[المقدمة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ذي الجلال والإكرام، الذي يجب أن يبدأ بذكره المرام، ويختم بشكره الكلام
(الْقِسْمُ الثَّانِي فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْأَنَامِ مِنْ حقوقه صلى الله تعالى عليه وسلم)
أي القسم الثاني من كتاب الشفا في حقوق المصطفى في بيان ما يجب على المكلفين من حقوق خاتم النبيين وسيد المرسلين (قال القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى) يعني المصنف (وهذا) أي القسم الثاني (قسم) أي عظيم (لخّصنا فيه الكلام) أي اقتصرنا واختصرنا (في أربعة أبواب على ما ذكرناه) أي وفق ما قررناه وحررناه (في أوّل الكتاب ومجموعها) أي مجموع أبواب هذا القسم الأربعة (في وجوب تصديقه ﵊) أي الإيمان به فيما جاء عن ربه (واتّباعه في سنّته) أي في وجوب متابعته في شريعته وطريقة حقيقته (وطاعته) أي وفي وجوب امتثال أوامره واجتناب زواجره كما بينه في فصول الباب الأول (ومحبّته) أي وفي وجوب محبته وجعل محبته تابعة لمحبته كما ورد لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به لأن محبته سبب لمتابعته ومتابعته علامة لمحبة الله تعالى ابتداء ومحبة الله تعالى إياه انتهاء كما قَالَ تَعَالَى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ كما عينه في فصول الباب الثاني (ومناصحته) أي وفي وجوب قبول نصحه له في أمره ونهيه ونصحه لرسوله ودينه كما ورد الدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وقد أوضحنا معنى هذا الحديث في شرح الأربعين والمناصحة مفاعلة للمبالغة قصد هنا منها المبالغة في النصح وهو الخلوص لغة والنصيحة في الشريعة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له (وتوقيره) أي وفي وجوب تعظيمه لقوله تعالى: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ كما زينه في فصول الباب الثالث (وبرّه) أي في وجوب الإحسان بأهل وده والقيام بحكمه وأمره (وحكم الصلاة عليه والتّسليم) أي وفي وجوب حكمهما من وجوب وغيره (وزيارة قبره صلى الله تعالى عليه وسلم) أي وفي بيان زيارة قبره وما يتعلق به كما حسنه في الباب الرابع، وهذا الأمر اجمالي سيرد عليك القدر التفصيلي في ضمن الأبواب وفصولها بالوجه التكميلي.
[ ٢ / ٣ ]
الْبَابُ الْأَوَّلُ [فِي فَرْضِ الْإِيمَانِ بِهِ وَوُجُوبِ طاعته واتّباع سنّته]
(فِي فَرْضِ الْإِيمَانِ بِهِ وَوُجُوبِ طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ سنّته صلى الله تعالى عليه وسلم وشرف وكرم) وفخم وعظم أي في بيان فرضية تصديقه في المعتقدات وفي وجوب طاعته في الواجبات واستحباب متابعته في المستحبات أو التقدير وفي وجوب اتباع شريعته التي تعم جميع الحالات وفي المغايرة بين الفرض والوجوب ايماء بأن الأول ركن الدين ومهماته والأخيران من مكملاته ومتمماته ولا يلزم من عدمهما فقد الأول بخلاف العكس فتأمل (إذا تقرّر بما قدّمناه) أي في ضمن ما تحرر (ثبوت نبوّته) أي بظهور معجزاته (وصحّة رسالته) أي بوضوح آياته (وجب الإيمان به) لأنه فرع ثبوتهما كتوقف المشروط على الشرط (وتصديقه فيما أتى به) أي من عند ربه تعالى من جهة الوحي الجلي أو من طريق الوحي الخفي والمعنى ووجب تصديقه بجميع ما في الكتاب والسنة وان كان وجوب تصديقه من جهة السنة ثابتا بالكتاب أيضا لقوله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ولقوله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ واحذروا أي من مخالفتهما فيما أمرا به ونهيا عنه وبما قررنا ظهرت المغايرة في العطف وإما كونه عطف تفسير كما ذكره الدلجي رحمه الله تعالى عند من يقول: الإيمان هو التصديق فقط فلا وجه له لأن المحققين على أن الإيمان هو التصديق والإقرار شرط لاجراء أحكام الإسلام والأعمال شرط الكمال بخلاف المعتزلة والخوارج حيث ادخلوا الأعمال في أجزاء الإيمان وعلى كل تقدير ففرق بين الإيمان برسالته ﵊ وتصديق ما جاء به من الأحكام حتى لا يحرم الحلال ولا يحلل الحرام (قال الله تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) وهو الفرد الأكمل والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم الأفضل (وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا) [التغابن: ٨] أي القرآن المشبه بالنور الفرقان بين الحق والباطل والبرهان المزيل لظلمات الشكوك والظنون والأوهام الحاصلة للجاهل والغافل وسمي نورا لأنه بإعجازه ظاهر بنفسه مظهر ما فيه لغيره (وقال: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا) أي بتصديق من بعثت إليهم وإخلاصهم وهدايتهم وبتكذيبهم وضلالتهم (وَمُبَشِّرًا) أي بالجنة ونعيمها للمؤمنين (وَنَذِيرًا) أي بالنار وأليمها للكافرين (لِتُؤْمِنُوا) قرىء بالخطاب والغيبة في السبعة أي لتصدقوا (بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) [الفتح: ٨- ٩]، قال الدلجي رحمه الله تعالى: الخطاب له ولأمته أي على سبيل التغليب أولهم تنزيلا لخطابه منزلة خطابهم انتهى. والأظهر أن الضمير للأمة على قراءة الخطاب والغيبة كما يدل عليه سياق الكلام والله تعالى أعلم بحقيقة
[ ٢ / ٥ ]
المرام (وقال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ) أي بذاته وصفاته (وَرَسُولِهِ) أي الثابت رسالته بمعجزاته (النَّبِيِّ) أي الجامع بين نعتي الرسالة والنبوة التي هي عبارة عن ولايته التي يأخذ بها الفيض السبحاني ويفيد النوع الإنساني (الْأُمِّيِّ) [الأعراف: ١٥٨] أي المنسوب إلى أم القرى وهي مكة المكرمة كما قال تعالى: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها أو المنسوب إلى أمة العرب التي غالبها لم يقرأ ولم يكتب كما ورد أنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الحديث أو المنسوب إلى الأم يعني على الوصف الذي خرج به من بطن أمه ما اكتسب شيئا من القراءة والكتابة ونحوهما، وفيه إيماء إلى أنه على أصل الفطرة كما قال تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها وكما ورد كل مولود يولد على الفطرة الآية أي إلى آخرها وهو قوله تعالى: الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ أي بما أنزل عليه وعلى غيره من الرسل أو بأسمائه وصفاته واتبعوه في مأموراته ومنهياته لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ تفوزون بما تسعدون ببركاته (فالإيمان بالنبيّ محمد صلى الله تعالى عليه وسلم واجب) أي امتثالا لأمر ربه (متعيّن) أي لا يمكن التخلص عن حكمه (لا يتمّ) أي لأنه لا يتم لأحد (الإيمان) أي الشرعي (إلّا به) أي إلا بالإيمان به أو إلا بسببه (ولا يصحّ الإسلام) أي استسلام الأحكام (إلّا معه) أي إلا مع الإيمان به أو مع موافقة انقياده في حكم ربه. وفي نسخة إيمان وإسلام بتنكيرهما ثم هذا بناء على تغايرهما حقيقة واتخاذهما شريعة قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا) [الفتح: ١٣] . قيل: وضع الظاهر موضع الضمير إيذانا بأن من لم يجمع بين الإيمانين فهو كافر وعندي إن الأظهر في المعنى أن يقال واعتدنا للكافرين منهم ومن غيرهم فيكون المعنى الأعم هو الأتم أو المعنى اعتدنا لمن مات على كفره لتكون الآية جامعة بين النذارة والبشارة وهذا الملحظ أولى لأنه يشمل الكل كما لا يخفى (حدّثنا أبو محمد الخشنيّ الفقيه) بضم الخاء وفتح الشين المعجمتين نسبة إلى قبيلة خشينة، وقد تقدم.
وفي نسخة زيد الفقيه وقوله: (بقراءتي عليه) أي لا بمجرد سماعي لديه (ثنا) أي قال حدثنا (الإمام أبو عليّ الطّبريّ) بفتح مهملة وموحدة (حدّثنا) أي حدثنا (عبد الغافر الفارسيّ) بكسر الراء ويسكن. وفي نسخة: القاري وهو تصحيف وقد تقدم أيضا (حدّثنا) أي حدثنا (ابن عمرويه) بفتح مهملة وسكون ميم وفتح راء وواو فسكون تحتية فكسرها وضبط أيضا بضم راء وسكون واو فتحتية وفوقية مفتوحتين وهو الجلودي وقد تقدم (ثنا) أي حدثنا (ابن سفيان) وهو إبراهيم بن محمد بن سفيان راوي صحيح مسلم عنه (ثنا) أي حدثنا (أبو الحسين) رحمة الله تعالى عليه هذا هو مسلم صاحب الصحيح (ثنا) أي حدثنا (أميّة) بالتصغير (ابن بسطام) بكسر الموحدة وفتحها ويصرف وقد يمنع (ثنا) أي حدثنا (يزيد بن زريع) بضم الزاء مصغرا أخرج له الأئمة الستة (ثنا) أي حدثنا (روح) بفتح الراء أخرج له الستة ما عدا الترمذي ﵀ (عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ) أحد علماء المدينة روى عنه شعبة ومالك وأخرج له مسلم والأربعة (عن أبيه.) هو عبد الرحمن بن يعقوب
[ ٢ / ٦ ]
الجهني أخرج له مسلم والأربعة (عن أبي هريرة ﵁ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: (أمرت) أي أمرني الله تعالى إذ لا آمر له سواه (أن أقاتل النّاس) أي بمقاتلة الكفار وهو عام خص منه من أقر بالجزية (حتّى يشهدوا أن) أي أنه (لا إله إلّا الله) استثناء من الكثرة المفهومة من إله إذ مفهومه كلي في الذهن يتوهم منه الكثيرة في الخارج مع أنه ليس هناك إلا واحد واجب الوجود الموصوف بنعوت الكرم والجود. وفي رواية حتى يقولوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جئت به،) أي مما أمرني ربي أو ألهمني في قلبي (فإذا فعلوا ذلك) أي آمنوا بهما والتزموا أحكامهما أو إذا فعلوا ما أقاتلهم لأجله (عصموا منّي دماءهم وأموالهم) أي منعوها فلا يجوز سفك دمائهم وأخذ أموالهم بسبب من الأسباب (إلّا بحقّها) أي إلا بحق يتعلق بها كقتل نفس بعدوان وزنى بعد احصان وكفر بعد إيمان كما ورد ويلحق بها ترك صلاة وزكاة بتأويل باطل فيهما (وحسابهم على الله) أي فيما يسرونه من كفر ومعصية فالحكم بالإيمان لظواهرهم والله متول لسرائرهم والحديث هذا قد أخرجه القاضي كما ترى من عند مسلم وهو في الإيمان. ورواه البخاري رحمه الله تعالى أيضا وفي رواية أخرجها الستة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال السيوطي وهو متواتر ولفظه أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إله إلا الله وإني رسول الله فإذا قالوها عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ على الله. وفي رواية عن أنس رضي الله تعالى عنه قيل: وما حقها، قال زنى بعد احصان أو كفر بعد اسلام أو قتل نفس فيقتل بها (قال القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى) يعني المصنف (والإيمان به صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بالنبي ﵊ (هو تصديق نبوّته) أي إنبائه عن الحق (ورسالة الله تعالى له) أي إلى الخلق والإضافة فيهما بمعنى الباء أوفى أي تصديقه بهما أو فيهما وهذا باعتبار ذاته وصفاته (وتصديقه في جميع ما جاء به) أي من معتقداته (وما قاله) أي وفي جميع مقولاته من مأموراته ومنهياته (ومطابقة تصديق القلب بذلك) أي بما ذكر (شهادة اللّسان) بالنصب وقيل بالرفع أي إقراره (بأنّه رسول الله) أي إلى جميع أفراد الإنس والجن أو إلى الخلق كافة (فإذا اجتمع) أي في العبد (التّصديق به بالقلب) وهو حقيقة الإيمان (والنّطق) أي معه (بالشّهادة بذلك) أي بما ذكر (باللّسان) أي وبالإقرار الذي هو شطر أو شرط على خلاف بين الأعيان (تمّ) أي كمل (الإيمان به) أي بالجنان (والتصديق له) أي باللسان (كما ورد في هذا الحديث) أي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (نفسه) أي بعينه إلا أنه (من رواية ابن عمر رضي الله تعالى عنهما) أي لا من أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (أمرت أن) أي بأن (أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله)، الحديث أخرجه الشيخان وفد سبق أن هذا اللفظ جاء من طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أيضا وقد رواه أصحاب الستة عنه إلا أنه بلفظ أني رسول الله (وقد زاده) أي النبي ﵊ ما ذكر (وضوحا في حديث جبريل) ﵇ أي سؤاله عنه (إذ قال) أي حين
[ ٢ / ٧ ]
قال جبرائيل ﵇ (أخبرني عن الإسلام فقال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما في نسخة وفي نسخة قال: («أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وأنّ محمّدا رسول الله») وهو الإقرار فعده من الإسلام وهو الانقياد الظاهري دال على أن الإيمان هو التصديق القلبي والانقياد الباطني (وذكر أركان الإسلام) أي بقية أركانه إذ الجملة خمسة كما ورد بني الإسلام على خمس حيث قال أن تشهد بالله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا (ثمّ سأله) أي سأله جبرائيل (عن الإيمان فقال: أن تؤمن بالله) أي أن تصدق بحقيقة ذاته وحقيقة صفاته (وملائكته) أي بأنهم عباد مكرمون مطيعون معصومون لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة (وكتبه) أي بأنها منزلة من عنده (ورسله) أي بأنهم مبعوثون من الله تعالى إلى خلقه صادقون فيما جاؤوا به (الحديث)؛ وتمامه واليوم الآخر أي وبأنه وما فيه كالبعث والحساب والثواب والعقاب حق وصدق وتؤمن بالقدر خيره وشره أي حلوه ومره والحديث بطوله مذكور في الأربعين وقد شرحناه في المبين المعين وهو حديث رواه الستة وغيرهم (فقد قرّر) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (أنّ الإيمان به) أي بالله ﷾ وبما يجب الإيمان به من غيره (محتاج) وفي نسخة يحتاج (إلى العقد بالجنان) بفتح الجيم أي الاعتقاد الجازم بالقلب (والإسلام) أي وإن الإسلام (به) أي الانقياد الظاهري إليه وهو الإقرار به (مضطرّ إلى النّطق باللّسان) أي ليتم بالبيان فإن اللسان ترجمان الجنان (وهذه الحال) وفي نسخة الحالة (المحمودة التّامة) وفي نسخة هي المحمودة التامة أي عند الخاصة والعامة فإنه حينئذ نور على نور وسرور على سرور وجمع بين الظاهر والباطن فيصدق عليه أنه مؤمن مسلم إذ لا خلاف بين أهل السنة أنه حينئذ مؤمن وإن اختلفوا في كون الإقرار شطرا للإيمان أو شرطا لإجراء أحكام الإسلام فاندفع قول الدلجي رحمه الله تعالى إن هذا ذهاب منه إلى أن الإيمان اسم لفعل القلب واللسان وعليه بعض الأشعرية وغيرهم وإما قوله ووصفها بكونها تامة مؤذن بأن العقد بالجنان كاف وإن لم ينطق باللسان فهو مع كونه مناقضا لما سبق له من البيان مدفوع بالفرق الظاهر بين التمام والكمال كما لا يخفى على أرباب الحال لأن تمام الشيء يتوقف على حصول جميع اجزائه بخلاف كماله فإنه يتوقف على وجود ضيائه وبهائه وهو ههنا بأن يكتسب جميع الأوامر ويجتنب جميع الزواجر من الصغائر والكبائر والمعتزلة والخوارج جعلوا الأركان من أجزاء الإيمان والله المستعان هذا ويدل على ما قررنا ويشهد لما حررنا قوله: (وأمّا الحالة المذمومة) أي عند جميع الأمة المسلمة (فالشّهادة باللّسان دون تصديق القلب) أي من غير اعتقاد الجنان (وهذا) أي الاعتقاد المشتمل على الشقاق (هو النّفاق) أي الحقيقي وهو ابطان الكفر واظهار الإيمان وهذا كافر إذا علم حاله بالاتفاق (قال الله تعالى:) حال لازمة أي متعاليا عما لا يليق بذاته وصفاته (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) أي توهيما منهم شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم لا زعما منهم كما قاله
[ ٢ / ٨ ]
الدلجي ﵀ لأنهم ما يزعمون ذلك حيث يعلمون حقيقة ما هنالك (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) أي كما ظهروه ولو كان مخالفا لما ابطنوه والجملة احتراس من نفي رسالته المتوهم من قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ [المنافقون: ١]) ولذا فسره المصنف بقوله: (أي كاذبون في قولهم) أي في دعواهم (ذلِكَ) أي كونك رسول الله صادرا (عن اعتقادهم وتصديقهم وهم لا يعتقدونه) أي والحال أنهم لا يعتقدون قولهم إنك لرسول الله (فلمّا لم يصدّق) أي لم يوافق (ذلك) أي قولهم وظواهرهم (ضميرهم) أي قلوبهم وبواطنهم وفي نسخة ضمائرهم وهو يحتمل الرفع والنصب (لم ينفعهم أن يقولوا) أي مجرد قولهم (بألسنتهم ما ليس في قلوبهم) أي لاعتقادهم أن قولهم ذلك كذب وخبر على خلاف ما عليه خال المخبر عنه (فخرجوا عن اسم الإيمان) أي عن أن يسموا بما اشتق منه فلم يكونوا مؤمنين في الدنيا (ولم يكن لهم في الآخرة حكمه) أي حكم الإيمان فلا يحشرون مع المؤمنين (إذ لم يكن معهم) أي إيمان كما في نسخة (ولحقوا بالكافرين) وفي نسخة بالكفار (فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) بفتح الراء وسكونها أي الطبقة السفلى من دركاتها كما أن المخلصين من المؤمنين في أعلى أماكن الجنة وأرفع درجاتها (وبقي عليهم حكم الإسلام) أي بحسب ظواهر الأحكام فيعاملون كالمسلمين لهم ما لهم وعليهم ما عليهم (بإظهار شهادة اللّسان) أي بسبب اظهارها منهم وهذا (في أحكام الدّنيا المتعلّقة بالأئمّة) أي أئمة الدين من العلماء العاملين (وحكّام المسلمين) أي من القضاة والسلاطين (الذّين أحكامهم على الظّواهر) أي جارية وسارية (بما أظهروه من علامة الإسلام) أي من الإذعان والانقياد وقبول الأحكام وهذا كله بحسب الظواهر (إِذْ لَمْ يُجْعَلْ لِلْبَشَرِ سَبِيلٌ إِلَى السَّرَائِرِ ولا أمروا) أي الأئمة والحكام (بالبحث عنها) أي عن السرائر (بل نهى النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّحَكُّمِ عَلَيْهَا وَذَمَّ ذَلِكَ) أي التحكم هنالك (وقال) أي فيما رواه البخاري لأسامة بن زيد لما قتل من اضطره فأسلم اقتلته بعد أن أسلم فقال معتذرا إنما أسلم مكرها فقال: (هلا شققت عن قلبه) أي لم ما كشفت عن ضميره وهذا أمر تعجيز إذ لا اطلاع على قلب أحد إلا لربه وقيل هلا إذا دخل على المضارع يفيد الأمر كقولك هلا تضرب زيدا وإذا دخل على الماضي يفيد التوبيخ كقولك هلا ضربت زيدا والحديث في صحيح مسلم عن أسامة بن زيد قال بعثنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلا فقال لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي ﵊ فقال أقال لا إله إلا الله وقتلته قلت يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح فقال: هلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا الحديث والمعنى قالها عن قلبه أم لم يقل عن قلبه وأبعد الأنطاكي حيث قال الفاعل في قوله أقالها هو القلب (والفرق) وفي نسخة وللفرق (بين القول) أي باللسان (والعقد) أي بالجنان (ما جعل) بصيغة المفعول أو الفاعل وما مصدرية أي جعله أو موصولة أي الذي جعله النبي صلى الله تعالى
[ ٢ / ٩ ]
عليه وسلم (في حديث جبريل) ﵇ أي المتقدم (الشّهادة) بالرفع أو النصب أي الإقرار (من الإسلام) أي من أركانه حيث قال مجيبا له عن سؤاله عنه أن تشهد (والتّصديق من الإيمان) أي وجعله فيه منه بقوله مجيبا له عن سؤاله عنه أن تؤمن (وبقيت حالتان أخريان بين هذين) أي الحالين وهما الحالة المحمودة لخلص المؤمنين والحالة المذمومة للمنافقين فيحتاج إلى بيانهما (إحديهما: أن يصدّق) أي المكلف (بقلبه ثمّ يخترم) بالخاء المعجمة على صيغة المجهول أي يقتطع ويموت (قبل اتّساع وقت للشّهادة) أي قبل أن يأتي بها (بلسانه) أي لضيق زمانه (فاختلف فيه) أي في أنه مؤمن أم لا (فَشَرَطَ بَعْضُهُمْ مِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ الْقَوْلَ وَالشَّهَادَةَ به) فعلى هذا لا يكون مؤمنا لعدم تمكنه من الإتيان بها وهذا قول ضعيف سواء قيل إن الإقرار شرط لإجراء الأحكام لا لحقيقة الإسلام أو شطر لأن قائله قائل بأنه ركن قابل لسقوطه في بعض الأنام كالأخرس وخال ضيق المقام (ورآه بعضهم) أي المصدق المذكور قبل تمكنه من الإقرار المسطور (مؤمنا) أي مصدقا ومسلما (مستوجبا للجنة) أي لعذره بعدم تمكنه من الإتيان به وأيضا لو لم يعتبر إيمانه للزم أن يكون في النار مخلدا وهو غير واقع كما أشار إليه المصنف حيث قال: (لقوله ﵊) أي فيما رواه الشيخان (يخرج) بصيغة المفعول أو الفاعل (مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذرّة من الإيمان) وفيه تلويح إلى أنه وإن صغر قدره فقد عظم عند الله تعالى أمره ولا يضيع أجره وقد قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وهي كل جزء من أجزاء الهباء في الهواء والمراد بها غاية القلة التي قد يعبر عنها بالعدم أي لا يظلم أصلا (أجزائه بخلاف كماله فإنه يتوقف على وجود ضيائه وبهائه وهو ههنا بأن يكتسب جميع (فلم يذكر) أي النبي ﵊ (سوى ما في القلب) أي لأن غيره غير نافع عند الرب في العقبى لانقضاء أحكام ظاهر الإسلام في الدنيا (وهذا) أي المؤمن بالجنان العاجز عن إقرار اللسان (مؤمن بقلبه) أي فينفعه إيمانه عند ربه (غير عاص) أي حيث اطاعه وآمن به (ولا مفرّط بترك غيره) أي بترك غير أمره من إقراره لعدم إدراك وقته وفقد استقراره (وهذا) أي الرأي من هذا البعض (هو الصحيح في هذا الوجه) أي لما بيناه من الوجه الذي عيناه (الثانية) أي الحالة الثانية (أن يصدّق بقلبه) أي ويكتفي بعلم ربه (ويطوّل مهله) بفتح الميم وسكون الهاء وتحرك أي زمانه (وعلم ما يلزمه من الشهادة) أي النطق بها (فلم ينطق بها جملة) أي مطلقا (ولا استشهد في عمره) أي ولا تشهد في عمره مرات كثيرة كما كان اللائق به أن يكررها ويتلذذ بذكرها ويقوم بشكرها (ولا مرّة واحدة) أي بل ولا كرة (فهذا) أي المؤمن المذكور بالوصف المسطور (اختلف فيه أيضا) أي كما اختلف فيما قبله (فقيل هو مؤمن) أي لأنه أتى بما يكفي من مقصود الإيمان (لأنّه مصدّق) أي بقلبه وهو من أحسن الأحوال (والشّهادة من جملة الأعمال) أي أركان الإسلام الموجبة للكمال (وهو) في نسخة فهو (عاص بتركها) أي بترك الشهادة كما لو ترك الصلاة والزكاة (غير مخلّد) أي في النار كما في نسخة
[ ٢ / ١٠ ]
والمعنى إن دخلها لا يخلد فيها كما هو شأن المؤمن العاصي حيث يكون تحت المشيئة إلا أن هذا القول لا يصح عند من يقول الإقرار شطر وكذا عند من يقول إنه شرط حيث لا يوجد المشروط بدون الشرط حال إمكان وجوده فبطل قول الدلجي وهذا كما مر عند المحققين هو الحق ولا يعصى عند من يقول الإيمان هو التصديق فقط انتهى ولا يخفى أنه مخالف للإجماع لأن تارك الشهادة مع القدرة عاص عند الكل من غير نزاع وإنما الخلاف في أنه مؤمن أو ليس بمؤمن والله ﷾ أعلم (وقيل ليس بمؤمن حتّى يقارن عقده) أي اعتقاده وتصديقه بالجنان (شهادة) أي إقرار بالله وبرسوله وفي نسخة شهادة اللسان وهي بالنصب وقيل بالرفع وكلاهما جائز لأن من قارن الشيء فقد قارنه ذلك الشيء وإنما قيل بنفي إيمانه (إذ الشّهادة إنشاء عقد والتزام إيمان) أي قبول أحكام الإسلام (وهي) أي الشهادة (مرتبطة مع العقد) أي جزم القلب (ولا يتمّ التّصديق مع المهلة) بضم فسكون أي مع الإمهال زمانا يسعه القيام بشرطه أو شطره (إلّا بها) أي بالشهادة سواء قلنا إنها شرط أو شطر كما بينا (وهذا) أي القول الثاني (هو الصّحيح) أي في أنه ليس بمؤمن لعدم قرانه عقد جنانه بإقرار لسانه مع تمكنه من بيانه في مهلة زمانه وأما قول الدلجي إن هذا إنما يقول به من يجعل الأعمال جزءا منه فخطأ ظاهر إذ أجمع أهل السنة على أن الأعمال ليست جزءا من حقيقة الإيمان خلافا للخوارج والمعتزلة وأما نسبة هذا القول إلى الشافعي رحمه الله تعالى والمحدثين فمحمول على أنها جزء من كمال الإيمان وإنما الخلاف لفظي في مراتب الإيقان فبطل قول الدلجي إن الإيمان قول وعمل واعتقاد كما هو مذهب الفقهاء والمحدثين أو قول واعتقاد كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى وأشياعه انتهى ولا يخفى أن هذا غفلة منه عن تحقيق الأشعري واتباعه ثم هذا الخلاف فيما إذا لم يؤمر بأداء الشهادة وإذا أمر بها وامتنع وتأبى عنها كأبي طالب فهو كافر بالإجماع (وهذا) أي ما ذكرنا في بحث الإيمان وفي نسخة وهذه أي هذه المسائل أو الأقوال هي الوسائل التي كتب فيها الرسائل لينتفع بها كل طالب وسائل (نبذ) بنون مفتوحة وسكون موحدة فذال معجمة أي شيء قليل يسير على ما في القاموس وهو مطابق لما في النسخ المعتبرة وموافق لما في الشروح المعتمدة وأما ما ذكره الدلجي من قوله بنون وباء موحدة مفتوحتين وفي نسخة بضم النون وسكون الباء جمع النبذة فليس في النسخ وهو مخالف لما في كتب اللغة بل في القاموس أن النبذة بفتح النون وتضم الناحية ولا ريب أن هذا المعنى لا يناسب مقام المرام فهو خالف الرواية والدراية نعم في نسخة نبذ بضم ففتح جمع نبذة أي قطعة يسيرة والمعنى أن ما ذكر من الإيمان وما يتعلق به صحة وعدما في هذا المكان شيء يسير يترتب عليه أمر كثير (يفضي) من الإفضاء أي يوصل ويؤدي (إِلَى مُتَّسَعٍ مِنَ الْكَلَامِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وأبوابهما) أي مما يتعلق بهما من الأحكام (وفي الزّيادة فيهما والنّقصان) وفيه أن لا خلاف في زيادة مراتب الإسلام المتعلقة بالأعمال ونقصانها وإنما الخلاف في زيادة نفس الإيمان ونقصانه ويتفرع عليهما قوله:
[ ٢ / ١١ ]
(وهل التّجزّي ممتنع على مجرّد التّصديق) أي كما عليه أهل التحقيق (لا يصحّ) أي التجزي وهو قبول الزيادة والنقصان أصلا (فيه) أي في الإيمان (جملة) أي اجمالا بل يحتاج إلى بيانه تفصيلا كما أو ضحه بقوله (وإنّما يرجع) أي التجزي (إلى ما زاد عليه) أي على نفس الإيمان (من عمل) أي وإحسان قول (أو قد يعرض فيه) بكسر الراء ويضم أي يحصل التجزي في التصديق (لاختلاف صفاته وتباين حالاته) أي وتغاير مقاماته وتفاوت درجاته (من قوّة يقين) أي علمي (وتصميم اعتقاد) أي عن دليل قوي (ووضوح معرفة) أي بانضمام مشاهدة (ودوام حالة) أي من غير فتور فيها ولا قصور عنها (وحضور قلب) أي بالغيبة عن غير الرب وهو حال الاطمئنان ومقام الإحسان الذي بينه ﵊ بقوله الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ولا شك أن مقام الإحسان وأحكام الأركان من أحكام الإيمان وكمال الاتقان لأن الإيمان يقبل الزيادة والنقصان على هذا الوجه كما حققناه في شرح الأربعين ودققناه في شرح الفقه الأكبر بتوفيق المعين (وفي بسط هذا) أي المبحث الشريف (خروج عن غرض التّأليف) لأن المقصود منه اداء حقوق صاحب الاصطفاء بمتابعته على وجه الاستيفاء (وفيما ذكرنا غنية) أي استغناء عن تطويله (فيما قصدنا) أي أردنا (إن شاء الله تعالى) أي إن كان على وفق إرادته ﷾.
فصل [وَأَمَّا وُجُوبُ طَاعَتِهِ فَإِذَا وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ وتصديقه فيما جاء به]
(وأمّا وجوب طاعته) أي اطاعة النبي ﵊ في حكومته واتباع شريعته (فَإِذَا وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا جَاءَ به) مجملا (وجبت طاعته) أي مطلقا وهو جواب الشرط (لأنّ ذلك) أي وجوب طاعته (ممّا أتى به) أي من جملة ما جاء به من الدين بالضرورة (قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [الأنفال: ٢٠] ذكر الله تحسين وتزيين وتوطئة وتنبيه على أن طاعته في طاعة رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم بشهادة إفراد الضمير في قوله ولا تولوا عنه أي عن رسوله وبدليل قوله تَعَالَى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ أو يقال إفراد الضمير إيماء إلى أن الطاعتين متلازمتان أو الضمير إلى كل واحد منهما والأظهر أن المعنى أطيعوا الله تعالى فيما أنزل من كتابه والرسول فيما أوحي إليه من خطابه في مقام ايجابه (وَقَالَ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) [آلِ عِمْرَانَ: ٣٢] ولم يقل وأطيعوا الرسول لما سبق من تلازم الطاعتين وتداوم الحالتين وأما حيث قال أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ كما في نسخة صحيحة فللإشارة إلى استقلاله بالطاعة فيما ثبت عنه بالسنة وضبط الشريعة (وَقَالَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [آلِ عمران: ١٣٢] أي بإطاعتهما ومتابعة شريعتهما (وقال وَإِنْ تُطِيعُوهُ [النور: ٥٤]) أي نبي الخلق (تَهْتَدُوا) أي إلى الحق (وَقَالَ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ) [النساء: ٨٠] لأنه المبلغ والآمر في الحقيقة وهو الله وقد نزلت الآية في المنافقين حين قال النبي ﵊ من أحبني فقد أحب
[ ٢ / ١٢ ]
الله ومن أطاعني فقد أطاع الله فقالوا لقد قارف الشرك وهو ينهى عنه ما يريد إلا أن تتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى (قال وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) أي اعطاكم من أمره وامتثاله فتمسكوا به (وَما نَهاكُمْ عَنْهُ) أي عن اتيانه (فَانْتَهُوا) [الحشر: ٧] أي عنه لوجوب طاعته وامتثال متابعته (وقال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ الآية) [النساء: ٦٩] أي فالذين أطاعوهما يكونون مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصديقين المبالغين في التصديق والصدق والتحقيق من العلماء والأولياء والشهداء والصالحين أي القائمين بحقوق الله وحقوق خلقه الجامعين بين تعظيم أمره والشفقة على عباده ومن بيانية حال منه أو من ضميره وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا أي لأنهم في أعلى عليين ذلك الفضل من الله أي لا يجب عليه ﷾ شيء وكفى بالله عليما أي بالمطيعين والعاصين (وَقَالَ وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) [النساء: ٦٤] أي بأمره وتيسيره (فجعل) أي الله (طاعة رسوله طاعته) أي طاعة نفسه بقوله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ (وقرن طاعته بطاعته) أي في كثير من آياته (ووعد على ذلك) أي ما ذكر من الطاعة والإطاعة (بجزيل الثّواب) بقوله تعالى فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الآية (وأوعد على مخالفته بسوء العقاب) بقوله فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (وأوجب امتثال أمره واجتناب نهيه) بقوله تعالى وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (قال المفسّرون والأئمة) أي المجتهدون (طَاعَةُ الرَّسُولِ فِي الْتِزَامِ سُنَّتِهِ وَالتَّسْلِيمِ لِمَا جَاءَ بِهِ وَقَالُوا: مَا أَرْسَلَ اللَّهُ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا فَرَضَ طَاعَتَهُ عَلَى مَنْ أَرْسَلَهُ إليهم) ونهاهم عن معصيته لقوله تعالى وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ أي الا ليطيعه من بعث اليهم بسبب إذنه لهم في طاعته أو بتوفيقه لمتابعته فمن لم يطعه في شريعته ولم يرض برسالته فهو كافر في ملته (وقالوا من يطع الرّسول في سنّته) الأولى سنته بصيغة الجمع ليلائم قوله (يطع الله في فرائضه) جواب الشرط والمعنى من يطع الرسول فيما أمر به ونهى عما لم يرد به القرآن الكريم يطع الله في فرائضه الثابتة في الفرقان العظيم لأن أمره ونهيه من أمره ونهيه لقوله تعالى: ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ولقوله ﵊ لا ألفينّ أحدكم على اريكته يأتيه الأمر مما أمرت أو نهيت فَيَقُولُ لَا أَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ الله عملنا به فهذا نهي مؤكد منه صلى الله تعالى عليه وسلم لمن لم يعمل بسنته إذ العمل بها كالعمل بكتاب الله وشريعته (وسئل سهل بن عبد الله) أي التستري (عن شرائع الإسلام) أي جميعها (فقال وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) [الحشر: ٧] أي تمسكوا به في أمره ونهيه (وقال السّمرقنديّ) أي الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى (يُقَالُ أَطِيعُوا اللَّهَ فِي فَرَائِضِهِ وَالرَّسُولَ فِي سنّته) أي في شريعته الشاملة لفريضته وسنته المستفادة من أحاديثه الواردة وفق طريقته (وقيل: أطيعوا الله تعالى فيما حرّم عليكم) والأول أبلغ لأن الفرض يشمل فعل الواجب المحتم وترك الفعل المحرم (والرّسول فيما بلّغكم) أي أوصلكم من أمره ونهيه ولو
[ ٢ / ١٣ ]
لم يسنده إلى ربه (ويقال: أطيعوا الله بالشّهادة له بالرّبوبيّة) أي بوصف الوحدة ونعت العبودية له وحده (والنّبيّ بالشّهادة له بالنّبوّة) أي المقترنة بالرسالة وفي نسخة بالرسالة والأولى أشمل والثانية أكمل وكان الجمع بينهما أفضل إظهارا للنعمة بهما عليه وتعظيما للمنة لديه والمعنى إن هذه الإطاعة أقل ما يطلق عليه اسم الطاعة (حدّثنا أبو محمد بن عتّاب) بفتح فتشديد فوقية (بقراءتي عليه) أي لا بسماعي لديه (ثنا) أي قال حدثنا (حاتم بن محمد) أي ابن الطرابلسي (ثنا) أي حَدَّثَنَا (أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خلف) بفتحتين وهو القابسي (ثنا) أي حدثنا (محمد بن أحمد) وهو أبو زيد المروزي (ثنا) أي حدثنا (محمّد بن يوسف) أي الفربري (ثنا) أي حدثنا (البخاريّ) وهو صاحب الصحيح (ثنا) أي حدثنا (عبدان) بفتح فسكون موحدة وهو بوزن التثنية غير مصروف وهو العتكي المروزي يقال تصدق بألف ألف (أنا) أي أخبرنا (عبد الله) أي ابن وهب فيما يغلب على الظن لأن مسلما روى هذا عن اثنين وعنه به (أنا) أي أخبرنا (يونس) أي ابن يزيد الأيلي أحد الأثبات روى عن القاسم وعكرمة والزهري وعنه ابن المبارك وابن وهب أخرج له أصحاب الكتب الستة (عن الزهري) تابعي جليل (قال أخبرنا أبو سلمة بن عبد الرحمن) أحد الفقهاء السبعة على قول الأكثر (أنه سمع أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال من أطاعني) أي فيما جئت به عن الله تعالى (فقد أطاع الله) لقوله تَعَالَى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ (ومن عصاني فقد عصى الله) وهو اللازم لجعل طاعته طاعته والحاصل أن الأول معلوم الكتاب والثاني مفهوم الخطاب (ومن أطاع أميري فقد أطاعني) أي بطريق القياس لأن طاعته من طاعته لكن بشرط أن يأمر بطاعته لا بمعصيته كما يستفاد من إطاعته فقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق والحديث الأول رواه الشيخان وإن أسنده المصنف من طريق البخاري (وطاعة الرَّسُولِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ إِذِ اللَّهُ أَمَرَ بطاعته فطاعته امتثال لما أمر الله وطاعة له) أي للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم باتباعه فيما أمر ونهى ومن جملة ذلك تأمير أميره هنالك (وقد حكى الله تعالى عن الكفار في دركات جهنم) أي طبقاتها السفلية بحسب مقامات أهلها في المعاصي الجلية والخفية حيث قال: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ) أي تصريف من جهة إلى جهة استيعابا لجميع أعضائهم واستيفاء لسائر أجزائهم كقطعة لحم تدور في قدر غلت فترامى بها الغليان من ناحية إلى أخرى والمراد من الوجوه ذواتهم أو أريد بها أشرف أعضائهم وألطف أجزائهم لا سيما وسائر البدن تابع لها في إقبالها وإدبارها (يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا) بإثبات الألف رسما واختلفت القراءة وقفا ووصلا (فتمنوا طاعته) أي حين شاهدوا التعني (حيث لا ينفعهم التمني وقال) وفي نسخة وقد قال: (﵊) أي فيما رواه الشيخان (إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بشيء) وفي نسخة بأمر أي مأمور به إيجابا أو ندبا (فأتوا منه ما استطعتم) أي من غير ترك الواجب (وفي حديث أبي هريرة
[ ٢ / ١٤ ]
رضي الله تعالى عنه ﵊ كل أمتي) أي جميعهم (يدخلون الجنة إلا من أبى) أي امتنع عن دخول الجنة والظاهر أنه استثناء منقطع والمراد بالأمة أمة الإجابة ودخول الجنة أعم من أن يكون أولا أو آخرا ولا يبعد أن يكون الاستثناء متصلا على أن المراد بالأمة أمة الدعوة وأن المعصية مختصة بالكفرة (قالوا ومن أبى) وفي نسخة قالوا يا رسول الله ومن يأبى أي عن دخول الجنة مع أن فيها حصول النعمة ووصول المنة (قَالَ مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فقد أبى) أي بتركه الطاعة التي هي سبب لدخولها وموجب لوصولها والحديث رواه الحاكم بلفظ كلكم يدخل الجنة إلا من أبى الحديث كذا ذكره الدلجي وفي الجامع الصغير برواية البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ولفظه كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أبى (وفي الحديث الآخر الصحيح) أي الذي رواه البخاري في صحيحه (عنه ﵊ مثلي ومثل ما بعثني الله تعالى به) أي مما يورث الفوز بنصر الدنيا وذخر العقبى والمعنى حالتنا العجيبة الشأن وصفتنا الغريبة البرهان (كمثل رجل أتى قوما) أي جاءهم يحذرهم من عدوهم وراءهم (فقال يا قوم إني رأيت الجيش) أي عسكر العدو (بعيني) بصيغة التثنية للمبالغة في التأكيد ودفع توهم المجاز في الخبر الأكيد (وإني أنا النذير العريان) أي المخوف الذي ليس له غرض في التحذير بل هو عار عن تلبيس وتدليس في وصف النذير وقيل هذا مثل ضربه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مبالغة في صدق النذارة لأنه إذا كان عريانا كان أبين وقيل بل كان يتجرد عن ثيابه ويلوح بها في مقام خطابه ليجتمعوا إليه ويحققوا ما لديه وقيل هو الذي سلب العدو ما عليه من الثوب فأتى قومه عريانا يخبرهم فصدقوه لما عليه من آثار الصدق (فالنجاء) بفتح النون قبل الجيم ممدودا وقد يقصر وهو منصوب على الإغراء أي الزموا النجاء وهو الإسراع إلى المنجى والملجأ في حال البلاء لتسلموا من الأعداء وقيل إنه منصوب على المصدر أي انجوا النجاء بمعنى اطلبوا النجاة وهو في غالب النسخ مرة واحدة وفي بعضها النجاء النجاء مرتين للتأكيد أو أحدهما إشارة إلى أمر الدنيا والآخرة إيماء إلى أمر العقبى (فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا) بتخفيف الدال وقطع الهمزة وفي بعض النسخ بتشديدها ووصل الهمزة فقيل هما لغتان تستعملان في سير الليل كله وقال أكثرهم ادلج سار آخر الليل وأدلج سار الليل كله وقيل إن ساروا من آخر الليل فأدلجوا بالتشديد وإن ساروا من أول الليل فأدلجوا بالتخفيف والقول الأكثر هو الأوسط المعتبر لكن المراد في الحديث هو المعنى الأعم فتدبر (فانطلقوا على مهلهم) بسكون الهاء وبفتح أي فذهبوا على مهلتهم بوصف تؤدتهم من غير عجلتهم (فنجوا) أي فتخلصوا من عدوهم ونهبتهم وفي حديث علي إذا سرتم إلى العدو فمهلا مهلا وإذا وقعت العين على العين فمهلا مهلا قال الأزهري الساكن الرفق والمتحرك التقدم أي إذا سرتم فتأنوا وإذا لقيتم فاحملوا أي وتعنوا (وكذّبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم) أي دخلوا في الصبح في محلهم (فصبّحهم الجيش) بتشديد
[ ٢ / ١٥ ]
الموحدة أي نزلوا عليهم وقت صباحهم قبل رواحهم (فأهلكهم) أي الجيش (واجتاحهم) أي استأصلهم ولم يبق واحدا منهم (فذلك) أي المثل المذكور (مثل من أطاعني) أي انقاد لي في الطاعة على وجه الصدق (واتّبع ما جئت به) أي من الأمر الحق فيه إيماء إلى أنه لا ينبغي لأحد أن يكتفي بظاهر الطاعة عن اتباع ما جاء به من العبادة (ومثل من عصاني) أي بالوجه المطلق (وكذّب ما جئت به من الحقّ) فيه إشارة إلى أن مطلق العصيان غير مستأصل للإنسان بل العصيان مع التكذيب هو الموجب لاستئصال البنيان لكونه كمال العدوان (وفي الحديث الآخر) أي الذي رواه الشيخان (في مثله) بفتحتين أي في تمثيله صلى الله تعالى عليه وسلم (كمثل من بنى دارا) وأصل هذا المثل منسوب إلى الملائكة حيث قالوا في حقه ﵊ إما في حال اليقظة وإما في حال المنام مثله كمثل رجل بنى دارا (وجعل فيها مأدبة) بضم الدال المهملة وقد تفتح أي أطعمة ملونة موضوعة للدعوة (وبعث داعيا) أي إلى الناس ليحضروها ويأكلوا منها (فمن أجاب الدّاعي) أي بقبول الدعوة (دخل الدّار) أي دار النعمة (وأكل من المأدبة) أي على قدر الطاقة في الطاعة (وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ) أي دار القربة (ولم يأكل من المأدبة) أي لأن نصيبه الفرقة والحرقة (فالدّار الجنّة) أعدت للمتقين الذين أجابوا دعوة سيد المرسلين (والدّاعي) أي إلى الله تعالى ودار نعمته (محمد) صلى الله تعالى عليه وسلم (فمن أطاع محمدا) صلى الله تعالى عليه وسلم (فقد أطاع الله) لأنه الداعي إليه بأمره (ومن عصى محمدا) صلى الله تعالى عليه وسلم (فقد عصى الله تعالى) أي بخروجه عن حكمه (ومحمّد فرق) بفتح فسكون أي فارق (بين النّاس) أي من المؤمنين والكافرين بتصديقه وتكذيبه فهو مصدر وصف به للمبالغة كرجل عدل وفي نسخة بفتح الراء مشددة ومخففة بالقاف أي فصل بينهم بإعزاز المطيعين وإذلال العاصين.
