الطابع فقوله أي آخرهم حاصل المعنى لأجل المعنى لأجل المبني، (والرّؤوف الرّحيم) جمع بينهما من غير عاطف كما جاء في الآية بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ والرأفة شدة الرحمة فأخر لمراعاة الفاصلة أو للتعميم والتتميم (والأمين) لقوله تعالى عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ على أحد القولين في تفسيره ولحديث إني لأمين في الأرض أمين في السماء وكان قبل البعثة يسمى أمينا، (وقدم الصّدق) أي من حيث إنه أوحي إليه أن يبشر الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ ربهم فهو أولى بهذا الوصف من غيره وكان حق المصنف أن يأتي به منكرا على طبق وروده وقيل سمى قدم صدق لأنه يشفع لهم عند ربهم (ورحمة للعالمين) لقوله تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (ونعمة الله) أي أنعم به على من آمن به في الدارين ذكره الدلجي والأولى أن يقال لقوله تعالى وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ كما قاله المفسرون (والعروة الوثقى) أي من حيث أن من آمن به فقد تمسك من الدين بعقد وثيق لا تحله شبهة ذكر الدلجي والأظهر لقوله تعالى فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى أي بعهد المصطفى وذمة المجتبى قال الأنطاكي قيل إنه محمد ﵊ وقيل هو الإسلام (والصّراط المستقيم) أي من حيث هداية من آمن به إليه ودلالته عليه كذا ذكره الدلجي ولعله مأخوذ من قوله تعالى يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي إلى نبي كريم ودليل قويم قال الأنطاكي قوله الصراط المستقيم قيل هو رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقيل هو طريقه ﵊ وقيل هو طريق الجنة وقيل طريق أهل السنة والجماعة وقيل هو الإسلام وقيل هو القرآن انتهى والكل متقارب البيان في معرض البرهان وزيد في نسخة هنا طه ويس وهي غير صحيحة لقول المصنف سوى ما ذكرناه وقد ذكرا فيما قدمناه وحررناه، (والنّجم الثّاقب) أي المضيء كأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه بظهوره وهو مأخوذ من قَوْلِهِ تَعَالَى وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ولعل في إيراده إيماء إلى أنه مشبه به (والكريم) قال تعالى إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (والنّبيّ الأمّيّ) أي الذي لا يقرأ ولا يكتب قال تعالى فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ (وداعي الله) لقوله تعالى وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ ولقوله ﷾ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وكان الأظهر أن يقال والداعي إلى الله ثم رأيت قوله تعالى أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ قال البغوي يعني محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم (في أوصاف كثيرة) أي مع صفات أخر كثيرة (وسمات جليلة) أي نعوت عظيمة شهيرة (وجرى منها) أي من اسمائه (في كتب الله المتقدّمة) كالتوراة والزبور والإنجيل (وكتب أنبيائه) أي الماضية من الصحف الوافية (وأحاديث رسوله) أي
[ ١ / ٤٩٩ ]
الثابتة (وإطلاق الأمّة) أي من العلماء والأئمة (جملة شافية) فاعل جرى جملة من الاسماء والصفات شافية في حصول المهمات (كتسميته بالمصطفى) وهو وإن شاركه سائر الرسل حيث قال الله تعالى الله يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ الآية إلا أنه هو الفرد الأكمل من هذا الجنس أفضل وكذا قوله، (والمجتبى) من قوله تعالى اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ، (وأبي القاسم) وهو كنيته بولده القاسم، (والحبيب) لما سبق من حديث إلا وأنا حبيب الله (ورسول ربّ العالمين) فإنه أولى من يطلق عليه من بين المرسلين (والشّفيع المشفّع) أي المقبول شفاعته التي تعم أمته وسائر أهل محبته (والمتّقي) اسم فاعل من الاتقاء وأصله الموتقى من الوقاية وهو من يقي نفسه مما يوجب العذاب ومما يقتضي الحجاب، (والمصلح) أي لما أفسده غيره من أمر الدين ففي التوراة وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ العوجاء أي ملة إبراهيم وسميت عوجاء لتغيير العرب إياها. (والطّاهر) أي بحسب الباطن والظاهر (والمهيمن) أي المبالغ في المراقبة لأحوال الأمة. (والصّادق) أي قولا ووعدا وفعلا (والمصدوق) أي من يأتيه الصدق من عند ربه شهادة في حق أمره (والهادي) أي للخلق إلى الحق (وسيّد ولد آدم) من المبدأ والمختم عموما (وسيّد المرسلين) أي خصوصا (وإمام المتّقين) أي من الأولياء الصالحين والعلماء العاملين (وقائد الغرّ) بضم الغين وتشديد الراء أي بيض الوجوه من آثار أنوار الوضوء إطلاقا لاسم الجزء على الكل إذ الغرة بياض في جبهة الفرس قدر الدرهم (المحجّلين) بتشديد الجيم المفتوحة أي المبيضين أيديا وأرجلا من أنوار الطهارة وآثار العبادة يوم القيامة وفيه إشارة إلى ما استدل به الأئمة على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة وقيل لا وإنما المختص الغرة والتحجيل لحديث هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي وأجيب بضعفه وعلى فرض صحته احتمل أن يكون الأنبياء اختصوا بالوضوء دون أممهم. (وخليل الرّحمن) لحديث مسلم وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا يعني نفسه (وصاحب الحوض المورود) أي يوم القيامة وقد ورد فيه أحاديث صحيحة وفي بيان اختصاصه صريحة (والشّفاعة) أي العظمى (والمقام المحمود) عطف تفسير أو مغاير إن أريد بالشفاعة جنسها الشامل لجميع أنواعها (وصاحب الوسيلة) لحديث مسلم سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ الله وأرجوان أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حلت عليه الشفاعة (والفضيلة) أي المرتبة على مرتبة الوسيلة لحديث الشيخين مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ حلت له شفاعتي يوم القيامة وفي رواية النسائي وابن حبان والبيهقي المقام المحمود، (والدّرجة الرّفيعة) أي العالية، (وصاحب التّاج) أي الخاص به في الجنة يلبس فيها ليمتاز به عن أهلها فقد روى أبو داود عن سهل بن معاذ عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من قرا القرآن وعمل بما فيه البس والداه تاجا يوم القيامة ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا
[ ١ / ٥٠٠ ]
لو كانت فيكم فما ظنكم بالذي عمل بهذا الحديث فما ظنكم بالذي جاء به ونزل عليه وهو سيد الأولين والآخرين وما أبعد الدلجي وغيره حيث فسروا التاج بالعمامة وقالوا كانت إذا ذاك خاصة بالعرب فهي تيجانهم ومن ثم قيل ألعمائم تيجان العرب انتهى وتعبيره بقيل غير مرضى إذ ورد في حديث رواه الديلمي في مسند الفردوس عن علي وابن عباس مرفوعا (والمعراج) أي وصاحبه الخاص به (واللّواء) لحديث آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة، (والقضيب) أي السيف فعيل بمعنى الفاعل من قضب إذا قطع وقيل العصا فهو فعيل بمعنى المفعول لأنه مقطوع من الشجر، (وراكب البراق) أي في ليلة الإسراء. (والنّاقة) أي وراكبها في حجة الوداع وغيرها (والنّجيب) عطف تفسير للناقة فإنه عرفا يطلق على الخفيف السريع من الإبل ولعله زيد لمراعاة السجع في مقابلة القضيب، (وصاحب الحجّة) أي القاطعة (والسّلطان) أي السلطنة الغالبة والدولة القاهرة (والخاتم) أي وصاحب الخاتم بفتح التاء وهو بخاتم النبوة أقرب وبكسرها وهو بملبوس اليد أنسب وأما قول الدلجي لأن الله تعالى ختم به أنبياءه بشهادة وخاتم النبيين أي آخرهم فليس في محله إذ يأباه إضافة الصاحب إليه (والعلامة) أي وصاحب العلامة الدالة على نبوته وإدامته وكم من علامة ظاهرة على رسالته وكرامته (والبرهان) أي صاحب البرهان الظاهر والتبيان الباهر، (وصاحب الهراوة) بكسر الهاء أي العصا وهو القضيب قاله سطيح وأراد به نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم إذ كان كثيرا ما تحمل بين يديه ويمسكها ويمشي بها وتغرز له فيصلي إليها وقد أفردت رسالة لها وقال الهروي الهراوة هي العصا الضخمة وتبعه الجوهري (والنّعلين) أي وصاحبهما إذ كان يمشي بهما وأما ما قيل يا خير من يمشي بنعل فرد أي طاق واحدة لم تخصف مع غيرها على عادة عرب البادية وهم يمدحون رقته ويجعلونه من لباس الملك ونعمته؛ (ومن أسمائه في الكتب) أي من التوراة وغيرها، (المتوكّل) أي على ربه دون غيره في جميع أمره، (والمختار) أي من بين البرية (ومقيم السّنّة) كما ورد عن داود ﵇ اللهم ابعث مقيم السنة أي مظهر الملة (والمقدّس) أي المنزه عن المنقصة (وروح القدس) بضم الدال وسكونها وسمي به لمجيئه بما فيه حياة الأرواح التي بها قوة الأشباح (وروح الحقّ) لإحياء الحق به فهو بمنزلة روحه، (وهو معنى البار قليط) بالباء الموحدة وبفتح الراء وتكسر وبسكون القاف وقد تسكن الراء وتفتح القاف وكسر اللام بعدها ياء مثناة ساكنة فطاء مهملة (في الإنجيل) أي باللغة العبرانية قيل وعند أكثر النصارى على أن معناه المخلص. (وقال ثعلب) هو العلامة المحدث شيخ اللغة والعربية أبو العباس أحمد بن يحيى البغدادي المقدم في نحوى الكوفيين مات سنة إحدى وتسعين ومائتين (البار قليط الذي يفرّق بين الحقّ والباطل) أي فرقا بينا وفصلا معينا بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر أصلا وقطعا (ومن أسمائه في الكتب السّالفة) باللام والفاء أي السابقة (ماذ ماذ) بفتح ميم فألف فذال معجمة منونة فيهما وفي نسخة بضم الذال من غير تنوين على أنه غير مصروف للعلمية والعجمة وفي
[ ١ / ٥٠١ ]
نسخة بسكون الذال ولعله إجراء للفصل مجرى الوصل قال الحلبي ماذ بميم ثم ألف لا همزة ثم ذال معجمة ساكنة كذا في النسخة التي وقفت عليها وينبغي أن تضم الذال لأنه لا ينصرف للعجمة والعلمية أي أنت ماذ أو يا ماذ وإن كان في الأصل صفة انتهى وفيه بحث لا يخفى وأما ما ضبطه الدلجي بميم مضمومة فإشمام الهمزة ضمة بين الواو والألف ممدودة فغير مطابق للرواية وغير موافق للدارية ثم رأيت الحجازي نسبه إلى السهلي منقولا عن رجل اسلم من علماء بني إسرائيل قال، (ومعناه طيّب طيّب) ولعل التكرار كناية عن غاية من الطيب فإن الظاهر أن مجموع اللفظين هو الاسم (وحمّاطايا) بكسر الحاء المهملة وفتحها وسكون الميم وطاء مهملة ثم ياء تحتية وفي نسخة بفتح الحاء والميم مشددة أي حامي الحرم ومحتمي الحرم وفي النهاية لابن الأثير ما لفظه وفي حديث كعب أنه ﵊ في الكتب السابقة محمد وأحمد وحمياطا كذا بفتح الحاء وسكون الميم فياء تحتية بعدها ألف فطاء فألف قال أبو عمرو سألت بعض من أسلم من اليهود عنه فقال معناه يحمي الحرم ويمنع من الحرم ويعطي الحلال انتهى، (والخاتم) بالخاء المعجمة (والحاتم)، بالحاء المهملة وهذا هو المطابق للنسخ المعتمدة والحواشي المعتبرة وهو الموافق لترتيب ما سيأتي من معنييهما وعكس الحلبي في ضبطهما فقال الحاتم بالحاء المهملة والخاتم هذا بالخاء المعجمة (حكاه كعب الأحبار) وقد سبق عنه إلا أنه بلفظ حمياطا (وقال) الأظهر قال (ثعلب) كما في أصل الحلبي والدلجي (فالخاتم) أي بالمعجمة وفتح التاء أو كسرها (الذي ختم الأنبياء والحاتم) أي بالمهملة وكسر التاء لا غير وهو من له السماحة والملاحة والحلاوة والرحمة والراحة (أحسن الأنبياء خلقا) بفتح الخاء أي صورة وبشاشة (وخلقا) بضم الخاء أي سيرة ولطافة (ويسمّى) أي هو صلى الله تعالى عليه وسلم (بالسّريانيّة) بضم السين وسكون الراء وبتشديد الياء الثانية وهي اللغة الأولى التي تكلم بها آدم والأنبياء والألسنة ثلاثة سرياني وعبراني وعربي وهو لأهل الجنة وفي الموقف سرياني قال السيوطي وسؤال القبر بالسريانية أقول ولعله مختص بالأمم الماضية لئلا يخالف ظواهر الأحاديث الواردة وأما العبرانية فسميت بذلك لأن إبراهيم ﵇ إنما نطق بالعبرانية حين عبر النهر فارا من نمرود وقد كان نمرود قال للطلاب الذين أرسلهم في طلبه إذا وجدتم من يتكلم بالسريانية فردوه فلما أدركوه استنطقوه فحول الله لسانه عبرانيا ذكره السهيلي (مشفّح) بضم ميم وفتح شين معجمة ففاء مشددة مفتوحة فحاء مهملة منونة وفي نسخة بالقاف بدل الفاء وهو أصل الحاشية الحجازية ولا يعرف له معنى في العربية وأما قول الدلجي غير منصرف للعلمية والعجمة فغير ظاهر لأنه مع مخالفته للنسخ المصححة غير صريح في العلمية بل ظاهر في الوصفية (والمنحمنّا) بضم ميم فنون ساكنة فحاء مهملة مفتوحة فميم مكسورة فنون مشددة مفتوحة وهو مقصور كذا في النسخ بالقلم ذكره الحلبي وتبعه الدلجي وعبر عنه بقيل ثم قال وقيل جميع حروفه مفتوحة إلا المهملة فساكنة انتهى
[ ١ / ٥٠٢ ]
وهو أصل صحيح من النسخ المعتمدة وفي نسخة بضم الميم الأولى وكسر الميم الثانية وضبطه الحجازي بفتح الميم والمهملة وسكون النون الأولى وتشديد الثانية ثم في آخره ألف في أكثر النسخ وفي بعضها بياء مبدلة من ألف كالمستصفى هذا وقد قال أبو الفتح اليعمري في سيرته والمنحمنا بالسريانية هو محمد صلى الله تعالى عليه وسلم قال الحلبي وهذا الكلام يحتمل معنيين أحدهما أن يكون معناه بالسريانية محمد بالعربية ويحتمل غير ذلك قلت وفي سيرة ابن سيد الناس هو بالسريانية اسم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وهو في المعنى الثاني أظهر فتدبر وقال ابن إسحاق هو بالزنجانية محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، (واسمه أيضا في التّوراة أحيد) بفتح همزة فسكون حاء مهملة فكسر تحتية فدال مهملة مضمونة غير منونة وفي نسخة بضم الهمزة وكسر الحاء وسكون الياء التحتية وفي نسخة وهي موافقة لما ذكر الحلبي بضم فسكون ففتح وفي أخرى بضم ففتح وفي أخرى بكسر التحتية وهي التي اقتصر عليها الدلجي وفي أخرى بضم ففتح فسكون وفي آخرى فسكون ففتح وهو مختار الحلبي وصوبه الأنطاكي لحديث أورده أبو حذيفة إسحاق بن بشر في كتاب سماه المبتدأ وأسنده إلى ابن عباس أنه ﵊ قال اسمي في القرآن محمد وفي الإنجيل أحمد وفي التوراة أحيد قال سميت أحيد لأني أحيد أمتي عن نار جهنم يوم القيامة انتهى ووجه تصويبه غير ظاهر كما لا يخفى (روي) وفي نسخة وروي (ذلك) أي كون اسمه في التوراة أحيد (عن ابن سيرين) وهو تابعي جليل وكان ثقة حجة كثير العلم والورع قيل كان يصوم يوما ويفطر يوما وله سبعة أوراد في اليوم والليلة هذا وقد قال المصنف بعد ما نقل من المبنى في الاسماء (ومعنى صاحب القضيب أي السّيف) يعني بدليل أنه، (وقع ذلك) أي اللفظ (مفسّرا في الإنجيل) أي مبينا بقرينة اقترانه بما يدل عليه (قال) أي الله ﷾ في الإنجيل عند نعته ﵊ (معه قضيب من حديد) أي معه سيف حديد مشابه للقضيب طولا وعرضا وطراوة ولطافة أو سيف قاطع من حديد حاد (يقاتل به) بكسر التاء أي يجاهد به أعداءه. (وأمّته كذلك) أي معهم قضبان يقاتلون بها اعداءه ويتابعون أهواءه ويتبعون اقتداءه (وقد يحمل) أي القضيب في الحديث (على أنّه القضيب الممشوق) أي الطويل الدقيق (الذي كان يمسكه ﵊) أي بيده حال القيام وعند خطبته للانام وموعظته لاصحابه الكرام، (وهو الآن عند الخلفاء) أي وكانوا يتداولونه واحدا فواحدا على سيرة الخطباء، (وأمّا الهراوة التي وصف بها) أي بكونه صاحبها وحاملها (فهي في اللّغة العصا) أي مطلقا أو الضخمة على ما ذكره الجوهري تبعا للهروي (وأراها) بضم الهمزة أي وأظنها أن المراد بها ههنا. (وَاللَّهُ أَعْلَمُ الْعَصَا الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ الْحَوْضِ) أي حيث قال (أذود) بضم الذال المعجمة أي أدفع وأمنع وأطرد (النّاس) أي العصاة (عنه) أي عن حوضي (بعصاي) أي التي في يدي حينئذ (لأهل اليمن) أي أذود الناس لأجلهم حتى يتقدموا وفي هذا كرامة لأهل اليمن في تقديمهم للشرب منه مجازاة لهم
[ ١ / ٥٠٣ ]
بحسن صنيعهم وتقدمهم في الإسلام وفي نسخة لأهل اليمين وهي رواية مسلم في المناقب وهي التي جعلها الدلجي أصلا والحلبي صوبها وقال المراد بها الجهة المعروفة عن يمين الكعبة انتهى والأظهر أن المراد بأهل اليمين اصحاب اليمين من أرباب الجنة ويدخل في عمومهم أهل اليمن وخص بهم لأن السابقين يفهم منه بالأولى كما لا يخفى هذا وقد ضعف النووي هذا الظن من القاضي بأن المراد من وصفه بها تعريفه بصفة يراها الناس معه ويستدلون بها على صدقه وأنه المبشر به المذكور في الكتب السالفة فلا يصح تفسيرها بعصا تكون في الآخرة فالصواب ما قاله الأئمة في تفسير كونه صاحبها أنه يمسك القضيب بيده كثيرا وقيل لأنه كان يمشي والعصا بين يديه وتغرز له فيصلي إليها وهذا في الصحيح مشهور هكذا ذكره الدلجي وقرره تبعا للحلبي حيث قال وتعقبه النووي فإن هذا ضعيف وباطل إلى آخر ما ذكره وأقول لعل وجه ما اختاره المصنف هو الأحرى بحمل هذا النعت على الدار الآخرة لأن أخذ العصا من سنن الأنبياء في الدنيا فإذا لم يحمل على هذا المعنى لم يتميز عن إخوانه بالوصف الأول بخلاف الصفة الأولى فإنه النعت المختص به في العقبى لا سيما وعامة العرب لا يمشون إلا بالعصا فلا يصلح أن تكون العلامة لخاتم الأنبياء مع أن أخذه إياها إنما كان أحيانا ثم لا يلزم من ذكر نعوته في الكتب السابقة أن لا يكون بعضها متعلقا بالدار الآخرة وبعضها بالأحوال السابقة. (وأمّا التّاج فالمراد به العمامة) فيه بحث فإن المراد به غير معلوم إلا لرب العباد وأما باعتبار اللغة والعرف فهو مستعمل في غير العمامة على اختلاف في عرف العامة وأما ما ورد في الحديث فظاهره أنه أراد المعنى المجازي حيث نزل العمامة منزلة التاج وأقامها مقامه في مرتبة الوقار والرواج كما يدل عليه أو يشير إليه قوله (ولم تكن) أي العمامة (حينئذ) أي حين وجوده صلى الله تعالى عليه وسلم (إلّا للعرب) أي وكان الناس كلهم أصحاب التيجان إما مع العمامة أو بدونها (والعمائم) أي بدون التيجان (تيجان العرب) أي اكتفاء بها عن غيرها وفيه إشعار بأنهم من أهل القناعة الدنيوية وموصوفون بعدم التكلف في موجبات الرعاية العرفية والحاصل أن الأصح أن يراد بقوله صاحب التاج تاج الكرامة يوم القيامة كما قدمناه. (وأوصافه) أي نعوته من اسمائه، (وألقابه) أي المشعرة بأنواع مدحه وثنائه، و(سماته) بكسر السين أي شمائله وعلامات فضائله (في الكتب) أي الماضية والمتقدمة (كثيرة وفيما ذكرناه منها) أي وإن كانت قليلة يسيرة (مقنع) بفتح الميم والنون أي محل كفاية ومكان قناعة (إن شاء الله تعالى) إذ إحصاؤها غير ممكن كما لا يخفى (وكانت كنيته المشهورة أبا القاسم) لحديث البخاري كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في السوق فقال رجل يا أبا القاسم فالتفت إليه فقال إنما دعوت هذا فقال سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي ولعل وجهه أنه كان يدعي بالكنية تعظيما ولا يدعي باسمه للنهي الوارد عنه تكريما وزيد في رواية فإني إنما جعلت قاسما أقسم بينكم وفيه إشارة إلى أن المراد بأبي القاسم هو الموصوف بهذا الوصف وهو لا ينافي
[ ١ / ٥٠٤ ]
كونه أبا لولد له مسمى بالقاسم. (وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه) كما في مسند أحمد والبيهقي (أنّه لمّا ولد إبراهيم) أي ابن نبينا ﵊ من مارية (جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أبا إبراهيم) فهي كنيته أيضا وهو يحتمل أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قد سمى ولده إبراهيم قبل نزول جبريل ﵇ ويحتمل أن تكون تسميته وقعت في ضمن تكنيته اثناء تهنئته وفي الجملة صار صلى الله تعالى عليه وسلم أبا إبراهيم كما كان أبوه إبراهيم فكأنه صلى الله تعالى عليه وسلم أحيى اسم جده عليهما الصلاة والسلام ثم قيل وكنيته أيضا أبو الأرامل وهو لقب في المعنى وإن كان كنية في المبنى فإن معناه مراعي الأرامل ومحافظ أحوالهن ومتفقد مالهن والله ﷾ أعلم.
فصل [في تشريف الله تعالى له بما سماه به من أسمائه الحسنى]
(في تشريف الله تعالى بما سمّاه به من أسمائه الحسنى) تأنيث الأحسن لأن الأسماء في معنى الجماعة (ووصفه به من صفاته العلى) بضم العين جمع العليا ووصفه بفتح الواو والصاد والفاء عطفا على سماه ويحتمل كونه مصدرا معطوفا على تشريف الله تعالى. (قال القاضي أبو الفضل) يعني المصنف نفسه (وفّقه الله) أي لما يحبه ويرضاه (ما أحرى هذا الفضل) بالنصب فإن الصيغة للتعجب أي ما أحقه وأخلقه وأجدره وأليقه (بفصول الباب الأوّل) أي من هذا الكتاب وهو المعنون بالفصل في ثناء الله تعالى عليه وإظهار عظيم قدره لديه كما أشار في ضمن تعليله وجه الاحرى إليه بقوله (لانحراطه) أي لانضمامه (في سلك مضمونها وامتزاجه) أي اختلاطه (بعذب معينها) بفتح ميم وكسر عين أي بحلو مائها وعلو صفائها (لكن لم يشرح الله) وفي نسخة لكن الله لم يشرح (الصّدر للهداية إلى استنباطه) أي استخراجه من أماكنه وهو استدراك على وجه الأعتذار عما فاته من جعل هذا الفصل من تلك الفصول المناسبة لهذه الإسرار المتضمنة للأنوار (ولا أنار الفكر) بالنون أي لا أشرقه ولا أضاء له وفي نسخة بالثاء المثلثة أي ولا بعثه ولا هيجه (لاستخراج جوهره، والتقاطه) أي من بحره وبره الشامل لعموم كرم علمه وبر حلمه (إلّا عند الخوض) أي الشروع والدخول (في الفصل الذي قبله) أي فشرح الصدر للهداية إلى ذلك أولا على وفق ما هنالك (فرأينا أن نضيفه إليه) أي بتعقيبه له زيادة عليه (ونجمع به شمله) أي تفرقه عند حصوله لديه (فاعلم) أي أيها الطالب الراغب (أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ) أي الذين هم من جملة الاصفياء (بكرامة خلعها) أي ألقاها (عليهم) وفي نسخة عليه وعليهم أي ألبسهم خلعة الكرامة الواصلة إليهم والحاصلة لديهم وفي نسخة جعلها أي صيرها أعلاما عليهم (من أسمائه) بأن ذكر فيهم صفات هي مبادي اشتقاق وصف له وأخذ من بنائه (كتسمية إسحاق وإسماعيل) أي ابني إبراهيم الخليل على خلاف في المراد بالمبشر به من أحد أولاده الجليل وكان الأولى تقديم إسماعيل لأنه أكبر ولكونه جدا لنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم ولموافقة قوله سبحانه
[ ١ / ٥٠٥ ]
وتعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ (بعليم) في قوله تعالى وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (وحليم) في قوله ﷾ فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ وجمع بينهما للإشعار بأن الكمال هو الوصف باجتماع العلم والحلم المنبعث عنهما جميع الفضائل البهية والشمائل السنيد وقد أغرب الدلجي حيث جعل الوصفين نشرا مرتبا على الابنين إذ لم يقل أحد بالتفضيل بينهما وإنما اختلفوا في أن أيهما المراد به مع الاتفاق على أن المبشر به أحدهما ولذا قال الأنطاكي ولعل المؤلف من أجل الاختلاف جمع هنا بين إسحاق وإسماعيل وقد أفرد السيوطي رسالة في تعيين الذبيح وتوقف في أن أيهما الصحيح لكن المعتمد عند المفسرين والمحدثين المعتبرين أنه إسماعيل لحديث أنا ابن الذبيحين وغيره من أدلة ليس هذا محل بسطها. (وإبراهيم بحليم) أي في قوله تعالى إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ولعل الاكتفاء به للعلم بأنه عليم أو للزومه أو لغلبة حلمه على علمه ولذا استغفر لوالده، (ونوح بشكور) أي في قوله ﷾ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا، (وعيسى ويحيى ببرّ) بفتح الباء وتشديد الراء مبالغة بار في قوله تعالى وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
(وموسى بكريم) أي في قوله ﷾ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ في (وقويّ) أي في قوله سبحانه حكاية عن بنت شعيب وتقريرا لكلامها إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ وفي نسخة بدلهما بكليم والظاهر أنه أصل سقيم (ويوسف بحفيظ عليم) أي في قوله سبحانه حكاية عن يوسف مقرا شأنه ومعتبرا بيانه حيث انطق لسانه بقوله إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ الدخان (وأيّوب بصابر) أي في قوله تعالى إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا وفيه أن الصابر غير معروف من اسمائه وإنما الصبور من اسمائه سبحانه على المشهور (وإسماعيل بصادق الوعد) أي في قوله تعالى عند ذكره إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ ولعل وجهه قوله ﷾ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وحديث صدق الله وعده وإلا فصادق الوعد والصادق المطلق ليس من الاسماء المشهورة (كما نطق به) وفي نسخة صحيحة بذلك أي بما خص أنبياءه (الكتاب العزيز) أي بإنبائه على وفق اشتقاق اسمائه (من مواضع ذكرهم) بالإضافة أي في مواضع ذكرهم ووصفهم وشكرهم فيها كما قدمناه وفي نسخة صحيحة من مواضع بدل في ولعلها بمعناها أو بيان لما لإبهام مبناها (وفضّل نبيّنا محمّدا صلى الله تعالى عليه وسلم) أي على سائر الأنبياء والأصفياء بزيادة اشتقاق بناء الاسماء في الأنباء (بأن حلّاه) بفتح الحاء المهملة وتشديد اللام أي زينه (منها) أي من اسمائه سبحانه (في كتابه العزيز) أي البديع المنيع المشتمل على التعجيز أو القوي الغالب على سائر الكتب بنسخها على وجه التمييز وقد قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، (وعلى ألسنة أنبيائه) أي كما نقله بعض أوليائه (بعدّة كثيرة) أي بجملة كثيرة وهي بكسر العين والباء للسببية والباء الأولى بيانية أي بسبب تعداد نعوت كثيرة وأوصاف غزيرة (اجْتَمَعَ لَنَا مِنْهَا جُمْلَةٌ بَعْدَ إِعْمَالِ الْفِكْرِ) بكسر الهمزة أي استعماله (وإحضار الذّكر) بضم الذال وكسرها والمعنى بعد إفراغ الوسع تفكرا
[ ١ / ٥٠٦ ]
وتذكرا. (إذ لم نجد) أي من العلماء المصنفين (مَنْ جَمَعَ مِنْهَا فَوْقَ اسْمَيْنِ وَلَا مَنْ تفرّغ فيها لتأليف فصلين) أي ليعرف منه بيان فرعين أو أصلين (وحرّرنا) بحاء وراءين مهملات ويروى جردنا بجيم ودال أي أخرجنا (منها في هذا الفضل نحو ثلاثين اسما) أي مما اشتق من اسماء الله الحسنى والصفات العلى (ولعلّ الله تعالى) أي أرجو من كرمه أنه (كما ألهم) أي أرشد (إلى ما علّم) بتشديد اللام أي عرف (منها وحقّقه يتمّ النّعمة) أي يكملها (بإبانة ما لم يظهره لنا الآن) أي بإظهار اسراره وإبداء أنواره (ويفتح غلقه) بفتحتين أي إغلاقه واشكاله وأمثلته وأمثاله إذا عرفت ذلك. (فمن أسمائه) أي الله ﷾ (الحميد) وهو فعيل بمعنى المفعول أو الفاعل والأول أظهر ولذا قدمه بقوله (ومعناه المحمود لأنّه حمد نفسه) أي أزلا (وحمده عباده) أي أبدا وقد يقال هو المحمود في ذاته سواء حمد أو لم يحمد على لسان مخلوقاته مع أنه وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ في مراتب تعيناته فهو المحمود في كل فعال وجميع حال إذ هو المولى لكل نوال (ويكون) أي الحميد (أيضا) أي كما يكون بمعنى المحمود (بمعنى الحامد لنفسه) أي في نفس أو في كلام قدسه تعليما لعباده على وفق مراده (ولأعمال الطّاعات) بمعنى ثنائه وشكر أهله وجزائه وقد يقال الحامدية والمحمودية في جميع مراتب الربوبية فهو الحامد وهو المحمود لأنه في نظر الشهود سوى الله والله ما في الوجود (وسمّى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي نبيا وهو مرفوع أو منصوب وهو الأظهر فتدبر (محمّدا وأحمد فمحمّد بمعنى محمود) بل ابلغ منه (وكذا) أي محمد أو محمود (وقع اسمه في زبر داود) بضم الزاء والباء أي في صحفه المزبورة بمعنى المكتوبة والمراد بها الزبور ووقع في أصل التلمساني على ما ضبطه بكسر الزاء وسكون الباء أي في كتابه وهو غير معروف في الرواية والدراية (وأحمد بمعنى أكبر) أي أعظم (من حمد) بفتح الحاء. (وأجلّ من حمد) بضم الحاء وفيه إيماء إلى أن أفعل التفضيل قد يكون بمعنى الفاعل وهو أكثر وقد يكون بمعنى المفعول وهو هنا أظهر والجمع بينهما أبهر لحيازته شرف الحامدية والمحمودية المشيرة إلى مرتبة المحبية والمحبوبية فأحمد بهذا الاعتبار يكون أبلغ من محمد في نظر النظار مع ما فيه من الإشارة إلى الصفة الجامعة بين مرتبة المجذوبية المطلوبية ومنزلة المرادية المحبوبية بالنسبة الأزلية الممتدة إلى الأبدية بخلاف وصف الحامدية المشعرة بتعلق الحادثة الكونية كما علم تحقيق هذا المعنى في قوله تعالى يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ من تدقيق المبنى (وقد أشار إلى نحو هذا) أي مما قررناه وحررناه (حسّان بقوله) أي ابن ثابت بن المنذر بن حرام بالراء الأنصاري النجاري عاش هو والثلاثة فوقه من آبائه كل واحد مائة وعشرين سنة وقد عاش حسان ستين في الإسلام وستين في الجاهلية وقد شاركه في الوصف الثاني حكيم بن حزام قيل وغيره أيضا (وشقّ) بفتح الشين أي الله تعالى (له) صلى الله تعالى عليه وسلم (من اسمه) قطع همزة الوصل ضرورة ولو قال من نعته او وصفه لخلص (ليجلّه) أي ليعظمه بالمشاركة في الجملة الاسمية من حيث تلاقي اسميهما اشتقاقا من مأخذ واحد ولم يرد
[ ١ / ٥٠٧ ]
الاشتقاق الاصطلاحي لأن مبدأهما متحد بل أراد كون اسمه بمعنى اسمه كما يشير إليه قوله (فذو العرش محمود وهذا محمّد) فمحمود مأخوذ من معنى الحمد على ما سبق وقد ورد يا الله المحمود في كل فعاله والحاصل أن لفظ شق من شق الشيء جعله شقين أي نصفين ومعناه أنه أعطاه من معنى اسمه جزءا من مبناه وقيل شق بمعنى اشتق أخذه منه وصاغه من حروف اسمه هذا وقد قال الإمام حجة الإسلام في المقصد الأسنى في اسماء الله الحسنى الحميد من عباد الله تعالى من حمدت عقائده وأخلاقه وأفعاله وأقواله وهو نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ومن قرب منه من الأنبياء والأولياء فكل واحد منهم حميد بقدر ما حمد من أوصافه والحميد المطلق هو الله ﷾ (ومن أسمائه تعالى الرّؤوف الرّحيم) أي ذو الرأفة والرحمة وقدم الأبلغ منهما لما مر غير مرة (وهما بمعنى) أي واحد (متقارب) أي في المؤدى وإن كانت الرأفة شدة الرحمة (وسمّاه) أي نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم (في كتابه بذلك) أي بما ذكر من الوصفين أو بالجمع بين النعتين (فقال بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْحَقُّ الْمُبِينُ وَمَعْنَى الْحَقِّ، الموجود) أي دوامه الثابت قيامه (والمتحقّق أمره) لأنه الثابت مطلقا لوجوب شأنه وأما غيره فلا وجود له في حد ذاته لإمكانه وهذا وجه قوله تعالى كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ وإلى هذا المعنى أشار لبيد بقوله (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) وهذا إيراد شيخ مشايخنا أبو الحسن البكري قدس الله سره السري بقوله استغفر الله مما سوى الله (وكذلك المبين أي البيّن) يعني الظاهر (أمره) أي أمر وجوده وشأن ربوبيته (وإلهيّته) أي بوصف وأجبيته واحديته وواحديته ثم قوله (بان وأبان بمعنى واحد) يعني أن بان ههنا بمعنى أبان فهما لازمان وقد يكون أبان متعديا فيكون المبين بمعنى المظهر وهذا معنى قوله (ويكون بمعنى المبين لعباده أمر دينهم) أي ما يتعلق به من معاشهم في دنياهم (ومعادهم) أي وأمر معادهم في عقباهم وهذا المعنى في حقه تعالى (وسمّى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك) أي بما ذكر من الاسمين (في كتابه فقال) أي بعد قوله بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ (حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ [الزخرف: ٣٩]) وهذا على قول بعض المفسرين من أن المراد بالحق هو الرسول الأمين خلافا لمن قال إن المراد بالحق هو الكتاب المبين (وقال: وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [الحجر: ٨٩]) أي الظاهر الإنذار أو مظهر الأخبار (وقال) أي بعد قوله (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ [يونس: ٨٠١]) يعني به محمدا أو القرآن (وَقَالَ: فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ [الْأَنْعَامِ: ٥] قيل) أي المراد بالحق (محمّد) أي كذبوا بالنبي الثابت نبوته المتحقق معجزته بدليل الآيات السابقة المشيرة إليه فلا التفات إلى قول الدلجي وهذا القيل مما لا دليل عليه (وقيل القرآن) وكلاهما صحيح وفي المدعي صريح فإن تكذيب كل منهما يستلزم تكذيب الآخر سواء تقدم الأول أو تأخر فتدبر (ومعناه) أي ومعنى الحق (هنا) أي في كل من التفسيرين (ضدّ الباطل والمتحقّق صدقه وأمره) أي شأنه جميعه ثم المتحقق بكسر القاف
[ ١ / ٥٠٨ ]
الأولى وهو مرفوع عطفا على ضد الباطل فهو خبر بعد خبر إشعارا بأن للحق معنيين مشهورين وأما قول الحلبي بفتح القاف الأولى المشددة وهو مبتدأ وصدقه الخبر وأمره معطوف على الخبر فهو مرفوع أيضا فخطأ من جهة البناء الصرفي والإعراب النحوي (وهو بمعنى الأوّل) أي فيما سبق فتأمل، (والمبين) على أنه نعت الرسول الأمين معناه (البين أمره ورسالته) أي الظاهر والواضح بناء على أن أبان لازم (أو المبين) بتشديد الياء المكسورة أي المظهر والمخبر (عن الله تعالى ما بعثه به) أي من أمر الرسالة لتعليم الأمة بناء على أن أبان متعد (كَمَا قَالَ تَعَالَى: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤]) أي من مرغوب ومرهوب (وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى النُّورُ وَمَعْنَاهُ ذُو النُّورِ) يعني على مضاف مقدر (أي خالقه) أو سمى نورا مبالغة كالعدل فمعناه النور ومبناه الظهور لأنه تعالى ظاهر بذاته وصفاته ومظهر حقائق مخلوقاته أو معنى ذي النور أن حجابه النور بحيث لو انكشفت سبحات وجهه لأحرقت ما انتهى إليها بصره من خلقه أو لأن ظهور الأشياء إنما هو بنوره وتبين الأمور ليس إلا لظهوره وأما اطلاق النور عليه ﷾ بناء على ما هو في عرف الحكماء من أنه كيفية تدركها الباصرة أولا ثم بها تدرك سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من القمرين على الأجرام المحاذية لها فلا يصح حقيقة إلا أنه قد يتجوز من حيث إن ظهوره تعالى بذاته الموصوف بالقدم مبرأ عن ظلمة العدم وأن ظهور غيره ووجوده فائض عنه تعالى ثم تحقيق هذا المبنى وتدقيق هذا المعنى عند قوله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ حيث قيل من جملة معانيه (أو منوّر السّموات والأرض) أي كما قرىء به في الآية على أن النور بمعنى التنوير مصدر بمعنى الفاعل وقوله (بالأنوار) أي بسبب الأنوار الحسية من الكواكب القمرية والشمسية (ومنوّر قلوب المؤمنين بالهداية) أي الوهبية أي بسبب امداد الأنوار المعنوية في الأفلاك القلبية (وسمّاه) أي النبي ﵇ (نورا) أي على أحد التفسيرين (فَقَالَ: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ [المائدة: ١٥] قيل) أي المراد بالنور (محمّد وقيل القرآن) وقيل المراد بهما محمد لأنه كما هو نور عظيم ومنشأ لسائر الأنوار فهو كتاب جامع مبين لجميع الإسرار (وقال فيه) أي في حق نبيه (وَسِراجًا مُنِيرًا [الأحزاب: ٤٦]) أي شمسا مضيئا لقوله تعالى وَجَعَلَ فِيها سِراجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا ففيه تنبيه لنبيه على أن الشمس أعلى الأنوار الحسية وأن سائرها مستفيض منها فكذلك لنبي ﵇ أعلى الأنوار المعنوية وأن باقيها مستفيد منه بحكم النسبة الواسطية والمرتبة القطبية في الدائرة الكلية كما يستفاد من حديث أول ما خلق الله نوري وأما الحق فهو في المقام المطلق (سمّي بذلك) أي بما ذكر من النور والسراج المنير (لوضوح أمره) أي أمر رسالته (وبيان نبوّته وتنوير قلوب المؤمنين) عموما (والعارفين) خصوصا (بما جاء به) وما ظهر لهم من الأنوار والأسرار بسببه قال الحلبي ولعل ابن سبع استنبط من هذا ومن الحديث الذي سأل فيه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ربه أن يجعل في جميع أعضائه وجهاته نورا وضم ذلك لقوله واجعلني نورا ما
[ ١ / ٥٠٩ ]
قاله من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان من خصائصه أنه كان نورا وكان إذا مشى في الشمس أو القمر لا يظهر له ظل والله ﷾ أعلم. (ومن أسمائه تعالى الشّهيد) من الشهود بمعنى الحضور (ومعناه العالم) أي بظاهر ما يمكن مشاهدته كما أن الخبير هو العالم بباطن ما لم يمكن إحساسه (وقيل) أي في معناه (الشّاهد على عباده يوم القيامة) الأولى إطلاقه لقوله تعالى وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ولعل وجه تقييده المناسبة في إطلاقه على صاحب الرسالة (وسمّاه) أي الله نبيه في كتابه (شهيدا وشاهدا) كان الأولى تقديم شاهدا ليلائم ترتيب ما رتبه (فقال إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا [الفتح: ٨]) أي عالما أو مطلعا (وقال) أي في موضع آخر (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] وَهُوَ بِمَعْنَى الأوّل) أي إلا أنه أبلغ وأدل والأظهر أنه من مادة الشهادة فتأمل فإنه المعول. (ومن أسمائه تعالى الكريم معناه الكثير الخير) أي النفع (وقيل المفضل) بضم الميم وكسر الضاد أي ذو الإفضال بالنوال قبل السؤال (وقيل العفو) وفيه أن عفوه من جملة كرمه (وقيل العليّ) أي رفيع الشأن عظيم البرهان يتعالى كرمه عن النقصان (وفي الحديث المرويّ) أي مما رواه ابن ماجة (في أسمائه تعالى الأكرم) وكذا جاء في التنزيل اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (وَسَمَّاهُ تَعَالَى كَرِيمًا بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة: ٤٠] قيل) أي المراد به (محمّد وقيل جبريل) وهو الأظهر وعليه الأكثر (وقال ﵊ أنا أكرم ولد آدم) وسنده قد تقدم وفي لفظ أنا أكرم الأولين والآخرين أي أفضلهم (ومعاني الاسم) أي اسم الكريم والأكرم على ما تقدم (صحيحة في حقّه ﵇) أي بالكمال والتمام إذ من جملة ما صدر عنه من الكرم والإنعام ما يدل عليه قول صفوان بن أمية وقد أعطاه غنما بين جبلين أن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر وهذا غاية الكرم في ابن آدم (ومن أسمائه تعالى العظيم) من عظم الشيء إذ اكبر جسما وهيئة ثم استعير لما كبر قدرا ورتبة (وَمَعْنَاهُ الْجَلِيلُ الشَّأْنِ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ) أي في الظهور والبرهان هذا وقيل الكبير اسم للكامل في ذاته والجليل في صفاته والعظيم فيهما فهو اجل منهما (وقال في النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) في كلامه القديم (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤]) فله العظمة المعنوية باعتبار أخلاقه البهية (ووقع في أوّل سفر) بكسر أوله أي أول دفتر (من التّوراة) أي من اسفارها (عن إسماعيل) أي ابن الخليل والمعنى عن جهته وفي حقه (وستلد عظيما) بالخطاب وفي نسخة بالغيبة بناء على جهتي التعبير من رعاية المبنى والمعنى فالمعنى ستلد ولدا عظيما يكون نبيا كريما (لأمّة عظيمة) أي في الكمية أو الكيفية كما يشير إليه قوله تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ وخيرية كل أمة تابعة لخيرية نبيها (فهو عظيم) أي في ذاته (وعلى خلق عظيم) أي في صفاته وتعبيره بعلى الموضوع للاستعلاء تمثيل لتمكنه من غاية الاستيلاء. (ومن أسمائه تعالى الجبّار) فعال للمبالغة من الجبر بضرب من القهر على ما هو في الأصل ثم قد يستعمل في الإصلاح المجرد كقول علي رضي الله تعالى عنه يا جابر كل كسير ومسهل كل عسير وتارة في القهر
[ ١ / ٥١٠ ]
المجرد ومنه ما ورد لا جبر ولا تفويض ومن ثم قيل كما قال (ومعناه المصلح) أي لأمور عباده على وفق مراده (وقيل القاهر) أي فوق عباده فلا موجود إلا وهو مقهور تحت قدرته وهدف لإرادته ومشيئته (وقيل العليّ) أي الرفيع البرهان (العظيم الشّأن، وقيل المتكبّر) أي المستغني عن كل أحد في كل زمان ومكان ولا يستغني عنه أحد في كل شأن وأوان (وسمّي النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في كتاب داود) وفي نسخة في كتب داود أي زبوره أو زبره (بجبّار) الأظهر أن لقول بالجبار لقوله (فقال) أي مناديا له في عالم الأرواح ومستحضرا له في عالم الإشباح (تقلد أيّها الجبّار سيفك) أي للكفار (فإنّ ناموسك) بألف قال التلمساني يهمز ويسهل والناموس وعاء العلم وصاحب سرك الذي تطلعه على باطن أمرك وهو جبريل ﵇ قال الأنطاكي والمراد هنا والله تعالى أعلم ما يوحي إليه وهو القرآن انتهى والأظهر أن يقال في المعنى أي اعتبارك واقتدارك وأنوار علومك وأسرارك (وشرائعك) أي أحكامك وأخبارك (مقرونة بهيبة يمينك) أي قوة تصرفك وغلبة قهرك وكثرة نصرك على وفق يقينك. (ومعناه في حقّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي باعتبار معانيه في حقه سبحانه والمناسبة التامة مما يقتضي شأنه (إمّا لإصلاحه الأمّة بالهداية والتّعليم) أي بإظهار العناية والرعاية مما تحتاجون في البداية والنهاية (أو لقهره أعداءه) أي ولجبره أحباءه (أو لعلوّ منزلته على البشر) أي جنس بني آدم في الفواضل النفسية والفضائل الإنسية (وعظيم خطره) بفتحتين أي قدره ومزيته على غيره (ونفى) أي الله تعالى (عَنْهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ جَبْرِيَّةَ التَّكَبُّرِ الَّتِي لا تليق به) وفي نسخة جبرية التكبر والأظهر جبرية القهر لقوله (فقال: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ [ق: ٤٥]) أي بمسلط وقهار تقهرهم على الإيمان وتقدرهم على العرفان أو أنت عليهم بوصف الجبابرة بل بنعت الرأفة والرحمة. (ومن أسمائه تعالى الخبير) مبالغة من الخبرة وهي العلم بالأمور الخفية، (ومعناه المطّلع بكنه الشّيء) بضم الكاف أي على غايته ونهايته. (العالم) وفي نسخة والعالم (بحقيقته) أي بماهيته وكيفيته (وقيل معناه المخبر وقال الله تعالى: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا [الفرقان: ٥٩]) واختلف في المراد بالسائل والمسؤول (قال القاضي بكر بن العلاء) هو بكر بن محمد بن زياد القشيري من أولاد عمران بن الحصين رضي الله تعالى عنه مات سنة أربع وأربعين وثلاثمائة ذكره التلمساني وقال الأنطاكي هو المالكي (المأمور بالسّؤال غير النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم والمسؤول الخبير هو النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي فاسئل بما ذكر أو عما ذكر مما تقدم من خلق الأشياء ووصف الاستواء عالما يخبرك بحقيقة الإنباء وهو سيد الأنبياء (وقال غيره) أي غير بكر (بل السّائل النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم والمسؤول هو الله تعالى) وهو أظهر الأقوال وقيل جبريل أو من وحد الله في كتبه المتقدمة (فالنّبيّ خبير بالوجهين المذكورين) أي ما قدمه القاضي آنفا من قوله الخبير أما معناه العالم بحقيقة الشيء أو المخبر (قيل) أي في توجيه الوجهين (لِأَنَّهُ عَالِمٌ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْعِلْمِ بِمَا أَعْلَمَهُ اللَّهُ مِنْ مَكْنُونِ عِلْمِهِ وَعَظِيمِ مَعْرِفَتِهِ) يعني
[ ١ / ٥١١ ]
فيصلح أن يكون سائلا (مخبر لأمّته بما أذن) أي أبيح (له في إعلامهم به) أي بما ينفعهم معاشا ومعادا فيصح أن يكون خبيرا بمعنى مخبرا فيصير مسؤولا (ومن أسمائه تعالى الفتّاح) أي كما قال الله تعالى وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (ومعناه الحاكم بين عباده) كقوله تعالى رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا أي احكم لأن الحكم فتح أمر مغلق بين الخصمين وقد بين الله الحق وأوضحه وميز الباطل وأدحضه بإنزال الكتاب المبين وإقامة البراهين في أمر الدين (أو فاتح أبواب الرّزق) أي على أنواع الخلق من أسباب النعمة الدنيوية والأخروية (والرّحمة) أي من قبول التوبة وحصول المغفرة (والمنغلق) بالنون الساكنة والغين المعجمة المفتوحة واللام المكسورة أي المشكل (من أمورهم عليهم أو يفتح قلوبهم) أي أعين بصيرتهم فقوله (وبصائرهم) عطف تفسير وفي نسخة وأبصارهم فالمعنى أبصارهم الباطنة والظاهرة (لمعرفة الحقّ) أي وتمييزه عن الباطن (ويكون) أي الفتاح (أيضا بمعنى النّاصر) وكان الأظهر أن يقول ويكون الفتح بمعنى النصر (كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ [الْأَنْفَالِ: ١٩] أَيْ إِنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ النَّصْرُ وقيل معناه) أي معنى الفتاح (مبتدىء الفتح والنّصر) يعني ملاحظة المعنيين من الفتح وهو الافتتاح والفتح ولا يبعد أن تكون الدال مفتوحة فمعنى جاءكم الفتح أي مبتدأ ولذاو أوله وهذا كله بناء على النسخ المعتمدة من بناء الكلمة على الابتداء من باب الافتعال وفي أصل الدلجي مبدئ الفتح والنصر من الابداء من باب الأفعال ولذا قال أي مظهرهما (وسمّى الله تعالى نّبيّه محمّدا صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْفَاتِحِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ الطَّوِيلِ) أي على ما سبق بطوله (مِنْ رِوَايَةِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي العالية وغيره عن أبي هريرة) أي مرفوعا (وفيه من قول الله تعالى) يعني الحديث القدسي (وجعلتك فاتحا وخاتما) بكسر التاء فيهما (وفيه من قول النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَنَائِهِ عَلَى رَبِّهِ وَتَعْدِيدِ مراتبه) أي قياما بشكره (ورفع لي ذكري) أي بعد ما شرح صدري ووضع عني وزري (وجعلني فاتحا وخاتما) أي أولا بالنبوة في عالم الأرواح وآخرا بالرسالة في عالم الأشباح؛ (فيكون) أي فيحتمل أن يكون (الفاتح هنا بمعنى الحاكم) أي بين الخصوم بما أعطى له من العلوم (أو الفتاح لأبواب الرحمة على أمته) أي لكونه رحمة للعالمين وأمته أمة مرحومة (والفاتح) الأظهر أو الفاتح (لبصائرهم بمعرفة الحقّ والإيمان بالله) أي على جهة الصدق (أو النّاصر للحقّ) أي بخذلان اعدائه وتبيان أحبائه (أو المبتدي بهداية الأمّة) بكسر الدال بمعنى البادئ المأخوذ من الفتح بمعنى الافتتاح ومنه الفاتحة (أو المبدّأ) بضم الميم وفتح الموحدة وتشديد الدال المهملة ثم همزة مقصورة أي المبتدأ كما في نسخة (المقدّم في الأنبياء) أي عند خلق أنوارهم وتقسيم أسرارهم (والخاتم لهم) أي بالمنع عن إظهارهم (كما قال صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنْتُ أَوَّلَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْخَلْقِ) أي في حال الخلقة (وآخرهم في البعث) أي في بعثة الدعوة. (ومن أسمائه تعالى في الحديث) أي على ما رواه الترمذي وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا (الشّكور) وفي القرآن
[ ١ / ٥١٢ ]
إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ وهو مبالغة الشاكر (ومعناه المثيب) أي المجازي بالجزاء الجزيل (على العمل القليل) فيرجع إلى صفة الفعل (وقيل المثني على المطيعين) فيرجع إلى صفة الذات وقيل الشكور لمن شكره فيكون من قبيل المقابلة وأما قول الدلجي المجازي عباده على شكرهم فليس من باب المشاكلة كما وهم بل يرجع إلى الأخص من المعنى الأول فتأمل (وَوَصَفَ بِذَلِكَ نَبِيَّهُ نُوحًا ﵇ فَقَالَ: إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء: ٣]) ولقد قال أيضا في حق هذه الأمة إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ أي لكل مؤمن كامل عالم عامل فإن الإيمان نصفان نصفه صبر ونصفه شكر فالأول باجتناب المعصية والثاني بارتكاب الطاعة وقد قال تعالى اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقيل مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ وقيل الشكور هو المعترف بالعجز عن أداء الشكر هذا وقد قال الأنطاكي لم يقع هذا من القاضي موقعه لأنه في معرض تحرير ما فضل الله تعالى به نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم وما خلع تعالى عليه من اسمائه وأما من خص بكرامة غير محمد من الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام فقد قدمهم في أول الفصل وذكر نوحا ﵊ في جملتهم وكان في ذلك غنية عن إعادة ذكره هنا مرة أخرى (وقد وصف النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم نفسه بذلك) أي الوصف (فقال) أي في الحديث المتقدم كما ذكره الترمذي وغيره لما قيل له حين انتفخت قدماه من قيام الليل اتتكلف هذا وقد غفر الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ (أفلا أكون عبدا شكورا) يعني وعلى مشقة عبادته صبورا، (أي معترفا بنعم ربّي عارفا بقدر ذلك) أي بمقدار إنعامه عندي (مثنيا عليه) أي بلساني وجناني (مجهدا نفسي) أي في القيام بأركاني (في الزّيادة) أي في تحصيلها (مِنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: ٧]) أي نعمة على نعمة والحاصل أن المبالغة في القيام بشكر المنحة موجبة لزيادة مراتب المنة ومقتضية لإزالة مثالب المحنة. (ومن إسمائه تعالى العليم) قال الله تعالى وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (والعلّام) كان حقه أن يقول علام الغيوب أو علام الغيب إذ لم يرد العلام في اسمائه ﷾ (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي في آية وفي آخرى عالِمِ الْغَيْبِ إما للاكتفاء وإما على برهان الأولى وغيبوبته بالنسبة إلى غيره وإلا ففي الحقيقة لا غيب بالنسبة إليه تعالى لأنه موجد كل شيء وخالقهم. (ووصف نبيّه بالعلم) أي في الجملة مع المشاركة لغيره (وخصّه بمزيّة منه) أي بفضيلة زائدة منه على غيره لاختصاصه بفضل منته عليه (فقال: وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
) أي من المعارف الدينية والعوارف اليقينية (وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا
[النساء: ١١٣]) أي بالنسبة إلى غيرك من الأنبياء والأصفياء وإن أعطى كل منهم حظا جسيما (وقال) أي في مرتبة التكميل به مزية الكمال (وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ) أي قراءته مبني (وَالْحِكْمَةَ) أي ألسنة لبيانه معنى (وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة: ١٥١]) أي بعقولكم ما لا طريق إلى معرفته سوى الوحي بإبداء نبوته وإظهار رسالته وفي تكرير الفعل إيماء إلى أنه نوع آخر فتدبر ولعل المراد
[ ١ / ٥١٣ ]
به أحوال الحقيقة وبما سبق من الكتاب والسنة أحكام الشريعة والطريقة وقد روي الشريعة أقوالي والطريقة فعالي والحقيقة أحوالي (ومن أسمائه تعالى الأوّل) أي وجودا بلا ابتداء (والآخر) أي شهودا بلا انتهاء (ومعناهما السّابق للأشياء قبل وجودها) أي أزلا (والباقي بعد فنائها) أي أبدا لحديث اللهم أنت الأول فليس قبلك أي قبل ابدائك شيء وأنت الآخر فليس بعدك أي بعد افنائك الخلق شيء وأنت الظاهر فليس فوقك أي فوق ظهورك شيء باعتبار مظاهر أفعالك وصفاتك وأنت الباطن فليس دونك أي دون بطونك شيء باعتبار حقيقة ذاتك اقض عني ديني واغنني من الفقر يعني فإنك الغني المغني (وتحقيقه) أي تحقيق كونه أولا وآخرا (أنّه ليس له أوّل) يعني وهو موجد الأشياء ومبدعها (ولا آخر) لأنه مفني الأشياء ومعيدها فهما بهذا المعنى من صفات التنزيه له تعالى وإن كان باعتبار مؤداهما من إفادة كونه أزليا وأبديا يكون وصفا ثبوتيا (وقال صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنْتُ أَوَّلَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْخَلْقِ) أي في بدء عالم الخلق (وآخرهم في البعث) أي في نهاية عالم الأمر (وفسّر بهذا) أي بكونه أول الأنبياء خلقا (قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ) أي عهدهم بتبليغ دعوة الحق والرسالة إلى الخلق (وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [الأحزاب: ٧]) أي وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وخصوا بالذكر لأنهم أشهر أرباب الشرائع وهم أولو العزم من الرسل (فقدّم) أي الله سبحانه (محمّدا صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ذكره على المتقدمين من الأنبياء المذكورين مع أنه متأخر في الوجود عنهم في عالم الأشباح لسبق رتبته وتقدم نبوته في عالم الأرواح وقد روي أول ما خلق الله نوري وفي لفظ روحي وورد أنه أول من قال بلى في الميثاق (وَقَدْ أَشَارَ إِلَى نَحْوٍ مِنْهُ عُمَرُ بْنُ الخطّاب ﵁) أي فيما تقدم من قوله بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ بَلَغَ مِنْ فَضِيلَتِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ بَعَثَكَ آخر الأنبياء وذكرك أولهم أي في الأنباء فقال وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ الآية (ومنه) أي ومن قبيل قوله كنت أول الأنبياء الخ أي باعتبار النسبة الأولية والسابقية والقبلية في الجملة من مرتبة المزيد (قوله نحن الآخرون) أي في الخلقة (السّابقون) أي في البعثة يوم القيامة أو المقضي لهم قبل الخليقة كما صرح به في حديث مسلم (وقوله) أي ومنه قوله (أنا أوّل من تنشقّ الأرض عنه) وفي نسخة عنه قبل الأرض، (وأوّل من يدخل الجنّة) أي هو وأمته من الباب الأيمن من أبوابها كما ورد في بعض طرق الحديث، (وأوّل شافع، وأوّل مشفّع) أي مقبول الشفاعة (وهو خاتم النّبيّين) أي لا نبي بعده (وآخر الرّسل) تأكيد لما قبله (صلى الله تعالى عليه وسلم) أي وعليهم أجمعين قال الدلجي وهو صلى الله تعالى عليه وسلم سمى بالأول والآخر إنما هو من حيث كونه أولا في الخلق وآخرا في البعث لا من حيث معناهما في حقه تعالى فلا التفات إلى ما ذكر هنا انتهى ولا يخفى أنه لا خصوصية للتفرقة بهذين الوصفين من بين سائر الصفات السابقة واللاحقة إذ لا يتصور اشتراك المخلوق مع الخالق في نعت من النعوت بحسب الوصف الحقيقي وإنما يكون بملاحظة المعنى المجازي أو
[ ١ / ٥١٤ ]
العرفي فالله سميع بصير عليم حي قدير مريد متكلم وقد أثبت هذه الصفات أيضا لبعض المخلوقات ولكن بينهما بون بين ولا يخفى مثل هذا على دين وقد افرد المصنف كما سيأتي فصلا في بيان هذا الفضل لئلا يعدل أحد عن مقام العدل هذا وقد روى التلمساني عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نزل جبريل فسلم علي فقال في سلامه السلام عليك يا أول السلام عليك يا آخر السلام عليك يا ظاهر السلام عليك يا باطن فانكرت ذلك عليه وقلت يا جبريل كيف تكون هذه الصفة لمخلوق مثلي وإنما هذه صفة الخالق الذي لا تليق إلا به فقال يا محمد اعلم أن الله أمرني أن اسلم بها عليك لأنه قد فضلك بهذه الصفة وخصك بها على جميع النبيين والمرسلين فشق لك اسما من اسمه ووصفا من وصفه وسماك بالأول لأنك أول الأنبياء خلقا وسماك بالآخر لأنك آخر الأنبياء في العصر وخاتم الأنبياء إلى آخر الأمم وسماك بالباطن لأنه تعالى كتب اسمك مع اسمه بالنور الأحمر في ساق العرش قبل أن يخلق أباك آدم بألفي عام إلى ما لا غاية له ولا نهاية فأمرني بالصلاة عليك فصليت عليك يا محمد ألف عام بعد ألف عام حتى بعثك الله بشيرا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا وسماك بالظاهر لأنه أظهرك في عصرك هذا على الدين كله وعرف شرعك وفضلك أهل السموات والأرض فما منهم من أحد إلا وقد صلى عليك صلى الله عليك فربك محمود وأنت محمد وربك الأول والآخر والظاهر والباطن وأنت الأول والآخر والباطن فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الحمد لله الذي فضلني على جميع النبيين حتى في اسمي وصفتي. (وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْقَوِيُّ وَذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) وهو تفسير لما قبله (ومعناه القادر) أي التام القدرة الكامل القوة (وقد وصفه الله تعالى) أي نبيه (بِذَلِكَ فَقَالَ: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير: ٢٠] قيل) أي المراد به (مُحَمَّدٌ وَقِيلَ جِبْرِيلُ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الصَّادِقُ) كما رواه ابن ماجة في الاسماء الحسنى (في الحديث المأثور) أي المروي عن أبي هريرة مرفوعا وقد يؤخذ من قوله تعالى وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ (وورد في الحديث) أي الصحيح عن ابن مسعود (أيضا اسمه ﵊ بالصّادق) أي فيما يقوله (المصدوق) أي فيما يخبره يعني المشهود له بصدق في كلامه ﷾ بقوله وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. (ومن أسمائه تعالى) أي في القرآن (الوليّ) أي من قوله تعالى اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا كذا ذكره الدلجي وكأنه غفل عن قوله تعالى فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وقوله تعالى وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (والمولى) قال تعالى فَنِعْمَ الْمَوْلى (ومعناهما) أي معنى كل من الولي والمولى (النّاصر) والأظهر المغايرة بينهما لقوله ﷾ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ فالولي هو المتصرف في أمر عباده على وفق مراده وكذلك المولى في وصفه تعالى بالمعنى الأعم من معنى النصير كما لا يخفى على الناقد البصير وهو لا ينافي أنه قد يراد بالولي والمولى الناصر كما بينه المصنف بقوله (وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ
[ ١ / ٥١٥ ]
[المائدة: ٥٥]) وقال ﵊ أنا ولي كل مؤمن رواه البخاري عن أبي هريرة وروى أحمد وأبو داود عن جابر نحوه (وقال الله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وقال ﵊) أي على ما رواه الترمذي وحسنه (من كنت مولاه فعليّ مولاه) أي من أحبني وتولاني فليتوله فإنه مني قال الشافعي ولاء الإسلام كقوله تعالى ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ وقد قال عمر لعلي رضي الله تعالى عنهما أصحبت مولى كل مؤمن أي وليه على لسان نبيه قيل سببه أن أسامة بن زيد قال لعلي لست مولاي إنما مولاي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ.
(وَمِنْ أَسْمَائِهِ تعالى العفوّ) أي كثير العفو (ومعناه الصّفوح) أي كثير الاعراض عن الاعتراض وأصله إمالة صفحة العنق عن الجاني ثم استعمل مجازا في المعاني (وقد وصف الله تعالى نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم بهذا) وفي نسخة صحيحة بهذا نبيه (في القرآن. و) في (التّوراة) أما التوراة فكما سيأتي وأما القرآن فكما قال المصنف (وأمره بالعفو) ولا شك أنه كان ممتثلا لأمره فيتحقق وصفه به (فقال خُذِ الْعَفْوَ [الأعراف: ١٩٩]) أي هذه الخصلة الحميدة وهي المجاوزة عن مرتكب السيئة إذا كانت بنفسك متعلقة وتمامه وأمر أي الناس بالعرف أي المعروف شرعا وعرفا أو نقلا وعقلا وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ أي المعاندين من المجادلين (وقال) أي ﷿ (فَاعْفُ عَنْهُمْ) أي تجاوز (وَاصْفَحْ [المائدة: ١٣]) أي تغافل (وقال له جبريل وقد سأله) أي النبي (عن قوله) أي عن معنى قوله تعالى (خُذِ الْعَفْوَ [الأعراف: ١٩٩]) أي الآية (قال أن تعفو عمن ظلمك) أي وتصل من قطعك وتعطي من حرمك (وقال في التّوراة) زيد في نسخة والإنجيل قال الأنطاكي قال شيخنا برهان الدين الحلبي هذا الحديث ذكره البخاري في صحيحه من رواية عبد الله بن عمرو ليس فيه ذكر الإنجيل (في الحديث المشهور) أي الذي رواه عبد الله بن عمرو بن العاص فيما سبق (في صفته) أي نعته في التوراة (ليس بفظّ) أي سيئ الخلق (ولا غليظ) أي جافي القلب (ولكن يعفو) أي يمحو في الباطن (ويصفح) أي ويعرض في الظاهر فاشتق له من اسمه العفو لاتصافه بكثرة العفو.
(ومن أسمائه تعالى الهادي وهو) أي الهداية في صفة الحق (بمعنى توفيق الله تعالى لمن أراد من عباده) أن يخلق الاهتداء فيه فيصير مهتديا به فالمراد بالهداية هنا الدلالة الموصلة إلى المطلوب ومنه قوله تَعَالَى إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وقد يستعمل بمعنى البيان ومجرد الدلالة كما في قوله تعالى وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ وقوله ﷾ وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ وهذا معنى قوله (وبمعنى الدّلالة) أي على طريق الحق وبيان سبيل الرشد (والدّعاء) أي وبمعنى الدعاء وهو قريب مما قبله (قال الله تعالى وَاللَّهُ يَدْعُوا) أي عامة الخلق بدعوة الحق (إِلى دارِ السَّلامِ) أي دار الله التي فيها رؤيته التي هي أعز المرام أو دار يسلم الله تعالى وملائكته على من فيها بوجه الدوام أو دار السلامة من الآفة والملامة (وَيَهْدِي) بتوفيقه (مَنْ يَشاءُ) بتخصيصه (إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس: ٢٥])
[ ١ / ٥١٦ ]
أي دين قويم (وأصل الجميع) أي جميع أنواع الهداية مما هو بمعنى التوفيق وهو خلق الاهتداء وما هو بمعنى الدلالة وما هو بمعنى الدعاء (من الميل) أي والإقبال (وقيل من التقديم) يعني فكان من هدى مال إلى ما هدى إليه أو قدم إليه وكلام القولين غير معروف في كتب اللغة مع أنه لا يظهر وجه الدلالة على سبيل الأصالة ثم لا فائدة فيه غير الإطالة (وقيل في تفسير طه إنه) أي معناه بإشارة مبناه (يا طاهر يا هادي يعني) أي يريد به أو بهما (النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقال تعالى له) أي في حقه ﵊ (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي لتدعو كما قرئ به والمعنى تدل الخلق إلى طريق الحق (وقال فيه وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ) أي بأمره أي بتيسيره زيد في نسخة وسراجا منيرا والحاصل أنه صلى الله تعالى عليه وسلم موصوف بكونه هاديا إلا أنه مختص بالمعنى الثاني وهو مجرد الدلالة والدعاء (فالله تعالى مختصّ بالمعنى الأوّل) وهو التوفيق لمن يشاء بخلق الاهتداء، (قال الله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) أي لا تقدر أن تخلق فيه قبول الهداية وإنما وظيفتك مجرد الدعوة والدلالة (وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [القصص: ٥٦]) بتوفيقه للإجابة وقبول الهداية (وبمعنى الدّلالة يطلق على غيره تعالى) أي قد يطلق على غيره ﷾ فاستعمال الهداية في حق البارئ بالمعنى الأعم وهو إرادة المعنيين واختصاصه تعالى بالمعنى الأول واختصاص غيره بالمعنى الثاني ولذا زيد في نسخة هنا فهو في حقه صلى الله تعالى عليه وسلم بمعنى الدلالة أي لا غير، (ومن أسمائه تعالى المؤمن المهيمن) بكسر الميم الثانية وقد تفتح (قيل هما بمعنى واحد) وهذا مبني على قول فاسد كما سيجيء معبرا عنه بقيل من أن الصيغة للتصغير وإن الهمزة مبدلة بالهاء فإن التصغير الذي وضع للتحقير غير مناسب لوصف العلي الكبير فالصحيح أن المهيمن مأخوذ من هيمن على كذا صار رقيبا إليه وحافظا عليه نعم قد يقال إن معناهما واحد من آمن غيره من الخوف على أن أصله مأمن قلبت الهمزة الأولى هاء والثانية ياء وقيل هو بمعنى الأمين أو المؤتمن (فَمَعْنَى الْمُؤْمِنِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى الْمُصَدِّقُ وَعْدَهُ عباده) أي وعده عباده كما في نسخة أي المنجز ما وعدهم في الدنيا من نعيم العقبى كما جاء في التنزيل وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ أو بالمعنى الأعم كما في الحديث صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده (والمصدّق) أي بذاته (قوله الحقّ) بنصبه على أنه نعت قوله أي من كلماته الثابتة في آياته قال الله تعالى فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ، (والمصدّق لعباده المؤمنين) كما أشار في التنزيل رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ (ورسله) حيث قال فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ (وقيل الموحّد نفسه) أي بقوله شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وقوله سبحانه إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فهو مؤمن بتصديقه لنفسه (وقيل المؤمن) بتخفيف الميم بعد الهمزة الساكنة وفي نسخة بتشديدها بعد الهمزة المفتوحة وهو مما لا حاجة إليه أي معطي الأمن والامان (عباده في الدّنيا من ظلمه) أي لتنزهه عن وقوعه
[ ١ / ٥١٧ ]
وفي نسخة من غضبه وهي في غير محلها لعموم عباده كما يدل عليه عطف خواصهم عليه بقوله (والمؤمنين في الآخرة من عذابه) أي من عذابه المخلد أو من تعذيبه فإن ما يقع لبعض المجرمين فهو من باب تهذيبه أو أراد بالمؤمنين الكاملين، (وقيل المهيمن بمعنى الأمين) مفيعل من الأمانة (مصغّر منه) أي من الأمين بزيادة ميمه الاولى فصار مؤيمن كذا ذكره الدلجي وهو غير متجه في العربية بل الصواب أنه مصغر على ما قيل من المؤمن على أن اصله مؤيمن (فقلبت الهمزة هاء) إذ كثيرا ما يتعاقبان قلبا كما قيل أراق وهراق وايهات وهيهات وإياك وهياك وقد قدمنا ما يتعلق به من التحقيق والله ولي التوفيق (وقد قيل إنّ قولهم) أي قول المؤمنين (في الدّعاء) أي في عقبه (آمين) أي بالمد والقصر (اسم) وفي نسخة أنه أي آمين اسم (من أسماء الله تعالى) والظاهر أنه بكسر همزة وأنه بجملته ساد مسد خبر أن الأول فتأمل وقال الانطاكي إنه بفتح الهمزة وهو للتعليل أي لأنه اسم من اسماء الله تعالى كما روي ذلك عن مجاهد قال الانطاكي فمعناه يا آمين استجب انتهى ولا يخفى أن هذا تركيب في المعنى بين القولين في المبنى قال النووي في التهذيب وهذا لا يصح لأنه ليس في اسماء الله تعالى اسم مبنى ولا غير معرب مع أن اسم الله تعالى لا يثبت إلا قرآنا أو سنة متواترة وقد عدم الطريقان ذكره الحلبي ثم قال وقوله أو سنة متواترة كذلك آحادا وقد ذكر هو عن إمام الحرمين أنه يثبت إطلاقه عليه بالآحاد ذكره في قوله إن الله جميل يحب الجمال انتهى ولا يخفى أن ورود آمين ثبت آحادا بل كاد أن يثبت متواترا باعتبار جمع معنى ما ورد إفرادا إلا أن المراد به اسمه سبحانه في محل الاحتمال والله تعالى اعلم بالحال نعم قد ورد في الحديث آمين خاتم رب العالمين على لسان عباده المؤمنين كما رواه ابن عدي والطبراني في الدعاء عن أبي هريرة لكن المشهور في معناه استجب وهو اسم مبني على الفتح يمد ويقصر والد أكثر وورد في حديث قال بلال لرسول الله لا تسبقني بآمين أي بعد قراءة الفاتحة في الصلاة ولعل الكلام وقع مقلوبا والمعنى قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في التأمين لبلال لا تسبقني بآمين هذا وفي القاموس آمين بالمد والقصر وقد يشدد الممدود ويمال أيضا عن الواحدي في البسيط اسم من اسماء الله تعالى أو معناه اللهم استجب أو كذلك مثله فليكن أو كذلك فافعل انتهى فتأمل (ومعناه معنى المؤمن) ولعله مأخوذ من الأمين مقصورا بمعنى المؤمن كما أن البديع بمعنى المبدع ويكون المد متولدا من اشباع الحركة (وقيل المهيمن بمعنى الشّاهد) فهو مغاير للمؤمن من جهة المعنى على ما قدمناه من تحقيق المبنى إذ معنى الشاهد العالم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة أو الذي يشهد على كل نفس بما كسبت من خير أو شر (والحافظ) أي وبمعنى الحافظ والواو بمعنى أو أي الحافظ لعباده أحوالهم والمحصي عليهم أفعالهم وأقوالهم، (والنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أمين) أي مأمون يعني معصوم ومصون أو صاحب الأمانة وطالب الديانة (ومهيمن) أي بمعنى عالم ومشاهد ورقيب وقريب (ومؤمن) أي مصدق أو معطي الأمن (وقد سمّاه)
[ ١ / ٥١٨ ]
أي الله (أمينا) أي عند بعض المفسرين (فقال: مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ٢١]) وقيل المراد به جبريل الأمين (وكان صلى الله تعالى عليه وسلم) أي فيما بين أهل الجاهلية (يُعْرَفُ بِالْأَمِينِ وَشُهِرَ بِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَبَعْدَهَا) أي لكمال أمانته ووضوح ديانته وحفظ الله سبحانه إياه عن خيانته (وسمّاه العبّاس) أي في شعره كما في نسخة (مهيمنا في قوله) أي من أبيات أنشأها أو أنشدها في مدحه ﵇ (ثم احتوى بيتك المهيمن من خندف علياء تحتها النّطق) وقد مر بيانه مبنى ومعنى فالمهيمن مرفوع على أنه فاعل احتوى وهو المناسب للمرام في هذا المقام (وقيل المراد يا أيّها المهيمن) فيكون المراد به الله تعالى، (قاله القتيبيّ) بالتصغير وفي نسخة بدون التحتية وفي أخرى بالعين بدل القاف والظاهر الأول فإنه الإمام أبو محمد عبد الله ابن مسلم بن قتيبة وقد صرح به التلمساني بأنه منسوب إلى قتيبة بالتصغير لكن ذكر الأنطاكي عن الأصمعي أن الأقتاب هي الأمعاء واحدتها قتبة وتصغيرها قتيبة وبها سمي الرجل والنسبة إليها قتبي كما تقول جهني في جهينة حكاه عن الجوهري وغيره ثم هو عن الدينوري بكسر الدال وفتح النون وقيل المروزي النحوي صاحب كتاب المعارف وأدب الكاتب كان فاضلا سكن بغداد وحدث بها عن إسحاق بن راهويه وأبي حاتم السجستاني وتلك الطبقة وله تصانيف كثيرة مفيدة منها غرائب القرآن وغريب الحديث ومشكل القرآن ومشكل الحديث ومنها التاريخ وطبقات الشعراء وغير ذلك توفي سنة ست وسبعين ومائتين على ما صححه ابن خلكان. (والإمام أبو القاسم القشيريّ) هو عبد الكريم بن هوزان النيسابوري صاحب الرسالة وولي الله توفي سنة خمس وستين وأربعمائة (وقال تعالى) أي في حق نبيه (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ أي يصدق بوجوده لما شاهد عنده من كرمه وجوده (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ٦١]) أي يصدقهم بعلمهم بخلوصهم واللام مزيدة للفرق بين إيمان الشهود والتصديق وإيمان الأمان بوجود التحقيق فقوله (أي يصدّق) تفسير لمطلق الإيمان وقيل عدي بالباء واللام لأنه قصد التصديق بالله الذي هو نقيض الكفر به وقصد السماع من المؤمنين وأن يسلم لهم ما يقولون ويصدقهم لكونهم صادقين عنده ونحوه قوله تعالى وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ وقالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (وقال صلى الله تعالى عليه وسلم) أي كما في حديث مسلم على ما مر مبنى ومعنى (أنا آمنة) بفتحتين (لأصحابي) أي ذو من أمن هو من باب رجل عدل (فهذا بمعنى المؤمن) أي معطي الأمن والأمان لأهل الإيمان إذ كانت الصحابة في ظل حرم كنفه آمنين وأما قول الدلجي جمع أمين كبررة جمع بر فهو غير موافق أصلا لأنه غير مطابق وزنا وحملا. (ومن أسمائه تعالى القدّوس) بضم القاف ويفتح صيغة مبالغة من القدس وهو الطهارة والنزاهة ولذا قال (ومعناه المنزّه عن النّقائص) أي أزلا، (المطهّر عن سمات الحدث) بكسر السين جمع سمة وهي العلامة أي من صفات الحدوث أبدا وقد يقال في معناه المبرأ من أن يدركه حس أو يتخيله وهم أو يحيط به عقل أو يتصوره فهم لما قيل ما خطر ببالك فالله وراء ذلك (وسمّي بيت المقدس) أي على ما ورد وهو بفتح الدال المشددة وضم الميم وقيل
[ ١ / ٥١٩ ]
بفتح الميم وكسر الدال مخففا والظاهر أن بيت مرفوع على نيابة الفاعل والمفعول الثاني مقدر وترك لظهوره وثقل تكرره أي سمي بيت المقدس ببيت المقدس وجزم الأنطاكي بأن بيت بالنصب على أنه المفعول الثاني لسمي والمفعول الأول القائم مقام الفاعل مستكن فيه أي وسمي بيت المقدس بيت المقدس انتهى ولا يخفى أن تقديرنا أولى لأن المفعول الثاني بالحذف أحرى لكونه فضلة والمفعول الأول بالثبات أنسب لكونه كالعمدة (لأنّه يتطهّر) بصيغة المجهول أي يتنظف (فيه من الذّنوب) بناء على أنه يعبد فيه علام الغيوب (ومنه الوادي المقدّس) أي كما جاء في القرآن وهو بمعنى المطهر أو المبارك وهو الأظهر (وروح القدس) أي ومنه روح القدس بضم الدال وسكونها في قوله تعالى وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ
بضم الدال وسكونها أي قويناه بجبريل (ووقع في كتب الأنبياء) أي الكرام والمعنى في جميعها أو بعضها (في أسمائه ﵊) أي من بيان نعوته وصفاته (المقدّس) أي وقع المقدس في جملة اسمائه وسماته (أي المطهّر من الذّنوب) يعني والمبرأ من العيوب (كَمَا قَالَ تَعَالَى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: ٢]) أي على فرض وقوع ذلك فتدبر (أَوِ الَّذِي يُتَطَهَّرُ بِهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَيُتَنَزَّهُ باتّباعه عنها) أي عن العيوب (كما قال تعالى وَيُزَكِّيهِمْ) أي يطهرهم مما لا يليق بهم صدوره عنهم (وقال يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: ١٢٩]) أي من ظلمات أنواع الكفر إلى نور وحدة الإيمان والشكر أو من ظلمات الشبهة في الدين بما يهديهم الله به ويضيء لهم نور اليقين ولا يخفى بعد هذا المعنى من هذا المبنى فإن صيغة المفعول بمعنى الآلة للدلالة غير معقول ولا منقول وعلى تقدير أنه منقول فيلزم منه أن يكون هذا النعت لاتباعه أكثر قبول (أو يكون) أي النبي ﵊ (مقدّسا بمعنى مطهّرا من الأخلاق الذّميمة) بالذال المعجمة أي الردية (والأوصاف الدّنيئة) بتشديد الياء التحتية وأصله الهمز من الدناءة بمعنى الرداءة كما في نسخة وهذا المعنى يقارب ما سبق من قوله المطهر من الذنوب لأن المراد به الطهارة من ذنوب الظواهر وغيوب السرائر. (ومن أسمائه تعالى العزيز) من عز يعز بالكسر (ومعناه الممتنع) أي بذاته (الغالب) باعتبار صفاته (أو الذي لا نظير له) من قوله فلان عزيز الوجود في نظر أرباب الشهود وهو معنى البديع المنيع (أو المعزّ لغيره) فهو فعيل بمعنى كبديع بمعنى مبدع على قول وقد يقال معناه القوي من عز يعز بالفتح ومنه قوله تعالى فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ أي قوينا (وقال تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ أي القوة والغلبة والمنعة (وَلِرَسُولِهِ [المنافقون: ٨] أي الامتناع) يعني بظهور السلطان (وجلالة القدر) أي بارتفاع الشأن له ﷾ ولمن أعزه كرسوله فعزته بربه في الآية وكذا قوله تعالى وَلِلْمُؤْمِنِينَ لأن عزتهم بربهم أولا وبنبيهم آخرا هذا وذكر الحلبي أنه قال المعلق أراد به الشيخ تاج الدين عبد الباقي اليمني في الاكتفاء في شرح الشفاء منه ولقائل أن يقول يجوز أن يكون هذا الوصف أيضا للمؤمنين لشمول العطف إياهم فلا اختصاص للنبي والغرض اختصاصه وعجيب من القاضي كيف خفي عليه مثل هذا الشأن
[ ١ / ٥٢٠ ]
انتهى ولا يخفى أن قوله والغرض اختصاصه يحتاج إلى البيان فإنه غير ظاهر في معرض البرهان فإن أكثر الأوصاف المتقدمة إنما هي واقعة بالصفة المجتمعة ومنها المؤمن حيث أطلق عليه سبحانه وعلى رسوله وعلى كل فرد من أفراد اتباعه على أنه لا يلزم من وصف الشيء بالشيء اختصاصه به ولا نفيه عن غيره نعم كان الأحسن أن يستدل بقوله تعالى لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ الفعل على أن ما بعده وهو قوله عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ كلام منقطع عما قبله وصفة أخرى له (وقد وصف الله تعالى نفسه بالبشارة) يعني بطريق الإشارة لا على سبيل العبارة حيث أثبت له هذا الفعل وإن لم يذكر بطريق الوصف (والنّذارة) بكسر النون ولعل الانذار يؤخذ من قوله تعالى تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا على أن ضمير يكون راجع إلى الموصول على تجويز عوده إلى الفرقان وإلى عبده المعني به رسوله (فقال) أي عز وعلا (يُبَشِّرُهُمْ) بالتشديد والتخفيف (رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ) للعامة (وَرِضْوانٍ [التوبة: ٢١]) للخاصة (وقال تعالى أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى) أي في موضع (و) في محل آخر يُبَشِّرُكَ (بِكَلِمَةٍ مِنَ [آل عمران: ٣٩]) أي اسمه المسيح عيسى (وسمّاه الله تعالى) أي محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم (مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) أي في قوله تعالى إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وزيد في نسخة وبشيرا أي أي وسماه بشيرا في قوله ﷾ في موضع وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وهو فعيل بمعنى مفعل كالنذير (أي مبشّرا لأهل طاعته) يعنى بدار الثواب (ونذيرا) أي ومنذرا ومخوفا (لأهل معصيته) يعني دار العقاب. (وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى فِيمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: طه، ويس) ولعل في الطاء إيماء إلى أنه طاهر وفي الهاء إلى الهادي وفي الياء إلى يَداهُ مَبْسُوطَتانِ وفي السين إلى أنه سيد أو سميع، (وقد ذكر بعضهم أيضا) أي من المفسرين (أنّهما من أسماء محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) وفي نسخة وشرف وكرم فهو طاهر وهاد كما تقدم وقد سبق أن يس معناه يا سيد كما يدل عليه قوله سبحانه إِلْ ياسِينَ على ما ذكره بعض المفسرين وقد قال بعض العلماء المعتبرين أن طه أيضا منادي بحذف حرف النداء وأن المعنى يا مشيها بالقمر ليلة البدر فإن الطاء والهاء أربعة عشر على حساب أبجد الجمل فتأمل وأغرب الدلجي في قوله إن هذا قيل بلا بينة ولا دليل يعتمد والله تعالى أعلم بمراده بهما انتهى ولا يخفى أن المراد خفي في المقطعات وسائر المتشابهات وإنما ذكر ما ذكر بناء على الاحتمالات الناشئة من العبارات أو المنبئة عن الإشارات.
فصل [قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى وها أنا أذكر نكتة]
(قال القاضي أبو الفضل) أي المصنف (وفّقه الله تعالى) أي لما يحبه ويرضاه (وههنا) أي في هذا المقام (أذكر نكتة) أي جملة مفيدة (أذيّل بها هذا الفصل) بتشديد التحتية المكسورة أي اجعل لها ذيلا لتمام المرام في مقام الفضل ووقع في أصل الدلجي وغيره وها
[ ١ / ٥٢١ ]
أنا على أن ها حرف تنبيه بعده مبتدأ أو خبر نبه به عن حاله في ذكره بعد فكره وكذا ذكره الحجازي وقال ويروى أذكر (وأختم بها هذا القسم) أي من بين أقسام بيان الفصل بالفصل بين الفرع والأصل (وأزيح الإشكال بها) بضم الهمزة وكسر الزاء أي وازيل بها الإغلاق الواقع (فيما تقدّم) أي من متشابه الحديث وغيره (عن كلّ ضعيف الوهم) بسكون الهاء ويحرك (سقيم الفهم) أي حذارا من وقوعه فيما يرديه (تخلّطه) أي تلك النكتة تنجيه (من مهاوي التّشبيه) بفتح الميم وكسر الواو جمع مهواة وهي الحفرة العميقة المهلكة أي مهالكه في مباديه أو تناهيه ويروى وساوس جمع وسوسة وهي حديث النفس والشيطان (وتزحزحه عن شبه التّمويه) بضم الشين وفتح الموحدة أي وتبعده عن الشبهات المموهة الخالية عن التنزيه لأن الطريق القويم والدين المستقيم هو اعتقاد التنزيه المتوسطة بين التعطيل والتشبيه (وهو) قال الدلجي أي ضعيف الوهم وهو وهم والصواب أي ذلك الاشكال (أن يعتقد) أي ضعيف الخيال (أنّ الله تعالى جلّ اسمه) أي وصفه ورسمه (في عظمته) أي في ذاته (وكبريائه) أي في صفاته (وملكوته) أي في أرضه وسمواته (وحسنى أسمائه) أي وأسمائه الحسنى (وعلا صفاته) بضم العين وفتح اللام مقصورا ومعناه الرفيعة أي وصفاته العلى وضبط في نسخة صحيحة بفتح العين وكسر اللام وتشديد الياء مجرورا ومعناه الرفيع أي وصفاته العلية ونعوته السنية (لا يشبه) أي الله سبحانه (شيئا من مخلوقاته ولا يشبّه به) بصيغة المجهول أي ولا يمثل به شيء مكنوناته لكمال ذاته وجلال صفاته (وأنّ ما جاء) أي من الاسم والصفة (ممّا أطلقه الشّرع) أي في الكتاب والسنة (على الخالق) أي تارة (وعلى المخلوق) أي أخرى لما بينهما من الاشتقاق اللغوي (فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقيّ) بل إطلاقه على غيره ﷾ إنما هو بالطريق المجازي؛ (إذ صفات القديم) أي الأزلي الأبدي لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه (بخلاف صفات المخلوق) أي المشاهد حدوثه بالدليل العقلي والنقلي (فكما أنّ ذاته تعالى لا تشبه الذّوات) أي وإن وقع الاشتراك في إطلاق الذات (كذلك صفاته) كالعليم والحليم والصبور والشكور والسميع والبصير والحي والمريد والمتكلم والقادر (لا تشبه صفات المخلوقين) أي من جميع الجهات (إذ صفاتهم) أي لحدوثها (لا تنفكّ) أي لا تزول (عن الأعراض) بالعين المهملة (والأغراض) أي عن عروضهما (وهو تعالى منزه عن ذلك) إذ لا عرض يعرض هنالك لأنه لا يعتري ذاته عرض ولا تعلل أفعاله بغرض وأما ما يشبه في فعله من العلة فهو محمول على سبب الحكمة (بل لم يزل بصفاته وأسمائه) أي موجودا ولا يزال بذاته ونعوته في نظر أرباب التوحيد وأصحاب التفريد مشهودا وأما صفات الأفعال كالخالق والرازق والمحيي والمميت فهي قديمة أيضا على ما اختاره المحققون من الماتريدي ومتابعيه خلافا للاشعري ومشايعيه وليس هذا محل تبيين مبانيها وتعيين معانيها وأما قول الدلجي من أنه ﷾ موصوف بسمع وبصر يزيد الانكشاف بهما على الانكشاف بالعلم فهو خطأ نشأ من القياس حيث يوجب التشبيه
[ ١ / ٥٢٢ ]
بأوصاف الخلق من قبول نعت الزيادة والنقصان باعتبار بعض الحواس مع أنه ﷾ يجب التنزه له عن ذلك إذ ليس كمثله شيء هنالك لا ذاتا ولا صفة ولا فعلا أصلا (وكفى في هذا) أي حسبك في كون ذاته وصفاته ﷾ لا تشبه ذات مخلوقاته وصفات مكوناته في جميع حالاتهم وعلو مراتبهم ودرجاتهم (قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]) قيل الكاف زائدة في هذا المقام إذ الكلام يتم بدونه في حصول المرام وقيل بزيادة المثل مبالغة في نفي المثل كما في قولهم مثلك لا يبخل فإنه إذا نفي البخل عن مشابهه ومناسبه كان نفيه عنه أولى في مراتبه وقيل المعنى ليس كذاته وصفته شيء وقال التلمساني والمحققون على أن لا صلة هنا لأن المراد منه نفي المماثلة من وجه وهذا لأنه لم يقل أحد بأن لله مثلا من كل وجه وإنما قالوا بالمماثلة من وجه فيحتاج إلى نفي هذه المماثلة ومن شأنهم أنهم يقولون عند ثبوت المماثلة من كل وجه هذه مثله وعند ثبوتها من وجهه هذا كمثله انتهى وهنا وجه أدق وهو بالبيان أحق وهو أن نفي مثل المثل يوجب نفي المثل (ولله درّ من قال) الدر في الأصل اللبن حال كثرته وقصد به هنا عمله أو خيره (من العلماء والعارفين) أي الجامعين في العلم والمعرفة الباهرة بين الأنوار الظاهرة والأسرار الباطنة (المحقّقين) أي في تبيان المبنى والمدققين في برهان المعنى (التّوحيد إثبات ذات غير مشبهة) بكسر الباء مخففة أو بفتحها مثقلة أي غير مشبهة (للذّوات) أي لسائر ذوات الموجودات وفيه رد على الوجودية والاتحادية والحلولية (ولا معطّلة عن الصّفات) أي الصفات الكاملات القديمات إذ التعطيل نفيها وإليه ذهب المعتزلة هربا من تعدد القدماء مبالغة في التوحيد قلنا لا محذور في تعدد الصفات وإنما المحظور في تعدد الذوات؛ (وزاد هذه النّكتة) أي معناها (الواسطي بيانا) أي وضوحا وبرهانا وظهورا وتبيانا (وهي مقصودنا) أي ليعرف معبودنا ومشهودنا (فقال ليس كذاته ذات) أي لاتصافه بالقدم وحدوث غيره بالعدم (ولا كاسمه) أي الخاص به (اسم) أي كاسم الله والرحمن فإنهما لا يطلقان على غيره (ولا كفعله فعل) أي من خلق ورزق وإحياء وافناء وإيجاد وامداد (ولا كصفته صفة) أي لقدمها وحدوث غيرها ولكمالها ونقصان ما عداها (إلّا من جهة موافقة اللّفظ اللّفظ) أي مطابقة لفظة وصف الخلق لنعت الحق كالعليم والحليم وغيرهما مما سبق (وجلّت) بتشديد اللام أي عظمت (الذَّاتُ الْقَدِيمَةُ أَنْ تَكُونَ لَهَا صِفَةٌ حَدِيثَةٌ) أي حادثة وجدت او جديدة بعد عدم لأنها إن كانت صفة كمال صفة كما فخلوه عنها قبل حدوثها وجدت أو جديدة بعد عدم لأنها إن كانت صفة كمال فخلوه عنها قبل حدوثها مع جواز اتصافه بها نقص اتفاقا وإلا استحال اتصافه بها إجماعا وأيضا لا يجوز أن تكون ذات القديم محلا للحوادث كما في علم الكلام تمام المرام (كَمَا اسْتَحَالَ أَنْ تَكُونَ لِلذَّاتِ الْمُحْدَثَةِ صِفَةٌ قديمة) لامتناع وجود صفة قبل موصوفها وهو من العلوم الضرورية والأمور البديهية (وهذا) أي الكلام من زبدة المشايخ الكرام (كلّه مذهب أهل الحقّ والسّنّة والجماعة) أي من العلماء والأئمة (﵃) أي أجمعين. (وقد
[ ١ / ٥٢٣ ]
فسّر الإمام أبو القاسم القشيريّ قوله) أي قول الواسطي (هذا) أي المذكور سابقا (ليزيده بيانا) أي وبرهانا لاحقا (فقال هذه الحكاية) أي ما زاده الواسطي آنفا مما تقدم عنه الرواية (تشتمل على جوامع مسائل التّوحيد) أي مما عليها مدار أرباب الدراية وهي اعتقاد أن لا شريك له في الآلهية والصفات الذاتية والفعلية واستحقاق العبودية بمقتضى النعوت الربوبية (وكيف) استفهام تعجب أو إنكار أي ولا (تشبه ذاته) أي الغنية بصفاته (ذات المحدثات) أي المفتقرة إلى موجدها في جميع الحالات (وهي) أي والحال أن ذاته تعالى (بوجودها) أي بوجوب وجودها وثبوت شهودها واتصافها بكرمها وجودها (مستغنية) أي عن جميع الأشياء كما قال وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ (وكيف يشبه فعله فعل الخلق) يجوز كونه فاعلا أو مفعولا وفي نسخة من فعل الخلق (وهو) أي والحال أن فعله لا يعلل بغرض ولا عرض ولا عوض فصدوره عنه (لغير جلب أنس) لاستغنائه عن جليس وأنيس (أو دفع نقص) أي ولا دفع نقص (حصل) أي تداركا لما به يتكمل (ولا بخواطر) باللام ويروى بالباء فاللام تعليلية والباء سببية أي ولا يكون بحصول خواطر باعثة له عليه (وأغراض) بالغين المعجمة (وجد) أي شيء منها لامتناع أن يكون فعله معللا بغرض وتصحف على الدلجي بقوله وجد بكسر الجيم وتشديد الدال فقال ولا يكون فعله تعالى باجتهاد على أنه مستدرك بقول المصنف (ولا بمباشرة ومعالجة ظهر) أي لا بانفراده ولا بالواسطة بل كما قال تعالى إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، (وَفِعْلُ الْخَلْقِ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ) أي من الغرض والعرض والمباشرة والمعالجة، (وقال آخر) غير معرف كما ذكره الحلبي (من مشايخنا) أي مخاطبا لمريديه (ما توهّمتموه بأوهامكم أو أدركتموه بعقولكم) أي ولو في أكمل أحوالكم وأفضل مرامكم (فهو محدث) بفتح الدال أي حادث (مثلكم) واختصره بعض العارفين فقال كل ما خطر ببالك فالله وراء ذلك، (وقال الإمام أبو المعالي) عبد الملك أي ابن أبي محمد (الجوينيّ) بالتصغير وهو المشهور بإمام الحرمين ولد سنة تسع عشرة وأربعمائة وحج وجاور بمكة والمدينة أربع سنين ثم عاد إلى وطنه نيسابور وهو من جملة مشايخ الغزالي (مَنِ اطْمَأَنَّ إِلَى مَوْجُودٍ انْتَهَى إِلَيْهِ فِكْرُهُ) أي وتقرر فيه ذهنه وتصور أنه بعينه لا يتصور غيره (فهو مشبّه) بكسر الموحدة والمشددة أي فهو من أهل التشبيه لله بذلك الموجود مما سواه (ومن اطمأنّ) أي سكن (إلى النّفي المحض) أي ذاتا وصفة (فهو معطّل) أي من أهل تعطيل الكون من أن يكون له مكون كالدهرية أو المعتزلة (وإن قطع بموجود) أي من غير توهم تشبيه وتصور تعطيل (اعترف بالعجز عن درك حقيقته) بفتح الراء وسكونها أي إدراك حقيقته من جهة ذاته وصفاته (فهو موحّد) كما روي عن الصديق الأكبر ﵁. العجز عن درك الادراك أدراك ويؤيده حديث سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ويقويه قوله تعالى وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا وهذا أحد محامل ما ورد عليكم بدين العجائز (وما أحسن قول ذي النّون المصريّ) وهو الزاهد الواعظ العارف بالله كان أبوه نوبيا وصار
[ ١ / ٥٢٤ ]
عالما فصيحا حكيما توفي سنة خمس واربعين ومائتين قال الدارقطني روى عن مالك بن أنس أحاديث في إسنادها نظر (حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ في الأشياء) أي في إيجادها (بلا علاج) أي بلا معالجة ومزاولة ومباشرة واستعمال آلة (وصنعه) أي وتعلم أن صنعه (لها بلا مزاج) أي بلا خلط شيء بشيء أو بأشياء لتركيبه في الإبداء بل خلق الأشياء إما إبداعا بدون مادة كالسموات أو تكوينا منها كالإنسان من نطفة بحسب ما تعلق القدرة بمقدورها على وفق الإرادة (وعلّة كلّ شيء صنعه) أي مجرد صنعته وظهور قدرته بحسب إرادته (ولا علّة لصنعه) لأن أفعاله لا تعلل (وما تصوّر) بصيغة المفعول أو الفاعل أي وما خطر (في وهمك فالله بخلافه) أي بخلاف ذلك قال المصنف؛ (وهذا كلام عجيب نفيس) أي مرام غريب (محقّق) أي ثابت في مقام العلم مدقق. (والفضل الآخر) وفي نسخة الآخر بكسر الخاء وهو الفقرة الثالثة يعني قوله وما تصور في وهمك فالله بخلافه هو (تفسير) أي توضيح وتعبير (لقوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] والثّاني) أي من الفصول وهو قوله وعلى كل شيء صنعه ولا علة لصنعه (تفسير لقوله: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء: ٢٣]) أي كما أشار إليه الحديث القدسي والكلام الأنسي خلقت هؤلاء للجنة ولا أبالي وخلقت هؤلاء للنار ولا أبالي ومجمله في التفسير قوله تعالى فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ وغايته أن فعله وقع أولا فضلا وثانيا عدلا (والثّالث) أي من الفصول وهو قوله التوحيد الخ (تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: ٤٠]) أي ليس هناك إلا ظهور أثر القدرة على وفق الإرادة من غير تصور العلة (ثبّتنا الله وإيّاك على التّوحيد) أي على العلم بالوحدانية له سبحانه من جهة الذات (والإثبات) أي من جهة الصفات (والتّنزيه) أي واعتقاد أن ذاته ليست كسائر الذوات وصفاته ليست كصفات المحدثات، (وجنّبنا) أي بعدنا (طرفي الضّلالة والغواية من التّعطيل والتّشبيه) أي من جهة ذاته وصفته (بمنّه ورحمته) إذا لا يجب عليه شيء لبريته.
[ ١ / ٥٢٥ ]
الْبَابُ الرَّابِعُ [فِيمَا أَظْهَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَشَرَّفَهُ بِهِ مِنَ الْخَصَائِصِ والكرامات]
أي من القسم الأول (فِيمَا أَظْهَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدَيْهِ مِنَ المعجزات) أي الأمور الخارقة للعادة الشاهدة بصدق دعوى الرسالة (وشرّفه به من الخصائص) أي الخصوصيات (والكرامات) حتى لعلماء أمته وأولياء ملته قال الحلبي نقل بعض مشايخي فيما قرأته عليه بالقاهرة عن الزاهد مختار بن محمود الحنفي شارح القدوري ومصنف القنية في رسالته الناصرية أنه قيل ظهر على يد نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم الف معجزة وقيل ثلاثة آلاف انتهى ولعله أراد غير المعجزات التي في القرآن كما سيأتي في كلام المصنف من البيان (قال القاضي أبو الفضل) أي المؤلف رحمه الله تعالى (حسب المتأمّل) بسكون السين أي كافيه (أن يحقّق أنّ كتابنا هذا) أي المسمى بالشفاء (لَمْ نَجْمَعْهُ لِمُنْكِرِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي ورسالته (ولا لطاعن في معجزاته فنحتاج) هو بالنصب بتقدير أن أي حتى نحتاج نحن معه في بحث الدين (إلى نصب البراهين) أي الأدلة النقلية والعقلية (عليها) أي على اثبات معجزاته (وتحصين حوزتها) بمهملة مفتوحة فواو ساكنة ثم زاء مفتوحة وأصلها بيضة الملك ودائرتها بأجمعها من حواليها وأطرافها وناحيتها أي وحفظ افرادها مجموعة محصنة (حتّى لا يتوصّل المطاعن إليها) أي إلى مقدماتها بالتردد في إثباتها (وتذكر) بالنصب عطفا على فنحتاج أي وحتى نظهر (شروط المعجز) وهو النبي المدعي (والتّحدّي) بالنصب أي ونبين التحدي وهو بكسر الدال المشددة طلب المعارضة وهو شرط كونه معجزة (وحده) بالنصب أيضا وهو بفتح الحاء وتشديد الدال أي وتعريفه بأنه طلب المعارضة (وفساد) أي ونذكر فساد (قول من أبطل نسخ الشّرائع) كاليهود وغيرهم (وردّه) أي ونذكر رد قول مبطله والحاصل أنا لم نجمعه لشيء من ذلك فلم نحتج إلى ذكر ما يدفع شيئا مما هنالك.
(بل ألّفناه) بتشديد اللام أي جمعنا كتابنا هذا (لأهل ملّته) أي لأهل إجابة دينه وشريعته من أمته (المليّن) بتشديد الموحدة المكسورة أي المجيبين (لدعوته المصدّقين لنبوّته ليكون) أي ما في تأليفنا هذا (تأكيدا في محبّتهم له ومنماة) بفتح الميم مفعلة من النمو أي ومزيدا (لأعمالهم) أي وفق متابعتهم له (ولِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ [الفتح: ٥]) أي بضم إيقانهم إلى مجرد إيمانهم (ونيّتنا) أي قصدنا وغرضنا (أن نثبت) بالتخفيف والتشديد أي نذكر (في هذا الباب أمّهات معجزاته) أي معظماتها وأصولها (ومشاهير آياته) أي من فصولها (لتدلّ) بالتاء الفوقية أي تلك المعجزات الواضحات والكرامات البينات (على عظيم قدره) وفي نسخة
[ ١ / ٥٢٦ ]
عظم قدره بكسر العين وفتح الظاء أي على عظمة مقدار قربه (عند ربّه) أي وفق كمال حبه وفي نسخة لندل بالنون أي بسبب تأليفنا وقع في أصل الدلجي بصيغة التذكير فقال أي ما نواه من إثباتها (وأتينا) بفتح الهمز أي وجئنا (منها) أي بعد أن نوينا إثباتها (بالمحقّق) بفتح القاف أي بالثابت وقوعه في القرآن القديم (والصّحيح الإسناد) أي الواقع في الحديث الكريم كحنين الجذع وتسبيح الحصى وتكثير الطعام والشراب، (وأكثره) أي أغلب ما ذكر في هذا الباب (ممّا بلغ القطع) أي العلم القطعي أو الأمر اليقيني (أو كاد) أي قارب أن يبلغه للتواتر المعنوي دون اللفظي وحذف خبر كاد مراعاة لسجع ما سبق من الإسناد أو للاكتفاء للعلم بالمراد (وأضفنا إليها) أي إلى المعجزات الثابتة بالكتاب والسنة (بَعْضَ مَا وَقَعَ فِي مَشَاهِيرِ كُتُبِ الْأَئِمَّةِ) من نحو صحاح الستة؛ (وإذا تأمّل المتأمّل المنصف) أي الخارج عن وصف التعسف يقال انصف إذا أعطى الحق من نفسه (ما قدّمناه من جميل أثره) أي مآثره الجميلة ومفاخره الجزيلة (وحميد سيره) أي شمائله الحميدة وفضائله السعيدة (وبراعة علمه) أي وتفوقه على جميع العلماء (ورجاحة عقله وحلمه) أي رزانتهما وزيادتهما على سائر العقلاء والحلماء (وجملة كماله) أي ومجمل كمالاته العلية (وجميع خصاله) أي اعماله وأحواله السنية (وشاهد حاله) من ظهور شمائله البهية (وصواب مقاله) أي من حكمه الجلية (لم يمتر) جواب إذا أي لم يشك (في صحّة نبوّته وصدق دعوته) أي في نسبة رسالته بتبليغ دعوة الحق إلى عامة الخلق (وقد كفى هذا) أي ما ذكرنا (غير واحد) أي ممن تأمل في حال كونه داخلا (في إسلامه) أي من جهة انقياده (والإيمان به) أي من حيث اعتقاده (فروينا) بصيغة المجهول وقد تشدد واوه وروي بصيغة الفاعل أيضا والمعنى فوصل إليها رواية (عن التّرمذيّ) وهو صاح الجامع (وابن قانع) وهو الحافظ عبد الباقي بن قانع وهو بالقاف والألف والنون والعين المهملة وقد تصحف بابن نافع بالنون أولا والفاء بعد الألف وقد سبق ترجمتهما (وغيرهما) أي من المخرجين (بأسانيدهم أنّ عبد الله بن سلام) بتخفيف اللام وهو من الصحابة الكرام (قَالَ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم المدينة) أي الأمينة السكينة (جئته) جواب لما أي أتيته (لأنظر إليه) أي إلى وجه أمره وظهور شأنه واتأمل في تحقيق بيانه وتدقيق برهانه (فلمّا استبنت وجهه) أي رأيت ظاهر وجهه الدال على صدق سره وباطنه وفي رواية فلما تبينت وجهه أي أبصرت وجهه ظاهرا (عرفت) أي ظهر لي من أمارات صدقه اللائحة على صفحة وجهه لأن الظاهر عنوان الباطن (أنّ وجهه ليس بوجه كذاب) وتركيبه بالإضافة ويجوز بالوصفية للمبالغة. (حدّثنا به) أي بالحديث الآتي بعد إتمام سنده والمراد بحديث عبد الله بن سلام هذا بعينه (القاضي الشّهيد أبو عليّ ﵀) وهو الحافظ ابن سكرة (قال حدّثنا أبو الحسين) بالتصغير هو الصواب على تقدم قي صدر الكتاب (الصّيرفيّ وأبو الفضل بن خيرون) بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية وضم راء وسكون واو ونون منصرف ويمنع (عن أبي يعلى البغداديّ) بالدال المهملة أولا والمعجمة
[ ١ / ٥٢٧ ]
ثانيا وهو أفصح من عكسه وكذا إهمالهما واعجامهما وهو معروف بابن زوج الحرة (عن أبي عليّ السّنجيّ) بكسر المهملة فنون ساكنة فجيم فياء نسبة (عن ابن محبوب) وهو المحبوبي (عن التّرمذيّ) صاحب الجامع، (حدّثنا محمّد بن بشّار) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة (حدّثنا عبد الوهّاب الثّقفيّ) أي الحافظ أحد الاشراف عن أيوب ويونس وحميد وعنه أحمد وابن إسحاق وابن عرفة وثقه ابن معين وقال اختلط بآخره أخرج له الأئمة الستة (ومحمّد بن جعفر) وهو غندر وقد سبق (وابن أبي عديّ) بصري سلمي يروي عن حميد وطبقته وعنه جماعة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة (ويحيى بن سعيد) هذا هو القطان البصري أحد الاعلام عن هشام وحميد والأعمش وعنه أحمد وابن معين وابن المديني قال أحمد ما رأت عيناي مثله وقال بندار إمام أهل زمانه يحيى القطان واختلفت إليه عشرين سنة فما أظن أنه عصى الله قط (عن عوف بن أبي جميلة) بفتح الجيم وكسر الميم وهو عوف (الأعرابيّ) لدخوله درب الأعراب قاله ابن دقيق العيد أخرج له الأئمة الستة (عن زرارة) بضم الزاي في أوله (ابن أوفى) وفي نسخة ابن أبي أوفى قال الحلبي والصواب الأول وهو قاضي البصرة ويروي عن عمران بن حصين والمغيرة بن شعبة وعنه قتادة وغيره عالم ثقة كبير القدر أم في داره فقرأ فإذا نقر في الناقور فشهق فمات قال الحلبي وقد ذكر خبر موته كذلك الترمذي في جامعه في باب ما جاء في وصف صلاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالليل بسنده أخرج له الأئمة الستة (عن عبد الله بن سلام الحديث) أي على ما تقدم آنفا قال الحلبي وحديثه المذكور هنا على ما أخرجه القاضي عياض من جامع الترمذي أخرجه في الزهد وقال صحيح وهو في سنن ابن ماجة أيضا في الصلاة عن محمد بن بشار به أي بسنده وفي الأطعمة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة عن أبي عوف نحوه وكما روي أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في أول أمره كلما نظر إليه صلى الله تعالى عليه وسلم وتأمل في ذاته الكريمة كان يقول خلق هذا لأمر عظيم فلما دعاه إلى الإسلام قال هذا الذي كنت أرجو منك في سابق الأيام (وعن أبي رمثة) بكسر الراء وميم ساكنة ثم مثلثة (التّميميّ) بميمين وفي نسخة التيمي ويقالان في حقه على ما ذكره الحلبي (أتيت) وفي نسخة قال أتيت (النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي جئته (ومعي ابن لي) لا يعرف اسمه (فأريته) بصيغة المجهول أي فأرانيه بعض من يعرفه من أصحابه وغيرهم (فلمّا رأيته) وظهر لي ما عليه من لوامح الصدق ولوائح الحق (قلت هذا نبيّ الله) رواه ابن سعيد؛ (وروى مسلم وغيره أنّ ضمادا) بكسر الضاد المعجمة وهو ابن ثعلبة من ازد شنوءة وكان صديقا له صلى الله تعالى عليه وسلم قبل بعثته بالنبوة (لمّا وفد عليه) أي جاء إليه بمكة وقد سمع بعض قريش يقول محمد مجنون فقال يا محمد إني راق هل بك شيء أرقيك (فقال له النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) نفيا لما نسب إليه بإثبات كمال العقل مما يظهر من دلالة كلامه عليه (أنّ الحمد لله) بكسر الهمزة وتشديد النون ونصب الحمد وفي نسخة واقتصر عليها الشمني
[ ١ / ٥٢٨ ]
بفتح الهمزة وكسر النون المخففة ورفع الحمد ووجهه غير ظاهر وإن اختاره كثير من الشراح واقتصر عليه بعض المحشيين نعم لفظ الحديث على ما في الحصن الحصين وإن تولى عقدا فخطبته أن الحمد لله فضبط هناك بالوجهين وأما ههنا فلا يصح كون أن المصدرية بعد القول لاقتضائه الجملة ولا التفسيرية لوجود القول الصريح وهي لا تكون إلا مقرونة بما فيه معنى القول كالوحي والنداء وأمثال ذلك (نحمده) جمع بين الجملة الاسمية والفعلية تأكيدا للقضية فإن الأولى تفيد الثبات والدوام والثانية تدل على تجدد الإنعام أو الأولى خبرية والثانية انشائية أو الأولى نظرا إلى أفراده ووحدته والثانية اشتراكا لغيره من أمته وأهل ملته وأما كون النون للعظمة على ما ذكره الدلجي فلا يلائم مقام العبودية (ونستعينه) أي في الحمد وغيره (من يهده الله) وفي نسخة صحيحة مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ (فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يضلل فلا هادي له) بحذف المفعول في جميع الأصول وفيه نكتة لا تخفى على أصحاب الوصول (وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شريك له) تأكيد لما قبله (وأنّ محمّدا عبده ورسوله) أفرد الفعل في مقام التوحيد كما يناسبه مرام التفريد ولأن الشهادة أمر غيبي لا يطلع عليه كل أحد بخلاف ظهور الحمد والاستعانة بالحق فإنه ظاهر على جميع الخلق وهذا كله أولى مما حمله الدلجي على التفنن في العبارة والتنوع في الإشارة (قال) أي ضماد (له) أي للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم (أعد عليّ كلماتك هؤلاء) أي كررها لدي وأظهرها علي فإنه كما قيل:
أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره هو المسك ما كررته يتضوع
ثم هؤلاء إشارة إلى الكلمات فإن هؤلاء قد يستعمل لغير العقلاء وقد جاء في رواية أنه ﵇ أعادها عليه ثلاث مرات فقال لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء (فلقد بلغت قاموس البحر) بالقاف والميم أي وصلن إلى وسطه أو قعره أو لجته وتموج حجته وتبين محجته تعجبا من فصاحة مبانيها وبلاغة معانيها وفي نسخة قاعوس بالعين المهملة وفي أخرى قابوس بالموحدة وفي أخرى تاعوس بالتاء الفوقية أو النون مع العين المهملة والمعاني متقاربة ولعل بعض النسخ مصحفة (هات) بكسر التاء أي أعطني (يدك) أي اليمنى (أبايعك) بسكون العين جزما على جواب الأمر أي لأبايعك على الإيمان فبايعه وهو ممن اسلم في أول الإسلام على ما ذكره ابن عبد البر وأما قول الحلبي هات أمر من هاتى يهاتي فهو خلاف المشهور وما عليه الجمهور من أنه اسم فعل ولذا ذكره صاحب القاموس في مادة هيت وقال هات بكسر التاء أي اعطني لكن ذكره في المعتل اللام أيضا وقال هات يا رجل أي أعط والمهاتاة مفاعلة منه ويؤيده أنه يقال للمرأة هاتي. (وقال جامع بن شدّاد) بتشديد الدال الأولى وجامع هذا محاربي أسدي كوفي يقال له أبو صخرة يروي عن صفوان بن محرز وعدة وعنه القطان وابن عدي وهو ثقة توفي سنة ثمان عشرة ومائة على ما قاله ابن سعد ذكره الحلبي والحديث رواه البيهقي عنه أنه قال (كان رجل
[ ١ / ٥٢٩ ]
منّا) أي من أهل زماننا (يقال له طارق) وهو ابن شهاب أبو عبد الله المحاربي وله صحبة ورواية (فأخبر أنّه رأى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة فقال) أي النبي ﵊ له ولرفقائه (هَلْ مَعَكُمْ شَيْءٌ تَبِيعُونَهُ قُلْنَا هَذَا الْبَعِيرُ) أي معنا للبيع (قال بكم) أي تبيعونه من الثمن (قلنا بكذا وكذا) لعل العطف لبيان عددين (وسقا من تمر) بفتح الواو وتكسر أي ستين صاعا على ما في حديث (فأخذ) أي النبي ﵊ (بخطامه) أي برسنه الذي يقاد به (وسار إلى المدينة) وفيه دلالة على صحة المعاطاة في المعاملة (فقلنا) أي فيما بيننا (بعنا) أي بعيرنا (من رجل لا ندري من هو) أي باسمه ولا برسمه (ومعنا ظعينة) أي امرأة مسافرة أو في هودجها أو تحمل إذا ظعنت أي ارتحلت على راحلتها وقد أبعد الدلجي في قوله أي امرأة سميت ظعينة لأنها تظعن أي تسير مع زوجها حيث سار (فقالت أنا ضامنة) أي متضمنة وفي نسخة بالإضافة وهو مصحفة (لثمن البعير) مبالغة في ضمانها بقبول الذمة لكمال الهمة وزوال التهمة (رَأَيْتُ وَجْهَ رَجُلٍ مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) أي في وقت كماله من القدر (لا يخيس) بفتح الياء أي لا يغدر (بكم فأصبحنا) أي على ذلك المنوال (فجاء رجل بتمر) أي كثير (فَقَالَ أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْكُمْ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ هذا التّمر) أي مقدار ما شئتم ضيافة لكم (وتكتالوا) أي وأن تكتالوا (حتّى تستوفوا) أي حتى تقبضوا قيمة بعيركم وافية (ففعلنا وفي خبر الجلندي) بضم الجيم واللام وسكون النون ودال مهملة وألف مقصورة أو ممدودة على اختلاف في اللغة وعبارة القاموس وجلنداء بضم أوله وبفتح ثانية ممدودة وبضم ثانيه مقصورة اسم مالك عمان ووهم الجوهري فقصره مع فتح ثانيه انتهى وقوله (ملك عمان) بضم العين وتخفيف الميم على ما اختاره الحلبي وقال وفي نسخة عوض عمان غسان انتهى والظاهر أنه سهو أو تصحيف كما لا يخفى وذكر الدلجي أنه بفتح العين وتشديد الميم مدينة قديمة بالشام من أرض البلقاء وأما ما هو بالضم والتخفيف فصقع عند البحرين وحاصله أنه روى وسيمة في كتاب الردة عن ابن إسحاق في خَبَرِ الْجُلَنْدِيِّ مَلِكِ عَمَّانَ (لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام) أي مع سائر الأنام وهو يحتمل أن يكون بالكتابة او بالرسالة (قَالَ الْجُلَنْدِيُّ وَاللَّهِ لَقَدْ دَلَّنِي عَلَى هَذَا النّبيّ الأمّيّ) أي على صدق قضيته وثبوت حقيته (أنّه) أي كونه ﵊ (لا يأمر بخير) أي أحدا (إلّا كان أوّل آخذ به) بصيغة الفاعل أي عامل له (ولا ينهى عن شيء) أي أحدا (إلّا كان أوّل تارك له) وفي نسخة عن شر بدل عن شيء وهي الملائم لمقابلة قوله بخير (وأنّه) أي ﵊ (يغلب) بصيغة المعلوم أي على اعدائه (فلا يبطر) بفتح الطاء أي لا يطغى أو لا يفتخر عند احبائه (ويغلب) بصيغة المجهول (فلا يضجر) بفتح الجيم أي لا يجزع ولا يفزع بناء على قوله تعالى وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ولما في حكم ابن عطاء ما دمت في هذه الدار لا تستغرب وقوع الأكدار وكما قيل الحرب سجال ولقوله بعضهم:
[ ١ / ٥٣٠ ]
فيوما علينا ويوما لنا ويوما نساء ويوما نسر
وفيه تنبيه على حسن الرضى تحت حكم القضاء مع العلم بأن في غالبيته نصرة الأولياء وفي مغلوبيته كثرة الشهداء كما قال تعالى قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ فكل أمر المؤمن مقرون بخير في الكونين وقد قال تعالى إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ (ويفي بالعهد وينجز) بضم الياء وكسر الجيم (الموعود) أي ويصدق الوعد، (وأشهد أنّه نبيّ) فلله دره وما أتم نظره حيث حملته محاسن جملته على الإقرار بنبوته من غير حاجة إلى إظهار حجته وبيان معجزته (وقال نفطويه) بكسر النون وسكون الفاء وفتح الطاء المهملة والواو فتحتية ساكنة فهاء مكسورة وقد سبق ذكره (في قوله تعالى: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ) أي يفيض بالأنوار من حيث ذاته (وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ [النور: ٣٥]) تفيد إنارته باستنارة صفاته (هَذَا مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يقول) أي كأنه تعالى يقول (يكاد منظره) أي يقرب ظاهر رؤيته (يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَتْلُ قُرْآنًا) من التلاوة وروي وإن لم يقل من القول والفاعل فيهما ضميره صلى الله تعالى عليه وسلم أي وإن لم ينضم لرؤيته تلاوة قراءته الدالة على أنواع معجزته (كما قال ابن رواحة) أي في نعته وهو بفتح الراء انصاري نقيب بدري أحد شعرائه صلى الله تعالى عليه وسلم حضر أحدا والخندق واستشهد بمؤتة بضم الميم أميرا فيها سنة ثمان من الهجرة:
(لو لم تكن فيه آيات مبينة) بكسر التحتية وفتحها أي لو لم يوجد في حقه آيات ظاهرة أو معجزات باهرة (لكان منظره ينبيك بالخبر) أصله ينبئك بالهمزة فسكن ضرورة ثم جواز إبداله ياء لغة هذا وقد نسب الشيخ تقي الدين بن تيمية هذا البيت إلى حسان مع تغير شطره الثاني حيث قال وما أحسن قول حسان:
لو لم تكن فيه آيات مبيّنة كانت بديهته تأتيك بالخبر
انتهى ولا يخفى أنه يمكن الجمع بالتوارد في المبنى وإن كان أحدهما أظهر في المعنى (وقد آن) أي حان (أن نأخذ) أي نشرع (في ذكر النّبوّة) وهي حالة الولاية قبل الرسالة (والوحي) أي وبيان الوحي الشامل لحال النبوة (والرّسالة) أي نعت الرسالة وما تتميز به عن مرتبة النبوة (وبعده) أي وبعد فراغ هذا الشأن نشرع (في معجزة القرآن) أي وما يتعلق به من البيان (وما فيه) أي في القرآن (من برهان) أي حجة (ودلالة) بفتح الدال وتكسر أي وبينة من آية وعلامة تبين مبانيها وتعين معانيها ثم في هذا الباب ثلاثون فصلا.