فصل [وَأَمَّا وُجُوبُ اتِّبَاعِهِ وَامْتِثَالُ سُنَّتِهِ وَالِاقْتِدَاءُ بِهَدْيِهِ]
(وأمّا وجوب اتباعه) أي متابعته (وامتثال سنّته) أي طريقته (والاقتداء بهديه) أي سمته وحالته وسيرته (فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ) أي تدعون محبته وتريدون مودته (فَاتَّبِعُونِي) أي فيما يظهر مني من شريعته وطريقته وحقيقته (يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) جواب الأمر وهو جواب الشرط أي يرض عنكم ويكشف حجب قلوبكم (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [آل عمران: ٣١] أي جميع عيوبكم (وقال تعالى فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ) وفي وصفه به تلويح إلى أن كمال علمه من معجزاته (الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ) أي بكتبه وآياته (وَاتَّبِعُوهُ) أي في أوامره وزواجره (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: ١٥٨]) ببركات ظواهره وسرائره (وقال فَلا وَرَبِّكَ) زيدت لا لتأكيد معنى القسم كما قاله الدلجي تبعا لغيره لكن يأباه الجمع بين الفاء والواو فالأظهر أن تقديره فليس الأمر كما يظنون من أنهم يصلون إلى الله تعالى من غير أن يتبعوا رسوله وربك (لا يُؤْمِنُونَ) أي بي ولا بك (حَتَّى
[ ٢ / ١٦ ]
يُحَكِّمُوكَ) أي يجعلوك حكما (فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ) أي اختلفوا في أمرهم ويرضوا بحكمك في حقهم (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا) أي ضيقا (مِمَّا قَضَيْتَ) أي حكمت به أو من حكمك (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: ٦٥] مصدر مؤكد لفعله بمنزلة تكريره (أي ينقادوا لحكمك) يعني انقيادا كاملا يكون لجميع أحكامك شاملا ولظواهرهم وبواطنهم كافلا (يقال) أي في اللغة (سلّم) بتشديد اللام (واستسلم وأسلم إذا انقاد) أي مطلقا (وقال تعالى: كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ) بضم الهمزة وكسرها أي خصلة (حَسَنَةٌ) من حقها أن يؤتسى ويقتدى بها (لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ) أي ثوابه أو لقاءه (وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) [الأحزاب: ٢١] أي نعيم الآخرة أو لمن كان يخاف عقابه أو حجابه واليوم الآخر أي حسابه وعذابه (قال محمّد بن عليّ التّرمذي) أي الحكيم وهو ليس صاحب الجامع (الأسوة في الرّسول) أي معناها في حقه (الاقتداء به) أي في أمر شريعته (والاتّباع لسنّته) أي طريقته (وترك مخالفته في قول أو فعل) وكذا في جميع ما علم من حالته (وقال غير واحد) أي كثير من المفسرين (بمعناه) أي بمعنى قول الحكيم وإن اختلف عنهم مبناه (وقيل هو) أي قوله تعالى لَقَدْ كانَ لَكُمْ الآية (عتاب) أي ملامة من الله (للمتخلّفين عنه) أي في غزواته وخصوص حالاته وعلو درجاته ورفعة مقاماته (وقال سهل) أي ابن عبد الله كما في نسخة وهو التستري من أكابر الصوفية (في قوله تعالى) أي في تفسيره (صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: ٧] قال بمتابعة السّنّة) وفي نسخة سنته أي أنعمت عليهم بسبب اتباع طريقته (فأمرهم الله تعالى بذلك) أي باتباع شريعته (ووعدهم الاهتداء باتّباعه) أي بمتابعته حيث قال وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (لأنّ الله تعالى أرسله بالهدى) أي بالهداية الموصلة إلى المولى (ودين الحقّ) أي الملة الثابتة بمخالفة الهوى (ليزكّيهم) أي يطهرهم من الشرك والمعاصي (ويعلّمهم الكتاب) أي القرآن الجامع لمكارم الأخلاق (والحكمة) أي السنة أو الأحكام المحكمة والمعارف الصادرة عن أهل الحكمة ممن جمع بين ايقان العلم واتقان العمل (ويهديهم إلى صراط مستقيم) هو الدين القويم بالطاعة في الدنيا وطريق الجنة في العقبى (ووعدهم) أي على اتباعه (محبّته تعالى في الآية الأخرى) وهي قوله تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وهذا معنى قوله (ومغفرته) أي ووعدهم غفران ذنوبهم (إذا اتّبعوه) أي في الإيمان به وامتثال أمره ونهيه (وآثروه) بألف ممدودة أي قدموه على أنفسهم وآثروه (على أهوائهم) واختاروا هداه على آرائهم وأحبوه ازيد من آبائهم وأبنائهم (وما تجنح) بفتح النون وتضم أي وعلى ما تميل (إليه نفوسهم) أي من محبة الجاه والمال والجمال المتعلقة بالأمور الدنيوية الشاغلة عن المراتب الدينية والمناقب الأخروية (وأنّ صحّة إيمانهم) أي وأخبر في قوله تعالى فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ الآية أن صحته (بانقيادهم له) أي لأمره (ورضاهم بحكمه) أي فيما شجر بينهم (وترك الاعتراض عليه) أي فيما حكم لهم أو عليهم (وروي) كما في تفسير ابن المنذر (عن
[ ٢ / ١٧ ]
الحسن) أي البصري (أنّ أقواما) أي جمعا كثيرا (قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُحِبُّ اللَّهَ) أي ونطلب رضاه (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [آل عمران: ٣١] الآية وروي) قال الدلجي لا أدري من رواه (أنّ الآية) أي هذه الآية (نزلت في كعب بن الأشرف) وهو يهودي قتل غيلة كافرا بالله تعالى (وغيره) أي من اليهود (وأنّهم قالوا نحن أبناء الله) زعما منهم أنهم أشياع عزير (وأحبّاؤه) يعنون به كما قال المصنف (ونحن أشدّ حبّا لله) أي مقربون قرب الأولاد من آبائهم بل هم مبعدون عنه بعد أعدى الأعداء من أعدائهم إذ لو كانوا أبناءه وأحباءه لم يأتوا قبيحا من عيوبهم ولما عذبوا بذنوبهم مسخا في الدنيا ومسا بالنار دائما في العقبى لا أياما معدودات كما زعموا وتمنوا من جهة النفس والهوى وقد أجاب عنه ﷾ بقوله قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ بالإيمان وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ بالكفران وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من الإحسان والخذلان وهذا لا ينافي قوله (فأنزل الله الآية) أي آية قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ حيث لا مانع من تعدد الجواب في مقام الخطاب والعتاب (وقال الزّجّاج معناه) أي معنى ما ذكر من الآية أو معنى إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ (أن تقصدوا طاعته) أي تريدوها وتحبوا القيام بحقها (فافعلوا ما أمركم به) أي رسولنا وهذا تفسير بالمعنى لقوله تعالى فَاتَّبِعُونِي أي اتبعوا أمري ونهيي (إِذْ مَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ طَاعَتُهُ لَهُمَا ورضاه بما أمرا) أي ونهيا (ومحبّة الله لهم) أي لعباده (عفوه عنهم) أي برأفته (وإنعامه عليهم برحمته) حتى يدخلهم في جنته (ويقال الحبّ من الله) أي للعبد (عصمة) أي حفظ له عن المعصية (وتوفيق) أي للعبادة (ومن العباد) أي والحب من العباد لله (طاعة) أي اطاعة له في أمره ونهيه ومتابعة رسوله (كما قال القائل) قيل القائل رابعة العدوية وفي الأحياء أن قائله عبد الله بن المبارك:
(تعصي الإله وأنت تزعم حبّه هذا) أي الجمع بين اختيار المعصية واظهار المحبة (لعمري) بفتح العين اعتراض بين المبتدأ والخبر وما في حيزه من جار ومجرور وخبر أقسم به والتقدير والله لبقائي أو لعمري مما أقسم به إن هذا الأمر (في القياس) وفي نسخة في الفعال وهو موافق لتفسير أبي الليث وأحياء الغزالي (بديع) أي عجيب وغريب وبعيد عن القياس أو من فعال الناس لأنه.
(لو كان حبك صادقا لأطعته) .
كما هو القياس لكنك لم تطعه فلم يكن حبك له صادقا بدليل قوله.
(إن المحب لمن يحب مطيع) .
وفي رواية يطيع (ويقال محبّة العبد لله) أي غاية ميله إليه ﷾ (تعظيمه له) أي في شأنه (وهيبته منه) أي في سلطانه (ومحبّة الله له) أي للعبد (رحمته له) أي بإنعامه فيكون من الصفات الافعالية (وإرادته الجميل له) أي بإكرامه فيكون من النعوت الذاتية
[ ٢ / ١٨ ]
والجميل منصوب على أنه مفعول المصدر الذي هو ارادته (وتكون) أي وقد تكون المحبة (بمعنى مدحه وثنائه عليه) أي على العبد عند ملائكته وعلى ألسنة رسله أو على ألسنة الخلق فإنها أقلام الحق (قال القشيريّ) وهو الإمام أبو القاسم صاحب الرسالة والتفسير (فإذا كان) أي الحب (بِمَعْنَى الرَّحْمَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْمَدْحِ كَانَ مِنْ صِفَاتِ الذّات) والأظهر ما قدمناه (وسيأتي بعد) أي بعد ذلك (في ذكر محبّة العبد غير هذا) أي غير ما ذكر هنا (بحول الله تعالى) أي بتصرفه وقوته وهو متعلق بسيأتي (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْفَقِيهُ قال ثنا) أي حدثنا (أبو الأصبغ) بفتح الهمزة والموحدة وفي آخره غين معجمة (عيسى بن سهل وثنا) أي وحدثنا وفي نسخة وأخبرنا (أبو الحسن يونس بن مغيث) اسم فاعل من الإغاثة (الفقيه) أي الكامل في الفقه (بقراءتي عليه) أي هذا الحديث (قالا) أي عيسى ويونس كلاهما (ثنا) أي حدثنا (حاتم بن محمد) بكسر الفوقية (قال ثنا) أي حدثنا (أبو حفص الجهنيّ) بضم ففتح نسبة إلى قبيلة جهينة بالتصغير (ثنا) أي حدثنا (أبو بكر الآجرّي) بهمزة ممدودة وضم جيم وتشديد راء وهو الإمام الحافظ القدوة (ثنا) أي حدثنا (إبراهيم بن موسى الجوزيّ) بفتح الجيم وسكون الواو وكسر الزاء منسوب إلى الجوز (ثنا) أي حدثنا (داود بن رشيد) بالتصغير خوارزمي روى عنه مسلم وأبو داود وابن ماجه والبغوي والسراج وخلق أخرج عنه الستة ما عدا الترمذي ووثقه غير واحد (ثنا) أي حدثنا (الوليد بن مسلم) هو الحافظ أبو العباس عالم أهل الشام روى عنه أحمد وإسحاق قال ابن المديني ما رأيت في الشاميين مثله أخرج له الجماعة وهو مدلس (عن ثور بن يزيد) هو الحافظ الحمصي روى عن خالد بن معدان وعن عطاء وعنه القطان وأبو عاصم وكان ثبتا قدريا أخرجوه من حمص وأحرقوا داره أخرج له البخاري والأربعة (عن خالد بن معدان) هو الكلاعي عن معاوية وثوبان وغيرهما يقال كان يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحة وقيل غير ذلك أخرج له الجماعة (عن عبد الرّحمن بن عمرو السلميّ) بضم ففتح هو الصواب كما في سنن أبي داود وجامع الترمذي وسنن ابن ماجة وفي بعض النسخ الأسلمي (وحجر) بضم مهملة وسكون جيم (الكلاعيّ) بفتح الكاف (عن العرباض) بكسر العين المهملة وفي آخره ضاد معجمة (ابن سارية) أي ابن نجيح السلمي من البكائين من أهل الصفة أخرج له أصحاب السنن الأربعة (في حديثه) أي في حديث رواه العرباض (في موعظة النّبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخلفاء الرّاشدين المهديّين) أي الخلفاء الأربعة ومن سار سيرتهم كعمر بن عبد العزيز والراشد اسم فاعل من الرشد وهو خلاف الغي والمهدي من هداه الله تعالى إلى الحق (عضّوا) بفتح فتشديد (عليها بالنّواجذ) بالذال المعجمة أي تمسكوا بها كما يتمسك العاض بجميع أضراسه (وإيّاكم ومحدثات الأمور) تحذير منها ومن الرضى بها جمع محدثة وهي ما لم يكن معروفا من كتاب ولا سنة ولا إجماع أمة (فإنّ كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة) بالنصب وفي نسخة بالرفع (ضلالة) وخص منها البدعة الحسنة بحديث من سن سنة حسنة فله أجرها
[ ٢ / ١٩ ]
وأجر من عمل بها ومنه قول عمر رضي الله تعالى عنه في التراويح نعمت البدعة هذه والحديث في الأربعين للنووي وقد أوضحناه في شرحه المبين المعين بيان مبناه وعيان معناه وقد أخرجه أبو داود في السنة عن أحمد بن حنبل عن الوليد بن مسلم بالسند الذي ساقه القاضي والترمذي في العلم وقال حسن صحيح وابن ماجه في السنة والمصنف عدل عن السنن الثلاث وأخرجه من خارجها طلبا للعلو في الإسناد فإن بينه وبين شيخ شيخ أبي داود في هذا الحديث وهو الوليد بن مسلم ستة اشخاص ولا يتفق له ذلك في رواية أبي داود (زاد في حديث جابر) على ما رواه مسلم (بمعناه) أي زيادة أفادت عدم روايته بلفظه ومبناه (وكلّ ضلالة في النّار) أي وكل محدثة فيها بإسقاط المكرر (وفي حديث أبي رافع) كما رواه الشافعي في كتابه الأم عن سفيان بن عيينة عن سالم أبي النضر عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه (عنه ﵊ لا ألفينّ) بضم الهمزة وكسر الفاء ونون مشددة أي لا أجدن (أحدكم متّكئا على أريكته) أي جالسا على سريره أو فراشه متمكنا على مقعده أو مائلا في قعوده معتمدا على أحد شقيه كما هو شأن الجهلة من المتكبرين الراضين بالقعود مع المتخلفين كما قيل:
دع المكارم لا يرحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
(يأتيه الأمر من أمري) أي يبلغه أمر من أموري أو من مأموري بدليل قوله (ممّا أمرت به) على أن من فيه بيانية وبدلالة رواية ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكىء على أريكته فيقول بيننا وبينكم كتاب الله تعالى (أو نهيت عنه فيقول لا أدري) أي غير القرآن ولا أتبع سوى الفرقان (ما وجدنا في كتاب الله اتّبعناه) أي وما وجدنا في غيره أو مخالفا فيه تركناه والحديث جاء محذرا من ترك امتثال أوامره واجتناب زواجره لأنه ﵊ جاء مبينا لما في القرآن من الأحكام ولقوله تعالى وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وقوله وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وقوله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وقوله قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي وأمثال ذلك مما يدل على أنه لا يسوغ لمسلم أن يخالفه في أمر أو نهي هنالك (وفي حديث عائشة ﵂) كما رواه الشيخان (صنع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شيئا ترخّص فيه) أي اختار الرخصة على العزيمة في عمل ذلك الشيء عملا بقوله ﵊ إن الله يحب أن يؤتى برخصة كما يحب أن يؤتى بعزائمه والظاهر أن ما ترخص فيه هو الإفطار في السفر أو القصر وهو الأظهر لقوله ﵊ صدقة تصدق الله تعالى بها عليكم فاقبلوا صدقته ومن هنا قال أبو حنيفة إن القصر واجب وإتمامه إساءة (فتنزّه عنه) أي تبعد عن ذلك الشيء أو عن الترخص فيه (قوم) أي جماعة من الرجال ما بلغوا مبلغ الكمال (فبلغ ذلك النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم
[ ٢ / ٢٠ ]
فحمد الله) أي شكره (وأثنى عليه) أي فيما أفاض إليه (ثمّ قال ما بال قوم) أي ما حالهم وشأنهم (يتنزّهون عن الشيء أصنعه) جملة وصفية أو حالية (فو الله إنّي لأعلمهم بالله وأشدّهم له خشية) إذ بقدر المعرفة بالله وصفاته تكون الخشية من عقوباته وحجاب حالاته ومقاماته كما يشير إليه قوله تعالى إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (وروي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم) من حديث أبي الشيخ وأبي نعيم والديلمي (أنه قال: القرآن صعب) أي باعتبار مبناه (مستصعب) بكسر العين وتفتح أي باعتبار معناه (على من كرهه) أي ولم يتلذذ بمقتضاه ومفهومه أنه سهل متيسر على من أحبه وارتضاه كما يشير إليه قوله تعالى وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ فهو كالنيل ماء للمحبوبين ودماء للمحبوبين وشفاء للمؤمنين وشقاء للعاصين (وهو) أي القرآن (الحكم) بفتحتين الحاكم العدل والفاتح الفصل والجد الذي ليس فيه الهزل أو ذو الحكمة من كمال الفضل (فمن استمسك بحديثي) أي تعلق به من كمال رضاه (وفهمه) أي القرآن من جهة معناه (وحفظه) أي من جهة مبناه أي ضبط حكمه وراعاه (جاء) أي ورد يوم القيامة (مع القرآن) أي بعلمه وعمله بهما (ومن تهاون بالقرآن وحديثي) بأن لم يعمل بهما ولو حفظهما وفهمهما (فقد خسر الدّنيا والآخرة) أي وتلك الخسارة الظاهرة (أمرت أمّتي) بصيغة المجهول للتأنيث وفي نسخة بصيغة الفاعل المتكلم والأول هو الظاهر أي أمرهم الله (أن يأخذوا بقولي) أي اعتقادا لقوله تعالى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (ويطيعوا أمري) أي اعتمادا لقوله تَعَالَى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ (ويتّبعوا سنّتي) أي استنادا لقوله تعالى وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (فمن رضي بقولي) أي بحديثي (فقد رضي بالقرآن) وفي الكلام قلب للمبالغة أي فمن رضي بالقرآن فقد رضى بقولي ومن لم يرض بقولي فلم يرض بِالْقُرْآنِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (وقال صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنِ اقْتَدَى بِي فَهُوَ مِنِّي) أي متصل بي ومعي أو من أشياعي واتباعي وقد رواه عبد الرزاق في مصنفه من مراسيل الحسن إلا أنه بلفظ من استن بسنتي أي اتبعها وعمل بها فهو مني (ومن رغب عن سنّتي) يقال رغب في الشيء إذا أراده ورغب عنه إذا لم يرده والمعنى ومن مال عنها كراهة لها (فليس منّي) كما في الصحيحين (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كتاب الله تعالى) هذا مقتبس من قوله تعالى اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا (وخير الهدي) بالنصب ويجوز رفعه (هدي محمّد) وهو بفتح الهاء وسكون الدال فيهما بمعنى السمت والطريقة وضبط في بعض النسخ بضم الهاء وفتح الدال على أنه ضد الضلالة لقوله تعالى قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى والمعنى به سيرته السنية وطريقته الرضية وهيئته السوية (وشرّ الأمور) بالوجهين (محدثاتها) جمع محدثة بالفتح وهي البدعة التي تخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة قال الدلجي لا أدري من روى هذا الحديث ولعله انكره من حيث اسناده إلى أبي هريرة وإلا فقد ورد من حديث جابر كما رواه أحمد ومسلم والنسائي
[ ٢ / ٢١ ]
وابن ماجه ولفظه أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وإن أفضل الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار الحديث وروى البيهقي في الدلائل وابن عساكر عن عقبة بن عامر الجهني وأبو نصر السجزي في الإبانة عن أبي الدرداء مرفوعا وابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه موقوفا بلفظ أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وأوثق العرى كلمة التقوى وخير الملل ملة إبراهيم ﵇ وخير السنن سنة محمد وأشرف الحديث ذكر الله تعالى وأحسن القصص هذا القرآن وخير الأمور عوازمها وشر الأمور محدثاتها وأحسن الهدى هدى الأنبياء وأشرف الموت قتل الشهداء وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى وخير العلم ما نفع وخير الهدى ما اتبع وشر العمى عمى القلب واليد العليا خير من اليد السفلى وما قل وكفى خير مما كثر وألهى وشر المعذرة حين يحضر الموت وشر الندامة يوم القيامة ومن الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبرا ومنهم من لا يذكر الله إلا جهرا وأعظم الخطايا اللسان الكذوب وخير الغنى غنى النفس وخير الزاد التقوى ورأس الحكمة مخافة الله تعالى وخير ما وقر في القلب اليقين والارتياب من الكفر والنياحة من عمل الجاهلية والغلول من جشاء جهنم والكنز كيّ من النار والشعر من مزامير إبليس والخمر جماع الإثم والنساء حبالة الشيطان والشباب شعبة من الجنون وشر المكاسب كسب الربا وشر المأكل مال اليتيم والسعيد من وعظ بغيره والشقي من شقي في بطن أمه وإنما بصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع والأمر بآخره وملاك العمل خواتمه وشر الرؤيا رؤيا الكذب وكل ما هو آت قريب وسباب المؤمن فسوق وقتال المؤمن كفر وأكل لحمه من معصية الله تعالى وحرمة ماله كحرمة دمه ومن يتأل على الله يكذبه ومن يغفر يغفر الله له ومن يعف يعف الله عنه ومن يكظم الغيظ يأجره الله ومن يصبر على الرزية يعوضه الله ومن يتبع السمعة يسمع الله به ومن يصبر يضعف الله له ومن يعص الله يعذبه الله اللهم اغفر لي ولأمتي استغفر الله لي ولكم كذا في الجامع الصغير وإنما ذكرته لما فيه من النفع الكثير للصغير والكبير (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله تعالى عنه) وفي نسخة العاصي والأول هي الأولى لما حققناه فيما سبق من أصل المبنى (قال النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم العلم) أي أصوله (ثلاثة) أي أقسام (وما سوى ذلك) يعني كل علم سوى هذه الثلاثة وما يتعلق بها مما تتوقف عليه (فهو فضل) أي زائد لا يفتقر إلى علمه وإن لم يسع المرء جهله (آية محكمة) أي أحكم بيانها فلم يحتج إلى زيادة بيان في شأنها (أو سنّة قائمة) أي أحاديث ثابتة مستمرة العمل بها دائمة (أو فريضة عادلة) أي في القسمة أو عادلة ومساوية في العمل بها الكتاب والسنة وهي الثابتة بإجماع الأمة أو قياس الأئمة رواه أبو داود وابن ماجه (وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تعالى) أي البصري كما رواه عبد الرزاق عن معمر عن زيد عن الحسن مرسلا والدارمي عن ابن مسعود موصولا (قال ﵊ عمل قليل في سنّة) أي مصاحبا لها (خير من عمل كثير في بدعة) أي من أصلها لأن ذاك وإن قل
[ ٢ / ٢٢ ]
كثر نفعه بل هو نفع كله وذا أكثر ضررا ونفعه قليل وإن كثر عمله ففي بمعنى مع كما في قوله تعالى ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ أي معهم والحاصل أن الاقتصاد في السنة أفضل من الاجتهاد في البدعة ولو كانت مستحسنة (وقال صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْخِلُ الْعَبْدَ الجنّة) أي أعلى مراتبها (بالسنّة) أي بسبب القيام بها (تمسّك بها) أي أخذها وعمل بمقتضاها ففاز بمقام القدس ومرام الإنس وفي نسخة يتمسك بها فالأولى استئناف والثانية حال والحديث غير معروف المبنى لكنه صحيح المعنى (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) كما رواه الطبراني في الأوسط (قال المتمسّك بسنّتي عند فساد أمّتي) أي حين يكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي خير من الساعي فإن قلت من يتمسك بالسنة إذا فسدت الأمة أجيب بأن المراد أكثر الأمة ولا يبعد أن يراد بفسادهم سوء اعتقادهم بترك العمل بالأحاديث واعتمادهم على مجرد ما يفهمونه بعقولهم الكاسدة وآرائهم الفاسدة كما هو طريق أهل البدعة بخلاف مذهب أهل السنة والجماعة حيث جمعوا بين الكتاب والسنة على ما ورد (له أجر مائة شهيد) أي حيث جاهد في طريق سديد (وقال ﵊) كما رواه الترمذي (إنّ بني إسرائيل افترقوا) أي تفرقوا (على اثنتين وسبعين ملّة) أي مذهبا ومشربا وفي نسخة فرقة أي جماعة (وإنّ أمّتي) أي أهل الدعوة والإجابة (تفترق) وفي رواية ستفترق (على ثلاث وسبعين) أي بزيادة ملة (كلّها) أي جميع الملل السابقة والنحل اللاحقة (في النّار) أي في طريقها فكأنهم فيها (إلّا واحدة) أي إلّا أهل ملة واحدة أو إلّا جماعة (قالوا) أي بعض الصحابة (وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي) أي الجمع والفوج الذي أو أهل الطريق الذي (أنا عليه اليوم وأصحابي) أي من متابعة الكتاب والسنة ومجانبة الأمور المحدثة والبدعة (وعن أنس) رضي الله تعالى عنه (قال صلى الله تعالى عليه وسلم: «من أحيا سنّتي» أي أشاعها بعملها أو أذاعها بنقلها (فقد أحياني) أي رفع ذكري وأظهر أمري (ومن أحياني كان معي) أي مشاركا لي في علو قدري وفي نسخة كان معي في الجنة أي مصاحبا لي في النعمة رواه الأصبهاني في ترغيبه واللالكائي في السنة (وعن عمرو بن عوف المدني) كما رواه الترمذي وحسنه ابن ماجه (أنّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِبِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ مَنْ أحيا سنّة من سنّتي) أي من سنني (قد أميتت بعدي) بترك ذكرها أو العمل بها (فإنّ له من الأجر مثل من) أي مثل أجر مَنْ (عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ) أي ذلك الأجر الذي يكون له (من أجورهم) أي من أجور من عمل بها تبعا له (شيئا) مفعول ينقص وقد اعتبر في ضميرهم معنى من دون لفظها (ومن ابتدع بدعة ضلالة) بالإضافة أو بالوصف أي بدعة سيئة كالبناء على القبور وتجصيصها لا بدعة مستحسنة كالمنارة وترصيصها (لا يرضي الله ورسوله) من الإرضاء صفة كاشفة والمعنى لا تكون موافقة للكتاب والسنة ولا مأخوذة من القياس أو اجماع الأمة (كان عليه) أي من الإثم (مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذلك من أوزار النّاس شيئا) أي من آثام من عمل بها تبعا له.