فصل [اعلم أن الله ﷿ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ الْمَعْرِفَةِ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ]
(اعلم أنّ الله تعالى قادر على خلق المعرفة) أي جميع المعارف الجزئية من العلوم الشرعية والعرفية (في قلوب عباده) أي على وفق مراده كما حكي عن سنته سبحانه في بعض
[ ١ / ٥٣١ ]
الأنبياء وكما روي عن مجاهد أوحى الله الزبور إلى داود ﵇ في صدره (والعلم) أي وعلى خلق العلم الكلي الإجمالي المتعلق (بذاته) أي الأسنى (وأسمائه) أي الحسنى (وصفاته) أي العلى (وجميع تكليفاته) أي التي الزمها عقلاء مخلوقاته (ابتداء) أي بإفاضة جذبة من جذباته (ودون واسطة) أي من ارسال ملائكته (لو شاء) أي لو تعلقت به مشيئته واقتضته حكمته (كَمَا حُكِيَ عَنْ سُنَّتِهِ فِي بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ) أي وروي عن بعض الأولياء من أمته حيث حصل لهم العلم اللدني من الإلهام الإلهي في أمور خارقة للعادة ظهر تحقيقها عند أصحاب الإرادة (وَذَكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا [الشورى: ٥١]) أي وحي الهام أو رؤيا منام كما وقع لأم موسى ﵇ (وجائز) أي في قدرته بعد تعلق ارادته وفق حكمته (أن يوصل إليهم جميع ذلك) أي ما ذكر من العلوم الكلية والمعارف الجزئية (بواسطة) أي من ملك أو نبي أو ولي (تبلّغهم كلامه) أي مما يقتضي مرامه (وَتَكُونُ تِلْكَ الْوَاسِطَةُ إِمَّا مِنْ غَيْرِ الْبَشَرِ كَالْمَلَائِكَةِ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ مِنْ جِنْسِهِمْ كَالْأَنْبِيَاءِ مع الأمم) وفي معناهم الأولياء مع اتباعهم فيما ينبغي لهم اتباعهم (ولا مانع لهذا) أي لما ذكر من حالتي الابتداء والواسطة في الابداء (من دليل العقل) أي وقد ثبت بدليل النقل (وإذا جاز هذا) أي نقلا وعقلا (ولم يستحل) أي ولم يعد ذلك محالا أصلا (وَجَاءَتِ الرُّسُلُ بِمَا دَلَّ عَلَى صِدْقِهِمْ مِنْ معجزاتهم) أي الباهرة وآياتهم القاهرة (وجب) أي على المرسل إليهم (تصديقهم في جميع ما أتوا به) أي من الامور الواجبة عليهم (لأنّ المعجز مع التّحدّي) أي طلب المعارضة (من النّبيّ) أي ممن يصح أن يكون له نعت النبوة ولم يكن من أهل الاستدراج والسحر والمكر والحيلة (قائم مقام قول الله تعالى) أي شهادته في تحقيق دعوته (صدق عبدي فأطيعوه) أي في الأصول (واتّبعوه) أي في الفروع (وشاهد على صدقه فيما يقوله) أي من أخبار الأولين وانباء الآخرين وأحوال الدنيا وأهوال العقبى فإن التصديق بالفعل كالتصديق بالقول وتوضيحه أنه إذا ادعى نبي الرسالة ثم قال آية صدقي في دعواي أن الله تعالى أرسلني أن يفعل كذا ففعل الله تعالى ذلك كان ذلك من الله تصديقا له فيما يدعيه من الرسالة بما فعل من نقض العادة فيكون ذلك كقوله عقيب دعواه صدقت ويستحيل من الحكيم تصديق الكاذب اللئيم ونظير هذا أن الرجل إذا قام في محفل عظيم وقال معشر الاشهاد إني رسول الملك إليكم ودعواه هذه بمرأى من الملك ومسمع ثم قال فإن كنت أيها الملك صادقا في دعواي فخالف عادتك وانتصب قائما وضع يدك على رأسي ثم اقعد فإذا فعل الملك اضطر الحاضرون إلى تصديق الملك إياه وعلم صدقه بالضرورة في دعواه (وهذا كاف) أي للمدعي، (والتّطويل فيه خارج عن الغرض) أي الأصلي ههنا (فمن أراد تتبّعه) أي مستقصى (وجده مستوفى في كتب أئمتنا) أي مصنفات ائمتنا كما في نسخة (رحمهم الله تعالى) حيث بالغوا في تحقيق أمر التوحيد وما يتعلق به من أمر النبوة وما يتبعه من إثبات المعجزة وغيرها مع الأدلة العقلية والنقلية وبيان المذاهب الباطلة كالحكماء
[ ١ / ٥٣٢ ]
والدهرية ثم المراد بالأئمة علماء هذه الأمة وأبعد الدلجي في قوله يعني المالكية إذ لا دخل لهذه المباحث في الفروع الفقهية الخلافية (فالنّبوّة في لغة من همز) وهو نافع من بين القراء (مأخوذة من النّبأ وهو الخبر) وتعديته بالهمزة تارة كقوله تعالى أَنْبِئُونِي وبالتضعيف أخرى كقوله سبحانه نَبِّئْ عِبادِي (وقد لا يهمز على هذا التّأويل) أي مع بقائه على هذا المبنى وإرادته من المعنى (تسهيلا) أي تخفيفا أوجبه كثرة الاستعمال بجعل الهمزة واوا وادغامها في مثلها كالمروة وأما في نحو النبي فتخفيفه بجعل الهمزة ياء وادغامها فيما قبلها وأما في الأنبياء فبابدال الهمزة ياء لانكسار ما قبلها، (والمعنى) أي حينئذ على القراءتين (أنّ الله تعالى أطلعه على غيبه) أي بعض مغيباته أو على غيبه المختص به من عند ربه (وأعلمه أنّه نبيّه فيكون نبيا) أي في المبنى، (منبّأ) أي في المعنى وهو بضم الميم وسكون النون وفتح الموحدة بعدها الهمزة المنونة أو بفتح النون وتشديد الموحدة (فعيل بمعنى مفعول) أي ولو كان على زنة مفعل (أو يكون) أي النبي (مُخْبِرًا عَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَمُنَبِّئًا) بالتخفيف أو التشديد مكسورا أي معلما (بِمَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ أو يكون) أي النبي (عند من لم يهمزه) أي ولم يقل بتسهيله وإدغامه بعد تبديله (من النّبوّة) أي مأخوذا من النبوة بفتح النون وسكون الموحدة، (وهو) ذكر باعتبار ما أخبر بقوله (ما ارتفع من الأرض) أو بمعنى الرفعة (ومعناه) أي حينئذ على طبق مبناه (أنّ له رتبة شريفة ومكانة نبيهة) أي منزلة لطيفة (عند مولاه منيفة) بضم الميم وكسر النون أي زائدة أو مرتفعة وأصلها من أناف إذا أشرف ثم هو أيضا بهذا المعنى يحتمل أن يكون في المبنى بمعنى الفاعل أو المفعول أي مرتفع الشأن أو رفيع البرهان (فالوصفان في حقّه مؤتلفان) أي الوصفان بالمعنيين من الخبر والرفعة وبالمبنيين من البناء للمفعول والفاعل باعتبار كل منهما في حق النبي مجتمعان بل متلازمان وأما قول الدلجي فالوصفان من كونه منبئا أو منبأ فقاصر عن استيفاء حق الموصوف كما لا يخفى على أهل المعروف، (وأمّا الرّسول فهو المرسل) من ربه إلى مكلفي خلقه لإنفاذ حكمه، (وَلَمْ يَأْتِ فَعُولٌ بِمَعْنَى مُفْعَلٍ فِي اللُّغَةِ إلّا نادرا) أي قليلا وقوعه بل ولم يعلم لغيره وروده (وإرساله) أي لكونه ليس بحقيقي بل على وجه حكمي هو (أمر الله له بالإبلاغ) وروي بالبلاغ أي بتبليغ أمره (إلى من أرسله إليه) قال تعالى يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ثم هذا الإرسال قد يكون بواسطة الملائكة وقد يكون بدون الواسطة كما وقع لموسى إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. (واشتقاقه) أي أخذه من حيث المبنى (من التّتابع) أي من حيث المعنى لقوله (ومنه قولهم جاء النّاس أرسالا) بفتح أوله جمع رسل بفتحتين (إذا تبع بعضهم بعضا) أي في المأتي وقد ورد أنهم صلوا عليه صلى الله تعالى عليه وسلم إرسالا أي بعضهم تبع بعضا (فكأنّه) أي الرسول (ألزم) بصيغة المجهول (تكرير التّبليغ) بالنصب على أنه مفعول ثان وفي نسخة التزم تكرير التبليغ فهو مفعول أول (أو) وفي نسخة بالواو (ألزمت) وفي نسخة التزمت (الأمّة اتّباعه)
[ ١ / ٥٣٣ ]
فهذا بيان التفرقة بين النبي والرسول بحسب المبنى وعلى مقتضى أصل اللغة في المعنى (واختلف العلماء) أي بحسب الاصطلاح الشرعي أو العرفي (هل النّبيّ الرّسول بمعنى) واحد فيكونان مترادفين في إطلاق كل منهما على الآخر (أو بمعنيين) أي متباينين أو متغايرين بأن يكون النبي أعم والرسول أخص. (فقيل هما سواء) أي في المعنى فكل منهما إنسان أوحى إليه بشرع مجدد أو غير مجدد (وأصله) أي أصل هذا المعنى باعتبار المبنى مأخوذ (من الأنباء) أي الأخبار (وهو الإعلام) يعني فليزم معنى النبوة إذا كانت من الانباء معنى الرسالة التي بمعنى الإعلام والإبلاغ وفيه أنه لا يلزم من انباء الله تعالى لعبده أمر أن يكون مأمورا بإعلامه لغيره (واستدلّوا) أي لكونهما سواء في المعنى (بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ [الحج: ٥٢] فقد أثبت) أي الله تعالى (لهما الإرسال معا) أي ولم يجعل للعطف حكما بمغايرة بينهما، (ولا يكون) وفي نسخة قال ولا يكون والصحيح قالوا ولا يكون والأظهر فلا يكون (النّبيّ إلّا رسولا ولا) أي ولا يكون (الرّسول إلّا نبيّا) أي بناء على ذلك المعنى وفيه أن الإرسال هنا بالمعنى اللغوي وهو البعث والإظهار لا بالمعنى الاصطلاحي وإلا لكفى أن يقول وما أرسلنا من قبلك أحدا وسيأتي زيادة بيان لهذا المبحث (وقيل هما مفترقان من وجه) يعني ومجتمعان من وجه إذ العطف يقتضي التغاير في الجملة لا سيما مع وجود لا المزيدة للتأكيد والمبالغة (إذ قد اجتمعا) تعليل للقضية المطوية أي اجتمع مادتهما معنى (في النّبوّة) أي على تقدير أنها مهموزة وهي مأخوذة من الانباء (التي هي الاطلاع) أي لهما من عنده ﷾ (على الغيب) أي على بعض الأمور الغيبية من الأمور الدينية والدنيوية والأخروية (والإعلام) أي وكذا الإعلام لهما من عند ربهما (بخواصّ النّبوّة) أي والرسالة والمعنى باختصاصهما بأمور لا توجد في غيرهما (أو الرّفعة) أي أو اجتمعا في الرفعة (بمعرفة ذلك) أي شأن النبوة والرسالة (وحوز درجتهما) أي إحاطة مرتبة كل منهما (وافترقا في زيادة الرّسالة للرّسول) أي باختصاص الإرسال (وهو الأمر بالإنذار) وهو الإعلام بالشيء الذي يحذر منه (والإعلام) تفسير أو أخص مما قبله لشموله التبشير وتبيين أحكام الإسلام (كما قلنا) أي بينا فيما سبق من الكلام (وحجّتهم) أي ودليل أصحاب هذا القيل من الاجتماع من وجه والافتراق من آخر لا كما قال الدلجي أي من قال بافتراقهما فتدبر (من الآية) أي من جهة الآية المتقدمة (نفسها) أي بعينها، (التّفريق بين الاسمين) أي ضرورة كون المعطوف غير المعطوف عليه كما هو الأصل في تغاير المتعاطفين (ولو كانا شيئا واحدا) أي هنا (لما حسن تكرارهما في الكلام البليغ) أي البالغ غاية البلاغة المعجز لأرباب الفصاحة عن قدرة المعارضة بأقصر سورة (قالوا) أي هؤلاء (والمعنى) أي المراد بالآية (وما أرسلنا من رسول) وفي نسخة من نبي (إلى أمّة) أي مأمور بالعبادة والدعوة (أو نبيّ) أي مأمور بالعبادة فقط (وليس بمرسل إلى أحد) أي من الخلق بدعوة إلى طريق فالأول كامل والثاني مكمل فهو أخص وذاك أتم وأعم
[ ١ / ٥٣٤ ]
والله تعالى أعلم (وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الرَّسُولَ مَنْ جاء بشرع مبتدأ) أي مجدد بأن لا يكون مقررا لشرع من قبله (ومن لم يأت به) أي بشرع مبتدأ وقد أوحي إليه فهو (نبيّ غير رسول، وإن أمر) أي ولو أمر (بالإبلاغ، والإنذار) لأنه لم يأت بزيادة من الأحكام والآثار، (والصّحيح) وكذا الشهير (والذي عليه الجمّاء) بفتح الجيم وتشديد الميم ممدودا وفي نسخة الجم (الغفير) بالغين المعجمة والفاء أي الجمع الكثير وهم الجماهير (أَنَّ كُلَّ رَسُولٍ نَبِيٌّ وَلَيْسَ كُلُّ نَبِيٍّ رسولا) إذ النبي إنسان أوحي إليه سواء أمر بالتبليغ أم لا بخلاف الرسول فإنه نبي مأمور بتبليغ الرسالة سواء تكون هذه الرسالة تقدمت أو تجددت. (وأوّل الرّسل آدم ﵇) أي إلى بنيه وكانوا مؤمنين وكذا شيت وإدريس ﵉ وأما نوح ﵇ فأول رسول إلى كفار قومه (وآخرهم محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) أي إجماعا بشهادة قوله تعالى وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ ولحديث لا نبي بعدي (وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁) أي عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مرفوعا على ما رواه أحمد وابن حبان (إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ نبيّ وذكر) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (أنّ الرّسل منهم) أي من الأنبياء (ثلاثمائة وثلاثة عشر) وفي رواية خمسة عشر جم الغفير أي الجمع الكثير فهو من باب مسجد الجامع. (أوّلهم آدم ﵇) أي أول الرسل آدم وهو في مستدرك الحاكم أيضا في ترجمة عيسى ابن مريم بسنده إلى أبي ذر قال دخلت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو في المسجد فاغتنمت خلوته فقال لي يا أبا ذر إن للمسجد تحية ركعتان فركعتهما ثم قلت يا رسول الله إنك أمرتني بالصلاة فما الصلاة قال خير موضوع فمن شاء أقل ومن شاء أكثر ثم ذكر الحديث إلى أن قال قلت كم النبيون قال مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي قلت كم المرسلون منهم قال ثلاثمائة وثلاثة عشر وذكر باقي الحديث وتعقبه الذهبي في تلخيص المستدرك فقال قلت السعدي ليس بثقة انتهى وفي الصحيحين في باب الشفاعة قالوا يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض الحديث قال القاضي في شرح مسلم وتبعه النووي ومثل هذا يسقط الاعتراض بآدم وشيث ورسالتهما إلى من معهما وإن كانا رسولين فإن آدم إنما أرسل لبنيه ولم يكونوا كفارا بل أمر بتبليغهم الإيمان وطاعة الله وكذلك خلفه شيث بعده فيهم بخلاف رسالة نوح إلى كفار اهل الأرض قال القاضي وقد رأيت أبا الحسن بن بطال ذهب إلى أن آدم وإدريس رسولان هذا وذكر بعضهم أن عدد أصحابه ﵇ كعدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا وذكر أبو زرعة أنه مات رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه مائة ألف وأربعة عشر ألفا ولعله اقتصر على ذكر الصحابة الكبار أو الرواة منهم والله تعالى أعلم ثم قيل والرسل ثلاثمائة وأربعة عشر وقيل كعدد أصحاب طالوت الذين وزوا معه النهر ولم يجاوزه إلا مؤمن وهم ثلاثمائة وبضعة عشر وكذا عدد أهل بدر وقيل إن عدد الرسل مأخوذ من لفظ حروف محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وجملته ثلاثمائة وأربعة عشر وأن مد الحاء
[ ١ / ٥٣٥ ]
فخمسة عشر فالميم ثلاثة أحرف ميم وياء وميم والحاء حرفان حاء وألف والميمان المضعفان ستة أحرف والدال ثلاثة أحرف دال وألف ولام فإذا عددت حروف اسمه كلها ظواهرها الجلية وبواطنها الخفية حصل لك ثلاثمائة وأربعة عشر فالثلاثة عشر والثلاثمائة على عدد الرسل الجامعين للنبوة ويبقى واحد من العدد وهو مقام الولاية المفرق على جميع الأولياء والاقطاب التابعين للأنبياء فاسمه جامع للنبوة والولاية وفيه أنه هو اصلهم وما افترق فيهم اجتمع فيه ومن هذه الزبدة ما في البردة:
وكلهم من رسول الله ملتمس غرفا من البحر أو رشفا من الديم
هذا وقد ذكر التلمساني في حديث أبي ذر بلفظ طويل جدا ومن جملته بأبي أنت وأمي يا رسول الله فكم كتاب أنزل الله قال أنزل الله تعالى مائة كتاب واربعة كتب أنزل على شيث ابن آدم خمسين صحيفة وعلى إدريس ثلاثين وعلى إبراهيم عشرا وروي عشرين وعلى موسى من قبل إنزال التوراة عشر صحائف وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان الحديث ثم اعلم أن الأحوط أن لا نعين في الأنبياء والرسل عددا معينا ولا حدا مبينا بل نؤمن أن أولهم آدم وآخرهم نبينا الخاتم وأن ما بينهما من الأنبياء والمرسلين كانوا على الحق المبين لأنك متى حصرتهم على عدد يحتمل أن يكونوا أزيد من ذلك أو انقص مما هنالك فيؤدي إما إلى انكار بعض الأنبياء أو إلى شهادة غير النبي بأنه نبي وهذا طريق الماتريدي (فقد بان) أي ظهر وتبين (لك معنى النّبوّة والرّسالة وليستا) أي النبوة والرسالة (ذاتا للنّبيّ) لقضاء البديهية وبه (ولا وصف ذات) أي قائمة بها (خلافا للكرّاميّة) بتشديد الراء والياء التحتية للنسبة وفي نسخة بتخفيف الراء على أنه لغة بمعنى الكرم أو الكرامة وفي أخرى بكسر الكاف على أنه جمع الكريم والمعول هو الأول على أنه علم له أو لقب لكونه عاملا في الكرم أو حافظا له والله تعالى أعلم والحاصل أنهم ينسبون إلى محمد بن كرام ومحمد هذا كنيته أبو عبد الله السجزي سمع على ابن حجر وغيره مات بالقدس سنة خمس وخمسين ومائتين وهو صاحب المقالة كذا ذكره الحلبي وفي القاموس ومحمد بن كرام كشداد إمام الكرامية القائل بأن معبوده مستقر على العرش وأنه جوهر تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وكان قد سجن بنيسابور ثمانية أعوام لأجل بدعته ثم أخرج فسار إلى بيت المقدس وما يلي الشام (في تطويل لهم) أي في كثرة تعليل (وتهويل) أي تخويف وتخييل (ليس عليه تعويل) أي اعتماد من جهة دليل إذ قالوا هما صفتان قائمتان بذات الرسول سوى الوحي وأمر الله له بالتبليغ والمعجزة والعصمة وصاحبهما لاتصافه بهما رسول وإن لم يرسله الله ويجب عليه إرساله لا غير فهو إذا أرسل مرسل وكل مرسل رسول بلا عكس أي وليس كل رسول مرسلا إذ قد لا يرسله قالوا ويجوز عزل المرسل عن كونه مرسلا دون الرسول إذ لا يتصور عزله عن كونه رسولا على ما زعموا كذا ذكره الدلجي وقال التلمساني إن الكرامية قائلون بأن الأنبياء والرسل مجبولون على النبوة
[ ١ / ٥٣٦ ]
والرسالة وأنهم أنبياء مذ خلقوا من دون أن يوحى إليهم واستدلوا على ذلك بما روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ قَالَ وَآدَمُ بين الروح والجسد (وأمّا الوحي) أي وإن كان يطلق على معاني من الصوت الخفي والإلهام والإشارة ونحوها (فأصله الإسراع) لحديث إذا أردت أمرا فتدبر عاقبته فإن كان شرا فانته وأن كان خيرا فتوحه أي فأسرع إليه وهاؤه للسكت كذا ذكره الدلجي والظاهر أنه تصحف عليه وأنه بالجيم وسكون الهاء الاصلي على أنه أمر من التوجه ويؤيده أن لفظ الحديث على ما في الجامع الصغير للسيوطي إذا أردت أمرا فتدبر عاقبته فإذا كان خيرا فامضه وإن كان شرا فانته رواه ابن المبارك في الزهد عن أبي جعفر عبد الله بن مسور الهاشمي مرسلا وفي معناه حديث إذا أردت أمرا فعليك بالتؤدة حتى يريك الله منه المخرج رواه البخاري في الأدب المفرد والبيهقي في شعب الإيمان عن رجل من بلي مرفوعا (فلمّا كان النّبيّ) أي جنسه (يتلقّى) أي يأخذ ويتلقن (ما يأتيه من ربّه بعجل) أي بسرعة من غير تؤدة (سمّي وحيا) ولعله من هذا القبيل كان سرعة أخذ نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم في تناول التنزيل عند قراءة جبريل حتى نزل تسلية له في التحصيل قوله تعالى لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
(وسمّيت أنواع الإلهامات) أي الواردة لافراد الإنسان والحيوانات (وحيا) كقوله تَعَالَى وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ وقوله ﷾ وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ الآية (تشبيها) أي لها (بالوحي إلى النّبيّ) أي في تلقيها بعجله والإلهام هو القاء شيء في الروع يبعث على الفعل أو الترك يختص به الله من يشاء من عباده ومخلوقاته (وسمّي الخطّ) أي الكتابة (وحيا لسرعة حركة يد كاتبه) أو لسرعة إدراك الخط من صاحبه، (ووحي الحاجب) أي إشارته، (واللّحظ) أي إيماء العين (سرعة إشارتهما) أي حركتهما بهما (ومنه) أي ومن قبيل إطلاق الوحي على الإشارة المطلقة (قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: ١١] أي أومأ ورمز) أي أشار بأحد اعضائه (وقيل كتب) أي لهم على الأرض أن سبحوا (ومنه) أي من كون الوحي بمعنى الإشارة بالسرعة (قولهم) كما في حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه (الوحا) بفتح الواو (الوحا) يمد ويقصر على ما ذكره الجوهري وقيل إن كرر مد وقصر وإن أفرد مد والتكرير للمبالغة ونصبه على الإغراء ومعناه كما قال (أي السّرعة السّرعة) بضم السين وقيل بفتحها أيضا يعني الزموها ويقال الوحاء الوحاء بكسر الواو أي البدار البدار بمعنى المبادرة والمسارعة (وقيل أصل الوحي السّرّ) أي الإسرار (والإخفاء) ومن ثمة قالوا هو الإعلام على وجه الخفاء، (ومنه) أي ومن كون الوحي هو السر (سمّي الإلهام وحيا) أي لخفائه على غير أهله (ومنه قوله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ [الأنعام: ١٢١]) يعني من المشركين (أي يوسوسون في صدورهم) يعني لإغوائهم (ومنه وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى [الْقَصَصِ: ٧] أَيْ أُلْقِيَ في قلبها) بصيغة المجهول كما صرح به الحلبي وغيره ويجوز أن يكون بصيغة المعلوم أي قذف الله تعالى الهاما أو مناما أن
[ ١ / ٥٣٧ ]
أرضعيه أي ما أمكنك إخفاؤه فإذا خفت عليه الآية (وقد قيل ذلك) أي ما ذكر من الوحي بمعنى الإلهام أو المنام (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا [الشُّورَى: ٥١] أَيْ مَا يلقيه في قلبه) يعني الهاما أو مناما (دون واسطة) أي كما يفهم من المقابلة بقوله أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ كموسى ﵇ أو يرسل رسولا كجبريل أو غيره من الملائكة فالواسطة إما معنوية أو صورية ودونها مختصة بالواقعة القلبية والله ﷾ أعلم بحقائق القضية.
فصل [اعلم أن معنى تسميتنا ما جاءت به الأنبياء معجزة]
(اعلم أنّ معنى تسميتنا ما جاءت به الأنبياء) أي من الآيات الخارقة للعادة (معجزة هو أنّ الخلق) أي المرسل إليهم (عجزوا) بفتح الجيم وهي اللغة الفصحى ومنه قوله تعالى أَعَجَزْتُ وتكسر على لغة فالمستقبل على عكسهما أي لم يقدروا حيث ضعفوا (عن الإتيان بمثلها) فكأنها أعجزتهم عن معارضة إظهار نظيرها وإلا فالمعجز في الحقيقة هو الله ﷾ كما أنه قادر على اقدار العبد بنحوها أو على ابدائها على يد مظهرها والتاء للمبالغة أو لكونها وصفا للآية الخارقة للعادة (وهي) أي المعجزة (على ضربين) أي صنفين من حيث كونها مقدورة للبشر وغير مقدورة لهم، (ضرب هو من نوع قدرة البشر) أي في الجملة أو بالقوة على تقدير خلق القدرة فيه بأن يمكن دخوله تحت قدرتهم (فعجزوا عنه) أي بناء على صرفهم (فتعجيزهم) أي تعجيز الله تعالى إياهم (عنه) بصرف توجههم عَنْهُ (فِعْلٌ لِلَّهِ دَلَّ عَلَى صِدْقِ نَبِيِّهِ) لأنه كصريح قوله صدق عبدي في دعواه الرسالة لجري العادة بخلقه تعالى عقبه علما ضروريا بصدقه كمن قال لجمع أنا رسول الله إليكم ثم نتق فوقهم جبلا ثم قال إن كذبتموني وقع عليكم وإن صدقتموني أنصرف عنكم فكلما هموا بتصديقه بعد عنهم أو بتكذيبه قرب منهم فإنهم يعلمون حينئذ ضرورة صدقه مع قضاء العادة بامتناع صدور ذلك من الكاذب (كصرفهم) أي كصرف الله تعالى لكفار اليهود (عن تمنّي الموت) بقوله تعالى قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ثم أخبر عنهم بقوله وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم لو تمنوا اليهود الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار كما رواه البخاري وغيره (واعجازهم) بالجر عطفا على صرفهم أي وكاعجاز المشركين وغيرهم (عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ الْقُرْآنِ عَلَى رَأْيِ بَعْضِهِمْ) أي أنه بناء على صرفهم كالنظام من المعتزلة والمرتضى من الشيعة والحق إن عجزهم عنه إنما كان لعلو درجته في فصاحته وبلاغته وغرابة أساليبه وجزالة تراكيبه مع اشتماله على أخبار الأولين وآثار الآخرين وتضمنه للأمور الغيبية الواقعة سابقا ولاحقا فهو معجزة من جهة المبنى ومن حيثية المعنى (ونحوه) أي وكتعجيزهم عن نحو الإتيان بمثل القرآن من سائر خوارق العادة (وضرب) أي نوع من المعجزة (هو
[ ١ / ٥٣٨ ]
خارج عن قدرتهم) أي حتى بالقوة (فلم يقدروا على الإتيان بمثله) أي بالكلية (كإحياء الموتى) أي ليس من جنس أفعال البشر ولا الملك وأما احياؤهم بدعاء عيسى معجزة له فإنما كان من الله تعالى لا منه بدليل قوله تعالى وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ (وقلب العصا حيّة) أي تسعى معجزة لموسى. (وإخراج ناقة من صخرة) أي بلا واسطة وأسباب معهودة معجزة لصالح (وكلام شجرة) أي لموسى من قبل الله تعالى أو لنبينا ﵊ بإظهار كلمة الإسلام (ونبع الماء من الأصابع) وفي نسخة من بين الأصابع معجزة لنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم كما وردت به الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة (وانشقاق القمر) معجزة لبينا صلى الله تعالى عليه وسلم كما صح به الخبر ونص القرآن بقوله تعالى اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ والمعنى أن ذلك وأمثاله (ممّا لا يمكن) وفي نسخة مما لا يجوز (أن يفعله أحد إلّا الله فيكون ذلك) أي هذا الضرب الذي لا يفعله إلا الله وفي نسخة فَكَوْنُ ذَلِكَ (عَلَى يَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي صورة (من فعل الله تعالى) أي حقيقة كما حقق في قوله تعالى وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى (وتحدّيه) أي وطلب معارضة النبي (من يكذّبه أن يأتي بمثله تعجيز) وفي نسخة تعجيز له أي عن ذلك. (وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدِ نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم ودلائل نبوّته وبراهين صدقه) أي في دعوى رسالته واعلاء حجته كانشقاق القمر ومجيء الشجر وتسليم الحجر وحنين الجذع وأما سقوط شرف بناء الأكاسرة وخرور الأوثان ليلة ولد وأظلال الغمام قبل البعثة فهو من الارهاصات لا المعجزات خلافا لما توهمه عبارة الدلجي (من هذين النّوعين معا) أي جميعا باعتبار البعض والبعض فمنها ما هو من نوع قدرة البشر ومنها ما هو خارج عنها (وهو) أي نبينا (أكثر الرّسل معجزة وأبهرهم آية) أي أنورهم (وأظهرهم برهانا) أي حجة وبيانا (كما سنبيّنه) في محله إن شاء الله تعالى وحده (وهي) أي معجزاته (في كثرتها لا يحيط بها ضبط) أي لجزئياتها (فإنّ واحدا منها) أي مما هو أعظمها (وهو القرآن) أي من حيث آياته وسوره المشتملة على دلالات بيناته (لا يحصى) بصيغة المجهول أي لا يحصر ولا يعد (عَدَدُ مُعْجِزَاتِهِ بِأَلْفٍ وَلَا أَلْفَيْنِ وَلَا أَكْثَرَ) لما أورثه من فنون البلاغة وصنوف الفصاحة من جملتها إفادة المعاني الكثيرة في المباني اليسيرة إلى غير ذلك من أنواعها العجيبة وأصنافها الغريبة التي عجز عنها الخطباء والبلغاء من العرب العرباء (لأنّ النّبيّ) وهو الرسول الأعظم والنبي الأفخم صلى الله تعالى عليه وسلم وشرف وكرم (قد تحدّى بسورة منه) أي طلب المعارضة بأقصر سورة من سور القرآن (فعجز عنها) بصيغة المجهول أي فعجز جميع أهل المعاني والبيان عن الاتيان بمثل سورة من القرآن تصديقا لقوله تعالى قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا أي معاونا ونصيرا، (قال أهل العلم وأقصر السّور) أي سور القرآن وفي نسخة سوره بالضمير (إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: ١]) أي إلى آخره وكان الأظهر الأقصر أن يقول وأقصر السور سورة الكوثر لأنها
[ ١ / ٥٣٩ ]
ثلاث آيات حروفها أقل من حروف آيات سورة هي ثلاث مثلها كقل هو الله أحد كذا قرره الدلجي وهو وهم منه لأن سورة الإخلاص أربع آيات نعم سورة العصر نحوها في عدد الآيات لكنها أطول منها باعتبار الحروف والكلمات في عددها (فكلّ آية) أي منه (أو آيات منه) أي من القرآن وسورة (بعددها) أي طويلة بعدد أقصر سورة من جهة الآيات أو الحروف أو الكلمات (وقدرها معجزة) فقوله تعالى فَأْتُوا بِسُورَةٍ أعم من أن تكون حقيقية أو حكمية (ثمّ فيها) أي في سورة الكوثر (نفسها) أي بعينها (معجزات) أي بخصوصها (على ما سنفصّله) أي نبينه (فيما انطوى) أي اشتمل القرآن واحتوى (عليه من المعجزات) أي التي لا تكاد تستقصى (ثمّ معجزاته صلى الله تعالى عليه وسلم) أي الثابتة لدينا والواصلة إلينا (على قسمين) أي باعتبار ما يكون حصوله قطعيا ووصوله ظنيا، (قسم منها علم) أي لنا من طريق كونه (قطعا) كذا قدره الدلجي بناء على جعله لفظ علم مصدرا والصحيح أنه فعل ماض مجهول وأن قطعا صفة لمصدر مقدر أي علم ذلك القسم علم قطع كما يدل عليه عطف قوله (ونقل إلينا متواترا) أي نقل تواتر وفي نسخة متواترا (كالقرآن) فإنه لكون طريق وصوله إلينا تواترا صار علمه لدينا قطعا (فلا مرية) بكسر الميم وقد تضم أي ولا شك ولا شبهة ويروى بلا مرية (ولا خلاف) أي بين أئمة الأمة (بمجيء النّبيّ به وظهوره من قبله) بكسر القاف وفتح الباء أي من جهته وهو عطف تفسير لزيادة تقرير (واستدلاله بحجّته) أي واستشهاد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بحجة القرآن على صدق محجته وتصديق نبوته وإرسال الله تعالى إياه إلى كافة بريته (وإن أنكر هذا) أي ما ذكر من مجيئه به وظهوره من قبله واستدلاله به (معاند) أي حائد يرد الحق مع علمه (جاحد) أي منكر له ملحد في حكمه (فهو) أي انكار ذلك (كإنكاره وجود محمّد في الدّنيا) حيث أنكر كل منهما انكار مكابرة ومجاحدة لتحقق وجودهما بثبوت مشاهدة وين كان أحدهما حسيا والآخر معنويا والحاصل أن وجوده صلى الله تعالى عليه وسلم وشهوده لا ينكره أحد من الموجودين (وإنّما جاء اعتراض الجاحدين) أي المنكرين والملحدين (في الحجّة به) أي في كونه حجة له قاله الدلجي والصحيح في الاحتجاج به أو في ثبوت الحجة بكتابه كما ورد في طعن المشركين إذ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (فهو) أي القرآن (في نفسه) أي في حد ذاته (وجميع ما تضمّنه) أي من سوره وآياته (من معجز) الأولى من معجزاته (معلوم ضرورة) أي بديهة لا تقتضي روية كما شهد به الأعداء من أهل الخبرة كالوليد بن المغيرة إذ قال في حقه لما تلى عليه بعضه إِنَّ لَهُ لِحَلَاوَةً وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً وَإِنَّ أسفله لمغدق وأن أعلاه لمثمر وما هو من كلام البشر، (ووجه إعجازه معلوم ضرورة ونظرا) كان الأولى أن يقال ووجه اعجازه مفهوم ضرورية ونظرية لئلا يقع تكرار صريح في العبارة أما ضرورة فلان سلاسة مبناه وجزالة معناه ونظم آياته والفة كلماته وصباحة وجوه فواتحه وخواتمه في بداياته ونهاياته في أعلى مراتب البلاغة وأعلى مناقب الفصاحة لا يحتاج العلم
[ ١ / ٥٤٠ ]
به إلى الدلالة فيحكم العقلاء بإعجازه في البداهة وأما نظرا فلافتقار بعض وجوهه إلى النظر والتفكر في خصوص ذلك الأمر (كما سنشرحه) أي نبين ذلك القدر، (قال بعض أئمتنا) أي أئمة المالكية وفي نسخة صحيحة بعض مشايخنا (ويجري هذا المجرى) أي مجرى كون القسم الأول من معجزاته الذي علم قطعا ونقل إلينا تواترا (على الجملة) أي في الجملة باعتبار المعنى لا بطريق المبنى (أنّه) فاعل يجري أي الشأن (قد جرى على يده) وفي نسخة صحيحة على يديه (صلى الله تعالى عليه وسلم آيات) أي علامات أو معجزات (وخوارق عادات) أي شاملة لمعجزات وكرامات (إن لم يبلغ واحد منها) أي لم يصل أمر واحد من تلك الأمور (معيّنا) أي مشخصا ومبينا (القطع) بالنصب أي العلم القطعي بالنسبة إلى غير الصحابي، (فيبلغه) أي العلم اليقيني (جميعها) أي باعتبار معانيها دون مبانيها (على مرية) أي بناء على ما صدر لديه (ولا يختلف مؤمن ولا كافر) كان الأولى أن يقول وكافر بدون لا أو يقول ولا يخالف مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ (أَنَّهُ جَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ عجائب) أي آيات غرائب مما أزاغت أبصارهم وحيرت بصائرهم (وإنّما خلاف المعاند) أي مخالفته مع الموحد (في كونها) أي في وصول العجائب فائضة (من قبل الله تعالى) أي من جهة المبدأ الفياض كما يقوله المؤمن الموحد أو حاصلة من تلقاء نفسه ﵊ وأنه شاعر أو ساحر ونحوهما كما تفوه به المشرك الملحد (وقد قدّمنا كونها) أي كون المعجز فائضة (من قبل الله تعالى) أي لا واصلة من تلقاء نبيه (وأنّ ذلك) أي المعجز مع التحدي (بمثابة قوله) أي الله ﷾ (صدقت) أي يا عبدي فيما ادعيت من رسالتي (فقد علم وقوع مثل هذا) أي الذي قدمناه (أيضا من نبيّنا) صلى الله تعالى عليه وسلم (ضرورة) أي بديهة (لاتّفاق معانيها) أي مع قطع النظر عن اختلاف مبانيها في كونها خوارق عادات وعلى صدق صاحبها علامات (كما يعلم ضرورة) أي عند الأخباريين وكذا عند بعض العامة (جود حاتم) بكسر التاء أي ابن عبد الله بن سعد الطائي مشهور بين العرب والعجم مات على كفره (وشجاعة عنترة) بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح التاء الفوقية فراء بعدها هاء وهو العبسي، (وحلم أحتف) أي ابن قيس التميمي (لِاتِّفَاقِ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) أي من المؤرخين والأخباريين (على كرم هذا) يعني حاتما (وشجاعة هذا) يعني عنترة (وحلم هذا) احنف فأشار إلى كل واحد بما للقريب تنزيلا له في ذهنه منزلته (وإن كان كلّ خبر) أي من أخبار هؤلاء الثلاثة (بنفسه) أي بانفراده ويروى في نفسه (لا يوجب العلم) أي القطعي (ولا يقطع بصحّته) لعدم تواتر كل واحد منها منفردا في كل عصر وطبق ثم اعلم أن حاتما هذا والد عدي قدم المدينة ابنه على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم سنة تسع في شعبان وكان نصرانيا فأسلم واسلمت أخته بنت حاتم قبل عدي رضي الله تعالى عنهما وأما عنترة فهو ابن معاوية بن شداد وكان عنترة شديد السواد وأمه زبيبة أمة سوداء كانت لأبيه وكان من أشهر فرسان العرب وأشدهم بأسا وفي القاموس عنتر كجعفر وجندب في لغية
[ ١ / ٥٤١ ]
الذباب والعنترة صوته والشجاعة في الحرب هذا ولو قال كشجاعة علي لكان أظهر فإنه بهذا الوصف بين العرب والعجم أشهر وأما الأحنف فهو بفتح الهمزة ثم حاء مهملة ساكنة ثم نون مفتوحة ثم فاء روى عن عمر وعثمان وعلي وعدة وعنه الحسن وحيد بن هلاك وجماعة وكان سيدا نبيلا أخرج له الأئمة الستة مخضرم وقد أسلم في عهده ﵇ ودعا له ولم يتفق له رؤيته قال صاحب القاموس تابعي كبير. (والقسم الثّاني) أي من معجزاته صلى الله تعالى عليه وسلم هو (ما لم يبلغ) أي لم يصل علمه (مبلغ الضّرورة، والقطع) قطعا يصير ضروريا بديهيا ولا فكريا قطعيا (وهو) أي هذا القسم الذي بمنزلة الجنس (على نوعين نوع مشتهر) أي عند الخاصة (منتشر) أي عند العامة وكلاهما بصيغة الفاعل (رواه العدد الكثير) أي من الصحابة والتابعين (وشاع الخبر به عند المحدّثين) أي من المخرجين والمصنفين (والرّواة) أي من المتأخرين (ونقلة السّير) بفتح النون والقاف جمع ناقل والسير بكسر السين وفتح الياء جمع سيرة أي ومن الذين نقلوا سير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من صفاته وآياته ومعجزاته (والأخبار) بفتح الهمزة أي الأحاديث المتعلقة بسيد الأبرار صلى الله تعالى عليه وسلم الواردة عن بقية العلماء الأخيار (كنبع الماء من بين أصابعه) أو من أصابعه كما في بعض طرقه (وتكثير الطّعام) أي المأكول والمشروب كما في حديث أنس وغيره وكحنين الجذع وكلام الضب والذراع مما رواه الشيخان وغيرهما.
(ونوع منه) وهو الذي غير مشتهر ولا منتشر (اختصّ به) أي بنقله (الواحد) أي تارة (والأثنان) أي أخرى (ورواه العدد اليسير) أي ولو وصل إلى مرتبة الجمع في بعض طرقه (ولم يشتهر) أي هذا القسم (اشتهار غيره) أي الثابت بالعدد الكثير والجم الغفير (لكنّه إذا جمع إلى مثله) أي في المبنى (اتّفقا في المعنى) أي المراد به ثبوت الإعجاز في المدعي (واجتمعا على الإتيان بالمعجز كما قدّمناه) أي من أنه لا مرية في جريان معانيها على يديه وأنه إذا ضم بعضها إلى بعض أفاد القطع لديه. (قال القاضي أبو الفضل) أي المصنف (وأنا أقول صدعا بالحقّ) أي جهرا به ومنه قوله تعالى فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ (إنّ كثيرا من هذه الآيات) أي الواردات كمجيء الشجر إليه وتسليم الحجر عليه وتسبيح الحصى في يديه (المأثورة) أي المروية (عنه ﵇) أي ولو كانت آحادا مبنى (معلومة بالقطع) لتواترها معنى (أمّا انشقاق القمر) أي على يديه بمكة حين سأله كفار قريش آية (فالقرآن نصّ بوقوعه) أي في الجملة لأنه ظني الدلالة وأما قوله الدلجي أما انشقاق القمر فإنه متواتر لفظا إذ القرآن نص بوقوعه فليس على إطلاقه (وأخبر عن وجوده) أي ثبوته وحصوله لقوله تعالى اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وقرئ وقد انشق أي اقتربت وقد حصل من آيات اقترابها انشاق القمر قبلها (ولا يعدل عن ظاهر) أي من تحقق وقوعه وثبوت وجوده إلى تأويل بأنه سينشق يوم القيامة وأنه جيء بالماضي لتحقق وقوعه في مستقبله (إلّا بدليل) موجب لحمله عليه وصرفه إليه (وجاء) أي وقد ورد (برفع احتماله) أي احتمال الدليل الدال على صرف الآية عن
[ ١ / ٥٤٢ ]
ظاهرها (صحيح الأخبار) أي الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة (من طرق كثيرة) كخبر الصحيحين وغيرهما (ولا يوهن) وكان الأنسب في ترتيب السبب أن يقال فلا يوهن بالفاء وهو بضم الياء وكسر الهاء مخففا أو مثقلا أي لا يضعف (عزمنا) أي جزمنا (خلاف أخرق) أي مخالفة جاهل أحمق أفعل من الخرق ضد الرفق (منحلّ عرى الدّين) بضم ميم وسكون نون وحاء مهملة مفتوحة ولام مشددة مضاف إلى عرى بضم العين وفتح الراء جمع عروة وهي ما يتمسك به في أمر الديانة ومنه قوله تعالى فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها أي لا انقطاع لها (ولا يلتفت) بصيغة المجهول أي ولا ينظر (إلى سخافة مبتدع) بفتح السين المهملة والخاء المعجمة أي رقة عقل ضال عدل عن الحق المبين (يلقي) بضم الياء وكسر القاف أي يوقع (الشّكّ) أي التردد والشبهة (على قلوب ضعفاء المؤمنين) فربما قبلته ووقعت في ضلالة المبتدعين (بل يرغم بهذا أنفه) بصيغة الفاعل المتكلم من أرغم أنفه الصقه بالرغام بالفتح وهو التراب والمعنى نذله (وننبذ) بفتح النون الأولى وكسر الموحدة أي نطرح (بالعراء) أي بالصحراء والفضاء ومكان الخلاء (سخفه) بضم السين المهملة وتفتح وسكون الخاء المعجمة أي رقة عقله وكثافة جهله والمعنى نلقي جهله بالعراء لا شيء يستره من البناء وفي بعض النسخ يرغم وينبذ بصيغة التذكير وبناء المجهول وأنفه وسخفه مرفوعان (وكذلك) أي وكانشقاق القمر في كثرة الرواة طرقا صريحة وأسانيد صحيحة (قصّة نبع الماء) أي من بين أصابعه أو من أصابعه (وتكثير الطّعام رواها) أي قصة النبع والتكثير (الثّقات) أي من الرواة (والعدد الكثير) أي من الاثبات والمراد منهم طبقة الاتباع (عن الجمّاء) وفي نسخة الجم (الغفير) أي عن الجمع الكثير من التابعين (عن العدد الكثير من الصّحابة) فمن روى نبع الماء بالزوراء بقرب مسجده بالمدينة السكينة الشيخان عن أنس رضي الله تعالى عنه وبالسفر البخاري عن ابن مسعود وممن روى تكثير الطعام البخاري والنسائي عن الشعبي عن جابر في قضاء دين والده والشيخان والترمذي والنسائي عن أنس في قصة أبي طلحة يوم الخندق (ومنها) أي ومن جملة المعجزات أو من جملة رواية الثقات (ما رواه الكافّة) أي الجماعة (عن الكافّة) أي عن مثلهم في الكثرة (متّصلا) أي نقلا متصلا غير منقطع أصلا (عمّن حدّث بها) أي بالمعجزة أو بتلك الرواية الدالة عليها (من جملة الصّحابة) بيان لمن وفي نسخة من جلة الصحابة بكسر الجيم وتشديد اللام أي أكابرهم أو معظمهم ويؤيده قوله (وأخيارهم) على ما ضبط في نسخة صحيحة من فتح الهمزة ثم الياء التحتية لكن في أكثر النسخ إخبارهم بكسر الهمزة ثم الموحدة مجرورا ولا يظهر وجهه ولعله مرفوع عطفا على ما رواه أي ومنها نقل الصحابة (أنّ ذلك) أي ما ذكر من تكثير الطعام (كان في موطن اجتماع الكثير منهم) أي من الصحابة وغيرهم (في يوم الخندق) أي حول المدينة في غزوة الأحزاب وكانت سنة خمس (وفي غزوة بواط) بضم الباء الموحدة وتفتح جبل من جبال جهينة وكانت في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا من
[ ١ / ٥٤٣ ]
الهجرة (وعمرة الحديبيّة) بتخفيف الياء الثانية وتشدد وكانت سنة ست في ذي القعدة ووهم من قال في رمضان وإنما كان الفتح فيه (وغزوة تبوك) بفتح الفوقية وضم الموحدة ممنوعا وقد يصرف وكانت في السنة التاسعة وهي آخر غزواته صلى الله تعالى عليه وسلم بذاته وهو موضع بطرف الشام بينه وبين المدينة أربع عشرة مرحلة (وأمثالها من محافل المسلمين) أماكن اجتماعهم (ومجمع العساكر) أي مكان جمع المجاهدين وكان الأولى أن يؤتى بصيغة الجمع فيهما أو بافرادهما (ولم يؤثر) بصيغة المفعول من الأثر أي ولم ينقل (عن أحد من الصّحابة مخالفة للرّاوي) أي منه في قصتهما (فيما حكاه) أي رواه (ولا) أي ولا نقل عن أحد منهم (إنكار عمّا ذكر عنهم) بصيغة المجهول أي ذكره بعضهم (أنّهم) أي بقية الصحابة (رأوه) أي شاهدوه منه صلى الله تعالى عليه وسلم، (كما رواه) أي عنه (فسكوت السّاكت منهم) أي إذا وقعت الرواية في مكانهم أو زمانهم (كنطق النّاطق) أي بمنزلة رواية الراوي منهم به؛ (إذ هم المنزّهون) أي المبرؤون (عَنِ السُّكُوتِ عَلَى بَاطِلٍ وَالْمُدَاهَنَةِ فِي كَذِبٍ) بفتح الكاف وكسر الذال أو بكسر فسكون وهذا بشهادة قوله تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وبدلالة قوله ﵊ خير القرون قرني فكلهم عدول رضي الله تعالى عنهم (وليس هناك رغبة) أي ميل وطمع (ولا رهبة) أي خوف وفزع والمعنى أنه ما كان هناك موجبة من مداراة مع الخلق ومداهنة في الحق (تمنعهم) من الإنكار وتحملهم على السكوت الذي هو بمنزلة الإقرار (وَلَوْ كَانَ مَا سَمِعُوهُ مُنْكَرًا عِنْدَهُمْ وَغَيْرَ معروف لديهم) أي ولو في الجملة (لأنكروه) أي ذلك المسموع أنكروا على ناقله أيضا (كما أنكر بعضهم) أي بعض الصحابة (على بعض) أي آخرين (أشياء رواها) أي نقلها بعضهم (من السّنن والسّير وحروف القرآن) بيان لأشياء والمراد بالسنن الأحاديث المتعلقة بالأحكام وبالسير الروايات المختصة بشمائله ﵊ وبحروف القرآن قراآته كإنكار عمر رضي الله تعالى عنه على هشام بن حكيم بن حزام إذ سمعه يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فجاء به إليه فقال سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما اقرأتنيها فقال اقرأ يا هشام فقرأ فقال هكذا أنزلت ثم قال اقرأ يا عمر فقرأ فقال هكذا انزلت أن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه رواه الأئمة الستة (وخطّأ بعضهم بعضا) بتشديد الطاء أي نسب بعضهم بعضا إلى الخطأ في اجتهاداتهم واستنباطاتهم (ووهّمه) بتشديد الهاء أي ونسب بعضهم بعضا إلى الوهم في رواياتهم (في ذلك) أي في جميع ما ذكر من السنن والسير والقراآت (ممّا هو معلوم) أي عند أرباب الدرايات كتخطئة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نوفل البكالي في قوله إن موسى الخضر ليس موسى بني إسرائيل (فهذا النّوع) أي الذي رواه العدد اليسير لا الجمع الكثير (كلّه) أي جميع أفراده (يلحق) بفتح الياء على ما قاله الحلبي وغيره وكذا بفتح الحاء والأظهر أن يكون بصيغة المجهول ووقع في أصل الدلجي ملحق بالميم وصيغة المفعول وهو نسخة أيضا والمعنى يوصل
[ ١ / ٥٤٤ ]
(بالقطعيّ من معجزاته) ويعطي حكمه من كراماته (لما بيّنّاه) مما يؤذن بأن رواية بعضهم وسكوت بعضهم بمنزلة وقوع الإجماع فإن هذه الأمة لا تجتمع على الضلالة (وَأَيْضًا فَإِنَّ أَمْثَالَ الْأَخْبَارِ الَّتِي لَا أَصْلَ لها) أي كالموضوعات (وبنيت على باطل) أي غرض فاسد من الخيالات (لا بدّ مع مرور الأزمان) أي مضي الأوقات (وتداول النّاس) أي في الروايات (وأهل البحث) أي عن حال الرواة (من انكشاف ضعفها) أي لا فراق من تبين ضعف أمرها (وخمول ذكرها) أي وخموده عند أهل المعرفة بسندها (كما يشاهد) بصيغة المجهول وفي نسخة بضم النون وكسر الهاء أي كما يرى ويعلم ويظهر (فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ الْكَاذِبَةِ وَالْأَرَاجِيفِ الطَّارِئَةِ) بالهمزة ويبدل أي الحكايات العارضة، (وأعلام نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم) بفتح الهمزة أي معجزاته التي هي لشهرتها وانتشارها كالاعلام جمع علم على عجز من ناواه ورد من عاداه (هذه الواردة) أي كل واحد منها (من طريق الآحاد) أي المفيدة للظن مبنى لكنه إذا ضم بعضها إلى بعض صارت متواترة موجبة للقطع معنى (لا تزداد) أي بإيراد تلك الآحاد (مع مرور الزّمان إلّا ظهورا) أي إجلالا للمؤيد بها وإمدادا وارغاما لمنكرها عنادا (ومع تداول الفرق) أي للأمور فرقة ففرقة كذا قرره الدلجي بناء على ما وقع في أصله وفي أكثر النسخ تداول القرون وهو المناسب لمقابلة ما سبق من قوله تداول الناس (وكثرة طعن العدوّ) أي الأعداء فإنه يطلق على الجمع والمفرد مع أفراد لفظه ولذا قال (وحرصه على توهينها) أي إبطالها (وتضعيف أصلها) أي باعتبار متنها وإسنادها (وإجهاد الملحد) أي بذل الظالم وسعه عادلا عن الحق قال الدلجي وفي نسخة وإجهاد بلا تاء أي نفسه أي إيقاعها في مشقة وجد وكد ومبالغة (على إطفاء نورها) يعني وهي لا تزداد مع ذلك (إلّا قوّة وقبولا) أي للمنصف المذعن للحق (ولا للطّاعن) أي ولا تزداد للذام العائب (عليها إلّا حسرة وغليلا) بفتح الغين المعجمة أي حرارة وعطشا يهلك من كان عليلا (وكذلك) أي وكإعلامه بفتح الهمزة فيما ذكر من الازدياد (إخباره) بكسر الهمزة أي إعلامه (عن الغيوب) كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم مما أخبر به عن المغيبات في حديث الحاكم بلاء يصيب هذه الأمة حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم وقد وجد هذا عند أهل العلم (وإنباؤه) بكسر الهمزة أي وإخباره (بما يكون) أي في الآخرين (وكان) أي وبما كان في الأولين أو بما يكون في الغيوب وبما كان من العدم، (معلوم) أي كل ذلك معلوم كونه (من آياته) أي علاماته الدالة على صدق حالاته وصحة معجزاته (على الجملة) أي من غير نظر إلى الطريق المفصلة (بالضّرورة) أي بالبداهة العقلية فهو في الجملة قطعي الدلالة من غير احتياج علمنا بكونه منها إلى كسب من تفكر واستدلال بالأدلة (وهذا حق) أي أمر ظاهر، (لا غطاء عليه) ولا مرية لديه (وقد قال به) أي بكون إخباره بما يكون الخ (من أئمتنا) أي الأشعرية (القاضي) قال الحلبي الظاهر أنه أبو بكر الباقلاني المالكي (والأستاد) بالدال المهملة وقيل بالمعجمة (أبو بكر) أي ابن فورك بضم الفاء (من الشافعية
[ ١ / ٥٤٥ ]
وغيرهما) أي من الأئمة الحنفية والحنبلية والمشايخ الماتريدية من أكابر أهل السنة والجماعة (وعندي أوجب قول القائل) بالنصب وفي أصل الدلجي ما أوجب أي ما اثبت قوله وفي نسخة وَمَا عِنْدِي أَوْجَبَ قَوْلَ الْقَائِلِ (إِنَّ هَذِهِ القصص المشهورة) أي في باب المعجزات وخوارق العادات (من باب خبر الواحد) أي إنما هي من خبر الآحاد وهي لا تفيد إلا ظنا مبينا لا علما يقينا وما الجأه إلى قوله هذا (إلّا قلّة مطالعته) أي ملاحظة هذا القائل (للأخبار) أي للأحاديث الصريحة (وروايتها) أي وقلة معرفته بالأسانيد الصحيحة، (وشغله بغير ذلك من المعارف) بضم الشين وفتحها وبضمتين أي وكثرة اشتغاله بغير ما ذكر من الأدلة النقلية المفيدة للعلوم اليقينية من الآلات والأدوات العربية والمعارف الجزئية التي مأخذها الأمور الظنية والعوارف الوهمية (وإلّا) أي وإن لم يكن موجب قوله ذلك قلة اعتنائه بما هنالك (فمن اعتنى) أي اهتم (بطرق النّقل) أي أسانيد المنقول في هذا الباب (وطالع الأحاديث والسّير) أي كتبهما على ما رتب في الأبواب (لم يرتب) من الارتياب أي لم يشك (في صحّة هذه القصص المشهورة) أي الروايات المأثورة والحكايات المذكورة وتبين له أنها (على الوجه الذي ذكرناه) أي على الطريق الذي قررناه والمنهج الذي حررناه من أنها من باب التواتر معنى وإن كانت من أحاديث الآحاد مبنى (وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَحْصُلَ الْعِلْمُ بِالتَّوَاتُرِ عِنْدَ واحد) أي من أهل الحديث والقراءة مثلا (ولا يحصل عند آخر) إذا كان عاريا عن معرفتها أصلا وفرعا (فإنّ أكثر النّاس يعلمون بالخبر كون) وفي نسخة إن في أخرى كون إن (بغداد موجودة وأنّها مدينة عظيمة) أي كبيرة مشهورة (ودار الإمامة والخلافة) ومحل العلماء ومنزل الأولياء بعد أن عمرت في زمن أبي جعفر المنصور العباس أخي السفاح سنة خمس وأربعين ومائة وكانت قبل ذلك مبقلة وسبق أنه يجوز في داليها اعجام وإهمال والمرجح إهمال الاول وإعجام الثاني كما صرح في رواية الشاطبية (وآحاد من النّاس) أي الذين في أطراف العالم واكنافه (لا يعلمون اسمها فضلا عن وصفها) أي من رسمها ووسمها (وهكذا) أي وكعلم بعض الناس بغداد وجهل غيرهم بها (يعلم الفقهاء من أصحاب مالك) أي مثلا من حيث تقليدهم لما هنالك (بالضّرورة) أي بالبديهة الضرورية من غير احتياج إلى التفكر والروية (وتواتر النّقل) وفي نسخة صحيحة والنقل المتواتر (عنه) أي عن مالك الإمام (أنّ مذهبه إيجاب قراءة أمّ القرآن) أي سورة الفاتحة من غير البسملة (في الصّلاة للمنفرد والإمام) أي دون المأموم وإن لم يسمع قراءة إمامه بل يكر له في الجهرية قراءتها وهذا موافق لمذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى على تفصيل في كتبهم والشافعي يوجبها على المأموم أيضا، (وإجزاء النّيّة) أي وإن مذهبه الاكتفاء بالنية (في أوّل ليلة من رمضان) أي لجميع أيامه (عمّا سواه) أي من بواقي لياليه (وأنّ الشّافعيّ) أي وكذا يعلم الفقهاء من أصحابه وربما يعلم غيرهم أيضا بالضرورة ونقل المتواتر عنه وكذا عن أبي حنيفة أنه (يرى) أي وجوبا لا ندبا (تجديد النّيّة كلّ ليلة) أو قبل نصف النهار الشرعي عند أبي حنيفة
[ ١ / ٥٤٦ ]
(والاقتصار) أي وأن الشافعي يرى الاقتصار (في المسح على بعض الرّأس) وهو ما يطلق عليه اسم المسح أخذا باليقين ومالك يرى وجوب مسح كله احتياطا وأبو حنيفة عمل بحديث مسلم في مسحه صلى الله تعالى عليه وسلم على الناصية وهو ربع الرأس ودليلنا حجة عليهما (وأنّ مذهبهما) أي مالك والشافعي (القصاص) أي القود (في القتل بالمحدّد) أي مما يجرح كالسنان (وغيره) مما لا يجرح كالعصا (وإيجاب النّيّة في الوضوء) أي في أوله (واشتراط الوليّ في النّكاح) أي في عقده (وَأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُخَالِفُهُمَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ) أي لما قام عنده مما صح من الدلائل كما بيناه في شرحنا المسمى بالمرقاة للمشكاة في حل المشكلات لكل طالب وسائل وما يتوقف عليه من الوسائل (وغيرهم) أي من الفقهاء المذكورين ونحوهم كالحنبليين (ممّن لم يشتغل بمذاهبهم ولا روى) وفي نسخة صحيحة ولا رأي (أقوالهم) أي ولا عرف مشار بهم (لا يعرف) وفي نسخة صحيحة ولا يعلم (هذا) أي ما ذكر من هذه المسائل وأمثالها (من مذاهبهم) أي ولو كان على منهجهم وادعى بأنه في مشربهم لكنه ما باشر إلا علوما أخر وضيع عمره فيما لا ينفعه فتدبر (فضلا عمّن) وفي نسخة عما (سواه) أي ممن لم يباشر العلوم أصلا ولم يمازج كتابا ولا فصلا ولا فرعا ولا أصلا (وعند ذكرنا آحاد هذه المعجزات) أي إجمالا كافيا (نزيد الكلام فيها بيانا) أي شافيا (إن شاء الله تعالى) .
فصل [في إعجاز القرآن العظيم الوجه الأول]
(في إعجاز القرآن) أي بيان اعجازه في إطنابه وإيجازه (اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ العزيز) أي الغالب على سائر الكتب لكونه معجزا ولكونه ناسخا لغيره في بعض أحكامه (منطو) أي مشتمل ومحتو (على وجوه من الإعجاز) أي أنواع (كثيرة) وأصناف غريزة (وتحصيلها) مبتدأ أي وتحصيل وجوهه الكثيرة بطريق إجمالها (من جهة ضبط أنواعها) أي مع اندماج أصنافها واندراج أجناسها (في أربعة وجوه) أي منحصرة فيها (أوّلها حسن تأليفه) أي تركيبه بين حروفه وكلماته وآياته وسوره وقصصه وحكاياته (والتئام كلمه) أي وانتظام كلماته في سلك مبانيها المتناسبة لمقتضى معانيها المتناسقة بين أعاليها وأدانيها (وفصاحته) أي ووضوح بيان معانيه مع اقتصاد مبانيه (ووجوه إيجازه) أي من قصر وحذف لاكتفاء وإيماء.
(وبلاغته) أي في عجائب التراكيب وغرائب الأساليب وبدائع العبارات وروائع الإشارات (الخارقة) أي المتجاوزة (عادة العرب) من فصاحتهم وبلاغتهم (وذلك) أي ما ذكر من عادتهم (أنّهم كانوا أرباب هذا الشّأن) أي من جهة الفصاحة (وفرسان الكلام) أي في ميدان البراعة (قد خصّوا من البلاغة، والحكم) بكسر ففتح جمع حكمة وهي كمال العقل واتقان العمل (ما لم يخصّ به غيرهم من الأمم) أي سابقة ولاحقة (وأوتوا من ذرابة اللّسان) بفتح الذال المعجمة أي حدته وبساطته وسلاطته (ما لم يؤت) أي مثله (إنسان) أي ممن عداهم وكان
[ ١ / ٥٤٧ ]
الاولى أن يقول الإنسان ويراد به جنسه لأنه أنسب في مقام سجعه (ومن فصل الخطاب) أي بيان المراد في الفصول والأبواب (ما يقيّد الألباب) بكسر التحتية الثانية المشددة أي يمنع أرباب العقول الخالصة أن يأتوا بمثل كلامهم وعلى نهج مرامهم (جعل الله لهم ذلك) أي ما خصوا به (طبعا وخلقة) أي سليقة وجبلة (وفيهم) أي وجعل ذلك فيهم (غزيزة) أي سجية (وقوّة) أي وقدرة بديعة (يأتون منه) أي من الكلام الوافي للمرام (على البديهة) من غير الروية (بالعجب) أي العجاب (ويدلون) بضم الياء واللام أي يتوسلون (به إلى كلّ سبب) أي من الأسباب في السؤال والجواب وسائر فصول الخطاب (فيخطبون) أي الخطب البليغة (بديها) أي من جهة البديهة (في المقامات) أي على حسب ما يلائمها من المقالات (وشديد الخطب) أي في الأمر العظيم الشأن والحال الذي يقع فيه تفخيم البيان، (ويرتجزون به) أي يوردونه مرجزا في حال الحرب (بين الطّعن والضّرب) فالطعن بالرمح ونحوه والضرب بالسيف وغيره (ويمدحون) أي بعضهم بعضا إظهارا لمفخرة أو كسبا لمحمدة أو جلبا لفائدة. (ويقدحون) أي ويطعنون ويذمون بعضهم بعضا أيضا لأحد الأغراض السابقة وهذا المعنى بحسب التقابل هو المناسب للمرام وأبعد الدلجي في قوله ويقدحون أفكارهم فيستخرجون سحر الكلام في أحسن النظام (ويتوسّلون) أي به إلى من يقصدون منه نجاح مآربهم (ويتوصّلون) أي به إلى الفوز بمطالبهم (ويرفعون) أي بمدحهم من أرادوا (ويضعون) أي بذمهم من شاؤوا (فيأتون من ذلك) الكلام على وجه الإجمال وطريق الكمال (بالسّحر الحلال) وهو ما لطف مبناه وشرف معناه ويستعار للكلام البليغ وقد ورد إن من البيان لسحرا أي سواء كان نثرا أو شعرا فإنه ربما سحر الإنسان وصرفه عن حيز التبيان والسحر في الشرع حرام إلا أنه حلال في مقال وقع في مقام مرام (ويطوّقون) بكسر الواو المشددة أي يحملون (من أوصافهم) أي صفاتهم الحميدة وسماتهم المجيدة من ظنوه أهلا لتلك الأحوال نعوتا (أجمل من سمط الّلآل) بكسر السين هو الخيط ما دام فيه الخرز وإلا فهو سلك وفي نسخة بضمها على أنه جمع سمط واختاره اليماني لكن في القاموس أن جمعه سموط هذا وقد قال الحلبي اللؤلؤة الدرة وجمعها اللؤلؤ واللآلي انتهى وفيه مسامحة إذ اللؤلؤ جنس واللآلي جمع وقد حذف المصنف ياءه مراعاة للسجع ونظيره في الفواصل قوله تعالى الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (فيخدعون الألباب) في ملهياتهم (ويذلّلون الصّعاب) أي يهونونها في مهماتهم بحسب ما يزينون مراماتهم في مقالاتهم على وفق مقاماتهم (ويذهبون) بضم الياء وكسر الهاء أي يزيلون (الإحن) بكسر الهمزة وفتح الحاء جمع إحنة بكسر فسكون وهي الحقد والضغينة وإضمار العداوة (ويهيّجون) بتشديد الياء الثانية المكسورة وفي نسخة بفتح الياء الأولى وكسر الهاء وتخفيف الياء الثانية أي يحركون ويثيرون (الدّمن) بكسر الدال المهملة وفتح الميم جمع دمنة وهي في الأصل ما تدمنه الإبل ونحوها بأبوالها وأبعارها أي تلبده في مرابضها ثم استعمل في الحقد لتلبده في باطنه ولكونه من دمائم خاطره وفي نسخة الزمن بفتح الزاء وكسر الميم
[ ١ / ٥٤٨ ]
المقعد والمفلوج وفي نسخة الذمر بفتح الذال المعجمة وكسر الميم فراء وهو الشجاع وهو وإن كان يخالف ما قبله من مراعاة السجع إلا أنه أبعد من التكرار المعنوي وأقرب للمقابل اللفظي بقوله (ويجرّئون الجبان) بتشديد الراء المكسورة أي يحملونه على الجرأة والشجاعة والجبان بفتح الجيم والموحدة المخففة ضد الشجيع (ويبسطون) بضم السين أي ويفتحون (يد الجعد البنان) أي البخيل اللئيم الشأن وأصل الجعد بفتح الجيم وسكون العين وهو الانقباض في الشعر ضد السبط المسترسل والبنان بفتح الموحدة وتخفيف النونين أطراف الأصابع جمع بنانة ومنه قوله تعالى بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (ويصيرون) بتشديد التحتية الثانية أي يحولون (النّاقص كاملا) بحسن رعايتهم وعين عنايتهم (ويتركون النّبية) أي المشهور بالنباهة والتنبه عن نوم الجهالة (خاملا) أي متروكا شأنه ومجهولا بيانه. (منهم البدويّ) أي من يسكن البادية مع كون غالبهم عنه المعرفة عارية (ذو اللّفظ الجزل) بفتح الجيم وسكون الزاء أي صاحب الألفاظ التي فيها الجزالة والسلاسة الكاملة في الدلالة في مراتب الفصاحة والبلاغة (والقول الفصل) أي البين أمره والمبين حكمه. (والكلام الفخم) أي العظيم المرام (والطّبع الجوهري) منسوب إلى جوهر وهو معرب واحده جوهرة وهذا مدح جزيل ووصف جليل كذا ذكره الحلبي واقتصر عليه ووقع في أصل الدلجي بلفظ الجهوري أي الشديد الصوت العالي والواو زائدة من جهر بصوته إذا رفعه بشدة وفي حديث العباس أنه نادى بصوت جهوري انتهى والظاهر أنه تصحيف في المبنى وتحريف في المعنى اللهم إلا أن يتكلف كما اقتصر عليه الشمني فقال المراد بالطبع الجبلة والجهوري الذي قد اشتهر من قولهم جهر بصوته إذا شهره ورفعه إذ الطبع لا يقبله والمقام لا يلائمه كما لا يخفى على من تأمله (والمنزع القويّ) بفتح الميم والزاء أي والمشرب الصفي (ومنهم الحضريّ) بفتحتين أي من يسكن الحاضرة ضد البادية من المصر أو القرية (ذو البلاغة البارعة) أي الفائقة اللائقة (والألفاظ النّاصعة) أي الخالصة من شوائب الركاكة لبلاغة مبانيها وفصاحة معانيها (والكلمات الجامعة) أي لمعان كثيرة في ضمن مبان يسيرة. (والطّبع السّهل) أي المنقاد للأهل كالماء في سلاسته والنسيم في لطافته (والتّصرّف في القول القليل الكلفة) أي اليسير المؤنة لسهولة المعونة (الكثير) أي وفي القول الكثير (الرّونق الرّقيق الحاشية) أي الجزيل الحسن في المبنى واللطيف الطرف في المعنى (وكلا البابين) أي بابي كلام كل في كل مقام مطابق لما قصد من المرام (فلهما في البلاغة الحجّة البالغة) أي الواصلة إلى مقام النهاية والغاية وأعاد المصنف الضمير في فلهما إلى معنى كلا وهو مذهب الكوفي والمختار رأى البصري وهو أن يفرد الضمير بناء على لفظه وبه جاء القرآن في قوله ﷾ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها (والقوّة الدّامغة) أي الماحقة للأمور الزاهقة ومنه قوله تعالى بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ وفي حديث علي دامغ جيش الاباطيل. (والقدح) بكسر القاف أي السهم والمراد به واحد الازلام لا الذي قبل أن يراش كما يتوهم من تقرير الحلبي نعم هو أصله لكن قصد هنا
[ ١ / ٥٤٩ ]
فصله بقرينة قوله (الفالج) بكسر اللام أي الفائز الغالب (والمهيع) بفتح الميم والتحتية أي الطريق الواسع (النّاهج) أي السبيل السالك الواضح وفي حديث علي اتقوا البدع والزموا المهيع (لا يشكّون أنّ الكلام طوع مرادهم) أي منقاد لما يرون من إيرادهم. (والبلاغة ملك قيادهم) بكسر الميم ثم كسر القاف وهو حبل تربط به الدابة ذكره الحلبي فيكون من القيد أي يقيدونه بما أرادوا والأظهر أنه ما يقاد به فهو من القود وهو السوق من قدام أي يقودونه حيث شاؤوا من روائع لطائفه وبدائع عوارفه (قد حووا) بفتح الواو أي حازوا وجمعوا (فنونها) أي من مبانيها (واستنبطوا عيونها) استخرجوا من معانيها لبابها (وَدَخَلُوا مِنْ كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهَا وَعَلَوْا صرحا) أي ورفعوا بناء ظاهرا (لبلوغ أسبابها فقالوا في الخطير والمهين) بفتح الميم أي في العظيم والحقير (وتفنّنوا في الغثّ) بفتح الغين المعجمة وتشديد المثلثة أي المهزول (والسّمين) ومنه قول ابن عباس لعلي ابنه الحق بابن عمك يعني عبد الملك بن مروان فقل له نغثك خير من سمين غيرك والمعنى فغايروا في كلامهم بين أسلوب وأسلوب وإيراد وإيراد بلطائف مبان وشرائف معان في كل مراد (وتقاولوا) أي فيما بينهم (في القلّ والكثر) بضم أولهما أي في القليل والكثير مدحا وهجوا وإيجازا وأطنابا (وتساجلوا) بالسين المهملة والجيم مأخوذ من السجل وهو الدلو أي تناوبوا وتراسلوا (في النّظم والنّثر) أي تفاخروا وتكاثروا وعن ابن الحنفية رحمه الله تعالى أنه قرأ هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ فقال هي سجلة للبر والفاجر أي مرسلة مطبقة في الإحسان إلى كل واحد من أفراد الإنسان ومنه قولهم الحرب سجال (فما راعهم) أي ما أفزعهم شيء اليم (إلّا رسول كريم) أي جاءهم بخلاف هواهم لكن معه هداهم وطريق مناهم حين أتاهم (بكتاب الْعَزِيزُ) أي بديع منيع رفيع حيث لا نظير لمثله (لَا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ) أي لا يتعلق البطلان به بوجه من وجوهه (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢]) يحمده خلقه بما ظهر عليهم من نعمه (أحكمت آياته) أي نظمت نظما محكما متقنا لا يغشاه خلل لا لفظا ولا معنى (وفصّلت كلماته) أي ميزت وبينت ما يحتاج إليه في أبواب الدين من عقائد وأحكام وأخبار ومواعظ ووعد ووعيد على وجه اليقين (وبهرت بلاغته العقول) أي غلبتها (وظهرت فصاحته على كلّ مقول) أي نظما ونثرا (وتظافر) بالظاء المشالة أي تظاهر وتغالب على غيره (إيجازه وإعجازه) أي مبنى ومعنى ومنه قوله تعالى أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وهو الموافق لما في النسخ المصححة وتصحف علي الدلجي فقال تصافر بالصاد من تصافر القوم تعاونوا (وتظاهرت حقيقته ومجازه) أي تعاونت لبلوغهما أقصى مراتبهما (وتبارت) بمثناة فوقية فموحدة تعارضت (في الحسن مطالعه ومقاطعه) والمعنى تجارت فيه فواتح سوره وآياتها وقصصها وخواتمها تسارعا وتسابقا لا يتصور له لاحق فضلا عن أن يوجد له سابق ثم التباري معتل لا مهموز وفي الحديث نهى عن أكل طعام المتبارين أي المتسابقين المتعارضين بفعلهما ليغلب أحدهما الآخر في صنعهما وإنما كرهه لما فيه من المباهاة والرياء أو لاشتمالهما على
[ ١ / ٥٥٠ ]
عدم الرضى لإعطائهما بسيف الحياء ويمكن حمل كلام المصنف على هذا المعنى أي تعارضت مطالعه ومقاطعه في الحسن وتغالبت كأن كل واحدة منهم غالبت أختها وعارضت شبيهتها (وحوت) أي جمعت (كلّ البيان) بالنصب أي جميع ما يحتاج إلى البيان من جهة الأديان (جوامعه) أي بكلم قليلة وحكم جزيلة (وبدائعه) أي على أوفق إيجاز وأوثق إعجاز (واعتدل مع إيجازه) أي استقام قاله الدلجي والأظهر توسط بين غاية الاطناب ونهاية الإيجاز (حسن نظمه) وفي نسخة حسن لفظه بجزالة بلاغته وغرابته (وانطبق) أي احتوى (على كثرة فوائده) أي من معانيه (مختار لفظه) أي من إيجاز مبانيه (وهم أفسح) أوسع (ما كانوا في هذا الباب) أي باب السؤال والجواب (مجالا) أي قوة واحتمالا وفي نسخة صحيحة أفصح بالصاد وهو ظاهر المراد (وأشهر في الخطابة) أي في باب المخاطبة والمحاورة (رجالا) ولو قال في الخطاب لكان سجعا لما في الكتاب من لفظ الباب ثم نصب مجالا ورجالا كليهما على التمييز المحمول عن الفاعل فيهما والجملتان حاليتان أي مجالهم ورجالهم إذ مجالهم في باب البلاغة أظهر ورجالهم في باب الفصاحة أشهر (وأكثر) أي من غيرهم (في السّجع) أي في الكلام المقفى في النثر (والشّعر) بزيادة قيد الموزون في النظم (ارتحالا) أي انتقالا من كلام إلى كلام ومن مرام إلى مرام بقوة تفننهم في نوعي الكلام ووقع في أصل الدلجي بالجيم فقال أي بدون ترو ومهلة إذ كان لهم سجية وطبيعة انتهى وفي القاموس ارتجل الكلام تكلم به من غير أن يهيئه وفي نسخة سجالا أي تارة وتارة باعتبار المناوبة أو المغالبة (وأوسع) أي ممن عداهم (في الغريب) أي غريب الاستعمال (واللّغة) بالمعنى الأعم المتناول للقريب والغريب على وجه الكمال (مقالا) أي قالا مما يوجب حالا ومثالا (بلغتهم) متعلق بكتاب أو حال منه أي حال كونه بألسنتهم (التي بها يتحاورون) أي يتجاوبون في محاوراتهم (ومنازعهم) بفتح الميم أي محال المنازعة بمعنى المجاذبة في الأعيان والمعاني (التي عنها يتناضلون) بالضاد المعجمة أي يتغالبون بالكلام من النظم والنثر (صارخا بهم) أي حال كون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أو القرآن المعظم داعيا لهم ومناديا عليهم (في كلّ حين) أي زمان من ليل ونهار منفردين أو مجتمعين تسجيلا عليهم بإنكارهم للدين واستكبارهم عن الحق معرضين (ومقرّعا) بتشديد الراء المكسورة بعد القاف أي وموبخا (لهم بضعا وعشرين عاما) بكسر الموحدة وقد تفتح ما بين الثلاث إلى التسع والمراد به هنا ثلاثة على الصحيح من أنه بعث على رأس الأربعين وعاش ثلاثا وستين وقيل خمسا وستين وقيل ستين وقد جمع بين الأقوال الثلاثة كما هو مقرر في محله ولعل المصنف لوقوع اختلاف ما أطلق بضعا وعشرين عاما (على رؤوس الملإ) أي من أشرافهم ورؤسائهم (أجمعين أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ) اقتباس أورده شاهدا بثبوت نبوته وأم بمعنى بل والهمزة للإنكار أي بل أيقولون اختلقه محمد وجاء به من عنده وكذب على ربه (أَقُلْ) أي لهم إن كان الأمر كما زعمتم وتوهمتم (فَأْتُوا) على صورة الافتراء (بِسُورَةٍ) أي
[ ١ / ٥٥١ ]
بأقصر سورة (مِثْلِهِ) أي تماثله في بلاغة مبانيه وفصاحة معانيه فإنكم عربيون مثلي بل أنتم مشهورون بالخطابة نظما ونثرا من قبلي (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي استعينوا بمن يمكن استعانتكم به من غير تعالى على الإتيان بسورة مثله لا به فإنه تعالى قادر عليه بانفراده (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [يونس: ٣٨]) أي في أنه أتى به من عنده (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ) أي في شك وشبهة (مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا) أي في كل سورة (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [الْبَقَرَةِ: ٢٣] إِلَى قَوْلِهِ وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة: ٢٤]) وهو قوله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنه ﷾ ما انزله عليه وما أوحاه إليه فإن لم تفعلوا أي في الحال ولن تفعلوا أي في الاستقبال فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ فهذه الآية منادية عليهم بعجزهم عن المعارضة في الأزمنة الحاضرة مع إخباره ﷾ بأن الخلق كلهم عاجزون عن الإتيان بمثله إلى يوم القيامة (وقوله) أي وأصرح من هذا كله قوله تعالى (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ) ومنهم أصناف العرب (وَالْجِنُّ) ومنهم أنواع الملائكة (عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ [الْإِسْرَاءِ: ٨٨]) في كمال مبناه وجمال معناه (الآية) يعني قوله لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا أي متعاونين على الإتيان بمثله وقال الدلجي ولم يدرج الملائكة في الفريقين مع عجرهم أيضا عنه لأنهما المتحديان به انتهى ولا يخفى أن إدراجهم معهم كما حررنا هو الأولى فإنه أظهر في المدعي لا سيما وقد قال بعض العلماء بأن نبينا مبعوث إلى الملائكة بل إلى الخلق كافة كما قررناه في محله اللائق به (وقيل) أي في آية أخرى وفي نسخة وقل (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [هود: ١٣]) أي مختلقات من عند أنفسكم وحاصله أنه ألزمهم الحجة بإتيان قرآن مثله ثم أرخى العنان بتنزله إلى عشر سور مثله ثم تحداهم بسورة واحدة كائنة من عندهم تسهيلا للأمر عليهم وتسجيلا بنداء العجز لديهم كذا قرره الشراح وهو المستفاد مما سيأتي وكلام المصنف على ما حرره وفيه أنهم من أول الوهلة طولبوا المعارضة لا بعد تمام القرآن سورة وسورة والقرآن كما يطلق على الكل يطلق على البعض كما عرف في علم الأصول بما يؤيده من دليل المنقول والمعقول فالوجه أن المراد بالقرآن قدر ما تتعلق به المعجزة وهو اقصر سورة أو قدرها من آيات وحروف وكلمات ويقويه قوله تعالى فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ وعلى كل تقدير فالتحدي بعشر سور مثله تهكم بهم في إثبات عجزهم (وذلك أنّ المفترى) بفتح الراء على ما صرح به الحلبي وغيره (أسهل) أي أهون تلفيقا (ووضع الباطل والمختلق) بفتح اللام أي المكذوب (على الاختيار) أي اختيار المعارض (أقرب) أي أنسب تزويقا وأروج تنميقا ومع ذلك فلم يجدوا إليه طريقا (واللّفظ) أي بعد وضعه في المبنى الفصيح (إذا تبع المعنى الصّحيح كان أصعب) أي ترتيبا وأتعب تهذيبا وهذا أيضا وجه عجزهم عن المعارضة لأن القرآن جمع بين غرائب المعاني وعجائب البيان (ولذلك) وفي نسخة ولهذا أي ولكون المبنى إذا اتبع المعنى أصعب في المدعي (قيل فلان يكتب كما يقال له) فيفتق أكمام ما قيل له من أخبار مبانيه عن أزهار
[ ١ / ٥٥٢ ]
معانيه ويراعي جميع ما يوافيه بتحريره ويدفع كل ما ينافيه بتقريره حتى يستحسنه المملي إذ عبر عن مراده في شأنه ما كان عاجزا هو عن إيراد بيانه (وفلان يكتب) أي ما يقال له إلا أنه (كما يريد) أي بنفسه لا أنه كما يراد منه بحسب أنسه (وللأوّل) أي من الكاتبين (على الثّاني فضل) أي مزيد سديد (وبينهما شأو بعيد) وفي نسخة صحيحة شأو وبعد وهو بفتح الشين المعجمة وسكون الهمزة فواو منون أي مدى ونهاية وسبق وغاية والمعنى فرق بعيد وفصل عميق لإتيان الأول بالمأمور مفرغا في قالب مراد آمره دون الثاني لإتيانه بمأموره في قالب مراد نفسه إذا عرفت ذلك (فلم يزل صلى الله تعالى عليه وسلم يقرّعهم) بتشديد الراء (أشدّ التّقريع) تفسيره قوله (ويوبّخهم غاية التّوبيخ) أي اسوأه ولا يبعد أن يكون أحدهما بمعنى يهددهم بل هو أولى لأن التأسيس بالنسبة إلى التأكيد أعلى (ويسفّه أحلامهم) بتشديد الفاء أي ينسب عقولهم إلى السفه وبعدهم سفهاء كقوله تعالى سَيَقُولُ السُّفَهاءُ وقوله أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ (ويحطّ) بضم الحاء وتشديد الطاء أي ينكس (أعلامهم ويشتّت) بتشديد التاء الأولى أي يفرق (نظامهم) ويمزق مرامهم (ويذمّ آلهتهم) أي يعيبها في حد ذاتها بقوله لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها (وإيّاهم) أي ويعيبهم على عبادتها بقوله وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وقوله مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وأمثالهما (ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم) أي بالاستيلاء عليها (وهم) أي والحال أنهم (في كلّ هذا) أي مما ذكر من الأحوال (ناكصون) أي راجعون القهقرى إلى وراء (عن معارضته محجمون) بحاء ساكنة فجيم مكسورة أي متأخرون (عن مماثلته) لظهور مباينته (مخادعون أنفسهم بالتّشغيب) أي بتهييج الشر وإثارة الفتنة والمخاصمة بين القريب والغريب وفي نسخة بالتكذيب وجمع بينهما أصل الدلجي وهو لا يناسب التهذيب خصوصا مع تكرار الباء وعدم العاطف المفيد للجمع أو الترتيب (والإغراء بالافتراء) أي الحث والالزام على وجه التزام نسبة سيد الأنبياء بالافتراء على خالق الأشياء وقد تصحف الإغراء على الدلجي بتوهم الاعتراء على ما في بعض النسخ فقال من عراه إذا مسه وأصابه إلى آخر ما ذكره (وقولهم) أي وبقول بعضهم كالوليد بن المغيرة كما حكى الله تعالى عنه بقوله ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فقال (إن هذا) أي ما هذا (إلّا سحر يؤثر) أي يروى عن أهل بابل وغيرهم وإنما قال هذا الكلام حين سمع النبي ﵊ يقرأ حم السجدة فقال لقد سمعت من محمد كلاما ليس بكلام إنس ولا جن وأنه ليعلو ولا يعلى فقيل قد صبا الوليد فقال ابن أخيه أنا اكفيكموه فقد إليه حزينا وكلمه بما أحماه فقال لهم تزعمون أن محمدا مجنون هل رأيتمون يخنق وزعمتم أنه كاهن هل رأيتموه تكهن وأنه شاعر هل رأيتموه يقول شعرا قالوا لا فقال ما هو إلا ساحر أما رأيتموه يفرق بين المرء وأهله وولده ومواليه فاهتز النادي فرحا وفي نسخة زيد هنا إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ؛ (وسحر مستمرّ) أي وقول
[ ١ / ٥٥٣ ]
بعضهم كما حكى الله تعالى عنهم وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ أي هو أو هذا سحر مطرد دائم صادر عنه أو ذاهب باطل كما قاله قتادة ومجاهد رحمة الله تعالى عليهما أو قوي محكم يغلب كل سحر كما قاله أبو العالية والضحاك (وإفك افتراه) أي وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ أي كذب صرفه عن وجهه واختلقه من تلقاء نفسه وأعانه عليه قوم آخرون، (وأساطير الأوّلين) أي وقالوا هذا أو هو أقاويلهم المزخرفة التي سطرها المتقدمون (اكتتبها) أي استكتبها لنفسه فهي تملي عليه بكرة وأصيلا.
(والمباهتة) أي والإغراء بالمباهتة من بهته إذا رماه بما يتحير منه والمعنى ومخادعون أنفسهم بأكاذيب وافتراآت يحيط بهم ضررها ويحيق بهم مكرها ولا يتخطاهم أثرها (والرّضى بالدّنيئة) بالهمز وقد يسهل أي وبرضاهم منه بالخصلة الرديئة (كقولهم قُلُوبُنا غُلْفٌ) جمع أغلف أي هي مغشاة بأغطية لا يصل إليها هداية ولا رواية؛ (وفي أكنّة) أي وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ أي في أغطية (ممّا تدعونا إليه) أي مانعة من وصوله إليها فضلا عن حصوله لديها (وفي آذاننا وقر) أي ثقل وصمم، (ومن بيننا وبينك حجاب) أي حاجز مانع من تقربنا إليك ومن نفعنا بما لديك وزيد من تلويحا بأن ابتدأ منهم وانتشأ عنهم وامتد مستوعبا للمسافة المتوسطة بينهما بحيث لم يبق فراغ فيها (ولا تسمعوا) أي وقال الذين كفروا لأصحابهم وأحبابهم لا تسمعوا (لهذا القرآن والغوا فيه) أي بخرافات الكلام وساقطات المرام (لعلّكم تغلبون) أي قارئه بتشويش خاطره الباعث على ترك قراءته. (والادّعاء مع العجز) أي وبمجرد دعواهم مع ظهور عجزهم عن مدعاهم (بِقَوْلِهِمْ لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذَا [الْأَنْفَالِ: ٣١]) ولعمري أي مانع كان لهم لو ساعدتهم الاستطاعة أن يشاؤوا ذلك حيث تحداهم وقرعهم بالعجز مع فرط أنفتهم واستنكافهم أي يغلبوا لا سيما في ميدان الفصاحة والبيان والتجأوا إلى معالجة السلاح من السيف والسنان والعاقل لا يترك الأسهل ويتبع الأثقل (وَقَدْ قَالَ لَهُمُ اللَّهُ وَلَنْ تَفْعَلُوا فَمَا فعلوا ولا قدروا) فإخباره صدق وكلامه حق (ومن تعاطى ذلك) أي ومن تجرأ على قصد المعارضة في ميدان الفصاحة والبلاغة (من سخفائهم) أي سفهائهم (كمسيلمة) أي الكذاب بهذيانات مخترعات منها قوله يا ضفدع الا تتقين أعلاك في الماء وأسفلك في الطين لا الماء تكدرين ولا الشراب تمنعين ومنها وقوله حين سمع أول سورة النازعات والزارعات زرعا والحاصدات حصدا والذاريات قمحا والطاحنات طحنا والحافرات حفرا والباردات بردا واللاقمات لقما لقد فضلتم على أهل الوبر وما سبقكم أهل المدر ومنها قول آخر الم تر كيف فعل ربك بالحبلى أخرج من بطنها نسمة تسعى وقال آخر الفيل ما الفيل وما أدراك ما الفيل له ذنب وثيل ومشفر طويل وإن ذلك من خلق ربنا لقليل (كشف عواره) بفتح العين المهملة وتضم وقيل الضم أفصح أي أظهر عيب نفسه (لجميعهم) أي من عقلائهم إذ لم يكن ما عارضه به من بديع كلامهم وبليغ نظامهم بل كان مما ينفر عنه الطبع السليم وينبو عنه السمع القويم من قلة سلاسته
[ ١ / ٥٥٤ ]
وكثرة ركاكته وأغرب من هذا أنه لما قتل مسيلمة على يد المسلمين من الصحابة قال رجل من بني حنيفة يرثيه
لهفي عليك أبا ثمامه لهفي على ركن اليمامه
كم آية لك فيهم كالشمس تطلع من غمامه
حكاه السهيلي وقال كذب بل كانت آياته معكوسة وراياته منكوسة فإنه كما يقال تفل في بئر قوم سألوه ذلك تبركا فملح ماؤها ومسح رأس صبي فقرع قرعا فاحشا ودعا لرجل في ابنين له بالبركة فرجع إلى منزله فوجد أحدهما قد سقط في البئر والآخر قد أكله الذئب ومسح على عيني رجل استشفى بمسحه فابيضت عيناه (وسلبهم الله ما ألفوه) أي استعملوه (من فصيح كلامهم) أي في صحيح مرامهم وهذا يومي ترجيح القول بالصرفة كما فهم الدلجي وصرح بقوله ولا أقول به بل الصارف عن معارضته كمال بلاغته وأنا أقول وإنما صرفوا عن ما ألفوا لما أراد الله بهم من فضاحتهم وإلا لو عارضوا بطبق كلمات محاورتهم لربما أوهموا الضعفاء أنهم قاموا بمعارضتهم كما يشير إليه قوله (وإلّا فلم يخف على أهل المنبر) أي أصحاب التمييز (منهم أنّه) أي كلامهم هذا في مقام معارضتهم (ليس من نمط فصاحتهم) بضم النون والميم أي من نوعها (ولا جنس بلاغتهم) أي في فنها (بل ولّوا) أي أهل الميز من عقلائهم ولو كانوا من فصحائهم وبلغائهم (عنه مدبرين) أي أعرضوا عن الإتيان بمثله مولين بأدبارهم عن نحوه (وأتوا مذعنين) أي منقادين مقرين بكونهم عاجزين غايته أنهم صاروا مفترقين (من بين مهتد) أي مصدق به وبمن أنزل عليه من جهة رسالته (وبين مفتون) أي متحير في بديع بلاغته ومنيع فصاحته متعجب من عجزهم عن معارضته (ولهذا) أي ولكونه ليس من نمط فصاحتهم وجنس بلاغتهم (لَمَّا سَمِعَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) مِنَ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [النحل: ٩٠] الآية) يعني وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (قال) أي الوليد (والله إنّ له لحلاوة) وفي نسخة حلاوة أي لذة عظيمة يدركها من له سجية سليمة (وإنّ عليه لطلاوة) بفتح الطاء وقد تضم أي رونقا وحسنا فائقا (وإنّ أسفله لمغدق) بغين معجمة اسم فاعل من الغدق بفتحتين وهو كثرة الماء تلويحا بغرارة معانيه في قوالب مبانيه وفي نسخة لغدق من غير ميم وضبط بفتح عين مهملة فسكون ذال معجمة استعارة من النخلة التي ثبت أصلها وهي العذق وهو رواية ابن إسحاق وبفتح معجمة فكسر مهملة من الغدق وهو الماء الكثير وهو رواية ابن هشام قال السهيلي ورواية ابن إسحاق أفصح لأنها استعارة تامة يشبه آخر الكلام أوله قال الحلبي فيوجه اللفظ الذي قاله القاضي في الكلام على رواية ابن إسحاق وابن هشام (وإنّ أعلاه لمثمر) إشارة إلى غزارة نفعه وزيادة رفعه بكريم فوائده وعميم عوائده (ما يقول هذا) أي مثل هذا (بشر) أي مخلوق وفي أصل
[ ١ / ٥٥٥ ]
الدلجي ما هذا بقول بشر وفي حاشية الحلبي قال الغزالي في كتاب الإحياء عند آداب تلاوة القرآن حديث أن خالد بن عقبة جاء إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال اقرأ علي فقرأ عليه إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية فقال أعد فاعاد فقال إن له لحلاوة الخ كما هو في الإحياء ذكره أبو عمرو بن عبد البر في استيعابه بغير إسناد ورواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عباس بسند جيد إلا أنه قال الوليد بن المغيرة بدل خالد بن عقبة كما قال القاضي وكذا ذكره ابن إسحاق في السيرة فإن صح ما قاله الغزالي تبعا لما في الاستيعاب فإنهما قضيتان والله تعالى أعلم بالصواب؛ (وذكر أبو عبيد) بالتصغير وفي نسخة أبو عبيدة بزيادة تاء وهو الإمام الحافظ القاسم بن سلام بتشديد اللام البغدادي معدود فيمن أخذ عن الشافعي الفقيه وكان إماما بارعا في علوم كثيرة منها التفسير والقراآت والحديث والفقه واللغة والنحو والتاريخ قال الخطيب كان أبوه سلام عبدا روميا لرجل من أهل هرات سمع أبو عبيد إسماعيل بن جعفر وشريكا وإسماعيل بن عياش وابن علية وغيرهم وروى عنه محمد بن إسحاق الصاغاني وابن أبي الدنيا والحارث بن أبي أسامة وآخرون توفي سنة أربع وعشرين ومائتين (أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: ٩٤]) ما مصدرية أو موصولة وعائدها محذوف أي أجهر بأمرك أو بالذي تؤمر به من صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارا أو افرق بين الحق والباطل على أن أصل الصدع بالحجة هو التمييز والإبانة وتتمة الآية وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ أي ولا تبال بإنكار من أنكر وبإشراكه كفر (فسجد) أي الأعرابي وانقاد لما أبداه (وقال سجدت لفصاحته) أي لوصوله نهاية فصاحته وبلوغه غاية بلاغته؛ (وسمع آخر) أي أعرابي آخر أو رجل آخر من المشركين (رجلا) أي من المسلمين (يقرأ فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ) أي حين يئسوا من يوسف إذ لم يجبهم وزيادة السين التاء للمبالغة (خَلَصُوا نَجِيًّا [يوسف: ٨٠]) أي انفردوا واعتزلوا متناجين في تدبير أمرهم ووحده لكونه مصدرا أو فعيلا (فقال أشهد أنّ مخلوقا) أي أحدا من الأنام (لا يقدر على مثل هذا الكلام) أي في غاية النظام ونهاية المرام (وَحُكِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كان يوما) أي من الأيام (نائما في المسجد) ولعله كان معتكفا في مسجد سيد الأنام (فإذا هو) أي عمر (بقائم) أي رجل واقف (على رأسه) ووقع في أصل الدلجي وعلى رأسه قائم فقال جملة حالية (يتشهّد شهادة الحقّ) أي يأتي بكلمتي الشهادة على وجه الإخلاص وطريق الصدق (فاستخبره) أي عمر عن سبب ذلك الخبر والمعنى أنه طلب منه خبره وما أوجب أثره (فأعلمه) أي ذلك القائم (أنّه) أي باعتبار أصله (من بطارقة الرّوم) بفتح الباء الموحدة جمع بطريق بكسرها وهو كالأمير أو الوزير في لغتهم (ممّن) أي وأنه من جملة من (يحسن كلام العرب) أي فهمه (وغيرها) أي وغير لغة العرب أو كلماتهم من كلام الترك والعجم والهند ونحوها (وأنّه سمع رجلا من أسرى المسلمين) أي من أسرائهم في أيدي أعدائهم (يقرأ آية من كتابكم فتأمّلتها فإذا) أي هي كما في نسخة (قد جمع) بصيغة المجهول أي
[ ١ / ٥٥٦ ]
اجتمع (فيها ما أنزل الله عَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا) أي من علائق المعاش (والآخرة) أي من لواحق المعاد (وهي) أي تلك الآية الجامعة (قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ) في فرائضه (وَرَسُولَهُ) أي في سننه أو في جميع ما يأمرانه وينهيانه (وَيَخْشَ اللَّهَ) أي ويخف خلافه وعقابه وحسابه (وَيَتَّقْهِ [النور: ٥٢]) فيه قراآت مشهورة في محلها مسطورة أي ويتق الله فيما بقي من عمره في جميع أمره (الآية) تمامها فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ أي الظافرون بالمراد في المبدأ والمعاد؛ (وحكى الأصمعيّ) وهو عبد الملك بن أصمع البصري صاحب اللغة والغريب والأخبار والملح ولد سنة ثلاث وعشرين ومائة (أنّه سمع جارية) أي بنتا أو مملوكة خادمة تتكلم بعبارة فصيحة وإشارة بليغة وهي خماسية أو سداسية وهي تقول: استغفر الله من ذنوبي كلها فقال لها مم تستغفرين ولم يجر عليك قلم فقالت:
استغفر الله لذنبي كله قتلت انسانا لغير حله
مثل غزال ناعم في دله انتصف الليل ولم أصله
(فقال لها: قاتلك الله ما أفصحك) أي هي حقيقة بأن يقال لها ذلك تعجبا من فصاحة قولها كما يقال قاتله الله ما أعجب فعله أي بلغ في الكمال غاية لم يصل غيره إليها فاستحق أن يحسد فيه فيدعي عليه (فقالت أو) بفتح الواو (يعدّ هذا) بصيغة المجهول والمفهوم من الدلجي أن أصله بصيغة الخطاب المعلومة حيث قال عطف على مقدار أي ايعجبك وتعده (فَصَاحَةً بَعْدَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى) أي أشرنا إليها إلهاما أو مناما (أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص: ٧]) أي أخفيه ما أمكنك فيه (الآية) وهي قوله تعالى فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ أي من لحوق الهم فألقيه في اليم ولا تخافي عليه ضياعه ولا تحزني فراقه أنا رادوه إليه لتقري عينا وجاعلوه من المرسلين عنا بمرأى منا (فجمع) أي الله ﷾ (في آية واحدة بين أمرين) هما أرضعيه والقيه (ونهيين) أي لا تخافي ولا تحزني (وخبرين) يعني وأوحينا فإذا خفت عليه (وبشارتين) أي رادوه وجاعلوه (فهذا) أي الجمع بين المذكور في الآية ذكره الدلجي والأظهر أن هذا الذي ذكر من غاية الفصاحة ونهاية البلاغة في هذه الآية وغيرها مما سبق ذكره (نوع من إعجازه) أي إعجاز القرآن (منفرد) وفي نسخة مستقل (بذاته غير مضاف إلى غيره) أي من أنواعه المتعلقة بصفاته من حيث إخباره عن مغيباته وإنبائه عن أحكام عباداته ومعاملاته ومأموراته ومنهياته (على التّحقيق) أي عند أهل التوفيق (وعلى الصّحيح من القولين) أي اللذين سبق ذكرهما بالتصريح فإن الأول وهو الأولى هو القول بأنه خارج عن قدرة البشر وثانيهما أنه صرفهم عن معارضته خالق القوى والقدر فتأمل وتدبر (وكون القرآن) أي نزوله باعتبار ظهوره ووصوله (من قبل النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بكسر القاف وبفتح الموحدة أي من جانبه وطرف حصوله (وأنّه أتى به معلوم ضرورة) أي
[ ١ / ٥٥٧ ]
بديهة لا يفتقر إلى إقامة بينة ولا قيام حجة (وكونه صلى الله تعالى عليه وسلم متحدّيا به) أي طالبا لمعارضته ولو بأقصر سورة (مَعْلُومٌ ضَرُورَةً وَعَجْزُ الْعَرَبِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِهِ) أي المتحدين به الموجودين في زمنه (معلوم ضرورة وكونه) أي القرآن (في فصاحته) أي وبلاغته (خارقا للعادة معلوم ضرورة للعالم) بكسر اللام وفي نسخة صحيحة للعالمين أي للعلماء (بالفصاحة ووجوه البلاغة) أي لمقاماتها المقتضية (وسبيل من ليس من أهلها) أي من أهل المعرفة بفنون الفصاحة ووجوه البلاغة (علم ذلك) بكسر العين وفي نسخة بصيغة الماضي معلوما وقيل مجهولا والأول هو المعول أي هو أن يعلم كون القرآن في الفصاحة والبلاغة معجزة خارقا للعادة (بعجز المنكرين) أي لكونه كلام الله تعالى (من أهلها عن معارضته واعتراف المقرّين) أي بكونه كلامه (و) اعتراف (المفترين) أي القائلين بافترائه (بإعجاز بلاغته) أي لهم عن مناقضته (وأنت) أي أيها المخاطب (إذا تأمّلت) أي من جهة الإيجاز الباهر في الإعجاز الظاهر (قوله تعالى: وَلَكُمْ) أي ولغيركم (فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة: ١٧٩]) أي المودع فيه من بدائع التركيب وروائع الترتيب مع ما فيه من المطابقة بين معنيين متقابلين وهما القصاص والحيات ومن الغرابة بجعل القتل الذي هو مفوت الحياة ظرفا لها ومن البلاغة حيث أتى بلفظ يسير متضمن لمعنى كثير فإن الإنسان إذا علم أنه إذا قتل اقتص منه دعاه إلى ردعه عن قتل صاحبه فكأنه أحيى نفسه وغيره فيرتفع بالقصاص كثير من قتل الناس بعضهم بعضا فيكون القصاص حياة لهم مع ما في القصاص من زيادة الحياة الطيبة في الآخرة وهو أولى من كلام موجز عندهم وهو أن القتل أنفى للقتل في قلة المباني وكثرة المعاني وعدم تكرار اللفظ المنفر للحظ وفي الإيماء إلى أن القصاص الذي بمعنى المماثلة سبب للحياة دون مطلق القتل بالمقابلة إذ ربما يكون سببا لفتنة فيها قتل فئة وفساد جماعة (وقوله) بالنصب (وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا) أي عند موتهم أو بعثهم أو وقت هلاكهم (فَلا فَوْتَ) أي لهم من الله بهرب وسبب غريب (وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ [سبأ: ٥١]) أي من ظهر الارض إلى بطنها أو من الموقف إلى النار قعرها أو من نحو صحراء بدر إلى قليبها (وقوله تعالى ادْفَعْ) أي سيئة من أساء إليك من الكائنات (بِالَّتِي) أي بالحسنة التي (هِيَ أَحْسَنُ) الحسنات أو بالخصلة التي هي أحسن الأخلاق في المعارضات من الحلم والصبر والعفو وما يمكن دفعها به من المستحسنات (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) أي صديق قريب رفيق (وقوله وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ) أي انشفي (وَيا سَماءُ أَقْلِعِي [هود: ٤٤]) أي أمسكي (الآية) يعني وغيض الماء أي نقص وقضي الأمر أي أمر هلاك الأعداء وانجاء الأحباء واستوت استقرت السفينة على الجودي جبل بالموصل أو الشام روي أنه ركبها عاشر رجب وهبط منها بعد استقرارها عليه عاشر شهر المحرم وصامه فصار سنة وقيل بعدا للقوم الظالمين أي هلاكا لهم حين وضعوا العبادة في غير موضعها وفي نداء الأرض والسماء مع أنهما ليستا من العقلاء إيماء إلى باهر عظمته وقاهر قدرته حيث انقادتا
[ ١ / ٥٥٨ ]
لما يريد منهما إيجادا وإعداما كما حكى الله ﷾ عنهما بقوله فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ امتثالا لأمره وانقيادا لحكمه مهابة من عظمته ومخافة من سطوته وين أردت تفصيل ما يتعلق بهذه الآية في الجملة فعليك بشرح الدلجي حيث ذكر بعض ما يتعلق بها من حسن مبانيها ولطافة معانيها وبدائع الحكم التي أودعت فيها.
(وقوله تعالى فَكُلًّا) أي عقيب ارسالنا الأنبياء إلى أممهم وتكذيبهم كلا منهم (أَخَذْنا بِذَنْبِهِ) عاقبناه بإصراره على كفره وعدم رجوعه إلى توحيد ربه (فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا [العنكبوت: ٤٠]) أي ريحا عاصفا فيه حصباء وهم قوم لوط (الآية) تمامها وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وهم ثمود ومدين وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وهو قارون وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وهم قوم نوح وفرعون مع قومه (وأشباهها) بالنصب أي أمثال هذه الآية ووقع في أصل الدلجي وأشباهه فقال أي أشباه ما ذكر (من الآي) أي من سائر آيات القرآن (بل أكثر القرآن) أي وبل إذا تأملت أكثر القرآن أي مما هو بمحل من إيجاز لا يرام وإعجاز لا يسام (حقّقت) جواب إذا تأملت أي عرفت (ما بيّنته من إيجاز ألفاظها) أي مبانيها (وكثرة معانيها وديباجة عبارتها) أي مما يكسوها زينة إشارتها (وحسن تأليف حروفها) أي من غير تنافر فيما بينها (وتلاؤم كلمها) بفتح فكسر أي توافق كلماتها وتناسبها في مقاماتها قال الدلجي وقد تخفف همزة تلاؤم فتصير ياء من الملائمة أي الموافقة لا واوا وما روي في الحديث بها فتحريف لا أصل له لأن الملاومة مفاعلة من اللوم انتهى ولا يخفى أن تخفيف الهمز المضموم بعد الألف لا يعرف إلا بالواو كالتناوش وأما عروض المشابهة بعد التخفيف فلا عبرة به أصلا كما حقق في تخفيف رئاء وأمثالها. (وأنّ تحت كلّ لفظة منها) أي من مبانيها (جملا) أي من جمل الكلام المجملة (كثيرة) أي من معانيها (وفصولا جمّة) أي غزيرة من الفصول المهمة والأمور المتمة (وعلوما زواخر) لها في مقام الكثرة فواخر كما قال ابن عباس:
جميع العلم في القرآن لكن تقاصر عنه أفهام الرجال
وقد سأل بعض الحكماء من بعض العلماء ما في كتاب الله تعالى من علم الطب فقال كله في نصف آية هي قوله تعالى كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا فقال صدقت وبالحق نطقت (ملئت الدّواوين) أي الدفاتر (من بعض ما استفيد منها) أي مما يعسر احصاؤه (وكثرت المقالات في المستنبطات عنها) أي مما لا يمكن استقصاؤه (ثمّ هو) مبتدأ أي القرآن الكريم (في سرد القصص الطّوال) أي في إيرادها متتابعة (وأخبار القرون السّوالف) أي أهلها السوابق متوالية (التي يضعف) أي يعجز (في عادة الفصحاء عندها الكلام) أي لطولها (ويذهب ماء البيان) أي عند إرادة تقرير فصولها (آية) خبر المبتدأ أي علامة ظاهرة (لمتأمّله) أي لمتذكره وحجة باهرة لمتدبره (من ربط الكلام) أي من جهة ارتباط اجزاء كلامه (بعضه ببعض) في
[ ١ / ٥٥٩ ]
ترتيب مقامه وتحصيل مرامه (والتئام سرده) أي وتناسب ما قبله لما بعده (وتناصف وجوهه) أي توافق ضروبه وتعانق فنونه كأن كلا منها أنصف الآخر في أخذ حظه من قولهم تناصفوا إذا انصف بعضهم بعضا من نفسه (كقصّة يوسف على طولها) أي المشتملة على دررها وغررها من بيان أبوابها وفصولها (ثمّ إذا تردّدت) أي تكررت (قصصه) بكسر القاف جمع قصة بخلاف فتحها فإنه مصدر قص كما يستفاد من قوله تعالى نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ وليس كما يتوهم جمع بأنه جمع (اختلفت العبارات) أي إيجازا وإطنابا وتفننا في بيانها غيبة وخطابا (عنها) أي عن تلك القصة (على كثرة تردّدها) أي مع كثرة تردادها وتكرارها (حتّى تكاد كلّ واحدة) أي من القصص (تنسّي) بضم التاء وكسر السين مخففا أو مثقلا أي تذهب على خاطر المستمع المصغي المتأمل (في البيان) أي في مراتب بيانه ومناقب شأنه من القصص (صاحبتها) أي نظيرتها (وتناصف) بضم التاء وكسر الصاد أي وتحاكي (في الحسن) أي في حسن مطالعتها حال مقابلتها مرآة (وجه مقابلتها) بكسر الباء (ولا نفور للنّفوس من ترديدها) أي ولا تنفر للنفوس النفيسة من سمع تكريرها وتعداد تقريرها (ولا معاداة) أي من أحد (لمعادها) بضم الميم أي لمكررها والضمير للقصص على منوال ما قبلها ووقع في أصل الدلجي لمعاده بإفراد الضمير المذكر فقال أي القرآن والحاصل أنه كما قال الشاطبي:
وخير جليس لا يمل حديثه وترداده يزداد فيه تجملا
وكما قال غيره:
أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره هو المسك ما كررته يتضوع
ولكن هذا بالنسبة إلى صاحب قلب سليم لا إلى من له طبع سقيم.
فصل [الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ إِعْجَازِهِ صُورَةُ نَظْمِهِ الْعَجِيبِ والأسلوب الغريب]
(الوجه الثّاني من إعجازه) أي من وجوه ضبط أنواع إعجاز القرآن (صورة نظمه العجيب) لما فيه من بدائع التركيب وروائع الترتيب، (والأسلوب) بضم الهمزة واللام الفن (الغريب) وكان المناسب أن يقول وأسلوبه الغريب (المخالف) أي بغرابته مع نهاية فصاحته وغاية بلاغته (لأساليب كلام العرب) أي لما أودع فيه من دقائق البيان وحقائق العرفان وحسن العبارة ولطف الإشارة وسلاسة التركيب وسلاسة الترتيب (ومناهج نظمها) أي طريق مبانيها الواضح البين عند أهلها (ونثرها) أي خطبا ورسائل وغيرها (الذي جاء عليه) أي نزل على وفقه القرآن إيماء بأن ما عجزوا عنه إنما هو كلام منظوم من عين ما ينظم كلامهم منه ليعلموا أنه ليس من كلام النبي الكريم بل هو منزل عليه من عند الله العظيم (ووقفت مقاطع آية) أي أواخر وقوف فواصلها من التام والكافي والحسن وباختلاف محالها وزيد في أصل الدلجي هنا لفظ عليه فقال أي على الأسلوب الغريب الذي قصرت عن وصف كنه إعجازه العبارة إذ
[ ١ / ٥٦٠ ]
الإعجاز كالملاحة يدرك ولا يوصف بالإشارة (وَانْتَهَتْ فَوَاصِلُ كَلِمَاتِهِ إِلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ قَبْلَهُ) أي من الكتب المتقدمة (ولا بعده) أي ولا يتصور أن يوجد بعده (نظير له) أي شبيهه ومثله في حسن المباني وروانق المعاني (ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه) أي لجزالة فصاحته وفخامة بلاغته (بل حارث فيه عقولهم) أي تحيرت (وتدلّهت) بالدال المهملة وفي نسخة تولهت بالواو أي أندهشت (دونه) أي عنده (أحلامهم) أي فهومهم في تصوره وتدبره (ولم يهتدوا إلى مثله) أي إلى إتيان شبهه (فِي جِنْسِ كَلَامِهِمْ مِنْ نَثْرٍ أَوْ نَظْمٍ أو سجع) أي في أحدها (أو رجز) بفتح الراء والجيم وفي آخره زاء وهو من بحور الشعر وأنواعه وقيل لا يسمى شعرا ولذا عطف عليه بقوله (أو شعر) وعلى الأول يكون تعميما بعد تخصيص وضبط في بعض النسخ بفتح الزاء وسكون الجيم في آخره راء والظاهر أنه تصحيف لعدم المناسبة بين السابقة واللاحقة (ولمّا سمع كلامه صلى الله تعالى عليه وسلم الوليد بن المغيرة) وهو والد خالد رضي الله تعالى عنه لكن هلك على دينه لقلة يقينه (وقرأ عليه القرآن رقّ) بتشديد القاف أي تأثر بسماعه لما القي عليه (فجاءه أبو جهل) وهو ابن أخيه (منكرا عليه) أي رقته لديه (قال) وفي نسخة فقال أي الوليد (والله ما منكم أحد أعلم بالأشعار) أي بأنواع الشعر (مِنِّي وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا من هذا) أي من جنس الشعر (وفي خبره الآخر) أي عن الوليد كما رواه البيهقي عن ابن عباس (حين جمع قريشا عند حضور الموسم) أي قرب ورود أهله وهو بفتح ميم وكسر سين قال اليمني موسم الحاج مجمعهم سمي بذلك لأنه معلم يجتمع إليه وهو يصلح أن يكون اسما للزمان والمكان انتهى والظاهر الأول فتأمل (وقال) وفي نسخة فقال (إنّ وفود العرب) جمع وفد وهو القوم يجتمعون ويردون البلدة والقرية لمآرب تحوجهم إلى النقلة (ترد) أي يجيئون إليكم وينزلون عليكم (فأجمعوا فيه رأيا) بفتح الهمزة وكسر الميم من أجمع الأمر وأزمعه إذا نواه وعزم عليه أي اجتمعوا بالعزم على رأي فيه صلى الله تعالى عليه وسلم ومنه قوله تعالى فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ وقرأ أبو عمرو بهمزة الوصل وفتح الميم ووجهه ظاهر ولا يبعد أن يضبط هنا كذلك أيضا أي أجمعوا رأيا فيه لا يوجد ما ينافيه كما أشار إليه بقوله (لا يكذّب بعضكم بعضا) وهو بتشديد الذال وتخفف كما قرئ بهما في قوله تعالى فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ والمعنى لا ينسب بعضكم بعضا إلى الكذب (قالوا) وفي نسخة فقالوا (نقول كاهن) وهو من يزعم أنه يخبر عن الكائنات في الأزمنة الآتية ويدعي معرفة أسرار المغيبات الماضية وكان في العرب كهنة كشق وسطيح وهما اللذان أخبرا بمبعث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فمنهم من زعم أن له رئيا من الجن يلقى إليه أخبارا يسترقها من السماء ويلقطها مما يراه في أطراف الأرض ومنهم من زعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب من كلام من يسأله أو فعله أو حاله ويخصونه باسم العراف كمن يزعم معرفة المسروق ومكان الضال وحلوان الكاهن والعراف حرام (قال) أي الوليد (والله ما هو بكاهن) إذ لم يعهد منه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه سلك طريقهم في تزوير أقاويل باطلة روجها بسجع في كلمات
[ ١ / ٥٦١ ]
متقابلة إذ كانوا يروجون أخبارهم المزورة وأقوالهم المصورة بأسجاع مزخرفة تروق السامعين يستميلون بها قلوبهم وأوهامهم ويستصغون إليها اسماعهم وأفهامهم ولا يتكلمون إلا بالسجع المتكلف في تأدية مرامهم ومن ثمة عاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قول من قال في حديث قتل الجنين كيف ندى من لا أكل ولا شرب ولا استهل ومثل ذلك يطل أي يهدر وفي رواية بطل إنما هذا من إخوان الكهان لما تضمنه سجعه من الباطل وما ليس تحته طائل وإلا فقد ورد السجع في كلامه صلى الله تعالى عليه وسلم كثيرا (ما هو) أي ليس كلامه صلى الله تعالى عليه وسلم المعنى به القرآن أو مطلق ما يظهره في عالم البيان (بزمزمته) أي بزمزمة الكاهن (ولا سجعه) وهو صوت خفي لا يكاد يفهم فكأنه والله تعالى أعلم إذا أراد حضور قرينه من الجن زمزم له فحضر عنده وأخبره والنفي الثاني بمنزلة الدليل للنفي الأول فتأمل أو معطوف عليه بحذف الباء كما سيأتي في قرائنه هذا وقيل زمزمة الكهان صوت يديرونه في خياشيمهم وأفواههم من غير صريح نطق وربما افهموا به من الفهم (قالوا مجنون) أي مصاب اختلط عقله من مس الجن على ما يعتقدون فيما يزعمون ولقد رأى رجل قوما مجتمعين على إنسان فقال ما هذا قالوا مجنون قال هذا مصاب إنما المجنون الذي يضرب بمنكبيه وينظر في عطفيه ويتمطى في مشيته وما أحسن مقابلته بالمصاب فإنه المخطئ في فعله عن صوب الصواب لكونه أصيب بآفة في عقله الخارج عن دائرة أولي الألباب، (قال) أي الوليد (ما هو بمجنون ولا بخنقه) بفتح الحاء المعجمة وكسر النون وتسكن وتفتح وبالقاف مصدر لدخول حرف الجر بعد لا المزيدة لتأكيد النافية السابقة والمقصود انه ليس بفعل نفي كما توهم قال الحلبي الخنق بكسر النون كذا في غير مؤلف في اللغة ولكن في مطالع ابن قرقول قال بضبط المصدر بفتح النون والإسكان ولم يتعرض للكسر فحصل من ذلك ثلاث لغات في المصدر قلت وفي القاموس اقتصر على الأول حيث قال خنقه خنقا ككتف فهو خنق أيضا وخنيق ومخنوق انتهى والمصدر هنا بمعنى المفعول أي ليس هو ممن أصابه الجن وخنقه ولا وسوس في صدره لعدم ظهور أثره في أمره كما أفاده بقوله (ولا وسوسته، قالوا: فنقول شاعر، قال) أي الوليد (مَا هُوَ بِشَاعِرٍ قَدْ عَرَفْنَا الشِّعْرَ كُلَّهُ) أي أصنافه جميعه مأخوذ من الشعور وقال اليمني هو مصدر شعرت بالشيء بالفتح أشعر به أي فطنت له ومنه قولهم ليت شعري أي ليتني علمت وفي الاصطلاح هو الكلام المقفى المقصود به الشعر ليخرج ما لم يقصد مما وافق في الوزن والتقفية كما جاء في القرآن والسنة وعبارات الأئمة من غير قصد ويقال في كلامه ﷾ إنه غير مقصود بالذات وإلا فلا يتصور بدون إرادته وقوع شيء من الكائنات (رجزه وهزجه) بفتحتين فيهما (وقريضه ومبسوطه ومقبوضه) بيان لبعض أنواعه وأصول أصنافه هذا وقوله قريظه في النسخ بالظاء المشالة وفي أصل الدلجي بالضاد المعجمة فقال فعيل بمعنى مفعول من القرض وهو لغة القطع وسمي الشعر قريضا لأن قارضه أي الشاعر يورده قطعا انتهى وهو الموافق لما في القاموس في حرف الضاد من قوله قرضه
[ ١ / ٥٦٢ ]
قطعه وجاراه كقارضه والشعر قاله وقال اليمني وسمي قريضا لكونه يقرض ويقال قرظته إذا مدحته ويجوز أن تكتب هذه اللفظة بالضاد والظاء، (ما هو بشاعر) تأكيد للأول وفي نسخة وما هو بشاعر انطقه الله تعالى بالصدق وما وفقه للحق فما أقربه في الظواهر وما أبعده في السرائر فهو ممن أضله الله على علم بقدرته القاهرة وإرادته الباهرة (قَالُوا فَنَقُولُ سَاحِرٌ، قَالَ مَا هُوَ بِسَاحِرٍ ولا نفثه ولا عقده) بالجر فيهما على أنهما معطوفان على مدخول الباء أي ولا هو بنفث الساحر أي نفخه ولا بعقده في خيط عند نفثه ومنه قوله تعالى وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (قالوا فما تقول قال ما أنتم بقائلين شيئا من هذا) أي مما رميتموه به من الأباطيل (إلّا وأنا أعرف أنّه باطل) أي وليس تحته طائل (وإنّ أقرب القول إنّه ساحر) بفتح الهمزة على أنه مع اسمه وخبره خبر أن الأولى فتأمل ولا تتبع طريق الدلجي في ضبط الهمزة بالكسر على أنه مقول لقول مقدر حيث قال وأقرب القول فيه أن يقال بأنه ساحر ثم قال الوليد (فإنّه سحر) أي كلامه مشابهه حال كونه (يفرّق) أي به كما في نسخة أي بكلامه المماثل للسحر (بين المرء وابنه) أي أعز أولاده وأقاربه وفي نسخة وأبيه أي والده الذي هو أقرب أسلافه وأجداده (والمرء وأخيه) أي شقيقه وأقوى قرينه ورفيقه (والمرء وزوجه) أي امرأته أو الشخص الشامل للمرأة وزوجها بأحد معنييه (والمرء وعشيرته) أي عموم قرابته بواسطة المخالفة في دينه وملته (فتفرّقوا) أي راضين على هذا القول من ذلك المجلس (وجلسوا على السّبل) أي سبل الوافدين وطرق الواردين (يحذّرون النّاس) أي عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ومتابعته واقتفاء سنته وطريقته، (فأنزل الله تعالى في الوليد) أي ما يشير إلى الوعيد الأكيد تهديدا شديدا (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا [المدثر: ١١]) حال من الياء في ذرني أي اتركني معه وحدي فأنا أكفيكه أو من العائد المحذوف أي ومن خلقته وحيدا لا مال له ولا ولد بل فريدا أو تهكم به صرفا له عن كونه لقب مدح له بأنه وحيد قومه في الدنيا تقدما ورياسة ويشار إلى ذمه وعيبه وبما يقتضي أن يكون وحيدا في شره (الآيات) أي من قوله تعالى وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا إلى قوله ﷾ فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، (وقال عتبة بن ربيعة) أي ابن عبد شمس بن عبد مناف قتل في بدر كافرا وقد قيل قتله حمزة حين كرهوه وعلي عليه (حِينَ سَمِعَ الْقُرْآنَ: يَا قَوْمُ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي لَمْ أَتْرُكْ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ عَلِمْتُهُ وقرأته وقلته، والله لقد سمعت) أي من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (قَوْلًا، وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ مِثْلَهُ قَطُّ مَا هو) أي ليس قوله (بِالشِّعْرِ وَلَا بِالسِّحْرِ وَلَا بِالْكِهَانَةِ؛ وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ نَحْوَهُ وَفِي حَدِيثِ إِسْلَامِ أَبِي ذرّ) أي الغفاري بكسر الغين وقد رواه مسلم (ووصف) أي والحال أنه قد وصف أبو ذر (أخاه أنيسا) بضم الهمزة وفتح النون وسكون التحتية فسين مهملة وكان أبو ذر أرسله قبل اسلامه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بمكة والقصة مشهورة وهو صحابي معروف (فقال) أي أبو ذر: (والله ما سمعت بأشعر) أي بأكثر شعرا وأحسن نظما (من أخي أنيس لقد ناقض) أي عارض (اثني عشر
[ ١ / ٥٦٣ ]
شاعرا) أي معروفا (في الجاهليّة أنا أحدهم وأنّه) أي أنيسا (انْطَلَقَ إِلَى مَكَّةَ وَجَاءَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ) نقل بالمعنى أو التفات في المبنى وفي نسخة وجاءني (بخبر النّبيّ) أي بأخبار بعثته وإظهار نبوته (صلى الله تعالى عليه وسلم قلت فما يقول النّاس) أي في وصفه ونعته (قال يقولون شاعر كاهن ساحر) أي هم مختلفون بين قول شاعر وساحر أو هم قائلون بأنه لا يخلو عن واحد من هؤلاء الطوائف المذكورة أو مدعون بأنه جامع بين هذه الأوصاف الثلاثة المسطورة ثم قال أخو أبي ذر (لقد سمعت قول الكهنة) أي كثيرا (فما هو) أي قوله (بقولهم) أي لعدم المناسبة (ولقد وضعته) أي كلامه (على أقراء الشّعر) بفتح الهمزة وسكون القاف فراء ممدودة أي طرقه وأنواعه أي أنواع بحوره (فلم يلتئم) أي لم يلائم على شيء عن أوزانه (وما يلتئم) أي وما يتفق (على لسان أحد بعدي) أي غيري أيضا (أنّه شعر) إذ الشعراء اتفقوا على ذلك لما استوزنوا كلامه على اقراء شعرهم هنالك (وإنّه) أي النبي ﵊ (لصادق) أي في دعوى الرسالة وفي قوله نقلا عن ربه وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ (وإنّهم لكاذبون) في كونه شاعرا أو كاهنا أو ساحرا؛ (والأخبار في هذا) أي المعنى المذكور والمدعي المسطور (صحيحة) أي إسنادا (كثيرة) متنا صريحة دلالة (والإعجاز) أي عن الإتيان بمثل هذا القرآن (بكلّ واحد من النّوعين) أي اللذين أحدهما (الإيجاز والبلاغة بذاتها) أي بانفرادها فهما مرفوعان كما في بعض النسخ على أنهما خبران لمبتدأ مقدر وفي بعضها بكسرهما على كونهما بدلين من النوعين وفي نسخة والإيجاز والبلاغة بذاتهما على أنهما عطف بيان لما قبلهما والحاصل أن الإيجاز والبلاغة كلاهما نوع كما سبق ذكره حيث عبر عنهما بصورة نظمه العجيب والنوع الآخر وهو الذي بينه بقوله (والأسلوب الغريب بذاته) أي مع قطع النظر عن بقية صفاته وفي نسخة أن بدل أو ووجهه لا يظهر فتأمل وتدبر ثم صرح بمقصوده في ضمن وروده تحت قوله، (كلّ واحد منهما) أي من النوعين وهو النظم العجيب والأسلوب الغريب (نوع إعجاز على التّحقيق) أي عند أرباب التوفيق واصحاب التدقيق وفي نسخة نوع إيجاز والظاهر أنه تصحيف إذ في المعنى تحريف (لَمْ تَقْدِرِ الْعَرَبُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا) أي لا بالنظم العجيب ولا بالأسلوب الغريب (إذ كلّ واحد) أي من النوعين (خارج عن قدرتها) أي عن قدرة العرب العرباء (مباين لفصاحتها وكلامها) أي مغاير لفصاحتهم وبلاغتهم من الشعراء والخطباء؛ (وإلى هذا) أي القول بأن كل واحد منهما نوع إعجاز بذاته (ذهب غير واحد) أي كثيرون (من أئمّة المحقّقين) بسلامة فطنتهم وصحة فطرتهم (وذهب بعض المقتدى بهم) بفتح الدال أي بعض من يقتدي الناس بهم ويميلون في الجملة إلى تقليدهم وقبول قولهم (إلى أنّ الإعجاز في مجموع البلاغة) أي المتضمنة للفصاحة، (والأسلوب) أي من جهة الغرابة والحاصل أن تحقق الإعجاز بهما مجتمعا لا بكل واحد منهما منفردا (وأتى على ذلك) أي واستدل على ما ذهب إليه أي من أن الإعجاز في مجموعهما (بقول تمجّه الأسماع) بضم الميم وتشديد
[ ١ / ٥٦٤ ]
الجيم أي تدفعه الطباع السليمة وتقذفه الفهوم المستقيمة (وتنفر منه القلوب) أي من أول الوهلة ومبدأ المقدمة. (والصّحيح ما قدّمناه) أي من كون الإعجاز لكل واحد منهما بذاته منفردا، (والعلم بهذا كلّه ضرورة وقطعا) عند أصحاب الذوق من أن وجه الاعجاز أمر من جنس البلاغة يدرك كالملاحة ولا يوصف ولا طريق إليه من جهة الصنيع إلا معرفة علوم المعاني والبيان والبديع مع معونة فيض الهي يورث العلم بكون ذلك ضرورة قطعا (ومن تفنّن) وفي نسخة ومن تكلم (في علوم البلاغة) وفي نسخة في فنون البلاغة أي ومن علم فنون البلاغة وصنوف الفصاحة (وأرهف خاطره) بالنصب أي رقق وحدد ذهنه بتوجه جنانه (ولسانه) أي بتحصيل بيانه (أدب هذه الصّناعة) فاعل ارهف والمعنى أن من أكثر ممارستها وأطال خدمتها حتى صارت له بديهة معرفتها (لم يخف عليه ما قلناه) أي ما قدمناه كما في أصل الدلجي من أن كلا منهما نوع إعجاز بذاته منفردا عند أهل التحقيق بصفاته (وقد اختلف أئمّة أهل السّنة) وفي نسخة ائمة المسلمين (في وجه عجزهم عنه) أي عن الإتيان بمثله (فأكثرهم يقول) أي قالوا مستمرين على قولهم (إنّه) أي وجه عجزهم (ممّا جمع) بصيغة المجهول وفي نسخة بصيغة الفاعل أي جمع الله (في قوّة جزالته) أي لطائف معانيه (ونصاعة ألفاظه) أي شرائف مبانيه بخلوصها من شوائب الركاكة وتنافر الكلمات والغرابة (وحسن نظمه وإيجازه) أي واستحسان نظم المعاني الكثيرة في ضمن المباني اليسيرة من غير خلل في مبناه ولا قصور في معناه (وبديع تأليفه وأسلوبه) أي على صنيع منيع ليس على أسلوب نظم الشعراء ولا نثر الخطباء (لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي مَقْدُورِ الْبَشَرِ) لاشتماله على لطائف وشرائف في باب البلاغة والفصاحة إلى أن خرج عن طاقة الخلق فتعين أنه من كلام الحق (وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَوَارِقِ الْمُمْتَنِعَةِ عَنْ أَقْدَارِ الخلق) بفتح الهمزة أي مقدوراتهم (عَلَيْهَا كَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَقَلْبِ الْعَصَا وَتَسْبِيحِ الْحَصَى) أي مما لا يقدر عليه غيره تعالى (وذهب الشّيخ أبو الحسن) أي علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن عبد الله ابن أمير العراقين بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري إمام أهل السنة (إلى أنّه) أي القرآن (مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ مِثْلُهُ تَحْتَ مَقْدُورِ البشر) أي في الجملة ممن هو ماهر في وجوه البلاغة وباهر في فنون الفصاحة، (ويقدرهم الله عليه) بضم الياء وكسر الدال أي وأن يعطيهم الله القدرة والقوة على اتيان مثله لأنه من جنس نتائج أفكارهم وكرائم اسرارهم (ولكنّه) الضمير للشأن (لم يكن هذا ولا يكون) أي هذا وفي نسخة زيد هذا هو الشأن أي الشأن عدم قدرتهم عليه (فمنعهم الله هذا وعجّزهم عنه) بتشديد الجيم أي وجعلهم عاجزين عن أمر المعارضة في ميدان المقاومة، (وقال به جماعة من أصحابه) أي من علماء الأمة لكن هذا هو القول بالصرفة وقد مر أنه مرجوح عند أكابر الأئمة (وعلى الطّريقين) أي من أن كونه معجزا بذاته عن مقاومته أو بتعجيزه ﷾ إياهم عن معارضته (فعجز العرب عنه ثابت) أي بلا شبهة (وإقامة الحجّة عليهم) أي واقع (بما يصحّ أن يكون في مقدورهم) وفي نسخة مقدور
[ ١ / ٥٦٥ ]
البشر أي على ما ذهب إليه الأشعري وبعض اتباعه، (وتحدّيه) أي وطلب معارضته صلى الله تعالى عليه وسلم لهم (بأن يأتوا بمثله قاطع) أي بلا ريبة (وهو) أي تحديه أن يأتوا بمثله مع كونه مما يصح أن يكون في مقدورهم (أبلغ في التّعجيز وأحرى) أي اليق وأولى (بالتّقريع) أي بالتوبيخ (والاحتجاج) مبتدأ أي والاستدلال على عجزهم (بمجيء بشر مثلهم) وفي نسخة منهم أي من جملتهم (بشيء ليس من قدرة البشر لازم) أي على القول بأنه معجز بنظمه العجيب وأسلوبه الغريب (وهو) أي كونه ليس من قدرة البشر (أبهر آية) أي أظهر علامة (وأقمع) أي أقهر (دلالة) أي في ثبوت الحجة (وعلى كلّ حال) أي كل تقدير من قول الإعجاز بالصرفة أو البلاغة (فما أتوا) بفتح الهمزة أي فما جاؤوا (في ذلك) أي في معارضته (بمقال) أي في مقام جدال (بل صبروا على الجلاء) بفتح الجيم أي الخروج من أوطانهم (والقتل) أي وعلى قتل أنفسهم وإخوانهم (وتجرّعوا كاسات الصّغار) بفتح الصاد أي الحقارة (والذّلّ) أي المسكنة والمهانة (وكانوا) أي والحال أنهم كانوا (من شموخ الأنف) بضم الشين المعجمة أي من شماخته ورفعته كبرا وعتوا وهو بفتح الهمزة وسكون النون عضو معروف وجمعه أنوف وفي نسخة بضمتين على أنه جمع أنف وضبطه الحلبي بهمزة ممدودة يعني وضم نون على أنه جمع آخر (وإباءة الضّيم) بكسر همزة فموحدة فألف بعدها همزة أو ياء فتاء وفي نسخة بغير تاء وفي أخرى الضير براء بدل الميم وكلاهما بفتح الضاد أي وكانوا من منوع الضرر تحاميا عنه وتباعدا منه (بحيث لا يؤثرون ذلك) أي لا يختارون ما ذكر من الجلاء والقتل والصغار والذل (اختيارا) أي طوعا (ولا يرضونه إلّا اضطرارا) أي كرها (وإلّا) أي وإن لم يكن الأمر من عجزهم وصبرهم على ذلهم (فالمعارضة) أي للقرآن وسائر المعجزات (لو كانت من قدرهم) بضم وفتح أي مقدوراتهم (والشّغل بها أهون عليهم) والظاهر أن يقال فالشغل بالفاء أو لكان الشغل ولعل الجملة حالية وهو بضم فسكون وبضمتين وبفتح وبفتحتين أي الاشتغال بالمعارضة أسهل إليهم (وأسرع بالنّجح) بضم نون فسكون جيم أي بالظفر على المراد (وقطع العذر) أي المعذرة عند العباد في البلاد (وإفحام الخصم) أي الزامه (لديهم) أي عندهم (وهم) أي والحال أنهم (ممّن لهم اقتدار) وفي نسخة قدرة (على الكلام) وفي نسخة وهم من هم بفتح الميم قدرة بفتح القاف والدال جمع قادر وفي أخرى وهم ممن هم قدرة بفتحتين وقدرة في الجميع مرفوعة وفي اصل الدلجي وهم منهم قدرة بالنصب فقال تمييز للضمير المنفصل قبله والجملة حالية من ضمير لديهم (وقدوة) عطف على قدرة وهو بضم القاف وكسرها وحكي فتحها أي اقتداء وأسوة (في المعرفة به) أي بالكلام (لجميع الأنام) متعلق بالقدوة (وما منهم) أي من أحد (إلّا من جهد جهده) بضم الجيم وفتحه أي بذل جده وبالغ اجتهاده (واستنفذ) بالفاء والدال المهملة أي استفرغ (ما عنده) أي من قوة طاقته (في إخفاء ظهوره) أي ظهور نور القرآن أو علو نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم من جهة رفعة الشأن (وإطفاء
[ ١ / ٥٦٦ ]
نوره ويأبى الله إلا أن يتم نوره) ويعلو ظهوره وهو مقتبس من قوله تعالى يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ (فما جلوا في ذلك) أي فما أظهروا في مقام المعارضة مما اجتهدوا فيه غاية المجاهدة (خبيئة) بفتح الخاء المعجمة وكسر الموحدة فتحتية ساكنة فهمزة مفتوحة أو مبدلة مدغمة أي مخبوءة ومخفية (من بنات شفاههم) بفتح الموحدة قبل النون أي من كلمات صدرت من أفواههم والشفاه بكسر الشين المعجمة جمع الشفة بفتحها وتكسر وشفتا الإنسان طبقا فمه (ولا أتوا بنطفة) أي ولا جاؤوا بقطرة يسيرة (من معين مياههم) أي من ظواهر أنهار بلاغتهم وأسرار فصاحتهم بل صاروا بكما في معارضتهم (مع طول الأمد) أي الزمان (وكثرة العدد) أي الأعوان (وتظاهر الوالد وما ولد) الأولى أن يقال والولد أي ومعاونتهم ومعاضدتهم في مقام الرد وأما ما في نسخة من الأمل باللام يدل الأمد بالدال فتصحيف وتحريف (بل أبلسوا) بصيغة الفاعل أي أيسوا من المعارضة ويئسوا من المقاومة (فما نبسوا) بفتح النون والموحدة المخففة وقيل المشددة وبضم السين المهملة أي فما نطقوا (ومنعوا) بصيغة المفعول أي فما أعطوا القدرة على المقاومة (فانقطعوا) أي عن المعارضة (فهذان النّوعان) وفي نسخة صحيحة نوعان (من إعجازه) أي اجتماعا وانفرادا.
فصل [الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ الْإِعْجَازِ مَا انْطَوَى عَلَيْهِ من الأخبار]
(الوجه الثّالث من الإعجاز) أي من وجوهه (ما انطوى) أي اشتمل واحتوى (عليه من الأخبار) بكسر الهمزة أي الإعلام (بالمغيّبات) أي الكائنات في الأزمنة السابقة (وما لم يكن ولم يقع) أي بعد (فوجد) أي في الأيام اللاحقة (كما ورد) أي مطابقا لما ورد (على الوجه الذي أخبر كقوله تعالى) خطابا للنبي ﵊ وأصحابه الكرام (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ) تعليق لعدته بالمشيئة تعليما لعباده وإيماء إلى عدم وجوب شيء على الله تعالى في تحقيق مراده وتلويحا بأن بعضهم لا يدخله لعلة من موت أو غيبة أو حكاية لما قاله ملك الرؤيا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأصحابه حالة الرواية (آمِنِينَ [الفتح: ٢٧]) حال من واو لتدخلن والجملة الشرطية معترضة (وقوله تعالى: وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ) أي الروم من بعد غلبة الفرس عليهم (سَيَغْلِبُونَ [الروم: ٣]) الفرس وكانوا مجوسا والروم نصارى فورد خبر غلبة الفرس إياهم مكة ففرح المشركون وشتموا بالمسلمين وقالوا أنتم والنصارى أهل كتاب ونحن وفارس أميون لا كتاب لنا وقد ظهر إخواننا على إخوانكم ولنظهرن عليكم فنزلت الآية إلى قوله فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه لا يقرن الله أعينكم فو الله لتظهرن الروم على فارس في
[ ١ / ٥٦٧ ]
بضع سنين فقال أبي بن خلف كذبت أجعل بيننا وبينك أجلا فراهنه على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعلا الأجل ثلاث سنين فأخبر أبوبكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده أي في الإبل وماده في الأجل فجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين ومات أبي بعد قفوله من أحد بجرح من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بسرف كافرا وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية فأخذ أبو بكر القلائص من ورثة أبي فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تصدق بها وبه أخذ ائمتنا الحنفية جواز العقود الفاسدة في دار الحرب وأجاب الشافعية بأنه كان قبل تحريم القمار والله تعالى اعلم (وقوله) أي وكقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ) أي ليغلب دين الحق ويعليه (عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [الفتح: ٣٣]) أي على جنس الدين جميعه بتمام إفراده بتسليط المسلمين على أهله بالعزة والغلبة والقهر والقوة فضلا عن الحجة (وَقَوْلِهِ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [النور: ٥٥] الآية) أي في الأرض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي من الأنبياء السالفة وأممهم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا (وَقَوْلِهِ:
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النَّصْرِ: ١]) أي فتح مكة (إلى آخرها) أي إلى آخر السورة أو إلى آخر ما يتعلق به معنى الآية وهو قوله وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا (فكان جميع هذا كما قال) أي وقع كله كما أخبر عنه أي فكان جميعه كما قال معجزة ومن أعلام النبوة (فغلبت الرّوم فارس في بضع سنين) أي يوم الحديبية قيل عند رأس سبع سنين وكان حقه أن يقول أيضا ودخل أهل الإسلام في المسجد الحرام آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين غير خائفين في عام عمرة القضاء وكان صلح الحديبية مقدمة فتح مكة وهذا وإن كان باعتبار الآية الواردة فيه مقدما لكن وقوعه عن قضية غلبة الروم صار مؤخرا؛ (ودخل النّاس في الإسلام) أي بعد فتح مكة (أفواجا) أي فوجا بعد فوج من أهل مكة والطائف واليمن وغيرها (فما مات صلى الله تعالى عليه وسلم وفي بلاد العرب كلّها لم يبق موضع لم يدخله الإسلام واستخلف) أي الله تعالى كما في نسخة (المؤمنين في الأرض) أي في عامة البلاد (ومكّن فيها دينهم) أي ثبته فيما بين العباد (وملّكهم إيّاها) أي الأرض وبلادها (من أقصى المشارق إلى أقصى المغارب) أي ليتم نظام مرادهم ويكمل أمور معاشهم ومعادهم (كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم) أي فيما رواه مسلم عن ثوبان مرفوعا (زويت لي الأرض) بضم الزاء وكسر الواو أي جمعت وطويت لأجلي (فأريت) بصيغة المجهول وفي أصل الدلجي فرأيت (مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لي منها) أي بأسرها (وَقَوْلِهِ: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩]) أي من التحريف بالزيادة والنقصان مما تواتر عند علماء الأعيان من قراء الزمان (فكان كذلك) أي بمقتضى حفظه (لا يكاد يعدّ) بصيغة المجهول أي يحصر (من سعى في تغييره) أي من مبانيه (وتبديل محكمه) أي في
[ ١ / ٥٦٨ ]
معانيه (من الملحدة) أي المائلة عن الحق إلى الباطل كالحلولية والاتحادية وأمثالهما (والمعطّلة) أي القائلة بتعطيل الكون من المكون كالدهرية ونحوها (لا سيّما القرامطة) بالرفع على أن سي بمعنى وما موصولة صدر صلتها محذوف أي ولا مثل الذين هم القرامطة وبالجر على أن ما زائدة وبالنصب على أنها أداة استثناء وهم طائفة معروفة وقال بعضهم فرقة من الإباضية وهم اتباع حمدان القرمطي (فأجمعوا كيدهم وحولهم) أي جهدهم (وقوّتهم) أي جدهم (اليوم) أي إلى يومنا هذا (نيّفا) بفتح النون وسكون الياء مخففة وقيل مشددة مكسورة أي زيادة (على خمسمائة عام) أي بالنسبة إلى تاريخ زمن المصنف وأما الآن فهو نيف وألف (فما قدروا) أي القرامطة وغيرهم من الملاحدة ونحوهم (عَلَى إِطْفَاءِ شَيْءٍ مِنْ نُورِهِ وَلَا تَغْيِيرِ كلمة من كلامه) وفي نسخة صحيحة من كلمه بفتح فكسر ويجوز بكسر فسكون (وَلَا تَشْكِيكِ الْمُسْلِمِينَ فِي حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِهِ) أي لا من حروف مبانيه ولا من حروف معانيه ولا ترديدهم في يعراب بل ونقطة مما ينافيه في باب (والحمد لله) أي على تمام هذه المنة وإتمام هذه النعمة (ومنه) أي ومن اعجاز القرآن في أخبار الغيب من مستقبل الزمان (قوله تعالى سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ) أي جمع أهل الكفر (وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: ١١]) أي الإدبار كما قرئ به وأفرد لقصد الجنس أو لإرادة كل واحد ولمراعاة الفواصل وعن عمر رضي الله تعالى عنه لما نزلت لم أعلم ما هو حتى كان يوم بدر سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هو يلبس درعه ويقول سيهزم الجمع فعلمته (وقوله تعالى) أي ومنه قوله تعالى (قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ [التوبة: ١٤]) أي قتلا (الآية) أي ويخزهم أسرا وينصركم عليهم نصرا ويشف صدور قوم مؤمنين أي مما امتلأت منهم ضجرا قيل هم خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بطون من اليمن وردوا مكة واسلموا فلقوا من أهلها أذى كثيرا فقال لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اصبروا فإن الفرج قريب (وقوله تعالى) أي وكذا منه قوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى [التَّوْبَةِ: ٣٣] الْآيَةَ) وقد سبق وهذا من التكرير في التعبير (وقوله: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً) أي ضررا يسيرا كطعن في الدين وتهديد في التخمين (وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ [آل عمران: ١١١] الآية) أي يولوكم الأدبار أي منهزمين ثم لا ينصرون أي لا بنصر أحد لهم ولا بدفع البأس عنهم (فكان كلّ ذلك) أي فوقع هنالك كل ذلك كذلك من هزم جمعهم وتعذيبهم وشفاء صدور المؤمنين بنصرهم عليهم وانحصار الأذى في ضررهم وانهزامهم كبني قريظة والنضير وأمثالهم (وما فيه) أي ومما في القرآن (من كشف أسرار المنافقين واليهود ومقالهم) أي من إيضاح أقوالهم وإفضاح أحوالهم (وكذبهم في حلفهم وتقريعهم بذلك) أي ومن توبيخ الله إياهم بسوء أعمالهم وتقبيح آمالهم وتفظيع مآلهم (كقوله) أي كما في قوله ﷾:
(وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ) أي فيما بينهم أو في نفوسهم (لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ [المجادلة: ٨]) أي هلا يعاقبنا بقولنا في محمد طعنا منا فيه وفي الإسلام ودفعا عنا بالسام بدل السلام قال
[ ١ / ٥٦٩ ]
الله تعالى وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (وقوله) أي وكقوله تعالى في حق المنافقين (يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ [آل عمران: ١٥٤] الآية) أي لو كان لنا من الأمر شيء كما زعم محمد أن الأمر كله لله وأن حزبه هم الغالبون ما قتلنا ههنا أي في المعركة (وقوله) أي وكقوله تعالى في حق اليهود (وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا) أي بعض اليهود منهم قوم (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ [المائدة: ٤١] الآية) أي أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ الخ، (وَقَوْلِهِ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ) أي يميلونها عن مواضعها التي وضعها الله تعالى فيها بإزالتها من مكانها وإثبات غيرها في محلها أو يأولونها على ما يشتهون فيها (إلى قوله وَطَعْنًا فِي الدِّينِ [النساء: ٤٦] وقد قال مبديا) بالهمزة أو الياء أي حال كونه تعالى مظهرا (ما قدّره الله) بتشديد الدال أي ما قضاه (واعتقده) ويروى وما اعتقده (المؤمنون) أي مقتضاه الواقع (يوم بدر) على وفق رضاه من الظفر بإحدى الطائفتين العير والنفير (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ) أي القافلة الراجعة من الشام أو الطائفة الآتية من بيت الله الحرام (أَنَّها لَكُمْ) حاصلة من أموال إحديها أو غنيمة أخريها (وَتَوَدُّونَ) أي تتمنون وتحبون (أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ) وهي السلاح يعني العير المقبلة مع أبي سفيان (تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال: ٧]) حيث لا حدة فيها ولا شدة بخلاف ذات الشوكة من النفير وهو الجمع الكثير ممن نفروا مع أبي جهل من مكة لاستنقاذ العير واستخلاصهم من أيدي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه متقوين بكثرة عددهم وعددهم (ومنه) أي ومن اعجازه ﷾ (قوله تعالى: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: ٩٥]) أي الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وعدي والحارث بن قيس والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب بن أسد قيل وكذا عمه أبو لهب وعقبة بن أبي معيط والحكم بن أبي العاص إلا أنه أسلم يوم الفتح والباقون أهلكوا بأنواع من العقوبة (ولما نزلت) أي هذه الآية فيهم على ما رواه الطبراني في الأوسط (بشّر النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ أَصْحَابَهُ بِأَنَّ اللَّهَ كَفَاهُ إيّاهم) أي شرهم وأذاهم ورواه البيهقي وأبو نعيم بمعناه (وكان المستهزئون نفرا بمكّة) أي جماعة مترصدين للواردين بها والصادرين عنها (ينفّرون النّاس عنه) بتشديد الفاء أي يصدونهم عن الإيمان به (ويؤذونه) أي بهذا واضرابه (فهلكوا) أي بضروب البلاء وفنون العناء فتم نوره وكمل ظهوره؛ (وقوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧]) عدة من الله تعالى بعصمة روحه من غوائل عدوه (فكان كذلك) أي كما أخبر به من لا خلف في خبره (على كثرة من رام ضرّه) أي مع كثرة من قصد ضره (وقصد قتله والأخبار بذلك معروفة) أي مشهورة في كتب المغازي في باب السير (صحيحة) أي مذكورة عند أرباب الأثر فعصمه الله تعالى وحفظه حتى انتقل من دار الدنيا إلى منازل الحسنى في العقبى.
[ ١ / ٥٧٠ ]
فصل [الْوَجْهُ الرَّابِعُ مَا أَنْبَأَ بِهِ مِنْ أَخْبَارِ القرون السالفة]
(الوجه الرّابع) أي من وجوه اعجاز القرآن (ما أنبأ به) أي أخبر به واعلمه (من أخبار القرون السّالفة) أي الماضية (والأمم البائدة) أي الهالكة الفانية (والشّرائع الدّاثرة) أي الدار الدارسة (مِمَّا كَانَ لَا يَعْلَمُ مِنْهُ الْقِصَّةَ الْوَاحِدَةَ إلّا الفذّ) بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة أي الفرد الواحد المنفرد عن أقرانه في علو شأنه (من أخبار أهل الكتاب) بالحاء المهملة أي من علمائهم (الذي قطع عمره) أي صرفه (في تعلّم ذلك) أي الخبر الواحد من ألسنة كبرائهم أو من كتب فضلائهم (فيورده النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم على وجهه) إذ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (ويأتي به على نصّه) أي كما قرأه عليه جبريل من غير تصرف في لفظه (فيعترف العالم) أي منهم كما في نسخة (بذلك) أي بسبب ما أورده (بصحّته وصدقه) متعلق بيعترف (وأنّ مثله لم ينله بتعليم) أي لم يصل إليه بواسطة تعليم وتعلم من الخلق وحينئذ قد يغترف من بحر تحقيقه ويتشرف بتوفيق تصديقه لعلمه أنه أخبر الخلق بوحي من الحق (وقد علموا) أي جميعهم قبل ذلك (أنّه صلى الله تعالى عليه وسلم أمّيّ) أي في جميع أمره (لا يقرأ ولا يكتب) أي في جميع عمره (ولا اشتغل بمدارسة) أي مع العلماء (ولا مثافنة) بالمثلثة والفاء والنون أي ولا مجالسة مع الشعراء والفضلاء وفي نسخة بالقاف والموحدة ولعلها مصحفة أو يراد بها المزاحمة في المعرفة من ثقوب الذهن وهو وصوله إلى الصواب ثم هذا فيما بينهم (ولم يغب عنهم) أي غيبة يمكنه التعلم فيها من غيرهم (ولا جهل حاله أحد منهم) أي منذ كان صغيرا إلى أن بعث كبيرا لأنه كان من أعيانهم والحاصل أنه كما قال صاحب البردة ذائقا من هذه الزبدة كفاك بالعلم في الأمي معجزة (وقد كان أهل الكتاب) أي من اليهود والنصارى (كثيرا ما) أي في كثير من الأوقات (يسألونه صلى الله تعالى عليه وسلم عن هذا) أي عن أخبار القرون الماضية (فينزل) بصيغة الفاعل أو المفعول مخففا أو مشددا (عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ مَا يَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنْهُ ذكرا) أي بيانا لأعمالهم وأحوالهم وما جرى لهم في مآلهم (كقصص الأنبياء مع قومهم) أي أقوامهم من أممهم إجمالا تارة ومفصلا أخرى وعموما مرة وخصوصا كرة كما أشار إليه بقوله (وخبر موسى والخضر) بفتح فكسر وروي بكسر فسكون قيل لأنه إذا جلس أو صلى اخضر ما حوله وفي البخاري أنه جلس على فروة فإذا هي تهتز خلفه خضراء والفروة الأرض اليابسة أو الحشيش اليابس وفي اسمه اختلاف وكذا في كونه نبيا مرسلا أو غيره أوليا وبه جزم جماعة وأغرب ما قيل فيه إنه من الملائكة وقيل إنه ابن آدم وقيل ابن فرعون وقال الثعلبي نبي على جميع الأقوال معمر محجوب عن الأبصار واختلف في حياته وقد أنكرها جماعة منهم البخاري وقال ابن الصلاح هو حي عند جماهير العلماء والصالحين والعامة معهم على ذلك وإنما شذ بإنكارها بعض المحدثين قال الحلبي ونقل النووي عن الأكثرين حياته وقيل إنه لا يموت إلا في آخر الزمان وفي صحيح
[ ١ / ٥٧١ ]
مسلم في أحاديث الدجال أنه يقتل رجلا ثم يحييه قال إبراهيم بن سفيان راوي مسلم يقال إنه الخضر وكذا قال معمر في مسنده وأما ما استدل به البخاري ومن تبعه كالقاضي أبي بكر بن العربي على أنه مات قبل انقضاء المائة لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد فالجواب أن هذا الحديث عام فيمن يشاهده الناس ويخالطونه لا في من ليس كذلك كالخضر بدليل أن الدجال خارج عن هذا الحديث لما روى مسلم من حديث الجساسة الدال على وجود الدجال في زمن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى بقائه إلى زمن ظهوره مع أن مسلما روى عن ابن عمر أن المراد بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد انخرام ذلك القرن، (ويوسف وإخوته) كما هو مبين في سورته بأحسن صورته (وأصحاب الكهف) قال الحلبي واختلف في بقائهم إلى الآن فروي عن ابن عباس أنه أنكر أن يكون بقي منهم شيء بل صاروا ترابا قبل المبعث وقال بعض أصحاب الأخبار غير هذا وأن الأرض لم تأكلهم ولم تغيرهم وأنهم على مقربة من القسطنطينية وفي مكانهم أقوال وروي أنهم سيحجون البيت إذا نزل ابن مريم قال الإمام السهيلي الفيت هذا الخبر في كتاب البدء لابن أبي خيثمة هذا وقد اختلف في عدتهم ومدة إقامتهم (وذي القرنين) روى الحاكم في المستدرك أنه صلى الله تعالى عليه وسلم سئل عن ذي القرنين فقال لا أدري أنبي هو أم لا وجاء فيه عنه ﵇ أنه كان ملكا سيح في الأرض بالأسباب وقيل في قوله تعالى وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا أي علما يتبعه وفي قوله تعالى فَأَتْبَعَ سَبَبًا أي طريقا يوصله وقال ابن هشام في غير السيرة السبب جبل من نور كان ملك يمشي به بين يديه فيتبعه واختلف في تسميته بذي القرنين كما اختلف في اسمه واسم أبيه فأصح ما قيل في ذلك ما روي عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال سأل ابن الكوا علي بن أبي طالب فقال أرأيت ذا القرنين أنبيا كان أم ملكا فقال لا نبيا كان ولا ملكا ولكن كان عبدا صالحا دعا قومه إلى عبادة الله فضربوا على قرني رأسه ضربتين وفيكم مثله يعني نفسه وقيل ذو القرنين ملك الخافقين وأذل الثقلين وعمر الفين ثم كان في ذلك كلحظة عين (ولقمان وابنه) تقدم ذكرهما وفي سورته بعض حكمته (وأشباه ذلك من الأنباء) كخبر نوح وابنه وابني آدم (وبدء الخلق) أي ابتدائهم وانتهائهم (وَمَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وموسى ممّا صدّقه فيه العلماء) أي من أهل الكتاب (بها) أي حين تلاها عليهم (ولم يقدروا) أي وما قدر أحد منهم (على تكذيب ما ذكر منها) بصيغة الفاعل أو المفعول أي تكذيبه في شيء ذكر من الكتب المذكورة (بل أذعنوا) أي انقادوا له (لذلك) أي لعلمهم بصدقه (فمن موفّق) بتشديد الفاء المفتوحة أي موافق (آمن) أي بالقرآن وما أنزل عليه (بما سبق له) أي في الأزل (من خير) أي من سابقة إرادة السعادة له (ومن شقيّ) أي مخذول (معاند حاسد) وزيد في نسخة خاسر جاهل وقال الحجازي يروى خاسر ويروى جاهل أي لم يصدقه بما سبق له في الأزل من
[ ١ / ٥٧٢ ]
سابقة إرادة الشقاوة له (ومع هذا لم يحك عن واحد) وفي أصل الدلجي وغيره عَنْ وَاحِدٍ (مِنَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ عَلَى شِدَّةِ عداوتهم له) أي مع مبالغتهم في مناقضتهم لحقه (وَحِرْصِهِمْ عَلَى تَكْذِيبِهِ وَطُولِ احْتِجَاجِهِ عَلَيْهِمْ بِمَا في كتبهم) أي مما أوجب العلم بأنه رسول الله إلى كافة الناس (وتقريعهم) أي توبيخهم ردعا لهم (بما انطوت عليه مصاحفهم) أي بما اشتملت عليه كتبهم وكان الأظهر أن يقول صحفهم أو صحائفهم (وكثرة سؤالهم له ﵊) أي إخبارا أو امتحانا (وتعنيتهم إيّاه) أي تكليفهم له بما شق عليه بكثرة سؤالهم (عَنْ أَخْبَارِ أَنْبِيَائِهِمْ) وَأَسْرَارِ عُلُومِهِمْ (وَمُسْتَوْدَعَاتِ سِيَرِهِمْ) أي كل ذلك تعنتا وعنادا لا تفهما وإرشادا (وإعلامه لهم بمكنون شرائعهم) أي مخفيها ومستورها (ومصنّفات كتبهم مثل سؤالهم) أي على لسان قريش إذ قالوا لهم سلوه (عن الرّوح) كما رواه الشيخان (وذي القرنين وأصحاب الكهف) فيما رواه ابن إسحاق والبيهقي فإن أجاب عنها أو سكتت فليس بنبي وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي فبين لهم كما رواه الشيخان قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين وأبهم أمر الروح كما هو مبهم في التوراة (وعيسى ﵊) أي وسؤالهم عن عيسى فبينه لأهل الكتابين (وحكم الرّجم) فبينه لليهود (وما حرّم إسرائيل على نفسه) أي وسؤالهم عنه كما روى الترمذي أي حرم باجتهاده أو بإذن من ربه لحوم الإبل والبانها فبينه لهم بقوله تعالى كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ (وما حرّم عليهم) بصيغة المجهول (من الأنعام) أي وسؤالهم عنه فبينه بقوله ﷾ وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ الآية (ومن طيّبات كانت أحلّت لهم فحرّمت عليهم ببغيهم) أي وسؤالهم عنها فبينه بقوله تعالى فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ الآية، (وقوله) أي مثل قوله تعالى (ذلِكَ) أي سيماهم في وجوهم من أثر السجود (مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ [الْفَتْحِ: ٢٩]) أي كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ الآية والمراد وصفهما العجيب الشأن فيهما (وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمُ الَّتِي نَزَلَ فِيهَا القرآن) أي لكشف مستورهم (فأجابهم) أي عن ذلك كله (وعرّفهم بما أوحي إليه من ذلك) أي من بيانه (أنّه) بفتح الهمزة متعلق بما سبق وما بينهما معترضة أي فلم يحك عن أحد منهم أَنَّهُ (أَنْكَرَ ذَلِكَ أَوْ كَذَّبَهُ بَلْ أَكْثَرُهُمْ صرّح بصحّة نبوّته وصدق مقالته) وفي نسخة صحيحة مقاله وفي أخرى بفتح الصاد وتشديد الدال على أنه فعل ماض ومقاله مفعوله (واعترف بعناده) أي بعناد نفسه (وحسده إيّاه) وفي نسخة صحيحة وحسدهم (كأهل نجران) بفتح النون وسكون الجيم طائفة من النصارى حين حاجوه في عيسى فدعاهم إلى المباهلة كما في آيتها وسيأتي تفصيل حكايتها (وابن صوريا) بضم الصاد وكسر الراء مقصورا وفي نسخة ممدودا ويقال له ابن صوري وقد ذكر السهيلي عن النقاش أنه اسلم نقل ذلك الذهبي في تجريد الصحابة (وابني أخطب) بالخاء المعجمة يهوديان معروفان هلكا على كفرهما (وغيرهم ومن باهت في ذلك) أي فيما لم ينكر منه ولم يكذب فيه (بعض المباهتة) أي نوع
[ ١ / ٥٧٣ ]
من المباحثة (وَادَّعَى أَنَّ فِيمَا عِنْدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ لِمَا حكاه) أي النبي ﵊ (مخالفة دعي) بصيغة المجهول أي فقد دعي من جانب ربنا ﷾ (إلى إقامة حجّته وكشف دعوته) أي من أن عنده فيما حكاه مخالفة كموافقته لإبراهيم ﵇ في تحليل لحوم الإبل وألبانها ويروى وكشف عورته (فقيل له) أي للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) روي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما قال لهم ذلك بهتوا ولم يجترئوا أن يأتوا بها وهذا برهان عظيم على نبوته وصدق دعوته (إلى قوله: الظَّالِمُونَ
[آل عمران: ٩٣- ٩٤]) يعني فمن افترى على الله الكذب أي بزعمه أن ذلك حرم على بني إسرائيل وعلى من قبلهم قبل نزول التوراة من بعد ذلك أي بعد ظهور الحق له وثبوت الحجة عنده فأولئك هم الظالمون بعدم انصافهم من أنفسهم ومكابرتهم وعنادهم بعد ما تبين الحق لهم (فقرّع) بتشديد الراء (ووبّخ) بتشديد الموحدة أي فأظهر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم التقريع والتوبيخ لهم (ودعا) أي دعاهم (إلى إحضار ممكن غير ممتنع) وهو الاتيان بالتوراة فلم يقدروا على ذلك وتفرقوا باختلافهم هنالك (فمن معترف بما جحده) أي أنكره إما بإسلامه أو بإنصافه (ومتواقح) بالقاف والحاء أي ومن قليل حياء (يلقى) بضم الياء وكسر القاف أي يضع (على فضيحته) أي الكاشفة لعيبه التي هي ظاهرة (من كتابه يده) بالنصب على أنه مفعول يلقى وفي أصل الدلجي من كتابة يده بالإضافة والظاهر أنه تصحيف بل تحريف وهي آية الرجم سماها بالفضيحة لأنها سبب لهتك حالته قال الحلبي وقد جاء في صحيح البخاري أن عبد الله بن سلام قال له ارفع يدك يا أعور وسماه بعض الحفاظ عبد الله بن صوريا الأعور الحبر الذي تقدم ذكره وأنه اسلم بعده (ولم يؤثر) بصيغة المفعول أي ولم يرو أحد (أنّ واحدا منهم) أي من أهل الكتاب (أظهر خلاف قوله) صلى الله تعالى عليه وسلم (من كتابه) وفي نسخة من كتبه (ولا أبدى) أي ولا أظهر (صحيحا ولا سقيما من صحفه) جمع صحيفة والظاهر من تغاير المتعاطفين أن الصحيفة تطلق على الكتاب الصغير والكتاب إذا أطلق فالمراد به الكبير وإن كان معناه الأعم لا سيما حال الجمع بينهما وهذا أولى مما قاله الدلجي من أنه جمع بينهما تفننا وتزينا ومما يؤيد ما قدمناه حديث عيينة بن حصين أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كتب له كتابا فلما أخذه قال يا محمد أترى أني حامل إلى قومي كتابا كصحيفة المتلمس وهو شاعر معروف قدم هو وطرفة الشاعر على عمرو بن هند فنقم عليهما أمرا فكتب لهما كتابين إلى عامله بالبحرين يأمره بقتلهما وأعطى كلا صحيفة وقال إني كتبت لكما بجائزة فاجتازا بالحيرة فقرأ المتلمس صحيفته فإذا فيها الأمر بقتله فألقاها في الماء ومضى إلى الشام وقال لطرفة أقرأ صحيفتك وألقها فإنها كصحيفتي فأبى ومضى إلى العامل فقتله فضار مثلا (قال الله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ) اللام لام الجنس والمراد بهم اليهود والنصارى جميعهم (قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا) يعني محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم (يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ
[ ١ / ٥٧٤ ]
تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ) كنعته صلى الله تعالى عليه وسلم وآية الرجم مما في التوراة وبشارة عيسى به ﵉ مما في الإنجيل (وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [المائدة: ١٥]) أي مما يخفونه مما لا ضرورة إلى تبيينه أو عن كثير منكم لحلمه حيث لا يؤاخذه بجرمه (الآيتين) يعني قوله تَعَالَى قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
فصل [هَذِهِ الْوُجُوهُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ إِعْجَازِهِ بَيِّنَةٌ لَا نزاع فيها ولا مرية]
(هذه الوجوه الأربعة) أي المتقدمة في فصولها السابقة (من إعجازه) أي إعجاز القرآن (بيّنة) أي واضحة ولائحة (لا نزاع فيها) أي ليس لأحد فيها منازعة (ولا مرية) أي لا شك ولا شبهة (وَمِنَ الْوُجُوهِ الْبَيِّنَةِ فِي إِعْجَازِهِ مِنْ غَيْرِ هذه الوجوه) الأربعة الواردة في حق تعجيز الأمة (آي) بهمزة ممدودة أي آيات (وردت بتعجيز قوم) أي جماعة خاصة (في قضايا) أي أحكام مختصة (وإعلامهم) بالجاي وبإخباره تعالى عنهم (أنّهم لا يفعلونها) أي كقوله تعالى وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا وأما شرح الدلجي بقوله ولن يفعلوا ففيه أن هذا من الأمور العامة لا من القضايا الخاصة (فما فعلوا ولا قدروا على ذلك) أي بل عجزوا عن المعارضة هنالك (كقوله لليهود) على ما نص عليه في سورة الجمعة بقوله قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لله الآية (قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ) أي الجنة وما فيها من المثوبة (عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً [البقرة: ٩٤]) أي لكم (مِنْ دُونِ النَّاسِ) أي باقيهم أو المؤمنين كما ادعيتم بقولكم لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا (الآية) أي فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي في دعواكم على وفق متمناكم لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاقها وأحب الخلاص من دار الأكدار إليها وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي من الأعمال السيئة الموجبة لدخول النار المؤبدة (قال أبو إسحاق الزّجّاج) بتشديد الجيم الأولى (فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَعْظَمُ حُجَّةٍ وَأَظْهَرُ دَلَالَةٍ على صحّة الرّسالة لأنّه) أي الله ﷾ (قال لهم فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ [الْجُمُعَةِ: ٦] وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبدا فلم يتمنّه واحدا منهم وعن النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَقُولُهَا) أي لا يتمناه بهذه التمنية أو لا يتصور في نفسه هذه الأمنية (رجل منهم إلّا غصّ بريقه) بفتح الغين المعجمة وتشديد الصاد المهملة لا بضم أوله لأنه لازم لا يبني مفعول له ذكره الدلجي والظاهر ما ضبطه في بعض النسخ من أنه بصيغة المجهول وأن معناه شرق بريقه في حلقه بعد بلعه وفي القاموس الغصة الحزن وما اعترض من الحلق فأشرق (يعني يموت مكانه) الأظهر مات مكانه ولفظ الحديث هذا رواه البيهقي من طريق الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مرفوعا ورواه أحمد بسند جيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولفظه لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا (فصرفهم الله عن تمنّيه) أي تمنى الموت (وجزّعهم) بتشديد الزاء أي أدخل الخوف قلوبهم
[ ١ / ٥٧٥ ]
(ليظهر) بضم الياء وكسر الهاء أو بفتحهما أي ليبين أو يتبين (صدق رسوله) أي في دعوى رسالته (وصحّة ما أوحي إليه) بصيغة المفعول له أو الفاعل (إذ لم يتمنّه) أي الموت (أحد منهم وكانوا على تكذيبه أحرص) أي من غيرهم (لو قدروا) أي على ما أمكنهم من المكيد (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ فَظَهَرَتْ بِذَلِكَ) أي بصرفهم عن تمنيهم مع كونهم على تكذيبه أحرص من غيرهم (معجزته وبانت) أي ظهرت (حجّته؛ قال أبو محمّد الأصيليّ) بفتح فكسر (من أعجب أمرهم أنّه) أي الشأن (لا يوجد منهم جماعة ولا واحد) أي منهم (من يوم أمر الله بذلك نبيّه) أي بقوله تعالى قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ إلى قوله فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ (يقدم عليه) بضم الياء وكسر الدال أي على تمني الموت (ولا يجيب إليه) أي إلى تمنيه إذا قيل له تمنه (وهذا) أي امتناعهم من تمنيه (موجود) أي ثابت فيما بينهم (مشاهد) بفتح الهاء أي معلوم (لمن أراد أنّ يمتحنه منهم، وكذلك) أي مثل ما تقدم من آية التمني (آية المباهلة) بفتح الهاء من البهلة وتضم اللعنة فهي الملاعنة والدعاء باللعنة على الظالم من الفريقين وبأهل بعضهم بعضا وتباهلوا أي تلاعنوا والابتهال الاجتهاد في الدعاء واخلاصه (من هذا المعنى) أي من حيثية عدم الإجابة إلى ما دعت إليه الآية (حيث وفد) بفتح الفاء أي قدم (عليه أساقفة نجران) جمع أسقف بضم الهمزة والقاف وتشديد الفاء رئيس دين النصارى وقاضيهم ونجران بنون مفتوحة وجيم ساكنة بلدة كان فيها النصارى بين مكة واليمن على نحو سبع مراحل من مكة (وأبوا الإسلام) بفتح الهمزة والباء وضم الواو أي وامتنعوا عن قبول الإسلام والإيمان وأصروا على اعتقادهم الفاسد في حق عيسى ﵇ (فأنزل الله تعالى عليه آية المباهلة) أي الملاعنة (بقوله: فَمَنْ حَاجَّكَ) أي جادلك وخاصمك (فِيهِ [آل عمران: ٦١]) أي في عيسى ﵇ وأنكر خلقه وزعم أنه إله يعبد (الآية) يعنيى فَقُلْ تَعالَوْا أي هلموا بالعزم والرأي نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ أي يدع كل منا نفسه وأعز أهله وألصقهم بقلبه فتقديمهم على الأنفس لمخاطرة الإنسان لنفسه لهم ومدافعته عنهم كذا ذكره الدلجي والأظهر أن المراد بأنفسنا أقرب أقاربنا كما سيأتي خروجه صلى الله تعالى عليه وسلم مع الحسنين وفاطمة وراءهما وعلي وراءها فترتيبهم على مراتبهم ويؤخذ منه علو مناقبهم ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي نتضرع إلى رب العالمين فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ أي منا ومنكم (فامتنعوا منها) أي بعد ما دعاهم إليها (ورضوا بأداء الجزية) أي عوضا عنها (وَذَلِكَ أَنَّ الْعَاقِبَ عَظِيمَهُمْ قَالَ لَهُمْ قَدْ علمتم أنّه نبيّ) أي بما جاءكم من أمر الحق من ربكم (وأنّه ما لاعن قوما نبيّ قطّ) أي أبدا (فبقي كبيرهم ولا صغيرهم) وتمام الحديث فإن أبيتم إلا الف دينكم فوادعوه وانصرفوا فأتوه وهو محتضن حسينا وآخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي وراءه وعلي وراءها وهو يقول إذا دعوت فأمنوا فقال اسقنهم يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تباهلوا فتهلكوا فأذعنوا له وبذلوا له الجزية كل سنة ألفي حلة وثلاثين
[ ١ / ٥٧٦ ]
درعا من حديد فقال صلى الله تعالى عليه وسلم لو باهلوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي نارا ولاستأصل الله نجران حتى الطير على الشجر (ومثله) أي ومثل فمن حاجك فيه (قَوْلُهُ: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا [البقرة: ٢٣]) والأظهر أن المثل هنا بمعنى النظير فإن المحاجة من القضايا الخاصة وهذه الآية من الأمور العامة (إِلَى قَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة: ٢٤] فأخبرهم) أي الكفار وغيرهم (أنّهم) أي احدا منهم (لا يفعلون) أي المعارضة في الأزمنة المستقبلة (كما كان) أي كما تحقق عدم فعلهم في الأيام الماضية (وهذه الآية أدخل) أي من جهة المعجزة (في باب الإخبار عن الغيب) أي من حيث إنه ﷾ نفى عنهم صدور ما طلب منهم تحديا في المستقبل أبدا (ولكن فيها) أي هذه الآية (من التّعجيز) أي لقريش وأمثالهم (ما في التي قبلها) أي من التعجيز لنصارى نجران بخصوصهم إذ كل منهما طلب منه الإسلام فأبوا وادعوا أنهم على الحق وكذبوا النبي المطلق فطولبوا بمصداقه فعجزوا.
فصل [ومنها الروعة]
(ومنها الرّوعة) بفتح الراء أي الخشية (الَّتِي تَلْحَقُ قُلُوبَ سَامِعِيهِ وَأَسْمَاعَهُمْ عِنْدَ سَمَاعِهِ) أي سماعهم له على لسان تاليه (والهيبة) أي العظمة (التي تعتريهم) أي تصيبهم وتحصل لهم (عند تلاوته لقوّة حاله) أي حالته في تمام حلاوته وفي نسخة لقوة جلالته (وإنافة خطره) بفتحتين أي رفعة قدره وعظمة أمره (وهي) أي روعته أو تلاوته (على المكذّبين به أعظم) أي أصعب منها على المصدقين به (حتّى كانوا) أي المكذبون (يستثقلون سماعه ويزيدهم نفورا) أي هربا من استماعه (كما قال الله تعالى) أي فيما أخبر عنهم وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا (ويودّون انقطاعه) أي تلاوته (لكراهتهم له) أي كما قال الله تعالى وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (ولهذا) أي ولما ذكر من ودادهم انقطاعه وكراهتهم تلاوته واستماعه (قال ﵊) أي كما رواه الديلمي وغيره عن الحكم بن عمير مرفوعا (إنّ القرآن) وفي نسخة صحيحة أن هذا القرآن (صعب) أي شديد (مستصعب) بكسر العين وتفتح وهو تأكيد (على من كرهه) وفي أصل الدلجي يكرهه (وهو) أي القرآن (الحكم) بفتحتين أي الحاكم بين الحق والباطل والفاصل بين البر والفاجر المبين لكل نفس جزاء ما عملت من خير أو شر المميز بين السعيد والشقي بالثواب والعقاب، (وأمّا المؤمن) أي به كما في نسخة (فلا تزال روعته به) أي روعة القرآن بالمؤمن (وهيبته إيّاه مع تلاوته توليه) بضم التاء وسكون الواو أي تعطيه (انجذابا) وفي نسخة انجباذا أي اقبالا عليه (وتكسبه هشاشة) بفتح الهاء أي ارتياحا واستبشارا وفرحا وخفة (لميل قلبه إليه وتصديقه به) أي بما لديه (قال الله تَعَالَى:
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) أي ترتعد وتنقبض مما فيه من الوعيد بالعقوبة (ثُمَ
[ ١ / ٥٧٧ ]
تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الزُّمَرِ: ٢٣]) أي تسكن وتطمئن إلى ما فيه من ذكر الوعد بالرحمة والمغفرة (وقال) أي الله ﷾ (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ [الْحَشْرِ: ٢١] الآية) أي لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أي متشققا ومتقطعا من هيبته (ويدلّ على أنّ هذا) أي ما يغشي قلوب سامعيه وأسماعهم عند تلاوة تاليه (شيء خصّ) أي القرآن (به) أي دون سائر كتب الله تعالى وصحفه (أنّه) بدل من هذا أو تقديره وهو أنه (يعتري) أي يصيب (مَنْ لَا يَفْهَمُ مَعَانِيهِ وَلَا يَعْلَمُ تَفَاسِيرَهُ) أي المتعلقة بجمل مبانيه كما هو مشاهد في كثير من العوام أنه يحصل لهم هذا المقام من وصول المرام بل وقد يحصل لمن لم يكن مؤمنا به (كما روي عن نصرانيّ أنّه مرّ بقارىء) أي بمن يتلو القرآن (فوقف يبكي فقيل له لم) أو مم (بكيت) وفي نسخة مم تبكي (فقال للشّجى) بفتح معجمة فسكون جيم وفي بعض النسخ بفتحتين مقصورا وهو الظاهر أي للحزن الذي أصابه من استماعه فرق فلبه وخشع بدنه أو للطرب الذي حصل له من أثر كلام الرب (والنّظم) أي لما جمع بين المعاني الدقيقة البيان وبين الفصاحة والبلاغة في ميدان التبيان (وَهَذِهِ الرَّوْعَةُ قَدِ اعْتَرَتْ جَمَاعَةً قَبْلَ الْإِسْلَامِ وبعده) أي في قليل من الأيام (فَمِنْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ لَهَا لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ وَآمَنَ به ومنهم من كفر) أي استمر على كفره أو كفر حينئذ ثم رجع بعده إلى ربه ولعله تعالى اشار إلى هذا المعنى في قوله أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ أي اشتدت أو اسودت، (فحكي في الصّحيح) بل روي في الصحيحين (عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطّور) أي بسورة الطور (فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) أي من غير موجد ومحدث وخالق فلا يعبدونه (أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ) أي أنفسهم (إلى قوله: الْمُصَيْطِرُونَ [الطور: ٣٥- ٣٧]) يعني قوله تعالى أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ
في قولهم هو الله إذا سئلوا من خلق السموات والأرض إذ لو أيقنوا في خالقيته لما أعرضوا عن عبوديته قضاء لحق ربوبيته أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أي حتى يعطوا النبوة من شاؤوا أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ أي الغالبون على الاشياء يدبرونها كيف أرادوا وأم في المواضع الثلاثة منقطعة بمعنى بل والهمزة لإنكار القضية (كاد قلبي أن يطير) أي فزعا بما اعتراه من الروعة والهيبة أو فرحا لما حصل له من شرح الصدر وسعة القلب في معرفة الرب ويؤيده قوله (للإسلام: وفي رواية أخرى) أي عنه (وذلك أوّل ما وقر الإيمان) أي تمكن وتثبت واستقر (قلبي) وفي نسخة الإسلام بدل الإيمان. (وعن عتبة) بضم فسكون (ابن ربيعة) أي ابن عبد شمس بن عبد مناف قتل كافرا بالله في بدر والحديث رواه البغوي في تفسيره (أنّه كلّم النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ خِلَافِ قومه) أي مما لم يوافق اعتقاداتهم الباطلة وضلالاتهم العاطلة (فتلا عليهم حم كِتابٌ فُصِّلَتْ إلى قوله أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [فصلت: ١٣]) أي قوم هود
[ ١ / ٥٧٨ ]
وصالح (فأمسك عتبة بيده على فيه) أي فم النبي ﵊ كما في نسخة (وناشده الرّحم) أي أقسم وسأله بالقرابة التي بينهم (أن يكفّ) أي يمسك عن تلاوته ويقف في قراءته (وفي رواية) لابن إسحاق في سيرته عن محمد بن كعب القرظي (فجعل النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يقرأ وعتبة مصغ) أي مستمع إليه (ملق بيديه) وفي نسخة يديه أي مرسل لهما (خلف ظهره معتمد عليهما) أي مستندا إليهما (حتّى انتهى) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (إلى السّجدة) أي آيتها ونهايتها (فسجد النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ومن معه لله ﷾ (وقام عتبة لا يدري بم يراجعه) أي يحاوره ويرادده (وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى قَوْمِهِ حتّى أتوه) أي جاؤوا إليه وعاتبوا عليه بما جرى لديه (فاعتذر لهم) أي عن انقطاعه عنهم وعدم خروجه إليهم (وقال والله لقد كلّمني) أي محمد ﵊ (بِكَلَامٍ وَاللَّهِ مَا سَمِعَتْ أُذُنَايَ بِمِثْلِهِ قَطُّ) أي لجزالة مبانيه وفخامة معانيه (فما دريت) أي ما علمت (ما أقول له) أي شيئا مما يناقضه وينافيه، (وقد حكي عن غير واحد) أي عن كثيرين (ممّا رام معارضته) أي قصد مناقضته (أنّه اعترته روعة وهيبة) أي اصابته فزعة وخشية (كفّ) أي منع نفسه وامتنع (بها) أي بتلك الروعة المقرونة بالهيبة (عن ذلك) أي عما قصده من محاولة المجادلة (فحكي أنّ ابن المقفّع) بضم الميم وفتح القاف وتشديد الفاء المفتوحة أو المكسورة فعين مهملة (طلب ذلك ورامه) أي قصده (وشرع فيه) أي فيما بدا له على ظن أن كلامه يفيد مرامه من المعارضة لما في القرآن من فنون البلاغة وفنون الفصاحة التي صار بها معجزة (فمرّ بصبيّ يقرأ وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ [هود: ٤٤] الآية فرجع) أي قبل أن يسمع بقية الآية (فمحا) أي مسح وغسل (ما عمل) أي على منوال القرآن ظنا منه أن مهملاته تصلح كونها معارضا في مقام مناقضاته ومرام مجادلاته (وَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا لَا يُعَارَضُ وَمَا هو من كلام البشر) أي حتى يناقض (وكان) أي ابن المقفع (من أفصح أهل وقته) أي في دقة فهمه وحدة فطنته (وكان) أي ابن المقفع (من أفصح أهل وقته) أي في دقة فهمه وحدة فطنته (وكان يحيى بن حكم) بفتح الحاء المهملة والكاف وفي المشتبه للذهبي ابن حكيم زيادة ياء (الغزال) بتشديد الزاء وذكره الذهبي في قسم المخفف من المشتبه واختاره الشمني (بليغ الأندلس) بفتح الهمزة والدال وقيل بضمهما إقليم بالمغرب وضم اللام متفق عليه (في زمنه فحكي) بصيغة المجهول (أنّه رام) أي أراد (شيئا من هذا) أي الذي ذكر من المعارضة (فَنَظَرَ فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ لِيَحْذُوَ عَلَى مِثَالِهَا) أي ليأتي على أسلوبها (وينسج) بكسر السين وضمها (بزعمه) بضم الزاء وفتحها أي وينظم الكلام ويسرد المرام بمقتضى ظنه وبموجب وهمه (على منوالها قال) أي يحيى المذكور (فاعترتني منه خشية ورقّة) أي أصابتني هيبة ولينة (حملتني على التّوبة) أي عن تلك الإرادة هي أقبح المعصية (والإبانة) أي وعلى الرجوع إلى الله تعالى والإقبال عليه في طلب العفو والمغفرة.
[ ١ / ٥٧٩ ]
فصل [وَمِنْ وُجُوهِ إِعْجَازِهِ الْمَعْدُودَةِ كَوْنُهُ آيَةً بَاقِيَةً لا تعدم ما دامت الدنيا]
(ومن وجوه إعجازه المعدودة) أي عند علماء الأعيان (كونه آية باقية) أي على صفحات الزمان متلوة في كل مكان (لا تعدم ما بقيت الدّنيا) أي لا تفقد مدة ما أراد الله تعالى بقاء الدنيا وأهلها في خير وعافية (مع تكفّل الله تعالى بحفظه) أي من النقصان والزيادة (فقال) أي الله ﷾ ردا لإنكارهم واستهزائهم في يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩]) أي بحملنا القرآن على حفظه ولذا ورد أهل القرآن أهل الله وخاصته (وَقَالَ لَا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت: ٤٢]) أي لا يجد إليه سبيلا ليتعلق به (الآية) يعني تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (وسائر معجزات الأنبياء ﵈) أي حتى سائر معجزات نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم (انقضت بانقضاء أوقاتها) أي مضت بانقطاع ساعاتها (فلم يبق) وفي نسخة ولم يبق (إلّا خبرها) أي عند أرباب أثرها (والقرآن العزيز) أي البديع المنيع (الباهرة آياته الظّاهرة معجزاته) أي اللائحة مبانيه واللامعة معانيه (على ما كان عليه) أي في أول مباديه (اليوم) بالنصب أي إلى يومنا هذا (مدّة خمسمائة عام وخمس وثلاثين سنة) وفي نسخة وسبع عطف بيان وقال الدلجي اليوم خبر المبتدأ أعني القرآن وما بينهما صفات له هذا وفي نسخة منذ خمسمائة عام الخ وهذا تاريخ زمن المصنف رحمه الله تعالى ولذا قال (لأوّل نزوله إلى وقتنا هذا) ونقول وكذا مدة ألف وزيادة عشر إلى زماننا هذا (حجّته قاهرة) أي بينته غالبة وفي نسخة ظاهرة أي مبينة (ومعارضته ممتنعة والأعصار) أي أهلها من أرباب القرى وأصحاب الأمصار (كلّها طافحة) أي مملوءة وفائضة (بأهل البيان) أي في الفصاحة (وحملة علم اللّسان) أي اللغة (وأئمّة البلاغة وفرسان الكلام) أي في ميدان المرام (وجهابذة البراعة) أي المهرة في تقدم الصناعة وهو بفتح الجيم وكسر الموحدة جمع الجهبذ والبراعة مصدر برع إذا فاق، (والملحد) أي والحال أن المائل عن الحق إلى الباطل (فيهم كثير والمعادي للشّرع عتيد) أي المخالف والمناوي لهم حاضر مهيأ في مقام النكير وفي نسخة عنيد بالنون أي معاند شرير (فما منهم من أتى بشيء يؤثر) أي يروى (في معارضته ولا ألّف كلمتين) أي ولا ركبهما وألف بينهما (فِي مُنَاقَضَتِهِ وَلَا قَدَرَ فِيهِ عَلَى مَطْعَنٍ صحيح) أي لم يجد في القرآن محلا يتعلق به طعن صحيح أو عيب صريح (وَلَا قَدَحَ الْمُتَكَلِّفُ مِنْ ذِهْنِهِ فِي ذَلِكَ) أي في طعنه (إلّا بزند شحيح) أي بإخراج النار عند وريه فلم يور بقدحه وتحقيقه أن الزند بفتح الزاء وسكون النون قد يراد به موصل طرف الذراع في الكف وقد يطلق على العود الذي يقدح به النار وهو الأعلى والزندة بالهاء هي السفلى وهو في المدن قطعة حديد تضرب بحجر صلد والظاهر أن القاضي قصد معنيي الزند ووصف كلا منهما بالشحيح أما العضو فشحه أن لا يخرج درهما أو دينارا وأما زند النار فشحه كونه لا يخرج نارا وفي
[ ١ / ٥٨٠ ]
الجمع بينهما إشارة إلى غاية القلة (بل المأثور) أي المروي والمحكي (عن كلّ من رام ذلك) أي قصد الطعن فيه (إِلْقَاؤُهُ فِي الْعَجْزِ بِيَدَيْهِ وَالنُّكُوصُ عَلَى عَقِبَيْهِ) أي التأخر في الرجوع بالقهقرى أي إلى الورى.
فصل [وَقَدْ عَدَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَمُقَلِّدِي الْأُمَّةِ في إعجازه وجوها كثيرة]
(وقد عدّ جماعة من الأئمّة) وهم علماء السلف (ومقلّدي الأمّة) بفتح اللام وهم فضلاء الخلف (فِي إِعْجَازِهِ وُجُوهًا كَثِيرَةً. مِنْهَا أَنَّ قَارِئَهُ لا يملّه) بفتح الميم وتشديد اللام أي لا يسأمه (وسامعه لا يمجّه) بضم الميم وتشديد الجيم أي لا يدفعه (بل الإكباب) أي الإقبال والآداب (على تلاوته يزيده حلاوة) أي لذة (وترديده) أي تكراره (يوجب له محبّة) أي يقتضي زيادة مودة فقد ورد من أحب شيئا أكثر ذكره (لا يزال غضّا طريّا) أي لا تزول طراوته وطلاوته (وَغَيْرُهُ مِنَ الْكَلَامِ وَلَوْ بَلَغَ فِي الْحُسْنِ والبلاغة مبلغه) أي تمام نظام المرام (يملّ مع التّرديد) أي في السمع (ويعادى) بفتح الدال أي ويكره في الطبع (إذا أعيد) لقولهم المعادات معاداة ولقوله صلى الله تعالى عليه وسلم فضل كلام الله على غيره كفضل الله على خلقه (وكتابنا) أي الذي فيه خطابنا وعتابنا وثوابنا وعقابنا (يستلذّ به في الخلوات ويؤنس) بالهمز ويسهل وبالنون مخففا ومشددا أي ويستأنس (بتلاوته فهي الأزمات) بفتح الهمز والزاء جمع أزمة بفتح فسكون وهي الشدة أي في أوقات الآفات (وسواه من الكتب) أي المؤلفات المصنوعة والمركبات الموضوعة (لا يوجد فيها ذلك) أي ما ذكر من اللذة والأنسة المطبوعة (حتّى أحدث أصحابها لها لحونا وطرقا يستجلبون بتلك اللّحون تنشيطهم) أي تنشيط أنفسهم وغيرهم (على قراءتها ولهذا) أي لما اختص به القرآن من حسن البيان المستغنى عن الإتيان بأنواع الألحان (وصف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم القرآن بأنّه لا يخلق) كما رواه الترمذي وغيره عن علي كرم الله وجهه مرفوعا القرآن لا يخلق وهو بفتح الباء وضم اللام لا فتحها كما في نسخة نقلها الحلبي وتبعه الحجازي أو بضم ياء وكسر لام أي لا يبلى (على كثرة الرّدّ) أي مع كثرة ترديده وتكريره (ولا تنقضي عبره) بكسر ففتح جمع عبرة أي لا تنتهي مواعظه المعتبرة (ولا تفنى عجائبه) أي لا تنفد عجائب مبانيه وغرائب معانيه، (وهو الفصل) أي البالغ في الفرق بين الحق والباطل (ليس بالهزل) أي أمره جد كله (لا يشبع منه العلماء) أي تدبرا وتبصرا وعبارة وإشارة (ولا تزيغ) أي ولا تميل (به الأهواء) عن طريق السواء (ولا تلتبس به الألسنة) أي ولا تشتبه به اللغات المختلفة المتناقضة (هو الذي لم تنته الجنّ) أي طائفة من جن نصبيين وفي صحيح مسلم أنهم كانوا من الجزيرة ولا منع من الجمع (حين سمعته أن قالوا) أي لم يتوقفوا عن قولهم لبعضهم أو لقولهم حين رجوعهم إليهم، (إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا [الجن: ١]) أي مقروءا عجيبا من جهة جزالة مبانية ومدلولا غريبا من فخامة معانيه بديعا في بلاغته ومنيعا في فصاحته (يهدي إلى الرشد) أي صوب الصواب أو إلى
[ ١ / ٥٨١ ]
طريق الثواب والعقاب هذا وذكر أبو علي الغساني في مناقب عمر بن عبد العزيز قال بينما عمر يمشي بأرض فلاة فإذا هو بجثة ميتة فكفنها بفضل ردائه ودفنها وإذا قائل يقول يا سرق أشهد بالله لقد سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول لك ستموت بأرض فلاة ويدفنك رجل صالح فقال من أنت يرحمك الله تعالى فقال رجل من الجن الذين سمعوا القرآن من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لم يبق منهم إلا أنا وسرق هذا سرق قدمات (ومنها جمعه لعلوم) أي كلية (ومعارف) أي جئية (لَمْ تَعْهَدِ الْعَرَبُ عَامَّةً وَلَا مُحَمَّدٌ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم قبل نبوّته خاصّة بمعرفتها) أي بعلم شيء منها (ولا القيّام بها) أي الدوام والثبات عليها (وَلَا يُحِيطُ بِهَا أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَمِ) أي من أحبار اليهود والنصارى وغيرهم (ولا يشتمل عليها كتاب من كتبهم) أي من السماوية وغيرها (فجمع) بصيغة المجهول أي فجمع الله (فيه من بيان علم الشّرائع) أي أصولها وفروعها من النقليات (والتّنبيه) أي في اثناء التعبيرات (على طرق الحجج) أي أنواع الدلالات (العقليّات) وفي نسخة العقلية (والرّدّ على فرق الأمم) أي من أرباب الضلالات (ببراهين قويّة) أي قاهرة (وأدلّة بيّنة) ظاهرة (سهلة الألفاظ) أي المباني (موجزة المقاصد) بصيغة المجهول مختصره المعاني (رام المتحذلقون) بالحاء المهملة والذال المعجمة من الحذق زيدت فيه اللام للمبالغة والتاء المطالبة أي قصد المبالغون في الحذاقة إذا أظهروا المهارة في مقام الفصاحة والبلاغة (بعد) أي بعد ورودها في عالم وجودها (أن ينصبوا أدلّة مثلها) أي مشابهتها في الجملة (فلم يقدروا عليها) أي على أن يقربوا إليها وأني لهم المقدرة على مقاومة المعجزة (كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) أي مع كبرهما وسعة قدرهما (بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) أي مع صغر جرمهم (بَلى [يس: ٨١]) جواب من الله إيماء إلى أن لا جواب سواه أي بلى قادر على خلقهم ابتداء وإيجادهم انتهاء وهو الخلاق العليم يعني إلا يعلم من خلق (وقُلْ) أي وكقوله ﷾ (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس: ٧٩]) أي لبقاء قدرته وقف إرادته وقابلية المادة على حالته وهو بكل خلق عليم أي بأعضائه وأجزائه (ولَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ) أي غيره (لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢]) أي لخرجتا عن نظامهما واختلتا عن مرامهما لوجود التمانع المانع من إتمامهما (إلى ما حواه) أي منضما إلى ما جمعه القرآن أو مع ما اشتمله الفرقان (من علوم السّير) بكسر ففتح جمع سيرة أي المفهومة من أخبار الأنبياء والأصفياء، (وأنباء الأمم) أي أحوالهم الأعم من الأحياء والاعداء (والمواعظ) أي بالترغيب في ولائه والترهيب عن بلائه (والحكم) بكسر ففتح أي الكلمات المرشدة إلى تكميل النفوس الإنسانية باقتباس العلوم الربانية كقوله تعالى حكاية عن لقمان يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (وإخباره الدّار الآخرة) أي من النعيم المقيم والجحيم الأليم (ومحاسن الآداب والشّيم) بكسر ففتح أي الأخلاق في جميع الأبواب (مما
[ ١ / ٥٨٢ ]
تقدم ذكره) أي بيانه بقوله تعالى خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية (قال الله جلّ اسمه) أي عظم اسمه ومسماه (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ أي القرآن الجامع للفصول والأبواب (مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨]) يحتاج إليه أرباب الألباب (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النَّحْلِ: ٨٩]) أي مما يحتاج إليه من أمر الدين (وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ [الروم: ٥٨]) أي بيّنا لهم فيه بعض الأمثال الحكمية ليقتبسوا المعاني الحقيقة من صور المباني الحسية (وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: إنّ الله أنزل ﵊) أي كما رواه الترمذي عن علي وتقدم بعضه وأورده هنا بتغيير بعض لفظه وبزيادة في صدره (أن الله أنزل هذا القرآن آمرا) أي بكل معروف واجبا كان أو ندبا (وزاجرا) أي ناهيا عن كل منكر حراما كان أو مكروها (وسنّة خالية) أي طريقة متبعة ماضية (ومثلا مضروبا) أي مبينا ومعينا في الألسنة الجارية (فيه نبؤكم) أي الخبر المتعلق بكم (وخبر ما كان قبلكم) أي من الأمم السالفة (ونبأ ما بعدكم) أي مما يكون إلى يوم القيامة (وحكم ما بينكم) بفتح الحاء والكاف أي والحكم الذي تحتاجون إليه فيما بينكم مما لكم وعليكم (لا يخلقه) بضم الياء وكسر اللام أي لا يبليه (طول الرّدّ) أي كثرة تكراره وترديد أخباره (ولا تنقضي عجائبه) أي لا تنتهي غرائبه، (هو الحقّ) أي الحكم العدل (ليس بالهزل) بل هو الجد في بيان الفصل (من قال به صدق) أي في قوله (ومن حكم به عدل) أي في حكمه (ومن خاصم به فلج) بفتح الفاء واللام والجيم أي غلب على مرغوبه وظفر بمطلوبه (ومن قسم به) بتخفيف السين ويجوز تشديده أي عين قسط كل واحد ونصيبه في حكم متعلق به (أقسط) أي عدل في أمره وأصاب في حكمه يقال أقسط فهو مقسط إذا عدل ومنه قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وقسط فهو قاسط إذا جار ومنه قوله تعالى أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا
فهمزة أقسط للسلب كما في شكا إليه فأشكاه أي أزال شكواه (ومن عمل به أجر) بصيغة المفعول أي أثيب على عمله من عند ربه وفضله (ومن تمسّك به) أي تشبث علما وتعلق عملا (هدي) بصيغة المجهول أي هداه الله فاهتدى (إلى صراط مستقيم) أي مذهب قويم ودين كريم (ومن طلب الهدى من غيره) أي من غير بابه (أضلّه الله) أي أعماه بحجابه (ومن حكم بغيره) أي عدولا عن حكمه وأمره (قصعه الله) أي كسره وأهلكه وفي الحديث استغنوا عن الناس ولو بقصعمة السواك وهي بالكسر ما انكسر منه بإبانة وفي رواية ولو بشوص السواك على ما رواه البزار والطبراني والبيهقي عن ابن عباس وفي النهاية شوص السواك غسالته وقيل ما يتفتت منه عند تسوكه، (هو الذّكر الحكيم) أي المشتمل على الحكم والاحكام والحاكم على وجه الإتقان والإحكام (والنّور المبين) أي الظاهر والمظهر لليقين (والصّراط المستقيم) أي ذو الاستقامة المنتهي إلى الفوز بالسعادة والكرامة معاشا ومعادا (وحبل الله المتين) من المتانة وهي القوة أي عهده المحكم الذي لا ينقطع وسبب وصول وعده الذي لا يمتنع وقال ابن الأثير حبل
[ ١ / ٥٨٣ ]
الله نور هداه وقيل عهده وأمانه الذي يؤمن من العذاب والحبل للعهد والميثاق انتهى (والشّفاء النّافع) أي لكل داء وبلاء؛ (عصمة لمن تمسّك به) أي معتصم وثيق لمن تشبث به وتعلق بذيله وفيه وفيما قبله اقتباس من قوله وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ (ونجاة لمن اتّبعه) بتشديد التاء أي تبعه علما وعملا، (لا يعوجّ) بتشديد الجيم (فيقوّم) بفتح الواو المشددة ونصب الميم أي لا يميل عن صوب الاستقامة فيحتاج إلى تقويم العدالة (ولا يزيغ) أي ولا يميل عن منهج الحق (فيستعتب) أي فيحتاج إلى العتب في عدوله عن نهج الصدق (ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق) بالوجهين (على كثرة الرّدّ) أي الترداد والتكثار في العد. (ونحوه) أي نحو هذا الحديث في المعنى مع اختلاف في المبنى (عن ابن مسعود) كما رواه الحاكم عنه مرفوعا (وقال) أي ابن مسعود (فيه) أي في مرويه (ولا يختلف) بالفاء أي ليس محلا للاختلاف بل وقع مبناه ومعناه على وجه الائتلاف والمعنى ما وجد فيه أحد تخالفا يسيرا ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وفي نسخة بالقاف فهو بمعنى لا يخلق على كثرة الرد كما سبق (ولا يتشانّ) بتشديد النون بعد الألف مأخوذ من الشن كما صرح به الهروي وابن الأثير في هذا الحديث وقال اليمني هو الصواب وهو الجلد اليابس البالي أي لا تذهب طلاوته ولا تبلى طراوته حين تكثر تلاوته وترداد قراءته لما أودع فيه من بدائع الكمال وروائع الجمال وفي نسخة صحيحة ولا يتشانأ بنون مخففة بعدها همزة من الشنئان ولكن ينبغي أن يضبط بصيغة المجهول وأما ما ذكره الحلبي من أنه بفتح أوله ثم مثناة فوقيه مفتوحة ثم شين معجمة ثم ألف ثم نون همزة ممدودة ونسبه إلى النسخة التي وقف عليها فلا يصح بوجه أي لا يتباغض ولا يكره ولا يمل، (فيه نبأ الأوّلين والآخرين) أي بما وقع لهم في الدنيا وبما سيقع لهم في العقبى. (وفي الحديث) أي القدسي من رواية ابن أبي شيبة مرسلا لكن بلفظ أنزلت على محمد توراة محدثة فيها نور الحكمة وينابيع العلم ليفتح بها أعينا عميا وقلوبا غلفا وآذانا صما وروى ابن الضرير في فضائل القرآن عن كعب أنه قال في التوراة (قال الله تعالى لمحمّد إني منزل عليك) بالتخفيف والتشديد أي ملق إليك (توراة) أي كتابا كالتوراة أو ما جمع مضمون ما في التوراة (حديثة) أي جديدة الإنزال أي قريبة العهد من الملك المتعال (تفتح بها أعينا عميا) أي عن سنن الحق (وآذانا صمّا) أي عن استماع الصدق (وقلوبا غلفا) أي ممنوعة عن طريق الوفق وممتنعة عن وصول الرفق (فيها ينابيع العلم) أي هي منابع العلوم الكثيرة والمعارف الغزيرة (وفهم الحكمة) أي وفيها معرفة الحكم الربانية والأحكام المحكمة الصمدانية (وربيع القلوب) أي وفيها من الأنوار والأسرار نظير ما يشتمل عليه فصل الربيع من أزهار أثمار الأشجار بواسطة الأمطار (وعن كعب) أي كعب الأحبار ويقال كعب الحبر (عليكم بالقرآن) أي خذوا بمبانيه والزموا بمعانيه (فإنّه فهم العقول) أي غاية فهوم عقول الفحول (ونور الحكمة) أي لعين البصر والبصيرة ونظر العبرة (وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ) أي اليهود والنصارى (أَكْثَرَ الَّذِي
[ ١ / ٥٨٤ ]
هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [النمل: ٧٦]) أي كلهم فيما بينهم أو كل صنف منهم من التشبيه والتنزيه وعزيز وعيسى وما فيه من أنواع التنبيه (وقال هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ أي لأحوالهم وأحكامهم وآمالهم في مآلهم (وَهُدىً [آل عمران: ١٣٨]) لما فيه كمالهم (الآية) أي وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ أي نصائح في أعمالهم بها جمالهم وخص المتقين لكونهم المنتفعين، (فجمع فيه) بصيغة المجهول أي فجمع الله في كلامه ما أراد من مرامه (مع وجازة ألفاظه) بفتح الواو أي مع اختصار مبانيه (وجوامع كلمه) أي باعتبار إكثار معانيه (أضعاف ما في الكتب) أي الكتب المنزلة على الأنبياء (قبله التي ألفاظها على الضّعف) بالكسر أي التزايد (منه) أي من القرآن (مرّات) لاشتمالها على الإطناب الموجب لتكثير كلمات واحتواء القرآن على إيجاز بحسب البلاغة والفصاحة موجب إعجاز. (ومنها جمعه فيه) أي جمع الله ﷾ في كلامه عز شأنه (بين الدّليل ومدلوله) أي برهانه وتبيانه (وذلك) أي وسبب ذلك الجمع في معرض البيان (أنّه احتجّ بنظم القرآن) أي بإدخال جواهر معانيه في سلك مبانيه (وحسن وصفه) أي وبحسن وصفه حيث صبغ حلي كلماته في قوالب مقاماته وفي نسخة رصفه بالراء بدل الواو أي تركيبه وصفه من تهذيبه (وإيجازه) أي بإتيان معان كثيرة في مبان يسيرة وفي أصل الدلجي وإعجازه أي كل منطيق فصيح (وبلاغته) أي بإتيان معان كثيرة في مبان يسيرة وفي أصل الدلجي وإعجازه أي كل منطيق فصيح (وبلاغته) أي الرائعة المنضمة إلى فصاحته البارعة (وأثناء هذه البلاغة) أي في خلالها (أمره ونهيه ووعده ووعيده فالتّالي له) أي ممن يدرك معانيه (يفهم موضع الحجّة والتّكليف) باعتبار مبانيه (معا) أي مجتمعين في بيان علومه (من كلام واحد) أي باعتبار منطوقه ومفهومه (وسورة منفردة) أي باعتبار عبارتها وإشارتها فيفهم مثلا من قوله تعالى فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ تحريم غير الألف بالأولى وأن الكف عنه أقوى ومن قوله فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر أنه حجة لوجوب صلاة العيد والأضحية وأنه مكلف بهما في القضية. (ومنها أن جعله) أي الله سبحانه (في حيز المنظوم) بفتح الحاء وتشديد التحتية المكسورة أي في مقامه (الذي لم يعهد) أي لم يعرف مثله ولم يسبق قوله يجعله ذا قرائن لها فواصل معلومة القوافي كقوافي الأبيات المنظومة (ولم يكن في حيّز المنثور) أي المتفرق الخارج عن هيئة المنظوم (لأنّ المنظوم أسهل) أي من المنثور (على النّفوس) أي في درك مبانيه (وأوعى للقلوب) أي وأحفظ لها في أخذ معانيه (وأسمح) بالحاء المهملة أفعل تفضيل من السماح وهو بمعنى الجود والكرم والمسامحة هي المساهلة وتسامحوا تساهلوا ومنه حديث السماح رباح أي أسهل قبولا وأقرب وصولا (إلى الآذان) بعد الهمزة جمع الأذن والمراد بها الاسماع وأغرب الدلجي في قوله اسمح بحاء مهملة من الاسماح لغة في السماح انتهى ووجه غرابته لا يخفى وقال الحلبي بالحاء المهملة من سمح العود إذا لان انتهى وهو تكلف مستغنى عنه مع أن صاحب القاموس استاذه ذكر أسمحت الدابة لانت بعد استصعاب وعود سمح لا عقدة فيه انتهى وكلاهما لا يلائم المقام كما لا يخفى على طباع الكرام هذا وقدم الحلبي على هذا قوله اسمخ هو من سماخ الأذن أي
[ ١ / ٥٨٥ ]
أسرع استقرارا في سماخ الأذن انتهى ويؤيده أنه في نسخة اسمع بالعين المهملة (وأحلى على الأفهام) لاشتمال ما فيه من التلاوة على أنواع من الحلاوة مع زيادة الطراوة والطلاوة (فالنّاس إليه أميل والأهواء إليه أسرع) أي وأقبل والحاصل أن منهجه ليس على طريق الشعراء في نظمهم وقوافيهم ولا على طريق الخطباء في التزام سجعهم في أواخر مبانيهم بلا كلام بديع منيع يباين كلام غيره ﷾ معظمة شأنه وسلطنة برهانه. (ومنها تيسيره) أي تسهيله (تعالى حفظه لمتعلّميه) أي طالبي تعلمه نظرا (وتقريبه) أي تهوينه (على متحفّظيه) أي طالبي حفظه غيبا (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ [القمر: ٢٢]) تمام الآية فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ كما في نسخة أي من متعظ وأصله مذتكر (وسائر الأمم) أي وبواقيها (لا يحفظ كتبها الواحد) أي كل ما يطلق عليه اسم الواحد (منهم) فاللام للعهد الذهني الذي هو في المعنى نكرة وهي في سياق النفي تفيد العموم وحينئذ يناسب قوله (فكيف الجمّاء) وفي نسخة الجم أي فيستبعد أن يحفظه الجم الغفير والجمع الكثير (على مرور السّنين عليهم) وفي نسخة الأعوام جمع عام بمعنى سنة (والقرآن) أي بحمد الله والمنة (ميسّر) وفي نسخة متيسر (حفظه للغلمان) بكسر الغين جمع غلام أي الأولاد الصغار (في أقرب مدّة) أي كسنة أو أقل أو أكثر بحث مراتب جودة الذهن والفطنة والفطرة. (ومنها مشاكلة بعض أجزائه بعضا) أي مشابهته في تناسب مبانيه وتجاذب معانيه (وحسن ائتلاف أنواعها) أي أمرا ونهيا ووعدا ووعيدا وقصة وموعظة (والتئام أقسامها) أي توافقها في سلامة التركيب وسلاسة الترتيب (وحسن التّخلّص) أي الانتقال (مِنْ قِصَّةٍ إِلَى أُخْرَى وَالْخُرُوجِ مِنْ بَابٍ إلى غيره على اختلاف معانيه) أي المأخوذة من تفاوت مبانيه (وَانْقِسَامُ السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ إِلَى أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَخَبَرٍ واستخبار ووعد ووعيد وإثبات نبوّة) أقول وقد اجتمعت هذه الوجوه في آية وهي قوله تعالى قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ مع زيادة الاعتذار بقوله وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ مع التنبيه لهم في صدر الآية بالنداء وتنزيل النمل منزلة العقلاء وغير ذلك من الإشارات والإيماء (وتوحيد) أي في الذات (وتفريد) أي في الصفات (وترغيب) أي إلى الطاعة بالمثوبة (وترهيب) أي من المعصية بالعقوبة (إلى غير ذلك من فوائده) أي منضمة إلى ما عدا ذلك من منافعه وعوائده مما يلتقط من مساقط موائده كضرب مثال وبيان حال وإشعار إيثار يوجب للسالك وصوله (دون خلل يتخلّل فصوله) أي أنواع أبواب مما يقتضي حصوله وأبعد الدلجي في جعل الفصل بمعنى الفاصلة؛ (والكلام الفصيح) كان الأظهر أن يقول إذ الكلام أو لأن الكلام الصحيح ولو كان على المنهج الصحيح والغرض الصريح (إذا اعتوره) أي تداوله وفي أصل الدلجي إذا اعتراه أي غشيه والم به (مثل هذا) أي الذي يتخلل الفصول وهو في الحقيقة بمعنى الفضول (ضعفت قوّته) أي نزلت مرتبته في فن البلاغة (ولانت جزالته) أي وهانت منزلته عن درجة عظمة الفصاحة (وقلّ رونقه) أي حسنه وبهجته في تأديته الحلاوة (وتقلقلت ألفاظه) أي
[ ١ / ٥٨٦ ]
اضطربت مبانيها واختلفت معانيها وفي نسخة تقلقت بلام واحدة مشددة أي صارت قلقة في المبنى وغلقة في المعنى (فتأمّل) أي في بيان المراد (أوّل ص) أي سورتها حيث صدرها بقوله ص أي يا صادق وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ أي صاحب العز والشرف للموافق (وما جمع فيها من أخبار الكفّار وشفاقهم) وخلافهم مع سيد الأبرار بقوله تعالى حكاية عنهم بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ أي استكبار عن الحق واستدبار عن الصدق (وتقريعهم) أي ومن توبيخهم وتخويفهم (بإهلاك القرون من قبلهم) بقوله تعالى كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (وَمَا ذُكِرَ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ بِمُحَمَّدٍ) صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم (وتعجّبهم ممّا أتى به) أي حيث قال تعالى وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (والخبر عن اجتماع ملئهم) وفي نسخة عن إجماع ملئهم (على الكفر) وذلك لما روي أن عمر رضي الله تعالى عنه لما اسلم شق ذلك على قريش فقال أشرافهم لأبي طالب أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء فاقض بيننا وبين ابن أخيك فقال هل هؤلاء قومك يسألونك القصد فلا تمل عليهم كل الميل فقال ما تسألونني قالوا ارفضنا وآلهتنا ونرفضك وإلهك فقال أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم أمعط أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم قالوا نعم وعشرا قال قولوا لا إله إلا الله فقالوا أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ أي في غاية من العجب (وما ظهر من الحسد في كلامهم) أي من قوله تعالى حكاية عن مرامهم أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا (وتعجيزهم) أي بقوله تعالى فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (وتوهينهم) أي وتحقيرهم بقوله ﷾ جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (ووعيدهم بخزي الدّنيا) وفي نسخة بخزي في الدنيا أي بهزيمتهم فيها (والآخرة) أي بذوق أليم عذابها (وتكذيب الأمم قبلهم) أي أنبياءهم ورسلهم (وإهلاك الله لهم) أي للمكذبين منهم بقوله كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (ووعيد هؤلاء) يعني قريشا واضرابهم (مثل مصابهم) بقوله تعالى وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (وتصبير النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي حمله على الصبر (على أذاهم) أي الذي من جملته ما بلغوا في تكذيبهم له وقالوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ فسلاه بقوله تعالى اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ أي لا تبال بقولهم ولا تكترث بفعلهم وكن معنا مشاهدا لنا في آياتنا وقدرتنا على كائناتنا (وتسليته) أي الشاملة (بكلّ ما تقدّم ذكره) أي بيانه عنهم (ثمّ أخذ) أي شرع بعد تسليته (في ذكر داود) أي بقوله تعالى وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ أي كثير الرجوع إلى أبواب رب الأرباب فأنت كذلك لازم الباب ولا تلتفت إلى ما صدر من أرباب الحجاب وأما ما ذكره الدلجي هنا فمما لا يصلح أن يفسر به فصل الخطاب ولذا أعرضت عن ذكره في الكتاب والله تعالى أعلم بالصواب (وقصص الأنبياء) أي حكاياتهم كسليمان وأيوب وإبراهيم
[ ١ / ٥٨٧ ]
وإسحاق ويعقوب وغيرهم ﵈ مع ما اشتمل عليه من عظيم الثناء وكريم العطاء، (كلّ هذا) أي الذي ذكره أول ص (في أوجز كلام وأحسن نظام) أي وأتم مرام (ومنه) أي من اعجاز القرآن أو من هذا القبيل الذي ذكر أول ص من إيجاز الفرقان (الجملة) الأولى الجمل (الكثيرة) أي من جهة المعاني (التي انطوت) أي اشتملت (عليها الكلمات القليلة) أي من حيثية المباني (وهذا) أي ما ذكر (كلّه) أي جميعه (وَكَثِيرٌ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ ذُكِرَ فِي إِعْجَازِ القرآن إلى وجوه) أي مع إلى وجوه أو منضما وجوه (كثيرة ذكرها الأئمّة لم نذكرها) أي نحن في وجوه اعجازه (إذ أكثرها داخل في باب بلاغته) أي المتضمنة لمراتب فصاحته (فلا نحبّ أن يعدّ) بصيغة المجهول أي فلا يليق أن يجعل على حدته وفي نسخة صحيحة فلا نحب أي لا نود أن نعد بنون المتكلم فيهما (فنّا منفردا) وفي نسخة منفردا أي من أنواع بلاغته (فِي إِعْجَازِهِ إِلَّا فِي بَابِ تَفْصِيلِ فُنُونِ البلاغة) وفي نسخة صحيحة بالضاد المعجمة (وكذلك) أي مثل ما هو داخل في بابها (كَثِيرٌ مِمَّا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عَنْهُمْ يُعَدُّ فِي خواصّه) أي التي لا توجد في غيره (وفضائله) أي الزائدة عن نحوه (لا إعجازه) بالجر وفي نسخة صحيحة لا في إعجازه؛ (وحقيقة الإعجاز) أي ما به العجز (الوجوه الأربعة التي ذكرناها) أي في فصولها (فليعتمد عليها وما بعدها) وأما ما عداها مما ذكرنا فإنما هو (مِنْ خَوَاصِّ الْقُرْآنِ وَعَجَائِبِهِ الَّتِي لَا تَنْقَضِي) أي لا تنتهي غرائبه وهذا غاية التحقيق (والله وليّ التّوفيق) .
فصل [في انشقاق القمر وحبس الشمس]
(في انشقاق القمر وحبس الشمس) قال اليمني لا يسمى قمرا إلا بعد مضي ثلاث ليال من الشهر والكرة الأرضية أكبر منه بمقدار مائة وعشرين مرة ومن جملة خواصه أنه يبلى الكتان إذا ترك في سمره ويعفن اللحم إذا ترك تحت وأما الشمس فيقال إنها تنور العالمين العلوي والسفلي وأن الله جعل فيها خواص إصلاح العالم من الحيوان والنبات والمعدن (قال الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) أي قربت غاية القرب (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) روي أن الكفرة سألوه آية فانشق ويؤيده قراءة حذيفة وقد انشق القمر ويقويه قوله (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً أي معجزة (يُعْرِضُوا أي عن الإيمان بها (وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر: ١- ٢]) أي دائم لترادف الآيات وتتابع المعجزات (أخبر تعالى بوقوع انشقاقه بلفظ الماضي) أي فيجب تحققه حقيقة ولا يجوز صرفه إلى المجاز بلا ضرورة وحمله على أنه سينشق يوم القيامة وأنه عبر بالماضي لتحقق وقوعه في المستقبل (وإعراض الكفرة عن آياته) أي وأخبر تعالى بإعراضهم عن آياته وهذا مما يدل على وقوعه فإنه لا يتصور الإعراض الحقيقي قبل تحققه (وأجمع) وفي نسخة صحيحة بالفاء أي فلهذا أجمع (المفسّرون) أي من السلف (وأهل السّنّة) أي أرباب الحديث أو أهل السنة والجماعة الجامعون بين الكتاب والسنة من السلف والخلف (على وقوعه) قال الأنطاكي في قول القاضي اجمع المفسرون نظر فقد نقل السجاوندي والنسفي في تفسيرهما
[ ١ / ٥٨٨ ]
عن الحسن البصري أن معناه سينشق عند الساعة وكذا أبو الليث قال في تفسيره وأكثر المفسرين قالوا إن هذا قد مضى انتهى ويمكن دفعه بأنه اراد بالمفسرين المشهورين منهم أو أنه لم يطلع على خلافهم وعلى تقدير الخلاف لا يلزم عدم وقوع انشقاق القمر في عهده صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أجمعوا على تحققه بالأحاديث الستة وإنما الخلاف في معنى الآية هل يراد به الانشقاق الماضي أو الانشقاق الآتي والله ﷾ أعلم (أخبرنا الحسين بن محمّد الحافظ) أي أبو علي الغساني (من كتابه) لأن المصنف ليس له إلا الإجازة في بابه (ثنا) أي حدثنا (القاضي سراج بن عبد الله ثنا الأصيليّ ثنا المروزيّ) تقدم ذكرهما (ثنا الفربريّ) بكسر الفاء وفتح الراء وقيل غيره وقد سبق ذكره (ثنا البخاري) أي صاحب الجامع الصحيح (ثنا مسدّد) بفتح الدال المهملة المشددة وهو كاسمه مسدد بصري أسدي (ثنا يحيى) أي ابن سعيد روى عنه أحمد وغيره وأخرج له الأئمة الستة (عن شعبة) أي ابن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث (وسفيان) أي ابن عيينة أحد الأعلام وهو الأعور الكوفي (عن الأعمش عن إبراهيم) أي النخعي (عن أبي معمّر) بفتح الميمين أزدي كوفي مخضرم (عن ابن مسعود) أي موقوفا كما ساقه القاضي عن البخاري وقد أخرجه البخاري في تفسيره وقد أخرجه أيضا عنه مسلم والترمذي والنسائي وقال الترمذي حسن صحيح (قَالَ انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي زمانه (فرقتين) أي فلقتين كما رواية الترمذي عن ابن عمر بمعنى قطعتين وفي الصحيحين بلفظ شقين بكسر السين المعجمة أي نصفين وفي لفظ في حديث جبير فانشق القمر باثنتين وفي رواية أبي نعيم في الدلائل فصار قمرين (فرقة) بالنصب على البدلية ويجوز رفعها على الابتدائية أي منهما فرقة (فوق الجبل) أي جبل حراء أو أبي قبيس (وفرقة دونه) أي أسفل منه أو قريب منه هذا وقد قال الحجازي يجوز النصب والضم أفصح منه ومنه قوله تعالى قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قلت وقد يقال الضم أصح إذا فصل النعت وإلا فالبدل في مثل هذا التركيب أفصح كما حقق في قوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي لما رآه منشقا (اشهدوا) الظاهر أنه خطاب للكفار فإنهم أهل الإنكار والعنى أشهدوا على نبوتي أو الخطاب للمؤمنين فالمعنى أشهدوا على معجزتي وأخبروا من بعدي من أمتي، (وفي رواية مجاهد) أي في الصحيحين عن ابن مسعود زيادة قوله (ونحن مع النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْأَعْمَشِ وَنَحْنُ بمنى) وفي نسخة زيادة قوله بمنى وهذا لا يعارض قول أنس وذلك كان بمكة لأنه لم يصرح بأنه ﵊ كان ليلته بمكة فمراده أن الانشقاق كان وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة وفيه إيماء إلى أنه لم يشاهد القضية بالرؤية بل وصلت إليه بالرواية لأنه إذ ذاك كان ابن أربع أو خمس بالمدينة (ورواه) أي الحديث المذكور (أيضا عن ابن مسعود الأسود) أي كما ذكره أحمد في المسند وأسود هذا تابعي جليل روى عن عمر رضي الله
[ ١ / ٥٨٩ ]
تعالى عنه وعلي ومعاذ وغيرهم له ثمانون حجة وعمرة وكان يصوم حتى احتضر ويختم القرآن في ليلتين (وقال) أي ابن مسعود (حتّى رأيت الجبل بين فرجتي القمر) بضم الفاء وتفتح أي فلقتيه (ورواه) أي الحديث المسطور (عنه) أي ابن مسعود (مسروق أنّه) أي انشقاقه (كان بمكّة) كما رواه البيهقي في دلائله (وزاد) أي مسروق في رواية عنه (فَقَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ سَحَرَكُمُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ) بفتح كاف فسكون موحدة فشين معجمة يعنون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأبو كبشة اسم رجل تأله قديما وفارق دين الجاهلية وعبد الشعرى فشبه المشركون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم به وقيل بل كانت للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم أخت من الرضاعة تسمى كبشة وكان أبوه من الرضاعة يكنى بها وقيل بل كان في أجداده لأمه من يكنى بذلك قيل وذكر بعضهم أن جماعة من جهة أبيه وأمه يكنون بأبي كبشة (فقال رجل منهم) وروى من القوم قيل إنه أبو جهل (إنّ محمّدا إن كان سحر القمر) أي لعيونكم وقت السحر (فَإِنَّهُ لَا يَبْلُغُ مِنْ سِحْرِهِ أَنْ يَسْحَرَ الأرض) أي أهلها (كلّها) أي جميعها (فَاسْأَلُوا مَنْ يَأْتِيكُمْ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ هَلْ رأوا هذا) أي الانشقاق (فأتوا) أي جاء بعضهم من بلد آخر (فسألوهم) أي أهل مكة قريش (فأخبروهم أنّهم رأوا مثل ذلك) أي كما ذكر من انشقاق القمر فرقتين (وحكى السّمرقنديّ عن الضّحّاك نحوه) أي بمعناه مع اختلاف في مبناه (وقال) أي السمرقندي فيما رواه (فقال) وفي نسخة قال (أبو جهل هذا سحر) أي نوع من الاختلاق (فابعثوا إلى أهل الآفاق) أي بنسبتهم إلى اختلاف المطالع في حيز الخلاف والشقاق (حتّى تنظروا أرأوا ذلك أم لا) أي أو ما رأوا ذلك كذلك هنالك (فأخبر أهل الآفاق أنّهم رأوه منشقا) أي بوصف الانشقاق (فقالوا) يعني الكفار (هذا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) أي دائم بنعت الاستمرار أو ذاهب وماض وزائل ومار، (ورواه) أي الحديث السابق (عن ابن مسعود علقمة) أي ابن قيس الليثي النخعي ولد في حياته ﵊ وروى عن أصحابه الكرام كأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم (فهؤلاء الأربعة) أي مجاهد أو أبو معمر والأسود ومسروق وعلقمة (عن عبد الله) أي رووه كلهم عن ابن مسعود على وفق ما رواه عنه معمر فتدبر (وقد رواه غير ابن مسعود) أي من الصحابة (كما رواه ابن مسعود) أي فليس هو شاذا في هذه الرواية (منهم) أي ممن رواه (أنس وابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما) كما رواه الشيخان عنهما وهما وإن لم يدركا بأعينهما فقد سمعا ممن حضر وروى ومرسل الصحابة بالإجماع حجة (وابن عمر) أي فيما رواه مسلم والترمذي (وحذيفة) أي ابن اليمان كما عند ابن جرير وابن أبي حاتم وأبي نعيم في الدلائل (وعليّ) أي ابن أبي طالب قال الدلجي لا يعرف مخرجه (وجبير بن مطعم) أي على ما رواه أحمد والبيهقي عنه (فَقَالَ عَلِيٌّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حُذَيْفَةَ الْأَرْحَبِيِّ) بفتح الهمزة فسكون الراء ففتح الحاء المهملة فموحدة مكسورة فياء نسبة إلى قبيلة من همدان وقيل إلى مكان أخرج له مسلم والترمذي والنسائي وفي نسخة الأرجي بجيم بعد راء ساكنة وفي أخرى بزاء بدل الراء قال الحلبي وكلاهما
[ ١ / ٥٩٠ ]
تصحيف والصواب ما تقدم والله تعالى أعلم (انشقّ القمر) هذا مقول علي كرم الله وجهه وفي نسخة وانشق القمر بالواو العاطفة إما على كلام سبق له أو أراد الحكاية (ونحن مع النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي وقد شاهدناه. (وَعَنْ أَنَسٍ سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم أن يريهم آية) أي معجزة باهرة وعلامة ظاهرة على صدق ما إدعاه من النبوة والرسالة (فأراهم انشقاق القمر مرّتين) أي فرقتين كما في نسخة صحيحة (حتّى رأوا حراء بينهما) وهو جبل على ثلاثة أميال من مكة على يسار المار منها إلى منى وهو بكسر الحاء المهملة ممدود ويقصر ويصرف ولا يصرف ويؤنث ويذكر وقد خطأ الخطابي فتح الحاء وقصر الراء وقال النووي والصحيح أنه مذكر مصروف. (رواه) أي الحديث (عن أنس قتادة) أي بهذا اللفظ (وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ وَغَيْرِهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْهُ) أي عن أنس (أراهم القمر مرّتين) أي شقين أو فلقتين ويؤيده أنه في نسخة فرقتين وقيل بمعنى كرتين وقوله (انشقاقه) بالنصب بدل اشتمال من القمر وفي صحيح مسلم فأراهم انشقاق القمر مرتين قال الحلبي هذه المسألة فتشت عنها كثيرا حتى وجدتها في كلام أبي عبد الله ابن إمام الجوزية ذكرها في كتابه إغاثة اللهفان فذكر كلاما وفيه أن المرات يراد بها الأفعال تارة والأعيان تارة وأكثر ما تستعمل في الأفعال وأما الأعيان فكقوله في الحديث انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم مرتين أي شقين وفلقتين ولما خفي هذا على من لم يحط به علما زعم أن الانشقاق وقع مرة بعد مرة في زمانين وهذا مما يعلم أهل الحديث ومن له خبرة بأحوال الرسول وسيرته أنه غلط وأنه لم يقع الانشقاق إلا مرة واحدة انتهى وقال شيخي العراقي في سيرته التي نظمها أنه انشق مرتين بالإجماع وإن ذلك متواتر وقد راجعته بكتاب وذكرت له فيه كلام ابن القيم فلم يرد جوابه على أقول ولعله أعرض عن الجواب اكتفاء بما بين في الكتاب أن إرادة الفلقتين بالمرتين هو الصواب وقال العسقلاني وأظن قوله بالإجماع يتعلق بقوله انشق لا بمرتين فإني لا أعلم من جزم من علماء الحديث يتعدد الانشقاق ولعل قائل مرتين أراد فلقتين وهذا الذي لا يتجه غيره جمعا بين الروايات هذا (وَرَوَاهُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ وابن ابنه جبير بن محمّد) أي النوفلي (وَرَوَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عبد الله بن عتبة) أي ابن مسعود ولد أخي عبد الله بن مسعود وهو الفقيه الأعمى أحد الفقهاء السبعة معلم عمر بن عبد العزيز وكان من بحور العلم، (وَرَوَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مُجَاهِدٌ وَرَوَاهُ عَنْ حذيفة أبو عبد الرّحمن السّلميّ) بضم ففتح هو الإمام مقرئ الكوفة يروي عن عمر وعثمان وعنه عاصم بن أبي النجود وأبو إسحاق (ومسلم بن أبي عمران الأزديّ) والمقصود نفي توهم أن يكون أحد من الرواة وقع منفردا أو شاذا في الرواية بل ثبت تعدد الصحابة والتابعين في إسناد هذه الحكاية (وأكثر طرق هذه الأحاديث) أي مما بيننا وبين السلف (صحيحة والآية مصرّحة) بكسر الراء أي ودلالة الآية في هذه القضية صريحة فتكاد أن تصير متواترة معنوية وإن لم تكن لفظية (ولا يلتفت) بصيغة المجهول أي ولا ينظر عن
[ ١ / ٥٩١ ]
صوب إقبال قبول (إلى اعتراض مخذول) أي متروك النصرة من المبتدعة كطبقة المعتزلة وجمهور الفلاسفة وعامة الملاحدة الواقع في قول مائل إلى المجاز وعادل عن الحقيقة في مدلول الآية متشبثا بأصلهم الفاسد بأن الأجرام العلوية لا يتأتى فيها الانخراق والالتيام ومتمسكا (بأنّه) أي الشأن (لو كان هذا) أي الانشقاق واقعا أو لو وقع هذا الأمر (لم يخف على أهل الأرض) أي كلهم (إذ هو شيء ظاهر لجميعهم) وهذا المقدار بيان الاعتراض واما بيان خذلانه فهو قوله (إِذْ لَمْ يُنْقَلْ لَنَا عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ أنّهم رصدوه تلك اللّيلة) أي انتظروا انشقاق القمر حتى نظروا شقاقه أو رأوا خلافه في تلك الليلة وهذا معنى قوله (فلم يروه انشقّ) أي مع أن القاعدة الاصولية مضبوطة بأن رواية المثبت مقدمة على رواية النافي بلا شبهة كما في رواية الهلال مشاهدة هذا ومن المعلوم أنهم لم يترصدوه لكونهم غافلين عن القضية ذاهلين عن المقدمة المطوية وإنما أراد المصنف فرض الوقوع في البلية فبطل قول الدلجي بعد قوله فلم يروه انشق وفيه نظر لتوقف رصده على معرفة أنه سينشق في ليلة فيرصدونه ثم قال المصنف على طريق ارخاء العنان مع الخصم في ميدان البيان (وَلَوْ نُقِلَ إِلَيْنَا عَمَّنْ لَا يَجُوزُ تَمَالُؤُهُمْ) أي توافقهم وتواطؤهم (لكثرتهم) أي المتعاضدة (على الكذب كما كانت علينا به) أي بسبب نفيهم على فرض ترصدهم (حجّة) أي دلالة قاطعة ملزمة (إِذْ لَيْسَ الْقَمَرُ فِي حَدٍّ وَاحِدٍ لِجَمِيعِ أهل الأرض) أي لاختلاف مطالعه وتباين مقاطعه كما بينه بقوله (فَقَدْ يَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ على الآخرين) وفي نسخة على آخرين (وقد يكون) أي القمر في مرأى (مِنْ قَوْمٍ بِضِدِّ مَا هُوَ مِنْ مُقَابِلِهِمْ) أي بضد مرأى من قوم مخالفيهم (من أقطار الأرض) أي جوانبها (أو يحول بين قوم وبينه) أي بين القمر (سحاب أو جبال) وكذا حجاب (ولهذا) أي ولكونه ليس في حد واحد من العباد (نجد الكسوفات) أي محو أحد النيرين (في بعض البلاد دون بعض) أي من البلاد حتى لا يوجد فيه كسوف أصلا وقد نقل الحافظ المزي عن ابن تيمية أن بعض المسافرين ذكر أنه وجد في بلاد الهند بناء قديما مكتوبا عليه بني ليلة انشق القمر (وفي بعضها) أي ونجد الكسوفات في بعض البلاد أو في بعض الأوقات بالنسبة إلى بعض العباد (جزئيّة) أي وقوعها باعتبار بعض اجزائه (وفي بعضها كلّيّة) أي وقوعها يستوفي أطرافه كلها (وفي بعضها لا يعرفها) أي الكسوفات (إلّا المدّعون لعلمها) أي الماهرون والحاذقون بمعرفتها؛ (ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ) أي الغالب بقدرته (الْعَلِيمِ [يس: ٣٨]) أي المحيط علمه بإرادته وحكمته ووقع في أصل المصنف الحكيم بدل العليم ولا يرد عليه أنه مخالف للفظ التنزيل لأنه ما قصد به الآية إذ ليس عليه شيء من الدلالة هذا (وآية القمر كانت ليلا) أي مبهما وقته ومجهولا ساعته قال الخطابي الحكمة في وقوعها ليلا أن من طلبها من الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم بعض من قريش خاص فوقع لهم ذلك ليلا ولو أراد الله تعالى أن يكون هذه المعجزة نهارا لكانت داخلة تحت الحس قائمة للعيان بحيث يشترك فيها الخاصة والعامة لفعل ذلك ولكن الله
[ ١ / ٥٩٢ ]
تعالى بلطفه أجرى سنته بالهلاك في كل أمة أتاها نبيها بآية عامة يدركها الحس فلم يؤمنوا وخص هذه الأمة بالرحمة فجعل آية نبيها عقلية وذلك لما أوتوه من فضل الفهم بالنسبة إلى سائر الأمم والله ﷾ أعلم (والعادة من النّاس باللّيل) أي بحسب الأغلب (الهدوّ) بضم الهاء والدال فواو مشددة أو ساكنة بعدها همزة على أصل الكلمة ومعناه قوله (والسّكون) أي عن الحركة والمشي والتردد في الطرق مع قطع النظر عن ملاحظة ما في السماء وترصدهم إلى مراكز القمر ناظرين إليه غير غافلين عنه ولعل ذلك إنما كان في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر (وإيجاف الأبواب) بهمزة مكسورة وتحتية ساكنة فجيم أي إغلاقها بسرعة (وقطع التّصرّف) أي بالتردد في داخل البيوت من إغلاقها واعماقها (ولا يكاد يعرف من أمور السّماء) أي لا سيما في فصل الشتاء (شيئا) أي من أمر السماء لحجاب البناء وعدم توجه نظرهم إى صوب الهواء (إلّا من رصد ذلك) أي انتظره قصدا لما هنالك ومنه قوله تعالى إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ بالطريق المنتظر (واهتبل به) بفوقية فموحدة أي تحيل واعتنى بنظره (ولذلك) أي ولكون آيته كانت ليلا وفي نسخة وكذلك (ما يكون الكسوف القمريّ) أي بخلاف الشمسي النهاري (كثيرا) خبر كان أي لم يكن وقوعه كثيرا (في البلاد) وجعل الدلجي كثيرا حالا من اسم كان وخبرها في البلاد (وأكثرهم لا يعلم به) أي والحال أن أكثر الناس أو أكثر أهل البلاد لا يعلم بكسوف القمر (حتّى يخبر) أي بوقوعه في السمر والمعنى لا يقع فيها كثيرا مع عدم تعلق العلم به إلا يسيرا (وكثيرا ما) أي وأحيانا كثيرة (يحدّث الثّقات) أي من العلماء بالهيئة الفلكية (بعجائب يشاهدونها من أنوار) أي ظاهرة (ونجوم طوالع عظام) أي باهرة (تظهر في الأحيان باللّيل) أي في بعض الاوقات أو الساعات منه (ولا علم ولأحد بها) أي من غيرهم وفي نسخة ولا علم عند أحد منها ثم هذا مما يتعلق بانشقاق القمر على ما نزل به الآية وورد فيه صحيح الخبر وصريح الأثر وأما رد الشمس له صلى الله تعالى عليه وسلم فاختلف المحدثون في تصحيحه وضعفه ووضعه والأكثرون على ضعفه فهو في الجملة ثابت بأصله وقد يتقوى بتعاضد الأسانيد إلى أن يصل إلى مرتبة حسنة فيصح الاحتجاج به. (وخرّج) بتشديد الراء أي أخرج (الطّحاويّ في مشكل الحديث) وهو الإمام الحافظ العلامة صاحب التصانيف المهمة روى عنه الطبراني وغيره من الأئمة وهو مصري من أكابر علماء الحنفية لم يخلف مثله بين الأئمة الحنفية وكان أولا شافعيا يقرأ على خاله المزني ثم صار حنيفا توفي سنة إحدى وعشرين وثلثمائة وطحا من قرى مصر قال بعضهم كان أولا شافعيا ثم تقلد مذهب مالك كذا نقله التلمساني ولعله انتقل من مذهب مالك إلى مذهب أبي حنيفة كما يشهد به كتبه في الرواية والدراية (عن أسماء) وأصله وسماء من الوسامة فأبدلت واوه همزة وقيل جمع اسم والأول أولى وهو منقول عن سيبويه ولعل وجهه ان اطلاق الجمع على المفرد بعيد جدا مع أن اسم الجمع لا يجعل علما أبدا (بنت عميس) بضم مهملة وفتح ميم فتحتية ساكنة فسين مهملة وتقدمت ترجمتها
[ ١ / ٥٩٣ ]
(من طريقين) أي بإسنادين وكذا الطبراني رواه بأسانيد رجال بعضها ثقات (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كان يوحى إليه) أي مرة (ورأسه في حجر عليّ) أي ابن أبي طالب كرم الله وجهه (فلم يصلّ) أي علي (الْعَصْرَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بعد ما أفاق من الاستغراق (أصلّيت يا عليّ قال لا فقال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ فِي طَاعَتِكَ وَطَاعَةِ رَسُولِكَ) أي لما بينهما من الملازمة (فاردد عليه) أي لأجله (الشّمس) أي شرقها كما في نسخة بالتحريك ويسكن وهو منصوب على الظرفية أي في ارتفاعها أو على البدلية أي ضوءها (قالت أسماء فرأيتها غربت ثمّ رأيتها طلعت) أي رجعت على أدراجها من مغربها (بَعْدَ مَا غَرَبَتْ وَوَقَفَتْ عَلَى الْجِبَالِ وَالْأَرْضِ) ويروي وقعت بالعين بدل الفاء (وذلك بالصّهباء) بالمد ويقصر وهو موضع على مرحلة من خيبر وكذا رواه ابن مردويه بسند فيه ضعف عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال نام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في حجر علي ولم يكن صلى العصر حتى غربت الشمس فذكر نحوه (قال) أي الطحاوي (وهذان الحديثان ثابتان) أي عنده وكفى به حجة (ورواتهما ثقات) أي فلا عبرة بمن طعن في رجالهما وإنما جعله حديثين لروايته له من طريقين هذا وقال ابن الجوزي في الموضوعات حديث رد الشمس في قصة علي ﵁ موضوع بلا شك وتبعه ابن القيم وشيخه ابن تيمية وذكروا تضعيف رجال أسانيد الطحاوي ونسبوا بعضهم إلى الوضع إلا أن ابن الجوزي قال أنا لا أتهم به إلا ابن عقدة لأنه كان رافضيا بسبب الصحابة انتهى ولا يخفى أن مجرد كون راو من الرواة رافضيا أو خارجيا لا يوجب الجزم بوضع حديثه إذا كان ثقة من جهة دينه وكان الطحاوي لاحظ هذا المبنى وبنى عليه هذا المعنى ثم من المعلوم أن من حفظ حجة على من لم يحفظ والأصل هو العدالة حتى يثبت الجرح المبطل للرواية وأما ما قاله الدلجي تبعا لابن الجوزي من أنه لو قيل بصحته لم يفد ردها وإن كان منقبة لعلي وقوع صلاته أداء لفواتها بالغروب فمدفوع لقيام القرينة على الخصوصية مع احتمال التأويل في القضية بأن يقال المراد بقولها غربت أي عن نظرها أو كادت تغرب بجميع جرمها أو غربت باعتبار بعض أجزائها أو أن المراد بردها حبسها وبقاؤها على حالها وتطويل زمان سيرها ببطء تحركها على عكس طي الأزمنة وبسطها فهو سبحانه قادر على كل شيء شاءه وأما ما ذكره الذهبي من قوله وقد روى هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال لم ترد الشمس إلا على يوشع بن نون وذكره ابن الجوزي من أن في الصحيح أن الشمس لم تحبس لأحد إلا ليوشع فالجواب أن الحصر باعتبار الأمم السالفة مع احتمال وروده قبل القضية اللاحقة.
(وحكى الطّحاويّ أنّ أحمد بن صالح) وهو أبو جعفر الطبري المصري الحافظ سمع ابن عيينة ونحوه وروى عنه البخاري وغيره وقد كتب عن ابن وهب خمسين ألف حديث وكان جامعا يحفظ ويعرف الحديث والفقه والنحو مات بمصر سنة مائتين وثمان وأربعين وكان
[ ١ / ٥٩٤ ]
أبوه من أهل طبرستان وجرت بين أحمد هذا وابن حنبل مذاكرات وكتب كل واحد منهما عن صاحبه وكان يصلي بالشافعي (كان يقول لا ينبغي لمن سبيله) وفي نسخة لمن يكون سبيله (العلم) أي بسير سيد الأنبياء (التَّخَلُّفُ عَنْ حِفْظِ حَدِيثِ أَسْمَاءَ لِأَنَّهُ مِنْ علامات النّبوّة) أي وآيات الرسالة. (وروى يونس بن بكير) بالتصغير وهو الحافظ أبو بكر الشيباني عن هشام بن عروة والأعمش ومحمد بن إسحاق بن بشار إمام المغازي وعنه أبو كريب وابن نمير والعطاردي قال ابن معين صدوق وقال أبو داود ليس بحجة يوصل كلام ابن إسحاق بالأحاديث أخرج له مسلم متابعة وقد خرج له البخاري في الشواهد وأخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة (في زيادة المغازي روايته) أي في روايته كما في نسخة (عن ابن إسحاق) أي إمام أهل المغازي (لمّا أسري برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ليلة المعراج (وأخبر قومه بالرّفقة) بضم الراء ويجوز تثليثها أي الجماعة من الرفقاء (والعلامة التي في العير) بكسر العين المهملة أي القافلة من الإبل والدواب تحمل الطعام وغيره من التجارات (قالوا) أي الكفار (متى تجيء) أي القافلة إلى مكة (قال يوم الأربعاء) بالمد وهو بتثليث الباء والأجود كسرها كذا في المحكم وقال ابن هشام فيه لغات فتح الهمزة وكسر الباء وكسر الهمزة وفتح الباء وكسرهما قال وهذه أفصح اللغات (فلمّا كان ذلك اليوم) أي الموعود وهو بالرفع على أنه نعت لذلك المتقدم الذي هو اسم كان التامة كقوله تعالى وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ وفي بعض النسخ المعتمدة ضبط بالنصب ولا وجه له (أشرفت قريش) أي اقبلت (ينظرون) أي ينتظرون (وقد ولّى النّهار) بتشديد اللام المفتوحة أي أدبر أوله آخره (ولم تجىء) أي العير (فدعا رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزِيدَ لَهُ فِي النَّهَارِ سَاعَةٌ) أي بسط في ساعاته (وحبست عليه الشّمس) أي ببطء تحركها وقيل توقفت وقيل ردت على أدراجها كما تقدم والله تعالى اعلم هذا وقد حبست الشمس له صلى الله تعالى عليه وسلم في يوم من أيام الخندق حين شغل عن صلاة العصر كما ذكره المصنف في غير هذا الكتاب وحبست لداود كما ذكره الخطيب في كتاب النجوم وضعف رواته كما نقله عنه مغلطاي في سيرته وفي تفسير البغوي أنها حبست لسليمان ﵇ لقوله تعالى رُدُّوها عَلَيَّ ونوزع بأن الضمير عائد إلى الصافنات الجياد وأيضا لم يكن هناك مأمورون صالحون لرد الشمس عليه مع مخالفته للحديث الصحيح الصريح في حصر حبس الشمس ليوشع مما بين الأمم المتقدمة نعم ذكر الشيخ معين الدين في معراج النبوة أنها حبست لأبي بكر رضي الله تعالى عنه أيضا والله ﷾ أعلم هذا وقد قال بعضهم حديث رد الشمس له صلى الله تعالى عليه وسلم ليس بصحيح وإن أوهم تخريج القاضي له في الشفاء عن الطحاوي من طريقين فقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات وقال ابن تيمية العجب من القاضي مع جلالة قدره وعلو خطره في علوم الحديث كيف سكت عنه موهما صحته وناقلا ثبوته موثقا رجاله انتهى وفي المواهب قال شيخنا قال أحمد لا أصل له وتبعه ابن الجوزي
[ ١ / ٥٩٥ ]
فأورده في الموضوعات ولكن قد صححه الطحاوي والقاضي عياض وأخرجه ابن منده وابن شاهين من حديث اسماء بنت عميس وابن مردويه من حديث أبي هريرة انتهى قال القسطلاني وروى الطبراني أيضا في معجمه الكبير بإسناد حسن كما حكاه ابن العراقي في شرح التقريب عن اسماء بنت عميس ولفظه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صلى الظهر بالصهباء ثم أرسل عليا في حاجة فرجع وقد صلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم العصر فوضع ﵊ رأسه في حجر علي فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صليت العصر قال لا يا رسول الله فدعا الله تعالى فرد عليه الشمس حتى صلى العصر قالت فرأيت الشمس طلعت بعد ما غابت حين ردت حتى صلى العصر قال وروى الطبراني أيضا في معجمه الأوسط بسند حسن عن جابر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمر الشمس فتأخرت ساعة من النهار انتهى وقال الخطابي انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء وذلك أنه ظهر في ملكوت السموات خارجا عن جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة فلذلك صار البرهان به أظهر قلت وفي معناه الشمس بل سلطانها أكبر وأبهر وأنور إلا أنها لكمال قرب غروبها لم تظهر للأكثر فتدبر وأما ما قال الجوزجاني بعد أن نقل عن ابن الملقن في شرح العمدة أنه روى الحسن وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا لم تحبس الشمس إلا ليوشع حيث سار إلى بيت المقدس هذا الحديث فيه رد لحديث اسماء فقد قدمت الجواب عنه وأما قوله وهذا حديث منكر مضطرب لأنه ﵊ أفضل من علي ولم ترد الشمس له بل صلى العصر بعد ما غربت فمردود عليه لأنها إنما ردت على علي ببركة داعائه صلى الله تعالى عليه وسلم مع أن كرامات الأولياء في معنى معجزات الأنبياء وقد سبق عن البغوي أنها ردت عليه أيضا فما صلى العصر إلا في وقتها مع أن المفضول قد يوجد فيه ما لا يوجد في الفاضل كما يلزم من القول بعدم حبسها إلا ليوشع فتأمل وتوسع.
فصل [في نبع الماء من بين أصابعه الشريفة وتكثيره ببركته صلى الله تعالى عليه وسلم]
(فِي نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَتَكْثِيرِهِ ببركته صلى الله تعالى عليه وسلم) وفي نسخة وتكثيره ببركته (أمّا الأحاديث في هذا) أي في هذا النوع من جنس المعجزة (فكثيرة جدّا) منصوب على المصدر وأريد به المبالغة في الكثرة فإن ذلك في مواطن متعددة وأعداد مختلفة كما ذكره ابن حبان في صحيحه ففي بعضها أتى بقدح وفي بعضها زجاج وفي بعضها جفنة وفي بعضها ميضأة وفي بعضها مزادة وفي بعضها كانوا خمس عشرة مائة وفي بعضها ثمانمائة وفي بعضها زهاء ثلاثمائة وفي بعضها ثمانين وفي بعضها سبعين انتهى وفي صحيح البخاري في حديث جابر في قصة نبع الماء من بين أصابعه أنهم كانوا ألفا وأربعمائة وفي رواية عنهم أنهم كانوا خمس عشرة مائة وهذه القصة كانت بالحديبية وفي عددهم أقوال مختلفة ثم هذه
[ ١ / ٥٩٦ ]
المعجزة أعظم من تفجر الماء من الحجر كما وقع لموسى ﵇ فإن ذلك من عادة الحجر في الجملة قال الله تعالى وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وأما من لحم ودم فلم يعهد من غيره صلى الله تعالى عليه وسلم والله تعالى أعلم (رَوَى حَدِيثَ نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ أَصَابِعِهِ صَلَّى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ أَنَسٌ وجابر وابن مسعود) أما حديث أنس فرواه الشيخان عنه أيضا إلا أن المصنف ساقه شاهدا بسنده إلى الإمام مالك عنه فقال (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْفَقِيهُ ﵀ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ حَدَّثَنَا الْقَاضِي عِيسَى بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ حَاتِمُ بْنُ محمّد) وقد تقدم ذكرهم (حدّثنا أبو عمر بن الفخّار) بفتح الفاء وتشديد الخاء المعجمة، (حدّثنا أبو عيسى) هو يحيى بن عبد الله بن يحيى ابن كثير الليثي وقد سبق ذكره (حدّثنا يحيى) وفي نسخة عن يحيى وهو يحيى بن يحيى الليثي وفي نسخة صحيحة قبل قوله ثنا يحيى ثنا عبد الله بن يحيى عن أبيه يحيى ويؤيده ما قاله الحلبي أنه سقط رجل بين أبي عيسى وبين يحيى وهو عبد الله أبو مروان ولا بد منه وقد تقدم على الصواب وكذا يأتي على الصواب أيضا وحاصله أن عبد الله يروي عن يحيى عن أبيه ويحيى عن مالك (قال حدّثنا مالك) وهو إمام المذهب (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طلحة عن أنس بن مالك) وهو عمه لأمه (رأيت) وفي نسخة قال أي أنس رأيت (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وحانت صلاة العصر) أي وقد قرب وقتها أو دخل فإن الحين الوقت (فالتمس النّاس الوضوء) بفتح الواو أي ماء الوضوء بضمها وفي نسخة بضمها والمعنى ماءه بتقدير مضاف والمؤدي واحد وقيل يطلق على كل لكن الظاهر أن أحدهما مجاز (فَلَمْ يَجِدُوهُ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي جيء (بوضوء) أي في إناء (فوضع رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ وَأَمَرَ النّاس أن يتوضّؤوا منه) أي من الماء ومن الإناء أو من ماء ذلك الإناء (قال) أي أنس (فرأيت الماء ينبع) بتثليث الموحدة والضم أشهر أي يفور (من بين أصابعه صلى الله تعالى عليه وسلم) قال النووي في كيفية النبع قولان أحدهما الماء كان يخرج من نفس أصابعه وينبع من ذاتها وهو قول أكثر العلماء وثانيهما أنه تعالى أكثر الماء في ذاته فصار يفور من بين أصابعه (فتوضّأ النّاس) أي منه (حتّى توضّؤوا من عند آخرهم) أي إلى انتهاء أولهم فالقضية معكوسة للمبالغة والمراد جميعهم وقال النووي من هنا بمعنى إلى وهي لغة (ورواه أيضا عن أنس قتادة) كما في صحيح مسلم (وقال) أي أنس أو قتادة عنه (بإناء) أي فأتى بإناء (فيه ماء يغمر أصابعه) بسكون الغين المعجمة وضم الميم أي يغطيها ويسترها (أو لا يكاد يغمر) شك من الراوي (قال) أي قتادة لأنس كما صرح به الترمذي (كم كنتم) أي حينئذ وكم اسم استفهام وسؤال عن العدد (قال زهاء ثلاثمائة) بضم زاء وهاء ممدودة أي كنا قدر ثلثمائة، (وفي رواية عنه) أي عن أنس (وهم بالزّوراء) بفتح الزاء وسكون الواو فراء ممدودة مكان يعرف بالمدينة قرب المسجد (عند السّوق) وفي البخاري بالسوق أي سوق المدينة قال الداودي وهو مرتفع كالمنار (ورواه أيضا
[ ١ / ٥٩٧ ]
حميد) بالتصغير وهو الطويل وكان طوله في يديه مات وهو قائم يصلي ثقة لكنه يدلس أخرج له الأئمة الستة (وثابت) تقدم ذكره (والحسن) بن أبي الحسن البصري (عن أنس) أي كلهم عنه إلا أن البخاري انفرد بالأولى والثالثة واتفقا على الثانية (وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ قُلْتُ كَمْ كَانُوا قَالَ ثمانين) أي كانوا ثمانين أي رجلا كما في نسخة، (ونحوه عن ثابت عنه) أي نحو مروي حميد عن أنس في العدد ورد عن ثابت عن أنس (وعنه) أي وعن أنس (أيضا) أي برواية ثابت أو غيره (وهم نحو من سبعين رجلا) لعل رواية السبعين والثمانين في غير قصة الحديبية لما سبق من تعدد القضية ثم رأيت النووي قال إنهما قضيتان جرتا في وقتين فحدث بهما جميعا أنس. (وأمّا ابن مسعود ففي الصّحيح) أي للبخاري وغيره (من رواية علقمة عنه) كما في نسخة أي عن عبد الله بن مسعود (بينما) أي بين ساعات أو أوقات (نحن مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي حاضرون (وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اطْلُبُوا مَنْ مَعَهُ فَضْلُ مَاءٍ) قيل إنما أطلب الماء كيلا يظن أنه موجد للماء فإن ذلك لله ﷾ وفيه أن الكل من عنده تعالى (فأتي) أي جيء (بماء) أي في نحوه سقاء (فصبّه في إناء ثمّ وضع كفّه) أي مع أصابعه (فيه فجعل الماء ينبع) أي فشرع يخرج (مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي كما ينبع من الأرض وفي نبعه احتمالان من زيادة الكمية او الكيفية وهو أظهر كما يدل عليه طلبه فضل الماء ويشير إليه ما سبق من الترجمة في قوله تعالى وتكثيره ببركته. (وفي الصّحيح) أي للبخاري وغيره (عن سالم) أي الأشجعي (بن أبي الجعد) وهو من ثقات التابعين روي عنه أنه قال اشتراني مولاي بثلاثة دراهم وأعتقني فقلت بأي حرفة احترف فاحترفت بالعلم فما تمت لي سنة حتى أتاني أمير البلد زائرا فلم آذن له (عن جابر عطش النّاس) بكسر الطاء (يوم الحديبية) بالتخفيف وتشدد بئر بين مكة وجدة قبيل جدة وأما قول الدلجي بين مكة والطائف فوهم (ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بين يديه ركوة) جملة حالية والركوة بفتح الراء وتضم إناء من جلد نحو الإبريق ذكره الدلجي وهو غير ملائم لوضع اليد فيه اللهم إلا أن يقال المراد به وضع اليد على فيه عند خروج الماء منه ثم رأيت في القاموس أن الركوة مثلثة زورق صغير انتهى وهو يحتمل أن فمه كبير ثم رأيت التلمساني ذكر أنها للماء من الأدم كالتور يتوضأ منه (فتوضّأ منها وأقبل النّاس نحوه) أي متعطشين إليه (وقالوا) عطف على وأقبل الناس وجعل الدلجي الواو للحال أي قائلين (لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ إِلَّا مَا فِي رَكْوَتِكَ) أي التي هي موجودة في حضرتك (فوضع النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يده في الرّكوة) أي ثانيا (فجعل الماء يفور) أي يرتفع متدفقا (من بين أصابعه كأمثال العيون) أي كأمثال مياهها أو شبه أصابعه بمنابع عيون الماء أي بين كل أصبعين يفور الماء كالعين (وفيه) أي في حديث سالم (فقلت) أي لجابر (كم كنتم) أي يومئذ (قال لو كنّا مائة ألف) أي مثلا (لكفانا) أي لكونه معجزة (كنّا) أي لكنا كنا (خمس عشرة مائة) يعني الفا وخمسمائة وقيل ثمانين ألفا رجلا أو أربعين أو خمسة
[ ١ / ٥٩٨ ]
وعشرين رجلا أو ألفا وستمائة بناء على الاختلاف في عدد من بايع تحت الشجرة قال الحلبي فيقال أربع عشرة مائة وكذا هو في الصحيح وأكثر الروايات كما قال البيهقي أنه ألف وأربعمائة هذا وقال اليمني قوله كذا خمس عشرة مائة هذه اللغة إلى الآن بنجد سمعتها منهم لا تألف ألسنتهم الآلاف بل يقولون عشر مائة وإحدى عشرة مائة وعشرون مائة وهلم جرا (وروي مثله) أي مثل حديث سالم كما في مسند الدارمي (عن أنس عن جابر) وهو من رواية الأصاغر عن الأكابر فإنهما صحابيان قال الحلبي كذا في النسخة التي وقفت عليها الآن بالشفاء وعلى عن التي بين أنس وجابر صح يعني أن أنسا رواه عن جابر فإن صح ذلك فرواية أنس عن جابر ليست في الكتب الستة (وفيه) أي وفي هذا الحديث (أنّه كان بالحديبية) يعني فالاختلاف مبني على اختلاف عدد من حضر في تلك القضية. (وَفِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) الوليد هذا ولد في حياته ﵊ روى عن أبيه وعنه ابنه عبادة (عنه) أي عن جابر (في حديث مسلم الطّويل) صفة للحديث (في ذكر غزوة بواط) بضم الموحدة وتخفيف الواو في آخره طاء مهملة (قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم يا جابر ناد الوضوء) بفتح الواو وتضم وفي نسخة صحيحة الوضوء من غير الباء أي ناد الناس له أو به أو نصبه على الاغراء أي أعطوا أو ناولوا الماء وهو بيان النداء (وذكر الحديث بطوله وأنّه) أي الشأن (لم نجد) بالنون وفي نسخة بالياء وفي أصل الدلجي لم يجدوا (إلّا قطرة) أي شيئا قليلا من الماء (في عزلاء شجب) بالإضافة وهو بفتح العين المهملة فسكون الزاء فلام ممدودة فم المزادة الأسفل والشجب بمعجمة مفتوحة فجيم ساكنة فموحدة ما بلي من القربة وعتق من السقاية (فأتي) أي فجيء (به النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فغمزه) بالراء أي فغطاه وستره وفي اصل الدلجي بالزاء أي فكبسه بيده وعصره (وتكلّم بشيء) أي من الاسماء أو الدعاء والثناء (لَا أَدْرِي مَا هُوَ وَقَالَ نَادِ بِجَفْنَةِ الرّكب) بفتح الجيم وسكون الفاء وهي أكبر قصاع الأطعمة والركب اسم جمع أو جمع للراكب كالصحب وهم العشرة فصاعدا والباء مزيدة ولما كانت الجفنة محل الآية نوديت فكأنها تعقل أو على حذف أي يا قوم هاتوها أو عدي النداء بالباء لتضمنه معنى الإتيان أي ائت بها واحضرها (فأتيت بها) أي فجئت بها إليه صلى الله تعالى عليه وسلم وقال الحلبي هو مبني لما لم يسم فاعله أي فأتوني بها وفي نسخة فأتيها بضم همزه وكسر ثانيه (فوضعتها بين يديه وذكر) أي جابر (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَسَطَ يَدَهُ فِي الْجَفْنَةِ وَفَرَّقَ) بتشديد الراء ونشر (أصابعه وصبّ جابر عليه) أي الماء، (وقال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (بسم الله) أي وعلى بركة رسول الله وروي بسم الله كما أمره على ما في أصل المؤلف (قال) أي جابر (فرأيت الماء يفور) أي يظهر مرتفعا (مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ثُمَّ فَارَتِ الْجَفْنَةُ وَاسْتَدَارَتْ) أي ارتفع ماؤها ودار (حتّى امتلأت) ورواية مسلم ثم فارت الجفنة فدارت كذا ذكره الدلجي تبعا للحلبي قيل لأن المقام مقام آية فكلما نبع الماء استدارت الجفنة وحديث جابر هذا ليس في شيء من الكتب
[ ١ / ٥٩٩ ]
الستة إلا في مسلم على ما صرح به الحلبي وغيره (وأمر النّاس بالاستقاء) أي بأخذ الماء (فاستقوا حتّى رووا) أي بأجمعهم وهو بضم الواو الأولى وأصله رويوا كرضوا ولقوا (فقلت هل بقي أحد له حاجة) يجوز أن تكون هل نافية كما في قوله تعالى فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ وفي حديث وهل ترك لنا عقيل من دار أي ما بقي من محتاج إلى الماء (فرفع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي يده كما في أصل الدلجي وغيره (من الجفنة وهي ملأى) فعلى من الملئ ويجوز أن يكون هل استفهامية ورفعه يده بعد جوابهم ما بقي لأحد حاجة ولا يبعد أن يكون المراد بقوله فقلت تردده في نفسه أنه هل بقي لأحد حاجة إليه أم لا فرفع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يده شهادة لنفي البقاء فيكون كرامة اخرى. (وعن الشّعبيّ) بفتح أوله تابعي جليل فحديثه هذا مرسل وهو حجة عند الجمهور خلافا للشافعي (أتي النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي جيء (في أسفاره بإداوة ماء) وهي بكسر الهمزة إناء صغير من جلد يتخذ للماء ويسمى المطهر (وَقِيلَ مَا مَعَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاءٌ غيرها) أي غير ما في الإداوة هذه وهي لم تكف الجماعة شربا ووضوءا (فسكبها) أي صبها (في ركوة) أي إناء صغير من جلد يشرب فيها الماء كانت معه كما في نسخة (ووضع إصبعه) بتثليث الهمزة والباء والأشهر كسر الهمزة وفتح الباء والمراد الجنس أي أصابعه (وسطها) بفتح السين وسكونها أي في وسطها (وغمسها) أي غطس اصابعه وأدخلها (في الماء وجعل النّاس يجيئون) أي يأتون إليه (ويتوضّؤون) أي منه (ويقومون) أي عنه وفي نسخة صحيحة ثم يقدمون؛ (قال التّرمذيّ) أي صاحب الجامع (وفي الباب) أي وفي الأحاديث الواردة في هذا النوع من الكتاب (عن عمران بن حصين) وهو كما سيأتي في الفصل الآتي من هذا الباب (ومثل هذا) أي ما ذكر من خوارق العادة (في هذه المواطن الحفلة) بفتح الحاء المهملة وكسر الفاء أي الممتلئة المجتمعة الغزيرة وفي نسخة الحفيلة بزيادة الياء وهما بمعنى (والجموع الكثيرة لا تتطرّق التّهمة بضم) التاء وسكون الهاء وتفتح أي لا تتوصل تهمة كذبه (إلى المحدّث به) بكسر الدال المشددة أي المخبر به (لأنّهم) أي السلف من الصحابة والتابعين (كانوا أسرع شيء إلى تكذيبه) أي تكذيب من أخبره لو عرفوا أنه كاذب في خبره (لما جبلت) بصيغة المجهول أي خلقت وطبعت (عليه النّفوس) أي النفوس كما في نسخة صحيحة (من ذلك) أي الإسراع إلى التكذيب (وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا مِمَّنْ لَا يَسْكُتُ عَلَى بَاطِلٍ) أي بأجمعهم لإنكارهم على الباطل ولو من بعضهم لكونه فرض كفاية على كلهم، (فهؤلاء) أي المذكورون من الصحابة وغيرهم (قد رووا هذا) أي الحديث الذي سبق من نبع الماء من بين أصابعه (وأشاعوه) أي نقلوه وأفشوا سنده (ونسبوا حضور الجمّاء الغفير له) وفي نسخة الجم الغفير أي الجمع الكثير كما في قضية الحديبية (ولم ينكر أحد من النّاس) أي ممن حضر تلك الوقعة (عَلَيْهِمْ مَا حَدَّثُوا بِهِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ) أي من شربهم وسقيهم (وشاهدوه) أي بأعينهم في غيرهم (فصار كتصديق جميعهم له) فيكون إجماعا سكوتيا منهم.