[ ٢ / ٢٣ ]
فصل [وأما وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنِ اتِّبَاعِ سُنَّتِهِ]
(وأمّا ما ورد عن السّلف) أي عن الصالحين من الصحابة والتابعين (والأئمة) أي العلماء العالمين المجتهدين في أمر الدين (من اتّباع سنّته) وفي نسخة في اتباع سنته فالجار متعلق بورد وعلى الأول بيانية (والاقتداء بهديه) أي طريقته (وسيرته) أي هيئته فالأول بيان الكمية والثاني بيان الكيفية أو هما إيماء إلى قاله وحاله وهذا الأمر التقريري أولى من القول بالعطف التفسيري (فَحَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرّحمن بن أبي تليد) بفتح فوقية وكسر لام فتحتية (الفقيه) أي الكامل في الفقه (سماعا عليه) لا قراءة لديه ولا بواسطة إليه (قال ثنا) أي حدثنا (أبو عمر الحافظ) أي ابن عبد البر (ثنا) أي حدثنا (سعيد بن نصر ثنا) أي حدثنا (قاسم بن أصبغ) بفتح همزة وموحدة وغين معجمة منونة كذا في نسخة مضبوطة والظاهر أنه غير منصرف كأحمد وأسلم والله تعالى أعلم (ووهب بن مسرّة) بفتح ميم وسين مهملة وتشديد راء (قالا) أي كلاهما (ثنا) أي حدثنا (محمد بن وضّاح) بتشديد الضاد المعجمة (ثنا) أي حدثنا (يحيى بن يحيى) الليثي راوي الموطا وفي نسخة اقتصر على يحيى الأول لشهرته فتأمل (ثنا) أي حدثنا (مالك) وهو الإمام صاحب المذهب (عن ابن شهاب) أي الزهري (عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ) بفتح فكسر وفي نسخة بالتصغير وخالد أخو عتاب أسلم عام الفتح وكان من المؤلفة قلوبهم وأما الرجل فغير معروف (أنّه سأل عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال يا أبا عبد الرّحمن) يكتب بلا ألف ويقرأ بها على الصحيح (إِنَّا نَجِدُ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَصَلَاةَ الْحَضَرِ فِي القرآن) أي في قوله تعالى وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ الآية إلى قوله إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا (ولا نجد صلاة السّفر) أي بوصف القصر في القرآن صريحا وإلّا فصلاة الخوف متضمنة للقصر في الآية على ما ورد في السنة (فقال ابن عمر ﵄ يا ابن أخي) أي في الإسلام جريا على عادة العرب في خطاب الأقوام وإيماء إلى الشفقة على الأنام (إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم ولا نعلم شيئا) أي من حقيقة الأحكام (وإنّما نفعل كما رأيناه يفعل) أي فنتبعه ونقتدي به في جميع أموره وقد رأيناه يقصر في السفر فقصرنا معه بل وقد أمرنا بالقصر وأوجب علينا هذا الأمر بقوله هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فأقبلوا صدقته والأمر للوجوب ولذا قال أبو حنيفة بأن الإتمام إساءة ومكروه كراهة تحريمية والحاصل أنه صلى الله تعالى عليه وسلم مبين للشريعة بالكتاب والسنة فمن ترك شيئا منهما فقد وقع في الضلالة والبدعة والحديث رواه مالك والنسائي وابن ماجه (وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى) أي ابن مروان بن الحكم الأموي القرشي وأمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو تابعي جليل وإمام جميل وسادس الخلفاء على ما قيل روى عن عبد الله بن جعفر وأنس وابن المسيب وجماعة وعنه ابناه
[ ٢ / ٢٤ ]
والزهري وعدة أخرج له أصحاب الكتب الستة مات بدير سمعان من أرض حمص سنة إحدى ومائة وله من العمر أربعون ومدة ولايته سنتان وخمسة أشهر وأيام ومناقبه ظاهرة ومراتبه متواترة وهذا الحديث رواه عنه اللالكائي في السنة أنه قال (سنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي شرع طريقة مرضية (وولاة الأمر) أي وسن الخلفاء الراشدون (بعده سننا) أي موافقة لقواعد الكتاب والسنة كجمع عمر رضي الله تعالى عنه الناس على أبي بن كعب في صلاة التراويح وأمر عثمان رضي الله تعالى عنه بكتابة المصاحف ثم بعثها إلى الآفاق (الأخذ بها) أي العمل بسنته وسنة من بعده (تصديق لكتاب الله) أي حيث قال وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ (واستعمال لطاعة الله) أي في طاعة رسوله لقوله ﷾ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وقد قال ﵊ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي والمراد الخلفاء الأربعة رضي الله تعالى عنهم وإن عم كل من سار بسيرتهم من الأئمة (وقوّة على دين الله) أي واستعمال سنته وسنة من أتى على طريقته تقوية على كمال ملته وجمال شريعته (ليس لأحد تغييرها) أي بزيادة ونقصان فيها (ولا تبديلها) أي بغيرها ظنا أنه أحسن منها (ولا النّظر) أي ولا يجوز لأحد النظر (في رأي من خالفها) أي بلا دليل شرعي من اجماع أو قياس بل بمجرد رأية واتباع عقله وقد تسفه الدلجي هنا من قلة فهمه وكثرة جهله وسوء ظنه بالإمام الأعظم والهمام الأفخم الأقدم حيث قال وكفاك هذا حاكما بالغا قول من قال بنفوذ شهادة الزور ظاهرا وباطنا وقوله لو أقام رجل شاهدي زور أن فلانة امرأته فشهدا بذلك جاز له أن يطأها مع علمه بأنها ليست زوجته وهذا لم يرد به كتاب ولا سنة انتهى ولا يخفى أن الخلق عيال أبي حنيفة في الفقه كما صرح به الشافعي فهل يتصور لإمام المجتهدين أن يتكلم برأيه المجرد في أمر الدين أو يتوهم أن يكون جاهلا بالكتاب والسنة وهو إمام الأئمة ومقتدى أكثر الأمة فهذا ظن فاسد ووهم كاسد ولكنه خلف لسلفه كما بينته في تشييع الحنفية لتشنيع الشافعية مع أن المسألة المذكورة هي الرواية المشهورة عن علي كرم الله وجهه حيث قال شاهداك زوجاك فبهذا علم أن هذا القائل لم يصل إلى مقام الاجتهاد والتأييد بل هو واقع في حضيض التقليد بل حمله عليه التعصب الجاهلي والتكسب الغافلي حيث تكلم بهذا القليل ولم يعرف إن المجتهد أسير الدليل كما قال الشافعي يجوز نكاح الرجل ووطئه بنته الحاصلة من الزنا نظرا إلى ما قام عنده من الدليل مع عدم التفات إلى قبح صوري في هذا القيل والله ﷾ يهديهم إلى سواء السبيل (من اقتدى بها) أي بسنته وسنتهم (فهو مهتد) أي ما دام مقتديا بها وفي نسخة فهو مهتد (ومن انتصر بها) أي استعان بها واستوثق بسببها واستدل على مطلوبه بمدلولها (منصور) أي فهو منصور كما في نسخة (ومن خالفها) أي فلم يتمسك بها وعمل بغيرها (واتّبع غير سبيل المؤمنين) أي المجتمعين عليها (ولّاه الله ما تولّى) أي جعله واليا لما
[ ٢ / ٢٥ ]
تولاه من الضلال وخلى بينه وبين ما اختاره من الوبال (وأصلاه جهنّم) أي ادخله فيها وأحرقه بها (وساءت) أي قبحت جهنم (مصيرا) أي مرجعا له ولمن تبعه والحديث مقتبس من قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا (وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الحسن) أي البصري رحمه الله تعالى (عَمَلٌ قَلِيلٌ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ عَمَلٍ كثير في بدعة) وقد سبق هذا الحديث مرفوعا فلعله جاء عنه موقوفا أيضا فلذا ذكره هنا مكررا ليكون لتأكيد الأمر مقررا والمعنى أن الاقتصاد فِي السُّنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْبِدْعَةِ (وقال ابن شهاب) أي الزهري كما أخرجه عنه اللالكائي في السنة (بلغنا عن رجال من أهل العلم) أي من الصحابة والتابعين (قالوا: الاعتصام بالسنّة نجاة) أي الاستمساك بها سبب خلاص من ورطة الهلاك ووصمة الانهماك (وكتب عمر بن الخطاب ﵁) كما في سنن سعيد بن منصور عنه رضي الله تعالى عنه (إلى عمّاله) أي بالأمصار (بتعلّم السنّة) أي الأحاديث أو السنن وفي نسخة بتعليم السنة أي للناس (والفرائض) أي تفصيلها وتمييزها عما عداها أو أريد بها علم الفرائض وقسمة المواريث (واللّحن أي اللّغة) تفسير من أحد رواة الحديث أو من المصنف والمراد باللغة أصولها الشاملة لعلم الصرف وفروعها المركبة الكافلة لعلم النحو المتعلق بالمباني وكذا علم البيان والمعاني (وقال) أي عمر رضي الله تعالى عنه أيضا على ما رواه الدارمي (إنّ ناسا يجادلونكم- يعني بالقرآن) تفسير في الأصل أي بظواهر الآيات القرآنية ومجملات الدلالات الفرقانية (فخذوهم بالسّنن) وفي نسخة بالسنة أي فغالبوهم بالأحاديث النبوية لأنها مبنية للأحكام الدنيوية والأخروية وهذا معنى قوله (فإنّ أصحاب السّنن أعلم بكتاب الله تعالى) أي من غيرهم لأنهم جامعون بينهما بخلاف من اقتصر على معرفة أحدهما فالمراد بأصحاب السنن العلماء بالحديث المبين للكتاب وأما قول الدلجي كالبخاري ومسلم وأبي داود فخارج عن صوب الصواب (وفي خبره) أي خبر عمر الذي رواه مسلم عنه (حين صلّى) أي عمر رضي الله تعالى عنه (بذي الخليفة) بالتصغير وهو مكان معروف قرب المدينة ميقات أهلها ومن مر بها من غيرها (ركعتين) أي سنة الإحرام ولبى في هذا المقام (فقال اصنع) أي افعل أنا (كما رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصنع) أي في حجته محافظة على سلوك محجته واتباع سنته وطريقته وحجته والظاهر أنه أراد القرآن كما يدل عليه قوله (وعن عليّ رضي الله تعالى عنه) كما رواه الشيخان (حين قرن) بين الحج والعمرة قيل أي تمتع إذ القرآن قد يطلق على التمتع من حيث إن القارن متمتع أيضا بسقوط إحدى السفرتين وحصول ثواب الهدى بالجمع بين العبادتين كما أنه قد يطلق التمتع على القرآن بالمعنى اللغوي الشامل للمعنى الشرعي ولعل قوله تعالى فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ من هذا القبيل (فقال له عثمان رضي الله تعالى عنه) وهو الصواب بخلاف ما
[ ٢ / ٢٦ ]
في نسخة فقال له عمر (ترى) من الرأي لا من الرؤية أي تعلم (أنّي أنهى النّاس عنه) أي عن القرآن أو التمتع (وتفعله) أي أنت مخالفا لأمري (قال) أي علي لعثمان (لم أكن أدع) أي وادعا وتاركا ويروى لا أدع (سنّة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لقول أحد من النّاس) وفيه دليل صريح ونقل صحيح أنه ﵊ كان قارنا في حجة الإسلام ويدل عليه سكوت عثمان على وجه الإلزام وكأنه كان يظن أن أفضل أنواع الحج هو الافراد والتمتع مبنيا على أن أشهر الحج تكون مخصوصة بالحج وأن العمرة تقع في غيرها قبلها أو بعدها كما كان عليه أهل الجاهلية قبل حجه عليه الصلاة السلام من أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور ولدفع هذا الأمر أمر صلى الله تعالى عليه وسلم بعض الصحابة بفسخ الحج للعمرة ولعله ما بلغ عثمان هذا المعنى أو كان له تأويل في هذا المبنى وقد قيل وإنما نهى عثمان عن المتعة لتكون أشهر الحج للحج لا غير ولتكون العمرة في غيرها حتى يزار البيت في أشهر الحج وبعدها وقيل إنما نهى عنها لمنفعة أهل مكة ليكون لهم موسمان في كل عام والله أعلم وحمل فعله صلى الله تعالى عليه وسلم على أحدهما لا على الجمع بينهما كما عليه المحققون الذين جمعوا بين الرواية والدراية هذا وقال الحلبي في النسخة التي وقفت عليها فقال له عمر وفي الهامش عثمان عوض عمر وعليه صح وفي صحيح البخاري وسنن النسائي كلاهما في الحج من حديث مروان بن الحكم قال شهدت عثمان وعليا رضي الله تعالى عنهما وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما فلما رأى على نهيه أهل بهما وقال لبيك بعمرة وحجة وقال ما كنت لأدع سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بقول أحد وأخرج الشيخان والنسائي كلهم في الحج من حديث سعيد بن المسيب قال اجتمع علي وعثمان بعسفان وكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة فقال على ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تنهى عنه دعنا منك فقال إني لا أستطيع أن أدعك فلما رأى علي ذلك أهل بهما جميعا وأخرج مسلم من حديث عبد الله بن شقيق كان عثمان ينهى عن المتعة وكان علي يأمر بها فقال عثمان لعلي كلمة فقال علي لقد علمت أن قد تمتعنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال رجل ولكنا كنا خائفين انتهى ولا يظهر وجه الخوف فإنه ﵊ حج بيت الله الحرام بعد فتح مكة وغلبة أهل الإسلام ثم المراد بالتمتع التمتع اللغوي وهو القرآن فلا مخالفة بين الأحاديث المروية عن علي كرم الله تعالى وجهه والله أعلم (وعنه) أي عن علي وهو غير معروف عنه (إنّي) وفي نسخة صحيحة إلّا أني أي انتبهوا فإني (لست بنبيّ) أي لا يوحى إلي بوحي جلي (ولا يوحى إليّ) أي بوحي خفي أعمل به (ولكنّي أعمل بكتاب الله وبسنّة نبيّه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم) وفي نسخة وسنة نبيه (ما استطعت) أي قدر ما قدرت بحسب الطاقة البشرية (وكان ابن مسعود يقول) كما رواه الدارمي والطبراني واللالكائي في السنة عنه وعن
[ ٢ / ٢٧ ]
أبي الدرداء (القصد في السّنّة) أي التوسط في العمل بها بين الكثرة والقلة (خير من الاجتهاد في البدعة) أي أحسن من المبالغة في بذله الوسع والطاقة والكثرة من الطاعة في حال الأخذ بالبدعة ولو كانت مستحسنة وأما تقييد الدلجي بالضلالة فنشأ من بعض الجهالة لأنها قوبلت بالسنة الثابتة ولا شك أنها خير من البدعة الحسنة ولا معنى لمقابلتها ببدعة الضلالة إذ لا خير فيها في جميع الحالة لا محالة (وقال ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما كما رواه عبد بن حميد في مسنده بسند صحيح (صلاة السّفر ركعتان) أي لا زيادة عليهما كما ثبت عنه ﵊ قولا وفعلا في الليالي والأيام (من خالف السنة) أي لم يقبلها (كفر) أي قارب الكفر أو كفر بالنعمة فإن القصر رخصة وهي منة ولذا سمي صدقة وقيل من خالفها عنادا أو مستحلا فقد كفر وخرج عن دائرة الإسلام بامتناع قبول أحكامه ﵊ وهذا إذا كانت السنة متواترة معلومة من الدين بالضرورة وتركها من غير تأويل لها (وقال أبيّ بن كعب) كما رواه الأصفهاني في ترغيبه واللالكائي في سننه (عليكم بالسّبيل) أي الزموا طريق الطاعة (والسنّة) أي ومتابعة الشريعة (فإنّه ما على الأرض من عبد) أي من عبيده ﷾ (على السّبيل) أي سبيل الله تعالى (والسنّة) أي سنة رسول الله والمعنى يكون ثابتا على طريق الكتاب والسنة (ذكر الله في نفسه) أي في باطنه والمعنى بحضور قلبه سواء كان الذكر بلسانه أو بمجرد ذكر جنانه ولا شك أن الجمع أولى لظهور برهانه فلا معنى لقول الدلجي أي بدون تلفظ لوضوح بطلانه (ففاضت عيناه) أي سالت دموعهما من أثر بكائه (من خشية الله) أي من خوف عقابه أو حجابه (فيعذّبه) بالنصب أي الألم يعذبه (الله أبدا) أي لا في دنياه ولا في آخرته حيث طلب مرضاة مولاه وفي نسخة فيعذبه بالرفع (وَمَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ عَبْدٍ عَلَى السَّبِيلِ) أي الطريقة المرضية (والسّنّة) أي الهيئة السنية (ذكر الله في نفسه) أي من غير أن يتعلق به الرياء والسمعة (فاقشعرّ جلده) أي انقبض واجتمع (من خشية الله) أي من عظمة مولاه (إلا كان مثله) بفتحتين أي صفته العجيبة وحالته الغريبة (كمثل شجرة قد يبس ورقها) أي أوراقها وذهب رونقها ورواجها (فهي كذلك) أي فبينما هي في أوقات كونها كذلك (إذا أصابتها ريح شديدة) أي من جوانبها (فتحاتّ) بتشديد الفوقية الثانية أي فتناثر (عنها ورقها) كرر بدلا أو تأكيدا لبعد المسافة بينهما باعتراض المثل (إلّا حطّ عنه خطاياه) بصيغة المجهول أي وضع عنه عيوبه ومحي عنه ذنوبه (كما تحاتّ عن الشّجرة ورقها) أي تساقط (فإنّ اقتصادا) أي توسطا (في سبيل) أي في طريق خير (وسنّة) أي طريقة حسنة من كتاب وسنة (خير من اجتهاد) أي مبالغة في الطاعة وسع الطاقة (في خلاف سبيل وسنّة) أي في مخالفتهما (وموافقة بدعة) أي ولو حسنة لا بدعة ضلالة كما قاله الدلجي هنا أيضا وهذا عطف تفسير ولم يوجد في بعض النسخ (وانظروا) أي وتأملوا حرصا منكم (أن يكون عملكم إن) كان (اجتهادا أو اقتصادا) أي مبالغة في الجد أو توسطا في
[ ٢ / ٢٨ ]
الجهد (أن يكون) بدل من أن يكون الأول أو تأكيد له لبعد المسافة بينهما باعتراض الشرط والمعنى أن يوجد (على منهاج الأنبياء ﵈) أي شريعتهم ويروي مناهيج الأنبياء أي شرائعهم (وسنتهم) أي طريقتهم لتصلوا إلى مقام حقيقتهم (وَكَتَبَ بَعْضُ عُمَّالِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) أي نوابه (إلى عمر) أي إليه حال كونه (يخبره بحال بلده) أي مما عليه أهله من فساده (وكثرة لصوصه) أي سراقه ونهابه (هل نأخذهم) بالنون وفي نسخة صحيحة بالياء التحتية (بالظّنّة) بكسر الظاء المعجمة المشالة وتشديد النون أي التهمة والمعنى هل نؤاخذهم ونعاقبهم بمجرد العلامات الدالة على أخذ السرقة عملا بالسياسة (أو) وفي نسخة أم (نحملهم على البيّنة) أي بذلك (فلا أصلحهم الله) تعالى أي عند انكارهم (وما جرت عليه) فيه (السّنّة) وفي نسخة صحيحة وما جرت به السنة أي من أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر (فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ خُذْهُمْ بِالْبَيِّنَةِ وَمَا جَرَتْ عليه السّنّة) أي وبما يترتب عليها من غرم وقتل وقطع ونحوها (فإن لم يصلحهم الله تعالى) أي أيضا بخلاف ما هناك ولا يبعد أن تكون الجملة الثانية دعائية والأول أظهر والمعنى أن الله تعالى حكيم في صنعه وعليم في حكمه فلا تجوز الزيادة والنقصان في حده وقد روي أن بعض الملوك كان يقتل اللصوص بالسياسة ومع هذا تكثر السرقة فذكر ذلك لبعض العلماء هنالك فقال له اعمل بالسنة تندفع بها الكثرة فسمع كلام ذلك الإمام وعمل بالشريعة في تلك الأحكام فقلت السرقة فسأله عن الحكمة فقال لما كثرت مشاهدة قطع الأيدي اعتبر أهل الفساد وقل اللصوص في العباد (عن عطاء) أي ابن أبي رباح أو عطاء الخراساني (في قوله) أي في تفسير قوله تعالى فَإِنْ تَنازَعْتُمْ) أي اختلفتم أنتم وأولو الأمر منكم (فِي شَيْءٍ) أي من أمور الدين (فَرُدُّوهُ) أي ارجعوا فيه (إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) [النِّسَاءِ: ٥٩] أَيْ إِلَى كِتَابِ الله وسنّة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي إلى حكمهما فيكم وهذا يشمل حياته ومماته ﵊ (وقال الشّافعي رحمه الله تعالى) وهو الإمام المجتهد روى عن مالك وروى عنه أحمد وأخرج له أصحاب السنن الأربعة وذكره البخاري في موضعين من صحاحه في الركاز والعرية ويقال إنه غيره ومال إلى كل قول بعض وولد سنة خمسين ومائة يوم مات أبو حنيفة رحمه الله تعالى ومات سنة أربع ومائتين (لَيْسَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم إلّا اتّباعها) أي اقتداؤها علما وعملا قال تعالى لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وهذا قريب في المعنى مما يحكى عنه إذا صح الحديث فهو مذهبي (وقال عمر رضي الله تعالى عنه) فيما رواه الشيخان (ونظر إلى الحجر الأسود) جملة معترضة حالية (إنك) والله كما في نسخة حجر (لا تنفع ولا تضر) أي في حد ذاتك وهو لا ينافي ما ورد من أنه يشهد لمن استلمه يوم القيامة (وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ ثُمَّ قَبَّلَهُ) وهذا يدل منه رضي الله تعالى عنه على كمال المتابعة للسنة وخبر لولا
[ ٢ / ٢٩ ]
واجب الحذف عند النحاة لأن طول الكلام سد مسد الخبر مع الجواب لكن المسألة مفصلة فإن خبر لولا منقسم إلى أقسام ثلاثة قسم واجب الحذف وهو ما دل على كون مطلق كقولك لولا زيد لهلك عمرو وقسم واجب الإثبات وهو ما دل على كون مقيد إذ لو حذف لما فهم المعنى كقوله ﵊ لعائشة رضي الله تعالى عنها لولا قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم فلو حذف حديثو عهد لكان المعنى لولا قومك على كل حال من أحوالهم لنقضت الكعبة ومن جملة أحوالهم بعد عهدهم بالكفر فيما يستقبل فكل ما لم يفهم عند الحذف يتعين الإتيان به ومنه قول الشافعي:
ولولا الشعر بالعلماء يرزي لكنت اليوم أشعر من لبيد
وكذا قول الخنساء ترثي أخاها صخرا:
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
ومنه قول عمر هذا والتقدير لولا رؤيتي تقبيل النبي ﵊ مستصحبة لما قبلتك وقسم إن شئت اثبتته وإن شئت حذفته كقولك لولا أخو زيد يبصره لغلب فمن راعى الكون المطلق حذف ومن راعى الكون المقيد اثبت (ورؤي) وفي نسخة رئي بكسر الراء وسكون الياء فهمزة على بناء المجهول من ريأ مقلوب رأى (عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما) كما رواه أحمد والبزار بسند صحيح (يدير ناقته في مكان) أي يطيفها حوله حتى عاد إلى موضع أوله (فسئل عنه) أي عن سبب فعله وإن إدارته لأي شيء (فقال لا أدري) أي وجهه وحكمته (إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم فعله) أي مرة وفي نسخة يفعله (ففعلته) أي اقتداء به صلى الله تعالى عليه وسلم في فعله وهذا يشير إلى أن أكابر الصحابة كانوا يتبعونه في الأمور العادية أيضا (وقال أبو عثمان الحيريّ) بمهملة مكسورة فمثناة تحتية محلة بنيسابور كان يسكنها وهو شيخ الصوفية بها ذكره الذهبي في المشتبه وفي نسخة الجنيدي بالتصغير وهو تصحيف وتحريف على ما قاله أبو القاسم القشيري في رسالته من نسبة هذا القول إليه والثناء عليه بقوله فمنهم أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري المقيم بنيسابور وكان قد صحب شاه الكرماني ويحيى بن معاذ الرازي ثم ورد بنيسابور مع شاه الكرماني على أبي جعفر الحداد وأقام عنده وزوجه أبو جعفر بنته مات سنة ثمان وتسعين ومائتين (من أمر السّنّة) بتشديد الميم أي من جعل السنة أميرا وحاكما (على نفسه قولا وفعلا) أي واعتقادا (نطق بالحكمة) لأنه تبع من لا ينطق عن الهوى واختار سبيل الهدى (ومن أمّر الهوى على نفسه) بأن تبع رأيه وهواه في فعله وقوله وأمور دنياه وأخراه (نطق بالبدعة) أي بالأمور الخارجة عن طريق السنة والمائلة عن سبيل المرضي لمولاه (وقال سهل التّستريّ أصول مذهبنا) أي معاشر الصوفية لا جماعة المتصوفة بشهادة
[ ٢ / ٣٠ ]
الإضافة (ثلاثة: الاقتداء بالنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في الأخلاق) أي الأحوال الباطنة (والأفعال) أي الأعمال الظاهرة (والأكل من الحلال) أي الطيب الخارج عن الشبهة (وإخلاص النّيّة في جميع الأعمال) أي تخليصها من شوائب الرياء والسمعة إذ قد تصير العادات بها عبادات والكل مأخوذ من مكارم أفعاله ومحاسن أقواله صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله وزيد في نسخة وقد كان على خلق عظيم وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت كان خلقه القرآن أي يأتمر بأوامره وينتهي بزواجره (جاء فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ أنه) [فاطر: ١٠] أي العمل الصالح الذي يرفعه الله تعالى أو يرفع الكلم الطيب إلى الله تعالى (هو الاقتداء به) أي برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كما في نسخة أي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله وقد فسر الكلم الطيب بقول لا إله إلّا الله وقيل هو ذكر من تسبيح وتهليل وقراءة قرآن وغير ذلك والهاء في قوله يرفعه راجع إلى الكلم الطيب وعليه أكثر المفسرين فمن قال حسنا وعمل غير صالح رد الله عليه قوله ومن قال حسنا وعمل صالحا رفعه العمل كما جاء في الحديث لا يقبل الله قولا إلّا بعمل ولا عملا إلّا بنية ولا نية إلّا بإصابة السنة (وحكي عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى) هو الإمام المذهب أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني الزاهد الرباني روى عن البخاري وغيره وعنه ابناه وجمع وفي نسخة أن أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (قَالَ كُنْتُ يَوْمًا مَعَ جماعة تجرّدوا) أي عن ثيابهم (ودخلوا الماء) أي بلا سترة والظاهر أن الجملة حالية والمعنى أنهم تجردوا عن ثيابهم بعد أن دخلوا وسط الماء على أن الواو لمطلق الجمع (فاستعملت الحديث) أي إطلاق الحديث الذي رواه مثله الترمذي أيضا (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يدخل الحمّام) بصيغة النهي وقيل بالنفي وأريد النهي بل هو أبلغ (إلّا بمئزر) بكسر ميم وسكون همزة ويبدل وفتح زاء أي إلّا بإزار يستر عورته (ولم أتجرّد) أي أنا من ثيابي احتياطا في ذلك المقام (فرأيت) أي في المنام (تلك اللّيلة) أي القابلة من يوم تجردهم (قائلا) يقول (لي يا أحمد أبشر) أي بكل خير وفي نسخة أبشر يا أحمد (فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ بِاسْتِعْمَالِكَ السُّنَّةَ وجعلك إماما) أي يقتدى بك (يُقْتَدَى بِكَ، قُلْتُ مَنْ أَنْتَ قَالَ جِبْرِيلُ) ﵊.
فصل [وَمُخَالَفَةُ أَمْرِهِ وَتَبْدِيلُ سُنَّتِهِ ضَلَالٌ وَبِدْعَةٌ مُتَوَعَّدٌ من الله تعالى عليه بالخذلان والعذاب]
(ومخالفة أمره) وكذا مناقضة نهيه بعد الانقياد لحكمه (وتبديل سنّته) أي بتغييرها مبنى أو بتفسيرها معنى على خلاف مراده وطريقته (ضلال) أي في الاعتقاد (وبدعة) أي في الاجتهاد لا تصلح للاعتماد (متوعّد) بفتح العين المشددة أي موعود (من الله تعالى عليه) أي ما ذكر من المخالفة والمبادلة (بالخذلان) أو بترك النصرة له وعدم التوفيق للطاعة وخلق المعصية فيه في الدنيا (والعذاب) أي وبالعقوبة في العقبى (قال الله تعالى فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ
[ ٢ / ٣١ ]
يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) أي معرضين عنه أو ما نعين عن مقتضى حكمه (أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) أي كراهة أن يلحقهم محنة وبلية في الدنيا (أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) [النور: ٦٣] أي مؤلم في العقبى والآية دالة على أن الأمر للوجوب الأكيد حيث رتب على تركه الوعيد الشديد (وقال تعالى وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ) أي يخالفه لأن كلا من المتخالفين يكون في شق غير شق الآخر (مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى) أي ظهر له الحق ببيان المولى (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) [النساء: ١١٥] أي غير ما هم عليه من اعتقاد علم أو اعتماد عمل (نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى الآية) أي نجعله واليا لما تولاه من ضلال وبدعة ونصله جهنم أي ندخله فيها ونحرقه بها وساءت أي جهنم مصيرا أي مرجعا لهم والآية مؤذنة بحرمة مخالفة الإجماع (حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جعفر وعبد الرّحمن بن عتّاب) بتشديد الفوقية وفي نسخة أبو محمد بلفظ التثنية فإن كلاهما مكنى بأبي محمد (بقراءتي عليهما) قيل هو فوق السماع لأنه أدل على القابلية الظاهرة في الطباع (قالا) أي كلاهما (ثنا) أي حدثنا (أبو القاسم حاتم بن محمد ثنا) أي حدثنا (أبو الحسن القابسيّ) بالقاف وكسر الموحدة (ثنا) أي حدثنا (أبو الحسين) وفي نسخة صحيحة الحسن (بن مسرور الدّبّاغ) أي صانع الدبغ أو بائعه (ثنا) أي حدثنا (أحمد بن أبي سليمان ثنا) أي حدثنا (سحنون) بفتح سين وضم نون (ابن سعيد) وهو عبد السلام (ثنا) أي حدثنا (ابن القاسم ثنا) أي حدثنا (مالك) وهو إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى (عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) كذا رواه مسلم وأبو داود عنه والنسائي عنه واختار المصنف طريق مالك فإن بينه وبين مالك سبعة أشخاص وبينه وبين مسلم ثمانية (أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خرج إلى المقبرة) بتثليث الباء والفتح أفصح والظاهر أن المراد به مقبرة البقيع في المدينة (وذكر الحديث) أي بطوله (في صفة أمته) أي نعتهم وفضلهم حيث قال لكم سيما ليست لأحد من الأمم تردون علي غرا محجلين من أثر الوضوء الحديث (وفيه) وفي جملته (فليذادنّ) بفتح اللام القسمية وضم الياء وذال معجمة فألف ودال مهملة فنون مشددة من الذود وهو الطرد والبعد أي فليصدن ويمنعن (رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ) أي عن مزاحمة بعير الرجال في الشرب من حوض ماء الزلال (فأناديهم) أي ظنا أنهم من أصحابي وأهل ناديهم (ألا) أي تنبوا (هلمّ ألا هلمّ ألا هلم) أي تعالوا وأقبلوا وهو بلغة قريش يستوي فيه الواحد والجمع بخلاف بني تميم فإنهم يقولون هلم هلما هلموا هلمي والأول افصح وبه ورد التنزيل قال هلم شهداءكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا وقال الخليل أصله لمّ من قولهم لمّ الله شعثه أي جمعه كأنه أراد لم نفسك إلينا أي أقرب والهاء للتنبيه وحذف ألفها لكثرة الاستعمال وجعلا اسما واحدا في الأمر بإلاقبال (فيقال) أي فيقول المانعون والدافعون وهم الملائكة الجامعون (إنّهم قد بدّلوا بعدك) أي دينهم كفرا بدليل قوله (فأقول فسحقا فسحقا فسحقا) أي ثلاث مرات وهو بسكون الحاء وضمها بمعنى بعدا وانتصب بتقدير الزمهم الله
[ ٢ / ٣٢ ]
سحقا أو أسحقهم الله سحقا أي فأبعدهم الله بعدا أو فطردهم الله طردا أو بدليل حديث أنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم قال النووي اختلف العلماء في المراد بهم على أقوال أحدها أن المراد بهم المنافقون فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل فيناديهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم للسيما التي عليهم فيقال إن هؤلاء بدلوا بعدك أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم. وثانيها أن المراد بهم من كان في زمنه ﵊ من أهل الإسلام ثم ارتدوا بعده فيناديهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء لما كان يعرفه في حياته من إسلامهم فيقال ارتدوا بعدك. والثالث أن المراد أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد وأصحاب البدع فلا يقطع لهؤلاء بالنار بل يجوز أن يذادوا عقوبة لهم ثم يرحمهم الله ﷾ ثم اعلم أن في بعض النسخ فلا يذادن بزيادة ألف بعد اللام فتصير لا نافية وأكثر الرواة عن مالك في الموطا على الأول ورواه يحيى ومطرف وابن نافع على الثاني ورده ابن وضاح بناء على الرواية الأولى وكلاهما صحيح المبنى بل النافية أفصح في المعنى أي فلا تفعلوا فعلا يوجب ذلك هنالك ومنه حديث فلا ألفين أحدكم على رقبة بعير أي لا تفعلوا ما يوجب ذلك فما في بعض حواشي الشفاء من أن قوله فلا يذادن لا معنى له لا معنى له (وروى أنس رضي الله تعالى عنه أن النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال) أي في حديث طويل مما رواه الشيخان عنه آخره (فمن رغب) وفي نسخة صحيحة من رغب (عن سنّتي) أي أعرض عنها وما مال إليها (فليس منّي) أي بمتصل بي أو ليس من أتباعي وأشياعي (وقال) أي النبي ﵊ كما في الصحيحين (من أدخل في أمرنا) ولمسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا وفي رواية من أدخل فى ديننا وهو كذلك في نسخة وفي أخرى في أمرنا هذا على ما في رواية صحيحة أي هذا الأمر الواضح الكامل الذي لا يحتاج إلى زيادة احداث (ما ليس منه) أي شيئا لم يكن له من الكتاب والسنة عاضد ظاهر أو خفي ملفوظ أو مستنبط وفي نسخة ما ليس فيه (فهو) أي ذلك المحدث أو ذلك الشيء المحدث (ردّ) أي مردود غير مقبول وهذا الحديث أصل في الاعتصام بالكتاب والسنة ورد الأهواء والبدعة (وروى ابن أبي رافع) كما أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه واسمه عبيد الله (عن أبيه) أي أبو رافع مولى النبي ﵊ (عن النبي) وفي نسخة أن النبي (صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا على أريكته) نهى لنفسه ﵊ أن يراهم في ذلك المقام مريدا به نهيهم عن أن يكونوا عليها فإنهم إذا كانوا عليها وجدهم كذلك لديها (يأتيه) حال ثانية أو جملة استئنافية بيانية أي يجيئه (الأمر من أمري) أي حكمي (ممّا أمرت به أو نهيت عنه) أي مما هو غير ظاهر في الكتاب (فيقول لا أدري) أي غير القرآن (مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ زَادَ) أي الراوي أبو داود والترمذي والحاكم (في حديث المقدام) بكسر الميم الأولى وهو ابن معدي كرب روى عنه صلى الله تعالى عليه وسلم (ألا) للتنبيه (وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ
[ ٢ / ٣٣ ]
الله صلى الله تعالى عليه وسلم مثل ما حرّم الله تعالى) أي فيجب اجتناب ما حرمه لأنه ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى فالكتاب وحي جلي والسنة وحي خفي (وقال صلى الله تعالى عليه وسلم) كما رواه أبو داود في مراسيله والدارمي والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن يحيى بن جعدة (وجيء بكتاب) جملة حالية معترضة مؤذنة بأنه سبب للمقالة أي وقد جيء بمكتوب من التوراة (في كتف) أي من الشاة والجائي به عمر أو ابنته حفصة أو عائشة رضي الله تعالى عنهم أو غيرهم ولا منع من الجمع كما يشير إليه قوله (كفى بقوم حمقا) بضم فسكون أي حماقة وجهالة (أو قال ضلالا) أي ضلالة وغواية والشك من الراويّ والباء زائدة في فاعل كفى ونصب ما بعده على التمييز المحول عن الفاعل والمعنى كفى الحمق أو الضلال قوما (أن يرغبوا) أي يميلوا أو يعرضوا (عَمَّا جَاءَ بِهِ نَبِيُّهُمْ إِلَى غَيْرِ نَبِيِّهِمْ) أي ملتفتين ومقبلين إلى ما جاء به غير نبيهم يعني ولو كان نبيا إلى غيرهم كما يدل عليه قوله ﵇ في رواية ولو كان موسى حيا لما وسعه إلّا اتباعي (أو كتاب) أي أو إلى كتاب (غير كتابهم) أي النازل إليهم ولو كان من كتب الله تعالى إلى غيرهم هذا ولفظ ما رووه جاء ناس من المسلمين بكتب قد كتبوا فيها بعض ما سمعوه من اليهود فقال صلى الله تعالى عليه وسلم كفى بقوم حمقا أو ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم (فَنَزَلَتْ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ) [العنكبوت: ٥١] الآية أي دائما ما بقيت الدنيا (وقال صلى الله تعالى عليه وسلم) فيما رواه مسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (هلك المتنطّعون) مأخوذ من النطع وهو الغار الأعلى من الفم ثم استعير لكل تعمق قولا وفعلا أي المتعمقون في كلامهم الغالون في أقوالهم وأفعالهم المتكلمون بأقصى حلوقهم البالغون في خوضهم (وقال أبو بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنه) كما رواه أبو داود وغيره (لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يعمل به) أي في حال (إلّا عملت به) أي اقتفاء بسنته الحميدة واقتداء بسيرته المجيدة (إنّي أخشى) أي أخاف خوفا عظيما (إن تركت شيئا من أمره) أي الذي كان عليه في دينه (أن أزيغ) أي أميل عن الحق والهدى وأقبل على موافقة النفس وموافقة الهوى.
[ ٢ / ٣٤ ]
الباب الثاني [في لزوم محبته ﵊]
(في لزوم محبته صلى الله تعالى عليه وسلم) أي في ذكر ما يؤذن بوجوب لزوم محبته لكل مكلف من أمته في لوازم ملته (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ) أي أصولكم وفروعكم (وَإِخْوانُكُمْ) أي أمثالكم وأقرانكم (وَأَزْواجُكُمْ) أي أشباهكم من نسائكم ورجالكم (وَعَشِيرَتُكُمْ) وفي قراءة وعشيراتكم بصيغة الجمع أي جميع أقاربكم أو كل من تعاشرونه وتصاحبونه مأخوذ من العشرة (وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها) [التوبة: ٢٤] أي اكتسبتموها من النقود والأجناس (الآية) وهي وتجارة تخشون كسادها أي تخافون قلة رواجها ونقصان نفاقها ونفادها ومساكن من البيوت والبساتين ترضونها يعجبكم سكونها أحب إليكم حبا اختياريا من الله ورسوله وجهاد في سبيله أي من حب الله ورسوله ومجاهدة في طاعته وعبادته فتربصوا أمر تهديد أي فانتظروا حتى يأتي الله بأمره أي بمحنة عاجلة أو نقمة آجلة وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ أي لا يرشد الخارجين عن محبة الله ومرضاته إلى موافقات نفوسهم وهوى متابعتها (فكفى بهذا) أي التهديد والوعيد الشديد (حضّا) أي تحريضا وحثا (وتنبيها) أي نبيها (ودلالة) أي واضحة (وحجّة) أي لائحة (على إلزام محبّته) أي إثبات مودته ﵊ وفي نسخة على التزام محبته أي قبولها (ووجوب فرضها) أي ثبوت حتمها (وعظم خطرها) بكسر العين وفتح الظاء المعجمة أو بضم فسكون والخطر بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة أي القدر أي عظمة شأنها ورفعة قدرها (واستحقاقه) أي النبي ﵊ (لها) أي للمحبة الكاملة (﵊) أي الكامل التمام (إذ قرّع) بفتح قاف وتشديد راء أي لأنه وبخ (الله تعالى) أي ارتفع شأنه وسطع برهانه (من كان ماله) أي من تجارة ومساكن وغيرها (وأهله) أي ما له من الأرقاب عموما (وولده) أي وأولاده خصوصا (أحبّ إليه) أي إلى نفسه (من الله ورسوله) أي من رضاهما واتباع أمرهما (وأوعدهم) أي خوفهم (بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة: ٢٤] أي بالذي أراد بكم من سوء في الدنيا أو العقبى أو فيهما جميعا (ثمّ فسّقهم) بتشديد السين أي نسبهم إلى الفسق (بتمام الآية) أي بما تتم الآية به في الدلالة وهو آخرها حيث قال وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (وأعلمهم) أي بطريق الكناية (أنّهم ممّن ضلّ) أي بخذلانه ﷾ (ولم يهده الله تعالى) أي إلى برهانه وتحقيق إيمانه (حدّثنا أبو علي الغسّانيّ) بفتح الغين والمعجمة وتشديد المهملة (الحافظ) أي الجياني (فيما
[ ٢ / ٣٥ ]
أجازنيه) أي من غير سماع منه ولا قراءة عليه (وهو) أي هذا المروي (ممّا قرأته على غير واحد) أي على كثير من المحدثين غيره ولعله خصصه بالرواية عنه لعلو سنده أو صحة نسبه (قال) أي الغساني (ثنا) أي حدثنا (سراج بن عبد الله القاضي ثنا) أي قال حدثنا (أبو محمّد الأصيليّ) بفتح فكسر (ثنا) أي حدثنا (المروزي) بفتح الميم والواو (ثنا) أي حَدَّثَنَا (أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) أي الفربري (ثنا) أي حدثنا (محمّد بن إسماعيل) أي البخاري صاحب الصحيح (ثنا) أي حدثنا (يعقوب بن إبراهيم) أي الدورقي البغدادي روى عنه أصحاب الكتب الستة وله مسند توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين (ثنا) أي حدثنا (ابن عليّة) بالتصغير هو الإمام أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم بن القاسم المشهور بابن علية وهي أمه روى عنه أحمد وإسحاق وابن معين وجماعة إمام حجة أخرج له الستة (عن عبد العزيز بن صهيب) بالتصغير هو البناني الأعمى التابعي أخرج له الجماعة وقال أحمد ثقة (عن أنس رضي الله تعالى عنه) وكذا رواه مسلم والنسائي (أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لا يؤمن أحدكم) الخطاب يشمل الموجودين ومن بعدهم من المولودين وفي رواية مسلم عبد وفي رواية غيرهما أحد أي لا يكمل إيمان أحد بدلالة رواية ابن حبان لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان والمعنى لا يعتد بإيمانه (حتّى أكون أحبّ) أي أشد حبا (إليه من ولده ووالده) أي خصوصا (والنّاس أجمعين) أي وسائر الخلق عموما حبا اختياريا يوجب اكراما له ﵊ وإجلالا في مقام الاحترام* واعلم أن المراد بالحب هنا ليس الحب الطبيعي التابع لهوى النفس فإن محبة الإنسان لنفسه من حيث الطبع أشد من محبة غيره وكذا محبة ولده ووالده أشد من محبة غيرهما وهذا الحب ليس بداخل تحت اختيار الشخص بل خارج عن حد الاستطاعة فلا مؤاخذة به لقوله تعالى لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها بل المراد الحب العقلي الاختياري الذي هو ايثار ما يقتضي العقل رجحانه وإن كان على خلاف الطبع ألا ترى أن المريض يكره الدواء المر بطبعه ومع ذلك يميل إليه باختياره ويهوى تناوله بمقتضى عقله لما علم أو ظن صلاحه فيه وكذلك المؤمن إذا علم أن الرسول ﵊ لا يأمر ولا ينهى إلّا بما فيه صلاح دينه ودنياه وآخرته وعقباه وتيقن أنه ﵊ أشفق الناس عليه وألطفهم إليه وحينئذ يرجح جانب أمره بمقتضى عقله على أمر غيره وهذا أول درجات الإيمان وأما كماله فهو أن يصير طبعه تابعا لعقله في حبه ﵊ قيل ومن محبته نصر سنته والذب عن شريعته والاقتداء بسيرته (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه نحوه) مبتدأ مقدم الخبر والمعنى أنه روى عن أبي هريرة رضى الله تعالى عنه بمعناه وإن اختلف مبناه (وعن أنس رضي الله تعالى عنه عنه صلى الله تعالى عليه وسلم) كما في الصحيحين (ثلاث) أي خصال ثلاث (من كنّ فيه) أي من وجدن واجتمعن في حقه (وجد) أي أدرك بنفسه (حلاوة الإيمان) أي في قلبه والتذ به كما يجد حلاوة العسل من تناوله غير أن الالتذاذ الأول عقلي روحاني والثاني
[ ٢ / ٣٦ ]
حسي نفساني والجملة خبر أو صفة لثلاث (أن يكون الله تعالى ورسوله) بدل من ثلاث على الأول وخبره على الثاني أو خبر مبتدأ محذوف وهو هي أو هن أن يكون الله تعالى ورسوله عنده (أحبّ إليه ممّا سواهما) ولم يقل ممن سواهما لعموم ما والمعنى من كل شيء مما عداهما وفي تثنية ضميرهما هنا مع انكاره ﵊ على خطيب ثناهما بقوله ومن يعصهما فقد غوى بقوله بئس الخطيب أنت قل وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إشارة إلى أن المعتبر في المحبتين هو مجموعهما لا كل واحدة بانفرادها ودلالة على أن كل واحد من العصيانين مستقل بلزوم الغواية له بشهادة العطف فإنه في تقدير التكرير وقيل إن الجامع هنا يجوز له ما يجوز لغيره وقيل إنما أنكره عليه لوقوفه على يعصهما ورد بقوله قل وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ويمكن دفعه بأن المراد بالأمر هو الابتداء به حين وقف عليه (وأن يحبّ المرء) أي الشخص أعم من الرجل والمرأة وأغرب الأنطاكي حيث توهم أن المرء مختص بالرجل وأتى بما لا يناسب المقام في تحصيل المرام (لا يحبّه) أي لشيء (إلّا لله وتعالى) أي لا لأمر آخر أي في مبتغاه وفيه إيماء إلى أن محبة رسول الله أيضا إنما هو لمحبة الله تعالى ورضاه (وأن يكره أن يعود في الكفر) لثبات إيمانه وكمال ايقانه (كما يكره أن يقذف في النّار) بصيغة المجهول أي يرمى في النار في هذه الدار وذلك لأن المرء لا يكمل إيمانه ولا يتحقق إيقانه حتى يعتقد أنه تعالى هو المنعم على الاطلاق في تقسيم الأرزاق والأخلاق لا مانح سواه ولا مانع ما عداه وأن النبي ﵊ واسطة بيننا وبينه في ايصال المرام ساع بهدايته له في المرتبة والمقام لإصلاح شأنه ورفعة مكانه وذلك مشعر بوجوب تصحيح محبتهما وترجيح مودتهما (وعن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه) كما رواه البخاري (أنّه قال للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لأنت) أي والله لَأَنْتَ (أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا من نفسي) أي روحي (التي بين جنبيّ) صفة كاشفة أي التي في بدني وبها قوام أمري ونظام قدري ولذة حياتي الموجبة لكراهة مماتي وهذا جري منه بناء على صدق مقامه وحسن مرامه حيث ظن أن المراد بمحبته ﵊ هو الحب الطبيعي في هذا المقام (فقال له النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لن يؤمن أحدكم) أي إيمانا كاملا (حتّى أكون أحبّ إليه من نفسه) أي حبا اختياريا يوجب اختيار محبة رسول الله ورضاه على محبة المخلوقين مما سواه لقوله تعالى لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها وقوله تعالى وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ فلما تفطن لهذا المعنى من هذا المبنى (فَقَالَ عُمَرُ وَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ فقال له النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم الآن يا عمر) أي في هذا الزمان قد استقمت إيمانا وتكملت ايقانا ولا يبعد أن يكون الاستفهام مقدرا ابطاء لهذا الأمر الذي وجب أن يكون من أول الوهلة مقررا (قال سهل) أي ابن عبد الله التستري رحمه الله تعالى (من لم ير ولاية الرّسول) أي أمره وحكمه (عليه) أي جاريا على نفسه (في جميع الأحوال) وفي نسخة صحيحة في جميع أحواله أي من أفعاله
[ ٢ / ٣٧ ]
وأقواله (ويرى نفسه في ملكه) بكسر الميم أي في تصرف نفسه وتدبير أمره وإماما في بعض النسخ من زيادة ﵊ بعد قوله ملكه فلا يصح نعم لو وجد يرى مجزوما لكان له وجه (لا يذوق حلاوة سنّته) أي طراوة سيرته (لأنّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال لا يؤمن أحدكم) أي إيمانا كاملا (حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ الْحَدِيثَ) أي إلى آخره فهو مجرور أو منصوب بتقدير أعني ونحوه أو مرفوع أي تمام الحديث سبق وهو قوله وماله وولده والناس أجمعين.