[ ١ / ٦٠٠ ]
فصل [وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِهِ تَفْجِيرُ الْمَاءِ ببركته وانبعاثه]
(وممّا يشبه هذا) أي النوع (من معجزاته) وهو نبع الماء من بين أصابعه لكرامته (تفجير الماء ببركته وابتعاثه) بالرفع أي ثورانه وجريانه (بمسّه) أي إياه بجارحته (ودعوته) أي بلسانه أو جنانه. (فيما روى مالك) أي رواه كما في نسخة (في الموطّأ) بتشديد الطاء المفتوحة فهمزة وقيل بألف مقصورة وكذا أخرجه مسلم في صحيحه (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فِي قِصَّةِ غَزْوَةِ تبوك) وهي غزوة معروفة كانت سنة تسع من الهجرة (وأنّهم وردوا العين) أي التي كانت فيها (وهي تبضّ) بكسر الموحدة وتشديد المهملة أي تلمح وتلمع أو المعجمة أي تقطر وتسيل واختاره النووي (بشيء) أي قليل (من ماء) أي مما يسمى ماء (مثل الشّراك) بالجر على أنه نعت لشيء أو ماء وفي نسخة بالرفع على تقدير هو وفي أخرى بالنصب على أنه حال من شيء أي مماثلا للشراك في طوله وعرضه وهو سير رقيق يجعل في النعل والمقصود المبالغة في حد القلة (فغرفوا) أي اغترف القوم (من العين بأيديهم حتّى اجتمع) أي الماء كما في نسخة (في شيء) أي من الإناء فيما لديهم (ثمّ غسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيه وجهه. ويديه وأعاده) أي الماء المغسول به (فيها) أي في العين التي بها ماء يسير (فجرت) الفاء عاطفة أي فسالت (بماء كثير فاستقى النّاس) أي فشربوا منه وأسقوا دوابهم (قال) أي معاذ (في حديث ابن إسحاق) أي فيما يرويه إمام أهل المغازي عنه (فانخرق) بالنون والخاء المعجمة والراء أي انفجر وجرى (من الماء ما له حسّ) بكسر الحاء المهملة وتشديد السين أي حركة وصوت لجريه (كحسّ الصّواعق) جمع صاعقة وهو صوت شديد وربما كان معه نار لطيفة حديدة لا تمر بشيء إلا أتت عليه وأهلكته لكنها مع حدتها سريعة الخمود (ثمّ قال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (يوشك) أي يسرع ويدنو ويقرب (يا معاذ إن طالت بك حياة) أي مدة عمرك (أن ترى ما هاهنا) أي الموضع الذي ههنا لأجل كثرة ما فيه من الماء (قد ملىء) بصيغة المجهول أي امتلأ (جنانا) بكسر الجيم جمع جنة بالفتح وهي البستان الكثير الأشجار وهي مرة من مصدر جنه جنا إذا ستره فكأنها مرة واحدة بشدة إلفافها وإظلالها ونصبه على التمييز قال الحلبي هذا ذكره ابن إسحاق في طريق تبوك وقت الرجعة ولفظه ثم انصرف قائلا يعني من تبوك إلى المدينة وكان في الطريق ماء ما يروي الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له وادي المشفق فذكر القصة والله تعالى أعلم. (وفي حديث البراء) أي على ما رواه البخاري عنه (وسلمة بن الأكوع) أي كما رواه مسلم عنه (وحديثه) أي حديث سلمة (أتمّ) أي من حديث البراء (فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَهُمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً) أي ألف وأربعمائة (وبئرها لا تروي) أي بضم التاء وكسر الواو أي لا تكفي بمائها (خمسين شاة) قال المزي المعروف عند أهل الحديث خمسين أشياء بفتح الهمزة والمد وهي النخلة الصغيرة ذكره الشمني وقال التلمساني وهو الصواب (فنزحناها) أي فنزعنا ما فيها كله (فَلَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً
[ ١ / ٦٠١ ]
فقعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على جباها) بفتح الجيم والموحدة المخففة مقصورا ما حول فمها وبالكسر ما جمع فيها من الماء وليس مرادا هنا ويروى شفاها بفتح المعجمة والفاء مقصورا أي جانبها وطرفها (قال البراء وأتي) أي جيء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (بدلو) أي فيه ماء (منها فبصق) أي بزق فيه (فدعا) أي بالبركة في مائها وكب ما في الدلو فيها وهذه رواية البراء من غير شك وتردد بها (وقال سلمة) أي ابن الأكوع (فإمّا دعا وإمّا بصق فيها) بكسر الهمزة على الشك فيهما ولعله اطلع على أحدهما دون الجمع بينهما بخلاف البراء فمن حفظ حجة على من لم يحفظ وعلى كل تقدير (فجاشت) بالجيم والشين المعجمة أي فارت البئر وارتفع ماؤها بوصف الكثير (فأرووا أنفسهم وركابهم) أي سقوا ذواتهم ودوابهم (وفي غير هاتين الرّوايتين) أي رواية البراء ورواية سلمة وكان الأول أن يقول وفي غير هاتين الروايتين كما في نسخة أو في غير هذه الرواية عنهما (هذه القصّة) أي قصة زيادة ماء البئر وفي نسخة فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ (مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ) أي الزهري (في الحديبيّة) وقد أبعد الدلجي حيث قال هذه القصة أي قصة الحديبية لما له إلى قصة الحديبية في الحديبية (فأخرج) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (سهما من كنانته) بكسر الكاف أي جعبته وهي كنانته التي فيها سهامه لأنها تكنها وتسترها (فوضع) أي سهمه وهو بصيغة الفاعل ويؤيده نسخة وضعه بإبراز الضمير وفي نسخة ضبط بصيغة المفعول وهو أتم مبنى وأعم معنى (في قعر قليب) أي عمق بئر لم تطو يعني لم تبن وقيل عادية وهو يؤنث ويذكر ولذا قال (ليس فيه ماء فروي النّاس) بكسر الواو أي بأنفسهم ودوابهم (حتّى ضربوا بعطن) بفتح المهملتين منزل الإبل حول الماء لتبرك فيه إذا شربت لتعاد إلى الشرب مرة أخرى وهو ضرب مثل للاتساع والاستغناء لا سيما في باب الاستقاء والمعنى حتى رووا ورويت ابلهم قال التلمساني والذي نزل بسهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هو البراء بن عازب وقيل ناجية. (وعن أبي قتادة وذكر) على ما رواه البيهقي عنه (أَنَّ النَّاسَ شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَطَشَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَدَعَا بالميضأة) بكسر الميم وسكون التحتية وفتح الضاد المعجمة والهمزة مقصورا وقد يمد فوزنها مفعلة أو مفعالة من الوضوء بزيادة الميم للآلة أي مطهرة كبيرة يتوضأ منها والمعنى فطلبها (فجعلها في ضبنه) بكسر ضاد معجمة وسكون موحدة فنون فهاء ضمير أي حضنه بين كشحه وأبطه (ثمّ التقم فمها) أي أدخله في فمه تشبيها له باللقمة لأنه أدخل فمه فيها كما توهم التلمساني (فالله أعلم) أي وأنا لا أعلم (نفث) أي أنفخ بريق أو بلا ريق (فيها أم لا) أي أم لم ينفث (فشرب النّاس حتّى رووا) بضم الواو أي بأنفسهم ودوابهم (وملؤوا كلّ إناء معهم فخيّل إلي) لصيغة المجهول أي تصور في ذهني (أنّها) الميضأة ملأى (كما أخذها منّي) أي على حالها ما نقص شيء منها وقال التلمساني وروي إليه أقول والظاهر أنه تصحيف لديه (وكانوا اثنين وسبعين رجلا؛ وروى مثله) أي مثل مروى أبي قتادة (عمران بن حصين) بالتصغير (وذكر الطّبريّ) وهو محمد بن
[ ١ / ٦٠٢ ]
جرير (حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ عَلَى غَيْرِ مَا ذَكَرَهُ أهل الصّحيح أنّ) وفي نسخة صحيحة أن على أنه بيان لما ذكره الطبري مخالفا لغيره وهو أن (النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم خرج بهم) أي بأصحابه (ممدّا) أي معينا (لأهل مؤتة) بضم الميم وسكون الهمزة ويبدل قرية بين تبوك وحوران من الشام (عند ما بلغه قتل الأمراء) أي أمرائه وهم زيد بن حارثة مولاه ﵊ وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة (وذكر) أي الطبري (حديثا طويلا فيه معجزات) أي باهرة (وآيات) أي علامات وكرامات ظاهرة (للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي تعظيما لقدره وتفخيما لأمره (وفيه إعلامهم) أي إخباره لأصحابه (أنّهم يفقدون الماء) بكسر القاف أي يعدمونه ولا يجدونه (في غد) فهو من أعلام النبوة لقوله تعالى ما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا (وذكر) أي الطبري (حديث الميضأة) أي كما سبق، (قال) أي أبو قتادة (والقوم) أي أصحابه (زهاء ثلاثمائة) أي قدرها تخمينا قال المزي الوجه نصب زهاء ولكن أهل الحديث يرفعونه ذكره الشمني (وفي كتاب مسلم) يعني صحيحه (أنّه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (قال لأبي قتادة) أي بعد ما قال لهم إنهم يفقدون الماء في غد (احفظ عليّ) أي لأجلي وفي نسخة علينا (ميضأتك فإنّه) أي الشأن (سيكون لها نبأ) أي خبر عظيم قال القاضي في الإكمال قال الإمام للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم في هذا الحديث معجزتان قولية وهو إخباره بالغيب أنها سيكون لها نبأ وفعلية وهي تكثير الماء القليل (وذكر) أي الطبري (نحوه) أي نحو ما سبق مما ذكره غيره (ومن ذلك) أي ومما يدل على تفجر الماء من بين أصابعه (حديث عمران بن حصين) أي كما في الصحيحين عنه أنه قال (حين أصاب النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه عطش) أي شديد (في بعض أسفارهم) وفي نسخة من أسفارهم (فوجّه رجلين) بتشديد الجيم أي فأرسلهما وهما علي بن أبي طالب وعمران بن حصين (من أصحابه) كما صرح بهما في بعض طرق هذا الحديث (وأعلمهما أنّهما يجدان امرأة) لا يعرف اسمها إلا أنها أسلمت بعد ذلك (بمكان كذا) وفي نسخة بتكرار كذا ويعين الموضع في حديث صاحبه حاطب بن أبي بلتعة وهو روضة خاخ (معها بعير عليه مزادتان) تنبيه مزادة بفتح الميم ظرف من جلد يحمل فيه الماء الراوية أكبر من القربة وميمها زائدة وهي من مادة الزيادة لزيادتها على القربة ولا يبعد أن تكون مأخوذة من الزاد والله تعالى أعلم بالمراد ثم قيل هي الرواية مجازا وإنما الراوية هو البعير الذي يحملها. (الحديث) أي بطوله والمعنى فذهبا على أثرها وطلباها (فوجداها وأتيا بها النّبيّ) وفي نسخة إلى النبي (صلى الله تعالى عليه وسلم فجعل) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (في إناء) أي مما عنده (من مزادتيها) أي بعض مائهما (وَقَالَ فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ) أي من ثناء أو دعاء أو اسماء (ثمّ أعاد الماء) أي رد الماء المأخوذ (في المزادتين ثمّ فتحت) بصيغة المجهول ولا يبعد أن يكون بصيغة الفاعل (عزاليهما) بفتح العين المهملة والزاء تثنية عزلاء وهو فمها الأسفل واللام مفتوحة وقيل هو جمع فاللام مكسورة (وأمر النّاس) وفي نسخة ثم امر الناس (فملؤوا
[ ١ / ٦٠٣ ]
أسقيتهم) جمع سقاء وهو إناء من جلد يتخذ للماء (حتّى لم يدعوا) بفتح الدال أي لم يتركوا (شيئا) أي من أوانيهم (إلّا ملؤوه قال عمران) وفي نسخة وعن عمران بن حصين (ويخيّل إليّ) بصيغة المضارع المجهول من التخييل وفي نسخة بصيغة المعنى الماضي المعلوم من التخيل أي وتصور عندي وتقرر في ذهني (أنّهما) أي المزادتين (لم تزدادا) وفي نسخة بصيغة الإفراد أي كل واحدة منهما (إلّا امتلاء) بكسر التاء على المصدرية أي من زيادة البركة في الكمية والكيفية (ثمّ أمر) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أصحابه أن يزودوها من زادهم زيادة على ما توهمت أنهم أخذوا من مزادتيها وفق مرادها (فجمع) بصيغة المفعول (للمرأة) وفي نسخة لها (من الأزواد) جمع زاد أي من جملتها (حتّى ملأ) أي ذلك الزاد وفي نسخة ملأوا (ثوبها وقال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (اذْهَبِي فَإِنَّا لَمْ نَأْخُذْ مِنْ مَائِكِ شَيْئًا) أي من كميته (ولكنّ الله سقانا) أي بسبب زيادة كيفيته ببركة اسمائه. (وعن سلمة بن الأكوع) وفي نسخة وقال سلمة (قال النبيّ) وفي نسخة نبي الله (صلى الله تعالى عليه وسلم هل من وضوء) بفتح الواو أي أمعكم أو أعندكم أو أتم ماء وضوء (فجاء رجل بإداوة) بكسر الهمزة أي إناء صغير من جلد يتخذ للماء (فيها نطفة) أي شيء يسير من الماء (فأفرغها) أي صبها (في قدح فتوضّأنا كلّنا) بالرفع توكيد لنا (ندغفقة دغفقة) بدال مهملة وغين معجمة ففاء فقاف أي نصبه صبا كثيرا (أربع عشرة مائة) بيان لقوله كلنا أي الف وأربعمائة (وفي حديث عمر) كما رواه ابن خزيمة في صحيحه والبيهقي والبزار عنه (في جيش العسرة) أي الضيق والشدة وهي غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة وكانت في نهار حر ووقت الثمار وكثرة ظلال الأشجار (وذكر) أي عمر ﵁ (ما أصابهم) أي المسلمين (من العطش) أي الشديد (حتّى إنّ الرّجل) بكسر الهمزة وتفتح (لينحر بعيره) بفتح اللام المؤكدة (فيعصر فرثه) أي ما في كرشه (فيشربه فرغب أبو بكر) أي مال وتوجه (إلى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في الدّعاء) أي أمره أو في حمله على الدعاء (فرفع يديه) أي ويدعو ربه ويتضرع لديه ويثني عليه ويلتجئ إليه (فلم يرجعهما) من رجع المتعدي أي لم يرد يديه بعد رفعهما إليه وفي نسخة فلم ترجعا من رجع اللازم أي لم تغير اليدان عن حالهما (حتّى قالت السّماء) أي أمطرت فإن القول يستعمل في جملة من الفعل وقيل مالت وروي قامت بالميم أي اعتدلت بالسحاب أو قامت توجهها بالخيرات (فانسكبت) أي فانصب ماؤها بكثرة (فملؤوا ما معهم من آنية) أي جميع أوانيهم (ولم تجاوز) أي السماء المراد بها السحاب وفي نسخة بالتذكير أي ولم يتعد المطر (العسكر) ما انتهى عنهم بل كان السحاب كالظلة عليهم وفيه إيماء إلى أنه ما كان من القضايا الاتفاقية بل كان معجزة وكرامة خاصة لديهم (وعن عمرو بن شعيب) أي ابن محمد بن محمد بن عبد الله بن عمرو العاص أخرج له الأئمة الأربعة (أَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم وهو رديفه) جملة حالية تحتمل احتمالين خلافا للتلمساني حيث جزم بأن ضمير هو للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم والمضاف لأبي طالب والرديف الراكب من خلف
[ ١ / ٦٠٤ ]
(بذي المجاز) بفتح الميم والجيم وزاء في آخره سوق عند عرفات من أسواق أهل الجاهلية (عطشت) بكسر الطاء قال الحلبي وهذا الحديث الذي ذكره القاضي هنا معضل ولا أعلمه في الكتب الستة والرواية عن أبي طالب معلوم ما فيها انتهى وذكر الدلجي عن ابن سعد أنا إسحاق بن يوسف الأزرق ثنا عبد الله بن عون عن عمرو وهو ابن دينار أن أبا طالب قال كنت بذي المجاز ومعي ابن أخي يعني نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقلت له عطشت (وليس عندي ماء) وروي عنده وروي معي وعند مثلث العين ذكره التلمساني (فنزل النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي عن البعير (وَضَرَبَ بِقَدَمِهِ الْأَرْضَ فَخَرَجَ الْمَاءُ فَقَالَ اشْرَبْ) قال الدلجي الظاهر أن هذا كان قبل البعثة يعني فيكون من الارهاصات ولا يبعد أن يكون بعد النبوة فهو من المعجزات ولعل فيه إيماء إلى أنه سيظهر نتيجة هذه الكرامات من بركة قدم سيد الكائنات في أواخر الزمان قريب الألف من السنوات عين في عرفات تصل إلى مكة وحواليها من آثار تلك البركات هذا وأبو طالب لم يصح اسلامه وأما اسلام أبويه ففيه أقوال والأصح اسلامهما على ما انقق عليه الأجلة من الأمة كما بينه السيوطي في رسائله الثلاث المؤلفة (والحديث) اللام للجنس أي والأحاديث (في هذا الباب كثير) أي غير ما ذكر في هذا الكتاب (ومنه الإجابة بدعاء الاستسقاء. وما جانسه) أي من أنواع استجابة الدعاء.
فصل [ومن معجزاته تكثير الطعام ببركته ودعائه ﵊]
(ومن معجزاته تكثير الطعام) أي كمية أو كيفية (ببركته) أي بركة حصول وجوده أو وصول يده (ودعائه) أي لربه مقرونا بثنائه (قال) أي المصنف (نا القاضي الشّهيد أبو عليّ رحمه الله تعالى) هو الحافظ ابن سكرة (حدّثنا العذريّ) بضم مهملة فسكون معجمة (ثنا الرّازيّ حدّثنا الجلوديّ) بضم الجيم وتفتح (ثنا ابن سفيان حدّثنا مسلم بن الحجاج) يعني صاحب الصحيح (ثنا سلمة بن شبيب) بفتح الشين المعجمة وكسر الموحدة الأولى بعدها تحتية ساكنة وهو أبو عبد الرحمن النيسابوري حجة أخرى له مسلم والأربعة مات سنة ست وأربعين وماءتين بمكة (ثنا الحسن بن أعين) بفتح فسكون ففتحتين ثقة أخرج له الشيخان وأبو داود والنسائي (ثنا معقل) بفتح الميم وكسر القاف صدوق تردد فيه ابن معين أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي (عن أبي الزّبير) بالتصغير حافظ ثقة روى عنه مالك والسفيانان وأخرج له مسلم والأربعة وأخرج له البخاري مقرونا بقوله كان مدلسا واسع العلم (عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يستطعمه) أي يطلب طعاما منه لأهله (فأطعمه شطر وسق شعير) الوسق بفتح الواو وتكسر ستون صاعا وشطر الشيء نصفه وهو بفتح أوله ولا يصح كسره قال النووي والشطر هنا معناه شيء كذا فسره الترمذي (فما زال) أي ذلك الرجل السائل المستطعم منه ﵊ (يأكل منه) أي من ذلك الطعام (وامرأته وضيفه) أي كذلك فهما مرفوعان أو معهما فهما منصوبان ويروى وصيفه بواو فمهملة (حتّى
[ ١ / ٦٠٥ ]
كاله) أي ليعرف نقصانه وكماله ويوجب اكتياله ما يبين حاله وماله ففني بهذه الحركة وزالت عنه البركة (فأتى) أي الرجل (النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره) أي بأنه كاله وجرب حاله (فقال لو لم تكله) أي وما جربتيه (لأكلتم منه) أي كلكم طول عمركم (ولقام بكم) أي بأودكم مدة بقائكم وفي هذا الحديث أن البركة أكثر ما تكون في المجهولات والمبهمات وكان الصوفية من هنا قالوا المعلوم شوم قيل والحكمة في ذلك أن الكائل يكون متكلا على مقداره لضعف قلبه وفي تركه يكون متكلا على ربه والاتكال عليه ﷾ مجلبة للبركة وأما الحديث الآخر كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه فقالوا المراد أن يكيله عند إخراج النفقة منه لئلا يخرج أكثر من الحاجة أو أقل بشرط أن يبقى الباقي مجهولا ثم هذا الرجل هو جد سعيد بن الحارث وذلك أنه استعان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في نكاحه امرأة فالتمس النبي ﵊ ما سأله فلم يجد له فبعث أبا رافع الأنصاري وأبا أيوب بدرعه فرهناها عند يهودي في شرط وسق من شعير فدفعه ﵊ إليه قال فأطعمنا منه ثم أكلنا منه سنة وبعض سنة ثم كلناه فوجدناه كما أدخلناه كذا ذكره التلمساني وهو خلاف ظاهر ما حرره القاضي ويمكن الجمع بينهما. (ومن ذلك) أي مما يدل على ما هنالك من تكثير الطعام ببركته ودعائه ﵊ (حديث أبي طلحة المشهور) بالرفع صفة لحديث وهو المروي في الصحيحين عن أنس في قصته وأبو طلحة هذا هو عم أنس بن مالك زوج أم سليم أنصاري نجاري خزرجي بدري أحد الفقهاء قال صلى الله تعالى عليه وسلم صوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة ذكر أنه قتل يوم حنين عشرين رجلا وأخذ سلبهم روى عنه ابنه عبد الله وابن زوجته أنس بن مالك (وإطعامه) بالرفع (صلى الله تعالى عليه وسلم ثمانين أو سبعين رجلا) وجزم مسلم في روايته بثمانين رجلا (من أقراص) أي قليلة (من شعير جاء) وفي نسخة أتى (بها) أي بتلك الأقراص وفي نسخة به أي بما ذكر (أنس تحت يده أي إبطه) يعني حال كون أنس واضعا لها تحت إبطه من كمال قلتها (فأمر بها) أي بالأقراص أو بفتها (ففتّت) بضم الفاء وتشديد الفوقية الأولى مفتوحة أي فجعلت فتاتا والمعنى كسرها بأصابعه وثردها وفي حديث إذا قل طعامكم فأثردوه (وقال فيها) أي في حق الأقراص (ما شاء الله أن يقول) أي من ثناء ودعاء وأسماء وأمر بمجيء عشرة عشرة حتى أكل القوم كلهم الحديث بطوله قال النووي وإنما أذن صلى الله تعالى عليه وسلم لعشرة عشرة ليكون ارفق بهم فإن القصعة التي فت فيها تلك الأقراص لا يتحلق عليها أكثر من عشرة إلا بضرر يلحقهم لبعدها عنهم وقيل لئلا يقع نظر الكثير على الطعام اليسير فيزداد حرصهم ويظنون أنه لا يكفيهم فتذهب بركته ويحتمل أن يكون لضيق المنزل وهو أقرب؛ (وحديث جابر) أي ومن ذلك حديث جابر كما رواه البخاري عنه (في إطعامه صلى الله تعالى عليه وسلم يوم الخندق) أي زمن حفره وهو يوم الأحزاب (ألف رجل من صاع شعير وعناق) بفتح أوله وهي الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم لها سنة (وقال جابر فأقسم بالله لأكلوا) أي منه (حتّى تركوه) أي على
[ ١ / ٦٠٦ ]
حاله وفي أصل الدلجي لأكلوا حتى شبعوا للأكل حتى تركوه غاية للشبع (وانحرفوا) أي مالوا إلى حرف أي جانب وطرف والمعنى وانصرفوا (وإنّ برمتنا) بكسر الهمزة حيالة والبرمة بضم الموحدة هي القدر من حجر أو مدر (لتغطّ) بفتح التاء وكسر الغين المعجمة وتشديد المهملة أي تغلي من حرارة النار تحتها حق يسمع غطيطها وهو صوت غليانها (كما هي) أي على هيئتها الأولى وماهيتها بكمالها كأنه لم يؤخذ منها شيء وما كافة مصححة لدخول الكاف على الجملة وهي مبتدأ والخبر محذوف أي مثل ما هي قبل ذلك (وإنّ عجيننا ليخبز) أي كما هو وكل ذلك بعد أن شبعوا أو تركوا وانصرفوا (وكان) أي وقد كان (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بصق) أي بزق (في العجين والبرمة وبارك) أي ودعا لهما بالبركة؛ (رواه عن جابر سعيد بن ميناء) بكسر الميم ممدودا ويقصر ويجر ولا يجر بناء على أنه مفعال أو فعلاء وحديث سعيد هذا عن جابر في الصحيحين (وأيمن) بفتح الميم عطف على سعيد وهو أيمن الحبشي المكي وأمه أم أيمن حاضنة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ومولاته أخو أسامة بن زيد لأمه استشهد يوم حنين وحديثه عن جابر في الخندق أخرجه البخاري في المغازي وزيد في بعض النسخ الصحيحة ههنا بعد قوله أيمن (وَعَنْ ثَابِتٍ مِثْلُهُ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وامرأته ولم يسمّهما) أي الراوي عنهما لكن جهالتهما لا تضر لكونهما صحابيين (قال) أي ثابت أو كل من الرجل والمرأة (وجيء بمثل الكفّ) أي من العجينة (فجعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يبسطها) أي يدلكها ويوسعها (في الإناء ويقول ما شاء الله) أي من الدعاء والثناء (فأكل منه من في البيت والحجرة) بضم الحاء وتفتح ناحية قريبة من الدار (والدّار) أي وما حولها من الفناء (وكان ذلك) أي المقام (قَدِ امْتَلَأَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم لذلك) أي المرام (وبقي) أي ذلك الطعام (بَعْدَ مَا شَبِعُوا مِثْلُ مَا كَانَ فِي الإناء) أي سابقا ببركته ﵊. (وحديث أبي أيّوب) أي ومن ذلك حديث أبي أيوب بدري مشهور وهو خالد بن زيد أنصاري نجاري عقبي بدري نزل عنده رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في خروجه من بني عمرو بن عوف حين قدم المدينة فلم يزل عنده حتى بنى مسجده ومساكنه شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وفد على ابن عباس البصرة فقال إني أخرج لك عن مسكني كما خرجت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن مسكنك وأعطاه ما أغلق عليه ولما قفل اعطاه عشرين ألفا وأربعين عبدا مرض في غزوة القسطنطينية فقال إذا مت فاحملوني فإذا صففتم العدو فادفنوني تحت ارجلكم فدفن عند باب القسطنطينية فقبره في قرب سورها فقال مجاهد فكانوا إذا محلوا كشفوا عن قبره فيمطرون وحديثه هذا رواه الطبراني والبيهقي عنه (أنّه صنع لرسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَبِي بَكْرٍ مِنَ الطَّعَامِ زُهَاءَ ما يكفيهما) بضم الزاي أي مقدار ما يشبعهما وفيه إشعار بكمال اختصاصهما (فقال له النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ادْعُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَشْرَافِ الْأَنْصَارِ) خصهم بالدعوة كي يسلموا بالألفة ومشاهدة المعجزة إذ كان ذلك أول الهجرة وسماهم
[ ١ / ٦٠٧ ]
انصارا لعلمه بأنهم يسلمون على يديه وينصرون دينه (فدعاهم فأكلوا حتّى تركوا) وفي نسخة تزكوه أي الأكل أو الطعام والثاني أظهر في المرام لقرينة المقام ولقوله (ثُمَّ قَالَ ادْعُ سِتِّينَ فَكَانَ مِثْلُ ذَلِكَ) أي فدعاهم فأكلوا حتى تركوه (ثمّ قال ادع سبعين فأكلوا حتّى تركوه وما خرج منهم أحد حتّى أسلم) أي أظهر الإسلام أو ثبت على ذلك المرام قال التلمساني في الأصل هكذا إلا حتى أسلم وصوابه حتى أسلم (وبايع) أي على الجهاد ونصرته ﵊ لما شاهد المعجزة في بركة ذلك الطعام (قَالَ أَبُو أَيُّوبَ فَأَكَلَ مِنْ طَعَامِي مِائَةٌ وثمانون رجلا) وكأن عشرين أكلوا بعد المائة والستين؛ (وعن سمرة بن جندب) بضم الجيم والدال وتفتح وحكي بكسرهما وكان الأظهر أن يقول وحديث سمرة بن جندب وهو ما رواه الترمذي والبيهقي وصححاه والنسائي عنه ولفظه (أتي النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي جيء (بقصعة) بفتح القاف لا بكسر (فيها لحم فتعاقبوها) أي تناوبها في تناولها الصحابة جماعة بعد جماعة (من غدوة) بضم فسكون ففتحتين لأنها معرفة (حتّى اللّيل) أي إلى آخر نهار تلك الغدوة مع أخذ بعض الوقت من العشية (يقوم قوم ويقعد آخرون) جملة مستأنفة مبينة للتعاقب والمناوبة فلا ينافي ما قال التلمساني هكذا في الأصل والمعروف من حديث سمرة من غدوة إلى الظهر وقال فقيل لسمرة هل كان يمد قال فمن أي شيء تعجب ما كان يمد إلا من ههنا وأشار إلى السماء؛ (وَمِنْ ذَلِكَ، حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بكر) على ما في الصحيحين عنه (كنّا مع النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاثين) أي رجلا (ومائة) أي رجلا وهو لغة في مائة وثلاثين (وذكر) أي عبد الرحمن (في الحديث) أي في حديثه هذا (أنّه عجن صاع) من طعام بصيغة المفعول وفي نسخة عجن صاعا (من طعام وصنعت شاة) بصيغة التأنيث للمجهول ويحتمل المتكلم على بناء الفاعل وفي أصل الدلجي وصنع شاة أي فرغ من شأنها وهذا إيجاز بليغ إذ بسطه يقول وذبحت وسلخت وقطعت وهذا من كمال صانعه إذ العادة أن يعجز واحد عن القيام بأمورها كلها فقد روي أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان في بعض اسفاره يأمر بإصلاح شاة فقال رجل يا رسول الله على ذبحها وقال آخر على سلخها وقال آخر على طبخها فقال ﵊ وعلى جمع الحطب فقالوا إنا نكفيك فقال قد علمت أنكم تكفونني ولكني أكره أن أتميز عنكم لأن الله يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه وقام ﵊ وجمع الحطب في ذلك المقام (فشوي سواد بطنها) على بناء المفعول ويحتمل الفاعل والمراد بسواد بطنها كبدها خاصة أو معاليقها مما في جوفها واختاره الهروي والنووي الأول وخص الكبد لأنه أصل الحياة وقيل القلب (قال) وفي نسخة ثم قال أي عبد الرحمن (وايم الله) بهمزة وصل أو قطع وضم الميم ويكسر وهو من الفاظ القسم كعمر الله وعهد الله وأصله وأيمن الله كما في نسخة وهو جمع يمين والمعنى أقسم ببركة الله وقدرته وقوته (ما من الثّلاثين ومائة) أي أحد (إلّا وقد حزّ له) بفتح الحاء وتشديد الزاء (حزّة) بفتح الحاء وتضم أي قطع له قطعة (من سواد بطنها) قال الحلبي قوله حزة بفتح
[ ١ / ٦٠٨ ]
الحاء في النسخة التي وقفت عليها ولا أعرفها وأحفظها إلا بالضم وهي القطعة المحزوزة وأما بالفتح فالمرة من الحز وليست المراد هنا إنما المراد القطعة انتهى ولا يخفى أن الظاهر أن المرة من الحز هو المراد في هذا المقام والله تعالى أعلم بالمرام ثم رأيت الشمني جوز الوجهين فتم النظام (ثمّ جعل) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (منها) أي من لحم الشاة وما معه من الطعام (قصعتين) أي جفنتين كبيرتين (فأكلنا أجمعون وفضل) بفتح الضاد في الماضي وضمها في المستقبل وبكسرها في الماضي وفتحها في المضارع أي وزاد (في القصعتين) وقيل الأول من الفضل في السودد والثاني من الفضلة وهي بقية الشيء وقد سوى بينهما الجوهري حيث قال فضل منه شيء مثل دخل يدخل وفيه لغة أخرى مثل حذر يحذر (فحملته) أي ذلك الزائد (عَلَى الْبَعِيرِ، وَمِنْ ذَلِكَ، حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أبي عمرة الأنصاريّ عن أبيه) أي أبي عمرة وهو أنصاري بدري له حديث في بركة الطعام في بعض غزواته ﵊ رواه عنه ابنه عبد الرحمن قال ابن المنذر قتل ابو عمرة مع علي رضي الله تعالى عنه بصفين أخرج له النسائي فقط كذا قرره الحلبي وقال الدلجي حديثه هذا رواه ابن سعد والبيهقي عنه انتهى وليس بينهما تناف إذ حصر الأول بالنسبة إلى صحاح الستة وهما خارجان عنهم البتة (ومثله) أي مثل مروي عبد الرحمن (لسلمة بن الأكوع وأبي هريرة) كما رواه البخاري عنهما (وعمر بن الخطّاب) كما رواه أبو يعلى بسند جيد عنه (فذكروا) أي هؤلاء الثلاثة (مخمصة) بفتح الميمين أي مجاعة شديدة (أصابت النّاس مع النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَدَعَا بِبَقِيَّةِ الأزواد) جمع زاد والباء زائدة كما في نسخة أي فطلبها ليبرك فيها فتكثر كميتها أو كيفيتها (فجاء الرّجل بالحثية من الطّعام) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة فتحتية أي باليسير منه ويكون قدر الغرفة وفي نسخة بضم الحاء المعجمة وسكون الباء الموحدة فنون فتاء وهي ما يحمل في الحضن (وفوق ذلك) أي في الكثرة أو القلة (وأعلاهم) أي في الزيادة (الَّذِي أَتَى بِالصَّاعِ مِنَ التَّمْرِ فَجَمَعَهُ عَلَى نطع) بكسر النون وفتحها مع سكون الطاء وبفتحتين وكعنب بساط من الأديم كذا في القاموس وقال الحلبي تلميذه أفصحهن كسر النون وفتح الطاء انتهى وتبعه الشمني وهو خلاف ما يتبادر من عبارة القاموس وكذا هو على خلاف ما هو المشهور على ألسنة العامة من فتح النون وسكون الطاء مع أنه أخف أنواع هذه اللغة هذا وقد وقع في اصل الدلجي فجعله باللام بدل فجمعه بالميم فاحتاج لقوله أي ما جمع من الأزواد والظاهر أنه تصحيف والله تعالى أعلم بالمراد (قال سلمة فحزرته) بفتح الحاء المهملة والزاء فسكون الراء أي خمنته وقدرته (كربضة العنز) بفتح الراء وسكون الموحدة فمعجمة وقيل بكسر الراء وصوب لأنه للهيئة والفتح للمرة أي مثل جثتها إذا بركت والعنز هي الأنثى من المعز واشار سلمة بهذا إلى قلة التمر (ثمّ دعا النّاس) أي طلبهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (بأوعيتهم) الأوعية والأزودة واحد وقوله في نص الحديث حتى ملأ القوم ازودتهم قال القاضي في الإكمال كذا الرواية فيه في جميع أصول
[ ١ / ٦٠٩ ]
شيوخنا والأزودة هي الأوعية كما قال في الحديث الآخر أوعيتهم (فما بقي في الجيش وعاء) بكسر الواو أي ظرف وإناء (إلّا ملؤوه وبقي منه) أي قدر ما جعل كما في نسخة أي جمع أولا (وأكثر) وقد يقال أكثر (ولو ورده أهل الأرض لكفاهم) أي لما فيه من خير كثير ولعل هذا معنى قوله تعالى بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) كما روى ابن أبي شيبة والطبراني في الأوسط بسند جيد أنه قال (أمرني النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أن أدعو له) أي أطلب أنا لأجله (أهل الصّفّة) بالضم والتشديد أي من فقراء المهاجرين وكانوا كثيرين من لم يكن له منزل فأووا موضعا مظللا من مسجده صلى الله تعالى عليه وسلم فعن ابن سعد بسنده إلى أبي هريرة قال رأيت ثلاثين رجلا من أهل الصفة يصلون خلف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أردية ثم قال أبو الفتح اليعمري منهم أبو هريرة وأبو ذر وواثلة بن الأسقع وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة لقد رأيت سبعين من أهل الصفة وقد عد من أهل الصفة أبو نعيم في الحلية مائة ونيفا فيهم أبو هريرة وابن الأسقع وأصحاب بئر معونة وفي عوارف المعارف للسهروردي أنهم كانوا نحو أربعمائة والله تعالى أعلم وعد منهم سعد ابن أبي وقاص وعمار بن ياسر وعقبة بن عامر وسلمان وبلال وصهيب وحذيفة وغيرهم قال في نظم الدرر وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد إذا أتت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا وإذا أتته هديه أرسلها إليهم واشركهم فيها وقال صاحب الكشاف أصحاب الصفة كانوا نحو أربعمائة رجل من مهاجري قريش لم يكن لهم مسكن في المدينة ولا عشيرة كانوا في صفة المسجد يتعلمون القرآن بالليل ويرضخون النوى بالنهار وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومن كان عنده فضل طعام بهم إذا أمسى (فتتبّعتهم) بتشديد الموحدة أي فتفحصتهم (حتّى جمعتهم فوضعت بين أيدينا صحفة) أي قصعة مبسوطة (فَأَكَلْنَا مَا شِئْنَا وَفَرَغْنَا وَهِيَ مِثْلُهَا حِينَ وضعت) يعني أنها ما زادت ولا نقصت (إلّا أنّ فيها أثر الأصابع) أي أصابع الآكلين فإنها زادت، (وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁) كما رواه أحمد والبيهقي بسند جيد أنه (قال جمع رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبَ وَكَانُوا أَرْبَعِينَ) أي رجلا (منهم قوم) أي بعض (يأكلون الجذعة) أي الشاة الجذعة وهي بفتح الجيم وسكون الذال المعجمة الداخلة في السنة الثانية إذا كانت من المعز وما أتى عليه ثمانية أشهر من الضأن قيل والمراد بها هنا الإبل كما ورد مفسرا في بعض الأحاديث وهو منها ما يدخل في الخامسة أو الرابعة (ويشربون الفرق) بفتح الفاء والراء وتسكن مكيال يسع اثني ثلاثة آصع بكيل الحجاز وقيل إناء يسع صاعا بصاع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وذلك ستة عشر رطلا (فصنع لهم مدّا من طعام) أي قدر مد وهو بضم الميم مكيال وهو رطلان أو رطل وثلاث أو ملء كفي الإنسان والمعتدل إذا ملأهما ومد يده بهما وبه سمي مدا قال صاحب القاموس وقد جربت ذلك فوجدته صحيحا (فأكلوا) أي منه
[ ١ / ٦١٠ ]
(حتّى شبعوا وبقي كما هو) أي كأن لم يؤكل شيء منه (ثمّ دعا بعس) بضم عين وتشديد سين مهملتين قدح كبير من خشب يروي الثلاثة والأربعة من لبن (فشربوا حتّى رووا) بضم الواو (وبقي كأنّه لم يشرب منه) أي شيء (وقال أنس) أي على ما رواه الشيخان واللفظ لمسلم (إنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم حين ابتنى) أي تزوج ودخل (بزينب) أي بنت جحش قال الحلبي المعروف أن مثل هذه القصة اتفقت في بنائه بصفية وفي شرح مسلم للمصنف أن الراوي أدخل قصة في قصة وقال بعضهم في حديث الصحيح يحتمل أنه اتفق الشيئآن يعني الشاة والحيس (أمره) أي أنسا (أن يدعو له قوما سمّاهم) أي جمعا عينهم بأسمائهم وخصهم ثم عمهم بعطف غيرهم حيث قال (وكلّ من لقيت) أي فدعوتهم (حتّى امتلأ البيت والحجرة) وهي موضع منفرد عنه وقيل يريد بالبيت الصفة وهكذا جاء مفسرا في حديث أنس الآتي في آخر هذا الفصل وهو قوله تزوج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وصنعت أم سليم حيسا إلى قوله حتى ملأوا الصفة والحجرة الحديث وكانت لكل واحد من نسائه صلى الله تعالى عليه وسلم حجرة هي بيتها (فقدّم) وفي نسخة وقدم (إليهم تورا) الفوقية إناء من صفر أو حجارة كالإجانة وهي التي تسمى مركنا طستا أو سطلا وقيل كان (فِيهِ قَدْرُ مُدٍّ مِنْ تَمْرٍ جَعَلَ حَيْسًا) أي بضم سمن وأقط إليه وربما يجعل عوضا عن الأقط دقيق أو فتيت أو سويق (فوضعه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (قدّامه) أي بين يديه (وغمس ثلاث أصابعه) أي فيه (وجعل القوم) أي شرعوا (يتغدّون) بتشديد الدال المهملة المفتوحة من الغداء وهو خلاف العشاء وفي نسخة بالذال المعجمة وهو ما يؤكل أعم من العشاء والغداء قال الحلبي في نسخة التي وقفت عليها بالذال المعجمة وهو غير مناسب لأن الغذاء بكسر الغين وبالذال المعجمتين أعم من الغداء بفتح الغين وبالدال المهملة وفي صحيح مسلم فدعا الناس بعد ارتفاع النهار فذكر القصة وفيه أيضا من حديث اطعمنا الخبز واللحم حين امتد النهار أي ارتفع وهذا صريح في أن ذلك كان في صدر النهار يعني فيناسب الدال المهملة لكن فيه أن المعنى الأخص مندرج في المعنى الأعم والله تعالى أعلم (ويخرجون) أي حتى خرج آخرهم (وبقي التّور) أي بما فيه (نحوا ممّا كان) وهو تمييز لنسبة بقي أو حال من التور (وكانوا) وفي نسخة وَكَانَ الْقَوْمُ (أَحَدًا أَوِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ) وَفِي أصل الدلجي أحد وثلاثين أَوِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ (وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي هذه القصّة) أي قصة وليمة زينب (أو مثلها) أي أو في مثل هذه القصة وهي قصة وليمة صفية (إنّ القوم كانوا زهاء ثلاثمائة) بضم الزاء أي قدرها (وإنّهم أكلوا حتّى شبعوا) بكسر الباء (وقال لي) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن شبعوا (ارفع) أي التور وفي أصل التلمساني لترفع بلام الأمر وتاء المخاطب وهو قليل ومنه قوله تعالى فبذلك فلتفرحوا في قراءة شاذة ومنه قوله ﵊ لتأخذوا مصافكم هذا وعن ابن عمر مرفوعا إذا وضعت القصعة فليأكل أحدكم مما يليه ولا يتناول من ذروة القصعة فإن البركة تأتيها من أعلاها ولا يقوم الرجل حتى ترفع المائدة ولا يرفع يده وإن شبع حتى يرفع
[ ١ / ٦١١ ]
القوم ليعذر فإن ذلك يخجل جليسه ولعله يكون له بالطعام حاجة رواه يحيى بن أبي كثير عن عروة عن ابن عمر فرفعته (فلا أدري) وفي أصل الدلجي فَمَا أَدْرِي (حِينَ وُضِعَتْ كَانَتْ أَكْثَرَ أَمْ حين رفعت) بصيغة التأنيث على بناء المجهول فيهما ولعله التأنيث باعتبار معنى التور من الإجانة ونحوها ولا يبعد أن يكون بصيغتي الفاعل للمتكلم على أن المفعول محذوف والتقدير وضعته ورفعته وأقول بل حين رفعت لحصول البركة وتعلق المعجزة حين رفعها بخلاف حال وضعها (وفي حديث جعفر) أي الصادق (بن محمّد) أي الباقر (عن أبيه) أي أبي جعفر محمد (عن عليّ) أي ابن أبي طالب جد والد محمد وهو زين العابدين علي بن الحسين بن علي كذا رواه ابن سعد منقطعا لأن محمدا ووالده لم يدركا عليا فقول الحلبي رواية الباقر عن علي مرسلة فيه نوع مسامحة (أنّ فاطمة طبخت قدرا) أي طعام قدر أو ذكرت المحل وأرادت الحال (لغذائهما) بفتح الغين المعجمة والدال المهملة (ووجّهت عليّا) أي أرسلته (إلى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) وفي أصل التلمساني في النبي أي في طلبه والتوجه إليه أو في بمعنى إلى (ليتغذى معهما) أي فجاءها (فأمرها فغرفت منها لجميع نسائه صحفة صحفة) وهن كن تسعا عائشة وحفصة وزينب وأم حبيبة وأم سلمة وسودة وميمونة قرشيات وصفية قرظية وجويرية مصطلقية (ثمّ له ﵊ ثم لعليّ ولها) أي ولأولادها أو ولمن كان معها (ثمّ رفعت القدر وإنّها لتفيض) بفتح الفوقية أي لتفور وتسيل من جوانبها (قالت) أي فاطمة (فأكلنا) وفي نسخة وأكلنا (منها ما شاء الله) أي أن نأكل منها.
(وأمر) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (عمر بن الخطاب أن يزوّد) بتشديد الواو المكسورة أي يعطي الزاد (أربعمائة راكب من أحمس) بفتح الهمزة والميم اسم رجل نسب إليه قبيلة معروفة والحماسة الشجاعة والشدة في الديانة ولذا سميت قريش الحمس لشدتهم في دينهم وذلك أنهم كانوا ايام منى لا يستظلون ولا يدخلون البيوت من أبوابها وفي رواية أربعمائة راكب من مزينة وهي قبيلة من مضر (فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هِيَ إِلَّا أصوع) بضم الواو جمع صاع قال الجوهري وإن شئت أبدلت من الواو المضمومة همزة وفي نسخة آصع بهمزة ممدودة وصاد مضمومة قال ابن قرقول وجاء في كثير من الروايات آصع والصواب أصوع (قال اذهب) أي فزودهم منه (فذهب فزوّدهم منه وكان) أي الذي أعطاهم (قدر الفصيل) أي ولد الناقة إذا فصل عن أمه أي فطم (الرّابض) بكسر الموحدة أي الحقير أو البارك (من التّمر وبقي) أي التمر بعد تزويدهم منه (بحاله) أي كان لم يؤخذ منه شيء (من) أي هذا الحديث من (رواية دكين) بالتصغير وأوله دال وقيل راء (الأحمسيّ) رواها أبو داود في الأدب إلا أنه قال عن دكين بن سعيد المزني قال أتينا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فسألناه الطعام أي الزاد فقال يا عمر اذهب فأعطهم فارتقى بنا إلى علية بضم العين وتشديد اللام المكسورة فتحتية مشددة أي غرفة فأخذ المفتاح من حجزته بالزاي ففتح أي فأعطانا ما أعطانا قال الحلبي يقال له الأحمسي والمزني والخثعمي له صحبة وليس له في الكتب إلا في سنن أبي
[ ١ / ٦١٢ ]
داود وليس له فيه إلا هذا الحديث وهو مختصر منه (ومن رواية جرير) يعني أيضا (ومثله من رواية النّعمان) بضم النون (ابن مقرّن) بتشديد الراء المكسورة وقيل بالسكون والتخفيف أحمسي أيضا اسلم مع إخوته الستة وقال السهيلي بنو مقرن المزني هم البكاءن الذين نزل فيهم قوله ﷾ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ الآية (الخبر) بالرفع أي الحديث هذا (بعينه) أي من غير زيادة ونقصان فيه على ما رواه أحمد والبيهقي بسند صحيح عنه (إلّا أنّه قال) أي النعمان (أربعمائة راكب من مزينة) أي كما مر عن أبي داود هذا والخبر مرفوع على أنه خبر ومثله مبتدأ وأبعد الدلجي بقوله منصوب بأعني (ومن ذلك) أي من قبيل تكثير الشيء ببركة دعائه وعظمة ثنائه (حَدِيثُ جَابِرٍ فِي دَيْنِ أَبِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ) كما رواه البخاري عنه (وقد كان) أي جابر (بذل لغرماء أبيه أصل ماله) أي أراد أن يبذل لهم أو عرض عليهم ورضي لهم أن يأخذوا جميع ماله وبذل بالمعجمة أي أعطى وأما بالمهملة فبمعنى العوض (فلم يقبلوه) أي استحقارا لأصل ماله لعدم الوفاء بكماله كما بينه بقوله (ولم يكن في ثمرها سنتين) أي ثمر البساتين المعبر عنها بأصل ماله أو ثمر نخيل جابر أو أبيه بكماله (كفاف دينهم) بفتح الكاف أي وفاء لأدائه قال الدلجي ومنه قول الحسن ابدأ بمن تعول ولا تلام على كفاف أي إذا لم يكن عندك كفاف فلا تلام على عدم اعطائه انتهى والكفاف قوت الرزق والأظهر أن المعنى فلا تلام على تحصيل ما يكفيك من المال عن السؤال وتشتت البال ثم صدر الكلام وهو قوله ابدأ بمن تعول من حديثه ﵊ كما رواه الطبراني عن حكيم بن حزام (فجاءه النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن أمره) أي جابرا (بجدّها) بفتح الجيم وتشديد الدال المهملة أي بقطع ثمرها (وجعلها بيادر في أصولها) بفتح الموحدة وكسر الدال المهملة جمع بيدر أي جعلها كومات تحت نخيلها (فمشى فيها) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (ودعا) أي بالبركة فيه (فأوفى) أي أعطى (منه جابر غرماء أبيه وفضل) تقدم الكلام عليه وقال التلمساني تثلث ضاده والكسر أعلى أي زاد (مثل ما كانوا يجدّون) بضم الجيم وكسرها وتشديد الدال المهملة أي يقطعون (كُلَّ سَنَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ مِثْلُ مَا أَعْطَاهُمْ) أي فضل (قال) أي جابر (وكان الغرماء يهود) خبر كان غير منصرف علم طائفة من اليهود (فعجبوا) بكسر الجيم أي فتعجبوا (من ذلك) أي لما عظم موقعه عندهم مع خفاء سببه إذ هو شأن العجب وسبب تعجبهم هو وفاء دينهم الكثير من الشيء اليسير مع زيادته بدعائه وبركته فإن هذا وأمثاله مما ذكر سابقا ولا حقا من أعلى المعجزات وأعظم الكرامات. (وقال أبو هريرة) على ما رواه البيهقي عنه (أصاب النّاس مخمصة) أي مجاعة شديدة (فقال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هل من شيء) أي أهل عندك بعض شيء فمن تبعيضية لا زائدة كما قاله الدلجي ثم تنكير شيء للتقليل فيفيد المبالغة في المطالبة ولو بشيء يسير أو قدر حقير (قلت نعم) أي عندي (شيء) أي قليل (من التّمر في المزود) بكسر الميم وفتح الواو وعاء من جلد يجعل فيه الزاد (قال فأتني به) أي فأتيته به (فأدخل يده. فأخرج قبضة) بفتح
[ ١ / ٦١٣ ]
القاف أي مرة من القبض بمعنى مقبوضة كالغرفة بمعنى المغروفة وهي مأخوذة من القبض وهو الأخذ بجميع الكف وبالضم اسم للشيء المقبوض كالغرفة بالضم بمعنى المغروف والرواية بالفتح كما ذكر الحجازي وهو ملء الكف قال الحلبي ويفتح أيضا ويؤيده ما في القاموس القبضة وضمه أكثر ما قبضت عليه من شيء هذا وفي نسخة بالصاد المهملة ففي القاموس قبصه تناوله بأطراف أصابعه وذلك المتناول القبضة بالفتح والضم والقبضة من الطعام ما حملت كفاك ويضم انتهى ولا يخفى أن هذا المبنى أبلغ في المعنى (فبسطها) أي يده (ودعا بالبركة) أي لما فيها، (ثمّ قال ادع عشرة) أي فدعوتهم (فأكلوا حتّى شبعوا ثمّ عشرة) بالنصب أي دعوتهم (كذلك) على ما في نسخة أي فأكلوا حتى شبعوا وهكذا بقية من هنالك (حتّى أطعم الجيش كلّهم وشبعوا) أي وتركوا فضلهم وقد سبقت الحكمة في الاقتصار على العشرة في الجفنة وقيل خصت العشرة لأن لها فضلا حيث إن الله تعالى أقسم بها وفي العشر ليلة القدر وفيها ليلة النحر وفيها يوم عاشوراء وقال تعالى وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ وقال تلك عشرة كاملة (وقال) وفي نسخة قال وفي نسخة ثم قال أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (خذ ما جئت به) أي مع الزيادة الحاصلة من البركة (وأدخل يدك) أي فيه (واقبض منه) بكسر الموحدة (ولا تكبّه) بفتح التاء وضم الكاف وتشديد الموحدة المفتوحة وقد تضم أي لا تقلبه (فقبضت) أي فأخذت (عَلَى أَكْثَرِ مِمَّا جِئْتُ بِهِ فَأَكَلْتُ مِنْهُ وأطعمت) أي غيري أيضا (حياة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي مدة حياته (وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ إِلَى أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ) وهو عام خمس وثلاثين (فانتهب منّي) بصيغة المجهول أي سلب (فذهب) أي فاستمر غائبا عني في المكان ولعل فقده حينئذ لفساد الزمان (وفي رواية) أي حسنة للترمذي (لقد) وفي نسخة فَقَدْ (حَمَلْتُ مِنْ ذَلِكَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا) كناية عن عدد مقدار ما حمله (مِنْ وَسْقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَذُكِرَتْ مِثْلُ هذه الحكاية في غزوة تبوك) أي من الرواية (وأنّ التّمر) بكسر الهمزة والجملة حالية (كان بضع عشرة تمرة) وروي بضعة عشر والأول أولى (ومنه) أي ومن تكثير الطعام ببركة دعائه ﵊ (أيضا) كما في نسخة أي كما وقع مكررا في مقام المرام (حديث أبي هريرة) كما رواه البخاري (حين أصابه الجوع) يعني أبا هريرة (فاستتبعه النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي فأمره أن يتبعه فتبعه (فوجد) أي النبي أو أبو هريرة (لبنا) أي قليلا (في قدح) أي صغير (قد أهدي إليه) أي إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (وأمره) أي أبا هريرة (أن يدعو أهل الصّفّة) أي بقيتهم إليه (قال) أبو هريرة رضي الله تعالى عنه (فقلت) أي في نفسي (ما هذا اللّبن) أي ما تأثيره (فيهم) والاستفهام بمعنى النفي أي لا يغني من شبعهم شيئا (كنت) أي أنا وحدي (أحقّ أن أصيب منه شربة) أي مرة واحدة وأغرب التلمساني في قوله بضم الشين (أتقوّى بها) يعني ولعلها تكفيني أم لا ومع هذا امتثلت الأمر (فدعوتهم) أي فحضروا (وذكر) أي أبو هريرة (أمر النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم له أن يسقيهم) بفتح الياء الأولى وضمها ولفظ الدلجي وأمرني أن أسقيهم ولعله نقل بالمعنى وتغيير
[ ١ / ٦١٤ ]
في المبنى (فجعلت) أي شرعت (أعطي الرّجل فيشرب حتّى يروى) بفتح الياء والواو (ثمّ يأخذه الآخر) أي فيشرب (حتّى) يروى وهكذا حتى (روي جميعهم) بكسر الواو ولفظ الدلجي حتى رووا جميعهم بضم الواو على صيغة الجمع، (قال) أي أبو هريرة (فأخذ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم القدح) أي قدح اللبن (وقال بقيت، أنا) تأكيد لضمير بقيت ليصح عليه عطف قوله (وأنت) نحو قوله تعالى اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (اقعد) أمر أدب (فاشرب فشربت، ثم قال اشرب) أي فشربت كما في أصل الدلجي (وما زال يقولها) أي كلمة أشرب (وأشرب حتّى قلت لا) أي لا أشرب أو لا أقدر على زيادة الشرب (والذي بعثك بالحقّ) أي إلى كافة الخلق (ما أجد) وفي نسخة صحيحة لا أجد (له مسلكا) أي مساغا وهو يحتمل أن يكون جوابا للقسم أو مستأنفا مبينا لامتناعه كأنه علة له (فأخذ) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (القدح فحمد الله) أي على ما منحه من البركة (وسمّى وشرب الفضلة) أي البقية وفيه إيذان بأن أفضل القوم يكون آخرهم شربا ذكره الدلجي وفي الحديث ساقي القوم آخرهم شربا رواه الترمذي وابن ماجة عن أبي قتادة وغيرهما عن غيره وفيه تنبيه أيضا على وجه حكمة تأخير أبي هريرة عن القوم مع الإيماء إلى وجه اختيار الإيثار لا سيما حال المخمصة والاضطرار والله تعالى أعلم بهذه الأسرار وعن عبد الله بن الحارث عن أبيه عن أبي عبد الرحمن السلمي قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اتخذوا عند الفقراء أيادي فإن لهم دولة قيل يا رسول الله وما دولتهم قال ينادى يوم القيامة يا معشر الفقراء قوموا فلا يبقى فقيرا إلا قام حتى إذا اجتمعوا قيل ادخلوا إلى صفوف أهل القيامة فمن صنع معكم معروفا فأوردوه الجنة قال فجعل يجتمع على الرجل كذا وكذا من الناس فيقول له الرجل الم أكسك فيصدقه ويقول الآخر يا فلان الم أكلم لك فلانا فلا يزال يخبرونه بما صنعوا إليه وهو يصدقهم حتى يذهب بهم جميعا حتى يدخلهم الجنة فيبقى قوم لم يكونوا يصنعون المعروف يا ليتنا كنا نصنع المعروف حتى ندخل الجنة وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان ممن كان قبلكم ملك مسرف على نفسه وكان مسلما وإذا أكل طعامه طرح ثفاله طعامه على مزبلة فكان يأوي إليها عابد فإن وجد كسرة اكلها وإن وجد بقلة أكلها وإن وجد عرقا تعرقه قال فلم يزل كذلك حتى قبض الله ذلك الملك فأدخله النار فخرج العابد إلى الصحراء مقتصرا على بقلها ومائها ثم إنه ﷾ قبض ذلك العابد فقال له هل لأحد عليك معروف تكافئه قال لا يا رب قال فمن أين كان معاشك وهو اعلم به منه قال كنت آوي إلى مزبلة ملك فإن وجدت كسرة أكلتها وإن وجدت بقلة أكلتها وان وجدت عرقا تعرقته فقبضته فخرجت إلى البرية مقتصرا على بقلها ومائها فأمره تعالى أن خذ بيده فأدخله الجنة من معروف كان منه إليك وهو لم يعلم به أما إنه لو علم به ما أدخلته النار. (وفي حديث خالد بن عبد العزّى) أي ابن سلامة الخزاعي له صحبة روى عنه ابنه مسعود إلا أن حديثه ليس في الكتب الستة على ما في التجريد كما ذكره الحلبي وقال الدلجي حديثه هذا
[ ١ / ٦١٥ ]
رواه البيهقي عنه (أنّه أجزر النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي أعطاه (شاة) أي تصلح للجزر وهو الذبح ولا تكون إلا من الغنم فلا يقال أجزرت القوم ناقة لأنها قد تصلح لغير الذبح إذ نزل عليه بالجعرانة وظل عنده وأمسى ثم بدت له صلى الله تعالى عليه وسلم العمرة فأرسل إلى رجل من تهامة يقال له مخرش بن عبد الله ليأخذ به طريقا إلى مكة يأمن فيه على نفسه لخوفه من دخولها وحده فانحدر به إلى الوادي حتى بلغا اشغاب قال يا مخرش من هذا المكان إلى الكر وما والاه فهو لخالد وما بقي من الوادي فهو لك ثم سار به حتى قضى نسكه وأحله مخرش أي حلقه ثم رجعا إلى خالد (وكان عيال خالد) بكسر العين أي من يعوله (كثيرا) أي عددهم (يذبح الشّاة) حال أو استئناف مبين لكثرتهم واللام في الشاة للجنس فهو في حكم النكرة أي قد يذبح خالد شاة (فلا تبدّ عياله) بضم الفوقية وكسر الموحدة وتشديد الدال المهملة من بد الشيء وأبده فرقه وأعطى كل واحد بدنه أي نصيبه على حدته قاله الهروي وفي الحديث اللهم أحصهم عددا وأقتلهم بددا أي متفرقين واحدا بعد واحد والمعنى لا نكفي الشاة كلهم إذا فرقت عليهم (عظما عظما وإنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بكسر الهمزة جملة حالية (أكل من هذه الشّاة) أي التي أجزرها إياه (وجعل فضلتها) أي بقيتها (فِي دَلْوِ خَالِدٍ وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فَنَثَرَ) بفتح الموحدة فضم المثلثة بعدها راء أي كثر (ذلك لعياله) وفي نسخة صحيحة بالنون والمثلثة والمفتوحتين أي انتثر ذلك لعياله حتى وسعهم وقيل أي صبه وأخرجه ورمى به (فأكلوا وأفضلوا) أي ودخلوا في زيادة البركة (ذكر خبره الدّولابي) بضم الدال المهملة أنصاري رازي سمع محمد بن بشار وغيره من طبقته بالحرمين والعراق ومصر والشام وغيرها وصنف التصانيف وروى عنه ابن أبي حاتم وابن عدي والطبراني وغيرهم قال الدارقطني تكلموا فيه وما تبين في أمره الأخير توفي بين مكة والمدينة بالعرج في ذي القعدة سنة عشر وثلاثمائة هذا وقد قال ابن ماكولا في الإكمال ما لفظه وأما خناش أوله خاء معجمة مضمومة وبعدها نون وآخره شين معجمة فهو أبو خناش خالد بن عبد العزى في الصحابة ذكره أبو بشر الدولابي في كتاب الاسماء والكنى بسنده إلى أن قال عن مسعود بن خالد عن خالد بن عبد العزى بن سلامة أنه أجزر النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةً وَكَانَ عِيَالُ خَالِدٍ كَثِيرًا يذبح الشاة فلا تبد عياله عظما عظما وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أكل منها ثم قال أرني دلوك يا أبا خناش ووضع فيها فضلة الشاة ثم قال اللهم بارك لأبي خناش فانقلب به فنثره لهم وقال تواسعوا فيه فأكل عياله وأفضلوا ذكره الحلبي (وفي حديث الآجرّيّ) بهمزة ممدودة وضم جيم وتشديد راء وبعده ياء نسبة صاحب كتاب الشريعة وهو أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي منسوب إلى عمل الآجر (في إنكاح النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لعليّ فاطمة) أي في تزويجها له (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِلَالًا بِقَصْعَةٍ مِنْ أَرْبَعَةِ أمداد أو خمسة) أي من دقيق خبز شعير أو حنطة (ويذبح جزورا) أي بعيرا (لوليمتها) وفي نسخة ويذبح جزورا بصيغة المضارع وفي
[ ١ / ٦١٦ ]
أخرى وبذبح جزور بمصدر مضاف، (قال) أي بلال (فأتيته بذلك) أي فجئت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالذي أمره أن يصنعه من القصعة (فطعن في رأسها) أي في أعلاها بيديه لتنزل البركة عليه، (ثمّ أدخل النّاس) أي أمرهم بالدخول عليه (رفقة رفقة) بضم الراء وجوز تثليثها أي جماعة بعد جماعة (يأكلون منها) وفي نسخة صحيحة فأكلوا منها (حتّى فزعوا) أي عنها (وبقيت منها فضلة) وفي نسخة فضلة منها أي بقية وزيادة (فبرّك) بتشديد الراء أي فدعا بالبركة (فيها وأمر بحملها إلى أزواجه) أي من النساء التسع (وقال) أي لهن بعد إساله إليهن (كلن) أي بأنفسكن (وأطعمن من غشيكنّ) أي أتاكن وحضر عندكن فإن البركة توافي كلكن (وفي حديث أنس) كما رواه الشيخان (تزوّج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعض نسائه) قال الحلبي تقدم أن هذا كان في ابتنائه بصفية (فصنعت أمّي أمّ سليم) بالتصغير (حيسا) تقدم مبناه ومعناه (فجعلته في تور) سبق كذلك (فذهبت) أي أنا وفي نسخة فبعثتني (به) أي بالتور إلى رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَقَالَ ضَعْهُ وَادْعُ لِي فُلَانًا وفلانا) أي كأبي بكر وعمر خصوصا. (ومن لقيت) أي من غيرهما عموما (فدعوتهم) أي المعينين جميعهم (ولم أدع) بفتح الدال أي ولم أترك (أحدا لقيته) أي في طريقي ذاهبا وآئبا (إلّا دعوته وذكر) أي أنس (أنّهم) أي المدعوين والمجتمعين لا كما قال الدلجي أي الذين دعاهم (كانوا زهاء ثلاثمائة) أي مقدارهم تقريبا (حتّى ملؤوا الصُّفَّةَ وَالْحُجْرَةَ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم: تحلّقوا) بفتح اللام المشددة أي استديروا كالحلقة المفرغة (عشرة عشرة) أي كل عشرة حلقة أو كل حلقة عشرة (ووضع النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يده على الطّعام) أي المسمى بالحيس الذي صنعته أم سليم وجاء به أنس إليه ﵊ (فدعا فيه) أي بما شاء الله من الدعاء (وقال ما شاء الله أن يقول) أي من أصناف الاسماء وأنواع الثناء (فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا كُلُّهُمْ، فَقَالَ لِي ارْفَعْ) فرفعته (فَمَا أَدْرِي حِينَ وُضِعَتْ كَانَتْ أَكْثَرَ أَمْ حين رفعت) بصيغة المجهول فيهما ولا يبعد أن يضبط بصيغة المتكلم المعلوم وتأنيث الضمير مع أنه راجع إلى التور باعتبار الآنية ووقع في أصل الدلجي وضع ورفع بصيغة التذكير فيتعين كونهما للمفعول كما لا يخفى (وأكثر أحاديث هذه الفصول الثّلاثة) أي التي أولهما فصل نبع الماء من بين أصابعه (فِي الصَّحِيحِ وَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَى مَعْنَى حَدِيثِ هذا الفصل) وفي نسخة حديث الفصل هذا ووقع في أصل الدلجي حديث هذه الفصول (بضعة عشر) بكسر الباء وتفتح أي ثلاثة عشر أو أكثر (من الصّحابة) وأما قول الجوهري تقول بضع سنين وبضعة عشر رجلا فإذا جاوزت العشر لا تقول يضع وعشرون فهو منقوض بقوله ﵊ صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ ببضع وعشرين درجة ولقوله في حديث مسلم وغيره الإيمان بضع وسبعون شبعة (رواه عنهم) أي روى معنى حديث هذا الفصل أو هذه الفصول عمن ذكر من الصحابة (أضعافهم من التّابعين ثمّ) أي بعدهم رواه عن أضعافهم منهم (من لا ينعدّ) بصيغة المجهول أي لا يحصر وفي نسخة لا ينعد (بعدهم) أي من تابعيهم (وأكثرها) أي
[ ١ / ٦١٧ ]
وأكثر أحاديث هذه الفصول الثلاث وردت (في قصص مشهورة) بكسر القاف أي حكايات مأثورة (ومجامع مشهودة) أي محصورة مما تقدم فيها (ولا يمكن التّحدّث عنها إلّا بالحقّ) أي على وفق الصدق حذرا من التكذيب في رواية منها (ولا يسكت الحاضر لها) أي المشاهد لها (على ما أنكر منها) حذرا من أن ينسب إليه ما لا يليق بجنابه.
فصل [في كلام الشجر وشهادتها له بالنبوة وإجابتها دعوته]
(في كلام الشجر وشهادتها له بالنبوة وإجابتها دعوته صلى الله تعالى عليه وسلم قال) أي المصنف (حدّثنا أحمد بن محمّد بن غلبون) بفتح فسكون فضم موحدة وهو منصرف وقد يمنع بناء على أن مطلق المزيدتين علة عدم الانصراف (الشّيخ الصّالح فيما أجاز فيه) هذه لغة حكاها ابن فارس والمعروف أجازه لي ذكره الحلبي وغيره (عن أبي عمر) وفي نسخة أبي عمرو بالواو (الطّلمنكيّ) بتشديد لام مفتوحة فميم مفتوحة ونون ساكنة (عن أبي بكر بن المهندس) بكسر الدال (عن أبي القاسم البغوي) بفتحتين وهو الحافظ الكبير السند البغوي الأصل البغدادي ابن بنت أحمد بن منيع البغوي روى عن أحمد بن حنبل عاش مائة وثلاث سنين وتوفي ليلة عيد الفطر سنة سبع عشرة وثلاثمائة وله ترجمة في الميزان وقال في آخرها وهذا الشيخ الحجازي يعني به أبا العباس أحمد بن الشحنة راوي صحيح البخاري وغيره بينه وبين البغوي أربعة أنفس وهذا شيء لا نظير له في الاعصار وذلك أن الحجازي توفي سنة ثلاث وسبعمائة فيكون بين وفاته ووفاة البغوي أربعمائة سنة وبضع عشرة (حدّثنا أحمد بن عمران الأخنسيّ) بفتح الهمزة وسكون المعجمة روى عنه ابن أبي الدنيا وغيره (حدّثنا أبو حيّان) بتشديد التحتية (التّيميّ) وفيه أن الأخنسي لم يدركه على ما صرح به المزي ولعله اسقط محمد بن فضيل ويؤيده أنه وجد في نسخة صحيحة قبله حدثنا محمد بن فضيل ويؤيده ما سيأتي المصنف في أول فصل في الآيات في ضروب الحيوانات حديثا في إسناده حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلَاءِ أَحْمَدُ بْنُ عِمْرَانَ حَدَّثَنَا محمد بن فضيل الخ والله تعالى أعلم (وكان) أي أبو حيان (صدوقا) وقد روي عن أبي زرعة والشعبي وعنه يحيى القطان وأبو أسامة أخرج له الأئمة الستة (عن مجاهد) تابعي جليل (عن ابن عمر) وقد رواه الدارمي والبيهقي والبزار أيضا عنه (قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم في سفر فدنا) أي قرب (منه أعرابيّ) أي بدوي (فقال يا أعرابيّ أين تريد قال أهلي) أي أريد أهلي أو أهلي أريدهم وفي نسخة إلى أهلي أي مرادي التوجه إليهم (قال هل لك) أي ميل ورغبة (إلى خير) أي من أهلك أو خير محض لك في حالك ومآلك (قال وما هو) أي ذلك الأمر أو الخير (قال تشهد) أي أن تشهد أي شهادتك أو خبر معناه أمر أي أشهد (أن) مخففة من المثقلة حذف اسمها أي أنه (لا إله) موجود أو معبود أو مشهود (إلّا الله وحده) حال مؤكدة أي متوحدا ومنفردا (لا شريك له) أي في وحدانية ذاته وسبحانية صفاته (وأنّ محمّدا عبده ورسوله) إلى كافة مخلوقاته (قال من
[ ١ / ٦١٨ ]
يشهد لك على ما تقول) أي من دعوى التوحيد والرسالة (قال هذه الشّجرة السّمرة) بفتح فضم وهي بدل مما قبلها فإنها من الطلح شجر عظام من العضاة له شوك كثير وظل يسير قالوا وهو شجر الصمغ العربي (وهي بشاطىء الوادي) أي طرفه وجانبه (فأقبلت) أي بمجرد قوله ﵊ هذه الشجرة تشهد على حقية الإسلام وفي نسخة صحيحة فادعها فإنها تجيبك وفي أخرى تجبك قال أي الأعرابي فدعوتها فأقبلت وهذا أبلغ في قبول الإجابة والمعنى فشرعت الشجرة في الإتيان إليه صلى الله تعالى عليه وسلم (تخذّ الأرض) بضم الخاء المعجمة وتشديد الدال المهملة ومنه الأخدود وهو الشق في الأرض أي حال كونها تشق الأرض وتسعى إليه على ساق بلا قدم (حتّى قامت) أي وقفت كما في نسخة (بين يديه فاستشهدها ثلاثا) أي طلب منها أن تشهد ثلاث مرات (فشهدت) أي ثلاثا (أنّه) أي الأمر (كما قال) أي النبي ﵊ أن الله واحد لا شريك له وأنه عبد الله ورسوله (ثمّ رجعت إلى مكانها. وعن بريدة) بالتصغير وهو ابن الحصيب بن عبد الله الأسلمي أسلم حين مر به ﵊ مهاجرا ثم قدم المدينة قبل الخندق وشهد الحديبية ومات بمدينة مرو بخراسان غازيا وأما بريدة بن سفيان الأسلمي فلا صحبة له وإن ذكره بعضهم في الصحابة بل هو تابعي متكلم فيه كما رواه البزار عنه أنه قال (سأل أعرابيّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم آية) أي علامة تكون معجزة دالة على صدق الرسالة (فَقَالَ لَهُ قُلْ لِتِلْكَ الشَّجَرَةِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم يدعوك قال) أي بريدة (فقالت الشَّجَرَةُ عَنْ يَمِينِهَا وَشِمَالِهَا وَبَيْنَ يَدَيْهَا وَخَلْفَهَا) أي من جهاتها كلها واضطربت في مكانها وارتفعت في شأنها متوجهة بجميع دواعيها إلى داعيها (فتقطّعت عروقها) أي المتعلقة بأصولها (ثمّ جاءت تحدّ الأرض تجرّ عروقها) حالان متداخلان أو مترادفان (مغبرّة) بتشديد الراء أو الباء (حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله) قال الدلجي لعله صلى الله تعالى عليه وسلم رد ﵍ مكافأة لها لا وجوبا إذ ليست مكلفة انتهى وتعليله غير مستقيم كما لا يخفى (قال) وفي نسخة فقال (الأعرابيّ مرها فلترجع إلى منبتها) بكسر الموحدة سماعا وتفتح قياسا (فرجعت) أي بعد أمره لها (فدلّت عروقها) بتشديد اللام أي أرسلتها ومكنتها (في ذلك) أي المكان قال التلمساني الموضع سقط عند العرفي وثبت عند غيره (فاستوت) أي قائمة (فقال الأعرابيّ ائذن لي) يقرأ في الوصل بسكون همزة الأصل وفي الابتداء بهمزة الوصل وإبدال همزة الأصل بالياء أي مرني (أسجد لك) جواب الأمر وفي نسخة صحيحة أن أَسْجُدْ لَكَ (قَالَ لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يسجد لأحد) أي غير الله ﷾ (لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) أي لما عليها من حقوقه. (قال فأذن لي) وفي نسخة فقال ائذن لي (أقبل) وفي نسخة أن أقبل (يديك ورجليك فأذن له) أي فقبلها.
(وفي الصّحيح) أي صحيح مسلم (في حديث جابر بن عبد الله) أي الأنصاري كما في نسخة وهما صحابيان جليلان (الطّويل) نعت الحديث (ذهب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
[ ١ / ٦١٩ ]
يقضي حاجته) كناية عن فعل الغائط أو البول (فلم ير شيئا يستتر به) أي من عيون الينس والجن فتحير في أمره (فإذا بشجرتين) أي ثابتتين أو نابتتين (بشاطىء الوادي) أي في جانبه (فانطلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ذهب (إلى إحدهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال) أي لها كما في نسخة (انقادي عليّ) أي استسلمي لي واطيعيني (بإذن الله) أي بأمره وتيسيره (فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ) أي يلاينه وينقاد له وهو بالخاء والشينين المعجمات الذي جعل في أنفه خشاش وهو بالكسر عود يربط عليه حبل ويجعل في أنفه ويشد به الزمام لينقاد بسهولة ثم إن كان من شعر فهو خزامة أو من صفر أو حديد فهو برة بضم موحدة فتخفيف راء (وذكر) أي جابر (أنّه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (فعل بالأخرى) أي من الشجرتين (كذلك) أي مثل ما فعل بالأولى (حتّى إذا كان بالمنصف) بفتح الميم وإسكان النون وفتح الصاد وتكسر أي وسط الطريق (بينهما) أي بين موضعيهما وهو بيان أو تأكيد (قال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم للشجرتين (التئما) أي اجتمعا وانضما (عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَالْتَأَمَتَا. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى) أي لمسلم وغيره (فقال يا جابر قل لهذه الشّجرة) أي التي بشاطىء الوادي (يقول لك رسول الله الحقي) بفتح الحاء أي اجتمعي واتصلي (بصاحبتك) أي بنظيرتك وهي الشجرة التي في مقابلتك (حتّى أجلس خلفكما) أي فأقضى حاجتي مستترا بكما وفي أصل الدلجي حتى يجلس بناء على المعنى (ففعلت فرجعت) أي الشجرة عن حالتها التي كانت عليها وفي نسخة فزحفت بالزاء والحاء المهملة والفاء أي انتقلت من محلها (حتّى لحقت بصاحبتها فجلس خلفهما) الظاهر أن القضية متكررة وأن الشجرة الواحدة ما كانت تصلح أن تكون سترة (فخرجت أحضر) بضم الهمزة وسكون الحاء المهملة وكسر المعجمة أي أعدو وأجري وإنما فعل ذلك رضي الله تعالى عنه لئلا يحس به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قريب منه فيأذي بقربه (وجلست أحدّث نفسي) أي بهذا الأمر الغريب والحال العجيب (فالتفتّ) أي فنظرت إلى أحد طرفي (فإذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي فاجأته بغتة فأبصرته. (مقبلا والشّجرتان قد افترقتا) أي من محل اجتماعهما وانتقلتا إلى موضعهما (فقامت كلّ واحدة منهما على ساق) أي في منبتها (فوقف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقفة) أي خفيفة (فقال برأسه) أي فأومأ له أو فأومأ به إلى الشجرتين (هكذا يمينا وشمالا) تفصيل لما قبله إجمالا ولعله كان وداعا للشجرتين أو لمن هناك من الملائكة وأما قول الدلجي وقد تبعه التلمساني إذنا منه لهما بالرجوع إلى مكانهما فيأباه الفاء كما لا يخفى على أهل الوفاء.
(وروى أسامة بن زيد نحوه) أي كما رواه البيهقي وأبو يعلى بسند حسن عنه (قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم في بعض مغازيه) أي غزواته (هل تعني) بالفوقية أي تقصد وتعين (مكانا لحاجة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي لقضاء حاجته فيه وتصحف الدلجي وضبط لفظ تعني بالتحتية وتكلف بقوله هل استفهام اكتفى به عن المستفهم
[ ١ / ٦٢٠ ]
عنه استهجانا للتصريح باسمه ومن ثمة بينه الراوي بقوله يعني مكانا لحاجته نعم هذا إنما يصح بناء على نسخة هل ترى يعني مكانا الخ وقد تبعه التلمساني فقال أي ترى أو تجد وهو أما أحذفه للعلم به وأما حذفه الراوي لأنه لم يسمعه أو لم يفهمه أو لم يجده في أصله انتهى وكله تكلف وتعسف مستغنى عنه (فَقُلْتُ إِنَّ الْوَادِيَ مَا فِيهِ مَوْضِعٌ بِالنَّاسِ) أي ليس فيه مكان مستقر بهم بل كله خال عنهم فما التفت إلى كلامه حيث لم يكن على وفق مرامه (فَقَالَ هَلْ تَرَى مِنْ نَخْلٍ أَوْ حِجَارَةٍ) أي ولو في بعد وأغرب التلمساني في قوله إن بالناس معمول إن أي غاص أو ملآن أو عامر أو كائن وكائن بعيد هنا ثم قال موضع يستتر فيه أو يقضي الحاجة وحذف للعلم به (قلت أرى نخلات) بفتح الخاء (متقاربات) بكسر الراء وتفتح وفي أصل التلمساني مقاربات (قَالَ انْطَلِقْ وَقُلْ لَهُنَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ) وفي نسخة أن رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَأْمُرُكُنَّ أَنْ تَأْتِينَ لِمَخْرَجِ رَسُولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي لتستره بكن (وقل للحجارة) أي لجنسها من الحجارات هنالك (مثل ذلك) أي كما قلته للنخلات من الإتيان لمخرجه (فقلت ذلك لهنّ فو الّذي بعثه بالحقّ) فيه تلويح إلى جواز القسم بالأمر العظيم ذكره الدلجي والصواب أنه قسم بفعل الله الكريم (لَقَدْ رَأَيْتُ النَّخَلَاتِ يَتَقَارَبْنَ حَتَّى اجْتَمَعْنَ وَالْحِجَارَةَ) أي ورأيت الحجارة (يتعاقدن حتّى صرن ركاما) بضم الراء أي متراكمة بعضها فوق بعض (خلفهنّ) أي وراء النخلات (فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ قَالَ لِي قُلْ لَهُنَّ) أي لمجموع النخلات والحجارة (يفترقن) أي ليفترقن أو مجزوم على جواب الأمر مبالغة في تأثيره لهن نحو قوله تعالى قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ الآية ثم قال جابر (والّذي نفسي بيده) وغاير بين القسمين تفننا (لرأيتهنّ) أي النخلات (والحجارة يفترقن) أي بجميع أفرادهن (حتّى عدن) بضم العين أي صرن على حالهن ورجعن (إلى مواضعهنّ وقال يعلى بن سيّابة) بسين مهملة بعدها تحتية مخففة مفتوحتين فألف فموحدة أمه وأبوه مرة وله صحبة أيضا حضر الحديبية وخيبر والفتح والطائف وفي تجريد الذهبي أن يعلى بن مرة بن وهب الثقفي بايع تحت الشجرة وله دار بالبصرة ولم يتعرض لكونه ابن سيابة وقد ذكره في التهذيب فجعلهما واحدا وكذا المزي جعلهما واحدا ثم قال وزعم أبو حاتم أنهما اثنان انتهى وسيأتي قريبا في كلام المصنف ما يؤيد الأول وقد روى حديثه هذا أحمد والبيهقي والطبراني بسند صحيح عنه أنه قال (كنت مع النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في مسير) أي سير سفر (وذكر نحوا من هذين الحديثين وذكر) أي يعلى (فأمر) أي المصطفى (وديّتين) بفتح الواو وكسر الدال المهملة وتشديد التحتية أي نخلتين صغيرتين وضبطهما الشمني بفتح الواو فسكون الدال وتخفيف الياء (فانضمّتا) أي اجتمعتا وفي أصل الحجازي فانضما قال وصححه المزي بالتأنيث وكذا رأيته في النسخ المصححة (وفي رواية أشاءتين) بفتح الهمزة والشين المعجمة الممدودة بمعنى وديتين وضبط في نسخة بكسر الهمزة وهو سبق قلم مخالف لما في كتب اللغة (وعن غيلان بن سلمة الثّقفيّ) بفتحتين نسبة إلى قبيلة ثقيف وغيلان هذا بفتح الغين
[ ١ / ٦٢١ ]
المعجمة اسلم بعد الطائف وله عشر نسوة فأمره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يمسك أربعا ويفارق سائرهن فذهب فقهاء الحجاز إلى أنه يختار أربعا كما شاء وفقهاء العراق إلى أن يمسك الأربع التي تزوجها أولا وهو ممن وفد على كسرى وخبره معه عجيب قال له كسرى ذات يوم أي ولدك أحب إليك فقال له غيلان الصغير حتى يكبر والمريض حتى يبرأ والغائب حتى يؤوب فقال له كسرى زه مالك ولهذا الكلام هذا من كلام الحكماء وأنت من قوم جفاة لا حكمة فيهم فما غذاؤك قال خبز البر قال هذا العقل من البر لا من اللبن والتمر وكان شاعرا توفي في آخر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم (مثله) أي نحو ما سبق مروي غيره (في شجرتين) أي من اجتماعهما وافتراقهما (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم مثله في غزاة حنين) بفتح الغين أي غزوته (وعن يعلى بن مرّة) وهو أبوه (وهو ابن سيّابة) وهي أمه (أيضا) أي هما واحد لا اثنان كما توهم بعضهم (وذكر) أي يعلى (أشياء) أي من خوارق العادات (رآها من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فذكر أنّ طلحة) بالتنوين واحدة الطلح شجر عظيم من شجر العضاة وبه سمي طلحة (أو سمرة) تقدم أنها بضم الميم وأنها من شجر الطلح فأوشك من الراوي كذا قرره الشراح وارادوا الشك في رواية المبنى مع اتحاد المعنى والأظهر أن السمرة نوع خاص من جنس شجر الطلح ويحتمل أن يكون أو بمعنى بل (جاءت) أي إحديهما أو أخريهما (فأطافت به) أي المت به وقاربته على ما في القاموس وفي أصل الدلجي فطافت به أي دارت حوله صلى الله تعالى عليه وسلم (ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَنْبَتِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم إنّها) أي الشجرة المذكورة (استأذنت) أي ربها (أن تسلّم عليّ) أي فأذن لها فجاءت وسلمت. (وفي حديث عبد الله بن مسعود) أي عند الشيخين (آذنت) بهمزة ممدودة وفتح الذال والنون أي اعلمت (النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بالجنّ) أي بإتيانهم إليه وحضورهم لديه (ليلة استمعوا له) أي لقراءته أو لكلامه (شجرة) فاعل آذنت وهي سمرة على ما في بعض السنن قال الدلجي وفيه تلويح بأنه لم يرهم ولم يقرأ عليهم وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته انتهى وفيه أنه ثبت تصريح بتوجهه صلى الله تعالى عليه وسلم إليهم للقراءة عليهم وقد اخبر ببعض صورهم مما رآه لديهم نعم فيه إيماء بإتيان الشجرة في حضورهم حال الابتداء (وعن مجاهد عن ابن مسعود) نقل الحافظ العلاء عن أبي زرعة أنه مرسل ولا مضرة فإنه عند الجمهور حجة (في هذا الحديث) أي المتقدم آنفا (أنّ الجنّ قالوا من يشهد لك) أي بأنك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (قال هذه الشّجرة) أي الحاضرة (تعالي يا شجرة) بفتح اللام وسكون الياء وقد تكسر لامه كما قرئ في تعالوا بالضم وأغرب التلمساني حيث جزم بأن اللام مكسورة واقتصر عليها أي ارتفعي إلي عن مقامك واطلبي من عندي مرامك (فجاءت تجرّ عروقها) أي من محل أصولها (لها) أي لعروقها (قعاقع) بفتح القاف الأولى وكسر الثانية جمع قعقعة وهي حكاية حركة شيء يسمع له صوت من سلاح ونحوه (وذكر) أي مجاهد أو ابن مسعود (مثل
[ ١ / ٦٢٢ ]
الحديث الأوّل) أي في مبناه (أو نحوه) أي باعتبار معناه من اتيان الشجرة وبيان الشهادة ورجوعها إلى مكانها الأول فتأمل (قال القاضي أبو الفضل) أي المصنف (فَهَذَا ابْنُ عُمَرَ وَبُرَيْدَةُ وَجَابِرٌ وَابْنُ مَسْعُودٍ ويعلى بن مرّة وأسامة بن زيد) راعي الترتيب بينهم لا باعتبار مراتبهم بل على حسب روايتهم لكن كان حقه على هذا أن يقدم أسامة ويعلى على ابن مسعود وإلا فهو أجل الصحابة بعد الخلفاء الأربعة ثم قوله (وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وابن عبّاس) بناء على ما سيأتي عنهم وقوله (وغيرهم) أي كالحسن وابن فورك وابن إسحاق من الأئمة المذكورين هنا ومنهم عمر أو عمرو على اختلاف فيهما (قد اتّفقوا على هذه القصّة نفسها) أي باعتبار مبناها (أو معناها ورواها عنهم من التّابعين أضعافهم) أي في العدة لا في الرتبة (فصارت في انتشارها) أي في فشو هذه القصة (من القوّة حيث هي) أي على حالها الاول؛ (وذكر ابن فورك) بضم الفاء يضرف ويمنع وهو الأظهر (أنّه صلى الله تعالى عليه وسلم سار في غزوة الطّائف) وهي كانت في السنة الثامنة بعد الفتح وبعد حنين وفي أصل الدلجي زيد وحنين (ليلا) أي من الليالي (وهو وسن) بفتح الواو وكسر المهملة صفة مشبهة من الوسن بفتحتين وهو أول النوم ومقدمته ومنه السنة وأصلها الوسنة كالعدة والمعنى ليس بمستغرق في النوم بل هو نعسان (فاعترضته) أي ظهرت في عرض وجهه (سدرة) أي وهو سائر (فانفرجت له نصفين حتّى جاز) أي جاوز (بينهما وبقيت) أي تلك الشجرة (على ساقين) أي من غير التيام لهما (إلى وقتنا) أي هذا كما في نسخة (وهي) أي تلك الشجرة (هناك) أي في طريق الطائف (معروفة معظّمة) قلت ولعلها كانت في زمانهم وأما في وماننا هذا فليست مشهورة. (ومن ذلك) أي ومن قبيل ما ذكر من إجابة الشجرة (حديث أنس) كما رواه ابن ماجة والدارمي والبيهقي عَنْهُ (أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم ورآه) أي وقد رأى جبريل النبي عليهما الصلاة والسلام (حزينا) أي من تكذيب قومه له فالجملة حال من ضمير قال (أتحبّ أن أريك آية) أي علامة على صحة نبوتك وصدق رسالتك (قال نعم) أي أحب أن تريني آية من آيات ربي ليطمئن قلبي (فنظر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى شجرة) أي بعيدة كائنة (من وراء الوادي) أي الذي كان فيه والمعنى من قدامه أو خلفه (فقال) أي لجبريل ويحتمل عكس هذا القيل (ادع تلك الشّجرة) أي فدعاها (فجاءت تمشي) أي إليه (حتّى قامت) أي وقفت (بين يديه قال) كما مر (مرها فلترجع) أي إلى منبتها كما في نسخة وفي نسخة إلى مكانها أي فأمرها بالرجوع إلى محلها (فعادت إلى مكانها) أي مما كانت فيه أي في ابتداء حالها؛ (وعن عليّ نحو هذا) أي الحديث الذي رواه أنس (ولم يذكر) أي علي (فيه) أي في مرويه وفي نسخة فيها أي في هذه الرواية (جبريل) يعني بل فيه (قال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على ما رواه أبو نعيم عنه (اللهمّ أرني آية) أي معجزة اطمئن بها وادفع الحزن عني بسببها ويكون من جملة نعتها (لا أبالي) أي لا أكترث ولا أحزن (من كذّبني بعدها فدعا شجرة) أي فجاءته (وذكر) أي على
[ ١ / ٦٢٣ ]
(مثله) أي مثل حديث أنس (وحزنه صلى الله تعالى عليه وسلم لتكذيب قومه) أي لا لضيق حاله وقلة ماله فكان حزنه لأمر دينه ومرضاة ربه فإن قلت سبق في حديث هند بن أبي هالة أن ابن القيم قال إنه صلى الله تعالى عليه وسلم لا يجوز أن يكون حزنه على الكفار لأن الله تعالى قد نهاه عنه قلت لعل الحزن في الحديث المفسر هنا قبل النهي عن حزنه على الكفار على أن حزنه لتكذيب قومه لا يلزم أن يكون حزنا عليهم لجواز أن يكون لما نسبوه إليه مما هو معصوم منه وهو الكذب عليه (وطلبه) بالرفع أي واستدعاؤه (الآية) أي المعجزة (لهم) أي لاستقامة أمته أو إقامة حجته (لا له) أي لا للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم لكمال يقينه في معرفته وعدم تردد في طويته (وذكر ابن إسحاق) أي إمام المغازي وكذا رواه أبو نعيم عن أبي أمامة (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أرى ركانة) بضم الراء وهو ابن عبد يزيد صحابي صارعه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأما ركانة المصري الكندي غير منسوب فمختلف في صحبته كذا حققه الفيروز آبادي (مثل هذه الآية) أي المعجزة (في شجرة دعاها) أي طلبها (فأتت) أي جاءت إليه (حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ ارْجِعِي فرجعت) أي إلى محلها (وعن الحسن) أي برواية البيهقي مرسلا (أنّه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَكَا إِلَى رَبِّهِ مِنْ قَوْمِهِ) أي بعضهم (وأنّهم يخوّفونه) أي بضربه أو حبسه أو إخراجه أو قتله (وسأله آية) أي علامة (يعلم بها) أي يزيد علمه بها ويطمئن قلبه بسببها (أن لا مخافة عليه) أن مخففة من المثقلة أي أنه كذا ذكره الدلجي والظاهر أن أن هنا مصدرية ومحلها نصب على المفعولية والمعنى يعرف بها عدم المخافة عليه من إيصال أذيتهم إليه (فأوحي إليه) بصيغة المفعول وفي نسخة بصيغة الفاعل وفي أخرى فأوحى الله إليه (أن ائت وادي كذا) وروي أرأيت وادي كذا أي أبصرت أو علمت وأن مصدرية أو تفسيرية (فيه شجرة) أي عظيمة وهي بالرفع مبتدأ خبره الجار قبله قال التلمساني أو بالنصب بفعل مضمر أي فانظر فيه شجرة أو اطلب انتهى ولا يخفى تكلفه بل تعسفه كما يدل عليه قوله (فادع غصنا منها) أي من الشجرة أو أغصانها (يأتك) وفي نسخة يأتيك بإثبات الياء على أنه مرفوع أو مجزوم على لغة (ففعل) أي ما ذكر (فجاء) أي الغصن منها (يخطّ الأرض خطّا) أي يشقها شقا بأثرها في الإتيان إليه (حتّى انتصب) أي وقف (بين يديه) أي أمامه وقدامه وأغرب التلمساني حيث فسر انتصب بقوله حبس وغرابته من جهة المبنى والمعنى لا تخفى (فحبسه ما شاء الله) أي من زمان بقائه لديه (ثمّ قال له ارجع كما جئت) أي على وجه خرق العادة (فرجع) أي يخط الأرض خطا حتى قام بمنبته (فَقَالَ يَا رَبِّ عَلِمْتُ أَنْ لَا مَخَافَةَ عليّ) أي بعد إراءتك لي هذه الآية وكان صاحب البردة أشار إلى هذه الزبدة بقوله:
جاءت لدعوته الأشجار ساجدة تمشي إليه على ساق بلا قدم
كأنما سطرت سطرا لما كتبت فروعها من بديع الخط في اللقم
[ ١ / ٦٢٤ ]
(ونحو منه) أي من مروي الحسن كما رواه البزار وأبو يعلى والبيهقي بسند حسن (عن عمر ﵁) أي ابن الخطاب وفي نسخة عن عمرو أي ابن العاص (وقال) أي أحدهما (فيه) أي مرويه أو وقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في دعائه بعد قوله (اللَّهُمَّ أَرِنِي آيَةً لَا أُبَالِي مَنْ كَذَّبَنِي بعدها وذكر) وفي نسخة فذكر أي الراوي المختلف فيه بقية الحديث (نحوه) أي نحو ما رواه الحسن (وعن ابن عبّاس) كما رواه البخاري في تاريخه والدارمي والبيهقي (أنّه صلى الله تعالى عليه وسلم: قال لأعرابيّ أرأيت) أي أخبرني (إن دعوت هذا العذق) بكسر العين المهملة وسكون الذال المعجمة أي العرجون بما فيه من الشماريخ والعرجون عود العذق الذي كبه الشماريخ وهي العيدان التي عليها البسر والعذق بالفتح النخلة كلها (من هذه النّخلة) أي الحاضرة وأجابتني (أتشهد أنّي رسول الله قال نعم فدعاه فجعل ينقز) بضم القاف ويكسر وبالزاء أي فشرع يثب إليه متوجها لديه (حتّى أتاه) أي أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (فَقَالَ ارْجِعْ فَعَادَ إِلَى مَكَانِهِ وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ) بتشديد الراء أي أخرجه في جامعه (وقال هذا حديث صحيح) ووقع في أصل الدلجي وغيره حسن صحيح فقيل جمع بينهما لروايته من طريقين أحديهما تقتضي صحته والأخرى حسنه أو حسن لذاته صحيح لغيره باعتبار تعاضد رواياته أو حسن لغة صحيح حجة.
فصل [في قصة حنين الجذع له صلى الله تعالى عليه وسلم]
(في قصة حنين الجذع له صلى الله تعالى عليه وسلم ويعضد) بضم الضاد أي يقوي ويؤيد (هذه الأخبار) أي الأحاديث السابقة الواردة في كلام الأشجار ومجيئها إلى سيد الأخيار (حديث أنين الجذع) وفي نسخة حنين الجذع أي شوقه إليه وبكائه لديه صلى الله تعالى عليه وسلم والجذع بكسر الجيم أصل النخلة والمراد به هنا ما كان من عمد المسجد وكان يتكئ عليه حال الخطبة وسيجيء بقية القصة (وهو) أي وحديثه هذا (في نفسه) أي باعتبار مبناه (مشهور) أي عند السلف (منتشر) أي عند الخلف (والخبر به) أي بانينه وحنينه باعتبار معناه (متواتر) أي يفيد العلم القطعي لمن اطلع على طريق الحديث الآحادي المفيد بانفراده العلم الظني قال الحلبي وكذا قال غيره إنه متواتر وقد أبعد التلمساني حيث قال أراد به التواتر اللغوي يقال تواترت الكتب أي جاء بعضها في أثر بعض من غير أن ينقطع والأول أظهر فتدبر وقد قال السهيلي حديث خوار الجذع وحنينه منقول بالتواتر لكثرة من شاهد خواره من الخلف وكلهم نقل ذلك أو سمعه من غيره فلم ينكره أحد انتهى وسببه ما بينه المصنف بقوله (قد خرّجه) بتشديد الراء أي أخرجه (أهل الصحيح) أي ممن التزم الصحة في رواياته الواردة في كتابه كالبخاري ومسلم وابن حبان وابن خزيمة (ورواه من الصّحابة بضعة عشر) بكسر الموحدة وتفتح أي ثلاثة أو أكثر إلى تسعة إذ البضع منها إليها (منهم) أي بعضهم وهم عشرة منهم (أبيّ بن كعب) وهو أقرأ الصحابة وقد رواه عنه الشافعي وابن ماجة والدارمي والبيهقي
[ ١ / ٦٢٥ ]
(وجاب بن عبد الله) أي الصحابي ابن الصحابي وسيأتي حديثه (وأنس بن مالك) وهو خادمه ﵊ وحديثه في الترمذي وصححه (وعبد الله بن عمر) وهو أشهر من أن يذكر (وعبد الله بن عباس) أي ابن عم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (وسهل بن سعد) الساعدي رضي الله تعالى عنهما وحديثه رواه الشيخان (وأبو سعيد الخدريّ) رواه عنه الدارمي (وبريدة) بالتصغير وقد سبق ذكره (وأمّ سلمة) أي أم المؤمنين رواه عنها البيهقي (والمطّلب) بتشديد الطاء (ابن أبي وداعة) بفتح الواو وهو من مسلمة الفتح وقد رواه عنه الزبير بن بكار في أخبار المدينة (كلّهم) أي جميع المذكورين وغيرهم (يحدّث) أفرد ضميره باعتبار لفظ كل أي يحدثون (بمعنى هذا الحديث) أي وإن كانت الفاظهم مختلفة في باب التحديث وعلى هذا المنبى حصل التواتر في المعنى (قال التّرمذيّ وحديث أنس صحيح) أي إسناده (قال وفي نسخة وقال (جابر) أي ابن عبد الله كما في نسخة صحيحة (كان المسجد) أي مسجد المدينة وهو المسجد النبوي (مسقوفا على جذوع نخل) بمعنى نخيل فإنه اسم جنس ثم بناه عمر ثم عثمان رضي الله تعالى عنهما (وكان) وفي نسخة فكان (النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي دائما أو غالبا (إذا خطب يقوم إلى جذع) أي معين (منها) أي من تلك الجذوع (فلمّا صنع له المنبر) بصيغة المجهول وقد صنعه له غلام امرأة من الأنصار أو غيره من اثل الغابة وله ثلاث درجات (سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار) بكسر مهملة فمعجمة جمع عشراء بضم وفتح ممدودة وهي الناقة الحامل أو التي أتي لحملها عشرة أشهر على القول الأشهر وظاهر هذا الحديث أن الجذع بمجرد صنع المنبر قبل طلوع سيد البشر صدر منه البكاء لما أحس من علامة قرب البعد عن مقام دنا وحال الاتكاء. (وفي رواية أنس) أي وهي قوله فلما قعد على المنبر خار الجذع كخوار الثور أي صاح كصياحه (حتّى ارتجّ) بتشديد الجيم أي اضطرب وارتعد (المسجد) أي بأهله (لخواره) بضم الخاء المعجمة وبالواو وفي نسخة بالباء السببية بدل اللام للعلة وفي نسخة بضم الجيم فهمزة مفتوحة بعدها ألف وهو أظهر في هذا المقام باعتبار تمام المرام ففي القاموس جأر جؤارا إذا رفع صوته بالدعاء وتضرع واستغاث والبقرة والثور صاحا وأما الخوار بضم الخاء المعجمة من صوت البقر والغنم والظباء والسهام انتهى قال الحجازي وأما بالخاء المعجمة والواو المخففة فصياح الثور ولا أعلم به رواية انتهى والحلبي جعله أصلا ونسب الأول إلى نسخة في الهامش واليمني اقتصر على الثاني وجوز الشمني الوجهين والحاصل أن رواية الجيم أعم وفي الدراية أتم والله تعالى أعلم. (وفي رواية سهل) أي ابن سعد الساعدي (وكثر بكاء النّاس لما رأوا به) أي من الحنين والأنين من جهة التبعد عن خدمة سيد المرسلين أو من خشيته من التنزل في درجته وهو بكسر اللام وتخفيف الميم ويجوز بفتح اللام وتشديد الميم كما قرئ بهما في قوله تعالى وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا. (وفي رواية المطّلب) أي ابن أبي وداعة السهمي وزيد في نسخة صحيحة وأبي ويشير إليه قول الحلبي وهو بضم الهمزة وفتح
[ ١ / ٦٢٦ ]
الموحدة ثم ياء مشددة (حتّى تصدّع) بتشديد الدال أي تشقق (وانشقّ) عطف تفسير قاله الدلجي وغيره والأظهر أن المعنى واستمر على انشقاقه (حتّى جاء) أي أتاه (النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فوضع يده عليه) أي تسلية لما لديه (فسكت) أي حيث سكن إليه وسيأتي في رواية أنه عانقه بيديه؛ (زاد غيره) أي غير المطلب ومن معه وقال الدلجي في رواية الشافعي عن أبي بن كعب (فقال النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ هَذَا بَكَى لِمَا فَقَدَ) صلى الله تعالى عليه وسلم بالوجهين أي بعد (من الذّكر) أي الموعظة البليغة في الخطبة ومنه قوله تعالى فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ (وزاد غيره) أي غير ذلك الغير وفي رواية أبي يعلى عن أنس، (والّذي نفسي بيده) أي بتصرف قدرته وقبضة إرادته (لو لم ألتزمه) أي اعتنقه (لم يزل هكذا) أي باكيا (إلى يوم القيامة تحزّنا) بضم الزاي إظهارا للحزن الزائد على الصبر (على رسول الله) أي على فراقه (صلى الله تعالى عليه وسلم) وما أحسن من قال من بعض أرباب الحال:
الصبر يحمد في المواطن كلها إلا عليك فإنه مذموم
(فأمر به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فدفن تحت المنبر) أي حتى يقرب إلى الذكر وما يتبعه من أثر الخير (كذا في حديث المطّلب) أي السهمي (وسهل بن سعد) أي الساعدي (وإسحاق) أي ابن عبد الله بن أبي طلحة وهو تابعي روى عن أبيه وعدة وعنه مالك وابن عيينة وجماعة وهو حجة ثقة أخرج له الأئمة الستة (عن أنس) وهو عمه من أمه (وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ سَهْلٍ فَدُفِنَتْ تَحْتَ منبره أو جعلت في السّقف) أي في سقف المسجد شك من الراوي ولعل وجه التأنيث كونه جذع النخلة فاكتسب التأنيث من الإضافة وفي أصل التلمساني فدفن قال وفي طريق فدفنت فأراد الخشبة وقال البرقي إنما دفنه وهو جماد لأنه صار في حكم المؤمن لحبه وحنينه قلت ولعل دفنه تحت منبره ليكون على قربه ولا يحرم من سماع ذكره وأما المنبر فقد احترق أول ليلة من رمضان سنة أربع وخمسين وستمائة وكان ذلك على الناس من أعظم مصيبة. (وفي حديث أبيّ) أي ابن كعب (فكان) أي أولا (إذا صلّى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم صلّى إليه) وهو لا ينافي أنه عند خطبته كان يعتمد عليه فلما (هدم المسجد) أي عند إرادة تجديده وتوسيعه في تحديده وهو في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه ليزيد فيه من جهة القبلة توسعة للأمة أو في أيام إباحة يزيد المدينة في أحد الأيام الثلاثة (أَخَذَهُ أُبَيٌّ فَكَانَ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ أَكَلَتْهُ الأرض) كذا في النسخة المصححة والمراد بها الدابة التي يقال لها الأرضة سميت بفعلها وأضيفت إليه في آية سبأ بقوله تعالى دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ قال المزي المشهور عند أهل الحديث الأرضة (وعاد رفاتا) بضم الراء ففاء فتاء فوقية أي وصار دقاقا وفتاتا قال الحلبي قوله إلى أن أكلته الأرض كذا في النسخة التي وقفت عليها بالشفاء والحديث المذكور أعني حديث أبي وهو مطول في مسند أحمد وفيه الأرضة وهي دابة تأكل الخشب وهو باختصار في سنن ابن ماجة في الصلاة انتهى
[ ١ / ٦٢٧ ]
وهذا يدل على تصحيح رواية جعله في السقف وينبغي أن يحمل رواية دفنه تحت منبره بعد أن أكلته الأرض عند أبي حفظا له عن تفرقه وصونا له عن مهانته وتحرقه وما أحسن مناسبة ما تحت منبره كون قبره لحصول دوام ذكره وتمام شكره فإن منبره على حوضه وحوضه داخل في روضه. (وذكر الإسفراييني) بكسر الهمزة وسكون السين وفتح الفاء وتكسر فراء ممدودة فهمزة فنون فياء نسبة إلى بلد في العجم في خراسان وفي نسخة بنون بين ياءين والظاهر أن المراد به أبو إسحاق ويحتمل أنه أبو حامد (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم دعاه إلى نفسه فجاءه يخرق) بضم الراء وكسرها أي يشق (الأرض فالتزمه) أي اعتنقه تودعا منه (ثمّ أمره فعاد إلى مكانه) والحاصل أن قصة حنين الجذع واحدة لرجوعها إلى معنى واحد في المآل وما وقع في ألفاظها من اختلاف الأقوال مما ظاهره التغاير الموجب للإشكال فمن تفاوت تقول الرجال والله تعالى أعلم بحقيقة الحال (وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ فَقَالَ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) أي خطابا للجذع (إن شئت أردّك إلى الحائط) أي البستان (الّذي كنت فيه) أي أولا على حالك قبل أن تصير محولا كما بينه بقوله (ينبت لك) بصيغة الفاعل ويجوز بالبناء ويجوز للمفعول أي يخرج لك (عروقك) وتثبت في محل أصولك (ويكمل) بفتح فسكون فضم وبضم ففتح فتشديد ميم مفتوحة أي ويتم (خلقك) أي خلقتك على ما عليه فطرتك (ويجدّد لك خوص) بضم الخاء ورق النخل (وثمرة) بالمثلثة (وإن شئت أغرسك) بكسر الراء (في الجنّة) أي الموعودة (فيأكل أولياء الله من ثمرك) أي تمرك، (ثمّ أصغى له النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ألقى له سمعه وقرب رأسه إليه (يستمع ما يقول) أي مما يرده عليه (فقال بل تَغْرِسُنِي فِي الْجَنَّةِ فَيَأْكُلُ مِنِّي أَوْلِيَاءُ اللَّهِ تعالى) أي في دار النعمة (وأكون) أي ثابتا ونابتا (في مكان لا أبلى فيه) بفتح الهمزة واللام أي لا أخلق ولا أعتق ولا أفنى قال الحلبي أبلى بفتح الهمزة ووقع في النسخة التي وقفت عليها الآن مضموم الهمزة بالقلم ولا يصح قلت يصح أن يكون مجهولا من أبلاه متعدي بلى كما صرح بإسناده صاحب القاموس (فسمعه) أي كلام الجذع (من يليه) أي يقربه والضمير له أي للنبي ﵊ قيل وممن سمعه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال غاب الجذع فلم ير بعد ذلك ذكره التلمساني (فقال النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم: قد فعلت) أي قبلت أو جزمت على هذا الفعل أو غرست كما أردت. (ثمّ قال) أي النبي ﵊ (اخْتَارَ دَارَ الْبَقَاءِ عَلَى دَارِ الْفَنَاءِ فَكَانَ الحسن) أي البصري (إذا حدّث بهذا) أي الحديث (بكى وقال يا عباد الله الخشبة) أي مع كونها في حد ذاتها ليست من أهل الرقة والخشية (تحنّ) بفتح فكسر فتشديد نون أي تميل (إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شوقا إليه لمكانه) أي لمكانه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عنده ﷾ أو لأجل مكانه المتبعد من مكانها (فأنتم أحقّ أن تشتاقوا إلى لقائه) ولله در القائل من أهل الفضائل:
[ ١ / ٦٢٨ ]
وألقى حتى في الجمادات حبه فكانت لإهداء السلام له تهدى
وفارق جذعا كان يخطب عنده فأنّ انين الأم إذ تجد الفقدا
يحن إليه الجذع يا قوم هكذا أما نحن أولى أن نحنّ له وجدا
إذا كان جذع لم يطق بعد ساعة فليس وفاء أن نطيق له بعدا
(رواه) أي الحديث الذي مر (عن جابر حفص بن عبيد الله) بالتصغير (ويقال عبد الله بن حفص) قال الحلبي ويقال جعفر بن عبد الله والصواب الأول وأنه حفص بن عبيد الله بن أنس بن مالك يروي عن جده وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما وغيرهما وعنه ابن إسحاق وأسامة بن زيد وجماعة قال أبو حاتم لا يثبت له السماع إلا من جده انتهى وحديثه هذا عن جابر في البخاري (وأيمن) أي الحبشي مولى ابن أبي عمرة المخزومي قال الذهبي في الميزان ما روى عنه سوى ولده عبد الواحد ففيه جهالة لكن وثقه أبو زرعة وقال ابن القطان إذا وثق وروى عنه واحد انتفت الجهالة وقد أخرج البخاري وحده لأيمن (وأبو نضرة) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة واسمه المنذر بن مالك تابعي يروي عن علي مرسلا وعن ابن عباس وأبي سعيد وعنه قتادة وعوف قال الحلبي وقع في النسخة التي وقفت عليها الآن بالشفاء أبو بصرة بنقطة تحت الباء وهذا شيء لا نعرفه ولا أعلم أبا بصرة غير واحد واسمه جميل وهو صحابي غفاري وليس له شيء عن جابر فيما أعلم (وابن المسيّب) تابعي جليل (وسعيد بن أبي كرب) بفتح فكسر وهو منصرف وفي نسخة بفتح فسكون وهو همداني وثق (وكريب) بالتصغير يروي عن مولاه ابن عباس وعائشة وجماعة وعنه ابناه وموسى بن عقبة وطائفة وثقوه (وأبو صالح) أريد به ذكوان السمان وقد تقدم (ورواه) أي الحديث الذي سبق (عن أنس بن مالك، الحسن) أي البصري (وثابت) وهو كاسمه ثابت (وإسحاق بن أبي طلحة) مر ذكره (ورواه عن ابن عمر نافع) أي مولاه وهو من اعلام التابعين (وأبو حيّة) بتشديد التحتية كلبي كوفي روى عن عمر وهناك أبو حية روى عن علي (ورواه أبو نضرة) وهو الذي سبق ذكره قال التلمساني وهو في الموضعين في الأصل بموحدة من أسفل وصاد مهملة وصوابه بنون مفتوحة وضاد معجمة وهكذا عند الحلبي والأنطاكي (وأبو الودّاك) بتشديد الدال أي رويا الحديث المتقدم كلاهما (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَعَمَّارُ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ) بتشديد الميم أي روى الحديث المذكور (عن ابن عبّاس وأبو حازم) بكسر الزاء وهو سلمة بن دينار الأعرج المدني أحد الأعلام (وعباس) بتشديد الموحدة (ابن سهل) أي ابن سعد الساعدي كلاهما (عن سهل بن سعد) أي عن ابيه (وكثير بن زيد) الاسلمي أو الأيلي (عن المطّلب) أي ابن أبي وداعة (وعبد الله بن بريدة) وهو قاضي مرو وعالمها (عن أبيه والطّفيل بن أبيّ) بالتصغير فيهما كنيته أبو بطن لعظم بطنه (عن أبيه) أي أبي بن كعب. (قال القاضي أبو الفضل) أي المصنف (وفّقه الله فهذا حديث: كما تراه أخرجه) وفي نسخة خرجه (أهل
[ ١ / ٦٢٩ ]
الصّحّة) أي من أرباب الحفظ والثقة (ورواه من الصحابة من ذكرنا) أي من أجلائهم (وغيرهم) بالرفع (من التّابعين ضعفهم) أي زائد عليهم أو قدرهم مرتين منضمين (إلى من لم نذكره) أي للاختصار أو لعدم الاستحضار أو لعدم الاشتهار (وبدون هذا العدد) أي وبجمع أقل من هذا العدد المذكور وفي نسخة وبدون هذا العدد (يقع العلم) أي القطعي (لمن اعتنى بهذا الباب) أي اهتم بشأنه وجمع جميع ما يتعلق ببيانه (والله المثبّت) بتشديد الموحدة ويجوز تخفيفها أي من شاء من عباده (على الصّواب) .
فصل [ومثل هذا وقع في سائر الجمادات بمسه ودعوته]
(ومثل هذا) أي ما ذكر من حنين الجذع وقع له (في سائر الجمادات) أي بقيتها أو جملتها من غير النباتات التي هي قريبة من الحيوانات فهو في باب المعجزة أقرب وفي خرق العادة أغرب (حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عيسى التّيميّ) وفي نسخة ابن محمد (حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ المرابط) بضم الميم وكسر الموحدة أذن له أبو عمرو الداني (ثنا المهلّب) بتشديد اللام المفتوحة (ثنا أبو القاسم حدّثنا أبو الحسن القابسيّ) بكسر الموحدة (حدّثنا المروزيّ ثنا الفربري) بفتح الفاء ويكسر (حدّثنا البخاريّ) صاحب الصحيح (حدّثنا محمد بن المثنّى) بتشديد النون المفتوحة (حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ) بالتصغير نسبه إلى جده فإنه محمد بن عبد الله بن الزبير وليس من ولد الزبير بن العوام بل هو كوفي مولى لبني اسد قال بندار ما رأيت أحفظ منه وقال آخر كان يصوم الدهر (قال حدّثنا إسرائيل) أي ابن يونس بن أبي إسحاق إسماعيل السبيعي الكوفي أحد الاعلام وثقه أحمد وغيره وضعفه ابن المديني وغيره أخرج له الأئمة الستة (عن منصور) أي ابن المعتمر أبو عتاب السلمي من أئمة الكوفة يروي عن أبي وائل وزيد بن وهب وعنه شعبة والسفيانان (عن إبراهيم) أي ابن يزيد النخعي (عن علقمة) أي ابن قيس (عن ابن مسعود قال: لقد كنّا) أي نحن معشر الصحابة معه صلى الله تعالى عليه وسلم (نسمع تسبيح الطّعام وهو يؤكل) جملة حالية والحديث هذا قد ساقه القاضي كما رأيت من رواية البخاري وهو من علامات النبوة وخوارق العادة وقد أخرجه الترمذي في المناقب وقال حسن صحيح ذكره الحلبي، (وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) وفي أصل الدلجي وفي رواية عنه أيضا وقال كما في الترمذي (كُنَّا نَأْكُلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم الطّعام ونحن نسمع تسبيحه) أي تسبيح الطعام والجملة حالية من ضمير تأكل، (وقال أنس) وفي نسخة وعن أنس كما روى ابن عساكر في تاريخه (أخذ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كفا من حصى) أي حجارة دقاق (فَسَبَّحْنَ فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم حتّى سمعن التّسبيح ثمّ صبّهنّ) أي حولهن واضعا لهن (في يد أبي بكر فسبّحن ثمّ) أي بعده وقعن (في أيدينا فما سبّحن وروى مثله) أي مثل حديث أنس (أبو ذرّ ﵁) على ما رواه البزار والطبراني في الأوسط والبيهقي عنه
[ ١ / ٦٣٠ ]
(وذكر) أي أبو ذر (أَنَّهُنَّ سَبَّحْنَ فِي كَفِّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵄) ولعل القضية متعددة (وقال عليّ) وفي نسخة وعن عَلِيٌّ (كُنَّا بِمَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم فخرج إلى بعض نواحيها) أي جهاتها وأطرافها (فما استقبله) أي ما واجهه (شجرة) وفي نسخة شجر (ولا جبل) أي حجر كما روي (إِلَّا قَالَ لَهُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله) رواه الدارمي والترمذي بسند حسن قال ابن إسحاق وهذا مما بدئ به صلى الله تعالى عليه وسلم من النبوة. (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم إنّي لأعرف) وفي رواية الآن (حجرا بمكّة كان يسلّم عليّ) أي يقال السلام عليك يا رسول الله رواه مسلم؛ (قيل إنّه الحجر الأسود) وقيل إنه الحجر المتكلم ومال إليه القابسي وقال إنه الحجر المبني للجدار المقابل لدار أبي بكر قال السهيلي روي في بعض المسندات إِنَّهُ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ. (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنها قالت قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (لمّا استقبلني جبريل بالرّسالة جعلت) أي شرعت (لا أمرّ) بفتح همز وضم ميم وتشديد راء من المرور (بحجر ولا شجر) وفي نسخة صحيحة بتقديم شجر على حجر وهو الأظهر فتدبر (إِلَّا قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁) كما رواه البيهقي (لم يكن النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمُرُّ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ إِلَّا سجد له) أي إنقاد وتواضع له بنحو السلام أو السجود التحية والإكرام كإخوة يوسف ﵇ له أو كالملائكة لآدم ﵇ بجعله قبلة، (وفي حديث العبّاس) على ما رواه البيهقي أيضا (إذا اشتمل عليه) أي على عمه (النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى بنيه) أي بني عمه وهم عبد الله وعبيد الله والفضل وقثم (بملاءة) بميم مضمومة ولام فألف ممدودة ريطة كالملحفة قطعة واحدة وأما قول الدلجي بهمزة ممدودة فسهو قلم من أثر وهم نشأ له تبعا للحلبي في قوله بهمزة مفتوحة ممدودة (ودعا لهم) أي للعباس وبنيه (بالسّتر من النّار) بفتح السين مصدر والاسم بالكسر بمعنى الحجاب ويؤيد الأول قوله (كستره إيّاهم بملاءته) كأن قال يا رب هذا عمي وصنو أبي وهؤلاء بنوه فأسترهم من النار كستري إياهم بملاءتي هذه (فأمّنت) بتشديد الميم أي تكلمت بكلمة آمين (أسكفّة الباب) بضم الهمزة والكاف وتشديد الفاء أي عتبته (وحوائط البيت) جمع حائط يعني الجدار وجدرانه المحدقة به من جميع نواحيه (آمين آمين) كرر إما تأكيدا أو تقديرا لوقوعه مكررا أو باعتبار كل من الأسكفة والحوائط وآمين بالمد ويقصر مبني على الفتح ومعنا استجب أو افعل وفي الحديث آمين خاتم رب العالمين. (وعن جعفر) أي الصادق (بن محمد عن أبيه) أي محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم (مرض النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فأتاه جبريل بطبق) أي من سعف أو غيره (فيه رمّان وعنب) أي من فواكه الدنيا أو الجنة (فأكل منه النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي من مجموعهما أو من كل منهما أو من طبقهما (فسبّح) أي ما في الطبق عند أكله قال الدلجي لم أدر من رواه قلت يكفي أنه رواه المصنف وهو من أكابر المحدثين ولولا أن الحديث له أصل لما ذكره ولذا قال القسطلاني
[ ١ / ٦٣١ ]
في المواهب ذكره العاصي عياض في الشفاء ونقله عنه عبد الحافظ أبو الفضل في فتح الباري، (وعن أنس رضي الله تعالى عنه) كما رواه أحمد والبخاري والترمذي وابن ماجة عنه أنه قال (صعد) بكسر العين أي طلع (النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ أُحُدًا) بضمتين وهو جبل عظيم قرب المدينة (فرجف بهم) بفتح الجيم أي اضطرب من هيبتهم وارتعد من خشيتهم (فقال أثبت أحد) أي يا أحد (فإنّما عليك نبيّ) أي ثابت النبوة (وصدّيق) أي مبالغ في ثبوت الصداقة (وشهيدان) أي ثابتان في مرتبة الشهادة ومنزلة حسن الخاتمة بالسعادة ووقع في أصل الدلجي بعد قوله فرجف بهم فضربه برجله وهو غير موجود في النسخ المعتبرة وفي أصل التلمساني أو صديق أو شهيد فهي كالواو للمصاحبة أو للتفصيل (ومثله) أي مثل ما روى أنس في أحد روى (عن أبي هريرة في حراء) بكسر الحاء ومد الراء منصرفا وممنوعا وقصره وهو جبل بمكة على يسار الذاهب إلى منى (وزاد) أي أبو هريرة (معه) أي مع ما ذكر (وعليّ) أي قوله وعلي بالعطف على ما قبله والمعنى روى ومعه عَلِيٌّ (وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَقَالَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ أو صدّيق أو شهيد) وفي رواية وسعد بن أبي وقاص بدل وعلي فتحركت الصخرة فقال اسكن حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد رواه مسلم والترمذي في مناقب عثمان ولم يذكر سعدا وقال اهدأ بدل اسكن (والخبر) أي الذي رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه رواه الترمذي والنسائي (في حراء أيضا عن عثمان قال) أي عثمان (وَمَعَهُ عَشَرَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَا فِيهِمْ وَزَادَ) أي عثمان (عبد الرّحمن) أي ابن عوف كما في نسخة (وسعدا) وهو ابن أبي وقاص (قال) وفي نسخة وقال أي عثمان (ونسيت) بفتح فكسر والأولى بضم فكسر مشددا (الاثنين) لعلهما طلحة والزبير.
(وفي حديث سعيد بن زيد) أي كما رواه أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة (أيضا مثله) أي مثل الخبر المروي قبله (وذكر عشرة وزاد) أي سعيد (نفسه) أي ذكرها فيهم.