فصل [في ثواب محبته صلى الله تعالى عليه وسلم]
(في ثواب محبته صلى الله تعالى عليه وسلم) أي مما يرجوه محبه في الدنيا ويأمله في دار العقبى (حدّثنا أبو محمد بن عتّاب) بتشديد الفوقية (بقراءتي عليه ثنا) أي حدثنا (أبو القاسم حاتم) بكسر التاء (ابن محمد ثنا) أي حدثنا (أبو الحسن عليّ بن خلف) بفتحتين وهو الحافظ القابسي (ثنا) أي حدثنا (أبو زيد المروزيّ) تقدم (ثنا) أي حدثنا (محمّد بن يوسف) أي الفربري (ثنا) أي حدثنا (محمّد بن إسماعيل) أي الإمام البخاري (ثنا) أي حدثنا (عبدان) هو عبد الله بن عثمان (ثنا) أي حدثنا (أبي) أي أبوه عثمان بن جبلة بن أبي داود العتكي المروزي أخرج له الشيخان (حدّثنا) أي حدثنا (شعبة) وهو إمام جليل (عن عمرو بن مرّة) أحد الأعلام وكان من الأئمة العاملين الكرام روى عن ابن أبي أوفى وابن المسيب وجماعة وعنه سفيان وغيره قال ابن أبي حاتم ثقة يرى الأرجاء أخرج له الستة (عن سالم بن أبي الجعد) تابعي جليل (عن أنس رضي الله تعالى عنه) لا يخفى أن هذه الطريق التي أخرجها القاضي عن البخاري هي في الأدب من جملة الصحيح وأخرجه من طريق أخرى في الأحكام أيضا وأخرجه مسلم في الأدب وليس لسالم بن أبي الجعد في الكتب الستة عن أنس رضي الله تعالى عنه غير هذا الحديث (أن رجلا) قيل هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وقيل أبو موسى أو أبو ذر وقيل غيرهم والله تعالى أعلم (أتى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فقال متى السّاعة) أي القيامة أو ساعة القيامة وحالة الندامة والملامة (يا رسول الله) كأنه أظهر الشوق إليها والذوق لديها (قال ما أعددت لها) أي ما أعددت لما يصيبك من أهوالها وشدائد أحوالها (قَالَ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَلَاةٍ ولا صوم ولا صدقة) من فيها زائدة للمبالغة والمراد بها العبادات النافلة (ولكنّي أحبّ الله ورسوله) أي أطيعهما فيما يوجب رضاهما من الفرائض وهذا زبدة معنى قول صاحب البردة «ولم أصل سوى فرض ولم أصم» أي سوى فرض (قال أنت مع من أحببت) وفيه إيماء إلى أن دعوى المحبة مع مجرد الإطاعة الواجبة كافية وللمعية في الجملة دلالة صحيحة وافية وأما دعوى المحبة مع ارتكاب المعصية فمذمومة وأصحابها على هذا الادعاء مذؤومة ثم لما كثرت المتابعة زادت المحبة وكملت المعية حتى وصلت إلى هذه المرتبة العينية والحالة الجمعية (وعن صفوان بن قدامة رضي الله
[ ٢ / ٣٨ ]
تعالى عنه) بضم القاف قال الذهبي روى عنه ابنه عبد الرحمن ولهما صحبة وقيل هو تابعي ولأبيه صفوان صحبة (قال هاجرت إلى النّبيّ صلى الّله تعالى عليه وسلم) أي وهو في المدينة السكينة (فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَاوِلْنِي يَدَكَ أبايعك) بالجزم على جواب الأمر ويجوز رفعه على الاستئناف (فناولني يده) فبايعته (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّكَ قَالَ المرء مع من أحبّ) أجاب بحكم عام شامل تام وفيه إشارة إلى أن المعية على قدر والمحبة الموجبة للطاعة والحديث رواه الترمذي والنسائي عن صفوان بن قدامة (وروى هذا اللّفظ) أي في هذا الحديث (عن النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو موسى وأنس) رضي الله تعالى عنهم (وعن أبي ذرّ رضي الله تعالى عنه بمعناه) أي بدون هذا اللفظ ومبناه وفي الجامع الصغير المرء مع من أحب رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي عن أنس رضي الله تعالى عنه وفي الصحيحين عن ابن مسعود في رواية الترمذي المرء مع من أحب وله ما اكتسب وفي هذه الزيادة إشارة إلى أن قرب المعية على قدر كسب الجمعية كما يشير إليه قوله تَعَالَى وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ كما يومي إليه البيان بالأنبياء وغيرهم فالناقص في الصلاح مع محبة أكمل الصالحين يحشر معهم كما قيل:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعه
وأكره من بضاعته المعاصي ولو كنا سواء في البضاعه
وعلى هذا القياس في الصديقين والشهداء وأما العلماء فهم ورثة الأنبياء (وعن عليّ كرم الله وجهه) كما رواه الترمذي (أنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أخذ بيد حسن وحسين ﵄) الظاهر أن أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله (فقال: من أحبّني) أي الله تعالى (وأحبّ هذين وأباهما وأمّهما) أي لأجلي أو لذواتهم المشتملة على حسن صفاتهم (كان معي) أي مقربا عندي (في درجتي) أي في جواري في الجنة أو في درجة أهل بيتي لما سبق من أن المرء مع من أحب (يوم القيامة) وكذا فيما بعده حال دخول الجنة (وروي) أي رواه الطبراني وابن مردويه عن عائشة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم (أنّ رجلا) قال البغوي في تفسيره إن الآية الآتية نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعن النقاش أنها نزلت في عبد الله بن زيد بن عبد ربه (أتى النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي وَإِنِّي لَأَذْكُرُكَ فما أصبر) أي عنك رؤية (حتّى أجيء) أي أحضر لديك (فأنظر إليك) أي لتقر عيني ويسكن قلبي (وإنّي ذكرت مؤتي وموتك) أي أنه لا بد من وقوعهما معا أو متعاقبا (فَعَرَفْتُ أَنَّكَ إِذَا دَخَلْتَ الْجَنَّةَ رُفِعْتَ مَعَ النّبيّين) أي المرسلين (وإن دخلتها) أي بالفرض والتقدير (لا أراك) أي لأن أحدا لا يكون مع الأنبياء سواك فأكون محروما عن رؤية طلعتك هناك فتصير جنة النعيم في نظري حينئذ كنار الجحيم (فأنزل الله تعالى) أي تسلية للعشاق عن حصول الفراق (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ) أي
[ ٢ / ٣٩ ]
يحبهما ويتبع أمرهما (فَأُولئِكَ) أي المحبون لأحبائي والمشتاقون لأوليائي (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) أي بنعمة المعية والقربة في المرتبة الجمعية (مِنَ النَّبِيِّينَ) أعم من المرسلين (وَالصِّدِّيقِينَ) أي المبالغين في الصدق والتصديق والكاملين في مقام اليقين والتحقيق (وَالشُّهَداءِ) أي بسيف المجاهدة وسلاح المحاربة في طريق العبادة (وَالصَّالِحِينَ
) أي القائمين بحقوق الله وحقوق خلقه (وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا) [النساء: ٦٩] أي ما أحسنهم رفيقا وفقنا الله إلى كمال متابعتهم وجمال محبتهم توفيقا (فدعا به) أي نادى الرجل الذي شكاه (فقرأها عليه) وشفاه مما كان خائفا أنه على شفاه (وفي حديث آخر) لا يعرف مخرجه (كان رجل عند النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ينظر إليه) أي إلى وجهه صلى الله تعالى عليه وسلم (لا يطرق) بكسر الراء وفي نسخة ما يطرف أي لا يغض بصره لديه (قال ما بالك) أي شأنك وحالك (قال) وفي نسخة فقال (بأبي أنت وأمي) أي أفديك بهما (اتمتّع من النّظر) ويروى بالنظر (إليك) أي في الدنيا (فإذا كان يوم القيامة رفعك الله تعالى) في أعلى الدرجة (بتفضيله) أي بسبب تفضيله ﷾ إياك على من سواك فحينئذ بالضرورة لا أراك (فأنزل الله الآية) أي الماضية تسلية لما سيأتي من الأحوال الآتية (وفي حديث أنس رضي الله تعالى عنه) كما رواه الأصفهاني في ترغيبه (أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال من أحبّني كان معي في الجنّة) أي وإن تفاوتت الدرجة على تفاوت مراتب المحبة المقتضية لحسن الطاعة على وفق المتابعة.
فصل [فِيمَا رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِمْ للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم]
(فيما روي عن السلف) أي الصحابة والتابعين (والأئمة) أي من الخلف في أمر الدين من المجتهدين (من محبتهم للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وشوقهم له) أي اشتياقهم إلى رؤيته ووصولهم إلى قرب درجته (حدّثنا) وفي نسخة قال حدثنا (القاضي الشّهيد) هو ابن سكرة (ثنا) أي حدثنا (العذريّ) بضم العين وسكون الذال المعجمة (حدّثنا الرّازيّ ثنا) أي حدثنا (الجلودي) بضم الجيم (ثنا) أي حدثنا (ابن سفيان) وهو إبراهيم بن محمد بن سفيان راوي صحيح مسلم عنه (حدّثنا) أي حدثنا (مسلم) أي صاحب الصحيح (حدّثنا) أي حدثنا (قتيبة) بالتصغير لقبه وهو ابن سعيد واختلف في اسمه (ثنا) أي حدثنا (يعقوب بن عبد الرّحمن) هذا هو القارىء بتشديد الياء المدني نزيل الإسكندرية (عن سهيل) بالتصغير وفي نسخة سهل (عن أبيه) أبوه هو أبو صالح السمان واسمه ذكوان (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال من أشد أمتي) وفي نسخة من أشد الناس (لي حبّا ناس) أي جماعة وهو مبتدأ خبره الجار والمجرور المتقدم ونعته (يكونون بعدي) أي يولدون بعد حياتي ويوجدون بعد وفاتي (يودّ أحدهم) أي يتمنى (لو رآني) أي أن يبصرني (بأهله وماله) أي بدلهما (وتقدم مثله عن أبي ذرّ) وفي نسخة وقد تقدم حديث عمر
[ ٢ / ٤٠ ]
رضي الله تعالى عنه أي في هذا المعني (وقوله) أي في آخر المبنى (للنبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي) أي روحي (وما تقدّم من الصّحابة في مثله) أي في مثل هذا ورد كثيرا (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁) وفي نسخة العاصي بالياء والأول هو الصواب كما ذكرنا تحقيقه فيما سبق من شرح الكتاب (ما كان أحد) أي من الخلق (أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَعَنْ عَبْدَةَ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ معدان) المعروف عبدة بنت خالد بن صفوان روت عن أبيها ذكرها ابن حبان في ثقاته فالسهو إما من الكتاب أو من صاحب الكتاب والله أعلم بالصواب (قَالَتْ مَا كَانَ خَالِدٌ يَأْوِي إِلَى فِرَاشٍ) أي مرقد له (إِلَّا وَهُوَ يَذْكُرُ مِنْ شَوْقِهِ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي إلى رؤيته (وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار) أي الذين سبقوه (يسمّيهم) أي يذكرهم بأسمائهم واحدا بعد واحد (ويقول هم) أي جميعهم ويروى منهم (أصلي) أي في أصول الدين (وفصلي) أي وفرعي في فرع المجتهدين أو معناهما حسبي ونسبي وقيل الأصل الوالد والفصل المولود والمعنى أن كبارهم وصغارهم بمنزلة آبائي وأولادي وأما ما نقله الحلبي عن الجوهري أن الكسائي قال قولهم لا أصل له ولا فصل الأصل الحسب والفصل كاللسان فلا يظهر وجهه كما لا يخفى على أهل البيان (وإليهم يحنّ قلبي) بكسر الحاء أي يميل (طال شوقي إليهم فعجّل ربّ قبضي) أي قبض روحي (إليك) أي إلى رحمتك (حتّى) أي يكرر الجملة الأخيرة أو الجمل كلها حتى (يغلبه النّوم) فموت الأقران موجب الأحزان (وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه) وفي نسخة وروي عن أبي بكر كما رواه ابن عساكر في تاريخه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه (أنّه قال للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم والّذي بعثك بالحقّ) أي أرسلك إلى الخلق (لإسلام أبي طالب كان أقرّ لعيني) أي أشد سرورا عندي (من إسلامه يعني أباه) عثمان بن عامر رضي الله تعالى عنه (أبا قحافة) بضم القاف عاش بعد ابنه وخصه من تركة أبي بكر رضي الله تعالى عنه السدس فرده في أولاده وتوفي سنة أربع عشرة (وذلك) أي قال وسبب ذلك (أَنَّ إِسْلَامَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ أَقَرَّ لِعَيْنِكَ) يعني والله غالب على أمره ولعله قال ذلك حين نزل قوله تَعَالَى إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أو حين أسلم أبوه عام الفتح وهناه النبي ﵊ (ونحوه عن عمر رضي الله تعالى عنه) أي نظير حديث أبي بكر ما رواه البيهقي والبزار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (أنه قال) أي قال نحو حديث الصديق (للعبّاس) أي تسلية وترغيبا له في الإسلام أن قال قبل إسلامه أو تهنئة له وترحيبا به إن كان بعده (أن تسلم) بفتح الهمزة على أن أن مصدرية أي إسلامك (أحب إلي) أي بالحب الشرعي (من إسلام الخطاب) أي لو وجد فرضا (لأنّ ذلك) أي إسلامك (أحبّ إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بحسب ميله الطبيعي ورجح الدلجي كون إن بكسر الهمزة شرطية وهو بعيد رواية ودراية (وعن ابن إسحاق) أي إمام المغازي وكذا عن البيهقي عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص
[ ٢ / ٤١ ]
مرسلا (أنّ امرأة من الأنصار) أي من بني دينار كما في رواية ابن إسحاق (قتل أبوها وأخوها وزوجها) أي في سبيل الله تعالى (يوم أحد) أي زمن وقعته (مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي في قتال كفار قريش وكسر المسلمين وانهزام بعض المؤمنين واستشهاد طائفة من الموقنين وإشاعة قتل سيد المرسلين على لسان المشركين والمنافقين (فَقَالَتْ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) بصيغة الفاعل ويجوز كونه للمفعول أي ما جرى له وكيف حاله (قالوا خيرا) أي فعل خيرا وفي نسخة بخير أي هو بخير في بدنه وسالم من عدوه (هو) وفي نسخة وهو (بحمد الله كما تحبّين) أي من الصحة والعافية (قالت) أي لبعض أصحابه (أرنيه حتّى أنظر إليه) أي ليطمئن قلبي لديه وفي نسخة صحيحة أرونيه بصيغة الجمع فأروه (فلمّا رأته قالت كلّ مصيبة) أي من قتل أب وأخ وزوج وغيرهم (بعدك) أي بعد سلامتك أو غير مصيبتك (جلل) بفتح الجيم واللام الأولى أي هين وجاء في رواية ابن إسحاق مفسرا تريد صغيرة أي هينة حقيرة لا شاقة كبيرة (وسئل عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه) لا يدري مخرجه (كيف كان حبّكم) أي معشر الصحابة أو جماعة أهل البيت (لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال) أي علي رضي الله تعالى عنه (كان) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (والله) قسم معترض (أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَمْوَالِنَا وَأَوْلَادِنَا وَآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا ومن الماء البارد على الظّمإ) بفتحتين مقصورا ويجوز مده وهو شدة العطش وفي إعادة الجار إشعار بأنه أشد نفعا لأنه روح الروح وإيماء إلى أنه أحب إليهم من أرواحهم (وعن زيد بن أسلم ﵀) أي الفقيه العمري تابعي جليل روى عن ابن عمر وجابر وعنه مالك وغيره أخرج له أصحاب الكتب الستة والحديث رواه عنه ابن المبارك في الزهد (خرج عمر رضي الله تعالى عنه ليلة يحرس النّاس) أي يحفظهم بمراعاته ويتخبر عن أحوالهم على عادته في أيام خلافته (فرأى مصباحا) أي سراجا (في بيت) أي فقصده (وإذا عجوز تنفش) أي تندف (صوفا) وهو بضم الفاء والشين المعجمة من النفش وهو تفريق الشيء بأصابعك حتى ينتشر كالتنفيش (وتقول) أي وهي تنشد رجزا (على محمّد صلاة الأبرار) جمع بر أو بار والمراد بالصلاة هنا تعظيمهم له في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار أمره وفي الآخرة بتضعيف أجره ورفعة قدره (صلّى عليه الطّيّبون الأخيار) جمع خير بالتشديد والتخفيف (قد كنت) أي أنت (قوّاما) أي كثير القيام للعبادة وفي رواية صواما وجعله الدلجي أصلا أي كثير الصيام للرياضة (بكا) بضم الموحدة مقصورا منونا لغة في الممدود أي ذو بكاء أو أريد به المبالغة كرجل عدل يعني كثرة بكائه كأنه عين البكاء وهذا المعنى انسب لمقابلة ما قبله وقد أغرب الدلجي بقوله قصر لضرورة الوزن وأصله بفتحها ممدودا مشدد الكاف مبالغة في كثرة البكاء ولا يخفى وجه غرابته في المبنى وقيل البكاء يرفع الصوت ممدود والدمع بلا صوت مقصور وأما ما وقع في بعض النسخ المقروءة بكاء بتشديد الكاف وبالمد والتنوين فهو مستقيم معنى ولكنه سقيم وزنا ومبنى وكذا ما في نسخة من ضبطه بالتشديد منونا بدون مد وهو الذي ذهب إليه الدلجي
[ ٢ / ٤٢ ]
وقال الانطاكي وفي بعضها بكاء بالتخفيف فإن المشدد قد يخفف للوزن انتهى والصواب ما قدمناه كما لا يخفى (بالأسحار) ايماء إلى قوله تعالى وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ وإشارة إلى وصية لقمان لابنه يا بني لا يكن الديك أكيس منك ينادي بالأسحار وأنت نائم أي غافل عن البكاء والاستغفار (يا ليت شعري) أي أتمنى علمي وشعوري بغيبتي وحضوري (والمنايا أطوار) أي تارات جملة حالية بين المعمولين اعتراضية أفادت بها أن ما يحول بين المرء ومتمناه حالات شتى مختلفة بحسب تفاوتها في أطوار الموت وأسرار الفوت فإن المنايا جمع منية وهي الموت من منى الله عليك أي قدر ومن ثمه سمي منية لأنه مقدر بوقت معين وقد ورد أن منشدا أنشد للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم:
لا تأمنن وإن أمسيت في حرم حتى تلاقي ما يمني لك الماني
فالخير والشر مقرونان في قرن بكل ذلك يأتيك الجديدان
فقال ﷺ لو أدرك قائل هذا الإسلام لأسلم والمعنى حتى تلاقي ما قدر لك المقدر وهو الله سبحانه تعالى وهي تريد والله أعلم لأن المنية تارة تأخذ الكرام وأخرى تبيد اللئام والمعنى ليت علمي حاضر أعلم به (هل تجمعني) بفتح الميم وضم العين وتخفيف النون وفي نسخة بفتح العين وتشديد ما بعدها (وحبيبي) بفتح الياء لغة لا كما قال الأنطاكي ضرورة (الدّار) يعني أم يحولن بيني وبينه المزار (تعني) أي المرأة بقولها حبيبي (النبي صلى الله تعالى عليه وسلم) وبقولها الدار الجنة دار القرار (فجلس عمر رضي الله تعالى عنه يبكي) أي للاشتياق أو للفراق أو الافتراق (وفي الحكاية طول) أي ليس هذا مقام ايرادها (وروي) أي في عمل اليوم والليلة لابن السني (أنّ عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما خدرت رجله) بفتح معجمة وكسر مهملة أي فترت عن الحركة وضعفت باجتماع عصبها من جهة كسل وفتور أصابها كأنها رجل ناعس ولم يذهب ما بها (فَقِيلَ لَهُ اذْكُرْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيْكَ يَزُلْ عنك) بضم الزاء أي يزول عنك هذا الانقباض بسبب ما يترتب على ذكر المحبوب من الانبساط (فصاح) أي فنادى بأعلى صوته (يا محمّداه) بسكون الهاء للندبة وكأنه رضي الله تعالى عنه قصد به اظهار المحبة في ضمن الاستغاثة (فانتشرت) أي رجله في الفور (ولمّا احتضر بلال رضي الله تعالى عنه) بصيغة المفعول أي حضرته الوفاة وقاربه الممات (نادت امرأته) وهي صحابية على ما ذكره الذهبي في آخر النساء من التجريد ما لفظه زوجة بلال أتاها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فسأل عن بلال اثمه بلال (واحزناه) بضم حاء فسكون زاء ويجوز فتحهما وتصحف على الدلجي وضبط بفتح الحاء والراء وبالموحدة بدل النون قال وهو في الأصل النهب والسلب فكأنها لفجعها وحزنها بموته قد نهبت وسلبت (فقال) أي بلال (واطرباه) أي فرحاه وهو يؤيد ما قدمناه معنى وإن كان أنسب لما قاله الدلجي مبنى وفي نسخة بل وأطرباه بصريح الاضراب للابطال ثم رجز مناسبا للحال واستدلالا لذلك المقال (ألقى غدا) ويروى نلقى (الأحبة) بالهاء وقفا (محمّدا وصحبه) وفي نسخة صحيحة وحزبه وقد روي عن عمار أيضا أنه قال بصفين.
[ ٢ / ٤٣ ]
الآن ألقى الأحبة محمدا ثم حزبه
(ويروى أنّ امرأة) وفي نسخة ويروى عن امرأة وفي حاشية الحلبي أن امرأة هاشم قال ولا أعرفها (قالت لعائشة رضي الله تعالى عنها اكشفي لي) أي بيني لي وأريني (قبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فكشفته لها) أي بكشف الستارة عنه لأجلها (فبكت حتّى ماتت) أي حزنا على فراقه أو شوقا إلى لقائه (ولمّا أخرج أهل مكّة) أي كفارهم كما رواه البيهقي عن عروة (زيد بن الدّثنة) بدال مهملة مفتوحة فمثلثة مكسورة وتسكن فنون مفتوحة مخففة فهاء تأنيث بياضي خزرجي بدري أحدي (من الحرم) متعلق بأخرج (ليقتلوه) أي صبرا وكان قد أسر مع خبيب يوم الرجيع فباعوهما بمكة (قال له) أي لزيد (أبو سفيان بن حرب) أي ابن أمية وهو أبو معاوية أسلم عام الفتح وهذا الكلام قبل الإسلام (أنشدك الله تعالى) بضم الشين أي اسألك الله واذكرك به أو أقسم عليك به وفي نسخة صحيحة أنشدك بالله (يَا زَيْدُ أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الْآنَ عِنْدَنَا مكانك) أي يكون في مكانك ومهانتك (يضرب عنقه) بصيغة المجهول والعنق بضمتين وبضم فسكون وكصرد الجيد ويؤنث (وأنّك) وفي نسخة وأنت (في أهلك) أي والحال أنك تكون فيما بين أهلك وطول أملك (فَقَالَ زَيْدٌ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الآن في مكانه الّذي هو فيه) أي مع كمال أمنه وعزته (تصيبه شوكة) أي فضلا عن أن يصيبه محنة فوقها (وإنّي) وفي نسخة وأنا (جالس في أهلي) ولعله ذكره لمقابلة كلام أبي سفيان لا أنه حال مقيدة في هذا الشأن بل الأنسب للمبالغة أن يقول وأنا في هذه الحال فكيف إذا كنت فيما بين أهلي ومالي من المنال والمعنى أن ما أصابني في طريقه من المحنة لم ينقص لي شيئا في حقه من المحبة (فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ مَا رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ أحدا) أي من الأتباع (يحبّ أحدا) أي من المتبوعين (كحبّ أصحاب محمّد محمّدا) أي احتراما مؤكدا واحتشاما مؤبدا قال الحلبي ما ذكره القاضي قاله ابن إسحاق ونقل أبو الفتح اليعمري في سيرته الكبيرة ذلك عن ابن إسحاق وذكر عن ابن عقبة أن الذي قيل له اتحب أن محمدا مكانك هو خبيب بن عدي حين رفع على الخشبة فقال لا والله فضحكوا منه انتهى ولا منع من الجمع كما لا يخفى (وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما) فيما رواه ابن جرير والبزار عنه (قال كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي مهاجرة إليه في المدينة السكينة (حلّفها بالله ما خرجت) أي هي من أرضها إليه (من بغض زوج) أي من أجل كراهة زوج لها (ولا رغبة) بالنصب عطفا على محل الجار والمجرور والمراد بها العلة وبالجر عطفا على المجرور أي ولا من أجل الميل (بأرض) أي في بلدة (عن أرض) أي انصرافا عن بلدة لقلة رغبة فيها (وما خرجت) أي عن أرضها (إِلَّا حُبًّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَوَقَفَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما) فيما رواه ابن سعد (على ابن الزّبير) أي عند جذعه الذي صلبه عليه الحجاج بالمعلاة (بعد قتله) أي عند البيت (فاستغفر) أي ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (له) أي لابن الزبير (وقال كنت والله) وفي نسخة والله كنت (فيما علمت) وفي نسخة ما علمت أي مدة
[ ٢ / ٤٤ ]
علمي بك (صوّاما قوّاما) أي كثير الصيام والقيام (تحبّ الله ورسوله) صلى الله تعالى عليه وسلم.