(وقد روي) بصيغة المجهول أي في حديث الهجرة من السيرة (أنه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (حين طلبته قريش قال له: ثبير) بفتح المثلثة وكسر الموحدة اسم لجبل بظاهر مكة على ما في القاموس وفي النهاية جبل معروف انتهى والمشهور أنه جبل عظيم بمنى قبالة مسجد الخيف على يسار الذاهب إلى عرفات وأما قول الشمني جبل بمزدلفة فمعناه أنه متصل بآخر مزدلفة وأما قول الحجازي جبل عظيم بالمزدلفة على يمنة الذاهب من منى إلى عرفات فأظنه أنه سهو أو هو من اسمائه وليس بمراد هنا (اهبط يا رسول الله) أي انزل عني (فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَقْتُلُوكَ عَلَى ظَهْرِي فَيُعَذِّبُنِي الله تعالى) أي بمشاهدة هذا الأمر فوقي وتحمل هذا الفعل مني (فقال حراء إليّ) أي التجئ واصعد إلي وارتفع لدي (يا رسول الله) وكان الخوف غالبا على ثبير والرجاء على حراء. (وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قرأ) أي عَلَى الْمِنْبَرِ (وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام: ٩١]) أي وما عظموه حق عظمته أو ما عرفوه حق معرفته بجعلهم له شريكا في الوهيته ووصفهم إياه بما لا يليق
[ ١ / ٦٣٢ ]
بربوبيته (ثمّ قال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (يمجّد الجبّار نفسه) بتشديد الجيم أي يذكر ذاته بوصف المجد والشرف والعظمة وروي يحمد (يقول) كذا في نسخة وهو جملة حالية (أنا الجبّار أنا الجبّار) بالرفع بإثبات التكرار وهو الذي يجبر العباد على وفق ما أراد ويقهرهم بالفناء عن البلاء (أنا الكبير) أي العظيم الذات الكريم الصفات قال الحجازي أنا الجبار مرتين وأنا الكبير ويروى مرتين (المتعال) أي المتعالي وهو الرفيع الشأن المنزه عن التعلق بالزمان والمكان ونحوهما من سمات الحدثان وصفات النقصان (فرجف المنبر) أي اضطرب اضطرابا شديدا وذلك لعظمة الله وهيبته (حتّى قلنا ليخرّنّ) بفتح اللام والياء وكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء والنون أي ليسقطن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (عنه) أي عن المنبر. (وعن ابن عباس ﵄) كما رواه البزار والبيهقي (قال كان حول البيت) أي على جدرانه ذكره الدلجي (ستّون وثلاثمائة صنم مثبتة الأرجل) بفتح الموحدة المخففة أو المشددة أي مسمرة (بالرّصاص) بفتح الراء على ما في القاموس قيل ويكسر (في الحجارة) أي من أحجار البيت ولا يبعد أن تكون الأصنام موضوعة على حجارات كائنة حول البيت منصوبة بتسميرها فيها الرصاص وكذا كانت الأصنام داخل البيت وفوقه أيضا قال الدلجي وروى أبو يعلى نحوه أي عنه وأنه قال (فلمّا دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المسجد) أي المسجد الحرام وهو يطلق على الكعبة وما حولها من البقعة (عام الفتح) أي سنة فتح مكة (جعل) أي شرع (يشير بقضيب) أي بسيف لطيف أو عود ظريف (في يده) حال من قضيب (إليها) معلق بيشير قال الحلبي وفي رواية صحيحة بقضيب يشبه القوس والقوس قضيب انتهى والتشبيه يحتمل أن يكون من حيثية طوله وعرضه أو من جهة انحراف في وسطه (ولا يمسّها) أي بيده تجنبا عنها لا لبعدها كما ذكره الدلجي، (ويقول) أي ما أمره الله أن يقول (جاءَ الْحَقُّ) أي ظهر الحق وأهله (وَزَهَقَ الْباطِلُ [الإسراء: ٨١] أي اضمحل وذهب أصله (الآية) أي أن الباطل كان زهوقا أي غير ثابت في نظر أهل الحق دائما (فما أشار) أي به كما في نسخة أي بقضيبه (إِلَى وَجْهِ صَنَمٍ إِلَّا وَقَعَ لِقَفَاهُ وَلَا) أي ولا أشار به (لقفاه إلّا وقع لوجهه) أي سقط عليه هيبة مما أشار به إليه (حتّى ما بقي منها صنم) الآخر ساقطا إما إلى وجهه وإما إلى قفاه؛ (ومثله في حديث ابن مسعود) أي على ما رواه الشيخان عنه (وقال) أي ابن مسعود (فجعل يطعنها) بفتح العين ويضم وهو أولى من عبارة الحلبي بضم العين ويفتح لما في كلام استاذه صاحب القاموس طعنه بالرمح كمنعه ونصره ضربه مع ما في الفتح من الخفة المعادلة لثقل العين كما حرر في يسع ويضع ويدع ويقع ثم المراد بالطعن هنا مجرد الإشارة لما سبق صريحا في العبارة والمعنى يشير إليه في صورة الطاعن لديه (ويقول) أي كما أمر به في آية أخرى (جاء الحقّ وما يبدىء الباطل وما يعيد) أي ظهر الحق ولم يبق للباطل ابتداء ولا إعادة أو ما يبدىء الضم خلقا ولا يعيده أو لا يبدئ ضرا لأهله في الدنيا ولا يعيده في العقبى؛ (ومن ذلك) أي من قبيل
[ ١ / ٦٣٣ ]
ما ذكر عن الجمادات (حديثه) أي خبره الذي رواه الترمذي والبيهقي (مع الرّاهب) وهو بحيرا بفتح الباء الموحدة وكسر الحاء المهملة مقصورا وقيل ممدودا واسمه جرجس أو جرجيس بزيادة ياء ابن عبد القيس من نصارى تيماء أو بصرى ذكره ابن منده وأبو نعيم في الصحابة أيمانه به صلى الله تعالى عليه وسلم قبل بعثته (في ابتداء أمره) أي أمر ظهوره (إذ خرج تاجرا) ظرف لحديثه معه أو لابتداء أمره (مع عمّه) أي أبي طالب وفيه أنه لم يكن في خروجه معه تاجرا بل تعرض له عند خروجه فقال تتركني وليس له أحد فأخذه معه وإنما خرج تاجرا بعد ذلك مع ميسرة غام خديجة وفي هذه لقي لسطور الراهب وقصته معه مشهورة وفي كتب السير مسطورة فقوله تاجرا حال من عمه لا من ضمير خرج (وكان الرّاهب) أي بحيرا (لا يخرج) أي في عادته (إلى أحد) أي ممن كان ينزل المكان (فخرج) أي في ذلك الزمان (وجعل يتخلّلهم) أي شرع يطلب أحدا في خلال من كان في تلك المحال (حَتَّى أَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قريش) أي من المشركين (ما علمك) أي ما سبب علمك به وبقربه عند ربه (فَقَالَ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إلّا خرّ ساجدا له ولا يسجد) أي الأشجار والأحجار (إلّا لنبيّ وذكر القصّة) أي على ما أوردها أهل الأخبار من أنه قال وإني لأعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة ثم رجع فصنع لهم طعاما فلما أتاهم به كان صلى الله تعالى عليه وسلم في رعية الإبل فقال ارسلوا إليه (ثمّ قال) أي الراهب أو الراوي (فأقبل صلى الله تعالى عليه وسلم وعليه غمامة تظلّه فلمّا دنا من القوم وجدهم سبقوه) وفي نسخة قد سبقوه (إلى فيء الشّجرة) بفتح الفاء وسكون التحتية بعدهم همزة أي إلى ظلها (فلمّا جلس مال الفيء) أي فيء الشجرة (إليه) فقال انظروا مال الفيء إليه ثم قال أنشدكم الله تعالى أيكم وليه قالوا أبو طالب وإذا بسبعة من الروم قد اقبلوا فسألهم فقالوا إن هذا النبي قد خرج من بلاده في هذا الشهر فوجهوا إلى كل جهة جماعة ووجهونا إلى جهتك فقال افرأيتم أمرا أراده الله تعالى ايقدر أحد يدفعه قالوا لا فأقاموا عنده ثلاثة أيام ولم يزل يناشد عمه حتى رده وبعث معه أبو بكر بلالا وزوده الراهب زيتا كعكا قيل وذكر أبي بكر وبلال فيه وهم.
فصل [في الآيات في ضروب الحيوانات]
(في الآيات) أي الشاهدة بثبوت نبوته وصدق رسالته وما خص به من بديع الكرامات ومنيع المعجزات (فِي ضُرُوبِ الْحَيَوَانَاتِ حَدَّثَنَا سِرَاجُ بْنُ عَبْدِ الملك أبو الحسين الحافظ) سبق ذكره (حدّثنا أبي) قال الحلبي تقدم أبوه فما ضبط في بعض النسخ بصيغة التصغير تصحيف وتحريف (حدّثنا القاضي أبو يونس حدّثنا أبو الفضل الصّقليّ) بفتح الصاد وتكسر وسكون القاف (حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أبيه وجدّه) أي كليهما (قال حدّثنا أبو
[ ١ / ٦٣٤ ]
الْعَلَاءِ أَحْمَدُ بْنُ عِمْرَانَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فضيل) بالتصغير وهذا هو الأصل الصحيح ووقع في أصل المؤلف بإسقاط ثنا محمد بن فضيل (ثنا يونس بن عمرو) بالواو قال أبو معين ثقة وقال أبو حاتم لا يحتج به (ثنا مجاهد عن عائشة) قال يحيى بن سعيد لم يسمع منها قال وسمعت شعبة ينكر أن يكون سمع منها وتبعه على ذلك يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي وحديثه عنها في الصحيحين وقد صرح في غير حديث بسماعه منها والله تعالى أعلم (قالت كان عندنا داجن) بكسر الجيم ما يألف البيت من الحيوان كالشاة والطير مأخوذ من المداجنة وهي المخالطة والملازمة (فَإِذَا كَانَ عِنْدَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) وفي نسخة صحيحة عندنا مؤخر (قرّ وثبت مكانه) أي الداجن (فلم يجيء ولم يذهب) أي ولم يغير شأنه توقيرا له وتكريما وهيبة منه وتعظيما (وإذا خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جاء وذهب) أي تردد واضطرب وهذا الحديث رواه أحمد والبزار وأبو يعلى والطبراني والبيهقي والدارقطني وهو صحيح وفي المدعي صريح؛ (وروي عن عمر) رضي الله تعالى عنه بصيغة المجهول إشعارا بضعفه فقد قال الحافظ المزي لا يصح إسنادا ولا متنا وقال ابن دحية إنه موضوع لكن قال القسطلاني قد رواه الأئمة فنهايته الضعف لا الوضع فممن رواه الطبراني والبيهقي قال وروي أيضا بأسانيد عن عائشة وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما وما ذكرنا هو أمثلها (أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان في محفل) بفتح الميم وكسر الفاء أي مجتمع (مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ قَدْ صَادَ ضبّا) بفتح الضاد المعجمة وتشديد الموحدة حيوان معروف يقال إنه فارق جحره لم يهتد إليه وهو لا يشرب وأطول الحيوان روحا بعد ذبحه ويعيش سبعمائة سنة فصاعدا ويقال إنه يبول في كل أربعين يوما قطرة (فقال) أي الأعرابي (من هذا قالوا نبيّ الله فقال والّلات) بواو القسم (والعزّى) وهما صنمان كانوا يعبدونها في وسط الكعبة (لا آمنت بك) أي بنبوتك ورسالتك وفي نسخة لا أومن بك (أو) بسكون الواو (يؤمن) بالنصب أي إلى أن يؤمن أو حتى يؤمن كما في نسخة (بك هذا الضّبّ) أي فأؤمن أنا أيضا بك حينئذ (وطرحه بين يدي النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ألقى الضب بين جهتي يديه يعني قدامه (فقال النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم له: يا ضبّ؛ فأجابه بلسان مبين) أي بين أو مبين حروفه (يسمعه القوم جميعا لبّيك) أي إجابتي لك مرة بعد مرة (وسعديك) أي ومساعدتي لطاعتك كرة بعد كرة (يا زين من وافى القيامة) أي يا زينة من أتاها وحضرها، (قال) أي النبي ﵊ له (من تعبد) أي ممن يسمى إلها (قال الذي في السّماء عرشه) أي ملكوته سبحانه (وفي الأرض سلطانه) أي ملكه المظهر شأنه (وفي البحر سبيله) أي طريق آياته ولعله من باب الاكتفاء فإن في البر كثيرا من عجائبه (وفي الجنّة رحمته) أي ثوابه من أثرها للمطيعين (وفي النّار عقابه) أي من أثر سخطه للعاصين (قال فمن أنا قال رسول ربّ العالمين وخاتم النّبيّين) أي آخرهم وهو بفتح التاء على ما قرأ به عاصم بمعنى ختموا به وبكسرها بمعنى ختمهم ويؤيده قراءة ابن مسعود ولكن نبينا ختم النبيين (وقد
[ ١ / ٦٣٥ ]
أفلح) أي فار (من صدّقك) بتشديد الدال أي أطاعك (وخاب) أي خسر (من كذّبك) أي عصاك. (فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ. وَمِنْ ذَلِكَ قِصَّةُ كَلَامِ الذِّئْبِ المشهورة) بالرفع (عن أبي سعيد الخدريّ) كما رواه أحمد والبزار والبيهقي وصححه (بينا) وفي نسخة بينما على أن ما زائدة كافة وأما ألف بينا فقيل هي إشباع فلا تمنع الجر وقيل مانعة له منه وهو المشهور عند الجمهور (رَاعٍ يَرْعَى غَنَمًا لَهُ عَرَضَ الذِّئْبُ لِشَاةٍ منها) أي وقت رعي غنمه فاجأ عروض الذئب أي ظهوره في تعرضه لشاة من جملة قطيع الغنم (فأخذها) أي الراعي (منه فأقعى الذّئب) أي الصق استه بالأرض ونصب ساقيه وفخذيه ووضع يديه على الأرض (وقال للرّاعي ألا تتّقي الله) أي أما تخاف والمعنى خف الله تعالى فالاستفهام للتوبيخ لا للإنكار الداخل على النفي المفيد لتحقق ما بعده كما ذكره الدلجي (حلت بيني وبين رزقي) بضم الحاء أي منعت رزقي عني وهو جملة مبينة قائمة مقام العلة (قال الرّاعي العجب) أي كل العجب (من ذئب يتكلّم بكلام الإنس) أي في مقام الْإِنْسِ، (فَقَالَ الذِّئْبُ أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَعْجَبَ مِنْ ذلك) أي وأغرب فيما هنالك (رسول الله بين الحرّتين) بفتح الحاء وتشديد الراء تثنية حرة وهي أرض ذات حجارة سود حول المدينة السكينة الطيبة (يحدّث النّاس بأنباء ما قد سبق) وفي نسخة صحيحة ما بدل من وإنما كان أعجب لأنه إخبار عما لم يعلم به غير الرب، (فأتى الرّاعي النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره) أي بكلام الذئب له (فقال النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم له) أي للراعي (قم فحدّثهم) أي الحاضرين والغائبين؛ (ثمّ قال) أي النبي ﵊ بعد أن حدثهم الراعي أو قبله (صدق) أي الراعي في قوله وبالحق نطق في نقله؛ (والحديث فيه قصّة) أي طويلة أو عظيمة وهو الأظهر لقوله (وفي بعضه طول) أي في بعض ألفاظه طول أي ليس هذا محل بسط تلك الفصول وروي أنه لما جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأخبره صدقه ثم قال إنها أمارات بين يدي الساعة فقد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدثه ثمة نعلاه وسوطه بما أحدث أهله بعده وفي رواية قال والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس وحتى يكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده، (وروي حديث الذّئب عن أبي هريرة) أي من طرق (وَفِي بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَالَ الذِّئْبُ أَنْتَ أَعْجَبُ وَاقِفًا على غنمك) حال (وتركت) أي والحال أنك قد تركت (نبيّا) أي خدمته وصحبته مع أنه نبي عظيم ورسول كريم (لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهُ عنده قدرا) أي رفعة ورتبة (قد فتحت له أبواب الجنّة) أي وكذا لمن تبعه من أكابر الأمة (وأشرف أهلها) أي واطلع أهل الجنة (على أصحابه ينظرون قتالهم) أي في الغزوة وينتظرون وصالهم بالشهادة وحسن مآلهم في الجنة (وما بينك) أي والحال أنه لا حائل بينك (وبينه إلّا هذا الشّعب) بكسر أوله أي قطع هذا الوادي وهو ما انفرج بين الجبلين (فتصير في جنود الله) أي أحزابه المجاهدين؛ (قال الرّاعي من) وفي نسخة ومن (لي بغنمي) أي من يقوم لي برعاية غنمي (قَالَ الذِّئْبُ أَنَا أَرْعَاهَا حَتَّى تَرْجِعَ فَأَسْلَمَ
[ ١ / ٦٣٦ ]
الرّجل إليه غنمه ومضى) أي إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وما عنده من غنمه (وذكر) أي الراعي (قصّته) أي مع الذئب (وإسلامه ووجوده النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي على وفق ما حكاه الذئب له (يقاتل فقال له النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم عد) بضم العين وسكون الدال المهملة أي ارجع (إلى غنمك تجدها) جواب الأمر أي تصادفها (بوفرها) بفتح الواو وسكون الفاء أي بتمامها وكمالها ما نقص شيء منها (فوجدها كذلك) أي كما أخبره (وذبح للذّئب شاة منها. وعن أهبان) بضم الهمزة (ابن أوس) بفتح أوله أي وروي عنه أيضا (وأنّه) بكسر الهمزة ويجوز فتحها (كان صاحب القصّة) أي المحكية (وَالْمُحَدِّثَ بِهَا وَمُكَلِّمَ الذِّئْبِ وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ عمرو بن الأكوع) على ما في الروض الأنف (وأنّه كان صاحب هذه القصّة أيضا) فيه إيماء إلى تعدد القصة وتكرر القضية (وسبب إسلامه) أي في هذه الرواية (بمثل حديث أبي سعيد) متعلق بروي المقدر قبل قوله وعن أهبان والحاصل أنه اختلف في اسم الراعي المتكلم معه الذئب فقيل هو أهبان بن أوس السلمي أبو عقبة سكن الكوفة وقيل اهبان ابن عقبة وهو عم سلمة بن الأكوع وكان من أصحاب الشجرة وقيل اهبان بن عباد الخزاعي وقيل أهبان بن صيفي وعن الكلبي هو اهبان بن الأكوع وعند السهيلي هو رافع بن ربيعة وقيل سلمة بن الأكوع والجمع ممكن بحمل القصة على تعدد القضية واختلاف المراد بأهبان في الرواية (وقد روى ابن وهب مثل هذا) أي مثل ما جرى في أخذ الذئب شاة (أنّه جرى لأبي سفيان بن حرب) أي والد معاوية ﵄ (وصفوان بن أميّة) بالتصغير (مع ذئب وجداه أخذ ظبيا) أي أراد أخذه (فدخل الظّبي الحرم فانصرف الذّئب) أي تعظيما للحرم المحترم (فعجبا) بكسر الجيم أي فتعجبا (من ذلك) أي من انصرافه عما هنالك (فقال الذّئب أعجب من ذلك) أي مما تعجبتما (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِالْمَدِينَةِ يَدْعُوكُمْ إِلَى الجنّة) أي إلى سببها وهو الإيمان (وتدعونه إلى النّار) أي موجبها وهو الكفران فهذا مقتبس من قوله تعالى عن مؤمن آل فرعون وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ لا جرم إنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار فستذكرون ما أقول لكم وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (فقال أبو سفيان) أي لصفوان (واللّات والعزّى لئن ذكرت هذا) أي الخبر (بمكّة) أي فيما بين أهلها (لتتركنّها خلوفا) بضم الخاء المعجمة واللام أي بلا راع ولا حام كذا في النهاية ويقال حي خلوف إذا غاب رجالهم وبقي نساؤهم وقيل أي متغيرة أخذا من خلوف فم الصائم والمعنى أن أهلها بعد سماعهم هذا تغيرت أحوالهم وذهبوا إلى المدينة ولم يبق أحد منهم إلا دخل في الإسلام معهم ولعل هذا كان سبب إسلامهم في آخر أمرهم؛ (وقد روي مثل هذا الخبر) أي الذي جرى لأبي سفيان وأحبابه (وأنّه) بفتح الهمزة وكسرها (جرى لأبي جهل وأصحابه) إلا أنه لم يسلم لما سبق له من الشقاوة الأبدية في كتابه هذا وعند ابن القاسم عن أنس كنت مع النبي
[ ١ / ٦٣٧ ]
صلى الله تعالى عليه وسلم في غزوة تبوك فشردت علي من غنمي فجاء الذئب فأخذ منها شاة فاشتدت الرعاء خلفه فقال الذئب طعمة اطعمنيها الله تعالى تنزعونها مني فبهت القوم فقال ما تعجبون الحديث وفي الروض أيضا في غزوة ذات السلاسل وهي في آخر الكتاب ما لفظه وذكر في هذه السرية صحبة رافع بن أبي رافع لأبي بكر وهو رافع بن عمير وهو الذي كلمه الذئب وله شعر مشهور في تكلم الذئب له وكان الذئب قد أغار على غنمه فاتبعه فقال له الذئب ألا أدلك على ما هو خير لك قد بعث الله نبيه وهو يدعو إلى الله فالحق به ففعل ذلك رافع واسلم (وعن عباس بن مرداس) بكسر الميم وكان الاولى أن يقول ومن ذلك حديث عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ (لَمَّا تَعَجَّبَ مِنْ كَلَامِ ضمار) بكسر الضاد المعجمة ويفتح وميم مخففة فألف فراء ذكره الصاغاني وغيره وفي نسخة بالدال (صنمه) بالجر بدل من ضمار أو بيان فإنه اسم لصنم كان يعبده هو ورهطه (وإنشاده) أي ومن قراءته برفع صوته (الشِّعْرَ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) روي أن مرداس لما احتضر قال لابنه عباس أي بني اعبد ضمارا فإنه سينفعك ولا يضرك فتفكر عباس يوما عند ضمار وقال إنه حجر لا ينفع ولا يضر ثم صاح بأعلى صوته يا إلهي الأعلى اهدني للتي هي أقوم فصاح صائح من جوف الصنم:
أودى ضمار وكان يعبد مدة قبل البيان من النبي محمد
وهو الذي ورث النبوة والهدى بعد ابن مريم من قريش مهتد
قل للقبائل من سليم كلها أودى ضمار وعاش أهل المسجد
فحرق عباس ضمارا ثم لحق بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم (فإذا طائر سقط) أي وقع ونزل (فَقَالَ يَا عَبَّاسُ أَتَعْجَبُ مِنْ كَلَامِ ضِمَارٍ ولا تعجب من نفسك) أي بتخلفك عن مورث أنسك (أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يدعو) وفي نسخة صحيحة يدعوك (إلى الإسلام وأنت جالس) أي بعيد عن مقام المرام (فكان) أي كلام الطائر (سبب إسلامه) والحديث هذا كما في الطبراني الكبير بسند لا بأس به قريب مما هنا، (وعن جابر بن عبد الله) كما روى البيهقي عنه (عن رجل) وهو اسلم أو يسار وهو رجل أسود استشهد في غزوة خيبر كما ذكره أبو الفتح اليعمري في سيرته (أتى النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وآمن به وهو) أي النبي ﵊ (على بعض حصون خيبر وكان) أي الرجل (فِي غَنَمٍ يَرْعَاهَا لَهُمْ فَقَالَ يَا رَسُولَ الله كيف بالغنم) أي مع أصحابها (قال أحصب) بفتح الهمزة وكسر الصاد أي ارم بالحصباء وهي دقاق الحصى (وجوهها) أي لترجع إلى دور مالكيها (فإنّ) أي لأن وفي نسخة بأن أي بسبب أن (اللَّهَ سَيُؤَدِّي عَنْكَ أَمَانَتَكَ وَيَرُدُّهَا إِلَى أَهْلِهَا) أي بكمالها من غير خلاف لها (ففعل فسارت كلّ شاة) أي في طريقها (حتّى دخلت إلى أهلها؛ وعن أنس) كما رواه أحمد والبزار بسند صحيح (دخل النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم حائط أنصاريّ) أي بستان واحد من الأنصار (وأبو بكر وعمر ورجل من الأنصار) أي معه (وفي الحائط غنم)
[ ١ / ٦٣٨ ]
وهو بحركتين الشاء لا واحد لها من لفظها والواحد شاة وهو اسم مؤنث للجنس يقع على الذكور والإناث وعليهما جميعا (فسجدت له) أي للنبي ﵊ سجود التحية والإكرام وانقادت له بإظهار الإسلام فإنه مبعوث إلى كافة الأنام كما اختاره بعض الأعلام والظاهر أن سجودها كان بوضع الجبهة بعد القيام لقوله (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ نَحْنُ أَحَقُّ بِالسُّجُودِ لَكَ منها) أي فإنها مع قلة عقلها إذا كانت تسجد لك فكيف نحن مع كثرة انتفاعنا بك لكن أمرنا متوقف على أذنك (الحديث) بتثليث المثلثة وسيأتي تمامه (وعن أبي هريرة ﵁) كما رواه البزار بسند حسن (دخل النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَائِطًا فَجَاءَ بِعِيرٌ فَسَجَدَ لَهُ وذكر) أي أبو هريرة (مثله) أي مثل حديث أنس لا مثل حديث أبي هريرة كما توهم الدلجي فقالوا هذه بهيمة لا تعقل فسجدت لك ونحن نعقل فنحن أحق أن نسجد لك فقال لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر لو صلح لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لما له من الحق عليها؛ (ومثله) أي مثل حديث أبي هريرة (في البعير) وفي نسخة صحيحة في الجمل (عن ثعلبة بن مالك) كما رواه أبو نعيم قال المزي قدم ثعلبة من اليمن على دين يهود فنزل في بني قريظة فنسب إليهم ولم يكن منهم ولم يعرف من الصحابة من اسمه ثعلبة بن أبي مالك غيره واسم أبي مالك عبد الله (وجابر بن عبد الله) كما رواه أحمد والدارمي والبزار والبيهقي عنه (ويعلى بن مرّة) كما رواه أحمد والحاكم والبيهقي بسند صحيح عنه (وعبد الله بن جعفر) كما رواه مسلم وأبو داود عنه قال أبو هريرة (وكان لا يدخل أحد الحائط) أي ذلك البستان من غير أهله (إلّا شدّ عليه الجمل) أي حمل وصال عليه حفظا لحائطه واستغرابا لداخله ورعاية لصاحبه (فلمّا دخل عليه النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم دعاه) أي الجمل فجاءه خاضعا وانقاد له خاشعا (فوضع مشفره) بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الفاء فراء أي شفته (على الأرض وبرك) بتخفيف الراء أي ناخ (بين يديه فخطمه) أي فوضع في رأسه بخطامه من رسنه وزمامه (وقال ما بين السّماء والأرض شيء) أي من حيوان أو غيره (إلّا يعلم) أي إلا أنه يعلم وفي نسخة لا يعلم أي ليس يوجد بينهما شيء لا يعلم قال المزي المعروف إلا يعلم وقد يكون رواية (أنّي رسول الله) أي إليه إلى غيره (إلّا عاصي الجنّ والإنس) أي إلا كافر الثقلين والصيغة تحتمل الإفراد والجمع بأن حذفت نونه للإضافة. (ومثله) أي مثل هذا المروي بعينه (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَفِي خَبَرٍ آخَرَ فِي حَدِيثِ الْجَمَلِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم سألهم عن شأنه) أي حاله معهم في مآله (فأخبروه أنّهم أرادوا ذبحه) الأولى نحره وكأنه أراد ذبحه اللغوي (وفي رواية أنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال لهم) أي لأهل الجمل (إِنَّهُ شَكَا كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّةَ الْعَلَفِ؛ وَفِي رواية أنّه) أي الجمل (شَكَا إِلَيَّ أَنَّكُمْ أَرَدْتُمْ ذَبْحَهُ بَعْدَ أَنِ اسْتَعْمَلْتُمُوهُ فِي شَاقِّ الْعَمَلِ مِنْ صِغَرِهِ فَقَالُوا نعم) قال بئس الجزاء أرادوا له كذا نقله الدلجي والظاهر أردتموه له وفي أصل صحيح ثم الحديث بقوله نعم والله تعالى أعلم، (وقد روي في قصّة العضباء) وهي الناقة المشقوقة الأذن ولقب ناقة النبي صلى الله تعالى عليه
[ ١ / ٦٣٩ ]
وسلم ولم تكن عضباء ذكره الفيروزآبادي فقيل إنها والقصوى والجدعاء واحدة وقيل اثنتان وقيل ثلاث ولم يكن بها عضب ولا جدع وقيل كان بأذنها عضب (وكلامها للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وتعريفها له بنفسها) أي بذاتها وحالاتها (ومبادرة العشب إليها في الرّعي) أي في رعيها (وتجنّب الوحوش عنها وندائهم) والأظهر وندائها (لها إنّك لمحمّد) أي في زمان حالك أو في مآلك (وَإِنَّهَا لَمْ تَأْكُلْ وَلَمْ تَشْرَبْ بَعْدَ مَوْتِهِ حتّى ماتت، ذكره الإسفرايينيّ) حكى ابن عباس أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم خرج ذات ليلة وناقة باركة في الدار فلما مر بها قالت السلام عليك يا زين القيامة يا رسول رب العالمين قال فالتفت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إليها فقال وعليك السلام فقالت يا رسول الله إني كنت لرجل من قريش يقال له أعضب فهربت منه فوقعت في مفازة فكان إذا غشيني الليل احترستني السباع فنادت بعضها لا تؤذوها فإنها مركب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وإذا أصبحت وأردت أن أرتع نادتني كل شجرة إلي إلي فإنك مركب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم حتى وقعت هنا قال فسماها عضباء شق لها اسمها من اسم صاحبها ثم قالت الناقة يا رسول الله إن لي إليك حاجة قال وما هي قالت تسأل الله أن يجعلني من مراكبك في الجنة كما جعلني في الدنيا قال صلى الله تعالى عليه وسلم قضيت ذكره التلمساني؛ (وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ حَمَامَ مَكَّةَ أَظَلَّتِ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم) أي جعلت عليه ظلا (يوم فتحها) بفتح فسكون وفي نسخة بفتحات (فدعا لها بالبركة) هذا وقد قيل إنها من نسل الحمامة التي باضت على باب الغار بعد دخول سيد الأبرار لكن قال الدلجي وأما قصة العضباء فلم أدر من رواها ولا حديث حمام مكة. (وروي عن أنس) وفي نسخة عن ابن مسعود (وزيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة) على ما رواه ابن سعد والبزار والطبراني والبيهقي وأبو نعيم عنهم (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَمَرَ اللَّهُ لَيْلَةَ الْغَارِ شجرة) وفي نسخة شجرا (فثبتت تجاه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم) بضم التاء المبدلة من الواو أي قبالته التي تقتضي مواجهته قال الدلجي هو مجاز عن انبتها كما في كُونُوا قِرَدَةً قلت الظاهر أنه أمر تكوين وأنه على حقيقته كما حقق في قوله تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (فسترته) أي تلك الشجرة عن أعين الفجرة وقد ذكر قاسم بن ثابت في الدلائل فيما شرح من الحديث أنه ﵊ لما دخل الغار ومعه أبو بكر أنت الله على بابه الراءة مثل الطاعة قال قاسم بن ثابت وهي شجر معروفة فحجبت عن الغار أعين الكفار وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى الراءة من أعلاث الشجر وتكون مثل قامة الإنسان ولها خيطان وزهر أبيض يحشى منه المخاد ويكون كالريش لخفته ولينه لأنه كالقطن ذكره السهيلي والأعلاث من الشجر القطع المختلطة مما يقدح به من المرخ واليبس على ما في القاموس (وأمر حمامتين فوقفتا) بالفاء وروي بالعين أي نزلتا (بفم الغار) أي لئلا يظن الأغيار دخول سيد الأبرار ومن معه من أصحابه الكبار قال الدلجي فسمت صلى الله تعالى عليه وسلم عليهما أي دعا لهما وانحدرا إلى الحرام فافرخا
[ ١ / ٦٤٠ ]
كل حمام فيه؛ (وفي حديث آخر وأنّ) وفي نسخة صحيحة وأن (العنكبوت نسجت على بابه) أي على فم الغار (فلمّا أتى الطّالبون له) أي لسيد الأخيار (ورأوا ذلك) أي ما ذكر من وقوف الحمامتين ونسج العنكبوت (قالوا لو كان فيه أحد) أي ممن دخله هذا الوقت (لم تكن الحمامتان ببابه) أي ولا نسج العنكبوت ولعابه (والنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يسمع كلامهم فانصرفوا) أي ولم يدركوا مرامهم وفي مسند البزار أن الله ﷿ أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار وأرسل إليه حمامتين وحشيتين وأن ذلك مما صد المشركين عنه وأن حمام الحرمين من نسل تينك الحمامتين (وعن عبد الله بن قرط) بضم القاف وسكون الراء له صحبة ورواية قال ابن عبد البر كان اسمه في الجاهلية سلطانا فسماه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عبد الله انتهى قتل بأرض الروم والحديث رواه الحاكم والطبراني وأبو نعيم عنه أنه قال (قرّب) بضم القاف وتشديد الراء المكسورة أي أدنى (إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بدنات) بفتحتين جمع بدنة وحكي بضمتين وهي ناقة أو بقرة ذكره الجوهري وزاد ابن الأثير وهي بالإبل اشبه وسميت بدنة لعظمها وسمنها فلا يلتفت إلى قول الدلجي وهي خاصة بالإبل ولا يلزم من الحاقه صلى الله تعالى عليه وسلم البقرة بها في الأجزاء عن سبعة تناول اسمها للبقرة شرعا بل الحديث وآية الحج يمنعانه انتهى ولا يخفى أنه إذا ثبت إطلاق البدنة على البقرة لغة وإلحاقها بالإبل شريعة فالمخالفة فيها مكابرة ومنع الحديث وآية الحج لها مصادرة (خمس أو ستّ أو سبع) شك من الراوي (لينحرها يوم عيد) أي من أعياد الأضحى (فازدلفن إليه) افتعلن من الزلف وهو القرب ومنه قوله تعالى حكاية لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ابدلت تاؤه دالا لمجاورتها الزاء ومنه المزدلفة والمعنى تقربن منه (بأيّهن يبدأ) أي في نحرها قال المزي صوابه يأيتهن بتاء التأنيث وفيه بحث. (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم في صحراء) أي بادية قفراء (فنادته ظبية يا رسول الله) فالتفت فإذا هي موثقة وأعرابي نائم (قال) أي لها (مَا حَاجَتُكِ قَالَتْ صَادَنِي هَذَا الْأَعْرَابِيُّ وَلِي خشفان) تنبيه خشف وهو بكسر الخاء وسكون الشين المعجمتين ولد الظبية الصغير (في ذلك الجبل فأطلقني) بفتح الهمزة وكسر اللام أي من القيد وأرسلني (حتّى أذهب) أي إلى ولدي (فأرضعهما) بضم الهمزة وكسر الضاد (وأرجع) أي إليك (قال أو تفعلين) بفتح الواو أي أتقولين هذا القول وتفعلين هذا الرجوع وفي نسخة صحيحة وتفعلين فالهمزة مقدرة وفي رواية قال أخاف أن لا ترجعي قالت إن لم أرجع فأنا شر ممن يأكل الربا وشر ممن ينام عن صلاة العشاء وشر ممن يسمع اسمك ولم يصل عليك (قالت نعم فأطلقها فذهبت ورجعت) أي بعد ما ارضعت (فأوثقها) أي فربطها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على حالها (فانتبه الأعرابيّ) أي وهو صلى الله تعالى عليه وسلم في المعالجة لها أو عندها (وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ تطلق) أي نعم هو أن تطلق أو هو خبر معناه أمر وفي نسخة صحيحة اطلق (هَذِهِ الظَّبْيَةَ؛ فَأَطْلَقَهَا فَخَرَجَتْ تَعْدُو فِي الصَّحْرَاءِ) أي تجري (وتقول) أي الظبية (أَشْهَدُ أَنْ لَا
[ ١ / ٦٤١ ]
إله إلّا الله وأنّك رسول الله) رواه البيهقي في دلائل النبوة من طرق وضعفه جماعة من الأئمة حتى قال ابن كثير لا أصل له وأن من نسبه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقد كذب لكن طرقه يقوي بعضها بعضا وقد رواه أبو نعيم الأصبهاني في الدلائل بإسناده فيه مجاهيل عن أم سلمة نحو ما ذكره المصنف وكذا رواه الطبراني بنحوه وساقه الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب من باب الزكاة؛ (ومن هذا الباب) أي باب طاعة الحيوانات من طريق خرق العادات لبعض صحابته من تمام بركته صلى الله تعالى عليه وسلم (ما روي من) وفي نسخة في (تسخير الأسد لسفينة) غير منصرف للتأنيث والعلمية (مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) اعتقته ام سلمة وشرطت عليه أن يخدم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم واسمه مهران عند الأكثر وكنيته أبو عبد الرحمن على الأشهر ولقبه ﵊ سفينة لقضية مشهورة (إذ وجّهه) أي كان التسخير حين أرسله النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (إلى معاذ باليمن) أي حال إقامته فيه لقضائه (فلقي) أي سفينة (الأسد فعرّفه) بتشديد الراء أي فذكر له (أنّه مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومعه كتابه) أي مكتوبه ﵊ إلى معاذ أو غيره (فهمهم) بهاءين وميمين مفتوحتين فعل ماض من الهمهمة وهي الكلام بالخفية (وتنحّى عن الطّريق) أي وتبعد وتأخر الأسد عن طريق سفينة (وذكر) أي سفينة (في منصرفه) أي مرجعه أيضا (مثل ذلك) قال الدلجي لم أدر من رواه كذا وقد رواه البيهقي أن لقيه الأسد إنما كان حين ضل عن الجيش في أرض الروم قلت يحمل على تعدد الواقعة كما يشير إليه قول المصنف. (وفي رواية أخرى عنه) أي عن سفينة كما رواه البيهقي والبزار: (أنّ سفينة) أي من السفن (تكسّرت به) أي وسفينة في تلك السفينة (فخرج إلى جزيرة) وهي أرض ينجزر البحر عنها (فإذا الأسد) أي حاضر والمعنى فاجأه بغتة (فَقُلْتُ لَهُ أَنَا مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم فجعل يغمرني) بسكون الغين المعجمة وكسر الميم وتضم بعدها زاء أي يشير إلى ويحرك علي (بمنكبه) بفتح الميم وكسر الكاف أي بما بين كتفه وعنقه (حتّى أقامني) أي دلني (على الطّريق) وفي إيراد هذا الحديث إشارة إلى أن كرامة الولي بمنزلة معجزة النبي من حيث الدلالة على صدق النبوة والرسالة فإن الكرامة متفرعة على صحة المتابعة (وأخذ ﵊) كان الأولى أن يقال ومن ذلك أنه أخذ ﵊ (بأذن شاة لقوم من عبد القيس) قبيلة كبيرة مشهورة (بين إصبعيه) بكسر الهمزة وفتح الموحدة وجوز تثليث كل منهما فالوجوه تسعة (ثمّ خلّاها) أي تركها (فصار لها ميسما) بكسر الميم وفتح السين أي صار أثر أصبعيه لها علامة وهو في الأصل الحديدة التي يكوى بها ويجعل بسببها علامة فإطلاقه على العلامة مجاز في العبارة ظاهر العلاقة (وبقي ذلك الأثر فيها) أي في أصل تلك الشاة (وفي نسلها بعد) بالضم أي بعدها قال الدلجي لا أدري من رواه، (وما روي) أي ومن ذلك ما رُوِيَ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمَّادٍ بِسَنَدِهِ مِنْ كلام الحمار) في سيرة مغلطاي كان له صلى الله تعالى عليه وسلم من الحمير يعفور وعفير ويقال
[ ١ / ٦٤٢ ]
هما واحد وآخر أعطاه سعد بن عبادة (أصابه) أي في سهمه وفي نسخة الذي أصابه (بخيبر وقال) أي الحمار وهو كان أسود (له اسمي يزيد بن شهاب) يعني ونعتي أن الله تعالى أخرج من نسلي ستين حمارا كلهم لم يركبه إلا نبي وقد كنت أتوقعك أن تركبني ولم يبق من نسل جدي غيري ولا من الأنبياء غيرك وكنت ليهودي وكنت أعثر به عمدا وكان يجيعني ويضربني على ما رواه ابن أبي حاتم عن حذيفة في رواية يجيع بطني ويضرب ظهري (فسمّاه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يعفورا) بالقصر وفي نسخة يعفور كيعقوب (وأنّه) أي النبي ﵊ (كان يوجّهه) أي يرسله (إلى دور أصحابه) أي بيوتهم (فيضرب عليهم الباب برأسه ويستدعيهم) أي يطلب منهم إجابة الدعوة إليه صلى الله تعالى عليه وسلم (وأنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لمّا مات) أي ودفن (تردّى) أي رمى بنفسه (في بئر) أي لأبي الهيثم بن التيهان (جزعا) أي فزعا (وحزنا) بفتحتين أو بضم فسكون (فمات) أي فصارت قبره رواه ابن حبان في الضعفاء من حديث أبي منظور وقال لا اصل له وإسناده ليس بشيء وذكره ابن الجوزي في الموضوعات قلت قصة يعفور ذكرها غير القاضي فقد نقلها السهيلي في روضه عن ابن فورك في كتاب الفصول قال السهيلي وزاد الجويني في كتاب الشامل أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا أراد أحدا من أصحابه أرسل هذا الحمار إليه فيذهب حتى يضرب برأسه الباب فيخرج الرجل فيعلم أن قد أرسل إليه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفي رواية فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه أن أجب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هذا وقد أخرجه ابن عساكر عن أبي منظور وله صحبة نحو ما سبق وقال هذا حديث غريب وفي إسناده غير واحد من المجهولين ورواه أبو نعيم عن معاذ بن جبل كما تقدم والله تعالى أعلم. (وَحَدِيثُ النَّاقَةِ الَّتِي شَهِدَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَاحِبِهَا أَنَّهُ مَا سَرَقَهَا وَأَنَّهَا ملكه) رواه الطبراني عن زيد بن ثابت فيه مجاهيل والحاكم من حديث ابن عمر قال لذهبي وهو موضوع وفيه نظر. (وفي العنز) أي وفي حديث العنز كما في نسخة صحيحة وهي الأنثى من المعز (الّتي أتت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في عسكره) أي حال كونه فيما بين جنده في غزوة له (وقد أصابهم عطش) أي شديد (ونزلوا على ماء) أي لضرورة بهم (وهم زهاء ثلاثمائة) أحوال متتابعة مترادفة أو متداخلة (فحلبها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأروى الجند) أي جميع العسكر، (ثمّ قال لرافع) أي مولاه كذا قال الدلجي لكن مولاه أبو رافع ولذا قال الحلبي رافع هذا لا أعرفه بعينه وفي الصحابة جماعة كثيرة يقال لكل منهم رافع (أملكها) بفتح الهمزة وكسر اللام أي أوثقها أو أربطها واحفظها (وما أراك) بضم الهمزة أي ما أظنك تملكها وتحفظها (فربطها) أي وغفل عنها (فوجدها قد انطلقت) أي ذهبت برأسها بحيث لم يدر أحد عنها، (رواه ابن قانع) وقد سبق ذكره (وغيره) منهم ابن سعد وابن عدي والبيهقي عن مولى أبي بكر رضي الله تعالى عنه، (وفيه) أي وفي حديث ابن قانع (فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إنّ الّذي جاء بها) أي الله ﷾ (هو
[ ١ / ٦٤٣ ]
الّذي ذهب بها) فيه إيماء إلى أن إيجادها وإعدامها كليهما من خرق العادة (وقال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (لفرسه ﵊) كذا في بعض النسخ المصححة وإنما محله قبله بعد قال كما لا يخفى ثم قيل كانت أفراسه صلى الله تعالى عليه وسلم أربعة وعشرين اتفق منها على سبعة (وقد قام إلى الصّلاة) أي والحال أنه قد أراد قيامه إليها (في بعض أسفاره) متعلق بقام كما هو أقرب أو يقال وهو أنسب (لا تبرح) أي لا تفارق مكانك (بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ حَتَّى نَفْرَغَ مِنْ صَلَاتِنَا وجعله قبلته) أي في صوب قبلته أو في جهة مقابلته (فما حرّك عضوا) أي من أعضائه وهو بضم أوله ويكسر (حتّى صلى الله تعالى عليه وسلم) أي حتى فرغ منها كما في أصل الدلجي والحق في بعض النسخ هنا وزعم بعضهم أنه من الأم؛ (ويلتحق بهذا) بصيغة المجهول أو المعلوم (ما روى الواقديّ) بكسر القاف قاضي العراق يروي عن ابن عجلان وثور وابن جريج وعنه الشافعي رحمه الله تعالى والصاغاني قال البخاري وغيره متروك وقد ذكر له ترجمة حسنة ابن سيد الناس في أول سيرته وذكر فيها ثناء الناس عليه وجرحهم له وأنه نسب إلى وضع الحديث وفي آخرها استقر الإجماع على وهن الواقدي (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا وَجَّهَ رُسُلَهُ إِلَى الْمُلُوكِ) أي لتبليغ الرسالة إليهم وتحقيق الحجة لديهم (فخرج ستّة نفر منهم) أي من رسله (فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَأَصْبَحَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ) أي صار لما بلغ عندهم وأراد تبليغهم (يتكلّم بلسان القوم الّذين بعثه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (إليهم) أي من الملوك واتباعهم من غير تعلم للسانهم وتعرف بشأنهم قال الكلاعي في النقاية وفي حديث ابن إسحاق قال ﵊ إن الله بعثني رحمة كافة فأدوا عني يرحمكم الله ولا تختلفوا علي كما اختلف الحواريون على عيسى فقال أصحابه وكيف اختلفوا يا رسول الله قال دعاهم إلى الذي دعوتكم إليه فأما من بعثه مبعثا قريبا فرضي وسلم وأما من بعثه مبعثا بعيدا فكره وجهه وتثاقل فشكا عيسى ﵊ ذلك إلى الله تعالى فأصبح المتثاقلون وكل واحد منهم يتكلم بلغة الأمة التي بعث إليها؛ (والحديث في هذا الباب) أي في معنى هذا النوع من المعجزة (كثير) أي ورد بطرق متعددة وقضايا متكثرة (وقد جئنا منه بالمشهور) أي في صحته وثبوته (وما وقع) أي ومما ورد (منه في كتب الأئمّة) أي المعروفين بالسنة والسيرة.
فصل [في إحياء الموتى وكلامهم]
(في إحياء الموتى وكلامهم) أي للأحياء قال القرطبي في تذكرته وكذا نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أحيى الله على يديه جماعة من الموتى قال الحلبي وقد ذكر القاضي فيما يأتي جماعة منهم (وكلام الصّبيان) أي الأطفال قبل أوان التكلم (والمراضع) جمع راضع على خلاف القياس وهو أخص من الأول فتأمل ويحتمل أن يكون العطف تفسيريا ووقع في أصل الدلجي وكلام الصبيان المراضع بالوصف بدون العاطف (وشهادتهم) أي الصبيان (له بالنّبوّة)
[ ١ / ٦٤٤ ]
أي المتضمنة للرسالة (صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ وَالْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ محمد بن رشد) بضم فسكون (وَالْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التّميميّ) سبق (وغير واحد) أي وكثيرون من مشايخنا (سماعا) أي رواية (وإذنا) أي إجازة (قالوا) أي كلهم (حدّثنا أبو عليّ الحافظ) الظاهر أنه أبو علي الغساني (حدّثنا أبو عمر الحافظ) أي ابن عبد البر (حدّثنا أبو زيد) أي عبد الرحمن بن يحيى كما في نسخة (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ) تقدم (حدّثنا أبو داود) صاحب السنن (حدّثنا وهب بن بقيّة) بفتح موحدة وكسر قاف وتشديد تحتية روى عنه مسلم والبغوي ثقة (عن خالد هو الطّحّان) بتشديد الحاء أحد العلماء ثقة عابد زاهد يقال اشترى نفسه من الله ثلاث مرات يتصدق بزنة نفسه فضة (عن محمد بن عمرو) أي ابن علقمة بن وقاص الليثي يروي عن أبيه وأبي سلمة وطائفة وعنه شعبة ومالك ومحمد بن عبد الله الأنصاري (وعن أبي سلمة) وهو أحد الفقهاء السبعة على قول الأكثر (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) قال المزي في الأطراف كذا وقع هذا الحديث في رواية سعيد عن ابن الأعرابي عن أبي داود مسندا موصولا وعند باقي الرواة عن أبي سلمة وليس فيه أبو هريرة فهو مرسل (أنّ يهوديّة) وهي زينب أخت عبد الله بن سلام وقيل زينب بنت الحارث (أهدت للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بخيبر شاة مصليّة) بفتح الميم وكسر اللام وتحتية مشددة أي مشوية (سمّتها) بتشديد الميم من السم لا من التسمية أي وضعت السم فيها (فأكل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم منها والقوم) بالرفع ويجوز نصبه وفي نسخة وأكل القوم أي منها أيضا (فقال أرفعوا أيديكم) أي عنها (فإنّها أخبرتني) أي حينئذ (أنّها مسمومة فمات) أي من أكلها (بشر بن البراء) بفتح الباء وتخفيف الراء وهو ابن معرور وإياك أن تعجمها فإنه تصحيف مغرور وهو خزرجي سلمي شهد العقبة وبدرا وأحدا قيل إنه مات في الحال وقيل لزمه وجعه حتى مات بعد سنة وقضية خيبر كانت في أول السابعة أو في آخر السادسة (وقال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (ما حملك) أي أيتها اليهودية (على ما صنعت قالت) أي حملني ما تردد في باطني من أنك (إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ الَّذِي صَنَعْتُ وإن كنت ملكا) بكسر اللام أي ممن يدعى ملكا (أرحت النّاس منك قال) أي أبو هريرة كما رواه البيهقي عنه موصولا وأبو داود عن أبي سلمة مرسلا (فأمر بها) أي بقتلها (فقتلت. وقد روى هذا الحديث) أي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (أنس) أي كما في الصحيحين (وفيه قالت أردت قتلك) إن لم تكن نبينا (فَقَالَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَلِكَ) ويروى ليسلط على ذلك ويسلطك على أي على قتلي فإني نبي موعود بإكمال ديني وعصمة روحي (فقالوا نقتلها) وفي رواية إلا نقلتها (قال لا) أي لا تقتلوها ولعل هذا كان قبل موت بشر فلما مات أمر بقتلها به (وكذلك روي) أي هذا الحديث وفي نسخة وكذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ وَهْبٍ) أي ابن بقية وهو شيخ أبو داود (قال) أي أبو هريرة رضي الله تعالى عنه (فما عرض لها) أي فما
[ ١ / ٦٤٥ ]
تعرض لها ولم يأمر بقتلها، (ورواه أيضا، جابر بن عبد الله) كما رواه أبو داود والبيهقي عنه (وفيه) أي في حديثه (أخبرتني به هذه الذّراع قال) أي جابر (ولم يعاقبها) أي ولم يؤاخذها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بما صدر عنها قبل موت بشر منها (وفي رواية الحسن) أي البصري (أنّ فخذها تكلّمني أنّها مسمومة) قلت وفي الجمع بينهما نصاب الشهادة؛ (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فقالت) أي الشاة بكمالها أو ببعض اجزائها (إني مسمومة) أي فلا تأكل مني؛ (وكذلك ذكر الخبر ابن إسحاق) أي إمام المغازي (وقال فيه) أي في حديثه (فتجاوز عنها) أي عفا ابتداء؛ (وفي الحديث الآخر) الذي رواه الشيخان (عن أنس أنه قال فما زلت أعرفها) أي أثر سمها (في لهوات رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) بفتح اللام والهاء جمع لهاة وهي اللحمة المعلقة في سقف أقصى الفم، (وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) كما رواه ابن سعد وهو في الصحيح (أنّ رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فيه) وفي نسخة منه (ما زالت أكلة خيبر) بضم الهمزة أي لقمتها وخيبر بلدة على أميال من المدينة السكينة أكل بها من الشاة المسمومة (تعادّني) بضم التاء وتشديد الدال أي يراددني ويراجعني ويعاودني الم سمها في أوقات معينة لها وهو مأخوذ من العداد بكسر العين وهو اهتياج وجع اللديغ لوقت معلوم فإنه إذا تمت له سنة من حين اللدغ هاج به الالم (فالآن) وفي نسخة والآن أي وهذا الزمان الذي أنا فيه (أوان قطعت أبهري) والأوان بفتح الهمزة ويكسر بمعنى الوقت وهو هنا بفتح النون لإضافته إلى المبنى كما في قوله:
على حين عاينت المشيب على الصبا أو بضمها على أنه مرفوع على الخبرية أي فهذا الزمان أوان قطعت على بناء الفاعل وهو الأكلة ومفعوله أبهري وهو بهمزة مفتوحة وسكون موحدة وفتح هاء عرق يكتنف الصلب والقلب إذا قطع لم يبق معه حياة وهو الذي يمتد إلى الحلق فيسمى الوريد وإلى الظهر فيسمى الوتين فكأنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال هذا أوان قتلني السم فكنت كمن انقطع أبهره كذا ذكره التلمساني والظاهر أنه على ظاهره وأن السم سرى إلى أبهره وقال الداودي الالم الذي حصل له من الأكلة هو نقص لذة ذوقه قال ابن الأثير وليس يبين لأن نقص الذوق ليس بألم قلت هو الم من العذاب الأليم كما يشهد به الذوق السليم (وحكى ابن إسحاق) أي في المغازي (إن) مخففة من المثقلة أي أن الشأن (كان المسلمون) أي الصحابة والتابعون (ليرون) بفتح اللام وضم الياء أي ليظنون وفي نسخة صحيحة بفتح الياء أي ليعتقدون (أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مات شهيدا) أي نوعا من الشهادة (مَعَ مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ) أي والرسالة لئلا يخلو من نوع من أبواب السعادة وهذا لا ينافي قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إذ المراد به عصمته من القتل على أيديهم وأما ما دونه فقد احتمل صلى
[ ١ / ٦٤٦ ]
الله تعالى عليه وسلم في ذات الله ومرضاته حتى سم وسحر وكسرت رباعيته كما يشير إليه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم حين أصيبت رجله بحجر في طريقه
هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت
وقد أجيب بأن الآية نزلت بتبوك والسم كان بخيبر قبل ذلك والله تعالى أعلم (وقال ابن سحنون) بفتح السين وضم النون منصرفا وممنوعا وهو محمد بن سحنون بن سعيد التنوخي (أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم قتل اليهوديّة الّتي سمّته) وهو محمول على آخر أمرها فلا ينافي ما ورد من عدم التعرض لها في ابتداء حالها فقول الدلجي إن دعوى ابن سحنون يردها ما مر من حديث أنس وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهما من رواية غير وهب بن بقية ليس في محله إذ سبق أن كل واحد من الحديثين يحمل نفيه قبل موت البراء وهذا معنى قول المصنف؛ (وقد ذكرنا اختلاف الرّوايات في ذلك) أي بحسب ما يتبين التخالف هنالك (عن أبي هريرة وأنس وجابر) أي ابتداء لا انتهاء كما يسير إليه قوله (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ دَفَعَهَا لِأَوْلِيَاءِ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ فَقَتَلُوهَا) أي بعد موت البراء فارتفع النزاع وثبت ما ذكره ابن سحنون من الإجماع، (وكذلك) أي مثل هذا الاختلاف أو نحوه (قَدِ اخْتُلِفَ فِي قَتْلِهِ لِلَّذِي سَحَرَهُ، قَالَ الواقدي وعفوه عنه أثبت عندنا) أي من قتله (وقد روي) وفي نسخة وقد روي عنه (أنّه قتله) ولعله عفا عنه أولا بسبب سحره المتعلق بخاصة نفسه ثم قتله لما صدر عنه بالنسبة إلى غيره أو لدفع ضرره عن المسلمين في آخر أمره أو أوحي إليه بعد عفوه أن يأمر بقتله وهذه الجملة معترضة (وروى الحديث) أي حديث الشاة المسمومة (البزّار عن أبي سعيد) أي الخدري (فذكر مثله) أي نحو ما سبق (إلّا أنّه قال) أي أبو سعيد (في آخره) أي في آخر حديثه (فبسط) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (يده) أي مدها، (وقال) أي لأصحابه كما في نسخة (كلوا بسم الله) أي مبتدئين باسمه ومستعينين بذكره (فأكلنا) أي منها (وذكر اسم الله) أي عليها (فلم تضرّ منّا أحدا) عن الحافظ ابن حجر أنه منكر ذكره الدلجي ولعل وجه الإنكار عموم نفي الأضرار مع أنه ثبت في الصحيح موت البراء منه كما سبق به التصريح وكذا تقدم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم تضرر منها إلى أن توفي بسببها وحصل له مرتبة الشهادة بها هذا والحديث رواه الجزري أيضا في الحصن الحصين بلفظ وأمر الصحابة في الشاة المسمومة التي أهدتها إليه اليهودية أن أذكروا اسم الله وكلوا فأكلوا ولم يصب أحدا منهم شيء وأسنده إلى مستدرك الحاكم قال صاحب السلاح رواه الحاكم في مستدركه عن أبي سعيد الخدري وقال صحيح الإسناد انتهى لكن قال بعض مشايخنا وفيه تأمل لا يخفى إذ المشهور بين أصحاب الحديث وأرباب السير أنه لم يأكل من تلك الشاة المسمومة أحد من الصحابة إلا بشر بن البراء كل منها لقمة ومات منها وأمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بإحراق تلك الشاة ودفنها تحت التراب واحتجم
[ ١ / ٦٤٧ ]
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة حجمه أبو هند بالقرن والشفرة وهو مولى لبني بياضة من الأنصار والله ﷾ أعلم بالاسرار (قال القاضي أبو الفضل) أي المصنف (وَقَدْ خَرَّجَ حَدِيثَ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ أَهْلُ الصَّحِيحِ) أي الذين التزموا الصحة (وخرّجه الأئمّة) أي البقية من أصحاب السنن المشتملة على الصحيح وغيره من الأقسام، (وهو حديث مشهور) أي بين الخاص والعام عند الجمهور من العلماء الأعلام (واختلف أئمّة أهل النّظر) أي من المتكلمين وغيرهم (في هذا الباب) أي باب خلق الله تعالى الكلام في الأجسام (فَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ هُوَ كَلَامٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تعالى) أي في محل من الموجودات أعم من الحيوانات والنباتات والجمادات كما بينه مثلا بقوله (في الشّاة الميّتة) بتخفيف الياء ويجوز تشديدها (أو الشّجر والحجر) ذكرها بلفظ أو للتنويع (وحروف وأصوات) برفعهما عطف على كلام (يحدثها الله فيها) أي يوجدها في هذه الأشياء بلا حياة لها لعدم توقف ما ذكر عليها (ويسمعها) بضم الياء وكسر الميم أي من شاء أي خلقه (منها) أي من الأصوات والحروف (دون تغيير أشكالها) أي أنواع صورها (ونقلها عن هيئتها) أي حالتها وصفتها وتمام حقيقتها (وهو) أي هذا القول (مذهب الشّيخ أبي الحسن) أي الأشعري (والقاضي أبي بكر) أي ابن الطيب الباقلاني (رحمهما الله تعالى) أقول فعلى هذا كلام الشاة من جنس سلام الحجر وكلام الشجر فلا يصلح أن يكون مستندا لإحياء الموتى على ما ساقه المصنف كما لا يخفى بخلاف ما يستفاد من قوله (وآخرون ذهبوا إلى إيجاه) أي الله ﷾ (الحياة) وفي نسخة إلى إيجاد الحياة لها (أوّلا ثمّ الكلام) بالنصب أو الجر أي ثم إيجاد الكلام (بعده) أي بعد إيجاد الحياة بها مع عدم تغيرها عن حالها، (وحكي هذا أيضا عن شيخنا) أي معشر أهل السنة (أبي الحسن) أي الأشعري (وكلّ) أي من القولين (محتمل) أي لإيجاد الحياة فيها أو لعدمها ولما كان التناقض بين القولين دفعه المصنف بحمل القول الثاني على الكلام النفسي لاستلزامه الحياة وحمل الأول على اللفظي لعدم استلزام خلقه في محل خلقها فيه بقوله (والله أعلم إذ لم نجعل) أي نحن ويجوز بصيغة الغائب أي أبو الحسن (الْحَيَاةَ شَرْطًا لِوُجُودِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ إِذْ لَا يستحيل وجودها مع عدم الحياة بمجرّدها) أي فيه (فأمّا إذا كانت) أي الحروف والأصوات (عِبَارَةً عَنِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ فَلَا بُدَّ مِنْ شرط الحياة لها) أي للأصوات (إِذْ لَا يُوجَدُ كَلَامُ النَّفْسِ إِلَّا مِنْ حيّ) أقول وظاهر الآيات والأحاديث يؤيد القول الأول فتأمل منها قوله تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ وحديث إن الجبل ينادي باسمه أي فلان هل مر بك أحد ذكر الله تعالى فإذا قال نعم قال استبشر الحديث مع أنه ليس هناك خرق للعادة فالصحيح من مذهب أهل السنة والصريح من مشرب الصوفية أن الأشياء لها معرفة بموجدها كما يدل عليه قوله ﷾ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وأن لها السنة مسبحة لخالقها ويفهمها جنسها ومن أراد الله إدراكها (خلافا للجبائيّ) بضم الجيم وتشديد الموحدة بعدها ألف ممدودة نسبة الى جبا قرية بالسواد
[ ١ / ٦٤٨ ]
وهو من متقدمي المعتزلة وكان إماما في علم الكلام وأخذه عن يعقوب بن عبد الله الشحام البصري رئيس المعتزلة بالبصرة في عصره وعنه أخذ الشيخ أبو الحسن الأشعري علم الكلام وله معه مناظرات مستحسنة بعد ما أقام على الاعتزال معه أربعين سنة ثم رجع عن حاله وحسن مآله ومال إلى مذهب أهل السنة وصار إمام الأئمة قيل إنه مالكي المذهب وقال السبكي أخذ فقه الشافعي عن أبي إسحاق المروزي توفي عام ثلاثين وثلاثمائة وأما الجبائي فمات سنة ثلاث وثلاثمائة (من بين سائر متكلّمي الفرق) أي فرق الإسلامية إذ لم يوافقه أحد منهم (في إحالته) أي عدم إمكانه (وُجُودِ الْكَلَامِ اللَّفْظِيِّ وَالْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ إِلَّا مِنْ حَيٍّ مُرَكَّبٍ عَلَى تَرْكِيبِ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ النّطق بالحروف والأصوات والتزم) أي الجبائي (ذلك) أي ما ذكره من التركيب (في الحصى) أي الذي سبح في يد المصطفى (والجذع) أي الذي حن وأنّ (والذّراع) أي الذي تكلم وبين (وقال) أي الجبائي (إنّ الله خلق فيها حياة وخرق) بالراء أي شق ويروى خلق (لها فما ولسانا وآلة) أي مما يتوقف النطق عليها (مكّنها) بتشديد الكاف وفي نسخة امكنها أي أقدرها الله تعالى (بها من الكلام وهذا) أي ما ادعاه دعوى بلا بينة منه فإنه كما قال المصنف (لو كان) أي وجد ما ذكره (لكان نقله والتّهمّم به) أي الاهتمام بنقله (أوكد) لكونه أغرب وأعجب فنقله أهم (من التّهمّم بنقل تسبيحه) أي الحصى في يديه صلى الله تعالى عليه وسلم (وحنينه) أي الجذع إليه واخباره أي الذراع له كذا في شرح الدلجي ولم يوجد لفظ وإخباره في الأصول المعتمدة (ولم ينقل أحد من أهل التفسير) أي شراح الحديث وفي نسخة من أهل السير أي أرباب التواريخ (والرّواية) أي من المحدثين (شيئا من ذلك) أي مما ادعاه الجبائي (فدلّ) أي عدم نقلهم ما ادعاه (عَلَى سُقُوطِ دَعْوَاهُ مَعَ أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إليه في النّظر) أي في نظر العقل وخبر النقل إذ المقام مقام خرق العادة وهو إنما يكون على وفق القدرة والإرادة وهو ﷾ على كل شيء قدير (والله الموفّق) أي لتيسير كل عسير وفي نسخة والموفق الله لا سواه، (وروى وكيع) الظاهر أنه ابن الجراح وقد تقدم (رفعه) بالنصب وفي نسخة بصيغة الفعل أي رفع حديثه (عن فهد بن عطيّة) بالفاء في أوله وبالدال في آخره وفي نسخة بالراء وكلاهما لا يعرف على ما ذكره الدلجي تبعا للحلبي وفي المواهب عن مهد بالميم والدال ولعله تصحيف وإنما روى البيهقي عن سمر بن عطية بكسر السين المهملة وسكون الميم في آخره راء عن بعض أشياخه (أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أتي بصبيّ) أي جيء به إليه (قد شبّ) أي صار شابا (لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ فَقَالَ مَنْ أَنَا فَقَالَ رسول الله) أي أنت رسوله، (وروي) بصيغة المجهول وقد رواه البيهقي وابن عساكر (عن معرّض) بضم ميم وتشديد راء مكسورة وروي معرض بكسر أوله كأنه آلة (ابن معيقيب) بالتصغير وفي نسخة معيقب بحذف الياء الثانية (رأيت من النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم عجبا) وفي المواهب أسند الحديث إلى معيقيب اليماني قال حججت حجة الوداع فدخلت دارا بمكة فرأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ورأيت منه عجبا أي خرق عادة متضمنا لكرامة
[ ١ / ٦٤٩ ]
(جيء) أي إليه (بصبيّ يوم ولد فذكر مثله) أي قال له من أنا قال رسول الله، (وهو حديث مبارك اليمامة) قال ابن دحية وهو موضوع ذكره الدلجي ولعله موضوع بإسناد غير معروف لما تقدم من الحديث هذا رواه البيهقي وابن عساكر فتأمل فإنه محل زلل (ويعرف) أي حديث المبارك أيضا (بحديث شاصونة) بضم الصاد وسكون الواو فنون فتاء وضبط في بعض النسخ بتحتية بدل النون وفي أخرى بفتح الصاد والواو وسكون الياء فهاء مكسورة أبو عبيد من أهل اليمن (اسم راويه) أي راوي حديث المبارك قال الحلبي هذا الصبي هو مبارك اليمامة وهو مذكور في الصحابة قال الذهبي في تجريده في الصحابة مبارك اليمامة في حديث معرض الصحابة (وفيه) أي في مروي شاصونة (فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صدقت) أي فيما نطقت (بارك الله فيك) أي في عمرك أو في أمرك (ثمّ إنّ الغلام لم يتكلّم بعدها) أي بعد هذه الكلمة أو الشهادة (حتّى شبّ) أي بلغ زمن التكلم وفيه إيماء إلى أن المراد بالغلام هنا هو الصبي قبل أن يصير شابا فهذا غير الصبي الذي تقدم والله تعالى اعلم (فكان) وفي نسخة صحيحة وكان (يسمّى مبارك اليمامة) أي لكونه صلى الله تعالى عليه وسلم دعا له بالبركة أضيف إلى اليمامة لأنه كان من أهلها وفي القاموس أن اليمامة جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام وبلاد الجو منسوبة إليها سميت باسمها وهي أكثر نخيلا من سائر الحجاز وهي دون المدينة في وسط الشرق عن مكة هذا وقد جمع الجلال السيوطي رحمه الله تعالى جميع من تكلم وهو صغير في هذه الأبيات:
تكلم في المهد النبي محمد ويحيى وعيسى والخليل ومريم
ومبري جريج ثم شاهد يوسف وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم
وطفل عليه مر بالأمة التي يقال لها تزني ولا تتكلم
وماشطة في عهد فرعون طفلها وفي زمن الهادي المبارك يختم
(وَكَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ بِمَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بفتح الواو وتكسر وهي سنة عشر من الهجرة؛ (وعن الحسن) أي البصري (أتي رجل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم) أي وأسلم هو وامرأته (فذكر) أي الرجل (له أنّه طرح بنيّة) بالتصغير (له في وادي كذا) يعني وأنها هلكت على ظنه بها أو تردد في حياتها ومماتها (فانطلق) أي فذهب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (معه إلى الوادي) أي المعهود. (وناداها) أي البنية أبوها أو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو الأظهر (باسمها يا فلانة أجيبي) أي دعوة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (بإذن الله تعالى) أي بأمره وتيسيره (فخرجت) أي من الوادي وظهرت فيه (وهي تقول لبّيك وسعديك فقال لها) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (إِنَّ أَبَوَيْكِ قَدْ أَسْلَمَا فَإِنْ أَحْبَبْتِ أَنْ أردّك عليهما) أي بالحياة الأصلية أو المجددة ورددتك عليهما وإلا فتركتك على حالك (فقالت) وفي نسخة قالت (لا حاجة لي بهما) وفي نسخة فيهما (وجدت الله خيرا لي
[ ١ / ٦٥٠ ]
منهما) والحديث عن الحسن لم يعلم من رواه كذا ذكره الدلجي ثم سياقه محتمل أن يكون من كلام الصغار أو في احياء الموتى لأن القضية تحتملهما إلا أن المصنف رحمه الله تعالى لم يرتب في هذا المحل إذا كان اللائق به أن يذكر أولا ما يتعلق بإحياء الموتى ثم يأتي بكلام الصبيان على طبق العنوان ثم رأيت الحديث في دلائل البيهقي صريحا في إحيائها حيث ذكر أنه صلى الله تعالى عليه وسلم دعا رجلا إلى الإسلام فقال لا أو من بك حتى تحيي لي ابنتي فقال صلى الله تعالى عليه وسلم أرني قبرها فأراه إياه فقال صلى الله تعالى عليه وسلم يا فلانة قالت لبيك وسعديك فقال صلى الله تعالى عليه وسلم اتحبين أن ترجعي إلى الدنيا فقالت لا والله يا رسول الله إني وجدت الله خيرا لي من أبوي ووجدت الآخرة خيرا من الدنيا فكان حق المصنف أن يقدم هذا الحديث بهذا اللفظ في صدر الباب ليكون مطابقا لعنوان الكتاب ثم يذكر ما أخرجه أبو نعيم أن جابرا ذبح شاة وطبخها وثرد في جفنة وأتى بها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأكل القوم وكان ﵊ يقول لهم كلوا ولا تكسروا عظمها ثم إنه صلى الله تعالى عليه وسلم جمع العظام ووضع يده عليها ثم تكلم بكلام فإذا الشاة قامت تنقص ذنبها كذا ذكره صاحب المواهب وأما ما ذكروا من احيائه ﵊ أبويه فالأصح أنه وقع على ما عليه الجمهور الثقات كما قال السيوطي في رسائله الثلاث المؤلفات، (وعن أنس) كما رواه ابن عدي والبيهقي وابن أبي الدنيا وأبو نعيم (أَنَّ شَابًّا مِنَ الْأَنْصَارِ تُوُفِّيَ وَلَهُ أُمٌّ عجوز) أي مات حال وجودها (عمياء فسجّيناه) بتشديد الجيم أي غطيناه (وعزّيناها) بتشديد الزاء أي أمرناها بالصبر وحملناها على الشكر لوعد الأجر والحذر من الوزر ودعونا لها بجبر المصيبة ولولدها بالمغفرة (فقالت مات ابني) أي أمات (قُلْنَا نَعَمْ قَالَتْ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ) أي من نيتي في هجرتي (أنّي هاجرت إليك وإلى رسولك رجاء) بالنصب أي من أجل أملي (أن تعينني على كلّ شدّة) أي واقعة لي (فلا تحملنّ عليّ) بتشديد الياء (هذه المصيبة) إذ لست لحملها مطيقة هذا ولا يبعد أن يكون أن بمعنى إذ لكن الأولى ما قدمناه من أن الترديد غير راجع إلى علمه ﷾ بل إلى معلومه من حيث عدم جزمها بكون هجرتها خالصة وقد أبعد الدلجي بقوله تجاهلا منها فيه (فما برحنا) بكسر الراء أي ما ذهبنا من مكاننا ولا نزلنا في موضعنا (حتى كشف الثوب) كذا في أصل الدلجي أي إلى أن كشفه وفي الأصول المعتمدة أن كشف الثوب أي فما زلنا كشفه وما فارقنا رفعه (عن وجهه) بعد دعائها إلى احيائه (فطعم وطعمنا) بكسر العين أي فعاش مدة بدعائها وأكل وأكلنا معه وفيه إشارة إلى أن الكرامات نوع من المعجزات بل هي أبلغ منها حيث حصل للتابع ما يحصل للمتبوع من خوارق العادات هذا وليس فيه صريح دلالة على إحيائه بعد أماته لاحتمال اغمائه مع وجود سكته لكن زال الغم بدعاء الأم. (وروي) أي على ما نقله البيهقي (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ كُنْتُ فِيمَنْ دَفَنَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شمّاس) بتشديد الميم قال الحلبي ثابت هذا أنصاري خطيب الأنصار وقد شهد له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
[ ١ / ٦٥١ ]
بالجنة وذلك أنه لما نزل قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ الآية احتبس ثابت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلم وَكَانَ فِي أُذُنَيْهِ صَمَمٌ فَكَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ وقال لقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأنا من أهل النار فذكر ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال بل هو من أهل الجنة روى عنه بنوه وأنس (وكان) أي ثابت (قتل باليمامة) وكانت وقعة اليمامة سنة اثنتي عشرة في خلافة الصديق (فَسَمِعْنَاهُ حِينَ أَدْخَلْنَاهُ الْقَبْرَ يَقُولُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ؛ عُمَرُ الشَّهِيدُ، عُثْمَانُ) وفي نسخة وعثمان (البرّ) بفتح الموحدة (الرّحيم) أي البار لقومه عامة والرحيم برحمة خاصة. (فنظرنا) أي مختبرين حاله من حياة وموت (فإذا هو ميّت) هذا الحديث دليل كلام الموتى لا إحيائهم كما لا يخفى، (وذكر عن النّعمان بن بشير) كما رواه الطبراني وأبو نعيم وابن منده عنه وابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت عن أنس (أنّ زيد بن خارجة) بالخاء المعجمة ثم الجيم (خرّ ميّتا) أي سقط من قيام أو قعود حال كونه ميتا وجوز أن يكون التقدير وقد خر حيا فمات به في عقبه ويؤيده ما في رواية ابن أبي الدنيا على ما نقله عنه القسطلاني فبينما هو يمشي في طريق من طرق المدينة بين الظهر والعصر إذ خر فتوفي (في بعض أزقّة المدينة) بكسر الزاء وتشديد القاف جمع زقاق أي بعض طرقها المسلوكة في داخلها (فرفع) أي جسده (وسجّي) أي غطى وجهه (إذ سمعوه بين العشاءين والنّساء يصرخن) بضم الراء أي يبكين بصياحهن (حوله) أي ومعهن رجال من أهله (يقول أنصتوا أنصتوا) بفتح الهمزة وكسر الصاد المهملة فيهما أي اسكتوا واستمعوا والتكرير للتأكيد فنظروا فإذا الصوت من تحت الثياب (فحسر) بصيغة الفاعل أي كشف غطاؤه (عن وجهه) وفي نسخة بصيغة المفعول ويؤيده أنه في رواية فحسروا عن وجهه (فقال) أي القائل على لسانه كما في رواية (محمد رسول الله) صلى الله تعالى عليه وسلم (النبي الأمّيّ وخاتم النّبيّين) أي آخرهم (كان ذلك) أي كونه رسولا نبيا أميا وخاتما كليا (في الكتاب الأول) أي اللوح المحفوظ الذي كل ما فيه لا يبدل (ثمّ قال) أي زيد (صدق صدق) أي رسول الحق والتكرير للتأكيد أو صدق فيما أخبر به عن الابتداء كما أنه صدق فيما انبأ به عن الانتهاء، (وذكر أبا بكر وعمر وعثمان) أي بخير أو بأنهم صدقوا فيما عاهدوا الله عليه أو بأنهم ممن قال تعالى فيهم وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ وذلك لما كشف له من أحوال الآخرة هذا وقد تصحف علي الدلجي حيث قال صدق صدق أمر مخاطب (ثمّ قال) أي زيد (السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وبركاته) وهو سلام وداع إما غيبة وإما مشاهدة ويؤيده أنه في رواية قال هذا رسول الله الخ قال التلمساني روي تركناه أقول الظاهر إنه تصحيف (ثمّ عاد ميّتا كما كان) أي عود البدء واعلم أن صاحب الاستيعاب ذكر في زيد بن خارجة بن زيد أنه هو الذي تكلم بعد الموت لا يختلفون في ذلك قال الذهبي وهو الصحيح وقيل هو أبوه وذلك وهم لأنه قتل يوم أحد قال
[ ١ / ٦٥٢ ]
ابن عبد البر توفي في زمن عثمان فسجي بثوب ثم إنهم سمعوا جلجلة في صدره ثم تكلم فقال أحمد أحمد في الكتاب الأول صدق صدق أبو بكر الصديق الضعيف في نفسه القوي الأمين في أمر الله في الكتاب الأول صدق صدق عمر بن الخطاب القوي الأمين في الكتاب الأول صدق صدق عثمان بن عفان على منهاجه مضت أربع وبقي سنتان أتت الفتن وأكل الشديد الضعيف وقامت الساعة وسيأتيكم خبر بئر أريس وما بئر أريس هذا وعن سعيد بن المسيب أن رجلا من أنصار توفي فلما كفن وأتاه القوم يحملونه تكلم فقال محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أخرجه أبو بكر بن الضحاك والله ﷾ اعلم.
فصل [في إبراء المرضى وذوي العاهات]
(في إبراء المرضى وذوي العاهات) أي الآفات (قال) أي المصنف (أخبرنا أبو الحسن عليّ بن مشرّف) بضم الميم وفتح الشين المعجمة وتشديد الراء المفتوحة (فيما أجازنيه وقرأته على غيره قال) أي أبو الحسن أو كل منه ومن غيره (حدّثنا أبو إسحاق الحبّال) بتشديد الموحدة (حدّثنا أبو محمد بن النّحّاس) بتشديد الحاء المهملة (ثنا أبو الورد) وهو راوي سيرة ابن هشام (عن البرقيّ) بفتح الموحدة وسكون الراء وهو أبو سعيد عبد الرحيم بن عبد الله بن عبد الرحيم بن أبي زرعة البغدادي الزهري مولاهم (عن ابن هشام) هو الإمام الأديب العلامة أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب صاحب السيرة قال السهيلي مشهور بكمال العلم متقدم في علم النسب والنحو والأدب وأصله من البصرة قدم مصر وحدث بالمغازي وتوفي بمصر سنة ثلاث عشرة ومائتين (عن زياد البكّائي) بفتح الموحدة وتشديد الكاف نسبة إلى جد له اشتهر بالبكاء وقيل سمي به لأنه دخل على أمه وهي تحت أبيه فبكى وصاح وقال إنه يقتل أمي روى عنه أحمد وقال ابن معين لا بأس به في المغازي خاصة (عن محمّد بن إسحاق) وهو الإمام في المغازي (ثنا ابن شهاب) وفي نسخة ابن هشام والأول هو الصواب والمراد به الزهري وهو أحد مشايخ ابن إسحاق المذكور (وعاصم بن عمر بن قتادة) أي ابن النعمان الظفري يروي عن أبيه وجابر وعنه جماعة صدوق وكان علامة في المغازي مات سنة عشرين ومائة أخرج له أصحاب الكتب الستة (وجماعة) أي آخرون (ذكرهم) أي ابن إسحاق (بقضيّة أحد) أي في غزوته (بطولها) أي بجميع ما يتعلق بها ومنها هذه القصة بخصوصها وقد رواها البيهقي أيضا (قال) أي ابن إسحاق (وقالوا) أي مشايخنا المذكورون (قال سعد بن أبي وقّاص) أي في غزوة أحد وهو أحد العشرة المبشرة (إنّ رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُنَاوِلُنِي السَّهْمَ لَا نَصْلَ لَهُ) بالصاد المهملة حديدة السهم والرمح وفي نسخة بالضاد المعجمة وهو تصحيف وتحريف. (فيقول ارم به) أي فأرمي به فيقتل من أصابه وهذا من خرق العادة ولعل هذا كان بعد فراغ السهام التي لها نصل (وقد رمى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي على ما رواه ابن إسحاق والبيهقي عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلا
[ ١ / ٦٥٣ ]
(يومئذ) أي يوم أحد (عن قوسه) وهي المسماة بالكتوم لانخفاض صوتها إذا رمى عنها (حتّى اندقّت) بتشديد القاف أي انكسرت وفي نسخة حتى اندقت سيتها كذا في السير (وأصيب) وروي وأصيبت (يومئذ عين قتادة يعني ابن النّعمان) بضم النون وهو تفسير من الراوي (حتّى وقعت على وجنتيه) بتثليث الواو والفتح أفصح أي سالت على أعلى خده فأتى به صلى الله تعالى عليه وسلم فقال يا رسول الله إن لي أمرأة أحبها وأخشى إن رأتني تقذرني فأخذها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيده وردها إلى موضعها وقال اللهم أكسه جمالا وفي رواية أنه أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له ما هذا يا قتادة فقال هذا ما ترى يا رسول الله فقال إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت رددتها ودعوت الله لك فلم تفقد منها شيئا فقال يا ارسول الله إن الجنة أجر جزيل وعطاء جليل جميل ولكني أكره أن أعير بالعور فردها إلي واسأل الله لي الجنة فقال افعل فاعادها إلى موضعها ودعا لي بالجنة وهذا معنى قوله (فردّها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) كما رواه ابن إسحاق عن عاصم بن عمر ابن قتادة مرسلا ووصله ابن عدي والبيهقي عن عاصم عن جده قتادة البيهقي من وجه آخر عن أبي سعيد الخدري عن قتادة (فكانت) أي عينه المردودة (أحسن عينيه) لأنها المقبولة وكانت أيضا أحدهما نظرا ولا ترمد إذا رمدت الأخرى ولهذا ظهر ضعف قول التلمساني يجوز أن يكون اكتفى بذكر إحدى العينين عن الأخرى إذ روي أنهما أصيبتا معا فردهما النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فبرئتا انتهى ويمكن الجمع بتفرق القضيتين هذا وقد وفد على عمر ابن عبد العزيز رجل من ذريته فسأله عمر من أنت فقال:
أبونا الذي سالت على الخد عينه فرددت بكف المصطفى أيما رد
فعادت كما كانت لأول أمرها فيا حسن ما عين ويا حسن ما خد
فوصله عمر وأحسن جائزته وقال:
تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ شِيبَا بماء فعادا بعد أبوالا
وأخرج الطبراني وأبو نعيم عن قتادة قال كنت يوم أحد أتقي السهام بوجهي دون وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فكان آخرها سهما ندرت منه حدقتي فأخذتها بيدي وسعيت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلما رآها في كفي دمعت عيناه فقال اللهم ق قتادة كما وقى نبيك بوجهه واجعلها أحسن عينيه وأحدهما نظرا (وَرَوَى قِصَّةَ قَتَادَةَ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قتادة) أي كما تقدم قيل وهو الذي قدم على عمر بن عبد العزيز كما سبق (وَيَزِيدُ بْنُ عِيَاضِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ) كذا في النسخ ولم يعرف في رواة الحديث بل ولا في حملة العلم أحد يقال له يزيد بن عياض بن عمر بن قتادة وقال الحلبي الصواب يزيد بن عياض عن ابن عمر بن قتادة فيكون سقط عن وذلك لأن عاصم بن عمر شيخ يزيد هذا ويزيد ابن عياض ليثي حجازي حدث عن نافع وابن شهاب والمقبري وعاصم بن عمر بن قتادة
[ ١ / ٦٥٤ ]
وجماعة وعنه علي بن الجعد وشيبان وعدة قال البخاري وغيره منكر الحديث وقد رماه مالك بالكذب وقد أخرج له الترمذي وابن ماجة ولا يحتمل أن يكون يزيد بن عياض يروي عن عمر بن قتادة لأن عمر بن قتادة لم يرو عنه إلا ولده عاصم ولا يعرف إلا بروايته عنه وجده ذكره ابن حبان في الثقات (ورواها) أي قصة قتادة (أبو سعيد الخدريّ عن قتادة) فهي رواية الأكابر عن الأصاغر (وبصق) أي بزق (عَلَى أَثَرِ سَهْمٍ فِي وَجْهِ أَبِي قَتَادَةَ) كما رواه البيهقي من حديث أبي قتادة وهو الحارث بن ربعي وقيل غير ذلك (في يوم ذي قرد) بفتح القاف والراء فدال مهملة وحكى السهيلي عن أبي علي الضم فيهما وهو منصرف ماء على ليلتين وقيل ليلة من المدينة بينها وبين خيبر ويقال لها غزوة الغابة كان يومه قبل خيبر بثلاثة أيام ذكره الحجازي قال ابن سعد كانت في ربيع الأول سنة ست وفي البخاري بعد حنين بثلاثة أيام وقبل الحديبية وفي مسلم نحوه وقال ابن القيم في الهدى وهذه الغزوة كانت بعد الحديبية وقد وهم فيها جماعة من أهل المغازي والسير فذكروا أنها قبل الحديبية ثم استدل على صحة ما قال بما أورده فيه (قال) أي أبو قتادة (فما ضرب عليّ) أي ضربانا (ولا قاح) من القيح وهي المدة لا يخالطها دم يقال منه قاح الجرح يقيح إذا حصل فيه مادة بيضاء؛ (وروى النّسائيّ) بالقصر ويمده بإسناده في سننه وهو الذي تأخر بعد الثلاثمائة من أصحاب الكتب الستة سمع قتيبة وطبقته وأصحاب مالك انتهى إليه علم الحديث وروى عنه الكتاني وابن السني (عن عثمان بن حنيف) بضم مهملة وفتح نون وعثمان هذا هو أخو عبادة وسهل وله صحبة ورواية شهد أحدا وما بعدها وهو أحد من تولى مسح سواد العراق لعمر وولى البصرة لعلي (أَنَّ أَعْمَى قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ الله أن يكشف لي عن بصري) أي يزيل عنه ما حجبه (قال فانطلق) وفي نسخة صحيحة فانطلق أي اذهب (فَتَوَضَّأْ ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قُلْ اللَّهُمَّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك) أي ملتجئا ومتوسلا (بنبيب) وفي رواية بنبيك (محمّد نبيّ الرّحمة يا محمّد) فيه التفات (إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّكَ أَنْ يَكْشِفَ عن بصري اللهمّ) التفات آخر (شفّعه فيّ) بتشديد الفاء والياء أي أقبل شفاعته في حقي (قال) أي عثمان الراوي (فرجع) أي الأعمى (وقد كشف الله عن بصره) والظاهر أن قوله يا محمد من جملة الدعاء المأمور به فلا يكون التصريح باسمه من باب سوء الأدب في ندائه فلا يحتاج إلى تكلف الدلجي بقوله ولعله كان قبل علمه بتحريمه أو قبل تحريمه بقوله تَعَالَى لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا هذا وقد رواه الترمذي أيضا وقال حسن صحيح غريب والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجة في الصلاة والحاكم والبيهقي وصححاه؛ (وروي) كما رواه أبو نعيم والواقدي عن عروة (أنّ ابن ملاعب الأسنّة) بضم الميم وكسر العين والأسنة بتشديد النون جمع سنان وهو الرمح ويقاله ملاعب الرماح أيضا وتعبيره بالملاعب أبلغ من اللعب سمي به لتقدمه وشجاعته فكأنه يلاعبها قال الحلبي لا أعرف ابنه وأما هو فعامر بن مالك عم عامر بن الطفيل وقد ذكره بعضهم في الصحابة لكن قال الذهبي في تجريده والصحيح أنه لم يسلم وقد قدم المدينة
[ ١ / ٦٥٥ ]
فعرض عليه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الإسلام فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام في قصة بئر معونة (أصابه استسقاء) أي المرض المعروف بكثرة شرب الماء وسببه اجتماع ماء أصفر في البطن (فبعث إلى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي واحدا يستشفيه (فأخذ) أي النبي ﵊ (بيده حثوة من الأرض) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة لغة في حثية بالياء من حثا التراب عليه يحثوه ويحثيه والمعنى أخذ قبضة منها (فتفل عليها) أي بصق قال أبو عبيد النفث بالفم شبيه بالنفخ وأما التفل فلا يكون إلا ومعه شيء من الريق، (ثمّ أعطاها رسوله) أي الذي جاء من عنده (فأخذها متعجّبا يرى) بضم الياء أو فتحها أي يظن أو يعتقد (أنّ قد هزىء به) بضم هاء وفتح وكسر زاء فهمز وأن مخففة من المثقلة اكتفاء بمرفوعها واسمها ضمير الشأن وضمير به راجع إلى ابن الملاعب وذلك لما شاع في هذا الباب أن ذلك تراب (فأتاه بها) أي بالحثوة (وهو على شفا) بفتح الشين المعجمة مقصورا منونا وهو حرف كل شيء ومنه قوله تعالى وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ أي حرفها وطرفها ويقال اشفى المريض على الموت وما بقي الا شفا أي قليل وأشفى عليه أشرف أي والحال أنه مشرف على الموت (فشربها) أي بانضمامها إلى ما عنده من الماء فكأنه عرف بالإيماء إليه أنه نافع للاستسقاء (فشفاه الله) أي عافاه مما ابتلاه (وذكر العقيليّ) بضم المهملة وفتح القاف صاحب كتاب الضعفاء قال ابن القطان أبو جعفر العقيلي مكي ثقة جليل القدر عالم بالحديث مقدم في الحفظ توفي سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة (عن حبيب بن فديك) مصغر فدك بالدال المهملة (ويقال فريك) أي بالراء وبالأول رواه البيهقي والطبراني ورواه ابن أبي شيبة بالثاني وأما حبيب فبفتح الخاء المهملة وروي بضم المعجمة مصغرا (أَنَّ أَبَاهُ ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ فَكَانَ لَا يُبْصِرُ بهما شيئا) وروي أنه ﵊ سأله عما أصابه قال كنت أقود جملا لي فوقعت رجلي على بيض حية فعميت (فنفث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي نفخ (في عينيه فأبصر) أي بهما (فرأيته) أي أبي بعد ذلك (يُدْخِلُ الْخَيْطَ فِي الْإِبْرَةِ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ) أي سنة كما في رواية وفي رواية وأن عينيه لمبيضتان في المواهب رواها ابن أبي شيبة والبغوي والبيهقي والطبراني وأبو نعيم، (وَرُمِيَ كُلْثُومُ بْنُ الْحُصَيْنِ يَوْمَ أُحُدٍ فِي نحره) أي صدره (فبصق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيه فبرأ) بفتح الراء ويكسر وقيل برا من المرض بفتح الراء وبرئ من الدين بكسرها قال الدلجي لا أدري من رواه انتهى قال الخلبي كلثوم بن الحصين أبو ذر الغفاري شهد أحدا وبايع تحت الشجرة واستخلفه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على المدينة في عمرة القضاء وعام الفتح وأصيب بسهم في نحره فسمي المنحور وجاء إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فبصق عليه فبرأ روى الزهري عن ابن أخيه عنه وقد أخرج له أحمد في المسند والبخاري في كتاب الأدب المفرد وليس له في الكتب الستة شيء (وتفل) أي بصق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (على شجّة عبد الله بن أنيس) بالتصغير والشجة الضربة في الوجه والرأس
[ ١ / ٦٥٦ ]
فقط وقد يسمى بذلك ما يكون في سائر الجسد مجازا (فلم تمدّ) بضم التاء وكسر الميم وتشديد الدال من أمد الجرح صارت فيه مدة أي قيحا والمعنى لم تحصل مادة من القيح في ذلك الجرح والحديث رواه الطبراني وذلك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعث عبد الله بن رواحة في نفر من أصحابه منهم عبد الله بن أنيس إلى اليسير بن رزام وكان بخيبر يجمع غطفان لغزو رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلما قدموا عليه كلموه وقربوا له وقالوا إن قدمت على رسول الله استعملك وأكرمك فلم يزالوا به حتى خرج معهم فحمله عبد الله بن أنيس على بعيره حتى إذا كانوا بالقرقرة على تسعة أميال من خيبر ندم اليسير بن رزام على مسيره إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ففطن له عبد الله بن أنيس وهو يدير السيف فاقتحم به ثم ضربه بالسيف فقطع رجله وضربه اليسير بمخرش في يده من شوحط فأمه فلما قدم عبد الله بن أنيس على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تفل على شجته فلم تقح ولم تؤذه، (وَتَفَلَ فِي عَيْنَيْ عَلِيٍّ يَوْمَ خَيْبَرَ وَكَانَ) أي على (رمدا) بفتح الراء وكسر الميم أي ذا رمد بفتحتين وهو وجع العين وفي الحديث لا هم إلا هم الدين ولا وجع إلا وجع العين (فأصبح بارئا) بكسر الراء بعدها همزة أي فصار معافى والحديث رواه الشيخان عن سهل بن سعد الساعدي ففي البخاري في غزوة خيبر أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال أين علي بن أبي طالب فقالوا يا رسول الله يشتكي عينيه قال فأرسلوا إليه فأتى به فبصق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في عينيه فدعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع وفي رواية مسلم من طريق إياس بن سلمة عن أبيه قال فأرسلني النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى علي فجئت به أقوده أرمد فبصق في عينيه فبرأ وعند الطبراني من حديث علي قال فما رمدت ولا صدعت منذ دفع إلي صلى الله تعالى عليه وسلم الراية يوم خيبر وعند الحاكم من حديث علي فوضع صلى الله تعالى عليه وسلم رأسي في حجره ثم بصق في راحته فدلك بها عيني وعند الطبراني فما اشتكيتهما حتى الساعة قال ودعا لي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال اللهم أذهب عنه الحر والقر قال فما اشتكيتهما حتى يومي هذا (ونفث) أي ثلاث نفثات (عَلَى ضَرْبَةٍ بِسَاقِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ يَوْمَ خيبر فبرئت) بفتح الراء وفي نسخة فبرئت بكسر الراء وهي لغة أهل الحجاز وفي رواية فما اشتكاها قط رواه البخاري (وفي رجل زيد بن معاذ) أي ونفث فيها (حين أصابها السّيف إلى الكعب) أي إلى الكعب رجله (حين قتل ابن الأشرف) وهو كعب بن الشرف اليهودي وقصته مشهورة (فبرئت) أي رجله رواه عبد بن حميد في تفسيره عن عكرمة ورواه ابن إسحاق والواقدي أيضا لكن قالا بدل زيد بن معاذ الحارث بن أوس ورواه البيهقي من حديث جابر وذكر بدلهما عباد بن بشر وهو ممن حضر قتل كعب وأما زيد ابن معاذ فقال الحلبي لا أعرف أنه ذكر في هذه الواقعة بل ولا في الصحابة أحد يقال له زيد ابن معاذ إلا أن يكون أحد نسب إلى جده أو جد له أعلى بل الذي جرح في رأسه أو رجله على الشك من الراوي في قتل كعب بن الأشرف إنما هو الحارث بن أوس بن معاذ بن
[ ١ / ٦٥٧ ]
النعمان بن امرئ القيس بدري قتل يوم أحد وله ثمان وعشرون سنة وقيل الذي حضر كعبا وهو الحارث بن أوس بن النعمان الحارثي وقد حكى الذهبي القولين ثم قال وقيل هما واحد نسب إلى جده الأعلى لكن افترقا بالنسب كما ترى انتهى وقد سمي في رواية البخاري الذين قتلوا كعبا منهم الحارث بن مسلم وكذا مسلم في الجهاد فعليه الاعتماد هذا وقد وقال بعضهم إن زيد بن معاذ هو ابن أخي سعد بن معاذ وأنه نقله غير القاضي كذلك ولعلهما اطلعا على المراد (وعلى ساق عليّ بن الحكم) بفتحتين صحابي وهو أخو معاوية بن الحكم السلمي (يوم الخندق إذ انكسرت) أي نفث حين انكسرت ساقه (فبرأ) وفي نسخة فبرئ (مكانه) أي ولم يتعد زمانه (وما نزل عن فرسه) أي والحال إنه لم يقدر على نزوله عن فرسه إذ جاءه يستشفيه رواه أبو القاسم البغوي في معجمه (واشتكى عليّ بن أبي طالب) أي مرض أو اشتكى وجعا (فجعل) أي شرع علي أو قصد (يدعو) أي يطلب الله تعالى أن يعافيه (فقال النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم اللهمّ اشفه) روي بالضمير وهاء السكت وكذا قوله (أو عافه) والشك من الراوي (ثمّ ضربه برجله) أي لتصيبه بركة فعله بعد أثر قوله (فما اشتكى ذلك الوجع بعد) بضم الدال أي ما شكاه بعد دعائه وأصابه رجله لبعض اجزائه رواه البيهقي (وَقَطَعَ أَبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ يَدَ مُعَوِّذِ) بتشديد الواو المكسورة وتفتح (ابن عفراء) بمهملة ففاء فراء ممدودة قال الحلبي والمعروف أن ابن أبي جهل عكرمة فعل ذلك بمعاذ بن عمرو بن الجموح حين ضرب أباه وكذا نقله أبو الفتح اليعمري ابن سيد الناس عن القاضي عياض ثم قال معوذ صحابي قتل يوم بدر وهو من جملة أربعة عشر قتيلا من المسلمين في وقعة بدر رضي الله تعالى عنهم أقول ولا منع من الجمع فتأمل (فجاء) أي معوذ أو معاذ (يَحْمِلُ يَدَهُ فَبَصَقَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) أي عليها (وألصقها فلصقت) بكسر الصاد، (رواه ابن وهب ومن روايته أيضا) وكذا رواه البيهقي عن ابن إسحاق (أنّ خبيب بن يساف) بفتح الياء في نسخة إساف بكسر الهمزة ويفتح وأما خبيب فهو بخاء معجمة وموحدتين بصيغة التصغير في النسخ وهو موافق لما في القاموس ومطابق لما ذكره الحلبي وضبطه الدلجي بمهملة وباءين بينهما مثلثة والظاهر من كلامه أنه بفتح أوله وكسر ثانيه (أُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) أي حال كونه معه أي بقربه (بضربة على عاتقه) أي ما بين منكبه وعنقه (حتّى مال شقّه) بكسر الشين وتشديد القاف أي أحد شقيه بانفصاله عنه بحد سيفه (فردّه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بإمالته إلى محله (ونفث عليه حتّى صحّ) أي التأم قال الحلبي وحبيب هذا خزرجي شهد بدرا واحدا وما بعدهما وكان نازلا بالمدينة فتأخر إسلامه حتى سار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى بدر فلحقه في الطريق فأسلم وشهد بدرا فضربه رجل على عاتقه يومئذ فمال شقه فتفل عليه ولأمه ورده فانطلق فقتل الذي ضربه وتزوج ابنته بعد ذلك وكانت تقول لا عدمت رجلا وشحك هذا الوشاح فيقول لا عدمت رجلا عجل أباك إلى النار وتوفي في خلافة عثمان؛
[ ١ / ٦٥٨ ]
(وأتته امرأة من خثعم) قبيلة معروفة (معها صبي به بلاء) أي عارض (لا يتكلّم) أي بسببه (فأتي بماء فمضمض فاه) أي فمه (وغسل يديه) الظاهر إلى رسغيه (ثمّ أعطاها إيّاه) أي الماء (وأمرها بسقيه) أي بشرب الصبي منه (ومسّه به) أي مسحه ببله ووقع في أصل الدلجي وأمرها أن تسقيه ومس به أي مس صلى الله تعالى عليه وسلم الصبي بالماء (فبرأ الغلام وعقل عقلا يفضل) بضم الضاد المعجمة وتفتح أي يزيد ويغلب (عقول النّاس) رواه ابن أبي شيبة عن أم جندب مرفوعا. (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ جَاءَتِ امْرَأَةٌ بِابْنٍ لَهَا به جنون فمسح) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (صدره فثعّ ثعّة) بمثلثة ومهملة مشددة فيهما أي قاء مرة (فخرج من جوفه مثل الجرو الأسود) بتثليث الجيم ولد الكلب والسبع (فشفي) بصيغة المجهول أي برئ من جنونه وفي نسخة فسعى بفتح السين والعين المهملتين أي مشى واشتد عدوا والظاهر أنه تصحيف ثم فاعل سعى الجرو وهو الأقرب أو المبتلى وهو الأنسب والحديث رواه أحمد والبيهقي وابن أبي شيبة ففي مسند أحمد ثنا حما ثنا يزيد حدثنا حماد بن سلم عن فرقد السنجي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن امرأة جاءت بولدها إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن به لمما وإنه يأخذه عند طعامنا فيفسد علينا طعامنا قال فمسح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صدره ودعا له فثع ثعة فخرج من فيه مثل الجرو الأسود فشفى وقد ذكره أحمد أيضا من طريق أخرى فقال حدثنا أبو سملى حدثنا حماد بن سلمة عن فرقد فذكر نحوه إلا أنه قال فثع أي سعل انتهى والظاهر أن قوله سعل بيان لسبب قيئه أي فسعل فقاء، (وانكفأت القدر) بهمزة مفتوحة بعد الفاء أي انقلبت البرمة وسقطت (على ذراع محمد بن حاطب) بحاء مهملة وطاء مكسورة فموحدة وفي نسخة حاتم وهو غير صحيح والمراد به ابن الحارث بن معمر القرشي من بني جمح ولد بالحبشة قيل هو أول من سمي في الإسلام محمدا له صحبة (وهو طفل) جملة حالية (فَمَسَحَ عَلَيْهِ وَدَعَا لَهُ وَتَفَلَ فِيهِ فَبَرَأَ لحينه) أي على فوره رواه النسائي والطيالسي والبيهقي (وكانت في كفّ شرحبيل) بضم أوله ويقال له شراحيل (الجعفيّ) بضم الجيم (سلعة) بكسر السين وتفتح وسكون اللام وهي زيادات تحدث في الجسد بين الجلد واللحم كالغدة تكون من قدر حمصة إلى قدر بطيخة إذا غمزت باليد تحركت (تمنعه القبض على السّيف وعنان الدّابّة) بكسر العين أي لجامها أو زمامها (فشكاها للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فما زال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (يطحنها) بفتح الحاء أي يعالجها ويفصحها بكفه (حتّى رفعها) أي أزالها من كفه (ولم يبق لها أثر) أي في محلها رواه الطبراني والبيهقي. (وسألته جارية) أي بنت أو مملوكة (طعاما، وهو يأكل) جملة حالية (فناولها من بين يديه) أي بعض ما لديه (وكانت) أي قبل ذلك (قليلة الحياء) لعلها لخلل كان بعقلها (فَقَالَتْ إِنَّمَا أُرِيدُ مِنَ الَّذِي فِي فِيكَ) أي في فمك (فناولها ما في فيه، ولم يكن) أي من عادته (يسأل شيئا فيمنعه) بالنصب على جواب النفي (فلمّا استقرّ) أي مأكولها الذي ناولها (في جوفها ألقي عليها من الحياء) أي شيء عظيم
[ ١ / ٦٥٩ ]
منه حتى بسببه (لم تكن امرأة بالمدينة) أي فضلا عن غيرها (أشدّ حياء منها) أي ببركته ويمن همته.
فصل [في إجابة دعائه صلى الله تعالى عليه وسلم]
(في إجابة دعائه ﵊) أي لقوم وعلى بعض (وهذا باب واسع) أي متسع ذيله وما يتعلق به (جدّا) بكسر الجيم وتشديد الدال منصوب على المصدر أي وسعا كثيرا (وإجابة دعوة النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لجماعة بما دعا لهم) أي بالخير تارة (وعليهم) أي بالشر تارة وهذا مفهوم كلام المصنف بحسب الظاهر ولكن الأظهر أن المراد به أنه دعا لبعض منهم بالمنفعة ولآخرين منهم بالمضرة ولذا قال التلمساني فكأنه أوصله نفعا وصب عليه شرا (وهذا أمر متواتر في الجملة) وفي نسخة على الجملة أي لا على التفصيل (معلوم ضرورة) أي عند أهل السيرة. (وقد جاء في حديث حذيفة) أي من رواية أحمد بن محمد بن حنبل في مسنده (كان رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَعَا لِرَجُلٍ أَدْرَكَتِ الدَّعْوَةُ) أي أثرها (ولده وولد ولده) وفيه تنبيه على صحة معنى ما يقال الولد سر أبيه ويؤيده قوله تعالى وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا قيل كان بينهما سبعة آباء قال أي المصنف. (حدّثنا أبو محمد العتابيّ) بتشديد الفوقية (بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ حَاتِمُ بْنُ محمد) بكسر التاء (حدّثنا أبو الحسن) وفي نسخة بالتصغير والأول هو الصحيح (القابسيّ) بكسر الموحدة (حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يوسف) أي الفربري (حدّثنا محمّد بن إسماعيل) أي البخاري صاحب الجامع وقد أخرجه مسلم أيضا (حدّثنا عبد الله بن أبي الأسود) أي البصري من رواية مالك (حدّثنا حرمي) بفتح الحاء والراء وهو ثابت بن روح وكنيته أبو عمارة ابن أبي حفصة (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قال قالت أمّي) وهي أم سليم بنت ملحان (يَا رَسُولَ اللَّهِ خَادِمُكَ أَنَسٌ ادْعُ اللَّهَ له قال اللهمّ أكثر ماله) أي حلالا (وولده) أي صالحا (وبارك له فيما آتيته) أي أعطيته من المال والولد فأوتي مالا كثيرا وأولادا مات له في الطاعون الجارف سبعون ولدا من صلبه غير أولاد أولاده. (ومن رواية عكرمة) أي على ما انفرد بها مسلم وهو ابن عمار الحنفي اليمامي وكان مجاب الدعوة (قال أنس فو الله إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي ليعادّون) بضم الياء وتشديد الدال أي يعد بعضهم بعضا وليزيدون (اليوم على نحو المائة) قال التلمساني وفي رواية الصحيحين والمصابيح ليتعادون بزيادة التاء (وفي رواية) وهي غير معروفة (وما أعلم أحدا أصاب) اليوم (من رخاء العيش) أي سعة المعيشة وكثرة النعمة (ما أصبت) أي ببركة دعوة صاحب النبوة وأثر كثرة الملازمة والخدمة هذا واستدل بعضهم بدعائهم ﵇ لأنس على تفضيل الغنى على الفقر وأجيب بأنه مختص بدعاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأنه قد بارك فيه ومتى بورك فيه لم يكن فيه فتنة فلم يحصل بسببه مضرة (ولقد دفنت بيديّ) بتشديد الياء (هَاتَيْنِ مِائَةً مِنْ
[ ١ / ٦٦٠ ]
ولدي لا أقول سقطا) بكسر السين ويجوز ضمها وفتحها وهو الجنين الذي يسقط قبل تمامه (ولا ولد ولده) أي لا أحسبها في العدد قال الحلبي واعلم أن في البخاري في الصوم من رواية حميد عن أنس قال حدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي مقدم الحجاج البصري عشرون ومائة قيل وكان مقدمه سنة خمس وسبعين وقد ولد لأنس بعد ذلك أولاد كثيرة وتوفي سنة ثلاث وتسعين ونقل عن أبي قتيبة أنه وقع على الأرض من صلب المهلب ابن أبي صفرة البصري ثلاثمائة ولد. (ومثله) وفي نسخة صحيحه ومنه أي ومن دعائه المجاب (دعاؤه لعبد الرّحمن بن عوف بالبركة) على ما رواه البيهقي (قال) أي عبد الرحمن كما في نسخة صحيحه (فَلَوْ رَفَعْتُ حَجَرًا لَرَجَوْتُ أَنْ أُصِيبَ تَحْتَهُ ذهبا وفتح الله عليه) أي فتوحات كثيرة وأموالا غزيرة (ومات فحفر الذّهب) بصيغة المجهول أي استخرج مما كان مدفونا (من تركته) بفتح فكسر أي متروكاته بعد خيراته ومبراته (بالفؤوس) بضم الفاء والهمزة وسكون الواو جمع فأس بالهمزة ويبدل كراس ورؤوس وكأس وكؤوس (حتّى مجلت) بفتح الجيم ويكسر أي تنفطت من كثرة العمل (فيه الأيدي وأخذت كلّ زوجة) أي من زوجاته (ثمانين ألفا وكنّ أربعا) فجملته ثلاثمائة وعشرون ألفا (وقيل مائة ألف) بالنصب أي أخذت كل واحدة منهن مائة ألف فجملته أربعمائة أَلْفٍ (وَقِيلَ بَلْ صُولِحَتْ إِحْدَاهُنَّ لِأَنَّهُ طَلَّقَهَا في مرضه) أي الذي مات فيه (على نيّف) بتشديد التحتية المكسورة وتسكينها أي زيادة بمعنى كسر (وثمانين ألفا وأوصى بخمسين ألفا) أي ألف دينار في سبيل الله كما صرح به عروة بن الزبير وكذا أوصى بألف فرس في سبيل الله كما ذكر الحجازي وغيره (بعد صدقاته الفاشية) أي الكثيرة الشائعة (في حياته وعوارفه العظيمة) أي معروفاته الجزيلة قبل مماته (أَعْتَقَ يَوْمًا ثَلَاثِينَ عَبْدًا وَتَصَدَّقَ مَرَّةً بِعِيرٍ) بكسر العين أي بقافلة (فيها سبعمائة بعير وردت عليه) أي جاءت من سفر تجارة (تحمل من كلّ شيء) أي من أجناس الأموال وأنواعها (فتصدّق بها) أي بالأبعرة السبعمائة (وبما عليها) أي من أنواع البضائع المختلفة (وبأقتابها) جمع قتب بالتحريك وهو للبعير كالأكاف لغيره (وأحلاسها) جمع حلس بالكسر وهو كساء يلي ظهر البعير تحت القتب وفي ذكرهما مبالغة في الاستيفاء وتأكيد للاستقصاء هذا وقد قال الحلبي الذي استحضره من صدقات عبد الرحمن بن عوف أنه تصدق بشطر ماله أربعة آلاف ثم بأربعين ألفا ثم بأربعين ألف دينار ثم تصدق بخمسمائة فرس في سبيل الله ثم بخمسمائة راحلة وفي الترمذي أنه أوصى لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعمائة ألف قال الترمذي حديث حسن وقال الزهري أوصى لمن بقي من أهل بدر لكل رجل بأربعمائة دينار وكانوا مائة فأخذوها وأخذ عثمان فيمن أخذ وأوصى بألف فرس في سبيل الله انتهى وروي أنه رضي الله تعالى عنه لما حث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على الصدقة جاءه بأربعة آلاف درهم وقال يا رسول الله كان لي ثمانية آلاف درهم فأقرضت ربي أربعة وأمسكت لعيالي أربعة فقال صلى الله تعالى عليه وسلم بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت فبارك الله في ماله (ودعا لمعاوية) أي ابن
[ ١ / ٦٦١ ]
أبي سفيان ﵄ (بالتّمكين في البلاد فنال الخلافة) أي أصابها في الجملة أو على وفق ما أراد إذ الصحيح أنه لا يسمى خليفة على خلاف بعد نزول الحسن والمعتمد أن الخلافة تمت بخلافة الحسن بعد أبيه بستة أشهر لقوله ﵊ الخلافة بعدي في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك رواه أحمد والترمذي بسند صحيح وكذا ابن حبان عن سفينة ثم رأيت أنه قيل صوابه الإمارة وقد روى ابن سعد دعاءه ﵊ اللهم علمه الكتاب ومكنه في البلاد وقه العذاب وروي أنه ﵊ قال لن يغلب معاوية وقد بلغ عليا هذه الرواية فقال لو علمت لما حاربته، (ولسعد بن أبي وقّاص) أي دعا له (﵁ أَنْ يُجِيبَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ فما دعا) أي سعد (على أحد إلّا استجيب له) رواه الترمذي موصولا ورواه البيهقي عن قيس بن أبي حازم مرسلا بلفظ اللهم استجب له إذا دعا وحسنه قد استجيب له دعوات مروية في الصحيح وغيره منها أن رجلا نال من علي كرم الله وجهه بحضرته فقال اللهم إن كان كاذبا فأرني فيه آية فجاء جمل فتخبطه حتى قتله ومنها ما رواه البخاري أنه دعا على أبي سعدة اللهم أطل عمره وأطل فقره وعرضه للفتن قال الراوي فلقد رأيته شيخا كبيرا سقط حاجباه على عينيه يتعرض للجواري يغمزهن فيقال له فيقول شيخ مفتون اصابته دعوة سعد؛ (ودعا) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (بِعِزِّ الْإِسْلَامِ بِعُمَرَ ﵁ أَوْ بأبي جهل فاستجيب له في عمر) رواه الإمام أحمد والترمذي في جامعه وغيرهما عن ابن عمر به مرفوعا ولفظه اللهم أيد الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب وصححه ابن حبان والحاكم في مستدركه عن ابن عباس اللهم أيد الدين بعمر بن الخطاب وفي لفظ أعز الإسلام بعمر وقال إنه صحيح الإسناد وفيه عن عائشة اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة وقال ينه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأما ما يدور على الألسنة من قولهم اللهم أيد الإسلام بأحد العمرين فلا يعلم له أصل في المبنى وإن كان يصح نقله بالمعنى بناء على تغليب عمر على عمرو بن هشام وهو اسم أبي جهل وكان يكنى أولا أبا الحكم فكناه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أبا جهل فغلبت عليه هذه الكنية، (وعن ابن مسعود) وفي نسخة وقال ابن مسعود (ما زلنا أعزّة) جمع عزيز أي أقوياء وعظماء أو ظاهرين قاهرين (منذ أسلم عمر) قلت وفي الآية إشارة إلى هذه العزة حيث نزل عند إيمانه قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فإنه رضي الله تعالى عنه كان تمام الأربعين؛ (وأصاب النّاس في بعض مغازيه) أي مسير غزواته صلى الله تعالى عليه وسلم (عطش) أي شديد (فسأله عمر الدّعاء) أي الاستسقاء (فدعا فجاءت سحابة فسقتهم حاجتهم) بالنصب أي قدر كفايتهم (ثمّ أقلعت) بفتح الهمزة واللام أي أقشعت السحابة وانجلت (ودعا في الاستسقاء) أي يوم جمعة على المنبر في المدينة كما رواه الشيخان عن أنس (فسقوا) بصيغة المفعول (ثمّ شكوا إليه المطر) أي كثرته حيث خيف ضرره في الجمعة الثانية وهو على منبره (فدعا) أي بكشفه (فصحوا) بفتح الصاد وضم الحاء وفتحها
[ ١ / ٦٦٢ ]
أي فانكشف ما بهم من السحابة (وقال لأبي قتادة أفلح وجهك) جملة خبرية في المبنى دعائية في المعنى أي بقي وفاز وظفر (اللهمّ بارك له) أي لأبي قتادة (في شعره) بفتح العين ويسكن (وبشره) بفتحتين أي ظاهر جلده حتى يستمر أحسنين (فمات) أي أبو قتادة (وهو ابن سبعين سنة) جملة حالية وكذا قوله (وكأنّه ابن خمس عشرة سنة) بسكون الشين المعجمة وتكسر رواه البيهقي، (وقال) أي النبي ﵊ (للنّابغة) أي الجعدي واسمه قيس بن عبد الله وقيل عكسه حين أنشده قصيدته الرائية (لا يفضض الله) بضم الضاد المعجمة الأولى وكسر الثانية على أن لا ناهية وضمها على أن لا نافية وهي أبلغ أي لا يسقط وقيل لا يكسر من فض كسر وفرق وروي لا يفض الله فاك من الفضاء وهو الخلاء أي يجعل الله فاك فضاء لا اسنان فيه (فاك) أي أسنانك أو أسنان فيك باعتبار أحد المجازين كقوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (فما سقطت له سنّ) رواه البيهقي وابن أبي أسامة وروي مثله عن عمه العباس قال يا رسول الله إني مدحتك فقال لا يفضض الله فاك فأنشد الأبيات السابقة (وفي رواية فكان) أي النابغة (أحسن النّاس ثغرا) بفتح المثلثة وسكون الغين المعجمة أي سنا وقيل هو ما تقدم من الإنسان ويؤيد الأول عموم قوله (إِذَا سَقَطَتْ لَهُ سِنٌّ نَبَتَتْ لَهُ أُخْرَى وعاش عشرين ومائة) هو لغة في مائة وعشرين (وقيل أكثر من هذا) فقيل عاش مائة وثمانين سنة وقيل مائتين وأربعين سنة وكان في الجاهلية يصوم ويستغفر وبقي إلى أيام ابن الزبير وأخرج له بقي مخلد حديثا واحدا وفي الشعراء جماعة غيره يقال لكل منهم النابغة وإذا أطلق فهو المراد واختلف في سبب الدعاء له فقيل قوله:
بلغنا السماء مجدنا وسناءنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فقال إلى أين يا أبا ليلى قال فقلت إلى الجنة فقال نعم إن شاء الله وقال الحديث وقيل قوله:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له تأن إذا ما أورد الأمر أصدرا
وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أجدت فلا سقط له سن، (ودعا لابن عبّاس) كما رواه الشيخان (اللهمّ فقّهه في الدّين) أي علمه ما يحتاج إليه في أمر الدين من الأمور الواضحة للمجتهدين (وعلّمه التّأويل) أي تأويل الكتاب والسنة من آل يؤول إلى كذا إذا رجع إليه وأريد به صرف اللفظ عن ظاهره لدليل لولاه ما صرف عن حاله (فسمّي) أي ابن عباس (بعد) بضم الدال أي بعد دعائه صلى الله تعالى عليه وسلم له (الحبر) بفتح الحاء وتكسر أي حبر الأمة وهو عالمها سمي به وهو المداد لمزاولته له غالبا في أداء المراد وفي نسخة البحر بدل الحبر أي بحر العلم، (وترجمان القرآن) بفتح التاء وضم الجيم وضمهما وحكي فتحهما أي مفسره ومعبره والترجمان في الأصل من يترجم الكلام أي ينقله من لغة
[ ١ / ٦٦٣ ]
إلى لغة أخرى وفي القاموس الترجمان كعنفوان وزعفران وريهقان المفسر للسان. (ودعا لعبد الله بن جعفر) أي ابن أبي طالب (بالبركة في صفقة يمينه) أي تبايعه وسمى صفته لوضع كل من البائعين يده في يد الآخر عرفا وعادة (فما اشترى شيئا إلّا ربح فيه) رواه البيهقي عن عمرو بن حريث؛ (ودعا للمقداد) أي ابن الأسود (بالبركة فكان له) وفي نسخة صحيحة عنده (غرائر) بفتح الغين جمع غرارة بالكسر وهي جوالق (من المال) رواه البيهقي في الدلائل عن بضاعة بنت الزبير (ودعا بمثله) أي بمثل ما دعا للمقداد من البركة (لعروة بن أبي الجعد) قال ابن المديني أخطأ من قال فيه عروة بن الجعد وإنما هو ابن أبي الجعد انتهى وهو صحابي مشهور وحديثه هذا رواه البخاري (وقال) أي عروة كما رواه أحمد (فلقد كنت أقوم) أي أقف كما في نسخة (بالكناسة) بضم الكاف موضع أو سوق بالكوفة وكانوا يرمون فيه كناسات دورهم (فما أرجع) أي عنها (حتّى أربح) بفتح الموحدة أي استفيد (أربعين ألفا) يحتمل الدينار والدرهم، (وقال البخاريّ في حديثه. فكان) أي عروة (لو اشترى التّراب) أي مثلا (ربح فيه، وروي مثل هذا) أي الدعاء بالبركة (لغرقدة) بغين معجمة فراء ساكنة (أيضا) قال الدلجي لا أدري من رواه (وندّت) بنون وتشديد أي نفرت وذهبت على وجهها شاردة (له) أي لغرقد (ناقة فدعا) أي النبي ﵊ على ما هو ظاهر الكلام (فجاءه بها) وفي نسخة صحيحة فجاءه بها (إعصار ريح) بالإضافة والإعصار بالكسر ريح عاصف يستدير في الأرض ثم يسطع إلى السماء مستديرا كالعمود (حتّى ردّها) أي الأعصار الناقة (عليه) أي على غرقد، (ودعا لأمّ أبي هريرة) أي بالهداية كما رواه مسلم وغيره (فأسلمت) فعن أبي هريرة قال دعوت أمي يوما إلى الإسلام وهي مشركة فأسمعتني فى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما أكره فأتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا أبكي فقلت يا رسول الله ادع الله يهدي أم أبي هريرة فقال اللهم اهد ام أبي هريرة فخرجت مستبشرا بدعوته ﵇ فلما صرت إلى الباب فإذا هو مجاف فسعمت أمي خشف قدمي فقلت مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب ثم قالت أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فرجعت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا أبكي من الفرح فحمد الله وقال خيرا، (ودعا لعليّ أن يكفى) بصيغة المفعول أي يحفظ (الحرّ والقرّ) بضم القاف وفتحها وتكسر البرد أو شديده أي شرهما، (فكان) أي علي (يَلْبَسُ فِي الشِّتَاءِ ثِيَابَ الصَّيْفِ، وَفِي الصَّيْفِ، ثياب الشّتاء، ولا يصيبه) ويروى ولا يسيئه ويروى ولا يسوؤه (حرّ ولا برد) أي مع اختلاف الأحوال والحديث رواه ابن ماجة والبيهقي، (ودعا الله لفاطمة ابنته أن لا يجيعها) أي جوعا شديدا (قالت فما جعت. بعد) أي بعد ذلك الدعاء ابدا رواه البيهقي عن عمران بن حصين، (وسأله) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما في نسخة (الطّفيل) بالتصغير أي ابن عمرو كما في نسخة وهو ابن طريف الأزدي الدوسي قتل يوم اليمامة وكان شريفا مطاعا في قومه روى أبو الزناد عن الأعرج عن
[ ١ / ٦٦٤ ]
أبي هريرة أنه قال لما قال الطفيل بن عمرو للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن دوسا قد غلب عليهم الزنا والربا فادع الله عليهم قلنا هلكت دوس حتى قال ﵇ اللهم أهد دوسا (آية) أي علامة تكون كرامة (لقومه) أي عندهم (فقال اللهمّ نوّر له فسطع) أي ظهر ولمع (له نور بين عينيه فقال يا ربّ أخاف أن يقولوا مثلة) بضم الميم ويفتح ويكسر وسكون المثلثة أي تنكيل وعقوبة وهي مرفوعة وقيل منصوبة (فتحوّل) أي فاستجيب دعاؤه وانتقل ذلك النور (إِلَى طَرَفِ سَوْطِهِ فَكَانَ يُضِيءُ فِي اللَّيْلَةِ المظلمة) وروي الظلماء (فسمّي ذا النّور) كالحسنين ابني علي وأسيد بن حضير وعباد بن بشر وحمزة بن عمرو الأسلمي وقتادة بن النعمان كل سمي بذلك وأما ذو النورين فهو لقب عثمان لأنه تزوج بنتين لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والحديث هذا وراه ابن إسحاق بلا سند والبيهقي عنه وابن جرير من طريق الكلبي. (ودعا على مضر) على وزن عمر وهم قبيلة (فأقحطوا) بصيغة المجهول أي فدخلوا في القحط باحتباس المطر عنهم وانقطاع الخير منهم (حتّى استعطفته قريش) أي طلبوا منه أن يعطف عليهم ويرحمهم، (فدعا لهم) أي بالمطر (فسقوا) بصيغة المجهول أي فأعطوا مطرا فأخصبوا رواه النسائي عن ابن عباس والبيهقي عن ابن مسعود وأصله في الصحيحين، (ودعا على كسرى) بكسر الكاف وتفتح لقب لكل ملك الفرس وهو هنا أبرويز بن هرمز قال الطبري وتفسيره المظفر بن هرمز بن أنوشروان وتفسيره بالعربية مجدد الملك (حين مزّق كتابه) بتشديد الزاء أي شقق مكتوبه ﵇ (أن يمزّق الله ملكه) أي بتمزيق الله ملكه فمزقه كل ممزق، (فلم تبق له باقية) أي نفس باقية أو أثر وبقية قال السهيلي ولما دعا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عليه وقع أمره في الانحطاط إلى أن قتله ابن له يقال له شيرويه ومات ابنه الذي قتله بعد أبيه بزمن يسير وسببه أن أبرويز قيل له أن ابنك شيرويه يريد قتلك قال إذا قتلني فأنا أقتله ففتح خزانة الأدوية وكتب على حقة السم الدواء النافع للجامع وكان ابنه مولعا بالجماع فلما قتل أباه وفتح الخزانة ورأى تلك الحقة تناول منها فمات من ذلك ومات سائر أولاده وأكثر أقاربه بعد دعائه ﵊ لستة أشهر ومالت عنهم الدولة حتى انقرضوا عن آخرهم في خلافة عثمان، (ولا بقيت لفارس) بكسر الراء مصروفا وممنوعا أي لأهل فارس (رياسة في أقطار الدّنيا) أي نواحيها رواه البخاري من طريق ابن عباس (ودعا على صبيّ قطع عليه) أي بمروره بين يديه (الصّلاة) أي صلاته كما في نسخة (أن يقطع الله أثره) ومن جملته مشي قدميه كما قال وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ، (فأقعد) بصيغة المجهول أي صار مقعدا لا يستطيع النهوض وفي رواية قطع صلاتنا قطع الله أثره وفي أصل الدلجي دابره بدل أثره فتكلف في وجهه بأن الدابر في الأصل الآخر ومنه قوله تعالى فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي آخرهم فلم يبق أحد منهم ثم استعير للزمانة كما هنا بسلب قوة مشيه هذا والحديث رواه أبو داود والبيهقي ورواه ابن حبان عن سعيد بن عبد العزيز عن يزيد بن مهران يقول مررت بين يدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يصلي فقال اللهم
[ ١ / ٦٦٥ ]
اقطع أثره فما مشيت وقد ضعف عبد الحق وابن القطان إسناده وكذا ابن القيم وقال الذهبي أظن أنه موضوع ثم على تقدير ثبوته فيه إشكال وهو أنه ﵊ كيف يدعو على الصبي وهو غير مكلف بالأحكام مع أن القاضي جزم بذلك في مقام المرام وجوابه نقل عن البيهقي في المعرفة أن الأحكام إنما صارت متعلقة بالبلوغ بعد الهجرة قال الحلبي وفي كلام السبكي أنها إنما سارت متعلقة بالبلوغ بعد أحد ثم قال الحلبي أو يقال إن هذا من باب خطاب الوضع لأنه اتلاف لا يشترط فيه التكليف انتهى وتبعه الأنطاكي وقرره التلمساني وفيه أن الصلاة صحيحة بالإجماع فليس من الاتلاف بلا نزاع نعم اتلاف لكمال الحال في حضور البال وهو غير مقتض لهذا النكال ولذا قال الدلجي وأجيب هنا بما لا يشفى ثم أقول ولعل الصبي كان من أولاد الكفار وقد أمره أهله بأن يقطع الصلاة على سيد الابرار فأراهم صلى الله تعالى عليه وسلم معجزة إظهارا للمعزة ودفعا للمذلة أو كان الصبي مراهقا فظنه ﵊ بالغا وفي قطعه قاصدا فتبين أنه كان صبيا قاصرا أو يكون من باب قضية الخضر مع الصغير مكاشفا، (وقال لرجل) هو بسر بضم الموحدة وسكون المهملة ابن راعي العير الأشجعي قيل كان منافقا (رآه يأكل بشماله) فقال له (كل بيمينك، فقال لا أستطيع) أي أن آكل بيميني لعذر بي، (فقال لا استطعت) أن تأكل بيمينك دعاء عليه لكونه كاذبا فيما ادعاه (فلم يرفعها) أي يمينه بعد ذلك (إليّ فيه) أي فمه لا عند أكله ولا في حال غيره والحديث رواه مسلم عن سلمة بن الأكوع واستدل به على وجوب الأكل باليمين ولا دلالة فيه عند المحققين، (وقال لعتبة) بضم أوله وفي نسخة بالتصغير (ابن أبي لهب) أي ابن عبد المطلب ابن هاشم (اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ فَأَكَلَهُ الأسد) أي ليلا وهو مسافر وقد جعله أصحابه بينهم محيطين فتخطاهم نائمين فافترسه رواه ابن إسحاق عن عروة بن الزبير عن هبار ابن الأسود والحاكم من حديث أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه والبيهقي من طرق عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهم قال الحلبي واعلم أن عتبة اسلم يوم الفتح وكذا أخوه معتب ولم يهاجرا من مكة وهذا هو المشهور وبعضهم جعل هذا عقير الأسد وجعل عتيبة المصغر هو الذي أسلم وصحب والمشهور أن المصغر عقير الأسد والمكبر هو الصحابي والله تعالى أعلم وسبب دعائه صلى الله تعالى عليه وسلم ما روى عروة بن الزبير أن عتيبة بن أبي لهب وكان تحته بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أراد الخروج إلى الشام فقال لآتين محمدا فلأوذينه فأتاه فقال يا محمد هو كافر بالنجم إذا هوى وبالذي دنى فتدلى ثم تفل في وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ورد عليه ابنته وطلقها فقال ﵊ اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فرجع عتيبة إلى أبيه فأخبره ثم خرجوا إلى الشام فنزلوا منزلا فأشرف عليهم راهب من الدير فقال لهم إن هذه أرض مسبعة فقال أبو لهب لأصحابه أغيثونا يا معشر قريش فإني أخاف على ابني دعوة محمد فجمعوا جمالهم وأناخوها حولهم وأحدقوا بعتيبة فجاء الأسد يتشمم وجوههم حتى ضرب عتيبة فقتله هذا
[ ١ / ٦٦٦ ]
نسخة زيد هنا وقال لامرأة أكلك الأسد فأكلها قيل هذا بخطه ليس من الرواية، (وحديثه المشهور) أي كما رواه الشيخان (من رواية عبد الله بن مسعود فِي دُعَائِهِ عَلَى قُرَيْشٍ حِينَ وَضَعُوا السَّلَا) بفتح المهملة مقصورا هو للبهيمة كالمشيمة لبني آدم وهي جلد رقيق يخرج مع الولد من بطن أمه ملفوفا فيه قال الشمني أن شقت عن وجه الفصيل ساعة ينتج والإقتلته وكذا إذا انقطع السلا في البطن فإذا خرج السلا سلمت الناقة وسلم الولد وإن انقطع في بطنها هلكت وهلك الولد وقيل يخرج بعد الولد (عَلَى رَقَبَتِهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ مَعَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ وسمّاهم) أي قريشا مجملا ومفصلا حيث قال اللهم عليك الملأ من قريش اللهم عليك بأبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمثالهم، (فقال) وفي نسخة وقال أي ابن مسعود (فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر) أي معظمهم فإن اشقاهم عقبة بن أبي معيط الذي وضع على رقبته الشريفة السلا حمل من بدر أسيرا فقتله علي بعرق الظبية بأمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مقفلهم من بدر إلى المدينة ولعل الحكمة في تأخير الأشقى ليشاهد العقوبة في أصحابه في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد وأبقى قال الحلبي وعمار بن الوليد لم يقتل ببدر أيضا وإنما جرى له قصة مع النجاشي مشهورة وقد سحر فصار متوحشا وهلك على كفره بأرض الحبشة في زمن عمر رضي الله تعالى عنه، (ودعا على الحكم بن أبي العاص) أي ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وهو أبو مروان عم عثمان أسلم يوم الفتح وتوفي في خلافة عثمان (وكان يختلج بوجهه ويغمز) بكسر الميم (عند النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي يجلس خلفه صلى الله تعالى عليه وسلم فإذا تكلم يحرك شفتيه وذقنه حكاية لفعله ويرمز مشيرا بعينه أو حاجبه (أي لا) أي أراد به ردا لكلامه استهزاء وسخرية، (فرآه) أي النبي ﵊ مرة وهو يختلج (فقال كذلك) وفي نسخة صحيحة كذلك كن (كن فلم يزل يختلج) أي يرتعد ويضطرب (إلى أن مات) رواه البيهقي من طرق عن عبد الرحمن بن أبي بكر وعن ابن عمر وعن هند ابن خديجة وفي رواية فضربه فصرع شهرين ثم أفاق مختلجا قد أخذ لحمه وقوته وقيل مرتعشا وقال التلمساني قوله يغمز إما يعيب لأنه كان يخبر المنافقين بسر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو لأنه كان يحكي فعله صلى الله تعالى عليه وسلم في مشيه وأمره ونحوه أولا بالفتح وتشديد الواو خلاف الأخير وروي أي لا بأي التفسيرية ولا النافية فعلى الأول معناه كان يختلج أولا قبل الدعوة ثم اختلج ثانيا بها ومعناه أنه كان صحيحا ثم هلك بالدعوة فهو مفعول أي يختلج أولا أي قبل الدعوة ويجوز أن يريد بالأول زمن الصحة وبالثاني زمن السقم فيكون خبرا لكان أو مفعول أي يختلج أولا يشير إلى ما كان عليه من الاستهزاء فمنى باولا عنه لأن فعله إنما كان عن جهالة ولا يخرجه ذلك عن عداد الصحابة فقد ذكر فيهم وعلى الثاني تفسير لفعله وحذف ما بعدها تشنيعا لذكره لأن ذكر مثل هذا لا يليق لأن فيه تنقيص النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ومعناه لا يكون كذلك الأولى أو الأحق ما شاكل هذا بموطن أو موطنين في غيبته أو حضوره والله تعالى أعلم (ودعا على
[ ١ / ٦٦٧ ]
محلّم) بكسر اللام المشددة (ابن جثّامة) بفتح الجيم وتشديد المثلثة (فمات) في حمص أيام ابن الزبير على ما قاله السهيلي (لسبع) أي بعد سبعة أيام (فلفظته الأرض) بفتح الفاء وإعجام الظاء أي قذفته الأرض ورمته على ظهرها بعد دفنه في بطنها وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم بعد ما لفظته الأرض أن لتقبل من هو شر منه ولكن أراد الله أن الأرض يجعله لكم عبرة فألقوه بين صوحي جبل فأكلته السباع والصوح هو الشق (ثمّ ووري) بضم أوله مجهول وارى أي ستر تحت الأرض (فلفظته مرّات) ظرف للفعلين (فألقوه) بفتح القاف أي رموه (بين صدّين) بفتح الصاد ويضم جبلين أو واديين (ورضموا عليه) بفتح الراء والضد المعجمة أي كوموا عليه (بالحجارة) رواه البيهقي عن قبيصة بن ذؤيب وابن جرير موصولا عن ابن عمر وقال الحسن بلغني أنه دعا الحديث وسبب دعائه على محلم أنه كان بعث سرية للغزو فيها محلم فأمر عليهم عامر بن الأضبط فلما بلغوا بطن واد قتل محلم عامرا غدرا فجرى ما جرى (وجحده رجل) أي من الصحابة على ما ذكره الدلجي ولعله كان منافقا (ببيع فرس) أي أنكره. (وهي) القصة (التي شهد فيها خزيمة) بالتصغير (للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بأنه اشتراه منه مع أنه لم يره وجعل صلى الله تعالى عليه وسلم شهادته وحدها مقبولة عن اثنين (فردّ الفرس بعد) بالضم أي بعد جحده وشهادة خزيمة له (النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم على الرّجل) والمعنى فرد على الرجل فرسه (وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ كَاذِبًا فَلَا تُبَارِكْ له فيها) أي فرسه (فأصبحت شاصية برجلها) أي رافعة بسبب نفخها من شصا بصره أي شخص (وَهَذَا الْبَابُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحَاطَ بِهِ) أي يجمع فصوله من فروعه وأصوله.