فصل [في علامات محبته صلى الله تعالى عليه وسلم]
(في علامة محبته صلى الله تعالى عليه وسلم) وفي أصل الدلجي في علامة حبه على أنه مصدر مضاف إلى معموله أي يذكر فيه ما يؤذن بحب غيره له (اعلم أنّه) وفي نسخة أن (من أحبّ شيئا آثره) بالمد أي اختاره على نفسه (وآثر موافقته) على مخالفته (وإلّا) أي وإن لم يؤثرها (لم يكن صادقا في حبّه) أي في مودته (وكان مدّعيا) أي في محبته وكان كما قيل
وكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
(فالصّادق في حبّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَظْهَرُ عَلَامَةُ ذَلِكَ عَلَيْهِ) أي دلالة الحب لديه (وأوّلها) أي أول علاماته وأسبق دلالاته (الاقتداء به) أي في ملته (واستعمال سنّته) أي في طريقته (واتّباع أقواله وأفعاله) أي في جميع أحواله (وامتثال أوامره) أي وجوبا وندبا (واجتناب نواهيه) أي حرمة وكراهة (والتّأدّب بآدابه) أي في جميع أبوابه من مكارم شمائله ومحاسن فضائله (في عسره ويسره) أي في وقت ضره وشكره على صعوبة أمره وسهولته ومحنته ونعمته وجوعه وشبعه وبلائه ورخائه وقبضه وبسطه ومحوه وصحوه وفنائه وبقائه (ومنشطه ومكرهه) بفتح أولهما وثالثهما مصدران بمعنى النشاط والكراهة أو اسما زمان أي في حال سعته وضيقه أو حال رضاه وغضبه أو وقت فرحه وحزنه أو زمن انشراح صدره أو انقباض أمره (وشاهد هذا) أي دليل ما ذكر كله (قوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ) أي تريدون طاعته أو تدعون محبته (فَاتَّبِعُونِي) أي في طريقته (يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١] يثبكم عليه ويقربكم إليه وتمامه قوله تعالى وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ أي يتجاوز عما فرط من عيوبكم (وإيثار ما شرعه) أي وشاهده أيضا تقديم ما أظهره واختيار ما بينه من وجوب ومندوب ومحظور ومكروه ومباح ونحوه (وحضّ عليه) أي وإيثار ما حث وحرض على فعله أو تركه (على هوى نفسه) أي على ما تميل إليه نفس المحب (وموافقة شهوته قال الله تعالى) أي في مدح الأنصار من جهة الإيثار الذي هو في الجملة من شين الأبرار وسمة الأحرار (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ) أي اتخذوا المدينة منزلا والإيمان منزلة ومحملا والمعنى لزموهما ولم يفارقوهما (مِنْ قَبْلِهِمْ) أي من قبل نزول المهاجرين عليهم (يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ) ولا يثقل أحد من قريش ولا غيرهم عليه و(وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ) كذا في النسخ المصححة وفق الآية ووقع في أصل الدلجي في أنفسهم فقال صوابه في صدورهم (حاجَةً) أي حزازة (مِمَّا أُوتُوا) أي لم يخطر ببالهم ما تطمح به نفوسهم إلى ما أعطي المهاجرون وغيرهم من فيء وغيره (وَيُؤْثِرُونَ) أي يقدمون المهاجرين وغيرهم (عَلى أَنْفُسِهِمْ) في محبة الله ورسوله (وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ)
[ ٢ / ٤٥ ]
[الحشر: ٩] أي مجاعة وشدة حاجة حتى أن من كان عنده داران أو بستانان ترك أحسنهما للمهاجرين ومن كان عنده امرأتان نزل عن إحدى زوجتيه التي كانت أكرمهما لديه وزوجها بأحدهم بين يديه هذا وسبب نزول الآية أنه ﵊ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا إلّا ثلاثة محاويج أبا دجانة سماك بن خراشة وسهل ابن حنيف والحارث بن الصمة وقال لبقية الأنصار إن شئتم شركتكم في هذا الفيء معهم وقسمتم لهم من دياركم وأموالكم وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولا تأخذوا منه شيئا فقالوا بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالفيء علينا ولا نشاركهم فيه أصلا (وإسخاط العباد) أي وشاهدوا أيضا إسخاط العباد (في رضى الله تعالى) أي في تحصيل رضاه فمن ارضاه تعالى بسخط عباده رضي عنه وأرضى عنه العباد ومن أرضاهم بسخطه سخط عليه وأسخطهم عليه كما ورد به حديث هذا مبناه أو معناه (حدّثنا القاضي أبو عليّ الحافظ) وهو ابن سكرة (ثنا) أي حَدَّثَنَا (أَبُو الْحُسَيْنِ الصَّيْرَفِيُّ وَأَبُو الْفَضْلِ بْنُ خيرون) بخاء معجمة مفتوحة وتحتية ساكنة وراء مضمومة وهو غير منصرف في النسخ المصححة (قالا) أي كلاهما (ثنا) أي حدثنا (أبو يعلى البغداديّ) ويقال له ابن زوج الحرة (ثنا) أي حدثنا (أبو عليّ السّنجي) بكسر السين وسكون النون والجيم (ثنا) أي حدثنا (محمّد بن محبوب) ويروى أحمد بن محبوب (ثنا) أي حدثنا (أبو عيسى) أي الترمذي الإمام (ثنا) أي حدثنا (مسلم بن حاتم) أي الأنصاري إمام جامع البصرة وثقه الترمذي وغيره (ثنا) أي حدثنا (محمّد بن عبد الله الأنصاري) قاضي البصرة يروي عن حميد وابن عوف وطبقتهما وعنه البخاري وأحمد وابن معين وخلائق أخرج له الأئمة الستة (عن أبيه) أي عبد الله بن المثنى ابن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري يروي عن عمومته والحسن وجماعة وعنه طائفة قال أبو حاتم صالح ووثقه وغيره وقال النسائي ليس بالقوي وقال أبو داود لا أخرج حديثه لكن أخرج له البخاري والترمذي وابن ماجه (عن عليّ بن زيد) أي ابن جدعان التيمي البصري الضرير تابعي أحد الحافظ وليس بالثبت وقال منصور بن زادان لما مات الحسن قلنا لابن جدعان اجلس مجلسه أخرج له مسلم متابعة (عن سعيد بن المسيّب) تقدم ذكره (قَالَ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم يا بنيّ) بكسر الياء المشددة وفتحها لغتان وقراءتان متواترتان وهو تصغير شفقة (إن قدرت أن تصبح وتمسي) أي تدخل في الصباح والمساء أو يمر عليك النهار والليل (ليس في قلبك غشّ) أي حقد وحسد (لأحد) أي من المسلمين جملة حالية معترضة (فافعل) أي كن ثابتا على هذا العمل فإن من غشنا فليس منا على ما ورد (ثمّ قال لي: يا بنيّ وذلك) أي هذا المقام (من سنّتي) أي من طريقتي (ومن أحيا سنّتي) أي بالعمل بها أو بانتشارها في تعلمها وتعليمها ويروى ومن أحب سنتي (فقد أحبّني) أي بالغ في حبي (ومن أحبّني) أي بالمبالغة (كان معي في الجنّة) أي في درجة أرباب المحبة وأصحاب القربة (فمن اتّصف بهذه الصّفة)
[ ٢ / ٤٦ ]
الظاهر بهذه الصفات التي هي علامات المحبة أو المراد بهذه الصفة إحياء السنة وأمثالها من أنواع الموافقة والمتابعة الصادقة (فهو كامل المحبّة لله تعالى) أي أصالة (ولرسوله) أي تبعا (ومن خالفها) أي هذه الصفات (في بعض هذه الأمور) أي المذكورة (فهو ناقص المحبّة ولا يخرج) أي ولكن لا يخرج مع هذا (عن اسمها) أي عن اسم المحبة فيجوز إطلاق المحب عليه في الجملة (ودليله) أي ودليل عدم خروج ناقص المحبة عن أصل المحبة (قوله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي كما في حديث البخاري عن عمر رضي الله تعالى عنه (للّذي حدّه في الخمر) أي لأجله وفي حقه وهو عبد الله الملقب بالحمار كذا وقع في صحيح البخاري وهو صاحب مزاح كان يهدي للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويضحكه (فلعنه بعضهم) وفي صحيح البخاري فقال بعض القوم أخزاك الله تعالى قال بعض الحفاظ القائل به هو عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه رواه البيهقي وفي رواية له فقال رجل من القوم اللهم العنه (وقال) أي ذلك البعض تعليلا لطعنه ولعنه (مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ ورسوله) وفي كلام الدمياطي في حواشيه على البخاري أن هذا وهم منه فإن صاحب القصة نعيمان تصغير نعمان بن عمرو بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن غنم بن مالك بن النجار شهد العقبة مع السبعين وبدرا واحدا والخندق وسائر المشاهد وأتي به في شرب الخمر إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فجلده أربعا أو خمسا فقال رجل من القوم اللهم العنه ما أكثر ما يشرب وأكثر ما يجلد فقال ﵊ لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله وكان صاحب مزاح انتهى وقال الواقدي بقي نعيمان حتى توفي أيام معاوية وكان كثير المزاح يضحك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من مزاحه انتهى ومما يحكى عن نعيمان هذا أنه كان لا يدخل في المدينة طرفة أو تحفة إلّا اشترى وجاء بها إليه صلى الله تعالى عليه وسلم ويقول أهديته لك فإذا جاء صاحبه يطالبه بثمنه جاء به إلى النبي ﵊ وقال يا رسول الله أعطه ثمن متاعه فيقول النبي ﵊ أو لم تهده فيقول يا رسول الله لم يكن والله عندي ثمنه وأحببت أن تأكله فيضحك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويأمر لصاحبه بثمنه وفي هذا الحديث بشارة عظيمة وإشارة جسيمة لعصاة المؤمنين وحجة واضحة وبينة لائحة لأهل السنة والجماعة على الخوارج والمعتزلة حيث قالوا يكفر من فعل كبيرة أو هي مخرجة له من الإيمان ولا تدخله في الكفر فيثبتون لصاحبها منزلة بين المنزلتين ويقولون بتخليده في النار (ومن علامات محبّة النبيّ) أي محبته للنبي (صلى الله تعالى عليه وسلم كثرة ذكره له) أي في الحالات والأوقات (فمن أحبّ شيئا أكثر من ذكره) أي وصرف إليه غالب فكره وقوله من أحب شيئا أكثر من ذكره حديث رواه الديلمي في مسند الفردوس عن عائشة رضي الله تعالى عنها (ومنها) أي من علامات محبته عليه ﵊ (كثرة شوقه إلى لقائه) أي إلى مشاهدة طلعة ذاته في دار بقائه (فكلّ حبيب) أي محب (يحبّ لقاء حبيبه) أي محبوبه
[ ٢ / ٤٧ ]
والجملة كالعلة لما قبلها (وفي حديث الأشعريّين) أي أبي موسى وأصحابه (عند قدومهم المدينة) أي من اليمن أو الحبشة (أنّهم كانوا يرتجزون) أي يقولون هذا الرجز قبل حصول الصحبة ووصول القربة (غدا نلقى الأحبّة) جمع حبيب فعيل بمعنى مفعول (محمدا وصحبه) ويروى وحزبه والمراد بالرجز هنا الشعر الذي يشبه الرجز إذ ليس هذا من بحر الرجز المعروف فإنه بفتحتين ضرب من الشعر وزنه مستفعلن ست مرات سمي لتقارب أجزائه وقلة حروفه وزعم الخليل أنه ليس بشعر وإنما هو انصاف من أبيات وأثلاث (وتقدّم قول بلال) أي انشاده هذا الرجز عند موته شوقا إلى لقائه (ومثله قال عمّار قبل قتله) وفي نسخة وكما قال عمار أي ابن ياسر أبو اليقظان العبسي من السابقين المعذبين في الله البدريين وكان معذبا بالنار في أيدي المشركين وكان ﵊ يمر به فيمر يده عليه ويقول يا نار كوني بردا وسلاما على عمار كما كنت على إبراهيم روى عنه علي وابن عباس وغيرهما قتل بصفين مع علي عن ثلاث وتسعين من عمره وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم له تقتلك الفئة الباغية وقتله أبو الغادية واسمه يسار بن سبع سكن الشام ونزل واسط وعداده في الشاميين أدرك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو غلام وسمع منه قوله لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض وكان محبا لعثمان رضي الله تعالى عنه وكان إذا استأذن على معاوية يقول قاتل عمار بالباب أخرج له أحمد في المسند (وما ذكرناه) أي وتقدم أيضا ما ذكرناه (من قصّة خالد بن معدان) وفي نسخة في قصة خالد بن معدان (ومن علاماته) أي ومن دلالة شوق المحب إلى لقاء محبوبه (مع كثرة ذكره تعظيمه له) أي لذاته أو لأمره (وتوقيره) أي له كما في نسخة (عند ذكره) أي تنويها لرفعة محله (وإظهار الخضوع) وفي نسخة وإظهاره الخضوع وفي نسخة الخشوع بدل الخضوع والمعنى بهما التواضع والتذلل ظاهرا وباطنا (والانكسار) أي بوصف الافتقار وفي نسخة الانكماش أي الانقباض والاجتماع (مع سماع اسمه) أي حين سماع اسمه أو وصفه (قال إسحاق) وفي نسخة أبو إسحاق (التّجيبيّ) بضم التاء الفوقية وتفتح وقيل هو الأصح وبكسر الجيم نسبة إلى تجيب بطن من كندة منهم كنانة بن بشر التجيبي قاتل عثمان رضي الله تعالى عنه وتجوب قبيلة من حمير منهم ابن ملجم قاتل علي كرم الله تعالى وجهه (كان أصحاب النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بعده) أي بعد وفاته (لا يذكرونه) أي في حال من الأحوال (إلّا خشعوا) أي خضعوا وتذللوا (واقشعرّت جلودهم) أي انقبضت لحسرتهم عليه (وبكوا) أي لفراقه شوقا إليه (وكذلك) أي ومثل أصحابه في ذلك (كثير من التّابعين منهم) في نسخة كان منهم (من يفعل ذلك) أي يخشع ويقشعر ويبكي (محبّة له وشوقا إليه، ومنهم) أي من التابعين أو من الصحابة والاتباع أجمعين (من يفعله) أي ما ذكر من الخشوع والاقشعرار والبكاء (تهيّبا) أي مهابة (وتوقيرا) أي إجلالا وعظمة والحاصل أن بعضهم كانت المحبة غالبة عليهم وبعضهم كانت المخافة ظاهرة لديهم وهما مقامان شريفان لطائفتين من الصوفية السنية لكن مقام
[ ٢ / ٤٨ ]
الرجاء والمحبة أفضل من مقام الخوف والهيبة بالنسبة إلى المنتهين وعكسه بالإضافة إلى المبتدئين ويسمى الأولون بالطيارين والآخرون بالسيارين ثم هذه الأوصاف المحمودة كلها مقتبسة من قوله تعالى في مدح المؤمنين الموقنين حيث قال تعالى أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ إلى أن قال تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ الآية فذكر الله وذكر رسوله متلازمان في حصول كل واحد ووصوله (ومنها) أي ومن علامات محبة الإنسان للنبي ﵊ (محبّته لمن أحبّ النّبيّ) بالرفع أي أحبه النبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) ويجوز أن ينصب كما في نسخة وهو المعنى الأعم الأتم لكن الأول هو المناسب لسياق الكلام والله تعالى أعلم ولذا عطف عليه بقوله (ومن) أي ولمن (هو بنسبه) أي بسبب نسبه ونسبته وفي نسخة نسبه أي منسوبه (من آل بيته) أي أهل بيته وفي أصل الحجازي بنون وشين معجمة وموحدة (وَصَحَابَتِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَعَدَاوَةُ مَنْ عَادَاهُمْ) أي تجاوز الحد الشرعي في حقهم من الكفار (وبغض من أبغضهم) أي كرههم وقلاهم من الفجار (وسبّهم) أي وبغض من شتمهم من كلاب أهل النار (فمن أحبّ شيئا) أي أحدا (أحبّ من يحبّ) وفي نسخة من يحبه أي ذلك المحبوب ويبغض من يبغضه (وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم) كما في البخاري وغيره (في الحسن والحسين) أي في حقهما وشأنهما (اللهمّ إنّي أحبّهما فأحبّهما) أي زد لهما الهدى والتوفيق في الدنيا وحسن المثوبة ورفعة الدرجة في العقبى (وقال) أي في رواية (من أحبّهما فقد أحبّني) أي فكأنه أحبني (ومن أحبّني) حقيقة (فقد أحبّ الله تعالى ومن أبغضهما فقد أبغضني) أي فكأنه أبغضني (ومن أبغضني) حقيقة (فقد أبغض الله تعالى) أي ومن أبغض الله فقد كفر بالله (وفي رواية) أي أخرى (في الحسن) أي قال في حق الحسن وحده (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ وَقَالَ) أي في رواية الترمذي (الله الله) بالنصب فيهما أي اتقوه واحذروه (في أصحابي) ولا تذكروهم بسوء فإنهم أحبابي (لا تتّخذوهم غرضا) بمعجمتين أي هدفا ترمونهم بما لا يليق من الكلام كما يرمى الهدف بالسهام وفي نسخة عرضا بالعين المهملة والظاهر أنه تصحيف (بعدي) أي في غيبتي أيام حياتي أو بعد مماتي (فمن أحبّهم فبحبّي) أي فبسبب حبه إياي أو حبي إياهم (أحبّهم ومن أبغضهم فببغضي) أي فبسبب بغضه إياي (أبغضهم) ومن هنا قول بعض المالكية من سبهم قتل (ومن آذاهم) أي بما يسوؤهم (فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تعالى) أي خالفه وكره الله فعله (ومن آذى الله يوشك) أي يقرب ويسرع (أن يأخذه) أي الله تعالى كما في نسخة ولعل الحديث مقتبس من قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (وقال) أي كما رواه البخاري وغيره (في فاطمة) أي في شأنها (أنّها بضعة) بفتح الموحدة وتكسر أي جزء وقطعة (منّي) أي من لحمي ودمي (يغضبني ما أغضبها) وفي نسخة ما يغضبها وقد
[ ٢ / ٤٩ ]
ورد هذا الحديث حين خطب علي رضي الله تعالى عنه جويرية ابنة عدو الله أبي جهل على فاطمة رضي الله تعالى عنها قال مسرور بن مخرمة سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول وهو على المنبر إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن ثم لا آذن إلّا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما هي بضعة مني فمن أبغضها أبغضني فهذا من خصوصياتها (وقال) أي في رواية (لعائشة رضي الله تعالى عنها في أسامة بن زيد) أي في حقه (أحبّيه فإنّي أحبّه) وقد ورد أنه أراد ﵊ أن ينحي مخاط أسامة فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها دعني حتى أنا الذي أفعل قال يا عائشة أحبيه فإني أحبه (وقال) كما في الصحيحين (آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُهُمْ) أي علامة كمال إيمان من آمن أو علامة نفس إيمانه حبهم ويؤيده ظاهر الحديث وحديث لا يحبهم إلّا مؤمن ولا يبغضهم إلّا منافق ولعل وجه تخصيصهم أنهم كانوا مختلطين فيما بين المنافقين والمخلصين أو للإشعار بأن حكم المهاجرين أولى بذلك كما يشير إليه قوله ﵊ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار إيماء إلى جلالة رتبة الهجرة وأنه ﵊ نبي مهاجر من المهاجرين وقد جاء بطريق العموم حب العرب إيمان وبغضهم نفاق كما رواه الحاكم في مستدركه عن أنس رضي الله تعالى عنه (وفي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما) أي كما تقدم (مَنْ أَحَبَّ الْعَرَبَ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فببغضي أبغضهم) ظاهر مبناه اخبار ولا يبعد أن يكون معناه انشاء أي من أحبهم فينبغي أن يكون بسبب حبي لهم أحبهم حيث يكونون صالحين وكذا البغض إذا كانوا طالحين لما ورد عنه ﵊ من أحب لله وأبغض لله فقد استكمل إيمانه وفي رواية حب قريش إيمان وبغضهم كفر وحب الأنصار من الإيمان وبغضهم كفر فمن أحب العرب أي جنسهم والمراد مؤمنوهم أو متقوهم فقد أحبني ومن أبغض العرب فقد أبغضني رواه الطبراني في الأوسط عن أنس رضي الله تعالى عنه وروى ابن عساكر عن جابر مرفوعا حب أبي بكر وعمر من الإيمان وبغضهما كفر وحب الأنصار من الإيمان وبغضهم كفر وحب العرب من الإيمان وبغضهم كفر ومن سب أصحابي فعليه لعنة الله ومن حفظني فيهم فأنا أحفظه يوم القيامة والأحاديث كثيرة في هذا الباب وبالجملة فيجب على كل أحد أن يحب أهل بيت النبوة وجميع الصحابة من العرب والعجم لا سيما جنسه ﵊ ولا يكون من الخوارج في بغض أهل البيت فإنه لا ينفعه حينئذ حب الصحابة ولا من الرافض في بغض الصحابة فإنه لا ينفعه حينئذ حب أهل البيت ولا يكون من جملة الجهلاء العوام حيث يكرهون العرب بالطبع الملام ويذمونهم على الإطلاق بسوء الكلام فإنه يخشى عليهم من سوء الختام (فَبِالْحَقِيقَةِ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَحَبَّ كُلَّ شَيْءٍ يحبّه) أي يحب ذلك الشيء وهذا أظهر (وهذه) أي الطريقة الموافقة للحقيقة (سيرة السّلف) أي سمة الصحابة والتابعين في حبهم ما أحبه ﵊
[ ٢ / ٥٠ ]
في جميع الحالات (حتّى في المباحات وشهوات النّفس) أي فيحبون ما اشتهاه ويتكلمون بمقتضاه ويكلفون أنفسهم بموافقة ما يهواه مبالغة في طاعة مولاه (وقد قال أنس رضي الله تعالى عنه حين رأى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يتتبّع الدّبّاء) بالمد ويقصر أي يطلبه (من حوالى القصعة) بفتح اللام والقاف أي من أطرافها لكمال محبته له (فما زلت) أي ما دمت وعشت (أحبّ الدّبّاء من يومئذ) بفتح الميم وكسرها أي من حين رأيته يتتبعه ويأكل حبا له لحبه ﵊ إياه وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه ما صنع لي طعام ويوجد الدباء إلّا وقد جعل فيه وقد روي في مجلس أبي يوسف أنه ﵊ كان يحب الدباء فقال رجل أنا ما أحب الدباء فسل له السيف وقال جدد الإسلام وإلّا قتلتك نظرا إلى ظاهر معارضته له ﵊ (فهذا الحسن بن علي وعبد الله ابن عباس وابن جعفر رضي الله تعالى عنهم) أي ابن أبي طالب (أتوا سلمى) أي خادمته صلى الله تعالى عليه وسلم ومولاة له أو مولاة عمته صفية زوجة أبي رافع قابلة ابنه إبراهيم وداية ابنته فاطمة وغاسلتها مع أسماء بنت عميس قال الحلبي في الصحابيات وسلمى غير هذه خمس عشرة امرأة وإنما يدل على أنها المراد هنا ما أخرجه الترمذي في الشمائل بسنده عنها أنهم أتوها (وَسَأَلُوهَا أَنْ تَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامًا مِمَّا كَانَ يعجب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي يشتهيه ويستحسن أكله فقالت يا بني لا تشتهيه اليوم قال بلى اصنعيه لنا فقامت وأخذت شيئا من الشعير فطحنته ثم جعلته في قدر وصبت عليه شيئا من الزيت ودقت الفلفل والتوابل فقربته فقالت هذا مما كان يعجب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويستحسن أكله (وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما) على ما في الصحيحين وأما ما وقع في أصل الدلجي من ابن عباس بدل ابن عمر فليس في محله (يلبس) بفتح الموحدة (النّعال السّبتيّة) بكسر السين نسبة إلى السبت وهو جلد البقر المدبوغ بالقرظ وهو ورق السمر وقيل صمغه يتخذ منه النعال سميت بذلك لأن شعرها قد سبت عنها أي أزيل وقيل منسوبة إلى موضع يقال له سوق السبت بالكسر (ويصبغ) بتثليث الموحدة وضمها أشهر (بالصّفرة) أي بالحناء (إذ رأى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يفعل ذلك) أي مثل ما ذكر من لبس النعال السبتية وصبغ اللحية بالصفرة لكمال المتابعة في الهيئة الموافقة من الكمية والكيفية (ومنها) أي من علامات محبته ﵊ (بغض من أبغض الله ورسوله) بالنصب في النسخ المصححة أي من أبغضهما ووقع في أصل الدلجي بالرفع فقال أي من ابغضاه والأول أيضا قد نص عليه الحلبي وهو الأظهر فتدبر لأن بغض الله تعالى للعبد إرادة عقابه وإيقاع الهوان به وهذا غير معلوم لنا بخلاف من ظهر منه بغضهما كأبي لهب وأبي جهل ونحوهما واسم الله للتزيين وللإشعار بأن من أبغض رسوله فقد أبغضه وإلّا فلا يوجد في العالم من أبغض الله تعالى فكل يدعي محبته إلا أن أكثرهم أخطأوا طريق ما يقتضي مودته ولذا اكتفى بضميره ﵊ في قوله (ومعاداة من عاداه) أي من اتخذه عليه
[ ٢ / ٥١ ]
الصلاة والسلام عدوا (ومجانبة من خالف سنّته) أي طريقته أي عمل بغيرها (وابتدع في دينه) أي أظهر البدع في سبيله (واستثقاله) أي عد المؤمن المحب ثقيلا (كلّ أمر) أي من قول أو فعل أو حال ويروى واستثقال كُلَّ أَمْرٍ (يُخَالِفُ شَرِيعَتَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) أي اعلاما بما ذكر من كمال محبته (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي يكملون في الإيمان بحسب الباطن والظاهر (يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [المجادلة: ٢٢] أي يحابون ويصادقون من خالفهما والمعنى أنه لا ينبغي أن يكون هذا الأمر بل حقه أن يمتنع مبالغة في النهي عنه بمجانبة أعدائهما (ولو كانوا آباءهم) أي أصولهم (أو أبناءهم) أي فروعهم (أو إخوانهم) أي أقرانهم (أو عشيرتهم) أي أقاربهم وأهل صحبتهم وهو تعميم بعد تخصيص (وهؤلاء) أي المؤمنون بالله واليوم الآخر حقا (أصحابه) أي عدلا وصدقا (قد قتلوا أحبّاءهم) أي أحبابهم وأصحابهم (وقاتلوا آباءهم وأبناءهم في مرضاته) أي في سبيل رضى الله ورسوله روي عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن الآية عني بها جماعة من الصحابة فقوله ولو كانوا آباءهم يريد أبا عبيدة قتل أباه يوم أحد أو أبناءهم يريد أبا بكر رضي الله تعالى عنه لأنه دعا ابنه للبراز يوم بدر فأمره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يقعد أو إخوانهم يريد مصعب بن عمير لأنه قتل أخاه يوم أحد أو عشيرتهم يريد عليا ونحوه ممن قتلوا عشائرهم كذا في مبهمات القرآن لشيخ مشايخنا الجلال السيوطي وقد قتل عمر خاله العاص بن هشام يوم بدر على ما نقله الدلجي (وقال له) أي للنبي ﵊ (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ) وكان أبوه علم النفاق ورأس الكفر ورئيس الشقاق وهو من أكابر أهل الوفاق (لو شئت) لو أردت وأمرت بقتله (لأتيتك برأسه يعني) أي يريد بضميره (أباه) أي عبد الله والحديث رواه البخاري وقال ذلك لما هموا بأبيه حين بلغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الأذل وعنى بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأتى ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقال يا رسول الله بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي لما بلغك عنه فإن كنت فاعلا فمرني به وأنا أحمل إليك رأسه فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالديه مني وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتل فلا تدعني نفسي أن انظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فاقتله فاقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بل نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا استشهد عبد الله ﵁ يوم اليمامة في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه سنة اثنتي عشرة روى عنه أبو هريرة وعائشة رضي الله تعالى عنهما وغيرهما (ومنها) أي من علامات محبته ﵊ (أَنْ يُحِبَّ الْقُرْآنَ الَّذِي أَتَى بِهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم وهدى به) أي بسببه الأنام (واهتدى) أي في نفسه بأخلاق الكرام (وتخلّق به) أي اتخذه خلقا في جميع الأحكام (حتّى قالت عائشة رضي الله تعالى عنها) أي في تفسير قوله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (كان خلقه القرآن) أي كان ممتثلا
[ ٢ / ٥٢ ]
بأوامره ومنتهيا عن زواجره ومتمسكا بآدابه وما اشتمل عليه من مكارم أخلاقه نحو قوله تعالى خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ وأمثاله (وحبّه القرآن) أي علامة حبه له (تلاوته) أي دوام قراءته (والعمل به) والأنسب ما في نسخة من تأخيره عن قوله (وتفهّمه) أي طلب فهمه في مواعظه وقصصه ووعده ووعيده وبيان أحوال أنبيائه وأوليائه وعاقبة أعدائه (ويحبّ) أي وأن يحب (سنّته) أي أحاديثه (ويقف عند حدودها) أي أوامرها ونواهيها (قال سهل بن عبد الله) التستري (عَلَامَةُ حُبِّ اللَّهِ حُبُّ الْقُرْآنِ وَعَلَامَةُ حُبِّ القرآن حبّ النّبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَامَةُ حُبِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم حبّ السّنّة) أي حب أحاديثه وأخباره وأحواله وسيره وآثاره (وعلامة حبّ السّنّة) أي بعد علمها وفهمها (حبّ الآخرة) إذ أقل العلم معرفة أن الدنيا فانية والآخرة باقية ونتيجته أن يعرض عن الدنيا ويقبل على العقبى وهذا معنى قوله (وعلامة حبّ الآخرة بغض الدّنيا) لأنهما لا يجتمعان لقوله ﵊ من أحب آخرته أضر بدنياه ومن أحب دنياه أضر بآخرته فآثروا ما يبقى على ما يفنى وقد شبهتا بالضرتين وبالكفتين (وعلامة بغض الدّنيا أن لا يدّخر منها) أي لا يأخذ ولا يمسك منه (إلّا زادا) أي قدر ما يتزود به (وبلغة) بضم فسكون أي مقدار ما يبلغه (إلى الآخرة) فإن تحصيل الزيادة على قدر الضرورة وبال وحسرة فإن حلالها حساب وحرامها عقاب والاشتغال بها حجاب وفي أصل الحجازي زاد وبلغة بالرفع فيقرأ لا يدخر مجهولا (وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لا يسأل أحد عن نفسه) أي عن طيب حالها وخبث مآلها (إلّا القرآن) فإنه ميزان الإنسان للعدل والإحسان (فإن كان يحبّ القرآن) أي تلاوته ومتابعته (فهو يحبّ الله ورسوله) أي ومن يحبهما فهما يحبانه أيضا والمعنى أنه لا ينبغي لأحد أن يرضى بما في نفسه من الدعوى فإنه كما قيل ما أيسر الدعوة وما أعسر المعنى (ومن علامات حبّه) أي أصل حب المؤمن المحب (للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم شفقته) أي خوفه ومرحمته (على أمّته ونصحه لهم) أي قيامة بنصيحتهم في أمرهم ونهيهم وموعظتهم (وسعيه في مصالحهم) أي الدينية والدنيوية الضرورية (ورفع المضارّ عنهم) أي بعد وقوعها ووصولها وفي نسخة ودفع المضار عنهم أي عند خوف حصولها (كما كان صلى الله تعالى عليه وسلم بالمؤمنين رؤوفا رحيما) والرأفة شدة الرحمة ولعلها كانت مختصة بكمل المؤمنين وعموم الرحمة لعامة المؤمنين مع أنه كان رحمة للعالمين وفيه إشارة إلى حسن المتابعة وكمال الموافقة وإيماء إلى قوله ﵊ تخلقوا بأخلاق الله تعالى والمعنى أن التخلق يكون بقدر التعلق في باب التحقق (ومن علامة تمام محبّته) أي وكمال متابعته (زهد مدّعيها) أي قلة رغبة مدعي محبته ﵊ (في الدّنيا) أي التي هي دار الأكدار ومقام الآلام (وإيثاره) أي اختياره (الفقر) أي قلة المال على كثرته (واتّصافه به) أي بالفقر حال ضرورته ويكون غني القلب في صورته وهذا إنما يكون بإعراضه عنها وتركه الالتفات إليها وعدم الإقبال عليها وسئل الزهري عن الزهد فقال هو إن
[ ٢ / ٥٣ ]
لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره (وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم لأبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه إنّ الفقر إلى من يحبّني منكم) أي حبا بالغا (أسرع من السيل) أي الواقع عند نزوله (من أعلى الوادي أو الجبل) شك من الراوي (إلى أسفله) فإن الله ﷾ ربى أكثر الأصفياء والأولياء بوصف الفقر المؤدي إلى المسكنة والفناء بخلاف الغنى فإنه غالبا يؤدي إلى العجب والغرور والجفاء ويشهد لذلك أنه ﵊ لما عرض عليه ملك الجبال بقوله إن شئت جعل الله لك الأخشبين ذهبا أبي وفي حديث آخر أن ربه عرض عليه أن يجعل له بطحاء مكة ذهبا فقال لا يا رب ولكني أشبع يوما وأجوع يوما فإذا جعت تضرعت إليك وإذا شبعت حمدتك وشكرتك وكأنه ﵊ اختار أن يكون تربيته تارة بوصف الجمال وتارة بنعت الجلال كما هو حال أرباب الكمال (وفي حديث عبد الله بن مغفّل) بتشديد الفاء المفتوحة مزني من أصحاب الشجرة روى عنه الحسن البصري وغيره وتوفي بالبصرة سنة ستين قال الحسن رحمه الله تعالى ما نزل البصرة أشرف منه (قال رجل للنّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّكَ فقال انظر ما تقول) أي تأمل في قولك وتفكر في أمرك فإنك ادعيت دعوى فلا بد من تحقيق مآلها من المعنى ليكون مبنيا على أساس التقوى (قال إني والله) وفي نسخة والله إني (لأحبّك- ثلاث مرّات) أي ذكرها مكررا بالقسم مؤكدا مقررا (قال إن كنت تحبّني) أي حبا كاملا أو إن كنت صادقا في دعوى محبتي اللازم منها كمال متابعتي (فأعدّ) بفتح همزة وكسر عين وتشديد دال مفتوحة ويجوز كسرها أي فهيء (للفقر تجفافا) بكسر الفوقية وسكون الجيم أي اتخذ له عدة ووقاية تقتضي رعاية وتستوجب عناية وتستجلب هداية وأصل التجفاف لبسة للفرس تمنعه السلاح وتقيه الأذى من الجراح وقد يلبسه الإنسان ويروى جلبابا وهو الإزار قال القتيبي معناه أن يرفض الدنيا ويزهد فيها ويصبر على الفقر والتقلل منها وكني بالتجفاف أو الجلباب عن الصبر لأنه يستر الفقر كما يستر البدن وقال ابن الأعرابي أي لفقر الآخرة يعني يعمل عملا لا يكون في الآخرة فقيرا مفلسا حقيرا وعن علي كرم الله وجهه من أحبنا أهل البيت فليعد للفقر جلبابا أو قال تجفافا (ثمّ ذكر) أي النبي ﵊ قاله الدلجي والصواب أي ذكر عبد الله بن مغفل (نحو حديث أبي سعيد بمعناه) أي الذي تقدم قبله وهو قوله ﵊ إن الفقر إلى من يحبني إلى آخره غير أن في حديث عبد الله بن مغفل للفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه.
فصل [في معنى المحبة للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وحقيقتها]
(في معنى المحبة للنبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَقِيقَتِهَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَفْسِيرِ محبة الله تعالى ومحبّة النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي محبة العبد لهما (وكثرت عباراتهم في
[ ٢ / ٥٤ ]
ذلك) أي وتعددت إشاراتهم هنالك (وليست ترجع) أي مقالاتهم (بالحقيقة) أي في الحقيقة كما في نسخة (إلى اختلاف مقال) أي لاتفاق ما فيها في مآل (ولكنّها اختلاف أحوال) كما قال قائل:
عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل إلى ذاك الجمال يشير
(فقال سفيان) أي الثوري أو ابن عيينة (المحبّة اتّباع الرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي علامة محبة العبد لله تعالى أو نتيجة محبة الله تعالى للعبد حسن المتابعة ومداومة الموافقة لصاحب الرسالة وهذا معنى قوله (كأنّه) أي الشأن أو سفيان (التفت) أي في كلامه مشيرا (إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) [آل عمران: ٣١] الآية أي يحببكم الله (وقال بعضهم محبّة الرّسول صلى الله تعالى عليه وسلم اعتقاد نصرته) أي اعتقاد وجوب نصرة دينه وملته (والذّبّ عن سنّته) أي ودفعه عن إماتة سيرته (والانقياد لها) أي لشريعته وفي نسخة له أي لذاته وحقيقته (وهيبة مخالفته) أي خوف مخالفة طريقته بملاحظة عظمته وهذا الكلام أيضا إيماء إلى علامة المحبة أو نتيجة المودة (وقال بعضهم المحبّة دوام الذّكر للمحبوب) «١» وروي ذكر المحبوب أي لما ورد من أن من أحب شيئا أكثر من ذكره حيث لا يذهل المحبوب عن فكره في تمام أمره ودوام دهره (وقال بعضهم المحبّة الشّوق إلى المحبوب) وهذا أقرب في بيان المطلوب (وقال بعضهم المحبّة مواطأة القلب) أي موافقته (لمراد الرّبّ يحبّ ما يحبّ) أي يحب المحب ما يحب المحبوب فالجملة استئنافية وفي نسخة صحيحة ما أحب وفي أخرى بحب بالجار والمجرور على أن الباء لبيان المواطأة وكذا قوله (ويكره ما كره) وفي نسخة ما كره بصيغة الماضي وفي الكشاف محبة العباد الله مجاز عن ارادة نفوسهم اختصاصه بالعبادة دون غيره ورغبتهم فيها ومحبة الله عباده أن يرضى عنهم ويحمد فعلهم (وَقَالَ آخَرُ: الْمَحَبَّةُ مَيْلُ الْقَلْبِ إِلَى مُوَافِقٍ له) أي لقلب المحب من الأمور الحسية النفسية الدنية أو الأحوال المعنوية الدينية وهذا قريب من المحبة الحقيقية (وَأَكْثَرُ الْعِبَارَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِشَارَةٌ إِلَى ثَمَرَاتِ الْمَحَبَّةِ) أي نتائجها (دون حقيقتها وحقيقة المحبّة) أي من حيث هي (هو الميل) أي ميل الجنان (إلى ما يوافق الإنسان) أي بموجب الطبع أو بمقتضي الشرع (وتكون موافقته له) أي ويحصل موافقة القلب للإنسان وميله له (إمّا لاستلذاذه) أي لتلذذ الإنسان (بإدراكه) أي بإدراك ما يميل إليه مما يوافقه بإحدى مشاعره الحسية سواء كانت على وفق الشهوات النفسية أو على طبق اللذات الإنسية (كحبّ الصّور) ويروى الصورة (الجميلة) أي من المبصرات أعم من أن تكون من الحيوانات أو النباتات أو الجمادات حيث وقعت بالأشكال الموزونة (والأصوات الحسنة) أي من
_________________
(١) وقال آخر ايثار المحبوب نسخة.
[ ٢ / ٥٥ ]
المسموعات الواردة على لسان الإنسان أو الطير أو سائر الحيوانات (والأطعمة) أي من المأكولات (والأشربة) أي من المذوقات (اللّذيذة) قيد لهما (وأشباهها) أي كحب الرائحة الطيبة من المشمومات والنعومة واللينة من الملموسات (ممّا كلّ طبع سليم) أي لا قلب سقيم (مائل إليها) أي ومقبل عليها (لموافقتها له) أي بمقتضى طبيعته مع قطع النظر عن موافقة شريعته (أَوْ لِاسْتِلْذَاذِهِ بِإِدْرَاكِهِ بِحَاسَّةِ عَقْلِهِ وَقَلْبِهِ مَعَانِيَ باطنة شريفة) أي مبنية على مباني لطيفة (كحبّ الصّالحين) أي من الأنبياء والأولياء (والعلماء) وكذا الشهداء (وأهل المعروف) أي من الأصفياء (المأثور عنهم السّير الجميلة) أي الأحوال الجليلة (والأفعال الحسنة) أي والأقوال المستحسنة وهذا تعميم بعد تخصيص ليشمل الملوك والأمراء والفقراء والأغنياء (فإنّ طبع الإنسان) أي الكامل في هذا الشأن (مائل إلى الشّغف) بالغين المعجمة وقيل بالمهملة وقرىء بهما قوله تعالى قَدْ شَغَفَها حُبًّا يقال شغفه الحب أي بلغ شغافه وهو غلاف قلبه وهي جلدة رقيقة على القلب كالحجاب دونه والمعنى مائل إلى الحب الذي يخرق شغاف القلب وحجابه حتى يبلغ الفؤاد الذي هو سويداء القلب ومحل المراد (بأمثال هؤلاء) أي الموصوفين بمراتب الثناء (حتّى يبلغ) أي الشغف (بقوم) أي من اتباع عالم أو شيخ أو كريم (التّعصّب لقوم) أي كانوا على ضدهم هو بالنصب علىّ أنه مفعول يبلغ وكذا قوله (والتّشيّع) أي كمال التتّبع ومنه حديث القدرية شيعة الدجال وفي نسخة صحيحة حَتَّى يَبْلُغَ التَّعَصُّبُ بِقَوْمٍ لِقَوْمٍ وَالتَّشَيُّعُ (مِنْ أمّة) أي طائفة (في أخرى) أي في جماعة وفي نسخة في آخرين (ما يؤدّي) أي ما ذكر من التعصيب والتشيع (إلى الجلاء) بالفتح والمد أي الخروج (عن الأوطان وهتك الحرم) بضم ففتح أي قطع ستارة حرمة الذرية والنسوان (واخترام النّفوس) بالخاء المعجمة أي استئصالها باقتطاع الأرواح من الأشباح (أو يكون حبّه إيّاه) أي ميل الإنسان إلى موافقة هواه (لموافقته له من جهة إحسانه له) وفي نسخة إليه (وإنعامه عليه فقد جبلت النّفوس) أي خلقت مجبولة ومطبوعة (على حبّ من أحسن إليها) وفي نسخة من أحسن إليه وفي أخرى له فقد ورد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها رواه ابن عدي وأبو نعيم في الحلية والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وصححه وورد في الدعاء اللهم لا تجعل لفاجر على يدا يحبه قلبي (فإذا تقرّر لك هذا) أي ثبت عندك هذا الكلام (نظرت) أي رأيت (هذه الأسباب) أي أسباب المحبة من الجمال الصوري والكمال المعنوي والإحسان الوفي (كلّها) أي جميعها موجودة ثابتة (في حقّه صلى الله تعالى عليه وسلم فعلمت أنّه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَامِعٌ لِهَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ الْمُوجِبَةِ للمحبّة) أي على وجه التمام (أَمَّا جَمَالُ الصُّورَةِ وَالظَّاهِرِ وَكَمَالُ الْأَخْلَاقِ وَالْبَاطِنِ فقد قرّرنا منها) أي من الشمائل الدالة عليهما والفضائل المشيرة إليهما (قبل) أي قبل هذا الباب فيما سبق من الكتاب (ما لا يحتاج إلى زيادة) أي وكثرة إطناب (وأمّا إحسانه) أي الدنيوي الصوري (وإنعامه) أي الديني والأخروي (على أمّته) أي اتباع ملته (فكذلك قد
[ ٢ / ٥٦ ]
مرّ) ويروى مضى (منه) أي بعضه (في أوصاف الله تعالى) أي فيما أعطاه الله تعالى (له) وأثنى عليه من الصفات الجميلة والنعوت الجليلة (مِنْ رَأْفَتِهِ بِهِمْ وَرَحْمَتِهِ لَهُمْ وَهِدَايَتِهِ إِيَّاهُمْ وشفقته) أي وخوفه (عليهم واستنقاذهم) أي استخلاصهم (به من النّار وأنّه بالمؤمنين رؤوف رحيم) أي بحسب مراتب إيمانهم ومناقب انعامهم (ورحمة للعالمين) أي بجميع أعيانهم (ومبشّرا) بالنصب على الحكاية أو التقدير كان مبشرا للمؤمنين المطيعين بالجنة (ونذيرا) أي مخوفا للعاصين بالعقوبة (وداعيا إلى الله) أي إلى محل قربه (بإذنه) أي بتيسيره وتوفيقه (ويتلو عليهم آياته) أي آيات القرآن المشتملة على معجزاته (ويزكّيهم) أي يطهرهم بنصائح بيناته (ويعلّمهم الكتاب) أي أحكامه الخفية (والحكمة) أي السنة الجلية (ويهديهم إلى صراط مستقيم) أي طريق قويم ودين قديم (فأيّ إحسان أجلّ قدرا وأعظم خطرا) أي أمرا (من إحسانه) ﵊ (إلى جميع المؤمنين) أي خصوصا (وأيّ إفضال) أي اكرام وإقبال (أعمّ منفعة وأكثر فائدة) أي أتم نتيجة (من إنعامه على كافّة المسلمين) أي جميع المنقادين ولو من أهل الذمة والمنافقين (إذ كان) أي النبي ﵊ (ذريعتهم) أي وسيلة أهل الإسلام (إلى الهداية) أي هدايتهم إلى سبل السلام ودلالتهم إلى مقام الكرام (ومنقذهم من العماية) بفتح العين أي ومخلصهم من الغواية ومنجيهم من الضلالة إلى الهداية (وداعيهم إلى الفلاح) أي الفوز والنجاح (والكرامة) أي بحملهم على الصلاح (ووسيلتهم إلى ربّهم) أي إلى تقربهم إليه (وشفيعهم) أي لديه (والمتكلّم عنهم) أي في إلزام الحجة بما يلقي عليه (والشّاهد لهم) أي مزكيهم بالخير (والموجب) أي الطالب وفي نسخة المحب (لهم البقاء الدّائم) أي إلى الأبد (والنّعيم السّرمد) أي المستمر الذي لا نهاية له ولا غاية (فقد استبان) أي ظهر (لك أنّه عليه الصلاة وسلام مستوجب) أي مستحق (للمحبّة الحقيقيّة) أي والمودة العرفية (شرعا) أي وطبعا (بما قدّمناه) ويروى لما مر (من صحيح الآثار) أي وصريح الأخبار المنقولة عن المشايخ الأخيار والعلماء الأحبار (وعادة) أي رسوما عادية (وجبلّة) أي خلقة طبيعية (بما ذكرناه) أي من أن جميع ما يصل إلينا من نعم الدارين فهو من فيض انعامه علينا (آنفا) أي زمانا قريبا وهو بمد الهمزة وقصرها وقد قرىء بهما في السبعة (لإفاضته الإحسان) أي على جميع أفراد الإنسان (وعمومه الإجمال) أي المعاملة بالجميل في جميع الأوقات والأحوال (فإذا كان الإنسان) أي بطبعه (يحبّ من منحه) أي أعطاه عطية من لبن أو غيره من هدية (في دنياه مرّة أو مرّتين) أي ولو على وصف القلة (معروفا) أي ما عرف حسنة شرعا وطبعا وفي الحديث أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في العقبى وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يأتي أصحاب المعروف في الدنيا يوم القيامة فيغفر لهم بمعروفهم وتبقى حسناتهم فيعطونها لمن زادت سيئاته على حسناته فيغفر له ويدخل الجنة فيجتمع لهم الإحسان في الدنيا والآخرة (أو استنفذه) أي استخلصه وفي نسخة انقذه أي انجاه وأخلصه (من هلكة) بفتحتين كان الأولى أن يقال من
[ ٢ / ٥٧ ]
مهلكة (أو مضرّة) أي مما فيه هلاك نفس أو ضرر مال أو تلف حال أو نقصان جاه (مدّة) أي من الزمان قليلة أو كثيرة (التّأذّي بها) أي بالمضرة وكذا بالهلكة (قليل) أي أيامه (منقطع) أي زائل دوامه (فمن منحه) أي أعطى الإنسان (ما لا يبيد) أي ما لا ينفد ولا ينقص (من النّعيم) أي المقيم بجنة طيبة وحالة حسنة ويروى من النعم (ووقاه) أي حفظه وحماه من عَذابَ الْجَحِيمِ وكذا من الماء الحميم (أولى بالحب) أي بالمحبة من غيره وفي نسخة وهي أصل الدلجي فهو أي فهذا المانح الكامل والباعث الكافل أولى ما يحب بصيغة المجهول والظاهر أنه تصحيف (وإذا كان يحبّ) بصيغة المجهول (بالطّبع) أي من غير اختيار الطبيعة بل بحكم أصل الجبلة (ملك) أي من الملوك ولو لم يره ولم يحصل له بره وهو نائب فاعل يحب (لحسن سيرته) أي معاملته في رعيته (أو حاكم) أي أمير أو وزير يحب (لما يؤثر) أي يروى ويخبر (عنه من قوام طريقته) بكسر القاف أي من اعتدال سيرته ونظام عدله في حكومته (أو قاصّ) بمعجمة قال الدلجي أو مهملة أي مشددة أي واعظ ويروى يحب مبنيا للفاعل فتنصب الثلاثة بعده (بعيد الدّار) أي عن من يحبه بالطبع (لما يشاد) بصيغة المجهول من أشاد البناء إذا رفعه أي يشاع ويذاع ويروى لما فشا أي ظهر وانتشر (من علمه) أي المقرون بعلمه (أو كرم شيمته) أي حسن خلقه مع رعيته (فمن جمع هذه الخصال) أي وبل زاد من هذه الأحوال (على غاية مراتب الكمال) جملة في محل نصب على الحال أي مجموعة وليست في بعض النسخ موجودة والمعنى فهو صلى الله تعالى عليه وسلم (أحقّ بالحبّ وأولى بالميل) أي إليه (وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ ﵁ فِي صفته صلى الله تعالى عليه وسلم من رآه بديهة) أي في أول وهلة (هابه) أي توقيرا وتعظيما (ومن خالطه معرفة) تمييز أي علما بكريم خصاله وعميم فعاله (أحبّه) أي حبا عظيما بجماله وكماله صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله.