فصل [في كراماته ﷺ]
(في كراماته وبركاته وانقلاب الأعيان) أي بتحولها وتغيرها عن حالتها الأولى (لَهُ فِيمَا لَمَسَهُ أَوْ بَاشَرَهُ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) والكرامة اسم من الاكرام (أنا) أي أخبرنا كما في نسخة (أحمد بن محمد) أي ابن غلبون الخولاني (ثنا) أي حَدَّثَنَا (أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ إِجَازَةً وَحَدَّثَنَا الْقَاضِي أبو عليّ سماعا) تقدم أنه الحافظ ابن سكرة (والقاضي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وغيرهما) أي وغير القاضيين أيضا (قالوا) أي جميعهم (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الْقَاضِي حَدَّثَنَا أَبُو ذَرٍّ الهرويّ) سبق (حدّثنا أبو محمد) وهو السرخسي (وأبو إسحاق) وهو المستملي (وأبو الهيثم) وهو الكشميهني (قالوا) أي الثلاثة (حدّثنا الفربريّ) بكسر ففتح على الأشهر (حدّثنا البخاريّ) أي صاحب الجامع الصحيح (حدّثنا يزيد بن زريع) بالتصغير وهو أبو معاوية البصري الحافظ فقال الحلبي وقد سقط واحد بين البخاري وبين يزيد بن زريع فإن يزيد بن زريع ليس شيخا للبخاري وإنما هو شيوخه والساقط هو عبد الأعلى بن حماد وقد أخرج البخاري هذا الحديث الذي ذكره القاضي في كتاب الجهاد عن عبد الأعلى بن حماد عن يزيد ابن زريع بالسند الذي ساقه القاضي قال الحجازي وكذا وجدته في النسخة المعتمدة انتهى
[ ١ / ٦٦٨ ]
وعبد الأعلى هذا روى عن الحمادين ومالك وعنه الشيخان وأبو داود وأبو يعلى والبغوي (حدّثنا سعيد) أي ابن أبي عروبة (عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أنّ أهل المدينة فزعوا) بكسر الزاء أي خافوا واستغاثوا (مرّة) أي وقتا من الأوقات (فركب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي قبل الناس حين خرج من المدينة (فرسا لأبي طلحة) أي مستعارا منه (كان) أي الفرس (يقطف) بضم الطاء ويكسر أي يقارب خطوه في سرعة وزيد في أصل الدلجي به فقال أي بأبي طلحة (أو به قطوف) بضم أوله شك من رواه عن أنس ذكر الدلجي أو ممن بعده قال الجوهري القطوف من الدواب البطيء وقال أبو زيد هو الضيق المشي وقد قطفت الدابة قطفا والاسم القطاف (وقال غيره) أي غير أنس (يبطّأ) بفتح الطاء المهملة المشددة فهمزة أي لضيق الخطى وهو من البطئ وعند الطبري ثبطا أي ثقيلا وقال أبو عبيد في قوله تعالى فَثَبَّطَهُمْ أي عوقهم (فلمّا رجع) أي من الفزع إلى المدينة ولم ير بأسا (قال) أي لأبي طلحة (وجدنا فرسك بحرا) أي واسع الجري سريع العدو (فكان) أي ذلك الفرس (بعد) أي بعد ركوبه أو قوله هذا (لا يجارى) بضم الياء وفتح الراء من الجري بالجيم أي لا يسابق ولا يباري والمعنى لا سبقه غيره حينئذ (ونخس جمل جابر) بالنون والخاء المعجمة المفتوحتين أي طعنه عند دبره أو جنبه بمحجن أو نحوه (وكان) أي الجمل (قد أعيي) أي عجز عن المشي وتعب عن السير (فنشط) بكسر الشين المعجمة وفي مضارعه بفتحها أي خف وأسرع وفي النهاية كثيرا ما يجيء في الرواية انشط وليس بصحيح (حتّى كان) أي انتهى نشاطه إلى أن صار جابر (ما يملك) ويروى لا يملك (زمامه) رواه الشيخان. (وصنع مثل ذلك بفرس لجعيل) بضم الجيم وفتح العين المهملة فتحتية ساكنة (الأشجعي خفقها) أي ضربها (بمخفقة) بكسر الميم وفتح الفاء أي بدرة (معه وبرك عليها) بتشديد الراء أي دعا بالبركة لها (فلم يملك) أي جعيل بعد ذلك (رأسها نشاطا) بفتح النون أي من أجل إسراعها (وباع من نسلها) وفي نسخة من بطنها (باثني عشر ألفا) وهذا من أثر دعائه بالبركة لها وما قبله من أثر ضربه وتوجهه إليها فهما نشر ولف مرتب لما قبلهما رواه البيهقي (وركب حمارا قطوفا) بفتح القاف (لسعد بن عبادة فردّه) أي من محله الذي انتهى إليه أو من وصفه الذي كان عليه (هملاجا) بكسر فسكون ثم جيم أي سريع الهرولة فارسي معرب ويسمى الآن رهوانا (لا يساير) بصيغة المفعول أي لا تسايره دابة إلا سبقها رواه ابن سعد من حديث إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ (وكانت شعرات من شعره) بفتح العين ويسكن أي من شعراته كما في نسخة صلى الله تعالى عليه وسلم (في قلنسوة خالد بن الوليد) بفتح القاف واللام وضم السين ما يوضع على الرأس مثل الكوفية (فلم يشهد بها) أي فلم يحضر خالد بتلك القلنسوة (قتالا إلا رزق النّصر) بصيغة المفعول ونصب النصر أي أعطي الفتح والظفر رواه البيهقي (وفي الصّحيح) أي من رواية مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجة (عن أسماء بنت أبي بكر) أي الصديق رضي الله تعالى عنهما (أنّها أخرجت جنّة طيالسة) بالإضافة كما
[ ١ / ٦٦٩ ]
في شرح مسلم للنووي وفي نسخة بالوصف جمع طيلسان بفتح اللام ويثلث فارسي معرب وفي نسخة طيالسة بزيادة تحتية وفسرت بالخلق وهو أما من أصلها وأما لما طرأ عليها لأن هذه الجبة صارت بيد اسماء بعد موت أختها عائشة وهي ماتت بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بنحو خمس وأربعين سنة وفسرت بالأكسية وبالخضراء ثم طيالسة بالتنوين لأنها في زنة رفاهية وثمانية (وقالت) أي اسماء (أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يلبسها) بفتح الموحدة (فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها) جملة حالية أو مستأنفة مبينة وهي بصيغة المفعول وفي نسخة بصيغة المتكلم هذا وقال المصنف (وحدّثنا القاضي أبو عليّ) وهو ابن سكرة (عن شيخه أبي القاسم بن المأمون) أخذ عن أبي محمد الباجي (قال كانت عندنا قصعة) بفتح القاف ومن لطائف كلام أرباب اللغة لا تفتح الجراب ولا تكسر القصعة (من قصاع النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بكسر القاف جمع (فكنّا نجعل فيها الماء للمرضى يستشفون) وفي نسخة فيستشفون (بها) أي فيشفيهم الله تعالى ببركة نسبتها (فأخذ جهجاه) بالتنوين وهو بالجيمين والهاءين ابن سعد أو سعيد أو مسعود وقال الطبري المحدثون يزيدون في آخره الهاء والصواب جهجا بدون هاء في آخره (الغفاريّ) بكسر أوله حضر بيعة الرضوان وعن عطاء أنه كان يشرب حلاب سبع شياه فلما اسلم لم يتم حلاب شاة (القضيب) هو عصا النبي التي كان الخلفاء يتداولونها (من يد عثمان) أي وهو على المنبر (ليكسره على ركبتيه) أي متعمدا عليها (فصاح به النّاس) وفي نسخة فصاح الناس به (فأخذته فيها الآكلة) بفتح فكسر ويسكن فسكون وبفتحتين أي الحكمة وفي نسخة بمد فكسر (فقطعها) أي ركبته وتذكير الضمير العائد إلى الأكلة بتأويل الداء (ومات قبل الحول) رواه أبو نعيم في الدلائل وابن السكن في معرفة الصحابة وقال ابن عبد البر هو الذي تناول العصا من يد عثمان وهو يخطب وكانت عصا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وتوفي بعد عثمان بسنة ذكره الحلبي ثم كسر العصا ليس صريحا في كلام القاضي وهو صريح في كلام ابن عمر ولكني رأيت في حاشية على كتاب الروض الأنف للسهيلي عن ابن دحية نقلا عن ابن العربي في كتاب العواصم أنه لا يصح كسر العصا ممن أطاع ولا ممن عصا قلت وكذا يخالف بين قوليهما حيث قال القاضي مات قبل الحول وقال ابن عبد البر توفي بعد عثمان بسنة والله ﷾ اعلم (وسكب) أي صب (من فضل وضوئه) بفتح الواو ويضم أي وماء وضوئه (في بئر قباء) بهمز مصروف ويمنع وقد يقصر ولعلها بئر أريس (فما نزفت) أي ما فنيت ولا نقصت وفي نسخة بصيغة المجهول ففي الصحاح نزفت ماء البئر إذا نزحته ونزفت هي فيتعدى ولا يتعدى ونزفت أيضا على ما لم يسم فاعله وحكى الفراء نزفت البئر إذا ذهب ماؤها (بعد) أي بعد صبه إلى يومنا هذا رواه البيهقي عن أنس، (وَبَزَقَ فِي بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِ أَنَسٍ فلم يكن) أي ماء (بالمدينة) وفي نسخة في المدينة (أعذب منها) أي أطيب وأحلى ماء من تلك البئر رواه أبو نعيم ولله در القائل من صاحب الشمائل:
[ ١ / ٦٧٠ ]
ولو تفلت في البحر والبحر مالح لاصبح ماء البحر من ريقها عذبا
(ومر على ماء فسأل عنه فقيل) أي له كما في نسخة (له اسمه بيسان) بكسر موحدة وتفتح فسكون تحتية (وماؤه ملح) بكسر فسكون مبالغة مالح أي أجاج (فقال بل هو نعمان) بضم أوله وفي نسخة صحيحة بفتحه واختاره التلمساني للمشاكلة ولو كسر لكان له وجه وجيه لقضية حسن المقابلة وهو مأخوذ من النعمة بكسر أولها أو فتحها (وماؤه طيّب فطاب) أي بمجرد قوله صلى الله تعالى عليه وسلم قيل بيسان موضعان أحدهما بالشام وهو المراد في حديث الدجال والآخر بالحجاز وهو الذي مر به ﵊ في غزوة ذي قرد فسأل عنه فقيل له اسمه بيسان فقال هو نعمان وهو طيب فغير صلى الله تعالى عليه وسلم فغير الله وصفه ورسمه فاشتراه طلحة فتصدق به فسماه ﵊ طلحة الفياض (فأتي) كذا في نسخة صحيحة والظاهر وأتى بالواو كما في بعض النسخ المصححة وهو بصيغة المفعول أي وجيء (بدلو من ماء زمزم فمجّ) بفتح الميم وتشديد الجيم أي ألقى من فيه ماء (فيه) أي في الدلو وهو مؤنث وقد يذكر على ما في القاموس (فصار أطيب من المسك) رواه ابن ماجة وروى البيهقي عن وائل الحضرمي ولم يقل من ماء زمزم (وأعطى الحسن والحسين) أي كلا منهما (لسانه فمصّاه) بتشديد الصاد (وكانا يبكيان عطشا) جملة حالية وعطشا مفعول من أجله لا تمييز كما اختاره الحلبي (فسكتا) أي بسكون عطشها رواه الطبراني عن أبي هريرة (وكان لأمّ مالك) أي الأنصارية روى عنها عطاء بن السائب بواسطة رجل أو البهزية روى عنها طاوس والظاهر أن المراد بها الأول وقال الشارح الصواب أم أنس بن مالك فسقط ذكر أنس قاله أبو علي الغساني وهي أم سليم بنت ملحان (عكّة) بضم مهملة فكان مشددة إناء من جلد يجعل فيه السمن (تهدي) بضم التاء وكسر الدال أي ترسل (فيها للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم سمنا) أي ليأتدم به (فأمرها النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أن لا تعصرها) بضم الصاد أي أمرها بترك عصرها (ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ مَمْلُوءَةٌ سَمْنًا فيأتيها بنوها يسألونها الأدم) بضم فسكون وبضمتين وهو كل ما يؤتدم به (وليس عندهم شيء) من الأدم أو من السمن (فتعمد إليها) بكسر الميم أي تقصد على العكة (فتجد فيها سمنا فكانت تقيم إدمها) وفي نسخة أدمهم أي تديم ذلك الأدام (حتّى عصرتها) رواه مسلم عن جابر (وكان يتفل) بضم الفاء وكسرها (في أفواه الصّبيان المراضع) بفتح الميم أي أولاد المراضع كما قاله الحلبي وهو الظاهر وقال الدلجي جمع رضيع يعني مرضع اسم مفعول (فيجزئهم) بضم الياء وكسر الزاء فهمزة ويسهل لا كما قال الدلجي بفتح التحتية أي يكفيهم (ريقه إلى اللّيل ومن ذلك) أي من قبيل كراماته (بركة يده) البيضاء أي الحاصلة (فيما لمسه) أي مسه بها مطلقا (أو غرسه) أي من شجر وغيره كما في أصل الدلجي وفي النسخ المصححة وغرسه (ولسلمان) بالواو وهو الظاهر لأنه حديث مستقل رواه البيهقي عن سلمان أنه ﵊ غرس
[ ١ / ٦٧١ ]
له (حين كاتبه مواليه) وهم يهود وأصله من فارس من قوم مجوس فخرج يطلب الدين وطريق اليقين وجعل ينتقل من دين إلى دين حتى أخذه قوم من العرب فباعوه منهم فكاتبوه (على ثلاثمائة وديّة) بتشديد التحتية صغير فسيل النخل (يغرسها لهم) بكسر الراء (كلّها) بالرفع أي جميعها (تعلق) بفتح اللام وتضم أي تمسك أو تحبل (وتطعم) بضم التاء وكسر العين أي تعطي الثمرة أو تدرك (وعلى أربعين أوقيّة) بضم الهمزة وتشديد التحتية على المشهور وبحذف الهمزة وفتح الواو في لغة وهي كانت أربعين درهما من فضة في زمنه صلى الله تعالى عليه وسلم فالمراد هنا وزنها لقوله (من ذهب) قال الحلبي إنما كانت سلمان مولاه ففيه مجاز ولكن جاء في بعض طرقه وهو في المسند أنه ﵊ اشتراه من قوم من اليهود بكذا وكذا درهما وعلى أن يغرس لهم كذا وكذا من النخل يعمل فيها سلمان حتى تدرك (فقام صلى الله تعالى عليه وسلم وغرسها له) أي لسلمان أو لمالكه (بيده إلّا واحدة) بالنصب (غرسها غيره) وهو عمر بن الخطاب على ما ذكره ابن عبد البر بسنده في الاستيعاب وهو مسند أحمد أيضا وفي طريق أخرى ذكرها البخاري في غير صحيحه أن الذي غرسها سلمان فيجمع بينهما بأن واحدة غرسها عمر وأخرى غرسها سلمان وإن يكونا غرسا واحدة فلم تطعم ويكون الراوي مرة عزا غرسها لعمر ومرة عزا غرسها لسلمان إن كان الراوي واحدا وهو بريدة كما رواه أحمد وإن كان غيره فيكون فيه مجاز كذا حققه الحلبي ويؤيد الثاني من القولين قوله (فأخذت كلّها) أي نبتت وأثمرت (إِلَّا تِلْكَ الْوَاحِدَةَ فَقَلَعَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم وردّها) أي بيده الكريمة (فأخذت) عروقها ونشبت في محلها (وفي كتاب البزّار) بتشديد الزاء وفي آخره راء (فأطعم النّخل) أي جنس ما ذكر (من عامه إلّا الواحدة) أي التي غرسها غيره ﵊ (فقلعها رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَرَسَهَا فَأَطْعَمَتْ مِنْ عَامِهَا وَأَعْطَاهُ) أي سلمان (مثل بيضة الدّجاجة) بفتح الدال ويثلث أي مقدارها وزنا أو حجما (من ذهب بعد أن أدارها) أي تلك القطعة التي هي كالبيضة (على لسانه) أي مبالغة للبركة في شأنه وإذا جاز حمله على حقيقته فلا معنى لقول الدلجي لعله أراد بذلك أنه برك عليها أي دعا فيها بالبركة فلم يسمعه من شاهده فظن أنه إنما أدارها عليه (فوزن) أي سلمان (مِنْهَا لِمَوَالِيهِ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً وَبَقِيَ عِنْدَهُ مِثْلُ ما أعطاهم) أي كمية وأزيد منه كيفية وكان سلمان من المعمرين عاش على الأصح مائتين وخمسين سنة وقيل ثلاثمائة وخمسين سنة وقيل اربعمائة سنة مائة في المجوسية ومائة في اليهودية ومائة في النصرانية ثم لما اسلم قال يا رب عمرني في الإسلام مائة سنة فعاش مائة في الإسلام وكان يأكل من عمل يده ويتصدق بعطائه وهو أحد الذين اشتقاقت إليهم الجنة ومناقبه كثيرة وفضائله غزيرة مات بالمدائن سنة خمسين وثلاثين وما ترك شيئا يورث عنه. (وفي حديث حنش) بمهملة فنون مفتوحتين فمعجمة (ابن عقيل) بفتح العين وكسر القاف وفي بعض النسخ المصححة بالتصغير وهو حديث طويل رواه قاسم بن ثابت في الدلائل من طريق موسى بن عقبة عن المسور بن
[ ١ / ٦٧٢ ]
مخرمة عنه وقال الشارح لم ار له أثرا في كتاب الصحابة لابن عبد البر ولا خبرا فعلى من رآه أن يرسمه هنا (سقاني رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرْبَةً مِنْ سَوِيقٍ شَرِبَ أَوَّلَهَا وشربت آخرها فما برحت) بكسر الراء أي ما زلت (أجد شبعها) بكسر ففتح (إذا جعت وريّها) بكسر راء فتشديد تحتية (إذا عطشت) بكسر الطاء (وبردها إذا ظمئت) بكسر الميم من الظمأ وهو العطش الشديد من كثرة الحر أو شدة الحرارة (وأعطى قتادة بن النّعمان) بضم النون (وَصَلَّى مَعَهُ الْعِشَاءَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ مَطِيرَةٍ) جملتان معترضتان وردتا اعتراضا بين أعطى ومفعوله الثاني كذا ذكره الدلجي والظاهر أن الجملة واحدة وأن قوله في ليلة ظرف لقوله (عرجونا) بضم العين والجيم ويكسر مع فتح الجيم وقرئ بهما وهو أصل العذق الذي يعوج ويقطع منه الشماريخ فبقي على النخل يابسا ولعله هو العذق مطلقا وقيل إذا يبس واعوج وهو الملائم لقوله تعالى حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (وَقَالَ انْطَلِقْ بِهِ فَإِنَّهُ سَيُضِيءُ لَكَ مِنْ بين يديك عشرا) أي عشرة أذرع أو نحوها والعدد إذا حذف مميزه جاز تذكيره وتأنيثه (وَمِنْ خَلْفِكَ عَشْرًا فَإِذَا دَخَلْتَ بَيْتَكَ فَسَتَرَى سوادا) أي جسما ذا سواد أو جسما وشخصا (فَاضْرِبْهُ حَتَّى يَخْرُجَ فَإِنَّهُ الشَّيْطَانُ فَانْطَلَقَ فَأَضَاءَ له العرجون) هو أصل العذق كما تقدم (حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ وَوَجَدَ السَّوَادَ فَضَرَبَهُ حَتَّى خرج) رواه أحمد عن أبي سعيد بسند صحيح وفي توثيق عرى الإيمان للبارزي فإنه قنفذ بدل فإنه شيطان ولا تنافي فلعله تمثل بصورته أسود (ومنها) أي ومن كراماته مما كان سببا لانقلاب الأعيان (دفعه) أي إعطاؤه ﵊ (لعكاشة) بضم أوله وتشديد الكاف وتخفيفه (جذل حطب) بكسر جيم ويفتح وسكون ذال معجمة أي أصل شجرة وأراد به هنا عودا وقيل هو الحطبة أو الخشبة الغليظة (وقال اضرب به حين انكسر سيفه) ظرف لدفعه (يوم بدر) أي زمن وقعته (فعاد) أي فتحول (في يده سيفا) وفي نسخة فصار فيكون مجازا عنه إذا لم يكن قط سيفا فيعود (صارما) أي قاطعا (طويل القامة أبيض) أي بريق اللمعان (شديد المتن) من المثانة وهي القوة أو قوى الظهر فإن المتن هو أصل الشيء الذي به قوامه بمنزلة الظهر للأعضاء ومنه متن الحديث (فقاتل به) أي في وقعة بدر حتى انقضت (ثُمَّ لَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ يَشْهَدُ بِهِ الْمَوَاقِفَ) أي لقتال الكفرة (إلى أن استشهد) أي عكاشة (فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَكَانَ هَذَا السَّيْفُ يقال له) وفي نسخة يسمى (العون) بالمصدر للمبالغة أو بمعنى المعين أو المعان والمستعان رواه البيهقي وقال الخطابي يجب أن يعلم أن الذين لزمهم اسم الردة من العرب كانوا صنفين صنف منهم ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعادوا إلى الكفر وهم المعنيون بقول أبي هريرة وكفر من كفر وهم أصحاب مسيلمة ومن نحا نحوهم في إنكار نبوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة فأقروا بالصلاة وانكروا الزكاة يعني إعطاءها لا وجوبها وهؤلاء هم أهل بغي وإنما لم يخصوا بهذه السمة لدخولهم في غمار أهل الردة بخلاف المسلمين فأضيف الاسم في الجملة إلى الردة إذ كانت أعظم الأمرين خطبا وصار مبدأ قتال أهل البغي مؤرخا
[ ١ / ٦٧٣ ]
بأيام علي رضي الله تعالى عنه إذ كانوا منفردين في عصره ولم يختلطوا بأهل شرك في دهره (ودفعه) أي ومنها دفعه ﵊ (لعبد الله بن جحش) بفتح جيم فسكون مهملة (يوم أحد وقد ذهب سيفه) جملة حالية اعتراضية (عسيب نخل) أي جريدة منه مما لا خوص عليه وما نبت عليه الخوص فهو سعف والخوص الأوراق (فرجع) أي انقلب (في يده سيفا) رواه البيهقي وفي سيرة ابن سيد الناس أنه أعطى سلمة بن أسلم يوم بدر قضيبا من عراجين ابن طاب كان في يده فإذا هو سيف جيد فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيدة انتهى ونقل الواحدي بإسناده (ومنه) أي ومن هذا النوع (بركته في دور الشّياه الحوائل) بالهمز جمع الحائلة وهي الشاة العديمة اللبن (باللّبن الكثير كقصّة شاة أمّ معبد) بفتح الميم والموحدة وقصتها ما رواه ابن سعد والطبراني عن أبي معبد الخزاعي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما هاجر ومعه أبو بكر ومولاه عامر بن فهيرة وعبد الله بن الأريقط استأجره دليلا وهو على دين كفار قريش فأخذ بهم طريق الساحل فمروا بقديد على أم معبد عاتكة بنت خالد الخزاعية وكانت برزة تختبي بفناء بيتها فتطعم وتسقي من مر بها وكانوا مرملين مسنتين فطلبوا منها لبنا فلم يجدوا فرأوا عندها شاة خلفها الجهد عن الغنم فقال اتأذنين لي أن أحلبها قالت نعم فدعا بها فاعتقلها ومسح ضرعها وسمى الله فتفاجت ودرت ودعا بإناء بربض الرهط فحلب فيه ثجا وسقى القوم حتى رووا ثم شرب آخرهم ثم حلب فيه ثانيا ثم تركه عندها وارتحلوا فجاء زوجها أبو معبد يسوق أعنز عجافا يتساوكن هزالا فرأى اللبن فعجب فقال أنى لك هذا قالت مر بنا رجل مبارك الحديث (وأعنز معاوية) بفتح همزة وسكون عين وضم نون جمع قلة لعنز أي شاة انثى وفي أصل العرفي المصحح من أصل المؤلف معونة بفتح الميم وضم العين وبالنون من العون والظاهر أنه تصحيف فقد ذكر الطبري في كتاب الدلائل معاوية (ابن ثور) بفتح مثلثة وسكون واو وفد على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو شيخ كبير ومعه ابنه بشر فدعا له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ومسح رأسه وأعطاه اعنزا عشرا فقال محمد بن بشر بن معاوية بن ثور في أبيه:
وأبي الذي مسح الرسول برأسه ودعا له بالخير والبركات
والتقدير وقصتها كما رواه ابن سعد وابن شاهين عن الجعد بن عبد الله (وشاة أنس) أي وقصتها (وغنم حليمة مرضعته وشارفها) وهي المسنة من النوق وقيل من الأبل وقيل من المعز على ما رواه أبو يعلى والطبراني وغيرهما بسند حسن (وشاة عبد الله بن مسعود) أي كما رواه البيهقي (وكانت) أي تلك الشاة (لم ينز) بفتح الياء وسكون النون وضم الزاء أي لم يثب ولم يعل (عليها فحل) أي للضراب وروي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم مسح ضرع شاة حائل لا لبن لها لابن مسعود فدرت وكان ذلك سبب اسلامه (وشاة المقداد) كما في صحيح مسلم وكلها كانت مثل شاة أم معبد وقد درت ببركته صلى الله تعالى عليه وسلم هذا
[ ١ / ٦٧٤ ]
وقصة شاة المقداد مختصة ما روي عنه أنه قال أقبلت أنا وصاحبان لي وقد ذهب اسماعنا وأبصارنا من الجهد يعني الجوع فعرضنا أنفسنا على أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلم يقبلنا أحد فأتينا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فانطلق بنا إلى أهله فإذا ثلاث أعنز فقال احتلبوا هذا اللبن بيننا فكنا نحتلب فكان يشرب كل إنسان نصيبه ونرفع للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم نصيبه فيجيء من الليل فيشربه فوقع في نفسي ذات ليلة أي نبي الله يأتي الأنصار فيتحفونه ما به حاجة إلى هذه الجرعة فشربتها ثم ندمت على ما فعلت خشية أنه إذا جاء فلم يجده يدعو علي فأهلك وجعل لا يجيء النوم وأما صاحباي فناما فجاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كعادته وكشف عن نصيبه فلم يجد شيئا فرفع رأسه إلى السماء فقلت الآن يدعو علي فقال اللهم أطعم من أطعمني واسق من سقاني قال فأخذت الشفرة وانطلقت إلى الاعنزايتها اسمن أذبحها له أذاهن حفل كلهن فعمدت إلى إناء فحلبت فيه حتى علته رغوة فجيئت به إليه فشرب ثم ناولني فلما عرفت أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قد روى وأصبت دعوته ضحكت حتى القيت على الأرض فقال أفدني سوءتك يا مقداد يعني أنك فعلت سوءة من الفعلات فما هي قال فقلت يا رسول الله كان من أمري كذا وكذا فقال صلى الله تعالى عليه وسلم ما هذا إلا رحمة من الله (ومن ذلك) أي من قبيل كراماته وزيادة بركاته كما رواه ابن سعد عن سالم بن أبي الجعد مرسلا (تزويده أصحابه سقاء) بكسر أوله أي وعاء (ماء بعد أن أوكاه) بألف بعد الكاف أي ربطه بالوكاء وهو خيط يشد به الوعاء (وَدَعَا فِيهِ فَلَمَّا حَضَرَتْهُمُ الصَّلَاةُ نَزَلُوا فَحَلُّوهُ) بضم اللام المشددة أي ففتحوا السقاء بحل الوكاء (فإذا به) أي فيه وفي نسخة فإذا هو فاجأهم ذلك الماء في السقاء (لبن طيّب وزبدة) بتاء وحدة وفي أصل الدلجي زبده بالإضافة أي زبد اللبن (في فمه) وفي نسخة في فمه أي في فم السقاء (من رواية حماد بن سلمة) متعلق بقوله تزويده قال الحلبي هو الإمام أبو سلمة أحد الأعلام قال ابن معين إذا رأيت من يقع فيه فاتهمه على الإسلام وقد تقدم عليه الكلام (ومسح على رأس عمير بن سعيد) بضم عين وفتح ميم وفي نسخة عمر بن سعد كلاهما صحابي قال الحلبي وما أعرف من جرت له القصة منهما قلت ولا يبعد ثبوت القضية عنهما ففي كل نسخة إشارة إلى أحدهما بل روى الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن محمد بن عبد الرحمن ابن سعد أنه عبادة لا عمير ولا عمر فتدبر (وبرّك) أي دعا له بالبركة (فمات وهو ابن ثمانين فما شاب) أي رأسه خصوصا أو شعره عموما والله تعالى أعلم (وروي مثل هذه القصص) أي الروايات المتضمنة للحكايات الدالة على عموم البركات من سيد السادات وسند أرباب السعادان (عن غير واحد) أي عن كثيرين من الصحابة (منهم السّائب بن يزيد) وقد سبق ذكره. (ومدلوك) وهو ابن سفيان الفزاري مولاهم اسلم مع مواليه علق البخاري حديثه وقيل هو مولى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وذكره ابن حبان في ثقاته فقال مدلوك أبو سفيان كان يسكن الشام أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأسلم فدعا له النبي صلى الله تعالى
[ ١ / ٦٧٥ ]
عليه وسلم ومسح برأسه فكان رأس أبي سفيان ما مسه من يد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أسود وسائر رأسه أبيض (وكان يوجد لعتبة بن فرقد) أي ابن يربوع السلمي له صحبة ولي الموصل لعمر وكان شريفا وشهد خيبر وابتنى بالموصل دارا ومسجدا وأما ابنه عمرو فمن الأولياء ذكره الذهبي (طيب يغلب طيب نسائه) أي رائحة وفائحة (لأنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مسح بيديه على بطنه وظهره) رواه البيهقي والطبراني (وسلت الدّم) أي مسحه وأماطه (عن وجه عائذ) بالذال المعجمة بعد الهمز (ابن عمرو) أي ابن هلال أبو هبيرة المزني بايع تحت الشجرة وكان من الصالحين (وكان) أي وقد كان (جرح يوم حنين) وفي نسخة يوم أحد (ودعا له فكانت) أي بعده كما في نسخة أي بعد سلته من موضعه (له غرّة) أي بياض في وجهه من غير سوء به (كغرّة الفرس) وفي أصل الدلجي ولا كغرة الفرس أي بل أعلى منها رواه الطبراني (وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِ قَيْسِ بْنِ زَيْدٍ الْجُذَامِيِّ) بضم الجيم له وفادة (ودعا له) أي بالبركة (فهلك) أي مات (وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وَرَأْسُهُ أَبْيَضُ وَمَوْضِعُ كفّ النبيّ) وفي نسخة كف رسول الله (صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا مَرَّتْ يَدُهُ عَلَيْهِ مِنْ شعره) أي بقية شعر رأسه (أسود فكان) أي قيس بسبب تلك الغرة في جبهته (يدعى الأغرّ) أي تشبيها لما في وجهه من البياض كغرة الفرس ذكره ابن الكلبي (وروي مثل هذه الحكاية) أي من مسح الرأس وظهور أثر المسح كما رواه البيهقي (لعمرو بن ثعلبة الجهني) بضم ففتح (ومسح وجه آخر) وفي نسخة على وَجْهَ آخَرَ (فَمَا زَالَ عَلَى وَجْهِهِ نُورٌ) قال الحلبي هذا الآخر لا أعرفه وقال الدلجي لعله خزيمة بن سواد بن الحارث إذ قد روى ابن سعد عن وحرة السعدي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم مسح وجهه فصارت له غرة بيضاء (ومسح وجه قتادة بن ملحان) بكسر الميم وسكون اللام قال الحلبي مسح رأسه ووجهه ولعل غالب مسحه كان على وجهه ولذا اقتصر عليه (فكان لوجهه بريق) أي لمعان عظيم (حتّى كان ينظر في وجهه) بصيغة المجهول (كما ينظر في المرآة) بكسر الميم والهمزة الممدودة رواه أحمد والبيهقي (ووضع يده على رأس حنظلة بن حذيم) بكسر حاء مهملة وسكون ذال معجمة ففتح تحتية وفي نسخة بالجيم مصغرا وهو تصحيف وضبطه التلمساني بخاء معجمة مضمومة وراء مفتوحة وبمثناة من أسفل ساكنة قال وروي مثل ما قدمنا واخترناه قال وكذا ذكره أبو عمرو وهو الذي روى حديث لا ينم بعد احتلام قال الذهبي حديثه في مسند أحمد ولأبيه صحبة وذكر في التجريد حنيفة والد حذيم لهما صحبة ولابنه حنظلة قيل ولابن ابنه أيضا لكن قال موسى بن عقبة فيما نقله عنه ابن الجوزي وغيره ما نعلم أربعة أدركوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا هؤلاء يعني أبا قحافة وابنه أبا بكر وابنه عبد الرحمن وابنه محمد ويكنى أبا عتيق قال الحلبي ومحمد أبو عتيق الصحيح أنه تابعي ولو قال موسى بن عقبة عبد الله بن الزبير وأمه أسماء وأبوها أبو بكر وأبوه أبو قحافة لكان صوابا فإن هؤلاء لا خلاف في صحبتهم (وبرّك عليه) أي دعا له بالبركة (فكان حنظلة يؤتى بالرّجل) اللام للعهد الذهني فهو
[ ١ / ٦٧٦ ]
في حكم النكرة أي برجل من الرجال (قد ورم وجهه) بكسر الراء أي تورم وانتفخ (والشّاة) أي وبالشاة (قد ورم ضرعها) بفتح أوله أي ثديها (فيوضع) وفي نسخة فيضع أي محال الورم منها (على موضع كفّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي من رأسه (فيذهب الورم) أي من وجه الرجل وضرع الشاة رواه البيهقي وغيره (ونضح) بالحاء المهملة وقيل بالمعجمة وقيل بمهملة إن اعتمد ويعجم إن لم يعتمد رش (في وجه زينب) أي ربيبته (بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ نَضْحَةً مِنْ مَاءٍ فَمَا يعرف كان) وفي نسخة فما كان يعرف (فِي وَجْهِ امْرَأَةٍ مِنَ الْجَمَالِ مَا بِهَا) أي مثل ما كان بوجهها من الكمال رواه ابن عبد البر في استيعابه وروي أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين ابتنى بأم سلمة دخل عليها بيتها في ظلمة فوطىء على زينب فبكت فلما كان من الليلة الآخرى دخل في فاطمة فقال انظروا زيانبكم لئلا اطأ عليها أو قال أخروا حكاه السهيلي هكذا ومن قصتها أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يغتسل فدخلت عليه فنضح في وجهها بالماء فلم يزل ماء الشباب في وجهها حتى كبرت وتوفيت يوم مات معاوية (ومسح على رأس صبي به عاهة) أي آفة من قرع ونحوه (فبرأ) أي زال ما به (واستوى شعره) أي على حاله بل أحسن منه في مآله هذا الحديث لا يعرف من رواه بهذا اللفظ إلا أن أبا نعيم روى عن الأوزاعي أنه انطلق إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بابن له مجنون فمسح وجهه ودعا له فلم يكن في الوفد أحد بعد دعوته له أعقل منه أي ببركة دعائه وكان القياس أن يقال ولا أحسن منه ببركته ومسح وجهه هذا وزيد في نسخة هنا وروي مثله خبر المهلب بن قبالة بفتح القاف والباء الموحدة المخففة وباللام وروي هلب بن قنافة بضم الهاء وسكون اللام وآخره موحدة وقنافة بضم القاف وفتح النون مخففة وبالفاء كذا ذكره أبو عمرو قيل وهو الصواب ولعلهما قصتان لرجلين وقال الطبري هو المهلب بن يزيد بن عدي بن قنافة الطائي وفد على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو أقرع فمسح على رأسه فنبت شعره فسمي المهلب (وعلى غير واحد) أي ومسح على كثيرين (من الصّبيان والمرضى والمجانين) عطف على الصبيان (فبرؤوا) بفتح الراء ويكسر فعوفوا من مرضهم وجنونهم (وأتاه رجل به أدرة) بضم همزة وتفتح وسكون دال وبفتحتين أي نفخة في خصيته (فأمره أن ينضحها) بفتح الياء وكسر الضاد المعجمة أي يرشها (بماء من عين) أي ماء وفي نسخة من عين غس بفتح غين معجمة وتشديد سين مهملة (مجّ) أي صب من فيه (فيها) أي في تلك العين وفي نسخة فيه أي في الماء أو في ذلك المكان (ففعل) أي النضح (فبرأ) قال الدلجي لا أعلم من رواه. (وعن طاوس) يكتب بواو ويقرأ بواوين كداود والهمزة غلط فيهما وهو ابن كيسان اليماني من ابناء الفرس وقيل اسمه ذكوان فلقب به لأنه كان طاوي القراء كما قاله ابن معين روى عن أبي هريرة وابن عباس وعائشة وخلق وعنه الزهري وسليمان التيمي وابنه عبد الله بن طاوس وجمع وهو رأس في العلم والعمل توفي بمكة سنة ست أو خمس ومائة أخرج له الأئمة الستة (لم يؤت النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ما جيء (بأحد به مسّ) أي
[ ١ / ٦٧٧ ]
جنون أو وله (فصكّ) بتشديد الكاف أي ضرب (في صدره إلّا ذهب) أي ما به من المس (والمسّ الجنون) لأنه يحصل بسببه كذا وقفه المصنف على طاوس ولم يعلم من رواه عنه من المخرجين، (ومجّ) بتشديد الجيم صب من فمه (في دلو) أي فيه ماء (من بئر) وسبق في رواية القاضي من بئر زمزم (ثمّ صبّ) بفتح الصاد ويضم أي كب الدلو يعني ماءه (فيها) في تلك البئر (ففاح) أي سطح وانتشر (منها ريح المسك) أي مثل ريحه تشبيها بليغا وإنما شبه به لأنه أعلى أنواع الرائحة وإن كان رائحة ما مجه أتم أصناف الفائحة لأن مصدرها الخاتمة والفاتحة رواه أحمد عن وائل بن حجر وفي شرح التلمساني فمج أطيب من المسك هكذا رواه وصوابه فصار أطيب أو فعاد أطيب ويجوز أن يكون معناه فصار المج أطيب من المسك، (وأخذ قبضة من تراب) بضم القاف وتفتح أي مقبوضة منه (يوم حنين) وفي نسخة يوم بدر وهو أصل التلمساني قال وروي حنين بحاء مهملة والكل صحيح والمعنى حين وقع من بعضهم الفرار ومن باقيهم القرار (وَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِ الْكُفَّارِ وَقَالَ شَاهَتِ الوجوه) أي قبحت مأخوذة من الشوهة وهو القبح وأول من تكلم به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ذكره التلمساني (فانصرفوا يمسحون القذى) بقاف مفتوحة وذال معجمة وألف مقصورة جمع قذاة وهي ما يقع في العين وغيرها من تراب وتبنة ونحوها أي يميطونها ويزيلونها (عن أعينهم) رواه مسلم عن سلمة بن الأكوع، (وَشَكَا إِلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ النّسيان) أي نسيان ما يسمعه من الحديث والقرآن (فأمره ببسط ثوبه) أي بفتحه ونشره لديه (وغرف) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (بيده فيه) أي تشبيها بمن أخذ شيئا والقاه في ثوبه (ثمّ أمره بضمّه) أي بجمع ثوبه إلى صدره (ففعل فما نسي شيئا بعد) أي من أمره في عمره رواه الشيخان، (وما يروى في هذا كثير) أي ما يروى عنه صلى الله تعالى عليه وسلم في هذا المعنى وهو الدعاء لذهاب النسيان كثير طرقه ولا يبعد أن يكون المعنى وما يروى عن أبي هريرة لأجل هذا كثير مع أن زمن صحبته يسير وهو أربع سنين (وضرب صدر جرير بن عبد الله) أي البجلى (ودعا له) أي بالثبات ظاهرا وباطنا ولذا خص الضرب بصدره لأنه محل الرهبة والجزع (وكان) أي جرير (ذكر له) أو كان صلى الله تعالى عليه وسلم ذَكَرَ لَهُ (أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ) أي حال جريها (فصار من أفرس العرب) بضم الفاء أي شجعانهم وفي نسخة من أفرس العرب (وأثبتهم) أي على الخيل من ركبانهم كذا في الصحيحين، (ومسح رَأْسِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ) أي ابن أخي عمر بن الخطاب (وهو صغير) جملة حالية من عبد الرحمن لا من زيد كما توهم الدلجي (وكان دميما) بدال مهملة أي قبيحا ورميما لكونه هزيلا قصيرا والدمامة بالمهملة في الخلق بالفتح وبالمعجمة:
في الخلق بالضم وعلى هذا ينشد
كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسدا وبعدا إنه لدميم
[ ١ / ٦٧٨ ]
(ودعا له بالبركة ففرع) بفاء وراء مفتوحتين فمهملة أي طال وعلا وغلب (الرّجال) وفي نسخة الناس (طولا وتماما) رواه الزبير بن بكار عن إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزبيري عن أبيه.
فصل [وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنَ الْغُيُوبِ]
(ومن ذلك) أي من قبيل هذا النوع المكنون (ما أطلع عليه) بضم همز وسكون مهملة وفي نسخة بتشديدها مضمومة أي ما الهم إليه (من الغيوب) أي الأمور المغيبة في الحال (وما يكون) أي سيكون في الاستقبال (والأحاديث في هذا الباب) أي في هذا النوع من أنواع الكتاب (بَحْرٌ لَا يُدْرَكُ قَعْرُهُ وَلَا يَنْزِفُ غَمْرُهُ) بصيغة المفعول فيهما ويجوز فتح الياء وكسر الزاء والغمر الماء الكثير في البحر الكبير أي لا يحاط غايته ولا تفنى نهايته (وهذه الجملة) أي الآتية وفي نسخة وَهَذِهِ الْمُعْجِزَةُ (مِنْ جُمْلَةِ مُعْجِزَاتِهِ الْمَعْلُومَةِ عَلَى القطع) أي على الوجه القطعي والطريق اليقيني (الواصل إلينا خبرها على التّواتر) أي لدينا (لكثرة رواتها) أي مع اختلاف مبانيها الدالة (واتفاق معانيها على الاطّلاع على الغيب) أي على اطلاعه صلى الله تعالى عليه وسلم على بعض المغيبات عنا. (حَدَّثَنَا الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الفهريّ) بكسر الفاء المعروف بالطرطوشي (إجازة وقرأته) وفي نسخة وقرأته (على غيره) أي رواية (قال أبو بكر) احتراز عن غيره (ثنا أبو عليّ التّستريّ) بضم التاء الأولى وفتح الثانية بينهما سين مهملة لام عجمة كما في لسان العامة وهو أحد رواة سنن أبي داود (ثنا أبو عمر الهاشميّ حدّثنا اللّؤلؤيّ) بهمزتين وقد تبدل الأولى راوي سنن أبي داود (ثنا أبو داود) وهو حافظ العصر صاحب السنن وإنما أسند المصنف هنا من حديث أبي داود عن حذيفة ورواه عنه مع رواية الشيخين لما في روايته له من طريق آخر من الزيادة كما سيأتي (ثنا عثمان بن أبي شيبة) روى عنه الشيخان وغيرهما (حدّثنا جرير) بفتح الجيم فكسر الراء روى عنه احمد وإسحاق وابن معين وجماعة وله مصنفات (عن الأعمش) وهو سليمان بن مهران (عن أبي وائل) هو شقيق بن سلمة الاسدي الكوفي مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام لكن لم ير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وكان من العلماء العاملين (عن حذيفة) أي ابن اليمان (قال قام فينا) أي خطيبا أو واعظا أو معناه خطبنا (مقاما) بفتح الميم في مكان أو قياما (فما ترك) وفي نسخة ما ترك (شيئا) أي مهما (يكون) أي يحدث من القدم (في مقامه ذلك) ظرف لما ترك (إلى قيام السّاعة إلّا حدّثه) وفي نسخة حدث به أي حدث بوجوده (حفظه) ما ذكره (من حفظه) أي جميعه (ونسيه من نسيه) أي بعضه أو كله (قد علّمه) متعلق بيكون أي عرف هذا الخبر (أصحابي هؤلاء) أي من الصحابة الحاضرين أو الموجودين قال الدلجي لم أر هذه الزيادة من مختصات رواية أبي داود لأن لفظه قد علمه أصحابه صلى الله تعالى عليه وسلم (وإنّه) أي الشأن (ليكون منه) أي ليحدث ويقع مما أخبرنا به (الشّيء) أي الذي قد نسيته فأراه
[ ١ / ٦٧٩ ]
موجودا في الأعيان (فأعرفه) أي أنه مما أخبرنا به (فأذكره) أي أتذكره بعد ما نسيته (كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عنه) أي كما إذا غاب وجه الرجل عن الرجل فينساه (ثمّ إذا رآه عرفه) أي بعد نسيانه إياه قال الدلجي إلى هنا رواية الشيخين وزاد أبو داود بسند آخر من طريق قبيصة بن ذؤيب عن أبيه عن حذيفة وإن كان صنيعه يقتضي اتصاله به، (ثمّ قال) أي حذيفة كما في أكثر النسخ (ما أدري أنسي أصحابي) أي حقيقة (أم تناسوه) أي تكلفوا نسيانه لقلة اهتمامهم به لقيامهم بما هواهم منه ولما أراد الله من اختصاص كل منهم ببعض ما استفادوا عنه (وَاللَّهِ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم من قائد فتنة) أي أمير لها يقودها إلى المحاربة ويجرها إلى المخاصمة بالطرق الباطلة المحدث بدعة كعلماء المبتدعة من الخوارج والروافض والمعتزلة يحدث من زمانه صلى الله تعالى عليه وسلم (إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا يَبْلُغُ مَنْ مَعَهُ) أي مع قائد الفتنة (ثلاثمائة فصاعدا) أي فأكثر والجملة صفة قائد (إلّا قد سمّاه) أي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك القائد (لنا) أي لأجلنا (باسمه واسم أبيه وقبيلته) أي التي تؤويه (وقال أبو ذرّ) أي على ما رواه أحمد والطبراني بسند صحيح وأبو علي وابن منيع عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال (لقد تركنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي مات عنا (وَمَا يُحَرِّكُ طَائِرٌ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إِلَّا ذكرنا) بتشديد الكاف أي أفهمنا (منه) من ذلك الطائر أو تحريكه (علما) أي حكما إجماليا أو تفصيليا (وقد خرّج أهل الصّحيح) أي من التزم صحة ما رواه كالشيخين وابن حبان وابن خزيمة والحاكم في كتبهم المعروفة (والأئمة) كمالك وأحمد وبقية أصحاب الكتب الستة وغيرهم ممن لم يلتزموا في كتبهم الصحة (ما أعلم به) مفعول خرج أي ما أخبر به (أصحابه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ الظُّهُورِ) أي الغلبة (على أعدائه) وفي نسخة على اعدائهم (وفتح مكّة) تخصيص بعد تعميم وهذا مما رواه الشيخان وغيرهما (وبيت المقدس) كما رواه البخاري عن عوف بن مالك (واليمن والشّام والعراق) كما في الصحيحين عن سفيان بن أبي زهير (وظهور الأمن حتّى تظعن) بسكون المعجمة وفتح المهملة أي ترحل (المرأة من الحيرة) بمهملة مكسورة مدينة بقرب الكوفة وأخرى عند نيسابور (إلى مكّة لا تخاف إلّا الله) على ما رواه البخاري عن عدي بن أبي حاتم (وأنّ المدينة) أي السكينة (ستغزى) بالغين والزاء على بناء المفعول وهو من الغزو أي ستحارب وتقاتل وفي رواية بمهملتين قال الحافظ المزي الرواية في الحديث بالعين المهملة والراء يعني من العرى أي تصير عراء والمعنى ستخرب ليس فيها أحد فقد رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بلفظ يتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافي وهذا لم يقع بعد كما اختاره النووي وغيره وإنما يقع قرب الساعة وقال التلمساني وقع هذا في زمن يزيد بن معاوية ندب عسكرا من الشام إلى المدينة فنهبها والوقعة معروفة بالحرة وهي أرض بظاهر المدينة ذات حجرات سود وقتل فيها كثير من ابناء المهاجرين والأنصار وكانت في ذي الحجة سنة ثلاث وستين وعقيبها هلك يزيد
[ ١ / ٦٨٠ ]
(وَتُفْتَحُ خَيْبَرُ عَلَى يَدَيْ عَلِيٍّ فِي غَدِ يومه) كما رواه الشيخان عن سهل بن سعد بلفظ لأعطين الراية غدا لرجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه فدعا عليا وكان أرمد فبصق في عينيه فبرأ وفتح الله على يديه (وَمَا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِهِ مِنَ الدُّنْيَا ويؤتون من زهرتها) أي يعطون من بهجتها من كثرة المال وسعة الجاه كما رواه الشيخان من طرق (وقسمتهم) أي ومن تقسيمهم فيما بينهم (كنوز كسرى) بكسر الكاف وبفتح أي ملك فارس (وقيصر) أي وكنوزه وهو ملك الروم كما في الصحيحين من طرق عن أبي هريرة وغيره (وما يحدث بينهم) أي بين أمته (من الفين) بكسر ففتح جمع فتنة وفي نسخة الفتون بالضم مصدر فتن بمعنى الافتتان (والاختلاف والأهواء) على ما رواه الشيخان من طرق ولعل المراد بالاختلاف ظهور التنافس في الملك واختلاف أمر الأمراء وبالأهواء ظهور المعتزلة والغلاة من أهل البدعة (وسلوك سبيل من قبلهم) أي وسلوكهم على نهج من تقدمهم من الأمم فقد رواه الشيخان عن أبي سعيد بلفظ لتتبعن سنن من كان قبلكم شهرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم فسأل اليهود والنصارى قال فمن (وافتراقهم) أي اختلافهم (على ثلاث وسبعين فرقة) أي طائفة كما رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن أبي هريرة قيل وأصولهم ثمانية معتزلة عشرون فرقة وشيعة اثنتان وعشرون فرقة وخوارج على سبع فرق ومرجئة على خمس فرق ونجارية ثلاث فرق وجبرية محضة فرقة واحدة ومشبهة فرقة واحدة وطرقهم مختلفة (النّاجية منها) أي من تلك الفرق (واحدة) أي فرقة واحدة كما في نسخة صحيحة وهم الذين قال فيهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هم الذين على ما أنا عليه وأصحابي وهم أهل السنة والجماعة من الفقهاء كالأئمة الأربعة والمحدثين والمتكلمين من الأشاعرة والماتريدية ومن تبعهم لخلو مذاهبهم من البدعة (وأنّه) أي الشأن وفي نسخة وأنها أي القصة وفي نسخة صحيحة وأنهم (ستكون لهم) أي لأمته (أنماط) بفتح الهمزة جمع نمط وهو ضرب فراش ويغشى عليه الهودج أيضا وهذا في الصحيحين عن جابر وفي الترمذي عن علي (ويغدو) أي يصرح أو يمر (أحدهم في حلّة، ويروح) أي يمسي أو يرجع (في أخرى وتوضع بين يديه صحفة) أي إناء كالقصعة المبسوطة (وترفع) أي من بين يديه (أخرى) أي صحفة أخرى (ويسترون بيوتهم كما تستر الكعبة) وفيه إيماء إلى أن الدنيا تبسط عليهم بالسعة، (ثمّ قال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مخاطبا لأصحابه الكرام (آخر الحديث) أي في آخر الكلام (وأنتم اليوم خير منهم يومئذ) قالوا والعاطفة رد لقولهم نحن يومئذ خير من اليوم ظنا منهم أنهم يصرفون الدنيا في طرق العقبى فالمعنى ليس الأمر كما تظنون بل وأنتم اليوم خير لأن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى وفيه تنبيه على أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر، (وأنّهم إذا مشوا المطيطاء) بضم الميم وفتح الطاءين بينهما ياء ساكنة والكلمة ممدودة وتقصر وهي مشية فيها مد اليدين والتبختر والخيلاء ومنه قوله تعالى ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى وفي نسخة المطيطيا بزيادة ياء بعد طاء مكسورة أو
[ ١ / ٦٨١ ]
مفتوحة (وخدمتهم بنات فارس والرّوم) أي بسبيهم لهن (ردّ الله بأسهم) أي شدة عداوتهم بكثرة محاربتهم (بينهم) أي لطغيانهم بكثرة المال وسعة الجاه والإقبال (وسلّط) أي الله (شرارهم على خيارهم) لأن الغالب غلبة أهل الشر في الشوكة والدولة الدنيوية والحديث رواه الترمذي عن ابن عمر كما قاله الدلجي وأما ما ذكره الحلبي من أن الحديث رواه الذهبي في ميزانه من ترجمة محمد بن خليل الحنفي الكرماني ولفظه وروي عن ابن المبارك عن ابن سوقة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فذكر الحديث ثم قال لا يصح فلا يعارض ما تقدم فإن عدم صحته يحمل على روايته مع أنه لا يلزم من عدم الصحة نفي الثبوت بطريق الحسن وهو كاف في الحجة هذا وقد ثبت أنهم بعد أن فتحوا بلاد فارس والروم وغنموا أموالهم وسبوا ذراريهم واستخدموهم سلط الله على عثمان شرارا فقتلوه وعلى علي جماعة حتى قتله اشقاهم وهلم جرا إلى أن قتل زياد بأمر يزيد وشرار أعوانهم الحسين ﵁ وأصحابه خيار زمانهم وقد سلط بنو أمية سبعين سنة على بني هاشم ففعلوا ما فعلوا (وقتالهم التّرك) كما في الصحيحين بلفظ لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا أقواما نعالهم الشعر وحتى تقاتلوا الترك صغار الأعين حمر الوجوه ذلف الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة والظاهر أن المراد بهم التتار ولعل القضية متأخرة أو وقعت وليس لنا بها معرفة (والخزر) أي وقتالهم الخزر بضم معجمة وسكون زاء فراء طائفة من الترك جمع أخزر والخزر بفتحتين ضيق العين وصغرها وكذا ضبط الأصل أيضا في كثير من النسخ واقتصر عليه الشمني وفي حديث حذيفة كما في بهم خنس الأنوف خزر العيون فالعطف تفسيري (والرّوم) وهم طائفة معروفة وقد سبق في الصحيح قتالهم مع قيصر فلا وجه لقول الدلجي لا أدري من روى حديث الطائفتين (وذهاب كسرى) أي ذهاب ملكه بذهابه (وفارس) أي وذهاب قومه أي من أرض العراق وغيره (حَتَّى لَا كِسْرَى وَلَا فَارِسَ بَعْدَهُ وَذَهَابِ قيصر) أي ملك الروم من الشام ونحوه (حتّى لا قيصر بعده) رواه الشيخان بدون فارس وذكر الحارث عن ابن محيريز مرفوعا فارس نطحة أو نطحتان ثم لا فارس بعد هذا ابدا وقد وقع ما أخبر به من زوال ملكهما من إقليمهما فلم يبق من كسرى وقومه طارفة عين بدعوته صلى الله تعالى عليه وسلم أن يمزق كل ممزق وقيصر أعني به هرقل قد انهزم من الشام في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه إلى أقصى بلاده فافتتح المسلمون بلادهما فلله الحمد والمنة وأخذ السهيلي من هذا أن لا ولاية للروم على الشام إلى يوم القيامة انتهى وأراد بالروم كفارهم من الإفرنج والنصارى ثم قيل التقدير ولا مثل كسرى ولا مثل قيصر لأنه علم ولا تدخل عليه لا إلا إذا كان أول بالنكرة (وذكر) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (أنّ الرّوم ذات قرون) أي كلما هلك قرن خلفه قرن إلى آخر الدهر قال الفارسي معناه إن هلك منهم رئيس خلفه آخر وليسوا كالفرس لأنهم مزقوا وقد ورد في هذا المعنى حديث وكأنه تفسير لهذا قال ﵇ فارس نطحة أو نطحتان ثم لا فارس بعد ها أبدا والروم ذات قرون كلما هلك قرن
[ ١ / ٦٨٢ ]
خلف مكانه قرن أهل صخر وبحر هيهات إلى آخر الدهر انتهى (وبذهاب الأمثل فالأمثل) أي الأفضل فالأفضل (من النّاس) أي من الصحابة والتابعين واتباعهم ومن بعدهم والفاء مؤذنة بترتيب التفاضل فأثبتت الأمثلية للأول ثم للثاني وهكذا حتى تبقى حثالة لا يباليهم الله بالة (وتقارب الزّمان) كما في حديث الترمذي لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فيكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة أي العرفية والساعة الضرمة بالنار والمراد به آخر الزمان واقتراب الساعة لأن الشيء إذا قل وقصر تقارب أطرافه والظاهر أنه أريد به زمن عيسى فإنه لكثرة الخيرات تستقصر الأوقات للاستلذاذ بالمسرات أو زمن الدجال فإنه لكثرة اهتمام الناس بما يدهمهم من همومهم لا يدرون كيف تنقضي أيامهم أو أريد به تسارع الأزمنة فيتقارب زمانهم في المنحة أو المحنة أو أريد به قلة البركة في أعمالهم مع كثرة الحركة في أحوالهم، (وقبض العلم) أي بقبض العلماء لحديث أن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا كما رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة (وظهور الفتن، والهرج) بفتح الهاء فسكون الراء فجيم قيل لغة حبشية ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة يتقارب الزمان يقبض العلم وتظهر الفتن ويلقى الشح ويكثر الهرج قالوا وما الهرج قال القتل القتل، (وقال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما في حديث الشيخين عن أم المؤمنين زينب (ويل) أي هلاط عظيم (للعرب من شرّ قد اقترب) ولعل المراد به فتنة عثمان في محنة المحاصرة وفتنة علي مع معاوية وفتنة الحسين مع يزيد وهلم جرا من المزيد ويفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، (وأنّه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (زويت له الأرض) أي جمعت وضمت (فأري) بصيغة المفعول وفي نسخة فرأى (مشارقها ومغاربها) ولفظ مسلم عن ثوبان أن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها أي جمعها لي وطواها بتقريب بعيدها إلى قريبها حتى اطلعت على ما فيها جميعها (وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِهِ مَا زُوِيَ لَهُ مِنْهَا) وهذه الجملة من تتمة حديث مسلم عن ثوبان ولفظه وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا والمعنى زويت لي جملة الأرض مرة واحدة وستفتحها أمتي جزءا فجزءا حتى تملك جميع أجزائها (ولذلك) أي ولأجل تقييده لها بمشارقها ومغاربها (كان أمتدّت) بتشديد الدال أي انبثت أمته وانتشرت ملته وفي نسخة وكذلك كان بكاف التشبيه والمعنى وكذا وقع ثم استأنف للبيان فقال امْتَدَّتْ (فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ مَا بَيْنَ أَرْضِ الهند) بدل أو بيان للمشارق والمغارب (أقصى المشرق) بيان الأرض الهند أو بدل منه (إلى نحر طنجة) بفتح طاء وسكون نون وفتح جيم بلدة عظيمة بساحل بحر المغرب (حيث لا عمارة) بكسر أوله (وراءه) أي فيما وراء ذلك المكان (وذلك) أي ما ملكت أمته (مَا لَمْ تَمْلُكْهُ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ وَلَمْ تمتدّ في الجنوب) بفتح الجيم أي في الجهة الغربية إذا توجهت للقبلة وهو ريح يخالف الشمال مهبه من مطلع سهيل أي إلى مطلع الثريا (ولا في الشّمال) بكسر أوله وهو
[ ١ / ٦٨٣ ]
الجهة الشرقية إذا توجهت للقبلة (مثل ذلك) أي مثل امتداد جهتي المشرق والمغرب ولعل في اتيانهما بلفظ الجمع إيماء إلى ما هنالك وكذلك إلى ظهور كثرة العلماء منهما بالنسبة إلى غيرهما وأن علماء المشرق أكثر وأظهر من علماء المغرب فتدبر (وقوله) أي كما رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص مرفوعا (لَا يَزَالُ أَهْلُ الْمَغْرِبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ) أي على طريق الحق ومنهج الصدق وسبيل الطاعة من الجهاد وتعليم العلوم للعباد (حتّى تقوم السّاعة) أي إلى قرب القيامة (ذهب ابن المديني) هو الإمام أبو الحسن علي بن عبد الله المديني الحافظ يروي عن أبيه وحماد بن زيد وخلق وعنه البخاري وأبو داود والبغوي وأبو يعلى قال شيخه عبد الرحمن بن مهدي علي بن المديني اعلم الناس بحديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وخاصة بحديث ابن عيينة تلومونني على حب علي بن المديني والله لا تعلم منه أكثر مما يتعلم مني وكذا قال يحيى القطان فيه وقال البخاري ما استصغرت نفسي إلا بين يدي علي قال النسائي كأن الله خلقه لهذا الشأن توفي بسامرا هذا والمديني نسبة إلى المدينة المشرفة قاله ابن الأثير وقال إن أصل المديني منها ثم انتقل إلى البصرة وقال إن الأكثر فيمن ينسب المدينة مدني ثم قال المديني فنسبة إلى أماكن وساق سبعة وأما الجوهري فقال المدني نسبة إلى مدينة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وأما المديني فنسبة إلى المدينة التي بناها المنصور هذا وهو بفتح الميم وكسر الدال وسكون الياء لا بصيغة التصغير كما توهمه بعض معاصرينا من العلماء (إلى أنّهم) أي أهل الغرب (العرب لأنّهم المختصّون بالسّقي بالغرب) بغين معجمة فسكون راء (وهي الدّلو) أي العظيمة وفي نسخة وهو الدلو، (وغيره) أي غير ابن المديني (يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُمْ أَهْلُ الْمَغْرِبِ وَقَدْ وَرَدَ المغرب) أي بدل الغرب فارتفعت الشبهة في مبناه (كذا في الحديث بمعناه) لكن فيه أنه لا يعلم من رواه نعم يروي عن مالك عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم يكون بالمغرب مدينة يقال لها فاس أقوم أهل المغرب قبلة وأكثرهم صلاة وهم على الحق مستمسكون لا يضرهم من خالفهم يدفع الله عنهم ما يكرهون إلى يوم القيامة. (وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُمَامَةَ) كما رواه أحمد والطبراني عنه مرفوعا (لا تزال طائفة من أمّتي) أي أمة الإجابة (ظاهرين على الحقّ) أي مستعلين عليه غير مخففين لديه (قاهرين لعدوّهم) أي غالبين عليهم من قهره غلبه واللام للتقوية (حتّى يأتيهم أمر الله) أي بفنائهم أو خفائهم (وهم كذلك) أي لا بثون على ما هنالك (قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ ببيت المقدس) بفتح الميم وكسر الدال وضبطه بضم الميم وفتح الدال المشددة ولعل مثل هذا الحديث حمل ابن المديني على تأويل ما تقدم وقال غيره المراد بأهل الغرب أهل الشام لأنه غرب الحجاز بدلالة رواية وهم بالشام لكن لا منع من الجمع بأن يوجد في كل منهما جمع يقومون بأمر الحق من إظهار العلم وإفشاء شعار الدين والاجتهاد في باب الجهاد مع الكفار والملحدين ويؤيده ما رواه مسلم عن جابر بن سمرة مرفوعا لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة
[ ١ / ٦٨٤ ]
من المسلمين حتى تقوم الساعة. (وأخبر) أي النبي ﵊ (بملك بني أمّية) فيما رواه الترمذي والحاكم عن الحسن بن علي ورواه البيهقي عن سعيد بن المسيب مرسلا وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضغيف وعن أبي هريرة وفي سنده الزنجي وهو غير معروف ذاتا وحالا والمراد ببني أمية بنو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وأول خلفائهم وأفضلهم عثمان بن عفان ثم معاوية بن أبي سفيان وهو أول الملوك بقي تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر ثم ابنه يزيد ثلاث سنين وأشهر ثم معاوية بن يزيد ومات بعد أربعين يوما ثم مروان بن الحكم ومات بعد سبعة أشهر ثم عبد الملك بن مروان ومات في شوال سنة ست وثمانين ثم بويع ابنه الوليد وكان مدته تسع سنين ثم بويع أخوه سليمان بن عبد الملك وكانت ولايته سنتين ثم بويع عمر بن عبد العزيز بن مروان وولايته سنتان ثم بويع هشام بن عبد الملك بن مروان ومات سنة خمس وعشرين ومائة ثم بويع الوليد بن يزيد بن عبد الملك فقتل سنة ست وعشرين ومائة ثم بويع يزيد بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك المسمى بالناقص وكانت ولايته خمسة أشهر ثم بويع إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك فخلع نفسه ومدته سبعون يوما ثم بويع مروان بن محمد بن مروان بن الحكم سنة سبع وعشرين ومائة وقيل سنة اثنتين وثلاثين ومائة وهو آخرهم ومجموعهم أربعة عشر ما عدا عثمان رضي الله تعالى عنه (وولاية معاوية) أي ابن أبي سفيان وهو منهم لكن خص لأنه متميز عنهم بأشياء منها قوله (ووصّاه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيما رواه البيهقي عنه بلفظ ما حملني على الخلافة وإلا قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يا معاوية إن ملكت وفي رواية إذا وليت فأحسن وضعفه البيهقي ثم قال غيره إن له شواهد منها حديث سعيد بن العاص أن معاوية أخذ الإداوة فتبع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له يا معاوية إن وليت أمرا فاتق الله واعدل ومنها حديث رشد بن سعد عنه سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم يقول أبو الدرداء كلمة سمعها معاوية منه صلى الله تعالى عليه وسلم فنفعه الله بها، (واتّخاذ بني أميّة مال الله دولا) بضم ففتح جمع دولة بضم فسكون وقد يفتح أوله أي متداولة متناوبة فيها من غير استحقاق لها والحديث رواه الترمذي والحاكم عن الحسن بن علي ورواه البيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بلفظ إذا بلغ بنو أبي العاص أربعين رجلا اتخذوا دين الله دغلا وعباد الله خولا ومال الله دولا وعن أبي سعيد الخدري إذا بلغوا ثلاثين الحديث، (وخروج ولد العبّاس) أي ابن عبد المطلب وفي نسخة وخروج بني العباس أي ظهورهم في غلبة أمورهم (بالرّايات السّود) أي الأعلام الملونة بالسواد تفاؤلا بغلبتهم على العباد (وملكهم) بضم الميم أي تملكهم (أضعاف ما ملكوا) أي ملك غيرهم من ملوك البلاد فقد رواه أحمد والبيهقي بأسانيد ضعيفة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال تظهر الرايات السود لبني العباس حتى ينزلوا بالشام ويقتل الله على أيديهم كل جبار وعدو لهم في إسناده عبد القدوس وهو
[ ١ / ٦٨٥ ]
ضعيف وفي رواية تخرج الرايات السود من خراسان لا يردها شيء حتى تنصب بإيليا وهي بيت المقدس في إسناده رشد بن سعيد وهو ضعيف وأما أولاده الخلفاء وأحفادهم الأمراء فأولهم أبو العباس السفاح بويع سنة اثنتين وثلاثين ومائة ثم أبو جعفر المنصور ثم المهدي بن المنصور ثم الهادي ثم موسى بن الهادي ثم الرشيد أبو جعفر هارون بن المهدي ومات بطوس ثم الأمين محمد بن الرشيد وقتل ثم المأمون بن الرشيد ثم المعتصم بالله وهو محمد ابن هارون ثم الواثق واسمه هارون أبو جعفر ثم المتوكل أبو الفضل جعفر بن محمد المعتصم ثم المنتصر أبو جعفر محمد بن المتوكل ثم المستعين بالله أحمد بن محمد بن المعتصم وخلع نفسه ثم المعتز بالله بن المتوكل على الله ثم المهدي بالله أبو عبد الله بن الواثق ثم المعتمد أبو العباس بن المتوكل ثم المعتضد أحمد بن أحمد الواثق بن المتوكل ثم المكتفي علي بن المعتضد ثم المقتدر جعفر بن المعتضد ثم القاهر محمد بن المعتضد وخلع نفسه عام اثنين وعشرين وثلاثمائة وقد ارتكب أمورا قبيحة لم يسمع بمثلها في الإسلام قال بعضهم صليت في جامع المنصور ببغداد فإذا أنا بإنسان عليه جبة عتابية قد ذهب وجهها وبقيت بطانتها وبعض قطن فيها وهو يقول أيها الناس تصدقوا علي فإني كنت بالأمس أميرا وصرت اليوم فقيرا فسألت عنه فقيل لي إنه القاهر بالله وكانت له حربة يأخذها بيده فلا يضعها حتى يقتل إنسانا ثم الراضي محمد بن جعفر ثم المقتفي بعد أخيه وهو أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر بالله ثم الفضل وهو المطيع للدين المقتدر بالله وخلع نفسه ثم الطائع عبد الكريم بن الفضل بن المطيع القادر ثم القادر بالله ثم ولده القائم بأمر الله ثم ابنه المقتدي بأمر الله ثم ابنه المستظهر بالله ثم ابنه المسترشد بالله ثم ابنه المستكفي بالله وكان خلفاء بني العباس ثلاثين وكلهم ببغداد إلى أن استولى عليهم الزمان سنة ست وخمسين وستمائة ولله الأمر من قبل ومن بعد (وخروج المهديّ) بفتح الميم وتشديد التحتية قال الحلبي واسمه محمد بن عبد الله من ولد فاطمة من ولد الحسن كما في الأحاديث انتهى وأصل أحاديثه في أبي داود في سننه وقيل من أولاد الحسين وقيل من ذريتهما وليس المراد به أحد الأئمة الاثني عشرية كما اعتقد الشيعة وأنه مخفي في المكان وسيظهر في آخر الزمان ولا أحد المشايخ الذي انتهت إليه الطائفة المهدوية القائلة بأنه جاء ومضى وأن من لا يعتقد ذلك فهو ضال وقد أفرد شيخ مشايخنا جلال الدين السيوطي رسالة مفردة في معرفة المهدي فعليك بها وينبغي أن لا يتوهم أن المهدي هذا من بني العباس ولذا ذكر الدلجي أحاديث مما يوهم أنه هو ثم دفعه بأن المراد غيره فقال رواه أحد والبيهقي بأسانيد ليست بقوية عنه صلى الله تعالى عليه وسلم تقتتل عند كنزكم هذا ثلاثة كلهم ولد خليفة لا يصير إلى واحد منهم ثم تقبل الرايات السود من خراسان فيقتلونكم مقتلة لم تروا مثلها ثم يجيء خليفة الله المهدي فإذا كان كذلك فأتوه ولو حبوا على الثلج فإنه خليفة الله وفي إسناده مجهول وفيه أبو اسماء وهو ضعيف وفي رواية أخرى يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع أمن الزمان وظهور الفتن يقال له السفاح يكون
[ ١ / ٦٨٦ ]
عطاؤه حثيا في سنده عطية العوفي وهو ضعيف قال التلمساني وعلامة وقته خسوف القمر أول ليلة من رمضان أو ثالثه أو السابع والعشرين وهي علامة لم تكن منذ خلق الله السموات والأرض (وما ينال أهل بيته) أي وما يصيبهم من المحن كقضية الحسنين وبقية أئمة أهل البيت (وتقتيلهم وتشريدهم) أي تطريدهم كما أخبر به فيما رواه الحاكم من حديث أبي سعيد أن أهل بيتي سيلقون بعدي من أمتي قتلا وتشريدا وضعفه الذهبي (وقتل عليّ) كما رواه أحمد عن عمار بن ياسر والطبراني عن علي وصهيب وجابر بن سمرة (وأنّ أشقاها) أي أشقى الطائفة أو الثلاثة حيث تيسر له ما قصده فإن من العصمة أن لا يقدر بخلاف من قصد قتل معاوية وابن العاص فكان اشقاهم بل اشقى الآخرين لما روي أنه ﵊ قال يا علي أتدري من أشقى الأولين قال الله ورسوله أعلم قال عاقر الناقة قال أتدري من اشقى الآخرين قال الله ورسوله أعلم قال قاتلك ولما جرح هذا الشقي عليا أدخل عليه فقال أطيبوا طعامه والينوا فراشه فإن أعش فأنا ولي دمي عفوا وقصاصا وإن مت فالحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين فلما مات علي أخرج من السجن وقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه وكحل عينيه بمسمار محمي وجعل يقرأ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ إلى آخر السورة وأن عينيه لتسيلان ثم أمر به فقطعوا لسانه ثم جعلوه في قوصرة وأحرقوه بالنار (الذي يخضب) بكسر الضاد أي يصبغ (هَذِهِ مِنْ هَذِهِ أَيْ لِحْيَتِهِ مِنْ رَأْسِهِ) يعني بدمها قال الأسنوي في المهمات تبعا للنووي في تهذيبه أن الأشقى هو عبد الرحمن بن ملجم بميم مضمومة فلام ساكنة فجيم مفتوحة أو مكسورة، (وأنّه) أي عليا (قسيم النّار) أي والجنة كما قيل
على حبه جنة قسيم النار والجنة
فهو من باب الاكتفاء ويشير إليه قوله (يدخل أولياؤه الجنّة وأعداؤه النّار) والمعنى أن الناس فريقان فريق معه وهم مهتدون وفريق عليه فهم ضالون اعداء له فيكون سببا لدخولهما الجنة والنار ويلائمه ما ضبط في نسخة يدخل بصيغة المعلوم من باب الافعال لكن الحديث لا يعرف من رواه إلا أنه قد جاء ما يقوي معناه (فكان) أي علي (فيمن) وفي نسخة ممن (عاداه الخوارج) وهم المحكمية خرجوا عليه عند التحكيم وكانوا اثني عشر ألفا أصحاب صلاة صيام قال فيهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يحقر أحدكم صلاته في جنب صلاتهم وصومه في جنب صومهم لا تجاوز قراءتهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية على ما جاء في طرق، (والنّاصبّة) بالموحدة الذين يتدينون ببغض علي رضي الله تعالى عنه وقد نصبوا له الحرب وقد روى مسلم تكون أمتي فرقتين فيخرج من بينهما مارقة يلي قتلها أولاهم بالحق وهم الذين قتلهم علي بالنهروان وكانوا أربعة آلاف ولم يقتل من المسلمين سوى تسعة (وطائفة ممّن ينسب) بالياء والتاء وروي ينتسب (إليه) أي إلى حب علي كرم الله تعالى وجهه (من الرّوافض كفّروه) أي لتركه في زعمهم الكاذب الخلافة لغيره
[ ١ / ٦٨٧ ]
وهي حقه فكان رضي بالباطل وسكت عن الحق مع قدرته عليه، (وقال) أي النبي ﵊ (يقتل عثمان وهو يقرأ المصحف) بضم الميم ويكسر ويفتح ورواه الترمذي عن ابن عمر ولفظه ذكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فتنته فقال يقتل هذا مظلوما لعثمان وحسنه، (وأنّ الله) بفتح الهمزة وكسرها (عسى أن يلبسه) بضم أوله (قميصا) أي خلعة الخلافة والتلبس بها، (وأنّهم) أي أهل الفتنة (يريدون خلعه) أي عزله عنها فامتنع من انخلاعها لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم كما رواه الترمذي وحسنه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال يا عثمان إنه لعل الله أن يقمصك قميصا فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم فقتلوه ظلما وعدوانا فأهدر الله بدمه سبعين الفا قتلوا بصفين وغيرها، (وأنّه) أي الشأن (سيقطر دمه) بضم الطاء وفي نسخة بصيغة المجهول أي ستقع قطرات دمه (على قوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [البقرة: ١٣٧]) كما رواه الحاكم عن ابن عباس قال الذهبي إنه موضوع لكن نقل المحب الطبري في الرياض أن أكثرهم يروي أن قطرة من دمه أو قطرات سقطت على قوله تعالى فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ في المصحف ونقل عن حذيفة قال أول الفتن قتل عثمان وآخرها خروج الدجال والذي نفسي بيده لا يموت أحد وفي قلبه مثقال حبة من حب قتله عثمان إلا تتبع الدجال إن أدركه وإن لم يدركه آمن به في قبره أخرجه السلفي الحافظ (وَأَنَّ الْفِتَنَ لَا تَظْهَرُ مَا دَامَ عُمَرُ حيّا) كما رواه البيهقي فهو سد باب الفتنة كما أخبر به حذيفة، (وبمحاربة الزّبير لعليّ) كما رواه البيهقي في دلائل النبوة من طرق أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أخبر بمحاربة الزبير لعلي وهو ظالم له وذكره به على يوم الجمل فقال بلى والله لقد نسيته منذ سمعته منه صلى الله تعالى عليه وسلم ثم ذكرته الآن والله لا أقاتلك فرجع يشق الصفوف راكبا فعرض له ابنه عبد الله فقال مالك فقال ذكرني علي حديثا سمعته من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول لتقاتلنه وأنت ظالم له فقال له ابنه إنما جئت لتصلح بين الناس لا لمقاتلته فقال قد حلفت أن لا أقاتله قال اعتق غلامك وقف حتى تصلح بينهم ففعل فلما اختلف الأمر ذهب (وبنباح كلاب الحوأب على بعض أزواجه) أي وأخبر صلى الله تعالى عليه وسلم بنباحها وهو بضم نون وتكسر فموحدة أي صياحها والحوأب بمهملة ثم همزة مفتوحتين موضع بين البصرة ومكة نزلته عائشة لما توجهت للصلح بين علي ومعاوية فلم تقدر اتفاقا فكانت وقعة الجمل، (وأنّه يقتل حولها) أي حول بعض الأزواج وهي عائشة رضي الله تعالى عنها (قتلى كثيرة) أي جمع كثير من المقتولين قيل قتل يومئذ نحو من ثلاثين ألفا وفي نسخة كثيرة نظرا إلى الجماعة (وتنجو بعد ما كادت) أي إلى الهلاك كما رواه البزار بسند صحيح عن ابن عباس (فنبحت) بفتح الباء وكسرها أي كلاب ذلك الموضع (على عائشة عند خروجها) أي توجهها من مكة (إلى البصرة) كما رواه أحمد وكذا البيهقي بلفظ لما أتت الحوأب سمعت انباح الكلاب فقالت ما أظنني إلا راجعة إني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لنا أيتكن تنبح عليها
[ ١ / ٦٨٨ ]
كلاب الحوأب ترجعين لعل الله أن يصلح بك بين الناس (وأنّ عمّارا) وهو ابن ياسر (تقتله الفئة الباغية) رواه الشيخان ولفظ مسلم قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لعمار تقتلك الفئة الباغية وزاد وقاتله في النار (فقتله) أي عمارا (أصحاب معاوية) أي بصفين ودفنه علي رضي الله تعالى عنه في ثيابه وقد نيف على سبعين سنة فكانوا هم البغاة على علي بدلالة هذا الحديث ونحوه وقد ورد إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق وقد كان مع علي رضي الله تعالى عنهما وأما تأويل معاوية وابن العاص بأن الباغي علي وهو قتله حيث حله على ما أدى إلى قتله فجوابه ما نقل عن علي كرم الله وجهه أنه يلزم منه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قاتل حمزة عمه والحاصل أنه لا يعدل عن حقيقة العبارة إلى مجاز الإشارة إلا بدليل ظاهر من عقل أو نقل يصرفه عن ظاهره نعم غاية العذر عنهم أنهم اجتهدوا وأخطأوا فالمراد بالباغية الخارجة المتجاوزة لا الطالبة كما ظنه بعض الطائفة (وقال) أي النبي ﵊ (لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنْكَ) أي مشقة وهلاك في الآخرة بقتله ظلما (وويل لك من النّاس) أي في الدنيا فلقد حاصره الحجاج بمكة ورمى البيت بالمنجنيق فهدم ركنه الشامي (وقال) أي النبي ﵊ على ما رواه الشيخان (في قزمان) أي في حقه وهو بضم القاف وسكون الزاي ذكره الحلبي رجل من المنافقين قاتل قتالا شديدا (وقد أبلى مع المسلمين) بفتح الهمزة واللام جملة حالية أبانت شجاعته ومحاربته لغير الله بدليل قوله ﵊ (إنّه من أهل النّار) فقتل نفسه أي في خيبر كما ذكره البخاري وصوبه المصنف وأقره النووي ومسلم في حنين والخطيب تبعا لأصحاب السير في أحد وأقره النووي ولعل الأشخاص متعددة فكل ذكره في قضية (وقال) أي النبي ﵊ (في جماعة فيهم) أي في حق جماعة من جملتهم (أَبُو هُرَيْرَةَ وَسَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ وَحُذَيْفَةُ آخِرُكُمْ موتا في النّار) أي يكون في موته في نار الدنيا لا أنه يدخل في نار العقبى كما توهم الدلجي على ما سيأتي فعامله موتا وهو إبهام أو تورية وايهام (فكان بعضهم) أي تلك الجماعة (يسأل عن بعض) أي عن حياته ومماته كما رواه البيهقي عن ابن حكيم الضبي إذا لقيت أبا هريرة سألني عن سمرة فإذا أخبرته بحياته وصحته فرح وقال كنا عشرة في بيت فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم آخركم موتا في النار فمات منا ثمانية ولم يبق غيري وغيره وفي رواية للبيهقي عنه وكان إذا أراد أحد أن يغيظ أبا هريرة قال مات سمرة فيصعق ويغشى عليه ثم مات أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قبل سمرة (فكان سمرة آخرهم موتا هرم وخرف) بكسر الراء فيهما أي أصابه خلل في بدنه وخبل في عقله (فاصطلى بالنّار) أي استدفأ بها (فاحترق فيها) وفي تاريخ ابن عساكر عن ابن سيرين أن سمرة أصابه كزاز هو داء من البرودة أو برد شديد لا يكاد يدفأ منه فأمر بقدر عظيمة صلى الله تعالى عليه وسلم فملئت ماء وأوقد تحتها واتخذ فوقها مجلسا فكان يصل إليه بخارها فيدفأ فلم يلبث أن سقط به فاحترق ويوافقه ما رواه البيهقي عن بعض أهل العلم أنه
[ ١ / ٦٨٩ ]
مات في الحريق تصديقا لقول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تعالى عليه وسلم وقد أغرب الدلجي حيث استدل به بأنه يدخل النار في الآخرة ثم يخرج منها ثم قال ويحتمل أنه يورد النار بقتل زياد وابن زياد بحضرته خلقا كثيرا ثم ينجى منها بإيمانه بشهادة حديث البيهقي عن ابن سيرين كان سمرة عظيم الأمانة صدوق الحديث يحب الإسلام وأهله قال عبد الله بن صبيح لابن سيرين بهذا وبصحبته رسول الله صلى الله تعالى عليه نرجو له بعد تحقيق قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيه الخير انتهى ولا يخفى أن هذا الحديث ما يقتضي دخوله في النار ثم نجاته منها بل الظاهر نجاته منها ابتداء وأن احتراقه في الدنيا يكون سبب خلاصه عنها في العقبى على تقدير وقوع ذنب يستحقها وإلا فهو موجب زيادة درجة عالية في الجنة وغرفها ثم حضوره مجلس زياد وابن زياد حين قتلهما خلقا كثيرا لا يدل على استحقاق عذاب ولا استيجاب عتاب إذ لم يعرف أنه كان راضيا بفعلهما وربما كان مكرها في حضوره عندهما هذا وللبيهقي أنه استجمر فغفل عنه أهله حتى أخذته النار ولا يخفى إمكان الجمع بين هذا وما تقدم والله تعالى أعلم وأما حديث البيهقي عن أوس بن خالد كنت إذا قدمت على أبي محذورة سألني عن سمرة وإذا قدمت على سمرة سألني عن أبي محذورة فسألت أبا محذورة عن سؤالهما إياي فقال كنت أنا وسمرة وأبو هريرة في بيت النبي ﵊ فجاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال آخركم موتا في النار فمات أبو هريرة رضي الله تعالى عنه ثم أبو محذورة ثم سمرة فلا يخلو من الاشكال لما سبق من معارضته في المقال والله تعالى اعلم بالحال، (وقال) أي النبي ﵊ كما رواه ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم (في حنظلة) أي ابن أبي عامر الأنصاري (الغسيل) أي مغسول الملائكة (سلوا زوجته عنه) أي عن حاله قبل موته (فإنّي رأيت الملائكة تغسّله) أي بعد قتله شهيدا بأحد مع أن الشهيد لا يغسل (فسألوها فقالت إنّه خرج جنبا) حين غسلت أحد شقي رأسه وسمع الهيعة وكان قد ابتنى بها تلك الليلة (وأعجله الحال عن الغسل) أي عن تمامه لمبادرته إلى القتال ومسارعته للامتثال، (قال أبو سعيد) أي الخدري (ووجدنا رأسه يقطر ماء وقال) أي النبي ﵊، (الخلافة في قريش) رواه أحمد والترمذي ولعل المراد به أن الخلافة على استحقاقها في طائفة من قريش وهم الخلفاء الأربعة فيكون إخبارا عن الغيب المطابق للواقع بعده وأما إذا أريد به الحكم بأن الخلافة منحصرة فيهم وأن شرط صحة الخلافة أن يكون الخليفة واحد منهم كما ذكره الدلجي فلا يلائم سياقه في هذا الباب كما لا يخفى على أولي الألباب ويؤيد ما قدمناه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم كما رواه البخاري عن معاوية (ولن يزال هذا الأمر) أي أمر الخلافة (في قريش ما أقاموا الدّين) يعني فإذا لم يقيموا أمر الدين على ما ينبغي انتقل الأمر عنهم إلى غيرهم فكان كما أخبرهم زاد البخاري في رواية ولا يعاديهم أحد إلا كبّه الله على وجهه أي في الدنيا أو في العقبى قال النووي انعقد الإجماع
[ ١ / ٦٩٠ ]
في زمن الصحابة ومن بعدهم على أن الخلافة مختصة بقريش لا تجوز لغيرهم ولا عبرة بمن خالف فيه من أهل البدعة (وقال) أي النبي ﵊ (يكون) أي سيوجد (في ثقيف) بفتح فكسر هو أبو قبيلة من هوازن (كذّاب ومبير) بضم فكسر أي مهلك من أبار أهلك مأخوذ من البوار وهو الهلاك ومنه قوله تعالى وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا أي هلكى (فرأوهما الحجّاج والمختار) أي فرأى السلف أن أحدهما الحجاج وهو بفتح الحاء كليب بن يوسف والآخر المختار بن أبي عبيد وأن الثاني هو الكذاب والأول هو المبير فهما لف ونشر مشوش ففي حديث اسماء بنت أبي بكر من طريق مسلم وغيره أنها قالت مسافهة للحجاج حدثنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن في ثقيف كذابا ومبيرا فأما الكذاب فقد رأيناه وأما المبير فلا أخالك إلا إياه وقال الترمذي في جامعه ويقال الكذاب المختار والمبير الحجاج ثم ذكر بسنده إلى هشام بن حسان قال أحصوا ما قتل الحجاج صبرا فبلغ مائة وعشرين ألفا انتهى وأما المختار فهو الكذاب حيث زعم أن جبريل أتاه بوحي الكتاب فقد رواه البيهقي عن رفاعة بن شداد قال دخلت على المختار يوما فقال دخلت وقد قام جبريل من هذا الكرسي فأهويت إلى السيف فذكرت حديثا حدثينه عمرو بن الحمق الخزاعي أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال إذا أمن الرجل رجلا على دمه ثم قتله رفع له لواء الغدر يوم القيامة فكففت عنه قال النووي في شرح مسلم واتفق العلماء على أن المراد بالكذاب المختار بن أبي عبيد وبالمبير الحجاج بن يوسف انتهى وكان المختار واليا على الكوفة ولقبه كيسان وإليه ينسب الكيسانية كان خارجيا ثم صار زيديا ثم صار شيعيا وكان يدعو إلى محمد ابن الحنفية ومحمد يتبرأ منه وكان أرسل ابن الأشتر بعسكر إلى ابن زياد لقتال الحسين فقتله وقتل كل من كان في قتل الحسين ممن قدر عليه وكان غرضه في ذلك صرف وجوه الناس إليه والتوسل به إلى تحصيل الإمارة لديه فكان يظهر الخير ويضمر الشر ولما ولي مصعب بن الزبير البصرة من جهة عبد الله بن الزبير قاتل المختار وقتله؛ (وأنّ) وفي نسخة صحيحة وبأن (مسيلمة) بضم الميم وفتح السين ثم كسر اللام (يعقره الله) بكسر القاف أي يهلكه أو يقتله أو يهلكه قتلا فقتله وحشي بن حرب في قتال أهل الردة زمن أبي بكر رواه الشيخان بلفظ ولئن توليت ليعقرنك الله؛ (وأنّ فاطمة) أي بنته الزهراء ﵂ (أوّل أهله) أي أهل بيته كما في نسخة (لحوقا به) أي موتا ووصولا إليه ففي الصحيح عن الزهري عن عروة عن عائشة مكثت فاطمة بعد وفاته صلى الله تعالى عليه وسلم ستة أشهر، (وأنذر بالرّدّة) أي وحذر صلى الله تعالى عليه وسلم أصحابه وخوفهم وعرفهم بأنها ستكون كما في حديث الشيخين لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض وفي حديث مسلم لا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان فوقعت الردة في خلافة أبي بكر ارتد عامة العرب إلى أهل مكة والمدينة والبحرين وكفى الله أمرهم بالصديق صاحب مقام التحقيق (وأنّ) وفي نسخة وبأن (الخلافة)
[ ١ / ٦٩١ ]
أي الحقيقة الحقية (بعده ثلاثون سنة ثمّ تكون) أي تصير الخلافة (ملكا) أي سلطنة بالغلبة فقد روى أحمد والترمذي وأبو يعلى وابن حبان عن سفينة بلفظ الخلافة بعدي في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك (فكانت) أي الخلافة (كذلك) أي ثلاثين سنة (بمدّة الحسن بن عليّ) أي بمضي مدة خلافته وهي ستة أشهر تقريبا وفيه دلالة على أن معاوية لم يحصل له ولاية الخلافة ولو بعد فراغ الحسن له بالإمارة ويشير إليه ما رواه البخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة بلفظ الخلافة بالمدينة والملك بالشام ثم اعلم أن خلافة أبي بكر كانت سنتين وثلاثة أشهر وعشرين يوما وخلافة عمر عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام وخلافة عثمان إحدى عشرة سنة وإحدى عشر شهرا وثمانية عشر يوما وخلافة علي أربع سنين وعشرة أشهر أو تسعة وتمامها بخلافة الحسن (وقال) أي النبي ﵊ (إنّ هذا الأمر) أي أمر ملة هذه الأمة (بدأ) بهمزة أي ابتدأ أو بألف أي ظهر (نبوّة ورحمة) أي نبوة مقرونة بالرحمة العامة. (ثمّ يكون) أي الأمر (رحمة وخلافة) أي رحمة في ضمن الخلافة (ثمّ يكون) أي الأمر (ملكا) قال التلمساني وفي أصل المؤلف ثم ملكا (عضوضا) بفتح العين أي سلطنة خالية عن الرحمة والشفقة على الرعية فكأنهم يعضون بالنواجذ فيه عضا حرصا على الملك ويعض بعضهم بعضا حثا على الهلك وفيه إيماء إلى ما قال عارف بهذا الباب الدنيا جيفة وطالبها الكلاب وفي النهاية ثم يكون ملك عضوض أي يصيب الرعية عسف وظلم فكأنهم يعضون فيه عضا بأسنانهم أي يتحملون فيه محنة شديدة في شأنهم وفي رواية وسترون بعدي ملكا عضوضا وفي أخرى ثم يكون ملوك عضوض قيل وهو جمع عض بالكسر أي شرير خبيث (ثمّ يكون) أي الأمر (عتوّا) بضمتين فتشديد أي تكبرا (وجبروتا) بفتحتين فعلوت من الجبر بمعنى القهر مبالغة أي تجبرا وقهرا (وفسادا في الأمّة) أي في أمر دينهم ودنياهم هذا ولفظ البيهقي أن الله بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة وكانتا خلافة ورحمة وكانتا ملكا عضوضا وكانتا عتوا وجبرية وفسادا في الأمة يستحلون الفروج والخمور والحرير وينصرون على ذلك ويرزقون أبدا حتى يلقوا الله تعالى وقد ابتدأ هذا الفساد من بدأ إمارة يزيد وولاية زياد وهلم جرا في الزيادة إلى يومنا هذا فيما بين سلاطين البلاد والله رؤوف بالعباد (وأخبر) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (بشأن أويس) أي ابن عامر (القرني) بفتحتين أي منسوب إلى بطن من مراد قبيلة باليمن وغلط الجوهري في نسبته إلى قرن المنازل روي أنه كان به بياض فدعا الله فأذهبه إلا قدر دينار أو درهم وله أم كان بها بارا ولو أقسم على الله لأبره وقال من لقيه فليستغفر وعن عمر مرفوعا يأتي عليكم أويس بن عامر مع إمداد أهل اليمن من مراد ثم قرن كان به برص فبرئ منه إلا موضع درهم له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل قال الأرزنجاني في شرح المشارق الإمداد جمع مدد والمراد هنا القافلة قال وكان عمر إذا أتى إمداد اليمن يسألهم أفيكم أويس بن عامر فلما كانت السنة التي توفي فيها عمر قام على جبل أبي قبيس
[ ١ / ٦٩٢ ]
فنادى بأعلى صوته يا أهل الحجيج من اليمن أفيكم أويس فقام شيخ طويل اللحية فقال إنا لا ندري من أويس ولكن ابن أخي يقال له أويس وهو أخمل ذكرا وأهون أمرا من أن نرفعه إليك وأنه ليرعى إبلا حقير بين أظهرنا فقال له عمران اين ابن أخيك قال بإزاء عرفات فركب مر وعلي سراعا إلى عرفات فإذا هو قائم يصلي والإبل حوله ترعى فسلما عليه وقالا من الرجل قال عبد الله قالا قد علمنا أن أهل السموات والأرض كلهم عبيد الله فما اسمك الذي سمتك به أمك قال يا هذان ما تريدان قالا وصف لنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أويسا القرني وأخبرنا أن تحت منكبه الأيسر لمعة بيضاء فاوضحها لنا فإن كانت بك فأنت هو فأوضح منكبه فإذا اللمعة فاشتدا يقبلانه وقالا نشهد أنك أويس القرني فاستغفر لنا غفر الله لك قال ما أخص باستغفاري نفسي ولا أحدا من ولد آدم ولكنه في المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات يا هذان قد أشهر الله لكما حالي وعرفكما أمري فمن انتما قال علي أما هذا فعمر أمير المؤمنين وأما أنا فعلي بن أبي طالب فاستوى أويس قائما وترهب بهما فقال له عمر مكانك يرحمك الله حتى أدخل مكة فآتيك بنفقة من عطائي وفضل كسوة من كسوتي فقال يا أمير المؤمنين ما أصنع بالنفقة والكسوة أما ترى علي إزار ورداء من صوف متى أخرقهما وقد أخذت من رعايتي أربعة دراهم متى آكلها يا أمير المؤمنين إن بينك وبينه عقبة كؤودا ولا يجاوزها إلا كل ضامر مخف به فأخف يرحمك الله فلما سمع عمر ذلك ضرب بدرته الأرض نادى بأعلى صوته ألا ليت عمر لم تلده أمه إلا من يأخذها بما فيها ولها ثم قال أمير المؤمنين خذ أنت ههنا حتى آخذ عنها فولى عمر ناحية مكة وساق أويس ابله فوافى القوم وخلا عن الرعاية وأقبل على العبادة حتى لقي الله تعالى وروى الحاكم في مستدركه عن علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعا خير التابعين أويس ولا ينافيه قول أحمد وغيره أن خيرهم سعيد بن المسيب لأن مرادهم في العلوم الشرعية لا في أكبرية الدرجة العلية قال الحلبي وقد قتل مع علي بصفين في وقعتها وقال ابن حبان واختلفوا في محل موته فمنهم من يزعم أنه مات على جبل أبي قبيس بمكة ومنهم من يزعم أنه مات بدمشق ويحكون في موته قصصا تشبه المعجزات التي رويت عنه وقد كان بعض أصحابنا ينكر كونه في الدنيا ثم ساق بسنده إلى شعبة قال سألت عمرو بن مرة وأبا إسحاق عن أويس القرني فلم يعرفاه أقول ولعلهما لم يعرفاه لعدم كونه من رواة الحديث إذ لم يرو شيئا وكان غلب عليه حب الخمول والعزلة والخلوة وكره الصحبة والخلطة وقد علم كل أناس مشربهم وعرف كل طائفة مذهبهم (وبأمراء) أي وبأن امراء (يؤخّرون الصّلاة عن وقتها) فقد روى مسلم من طرق عن أبي ذر ولفظه كيف أنت إذا كنت عليك امراء يؤخرون الصلاة عن وقتها قلت فما تأمرني قال صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة زاد في رواية أخرى وإلا كنت قد أخرت صلاتك قال النووي أي عن وقتها المختار لا عن جميع وقتها وروي يميتون الصلاة وهو بمعنى يؤخرون قال وقد وقع هذا في ومن بني أمية (وسيكون في
[ ١ / ٦٩٣ ]
أمّته) وفي أصل الدلجي فِي أُمَّتِهِ (ثَلَاثُونَ كَذَّابًا فِيهِمْ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ) رواه أحمد والطبراني والبزار منهم مسيلمة الحنفي والأسود العنسي بالنون والمختار بن أبي عبيد الثقفي وسجاح بفتح السين فجيم زعمت أنها نبية في زمن مسيلمة، (وفي حديث آخر ثلاثون دجّالا) وفي نسخة رجلا (كذّابا أحدهم) وفي نسخة وهي الأولى آخرهم (الدّجّال الكذّاب) أي الأعور الذي يقتله عيسى ابن مريم كما رواه الشيخان عن أبي هريرة ولفظهما بين يدي الساعة ثلاثين رجلا كذابا (كلّهم يكذب) وفي نسخة يكذبون (على الله ورسوله) قال الحلبي وفي الصحيح قريب من ثلاثين وقد جاء تعيين عددهم في حديث آخر أنهم سبعة وعشرون دجالا فيهم أربع نسوة والدجل تمويه الشيء وتغطيته والمموه الدجال وهو الكذاب أيضا لأنه يدجل الحق بالباطل. (وقال) أي النبي ﵊ (يوشك) أي يقرب (أن يكثر فيكم العجم) أي ضد العرب لا الفرس فقط (يأكلون فيئكم) بفتح الفاء وسكون الياء مهموزا أي أموالكم (ويضربون رقابكم) أي يريقون دماءكم أو يبلغون في إيذائكم وقد وقع في دولة الترك من بعدهم رواه البزار والطبراني بسند صحيح (ولا تقوم السّائحة حتّى يسوق النّاس بعصاه) أي يسترعيهم مسخرين له كراعي غنم يسوقها بعصاه وهو كناية عن طاعة الناس له واستيلائه عليهم ولم يرد نفس العصا إلا أن في ذكرها دليلا على خشونته وعسفه بهم في إطاعته (رجل) قال القرطبي في تذكرته لعله الجهجاه (من قحطان) وهو أبو اليمن رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ولفظهما لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه. (وقال) أي النبي ﵊ فيما رواه الشيخان (خيركم قرني) ولفظهما خير أمتي وفي رواية خير الناس قرني وهم الصحابة (ثمّ الذين يلونهم) وهم التابعون (ثمّ الذين يلونهم) وهم الاتباع وثم تفيد التنزل في الرتبة إلى أن يرتفع الاشتراك في الخيرية فيستقيم قوله (ثمّ يأتي بعد ذلك قوم) وفي تغيير العبارة إيماء إلى ما أشرنا إليه وفي رواية لهما ثم إن بعدكم قوما (يشهدون ولا يستشهدون) بصيغة المجهول أي يبادرون بتأدية الشهادة قبل أن يطلب منهم أداؤها فإنها لا تقبل وأما حديث خير الشهود من يأتي بالشهادة قبل أن يسألها فمعناه أن يظهر عند غير القاضي أن عنده الشهادة حيث جهل أو شك صاحب الشهادة أنها عنده أم لا أو هل يظهر الشهادة أم يخفيها وقيل يشهدون بالزور قال الحلبي وقيل معناه يحلفون ولا يستحلفون كما قال في رواية أخرى يسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه كذبا شهادته واليمين تسمى شهادة ومنه قوله تعالى فشهادة أحدهم (ويخونون ولا يؤتمنون) بفتح الميم (وينذرون) بضم المعجمة وتكسر (ولا يوفون) أي بنذرهم وفي رواية ولا يفون من وفى يفي (ويظهر فيهم السّمن) بكسر ففتح وفي حديث يكون في آخر الزمان قوم يتسمنون وفي رواية ويل للمتسمنات يوم القيامة وفي رواية ويخلف قوم يحبون السمانة وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم لمالك بن الصيف أليس في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين قال نعم قال له فأنت الحبر السمين فقال ما أنزل الله على
[ ١ / ٦٩٤ ]
بشر من شيء. (وقال) أي النبي ﵊ (لَا يَأْتِي زَمَانٌ إِلَّا وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ منه) رواه البخاري ولفظه قال الزبير اتينا إنسا فشكونا إليه الحجاج فقال اصبروا فإنه لَا يَأْتِي زَمَانٌ إِلَّا وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ منه حتى تلقوا ربكم سمعته من نبيكم وفي رواية أشر منه وهو لغة كأخير في خير قال بعض الحفاظ إلا والذي بعده شر منه فيما يتعلق بالدين قال الحلبي والذي فهم الحسن غير ذلك حيث سئل الحسن فقيل له ما بال زمن عمر بن عبد العزيز بعد زمن الحجاج فقال لا بد للناس من تنفيس يعني أن الله ينفس عباده وقتا ما ويكشف البلاء عنهم حينا ما قلت وهو ما ينافي ما سبق من التنزل في أمر الدين كما هو مشاهد في نظر أرباب اليقين فإنه كلما يبعد عن النور تبقى الظلمة في الظهور فالبعد عن الحضرة يفيد هذا الترتيب في الحالة ويشير إليه صدر الحديث خير القرون قرني ثم وثم في الجملة بل جاء في حديث رواه أحمد والبخاري والنسائي عن أنس مرفوعا لا يأتي عليكم عام ولا يوم إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم. (وقال) أي النبي ﵊ كما في الصحيحين (هلاك أمّتي على يدي أغلمة) تصغير تحقير لا غلمة جمع غلام يعني صبيان (من قريش) وفي رواية أعوذ بالله من أمارة الصبيان وقال إن أطعتموهم اذلتكم وإن عصيتموهم أهلكتكم إذ هم صغار الأسنان (وقال أبو هريرة راويه) أي راوي هذا الحديث (لو شئت سمّيتهم لكم) أي لبينتهم وقلت لكم إنهم (بنو فلان وبنو فلان) لكني ما أشاء تسميتهم صريحا خوف الفساد والفتنة إلا أن في العبارة إشارة بالكناية والمراد يزيد بن معاوية فإنه بعث إلى المدينة السكينة مسلم بن عقبة فأباحها ثلاثة أيام فقتل من خيار أهلها كثيرا فيهم ثلاثة من الصحابة وأزيلت بكارة ألف عذراء وبعده بنو مروان بن الحكم بن العاص فلقد صدر عنهم ما أوجب أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تبرأ منهم كما رواه الشيخان أنه قال إِنَّ آلَ أَبِي فُلَانٍ لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ ولكن لهم رحم سأبلها ببلالها فالمكنى هو الحكم بن العاص وبنوه فإنهم آله فكنى عنهم بعض رواة هذا الحديث حذرا منهم إذ كانوا ولامر وأصحاب الشر هذا وقد قال القرطبي هم والله تعالى أعلم يزيد بن معاوية وعبد الله بن زياد ومن جرى مجراهم من أحداث ملوك بني أمية. (وأخبر) أي النبي ﵊ (بظهور القدريّة) كما رواه الترمذي وأبو داود والحاكم أنه قال القدرية مجوس هذه الأمة إشارة إلى مدح أمته وذمهم جعلهم مجوسا حيث شابه مذهبهم مشربهم فالمجوس أثبتوا الهين زعموا أن الخير من فعل النور وسموه يزدان والشر من فعل الظلمة وسموه أهرمن وقد قال الله تعالى وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ أي خلقهما وأما القدرية فزعموا خالقين خالق الخير وهو الله وخالق الشر وهو الإنسان وقد قال تعالى اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو ما ينافي أن ينسب إليه الفعل خلقا وإيجادا والينا عملا واكتسابا (والرّافضة) بالألف بمعنى الرفضة أي وأخبر بظهور الطائفة الرافضة التاركة لحب جل الصحابة وقد رواه البيهقي من طرق كلها ضعيفة إلا أنها يتقوى بعضها ببعض ويعضدها ما رواه البزار بلفظ يكون في أمتي قوم في
[ ١ / ٦٩٥ ]
آخر الزمان يسمون الرافضة يرفضون الإسلام أي بالكلية لأنهم يستحلون سب الصحابة ويكفرون أهل السنة والجماعة والمعنى يتركون كمال الإسلام وجماله إن لم يصدر منهم ما ينافي أحكام الإيمان وفي رواية يلفظونه أي يرمونه فاقتلوهم فإنهم مشركون أي مشابهون لهم حيث لم يعملوا بالكتاب والسنة (وسبّ آخر هذه الأمّة أوّلها) أي وأخبر بظهور هذا الأمر من الرافضة وقد رواه أبو القاسم البغوي عن عائشة مرفوعا بلفظ لا تذهب هذه الامة حتى يلعن آخرها أولها وللترمذي من حديث طويل عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ولعن هذه الأمة أولها فارتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا ومسخا وقذفا وآيات تتتابع كنظام قطع سلكه والتتايع بالياء التحتية هو الوقوع في الشر كما أنه بالموحدة يستعمل في الخير هذا وقد ظهر لعن السلف على لسان الروافض والخوارج جميعا ولعل مذمة الرافضة في بعض الأحاديث وردت بالمعنى اللغوي الشامل لكل من الطائفتين وإن كان العرف خصها باعتبار الغلبة (وقلّة الأنصار) أي وأخبر صلى الله تعالى عليه وسلم بقلتهم والأظهر أن المراد بهم طائفة معروفة من الصحابة وقد يتوسع ويراد بهم ذريتهم أيضا ولا يبعد أن يراد بهم انصار الدين ومعاونيهم حتى يشمل المهاجرين وغيرهم وقد رواه البخاري عن ابن عباس خرج علينا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه فجلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن الناس يكثرون ويقل الأنصار أي بعدي (حتّى يكونوا كالملح في الطّعام) كناية عن غاية قلتهم فيما بين أهل الإسلام وتمام الكلام فمن ولي منكم شيئا يضر فيه قوما وينفع آخرين فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم (فلم يزل أمرهم يتبدّد) أي يتفرق (حتّى لم يبق لهم جماعة، وأنّهم) أي وأخيرا (سيلقون بعده أثرة) بفتحتين وبكسر فسكون وحكي بضم فسكون أي إيثار الناس أنفسهم عليهم فيما هم أولى به من العطايا ومناصب القضايا ففي الصحيحين بلفظ أنكم سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض قال اليعمري كانت هذه الأثرة زمن معاوية، (وأخبر بشأن الخوارج) أي على علي بالنهروان وكانوا أربعة آلاف فقتلهم علي قتلا ذريعا ولم يقتل ممن معه إلا تسعة (وصفتهم) أي وبيان حالهم وأفعالهم حيث قال فرقة يحسنون القول ويسيئون الفعل أو العمل يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يرجعون إليه حتى يرتد إلى فوقه هم شر الخلق والخليقة طوبى لمن قتلهم، (والمخدّج) بضم الميم وسكون المعجمة وفتح الدال المخففة وبالجيم أي الناقص وكان ناقص اليد واسمه نافع وفي نسخة مشددة أي بناقص الخلق (الذي فيهم) أي بأن إحدى ثدييه مثل ثدي المرأة (وأنّ سيماهم التّحليق) أي علامتهم المبالغة في حلق شعورهم وقيل جلوسهم حلقا حلقا (ويرى) بصيغة المجهول وقال الدلجي بصيغة الخطاب العام (رعاة الغنم) وفي أصل الدلجي رعاء الشاء وهو نائب الفاعل أو المفعول الأول والثاني قوله (رؤوس النّاس) أي رؤساءهم، (والعراة والحفاة) وفي نسخة
[ ١ / ٦٩٦ ]
والحفاة العراة (يتبارون) بفتح الراء أي يتفاخرون (في البنيان) أي في إطالة بيوتهم وتحسينها وتزيينها فقد روى الشيخان معناه ببعض مبناه فلمسلم وإن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان وللبخاري وإذا تطاول رعاء الإبل إليهم في البنيان وله أيضا وإذا كانت الحفاة العراة رؤوس الناس فذلك من أشراطها ولهما وإن ترى الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض وفيه إشارة إلى أن أرباب الجهالة والقلة والذلة يغلبون على أهل العلم والغنى والعزة (وأن تلد الأمّة ربّتها) أي سيدتها فإن ولد الأمة من سيدها لحسيدها لأنه سبب لعتقها فهي بنتها فبالأولى ابنها قال الحلبي وفي رواية ربها وفي رواية بعلها أي تلد مثل سيدها ومالكها ومتصرفها أراد به كثرة السبي والسراري في أوقات السعة أو في أزمنة الفتنة أو كناية عن كثرة العقوق وقلة تأدية الحقوق (وأنّ قريشا) أي وأخبر بأن كفار قريش بالخصوص (والأحزاب) أي وسائر طوائف الكفار (لا يغزونه أبدا) ولعله بعد غزوة الخندق فعن سليمان ابن صرد أنه ﵊ قال حين أجلى الأحزاب عنه الآن نغزوهم ولا يغزوننا نحن نسير إليهم (وأنّه) أي النبي ﵊ (هو يغزوهم) أي يبدؤوهم بالمحاربة كما وقع له ولأصحابه بفتح مكة وأما قوله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم فتحها لا تغزى قريش بعده أي لا يكفرون فيغزون وقوله في رواية أخرى لا تغزى هذه بعد اليوم إلى يوم القيامة أي لا تعود مكة دار كفر يغزى عليه وأما ما قيل من أن المعنى لا يغزوها كفار أبدا فإن المسلمين قد غزوها مرات فيرده قصة القرامطة وكذا حديث يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة يقلعها حجرا حجرا، (وأخبر بالموتان) بضم الميم وتفتح أي بالوباء (الذي يكون بعد فتح بيت المقدس) كما رواه البخاري عن عوف بن مالك قال أتيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم فقال اعدد ستا بين يدي الساعة موتى ثم فتح بيت المقدس ثم موتان يأخذ فيكم كقصاص الغنم العقاص بضم القاف داء يأخذ الغنم لا يلبثها حتى تموت من وقتها ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا ثم فتنة لا يبقى من العرب حي إلا دخلته ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية أي راية تحت كل غاية اثنا عشر ألفا انتهى وكان هذا الموتان في خلافة عمر بعمواس من قرى بيت المقدس وبها كان عسكره وهو أول طاعون وقع في الإسلام مات به سبعون ألفا في ثلاثة أيام وبنو الأصفر هم الروم لأن جدهم المنسوبون إليه كان أصفر وهو روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵉، (وما وعد من سكنى البصرة) بفتح الموحدة وحكي ضمها إلا أنه لا يجوز في النسبة اتفاقا فقد روى أبو داود عن أنس أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال له يا أنس إن الناس يمصرون امصارا منها يقال لها البصرة فإن مررت بها أو دخلتها فإياك وسباخها وكلاءها بتشديد اللام أي ساحلها وسوقها وباب أمرائها وعليك بضواحيها أي نواحيها الظاهرة بها فإنه يكون خسف وقذف ورجف وقوم يبيتون ويصبحون قردة وخنازير ولعل هذه الامور وردت معنوية
[ ١ / ٦٩٧ ]
أو ترد بعد ذلك صورية هذا وقد بنى البصرة عتبة بن غزوان في خلافة عمر سنة سبع عشرة وسكنها الناس سنة ثماني عشرة لم يعبد الصنم قط على أرضها (وَأَنَّهُمْ يَغْزُونَ فِي الْبَحْرِ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ) كما في الصحيحين بلفظ كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يدخل على أم حرام بنت ملحان من خالات النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من الرضاع وكانت تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها يوما فأطعمته ثم جلست تفلي رأسه فنام ثم استيقظ يضحك فقالت مم تضحك قال ناس من أمتي عرضوا على غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر أي وسطه ومعظمه وقيل ظهره ملوكا على الأسرة أو كالملوك على الأسرة فقالت ادع الله تعالى أن يجعلني منهم فدعاهم ثم نام ثم استيقظ يضحك فقالت مم تضحك فقال كالأول فقالت ادع الله تعالى أن يجعلني منهم فقال أنت من الأولين فركبت البحر في زمن معاوية فصرعت عن دابتها بعد خروجها منه فهلكت والأسرة جمع سرير وهو بساط الملك، (وأنّ) أي وأخبر بأن (الإيمان لو كان منوطا) أي معلقا (بالثّريّا لناله رجال من أبناء فارس) وهم المشهورون الآن باسم العجم ولفظ الشيخين عن أبي هريرة كنا كنا عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذ نزلت سورة الجمعة فلما نزلت وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قالوا من هم يا رسول الله فوضع يده على سلمان الفارسي ثم قال لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء وجمع اسم الإشارة مع أن المشار إليه واحد لإرادة الجنس ولو هنا لمجرد الفرض والتقدير مبالغة لحدة فطنتهم وقوة فطرتهم وأراد بآخرين التابعين اللاحقين بالصحابة السابقين وأعلاهم في هذا المقام الافخم هو الإمام الأعظم والله تعالى أعلم (وهاجت ريح) أي هبت بشدة (في غزاته) أي على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وغزاته في بعض غزواته وهي غزوة تبوك من أرض الشام على ما ذكره الدلجي أو غزوة بني المصطلق كما قرره الحلبي وهو أولى بالاعتماد، (فقال) أي النبي ﵊ (هَاجَتْ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وجدوا ذلك) أي موت المنافق على وفاق ما أخبره هنالك وهذا المنافق هو رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بني قينقاع وكان من عظماء اليهود وكهناء المنافقين كذا قاله أبو إسحاق على ما ذكره الحلبي (وقال) أي النبي ﵊ كما رواه الطبراني عن رافع بن خديج (لقوم من جلسائه) وهم أبو هريرة الدوسي وفرات بن حبات العجلي والرجال بن عنقوة اليمامي وهو المراد من قوله (ضرس أحدكم) أي واحد منكم لا كل واحد منكم (في النّار أعظم من أحد) أي هيئة وصورة في هذا تلويح بأن يموت أحدهم كافرا الحديث ضرس الكافر في النار مثل أحد رواه مسلم وغيره (قال أبو هريرة فذهب القوم يعني) أي يريد بقوله ذهبوا. (ماتوا وبقيت أنا ورجل فقتل) أي ذلك الرجل (مرتدّا يوم اليمامة) ناحية شرقي الحجاز معروفة؛ (وأعلم) أي أخبر صلى الله تعالى عليه وسلم كما رواه أبو داود والنسائي عن زيد بن خالد الجهني (بالذي غلّ) أي خان فأخذ من الغنيمة قبل القسمة (خرزا من خرز يهود) بفتح الخاء المعجمة والراء
[ ١ / ٦٩٨ ]
فزاء وهي الجواهر وما ينتظم من نحوها والمراد بها هنا فصوص من الحجارة (فوجدت) أي تلك الخرز (في رحله) أي بعد موته فعن زيد بن خالد الجهني قال توفي رجل يوم خيبر فذكروا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال إن صاحبكم قد غل في سبيل الله قال ففتحنا متاعه فوجدنا خرزات من خرزات يهود ما تساوي درهمين، (وبالذي) أي واعلم صلى الله تعالى عليه وسلم كما رواه الشيخان عن أبي هريرة بالذي (غلّ الشّملة. وحيث هي) أي وبالمكان الذي هي فيه وهي كساء يشتمل به الرجل ولفظهما أهدى رجل لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غلاما اسمه مدعم فبينما هو يحط رحلا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جاء سهم عائر أي لا يدري راميه فقتله فقالوا هنيئا له الجنة فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم قبل القسمة لتشتعل عليه نارا ذكره الدلجي وقال الحلبي الذي غل الشملة هذا كركرة قال النووي يقال بكسر الكافين وبفتحهما جعله في المبهمات وكذا هو في سنن ابن ماجة في الجهاد (وناقته) ضبط بالرفع في النسخ ولعل التقدير وكذا ناقته أي قضيتها أو وحيث هي وناقته كما في اصل التلمساني والظاهر جرها أي واعلم صلى الله تعالى عليه وسلم كما رواه البيهقي بناقته ومكانها (حين ضلّت) أي ضاعت وفقدت (وكيف تعلّقت بالشّجرة بخطامها) أي برسنها أو زمامها وذلك أنه صلى الله تعالى عليه وسلم حين قفل من غزوة بني المصطلق أخذتهم ريح كادت أن تدفن الراكب وهي التي أخبر أنها هاجت لموت منافق وضلت ناقته ﵊ في تلك الليلة فقال رجل من المنافقين كيف يزعم أنه يعلم الغيب ولا يعلم مكان ناقته إلا يخبره الذي يأتيه بالوحي فأتاه جبريل ﵇ وأخبره بقول المنافق وبمكان الناقة وأخبر صلى الله تعالى عليه وسلم أصحابه بها وقال ما أزعم أني أعلم الغيب ولكن الله أخبرني بقول المنافق وبمكان ناقتي وهي في الشعب وقد تعلق زمامها بشجرة فخرجوا يسعون قبل الشعب فوجدوها حيث قال وكما وصف فجاؤوا بها وآمن ذلك المنافق (وبشأن كتاب حاطب) بكسر الطاء وهو ابن أبي بلتعة وكان مكتوبه بالخفية (إلى أهل مكّة) وهم سهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أبي لهيعة من مسلمة الفتح أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله عليكم فإنه منجز له ما وعده وقيل كتب أن محمدا قد نفر فإما إليكم وإما إلى غيركم فعليكم الحذر ذكرهما السهيلي ولا منع من الجمع فتدبر ومن فضائل حاطب على ما في نظم الدر أنه ﵊ حين بعثه إلى المقوقس قال له إن كان صاحبك نبيا فلم لم يدع على قومه حين أخرجوه من بلده فقال له حاطب منعه الذي منع عيسى من الدعاء على من رام صلبه فأسكته بذلك وأخجله هنالك (وبقضية عمير) وفي نسخة بقضية عمير وهو بالتصغير ابن وهب بن خلف (مع صفوان) أي ابن أمية بن خلف (حين سارّه) بتشديد الراء أي خافته صفوان بقتله صلى الله تعالى عليه وسلم (وشارطه) أي
[ ١ / ٦٩٩ ]
جعل له جعلا (على قتل النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي فخاب سعيهما وضاع كيدهما (فلمّا جاء عمير النّبيّ) وفي نسخة إلى النبي (صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاصِدًا لِقَتْلِهِ وَأَطْلَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم على الأمر) أي الذي جاء بصدده، (والسّرّ) أي المخفي عن غيره (أسلم) أي عمير وكذا أسلم صفوان بعد حنين ذكره الحلبي والحديث رواه ابن إسحاق والبيهقي والطبراني؛ (وَأَخْبَرَ بِالْمَالِ الَّذِي تَرَكَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ ﵁ عند أمّ الفضل) أي زوجته وهي لبابة بنت الحارث أول امرأة أسلمت بعد خديجة وقيل بل هي فاطمة بنت الخطاب وفي نسخة أم الفضيل بالتصغير وهو غلط محض بل لم يعلم في الصحابيات من يقال لها أم الفضيل بالتصغير وكان ذلك (بعد أن كتمه) أي العباس ذلك الخبر عن الغير، (فقال) أي العباس (ما علمه غيري وغيرها) أي وما هذا إلا بإعلام الله سبحانه إياك (فأسلم) أي فصار سبب إسلامه بعد أن فدى نفسه فقيل له لم لم تسلم قبل الفداء ليبق لك ما افتديت به فقال لم أكن لا حرم المؤمنين مما طعموا من مالي أقول ولعله أخر إسلامه بعد أن تحقق حاله لئلا يظن به أنه إنما اسلم لئلا يدفع ماله والحديث رواه أحمد عن ابن عباس والحاكم وصححه والبيهقي عن الزهري وغيره مرسلا، (وأعلم أنّه) وفي نسخة بأنه أي النبي عليه السلم (سيقتل) أي بيده (أبيّ بن خلف) كما رواه البيهقي عن عروة وسعيد بن المسيب مرسلا وسبق أنه ﵇ جرحه بأحد في عنقه فمات بسرف (وفي عتبة) وفي نسخة عتيبة وهي الصواب كما تقدم (ابن أبي لهب) أي واعلم صلى الله تعالى عليه وسلم في شأنه أنه (يأكله كلب من كلاب الله) وفي نسخة يأكله كلب الله وأبعد الدلجي في تقديره هنا حيث قال وقال في عتبة لعدم دلالة عليه وللزوم كسر همزة أنه مع أن الرواية بالفتح. (وعن مصارع أهل بدر) أي واعلم كما في مسلم عن مواضع هلاك كفار قريش ممن قتل بها بقوله هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان (فكان كما قال) أي كما أخبره في الحال، (وقال) النبي ﵊ كما روى الشيخان وغيرهما من طرق (في الحسن) أي ابن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما (إنّ ابني هذا سيّد) أي كريم حليم (وسيصلح الله به بين فئتين) وفي رواية ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين أي جماعتين كثيرتين من أشياعه واتباع معاوية وقد بلغت كل فئة أربعين ألفا قال الحسن البصري فلما ولي ما أهريق بسببه محجمة دم وقال هشيم لما اسلم الأمر لمعاوية قال له معاوية قم فتكلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن أكيس الكيس التقي وإن أعجز العجر ألا وإن هذه الأمر الذي اختلف فيه أنا ومعاوية حق لامرئ كان أحق به مني أو حق لي تركته لمعاوية إرادة إصلاح المسلمين وحقن دمائهم وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين ثم استغفر ونزل وفي رواية خطب معاوية ثم قال قم يا حسن فكلم الناس فتشهد ثم قال أيها الناس إن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا وإن لهذا الأمر مدة والدنيا دول وأن الله قال لنبيه ﵊ قل إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ إِنَّهُ يَعْلَمُ
[ ١ / ٧٠٠ ]
الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين وفي شرح السنة قد خرج مصداق هذا الحديث في الحسن بترك الأمر حين صارت الخلافة إليه وكان أحق بها وأهلها فسلمها إلى معاوية وترك الملك والدنيا ورعا ورغبة فيما عند الله وإشفاقا على الأمة من الفتنة لا من القلة والذلة إذ كان معه يومئذ أربعون ألفا قد بايعوه على الموت فأصلح الله به بين الفرقتين أهل الشام فرقة معاوية وأهل العراق فرقة الحسن (ولسعد) أي وقال كما رواه الشيخان لسعد بن أبي وقاص في مرضه بمكة وقد قال له سعد اخلف عن أصحابي (لعلّك تخلّف) بفتح اللام المشددة أي يؤخر موتك (حتّى ينتفع بك أقوام) أي من الأبرار (ويستضرّ) وفي نسخة بصيغة المجهول أي ويتضر (بك آخرون) أي أقوام من الفجار زيد في رواية اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على اعقابهم لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إن مات بمكة وذلك لكراهتهم الموت بأرض هاجروا منها حذرا من ردهم على أعقابهم بموته فيها (وأخبر) أي فيما رواه الشيخان عن أنس (بقتل أهل مؤتة) بضم ميم فهمزة ساكنة ويبدل (يوم قتلوا) أي امراء غزوها فقال أخذ الراية زيد بن حارثة فأصيب ثم جعفر بن أبي طالب فأصيب ثم عبد الله بن رواحة فأصيب ثم خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح الله على يديه (وبينهم) أي والحال أن بينه ﵊ وبين أهل مؤتة وأمرائهم الكرام (مسيرة شهر أو أزيد) أي بل أكثر ويؤيده ما في نسخة بالواو فأو بمعنى الواو أو بمعنى بل ولعل الدلجي حمل أو على الشك من الراوي فقال بل اقل من شهر لأنها من أرض البلقاء آخر حوران الشام إلى جهة مدينة الإسلام (وبموت النّجاشي) بفتح النون ويكسر وتخفيف آخره ويشدد لقب لكل من ملك الحبشة واسم هذا اصحمة وكان ممن آمن وأخبر ﵊ بموته كما رواه الشيخان عن أبي هريرة (يوم مات) أي سنة تسع من الهجرة، (وهو بأرضه) وصلى عليه صلاة الغائب عن أصحابه وقد أحضرت جنازته لديه، (وأخبر فيروز) بكسر الفاء وتفتح وسكون الياء وبضم الراء غير منصرف للعجمة والعلمية أي وأخبره صلى الله تعالى عليه وسلم كما رواه البيهقي (حين ورد عليه) وفي نسخة إذ ورد عليه أي حين وفد على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (رسولا من كسرى) أي ملك فارس وهو وزيره (بموت كسرى ذلك اليوم) أي في يوم ورود فيروز أو في يوم موت كسرى (فلمّا حقّق فيروز القصّة) أي ما قصه عليه من موته في وقته (أسلم) ففاز فيروز فوزا عظيما (وأخبر أبا ذر) كما رواه أحمد (بتطريده) أي بإخراجه من المدينة إلى الربذة (كما كان) أي كما وقع في زمان عثمان بن عفان وفي أصل الدلجي فكان كما كان أي فكان إخباره بتطريده كما كان ثم لا ينافيه ما في دلائل النبوة للبيهقي من أن امرأته أم ذر قالت والله ما سيره عثمان إلى الربذة ولكن قال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا بلغ البناء سلعا فاخرج فلما بلغه وجاوز خرج أبو ذر إلى الشام وذكر رجوعه ثم خروجه إلى الربذة وموته بها إذ يمكن حمل كلامها على أن تسييره عثمان لم يكن قهرا
[ ١ / ٧٠١ ]
عليه إذ كان أمكنه أن يمتنع منه إلا أنه وافق حكمه أمره صلى الله تعالى عليه وسلم بخروجه اختيارا فاختار خروجه من غير أن يكون هناك إكراه واجبارا وإلا فالأمر بإخراجه محقق بلا شبهة لقوله (ووجده في المسجد) أي مسجد المدينة (نائما، فقال) أي النبي ﵊ (له) أي لأبي ذر (كيف بك إذا أخرجت منه) أي في هذا المسجد وما حواليه (قال أسكن المسجد الحرام) أي وما حوله من الحرم، (قال فإذا أخرجت منه الحديث) أي بطوله قيل كان أخرجه عثمان إلى الشام لأنه كان إذا مر به عثمان يقرأ قوله تعالى يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ ثم رضي عليه فرده إلى المدينة ثم أخرجه إلى الربذة هي قرية خربة فسكنها إلى أن مات (وبعيشه وحده وموته وحده) أي وأخبر أن أبا ذر يعيش وحيدا ويموت فريدا فكان كما أخبره ﵊ على ما رواه أحمد وابن راهويه وابن أبي أسامة والبيهقي واللفظ له قالت أم ذر لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت فقال وما يبكيك فقلت وما لي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض وليس عندي ما يسع كفنا لي ولا لك قال فأبشري ولا تبكي فإني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المسلمين وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية وجماعة فأنا ذلك الرجل فأبصري الطريق فبينما أنا وهو كذلك إذا أنا برجال على رحالهم كأنهم الرخم فألحفت بثوبي فأسرعوا حتى دخلوا عليه فقال لهم كما قال ثم قال أنتم تسمعون أنه لو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أو لامرأتي لكفنت فيه إني أنشدكم الله ثم أنشدكم الله أن لا يكفني رجل منكم كان أميرا عريفا أو بريدا أو نقيبا وليس منهم أحد إلا قارف ما قال إلا فتى من الأنصار قال أنا اكفنك يا عم في ردائي هذا وثوبين في عيبتي من غزل أمي قال فكفني فكفنه وقاموا فدفنوه وعن ابن مسعود قال لما خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى غزوة تبوك تخلف أبو ذر يتلوم بعيره فقالوا يا رسول الله تخلف أبو ذر فقال دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم قال فلما أبطأ عليه بعيره أخذ متاعه فحمله على ظهره ثم خرج ماشيا يتتبع أثر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في شدة الحر وحده فلما رآه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم دمعت عيناه وقال يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده فكان كذلك لما مات رضي الله تعالى عنه بالربذة لم يكن معه إلا امرأته وغلامه فلما غسلاه وكفناه وضعاه على قارعة الطريق ينتظران من يعين على دفنه إذ أقبل عبد الله بن مسعود في رهط من أهل العراق فلما رآهم الغلام قام إليهم وقال هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأعينونا على دفنه فنزل ابن مسعود وجعل يبكي رافعا صوته ويقول صدق رسول الله في قوله، (وأخبر أنّ أسرع أزواجه به لحوقا) أي وصولا إليه بعد موته (أطولهنّ يدا فكانت زينب) أي بنت جحش. (أسرعهن) لحوقا به (لطول يدها بالصّدقة) رواه مسلم ولفظه عن أم المؤمنين عائشة قالت قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أسرعكن لحوقا بي أطولكن
[ ١ / ٧٠٢ ]
يدا فكن يتطاولن أيتهن أطول يدا فكانت زينب أطولنا يدا لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق ورواه الشعبي مرسلا فقال قلن لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ايتنا أسرع لحوقا بك قال أطولكن يدا في الصدقة وللبخاري عن عائشة اجتمع زوجاته صلى الله تعالى عليه وسلم فقلن له ايتنا أسرع لحوقا بك قال أطولكن يدا فأخذنا قصة نذرعها وكانت سودة بنت زمعة أطولنا ذراعا فتوفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فكانت أسرعنا لحوقا به فعرفنا أن طول يدها في الصدقة وكانت تحب الصدقة قال الدلجي وهو مخالف لحديث مسلم والشعبي مع منافاة ما أفاده قولها إن طول يدها كان بالصدقة من أنه طول معنى لما أفاد قولها كانت أطولنا ذراعا من أنه طول حسا انتهى ولا منافاة لظنها أولا أن المراد بالطول هو الحسي فتبين لها بعدها أن المقصود هو الطول المعنوي كما هو المعتبر عند أرباب النظر مع ما في العبارة من حسن الإشارة إلى أن التلويح أبلغ من التصريح وأن في التعمية حسن التورية عند الفصيح ثم يمكن الجمع بين ما ورد في الصحيحين أن تكون إحداهما أسرع حقيقيا والأخرى إضافيا ولعل الاسرع منهما هي الأكثر منهما مبادرة إلى الصدقة وهذا مما الهمني الله من التحقيق والله ولي التوفيق ثم رأيت الحلبي قال زينب هذه بنت جحش توفيت سنة عشرين أو إحدى وعشرين لا زينب بنت خزيمة التي تدعى أم المساكين لأنها توفيت في آخر الربيع الأول على رأس تسعة وثلاثين شهرا من الهجرة (وأخبر بقتل الحسين) أي ابن علي رضي الله تعالى عنهما (بالطّفّ) بفتح الطاء وتشديد الفاء مكان بناحية الكوفة على شط نهر الفرات واشتهر الآن بكربلاء كأنه مركب من الكرب والبلاء وحذفت الباء الأولى تخفيفا والاكتفاء بحسب الإيماء واستشهد وهو ابن خمس خمسين سنة ووجد به ثلاث وثلاثون طعنة وثلاث وثلاثون ضربة وكان جميع من حضر معه من أهل بيته وشيعته سبعة وثمانين منهم علي بن الحسين الأكبر وكان يرتجز ويقول:
أنا علي بن الحسين بن علي نحن وبيت الله أولى بالنبي
تالله لا يحكم فيها ابن الدعي وقتل من ولد أخيه عبد الله بن الحسن والقاسم بن الحسن ومن أخواته العباس بن علي وعبيد الله بن علي وجعفر بن علي وعثمان بن علي ومحمد بن علي وهو أصغرهم ومن ولد جعفر بن أبي طالب محمد بن عبد الله بن جعفر وعون بن عبد الله بن جعفر ومن ولد عقيل ابن أبي طالب عبد الله بن عقيل وعبد الرحمن بن عقيل وعبد الله بن عقيل وقتل معه من الأنصار أربعة والباقي من سائر العرب ودفنوا بعد قتلهم بيوم وذكر أبو الربيع بن سبع في مناقب الحسين عن يعقوب بن سفيان قال كنت في ضيعتي فصلينا العتمة ثم جلسنا في البيت ونحن جماعة فذكروا الحسين بن علي فقال رجل ما من أحد أعان على قتل الحسين إلا أصابه عذاب قبل أن يموت وكان في البيت شيخ كبير فقال أنا ممن شهدها وما أصابني أمر
[ ١ / ٧٠٣ ]
أكرهه إلى ساعتي هذه فطفئ السراج فقام لإصلاحه ففارت النار فأخذته فجعل يبادر بنفسه إلى الفرات ينغمس فيه فأخذته النار حتى مات قلت بل جمع له بين الإحراق والإغراق (وأخرج بيده تربة) أي قبضة من التراب، (وقال فيها مضجعه) بفتح الميم والجيم ويكسر أي مقتله أو مدفنه رواه البيهقي من طرق ولفظ حديثه عن عائشة أن جبريل كان عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فدخل عليه الحسين فقال جبريل من هذا فقال ابني فقال ستقتله أمتك وإن شئت أخبرتك بالأرض التي يقتل فيها فأشار بيده إلى الطف من العراق فأخذ تربة حمراء فأراه إياها، (وقال) أي النبي ﵊ كما رواه ابن عدي والبيهقي (في زيد بن صوحان) بضم أول المهملتين اختلف في صحبته (يَسْبِقُهُ عُضْوٌ مِنْهُ إِلَى الْجَنَّةِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ في الجهاد) ولفظ البيهقي عن علي قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من سره أن ينظر إلى رجل يسبقه بعض أعضائه إلى الجنة فلينظر إلى زيد بن صوحان وفي إسناده هذيل بن بلال ضعفه البيهقي وفي الحديث إيماء إلى جواز تعلق الروح بالإجزاء من غير تمام الأعضاء كما حققه العلماء، (وقال) أي النبي ﵊ والتحية والثناء (في الذين كانوا معه) أي كما سبق ذكرهم من الشيخين وعثمان وغيرهم رضي الله تعالى عنهم (على حراء) أي وقد تحرك بهم كما مر في الانباء والمعنى قال في حقهم وعلو شأنهم مخاطبا للجبل (اثبت) أي مع الثابتين من الإعلام (فإنّما عليك نبيّ وصدّيق وشهيد) وفي نسخة بأو في الموضعين فهي للتنويع ولفظ مسلم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحرك فقال اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد زاد بعضهم سعدا مكان علي (فقتل عليّ وعمر وعثمان) كذا في النسخ ولعل تقديم علي لثبوت شهادته بصريح الخبر وفي أصل الدلجي فقتل عمر وعثمان وعلي (وطلحة والزّبير وطعن سعد) أي وجرح حصلت له الشهادة بسبب الجراحة وبشهادة الحديث وقال التلمساني أي أصابه طاعون وهو شهادة لكل مسلم انتهى لا كما قال الدلجي ولم تنله الشهادة كما لا يخفى على أهل الإفادة (وقال) أي النبي ﵊ كما رواه البيهقي (لسراقة) بضم السين وهو ابن مالك بن جعشم بضمتين (كيف بك) أي كيف حالك (إذا لبست سوارى كسرى) تثنية السوار بكسر السين وتضم وجمعه اسورة وجمع الجمع اساور وهو ما يلبس في اليد وفيه تنبيه على هلكه وزوال ماله وملكه مع كمال شوكته وقوته منتقلا إلى أصحابه صلى الله تعالى عليه وسلم وأئمة أمته (فلمّا أتي عمر بهما) أي جيء بسواريه (ألبسهما إيّاه) أي سراقة إظهارا لتحقيق ما صدر عنه صلى الله تعالى عليه وسلم إخبارا (وقال) أي عمر (الحمد لله الذي سلبهما كسرى) أي ملك العجم (وألبسهما سراقة) أي واحدا من بدو العرب ولعل في تقديم المفعول الثاني إيماء إلى الاهتمام بذكرهما وما يعقبه من شكرهما فاندفع اعتراض الدلجي ولو قال ألبسه إياهما لكان أولى، (وقال) أي النبي ﵊ كما رواه أبو نعيم في الدلائل عن جرير بن عبد الله والخطيب في تاريخه (تبنى) أي
[ ١ / ٧٠٤ ]
ستبنى (مدينة بين دجلة) بكسر الدال وتفتح نهر مشهور بالعراق (ودجيل) بالتصغير بالأهواز عليه مدن كثيرة مخرجه من أصفهان (وقطربل) بضم قاف وسكون مهملة فضم راء وموحدة فلام مشددة ممنوعا من الصرف موضع بالعراق (والصّراة) بمهملة مفتوحة نهر بالعراق وفي بعض الأصول بالهاء بدل الصاد ذكره الشمني قال الحلبي والهراة كذا في الأصل وهو بفتح الهاء بلد معروف وفي القاموس الهراة بلد بخراسان وقرية بفارس والنسبة هروي محركة (تجبى إليها) بضم التاء وسكون الجيم وفتح الموحدة أي تجمع وتجلب إلى تلك المدينة (خزائن الأرض) لأنها صارت دار الملك (يخسف بها) أي يستحق أن يخسف بها لكثرة ظلم أهلها ولأن بناءها أسس على شفا جرف هار (يعني) أي يريد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (بها) أي بتلك المدينة (بغداد) مر بيان لغاتها وقد بناها أبو جعفر الدوانيقي ثاني خلفاء بني العباس لكن قال أحمد بن حنبل لم يحدث به أي بحديث بغداد ثقة ومداره على عمار بن سيف وهو مغفل وقال الذهبي في ميزانه حديثه منكر؛ (وقال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْوَلِيدُ هُوَ شَرٌّ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ فِرْعَوْنَ لقومه) رواه أحمد ورواه البيهقي عن سعيد بن المسيب مرسلا وحسنه قال وولد لأخي أم سلمة من أمها غلام فسموه الوليد فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا تسموا باسماء فراعنتكم فسموه عبد الله فإنه سكون فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْوَلِيدُ بن عبد الملك ثم رأينا أنه ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك لفتنة الناس إذ خرجوا عليه لأمور اقترفها فقتلوه فانفتحت به الفتن على الأمة كذا ذكره الدلجي وقال الحديث في مسند أحمد من حديث سعيد بن المسيب عن عمر رضي الله تعالى عنه وسعيد اختلف في سماعه من عمر وقد ذهب أحمد إلى أنه سمع منه وقد ذكر هذا الحديث ابن الجوزي في موضوعاته من طريق أحمد ثم نقل عن ابن حبان أنه خبر باطل إلى آخر كلامه. (وقال) أي كما في الصحيحين (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْوَاهُمَا واحدة) وهي الإسلام أو الخلافة فوقع كما أخبر في حرب صفين فإن صفوان بن عمرو قال كان أهل الشام ستين ألفا فقتل منهم عشرون ألفا وأهل العراق مائة وعشرون ألفا فقتل منهم أربعون ألفا. (وقال) أي النبي ﵊ (لعمر) أي ابن الخطاب كما رواه البيهقي وشيخه الحاكم عن الحسن بن محمد مرسلا (في سهيل بن عمرو) أي في شأنه وقد قال له عمر يا رسول الله دعني أنزع ثنيته فلا تقوم خطيبا في قومه فقال دعها (عسى أن يقوم مقاما ما يسرّك يا عمر فكان) أي الأمر (كذلك) أي مثل ما أخبر عنه هنالك (فإنه قام بمكّة) أي عند الكعبة (مقام أبي بكر) أي في مرتبته وثبات حالته في المدينة (يوم بلغهم موت النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بتخفيف اللام أي وصلهم خبر موته صلى الله تعالى عليه وسلم (وخطب بنحو خطبته) أي بمثل خطبة الصديق في المدينة يومئذ (وثبّتهم) بتشديد الموحدة أي حملهم على الثبات في الدين (وقوّى بصائرهم) بتشديد الواو أي وصار سببا لتقوية كشف بصائرهم في اليقين فقال من كان محمد الهه فإن محمدا قد مات والله حي
[ ١ / ٧٠٥ ]
لا يموت وكانت خطبة أبي بكر من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت إلا أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه زاد عليه بإتيان الآيات البينة الدالة على موته صلى الله تعالى عليه وسلم لزيادة كماله في الرتبة قال البيهقي ثم لحق في أيام عمر بالشام مرابطا في سبيل الله حتى مات بها في طاعون عمواس، (وقال لخالد) أي ابن الوليد (حين وجّهه) بتشديد الجيم أي أرسله (لأكيدر) بالتصغير ملك كندة اختلف في إسلامه وصحبته (إنّك تجده يصيد البقر) أي بقر الوحش قال الخطيب كان نصرانيا ثم أسلم وقيل بل مات نصرانيا وجمع بينهما بأنه اسلم ثم ارتد قال ابن مندة وأبو نعيم الأصبهاني في كتابيهما معرفة الصحابة أن أكيدر هذا اسلم وأهدى للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم حلة سيراء فوهبها لعمر قال ابن الأثير إما الهدية والمصالحة فصحيحان وأما الإسلام فغلطا فيه فإنه لم يسلم بلا خلاف بين أهل السير وكان أكيدر نصرانيا فلما صالحه ﵊ عاد إلى حصنه وبقي فيه ثم إن خالدا حاصره زمن أبي بكر فقتله مشركا نصرانيا لنقض العهد قال وذكر البلادري أن أكيدر لما قدم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعاد إلى دومة بضم الدال ويقال دومة الجندل موضع بين مكة وبرك الغماد والحجاز والشام فلما توفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ارتد أكيدر ومنع ما قبله فلما سار خالد من العراق إلى الشام قتله. (فَوُجِدَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ كُلُّهَا فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ موته) أي وقعت هذه الأخبار المذكورة جميعها إلا أن منها ما وقع في حياته ومنها ما وقع أو سيقع بعد مماته (كما قال ﵊) أي على نهج ما أخبر به عنه في ذلك المقام من المعنى المرام (إلى) أي منضمة أو منتهية إِلَى (مَا أَخْبَرَ بِهِ جُلَسَاءَهُ مِنْ أَسْرَارِهِمْ) أي خفيات أفعالهم (وبواطنهم) أي مكنونات أحوالهم كقوله لرجل وصف له بالعبادة هل حدثت نفسك أنه ليس في القوم خير منك قال نعم وفي رواية ومواطنهم أي ومشاهدهم وفي أصل التلمساني ومواصلتهم أي مواصلة الناس من أهل الإسلام ونقل ما يصنعون إلى إخوانهم الكفرة (واطّلع عليه) أي وإلى ما انكشف عليه (من أسرار المنافقين) أي فيما بينهم (وكفرهم) أي من جهة تواطئهم كما ظهر منهم في غزوة تبوك وهم سائرون بين يديه انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات فأعلمهم به فقالوا لا ما كنا في شيء من أمرك بل كنا في شيء مما يخوض فيه الركب ليقصر بعضنا على بعض السفر فوبخهم الله وكذبهم بقوله تعالى قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (وقولهم فيه) أي ومن تكلمهم في حقه ﵊ (وفي المؤمنين) أي من أصحابه الكرام كما وقع لرئيس المنافقين عبد الله بن أبي حين قال لأصحابه وقد استقبله نفر من أصحاب النبي ﵊ انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم فأخذ بيد أبي بكر فقال مرحبا بسيد بني تميم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في الغار الباذل نفسه وماله لرسول الله ثم أخذ بيد عمر فقال مرحبا بسيد بني عدي الفارق في دين الله ثم أخذ بيد علي فقال مرحبا بابن عم رسول الله صلى الله تعالى عليه
[ ١ / ٧٠٦ ]
وسلم وخنتنه ثم افترقوا فقال لأصحابه كيف رأيتموني فعلت فأثنوا عليه فنزلت فيهم وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ الآيات (حتّى إن) مخففة (كان بعضهم) أي المنافقين (ليقول لصاحبه) أي رفيقه إذا طعن في الإسلام وأهله (اسكت) أي من نحو هذا الكلام (فو الله لو لم يكن عنده من يخبر) أي شيء من الأشياء (لأخبرته حجارة البطحاء) أي صغار الحصى كما وقع يوم فتح مكة حين دخل النبي ﵊ في البيت وأمر بلالا أن يؤذن فقال عتاب بن أسيد لقد أكرم الله أسيدا أنه لم يسمع هذا فقال الحارث بن هشام أما والله لو أعلم أنه حق لاتبعته وفي رواية أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا فقال أبو سفيان لا أقول شيئا تكلمت لأخبرته عني هذه الحصباء فلما خرج قال لهم لقد علمت الذي قلتم وأخبرهم فقال عتاب والحارث نشهد أنك رسول الله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك، (وإعلامه) أي ومن إخباره ﵊ كما في الصحيحين عن عائشة (بِصِفَةِ السِّحْرِ الَّذِي سَحَرَهُ بِهِ لَبِيدُ بْنُ الأعصم) أي من يهود (وكونه) أي من كون سحره (في مشط) بضم الميم وسكون المعجمة وتثلث وبضمهما ما يمشط به (ومشاقّة) وفي نسخة صحيحة ومشاطة وكلاهما بضم أولهما بمعنى وهو ما يسقط من الشعر عند امتشاطه (في جفّ طلع نحلة) بضم الجيم وتشديد الفاء أو وعائه في غشائه الذي يكون فوقه ويروى جب بالموحدة وهما بمعنى وهو داخلها وقوله (ذكر) بفتحتين صفة طلع أو نخلة على أن التاء للوحدة كالنملة وليس بفعل ماض معلوم أو مجهول كما يتوهم من أقوال الدلجي (وأنّه) أي السحر فيما ذكر (ألقي في بئر ذروان) بفتح الذال المعجمة وسكون الراء وهي بالمدينة بستان لبني زريق ويقال له بئر ذي أروان كذا في مسلم وكلاهما صحيح وما في مسلم أصح وادعى ابن قتيبة أنه الصحيح ذكره النووي وأما بالواو قبل الراء فموضع بين قديد والجحفة (فكان) أي فوقع الأمر (كما قال) أي من خبر السحر، (ووجد على تلك الصّفة) أي الهيئة من كونه في مشط ومشاطة، (وإعلامه) أي ومن إخباره (قريشا) كما رواه البيهقي عن الزهري (بأكل الأرضة) بفتح الهمزة والراء دويبة تأكل الخشب (ما في صحيفتهم التي تظاهروا) أي تعاونوا وتناصروا (بِهَا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَقَطَعُوا بِهَا رَحِمَهُمْ) أي قرابتهم ممن بينهم وبينهم نسب يجمعهم (وأنّها) أي وبأن الأرضة (أبقت فيها كلّ اسم لله) وقد روى ابن أبي الدنيا في سيرته مرسلا أنها لم تترك فيها اسما لله إلا لحسته وبقي فيها ما كان من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم وقد ذكر الروايتين أبو الفتح اليعمري في سيرته ولعل القضية متعددة أو وقع وهم لبعض في قلب الرواية والمذكور في الأصل هو الأنسب بالدراية فإن لله الأسماء الحسنى باقية على صفحات الدهر بالنعت الأسنى ثم رأيت الحلبي احتار أن كونها لحست اسم الله أقوى وإن كان فيه ابن لهيعة وهو مرسل والآخر ذكره ابن هشام انتهى ولا يخفى أن التعارض إذا وقع فيجمع مهما أمكن وإلا فيرجح
[ ١ / ٧٠٧ ]
وإلا فيحمل على التعدد إذا تصور بأن يقال علقت واحدة في الكعبة وأخرة عندهم والله تعالى اعلم (فوجدوها) أي الصحيفة (كما قال) أي من أكل بعض ما فيها وإبقاء باقيها (ووصفه) عطف على إعلامه أي ونعته ﵊ (لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ بَيْتَ الْمَقْدِسِ حِينَ كَذَّبُوهُ فِي خبر الإسراء) أي في صبيحة ليلة أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى منتهيا إلى السماء (ونعته إيّاه) أي بيت المقدس لهم على ما مر (نعت من عرفه) أي كنعت من عرفه حق معرفته (وإعلامهم) أي وإعلامه إياهم (بعيرهم) بكسر العين أي بقافلة إبلهم (التي مرّ عليها في طريقه) أي حين رجع من مسيره إلى مقام تحقيقه (وإنذارهم) أي أعلامهم (بوقت وصولها) وأن جملا أورق يقدمها في يوم كذا قبل أن تغيب الشمس في مغربها (فكان) أي فوقع ذلك (كلّه كما قال) أي كما أخبره صلى الله تعالى عليه وسلم (إلى ما) أي مع مَا (أَخْبَرَ بِهِ مِنَ الْحَوَادِثِ الَّتِي تَكُونُ) أي ستوجد ويأتي أمرها (ولم تأت بعد) بضم الدال أي ولم تقع عقب زمن إخباره بل ستأتي بعد أزمان متباعدة عن آثاره (منها) أي من الحوادث التي تكون (ما ظهرت مقدّماتها) بكسر الدال المشددة وتفتح وفي نسخة مقدماته (كقوله) أي فيما رواه أبو داود (عمران بيت المقدس) بضم العين أي كثرة عمارته باستيلاء الكفار على إمارته (خراب يثرب) أي سبب خراب المدينة المشرفة وضعف جماعته (وخراب يثرب خروج الملحمة) أي علامة ظهور الحرب والفتنة، (وخروج الملحمة فتح القسطنطينيّة) بضم القاف والطاء الأولى وتفتح وبكسر الطاء الثانية وبعدها ياء ساكنة فنون وتاء تأنيث كذا في النسخ المصححة وفي رواية السجزي بزيادة مشددة وهي دار ملك الروم ثم كل سابقة مما ذكر علامة مستعقبة للاحقة وفي حاشية الحجازي وقسطنطينية ويروى بلام التعريف وفيها ست لغات فتح الطاء الأولى وضمها مع تخفيف الياء الأخيرة ومع تشديدها ومع حذفها وحذف النون والقاف مضمومة بكل حال ثم اختلفوا هل افتتحت أم لا فقيل كان ذلك في زمن عمر أو عثمان وقيل لا بل إنما ستفتح مع قيام الدجال والله تعالى أعلم بالحال (ومن أشراط السّاعة) أي وإلى ما أخبر به من علاماتها المتقدمة كما في الصحيحين أن من اشراط الساعة أن يرفع العلم ويكثر الجهل والزنا وشرب الخمر وتقل الرجال وتكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم والواحد (وآيات حلولها) أي علاماته المؤذنة بوقوعها وحصولها لحديث مسلم لن تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوفات خسفا بالمشرق وخسفا بالمغرب وخسفا بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم (وذكر النّشر والحشر) أي ومن ذكره صلى الله تعالى عليه وسلم إياهما في أشراط الساعة فالمراد بهما ما يقع قبل القيامة من التفرقة والجمع كما حكى النووي عن العلماء من أن آخر أشراطها في الدنيا قبل النفخة الأولى نفخة الصعق أي الموت بدليل ذكره مع آيات حلولها ولقوله ﵊ ويحشر بقيتهم النار تبيت معهم وتقيل معهم كما في
[ ١ / ٧٠٨ ]
حديث مسلم يحشر الناس أي أحياء إلى الشام على ثلاث طرائق راغبين راهبين واثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير ويحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا وأما ما بعد بعثهم من القبور فعلى خلاف هذه الصفة من ركوب الإبل والتعاقب عليها بل هو على ما ورد من كونهم حفاة عراة غرلا كما بدأكم تعودون هذا ووقع في أصل الدلجي والنشر بعد الحشر وفسره بالبعث وهو إعادة ما افناه ولا يخفى أنه لا يناسب المقام مع أنه لغة غير مطابق للمرام فالصواب ما قدمناه في الأصل من النسخ المصححة المشيرة إلى أن الحشر بعد النشر في علامات الساعة بخلاف يوم القيامة فإن الحشر قبل النشر لأنه يجمع الخلق أولا ثم يفرق بينهم كما أخبر عنه ﷾ بقوله فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ، (وأخبار الأبرار) جمع بر أو بار أي وذكر أخبارهم بما يسرهم مجملا وتفصيلا لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم إخبارا عن الله ﷾ أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، (والفجّار) جمع فاجر من فاسق وكافر وأخبارهم أي بما يسوؤهم كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم إن التجار يوم القيامة يبعثون فجارا إلا من اتقى الله وصدق، (والجنّة، والنّار) أي ومن ذكرهما (وعرصات القيامة) أي وذكر مواقفها من الميزان والحوض والصراط وغيرها وكان الأنسب تأخير الجنة والنار عن عرصات القيامة هذا وإن أردت تفصيل ذلك في الجملة فعليك بكتاب شيخ مشايخنا جلال الدين السيوطي المسمى بالبدور السافرة في أحوال الآخرة.
(وبحسب هذا الفصل) بسكون السين والياء زائدة كما في قولهم بحسبك درهم أي حسبك والمعنى كفى هذا الفصل من كماله في الفضل (أن يكون ديوانا مفردا) أي دفترا منفردا (يشتمل على أجزاء وحده) أي متوحدا غير منضم إلى غيره (وَفِيمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ نُكَتِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذكرناها كفاية) أي غنية لمن له دراية (وأكثرها في الصّحيح) أي رواية (وعند الأئمّة) أي من كتب أصحاب السنة (والله ولي التوفيق) أي بالهداية في البداية والنهاية.
فصل [في عصمة الله تعالى له صلى الله تعالى عليه وسلم من الناس وكفايته من آذاه]
(في عصمة الله تعالى له) أي في وقايته وحمايته (من الناس وكفايته من آذاه) أي وكفاية الله إياه شر من آذاه ممن عاداه ويروى وكفاية من آذاه (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧]) أي يمنعك منهم ويكفيك عنهم (وَقَالَ تَعَالَى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [الطور: ٤٨]) أي بمرأى منا ومرعى في حفظنا وجمع العين مناسبة لضميرها أو مبالغة في تعبيرها (وقال: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦]) وفي إنكار النفي مبالغة في إثبات الكفاية (قيل بكاف محمّدا صلى الله تعالى عليه وسلم أعداءه المشركين) فالمراد بعبده الفرد الأكمل أو المعهود الأفضل ويؤيده أن المشركين كانوا يقولون له إنا نخاف أن يعتريك آلهتنا بسوء لتعييبك إياها وقد روي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى العزى ليكسرها فقال له
[ ١ / ٧٠٩ ]
سادنها إني أحذركها يا خالد إن لها شدة لا يقوم لها شيء فعمد إليها خالد فهشم انفها فنزل أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ أي مما لا يقدر على نفع وضر في نفسه (وقيل) أي في معنى الآية (غير هذا) أي القول بقصر الكفاية على محمد بل كافيه ولا كافي غيره فتكون الإضافة للجنس ويؤيده قراءة حمزة والكسائي أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ بصيغة الجمع (وَقَالَ: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الْحِجْرِ: ٩٥] وَقَالَ: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال: ٣٠] الآية) وقد سبق معناهما وما يتعلق بمبناهما وقد قال الله تعالى أيضا فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أي بالأقوال والأحوال. ([أخبرنا القاضي الشّهيد أبو عليّ الصّدفيّ) بفتحتين وهو ابن سكرة (بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ وَالْفَقِيهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بن عبد الله المعافريّ) بفتح الميم وتضم وكسر الفاء هو الاشبيلي وهو المعروف بابن العربي سمع نصر بن إبراهيم المقدسي وطبقته وروى عنه جماعة توفي بفاس سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة وهو على دابته بباب فاس وقد كان سقي سما فمات شهيدا مظلوما (قالا) أي كلاهما (حدّثنا أبو الحسين) بالتصغير وهو الصواب (الصّيرفيّ) وهو المبارك بن عبد الجبار (قال حدّثنا أبو يعلى البغداديّ) وهو المعروف بابن زوج الحرة (حدّثنا أبو عليّ السّنجيّ) بكسر السين والجيم بينهما نون ساكنة (حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَرْوَزِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى الحافظ) أي الترمذي كما في نسخة وهو صاحب الجامع (حدّثنا عبد بن حميد) بالتصغير وتقدم أن هذا من غير إضافة (ثنا مسلم بن إبراهيم) أي الأزدي سمع ابن المبارك وغيره روي عنه البخاري وأبو داود والدارمي (ثنا الحارث بن عبيد) هو أبو قدامة الأيادي البصري روى عن ثابت الجوني أخرج له مسلم واستشهد به البخاري (عن سعيد الجريريّ) بضم الجيم وفتح الراء روى عن أبي الطفيل ويزيد بن الشخير وعنه شعبة ويزيد بن هارون (عن عبد الله بن شقيق) هو العقيلي البصري يروي عن عمر وأبي ذر والكبار وعنه قتادة وأيوب قال أحمد ثقة تحمل عن علي رضي الله تعالى عنه (عن عائشة) قال الحلبي أخرجه الترمذي في التفسير عن الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ عبد الله بن شقيق قال ولم يذكروا عائشة (قالت كان النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يحرس) بصيغة المجهول أي يحفظ من الأعداء (حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧]) أي يحرسك من قتلهم إياك (فأخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رأسه من القبّة) هي بيت صغير من الخيام مستدير من بيوت العرب (فقال لهم يا أيّها النّاس انصرفوا) إلى رحالكم وكونوا على حالكم (فقد عصمني ربّي ﷿) أي فقد تكفل بعصمتي ومحافظتي من كيد أعدائي من غير واسطة لي (وروي أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا اخْتَارَ له أصحابه شجرة يقيل) بفتح الياء وكسر القاف أي يستريح (تحتها) من القيلولة وهي نوم نصف النهار ومنه قوله تعالى أَوْ هُمْ قائِلُونَ ومنه شعر الهاتف بمكة في حديث الهجرة إلى المدينة:
جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين قالا خيمتي أم معبد
[ ١ / ٧١٠ ]
أي نزلا فيها عند القائلة وهي وقت الاستراحة من الظهيرة (فأتاه أعرابيّ) أي بدوي (فاخترط سيفه) أي سله من غمده ومرجع الضمير إما هو ﵇ وإما الأعرابي (ثُمَّ قَالَ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي فَقَالَ اللَّهُ) أي الله يمنعني منك (فرعدت) وفي نسخة صحيحة فرعدت بالبناء للمفعول فيهما وفي نسخة فارتعدت ويروى فذعرت بذال معجمة من الذعر وهو الفزع لكن لا يلائم إسناده إلى قوله (يد الأعرابيّ) أي إصابته رعدة وحركة مضطربة من الخوف (وسقط سيفه) في أصل الدلجي وسقط السيف من يده (وضرب برأسه الشّجرة حتّى سال دماغه) أي دما ونحوه (فنزلت الآية) أي آية وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ وما رواه من الزيادة فغير معروف عند أرباب الدراية، (وقد رويت هذه القصّة) أي مثلها (في الصّحيح) أي للبخاري وغيره (وأنّ غورث بن الحارث) فوعل آخره مثلثة ويهمل أوله ويعجم مكبرا ومصغرا كما في الرواية الأخرى وتقدم أنه اسلم وصحب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وروي أنه دعثور فعلول كبهلول وعينه مهملة ذكره التلمساني (صَاحِبُ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَفَا عَنْهُ فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ وَقَدْ حكيت) في نسخة وهي الأولى وقد حكي (مثل هذه الحكاية أنّها) وفي نسخة وَأَنَّهَا (جَرَتْ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدِ انْفَرَدَ من أصحابه) جملة حالية (لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ فَتَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَذَكَرَ) بصيغة المجهول والمعلوم (مثله) أي مثل قوله من يمنعك أو مثل ما حكي من أنه اخترط سيفه الخ فرده الله خاسئا (وقد روي) أي كما في سيرة ابن إسحاق الكبرى موصولا عن جابر بن عبد الله (أنّه وقع له) أي للنبي ﵊ (مثلها في غزوة غطفان) بفتحتين قبيلة (بذي أمر) بفتحتين موضع معروف من ديارهم ويقال لها غزوة نجد أيضا وولي المدينة حينئذ عبد الله ابن أم مكتوم استعمله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عليها حين خرج إليها محاربا لهم (مع رجل اسمه دعثور) بالضم (ابن الحارث) أي الغطفاني والظاهر أن الخبرين واحد ويؤيده قول الذهبي في تجريده الأشبه أنه غورث بن الحارث وقال الحجازي ويروى غويرث (وأنّ الرّجل) أي المشار إليه (أَسْلَمَ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ الَّذِينَ أَغْرَوْهُ) من الإغراء أي الزموه وحثوه على فعله هذا وفي نسخة أغووه أي أضلوه (وكان) أي الرجل (سيّدهم) أي رئيسهم (وأشجعهم) جملة معترضة (قالوا له أين ما كنت تقول) أي من دعوى القدرة وإظهار الشجاعة (وقد أمكنك) أي والحال أنك قد تمكنت من الفتك فيه (فَقَالَ إِنِّي نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ أَبْيَضَ طَوِيلٍ دفع في صدري فوقعت لظهري) وفي نسخة إلى ظهري (وسقط السّيف) أي من يدي (فعرفت أنّه ملك وأسلمت؛ قيل وفيه نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ [المائدة: ١١]) أي قصدوا أن يمدوها فتكا وأهلاكا (فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ) أي فمنعها الله أن تمد إليكم (الآية) تمامها وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ وفي رواية أن المشركين رأوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه بعسفان قد صلوا الظهر جميعا فندموا أن لا كانوا أكبوا عليه وهموا أن
[ ١ / ٧١١ ]
يوقعوا بهم فعلا إذ قاموا إلى صلاة العصر فنزلت صلاة الخوف وقيل أتى صلى الله تعالى عليه وسلم بني قريظة ومعه الخلفاء الأربعة يستقرضهم دية مؤمنين قتلهما عمرو بن أمية خطأ ظنهما كافرين فقالوا نعم يا أبا القاسم اجلس نطعمك ونقرضك فجلس في صفة فهموا بقتله فعمد عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله يده فأخبره جبريل فخرجوا من عندهم سالمين. (وَفِي رِوَايَةِ الْخَطَّابِيِّ أَنَّ غَوْرَثَ بْنَ الْحَارِثِ) وفي نسخة غويرث مصغرا واختاره الحلبي وتبعه الحجازي وروى الخطابي أن غورث أو غويرث بن الحارث المحاربي على الشك أهو بالغين المهملة والمعجمة ولم يشك في التصغير والمشهور ما ذكره الحافظ المزي أن غورث بالمعجمة غير مصغر كما أورده المصنف فيما تقدم والله ﷾ اعلم (المحاربيّ) بضم الميم وكسر الراء والموحدة (أراد أن يفتك) بكسر التاء الفوقية وتضم وحكي الفتح أيضا أي يأخذ على غرة وغفلة باطشا (بالنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بقتله فجأة (فلم يشعر) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بِهِ (إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ مُنْتَضِيًا) بالضاد المعجمة والتحتية أي سالا (سَيْفَهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِ بِمَا شِئْتَ فَانْكَبَّ من وجهه) أي انقلب أو سقط ومن ابتدائية أو بمعنى على وفي أصل الدلجي فاكب لوجهه أي عليه (من زلّخة) بضم زاء وتشديد لام مفتوحة فخاء معجمة وقيل مشددة (زلّخها) بضم أوله وكسر ثانيه مخففة أي من أجل زلخة (بين كتفيه وندر) أي خرج وسقط (سيفه من يده والزّلّخة وجع الظّهر) أي بحيث لا يتحرك من شدته ويروى بتخفيف اللام من الزلخ وهو الزلق (وقيل في قصّته) أي قصة غورث (غير هذا) أي ما ذكر من نوع آخر وهو ما روي أنه أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو ﵇ متقلد بسيفه قال ابن هشام وكان محلى بفضة فقال يا محمد أرني سيفك فأعطاه إياه فجعل الرجل يهز السيف وينظر مرة إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ومرة إلى السقف فقال من يمنعك مني يا محمد قال الله فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فشام السيف ومضى فأنزل الله هذه الآية، (وذكر) بصيغة المجهول أي وذكر بعضهم وفي أصل الدلجي ذكر بصيغة الفاعل أي ذكر الخطابي (أنّ فيه) أي في غورث (نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ [الْمَائِدَةِ: ١١] الْآيَةَ) أي كما سبقت (وقيل كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يخاف قريشا) أي من أن يقتلوه أو يخذلوه (فلمّا نزلت هذه الآية) أي ونحوها من قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ وما اخترنا من الجمع بينهما أولى مما قال الدلجي أي هذه الآية أو وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ (استلقى) جواب لما أي رقد على قفاه أو كناية عن استراح من أذى من آذاه (ثمّ قال من شاء فليخذلني) أو من شاء فلينصرني فإن ربي لا يخذلني فالأمر للتهديد نحو قوله تعالى فمن شاء فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ أو المعنى فليخذلني أي فليقتلني فإنه لا يقدر على ذلك فالأمر للتعجيز. (وَذَكَرَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ كَانَتْ حَمَّالَةُ الحطب) وهي العوراء أخت أبي سفيان بن حرب زوجة أبي لهب عم النبي
[ ١ / ٧١٢ ]
صلى الله تعالى عليه وسلم وقيل بنت هشام أخت أبي جهل (تضع العضاة) بكسر العين وفي آخر الكلمة هاء وقفا ووصلا وهي أشجار عظام ذات شوك ولعل التقدير ترمى شوكها وقد تصحف على الحلبى حيث ضبط بفتح الغين والضاد المعجمتين وهو مخالف لما في الأصول المعتمدة والحواشي المعتبرة (وهي جمر) جملة حالية ولعل المراد تشبيه الشوك بالجمرة حال حدتها فإن الجمرة هي النار المتوقدة ثم اعلم أن بعضهم ذكر في معناه أنه شجر لجمره حرارة شديدة وقد قال أهل التفسير إنها كانت تضع الشوك ولذا سميت حمالة الحطب على أحد الأقوال ولعلها كانت تضع الشوك مرة والجمر أخرى أو كانت تجمع بينهما والله تعالى أعلم (على طريق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يمشي عليها (فكأنّما يطؤها كثيبا أهيل) بفتح فسكون فتحتية فلام وروي بميم وهما بمعنى أي رملا سائلا حيث لم يتضرر بها (وذكر ابن إسحاق عنها) أي عن حمالة الحطب ورواه أبو يعلى والبيهقي وابن أبي حاتم عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنهما (أنّها) أي حمالة الحطب (لَمَّا بَلَغَهَا نُزُولُ تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد: ١]) وزيد في نسخة وتب (وذكرها) أي وبلغ ذكر الله إياها (بِمَا ذَكَرَهَا اللَّهُ مَعَ زَوْجِهَا مِنَ الذَّمِّ) أي بقوله وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (أتت رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ أبو بكر وفي يدها فهر) بكسر الفاء وسكون الهاء بعدها راء حجر ملء الكف (فلمّا وقفت عليهما) أي قريبا من مكانهما (لم تر) جواب لما أي ما رأت (إلّا أبا بكر وأخذ الله ببصرها) أي صرفه وحجبه (عن نبيه ﵊ فَقَالَتْ يَا أَبَا بَكْرٍ أَيْنَ صَاحِبُكَ فَقَدْ بلغني أنّه يهجوني) أي يذمني (والله لو وجدته) أي حاضرا ولو صادفته (لضربت بهذا الفهرفاه) أي فمه فرجعت خائبة خاسئة، (وعن الحكم بن أبي العاص) والد مروان بن الحكم عم عثمان بن عفان اسلم يوم الفتح وقد روى أبو نعيم في الدلائل والطبراني بسند جيد عنه (قال تواعدنا) أي اجتمعنا وتمالأنا معشرا من الكفار (على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي على قتل النبي المختار واستمر هذا الإصرار (حتّى إذا رأيناه) أي في موضع (سمعنا صوتا خلفنا) أي صوتا عظيما من ورائنا (ما ظننّا أنّه بقي بتهامة) أي بأرضها والمراد بها هنا مكة (أحد) أي حيا هكذا في الأصول بقي ووقع في أصل الدلجي لم يبق فتكلف بل تعسف حيث قال الظن وإن لم به حرف النفي فليس بمنفي بل المنفي ظنا هو البقاء أي ظننا أنه لم يبق بتهامة أحد هذا وتهامة أولها من ذات عرق إلى البحر (فوقعنا) أي سقطنا (مغشيّا علينا) أي من فزع ما سمعنا وهول ما ظننا (فما أفقنا) أي ما انتبهنا (حتّى قضى صلاته) أي فرغ ﵊ منها (ورجع إلى أهله) أي مضى كما في نسخة (ثمّ تواعدنا ليلة أخرى فجئنا) أي قاصدين له (حتّى إذا رأيناه) أي خاليا في مكان (جاءت الصّفا والمروة) أي حضرتا أو تصور شيء بصورتهما (فحالت بيننا وبينه، وعن عمر تواعدت أنا وأبو جهم بن حذيفة) بالرفع هو عبد الله بن
[ ١ / ٧١٣ ]
حذيفة بن غانم العدوي اسلم عام الفتح وصحب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وكان مقدما في قريش معظما وكانت فيه وفي بنيه شدة وقد أدرك بنيان الكعبة حين بناها ابن الزبير فعمل فيها ثم قال قد عملت في الكعبة مرتين مرة في الجاهلية بقوة غلام يافع وفي الإسلام بقوة شيخ فان وهو صاحب الأنبجانية (ليلة) أي من الليالي حال غفلة (قتل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) بالنصب على نزع الخافض وهو علي كما في نسخة صحيحة (فجئنا منزله) أي لنتفحص حاله (فسمعنا له) أي صوتا وفي نسخة فتسمعنا له أي لصوته (فافتتح) أي ابتدأ القراءة (وقرأ الْحَاقَّةُ) أي الساعة الواجب وقوعها الثابت مجيئها ويحقق الأمور فيها وتعرف حقيتها مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة: ١- ٢]) خبر المبتدأ أي أي شيء هي فوضع المظهر موضع المضمر تفخيما لشأنها وتعظيما لهولها (إِلَى فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ [الْحَاقَّةِ: ٨]) أي ما ترى لهم من بقية أو بقاء أو نفس باقية وما بينهما من معلوم القرآن وتفسيره مما لا يحتاج إلى البيان (فَضَرَبَ أَبُو جَهْمٍ عَلَى عَضُدِ عُمَرَ وَقَالَ) عمر (انج) أمر من نجا ينجو (وفرّا) وفي نسخة ففرا أي ذهبا كلاهما (هاربين) أي شاردين وفيه مبالغة لا تخفى (فكانت) أي القضية وقال الدلجي أي المواعدة أو قراءة الحاقة (من مقدّمات إسلام عمر) أي مقتضياته وكذا من إسلام أبي جهم على ما تقدم (ومنه) أي ومن قبيل أخذ بصر الأعداء محافظة لسيد الأحباء (العبرة المشهورة) بكسر العين وهي ما يعتبر من القضية العامة (والكفاية التّامّة عند ما أخافته قريش) أي خوفوا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (وأجمعت) وفي نسخة واجمعت أي عزمت (على قتله وبيّتوه) بتشديد التحتية أي دبروه ليلة ليقتلوه غيلة على غرة وغفلة (فخرج عليهم من بيته) كما رواه ابن إسحاق والبيهقي عنه ﵊ (فقام على رؤوسهم وقد ضرب الله على أبصارهم) أي حجبها عن رؤيته (وذرّ التّرّاب) بذال معجمة فراء مشددة أي نثره وفرقه (على رؤوسهم) قال الحلبي وكانوا مائة وفي نسخة بتخفيف الراء فهمزة وهو تصحيف وتحريف (وخلص منهم) أي نجا وتخلص من غير أن يصيبه شيء وفي رواية أنه خرج من ظهر البيت طأطأت له جارية اسمها مارية خادمته ﵊ حتى تسور الجدار الذي للبيت من ظهره (وحمايته) أي ومنه حفظه بحجبه (عن رؤيتهم) أي له ولأبي بكر (في الغار) متعلق بأحد المصدرين وقال الدلجي حال والتقدير وهما في الغار وهو تكلف بل تعسف (بما هيّأ الله) أي قدره (له من الآيات) أي من خوارق العادات (ومن العنكبوت) عطف بيان لبعض ما قبله (الّذي نسج عليه) أي على باب الغار وهو غار ثور جبل يمنة مكة (حتّى قال أميّة بن خلف) وهو ممن مات كافرا (حين قالوا) أي أصحابه (ندخل الغار) بصيغة الاخبار على تقدير الاستفهام وروي أدخل فعل أمر أي رجاء أن يكون فيه مخفيا (ما أربكم فيه) بفتح الهمزة والراء وهو مقول أمية أي شيء حاجتكم الداعية لدخولكم في الغار (وعليه من نسج العنكبوت ما أرى) بضم الهمزة وفتحها أي شيء أظن (أنّه قبل أن يولد محمّد) أي كائن أو موجود على باب الغار وفي نسخة إن هو إلا من قبل
[ ١ / ٧١٤ ]
أن يولد محمد وفي نسخة ما رابكم بدل ما اربكم أي أي شيء أوقعكم في الريبة وشبه المظنة أنه في الغار والحال الخ (ووقفت) بالفاء وروي بالعين أي سقطت (حمامتان على فم الغار) وهو نقب في الكهف (فقالت قريش) أي كلهم أو بعضهم (لَوْ كَانَ فِيهِ أَحَدٌ لَمَا كَانَتْ هُنَاكَ الحمام) أي لكمال نفرته عن الأنام (وقصّته) أي ومن ذلك قصته ﵇ كما رواه الشيخان عن البراء (مع سراقة بن مالك بن جعشم) بضم جيم وشين معجمة (حين الهجرة) بكسر الهاء وقال التلمساني بفتح وبكسر (وقد جعلت قريش فيه) أي في حق النبي (وفي أبي بكر) أي في أخذهما (الجعائل) جمع جعيلة أو جعالة بالفتح وهي الأجرة على شيء فعلا أو قولا والجعل بالضم الاسم وبالفتح المصدر فتدبر وقد عين السهيلي ذلك فقال بذلت قريش مائة ناقة لمن يرد عليهم محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم (فأنذر به) على بناء المفعول أي فاعلم سراقة بتوجهه صلى الله تعالى عليه وسلم مهاجرا إلى المدينة (فركب فرسه واتّبعه) بتشديد الفوقية أي تبعه رجاء أن يلحقه (حتّى إذا قرب) بضم الراء أي دنا (منه دعا عليه النّبي صلى الله تعالى عليه وسلم) أي لما رأى عليه من آثار الشر وتوهم الضر (فساخت) بالخاء المعجمة أي غاصت وغابت في الأرض وانخسفت (قوائم فرسه فخرّ عنها) أي فسقط أو فنزل عنها (واستقسم بالأزلام) جمع زلم بفتحتين أو بضم ففتح وهي سهام لا ريش بها ولا نصل كان يكتب على أحدها أفعل وعلى الآخر لا تفعل وغيرها غفل وكان محلها داخل الكعبة عند السدنة كما في تفسير قوله تعالى وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ وكان بعضهم يضعها في متاعه أو جعبته فإذا عرض له مهم أخرج منها سهما فإن خرج له افعل فعل أو لا تفعل انفعل وان خرج الغفل أعاد العمل وقيل كان المكتوب على الواحد أمرني ربي وعلى الثاني نهاني ربي والثالث غفل لا شيء عليه وقيل إن الازلام حصى بيض كانوا يضربون بها لذلك والأول أعرف وأصل معنى استقم ضرب بها لإخراج ما قسم الله له من أمره ونهيه وطلب معرفة تمييزه بكونه ان خرج له ما يحب فعله أو خرج له ما يكره كف عنه وهذا كله بناء على زعمه (فخرج له ما يكره) أي من الفال وعلى كل فال مع هذا ما التفت عن تلك الحال (ثُمَّ رَكِبَ وَدَنَا حَتَّى سَمِعَ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم وهو) أي النبي (لا يلتفت) أي إليه أو مطلقا (وأبو بكر يلتفت) أي إلى سراقة أو إلى جوانبه أو إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (وقال للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أتينا) بصيغة المجهول أي لحقنا من طلبنا أو لحقونا أو أتانا البلاء وجاءنا العناء (فقال لا تحزن إنّ الله معنا) أي ناصرنا ومعيننا أو معية خاصة من قرب الرب إلينا وفيه إيماء إلى ما ورد من أن الله يتجلى للناس عامة ولأبي بكر خاصة. (فساخت) أي قوائم فرسه (ثانية) أي مرة أخرى (إلى ركبتيها وخرّ عنها فزجرها) أي صاح عليها ونهرها (فنهضت) أي فقامت ووثبت (ولقوائمها مثل الدخّان) بتخفيف الخاء وتشدد أي من آثار الغبار المرتفع (فناداهم) أي النبي والصديق وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر (بالأمان) أي بطلبه (فكتب له النّبيّ أمانا) أي أمر بكتابته لقوله (كتبه
[ ١ / ٧١٥ ]
ابن فهيرة) بضم الفاء وفتح الهاء وسكون الياء كان أسود وهو ممن عذب في الله قتل ببئر معونة والتمس ليدفن فلم يوجد فرأوا أن الملائكة دفنته وهو قديم الإسلام اسلم قبل أن يدخل ﵇ دار الأرقم بن أبي الأرقم ثم ما تقدم هو في الصحيح قال التلمساني اشتراه أبو بكر من الطفيل بن عبد الله بعد ما اسلم فأعتقه وكان يرعى الغنم في جبل ثور ثم يروح بها على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأبي بكر في الغار وكان رفيقهما إلى المدينة حين هاجرا وشهد بدرا وأحدا وقتله عامر بن الطفيل يوم بئر معونة يروى عنه أنه قال حين طعنت ابن فهيرة رأيت نورا خرج من الطعنة (وقيل أبو بكر) أي ونقل في السيرة أنه كتبه أبو بكر وجمع بأن عامرا كتبه أولا فلم يرض سراقة إلا بكتابة أبي بكر لسيادته المعروفة في قريش وأن عامرا مولاه قال الحلبي وكتابه ﵊ نيف وأربعون نفرا ومنهم الخلفاء الأربعة وأكثرهم ملازمة لكتابه ﵇ زيد بن ثابت ثم معاوية بن أبي سفيان بعد الفتح ذكر ذلك غير واحد من الحفاظ انتهى وقيل معاوية لم يكتب الوحي وإنما كتب غيره والله تعالى أعلم (وأخبرهم) أي سراقة (بالأخبار) أي أخبار الأغيار من كفار قريش وما جعلوه من الجعائل فيهما (وأمره النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أن لا يترك أحدا) أي ممن يلقاه من ورائه (يلحق بهم) بل يدفعه عن اتصاله إليهم ويلحق بالرفع وهو حال وفي نسخة بالنصب ووجهه إسقاط إن وابقاء عملها وهو قليل ومعناه هنا بعيد جدا (فانصرف) أي سراقة (يقول للنّاس) أي المقبلين لطلبهم (كفيتم) بصيغة المجهول (ما ههنا) أي ما يتصور وجوده في جهتها أو المعنى ليس أحد ممن تطلبونه ههنا وأغرب التلمساني في قوله أمنتم من خوفكم وعصمتم مما هنا (وقيل بل قال لهما) أي سراقة (أراكما دعوتما عليّ) أي بالمضرة (فادعوا لي) أي بالمنفعة (فنجا) أي بعد ما دعوا له (وَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ ظُهُورُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي فكان من مقدمات إسلامه (وفي خبر آخر) غير معروف عند أهل الأثر (أنّ راعيا عرف خبرهما) أي من أنهما توجها إلى صوب المدينة ونحوها (فخرج) أي من مكانه (يشتدّ) أي يعدو عدوا سريعا (يعلم) أي حال كونه يريد أن يعلم وفي نسخة ليعلم (قريشا) أي بأحوالهما (فلمّا ورد مكّة ضرب) بصيغة المفعول أي ضرب بعض حجبه (على قلبه) وحبس على خاطره (فما يدري ما يصنع) أي من كمال الذهول والغفلة والدهشة والوحشة (وأنسي ما خرج له) أي لأجله وفي نسخة إليه أي إلى حصوله (حَتَّى رَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ وَجَاءَهُ فِيمَا ذَكَرَ ابن إسحاق) في المغازي (وغيره) كأبي نعيم في الدلائل عن ابن عباس أنه أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (أبو جهل بصخرة وهو) أي والحال أنه ﵊ (ساجد وقريش ينظرون) أي إليه كما في نسخة (ليطرحها عليه) وحلف لئن رآه ليدمغنه (فلزقت) بكسر الزاء أي لصقت كما في رواية (بيده ويبست) بكسر الموحدة أي جفت (يداه إلى عنقه) أي مغلولتين إليه وممنوعتين من الحركة لديه في طرحها عليه (وأقبل يرجع) أي وشرع راجعا (القهقرى) بفتح القافين مقصورا هو الرجوع إلى الوراء فقوله (إلى
[ ١ / ٧١٦ ]
خلفه) تأكيدا لما قبله أو تجريد لمعناه من أصله (ثمّ سأله) أي أبو جهل (أن يدعو له ففعل) أي دعا له ولم يؤاخذه كرما وشفقة وحلما ولما كان بينهما قرابة ورحما مما يقتضي لطفا ورحما (فانطلقت يداه) أي عقب ما دعا الله تعالى (وكان) أي أبو جهل (قد تواعد مع قريش بذلك) أي بطرح صخرة عليه (وحلف) أي عندهم (لئن رآه) أي ساجدا كما في نسخة (ليدمغنّه) أي ليصيبن دماغه وليهلكنه (فسألوه عن شأنه) أي عن رجوعه بعد ظهور طغيانه (فذكر أنّه عرض لي) وفي نسخة له أي ظهر (دونه) أي بين يديه أو حواليه (فحل) أي من الإبل أو نحوه (ما رأيت مثله) أي عظمة وهيبة (قطّ) أي أبدا (همّ) وفي نسخة فهم (بي) أي قصدني (أن يأكلني فقال النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك جبريل) أي تمثل له بصورة الفحل (لو دنا) أي قرب مني (لأخذه) أي أخذ عزيز مقتدر، (وَذَكَرَ السَّمَرْقَنْدِيُّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي الْمُغِيرَةِ) وهو أبو جهل بن هشام بن المغيرة أو أحد أقاربه (أتى النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَقْتُلَهُ فَطَمَسَ اللَّهُ عَلَى بَصَرِهِ) أي محا قوة نظره (فلم يره) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما في نسخة (النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمِعَ قَوْلَهُ فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ) أي وهو أعمى (فلم يرهم حتّى نادوه) أي فعرف مكانهم ثم رآهم أو استمر على عماه (وذكر) أي السمرقندي (أنّ في هاتين القّصتين) أي قصة أبي جهل والنبي بعدها وروي القضيتين (نَزَلَتْ إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا [يس: ٨] الآيتين) وفي نسخة إلى قوله مُقْمَحُونَ والإقماح رفع الرأس وغض البصر وقد روى أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس بلفظ أن ناسا من قريش قاموا ليأخذوه فإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم وإذا هم عمى لا يبصرون فقالوا ننشدك الله والرحم فدعا حتى ذهب ذلك عنهم فنزلت يس إلى قوله لا يُؤْمِنُونَ، (ومن ذلك ما ذكره ابن إسحاق) أي وغيره كما في نسخة صححية كالكلبي في تفسيره (فِي قِصَّتِهِ إِذْ خَرَجَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ) وقال الحجا أي وغيره الذي ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل السير أن ذلك ما كان من بني النضير وهو سبب غزوهم لا من بني قريظة فإن سببهم غزوة الخندق ثم قريظة والنضير أخوان هما ابنا الخزرج من ذرية هارون أخي موسى ﵇ بالتصغير قال الحلبي والصواب أن يقول بني النضير كما في سيرة ابن سيد الناس (في أصحابه) وفي نسخة في نفر من أصحابه أي مع جماعة منهم الخلفاء الأربعة فيهم (فجلس إلى جدار بعض آطامهم) بمد الهمزة أي أبنيتهم المرتفعة كالحصون فتخافتوا بينهم أنكم لن تجدوه على مثل هذه الحالة من يعلو على مثل هذا الجدار ويرسل عليه ما يقتله فقال سلام بن مشكم لا تفعلوا فو الله ليخبرن بما هممتم به وأنه ينقض ما بيننا وبينه من العهد وأما نقض بني قريظة فسببه غزوة الخندق لأنهم ظاهروا قريشا على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ونقضوا العهد وسيأتي من عند السمرقندي أنه خرج إلى بني النضير فذكر القصة فهذه هي الصواب (فانبعث) أي فقام وأسرع أشقاهم (عمرو بن جحّاش) بفتح الجيم وتشديد الخاء أو بكسر وتخفيف والشين معجمة قتل كافرا (أحدهم) وفي نسخة منهم أي
[ ١ / ٧١٧ ]
أحد منهم (ليطرح عليه رحى) بالقصر ويمد (فقام النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بعد إخبار جبريل بذلك كما سيأتي (فانصرف إلى المدينة) أي وتبعه أصحابه (وأعلمهم) أي بعد إنصرافه أو قبله (بقصّتهم) أي تمالئهم على قتله (وقد قيل إنّ هذه الآية) وفي نسخة أن قوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ [الْمَائِدَةِ: ١١] الْآيَةَ) أي بتمامها (في هذه القصّة) أي قصة بني النضير (نزلت وحكى السّمرقنديّ أنّه) أي النبي ﵊ (خَرَجَ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُ فِي عَقْلِ الكلابيّين) أي في دية الاثنين من قبيلة بني كلاب بكسر أوله (اللّذين قتل) أي قتلهما كما في رواية (عمرو بن أميّة) أي الضمري وفي نسخة الكلابي الذي قتله عمرو بن أمية فالمراد به الجنس إذ صرح أبو الفتح اليعمري في السيرة أنهما من بني عامر وقتلهما عمرو على ظن أنهما كافران بعد قتل أصحابه ببئر معونة ورجوعه إلى المدينة عتيقا لعامر بن الطفيل العامري وذلك للجوار الذي كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عقده إذ كان بني نبي النضير وبني عامر وحلف على يده صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يعلم به عمرو بن أمية (فقال) أي له كما في نسخة صحيحة (حييّ) بالتصغير (ابن أخطب) بالخاء المعجمة وهو أعدى عدوه ﵇ (اجلس يا أبا القاسم حتّى نطعمك) أي نضيفك مع أصحابك (ونعطيك ما سألتنا) أي من الاستعانة في الدية (فجلس النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ وتوامر) بالواو والهمزة وهو أفصح أي تشاور (حييّ معهم) أي مع يهود (على قتله فأعلمه جبريل بذلك فقام) أي وحده (كأنّه يريد حاجته) أي قضاء حاجته واستمر على مشيته (حتّى دخل المدينة) فلما استلبث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أصحابه قاموا في طلبه ثم سار إليهم وحاصرهم ست ليال فتحصنوا بحصونهم فقطع نخيلهم وحرقها تنكيلا لهم ثم قال لهم اخرجوا ولكم ما حملت الإبل فنزلوا على ذلك وحملوا على ستمائة بعير فلحقوا بخيبر وهذه القصة بعينها هي الأولى وكان هذه عند القاضي قضية أخرى والله تعالى أعلم بما هو أولى وأحرى هذا وحيي هذا والد صفية أم المؤمنين يهودي قتل على كفره مع بني قريظة صبرا (وذكر أهل التّفسير الحديث) أي السابق المروي (عن أبي هريرة) وفي نسخة ومعنى الحديث عن أبي هريرة وفي أصل الدلجي وعن أبي هريرة والحديث في صحيح مسلم وسنن النسائي (أنّ أبا جهل وعد قريشا) أي وحلف عندهم وعهد (لئن رأى محمّدا يصلّي ليطأنّ رقبته) وفي نسخة على رقبته أي ليضعن رجله فوق رقبته صلى الله تعالى عليه وسلم واللام جواب قسم محذوف أي والله لا موطئة للقسم كما توهم الدلجي (فلمّا صلى الله تعالى عليه وسلم) أي تلبس بالصلاة (أعلموه) أي أخبروا أبا جهل (فأقبل) أي على قصد أذيته من وضع الرجل على رقبته (فلمّا قرب منه ولّى) أي أدبر (هاربا) أي فارا (ناكصا على عقبيه) أي راجعا إلى خلفه مخالفا لحلفه (متّقيا بيديه) أي متحفظا بهما لشيء ظهر عليه متوجها إليه (فسئل) أي عن سبب رجوعه واتقائه (فقال لمّا دنوت منه) أي قربت (أشرفت)
[ ١ / ٧١٨ ]
أي اطلعت (على خندق) أي واد أو حفير (مملوء نارا كدت) أي قاربت (أهوي) بكسر الواو أي أسقط (فيه وأبصرت هولا عظيما) أي أمرا شديدا يهول ويفزع (وخفق أجنحة) أي وأبصرت ضرب أجنحة وتحريكها (قد ملأت) أي الأجنحة لكثرتها (الأرض) أي جميعها (فقال صلى الله تعالى عليه وسلم تلك) أي أصحاب تلك الأجنحة (الملائكة) أي لا الطيور (لو دنا) أي أبو جهل مني حينئذ (لاختطفته) أي أخذته الملائكة سرعة (عضوا عضوا) أي بأن وقع كل عضو وجزء منه في يد ملك أو جمع منهم (ثمّ أنزل على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كَلَّا) أي حقا (إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ [العلق: ٦]) أي لأجل أن علم نفسه (استغنى) عن ربه (إلى آخر السّورة؛ ويروى) بصيغة المجهول وفي نسخة وروي والحديث لأبي نعيم في الدلائل (أن شيبة) وفي نسخة أن رجلا يعرف بشيبة (ابن عثمان الحجبيّ) بفتح الحاء والجيم منسوب إلى الحجبة جمع الحاجب بمعنى البواب فإنه كان من سدنة الكعبة المشرفة وفي نسخة الجمحي بالجيم المضمومة وفتح الميم فحاء وهي غلط كما صرح به الحلبي (أدركه) أي لحق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (يوم حنين) وهو واد بقرب ذي المجاز أو ماء بقرب الطائف من الحجاز (وكان حمزة قد قتل أباه وعمّه) جملة معترضة مشيرة إلى الباعث على القضية من أخذ الثأر كما في عادة الجاهلية (فقال) أي عثمان (اليوم أدرك ثأري) بمثلثة وهمزة ويجوز تخفيفها أي دم حميمي من أبي وعمي بانتقامي فيه (من محمّد) أي بأن أقتله بدل حمزة فإنه ابن أخيه وهذا يرد من قال إنه اسلم يوم الفتح ولعله أظهر إسلامه ولم يحقق مرامه ثم إن التلمساني ضبط الثار بالتاء المثناة الفوقية وهو تصحيف وتحريف (فلمّا اختلط النّاس) أي اشتغلوا فيما بينهم من الحرب (أتاه) أي عثمان (من خلفه ورفع سيفه ليصبّه عليه) أي فيقتله (فقال فلمّا دنوت منه ارتفع إليّ) أي لدي (شواظ) بضم أوله ويكسر أي لهب (مِنْ نَارٍ أَسْرَعُ مِنَ الْبَرْقِ فَوَلَّيْتُ هَارِبًا) أي حذرا منه (وأحسّ بي النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فدعاني) أي فجئته (فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي وَهُوَ أَبْغَضُ الْخَلْقِ إليّ) جملة حالية (فما رفعها) أي يده عني (إِلَّا وَهُوَ أَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ، وَقَالَ لِي ادن) أي أقرب إلى العدو (فقاتل فتقدّمت أمامه أضرب) أي الناس (بسيفي وأقيه بنفسي) أي وأحفظه بدفع الناس عنه ووقايته منهم بتفدية نفسي (ولو لقيت أبي) أي والدي فرضا (تلك السّاعة لأوقعت به) أي بأبي وقتلته (دونه) أي دون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مجاوزا عنه أو مدافعا منه واعلم أن في السيرة لأبي الفتح اليعمري عن ابن سعد أن طلحة بن أبي طلحة وهو كسر بن الكتيبة صاحب اللواء قتله علي ثم حمل اللواء عثمان بن أبي طلحة فحمل عليه حمزة فقطع يده وكتفه حتى انتهى إلى مؤتزره وبدا سحره أي رئته وفي التجريد والتهذيب للذهبي في ترجمة شيبة بن أبي طلحة أن عليا قتل أباه يوم أحد ذكره الحلبي ففي نسبة قتلهما إلى حمزة نوع مسامحة؛ (وعن فضالة بن عمرو) بفتح الفاء أي ابن الملوح الليثي وفي نسخة عمير بالتصغير عوض عمرو بالواو وهو الموافق لما ذكره الذهبي في الصحابة على ما حرره الحلبي
[ ١ / ٧١٩ ]
والحديث رواه ابن إسحاق وابن سيد الناس، (قال أردت قتل النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ قَالَ: أَفَضَالَةُ قُلْتُ نَعَمْ) وفي رواية زاد يا رسول الله؛ (قال ما) وفي رواية ماذا (كُنْتَ تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ قُلْتُ لَا شَيْءَ) وفي رواية زاد كنت أذكر الله تعالى؛ (فضحك واستغفر لي) أي قال غفر الله لك ما خطر ببالك أو أراد به استحقاق الغفران بتوفيق الإيمان وفي رواية فضحك النبي ثم قال استغفر الله (ووضع يده على صدري فسكن قلبي) أي واطمأن بمعرفة ربي، (فو الله ما رفعها) أي يده عن صدري (حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيَّ منه؛ ومن مشهور ذلك) أي ما ذكر من عصمة الله سبحانه له على ما رواه ابن إسحاق والبيهقي بلا سند وأبو نعيم في الدلائل مسندا إلى عروة (خبر عامر بن الطّفيل) أي ابن مالك العامري سيد بني عامر في الجاهلية كذا قال الذهبي في تجريد الصحابة وقال روى عنه أبو ذر بابة ذكره المستغفري وأجمع أهل النقل على أن عامرا مات كافرا وقد أخذته عدة وكان يقول غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية قال الحلبي ولا شك فيما قاله الذهبي في قصته لما في صحيح البخاري بنحو من اللفظ الذي ذكره (وأربد) بفتح فسكون ففتح (ابن قيس) هو أخو لبيد بن ربيعة لأمه ولبيد صحابي وكان أربد شاعرا أيضا بعث الله عليه صاعقة فأحرقته كافرا بالله ﷾ وفيه نزل قوله تعالى وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ الآية (حين وفدا على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي متفقين على قتله (وكان عامر قال له) أي لأربد (أنا أشغل عنك وجه محمّد) أي بالكلام معه (فاضربه أنت) أي من خلفه (فلم يره فعل شيئا) أي مما قاله (فلمّا كلّمه في ذلك) أي بالمعاتبة عن تقصيره هنالك (قال له والله ما هممت) أي ما عزمت (أَنْ أَضْرِبَهُ إِلَّا وَجَدْتُكَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَفَأَضْرِبُكَ) الهمزة الأولى استفهام انكاري والثانية للمتكلم وهو أربد والمخاطب هو عامر قال البرقي في غريب الموطأ وفد عامر وأربد على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فدعواه أن يجعل الأمر بعده إلى عامر ويدخلان في دينه فأبى ﵊ فقال له أكون على أهل الوبر وأنت على أهل المدر فأبى ﵊ فخرجا من عنده (ومن عصمته له تعالى له) وفي نسخة وفي عصمته له تعالى وهو خطأ فاحش (أنّ كثيرا من اليهود) أي من أحبارهم ورهبانهم (والكهنة) أي ممن يزعم أنه يخبر عن الكوائن المستقبلة (أنذروا به) اعلموا الناس بقرب نوره وخوفوهم بظهوره فإن الإنذار إعلام بتخويف (وعيّنوه لقريش) أي وبينوه لهم خصوصا من جهة نسبه وحسبه وعلامة ولادته وأمارة سيادته وسعادته (وأخبروهم بسطوته بهم) أي بغلبته عليهم وشوكته لديهم (وحضّوهم) أي حثوهم وحرضوهم (على قتله) أي قبل ظهور نصره (فعصمه الله تعالى) أي من كيد كل عدو مكره (حتّى بلغ) بتخفيف اللام أي وصل وتم (فيه أمره) وفي نسخة حتى بلغ عنه أمره بتشديد اللام ونصب أمره، (ومن ذلك نصره بالرّعب) بسكون العين ويضم أي بالخوف في قلب اعدائه (مسيرة شهر) أي من كل جانب له (كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم) أي كما
[ ١ / ٧٢٠ ]
فصل [ومن معجزاته الباهرة ما جمعه الله تعالى له من المعارف والعلوم]
(ومن معجزاته الباهرة) أي آياته الظاهرة (ما جمعه الله له من المعارف) أي الجزئية (والعلوم) أي الكلية والمدركات الظنية واليقينية أو الاسرار الباطنية والأنوار الظاهرية (وخصّه به) أي ما خصه بِهِ (مِنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى جَمِيعِ مَصَالِحِ الدُّنْيَا والدّين) أي ما يتم به إصلاح الأمور الدنيوية والأخروية واستشكل بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم وجد الأنصار يلقحون النخل فقال لو تركتموه فتركوه فلم يخرج شيئا أو أخرج شيصا فقال أنتم بامر دنياكم وأجيب بأنه إنما كان ظنا منه لا وحيا وقال الشيخ سيدي محمد السنوسي أراد أنه يحملهم على خرق العوائد في ذلك إلى باب التوكل وأما هنالك فلم يمتثلوا فقل أنتم أعرف بدنياكم ولو امتثلوا وتحملوا في سنة وسنتين لكفوا أمر هذه المحنة انتهى وهو في غاية من اللطافة (ومعرفته) بالرفع عطفا على ما والأقرب جره بالعطف على الاطلاع (بأمور شرائعه) أي أحكامه المتعلقة بالعبادات والمعاملات (وقوانين دينه) أي من القواعد الكلية المندرج تحتها الفروع الجزئية، (وسياسة عباده) أي الجامعة بين صلاح معاش الخلق ومعادهم (ومصالح أمّته) أي المتعلقة بأمر زادهم في حق عبادهم وزهادهم (وما) أي ومعرفته بما (كان في الأمم قبله) أي من أحوالهم وما جرى لهم من نجاة وهلاك في مآلهم (وقصص الأنبياء والرّسل) أي من دعاة الخلق إلى دين الحق (والجبا برة) أي من الكفرة والفجرة المتكبرة، (والقرون الماضية) أي الأزمنة الخالية (من لدن آدم) بضم الدال وسكون النون وبسكون الدال وكسر النون ويروى من زمن أي من ابتداء زمن آدم (إلى زمنه) أي زمن الخاتم سيد العالم صلى الله تعالى عليهما وسلم (وحفظ شرائعهم وكتبهم) أي مما قذفه الله في قلبه فروى قلبه عن ربه (ووعي سيرهم) بسكون العين أي وإحاطة أنواع سيرتهم وأصناف طريقتهم مع اتحاد جنس ملتهم (وسرد أنبائهم) أي وذكر أخبارهم متتابعا (وأيّام الله فيهم) أي وقائعه الكائنة فيهم من الهلاك والنجاة (وصفات أعيانهم) أي أفاضلهم كذا قاله التلمساني والأظهر أن المراد بهم جماعة معينة من المؤمنين كذي القرنين والخضر ولقمان ومن الكافرين كفرعون وقارون وهامان (واختلاف آرائهم) جمع رأي بمعنى أهوائهم كعبادة قوم إبراهيم الأوثان وقوم موسى العجل وقول النصارى بالأقانيم الثلاثة من العالم والحياة وروح القدس وتعبيرهم عنها بالأب والأم والابن (والمعرفة بمددهم) بضم الميم جمع مدة أي أيام مكثهم في الدنيا جملة (وأعمارهم) أي على اختلافها قلة وكثرة (وحكم حكمائهم) بكسر الحاء وفتح الكاف أي والمعرفة بما صدر من أنواع الحكمة عن أصناف حكمائهم (ومحاجّة كلّ أمّة) أي مجادلتهم ومغالبتهم (من الكفرة) أي بما يناسبهم في الدعوة كإبطال الأصنام بأن ليس لها منفعة ولا قدرة لها على مضرة وكمحاجة نصارى نجران في دعواهم أن عيسى ابن الله فدعاهم إلى المباهلة فأبوا وبذلوا له الجزية (ومعارضة كلّ فرقة من الكتابين) أي من أهل الكتابين وهما التوراة والإنجيل (بما
[ ١ / ٧٢١ ]
في كتبهم) كمعارضة يهود في دعواهم أن من زنى منهم محصنا عقوبته التحميم والتجبية أي يسود وجوههما ويحملان على دابة يخالف بين وجوههما بجعل ظهر أحدهما لظهر الآخر فقال صلى الله تعالى عليه وسلم أنشدكم بالله ما تجدون في التوراة على من زنى قال حبرهم إذ نشدتنا فعليه الرجم فأمر صلى الله تعالى عليه وسلم بهما فرجما عند باب مسجده في بني غنم بن مالك بن النجار (وإعلامهم بأسرارها) أي وإعلامه أهل الكتاب بأسرار كتبهم (ومخبّآت علومها) أي مخفيات أخبارهم وفي نسخة علومها (وإخبارهم) أي وأعلامه إياهم (بما كتموه من ذلك) كنعته صلى الله تعالى عليه وسلم في التوراة والإنجيل (وغيّروه) أي بذكر اضداده وبتصحيفه أو تحريفه لمبناه أو معناه (إلى الاحتواء) أي مع احتوائه واشتمال علومه في بنائه (على لغات العرب) أي مع كثرتها واختلاف مادتها وبنيتها وهيئتها في تأديتها من متداولاتها (وغريب الألفاظ فرقها) بكسر الفاء وفتح الراء أي غرائب معاني طوائف العرب من شواذها ونوادرها (والإحاطة بضروب فصاحتها) أي بأنواع فصاحتها في مفرداتها ومركباتها حيث خاطب كل فرقة بلغاتها كما مر في مخاطبته لإقيال حضر موت في محاوراتها، (والحفظ لأيّامها) أي وقائع العرب في الحرب في أوقاتها (وأمثالها) أي كلماتها التي يضربون المثل بها كقولهم الصيف ضيعت اللبن ونحوها ومنه قوله ﵊ حمى الوطيس أي اشتد حمى تنور الحرب (وحكمها) أي والحكميات الواردة في لسانها مع اللطافة في شأن بيانها وسلطان برهانها (ومعاني أشعارها) كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم اصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:
ألاكل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
وكإنشاده نحو قوله:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وأمثالها (والتّخصيص بجوامع كلمها) أي مما مبانيها يسيرة ومعانيها كثيرة وقد جمعت أربعين حديثا مما اشتمل كل على كلمتين فقط (إلى المعرفة) أي منضمة إلى المعرفة (بضرب الأمثال الصّحيحة) أي من الكلمات البديعة المشيرة إلى المرادات الصريحة، (والحكم البيّنة لتقريب التّفهيم للغامض) أي الخفي بالنسبة إلى الجاهل، (والتّبيين للمشكل) لكونه صلى الله تعالى عليه وسلم مبينا لما نزل (إلى) أي مع (تمهيد قواعد الشّرع) أي مما شرع لنا من طريقي الأصل والفرع (الذي لا تناقض فيه) أي فيما أرسل إلينا وفي نسخة فيها أي في قواعده لدينا (ولا تخاذل) أي ولا تعارض فيما أنزل علينا أي لا كثيرا ولا يسيرا كما قال الله تعالى وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا (مع اشتمال شريعته) أي المتضمنة لمكارم الأفعال (على محاسن الأخلاق) أي في طريقته (ومحامد الآداب) أي المورثة لمجامع الأحوال في حقيقته (وكلّ شيء مستحسن مفصّل) بالصاد أي مبين ومعين وفي نسخة
[ ١ / ٧٢٢ ]
بالمعجمة أي مفضل على غيره كما يشير إلى هذا المرام قوله ﵊ بعثت لأتمم مكارم الأخلاق (لم ينكر منه) أي من شرعه ولو هو (ملحد) أي جائر لكنه (ذو عقل سليم) أي وطبع قويم (شيئا) أي أصلا (إلّا من جهة الخذلان) وهو عدم توفيق العرفان فينكره من غير البرهان بل على جهة العدوان وطريق الطغيان (بل كلّ جاحد له) أي منكر لما ذكر (وَكَافِرٍ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ بِهِ إِذَا سَمِعَ مَا يدعو إليه صوّبه) أي فيما ظهر لديه (واستحسنه دون طلب إقامة برهان عليه) أي كما سبق من كلام المغيرة وأبي جهل وأبي طالب (ثمّ ما أحلّ لهم من الطّيّبات) أي مما حرم على غيرهم منها كلحم كل ذي ظفر وشحم البقرة (وحرّم عليهم من الخبائث) كالميتة والدم ولحم الخنزير مما أحل لغيرهم كالخمر (وصان) أي وما حفظ (به أنفسهم) أي دماءهم (وأعراضهم) بفتح الهمزة جمع عرض (وأموالهم من المعاقبات والحدود) أي المرتبة على أسبابها كالقصاص وحد القذف والسرقة (عاجلا) أي في الدنيا (والتّخويف) وفي أصل الدلجي والتحريق (بالنّار آجلا) أي في العقبى (مِمَّا لَا يَعْلَمُ عِلْمَهُ وَلَا يَقُومُ بِهِ) أي بعمل كله (ولا ببعضه إلّا من مارس الدّرس) أي من درس الكتب الالهية (والعكوف على الكتب) أي القيام والاطلاع على كتب العلماء الربانية (ومثافنة بعض هذا) بالمثلثة والفاء والنون أي متابعة بعض ما ذكر (إلى الاحتواء) أي مع اشتمال شريعته (على ضروب العلم وفنون المعارف كالطّيب) بكسر الطاء وتثلث (والعبارة) بكسر العين أي التعبير للرؤيا (والفرائض) أي المتعلقة بالارث (والحساب) أي كمية الأعداد (والنّسب) بفتحتين أي معرفة الأنساب (وغير ذلك من العلوم) أي أنواعها الآتي بعضها (مِمَّا اتَّخَذَ أَهْلُ هَذِهِ الْمَعَارِفِ كَلَامَهُ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم فيها) قال الدلجي أي في شريعته والظاهر في هذه المعارف (قدوة) بضم القاف وكسرها وتفتح أي مقتدى (وأصولا) أي قواعد كلية (في علمهم) أي في أساس علومهم (كقوله ﵊) على ما رواه ابن ماجة عن أنس (الرّؤيا لأوّل عابر) أي معبر ذي رأي ثاقب عالم بالعبارة على وجه الإشارة إذا أصاب وكان يحسن تعبيرها فإذا اعتبر شروطها وعبرها وقعت وكان ابن سرين يقول إني اعتبرت الحديث والمعنى أنه يعبرها به كما يعبرها بالقرآن فيعبر الغراب مثلا برجل فاسق والمرأة بالضلع أخذا من تسميته صلى الله تعالى عليه وسلم فاسقا وتسميتها ضلعا (وهي) أي الرؤيا (على رجل طائر) كما رواه أبو داود والترمذي وصححه أي قدر جار وقضاء ماض وحكم نافذ من خير أو شر أو نفع أو ضر وقال ابن قتيبة أراد أنها غير مستقرة يقال للشيء إذا لم يستقر هو على رجل طائر وعلى قرن ظبي وقال ابن الأثير هو من قولهم اقتسموا دارا فطار سهم فلان إلى ناحية كذا يعنى أن الرؤيا التي يعبرها المعبر الأول فكأنها سقطت ووقعت حيث عبرت كما يسقط الذي يكون على رجل الطائر بأدنى حركة انتهى والحاصل أن هذا تمثيل وتصوير لجعلها على قدر قدره الله تعالى لصاحبها بشيء متعلق برجل طائر يسقط بأدنى حركة فإذا عبرها أول عابر فكأنها كانت على رجله فسقطت وكل حركة جرت لك من شيء فهو طائر ومنه قوله تعالى وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ
[ ١ / ٧٢٣ ]
طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ أي حركاته في عباداته ومعاملاته في ذمته غير منفكة عنه (وقوله) أي كما رواه الشيخان وغيرهما هذا وقد قيل الرؤيا أمثال يضربها ملك الرؤيا والله يعلم بها من يشاء روي أن امرأة أتت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقالت رأيت كأن جائزة بيتي قد انكسرت فقال ﵊ يرد الله غائبك فرجع زوجها ثم غاب فرأت مثل ذلك فأتت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فلم تجده ووجدت أبا بكر رضي الله تعالى عنه فأخبرته فقال يموت زوجك فذكرت ذلك للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال هل قصصتها على أحد قالت نعم قال كما قيل لك (الرّؤيا ثلاث) أي ثلاثة أنواع (رؤيا حقّ) بالإضافة أي ثابت موافق وصدق مطابق كرؤية الأنبياء والأصفياء فإنها تخرج على وجهها أو على نحو ما أول بها (ورؤيا يحدّث بها الرّجل نفسه) فيراها في منامه فهي أضغاث أحلام وخيالات منام (ورؤيا تحزين) بالجر وفي نسخة بالرفع (من الشّيطان) بأن يرى في منامه ما يكون سببا لحزنه كما في حديث مسلم جاء رجل إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال رأيت في المنام كأن رأسي قطع فضحك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقال إذا الم الشيطان بأحدكم في منامه فلا يحدث به الناس وفي رواية إذا رأى في منامه ما يحبه فليحمد الله وإذا رأى ما يكره فليتعوذ من شرها ولا يحدث بها أحدا فإنها لا تضره. (وقوله) أي فيما رواه الشيخان عن أبي هريرة مرفوعا (إِذَا تَقَارَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تكذب) وفي رواية إذا اقترب والمراد اقترب الساعة ويؤيده حديث في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب وقيل المراد قصر الأيام والليالي على الحقيقة وقيل تقارب الليل والنهار من الاعتدال لقول العابرين أن أصدق الأزمان لوقوع العبارة وقت انفتاق الأنوار والأزهار ووقت أدراك الثمار حين يستوي الليل والنهار وفي بعض الأخبار أصدق الرؤيا بالأسحار رواه أحمد والترمذي وابن حبان والبيهقي عن أبي سعيد هذا وكان الأنسب للمصنف أن يرتب كل ما يتعلق بعلم من العلوم المذكورة على وفق ما قدمه من المعارف المسطورة لكنه ﵀ شوش النشر وقدم الرؤيا على الطب ثم قال (وقوله) كما رواه الدارقطني في العلل عن أنس وضعفه وابن السني وأبو نعيم في الطب عن علي وعن أبي سعيد وعن الزهري مرسلا (أصل كلّ داء البردة) بفتحتين وقد تسكن الراء أي التخمة وثقل الطعام على المعدة وسميت بردة لأنها تبرد المعدة فلا يستمرئ الطعام في العادة وعلاجه أولا بالقيء وثانيا بالإسهال (وما روي عنه) أي عن النبي ﵊ (في حديث أبي هريرة) كما رواه الطبراني في الأوسط (من قوله المعدة) بفتح فكسر وقيل بكسر فسكون (حوض البدن) لجمعها الطعام كجمع الحوض الماء (والعروق إليها واردة) أي تتصاعد إليها بمنافع الطعام نفعا لأبدان الأنام. (وإن) وصلية (كان هذا) أي الحديث (حديثا) وفي نسخة وإن كان هذا الحديث (لا نصحّحه) أي لا نحكم بصحته بل ولا بثبوته (لضعفه) أي لضعف سنده عند بعضهم (وكونه موضوعا) أي عند غيرهم (تكلّم عليه الدّارقطني) أي مضعفا له والله ﷾ اعلم؛ (وقوله) كما رواه الترمذي عن ابن عباس
[ ١ / ٧٢٤ ]
(خير ما تداويتم به السّعوط) بفتح فضم ما يجعل في الأنف من الدواء (واللّدود) ما يسقاه المريض في أحد شقي فمه (والحجامة) بكسر أوله (والمشي») بفتح فكسر فمشددة المسهل ويقال بفتح ميم فسكون شين فتحفيف وسمي به لحمله صاحبه على كثرة المشي إلى الخلاء.
(وخير الحجامة) أي وقوله ﵊ كما رواه الحاكم عن ابن عباس وصححه خير الحجامة (يوم سبع عشرة) أي من كل شهر (وتسع عشرة) بسكون الشين وتكسر (وإحدى وعشرين) زاد أبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا كان شفاء من كل داء هذا والتأنيث باعتبار مضاف مقدر أي يوم ليلة سبع عشرة مراعاة للأسبق منهما فإن ليلة الشهر منه وقيل سبق الليل في الوجود أيضا وفي قوله تعالى اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ إيماء إلى ذلك وأنه أصل هنالك وأبعد الدلجي في قوله بحذفه المميز كما في حديث من صام رمضان فأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر كله فإن لفظ اليوم مميز مستغنى عن مميز آخر وأما قوله تعالى ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فلمجرد التأكيد (وفي العود) أي وفي قوله كما رواه البخاري عن أم قيس في العود (الهنديّ) قيل هو القسط البحري وقيل عود التبخر قاله ابن الأثير (سبعة أشفية) قيل المراد بها الكثير (منها ذات الجنب) كما في حديث وخص بالذكر لأنه أصعب داء قلما يحصل فيه شفاء. (وقوله) أي كما رواه أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم عن المقدام ابن معدي كرب (مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بطنه إلى قوله فإن كان لا بدّ) أي بحسب ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لا محالة (فثلث للطّعام وثلث للشّراب وثلث للنّفس) والنفس بفتحتين بمعنى التنفس وفي الأصول المذكور لطعامه وشرابه ولنفسه بالإضافة (وقوله) أي في علم النسب كما رواه أحمد والترمذي (وقد سئل عن سبإ) بكسر الهمزة وبفتحها وبإبدالها الفا كما قرىء بها في قوله تعالى لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آية (أَرَجُلٌ هُوَ أَمِ امْرَأَةٌ أَمْ أَرْضٌ فَقَالَ رجل) أي هو أبو قبيلة سميت به مدينة بلقيس باليمن ومن ثمة قيل اسم مدينة (ولد عشرة) أي ولد له عشرة أولاد وهو بمكة (تيامن منهم ستّة) أي أخذوا نحو اليمن فنزلوا فيه وتوالدوا وأكثر قبائله منهم وهم كندة والأشعرون والأزد ومذحج وأنمار وحمير الذين منهم خثعم وبجيلة وفي الحديث الإيمان يمان والحكمة يمانية لأن الإيمان بدا من مكة لأنها من تهامة وتهامة من اليمن (وتشأمّ أربعة) أي أخذوا نحو الشام وهو من العريش إلى الفرات وهم عاملة ولخم وجذام وغسان. (الحديث: بطوله) أي مما يدل على طول باعه في هذا الفن؛ (وكذلك جوابه في نسب قضاعة) بضم القاف، (وغير ذلك) أي من سائر النسب (ممّا اضطرّت العرب) بصيغة الفاعل أو المفعول ورجحه التلمساني أي اضطربت واختلفت والتجأت أو التجئت (على شغلها بالنّسب) أي مع كمال اشتغالهم بعلم النسب (إلى سؤاله) أي سؤالهم إياه (عمّا اختلفوا فيه من ذلك) ومن ذلك ما رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني عن عمرو بن مرة الجهني قال صلى الله تعالى عليه وسلم من كان هنا من معد فليقم فقمت فقال اقعد فقلت ممن نحن قال أنتم من قضاعة بن مالك بن حمير (وقوله) أي
[ ١ / ٧٢٥ ]
كما رواه البزار وقال العسقلاني إنه منكر (حمير) بكسر فسكون ففتح ممنوعا قبيلة معروفة من اليمن (رأس العرب) أي أساسها وأصلها (ونابها) أي عمدة أهل كلامها لشرفهم فإنهم ولد معد بن عدنان من ولد إسماعيل بن خليل الرحمن (ومذحج) بالذاك المعجمة والحاء المهملة والجيم كمجلس على ما في القاموس وقيل بفتح وهو قبيلة فعبارة الدلجي بالدال المهملة (هامتها) بتخفيف الميم وهي وسط الرأس أي أشرفها أو رأسها (وغلصمتها) بفتح الغين المعجمة ثم لام ساكنة رأس الحلقوم وهو الموضع الثاني في الحلق وهو إشارة إلى تمكنهم في الشرف وعلوهم وإصالتهم وعظمهم (والأزد) بالزاء الساكنة قبيلة من اليمن (كاهلها) بكسر الهاء مقدم الظهر ما بين كتفيه وهو محل الحمل أي عمدتها (وجمجمتها) بجيمين مضمومتين عظم الرأس المشتمل على الدماغ أي سادتها وقيل جماجم العرب هي القبائل التي تجمع البطون فكاهل مضر تميم (وهمدان) بفتح فسكون فدال مهملة قبيلة معروفة (غاربها) بكسر الراء ما بين السنام والعنق (وذروتها) بكسر الذال وضمها وبفتح وسكون الراء أي أعلاها والحاصل أنه صلى الله تعالى عليه وسلم بين ما لهذه القبائل من الفضائل وهذا من علم الأنساب (وقوله) أي في علم الحساب كما رواه الشيخان عن أبي بكرة (إنّ الزّمان قد استدار) أي رجعت أشهره إلى ما كانت من حرمة وغيرها وبطل نسيء الجاهلية من تأخيرهم حرمة شهر إلى آخر وكانت حجة الوداع التي ذكر في خطبتها هذا الحديث في السنة التي استدار فيها (كهيئته) أي ترتيبه وصفته (يوم خلق الله السّموات والأرض وقوله) أي في معرفة المساحة كما رواه الشيخان عن ابن عمرو (في الحوض) أي الكوثر (زواياه سواء) أي مربع تربيعا مستويا لا يزيد طوله على عرضه، (وقوله) أي في معرفة جمع العدد كما رواه أبو داود (في حديث الذّكر) أي الإذكار حيث قال تسبح عشرا وتحمد عشرا وتكبر عشرا وتلك ثلاثون (وإنّ الحسنة بعشر أمثالها. فتلك) أي الكلمات المذكورة دبر الصلوات المزبورة مجموعها (مِائَةٌ وَخَمْسُونَ عَلَى اللِّسَانِ وَأَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فِي الميزان وقوله) أي فيما رواه الطبراني بسند ضعيف عن أبي رافع. (وهو بموضع) أي في موضع ليس به حمام وفي أصل التلمساني ومر بدل وهو على كل فالجملة حال (نعم موضع الحمّام هذا) وهذا من علم الهندسة ومعرفة المساحة فكان أولى بعد ذكر الحوض لما بينهما من المناسبة (وقوله) كما رواه الترمذي عن أبي هريرة وصححه (ما بين المشرق والمغرب قبلة) أي لأهل المدينة ونحوهم ممن هو في جنوبه أو شماله قال التلمساني هذا في طيبة ولكل مدينة بين مشرقها ومغربها لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جعل جميع ما يقع بين المشرق والمغرب قبلة ومساحة الكعبة لا تفي بما بينهما وإنما تفي جهتها فهو حجة العامة في عهد اشتراط إصابة عين الكعبة للنائي عنها وهذا من جملة علوم الهندسة المتعلقة بمعرفة القبلة وظاهره أن القبلة هي الجهة لا عين الكعبة وإلا فلا وجه للخصوصية فهو حجة للحنفية على الشافعية. (وقوله) أي في معرفة الفرس (لعيينة) بالتصغير وهو ابن حصين الفزاري من المؤلفة قلوبهم شهد حنينا والطائف قال
[ ١ / ٧٢٦ ]
الذهبي وكان أحمق مطاعا دخل على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم واساء الأدب فصبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على جفوته وأعرابيته وقد ارتد ثم اسر فمن عليه الصديق ثم لم يزل مظهر الإسلام وكان يتبعه عشرة آلاف فقاه انتهى وقال غيره اسلم يوم الفتح وقيل قبله وقال الواقدي إنه عمي في خلافة عثمان (أو للأقرع) أي ابن حابس التميمي وفد بعد الفتح وشهد مع خالد بن الوليد حرب أهل العراق وكان على مقدمته واستعمله عبد الله بن عامر على جيش سيره إلى خراسان فأصيب هو والجيش بجوزجان وكان من المؤلفة (أنا أفرس) مأخوذ من الفراسة أي أنا أعرف (بالخيل منك) وفي نهاية غريب الحديث أنه صلى الله تعالى عليه وسلم عرض الخيل وعنده عيينة فقال له أنا أعلم بالخيل منك فقال له وأنا أفرس منك (وقوله) أي كما رواه الترمذي عن زيد بن ثابت (لكاتبه) أي لأحد من كتابه أو لكاتبه الأخص به وهو زيد وقيل معاوية وفي أبي داود عن ابن عباس قال السجل كان كاتبا للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقد سبق في كلام الحلبي أن كتابه بلغوا ثلاثا وأربعين إلا أن ابن أبي سرح ارتد ثم رجع ومات ساجدا لله وأما ابن خطل فقتل يوم الفتح وهو متعلق بأستار الكعبة لقوله ﵊ من قتل ابن خطل فهو في الجنة واختلف في قاتله (ضع القلم) أي إذا فرغت (على أذنك) أي فوقها (فإنّه) أي وضعه هذا (أذكر) أي أكثر تذكرا قال الحلبي لأنه يقتضي التؤدة وعدم العجلة (للمملّ) بضم الميم الأول وكسر الثاني وتشديد اللام أي للمملي كما في نسخة من أمللت وأمليت وبهما ورد القرآن وليملل الذي عليه الحق فهي تملي عليه (هذا) أي ما ذكر مما جمع له صلى الله تعالى عليه وسلم من المعارف والعلوم (مع أنّه صلى الله تعالى عليه وسلم كان لا يكتب) والأظهر أن الإشارة إلى ما سبق من تعليم بعض كتابه ما يتعلق بعلم الخط وآدابه وأما عدم كتابته فلحديث أنا أمة لا نكتب ولا نحسب ذكره الدلجي وفيه أن نفي الشيء عن الجنس لا يوجب انتفاءه عن جميع أفراده بدليل أنه كان فيهم من يكتب فالأولى هو الاستدلال بقوله تعالى وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (ولكنّه) أي مع كونه أميا (أوتي علم كلّ شيء) أي لدنيا (حتّى قد وردت آثار) أي أخبار (بمعرفته حروف الخطّ وحسن تصويرها) أي من تطويلها وتدويرها (كقوله لا تمدّ) وفي نسخة لا تمدوا أي لا تطولوا (بسم الله الرّحمن الرّحيم) أي سينه من غير تبيين سنه مخافة أن يظن باء ممدودة فيقرأ بالباء والميم من غير سين بينهما لما روى الدارمي عن زيد بن أنس إذا كتبت فبين السين في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (رَوَاهُ ابْنُ شَعْبَانَ) وهو أبو إسحاق المصري المالكي له ترجمة في الميزان قال فيها وهاه ابن حزم ولا أدري لماذا انتهى ومات سنة خمس وخمسين وثلاثمائة (من طريق ابن عبّاس؛ وقوله) أي كما في مسند الفردوس (فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي يُرْوَى عَنْ مُعَاوِيَةَ أنّه كان يكتب بين يديه ﵊ فقال له ألق الدّواة) بفتح الهمزة وكسر اللام أمر من الاق الدواة إذا جعل لها ليقة وأصلح لها مدادها وهو بمعنى مجرده لاق على ما في القاموس فقوله الجوهري والاق
[ ١ / ٧٢٧ ]
لغة أي قليلة لا ردية (وحرّف القلم) بتشديد الراء المكسورة أمر من التحريف أي اجعل طرف شقه الأيمن أزيد من الطرف الآخر قليلا لأنه أسرع في الكتابة وأبدع في اللطافة (وأقيم الباء) أي طولها (وفرّق السّين) أي أسنانها (ولا تعوّر الميم) أي لا تطمسها بل بين وسطها وهو بتشديد الواو بعد العين المهملة وأما ما في أصل الدلجي بالقاف بعد كونه عينا فأصلح في نسخة قرئت على المصنف وعليها خطه فخطأ فاحش وتصحيف وتحريف لما في القاموس قار الشيء قطعه من وسطه خرقا مستديرا كقوره (وحسّن الله) أي جميع حروفه (ومدّ الرّحمن) أي أكثر حروفه من الحاء والميم والنون أو آخرها وهو الأولى (وجوّد الرّحيم) أي حروفه لا سيما الميم وقد روى الديلمي عن أنس إذا كتب أحدكم بسم الله الرحمن الرحيم فليمد الرحمن أي مدا ليمدد له الرحمن مدا وقيل خص الرحمن بالمد لعموم الرحمة الشاملة للدنيا والآخرة وخص الرحيم بالتجويد لأنه يخص أصحاب التوحيد (وهذا) أي ما ذكر مما شهد بأن مما أوتيه من المعارف معرفة حروف الخط (وإن لم تصحّ الرّواية) أي من أحد رواة الحديث وأصحاب الدراية (أنّه ﵊ كتب) أي بيده (فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرْزَقَ عِلْمَ هَذَا وَيُمْنَعَ الكتابة، والقراءة) أي لحكمة تقتضي هنالك كما قدمنا ذلك قال الدلجي ولا يبعد أيضا وإن كان يحرم عليه التوصل إليهما معرفة أن يقعا منه في وقت معجزة له وكرامة بشهادة ما في صحيح البخاري فأخذ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الكتاب فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله وفيه في عمرة القضاء أنه قال لعلي امح رسول الله قال لا والله لا أمحوك أبدا فأخذ الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله انتهى ولا يخفى أن لفظ كتب وقع مجازا لا شك فيه على ما قاله الحلبي وأبو الوليد الباجي حقيقة وهو في هذا القول شاذ منفرد عن الجماعة والمسألة شهيرة وملخصها أن اللفظة صحيحة مبنى وهي مجاز معنى لا أنها ليست بصحيحة أصلا كما توهم عبارة المصنف هذا ووقع في سيرة أبي الفتح اليعمري ما لفظه وقد روى البخاري أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كتب ذلك بيده قال الحلبي قوله بيده لم أرها في صحيح البخاري والله ﷾ اعلم ثم اعلم أن المراد بالقراءة القراءة بالنظر لا مطلق القراءة فالمعنى منع الكتابة والقراءة من الكتابة وقد أبعد التلمساني في جعل القراءة معطوفة على العلم أي رزق العلم والقراءة ومنع الكتابة انتهى وبعده لا يخفى في إعراب المبنى وإغراب المعنى. (وأمّا علمه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ وَحِفْظُهُ مَعَانِيَ أَشْعَارِهَا) أي خصوصا (فأمر مشهور قد نبّهنا على بعضه) أي بعض ما ورد عنه في لغات العرب لا في أشعارهم (أوّل الكتاب) وفي نسخة في أول الكتاب أي على ما سبق من غرائب مبانيها وبيان معانيها ومنها قوله ﵊ وقد أنشد كعب بن زهير في لاميته قوله:
قنواء في حرتيها للبصير بها عتق مبين وفي الخدين تسهيل
[ ١ / ٧٢٨ ]
فقال لأصحابه ما الحرتان فقالوا العينان فقال صلى الله تعالى عليه وسلم الأذنان وما قاله صلى الله تعالى عليه وسلم هو المعروف عند العرب الأول في الحرتين ومنها ما أنشده كعب بن مالك في قصيدته العينية وفيها قوله:
مجالدنا عن جزمنا كل فححمة مدربة فيها القوانس تلمع
فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أيصلح أن يقول مجالدنا عن ديننا فقال كعب نعم فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فهو أحسن فقال كعب مجالدنا عن ديننا على ما قاله نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم (وكذلك حفظه لكثير من لغات الأمم) أي مما عدا العرب (كقوله في الحديث سنه سنه) بفتح السين وتخفيف النون وتشدد فهاء ساكنة فيهما وفي رواية سناه سناه وفي أخرى سنا سنا بفتح مهملتها وكسرها رواية القابسي وشدد نونها وخففها أبو ذر وغيره قال ابن قرقول كلها بفتح السين وتشديد النون إلا عند أبي ذر فإنه خفف النون وإلا القابسي فإنه كسر السين وقال ابن الأثير في النهاية قيل سنا بالحبشية حسن وهي لغة وتخفف نونها وتشدد وفي رواية سنة وفي الحديث وفي أخرى سناه بالتشديد والتخفيف فيهما وقال الهروي في الحديث إنه صلى الله تعالى عليه وسلم أخذ الحميصة بيده ثم ألبسها أم خالد وقال لها أبلي وأخلقي ثلاث مرات ثم نظر إلى علم فيها أخضر وأصغر فجعل يقول يا أم خالد سنا سنا بالحبشية حسن وهي لغة انتهى وأم خالد هذه هي ابنة خالد ابن سعيد التي ولدت بأرض الحبشة وهي امرأة الزبير بن العوام وهي التي كساها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهي صغيرة وأبوها أول من كتب بسم الله الرحمن الرحيم ومات بأجنادين شهيدا استعمله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على صنعاء اليمن فلما توفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أراد أبو بكر رضي الله تعالى عنه أن يستعمله قال له لا أعمل لأحد بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (وهي) أي معنى هذه الكلمة (حسنة بالحبشيّة) أي باللغة المنسوبة إلى الحبشة ولا يبعد أن تكون عربية وحذف الهاء للإيماء إلى قصد الرمزية وقال عكرمة السنا الحسن ولا يبعد أن يطلق السنا بمعنى النور ويراد به الحسن والظهور؛ (وقوله) أي كما رواه الشيخان وغيرهما من طرق (ويكثر الهرج) بهاء مفتوحة فراء ساكنة فجيم (وهو القتل بها) أي بالحبشة وقد سئل عنه صلى الله تعالى عليه وسلم فقال القتل ونص عليه كثير من أئمة اللغة فهو من توافق اللغتين وأما قول ابن قرقول الهرج بإسكان الراء فسره في الحديث بالقتل بلغة الحبشي فقوله بلغة الحبش من بعض الرواة وإلا فهي كما عرفت عربية صحيحة (وَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَشْكَنْبَ دَرْدَ) بفتح الهمزة وسكون الشين وتفتح والكاف ساكنة فنون وفتح الياء وتكسر وتضم وتسكن فدالين مهملتين مفتوحتين بينهما راء ساكنة وفي نسخة الأولى منهما معجمة وفي أخرى دردم بميم في آخره (أي وجع البطن بالفارسيّة) فإن اشكنب هو البطن ودرد معناه الوجع ولعل أصلها أشكم بدردم بكسر الهمزة
[ ١ / ٧٢٩ ]
وفتح الكاف بعده ميم وباتصال الباء بدردم بالمهملتين وميم المتكلم فيكون فيه نوع تقريب أو لفظ غريب هذا والحديث رواه ابن ماجة وفي سنده داود ابن علية والكلام فيه معروف قال الذهبي في ميزانه روى جماعة عن داود ابن علية عن مجاهد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال يا أبا هريرة اشكنب درد قلت لا الحديث أخرجه أحمد في مسنده والأصح ما رواه المحاربي عن ليث عن مجاهد مرسلا فقوله لا يدل على استفهام مقدر أو ملفوظ أن تكن الشين مفتوحة فإنه لغة ويدل أيضا على بطلان نسخة زيادة الميم لكنه فيه إشكال وهو أنه لا يظهر وجه خطاب أبي هريرة بهذه الكلمة اللهم إلا أن يحمل على المزاح والمطايبة في المخاطبة ثم رأيت التلمساني ذكر الحديث ولفظه قال أبو هريرة دخلت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو مضطجع على بطنه فقلت له ما هذا يا رسول الله فقال اشكنب دردم ثم فسره صلى الله تعالى عليه وسلم وتمام الحديث وعليك بالصلاة فإنها شفاء من كل سقم ونقل الأنطاكي من إكمال ابن ماكولا عن أبي الدرداء قال رآني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا نائم مضطجع على بطني فضربني برجله فذكر الحديث قال وهو مخالف لما تقدم قلت ولا منع من الجمع والله تعالى أعلم هذا وحديث «العنب دو دو يعني ثنتين ثنتين والتمريك» يعني واحدة مشهور على ألسنة العامة ولا أصل له عند الخاصة (إلى غير ذلك) أي مع غير ما ذكر من المعارف السنية والعوارف البهية (مُمَا لَا يَعْلَمُ بَعْضَ هَذَا وَلَا يَقُومُ به) أي بكله (ولا ببعضه) أي عادة (إلّا من مارس الدّرس) أي داوم المدارسة ولازم المدرسة (والعكوف على الكتب) أي المواظبة على مطالعة الكتب المطولة (ومثافنة أهلها) بالمثلثة والفاء والنون أي مجالسة أهل العلوم وفي نسخة بالقاف والموحدة بمعنى المباحثة (عمره) بالنصب أي في جميع أيام عمره من غير ضياع دهره (وهو) أي والحال أنه ﵊ (رجل) معروف وموصوف (كما قال الله تعالى) في حقه عند قوله فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ (أمّيّ) أي منسوب إلى أمه يعني كما ولد بعينه (لم يكتب) أي بيده (ولم يقرأ) أي بنظره أو مطلقا قبل بعثه (ولا عرف) أي هو صلى الله تعالى عليه وسلم (بصحبة من هذه صفته) أي بمصاحبة أهل الدراسة والقراءة والكتابة (ولا نشأ) أي ولا انتشأ ولا تربى (بين قوم لهم علم) أي دراية (ولا قراءة) أي رواية (بشيء من هذه الأمور) أي التي يمكن بمدارستها الاتصاف بممارستها (ولا عرف هو قبل) أي قبل بعثته ودعوى نبوته (بشيء منها) أي من أمور القراءة والدراسة والكتابة ويروى ولا عرف هو قبل شيئا (قال الله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ) أي قبل نزول القرآن (مِنْ كُتُبٍ) أي من الكتب الإلهية وغيرها (وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت: ٤٨]) أي ولا تكتبه من قبل أيضا وقوله بيمينك أي بيدك للتأكيد كما في قولهم رأيت بعيني وسمعت بأذني (الآية) تمامها إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ أي لو كنت قارئا كاتبا لشك أهل الباطل المتعلق بغير الطائل إذ لا كل كاتب وقارئ قادر أن يأتي بهذا الكتاب الذي عجز عن الاتيان بأقصر سورة منه جميع أرباب
[ ١ / ٧٣٠ ]
الألباب والحاصل أن صدور هذا النور وظهور هذه الأمور على يد الأمي أظهر معجزة وأبهر كرامة وأبعد شبهة مما لو ظهر على يد القارئ الكاتب لا سيما وقد كان يحصل الارتياب لأهل الكتاب لكونه النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل هذا والجمهور على أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكتب وقيل كتب مرة واحدة وهو قول الباجي وصوبه بعضهم فإنه لا يقدح في المعجزة كونه كتب مرة واحدة بل يكون معجزة ثانية قال القرطبي في مختصره قوله في البخاري فأخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الكتاب فكتب ظاهر قوي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كتب بيده وقد أنكره قوم تمسكا بقوله تعالى وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ الآية ولا نكرة فيه فإن الخط المنفي عنه الخط المكتسب من التعلم وهذا خط خارق للعادة أجراه الله تعالى على أنامل نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم مع بقائه أنه لا يحسن الكتابة المكتسبة وهذا زيادة في صحة نبوته انتهى ولا يخفى أن في قوله وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل نزول القرآن وحصول النبوة والرسالة إشارة إلى أنه كان ممنوعا من القراءة والكتابة وهو لا ينافي أن يعطيهما الله تعالى له بعد تحقق رسالته زيادة في الكرامة؛ (إنّما كانت غاية معارف العرب النّسب) أي علم النسب لكل قبيلة إلى حدها من أبيها وجدها (وأخبار أوائلها) أي وقائع سلفها من هزلها وجدها وتنعمها وكدها (والشّعر) أوزانها وقوافيها (والبيان) أي النثر في الخطب وأمثالها أو ما يتعلق بما فيها حتى كاد أن يكون بيانهم في شعرهم ونثرهم سحرا وشاع وذاع فيما بينهم ذكرا وفكرا وبلغوا غاية البلاغة ووصلوا نهاية الفصاحة نظما ونثرا (وَإِنَّمَا حَصَلَ ذَلِكَ لَهُمْ بَعْدَ التَّفَرُّغِ لِعِلْمِ ذلك) أي عمرا (والاشتغال بطلبه ومباحثة أهله عنه) أي عصرا؛ (وهذا الفنّ) أي النوع من العلم بجميع افنانه وأغصانه في جميع أحيانه وأزمانه (نقطة من بحر علمه) أي ونكتة من نهر فهمه وشكلة من شطر كلمه (صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا سَبِيلَ إِلَى جَحْدِ الْمُلْحِدِ) أي إنكار المائل عن الحق والمعاند (بشيء ممّا ذكرناه) أي من المطالب والمقاصد (ولا وجد الكفرة حيلة) أي مكيدة يتشبثون بها في عقيدة (في دفع ما نصصناه) وفي نسخة ما نصصناه أي حكيناه وبيناه (إلّا قولهم أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [النحل: ٢٤، والفرقان: ٥]) أي هو يعني القرآن أقاصيص السابقين كما حكى الله عنهم بقوله وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكتتبها فهي تملي عليه بكرة وأصيلا وقد تولى الله ﷾ جوابهم بقوله وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (وإِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل: ١٠٣]) أي من الإعجام أؤ الاروام (فردّ الله قولهم) أي مقولهم هذا لا كما قال الدلجي هو أساطير الأولين وإنما يعلمه بشر (بقوله: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ) وفي قراءة بفتح الياء والحاء أي يميلون (إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النَّحْلِ: ١٣٠] ثمّ قالوه مكابرة العيان) بكسر العين أي المعاينة والمشاهدة (فَإِنَّ الَّذِي نَسَبُوا تَعْلِيمَهُ إِلَيْهِ إِمَّا سَلْمَانُ) أي الفارسي كما في نسخة صحيحة وسماه النبي صلى الله
[ ١ / ٧٣١ ]
تعالى عليه وسلم سلمان الخير (أو العبد الرّوميّ) وهو غلام حويطب بن عبد العزى أسلم وكان ذا كتب (وَسَلْمَانُ إِنَّمَا عَرَفَهُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَنُزُولِ الْكَثِيرِ مِنَ الْقُرْآنِ وَظُهُورِ مَا لَا يَنْعَدُّ مِنَ الآيات) أي القرآنية أو المعجزات البرهانية والعلامات الفرقانية فلا يتصور أنه كان يعلمه سلمان؛ (وَأَمَّا الرُّومِيُّ فَكَانَ أَسْلَمَ وَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم؛ واختلف في اسمه) أي كما سيأتي من أنه يعيش أو بلعام أو جبرا أو يسار (وقيل بل كان النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يجلس عنده) أي إليه ويقبل عليه لما كان يلمح قابلية الهداية لديه (عند المروة وكلاهما أعجميّ اللّسان) أي وضعيف البيان (وهم الفصحاء اللّدّ) بضم اللام وتشديد الدال جمع الألد وهو شديد الخصومة (والخطباء اللّسن) بضم فسكون جمع ألسن وقيل جمع لسن بفتح فكسر وهو المنطلق اللسان في ميدان النطق والبيان (وقد عجزوا) بفتح الجيم وتكسر (عن معارضة ما أتى به) أي أظهره (والإتيان بمثله) بل عن الإتيان بأقصر سورة من نحوه (بل عن فهم وصفه) وفي نسخة رصفه بالراء والظاهر أنه تصحيف وقيل معناه الاتقان (وصورة تأليفه) أي تركيبه (ونظمه) أي سلكه فهم إذا عجزوا عن هذا كله (فكيف بأعجميّ ألكن) أفعل للمبالغة من اللكنة وهي بالضم المعجمة من اللسان والعي في النطق والبيان وأبعد الدلجي في تعبيره أي ابكم (وقد كان سلمان أو بلعام الرّوميّ) بالموحدة المفتوحة وسكون اللام ويقال بلعم (أو يعيش) بفتح التحتية الأولى وكسر العين قال الذهبي في تجريده يعيش غلام ابن المغيرة قال عكرمة هو الذي نزل فيه بفتح يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ وقال الحلبي يعيش رأيتهم قد ذكروه في الصحابة (أو جبر) بفتح جيم وسكون موحدة هو غلام للفاكه بن المغيرة اسلم وقد روي أن مولاه كان يضربه ويقول له أنت تعلم محمدا فيقول له لا والله بل يعلمني ويهديني قال الحلبي ما رأيت له ذكرا في الصحابة وكذا في قوله (أو يسار) بفتح التحتية (على اختلافهم في اسمه) أي اختلاف العلماء في تعيينه أو اختلاف السفهاء في نسبته من كمال تحيرهم في تبيينه (بين أظهرهم) أي كانوا كلهم فيما بينهم عارفين بأخبارهم (يكلّمونهم) وفي نسخة يكلمونه (مدا أعمارهم) بفتح الميم والدال مقصورا أي مدتها (فهل حكي عن واحد منهم) كسلمان والرومي (شيء) أي صدور شيء ما (مِنْ مِثْلِ مَا كَانَ يَجِيءُ بِهِ مُحَمَّدٌ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي من الآيات الباهرة والمعجزات القاهرة (وهل عرف واحد منهم) أي وهم عندهم (بمعرفة شيء من ذلك) أي مما جاء به ﵊ (وما منع) أي وعلى الفرض والتقدير أي شيء منع (العدوّ) أي أعداءه من المنكرين وروي المغرور (حينئذ على كثرة عدده) بفتح العين أعدادهم (ودؤوب صلبه) بضم دال وهمزة فسكون واو فموحدة أي جده وتعبه في كده (وقوّة حسده أن يجلس إلى هذا) أي من سلمان أو غيره وأخطأ الدلجي بقوله أي ما جاء به ﵇ (فيأخذ عنه) وفي نسخة عليه (أيضا) أي على زعمه (ما يعارض به) أي ما جاء به ﵇ (وَيَتَعَلَّمُ مِنْهُ مَا يَحْتَجُّ بِهِ عَلَى شِيعَتِهِ)
[ ١ / ٧٣٢ ]
بسكون الغين المعجمة وتفتح على لسان العامة أي على تهيج شره وخصامه كذا في أصل الدلجي وهو ظاهر جدا وفي النسخ على شيعته فعلى للعلة أي لأجل مشايعيه ومتابعيه (كفعل النّضر بن الحارث) تقدم أنه قتل كافرا (بما كان يمخرق) من المخرقة بالخاء المعجمة وهي كلمة مولدة كما ذكره الجوهري أي يزخرف (به من أخبار كتبه) أي مما لا يجدي نفعا له ولغيره (ولا غاب النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم عن قومه) أي غيبة يمكن فيها من تعلمه (ولا كثرت اختلافاته) ترداداته (إلى بلاد أهل الكتاب) وفي نسخة الكتب أي كالمدينة ونحوها من بلاد قومه (فيقال) بالنصب (إنّه استمدّ منهم) أي استفاد عنهم (بل لم يزل) أي من أول عمره إلى آخر أمره (بين أظهرهم) أي بينهم (يرعى) أي الغنم (في صغره وشبابه) وقال الدلجي يرعى من المراعاة وهي الملاحظة والمحافظة وهو بعيد جدا (على عادة أنبيائهم) أي أنبياء سلفهم وفي أصل الدلجي ابنائهم بإصلاح أنبيائهم وكذا في نسخة صحيحة وهو ظاهر جدا (ثمّ لم يخرج عن) وفي نسخة من (بلادهم إلّا في سفرة) أي واحدة (أو سفرتين) أي مرة مع عمه أبي طالب فرده من الطريق بإشارة بحيرا وأخرى في تجارته لزوجته خديجة ومعه غلامها ميسرة والترديد بأو نظرا إلى ان الخرجة الأولى هل تسمى سفرة أو لا فاندفع قول الحلبي وهاتان سفرتان ذكرهما جماعة وكان ينبغي أن يقول إلا في سفرتين على أنه قد يقال المعنى بل سفرتين (لم يطل فيهما) ويروى فيهما (مكثه) بضم الميم وتفتح أي إقامته ولبثه (مدّة يحتمل) بصيغة المعلوم أو المجهول (فيها تعليم القليل) أي اليسير (فكيف الكثير) أي فكيف يحتمل فيها تعليم الكثير والاستفهام للإنكار (بَلْ كَانَ فِي سَفَرِهِ فِي صُحْبَةِ قَوْمِهِ ورفاقه وعشيرته) بفتح الراء (لم يغب عنهم ولا خالف حاله) بالنصب أو الرفع والمعنى وما اختلف حاله (مدّة مقامه بمكّة من تعليم) أي عن معلم عربي ومن بيان لحاله لا مزيدة كما قاله الدلجي وفي نسخة ومن تعلم وهو الأظهر (واختلاف إلى حبر) بفتح الحاء وتكسر أي عالم يهودي وأغرب الدلجي بقوله بكسر المهملة أفصح من فتحها نعم كذلك في معنى المداد إلا أنه ليس ههنا المراد (أو قسّ) بفتح القاف ويكسر وضمه خطأ فسين مشددة أي عالم نصراني وكذا القسيس (أو منجم) أي متعلق بعلم النجوم (أو كاهن) أي ممن يزعم أنه يخبر عن كائن (بل لو كان بعد) بضم الدال أي بعد مكثه وتصور تعلمه (هذا كلّه) اسم كان وفي أصل الدلجي بل لو كان هذا كله بعد وهو ظاهر جدا وفي نسخة صحيحة بَلْ لَوْ كَانَ هَذَا بَعْدُ كُلُّهُ (لَكَانَ مجيء ما أتى به في) وفي نسخة من (معجز القرآن) بل من معجزاته (قاطعا لكلّ عذر ومدحضا) أي مزيلا ودافعا (لكلّ حجّة) أي داحضة وفي نسخة صحيحة لكل شبهة (ومجليّا) بضم ميم وسكون جيم وتخفيف لام فتحتية مخففة وفي نسخة بفتح الجيم وكسر اللام المشددة لا كما قال الحلبي بإسكان الخاء والمعنى كاشفا وموضحا (لكلّ أمر) أي مما يلوح عليه مخايل ريبته.