فصل [في وجوب مناصحته صلى الله تعالى عليه وسلم]
(في وجوب مناصحته صلى الله تعالى عليه وسلم) أي قبول نصحه وخلوص النصح له (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ) أي ليس على الفقراء اثم في ترك الغزاء كمزينة وجهينة وبني عذرة (إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) أي أخلصوا الإيمان بهما والطاعة لهما سرا وعلانية في أمرهما (ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) أي طريق معاقبة ولا معاتبة لإحسانهم في إيمانهم كما يشير إليه وضع الظاهر موضع المضمر والأظهر أن وجه العدول عن الضمير إفادة المعنى الأعم والإيماء إلى أن هذا الحكم لمن دام على هذا الوصف واستحكم والله تعالى أعلم (وَاللَّهُ غَفُورٌ) لهم ولغيرهم (رَحِيمٌ) [التوبة: ٩١] بهم وبأمثالهم (قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) أي معناه (إذا كانوا مخلصين) أي في أفعالهم وأقوالهم (مسلمين في السّرّ والعلانيّة) أي منقادين في جميع أحوالهم (حدّثنا القاضي) وفي
[ ٢ / ٥٨ ]
نسخة صحيحة الفقيه (أبو الوليد بقراءتي عليه ثنا) أي حدثنا (حسين بن محمّد) الظاهر أنه أبو علي الغساني على ما ذكره الحلبي (ثنا) أي حدثنا (يوسف بن عبد الله) وهو حافظ الغرب أبو عمر بن عبد البر (حدّثنا عبد المؤمن) وفي نسخة ابْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمَّارُ) بتشديد الميم (حدّثنا أبو داود) أي صاحب السنن (حدّثنا أحمد بن يونس) وهو أبو عبد الله اليربوعي الحافظ الكوفي يروي عن الثوري وجماعة وعنه الشيخان وطائفة قال أحمد بن حنبل لرجل اخرج إلى أحمد بن يونس فإنه شيخ الإسلام أخرج له أصحاب الكتب الستة قال أبو حاتم كان ثقة متقنا كذا حققه الحلبي وفي نسخة أحمد بن يوسف والظاهر أنه تصحيف (حدّثنا زهير) بالتصغير وهو ابن محمد التميمي المروزي أخرج له الأئمة الستة (حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَطَاءِ بن يزيد) أي الليثي أخرج له أصحاب الكتب الستة (عن تميم الدّاريّ) نسبة إلى جده الدار ويقال له الديري أيضا نسبة إلى دير كان يتعبد فيه قبل الإسلام أسلم سنة تسع من الهجرة وكان نصرانيا قبل ذلك وتوفي سنة أربعين ومن مناقبه الفخام أنه ﵊ روى عنه حديث الجساسة على المنبر كما في آخر صحيح مسلم وفيها رواية الفاضل عن المفضول والتابع عن المتبوع وقبول خبر الواحد وذكر الدارقطني أنه روى عن الشيخين وروي أيضا عن محرز كما في الصحيح وعن امرأة لا استحضر الآن اسمها كما في المسند (قال) أي الداري (قال رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ؛ إِنَّ الدِّينَ النّصيحة؛ إنّ الدّين النّصيحة) أي ثلاث مرات للمبالغة وقد ساق المصنف هذا الحديث بسند أبي داود وقد أخرجه أبو داود في الأدب ولفظه الدين النصيحة من غير تكرار وأخرجه مسلم في الإيمان بنحوه وليس فيه تكرار إن الدين النصيحة ثلاثا بل مرة واحدة ولفظه الدين النصيحة بغير إن وأخرجه النسائي في البيعة ولفظه في الطريق الأولى أن الدين النصيحة مرة وفي نسخة إنما الدين النصيحة مرة (قالوا) أي بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم (لمن) أي النصيحة لِمَنْ (يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ) كما في الأصول (ولرسوله وأئمّة المسلمين) ويروى ولأئمة المسلمين (وعامّتهم) أي جميع أفراد جماعتهم (قال أئمّتنا) أي من المالكية ذكره الدلجي والظاهر أي علماؤنا ومشايخنا إذ لا خلاف في هذه المسألة وهي قوله (النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ وَاجِبَةٌ) أي فرض عين على كل أحد وفي شرح مسلم للنووي عن بعضهم أنها فرض كفاية يسقط بقيام بعض عن الباقين انتهى ولعله محمول على تفاصيل ما يتعلق بالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله بأن يقوموا بجميع الأمور الشرعية والأحكام الفرعية ومن جملتها علم التفسير والحديث والفقه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيله وهذا لا ينافي قول الجمهور حيث أرادوا وجوب النصيحة الإجمالية والموجبة للطاعة التفصيلية هذا وليس قوله ولكتابه من عبارة المصنف ولعله سبق قلم (قال الإمام أبو سليمان البستي) بضم موحدة وسكون سين ففوقية بلد بسجستان والمراد به الخطابي (النّصيحة كلمة يعبّر بها عن جملة) بالتنوين بدون إضافة ذكره الدلجي ويجوز الإضافة كما في كثير من النسخ
[ ٢ / ٥٩ ]
وعلى الأول تقديره هي (إِرَادَةِ الْخَيْرِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ وَلَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يعبّر عنها) أي عن تلك الجملة (بكلمة واحدة) أي غيرها بصيغة (تحصرها) أي تجمع معناها وتحصرها (ومعناها) أي النصيحة (في اللّغة) أي لسان العرب (الإخلاص) فمعنى النصيحة الحالة الخالصة مأخوذة (من قولهم) أي استعمال العرب في محاوراتهم (نصحت العسل إذا خلّصته) بالخطاب وهو بتشديد اللام أي ميزته بنار لطيفة (من شمعه) بفتح الميم ويسكن أي مومه ففي القاموس الشمع محركة وتسكين الميم مولد وهو الذي يستصبح به أو موم العسل الواحدة بهاء (وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْخَفَّافُ) بتشديد الفاء الأولى (النّصح) بضم النون (فعل الشيء الّذي فيه الصّلاح والملاءمة) أي المناسبة والمرابطة وقد تخفف الهمز ياء فيقال الملائمة وهي الموافقة بين الأشياء (مأخوذ من النّصاح) بكسر النون (وهو الخيط الّذي يخاط به الثّوب) أي يلائم بين أجزائه ويصلح للمرء أن يلبسه على أعضائه (وقال أبو إسحاق الزّجّاج نحوه) أي قريبا من معناه وفي الجملة من هذه المادة قوله تعالى تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا أي خالصة صالحة بأن تكون كاملة شاملة (فنصيحة الله تعالى) أي نصيحة العبد له ﷾ (الاعتقاد له بالوحدانيّة) أي في الألوهية والربوبية (ووصفه بما هو أهله) أي من صفات الثبوتيه من الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام ونحوها (وتنزيهه) أي تبعيده (عمّا لا يجوز) أي اطلاقه (عليه) من النعوت السلبية فإنه ليس بجوهر ولا عرض ولا في مكان وغيرها (والرّغبة في محابّه) بتشديد الموحدة أي الميل في كل ما يحبه الله ويرضاه (والبعد من) وفي نسخة عن (مساخطه) أي والتبعد عن جميع ما يكرهه وينهاه (والإخلاص في عبادته) أي فيما يأمره الله من أمور دنياه وعقباه وما ذكر فهو في الحقيقة راجع إلى العبد في نصحه لنفسه لأنه تعالى غني عنه وعن عمله (والنّصيحة لكتابه: الإيمان به) أي أولا (والعمل بما فيه) ثانيا سواء كان عالما به أو جاهلا (وتحسين تلاوته) أي وتزيين قراءته (والتّخشّع عنده) أي اظهار الخشوع وإكثار الخضوع في حضرته (والتّعظيم له) أي لكتابه بأدب يقتضي إجلاله وبوصف يوجب اكماله (والتّفقّه فيه) أي طلب الفهم لمبانيه والعلم بمعانيه (والذّبّ عنه) أي الدفع عما لا يليق به وينافيه (من تأويل الغالين) بالغين المعجمة من الغلو أي المجاوزين عن الحد كالمعتزلة واضرابهم (وطعن الملحدين) أي من الزنادقة وأصحابهم (والنّصيحة لرسوله التّصديق بنبوّته) أي أولا (وبذل الطّاعة له) أي الانقياد لحكمه (فيما أمر به ونهى عنه قاله) أي جميع ما يتعلق بالنصيحة أو ما خص بها لرسوله وهو أقرب وإلى ما بعده أنسب (أبو سليمان) وهو الخطابي (وقال أبو بكر) أي الخفاف وقيل المراد به أبو بكر الآجري (وموازرته) أي النصيحة لرسوله هي معاونته ومعاضدته في دينه وملته (ونصرته) أي اعانته على أعدائه وأهل محاربته (وحمايته) أي المدافعة عنه وممانعة من أراد نوعا من اساءته (حيّا وميّتا) أي في حال حياته ومماته (وإحياء سنّته بالطّلب) أي بالعمل بها (والذّبّ عنها) أي وبالدفع لمن يلحد فيها أو يزيغ عنها (ونشرها) أي إظهارها للتمسك بها (والتّخلّق بأخلاقه الكريمة) أي الاتصاف بمحاسن شمائله وميامن
[ ٢ / ٦٠ ]
فضائله الجزيلة (وَآدَابِهِ الْجَمِيلَةِ، وَقَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْحَاقُ التُّجِيبِيُّ) بضم الفوقية وتفتح وكسر الجيم فتحتية فموحدة فياء نسبة كما مر (نصيحة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم التّصديق بما جاء به) أي مجملا أو مفصلا (والاعتصام بسنّته) أي بأحاديثه علما وعملا (ونشرها) أي للخلق كملا (والحضّ) أي الحث والتحريض (عليها) أي لمن يعمل بها جملا (والدّعوة) أي دعوة الخلق (إلى الله) أي دينه مجملا (وإلى كتابه) أولا (وإلى رسوله) ثانيا (وإليها) أي وإلى السنة (وإلى العمل بها) آخرا (وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ مَفْرُوضَاتِ الْقُلُوبِ) أي من الواجبات المؤكدة عليها (اعتقاد النّصيحة) وهي ارادة الخير (لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي لطريقته وأهل ملته (وقال أبو بكر الآجرّيّ) بمد همزة وضم جيم وتشديد راء وهو صاحب كتاب الشريعة (وغيره) أي من علماء الأمة (النّصح له يقتضي نصحين) أي باختلاف حالاته (نُصْحًا فِي حَيَاتِهِ وَنُصْحًا بَعْدَ مَمَاتِهِ فَفِي حياته نصح أصحابه له بالنّصر) أي بالمعاونة (والمحاماة) أي بالمدافعة (عنه) أي عن ذاته (ومعاداة من عاداه والسّمع والطّاعة له) أي وبالقبول والانقياد لأمره ونهيه (وبذل النّفوس والأموال دونه) أي عنده حماية لجماله ورعاية لأحواله (كما قال تعالى) في حقهم (رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) [الْأَحْزَابِ: ٢٣] أي من الثبات معه حال بلائه ورخائه ووقت قتاله مع أعدائه (الآية) أي فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ أي نذره وعهده وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ أي وعده وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا أي ما غيروا تحويلا وهم الأنصار (قال) أي في حقهم أيضا (وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ) أي دينه (وَرَسُولَهُ الآية) [الحشر: ٨] أي أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وهم المهاجرون (وَأَمَّا نَصِيحَةُ الْمُسْلِمِينَ لَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَالْتِزَامُ التّوقير والإجلال) أي ملازمة التعظيم والتكريم (وشدّة المحبّة له) أي بكثرة الرغبة إليه وانقياد الطاعة لديه (والمثابرة) أي المواظبة والمداومة (على تعلّم سنّته) وفي نسخة على تعليم سنته (والتّفقّه) بالرفع أو الجر أي التفهم (في شريعته ومحبّة آل بيته) أي أقاربه وعترته (وأصحابه) أي وجميع صحابته وأهل عشرته (ومجانبة من رغب عن سنّته) أي مباعدة من مال عن طريقته وأعرض عن متابعة شريعته وحقيقته (وانحرف عنها) أي انصرف عن ملته بكليته وجملته (وبغضه) بالرفع أي عداوته (والتّحذير منه) أي من صحبته (والشّفقة) أي المرحمة (على أمّته والبحث عن تعرّف أخلاقه) أي تعلم شمائله وتفهم فضائله (وسيره وآدابه والصّبر على ذلك) أي ما ذكر من أقواله وأفعاله وأحواله (فعلى ما ذكره) أي الآجري (تَكُونُ النَّصِيحَةُ إِحْدَى ثَمَرَاتِ الْمَحَبَّةِ وَعَلَامَةٌ مِنْ علاماتها كما قدّمناه) أي في تحقيق المحبة بأنها نتيجة الطاعة والمتابعة (وحكى الإمام أبو القاسم القشيريّ) وهو الأستاذ صاحب الرسالة الصوفية (أنّ عمرو) بفتح أوله (ابن اللّيث أحد ملوك خراسان ومشاهير الثّوّار) هو بالثاء المثلثة المضمومة وتشديد الواو في آخره راء وهم الأبطال الشجعان (المعروف بالصّفّار) بتشديد الفاء (رؤي) بضم الراء وكسر الهمزة على أنه مجهول رأى ويروى بكسر الراء فتحتية ساكنة فهمزة مفتوحة على أنه مجهول راء لغة في رأى على ما في القاموس (في النّوم) أي بعد موته (فقيل له ما فعل
[ ٢ / ٦١ ]
لَهُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ غَفَرَ لي) أي ذنوبي (فقيل له بماذا) أي بأي سبب غفر لك (فقال صعدت) بكسر عينه أي طلعت (ذروة الجبل) بكسر المعجمة وضمها ويحكى فتحها أي أعلاه (يوما) أي من الأيام (فأشرفت على جنودي) أي اطلعت عليهم (فَأَعْجَبَتْنِي كَثْرَتُهُمْ فَتَمَنَّيْتُ أَنِّي حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي في بعض غزواته أو سراياه (فأعنته ونصرته) أي على عداه (فشكر الله لي ذلك) أي جازاني بمثوبته وأثنى علي وذكرني عند ملائكته (وغفر لي) أي وسامحني فيما وقع مني وصدر عني لخلوص نيتي وصدق طويتي انتهى كلام القشيري (أمّا النّصح لأئمة المسلمين) أي من العلماء العاملين والأمراء الكاملين (فطاعتهم في الحقّ) أي ثابتة على الخلق واجبة إلّا أنه ﵊ قال لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق رواه أحمد والحاكم عن عمران رضي الله تعالى عنه وروى الشيخان وغيرهما عن علي كرم الله وجهه ولفظه لا طاعة لأحد في معصية الله إنما الطاعة في المعروف وقد خطب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إذ ولي الخلافة فقال اطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم وهذا المعنى مستفاد من قوله تعالى أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (ومعونتهم) أي ومعاونتهم قولا وفعلا في مؤنتهم (فيه) أي في أمر الحق وفعل العدل (وأمرهم) أي إياهم (به) أي بالحق إذا عدلوا عن العدل لكن بطريق اللطف والرفق كما هو شأن أهل الفضل وقد قال تعالى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وقال ﷿ ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ (وتذكيرهم إيّاه) أي إذا نسوه (على أحسن وجه) أي الطف طريق (وتنبيههم على ما غفلوا عنه) بأن خفى عليهم شيء من الأحكام (وكتم عنهم) بصيغة المفعول أي ستر عنهم أمر (من أمور المسلمين وترك الخروج عليهم) أي بالبغي ولو جاروا (وتضريب النّاس) بالضاد المعجمة أي وترك إغراء العامة وتخريشهم (وإفساد قلوبهم عليهم) أي على الأئمة (والنّصح) كان الأولى أن يقال وأما النصح (لعامّة المسلمين) أي لعوامهم فهو (إرشادهم) أي دلالتهم وهدايتهم (إلى مصالحهم) أي الأخروية (ومعونتهم) أي مساعدتهم ومعاضدتهم (في أمر دينهم ودنياهم بالقول والفعل) أي مما ينفعهم معاشا ومعادا (وتنبيه غافلهم) أي بتذكير ما غفل عنه (وتبصير جاهلهم) أي بتعريف ما جهله (ورفد محتاجهم) أي معاونة فقرائهم في حال بلائهم وعنائهم (وستر عوراتهم) أي باللباس أو ستر عيوبهم عن الناس (ودفع المضارّ عنهم وجلب المنافع) أي إيصالها (إليهم) وهو بفتح الجيم وسكون اللام مصدر وأما الجلب محركة فما جلب من خيل وغيرها على ما في القاموس فقول الحلبي هنا هو بسكون اللام وفتحها ليس في محله ثم هذا كله مستفاد من قوله ﷿ وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى ومن حديثه ﵊ إن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم وإن الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله.
[ ٢ / ٦٢ ]
الْبَابُ الثَّالِثُ [فِي تَعْظِيمِ أَمْرِهِ وَوُجُوبِ تَوْقِيرِهِ وبره]
(في تعظيم أمره ووجوب توقيره وبرّه) أي في تعظيم أمره بقبوله وامتثاله والتوقير التعظيم ومحله في ظاهره وباطنه وجميع أحواله والبر هو الإحسان أي ووجوب الإحسان إلى ما يتعلق به ﵊ من أهل بيته وعلماء أمته (قال الله تعالى) أي تعظم شأنه وظهر سلطانه وبرهانه (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) أحوال مقدرة وأوصاف مقررة أي شاهدا على من أرسلناك إليهم فأنت مقبول عندنا لهم وعليهم ومبشرا لمن آمن منهم بالجنة والقربة ومخوفا لمن كفر بالحرقة والفرقة (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ الآية) [الفتح: ٨- ٩] أي بكمالها بالخطاب على الالتفات وفي قراءة بالغيبة أي تصدقوا وتقووا دينه وتعظموا أمره والظاهر ان الضمائر لله لقوله ﷾ وَتُسَبِّحُوهُ ومن فرق فقد أبعد* ثم اعلم أن قوله قال الله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ إلى قوله تعالى وَتُوَقِّرُوهُ هكذا وقع في أكثر الأصول وهذه الآية في سورة الفتح وليس فيها يا أيها النبي وإنما هو إِنَّا أَرْسَلْناكَ كما هو في بعض النسخ نعم في سورة الأحزاب وقعت الآية مصدرة بقوله ﷾ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ إلا أنه ليس فيها لتؤمنوا بالله والحاصل أنه وقع تركيب بينهما بالانتقال في تصورهما (وقال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا) أي أمرا أو معناه لا تتقدموا ويؤيده قراءة يعقوب لا تقدموا بحذف إحدى تاءيه وفتح الأخرى (قوله بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [الحجرات: ١] أي قدامهما بمعنى قبل اذنهما وآخر الآية وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (ويا أَيُّهَا) أي وبعدها يا أيها (الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) [الحجرات: ٢] أي لا تجاوزوا بأصواتكم حدا يبلغ صوته فضلا عن أن يعلوه بل عليكم أن تغضوها حتى يكون صوته فوق أصواتكم لتكون مزيته عليكم لائحة ومنزلته عندكم واضحة بأن يخفض الصوت بين يديه ويخافت المتكلم إليه تعظيما وتكريما لديه (الثّلاث الآيات) أي اقرأ الآيات الثلاث وأكملها لأن البقية لها دخل في تحقيق القضية وهي قوله ﷾ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ أي إذا كلمتموه كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم أي مخافة حبوطها وأنتم لا تشعرون أي بحبوطها وبطلانها إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ أي يخفضونها عند رسول الله مراعاة للأدب والإجلال أو مخافة مخالفة النهي في الأقوال أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى أي جربها للتقوى ودربها لمشقتها ومرنها لكلفتها والمعنى علم سرها وعلانيتها
[ ٢ / ٦٣ ]
لهم مغفرة أي كثيرة لسيئاتهم وأجر عظيم على طاعاتهم واعلم أنه تنبغي هذه المراعاة أيضا بعد وفاته ﵊ في مسجده لا سيما عند مشهده وكذا عند قراءة حديثه ومسنده وكذا عند سماع القرآن وتفسير الفرقان كما أشار إليه ﷾ بقوله وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (وَقَالَ تَعَالَى: (لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) [النور: ٦٣] أي برفع الصوت فوق صوته أو بندائه بأسمائه فلا تقولوا يا محمد يا أحمد بل قولوا يا نبي الله ويا رسول الله كما خاطبه به سبحانه وعظم شأنه ذكره مجاهد وقتادة ولا منع من الجمع بين المعنيين في الآية فالمعنى نادوه بأوصافه الحميدة المذكورة في كلام الرب من خفض صوت مراعاة للأدب (فأوجب الله) أي تعالى على خلقه (تعذيره وتوقيره) أي تكريمه وتبجيله (وألزم) أي اتباعه (إكرامه وتعظيمه؛ قال ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما تعزّروه تجلّوه) من الإجلال (وقال المبرّد) بتشديد الراء المفتوحة وقد سبق ذكره (تُعَزِّرُوهُ تُبَالِغُوا فِي تَعْظِيمِهِ؛ وَقَالَ الْأَخْفَشُ تَنْصُرُونَهُ) الظاهر تنصروه أي دينه أو رسوله وهذه المباني متقاربة المعاني. واعلم أن من يقال له الأخفش ثلاثة أصغر وهو أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل المعروف بالأخفش الصغير النحوي كان عالما روى عن المبرد وثعلب وغيرهما وروى عنه الحريري وغيره وهو ثقة توفي في شعبان سنة خمس عشرة وثلاثمائة فجأة ببغداد وأما الأوسط فهو أبو الحسن سعيد ابن مسعدة المجاشعي بالولاء النحوي البلخي المعروف بالأخفش النحوي أحد نحاة البصرة من أئمة العربية وأخذ النحو عن سيبويه وكان أكبر منه وكان يقول ما وضع سيبويه في كتابه شيئا إلّا وعرضه علي رحمه الله تعالى وكان يرى أنه أعلم به مني وأنا اليوم أعلم به منه وهذا هو الذي زاد في العروض بحر الخبب وله تصانيف كثيرة منها الأوسط في النحو وتفسير معاني القرآن وغير ذلك توفي سنة خمس عشرة ومائتين وكان يقال له الأخفش الصغير فلما ظهر علي بن سليمان المعروف بالأخفش المتقدم صار هذا وسطا وأما الأكبر فهو أبو الخطاب عبد الحميد بن حميد من أهل هجر من مواليهم وكان نحويا لغويا وله ألفاظ لغوية انفرد بنقلها وأخذ عن سيبويه وأبي عبيدة ومن في طبقتهما وهذا ملخص كلام ابن خلكان والأخفش هو الصغير العين مع سوء بصره وقد يكون الخفش علة وهو الذي يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار ويبصر في الشيء في يوم غيم ولا يبصر في يوم صاح قاله الجوهري قال الحلبي والظاهر أن مراد القاضي هو الأوسط والله أعلم (وقال الطّبريّ) بفتحتين وهو محمد بن جرير (تعينونه، وقرىء) أي شاذا (تعزّزوه بزايين) بياءين لا بهمز وياء كما يتوهم (من العزّ) أي مجرد العز بمعنى الشدة والقوة كما قال تعالى فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ بالتخفيف والتشديد ونقل هنا إلى التعزيز من باب التفعيل للمبالغة والتكثير (ونهى) أي الله ﷾ وفي نسخة بصيغة المجهول (عَنِ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالْقَوْلِ وَسُوءِ الْأَدَبِ) أي بالفعل (بسبقه بالكلام) ويروى في الكلام (عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ
[ ٢ / ٦٤ ]
اختيار ثعلب) وهو العلامة المحدث شيخ اللغة والعربية أبو العباس أحمد بن يزيد الشيباني مولاهم والبغدادي المقدم في نحو الكوفيين مولده سنة مائتين (قال سهل بن عبد الله) أي التستري (لا تقولوا قبل أن يقول) أي لا تبدؤوا بالكلام عنده (وإذا قال فاستمعوا له وأنصتوا) أي اسكتوا قال الحجازي يروى بعكسه قلت فيصير عكس الآية والمعنى أنه يجب السماع عند كلامه الذي هو الوحي الخفي كما يجب سماع القرآن الذي هو الوحي الجلي وفيه إيماء إلى رعاية هذا الأدب عند سماع الحديث المروي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال المصنف (ونهوا) أي أصحابه وأحزابه (عن التّقدّم) أي المبادرة (والتّعجّل) وفي نسخة والتعجيل (بقضاء أمر) أي بحكم شيء (قبل قضائه فيه وأن يفتاتوا) افتعال من الفوت أي يسبقوه (بشيء) أي منفردين برأيهم دونه في تصرفهم (فِي ذَلِكَ مِنْ قِتَالٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أمر دينهم إلا بأمره ولا يسبقوه به) أي ولو في أمر دنياهم والمعنى أن يكونوا تابعين له في جميع قضاياهم من امور دنياهم وأخراهم (وإلى هذا) أي المعنى المذكور (يرجع قول الحسن) أي البصري (ومجاهد والضّحّاك والسّدّيّ والثّوريّ) أي يوافق قول هؤلاء ذلك المقال في المآل (ثمّ وعظهم) أي نصحهم الله (وحذّرهم) بالتشديد أي وخوفهم (مخالفة ذلك) المنهي هنالك (فقال وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي احذروا مخالفته واحترسوا من معاقبته (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ) بأقوالكم (عَلِيمٌ) [الحجرات: ١] بأحوالكم (قال الماورديّ اتّقوه يعني في التّقدّم) أي بشيء من القول والفعل بين يديه قبل أن يعرف منه ميل إليه (وقال السّلميّ) وهو أبو عبد الرحمن (اتّقوا الله في إهمال حقّه) أي في الأوامر (وتضييع حرمته) أي في الزواجر (إنّه) وفي نسخة صحيحة أن الله (سُمَيْعٌ لِقَوْلِكُمْ عَلِيمٌ بِفِعْلِكُمْ، ثُمَّ نَهَاهُمْ عَنْ رفع الصّوت فوق صوته) تعظيما لمقامه وتكريما لمرامه (والجهر) أي ونهاهم عن الجهر (له بالقول) أي في محاوراتهم (كما يجهر بعضهم لبعض) في مخاطباتهم (ويرفع) أي بعضهم (صوته) أي لبعض في مجلسه (وقيل) أي روي (كما ينادي بعضهم بعضا باسمه) كما هو أحد القولين في قوله تَعَالَى لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا على ما تقدم والله أعلم (قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ أَيْ لَا تُسَابِقُوهُ بالكلام وتغلظوا) بضم التاء وكسر اللام أي ولا تغلظوا (له بالخطاب) أي بالقول (ولا تنادوه باسمه) أي العلم (نداء) كمناداة (بعضكم بعضا) أي باسمه الذي سماه به أبواه (ولكن عظّموه) أي باطنا (ووقّروه) أي ظاهرا (ونادوه بأشرف ما يحبّ) أي ما يعجبه (أن ينادي به) أي من وصف رسالة أو نعت نبوة بأن تقولوا (يا رسول الله يا نبيّ الله) أي وأمثالهما من نحو يا حبيب الله يا خليل الله وهذا في حياته وكذا بعد وفاته في جميع مخاطباته (وهذا) أي مقول مكي (كقوله) أي كقول الله ﷾ (فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:
لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النُّورِ: ٦٣] عَلَى أَحَدِ التّأويلين) أي التفسيرين المشهورين في الآية وقد قدمنا هذا التأويل عن مجاهد وقتادة في أول الباب والتأويل الآخر هو ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما احذروا دعاء الرسول
[ ٢ / ٦٥ ]
عليكم إذا اسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره (وقال غيره) أي غير مكي (لا تخاطبوه إلّا مستفهمين) أي عن قول أو فعل تريدون صدوره منكم أيجوز هذا أم لا وفي رواية إلّا مشفقين أي وجلين خائفين (ثمّ خوّفهم الله تعالى بحبط أعمالهم) بفتح الحاء وسكون الباء أي بحبوطها وإبطالها (إن هم فعلوا ذلك) أي المنهي هنالك (وحذّرهم منه) أي مما يتعلق به من المهالك (قيل نزلت الآية) أي الآية التي بعد هذه الآيات وهي قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ (فِي وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ وَقِيلَ فِي غَيْرِهِمْ أتوا النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فنادوه) أي على عادة الأعراب فيما بينهم عند الوقوف على الأبواب (يا محمّد يا محمّد) مرتين (اخرج إلينا فذمّهم الله تعالى بالجهل) أي الغالب عليهم (ووصفهم بأنّ أكثرهم لا يعقلون) أي آداب أولي الألباب وأبعد الدلجي حيث قال المراد بالآية قوله تعالى لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ فإنه يأبي عنه قوله فذمهم الله إلى آخره ومما يدل على ما اخترناه قوله (وقيل نزلت الآية الأولى) أي ما قبل هذه الآية وهي قوله تعالى لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ (في محاورة) بحاء مهملة أي مكالمة ومجاوبة (كانت) أي وقعت (بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي قدامه (واختلاف) ويروى لاختلاف (جرى بينهما حتّى ارتفعت أصواتهما) أي أمامه فنهيا عن ذلك وغيرهما كذلك لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب روي أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه أمر القعقاع بن سعيد بن زرارة وقال عمر رضي الله تعالى عنه أمر الأقرع بن حابس قال أبو بكر ما أردت إلا خلافي قال عمر ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت (وقيل نزلت) كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (في ثابت بن قيس بن شمّاس) بتشديد الميم وتخفف (خطيب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في مفاخرة بني تميم) فعن جابر قال جاءت بنو تميم فنادوا على الباب اخرج إلينا يا محمد نحن ناس من بني تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا لنشاعرك ونفاخرك فخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقال ما بالشعر بعثت ولا بالفخر أمرت ولكم هاتوا فقام شاب منهم فذكر فضله وفضل قومه فقال صلى الله تعالى عليه وسلم لثابت بن قيس قم فأجبه فقام فأجابه وكان أحسن قولا (وكان في أذنيه صمم) أي ثقل (فكان يرفع صوته) أي عند تكلمه وربما تأذى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم به (فلمّا نزلت هذه الآية) أي آية لا تَرْفَعُوا (أقام في منزله) أي بيت نفسه وحرم من مجلس أنسه ﵊ (وخشي أن يكون حبط عمله ثمّ) أي بعد تفقده ﵊ له واطلاعه على خبره وطلبه إلى محضره (أتى النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي معتذرا (فقال يا نبيّ الله لقد خشيت) أي بعد نزول هذه الآية (أن أكون هلكت) أي بحبوط عملي وقنوط أملي (نهانا الله أن نجهر بالقول) أي مطلقا في الشرع (وأنا امرؤ جهير الصّوت) بحسب الطبع (فقال النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي تسلية له عما تقدم (يَا ثَابِتُ أَمَّا تَرْضَى أَنْ
[ ٢ / ٦٦ ]
تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنّة) أي سعيدا (فقتل يوم اليمامة) في خلافة الصديق تحقيقا للكرامة (وروي) كما أخرجه البزار من طريق طارق بن شهاب (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) أي لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ (قَالَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ بعدها) وفي نسخة صحيحة بعد هذا (إلّا كأخي السّرار) بكسر السين المهملة أي إلّا مشابها لصاحب النجوى والمساررة والمعنى لا أكلمك إلّا سرا (وأنّ عمر رضي الله تعالى عنه) كما في البخاري (كان إذا حدّثه) أي كلمه ﵊ (حدّثه كأخي السّرار) أي في خفض صوته كما بينه بقوله (مَا كَانَ يَسْمَعُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) بضم الياء وكسر الميم (بعد هذه الآية) وفي نسخة بعد هذه الآية أي بعد نزولها (حتّى يستفهمه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من عمر عما ساروه به لكمال اخفائه (فأنزل الله تعالى فيهم) أي في أبي بكر وعمر وأمثالهما رضي الله تعالى عنهم (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ) أي يخفضونها (عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ) مراعاة للأدب أو محاذرة من مخالفة الرب (أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى) أي جربها لها ومرنها عليها حتى صاروا أقوياء على احتمال مشاقها من أنواع الابتلاء وقيل اختبرها واخلصها كما يمتحن الذهب بالنار فيخرج خالصه (وَقِيلَ نَزَلَتْ إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ [الحجرات: ٤] في غير وفد بني تميم) أي كما مر وهو صريح فيما قدمناه (نادوه باسمه، وروى صفوان بن عسّال) بمهملتين وتشديد الثانية صحابي مشهور وقد أخرج عنه الترمذي والنسائي (أنه قال بينا) بألف معوضة عن المضاف إليه أي بين أوقات كان ويروى بينما (النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في سفر إذ ناداه أعرابيّ) نسبة إلى أعراب البادية ممن آثار الجهل عليهم بادية (بصوت له جهوريّ) بفتح الجيم والواو أي شديد عال والواو زائدة قال الجوهري جهر بالقول رفع صوته وجهور وهو رجل جهوري الصوت وجهير الصوت (أيا محمّد أيا محمّد) وفي نسخة صحيحة أيا محمد ثلاث مرات (فقلنا له اغضض) بضم عينه أي أخفض (من صوتك فإنّك) أي في ضمن غيرك (قد نهيت عن رفع الصّوت) أي عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (وقال الله تعالى) أي تعظيما له وتعلميا لنا (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا) [البقرة: ١٠٤] أي لا تخاطبوه به واختلف في سببه (قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: هِيَ لُغَةٌ كَانَتْ فِي الأنصار) بمعنى راقبنا وتأن علينا حتى نفهم كلامك الوارد إلينا (نهوا عن قولها) أي عن هذه الكلمة (تعظيما للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) وتبجيلا له أي تفخيما (لأنّ معناها) أي مفهوم كلمة راعنا وهو الأمر بالمراعاة من باب المفاعلة (ارعنا) بفتح العين أمر من الرعاية (نرعك) مجزوم على جواب الأمر (فَنُهُوا عَنْ قَوْلِهَا إِذْ مُقْتَضَاهَا كَأَنَّهُمْ لَا يَرْعَوْنَهُ إِلَّا بِرِعَايَتِهِ لَهُمْ بَلْ حَقُّهُ أَنْ يرعى) بصيغة المجهول أي يلاحظ ويحافظ (على كلّ حال) أي سواء رعاهم أم لا (وقيل بل كانت اليهود) أي حين سمعوا هذه الكلمة من الآية انتهزوا الفرصة بما عندهم من الغنيمة (تعرّض بها) من التعريض بمعنى الكناية (للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بالرّعونة) وهي الحماقة والمعنى تلوح بهذه
[ ٢ / ٦٧ ]
الكلمة المستعملة في مبناها مرادا بها غير مقتضاها من مبناها (فنهي المسلمون عن قولها) أي وأمروا أن يقولوا وانظرنا بدلها (قطعا للذّريعة) أي الوسيلة إلى مقاصدهم الشنيعة (ومنعا للتّشبّه) أي تشبه المؤمنين (بهم في قولها) أي في التفوه بها (لمشاركة اللّفظة) أي اللفظة في المبنى ومخالفتها في المعنى (وقيل غير هذا) أي غير ما ذكر من التفسيرين في معنى الآية محله الكتب المطولة.
فصل [في عادة الصحابة في تعظيمه ﵊ وتوقيره وإجلاله]
(فِي عَادَةِ الصَّحَابَةِ فِي تَعْظِيمِهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم وتوقيره وإجلاله) الأولى تأخير ﵊ إلى هذا المقام (حدثنا القاضي أبو عليّ الصّدفيّ) بفتحتين وهو ابن سكرة (وأبو بحر) بفتح موحدة وسكون مهملة (الأسديّ) بفتحتين نسبة إلى قبيلة (بسماعي عليهما في آخرين) أي مع جماعة آخر من المشايخ أو من التلامذة ويؤيد الأول قوله (قالوا) بصيغة الجمع ويؤيد الثاني ما في نسخة قالا بصيغة التثنية (ثنا) أي حَدَّثَنَا (أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الحسن) وفي بعض النسخ بصيغة التصغير والصواب هو الأول (حدّثنا محمّد بن عيسى) أي الْجُلُودِيُّ (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ) صاحب الصحيح (حدّثنا محمّد بن مثنّى) اسم مفعول من التثنية (وأبو معن) بفتح فسكون (الرّقّاشيّ) بفتح الراء وتخفيف القاف ثم شين معجمة بصري ثقة (وإسحاق بن منصور) هذا هو الكوسج الحافظ (قالوا) أي ثلاثتهم (حدّثنا الضّحّاك بن مخلد) بسكون خاء معجمة بين فتحتين أبو عاصم الشيباني والنبيل البصري روي عنه أنه قال ما دلست قط ولا اغتبت أحد منذ عقلت تحريم الغيبة روى عنه البخاري وغيره أخرج له الأئمة الستة (أنا) أي أنبأنا وفي نسخة أخبرنا (حيوة) بفتح فسكون (ابن شريح) بالتصغير (حدّثني يزيد بن أبي حبيب) عالم أهل مصر وكان حبشيا من العلماء الحكماء الأتقياء (عن ابن شماسة) بضم الشين المعجمة وفتحها فميم مخففة وبعد الألف سين مهملة واسمه عبد الرحمن (المهريّ) بفتح ميم وسكون هاء فراء توفي أول خلافة يزيد بن عبد الملك (قال حضرنا عمرو بن العاص فذكر) وفي نسخة فذكر لنا أي ابن شماسة (حديثا طويلا فيه عن عمرو قال) وفيه أيضا فحول وجهه إلى الجدار فجعل يقول (وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا أجلّ) أي أعظم (في عيني منه) وفي نسخة بصيغة التثنية (وما كنت أطيق) بضم الهمزة أي أقدر (أن أملأ عيني منه إجلالا له) أي وإكمالا له (ولو سئلت) وفي نسخة ولو شئت (أن أصفه) أي اذكر نعت ظاهر خلقه (ما أطقت) أي ما قدرت لعدم احاطتي بأوصافه خبرا (لأنّي لم أكن أملأ عيني منه) أي نظرا (وروى التّرمذي) أي صاحب السنن لا الحكيم الترمذي وكذا الحاكم (عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم كان) أي النبي ﵊ (يَخْرُجُ عَلَى أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَهُمْ جلوس) حال (فيهم أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما) أي من جملتهم أو فيما بينهم أبو بكر والجملة حال أيضا (فلا
[ ٢ / ٦٨ ]
يرفع أحد منهم إليه بصره) أي نظره اجلالا لمحضره (إلّا أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فإنّهما كانا ينظران) أي يطالعان (إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا وَيَتَبَسَّمَانِ إِلَيْهِ وَيَتَبَسَّمُ لَهُمَا) أي لكمال فضلهما على غيرهما قال الحلبي أخرجه الترمذي في مناقب أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وقال غريب لا نعرفه إلا من حديث الحاكم وقد تكلم بعضهم فيه انتهى (وروى أسامة بن شريك) بفتح فكسر ثعلبي كوفي صحابي وقد روى عنه أصحاب السنن الأربعة وصححه الترمذي (قال أتيت النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه حوله) الجملة حال وفي نسخة حوله جلوس أي جالسون والمعنى أنهم محيطون به متحلقون لديه متأدبون بين يديه (كأنّما على رؤوسهم الطّير) بالرفع أي بحيث لو فرض أن يكون طير على رؤوسهم لا يتحرك لسكونهم وحال جلوسهم (وفي حديث صفته) بكسر ففتح أي نعته ووصفه ﵊ وتصحف على بعضهم بصفية أم المؤمنين وليس لها هذا الحديث (إذا تكلّم أطرق جلساؤه) أي أرخوا رؤوسهم (كأنّما على رؤوسهم الطّير) أخرجه الترمذي في الشمائل من حديث هند بن أبي هالة رواه عنه الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵄ (وقال عروة بن مسعود رضي الله تعالى عنه) أي الثقفي على ما رواه البخاري عن مسور بن مخرمة ومروان بن الحكم بن أبي العاص أنه (حين وجّهته قريش) أي أرسلته (عام القضيّة) أي قضية صلح الحديبية (إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم) أي في طلب الصلح سنة ست من الهجرة النبوية سمي بها لأنه كتب فيها هذا ما قاضى ﵊ أي صالح وأما ما ذكره الأنطاكي من أن القضية كانت في السنة السابعة بعد الحديبية فهو وهم لأنها تسمى عام القضاء وقد تسمى عام القضية إلّا أنها ليست هذه القضية (ورأى) أي عروة (من تعظيم أصحابه له ما رأى) أي مما لا يكاد يستقصي (وأنّه) بالفتح عطفا على ما رأى وبالكسر على الجملة الحالية (لا يتوضّأ) أي لا يستعمل الوضوء (إلّا ابتدروا وضوءه) بفتح الواو وقد يضم أي سارعوا إلى بقية ما توضأ به من الماء أو إلى ما تقاطر منه من الأعضاء (وكادوا يقتتلون عليه) أي لفرط حرصهم على التبرك بما لديه أو بما أصابه من يديه ومن لم يصب منه شيئا يكون من نصيبه أخذ من بلل يد صاحبه (ولا يبصق) بضم الصاد (بصاقا) أي ولا يبزق بزاقا من الفم (ولا يتنخّم نخامة) بضم النون ما يخرج من اقصى الحلق ومن مخرج الخاء المعجمة (إلّا تلقّوها) أي أخذوها من الهواء (بأكفّهم) أي من غاية الهوى ونهاية الهدى (فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم) أي فبالغوا في مسح أعضائهم بها (ولا تسقط منه شعرة) بسكون العين وتفتح (إلّا ابتدروها) أي بادروا إلى أخذها وحفظها سواء كانت من رأسه الشريف أو بقية مساسه (وإذا أمرهم بأمر) أي من أمر ونهي (ابتدروا أمره) أي امتثاله (وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده) أي إن طلب جوابا منهم وإلّا سكتوا وسمعوا كلامه وفهموا مرامه (وما يحدّون) بضم أوله وكسر ثانيه وتشديد داله أي ما يشخصون (إليه النّظر تعظيما له) أي وهيبة وتكريما له (فلمّا رجع) أي عروة (إِلَى قُرَيْشٍ قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنِّي جئت كسرى) بكسر الكاف ويفتح وفتح الراء وقد يقال هو لقب ملك فارس أي حضرته (في ملكه) أي تحت سلطنته
[ ٢ / ٦٩ ]
وتحت هيبته وعظمته (وقيصر) أي وجئت قيصر وهو لقب ملك الروم (في ملكه) أي في معظم ملكه (والنّجاشيّ) بفتح النون وبكسر بتشديد الياء ويخفف وهو لقب ملك الحبشة (في ملكه) أي في دياره وداره (وإنّي والله ما رأيت ملكا) أي من الملوك المذكورة معظما ومكرما (في قوم) أي فيما بين جنده (قطّ) أي أبدا (مثل محمد في أصحابه؛ وفي رواية) أي أخرى كما في نسخة (إن) بكسر همز وسكون نون أي ما (رأيت) أي ما أبصرت أو ما علمت (ملكا) أي من الملوك (قطّ يعظّمه أصحابه ما يعظّم) أي مثل ما يعظم (محمدا أصحابه، وقد رأيت) أي أبصرت أصحابه وعلمت أحبابه وأحزابه (قوما لا يسلمونه) بضم الياء وسكون السين وكسر اللام أي لا يخذلونه (أبدا) من أسلمته إلى شيء ثم خص بالالقاء في المهلكة بدليل حديث إني وهبت لخالتي غلاما قلت لها لا تسلميه حجاما ولا صائغا ولا قصابا أي لا تعطيه لمن يعلمه إحدى هذه الصنائع فكراهة القصاب والحجام لما يباشرانه من النجاسة مع تعذر الاحتراز ولما فيه من لوازم القساوة وقلة المرحمة وأما الصائغ فلما يدخل صنعته من الغش والربا وخلف الوعد والإيمان الكاذبة (وعن أنس رضي الله تعالى عنه (كما رواه مسلم) لقد رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والحلاق يحلقه) أي يحلق شعر رأسه إما بعد عمرة أو بعد الحج إذ لم يحلق في غيرهما (وأطاف به أصحابه) أي داروا حوله ليأخذوا من شعره ويتبركوا بأثره (فما يريدون) أي من كمال اتفاقهم (أن تقع شعرة) أي من شعراته (إلّا في يد رجل) أي من طلاب بركاته واختلف في اسم من حلق رأس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والصحيح والمشهور أنه معمر بن عبد العزيز العدوي كما ذكره النووي في شرح مسلم وفي صحيح البخاري زعموا أنه معمر وعن ابن عبد البر أن خراشا حلقه يوم الحديبية انتهى وأما في عمرة الجعرانة فقيل حلقه أبو هند والله أعلم (ومن هذا) أي ومن جملة تعظيم أصحابه وتكريم أحبابه (لمّا أذنت قريش) أي مراعاة (لعثمان ﵁) أي حين قدومه مكة (في الطّواف بالبيت) أي بعد منعه منه (حين وجّهه النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم إليهم في القضيّة) أي في قضية صلح الحديبية (أبى) أي امتنع عثمان أن يطوف به (وقال ما كنت لأفعل) أي الطواف وحدي (حَتَّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) لكمال أدبه وجمال طلبه وكان ذلك حين انتهى إليها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قاصدا مكة ليعتمر فصده المشركون فدخل عثمان إلى مكة للصلح وتقدم بقية القضية في الفصل التاسع من أول الكتاب (وفي حديث طلحة رضي الله تعالى عنه) أي ابن عبيد الله أحد العشرة المبشرة وسيأتي بعض منقبته قريبا وقد روى عنه الترمذي وحسنه (أنّ أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قالوا لأعرابيّ جاهل سله) يعنون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (عمّن قضى نحبه) أي في قوله تعالى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ أي وفى بنذره وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ أمر قضائه وقدره في تحقيق أمره روي أن رجالا من الصحابة منهم عثمان بن عفان وسعيد بن زيد وحمزة ومصعب بن عمير وغيرهم رضي الله تعالى عنهم نذروا أنهم إذا لقوا حربا مع رسول الله صلى
[ ٢ / ٧٠ ]
الله تعالى عليه وسلم ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا وقد ثبت طلحة يوم أحد وبذل جهده في القتال حتى شلت يده إذ وقى بها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وذكر أنه أصيب في جسده بضعا وثمانين من بين طعن وضرب (وكانوا يهابونه ويوقّرونه) أي يعظمونه ولهذا ما كانوا بأنفسهم يسألونه وكان ﵊ يتحمل من الأعراب ما لا يتحمل من الأصحاب (فسأله) أي الأعرابي (فأعرض عنه) أي عن جوابه ولم يلتفت إلى ما يتعلق ببابه (إذ طلع طلحة رضي الله تعالى عنه) أي الراوي (فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: هذا ممّن قضى نحبه) فكأنه الزم نفسه أن يصدق الله تعالى في قتل أعدائه في الحرب وقد وفى بعهده يوم أحد وقيل المراد بالنحب هو الموت فكأنه التزم أن يقاتل حتى يموت ففي الحديث إيماء إلى أنه سيموت شهيدا وفي الحلية أنه ﵊ تلا على المنبر فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ فسأله رجل من هم فأقبل على طلحة بن عبيد الله وقال هذا منهم وفي تفسير ابن أبي حاتم أن عمارا منهم وهذا يحتمل التأويلين المتقدمين وفي تفسير يحيى بن سلام المغربي هم حمزة وأصحابه والظاهر أن المراد بهم شهداء أحد ولا يبعد أن يقال المراد بهم الشهداء والثابتون في مقابلة الأعداء واختار ابن الملقن المعنى الأول حيث قال والذي يظهر لي أنهم المقتولون معه صلى الله تعالى عليه وسلم انتهى وما قلناه هو الأتم والأعم والله تعالى أعلم وقد قتل طلحة رضي الله تعالى عنه في وقعة الجمل سنة ست وثلاثين ودفن بالبصرة قال الحلبي وفي الصحابة أربعة عشر غيره ممن يقال له طلحة (وفي حديث قيلة) بقاف مفتوحة فتحتية ساكنة بنت مخرمة العنبرية على ما رواه أبو داود في الأدب والترمذي في الشمائل (فلمّا رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جالسا القرفصاء) بضم القاف والفاء أي جلسة المحتبي بيديه (أرعدت) أي اضطربت (من الفرق) بفتحتين أي الخوف والفزع (وَذَلِكَ هَيْبَةً لَهُ وَتَعْظِيمًا؛ وَفِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ) الذي رواه الحاكم في علوم الحديث والبيهقي في المدخل (كان أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقرعون) أي يضربون (بابه بالأظفار) وفي نسخة بالأظافير أي ضربا خفيفا ودقا لطيفا تعظيما وتكريما وتشريفا وفي حديث عمر رضي الله تعالى عنه أنه أخذ قدح سويق فشربه حتى قرع القدح جبينه أي ضربه والمعنى شربه جميعه (وقال البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه كما روى أبو يعلى لَقَدْ كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم عن الأمر فأؤخّر) وفي نسخة فأؤخره أي فأؤخر سؤاله (سنين) بصيغة التثنية وفي نسخة سنين بصيغة الجمع (من هيبته) أي من كمال هيبته وجلال عظمته صلى الله تعالى عليه وسلم.
فصل [واعلم أن حرمة النبي بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم]
(واعلم أن حرمة النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بعد موته وتوقيره وتعظيمه) بنصبهما أي بعد وفاته (لازم) أي على كل مسلم (كما كان) أي ما ذكر واجبا (حال حياته) أي لأنه
[ ٢ / ٧١ ]
الآن حي يرزق في علو درجاته ورفعة حالاته (وذلك) أي التعظيم والإكرام (عند ذكره صلى الله تعالى عليه وسلم وذكر حديثه) أي كلامه (وسنّته) أي وذكر طريقته (وسماع اسمه) الشريف وكذا نعته اللطيف (وسيرته) أي في جميع هيئاته من حركاته وسكناته (ومعاملة آله) أي أهل بيته (وعترته) بكسر أوله أي ذريته وقرابته (وتعظيم أهل بيته) أي من أزواجه وخدمته ومواليه (وصحابته) أي أهل صحبته (قال أبو إبراهيم) زيد في نسخة إسحاق (التّجيبيّ) بضم التاء وتفتح وبكسر الجيم (واجب على كلّ مؤمن متى ذكره) أي بنفسه (أو ذكر عنده) أي على لسان غيره (أن يخضع) أي ظاهرا (ويخشع) أي باطنا (ويتوقّر) أي يتكلف الوقار والرزانة في هيئته (ويسكن من حركته ويأخذ) أي يشرع ويسرع (في هيبته وإجلاله) أي في مقام تعظيمه وإكرامه (بما كان يأخذ به نفسه) أي يطلب منها (لو كان) أي فرضا (بين يديه) أي أمام عينيه (ويتأدّب) بالنصب أو الرفع (بما أدّبنا الله به) أي من وجوب تعظيمه وتكريمه وخفض الصوت ونحوه (قال القاضي أبو الفضل) يعني المصنف (وهذه) أي الطريقة المرضية (كانت سيرة سلفنا الصّالح) يروى الصالحين أي المتقدمين من الصحابة والتابعين (وأئمّتنا الماضين) أي العلماء العاملين (حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ بقيّ) بفتح موحدة وكسر قاف وتشديد تحتية (الحاكم وغير واحد) أي وكثيرون (فيما أجازونيه) هذا لغة في أجازوه لي (قالوا) أي كلهم (أخبرنا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ دِلْهَاثٍ) بكسر داله وسكون لامه ومثلثة في آخره (قال ثنا) أي حدثنا (أبو الحسن عليّ بن فهر) بكسر فاء فسكون هاء ثم راء (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الفرج) بفتح الفاء والراء فجيم (حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُنْتَابِ) بضم ميم فسكون نون ففوقية (قال حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ حدّثنا ابن حميد) بالتصغير (قال ناظر) أي جادل وباحث (أبو جعفر) هذا هو المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ثاني خلفاء بني العباس (أمير المؤمنين) اطلاق هذا عليه غير معروف بين المصنفين (مالكا) أي الإمام (في مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ورفع صوته في كلامه معه (فقال له) أي مالك كما في أصل صحيح (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ فِي هذا المسجد) أي خصوصا لأنه بقرب قبره ﵊ (فإنّ الله تعالى) وفي نسخة ﷿ (أدّب قوما) أي معظمين (فَقَالَ لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الحجرات: ٢] الآية) أي وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (ومدح قوما) أي مكرمين (فَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ) [الحجرات: ٤] الآية) أي أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مغفرة وأجر عظيم (وذمّ قوما) أي من الأعراب (فقال إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ [الحجرات: ٤] الآية) أي أكثرهم لا يعقلون (وإن حرمته ميتا) بالتشديد والتخفيف (كحرمته حيّا فاستكان لها أبو جعفر) أي خضع وخشع لمقالة مالك رحمه الله تعالى وفيه تنبيه نبيه على أنه يجب التأدب بين يدي العالم لما روي من أن الشيخ في قومه
[ ٢ / ٧٢ ]
كالنبي في أمته (وقال) أي أبو جعفر لمالك رحمه الله تعالى (يا أب عبد الله) بحذف الألف كتابة وإثباته قراءة (استقبل القبلة) استفهام استرشاد والتقدير استقبلها (وأدعو) أي الله ﷾ بعد الزيارة (أم أستقبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فقال) أي مالك (ولم تصرف وجهك عنه) أي عن رسولك (فهو) وفي نسخة صحيحة وهو أي والحال أنه (وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇) أي وسائر الأنام (إلى الله تعالى يوم القيامة) أي كما يشير إليه قوله ﵊ آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة (بل استقبله واستشفع به) أي اطلب شفاعته وسل وسيلته في قضاء مراداتك وأداء حاجاتك (فيشفّعك الله) بتشديد الفاء أي يقبل الله به شفاعتك لأمرك ولغيرك وفي نسخة فيشفعه أي فيقبل شفاعته في حقك ويعفو عن ذنبك بوسيلة نبيك (قال الله تعالى) أي مصدقا لذلك فيما قرره مالك (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) [النِّسَاءِ: ٦٤] الْآيَةَ بالمعصية (جاؤوك) أي للمعذرة والتوبة (الآية) يعني فاستغفرا الله أي بلسانهم وجنانهم واستغفر لهم الرسول فيه التفات عدل إليه تفخيما لشأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لوجدوا الله أي لعلموه توابا رحيما أي منعوتا بهذين الوصفين حين تاب عليهم ورحمهم بعدم المؤاخذة على ما صدر منهم (وَقَالَ مَالِكٌ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ) أي عن مقامه ومرتبته وهو بسين مفتوحة وتضم وبسكون معجمة فتحتية مكسورة نسبة لبيع السختيان وهو الجلد المدبوغ معرب وهو عنزي وقيل جهني مولاهم يروي عن ابن سيرين وجماعة وعنه شعبة وطائفة قال ابن علية كنا نقول عنه ألفي حديث وقال شعبة ما رأيت مثله كان سيد الفقهاء وحدث عن أم خالد بنت خالد واسمها آمنة وحديثه عنها في البخاري وقال في أثره ولم أسمع أحدا يقول قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أي من غير ذكر واسطة سوى أم خالد والجملة حالية معترضة بين القول ومقوله (ما حدّثتكم) أي ما رويت لكم حديثا (عن أحد) أي من اتباع التابعين (إلّا وأيوب أفضل منه، قال) أي مالك ﵀ للدلالة على ذلك (وحجّ) أي أبو أيوب (حجّتين) أي مرتين (فكنت أرمقه) بضم ميم أي انظر إليه وأتأمل لديه (ولا أسمع منه) أي كلاما يكون عليه أولا أسمع منه حديثا يحدثني به (غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم بكى) الظاهر يبكي (حتّى أرحمه) أي من شدة بكائه وكثرة عنائه شوقا إليه صلى الله تعالى عليه وسلم (فلمّا رأيت منه ما رأيت) أي من حسن فعاله ما يقتضي بعض كماله (وإجلاله للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كتبت عنه) أي الحديث ورويت عنه العلم (وقال مصعب بن عبد الله) أي ابن مصعب بن ثابت الزبيري يروي عن مالك وغيره وعنه الشيخان وغيرهما (كَانَ مَالِكٌ إِذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) وفي نسخة بصيغة المفعول وهو يشمل ما ذكره وذكره غيره عنده ويؤيده أن في نسخة فإذا ذكر عنده النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (يتغيّر لونه وينحني) أي يميل ظهرة (حتّى يصعب) بضم العين أي يشتد (ذلك على جلسائه) أي من أجل مشاهدة شدة عنائه (فقيل له يوما في ذلك) أي في تهوين
[ ٢ / ٧٣ ]
الأمر على نفسه هنالك (فقال لو رأيتم ما رأيت) أي لو عرفتم ما عرفت من جلال مقامه وجمال مرامه (لما أنكرتم عليّ ما ترون) أي ما تبصرون من اضطراب حالي وتغير مقالي ولا يبعد أن يكون المعنى لو أبصرتم ما أبصرت من مشاهدة جماله ومطالعة جلاله في مقام مكاشفة كماله (ولقد كنت أرى محمّد بن المنكدر) أي التميمي المدني الحافظ يروي عن أبيه وعائشة وأبي هريرة وهو مرسل قاله ابن معين وأبو زرعة وعن أبي قتادة قال العلائي والظاهر أن ذلك مرسل وعن أبي أيوب وجابر وعنه شعبة ومالك والسفيانان إمام مسن له بكاء وتوفي سنة ثلاثين ومائة (وكان سيّد القرّاء) جملة معترضة (لا نكاد نسأله عن حديث أبدا) أي قط (إلّا يبكي) من لوعة الاحتراق بلذعة الافتراق (حتّى نرحمه) من كثرة بكائه وشدة عنائه (ولقد كنت أرى جعفر بن محمّد) أي الصادق كما في نسخة وهو بالنصب لقب جعفر ولقب أبيه الباقر وهو ابن زين العابدين بن علي بن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم (وكان كثير الدّعابة) بضم الدال المهملة أي المزاح (والتّبسّم) يعني لكمال خلقه وجمال خلقه والجملة معترضة (فإذا ذكر عنده النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم اصفرّ) بتشديد الراء أي تغير لونه وتحول كونه (وَمَا رَأَيْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم إلّا على طهارة، ولقد اختلفت) أي ترددت (إليه زمانا) أي كثيرا (فما كنت أراه) أي أشاهده (إلّا على ثلاث خصال) أي احدى حالات ثلاث (إمّا مصلّيا وإمّا صامتا) أي ساكتا متفكرا (وإمّا يقرأ القرآن) كان الأولى أن يقول وإما قارئا للقرآن (ولا يتكلّم فيما لا يعنيه) بفتح الياء وكسر النون أي ينفعه في دينه عملا بقوله تعالى الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وامتثالا لقوله ﵊ من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه (وكان) أي الإمام جعفر الصادق (من العلماء والعبّاد) أي ممن جمع بين العلم والعمل وترك الهوى وطول الأمل (الّذين يخشون الله) أي يخافون عقوبته ويهابون عظمته (عزّ) أي شأنه وسلطانه (وجلّ) أي برهانه ﷾ (ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم) أي ابن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي ولد زمن عائشة رضي الله تعالى عنها وسمع أباه وابن المسيب وعنه شعبة ومالك وابن عيينة ثقة ورع مكثر إمام قال ابن عيينة كان أفضل زمانه وكذلك أبوه وقد توفي بالمدينة سنة ست وعشرين ومائة (يذكر النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فينظر إلى لونه) بصيغة المفعول (كأنّه نزف) بضم النون وكسر الزاء أي سال (منه الدّم) ولم يبق منه شيء وهو كناية عن اصفرار وجهه وضعف بدنه (وقد جفّ لسانه) بفتح الجيم وتشديد الفاء أي يبس (في فمه) أي فلم يطق على تمام كلامه من كمال إكرامه واحترامه (هيبة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي إعظاما لمقامه (ولقد كنت آتي) أي أجيء (عامر بن عبد الله بن الزّبير) أي ابن العوام العابد الكبير القدر سمع أباه وجماعة وعنه مالك وطائفة قال ابن عيينة اشترى نفسه من الله تعالى ست مرات توفي بعد عشرين ومائة (فإذا ذكر عنده النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بكى) أي كثيرا (حَتَّى لَا يَبْقَى فِي
[ ٢ / ٧٤ ]
عينيه دموع ولقد رأيت الزّهريّ) وهو محمد بن شهاب (وكان من أهنا النّاس) بفتح همزة وسكون هاء فنون فهمزة أي ألطفهم في العشرة (وأقربهم) أي في المودة (فإذا ذكر عنده النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَأَنَّهُ مَا عَرَفَكَ وَلَا عَرَفْتَهُ) أي لتغير حاله واختلاف مقاله في مقام جلاله (لقد كنت آتي صفوان بن سليم) بالتصغير وهو الإمام القدوة المدني ممن يستشفي بذكره يروي عن ابن عمر وعبد الله بن جعفر وابن المسيب وعنه مالك وغيره (وكان من المتعبّدين المجتهدين) يقال إنه لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنة (فإذا ذكر النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بكى) فإن البكاء هو الشفاء من العناء والشقاء والمعنى استمر على البكاء (حتّى يقوم النّاس عنه ويتركوه) أي حذرا من رؤيته على تلك الحالة المحزنة (وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ الحديث) أي حديثه ﵊ (أخذه العويل) بفتح المهملة وكسر الواو أي صوت الصدر بالبكاء (والزّويل) بفتح الزاء وكسر الواو أي القلق به والعناء وأصل الزويل عدم الاستقرار يقال زال عن مكانه يزول زوالا وزويلا (ولمّا كثر على مالك النّاس) أي اجتمعوا عليه بكثرة بعد ما كانوا بوصف قلة (قيل له لو جعلت مستمليا) أي مبلغا للناس (يسمعهم) من الاسماع أي ليسمع القوم كلهم لكثرتهم وبعد بعضهم وجواب لو مقدر أي لكان حسنا أو معناه التمني أي تمنينا جعلك أحدا مستمليا (فقال قال الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) [الحجرات: ٢] أي توقيرا له وتكريما وتعزيزا له وتعظيما (وحرمته حيّا وميّتا سواء) لأن فناءه في الحقيقة بقاء فإنه حي يرزق بدار اللقاء (وكان ابن سيرين) من أجلاء التابعين (ربّما يضحك) أي يتبسم (فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم خشع) أي خاف وخضع وتواضع كذا في نسخة هنا والظاهر أنه مكرر لما سيأتي في الفصل الذي يليه (وكان عبد الرّحمن بن مهديّ) وهو أحد الأعلام في الحديث روى عنه أحمد قال ابن المديني أعلم الناس بالحديث هو عبد الرحمن بن مهدي وقال الزهري ما رأيت في يده كتابا يعني كان حافظا (إذا قرأ حديث النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أمرهم) أي الناس أو أصحابه (بالسكوت) أي رعاية لحرمته وعناية لفهم مقولته (وقال) أي عبد الرحمن مقتبسا من القرآن (لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) يعني وكذا فوق صوت راوي حديثه (ويتأول أنه يجب له) أي لأجله (من الإنصات عند قراءة حديثه) أي روايته بعد مماته (ما يجب له عند سماع قوله) أي كلام نفسه في حال حياته.
فصل [فِي سِيرَةِ السَّلَفِ فِي تَعْظِيمِ رِوَايَةِ حَدِيثِ رسول الله وسنته ﵊]
(في سيرة السلف) أي طريقتهم (فِي تَعْظِيمِ رِوَايَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم وسنته) ولعله أراد بالحديث قوله وبالسنة فعله (حدّثنا الحسين بن محمّد الحافظ) أي ابن سكرة (حدّثنا أبو الفضل بن خيرون) بفتح أوله المعجم فسكون تحتية فضم راء يمنع
[ ٢ / ٧٥ ]
وقد يصرف (حدّثنا أبو بكر البرقانيّ) بفتح الموحدة هو الحافظ الإمام أحد الأعلام أحمد بن محمد بن غالب الخوارزمي الشافعي شيخ بغداد صنف التصانيف وخرج على الصحيحين روى عنه البيهقي والخطيب وأبو إسحاق الشيرازي قال الخطيب كتبنا عنه توفي ببغداد سنة خمس وعشرين وأربعمائة (وغيره) أي من المشايخ (حدّثنا أبو الحسن الدّارقطنيّ) بفتح الراء ويسكن وهو الحافظ الإمام شيخ الإسلام المنسوب إلى دار قطن محلة ببغداد (حدّثنا عليّ بن مبشرّ) بفتح ميم وسكون موحدة وكسر معجمة (حدّثنا أحمد بن سنان) بكسر أوله وتنوين آخره (القطّان) بفتح القاف وتشديد الطاء هو الحافظ أبو جعفر الواسطي روى عنه الشيخان وغيرهما قال ابن أبي حاتم هو إمام أهل زمانه (حدّثنا يزيد بن هارون) وهو أبو خالد الواسطي السلمي أحد الأعلام قال أحمد حافظ متقن وقال ابن المديني ما رأيت احفظ منه وقال العجلي ثبت متعبد حسن الصلاة جدا يصلي الضحى ست عشرة ركعة وقد عمي (حدّثنا المسعودي) أي عبد الرحمن بن عتبة الكوفي أحد الأعلام روى عنه ابن المبارك ووكيع ثقة كثير الحديث توفي سنة ستين ومائة (عن مسلم البطين) بفتح الموحدة وكسر المهملة أبو عبد الله مسلم بن عمران الكوفي يروي عن أبي وائل وعلي بن الحسين وأبي عبد الرحمن السلمي والأعمش وابن عون وثقه أحمد وغيره (عن عمرو بن ميمون) هو الأزدي يروي عن عمر ومعاذ وطائفة وكان كثير الحج والعبادة (قال) أي عمرو بن ميمون كما في رواية الدارمي (اختلفت إلى ابن مسعود رضي الله تعالى عنه) أي ترددت إلى خدمته (سَنَةً فَمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بصريح اسمه وكأنه كان يكتفي بضمير اسمه (إلّا أنّه حدّث يوما) أي وقتا من زمانه (ثم جرى عَلَى لِسَانِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم ثمّ علاه كرب) بفتح وسكون أي غلبه غم يأخذ بالنفس (حتّى رأيت العرق يتحدّر) بتشديد الدال وفي نسخة ينحدر بالنون أي يسيل نازلا (عن جبهته) أي من جهة كثرته (ثمّ قال) أي ابن مسعود رضي الله تعالى عنه حديثه الذي رويته لكم عنه ﵊ (هكذا) أي بهذا اللفظ (إن شاء الله تعالى) أي لكمال احتياطه (أو فوق ذا) أي بقليل (أو ما دون ذا) أي ببعض شيء (أو ما هو قريب من ذا) أي مما أقوله في نقل هذا وهذا كله تفاديا من الدخول في قوله ﵊ من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار وكان أبو الدرداء أيضا إذا حدث قال مثله وكان أنس رضي الله تعالى عنه إذا حدث قال أو كما قال (وفي رواية فتربّد وجهه) بتشديد الموحدة أي فتغير لون وجه ابن مسعود وزيد في نسخة إلى غبرة وهي سواد مشوب ببياض فإن الربدة لون إلى الغبرة قال الهروي يقال تربد لونه أي تلون وصار كلون الرماد (وفي رواية وقد) وفي نسخة فقد (تغرغرت عيناه) أي امتلأت عينا ابن مسعود دمعا يتردد فيهما من الغرغرة وهي في الأصل أن يجعل المشروب في الفم ويردد إلى الحلق من غير أن يبلع ومنه حديث أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر أي ما لم تبلغ روحه حلقومه تشبيها لها بالشيء الذي يتغرغر به المريض (وانتفخت أوداجه) جمع ودج هو
[ ٢ / ٧٦ ]
ما أحاط بالعنق من عروق الحلق التي يقطعها الذابح (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرَيْمٍ) مصغر قرم بالقاف أي مقدام في المعركة وعن علي انا أبو الحسن القرم المقدام في الرأيّ وهو في الأصل فحل الإبل والمعنى أنا فيهم بمنزلته (الأنصاريّ قاضي المدينة) أخرج له الترمذي فقط (مرّ مالك بن أنس) وهو إمام دار الهجرة (على أبي حازم) بكسر الزاء وحاؤه مهملة وهو سلمة بن دينار الأعرج أحد الأعلام يروي عن سهل بن سعد وابن المسيب وعنه مالك وأبو ضمرة قال ابن خزيمة ثقة لم يكن في زمانه مثله (وهو يحدّث) أي والحال أن أبا حازم يحدث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (فجازه) أي جاز الموضع أو الشيخ وهو بمعنى جاز به وجاوزه والمعنى لم يجلس إليه ليأخذ الحديث عنه (وقال) اعتذارا لمن أورد عليه السؤال بلسان القال أو ببيان الحال (إنّي لم أجد موضعا أجلس فيه) أي متأدبا (فكرهت أن آخذ) أي أسمع وأتحمل (حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا قائم) قال الدلجي والعجب منه رحمه الله تعالى أنه كان مع مبالغته في تعظيم حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقدم عليه عمل أهل المدينة وإن خالفه ويقول هذا لم يصحبه عمل فجعل العمل بحديثه صلى الله تعالى عليه وسلم مشروطا بعلم غيره مع قوله تعالى وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ولم يوافقه أحد من علماء الأمصار على ذلك قال الشافعي كنت أظن أنه لم يخالف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلّا في ستة عشر حديثا فوجدته يعمل بالفرع ويترك الأصل فمكثت سنة استخير الله تعالى في مخالفته ولما خالفه سعى به المالكية إلى السلطان فأمره بأن يخرج من مصر فقال له اجلني ثلاثة أيام فأجله فليلة الثالث مات السلطان فمكث الشافعي وألف كتبه الجديدة بها إلى أن توفي بها تاسع عشرين من جمادى الآخرة سنة أربع ومائتين رحمه الله تعالى انتهى ولا يخفى أن المجتهد أسير الدليل وأصول الفقهاء مختلفة في التعليل فمذهب مالك إن عمل أهل المدينة بناء على أنهم أخذوا عن آبائهم من المهاجرين والأنصار التابعين لسيد الأبرار مقدم على حديث بظاهره يخالفهم فكأنه جعل عملهم بمنزلة اجماعهم وهذا يشبه اختلاف أصول علمائنا الحنفية وهو أن الراوي إذا عمل بخلاف روايته دل على أن حديثه منسوخ أو توهم في نقله ورجع عنه بفعله ونظير هذا عمل أهل مكة في الطواف بإرسال اليد حيث يكون بمنزلة الإجماع المانع من أن يكون وضع اليد فيه مستحبا بل يحكم فيه بأنه مكروه لكونه بدعة وأما قول الشافعي في حقه مع قلة أدبه فمحمول على ظنه به أنه كان يخالف ظاهر الأحاديث النبوية وهكذا شأن كل مجتهد بالنسبة إلى غيره من الأئمة مع أن الفضل للمتقدم بلا شبهة وقوله فوجدته يعمل بالفرع دون الأصل هو الفعل الذي لا يليق أن يصدر مثله من أرباب الفضل (وَقَالَ مَالِكٌ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ الْمُسَيَّبِ) بتشديد الياء المفتوحة وقد تكسر (فسأله) أي الرجل (عن حديث وهو) أي والحال أن ابن المسيب (مضطجع) أي واضع جنبه على الأرض (فجلس وحدّثه) ولعله كان مريضا فتكلف في جلوسه (فقال له الرّجل وددت) بكسر الدال الأولى أي أحببت
[ ٢ / ٧٧ ]
وتمنيت (أنّك لم تتعنّ) بالعين المهملة وتشديد النون أي لم تتعب ولم تتكلف العناء لنفسك بجلوسك (فَقَالَ إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا مضطجع) جملة حالية (وروي) بصيغة المجهول أي نقل (عن محمّد بن سيرين) بمنع صرفه للعلمية وزيادة الياء والنون على مذهب الفارسي وهو أحد الأعلام يروي عن أبي هريرة وعمران بن الحصين ولم يسمع منه قاله الدارقطني وروايته عنه في الصحيح وقد تعقب الدارقطني النووي في شرح مسلم فقال بل هو معدود فيمن سمع منه انتهى وكان ثقة حجة كثير العلم ورعا بعيد الصيت قليل كان يصوم يوما ويفطر يوما وله سبعة أوراد في الليل وترجمته طويلة (أنّه قد يكون يضحك) أي مع أصحابه (فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم خشع) أي ظاهرا وباطنا (وقال أبو مصعب) هو أحمد بن أبي بكر بن القاسم ابن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف أبو مصعب الزهري العوفي قاضي المدينة وعالمها سمع مالكا وطائفة وعنه جماعة وهو ثقة حجة ولا عبرة بقول أبي خثيمة لابنه أحمد لا تكتب عن أبي مصعب واكتب عمن شئت (كان مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه لَا يُحَدِّثُ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم إلّا وهو على وضوء) أي طهارة (إجلالا له) أي لحديثه ﵊ (وحكى مالك ذلك) أي مثل ذلك (عن جعفر بن محمّد) وهو الصادق وقد تقدم (وقال مصعب بن عبد الله) أي ابن مصعب بن ثابت الزبيري (كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إِذَا حَدَّثَ عَنْ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي إذا أراد تحديثه عنه (توضّأ وتهيّأ) أي بالمشط ونحوه (ولبس ثيابه) أي غير ثياب البذلة (ثمّ يحدث قال مصعب فسئل) أي مالك (عن ذلك) أي عن سبب ما ذكر هنالك (فَقَالَ إِنَّهُ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي المقام مقام تحديثه ﵊ فيجب التوقير على الأنام (قال مطرّف) بتشديد الراء المكسورة وهو ابن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار أبو مصعب اليساري المدني مولى ميمونة الهلالية وهو ابن أخت الإمام مالك ابن أنس يروي عن خاله ونافع القاري وعنه البخاري وأبو زرعة (كان إذا أتى النّاس مالكا) أي وقفوا على بابه (خرجت إليهم الجارية) أي الخادمة أولا بإذنه ليعلم من هو فيعامله بما يليق بشأنه من دخول أو خروج ونحوه (فتقول) أي الجارية (لهم يقول لكم الشّيخ تريدون) أي أتريدون (الحديث) أي نقل الأحاديث النبوية (أو المسائل) أي رواية الفروع الفقهية والاستفهام للاستعلام لا للتقدير كما وهم الدلجي على ما لا يخفي عند ذوي الأفهام (فإن قالوا المسائل) أي نريدها (خرج إليهم) أي على هيئته من غير تغير في حالته (وإن قالوا الحديث) أي نطلبه (دخل مغتسله) أي موضع اغتساله (واغتسل) أي غسلا كاملا أو توضا وضوءا كاملا أو معناه فتطهر (وتطيّب) الواو للمعية فلا ينافي كونه قبل قوله (ولبس ثيابا جددا) بضمتين جمع جديد حقيقة أو حكما فيشمل النظيف المغسول (ولبس ساجه) بالإضافة إلى ضميره أي طيلسانه وقيل الأخضر ههنا خاصة وفي القاموس هو الطيلسان الأخضر أو
[ ٢ / ٧٨ ]
الأسود (وتعمم) أي لبس عمامته (ووضع على رأسه رداءه وتلقى) بصيغة المجهول أي توضع (له منصّة) بكسر ميم ويفتح وبفتح نون وتشديد صاد مهملة سرير العروس وقيل مثل المخدة العالية وقيل المراد بها الكرسي (فيخرج فيجلس عليها وعليه الخشوع) أي آثاره من الخضوع (ولا يزال) قيل أي الشأن والظاهر أن الضمير لمالك (يبخّر) بتشديد الخاء المعجمة المفتوحة ويروى يتبخر (بالعود) ويعاد بِالْعُودِ (حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم قال غيره) أي غير مطرف (ولم يكن) أي مالك ﵀ (يَجْلِسُ عَلَى تِلْكَ الْمِنَصَّةِ إِلَّا إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلم) أي بخلاف سائر العلوم من التفسير والفقه ونحوهما (قال ابن أبي أويس) وهو إسماعيل بن عبد الله بن أويس الأصبحي ابن أخت مالك بن أنس يروي عن خاله مالك وأبيه وجماعة وعنه الشيخان وعلي البغوي وطائفة قال أبو حاتم محله الصدق وضعفه النسائي (فقيل لمالك في ذلك) أي فسئل عن سبب ما فعله هنالك (فَقَالَ أُحِبُّ أَنْ أُعَظِّمَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم ولا أحدث) بالنصب ويرفع (به) أي بحديثه ﵊ (إلا على طهارة) أي كاملة (متمكنا) أي على حالة فاضلة لا متكئا ومعتمدا على شقة مائلة (قال) أي ابن أبي أويس (وكان) أي خاله مالك (يكره أن يحدّث) بكسر الدال المشددة أي يتكلم بالحديث النبوي (في الطّريق) أي سائرا (أو وهو قائم أو مستعجل) خوفا من الخطأ أو الخطل ومن ثمة قيل:
قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل
(وقال) أي مالك في تعليل ذلك (أحبّ أن أفهّم) بالتشديد أي الطالب (حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) بالوجه الأتم (قال ضرار بن مرّة) بضم ميم وتشديد راء أي أبو سنان الشيباني الكوفي يروي عن سعيد بن جبير وعنه شعبة ونحوه وكان من العباد والثقات (كانوا) أي السلف (يكرهون أن يحدّثوا) أي الحديث كما في نسخة (على غير وضوء) أي طهارة (ونحوه عن قتادة رضي الله تعالى عنه) أي وكان قتادة لا يحدث إلا على طهارة ولا يقرؤه إلّا على وضوء (وكان الأعمش) أي سليمان بن مهران (إذا حدّث) أي أَرَادَ أَنْ يُحَدِّثَ (وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ تَيَمَّمَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ كُنْتُ عند مالك) أي يوما (وَهُوَ يُحَدِّثُنَا فَلَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ سِتَّ عَشْرَةَ مَرَّةً) كذا في النسخ المصححة ووقع في أصل الدلجي ستة عشر مرة فقال صوابه ست عشرة مرة إذ التاء إنما تلحق في مثل هذا التركيب ثاني جزأيه (وهو) أي مالك (يتغيّر لونه) أي من شدة الألم (ويصفرّ) أي وينحل إلى صفرة من أثر السم (وَلَا يَقْطَعُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي محافظة على اكماله ومراعاة لإجلاله (فلمّا فرغ من المجلس) أي مجلس التحديث (وتفرّغ عنه النّاس) أي العامة (قُلْتُ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَقَدْ رأيت منك اليوم عَجَبًا قَالَ نَعَمْ لَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ سِتَّ عَشْرَةَ مَرَّةً وَأَنَا صَابِرٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا صبرت) أي هنالك (إجلالا لحديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
[ ٢ / ٧٩ ]
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ مَشَيْتُ يَوْمًا مَعَ مَالِكٍ إلى العقيق) قال الجوهري كل مسيل شقه ماء السيل فهو عقيق وقال الحلبي العقيق واد عليه مال من أموال أهل المدينة وهو على ثلاثة أميال وقيل ميلين وقيل سبعة قال ابن وضاح وهما عقيقان أحدهما عقيق المدينة عق عن حرتها أي قطع وهو العقيق الأصغر وفيه بئر رومة والعقيق الآخر أكبر من هذا وفيه بئر على مقبرة منه وهو من بلاد مزينة وهو الذي أقطعه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بلال بن الحارث ثم اقطعه عمر الناس فعلى هذا تحمل المسافتان لا على الخلاف والعقيق الذي جاء فيه إنك بواد مبارك هو الذي ببطن وادي ذي الحليفة وهو الأقرب منها والعقيق ميقات أهل العراق موضع قريب من ذات عرق قبلها بمرحلة أو مرحلتين والظاهر أنه ليس المراد وإنما المراد واحد من التي بالمدينة ولعله الأول وفي بلاد العرب مواضع كثير تسمى العقيق والله ولي التوفيق (فسألته عن حديث فانتهرني) أي زجرني (وقال لي كنت في عيني أجلّ) أي أعظم (مِنْ أَنْ تَسْأَلَ عَنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم ونحن نمشي) جملة حالية (سأله) أي مالكا (جرير بن عبد الحميد القاضي) أي الضبي يروي عنه أحمد وإسحاق وابن معين وله مصنفات (عن حديث وهو قائم) حال من مالك أو من جرير (فأمر) أي مالك (بحسبه، فقيل له إنّه قاض فقال) أي مالك (قال: القاضي أحقّ من أدّب) بصيغة المجهول أي هو أولى ليتأدب به غيره أو ليتعلم الأدب قال الدلجي ودب كذا بالواو والأصل الهمزة يعني فأبدلت الهمزة واوا كما في وكد وأكد انتهى لكن لا أصل له هنا فإن الودب سوء الحال لا غير على ما في القاموس زيادة على الصحاح (وذكر) بصيغة المفعول أي وحكي (أنّ هشام بن الغازي) وفي نسخة الغاز بلا ياء قال الحلبي هذا هشام بن الغاز بن ربيعة الجوشني يروي عن مكحول وعطاء وقد توفي سنة ست وخمسين ومائة فهو معاصر لمالك وقد توفي قبل مالك والله تعالى أعلم بذلك وقال بعض الفضلاء لا نعلم لهشام بن الغازي رواية عن مالك رحمه الله تعالى وإنما الحكاية عن هشام بن عمار الدمشقي ونقل ذلك عن الحافظ الرشيد العطار انتهى فأخطأ الدلجي في جزمه بقوله وصوابه هشام بن عمار خطيب جامع دمشق ثم قوله وأما ابن الغاز فتابعي لم يرو عن مالك لموته قبل مالك غير صحيح لما ثبت قبل ذلك أنه كان معاصرا لمالك وهو لا ينافي موته قبل مالك ثم لا يبعد أنه سمع مالكا ولم يرو عنه ولعل هذه القضية سبب ذلك والحاصل أنه أو غيره (سأل مالكا عن حديث وهو واقف) أي قائم كما سبق (فضربه عشرين سوطا ثمّ أشفق عليه) أي حن عليه لما وقع له من الإهانة لديه (فحدّثه عشرين حديثا) أي استمالة لخاطره إليه وأما قول الدلجي أي خاف عليه لضربه إياه بلا ذنب يوجب ذلك فغير مستقيم لأنه يلزم من ذلك اسناد الذنب إلى مالك مع أن للأستاذ تأديب الطالب بما يرى هنالك (قال) وفي نسخة فقال (هشام وددت) بكسر الدال أي تمنيت وأحببت (لو زادني سياطا) أي كثيرة (ويزيدني حديثا) أي يدل كل سوط (قال عبد الله بن صالح) الظاهر أنه أبو صالح الجهني كاتب الليث روى عنه ابن معين والبخاري قال الفضل بن الشعراني ما رأيته إلّا يحدث أو يسبح (كَانَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ لَا يَكْتُبَانِ
[ ٢ / ٨٠ ]
الحديث إلّا وهما طاهران) صفة لهما والأصل امتناع توسط الواو بين الصفة والموصوف كما في قوله تعالى وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ إلّا انها لما شابهت الحال توسطتهما لتأكيد لصوقها بالموصوف كما في قوله ﷿ وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (وكان قتادة يستحبّ) بصيغة الفاعل أي يستحسن (أن لا يقرأ) أي هو أو أحد ولا يبعد أن يضبط بصيغة المفعول (أحاديث النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا عَلَى وُضُوءٍ وَلَا يُحَدِّثُ إلّا على طهارة) تأكيد لما قبله وضبط في نسخة بصيغة المجهول فتحصل المغايرة بأن يحمل الأول على فعله والثاني على غيره وأما قول الدلجي أي يغسل بقرينة ما قبله فلا يدفع الاشكال بل يقوي الأعضال والله تعالى أعلم بالحال والأظهر أن يراد بالطهارة المعنى الأعم الشامل للتيمم ويؤيده قوله (وَكَانَ الْأَعْمَشُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحَدِّثَ وَهُوَ على غير وضوء) جملة حالية اعتراضية بين الشرط وجزاءه (تيمّم) أي اعتناء بتعظيم حديثه صلى الله تعالى عليه وسلم.