[ ١ / ٧٣٣ ]
فصل [ومن خصائصه ﵊ وكراماته وباهر آياته أنباؤه مع الملائكة]
(ومن خصائصه ﵊) أي خصوصياته في حالاته (وكراماته وباهر آياته) أي غالب معجزاته (أنباؤه) بفتح الهمزة أي أخباره الواقعة له (مع الملائكة والجنّ وإمداد الله) أي إعانته (له بالملائكة) أي المقربين كما في وقعة بدر وحنين (وطاعة الجنّ له) كجن نصيبين (ورؤية كثير من أصحابه لهم) أي للملائكة والجن وهذا إجمال يتبين لك بعد تفاصيل أحواله. (قال الله تعالى: وَإِنْ تَظاهَرا) بتشديد الظاء وتخفيفها والخطاب لعائشة وحفصة أي وإن تتعاونا (عَلَيْهِ) أي على النبي بما يسؤه لديه من الافراط في الغيرة لكثرة ميلهما إليه (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ) أي ناصره (وَجِبْرِيلُ [التحريم: ٤]) بكسر الجيم وفتحها (الآية) أي وصالح المؤمنين كأبي بكر وعمر والملائكة أي بقيتهم بعد ذلك أي بعد نصره ﷾ ظهير أي مظاهرون له (وقال تعالى إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال: ١٢]) أي بأني معكم معينا لهم (وقال إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ) أي بمناجاتكم ومناداتكم يا غياث المستغيثين اغثنا أعنا على أعدائنا وعن عمران رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رأى الكفار ألفا وأصحابه ثلاثمائة أي في بدر فرفع يديه مستقبلا يقول اللهم انجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض فما زال يهتف بربه حتى سقط رداؤه فقال أبو بكر يا نبي الله حسبك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك (فَاسْتَجابَ لَكُمْ) أي ربكم (أَنِّي مُمِدُّكُمْ [الأنفال: ٩]) أي بأني معاونكم (الآيتين) أي بألف من الملائكة مردفين بكسر الدال أي متتابعين وبفتحها أي يردف بعضهم ببعض وكان الظاهر أن يقول الآية ولعله أراد إشارة بالآيتين من السورتين أي الأنفال وآل عمران وهي قوله تعالى إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ فيكون الإيماء إلى القصتين من بدر وأحد حيث وقع الوعد في الثاني مقيدا بشرط الصبر ولما فقد فقد المدد والنصر ولا يبعد أن يراد بالآيتين قوله إِذْ يُوحِي وقوله إِذْ تَسْتَغِيثُونَ بل هو الأظهر فتدبر، (وقال وَإِذْ صَرَفْنا) أي أملنا ووجهنا (إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ) أي جن نصيبين (يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [الأحقاف: ٢٩] الآية) أي فلما حضروه نهضوا قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ الآيات هذا وقد ورد أنه لما حرست السماء نهضوا فوافوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بوادي النخلة منصرفه يقرأ في صلاة الصبح فاستمعوا قراءته وأما حديث ابن مسعود أنه حضر معه ليلة الجن فثابت أيضا كما بينته في محله وسيأتي أيضا تقرير بعضه. (حدّثنا سفيان بن العاصي) كذا بالياء والأظهر أنه بلا ياء فإنه معتل العين لا اللام كما قدمنا (الفقيه) سبق ذكره (بسماعي عليه) أي في حضوري لديه (حدّثنا أبو اللّيث السّمرقنديّ) أي من أئمة الحنفية (ثنا عبد الغافر الفارسيّ)
[ ١ / ٧٣٤ ]
بكسر الراء ويسكن (حدّثنا أبو أحمد الجلوديّ) بضم الجيم وتفتح (ثنا ابن سفيان) وهو إبراهيم بن محمد بن سفيان راوي صحيح مسلم عنه (ثنا مسلم) أي القشيري النيسابوري صاحب الصحيح (ثنا عبيد الله) مصغرا (ابن معاذ) بضم الميم قال أبو داود كان يحفظ عشرة آلاف حديث روى عنه مسلم وغيره (ثنا أبي) أبوه معاذ بن معاذ التميمي العنبري الحافظ قاضي البصرة قال أحمد إليه المنتهى في الثبت بالبصرة (ثنا شعبة) إمام جليل في الحديث (عن سليمان الشّيبانيّ) أخرجه له الأئمة الستة (سمع زرّ بن حبيش) بالتصغير وزر بكسر الزاء وتشديد الراء هو أبو مريم الأسدي عاش مائة وعشرين سنة وكان من أكابر القراء المشهورين من أصحاب ابن مسعود وسمع عمر وعليا وعنه عاصم بن أبي النجود وخلق (عن عبد الله) أي ابن مسعود (قال) أي الله ﷾ (لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [النَّجْمِ: ١٨] قال) أي ابن مسعود (رأى) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (جبريل في صورته) أي اصل خلقته (له ستمائة جناح) يدل على كمال عظمته كما يشير إليه مزيته قوله تعالى جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وهذا الموقوف أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي قال التلمساني قيل رأه في صورته مرتين خاصة وما عداهما لم يره هو وغيره من الملائكة إلا في صورة الآدميين ليأنس بهم ومن تمام الحديث له ستمائة جناح مثل الزبرجد الأخضر فغشي عليه؛ (والخبر) أي الحديث والأثر (في محادثته) أي مكالمته ﵊ (مع جبريل وإسرافيل وغيرهم) بصيغة الجمع لتعظيمهما أو لأن أقل الجمع اثنان وفي نسخة وغيرهما (من الملائكة) كعزرائيل وملك الجبال ومالك خازن النار (وما شاهده من كثرتهم) كحديث أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فيها موضع قدم إلا وفيه ملك إما راكع أو ساجد (وعظم صور بعضهم) عزرائيل وإسرافيل وسائر حمله العرش (ليلة الإسراء مشهور) أي رواه الأئمة كخبر يا محمد هذا ملك الجبال يسلم عليك قال التلمساني وروى ابن عباس مرفوعا أنه رأى ليلة المعراج في مملكة الله تعالى رجالا على أفراس بلق شاكي السلاح طول كل واحد مسيرة ألف سنة وكذلك طول كل فرس يذهبون متتابعين لا يرى أولهم ولا آخرهم قال فقلت يا جبريل من هؤلاء قال ألم تسمع قوله تعالى وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ثم قال أنا أهبط وأصعد وأراهم هكذا يمرون لا أدري من أين يجيئون ولا أين يذهبون ذكره النسفي في زهر الرياض قاله الأنطاكي (وقد رآهم) أي الملائكة وفي أصل الدلجي رآه أي جبريل (بحضوره) أي بحضوره ﵇ وهي بفتح فسكون وقال التلمساني إن الحاء مثلثة ويقال أيضا بسكون الضاد وفتحها (جماعة من أصحابه) أي الكرام (في مواطن مختلفة) أي متفاوتة الأيام (فرأى أصحابه) أي بعضهم (جِبْرِيلَ ﵇ فِي صُورَةِ رَجُلٍ يَسْأَلُهُ عن الإسلام) وفي نسخة زيادة والإيمان والحديث رواه الشيخان وغيرهما من طرق متعددة والمعنى في صورة رجل غير معروف كما في أصل الحديث المذكور فقول
[ ١ / ٧٣٥ ]
الدلجي كدحية ليس في محله وإن تجج بتوشيح شرحه (ورأى ابن عبّاس وأسامة) أي ابن زيد كما في نسخة وهو ابن حارثة (وغيرهما عنده) أي بحضرته (جبريل في صورة دحية) بكسر الدال وتفتح وهو ابن خليفة الكلبي المشهور بالحسن الصوري وقد اسلم قديما وشهد المشاهد كلها بعد بدر وأرسله ﵇ بكتاب معه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى هرقل وأما رؤية ابن عباس له فزواها الترمذي ولفظه ابن عباس رأى جبريل مرتين وأما رؤية أسامة له فرواها الشيخان عنه وفيها أن أم سلمة رأته وأما غيرهما كعائشة فروى رؤيتها البيهقي وقال التلمساني وحارثة بن النعمان رأى جبريل مرتين وأقرأه جبريل ﵇ وجرير بن عبد الله البجلي مسحه ملك وحنظلة بن أبي عامر غسلته الملائكة وحسان بن ثابت أيده الله بجبريل لمناضحته عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلم وسعد بن معاذ نزل لجنازته سبعون ألف ملك ما نزلوا من قبل قط (ورأى سعد) أي ابن أبي وقاص كما في الصحيحين (على يمينه ويساره جبريل وميكائيل) لف ونشر مرتب على ما هو الظاهر المتبادر (في صورة رجلين عليهما ثياب بيض) بالوصف وتجوز الإضافة قال الحلبي في مسلم يعنى جبريل وميكائيل ولم يسميا في البخاري فكونهما جبريل وميكائيل لم يقله سعد وإنما الراوي عنه قاله عنه أو من دونه ذكر ذلك والله تعالى أعلم قلت ولفظ مسلم رأيت عن يمين رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد يعنى وميكائيل (ومثله) أي ومثل ما روى سعد (عن غير واحد) أي صدر عن كثير من الصحابة؛ (وسمع بعضهم زجر الملائكة) بفتح الزاء وسكون الجيم أي جثهم وحملهم على السرعة (خيلها يوم بدر) أي كما رواه عن عمر (وبعضهم رأى تطاير الرّؤوس من الكفّار) أي في بدر (ولا يرون الضّارب) كما رواه البيهقي عن سهل بن حنيف وأي واقد الليثي وقال أبو داود المازني على ما في رواية ابن إسحاق إني لاتبع رجلا من المشركين يوم بدر لاضربه إذ رفع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قتله غيري (ورأى أبو سفيان بن الحارث) بن عبد المطلب وهو ابن عم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (يومئذ) أي يوم بدر (رجالا بيضا) بكسر الباء جمع أبيض ولم يضم الباء محافظة على الياء (على خيل بلق) بضم فسكون جمع ابلق والبلق محركة سواد وبياض كالبلقة بالضم (بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ) وفي نسخة لا يقوم لها شيء أي لا يطيق ولا يقاوم لتلك الرجال شيء أي مما خلق الله تعالى فإن ملكا واحدا كاف في اهلاك أهل الدنيا جميعا فقد أهلك جبريل مدائن قوم لوط بريشة من جناحه وثمود بصيحة من صياحه هذا وقد روى البيهقي عن سهيل بن عمرو أنه هو الذي رآهم لكن لا منع من الجمع بعد تحقق السمع (وقد كانت الملائكة تصافح عمران بن حصين) كما رواه ابن سعد عن قتادة وفي مسلم أنها كانت تسلم عليه (وأرى النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَمْزَةَ جِبْرِيلَ فِي الْكَعْبَةِ فَخَرَّ) أي سقط حمزة
[ ١ / ٧٣٦ ]
(مغشيّا عليه) أي من عظمته وهيبته وحديثه هذا رواه البيهقي عن مسلم بن يسار مرسلا (ورأى عبد الله بن مسعود الجنّ) كما رواه البيهقي عنه (ليلة الجنّ) أي ليلة أمر النبي ﵊ أن ينذرهم (وسمع) أي ابن مسعود (كلامهم وشبّههم) أي في الخلق والنطق (برجال الزّطّ) بضم الزاء وتشديد الطاء قوم من السودان أو الهنود طوال قال الحلبي وفي حديث مسلم عنه أنه لم يكن مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة الجن لكن ذكر ابن سيد الناس في سيرته ما لفظه أن الحديث المشهور عن عبد الله بن مسعود من طرق متظاهرة يشهد بعضها لبعض ويشيد بعضها بعضا قال ولم تنفرد طريق ابن زيد إلا بما فيها من التوضئ بنبيذ التمر انتهى وقد جاء الحديث الذي ذكره من غير طريق ابن زيد وهو ابن ماجة من حديث ابن عباس وفيه الوضوء بنبيذ التمر لكن في السند عبد الله بن لهيعة والعمل على تضعيف حديثه وهو مرسل صحابي والعمل على قبوله خلافا لبعض الناس أي من الشافعي واتباعه هذا وقد ورد من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم خطب ذات ليلة ثم قال ليقم من لم يكن في قلبه مثقال ذرة من كبر فقام عبد الله ابن مسعود فحمله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مع نفسه فقال ابن مسعود خرجنا من مكة فخط رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حولي خطا وقال لا تخرج عن هذا الخط فإنك إن خرجت عنه لم تلقني إلى يوم القيامة ثم ذهب يدعو الجن إلى الإيمان ويقرأ القرآن حتى طلع الفجر ثم رجع بعد طلوع الفجر وقال لي هل معك ماء اتوضأ به قلت لا إلا نبيذ التمر في إداوة فقال تمرة طيبة وماء ظهور وأخذه وتوضأ به وصلى الفجر وقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجة والدارقطني عن ابن مسعود نحوه وكذا الطحاوي وغيره وقد اثبت البخاري كون ابن مسعود مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم باثني عشر وجها فلا يلتفت إلى قول الدلجي وأما حديث ابن مسعود أنه حضر معه ليلة الجن فضعيف ففي صحيح مسلم أنه لم يكن معه فإنا نقول رواية البخاري أصح وأرجح والقاعدة أن الإثبات مقدم على النفي عند الأثبات مع أن ليلة الجن كانت ست مرات أو المراد بنفي كونه معه أنه لم يحضر مجلس المحاورات والله أعلم بالحالات؛ (وذكر ابن سعد) وهو مصنف الطبقات الكبرى والصغرى ومصنف التاريخ ويعرف بكتاب الواقدي سمع ابن عيينة وابن معين وحدث عنه ابن أبي الدنيا وغيره مات سنة ثلاثين ومائتين (أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ لَمَّا قُتِلَ يَوْمَ أحد) أي وكان صاحب الراية (أَخَذَ الرَّايَةَ مَلَكٌ عَلَى صُورَتِهِ فَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم يقول له) أي ظنا منه أنه هو (تقدّم) إلي جهة العدو (يا مصعب فقال له الملك) أي مرة في جوابه (لست بمصعب فعلم) بصيغة الفاعل أو المفعول أي فعرف (أنّه ملك) لكن روى ابن أبي شيبة في مصنفه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال يوم أحد أقدم مصعب فقال له عبد الرحمن بن عوف يا رسول الله ألم يقتل مصعب قال بلى لكن قام مكانه وتسمى باسمه انتهى وفيه احتمال أنه عرفه من أول الوهلة وأنه لم يعرفه حتى عرفه ثم كان يقول له مصعب من قبيل تجاهل
[ ١ / ٧٣٧ ]
العارف أو تنزيل المجهول منزلة المعلوم أو تسمية له باسمه أو على تقدير مضاف نحو نائبه والله تعالى أعلم؛ (وقد ذكر غير واحد من المصنّفين) كالبيهقي وابن ماكولا في اكماله (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أنّه قال بينا نحن جلوس) يروى أنا جالس (مع النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَ شَيْخٌ بِيَدِهِ عَصًا فسلّم على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فردّ عليه) أي السلام، (وقال نغمة الجنّ) بفتح النون أي هذه حركته وصوته وفي نسخة نغمة جني، (من أنت) أي منهم (قال أنا هامة) بتخفيف الميم وفي بعض الروايات الهام (بن الهيم) بكسر فسكون تحتية وفي نسخة صحيحة بفتح هاء وكسر تحتية مشددة أو مخففة (ابن لاقس) بكسر القاف أو لاقيس بزيادة تحتية (ابن إبليس) كان اسمه عزازيل قال التلمساني وهو أبو الجن كما أن آدم أبو البشر وقد ذكره البغوي في تفسيره عن مجاهد قال من ذرية إبليس لاقيس بالياء (فذكر أنّه لقي نوحا ومن بعده) أي من الأنبياء وغيرهم (في حديث طويل) قال بعضهم إنه موضوع كما ذكره الحلبي (وأنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم علّمه سورا في القرآن) قال الحلبي وفي الميزان في حديثه المذكور أنه ﵇ علمه المرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت والمعوذتين وقل هو الله أحد الحديث بطوله ذكر الأنطاكي وغيره أنه قال بينا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يمشي في بعض جبال مكة أو عرفات إذ أقبل شيخ أعرج بيده عصا يتوكأ عليها فقال السلام عليك يا محمد فقال صلى الله تعالى عليه وسلم مشية الجن ونغمتهم قال نعم من أي الجن أنت قال أنا الهام بن الهيم بن لاقيس فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كم أتى عليك قال أنا كنت يوم قتل قابيل هابيل غلاما أطوف في الآكام وأفسد أطايب الطعام وأمنع من الاستعصام وآمر بقطيعة الأرحام فقال صلى الله تعالى عليه وسلم بئس صفة الشاب المؤمل والشيخ المرجو قال مهلا يا محمد دعني عنك من اللوم إنما جئتك تائبا وكانت توبتي في زمن نوح ﵊ وعلى يديه ولقد كنت معه في السفينة وعاتبته في دعائه على قومه حتى بكى وأبكاني وقال والله أصبحت من النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ولقد كنت مع هود حين دعا على قومه فأهلكهم أن بالريح العقيم فعاتبته في دعائه على قومه حتى بكى وأبكاني وقال والله أصبحت من النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ولقد كنت مع هود حين دعا على قومه فأهلكهم أن بالريح العقيم فعاتبته في دعائه على قومه حتى بكى وأبكاني وقال والله أصبحت من النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ولقد كنت مع صالح في مسجده حين دعا على قومه فأخذتهم الصيحة فعاتبته في دعائه على قومه حتى بكى وأبكاني وقال والله أصبحت من النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ولقد كنت مع إبراهيم يوم قذف في النار واسعى بين منجنيقه واطفئ نيرانهم حتى جعلها الله عليه بردا وسلاما وأن موسى بن عمران أوصاني إن بقيت إلى أن يبعث عيسى ابن مريم أن أقرأه منه السلام فلقيت عيسى فاقرأته السلام وقال لي عيسى ابن مريم إن بقيت إلى أن تلقى محمدا فاقرأه مني السلام فجئت اقرأ عليك السلام فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى عيسى السلام ما دامت السموات والأرض وعليك يا هام فإنك قد أديت الأمانة فما حاجتك قال إن موسى علمني التوراة وعيسى علمني
[ ١ / ٧٣٨ ]
الإنجيل وأحب أن تعلمني شيئا من القرآن فاقرأه في صلاتي فعلمه عشر سور من القرآن فلم ير بعد انتهى لكن قال ابن نصر هذا الحديث موضوع وقاله ابن الجوزي أيضا وقال العقيلي لا أصل له والله تعالى أعلم (وذكر الواقديّ) وكذا روى النسائي والبيهقي عن أبي الطفيل (قتل خالد) أي ابن الوليد (عند هدمه العزّى) تأنيث الأعز سمرة كانت لغطفان يعبدونها وكانوا بنوا عليها بيتا (للسّوداء التي خرجت له) أي لخالد من الشجرة بعد قطعها (ناشرة) أي مفرقة (شعرها عريانة) أي واضعة يدها على رأسها داعية يا ويلها (فجزّ لها) بجيم وزاء مخففة وتشدد للمبالغة أي قطعها نصفين (بسيفه) وهو يقول يا عزى كفرانك لا غفرانك إني رأيت الله قد أهانك ويروى فجدلها بتشديد الدال أي فصرعها وفي رواية فخزلها بالخاء المعجمة والزاء المخففة أي فقطعها (وأعلم) أي خالد (النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فقال) أي له كما في نسخة (تلك العزّى) زيد في رواية لن تعبد أبدا وفي رواية تلك شيطانة (وقال ﵇) كما في الصحيحين عن أبي هريرة (إنّ شيطانا) من شطن إذا بعد لبعده عن الخير أو من شاط إذا هلك لهلاكه في الشر (تفلّت) بتشديد اللام أن تخلص بغتة (البارحة) أي في الليلة الماضية (ليقطع عليّ صلاتي) والمعنى تعرض لي بغتة ليغلبني في أداء صلاتي غفلة (فأمكنني الله منه) أي أقدرني الله عليه (فأخذته فأردت أن أربطه) بكسر الموحدة وتضم (إلى سارية من سواري المسجد) أو منضما إلى أسطوانة من أسطوانات مسجد المدينة (حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سليمان رَبِّ اغْفِرْ لِي) أي ما صدر عني في أمر ديني وهو بدل من دعوة أخي (وَهَبْ لِي) أي من الدنيا مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص: ٣٥]) أي لا يتسهل لغيري في حياتي أو بعد مماتي مبالغة في زيادة خارقة للعادة (فردّه الله خاسئا) أي خائبا وهذا صريح في أن هذا الشيطان أحد الجن الموثقة بالقيود لدلالة تفلت عليه ولإشارة التنكير إليه فلا وجه لقول الحلبي هذا الشيطان يحتمل أن يكون إبليس وأنه جاء ليلقي في وجهه ﵇ شهابا من نار فأخذه ويحتمل أن يكون غيره والذي ظهر لي أنهما قصة واحدة انتهى كلامه وقال القاضي يفهم منه أن مثل هذا مما خص به سليمان ﵇ دون غيره من الأنبياء واستجيبت دعوته في ذلك ولذلك امتنع نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم من أخذه إما تواضعا أو تأدبا أو تسليما لدعوة سليمان ﵇ قلت والتسليم أولى واسلم وأما ما نقل عن الحجاج أنه قال لقد كان حسودا فصريح في كفره وقال ابن عطية وهذا من فسقه وقال ابن عرفة كان بعضهم يقول هذا من جهله والله ﷾ اعلم بحاله ومآله (وهذا باب واسع) أي لا يمكن استقصاؤه ولا يتصور استيعابه.
فصل [وَمِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ وَعَلَامَاتِ رِسَالَتِهِ مَا تَرَادَفَتْ]
(ومن دلائل نبوّته) أي دلالات بعثته من أول حالته (وعلامات رسالته) وبخط القاضي وعلامة رسالته (ما ترادفت به الأخبار) أي تتابعت وتواترت الآثار (عن الرّهبان والأحبار) أي
[ ١ / ٧٣٩ ]
من زهاد النصارى وعبادهم وعلماء اليهود وقوادهم كخبر الراهب بحيرا وكان في زمنه أعلم النصارى وقد سافر به عمه أبو طالب في اشياخ من قريش إلى الشام فوافوا بصرى من ديار الشام فنزل من صومعته وكان قبل ذلك لا ينزل لمن نزل به الحديث وقد تقدم وكخبر حبر بني عبد الأشهل من اليهود إذ أتى نادى قومه فذكر البعث والحساب والميزان والجنة والنار وذلك قبل مبعثه ﵇ فقالوا ويحك هذا كائن وأن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار ويجزون بأعمالهم قال نعم ولوددت إن حظي من تلك النار أن توقدوا أعظم تنور ثم تقذفوني فيه وتطبقوه علي وأني أنجو به من النار غدا فقيل له ما علامة ذلك قال نبي بعثه الله من هذه البلاد وأشار بيده إلى مكة قالوا متى فرمى بطرفه إلى أصغر القوم فقال إن يعش هذا يدركه فلما بعث آمنا به وصدقناه وكفر هو به فقلنا له ألست الذي قلت ما قلت وأخبرتنا فقال ليس به (وعلماء أهل الكتب) أي من غيرهم وفي نسخة الكتاب على قصد الجنس وفي أصل الدلجي وعلماء أهل الزمان فهو من باب عطف العام على الخاص (من صفته وصفة أمّته) كخبر عبد الله بن سلام قال في التوراة صفة محمد ﵊ وعيسى ابن مريم يدفن معه وخبر كعب الأحبار قال نجد في التوراة محمد رسول الله عبدي المختار إلى أن قال مولده بمكة وهجرته بطيبة وملكه بالشام وأمته الحامدون يحمدون الله تعالى في السراء والضراء الحديث وقد سبق (واسمه) أي محمد في التوراة وأحمد في الإنجيل وقال وهب بن منبه في الزبور يا داود سيأتي من بعدك نبي يسمى أحمد ومحمدا صادقا سيدا لا أغضب عليه أبدا ولا يعصيني أبدا وقد غفرت له قبل أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأمته مرحومة وأعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل حتى يأتوا يوم القيامة نورهم مثل نور الأنبياء (وعلاماته) أي كما في الإنجيل صاحب المدرعة والعمامة والنعلين والهراوة ونحو ذلك (وذكر الخاتم الذي بين كتفيه) كما هو في كتب أهل الكتاب وقد بينت في شرح الشمائل هذا الباب (وَمَا وُجِدَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَشْعَارِ الْمُوَحِّدِينَ) وفي اصل الدلجي وَمَا وُجِدَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَشْعَارِ الْمُوَحِّدِينَ أي القائلين بالوحدة الإلهية (المتقدّمين) أي في زمن الجاهلية (من شعر تبّع) بضم التاء وتشديد الموحدة أحد ملوك اليمن وشعره هذا بعد منصرفه من المدينة وكان قد نازل أهلها الأوس والخزرج واليهود فكانوا يقاتلونه نهارا ويضيفونه ليلا واستمر ثلاث ليال فاستحيى فأرسل ليصالحهم فخرج إليه من الأوس أحيحة ابن الجلاح ومن يهود بنيامين القرظي فقال له أحيحة أيها الملك نحن قومك وقال بنيامين أيها الملك هذه بلدة لا تقدر أن تدخلها قال ولم قال لأنها منزل نبي يبعثه الله من قريش فأنشده شعرا منه:
ألقى إلى نصيحة كي أزدجر عن قرية محجورة بمحمد
[ ١ / ٧٤٠ ]
قال التلمساني وهو أبو كريب الذي كسا البيت ولم يسبقه إليه أحد ومن شعره المتواتر عنه قوله:
شهدت على أحمد أنه رسول من الله بارئ النسم
فلو مد عمري إلى عمره لكنت وزيرا له وابن عم
في أبيات كتبها وأودعها إلى أهله فكانوا يتوارثونها كابرا عن كابر إلى أن هاجر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأدوها إليه ويقال كان الكتاب والأبيات عند أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه (والأوس بن حارثة) والحارثة بحاء مهملة ابن لأم الطائي وهو ممن يوحد الله تعالى من أهل الفترة (وكعب بن لؤيّ) بضم لام ففتح همزة وتبدل وتشديد تحتية وهو سابع أجداده ﵊ وأما ما في نسخة لؤي بن كعب فخطأ (وسفيان بن مجاشع) أي وأشعارهم فيه صلى الله تعالى عليه وسلم لكنها غير مشهورة (وقسّ بن ساعدة) بضم القاف وتشديد السين أسقف نجران وكان من حكماء العرب ومن شعره:
الحمد لله الذي لم يخلق الخلق عبث
لم يخلنا منه سدى من بعد عيش وأكترث
أرسل فينا أحمدا خير نبي قد بعث
صلى عليه الله ما حج له ركب وحث
وقد رآه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعكاظ وغيره ومن ثمه عده ابن شاهين وغيره في الصحابة (وما ذكر) عطف على ما وجد أي وما نقل (عن سيف بن ذي يزن) بفتح الياء والزاء مصروفا ويمنع وهو من ملوك حمير ومن كان شريفا من أهل اليمن يقال له ذو يزن وقد ذكره الذهبي في الصحابة وقال ما لفظه سيف بن ذي يزن أهدى إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حلة وهو مشهور انتهى وقال الدلجي خبره أنه قال لجده عبد المطلب بن هاشم وقد وفد عليه ومن معه من قومه ليهنوه بنصرته على الحبشة أني مفض إليك من سر علمي ما لو غيرك لم أبح به إذ قد رأيتك معدنه فاكتمه حتى يأذن الله فيه أني أجد في علمنا الذي ادخرناه لأنفسنا وحجبناه عن غيرنا خبرا عظيما فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة قال فما هو قال إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامة كانت له الإمامة ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة فقال أيها الملك لقد أتيت بخبر ما آب به وافد ثم قال أيها الملك ابن لي ما ازداد به سرورا قال سيف هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد اسمه محمد يموت أبوه وأمه ويكفل جده وعمه وقد ولدناه مرارا والله باعثه جهارا أو جاعل له منا أنصارا يعز بهم أولياءه ويذل بهم أعداءه ويضرب بهم الناس عن العرش ويفتح بهم كرائم أهل العرض يعبد الرحمن ويدحض الشيطان ويحمد النيران ويكسر الأوثان قوله فصل
[ ١ / ٧٤١ ]
وحكمه عدل يأمر بالمعروف ويفعله وينهى عن المنكر ويبطله فقال أيها الملك قد أوضحت بعض الإيضاح قال سيف والله إنك لجده فهل أحسست بشيء مما ذكرت لك قال نعم إنه كان لي ابن كنت به معجبا وعليه شفيقا وأن زوجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب فجاءت بغلام سميته محمدا مات أبوه وأمه وكفلته أنا وعمه قال له سيف فاحتفظ به وأحذر عليه اليهود فإنهم له أعداء ولن يجعل الله تعالى لهم عليه سبيلا وأطو ما ذكرت لك عمن معك فلست آمن عليك أن يحسدوك أو أبناؤهم ولولا أني أعلم أني أموت قبل مبعثه لجعلت يثرب دار ملكي فإنها مهاجره وأهلها أنصاره وبها قبره ولولا خوفي عليه لأعلنت على حداثة سنه امره ولأوطأت على أنوف العرب كعبه وقد صرفت ذلك إليك من غير تقصير مني معك وإذا حال الحول فأتني بخبره وما يكون من أمره فمات سيف قبل الحول وقد ذكره الذهبي في الصحابة مع إيمانه به في حياته ولم يره فالحق أنه مخضرم والله تعالى أعلم (وغيرهم) أي كالراهب الذي قال لسلمان الفارسي إذ قال له بمن توصيني أكون عنده بعدك أعبد الله أي نبي والله ما أعلم أحدا على ما كنا عليه أوصيك أن تكون عنده ولكن قد أظلك زمان نبي يبعث من الحرم مهاجره بين حرتين في أرض سبخة ذات نخل فيه علامات لا تخفى بين كتفيه خاتم النبوة يأكل الهدية دون الصدقة فإن استطعت أن تخلص إليه فافعل. (وما عرّف) بتشديد الراء على بناء الفاعل لا المفعول كما وهم الدلجي أي وما أعلم (به من أمره) أي بعضه (زيد بن عمرو بن نفيل) بالتصغير قال الحلبي زيد هذا والد سعيد أحد العشرة وهو ابن عم عمر بن الخطاب وكان زيد يتعبد في المقبرة قبل النبوة على دين إبراهيم ﵊ ويتطلب أحكامه الكرام ويوجد الله ويعيب على قريش ذبائحهم على الأنصاب ولا يأكل مما ذبح على النصب وكان إذا دخل الكعبة قال لبيك حقا تعبدا ورقا عذت بما عاذ به إبراهيم جاء ذكره في أحاديث وتوفي قبل النبوة فرثاه ورقة بن نوفل بأبيات معناها أنه خلص نفسه من جهنم بتوحيده واجتنابه عن عبادة الأوثان وفي صحيح البخاري في كتاب المناقب ذكره وبعض مناقبه قال الدلجي ذكر زيد عن راهب بالجزيرة إذ قال له وقد سأله عن دين إبراهيم ﵇ أن كل من رأيت يعني من الأحبار والرهبان في ضلال أنك تسأل عن دين الله ودين ملائكته وقد خرج في أرضك نبي أو هو خارج يدعو إليه أرجع إليه فصدقه واتبعه فلقيه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قبل أن يبعث ببلدح فقال له أي عم ما لي أرى قومك قد أنفوك قال أما والله إن ذلك لغير ثائرة مني إليهم ولكني أراهم على ضلالة فخرجت ابتغي هذا الدين ثم أخبره بما عرف به راهب الجزيرة من أمره صلى الله تعالى عليه وسلم ثم قال فرجعت فلم اختبر شيئا بعد فقدم صلى الله تعالى عليه وسلم له سفرة فيها لحم فقال أنا لا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه ثم مات قبل أن يبعث فقال صلى الله تعالى عليه وسلم أنه يبعث يوم القيامة أمة واحدة كما رواه النسائي هذا وعد ابن منده له ولغيره ممن رآه ﵇ واجتمع به قبل البعثة من الصحابة الكرام توسع في الكلام إذ لم يجتمع به صلى الله تعالى عليه وسلم
[ ١ / ٧٤٢ ]
بعدها مؤمنا (وورقة بن نوفل) أي وما عرف به من أمره ورقة بن نوفل بن أسد عن رهبان كثيرين وقد أخبرته خديجة بنت خويلد بن أسد بما أخبرها به غلامها ميسرة من قول الراهب وأنه رأى ملكين يظلانه فقال إن كان هذا حقا فمحمد نبي هذه الأمة وقد عرفت إن لها نبيا ينتظر وهذا زمانه ثم إنه كان يستبطئ الأمر حتى قال شعرا:
تبكر أم أنت العشية رائح وفي الصدر من إضمارك الحزن فادح
لغرقة قوم لا أحب فراقهم كأنك عنهم بعد يومين نازح
فأخبار صدق خبرت عن محمد يخبرها عنه إذا غاب ناصح
فذاك الذي وجهت يا خير حرة بغور وبالنجدين حيث الصحاصح
إلى سوق بصرى والركاب التي غدت وهن من الأحمال قعص دوائح
يخبرنا عن كل خير بعلمه وللحق أبواب لهن مفاتح
بان ابن عبد الله أحمد مرسل إلى كل من ضمت عليه الأباطح
وظني به أن سوف يبعث صادقا كما بعث العبدان هود وصالح
وموسى وإبراهيم حتى يرى له بهاء وميسور من الذكر واضح
وتتبعها حبا لؤي جماعة شبابهموا والأشيبون الجحاجح
فإن أبق حتى يدرك الناس دهره فأنى به مستبشر الود فارح
والأفاني يا خديجة فاعلمي عن أرضك في الأرض العريضة سائح
وهذه شواهد صدق بإيمانه مع ما ذكر بعضهم بأنه صحابي بل هو أول الصحابة من أنه اجتمع به بعد الرسالة إذ صح أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أتاه بعد مجيء جبريل إليه وإخباره له عن ربه بأنه رسول هذه الأمة بعد إنزال اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ عليه وبعد قول ورقة له أبشر فأنا اشهد أنك الذي بشر به ابن مريم وأنك على ناموس عيسى وأنك نبي مرسل وقد ورد أنه صلى الله تعالى عليه وسلم رآه في الجنة وعليه ثياب خضر وفي مستدرك الحاكم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال لا تسبوا ورقة فإني رأيته في الجنة وعليه جبة أو جبتان وأما ما نقله الذهبي عن ابن منده أنه قال الأظهر أنه مات بعد النبوة قبل الرسالة فواه جدا ويرده ما في صحيح البخاري عنه صريحا (وعثكلان) بفتح العين والكاف وتضمان واقتصر عليه بعضهم (الحميريّ) بكسر الحاء وفتح الياء نسبة إلى حمير أبي قبيلة من اليمن ومنهم كانت الملوك في الدهر الأول أي وما عرف به من أمره من الرهبان لكني لم أر من ذكره في معرض البيان (وعلماء اليهود) وفي نسخة وعلماء يهود أي من كتبهم أو من أخبارهم عن أحبارهم كقوله عالم منهم كان بمكة يتجر في نادي من قريش هل ولد فيكم الليلة مولود قالوا لا نعلم قال الله أكبر أما إذا أخطأكم خبر فانظروا واحفظوا ما أقول لكم ولد في هذه الليلة
[ ١ / ٧٤٣ ]
نبي هذه الأمة الأخيرة بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنهن عرف فرس فتفرقوا متعجبين من قوله فسأل كل أهله فقالوا قد ولد الليلة لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدا فأخبروا اليهودي به فقال اذهبوا ننظره فدخلوا به على أمه فرأى العلامة فخر مغشيا عليه ثم أفاق فقالوا ويلك ما دهاك فقال ذهبت والله النبوة من بني إسرائيل افرحتم به معشر قريش ليسطون بكم سطوة يطير خبرها في المشرق والمغرب (وشامول) بشين معجمة ثم ميم وفي آخره لام لا كاف كما في أصل الدلجي (عالمهم صاحب تبّع) وهو الذي مر بالمدينة ومعه رهبان فقالوا له إن هذه مهاجر نبي آخر الزمان وإنا لن نبرح منها لعلنا ندركه أو ابناؤنا فأعطى كل واحد منهم مالا وجارية فمكثوا فيها وتوالدوا بها فيقال الأنصار من ذريتهم (من صفته وخبره) بيان لما عرف به زيد ومن ذكر من بعده (وما ألفي) بضم همزة فكسر فاء وأما القاف كما في نسخة فهو تصحيف والمعنى ما وجد (من ذلك) أي مما دل على ما ذكر من صفته وخبره (فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِمَّا قَدْ جَمَعَهُ الْعُلَمَاءُ) أي علماء هذه الأمة (وبيّنوه) ففي التوراة أن الله تعالى قال لإبراهيم ﵇ أن هاجر تلد ويكون من ولدها من يده فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة إليه بالخشوع وقال لموسى ﵇ إني مقيم لهم نبيا من بني إخوتهم مثلك وأجري قولي في فيه يقول لهم ما آمرهم والرجل الذي لا يقبل قول النبي الذي يتكلم باسمي فأنا انتقم منه وفي الإنجيل قال عيسى ﵇ إني أطلب إلى ربي فارقليطا يكون معكم إلى الأبد وفيه على لسانه فارقليط روح القدس الذي يرسله ربي باسمي أي النبوة هو الذي يعلمكم ويمنحكم جميع الأشياء ويذكركم ما قلته وإني قد أخبرتكم بهذا قبل أن يكون حتى إذا كان تؤمنوا به وفارقليط معناه كاشف الخفيات وفيه أقول لكم الآن حقا انطلاقي عنكم خير لكم فإن لم تنطلق عنكم إلى ربكم لم يأتكم الفارقليط وإن انطلقت أرسلت به إليكم فإذا جاء يفيد العالم ويؤنبهم ويوبخهم ويوقعهم على الخطيئة والبراذن روح اليقين يرشدكم ويعلمكم ويدبر لجميع الخلق لأنه ليس يتكلم بدعة من تلقاء نفسه (ونقله عنهما) أي عن التوراة والإنجيل وفي أصل الدلجي عنهم فإن صح نسخة فالضمير إلى العلماء لكنه لا يلائم قوله (ثقات من أسلم) وفي نسخة ثقاة من أسلم بالإضافة (منهم) أي من علماء اليهود والنصارى (مثل ابن سلام) هو الحبر عبد الله بن سلام من علماء اليهود وأخباره شهيرة كثيرة (وابني سعية) بفتح فسكون فتحتية أو فنون والمعروف انهما اثنان فما في بعض النسخ وبني سعية من غير ألف لعله سهو أو محمول على ان أقل الجمع اثنان وأن قول الحلبي فيحتمل أن القاضي رأى معهما أسد بن عبيد فظنه أخاهما فهو من الظن السوء به نعم قوله ويحتمل أنه وقف على أنهم ثلاثة ظن حسن وتوجيه مستحسن هذا وفي دلائل النبوة للبيهقي وسيرة ابن سيد الناس عن ابن إسحاق قال أسيد أو ثعلبة ابني سعية وأسيد بن عبيد نفر من هذيل ليسوا من بني قريظة ولا النضير يعني نسبهم فوق ذلك وهو بنو عم القوم اسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها قريظة على حكم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قالوا قدم علينا
[ ١ / ٧٤٤ ]
قبل البعثة بسنتين حبر من يهود الشام يقال له ابن الهيبان فأقام عندنا فكنا نستسقي به فحضرته الوفاة فجئناه فقال يا معشر يهود ما ترونه أخرجني من الرخاء إلى أرض البؤس قالوا أنت أعلم قال إنما خرجت أتوقع مبعث نبي قد أظل زمانه ومهاجره هذه البلاد فاتبعوه فلا يسبقكم إليه أحد فإنه يبعث بسفك دماء من خالفه وسبي ذراريهم ثم مات فلما فتحت خيبر قال أولئك النفر الثلاثة وكانوا شبانا أحداثا يا معشر يهود والله إنه للذي كان يذكر لكم ابن الهيبان قالوا ما هو به قالوا بلى ثم نزلوا فاسلموا وخلوا أموالهم وأولادهم وأهليهم في الحصن فردها عليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (وبنيامين) سمي أخي يوسف ﵇ (ومخيريق) بالتصغير وخاؤه معجمة قال السهيلي إنه أسلم وأوصى للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال المصنف أوصى بسبعة حوائط قال الحلبي قاتل يوم أحد حتى قتل وقال الواقدي كان حبرا عالما فآمن بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو من بني النضير انتهى وقد صرح غير واحد من الحفاظ بأنه اسلم (وكعب) أي كعب الأحبار (وأشباههم ممّن أسلم من علماء اليهود) أي ولو بعد موته ﵊ مثل كعب فإنه تابعي مخضرم ولم ير النبي ﵊ وإنما اسلم في زمن عمر رضي الله تعالى عنه (وبحيرا) بفتح باء وكسر حاء فراء ممدودا ومقصورا ممن شهد له بالرسالة قبل دعوى النبوة فهو من الصحابة إن لم يشترط الاجتماع بعد البعثة (ونسطور) بفتح النون وسكون السين وفي نسخة نصطور وفي نسخة بنون في آخر بدل الراء (الحبشة) قيده بهم احترازا من نسطور الشام وهو الذي جرى له ما جرى مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في متجره لخديجة في رحلته الثانية إلى الشام (وضغاطر) بفتح أوله وكسر الطاء وهو الأسقف الرومي اسلم على يد دحية الكلبي وقت الرسالة فقتلوه فهو تابعي مخضرم وذكره الذهبي في تجريد الصحابة (وصاحب بصرى) بضم موحدة وسكون مهملة مقصورا والمراد به عظم بصرى كما في البخاري (وأسقف الشّام) بضم همزة وقاف وتشديد فاء ولعله نسطوره المحترز عنه فيما تقدم (والجارود) أي ابن العلاء وفد في قومه على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال والله لقد جئت بالحق ونطقت بالصدق والذي بعثك بالحق نبيا لقد وجدت وصفك في الإنجيل وبشر بك ابن البتول فطول التحية لك والشكر لمن أكرمك لا أثر بعد عين ولا شك بعد يقين مد يدك فأنا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ محمد رسول الله ثم آمن قومه (وسلمان) أي الفارسي (والنّجاشيّ) وهو أصحمة (ونصارى الحبشة وأساقف نجران) بفتح الهمزة وكسر القاف وتخفيف الفاء جمع اسقف أي علمائهم ورؤسائهم ونجران بفتح نون وسكون جيم موضع باليمن فتح سنة عشر كذا في القاموس وقال الذهبي في تجريد الصحابة ما لفظه أسقف نجران قال أبو موسى لا أدري أسلم أم لا ويذكره غيره نقله الحلبي (وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ عُلَمَاءِ النَّصَارَى وَقَدِ اعترف بذلك) أي بصحة نبوته وعموم رسالته (هرقل) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف وفي نسخة بسكون الراء وفتح القاف وفي أخرى بفتح الهاء والقاف (وصاحب رومة) كذا في أكثر
[ ١ / ٧٤٥ ]
النسخ وقال الحلبي صوابه رومية بتخفيف الياء كما في الصحيح وهي مدينة رياسة الروم وعلمهم (عالما النّصارى ورئيساهم) كما في البخاري ثم هرقل كتب إلى صاحب له برومية وكان نظيره في العلم وسار هرقل إلى حمص فلم يرم حمص حتى جاءه كتاب من صاحبه يوافقه على خروج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأنه نبي ويروى النصرانية ورئيساها (ومقوقيس) بضم الميم وكسر القاف الثانية (صاحب مصر) أي ملك القبط قال الذهبي في تجريد الصحابة المقوقس صاحب الإسكندرية أهدى لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا مدخل له في الصحابة ذكره ابن منده وأبو نعيم وما زال نصرانيا ومنه أخذت مصر واسمه جريج انتهى وسماه الدارقطني جريج بن مينا انتهى وأثبته أبو عمرو في الصحابة ثم أمر بأن يضرب عليه وقال يغلب على الظن أنه لم يسلم وكانت شبهته في إثباته في الصحابة رواية رواها ابن إسحاق عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الله بن عتبة قال أخبرني المقوقس أنه أهدى لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومسلم قدحا من قوارير وكان يشرب فيه قال الحلبي فائدة لهم شخص آخر معدود في الصحابة يقال له المقوقس في معجم ابن قانع قال الذهبي لعله الأول (والشّيخ صاحبه) وهذا لا يعرف اسمه (وابن صوريا) بضم الصاد وكسر الراء ممدودا ومقصورا قال الحلبي اسمه عبد الله ذكر السهيلي عن النقاش أنه أسلم وقال الدلجي اسلم ثم ارتد إلى دينه والله تعالى أعلم (وابن أخطب) هو حيي أبو صفية أم المؤمنين (وأخوه) هو أبو ياسر بن اخطب قتلا كافرين صبرا مع أسرى بني قريظة (وكعب بن أسد) صاحب عقد بني قريظة وعهدهم موادعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم نقض العهد فقاتلهم النبي ﵇ فغلبهم فقتل مقاتلتهم وسبى ذريتهم فقتلوا صبرا ومعهم كعب بن أسد وكانوا ستمائة أو سبعمائة أو ثمانمائة أو تسعمائة (والزّبير) بفتح الزاء وكسر الباء (ابن باطيا) بكسر الطاء قال الدلجي وفي نسخة باطا بلا تحتية وقال الحلبي وفي غير هذا المؤلف بأطا بلا مد ولا همزة وهو أي الزبير والد عبد الرحمن بن الزبير الذي تزوج امرأة رفاعة القرظي الحديث كما في البخاري وقال ابن منده وأبو نعيم هو عبد الرحمن بن الزبير بن زيد ابن أمية الأوسي (وغيرهم) أي قد اعترف بثبوت نبوته وحقية رسالته هؤلاء وَغَيْرُهُمْ (مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ مِمَّنْ حَمَلَهُ الْحَسَدُ) وهو إرادة زوال نعمة الغير (والنّفاسة) بفتح النون من نفست عليه الشيء نفاسة إذا لم تره يستأهله أنفة (على البقاء) أي بقائه على الكفر في الدنيا (على الشّقاء) أي تبعه بالعذاب في العقبى وفي نسخة الشقاوة وفي أصل الدلجي وبعض النسخ على البقاء على الشقاء أي المداومة على الشقاوة، (والأخبار في هذا) أي فميا ذكر من دلالا نبوته وعلامات رسالته (كثيرة لا تنحصر) أي بحيث لا تحصى ولا تستقصى (وقد قرّع) بفتح القاف وتشديد الراء أي ضرب ﵇ بشدة وأبلغ بحدة (أسماع يهود) وفي نسخة اليهود (والنّصارى بما ذكر) أي أخبر النبي ﵊ (أَنَّهُ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ صِفَتِهِ وَصِفَةِ أَصْحَابِهِ) كقوله تعالى ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ الآية وفي الإنجيل أيضا
[ ١ / ٧٤٦ ]
جد في أمري واسمع واطلع با ابن الطاهرة البتول إني خلقتك من غير فحل إلى آخر ما تقدم وفي التوراة أيضا قال موسى رب إني أجد في التوراة أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله فأجعلهم أمتي قال تلك أمة محمد قال إني أجد فيها أمة هم الآخرون السابقون يوم القيامة فأجعلهم أمتي قال تلك أمة محمد قال أجد أمة أناجيلهم في صدورهم يقرؤونها وكان من قبلهم يقرؤون في كتبهم نظرا ولا يحفظونها فاجعلهم أمتي قال تلك أمة محمد الحديث وفي الزبور يا داود يأتي بعدك نبي يسمى أحمدا ومحمدا صادقا سيدا أمته مرحومة افترضت عليهم أن يتطهروا لكل صلاة كما افترضت على الأنبياء وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء وأمرتهم بالحج والجهاد يا داود إني فضلت محمدا وأمته على الأمم كلها أعطيتهم ستا لم أعطها غيرهم لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان وكل ذنب فعلوه عمدا إذا استغفروني منه غفرته لهم وما قدموه لآخرتهم طيبة به أنفسهم عجلته لهم أضعافا مضاعفة ولهم في المذخور عندي أضعاف مضاعفة وأعطيتهم على المصائب إذ صبروا وقالوا إنا لله وإنا إليه راجعون الصلاة والهدى والرحمة إلى جنات النعيم فإن دعوني استجبت لهم فإما أن يروه عاجلا أو أصرف عنهم سوءا أو أدخره لهم في الآخرة (واحتجّ) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (عليهم) حيث أنكروا نعته ونعت أمته (بما انطوت) أي اشتملت (عليه من ذلك) أي النوع (صحفهم) أي كتبهم (وذمّهم) أي النبي ﵊ (بتحريف ذلك) أي بتغيير مبناه أو تعبير معناه (وكتمانه) أي بعدم تبيانه (وليّهم ألسنتهم) أي فتلها وصرفها (ببيان أمره) أي وتبيان ذكره (ودعوتهم) بالتاء وفي نسخة ودعواهم (المباهلة) بالنصب على نزع الخافض والمعنى وقرع اسماع نصارى نجران بما أمره ربه به من دعواهم إلى المباهلة أي الملاعنة الكاملة (على الكاذب) أي في المعاملة فأبوا حذرا من العقوبة وبذلوا له الجزية كما مرت القصة (فما منهم) أي من اليهود والنصارى (إلّا من نفر) أي هرب وفي نسخة صحيحة نفر أي أعرض (عن معارضته وإبداء) بكسر الهمزتين والمد وفي نسخة وأبدى بصيغة الماضي أي أظهر (ما ألزمهم من كتبهم إظهاره) كآية الرجم وغيره (ولو وجدوا) أي في كتبهم (خلاف قوله لكان إظهاره) أي المسارعة إليه في مقام الجدال (أهون علهيم مِنْ بَذْلِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَتَخْرِيبِ الدِّيَارِ وَنَبْذِ القتال) أي طرح المقاتلة بين الرجال (وقد قال لهم) أي لليهود حين قالوا عندما قرع سمعهم قوله تعالى فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وقوله وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ الآية لسنا أول من حرمت عليه وإنما كانت محرمة على إبراهيم ومن بعده حتى انتهى الأمر إلينا فرد الله عليهم بقوله تعالى (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [آل عمران: ٩٣]) فبهتوا ولن يقدروا أن يأتوا فثبت أنها لم تحرم إلا عليهم بظلمهم وبغيهم وهو أمر له بمحاجتهم ومدافعتهم بما في كتابهم تبكيتا وتوبيخا لهم (إلى ما أنذر به) أي مع ما أعلم بظهوره ووجود نوره (الكهّان) أو بما خوفوه من حلول البأس والنقم بمن خالف وما
[ ١ / ٧٤٧ ]
اسلم (مثل شافع بن كليب) بالتصغير وفي نسخة بسين مهملة وهو من كهان العرب إلا أنه غير معروف النسب (وشقّ) بكسر أوله وتشديد ثانيه من كهانهم لم يكن له سوى عين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة فكأنه شق إنسان (وسطيح) بفتح فكسر كاهن بني ذؤيب من غسان بفتح معجمة وتشديد مهملة لم يكن في بدنه عظم سوى رأسه بلا جسد ملقى لا جوارح له لا يقدر على جلوس إذا غضب انتفخ فجلس وزعم الكلبي أنه عاش ثلاثمائة سنه وأنه خرج مع الأزد أيام سيل العرم ومات في أيام شيرويه بن هرمز والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم بمكة وهو الذي أول رؤيا المؤبذان أن إبلا صعابا تقول خيلا عرابا قطعت دجلة وانتشرت في بلادها بما حاصله أن ملكه يزول بظهور النبي ﵊ وقد فتح بلاده في زمن عمر رضي الله تعالى عنه على يد الصحابة الكرام (وسواد بن قارب) بكسر الراء أزدي كان كاهنهم في الجاهلية أخبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن أخبره أن الله يبعث نبيا فانهض إليه على ما سيأتي مفصلا (وخنافر) بضم الخاء المعجمة وكسر الفاء كاهن بني حمير أسلم على يد معاذ ولم ير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فهو تابعي مخضرم (وأفعى نجران) بفتح همزة وسكون فاء فعين مهملة مقصورا كاهنهم في الجاهلية وهذا هو الظاهر المتبادر من السياق واللحاق وقال الحلبي ما أدري ما أراد القاضي أحية أم شخص اسمه أفعى (وجذل بن جذل) بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة فيهما (الكنديّ) بكسر الكاف قبيلة وهو كاهنهم فيها (وابن خلصة) بفتح الخاء المعجمة واللام (الدّوسي) بفتح الدال (وسعدي) بضم السين وفتح الدال مقصورا (بنت كريز) بالتصغير وفي آخره زاء وفي نسخة صحيحة سعد ابن بنت كريز وفي أصل الدلجي سعد بن كرز (وفاطمة بنت النّعمان) ويروى نعمان وهو بضم النون ولم تعرف لهم ترجمة (ومن لا ينعدّ كثرة) أي ممن أخبر بظهوره وسطوع نوره (إلى) أي مع (مَا ظَهَرَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَصْنَامِ مِنْ نُبُوَّتِهِ) أي من بيان حصول نبوته (وحلول وقت رسالته) كقول بأجر صنم مازن الطائي وهو مازن السادن وقد عتر له عتيرة:
يا ماز انهض وأقبل تسمع كلاما تجهل
هذا نبي مرسل جاء بحق منزل
آمن به كي تعدل عن حر نار تشعل
وقودها بالجندل فقلت هذا والله لعجب
ثم عترت له بعد أيام أخرى فقال
يا مازن استمع تسر ظهر خير بطن شر
وهو نبي من مضر يدين لله الكبر
فدع نحيتا من حجر تسلم من حر سقر
فقلت هذا والله لعجب وخير يراد وقدم علينا رجل من الحجاز فقلنا ما وراءك فقال
[ ١ / ٧٤٨ ]
ظهر رجل من تهامة يقول أجيبوا داعي الله اسمه أحمد فقلت هذا والله نبأ ما سمعت منه فكسرته ورحلت إليه صلى الله تعالى عليه وسلم فشرح لي الإسلام فأسلمت وكقوله صنم عمرو بن جبلة
يا عصام يا عصام جاء الإسلام وذهب الأصنام
وقول صنم طارق من بني هند بن حرام
يا طارق يا طارق بعث النبي الصادق
(وسمع) بصيغة المجهول أي وما سمع (من هواتف الجن) كذا في أصل الدلجي وفي النسخ الجان وهو غير ظاهر فإنه أبو الجن ولعله لغة والهاتف هو الصائح بالشيء الداعي إليه كسماع ذئاب بن الحارث هاتفا منهم
يا ذئاب يا ذئاب اسمع العجب العجاب
بعث محمد بالكتاب يدعو بمكة فلا يجاب
وكسماع ابن مرة الغطفاني جاء حق فسطح
ودمر باطل فانقمع وكسماع خالد بن بطيح
جاء الحق القائم والخير الدائم وكسماع سواد بن قارب من رئيه وهو نائم ليلا
قم فافهم واعقل إن كنت تعقل قد بعث نبي من لؤي بن غالب
ثم قال:
عجبت للجن وأجناسها وشدها العيس بأحلاسها
تهوى إلى مكة الهدى ما مؤمنو الجن كأرجاسها
فانهض إلى الصفوة من هاشم واسم بعينيك إلى رأسها
ثم نبهني وأفزعني وقال يا سواد إن الله بعث نبيا فانهض إليه تهتد وترشد ثم نبهني في الليلة الثانية وقال:
عجبت للجن وطلابها وشدها العيس بأقتابها
تهوى إلى مكة تبغى الهدى ليس قدماها كأذنابها
فانهض إلى الصفوة من هاشم واسم بعينيك إلى نابها
ثم نبهني في الثالثة وقال:
عجبت للجن وأخبارها وشدها العيس بأكوارها
تهوى إلى مكة تبغي الهدى ليس ذوو الشر كأخيارها
[ ١ / ٧٤٩ ]
فانهض إلى الصفوة من هاشم ما مؤمنو الجن ككفارها
فوقع في قلبي حب الإسلام فأتيته ﵊ بالمدينة فلما رآني قال مرحبا بك يا سواد قد علمنا ما جاء بك فقلت له قلت شعرا فاسمعه مني ثم إني أنشدت:
أتاني رئي ليلة بعد هجعة ولم يك فيما قد بلوت بكاذب
ثلاث ليال قوله كل ليلة أتاك نبي من لؤي بن غالب
فشمرت عن ساقي الإزار ووسطت بي الذ علب الوجناء عقد السباسب
فاشهد أن الله لا رب غيره وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدنى المرسلين شفاعة إلى الله يا بن الأكرمين الأطايب
فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى وإن كان فيما جاء شيب الذوائب
فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة سواك بمغن عن سواد بن قارب
قال فضحك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حتى بدت نواجذه وقال أفلحت يا سواد (ومن ذبائح النّصب) جمع نصيب بمعنى منصوب للعبادة أي وما سمع منها كسماع عمر رضي الله تعالى عنه من عجل رأى رجلا يذبحه لنصب يقول يا آل ذريح أمر نجيج رجل نصبح يقول لا إله إلا الله (وأجواف الصّوّر) أي وما سمع من أجوافها كما مر عن مازن السادن وغيره (وَمَا وُجِدَ مِنَ اسْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالشَّهَادَةِ لَهُ بِالرِّسَالَةِ مَكْتُوبًا فِي الحجارة والقبور) مفعول ثان لوجد أو حال من ضميره (بالخطّ القديم ما) أي الذي (أكثره مشهور) أي كما هو في كتب السير وغيرها مسطور (وَإِسْلَامُ مَنْ أَسْلَمَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مَذْكُورٌ) أي في كتب العلماء الأخيار بنقل الثقة في الأخبار.
فصل [وَمِنْ ذَلِكَ مَا ظَهَرَ مِنَ الْآيَاتِ عِنْدَ مولده ﵊]
(ومن ذلك) أي مما يدل على نبوته ورسالته (ما ظهر من الآيات) أي خوارق العادات (عند مولده) أي قرب ولادته صلى الله تعالى عليه وسلم (وما حكته) أي آمنة بنت وهب أنها أتيت فقيل لها قد حملت بسيد هذه الأمة فإذا خرج فقولي أعيذه بالواحد من شر كل حاسد (ومن حضره) أي وما حكاه من حضر مولده (من العجائب) أي مما سيأتي قريبا (وكونه) بالرفع أي وجوده (رافعا رأسه) أي للدعاء (عندما وضعته شاخصا ببصره إلى السّماء) كما رواه البيهقي عن الزهري مرسلا. (وما رأته) أي أمه (مِنَ النُّورِ الَّذِي خَرَجَ مَعَهُ عِنْدَ وِلَادَتِهِ) حتى رؤيت منه قصور بصرى كما رواه أحمد والبيهقي عن العرباض وأبي أمامة (وما رأته إذ ذاك) أي وقت ولادته (أمّ عثمان بن أبي العاص) أي الثقفي (من تدلّي النّجوم) أي نزولها ودنوها منه تبركا بحضرته (وظهور النّور) أي الذي سطع منه بأشعته (عند ولادته حتّى ما تنظر) أي أم عثمان (إلّا النّور) وفي رواية إلا لنور كما رواه البيهقي والطبراني عن ابنها عنها (وقول الشّفاء)
[ ١ / ٧٥٠ ]
بكسر أوله ممدودا ومقصورا والأول هو المفهوم من القاموس حيث قال الشفاء الدواء وسموا شفاء وقد صرح بالمد أيضا في اسماء الأسانيد وقال الحلبي الشفاء بكسر الشين المعجمة وبالفاء مقصورا فيما أعلمه انتهى والتحقيق أن الشفاء مصدر في الأصل ثم نقلته العرب علما للمؤنث وأما قول الدلجي بمعجمة مفتوحة ففاء مشددة فالظاهر أنه تصحيف وتحريف (أمّ عبد الرّحمن بن عوف) قال الذهبي وهي بنت عوف بن عبد الزهرية من المهاجرات (لمّا سقط صلى الله تعالى عليه وسلم على يديّ) بالتثنية وفي نسخة بالإفراد على إرادة الجنس (واستهلّ) بتشديد اللام أي رفع صوته بأن عطس وقال الحمد لله بدليل قولها (سمعت قائلا يقول رحمك الله) وقال الحلبي أي صاح وقال الدلجي عطس لا صاح من غير أن يذكر الحمد لله فالجمع أولى كما لا يخفى والمناسب لعلو شأنه وظهور برهانه أن لا يكون أول كلامه عبثا في مرامه بل يكون ذكرا ملائما لمقامه على طبق ما ورد عن آدم ﵇ من أنه عطس عند وصول روحه إلى بعض أعضائه الكرام (وأضاء لي ما بين المشرق والمغرب) أي مما يتنور بنوره من معمورة العالم وتحقيق هذا المبحث قد تقدم ويشير إليه قولها (حتّى نظرت إلى قصور الرّوم) أي بأرض الشام رواه أبو نعيم في الدلائل عن ابنها عبد الرحمن بن عوف عنها. (وما تعرّفت به حليمة) أي السعدية (وزوجها) المسمى بالحارث وذكر ابن إسحاق بسنده أنه اسلم (ضئراه) بكسر أوله وسكون همزة تثنية الظئر وهي المرضعة وقد يطلق على أبي الرضاعة أيضا كما هنا وقد يقال إنه للتغليب (من بركته ودرور لبنها) أي نزوله بكثرة (له) أي لأجله صلى الله تعالى عليه وسلم ولولدها رضيعه بعد أن لم يكن لها لبن يغنيه (ولبن شارفها) بكسر الراء أي درور لبن ناقتها المسنة (وخصب غنمها) بكسر الخاء المعجمة روى ابن إسحاق وابن حبان والطبراني وأبو يعلى والحاكم والبيهقي بسند جيد عن عبد الله بن جعفر عنها أنها قالت أخذته وتركته المراضع ليتمه فجئت به رحلي فأقبل عليه ثدياي فشرب حتى روي وشرب أخوه حتى روي وقام زوجي إلى شارفنا فوجدها حافلا فحلب ما شرب وشربت حتى روينا وبتنا بخير ليلة وقال والله يني لأراك قد أخذت نسمة مباركة الم تر ما بتنا به الليلة من الخير والبركة قالت وكانت أتاني قمراء قد أزمت بالركب فلما رجعنا إلى بلادنا سبقت حتى ما يتعلق بها حمار فتقول صواحبي هذه أتانك التي خرجت عليها معنا فأقول والله إنها لهي فقلن والله إن لها شأنا فقدمنا أرض بني سعد به وما أعلم أرضا أجدب منها وإن غنمي لتسرح ثم تروح شباعا لينا فنحلبها وما حولنا أرض تبض لها شاة بقطرة لبن وأن أغنامهم لتسرح ثم تروح جياعا فيقولون لرعيانهم أسرحوا مع غنم ابن أبي ذؤيب فيسرحون فتروه جياعا ما فيها قطرة لبن وتروح غنمى شباعا لبنا فنحلبها فلم يزل الله يرينا البركة ونتعرفها حتى بلغ سنتيه (وسرعة شبابه) أي وما تعرق ظئراه من سرعة شبابه بالنسبة إلى جنابه (وحسن نشأته) أي نمائه وبهائه في كبر جثته قبل تكامل هيئته قالت والله ما بلغ سنتيه حتى صار غلاما جفرا فقدمنا به على أمه ونحن أضن شيء به لما رأينا فيه من البركة بسببه ثم قلنا
[ ١ / ٧٥١ ]
لها دعينا نرجع به حذرا عليه من وباء مكة فما زلنا بها حتى قالت نعم (وما جرى من العجائب) وهي ما عظم وقوعه وخفي سببه (ليلة مولده صلى الله تعالى عليه وسلم) كما رواه البيهقي وابن أبي الدنيا وابن السكن عن مخزوم بن شاهين (من ارتجاج إيوان كسرى) أي اضطرابه جدا وتحركه شديدا مع إحكام بنائه من غير خلل نشأ به والإيوان بالكسر الصفة العظيمة وأصله أوان فأعل كديوان وسبق أن كسرى بكسر أوله ويفتح معرب خسرو لقب ملوك الفرس كقيصر لقب ملوك الروم وتبع لملوك اليمن والنجاشي لملوك الحبشة (وسقوط شرفاته) بضم الشين المعجمة والراء وتفتح وحكي سكونها جمع شرفة بضم فسكون وهو جمع قلة وضعت موضع كثرة لأنهن أربع عشرة ولعل الحكمة في عدولها عن الكثرة إلى القلة تحقيرا لها لخراب مآلها هذا وقد ملك منهم ملوك بعددها عشرة في أربع سنين وأربعة إلى خلافة عثمان وفتح المسلمين (وغيض بحيرة طبريّة) بفتحتين مدينة معروفة في الشام بناحية الأردن ذات حصن بينها وبين بيت المقدس نحو مرحلتين وهي من الأرض المقدسة والبحيرة مصغرة مع أنها عظيمة وغيضها نقصها هذا والمعروف أن الغائضة هي بحيرة ساوة من قرى بلاد فارس قال الحلبي اللهم إلا أن يريد عند خروج يأجوج ومأجوج فإن أوائلهم يشرب ماءها ويجيء آخرهم فيقول لقد كان بها ماء انتهى وبعده عن السياق من السباق واللحاق لا يخفى وفي نسخة صحيحة بدل طبرية ساوة والله تعالى اعلم (وخمود نار فارس) أي انطفائها وقت غيض بحيرتها فكأنها طفئت بمائها (وكان لها ألف عام لم تخمد) بفتح التاء وضم الميم وتفتح فإنه ورد من باب نصر ينصر وباب علم يعلم (وأنّه) أي النبي ﵊ كما رواه ابن سعد وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه (كَانَ إِذَا أَكَلَ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وآله) أي وأهل بيته (وهو صغير) جملة حالية معترضة (شبعوا) بكسر الباء (ورووا) بضم الواو (وإذا) وفي نسخة فإذا (غاب) أي عنهم (فأكلوا في غيبته لم يشبعوا) بفتح الباء وزيد في نسخة ولم يرووا بفتح الواو ولعل النسخة الأولى مبنية على الاكتفاء أو على تغليب شبع الطعام على ري الماء (وكان سائر ولد أبي طالب) بفتحتين وبضم فسكون أي بقية أولاده أو جميعهم (يصبحون) أي يدخلون في الصباح (شعثا) بضم أوله جمع أشعث أي مغبرة شعورهم مغيرة وجوههم متغيرة ألوانهم بقرينة المقابلة بقوله (ويصبح صلى الله تعالى عليه وسلم صقيلا) أي صافي اللون (دهينا) أي مدهون الشعر بريق الوجه (كحيلا) أي كان مكحول العينين هذا وأولاده عقيل وطالب وجعفر وعلي وأم هانىء وحمامة وأم طالب فأسلموا كلهم إلا طالبا مات كافرا ويقال أن الجن اختطفته ثم اعلم أنه قال الحلبي استعمل القاضي رحمه الله تعالى سائر بمعنى جميع والشيخ أبو عمرو بن الصلاح أنكر كون سائر بمعنى جميع وقال إن ذلك مردود عند أهل اللغة معدود في غلط العامة وأشباههم من الخاصة قال الزهري في تهذيبه أهل اللغة اتفقوا على أن سائر بمعنى الباقي وقال الحريري في درة الغواص في أوهام الخواص ومن أوهامهم الفاضحة وأغلاطهم الواضحة أنهم يستعملون
[ ١ / ٧٥٢ ]
سائر بمعنى الجميع وهو في كلام العرب بمعنى الباقي واستدل بقصة غيلان لما أسلم على عشر نسوة وقال له صلى الله تعالى عليه وسلم أمسك أربعا وفارق سائرهن انتهى وقال ابن الصلاح ولا التفات إلى قول صاحب الصحاح سائر الناس جميعهم فإنه ممن لا يقبل ما ينفرد به وقد حكم عليه بالغلط وهذا من وجهين أحدهما تفسير ذلك بالجميع وثانيهما أنه ذكره في سر وحقه أن يذكر في سار وقال النووي وهي لغة صحيحة ذكرها غير الجوهري ولم ينفرد بها وافقه عليها الجواليقي في أول شرح أدب الكاتب إلى آخر كلام النووي في تهذيبه انتهى كلام الحلبي وتبعه الدلجي في تفسير السائر بالجميع وقال صاحب القاموس السائر الباقي لا الجميع كما توهم جماعات أو قد يستعمل فقد ضاف أعرابي قوما فأمروا الجارية بتطبيبه فقال بطني عطري وسائري ذري انتهى ولا يخفى أنه يحتمل كلام الأعرابي أن يكون السائر بمعنى الباقي بل هو المتبادر على ما هو الظاهر والتحقيق أن السائر بمعنى الباقي حقيقة وبمعنى الجميع مجازا وأنه مأخوذ من السؤر مهموزا وهو البقية الملائمة لمعنى الباقي بخلاف السور معتلا وهو سور البلد المناسب لمعنى الجميع وبهذا يرتفع الخلاف لمن ينظر بعين الانصاف ويظهر فساد ما في كلام ابن الصلاح من المناقضة ونوع من المعارضة (قالت أمّ أيمن) وهي بركة بنت محصن (حاضنته) أي مربيته ومرضعته أيضا على ما قيل وهي مولاة له صلى الله تعالى عليه وسلم حبشية اعتقها أبو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم واسلمت قديما وابنها أيمن بن عبيد الحبشي ثم تزوجها زيد بن حارثة زارها أبو بكر وعمر ﵄ واختلف في زمن وفاتها (ما رأيته صلى الله تعالى عليه وسلم اشتكى) أي بلسانه (جوعا ولا عطشا صغيرا) أي حال كونه صغيرا (ولا كبيرا) إذ كان ربه يطعمه ويسقيه بمعنى يخلق قوتهما فيه وحديثها رواه ابن سعد وأبو نعيم في الدلائل. (ومن ذلك حراسة السّماء) بكسر الحاء أي حفظها من بلوغ الجن إليها (بالشّهب) أي بالنجوم رجوما لئلا يكون لهم هجوما (وقطع رصد الشّياطين) أي ترصدهم وانتظارهم ظهور شيء إليهم ونزول خبر عليهم (ومنعهم استراق السّمع) أي بالكلية فإنهم كانوا لا يسمعون إلا القول الحق من ملائكة السماء فيلقونه إلى أوليائهم فيكذبون معه ما شاؤوا من أنبائهم فمنعوا منه بظهور نوره صلى الله تعالى عليه وسلم فلما بعث اشتد الأمر بهم وكثر الحرس عليهم كما قال تعالى حكاية عنهم وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا الآيات (وما نشأ) بالهمز أي ومن ذلك ما تربى (عليه) وجبل إليه (من بغض الأصنام) كما في حديث البيهقي عن زيد بن حارثة قال كان صنم يتمسح به المشركون إذا طافوا بالبيت فطفت به قبل البعثة فلما مررت بالصنم تمسحت به فقيل لي لاتمسه ثم طفنا فقلت في نفسي لأمسنّه حتى أنظر ما يؤول فمسحته فقال الم تنه قال زيد فو الذي أكرمه بالذي أكرمه ما التمس صنما قط (والعفّة) أي وما نشأ من النفرة (عن أمور الجاهليّة) أي معايبها. (وما خصّه الله به من ذلك) أي من الأعمال الرضية والأحوال الزكية (وحماه) أي وحفظه قبل بعثته من الصفات الرديئة والسمات الدنيئة، (حتّى في ستره) بفتح
[ ١ / ٧٥٣ ]
السين أي تستره من التعري وهو كشف العورة (في الخبر المشهور عند بناء الكعبة) كما رواه الشيخان عن جابر والبيهقي عن ابن عباس ﵄ (إذ) أي حين (أخذ إزاره) أي بأمر عمه العباس (ليجعله على عاتقه) وهو ما بين المنكب والعنق (ليحمل عليه الحجارة) أي ولم تظهر عليه الإمارة (وتعرّى) أي وانكشفت عورته (فسقط إلى الأرض) أي مائلا إليها وطمحت عيناه إلى السماء (حتّى ردّ) أي بنفسه (إِزَارَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ عَمُّهُ مَا بَالُكَ) وفي نسخة ما لك أي ما حالك (قال إنّي نهيت عن التّعرّي) في رواية وكنت وابن أخي يحمل الحجارة على رقابنا وأزرنا تحتها فإذا غشينا الناس أتزرنا فبينا أنا أمشي ومحمد أمامي خر لوجهه وهو ينظر إلى السماء فقلت ما شأنك فأخذ إزاره وقال إني نهيت أن أمشي عريانا قال فكنت أكتمها الناس مخافة أن يقولوا مجنون (وَمِنْ ذَلِكَ إِظْلَالُ اللَّهِ لَهُ بِالْغَمَامِ فِي سفره) أي على ما مر في حديث بحيرا الراهب كما رواه الترمذي والبيهقي. (وفي رواية) أي لابن سعد عن نفيسة بنت منبه (أنّ خديجة) رضي الله تعالى عنها (ونساءها رأينه لمّا) بتشديد الميم أي حين (قدم وملكان يظلّانه فذكرت) أي خديجة (ذلك) أي خبر الإظلال (لميسرة) أي غلامها قال الحلبي لا أعلم له ذكرا في الصحابة وكان توفي قبل النبوة وإلا فلو أدركها لأسلم انتهى وفيه بحث لا يخفى والله تعالى أعلم (فَأَخْبَرَهَا أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ مُنْذُ خَرَجَ مَعَهُ في سفره) أي من أول أمره إلى آخره؛ (وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ حَلِيمَةَ رَأَتْ غَمَامَةً تُظِلُّهُ وهو عندها) كما رواه الواقدي وابن سعد وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس، (وروي ذلك) أي تظليل العمامة له (عن أخيه من الرّضاعة) وفي رواية عن أخته بالفوقية وهي أصح كما في سيرة أبي الفتح اليعمري من أن حليمة بعد رجوعها من مكة كانت لا تدعه أن يذهب مكانا بعيدا فغفلت عنه يوما في الظهيرة فخرجت تطلبه حتى وجدته مع أخته فقالت في هذا الحر فقالت أخته يا أمه ما وجد أخي حرا رأيت غمامة تظل عليه إذا وقف وقفت وإذا سار سارت الحديث قال الحلبي صريح أن يكون ما في الأصل غلط تصحف على الكاتب اللهم إلا أن يروى أن أخاه من الرضاعة رأى ذلك أيضا والله تعالى اعلم. (وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ تَحْتَ شَجَرَةٍ يَابِسَةٍ فَاعْشَوْشَبَ مَا حولها) أي كثر عشبه وهو الكلاء ما دام رطبا والمعنى أنه نبت فيه عشب كثير، (وأينعت) بتقديم التحتية على النون (هي) أي الشجرة والمعنى أدرك ثمارها ونضجت ومنه قوله تعالى كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذا أثمر وينعه أي نضجه (فأشرقت) بالقاف أي أضاءت بحسن صفائها كإشراق الشمس بضيائها ويروى بالفاء أي علت وارتفعت (وتدلّت) بتشديد اللام وفي أصل الدلجي بلامين أي استرسلت ونزلت (عليه أغصانها بمحضر من رآه) قال الدلجي لم أدر من رواه (وميل فيء الشّجرة) أي ظلها (إليه في الخبر الآخر) أي المتقدم عن بحيرا الراهب (حتّى أظلّته وما ذكر) أي ومن ذلك ما ذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن عبد الرحمن بن قيس وهو مطعون عن عبد الملك بن عبد الله بن الوليد وهو مجهول عن ذكوان (من أنّه كان لا ظلّ لشخصه فِي شَمْسٍ وَلَا قَمَرٍ لِأَنَّهُ كَانَ نُورًا) أي بنفسه والنور لا ظل
[ ١ / ٧٥٤ ]
له لعدم جرمه وهذا معنى ما في النوادر ولفظها لم يكن له ظل في شمس ولا قمر ونقله الحلبي عن ابن سبع أيضا (وأنّ الذّباب) أي ومن ذلك ما ذكر من أن الذُّبَابَ (كَانَ لَا يَقَعُ عَلَى جَسَدِهِ وَلَا ثيابه) قال الدلجي لا علم لي بمن رواه انتهى وقال الحلبي نقل أيضا بعض مشايخي فيما قرأته عليه بالقاهرة عن ابن سبع أنه لم يقع على ثيابه ذباب قط قلت فعلى جسده بالأولى كما لا يخفى. (ومن ذلك تحبيب الخلوة إليه) أي بنزول القرآن عليه كما في الصحيحين ولفظ البخاري ثم حبب إليه الخلا أي العزلة عن الملا (ثمّ إعلامه بموته ودنوّ أجله) كما رواه الشيخان وغيرهما (وأنّ قبره بالمدينة) وفي نسخة في المدينة (وفي بيته) كما رواه أبو نعيم في الدلائل عن معقل بن يسار ولفظه المدينة مهاجري ومضجعي من الأرض وروى البيهقي عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أن قبره يكون في بيته (وأنّ بين بيته وبين منبره) وفي نسخة صحيحة وبين منبره (روضة من رياض الجنّة) كما سيأتي ما فيه من الأحاديث الواردة (وتخيير الله له عند موته) أي بين الدنيا والآخرة كما رواه البيهقي في الدلائل عن عائشة بلفظ كنا نتحدث أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا يموت حتى يخير بين الدنيا والآخرة فسمعته في مرضه الذي مات فيه يقول مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا فظننا أنه كان يخير وفي رواية قالت لما نزل به ورأسه على فخذي غشي عليه ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت وقال اللهم الرفيق الأعلى وهي آخر كلمة تكلم بها وفي رواية أن جبريل قال له إن ربك يقرؤك السلام ورحمة الله ويقول إن شئت شفيتك وكفيتك وإن شئت توفيتك وغفرت لك قال ذلك إلى ربي يصنع بي ما يشاء (وما اشتمل) أي ومن ذلك ما احتوى (عليه حديث الوفاة) كما رواه الشافعي في سننه والعدني في مسنده والبيهقي في دلائله (من كراماته وتشريفه) أي بخدمة الملائكة له وعموم رسالته إليهم وإرسال جبريل إليه يقول إن الله يقرؤك السلام ورحمة الله وفي رواية قال يا محمد إن الله أرسلني إليك إكراما وتفضيلا وخاصة لك ليسألك عما هو أعلم به منك يقول لك كيف تجدك قال أجدني مغموما مكروبا (وصلاة الملائكة) أي ومن ذلك صلاة الملائكة (على جسده) أي بعد خروج روحه الشريفة (على ما رويناه) بصيغة الفاعل ويحتمل المفعول (في بعضها) أي في بعض الروايات والأسانيد من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال وإن الملائكة يدخلن قبلكم من حيث يرونكم ولا ترونهم فيصلون علي صلاة الجنازة بتحريم وتكبير وتسليم ثم صلى عليه أصحابه كذلك كما رواه يحيى بن يحيى في الموطأ بلاغا قال اخبرنا مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم توفي يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء وصلى عليه الناس أفذاذا لا يؤمهم أحد ورواه الشافعي في الأم بلفظ فقد صلى الناس على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فرادى لا يؤمهم أحد وذلك لعظم أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وتنافسهم في أن لا ينوي الإمامة في الصلاة عليه واحد من الأمة صلوا عليه مرة بعد مرة أقول الأظهر أنهم صلوا عليه في محله ولا كان يسع
[ ١ / ٧٥٥ ]
ذلك المحل إماما لقومه كله فصلوا فرادى لإدراك فضله وتكرار الصلاة عليه من خصوصيات حكمه هذا ومن زعم أن المراد بالصلاة هنا الدعاء فقد عدل عن الحقيقة من غير قرينة صارفة (واستئذان ملك الموت عليه) أي ومن طلب إذن ملك الموت في الدخول عليه لقبض روحه (ولم يستأذن على غيره قبله) أي من الأنبياء والأصفياء فضلا عما بعده من العلماء والأولياء وروي أن جبريل قال إن ملك الموت بالباب يستأذن عليك ولم يستأذن على أحد قبلك ولا بعدك فقال ائذن له فقال السلام عليك يا محمد إن الله أمرني أن أطيعك فيما أمرتني به أن أقبض نفسك قبضتها وإن أتركها تركتها (وندائهم الذي سمعوه أن لا تنزعوا) بكسر الزاء غيبا وخطابا أي لا تخلعوا (القميص عنه) أي عن بدنه (عند غسله) بضم الغين أو فتحه وذلك حين قالوا ما تدري أنجرده من ثيابه أم نغسله بها فألقي عليهم النوم فما منهم رجل إلا وذقنه في صدره ثم سمعوا قائلا لا يدرون من هو غسلوه وعليه ثيابه فغسلوه وعليه قميص يصبون الماء فوقه رواه أبو داود والبيهقي وصححه واستشهد له بما رواه عن شيخه أبي عبد الله الحاكم من طريق بريدة قال أخذوا في غسله فإذا هم بمناد من داخل لا تخرجوا عنه قميصه (وَمَا رُوِيَ مِنْ تَعْزِيَةِ الْخَضِرِ وَالْمَلَائِكَةِ أَهْلَ بيته عند موته) إذا سمعوا قائلا لا يرون شخصه السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته إن في الله خلفا من كل هالك وعزاء من كل مصيبة ودركا من كل فائت فبالله ثقوا وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب رواه البيهقي في دلائل النبوة نقله الدلجي وقال الحلبي حديث تعزية الخضر رواه الشافعي من حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جده علي بن الحسين رضي الله تعالى عنه قال لما مرض النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الحديث الطحاوي آخره قال علي أتدرون من هذا هذا الخضر وهذا مرسل وقد رواه الشافعي أيضا في الأم بإسناد ضعيف إلا أنه لم يقل الخضر بل سمعوا قائلا يقول وإنما ذكره أصحاب الشافعي قاله النووي في شرح المهذب وقال بعض مشايخي أخرجه الحاكم في المستدرك من رواية أنس وفيه فقال أبو بكر وعلي هذا الخضر لكن في إسناده عباد بن عبد الصمد وهو ضعيف وقد أخرجه الشافعي أيضا في غير الأم وفيه فقال أتدرون من هذا هذا الخضر رواه الطحاوي عن المزني عنه في السنن المشهورة (إلى ما ظهر على أصحابه من كراماته) أي الظاهرة (وبركته) أي الوافرة (في حياته وموته) أي بعد مماته (كاستسقاء عمر بعمّه) أي العباس كما رواه البخاري (وتبرّك غير واحد) أي كثيرين من الصحابة والتابعين (بذرّيته) كالحسين وزين العابدين وصالحي أولادهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين وأرضاهم.
فصل [قال القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى قد أتينا في هذا الباب]
(قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ ﵀ قَدْ أتينا) أي أوردنا (في هذا الباب) أي الرابع من أبواب الكتاب (على نكت) بضم ففتح أي لطائف وشرائف (من معجزاته واضحة) صفة نكت
[ ١ / ٧٥٦ ]
وقال الدلجي حال مما قبله (وجمل من علامات نبوّته مقنعة) نعت جمل وهو بضم ميم وسكون قاف وكسر نون وفتح عين وقال الدلجي حال من جمل أي تغني من عرف حقيقتها (في واحد) خبر مقدم (منها) أي من النكت والجمل (الكفاية والغنية) بضم فسكون أي الاكتفاء والاغتناء في باب الاعتناء (وتركنا الكثير) أي من الأنباء (سوى ما ذكرنا) أي من النكت والجمل (واقتصرنا من الأحاديث الطّوال) بكسر الطاء أي الطويلة الاذيال (على عين الغرض) أي نفس المراد (وفصّ المقصد) أي زبدة المقصود والفص للخاتم بفتح الفاء ويثلث والصاد مشددة والمقصد بفتح الصاد وتكسر قال الحلبي بكسر الصاد وجد بخط النووي (ومن كثير الأحاديث) أي واقتصرنا وقد أبعد الحلبي في تقديره وأتينا (وغريبها) أي مما انفرد رواتها بها (على ما صحّ) أي سنده (واشتهر) أي نقله عند أهله (إلّا يسيرا) أي شيئا قليلا (من غريبه ممّا ذكره مشاهير الأئمّة) أي من نقاد الأمة وحفاظ السنة بحيث إنه خرج عن حيز الغرابة (وحذفنا الإسناد في جمهورها) أي أكثرها (طلبا للاختصار) أي حذرا من الإكثار الممل للنظار (وبحسب هذا الباب) بسكون السين وزيادة الباء أي ويكفي هذا الباب الرابع الموضوع في المعجزات (لو تقصّي) بتاء وقاف مضمومتين فصاد مشددة مكسورة أي لو استقصي وضبطه الدلجي بالفاء أي لو تتبع (أن يكون ديوانا) أي دفترا ومصنفا على حدة (جامعا) أي محيطا وحاويا (يشتمل على مجلّدات عدّة) بكسر فتشديد أي كثيرة وقال الدلجي وحسب مبتدأ خبره أن يكون ديوانا وجواب لو محذوف أي لأمكن. (ومعجزات نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أظهر) أي أكثر وأبهر (من سائر معجزات الرّسل) الأظهر من معجزات سائر (بوجهين) أي نظرا إلى الكمية والكيفية كما يشير إليه قوله (أحدهما كثرتها) أي مع شهرتها إذ الكثرة لا تستلزم الشهرة (وَأَنَّهُ لَمْ يُؤْتَ نَبِيٌّ مُعْجِزَةً إِلَّا وَعِنْدَ نبيّنا مثلها) أي شبيهها ونظيرها (أو ما هو أبلغ منها) أي دلالة كانشقاق القمر والإسراء ونحوهما وأما معجزة القرآن المجيد كما مثل به الدلجي فهذا ليس محلها (وقد نبّه النّاس على ذلك) أي على هذا المعنى على وجه الاستقصاء منها أنه تعالى خلق آدم بيده فقد شرح صدر نبينا بنفسه وأنه رفع إدريس مكانا عليا فقد رفعه في المعراج دنو الدنيا وغير ذلك مما يطول بيانها وقد سبق بعضها وسيأتي شيء منها (فإنّ أردته فتأمّل فصول هذا الباب) أي من معجزات نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم (ومعجزات من تقدّم من الأنبياء) أي وقابل بين واحدة مع ما يناسبها من الانباء (تقف على ذلك) أي المعنى (إن شاء الله؛ وأمّا كونها) أي معجزاته (كثيرة فهذا القرآن) أي ظاهر كثرته، (وكلّه معجز) أي والحال أن جميعه باعتبار كله وجزئه مُعْجِزٌ (وَأَقَلُّ مَا يَقَعُ الْإِعْجَازُ فِيهِ عِنْدَ بعض أئمة المحقّقين) بل عند أكثر المدققين حيث قالوا إعجازه بالفصاحة والبلاغة (سورة إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: ١]) أي أقصر سورة نحوها (أو آية في قدرها) لقوله تعالى فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وفي حكم السورة قدرها لا أقلها (وذهب بعضهم) أي ممن قال بالصرفة (إلى أنّ كلّ آية منه) أي من القرآن (كيف كانت) أي وجدت طويلة أو قصيرة (معجرة) خبر أن (وزاد آخرون) أي على ما ذكر (أنّ كلّ جملة منتظمة منه) أي
[ ١ / ٧٥٧ ]
من القرآن وفي أصل الدلجي مُنْتَظِمَةٍ مِنْهُ (مُعْجِزَةٌ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ كَلِمَةٍ أو كلمتين) ويؤيده ظاهر قوله تعالى فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ ولعل الإعجاز أولا كان بعشر سور ثم بسورة ثم بحديث كما هو أسلوب التدريج على وجه الترقي، (والحقّ) أي الثابت عند الجمهور (ما ذكرناه أوّلا لقوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: ٢٣]) وفي نسخة من مثله (فهو) أي اتيان نحو سورة (أقلّ ما تحدّاهم) أي طلب معارضتهم (به مع ما ينصر هذا) أي يؤيده ويقويه (من نظر) أي نظر اعتبار وتفكر واستبصار (وتحقيق) أي مشتمل على تدقيق (يطول بسطه) أي والقصد وسطه (وإذا كان هذا) أي أكثر ما تحداهم به أقل (ففي القرآن من الكلمات) أي الاسمية والفعلية والحرفية (نَحْوٌ مِنْ سَبْعَةٍ وَسَبْعِينَ أَلْفَ كَلِمَةٍ وَنَيِّفٍ) بتشديد التحتية وتخفيفها أي وبعض زيادة وجمع بينه وبين نحو مبالغة في الملاحظة لقصد المحافظة (على عدد بعضهم) أي ممن عد كلماته (وعدد إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: ١]) أي إلى آخرها (عشر كلمات فتجزىء القرآن) بتشديد الزاء فهمز مبينا للمفعول وفي نسخة فيتجزأ بالهمز وفي أخرى بالألف وفي أصل الدلجي فتجزى القرآن بصيغة المصدر المضاف (على نسبة عدد إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ) أي كلماتها العشر (أزيد) بالنصب وعلى أصل الدلجي وبعض النسخ بالرفع أي أكثر (من سبعة آلاف جزء) أي حصة (كلّ واحد منها بمعجز في نفسه) أي مع قطع النظر عما قبله وما بعده وما فيه من إخبار الله تعالى عن نبأ ما قبله وما بعده؛ (ثمّ إعجازه كما تقدّم) أي في محله (بوجهين) أي من طرق الإعجاز (طريق بلاغته) أي باشتماله على لطائف الإعجاز (وطريق نظمه) أي بسلوكه بين الاطناب والإيجاز (فَصَارَ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ) أي السبعة آلاف (معجزتان) أي باعتبار الطريقين (فتضاعف العدد من هذا الوجه) أي الذي له جهتان فيصير أربعة عشر ألفا (ثمّ فيه) أي في القرآن من حيث مجموعه (وجوه إعجاز أخر) بضم ففتح (من الإخبار بعلوم الغيب) أي مما تقدم أو تأخر (فقد يكون في السّورة الواحدة) أي حقيقة أو حكما (مِنْ هَذِهِ التَّجْزِئَةِ الْخَبَرُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ الغيب) كقصة موسى وهارون وفرعون وهامان وقارون (كلّ خبر منها بنفسه) أي بانفراده (معجز) أي مستقل في بابه (فتضاعف العدد) أي فتزايد المبلغ المضاعف (كرّة أخرى) أي في الجملة لا في نحو كل سورة فلا يصير ثمانية وعشرين ألفا على ما جزم به الدلجي (ثمّ وجوه الإعجاز الأخر التي ذكرناها) قال الدلجي وهي الغيبة وفيه أنها مما سبق ذكره (توجب التّضعيف) أي إلى ما لا يكاد يحصى ولا يستقصى؛ (هذا) أي التضعيف الوافر (في حقّ القرآن) هو الظاهر (فلا يكاد يأخذ العدّ) أي العدد كما في نسخة (معجزاته) أي لكثرتها (ولا يحوي) أي ولا يكاد يشتمل (الحصر براهينه) لعظمتها، (ثمّ الأحاديث الواردة) أي الصريحة، (والأخبار الصّادرة) أي الصحيحة (عنه صلى الله تعالى عليه وسلم في هذه، الأبواب) أي المذكورة فيها من المعجزات وخوارق العادات والإخبار عن المغيبات (وعن مّا دلّ على أمره) أي ظهور أمره وحكمه (ممّا أشرنا إلى جمله) بضم ففتح أي إلى جمل من مفصله (يبلغ نحوا من هذا) أي التضعيف (الوجه
[ ١ / ٧٥٨ ]
الثّاني) أي من وجهي كون معجزاته أظهر من معجزات غيره (وضوح معجزاته صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ظهورها وانتشارها واشتهارها (فإنّ معجزات الرّسل كانت) أي واردة على أيديهم (بقدر همم أهل زمانهم) أي حالا ومقدارا في شأنهم (وبحسب) هذا (الفنّ) بفتح السين (الذي) قد (سما فيه قرنه) أي علا وارتفع أهل عصره شهرة بمعرفة ذلك الفن في دهره كما بينه بقوله (فلمّا كان زمن مُوسَى غَايَةُ عِلْمِ أَهْلِهِ السِّحْرُ بَعَثَ إِلَيْهِمْ مُوسَى بِمُعْجِزَةٍ تُشْبِهُ مَا يَدَّعُونَ قُدْرَتَهُمْ عَلَيْهِ) أي وما يزعمون مهارتهم لديه ويوجهون همتهم إليه (فجاءهم منها) أي على يد موسى (ما خرق عادتهم) أي من انقلاب العصا حية تسعى واليد السمراء بيضاء من غير سوء (ولم يكن) أي ذلك المعجز (في قدرتهم) أي في نطاق قواهم وقدرهم (وأبطل سحرهم) وما أظهره من التخييل عند مكرهم؛ (وكذلك زمن عيسى ﵇ أغنى) أفعل تفضيل من الغاية أي أنهى (ما كان) أي علم أهله (الطّبّ) بكسر الطاء ويثلث وهو علاج الأمراض الظاهرة وفي نسخة أعيى بالعين المهملة بمعنى أعجز وفي أخرى بالغين المعجمة والنون أي أوفى وفي أخرى بالمهملة والنون أي اقصد وكلها صحيحة على ما لا يخفى (وأوفر ما كان أهله) أي أكثر ما كان أهل قرنه في تتبعه (فجاءهم) أي على يد عيسى (أَمْرٌ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ وَأَتَاهُمْ مَا لَمْ يحتسبوه) أي شيئا لم يظنوا وجوده لديه وأمره مفوضا إليه (من إحياء الميّت) ويروى الموتى وفي نسخة الميتة (وإبراء الأكمه) أي الذي ولد ممسوح العين ذكره الدلجي قال الحلبي الأكمه هو الذي يولد أعمى ويقال الأعشى وقد قال البخاري في الصحيح أن الأكمة من يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل انتهى وهو تفسير للأعشى على ما لا يخفى (والأبرص) من في بدنه بياض من المرض المعروف (دون معالجة ولا طبّ) أي بمداواة بل كان يأتيه من إطاق الاتيان لديه ومن لم يطق ذهب إليه ﵊ فربما اجتمع عنده الألوف من المرضى وذوي العاهات فيداويهم بالدعوات والآيات (وهكذا سائر معجزات الأنبياء) عليهم الصلاة والسلام أي كانت بقدر علم أهل زمانهم من الأنام، (ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى الله تعالى عليه وسلم وجملة معارف العرب وعلومها) أي من الجزئيات والكليات (أربعة) أي من أنواع المدركات وأصناف الملكات (البلاغة) أي المقرونة بالفصاحة (والشّعر) أي النظم المقابل للنثر (والخبر) بفتحتين أي الإخبار بأنساب العرب وأيامها من وقائعها ومعرفة تاريخها وتفصيل ما جرى فيها من ضروب خروجها وفنون رجوعها (والكهانة) بكسر الكاف وتفتح وهي مزاولة الخبر عن الكائنات وإظهارها وادعاء معرفة اسرارها (فأنزل) بصيغة المجهول أي فأنزل الله تعالى كما في نسخة وفي أخرى زيادة عليه (القرآن الخارق لهذه الأربعة فصول) أي المتقدمة وهي البلاغة والشعر والخبر والكهانة. (من الفصاحة) أي من أجل فصاحة القرآن (والإيجاز) أي وإيجاز الفرقان، (والبلاغة الخارجة عن نمط كلامهم) بفتح النون والميم أي نوعه ونهجه (وَمِنَ النَّظْمِ الْغَرِيبِ وَالْأُسْلُوبِ الْعَجِيبِ الَّذِي لَمْ يهتدوا) أي فصحاؤهم وبلغاؤهم وخطباؤهم وشعراؤهم (في المنظوم) أي من كلامهم (إلى طريقه) أي في مرامه (ولا علموا في أساليب الأوزان) أي
[ ١ / ٧٥٩ ]
نظما ونثرا وفي أصل الدلجي في أساليب الكلام والافنان من النثر المسجع والنظم المرصع (منهجه) أي طريقته السهلة الممتنعة (ومن الإخبار) بكسرة الهمزة (عن الكوائن والحوادث) أي الكائنات والمحدثات من الأعيان والأكوان (والأسرار) أي في البواطن (والمخبأت) أي في الظاهر (والضّمائر فتوجد على ما كانت) أي ذاتا أو صفة (ويعترف المخبر) بفتح الباء أي من أخبر (عنها بصحّة ذلك وصدقه، وإن كان) أي ولو كان ذلك المعترف المخبر (أعدى العدوّ) أي بكونه من أهل الكفر والنكر (فأبطل) أي القرآن أو النبي او الله ﷾ (الْكِهَانَةَ الَّتِي تَصْدُقُ مَرَّةً وَتَكْذِبُ عَشْرًا ثُمَّ اجتثّها) بتشديد المثلثة أي اقتلعها (من أصلها برجم الشّهب ورصد النّجوم) بفتح الصاد أي جعلها معدة لحفظ السماء من استراق الشياطين السمع من الانباء حيث ترميهم بشهب منفصلة من نارها لا نفسها لثبوتها في مقارها كقبس أخذ من نار وهي ثابتة لم تنقص مما لها من مقدار (وجاء) أي في القرآن (من الأخبار) بفتح الهمزة (عن القرون السّالفة) أي السابقة (وأنباء الأنبياء والأمم البائدة) أي الهالكة ومنه حديث الحور العين نحن الخالدات فلا نبيد أبدا (والحوادث الماضية) أي الواقعات المتقدمة من المنفعة والمضرة (ما) أي شيء أو الذي (يعجز من تفرّغ لهذا العلم) أي في صرف جميع عمره (عن بعضه) أي عن معرفة بعض أمره (على الوجوه التي بسطناها) أي أوضحناها (وبيّنّا المعجز فيها) أي مع ما وشحناها ورشحناها (ثمّ بقيت هذه المعجزة) المتعلقة بالفصاحة والبلاغة والاخبار عن الكوائن الحادثة (الجامعة لهذه الوجوه) أي المذكورة المسطورة المضمومة (إلى الفصول الأخر) أي المتقدمة (التي ذكرناها في معجزات القرآن) أي فيما مضى من البيان (ثابتة إلى يوم القيامة) أي حال كونها مستمرة دائمة (بيّنة الحجّة) أي ظاهرة الدلالة في الاعجاز مع غاية الايجاز (لكلّ أمّة تأتي) أي بعد جماعة تنقضي (لا يخفى وجوه ذلك) أي المعجز المتقدم (عَلَى مَنْ نَظَرَ فِيهِ وَتَأَمَّلَ وُجُوهَ إِعْجَازِهِ إلى) أي منضما إلى (ما أخبر به من الغيوب) بضم الغين وكسرها أي المغيبات (على هذه) وفي نسخة على هذه (السّبيل) فإن السبيل يذكر ويؤنث ومنه قوله تعالى وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومنها جائر (فلا يمرّ عصر ولا زمن) أي ولا ينقضي قرن ولا دهر (إلّا ويظهر فيه صدقه) أي زيادة صدقه أو موجب تصديقه (بظهور مخبره) بضم الميم وفتح الموحدة (على ما أخبر) أي على طبقه ووفقه وأغرب الدلجي بقوله على ما أخبر من وجوه الفصاحة والإيجاز والبلاغة (فيتجدّد الإيمان ويتظاهر البرهان) فيستمر الإيقان ويتقوى العرفان (وليس الخبر كالعيان) بكسر أوله إذ غاية إفادة الخبر غالبا ظنية ونهاية أفاده المعاينة يقينية؛ (وللمشاهدة زيادة في اليقين)، أي المستفاد مثلا من المتواتر استدلالا (والنّفس أشدّ طمأنينة) أي سكونا (إلى عين اليقين) أي الذي تفيده المعاينة (منها) أي من الطمأنينة (إلى علم اليقين) أي المستفاد بالتواتر استدلالا (وإن كان كلّ) أي من علم اليقين وعين اليقين (عندها) أي عند النفس (حقّا) أي ثابتا وصدقا لكن عين اليقين اسكن لها على ازدياد طمأنينتها وأعون لها على عدم ترددها ووسوستها ومن ثم لما قيل للخليل أَوَلَمْ تُؤْمِنْ أي بعلم الوحي المقدر
[ ١ / ٧٦٠ ]
والاستدلال بالخبر المكرر قالَ بَلى إي ربي وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بمصاحبة علم العيان لعلم البرهان ومن ههنا قيل علمان خير من علم واحد (وسائر معجزات الرّسل انقرضت بانقراضهم) بل اندرس بعضها حال حياتهم كما أشار إليه بقوله (وعدمت) بصيغة المجهول أي وانعدمت (بعدم ذواتها) أي بعدم وجودها وتحقق صفاتها وفي أصل الدلجي بعدم ذواتهم أي وجودا في الدنيا وإلا فثبت أن الأنبياء في البرزخ أحياء فالجملة تأكيد لما قبلها وعلى الأول تأسيس وهو أولى في محلها، (ومعجزة نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم لا تبيد) أي لا تفنى أبدا (ولا تنقطع) أي ولا تنقضي سرمدا (وآياته) أي علاماته الدالة على صدقه (تتجدّد) أي يوما فيوما (ولا تضمحل) بتشديد اللام أي ولا تزول أصلا (ولهذا) أي المعنى إلا عليّ (أشار صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله) أي الذي هو غاية المرام في هذا المقام المندرج (فيما حدّثنا القاضي الشّهيد أبو عليّ) أي الحافظ ابن سكرة (حدّثنا القاضي أبو الوليد) وهو الباجي (حدّثنا أبو ذرّ) أي الهروي (حدّثنا أبو محمّد) أي ابن حمويه السرخسي (وأبو إسحاق) أي المستملي (وأبو الهيثم) أي الكشميهني (قالوا) أي كلهم (حدّثنا الفربريّ) بكسر الفاء وتفتح (حدّثنا البخاريّ) أي صاحب الجامع (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) أي العامري الأويسي الفقيه عن مالك ونافع مولى ابن عمر (حدّثنا اللّيث) أي ابن سعد (عن سعيد عن أبيه) أي أبي سعيد المقبري روى أن عمر جعله على حفر القبور فسمي به توفي سنة مائة (عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) والحديث كما ترى رواه البخاري وقد أخرجه مسلم والنسائي أيضا (قال ما من الأنبياء نبيّ) هو أعم من رسول (إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عليه البشر) أي ليس نبي منهم إلا أعطاه الله من المعجزات شيئا الجأ من شاهده إلى الإيمان به فخص كل نبي بما أثبت دعواه من خوارق العادة التي أعطاه مولاه في زمانه وبعد انقراضه اختفى شأنه ولم يبق سلطانه ولم يلمع برهانه كقلب العصا لموسى حية تسعى (وإنّما كان الذي أوتيت) أي بخصوص ما أنعم علي (وحيا أوحاه الله إليّ) أي معجزا في أعلى طبقات البلاغة وأقصى غايات الفصاحة كريم الفائدة عميم العائدة على السابقين واللاحقين من هذه الأمة قرنا بعد قرن على مرور الأزمنة ولذا رتب عليه قوله (فأرجو) أي بسبب بقائه وظهور ضيائه (أني أكثرهم) وفي اصل الدلجى أن أكون أَكْثَرُهُمْ (تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ) أي المذكور (عند بعضهم وهو) أي هذا المعنى المسطور هو (الظّاهر) أي المتبادر (والصّحيح) أي الصريح (إن شاء الله) أي فلا يعدل عما قدمناه، (وذهب غير واحد) أي كثيرون (مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَظُهُورِ معجزة نبيّنا) أي وتأويل غلبة معجزة نبينا (صلى الله تعالى عليه وسلم إلى معنى آخر) أي غير ما أفاده منطوقا (من ظهورها بكونها) أي من قوة معجزة نبينا بسبب كونها (وحيا) أي خفيا (وكلاما) أي جليا (لا يمكن التّحيّل فيه ولا التّخيّل عليه) بالحاء المهملة من الحيلة (ولا التّشبيه) أي من حيث إنه لا يتصور فيه التمويه (فإنّ غيرها) أي غير معجزة نبينا (مِنْ مُعْجِزَاتِ الرُّسُلِ قَدْ رَامَ الْمُعَانِدُونَ لَهَا) أي قصدوا لإبطالها (بأشياء طمعوا في التّخييل بها) أي
[ ١ / ٧٦١ ]
بتلك الأشياء (على الضّعفاء) أي ليتوصلوا بذلك إلى إبطال معجزات الأنبياء (كإلقاء السّحرة حبالهم وعصيهم) أي في معارضة معجزة موسى بالقاء العصا، (وشبه هذا) بالرفع أي وشبيه هذا الذي فعله سحرة فرعون (بما يخيّله السّاحر) أي جنسه على الضعيف في دينه وأمر يقينه (أو يتحيّل فيه) أي يطلب الحيلة في دفعه أنه صدق أو في إثباته أنه حق؛ (والقرآن كلام) أي لله تعالى كما في أصل الدلجي كلام الله تعالى والأظهر أنه أريد به هنا أنه مطلق كلام أي إعجاز القرآن واقع في كلام (ليس للحيلة ولا للسّحر، ولا للتّخييل فيه) أي في الكلام (عمل) أي مما يوجب التمويه (فكان) أي القرآن (من هذا الوجه عندهم) أي عند أرباب هذا المعنى (أَظْهَرَ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ كَمَا لَا يتمّ لشاعر، ولا خطيب أَنْ يَكُونَ شَاعِرًا أَوْ خَطِيبًا بِضَرْبٍ مِنَ الحيل، والتّمويه) أي مما يكدر أمر المعجزة وينافيه، (والتّأويل الأوّل) أي الذي هو المعول (أخلص) أي أظهر وأنص (وأرضى) عند النفوس الخلص، (وفي هذا التّأويل الثّاني ما يغمّض) أي بصيغة المفعول مخففا وقال الحلبي مشددا أي يغطى (الجفن) بفتح الجيم وسكون الفاء أي غطاء العين (عليه) ويروى عنه (ويغضى) بصيغة المجهول من الإغضاء بمعنى الإغماض وفي أصل الدلجي بالفاء وهو تصحيف وتحريف كما لا يخفى والتحقيق أنه لا منع من الجمع وأن بناء الثاني على التدقيق والله ولي التوفيق وعلى كل تقدير ظهر الوجهان في ثبوت المعجزة للقرآن. (ووجه ثالث) أي وهنا وجه آخر وفي نسخة صحيحة وجه بدون عاطفة والمعنى وجه ثالث في كون القرآن معجزا خارقا للعادة (على مذهب من قال بالصّرفة) بفتح الصاد وقيل بكسرها وهو مذهب بعض المعتزلة والشيعة حيث قالوا صرف الله هممهم عن الاتيان بأقصر سورة منه مع تمكنهم عنه، (وأنّ المعارضة) أي بمثله في الجملة (كانت في مقدور البشر، فصرفوا عنها) أي بسلب دواعيهم لا بسلب قدرتهم كما ذكره الدلجي فإنه مذهب آخر كما سيأتي، (أَوْ عَلَى أَحَدِ مَذْهَبَيْ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أنّ الإتيان بمثله من جنس مقدورهم) أي من جنس كلامهم الذي لهم القدرة عليه (ولكن لم يكن ذلك) أي الاتيان بمثله بعد من تمكنهم منه (قبل ولا يكون بعد) أي قبل التحدي ولا بعده كما ذكره الدلجي والأظهر أن المراد بقوله قبل الزمان السابق وبقوله ولا يكون بعد الزمان اللاحق إلى يوم القيامة ويؤيده قوله (لأنّ الله تعالى لم يقدرهم) أي على الاتيان بمثله قبله (ولا يقدرهم عليه) أي بعده (وبين المذهبين فرق بين) بتشديد التحتية المكسورة أي ظاهر لتمكنهم على المذهب الأول منه إلا أنهم صرفوا عنه ولعدم تمكنهم منه على الثاني مع كونه من جنس مقدورهم (وعليهما) أي وعلى المذهبين (جميعا) أي جميعهما (فتترك العرب) وفي نسخة بغير الفاء أي ترك معارضتهم (الإتيان بما في مقدورهم) أي في الجملة (أو ما هو من جنس مقدورهم) أي في الصورة (ورضاهم بالبلاء) أي العناء في أبدانهم، (والجلاء) أي عن أوطانهم وهو بفتح الجيم الخروج من البلد (والسّباء) بكسر السين ممدودا أي والسبي كما في نسخة أي أسر أطفالهم ونسائهم وأعيانهم، (والإذلال) أي لأنفسهم في بعض الأحوال، (وتغيير الحال) أي بمحالفتهم من الخير إلى الشر (وسلب
[ ١ / ٧٦٢ ]
النّفوس) أي في حال القتال (والأموال) أي بذلها في فك رقابهم من الأغلال، (والتّقريع) أي قهرا، (والتّوبيخ) أي زجرا، (والتّعجيز) أي بالإذلال، (والتّهديد) أي بعظائم النكال (والوعيد) أي بوخائم الوبال (أبين آية) خبر لقوله ترك والمعنى أظهر علامة وأبهر دلالة، (لِلْعَجْزِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ، وَالنُّكُولِ عَنْ مُعَارَضَتِهِ) أي والاعراض والامتناع عن معارضة نحوه، (وإنّهم) بكسر الهمزة ويجوز فتحها (مُنِعُوا عَنْ شَيْءٍ هُوَ مِنْ جِنْسِ مَقْدُورِهِمْ) وفي نسخة مقدرتهم بضم الدال وتفتح أي قدرتهم (وإلى هذا) أي المذهب الثاني (ذهب الإمام أبو المعالي) أي عبد الملك بن أبي محمد (الجوينيّ) بالتصغير النيسابوري وهو الملقب بإمام الحرمين أفصح الشافعية وله اليد الباسطة في الطول من علمي الكلام والأصول توفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة (وغيره) أي من علماء أهل السنة والجماعة (قال) أي أبو المعالي (وهذا عندنا أبلغ في خلاف الْعَادَةِ بِالْأَفْعَالِ الْبَدِيعَةِ فِي أَنْفُسِهَا كَقَلْبِ الْعَصَا حيّة ونحوها) وكإخراج اليد البيضاء ويحياء الموتى وغيرهما، (فإنّه قد يسبق إلى بال النّاظر) أي قلب المتأمل (يدارا) بكسر الباء أي مبادرة ومسارعة من أول وهلة قبل التأمل في حقيقة أمره وخفية سره (أنّ ذلك) أي ما ذكر من قلب العصا حية ونحوها (من اختصاص صاحب ذلك بمزيد معرفة في ذلك الفنّ وفضل علم) أي في ذلك النوع كما توهم في فرعون حيث قال إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ (إلى أن يردّ ذلك) أي السابق إلى بال الناظر مما ذكر من وهم الخاطر (صحيح النّظر) أي فيتحقق الفهم ويضمحل الوهم ويتبين لقلب الحي أن قلب العصا حية ونحوها مما لا يدخل تحت طوق البشر إذ هو فعل فاعل القوي والقدر (وأمّا التّحدي للخلائق) أي طلب المعارضة منهم باعتبار السابق واللاحق (المئين) وفي نسخة مئين جمع مائة وفي نسخة في المئين (مِنَ السِّنِينَ بِكَلَامٍ مِنْ جِنْسِ كَلَامِهِمْ لِيَأْتُوا بمثله) أي على وفق مرامهم (فلم يأتوا) أي الخلائق بتمامهم كما أخبر الله ﷾ عنهم بقوله قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ تَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى الْمُعَارَضَةِ ثمّ عدمها) أي بترك المناقضة (إلّا أن منع الله الخلق عنها) أي عن المعارضة لأحد الوجوه الثلاثة في بيان المعجزة (بمثابة ما لو قال نبيّ) أي وقد طلب منه آية وعلامة دالة على صدق دعواه للنبوة (آيَتِي أَنْ يَمْنَعَ اللَّهُ الْقِيَامَ عَنِ النَّاسِ مع مقدرتهم) وفي نسخة مع قدرتهم (عليه وارتفاع الزّمانة عنهم) أي عن بعضهم للاستواء في حال عجزهم ولا يبعد أن تكون الواو بمعنى أو التنويعية (فلو كان ذلك) أي الذي قال ذلك النبي (وعجّزهم الله تعالى عن القيام) أي في ذلك المقام (لكان ذلك من أبصر آية وأظهر دلالة) أي في إقامة البرهان وإبانة التحقيق (وبالله التّوفيق) ونظيره قوله تعالى لزكريا آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا؛ (وقد غاب عن بعض العلماء) أي خفي عليه (وجه ظهور آيته) أي معجزته التي هي القرآن (على سائر آيات الأنبياء) أي في باقي الأزمان ولم يدر أنها ببقائها معلومة لكل واحد في كل أوان متلوة بكل مكان (حتّى احتاج للعذر عن ذلك) أي الذي زعمه من عدم
[ ١ / ٧٦٣ ]
ظهورها هناك (بدقّة أفهام العرب وذكاء ألبابها) أي شدة فطانة فهومهم وحدة علومهم (ووفور عقولها) أي وكثرة تعلقهم وتأملهم (وأنّهم أدركوا المعجزة فيه) أي في القرآن (بفطنتهم) أي ما الجأهم إلى الاعتراف بكونه من معجزتهم (وجاءهم من ذلك) أي مما أدركوا فيه هنالك (بحسب إدراكهم) بفتح السين أي بمقتضى إدراكاتهم، لغاية فصاحته ونهاية بلاغته، (وغيرهم) أي ممن بعدهم ما عدا العرب (من القبط) أي قوم فرعون (وبني إسرائيل) أي قوم موسى (وغيرهم) أي ممن بعدهم ما عدا العرب (لم يكونوا بهذه السّبيل) أي بهذه الطريقة من دقة الفهم وذكاء الفطنة (بل كانوا من الغباوة) بفتح الغين المعجمة وهي عدم الفطنة وكمال الجهالة (وقلّة الفطنة) أي في بعض القضية (بحيث جوّز عليهم) أي على عقولهم (فرعون أنّه ربّهم) كما قال الله تعالى حكاية عنه أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى وقد قال عز وعلا فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (وجوّز عليهم السّامريّ) وكان من عظماء بني إسرائيل واسمه موسى بن ظفر (ذلك) أي كون ظهور ربهم (في العجل بعد إيمانهم) أي بموجبات إيقانهم (وعبدوا) أي طائفة من بني إسرائيل (المسيح) أي عيسى ابن مريم (مع إجماعهم على صلبه وَما قَتَلُوهُ) أي اليهود (وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء: ١٥٧]) أي كما أخبر الله عنهم والمعنى صلبو من ألقي عليه الشبه بعد قتله كما قال تعالى وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ؛ (فجاءتهم) أي اليهود (من الآيات الظّاهرة البيّنة) أي الواضحة (للأبصار) المنفتحة (بقدر غلظ أفهامهم) أي وغلظ أوهامهم (ما) فاعل جاء وفي نسخة مما (لا يشكون فيه ومع هذا) أي المجيء بالأمور الظاهرة والأحوال الواضحة (قالوا) وفي نسخة فقالوا أي خطابا لنبيهم كما حكى الله عنهم بقوله تعالى (وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة: ٥٥]) أي معاينة ظاهرة (ولم يصبروا على المنّ والسّلوى) أي على أكلهما وجعلوا الترنجبين من الحلوى والسماني من طير الشوي طعاما واحدا وقالوا لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ (واستبدلوا الذي هو أدنى) أي أقرب إلى الدناءة وأدون في المقدار والمرتبة كالبقل والقثاء والفوم والعدس (بالذي هو خير) أي في المرتبة واللذة وعدم الحاجة إلى الكد والمشقة وأقرب إلى الحيلة، (والعرب على جاهليّتها) أي على حالتها التي كانت عليها قبل ظهور النبوة من الجهل بأمور الشريعة وأحوال الديانة (أكثرها يعترف بالصّانع) بل جميعها كما هو ظاهر قوله تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ولذا جاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بكلمة التوحيد وهو أن يقولوا لا إله إلا الله لا بأن يقولوا الله موجود لأن هذا مما اجمع عليه أهل الملل والنحل ولا يلزم من قول بعضهم حيث قالوا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ إن الدهر خالقهم إذ لم يقل به أحد منهم بل أرادوا به أن طول الزمان ودورة الدوران يقتضي أن يحيى بعضنا ويموت بعضنا فنسبوا بعض الأفعال إلى الدهر كما قد يتفوهون به أهل العصر وقد قال الله تعالى أنا الدهر أي خالقه أو المتصرف فيه (وإنّما كانت) أي العرب (تتقرّب بالأصنام إلى الله زلفى) أي تقربا كما قال الله تعالى حكاية عنهم ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى وَيَقُولُونَ
[ ١ / ٧٦٤ ]
هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ (ومنهم من آمن بالله وحده) أي وسفه من عبد غيره (من قبل الرّسول صلى الله تعالى عليه وسلم) أي من قبل إرساله (بدليل عقله وصفاء لبّه) أي آمن بتوحيد ربه كزبد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعد وكذا ورقة بن نوفل إلا أنه أدرك البعثة وآمن به وتشرف بالصحبة؛ (ولمّا جاءهم) أي العرب (الرّسول بكتاب الله) وهو القرآن الكريم والفرقان القديم (فهموا حكمته) أي لحدة فطنتهم وشدة معرفتهم (وتبيّنوا بفضل إدراكهم) أي بزيادة قابليتهم وأهليتهم (لأوّل وهلة معجزته فآمنوا به) أي بعضهم أولا وجلهم آخرا (وازدادوا كلّ يوم إيمانا) أي واكتسبوا يوما فيوما إحسانا وإيقانا (ورفضوا الدّنيا) أي تركوها (كلّها) أي مالها وجمالها (في صحبته) أي وبيمن همته وبركة متابعته (وهجروا ديارهم وأموالهم) أي وفارقوهما باختيارهم (وقتلوا آباءهم وأبناءهم) أي وسائر أقاربهم وأحباءهم (في نصرته) أي في نصرة دينه وقوة يقينه؛ (وأتي) أي وأورد ذلك البعض من العلماء (في معنى هذا) أي المبنى من عبارات البلغاء واعتبارات الفصحاء وإشارات العقلاء (بما يلوح له رونق) أي بما يلمع له ضياء ويلمح له صفاء (ويعجب منه) بصيغة المفعول أي ويبرق من أثره وظهور أمره (زبرج) بكسر الزاء والراء بينهما موحدة ساكنة وفي آخره جيم أي زينة من ذهب أو جوهر أو وشي (لو احتيج إليه) أي إلى كلامه (وحقّق) أي أمره في مرامه، (لكنّا) يروى فقد (قَدَّمْنَا مِنْ بَيَانِ مُعْجِزَةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم وظهورها) أي ووضوح أمرها (مَا يُغْنِي عَنْ رُكُوبِ بُطُونِ هَذِهِ الْمَسَالِكِ وظهورها) مثل معقولات المعاني بمحسوسات المباني وقصد الاستغناء عن هذه الاستعلاء ونحن نقول لا منع من الجمع فإن الآيات والمعجزات لكل منها ظهر وبطن ولكل حد مطلع (ورضي الله تعالى عنهم وبالله أستعين) أي في كل وقت وحين (وهو حسبنا) أي كافينا ووافينا وشافينا (ونعم الوكيل) أي اعتمادا واستنادا معاشا ومعادا باطنا وظاهرا وأولا وآخرا والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وعلى آله وصحبه نجوم الاقتداء والاهتداء وعلى اتباعهم من العلماء والأولياء والحمد الله الذي هدانا لهذا وأغنانا عما سواه وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله اللهم اختم لنا بالخيرات أعمالنا وبالمبرات آجالنا وبالمسرات أحوالنا واغفر لنا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك قريب مجيب الدعوات آمين آمين آمين يا رب العالمين ويا أرحم الراحمين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وقد تم نصف الكتاب بعون الملك الوهاب ويتلوه القسم الثاني الذي ليس له ثان في هذا الباب عند أرباب الألباب والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب حرره مصنفه الجاني في أوائل جمادى الثاني من شهور عام عشرة بعد الألف السابع من عالم المباني رحمه الله تعالى رحمة واسعة بمنه آمين.
[ ١ / ٧٦٥ ]
فهرس المحتويات
المقدمة ٣
ترجمة القاضي عياض ٥
خطبة الكتاب ٩
أما بعد بيان سبب تأليف الكتاب وتصنيفه ١٥
القسم الأول في تعظيم العلي الأعلى جل وعلا ٣٣
(الْبَابُ الْأَوَّلُ) فِي ثَنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ ﵇ ٣٩
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِيمَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مَجِيءَ المدح والثناء ٣٩
الفصل الثاني: في وصفه تعالى بالشهادة وما تعلق به من الثناء والكرامة ٦١
الفصل الثالث: فيما ورد من خطابه تعالى إياه مورد الملاطفة والمبرة ٧٣
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي قَسَمِهِ تَعَالَى بِعَظِيمِ قَدْرِهِ صلى الله تعالى عليه وسلم ٨١
الفصل الخامس: في قسمه ﷿ ٩٠
الْفَصْلُ السَّادِسُ: فِيمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى في جهته ﵊ مورد الشفقة والإكرام ١٠٨
الفصل السابع: فيما أخبره الله بِهِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ مِنْ عَظِيمِ قَدْرِهِ ١١٤
الْفَصْلُ الثَّامِنُ: فِي إِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى خَلْقَهُ بصلاته عليه وولايته له ١٢٠
الْفَصْلُ التَّاسِعُ: فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ الْفَتْحِ مِنْ كراماته ﵇ ١٢٩
الْفَصْلُ الْعَاشِرُ: فِيمَا أَظْهَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كتابه العزيز من كراماته عليه ومكانته عنده ١٤٠
(الْبَابُ الثَّانِي) فِي تَكْمِيلِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ المحاسن خلقا وخلقا ١٤٩
فصل: قال القاضي رحمه الله تعالى إذا كانت خصال الكمال والجلال الخ ١٥٣
فصل: إن قلت أكرمك الله تعالى لا خفاء على القطع بالجملة الخ ١٥٨
فصل: وأما نظافة جسمه وطيب ريحه وعرقه ﵊ ١٦٤
فصل: وَأَمَّا وُفُورُ عَقْلِهِ وَذَكَاءُ لُبِّهِ وَقُوَّةُ حَوَاسِّهِ وفصاحة لسانه واعتدال حركاته وحسن شمائله ١٧٤ فصل: وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول ١٨٣
فصل: وأما شرف نسبه وكرم بلده ومنشأه ٢٠٤
فصل: وأما تَدْعُو ضَرُورَةُ الْحَيَاةِ إِلَيْهِ مِمَّا فَصَّلْنَاهُ فَعَلَى ثلاثة ضروب الضرب الأول ٢٠٧
فصل: وأما الضرب الثاني ما يتفق التمدح بكثرته والفخر بوفوره ٢١٤
فصل: وأما الضرب الثالث فهو ما تختلف فيه الحالات ٢٢٣
فصل: وأما الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة ٢٢٩
فصل: وأما أَصْلُ فُرُوعِهَا وَعُنْصُرُ يَنَابِيعِهَا وَنُقْطَةُ دَائِرَتِهَا فَالْعَقْلُ الخ ٢٣٩
فصل: وأما الحلم ٢٤١
فصل: وأما الجود ٢٥٤
فصل: وأما الشجاعة والنجدة ٢٦١
فصل: وأما الحياء والإغضاء ٢٦٨
فصل: وأما حسن عشرته وآدابه ٢٨٢
فصل: وأما الشفقة والرأفة والرحمة لجميع الخلق الخ ٢٨٠
فصل: وأما خلقه صلى الله تعالى عليه وسلم في الوفاء ٢٨٧ فصل: وأما تواضعه صلى الله تعالى عليه وسلم ٢٩٣
فصل: وأما عدله صلى الله تعالى عليه وسلم وأمانته وعفته وصدق لهجته ٣٠١
فصل: وأما وقاره صلى الله تعالى عليه وسلم ٣٠٧
فصل: وأما زهده صلى الله تعالى عليه وسلم في الدنيا ٣١٣
فصل: وأما خوفه صلى الله تعالى عليه وسلم من ربه ﷿ ٣١٩
فصل: اعلم وفقنا الله تعالى وإياك أن صفات جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام الخ ٣٢٦
فصل: قد آتيناك أكرمك الله سبحانه من ذكر الأخلاق الحميدة ٣٣٩
فصل: في تفسير غريب هذا الحديث ومشكله ٣٥٧
فصل: (الْبَابُ الثَّالِثُ) فِيمَا وَرَدَ مِنْ صَحِيحِ الْأَخْبَارِ ومشهورها بتعظيم قدره عند ربه عز
[ ١ / ٧٦٧ ]
وجل ٣٦٥
الفصل الأول: فِيمَا وَرَدَ مِنْ ذِكْرِ مَكَانَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ ﷿ ٣٦٥
فصل: في تفضيله صلى الله تعالى عليه وسلم بما تضمنته كرامة الإسراء إلخ ٣٨٥
فصل: ثم اختلف السلف والعلماء هل كان إسراء بروحه أو جسده ٤٠٨
فصل: إبطال حجج من قال أنها نوم ٤١٦
فصل: وأما رؤيته صلى الله تعالى عليه وسلم لربه ﷿ ٤٢٢
فصل: في فوائد متفرقة ٤٣٦
فصل: وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ وَظَاهِرُ الآية من الدنو والقرب ٤٣٩
فصل: في ذكر تفضيله في القيامة بخصوص الكرامة ٤٤٣
فصل: في تفضيله بالمحبة والخلة ٤٥١
فصل: في تفضيله بالشفاعة والمقام المحمود ٤٦٣
فصل: في تفضيله فِي الْجَنَّةِ بِالْوَسِيلَةِ وَالدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ وَالْكَوْثَرِ وَالْفَضِيلَةِ ٤٧٩
فصل: فَإِنْ قُلْتَ إِذَا تَقَرَّرَ مِنْ دَلِيلِ الْقُرْآنِ وصحيح الأثر الخ ٤٨٢
فصل: في أسمائه صلى الله تعالى عليه وسلم وما تضمنته من فضيلته ٤٨٩
فصل: في تشريف الله تعالى له بما سماه به من أسمائه الحسنى ٥٠٥
فصل: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى وها أنا أذكر نكتة إلخ ٥٢١
(الْبَابُ الرَّابِعُ) فِيمَا أَظْهَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَشَرَّفَهُ بِهِ مِنَ الْخَصَائِصِ والكرامات ٥٢٦
فصل: اعلم أن الله ﷿ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ الْمَعْرِفَةِ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ ٥٣١
فصل: اعلم أن معنى تسميتنا ما جاءت به الأنبياء معجزة إلخ ٥٣٨
فصل: في إعجاز القرآن العظيم الوجه الأول إلخ ٥٤٧
فصل: الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ إِعْجَازِهِ صُورَةُ نَظْمِهِ الْعَجِيبِ والأسلوب الغريب ٥٦٠
فصل: الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ الْإِعْجَازِ مَا انْطَوَى عَلَيْهِ من الأخبار ٥٦٧
فصل: الْوَجْهُ الرَّابِعُ مَا أَنْبَأَ بِهِ مِنْ أَخْبَارِ القرون السالفة ٥٧١
فصل: هَذِهِ الْوُجُوهُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ إِعْجَازِهِ بَيِّنَةٌ لَا نزاع فيها ولا مرية ٥٧٥
فصل: ومنها الروعة الخ ٥٧٧
فصل: وَمِنْ وُجُوهِ إِعْجَازِهِ الْمَعْدُودَةِ كَوْنُهُ آيَةً بَاقِيَةً لا تعدم ما دامت الدنيا ٥٨٠
فصل: وَقَدْ عَدَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَمُقَلِّدِي الْأُمَّةِ في إعجازه وجوها كثيرة ٥٨١
فصل: في انشقاق القمر وحبس الشمس ٥٨٨
فصل: في نبع الماء من بين أصابعه الشريفة وتكثيره ببركته صلى الله تعالى عليه وسلم ٥٩٦
فصل: وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِهِ تَفْجِيرُ الْمَاءِ ببركته وانبعاثه ٦٠١
فصل: ومن معجزاته تكثير الطعام ببركته ودعائه ﵊ ٦٠٥
فصل: في كلام الشجر وشهادتها له بالنبوة وإجابتها دعوته ٦١٨
فصل: في قصة حنين الجذع له صلى الله تعالى عليه وسلم ٦٢٥
فصل: ومثل هذا وقع في سائر الجمادات بمسه ودعوته ٦٣٠
فصل: في الآيات في ضروب الحيوانات ٦٣٤
فصل: في إحياء الموتى وكلامهم ٦٤٤
فصل: في إبراء المرضى وذوي العاهات ٦٥٣
فصل: في إجابة دعائه صلى الله تعالى عليه وسلم ٦٦٠
فصل: في كراماته ﷺ ٦٦٨
فصل: وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنَ الْغُيُوبِ الخ ٦٧٩
فصل: في عصمة الله تعالى له صلى الله تعالى عليه وسلم من الناس وكفايته من آذاه ٧٠٩
فصل: ومن معجزاته الباهرة ما جمعه الله تعالى له من المعارف والعلوم ٧٢١
فصل: ومن خصائصه ﵊ وكراماته وباهر آياته أنباؤه مع الملائكة الخ ٧٣٤
فصل: وَمِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ وَعَلَامَاتِ رِسَالَتِهِ مَا تَرَادَفَتْ الخ ٧٣٩
فصل: وَمِنْ ذَلِكَ مَا ظَهَرَ مِنَ الْآيَاتِ عِنْدَ مولده ﵊ ٧٥٠
فصل: قال القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى قد أتينا في هذا الباب الخ ٧٥٦
[ ١ / ٧٦٨ ]