فصل [ومن توقيره صلى الله تعالى عليه وسلم وبره بر آله]
(ومن توقيره صلى الله تعالى عليه وسلم) أي تعظيمه وتكريمه (وبرّه) أي ومن طاعته في أمره وزجره (برّ آله) أي إحسان أهل بيته وعشيرته ولا وجه لتخصيص الدلجي هنا ببني هاشم وبني الطالب دون بني عبد شمس وبني نوفل وإن خص الأولان بالخمس (وذرّيّته) أي نسله وعترته الشاملة لبناته وللحسنين وأولادهما من الأئمة وغيرهم (وأمّهات المؤمنين أزواجه) أي زوجاته الطاهرات وهن عائشة الصديقة بنت الصديق وخديجة بنت خويلد وحفصة بنت الفاروق وأم حبيبة بنت أبي سفيان أخت معاوية وسودة بنت زمعة وأم سلمة بنت أبي أمية وميمونة بنت الحارث وزينب بنت جحش وجويرية بنت ضرار وصفية بنت حيي كذا ذكره الدلجي وكان الأولى أن يقدم خديجة الكبرى أم فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنهما (كما حضّ عليه) بتشديد الضاد المعجمة أي حث وحرض على برهم (﵇) أي في أحاديث كثيرة (وسلكه) أي مسلكه أي مسلكه (السّلف الصّالح ﵃) أي بالقول والفعل كما وجب عليهم قال ابن الفقاعي السلف الصالح هم الصدر الأول من التابعين (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ) استئناف تعليل لأمرهن بالأمر الأهم ونهيهن عن أن يقترفن المأثم صونا لا عراضهن عن أن تتدنس بالرجس واستعير الرجس للمعصية تنفيرا لهن عنها وترغيبا فيما أمرهن بخلافهما ولعله ﷾ خاطبهن بخطاب الذكور لأنهن في مقام الكمال كأنهن في حال الرجال قال تعالى في حق مريم وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ وورد كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران وفضل عائشة على النساء امرأة كفضل الثريد على سائر الطعام رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن أبي موسى والأظهر أن فيه تغليبا ليشمل بقية آله وأهل بيته ولذا قال (أَهْلَ الْبَيْتِ) [الأحزاب: ٣٣] الآية نصب على النداء أو المدح (ويطهركم) عن
[ ٢ / ٨١ ]
الأخلاق الدنية والأحوال الرديئة (تطهيرا) أي بليغا كثيرا والرجس على ما قال الزهري اسم لكل مستقذر من عمل وأراد بأهل البيت نساء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأنهن في بيته وروي ذلك وعن ابن عباس وعن أبي سعيد الخدري وجماعة من التابعين أنهم علي وفاطمة والحسن والحسين قول ولا منع من الجمع وأما تخصيص الشيعة أهل البيت بفاطمة وعلي وابنيهما لما ورد أنه ﵊ خرج غداة يوم وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله فيه ثم الحسين فأدخله ثم فاطمة فأدخلها ثم علي فأدخله ثم قال إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا واحتجاجهم على عصمتهم وكون إجماعهم حجة فمردود بأن تخصيصهم بكونهم أهل البيت يكذبه ما قبل الآية وما بعدها والحديث إنما هو مؤذن بأنهم من أهله لا أن غيرهم ليس بأهله (وقال تعالى وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الأحزاب: ٦] تشبيه لهن بالأمهات في جوب تعظيمهن واحترامهن وتحريم نكاحهن بدليل قوله تعالى وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا في غير ذلك كالاجنبيات ولذا قالت عائشة رضي الله تعالى عنها لسنا أمهات النساء أرادت انهن إنما كن أمهات الرجال لأنهن محرمات عليهم كتحريم أمهاتهم عليهم وهذا الحكم غير متحقق في حق النساء لأنهن لو كن أمهاتهن لما جوز زواج بناتهن (أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَحْمَدَ الْعَدْلُ) مبالغة العادل (من كتابه) متعلق بأخبرنا (وكتبت من أصله) أي المروي عن مشايخه (ثنا) أي حدثنا (أبو الحسن المقرىء) بالهمزة في آخره وقد يخفف أي معلم قراءة القرآن (الفرغانيّ) منسوب إلى فرغانة بفتح الفاء وسكون الراء فغين معجمة ناحية من المشرق (حَدَّثَتْنِي أُمُّ الْقَاسِمِ بِنْتُ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الخفّاف) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الفاء الأولى (قالت حدثني أبي ثنا) أي قال حدثنا (حاتم) بكسر الفوقية (هو ابن عقيل) بالتصغير (حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا يَحْيَى هو الحمّانيّ) بكسر المهملة وتشديد الميم ثم نون فياء نسبة (حدّثنا وكيع) أي ابن الجراح أحد الأعلام يروي عن الأعمش وغيره وعنه أحمد ونحوه قال أحمد ما رأيت أوعي للعلم منه كان أحفظ من ابن مهدي وقال حماد بن زيد لو شئت لقلت إنه أرجح من سفيان وقال أحمد لما ولي حفص بن غياث القضاء هجره وكيع (عن أبيه) أي الجراح بن مليح بن عدي الرواسي وثقه أبو داود ولينه بعضهم (عن سعيد بن مسروق) أي الثوري يروي عن أبي وائل والشعبي وعنه ابناه سفيان ومبارك وأبو عوانة ثقة أخرج له الأئمة الستة (عن يزيد بن حيّان) بفتح حاء مهملة فتحتية مشددة تيمي ثقة اخرج له مسلم وأبو داود والنسائي (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أنشدكم الله) بفتح الهمزة وبضم الشين (أهل بيتي) بالنصب على نزع الخافض وفي نسخة طبق رواية أخرى في أهل بيتي أي أسألكم الله في حق أهل بيتي بالاحسان إليهم والشفقة عليهم أو أقسم عليكم بالله أن تراعوني في أهل بيتي (ثلاثا) أي قالها ثلاث مرات مبالغة في الحث على احترامهم (قلنا لزيد) وهو ابن أرقم راوي الحديث لأن صاحب البيت
[ ٢ / ٨٢ ]
أدرى بما فيه (من أهل بيته) أي من المراد بهم في هذا الحديث (قَالَ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَقِيلٍ) وهم أولاد أبي طالب (وآل عبّاس) وفي نسخة وآل العباس والمراد هم وآلهم ممن يرجع إليهم في النسب مآلهم وقد يقحم الآل كما في قوله تعالى آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تفخيما لشأنهما ثم اعلم أن هذا الحديث في مسلم أخرجه في الفضائل وأخرجه النسائي في المناقب ولو أخرجه القاضي من مسلم لوقع له أعلى من الطريق الذي ساقه وكذا لو أخرجه من النسائي إلّا أنه أراد التنوع في الروايات لأن من شأن الحفاظ أن الحديث إذا كان في الكتب الستة أو أحدها يخرجونه من غيرها لكن في الغالب إنما يصنعون هذا طلبا للغو أو الزيادة فيه أو تصريح مدلس بالسماع أو الأخبار أو التحديث أو لكون الطريق أسلم أو لغير ذلك مما هو معروف عند أربابه والله أعلم (قال صلى الله تعالى عليه وسلم) أي فيما رواه الترمذي عن زيد بن أرقم وجابر وحسنه (إنّي تارك فيكم ما) أي شيئا عظيما فما موصوفة صفتها (إن أخذتم به) أو موصولة والشرطية صلتها أي إن تمسكتم به وعملتم به يروى ما إن تمسكتم به (لن تضلّوا) أي عن الحق بعده أبدا (كتاب الله وعترتي أهل بيتي) تفصيل بعد اجمال وقع بدلا أو بيانا (فانظروا) أي فتأملوا وتفكروا (كيف تخلفوني) بتخفيف النون وتشدد أي كيف تعقبونني (فيهما) أي في حقهما ووقع في أصل الدلجي كتاب الله وعترتي بين الشرط والجزاء وهو مخالف للأصول المعتمدة ثم المراد بعترته أخص قرابته وقيل المراد علماء أمته فالتمسك بالقرآن التعلق بأمره ونهيه واعتقاد جميع ما فيه وحقيته والتمسك بعترته محبتهم ومتابعة سيرتهم (وقال صلى الله تعالى عليه وسلم) لا يعرف راويه (معرفة آل محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم براءة من النّار) أي من ألم حرها وسقم بردها (وحبّ آل محمّد جواز على الصّراط) بفتح الجيم صك المسافر برخصة المرور والعبور أي سبب سهولة مجاوزته الصراط (والولاية) بفتح الواو أي النصرة والإعانة والمحبة (لآل محمّد أمان من العذاب) وبكسرها لغة أيضا كما قرىء بهما في السبعة قوله تعالى ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ فقد قرأها حمزة بالكسر فقول الدلجي وأما بكسرها فمن الولاية بمعنى الملك ليس في محله مع أن الولاية قد تأتي بمعنى تولي الأمر وضد التبري وبمعنى المحبة ومنه ما ورد اللهم وال من والاهم (قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مَعْرِفَتُهُمْ هِيَ مَعْرِفَةُ مَكَانِهِمْ) أي مكانتهم وقرب شأنهم (من النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي نسبا وحسبا (فإذا) وفي نسخة وإذا (عرفهم بذلك) أي بما ذكر قربة ورتبة (عرف وجوب حقّهم) في التكريم (وحرمتهم) في التعظيم (بسببه) أي بسبب نسبة النبي الكريم عليه التحية والتسليم (وعن عمر بن أبي سلمة) كما رواه الترمذي وهو ربيبه ﵊ وابن أخيه من الرضاعة أرضعتهما ثويبة مولاة عمه أبي لهب ولد بالحبشة (لمّا نزلت) أي هذه الآية (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) [الأحزاب: ٣٣] (الآية وذلك) أي نزولها كان (في بيت أمّ سلمة) أي زوجته ﵊ الراوي وهي آخر أمهات المؤمنين موتا توفيت في إمارة يزيد
[ ٢ / ٨٣ ]
والجملة معترضة (دعا فاطمة وحسنا وحسينا فجلّلهم بكساء) جواب لما أي غطاهم به قدام وجهه (وَعَلِيٌّ خَلَفَ ظَهْرِهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا وعن سعد بن أبي وقاص) كما رواه مسلم (لمّا نزلت آية المباهلة) أي الملاعنة مفاعلة من البهلة وهي اللعنة فإذا اختلف قوم في شيء اجتمعوا فقالوا لعنة الله على الظالم منا والمراد من آية المباهلة قوله تعالى فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي نتضرع إلى الله فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (دعا) جواب لما أي طلب (النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا وَفَاطِمَةَ وَقَالَ اللهم هؤلاء أهلي) أي الأقربون (فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم) أي كما مر (في علي) أي في حقه (من كنت مولاه) أي وليه وناصره (فعليّ مولاه) أي يدفع عنه ما يكره قال الشافعي رحمه الله تعالى يعني به ولاء الإسلام قال الله تعالى ذلك بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ وإلا ظهر الاستدلال بقوله تعالى إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ لما روي أنها نزلت في علي كرم الله وجهه وإنما أتى بصيغة الجمع لتعظيمه أو المراد به هو وأمثاله مع أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب هذا وذهب أكثرهم إلى أن الحديث بمعنى البر والصلة ومراعاة الذمة ومنهم من ضعفه وقال أبو العباس معناه من أحبني وتولاني فليتوله وقال الحافظ أبو موسى أي من كنت أتولاه فعلي يتولاه قيل وكان سببه أن أسامة بن زيد قال لعلي لست مولاي إنما مولاي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال ﵊ الحديث (وقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم) على ما روى أحمد عن أبي أيوب الأنصاري أنه ﵊ قال فِي عَلِيٍّ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ (اللهمّ وال من والاه) أي أحب من أحبه وراعاه (وعاد من عاداه) أي أبغض من أبغضه وما أرضاه قال في الكشاف الموالاة خلاف المعاداة مفاعلة من الولي وهو القرب كما أن المعاداة مفاعلة من العدو وهو البعد (وقال) كما رواه مسلم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم (فيه لا يحبّك إلّا مؤمن) أي كامل الإيمان (ولا يبغضك إلّا منافق) أي ناقص الإيقان وقد روى عدي بن ثابت عن زر بن حبيش عن علي رضي الله تعالى عنه قال عهد إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يَبْغَضُكَ إِلَّا منافق وورد في بعض الأحاديث النظر إلي وجه علي عبادة (وقال للعبّاس رضي الله تعالى عنه) كما روى ابن ماجه والترمذي وصححه (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الإيمان) أي على وجه الإحسان (حتّى يحبّكم لله ورسوله) والخطاب لأهل بيت النبوة (ومن آذى عمّي) أي العباس (فقد آذاني) أي فكأنه آذني (وإنّما عمّ الرّجل صنو أبيه) بكسر الصاد وقد تضم أي مثله في أن أصلهما واحد فقد كالعلة لكون حكمهما في الإيذاء سواء وأصله النخلتان تخرجان من أصل واحد ومنه قوله تعالى وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ
[ ٢ / ٨٤ ]
صِنْوانٍ فالأخ صنو الشقيق (وقال للعباس) كما روى البيهقي عن أبي أسيد الساعدي (اغد) بضم همزة وصل وضم الدال أمر من غدا يغدو أي ائتني غدوة وهي أول النهار (مع ولدك) بفتحتين وبضم فسكون أي أولادك من ذكور وإناث لشمول الولد لهما (فجمعهم) أي غدوة عليه (وجلّلهم) بالجيم وتشديد اللام الأولى أي غطاهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (بملاءته) بضم أوله وتخفيف اللام والمد أي ريطته أو كسائه (وقال اللهم هذا عمّي وصنو أبي وهؤلاء) أي أولاده (أهل بيتي فاسترهم من النّار) أي في دار القرار (كستري إيّاهم) في هذه الدار (فأمّنت) بتشديد الميم أي قالت آمين (أسكفّة الباب) بضم الهمزة والكاف وتشديد الفاء أي عتبته (وحوائط البيت) أي جدرانه المحيطة به من جميع جهاته (آمين آمين) أي مكررا وهو مقول على وجه التأكيد أو من طريق التجريد وهو بالمد أشهر من قصره ولا يجوز تشديد ميمه على الصحيح وهو اسم مبني على الفتح معناه استجب وفي الحديث آمين خاتم رب العالمين أي طابعه على العباد فكأنه خاتم الكتاب يصونه من الفساد (وكان) أي النبي ﵊ كما في البخاري عن أسامة وغيره (يأخذ بيد أسامة بن زيد) أي ابن حارثة مولاه (والحسن) أي بيد الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما (وَيَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا وَقَالَ أَبُو بكر ﵁ ارقبوا محمّدا) بضم القاف أي راعوه واحترموه (في أهل بيته وقال) أي الصديق (أيضا) كما في الصحيحين (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم أحبّ إلي أن أصل) أي صلتهم (من قرابتي) أي من صلة أقاربي لقرب مكانتهم عنده مع مراعاة قوله تعالى قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى (وقال صلى الله تعالى عليه وسلم) كما روى الترمذي وحسنه وابن ماجه عن يعلى بن مرة (أحبّ الله من أحبّ حسنا) وفي رواية حسينا وفي نسخة وحسينا والجملة دعائية ولا يبعد أن تكون خبرية (وقال) كما تقدم مرارا (مَنْ أَحَبَّنِي وَأَحَبَّ هَذَيْنِ وَأَشَارَ إِلَى حَسَنٍ وحسين وأباهما) أي وأحب أباهما عليا المرتضى (وأمّهما) فاطمة الزهراء (كان معي) أي مشاركا لي (في درجتي) أي جواري (يوم القيامة) لأن من أحب قوما حشر معهم (وقال صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَهَانَ قُرَيْشًا أَهَانَهُ اللَّهُ) رواه الترمذي وحسنه عن سهل ابن أبي وقاص بلفظ من يرد هوان قريش أهانه الله لأنهم أفضل بني آدم إجمالا وهم ولد النضر بن كنانة من بني إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن (وقال) كما روى البزار عن علي وابن أبي شيبة عن سهل بن أبي حثمة (قدّموا قريشا) أي في الخلافة ونحوها (ولا تقدّموها) بحذف إحدى التاءين (وقال صلى الله تعالى عليه وسلم) كما في البخاري (لأمّ سلمة لا تؤذيني في عائشة) أي لفضلها نسبا وحسبا روي أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بذلك مرضاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأن نساء النبي ﵊ كن حزبين فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة والحزب الآخر أم سلمة وسائر نسائه ﵊ فكلم حزب أم سلمة أم سلمة أن كلمي رسول الله صلى الله
[ ٢ / ٨٥ ]
تعالى عليه وسلم يقول للناس من أراد أن يهدي إلى النبي ﵊ فليهده حيث كان فكلمته فقال لا تؤذيني في عائشة فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلّا عائشة وتمام الحديث في المصابيح (وعن عقبة بن الحارث) كما في البخاري (رأيت أبا بكر) أي الصديق (رضي الله تعالى عنه وجعل الحسن على عنقه) جملة حالية (وهو) أي أبو بكر (يقول: بأبي) أي أفديه بأبي (شبيه بالنّبيّ) أي هو شبيه به في كثير من الوجوه (ليس شبيها بعلي) أي في بعض الوجوه (وعليّ يضحك) أي فرحا بفعل الصديق وقوله الدال على أنه الصديق في مقام التحقيق وممن كان شبيها به ﵊ من آله جعفر بن أبي طالب وقثم بن العباس والسائب بن زيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب جد الشافعي وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ومن غير آله كثيرون منهم شخص من أهل البصرة يقال له كابس بن ربيعة بن مالك السامي بالسين المهملة قبله معاوية بين عينيه وأقطعه قطيعة وكان أنس إذا رآه بكى وسيأتي قريبا ذكر كابس في أصل الكتاب وقال الذهبي في التهذيب في ترجمة عبد الله بن جعفر أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أتاهم بعد ما أخبرهم بقتل جعفر فقال لا تبكوا بعد اليوم وذلك بعد ثالثه ثم قال ائتوني ببني أخي فجيء بنا كأننا أفراخ فقال ادعوا إلى الحلاق فأمره فحلق رؤوسنا ثم قال أما محمد فشبه عمنا أبي طالب وأما عبد الله فشبه خلقي وخلقي ثم أخذ بيدي فاشالها ثم قال اللهم اخلف جعفرا في أهله وبارك لعبد الله في صفقته فجاءت أمنا فذكرت يتمنا فقال العلية تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة هذا والحسن بن علي كان يشبهه بنصفه الأعلى والحسين بنصفه الأسفل ولعل هذا هو السر في أن أكثر الذرية من الحسين رضي الله تعالى عنه (وروي عن عبد الله بن الحسن) أي ابن حسن كما في نسخة وهو ابن علي بن أبي طالب يروي عن أبيه وأمه فاطمة بنت الحسن وعنه مالك وابن علية أخرج له أصحاب السنن الأربعة مات سنة خمس وأربعين ومائة (قال أتيت عمر بن عبد العزيز) أي ابن مروان بن الحكم (في حاجة فقال لي إذا كان لك حاجة فأرسل إليّ) أي أحدا (أو اكتب) أي لي كتابا واذكر حاجتك ويروى أو اكتب إلي (فإنّي أستحيي من الله أن يراك) وفي نسخة أن أراك (على بابي وعن الشّعبيّ) فيما رواه الحاكم وصححه البيهقي وغيره (قال صلّى زيد بن ثابت) أي الأنصاري (عَلَى جِنَازَةِ أُمِّهِ ثُمَّ قُرِّبَتْ لَهُ بَغْلَتُهُ) بصيغة المجهول (لِيَرْكَبَهَا فَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَخَذَ بِرِكَابِهِ فَقَالَ زيد) تكريما له وتعظيما (خلّ عنه) أي دع الركاب وتباعد منه (يا ابن عمّ رسول الله فقال) أي ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (هكذا نفعل) وفي نسخة هكذا أمرنا أن نفعل (بالعلماء) أي إكراما واحتراما (فَقَبَّلَ زَيْدٌ يَدَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ هَكَذَا أمرنا) بصيغة المفعول أي أمرنا الله ورسوله (أن نفعل بأهل بيت نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم ورأى ابن عمر محمّد بن أسامة) أي ابن زيد ابن حارثة مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (فقال ليت هذا عبدي) بفتح أوله وسكون الموحدة من العبودية بمعنى المملوكية وهي كما في المطالع رواية البيهقي ورواية
[ ٢ / ٨٦ ]
الكافة بكسر أوله وسكون النون والأول أوجه انتهى وقال المزي بالنون هو المشهور قال الحجازي وهو الصحيح في الشفاء قيل وكذا في البخاري الذي سمع علي العراقي بالقلم (فقيل له) أي لابن عمر رضي الله تعالى عنهما (هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أُسَامَةَ، فَطَأْطَأَ ابْنُ عُمَرَ رأسه) أي أطرقه (ونقر بيده الأرض) أي حياء مما صدر عنه (وقال) أي ابن عمر في حقه (لو رآه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لأحبّه) أي كحبه أباه أسامة (وقال الأوزاعي) كما حكى ابن عساكر في تاريخ دمشق (دَخَلَتْ بِنْتُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ صَاحِبِ رَسُولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ومولاه واسمها فاطمة (على عمر بن عبد العزيز) أي حين كان أمير المدينة نيابة عن ابن عمه الوليد بن عبد الملك بن مروان أو في أيام خلافته (ومعها مولى لها يمسك بيدها) أي يقودها لكبرها أو لضعف بصرها (فقام لها عمر) أي ابن عبد العزيز (ومشى إليها) أي خطوات (حتّى جعل يديها) وفي نسخة يدها (بين يديه ويداه في ثيابه) أي تأدبا معها (ومشى بها حتّى أجلسها على مجلسه) بفتح اللام وهو موضع التكرمة وهو الذي نهى الشارع عن الجلوس فيه بغير إذن صاحبه وبكسرها المحل الذي يجلس فيها كما يقال مسجد بالكسر للبيت الطاهر الذي يسجد فيه وبالفتح لموضع الجبهة في السجود (وجلس بين يديها) أي متوجها إليها (وما ترك لها حاجة إلّا قضاها) لكونها بنت حبه ومولاته صلى الله تعالى عليه وسلم (ولمّا فرض عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه) أي في ديوان الأرزاق على ما رواه الترمذي وحسنه (لابنه عبد الله في ثلاثة آلاف) أي من الدراهم (وَلِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَخَمْسِمِائَةٍ) أي زيادة على ما فرض لابنه مع أن كليهما صحابي ابن صحابي وجلالة عمر وفضيلة ابنه غير مخفية على أحد وكان التقسيم حينئذ بحسب المراتب في المناقب لا على عدد الرؤوس كما في زمن الصديق رضي الله تعالى عنه (قال عبد الله لأبيه لم فضّلته) أي أسامة علي بما فضلته (فو الله ما سبقني) أي أسامة (إلى مشهد) أي من المشاهد (فقال) أي عمر (له) أي لابنه إنما فضلته (لِأَنَّ زَيْدًا كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم من أبيك) قاله تواضعا وإلا فهو كان أحب إليه من زيد لما في الصحيحين عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قلت يا رسول الله أي الناس أحب إليك قال عائشة قلت من الرجال قال أبوها قلت ثم من قال عمر ولعل زيدا كان أحب الموالي إليه وفاطمة أحب بناته وعليا أحب أقاربه فلا تعارض (وأسامة أحبّ إليه منك) أي من حيثية كونه ابن مولاه (فآثرت) أي اخترت بالتقديم والتخصيص (حبّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على حبّي) بكسر الحاء فيها بمعنى المحبوب ويجوز أن تكون مضمومة مصدر حب قال الحلبي الحديث في البخاري في الهجرة عن نافع مولى ابن عمر أن عمر كان فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف وفرض لابن عمر ثلاثة آلاف وخمسمائة فقيل له هو من المهاجرين فلم نقصته من أربعة آلاف قال إنما هاجر به أبواه يقول ليس هو كمن هاجر بنفسه ولعل ما نقله القاضي كان أولا وما في الصحيح كان آخرا انتهى ولا يخفى أنه
[ ٢ / ٨٧ ]
لا منع من الجمع في وقت واحد أيضا ثم قال وقوله هاجر به أبواه فيه نظر لأن أمه زينب بنت مظعون ماتت بمكة ولم تهاجر وأجيب بأن المراد بالأبوين هنا الأب وزوجة الأب (وبلغ معاوية) أي ابن أبي سفيان كما روى ابن عساكر (أنّ كابس بن ربيعة) قد سبق ذكره (يشبه برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي في الصورة فوجه معاوية إليه (فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ الدَّارِ قَامَ عن سريره وتلقّاه) أي بالإقبال بين يديه والمثول لديه (وقبّل بين عينيه) أي ما بينهما (وأقطعه المرغب) بميم مكسورة وقد تفتح فراء ساكنة فمعجمة فموحدة موضع أي جعله له إقطاعا ينفرد به انتفاعا (لشبهه) بفتحتين أي لمشابهته (صورة رسول الله) بالإضافة (صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُوِيَ أَنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى) وهو ابن أنس صاحب المذهب (لمّا ضربه جعفر بن سليمان) أي ابن علي بن عبد الله بن عباس فهو ابن عم أبي جعفر المنصور بقول بعضهم له أنه لا يرى الإيمان لبيعتكم شيئا لأن يمين المكره لا تلزم فغضب جعفر ودعاه وجرده (ونال منه ما نال) أي من ضرب وغيره فإنه مدت يده حتى انخلعت كتفه أو أزيلت منه (وحمل) أي إلى بيته (مغشيّا) أي عليه كما في نسخة (دخل عليه النّاس) جواب لما (فأفاق) أي من غشيته (فقال) وفي نسخة وقال أي لمن في حضرته (أشهدكم أنّي جعلت ضاربي) أي الآمر بضربي ويروى صاحبي (في حلّ) أي في براءة من ضربه إياي (فسئل) أي مالك (بعد ذلك) أي بعد جعله في حل عن سببه هنالك ويروى فقيل له في ذَلِكَ (فَقَالَ خِفْتُ أَنْ أَمُوتَ فَأَلْقَى النَّبِيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم فأستحيي منه أن يدخل بعض آله) أي من أن يدخل بعض أقاربه من بني عمه (النَّارَ بِسَبَبِي وَقِيلَ إِنَّ الْمَنْصُورَ أَقَادَهُ مِنْ جعفر) أي طلب أن يقتص له منه ويقيده ففيه تجوز والمعنى أراد أن يؤدبه لقلة أدبه مع مالك (فقال له) أي مالك (أعوذ بالله) أي من ذلك (والله ما ارتفع منها) أي من أسواطه (سَوْطٌ عَنْ جِسْمِي إِلَّا وَقَدْ جَعَلْتُهُ فِي حِلٍّ لِقَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) فلم يزل مالك في علو ورفعة بعد ذلك (وقال أبو بكر بن عيّاش) بتحتية مشددة وشين معجمة هو ابن سالم الأسدي الحناط بالحاء المهملة والنون المشددة المقرىء أحد الأعلام اختلف في اسمه على أحد عشر قولا وصحح أبو زرعة أن اسمه شعبة ووافقه الشاطبي وصحح ابن الصلاح والمزي أن اسمه كنيته يروي عن حبيب بن أبي ثابت وعاصم وأبي إسحاق وعنه أحمد وعلي وإسحاق وابن معين والعطاردي قال أحمد صدوق ثقة ربما غلط وقال أبو حاتم هو وشريك في الحفظ سواء وفي الميزان اثنان غيره يقال لكل منهما أبو بكر ابن عياش قال الأنطاكي مات في جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائتين وله ست وتسعون سنة أخرج له البخاري والأربعة (لَوْ أَتَانِي أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ لَبَدَأْتُ بحاجة عليّ قبلهما) أي قبل الشيخين (لقرابته) أي القريبة ويروى لقرباه (من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) وهذا له وجه وجيه في الأقدمية من هذه الحيثية وأما قوله (ولأن أخرّ) بفتح همزة وكسر خاء معجمة وتشديد راء أي لأن أسقط (من السّماء إلى الأرض) أي من المقام
[ ٢ / ٨٨ ]
الأعلى إلى المكان الأدنى (أحبّ إلي من أن أقدّمه عليهما) أي في الأفضلية فدفع توهم التفضيل في القضية ثم فيه أنه يجب على التابع أن يقدم من قدمه المتبوع ولذا أذن عمر رضي الله تعالى عنه بالدخول لبلال وسلمان قبل العباس وأبي سفيان رضي الله تعالى عنهم حين اجتمعوا على باب عمر فقال أبو سفيان للعباس أتريد أن يقدم علينا الموالي فقال العباس الذنب منا حيث تأخرنا فيما كان يجب التقدم علينا وهذا الذي اختاره ابن عياش رأي له وإلا فالجمهور على أن الأفضل يستحق التقديم في كل شيء فتأمل (وقيل لابن عباس رضي الله تعالى عنهما) كما رواه أبو داود والترمذي وحسنه (مَاتَتْ فُلَانَةُ لِبَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي وسميت باسمها إلا أن الراوي نسيها (فسجد) أي لعظم المصيبة وفقد الأعزة ولا يبعد أن يكون المراد بسجد صلى ركعتين لقوله تعالى وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ (فقيل له) أي لابن عباس (أتسجد في هذه السّاعة) بهمزة الاستفهام التعجبية بناء على مخالفة العادة العرفية (فقال) أي ابن عباس (أليس قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا رأيتم آية) أي علامة خارقة للعادة من نحو كسوف وخسوف وشدة ريح وكثرة ظلمة (فاسجدوا) أي فصلوا (وأيّ آية أعظم) أي خطرا وأفخم قدرا (من ذهاب أزواج النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي واحدة بعد واحدة حيث إنهن من أخص أصحابه وأقرب أحزابه (وكان أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما) أي مع جلالتهما (يزوران أمّ أيمن) واسمها بركة (مولاة النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) وتقدم ترجمتها (ويقولان كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يزورها) أي فيتعين علينا زيارتها تبركا بها وتأسيا بزيارته إياها والحديث رواه مسلم (ولمّا وردت) كما روى ابن سعد عن عمرو بن سعد بن أبي وقاص مرسلا قال لما وردت (حليمة السّعديّة) أي أمه من الرضاعة (على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي زائرة مسترفدة وفي سيرة الدمياطي أن الواردة عليه إنما هي ابنتها الشيماء أخته من الرضاعة (بسط لها رداءه وقضى) أي نفذ (حاجتها) رعاية لحرمة الرضاعة وفي الحديث حسن العهد من الإيمان (فلمّا توفّي) أي رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم قدمت) وفي نسخة صحيحة وفدت أي أمه أو أخته من الرضاعة (على أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فصنعا بها مثل ذلك) أي مثل صنيعه ﵊ في الإكرام ومزيد الإنعام مراعاة لحرمتها وتأسيا برعايتها ثم اعلم أن العلامة أبا محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي أنكر إسلام حليمة وقال إن هذه القصة للشيماء ابنتها لكن رد عليه مغلطاي في مؤلف له سماه التحفة الجسمية في إسلام حليمة فيمكن الجمع بينهما في القضية والله تعالى أعلم بالحقيقة الحقية.
فصل [ومن توقيره وبره توقير أصحابه ﵊]
(ومن توقيره) أي تعظيمه (وبرّه) أي ومن إحسانه (ﷺ تَوْقِيرُ أَصْحَابِهِ
[ ٢ / ٨٩ ]
وبرّهم ومعرفة حقّهم) أي حقوقهم من فتح البلاد ودفع أهل الفساد وإيصال أنواع العلوم إلى أصناف العباد (والاقتداء بهم) أي في أفعالهم وأقوالهم لقوله ﵊ أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم (وحسن الثّناء عليهم) أي إجمالا كما قال تعالى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وكذا في مقام التفصيل إكمالا وتبجيلا له ﵊ وإجلالا (والاستغفار لهم) لقوله تعالى وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ الآية (والإمساك عمّا شجر) أي اختلف (بينهم) وما وقع لهم من التشاجر والاختلاف الصادر عنهم باجتهاد فلمصيبهم أجران ولمخطئهم أجر واحد كما ورد وكما قال الشاطبي رحمه الله تعالى:
وسلم لإحدى الحسنيين إصابة والأخرى اجتهاد رام صوبا فامحلا
وفي الحديث إذا ذكر أصحابي فأمسكوا وفي حديث آخر إياكم وما شجر بين أصحابي (ومعاداة من عاداهم) أي من الرافضة والناصبة لأن الصحابة لا شك أنهم أولياء الله وقد ورد من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب (والإضراب) أي الإعراض (عن أخبار المؤرّخين) بفتح الهمزة وكسرها أي عن أقوال أصحاب التواريخ فإن غالبهم غير صحيح بل كذب صريح (وجهلة الرّواة) أي ممن نقلوا الحكايات عن غير الثقاة (كالرافضة) أي الطائفة التي رفضوا محبة الصحابة (وضلّال الشّيعة) أي ممن زعم مشايعة علي ومتابعته وهو بريء منهم ومتبعد عنهم وأصل الشيعة الفرقة المتفقة على ملة من الطريقة ومنه قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ الآية وتطلق على الفرقة الذين يفضلون عليا كرم الله وجهه ويزعمون أنهم من شيعته أي من أتباع سيرته (والمبتدعين) أي في الدين كبعض المعتزلة (القادحة في أحد منهم) أي الطاعنة في أحد من الصحابة وهم برآء وأتقياء فيجب أن يسكت عنهم (وأن يلتمس لهم) بصيغة المفعول وكذا (فيما نقل عنهم) أي في حقهم (من مثل ذلك) أي من موجب طعنهم (فيما كان بينهم من الفتن) أي المؤدية إلى المحن أي يطلب (أحسن التّأويلات) إذ كلهم عدول بشهادة الله تعالى لهم حيث قال وكذلك جعلناكم أمة وسطا أي عدولا (ويخرّج لهم) بتشديد الراء المفتوحة أي يحمل لأفعالهم (أصوب المخارج) أي المحامل (إذ هم أهل لذلك) أي أحقاء به هنالك (ولا يذكر أحد منهم بسوء) لأن الله قد أثنى عليهم في مواطن كثيرة من كتابه ووصى النبي ﵊ أمته في تعظيم أصحابه بنحو قوله لا تسبوا أصحابي مع تعميم قوله ﵊ لا تذكروا موتاكم إلا بخير ولأنه من الفواحش المحرمة بإجماع أهل السنة على خلاف أنه يعزر فاعله أو يقتل (ولا يغمص) بصاد مهملة على صيغة المجهول أي لا يعاب (عليه) أي على أحد منهم (أمر) أي يطعن به فيه لحديث الله الله في أصحابي أي اتقوه فيهم فلا تنقصوهم ولا تحقروهم بل عظموهم ووقروهم وفي الحديث لما قتل ابن آدم أخاه غمص الله الخلق أي صغرهم
[ ٢ / ٩٠ ]
وحقرهم فنقصهم وطعن فيهم طولا وعرضا وقوة وقوتا وفي نسخة يغمض بضاد معجمة والظاهر أنه تصحيف وقيل في معناه أي يصغر أو يحقر وأغمض نام وفي الأمر والبيع استجاز ما لا يستجاز أو حط من ثمنه (بل يذكر حسناتهم وفضائلهم وحميد سيرهم ويسكت عمّا وراء ذلك) أي عن غيره مما لا يليق بهم هنالك (كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم) فيما رواه الطبراني وابن أسامة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا) أي عن الطعن فيهم وذكرهم بما لا ينبغي في حقهم (قال الله تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) هو خبر مبتدأ محذوف هو هو والجملة من مبتدأ وخبر (وَالَّذِينَ مَعَهُ) أي من الصحابة مبتدأ خبره (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩] أي بالنسبة إلى الأبرار وسائر المؤمنين ولو من الفجار لقوله تعالى أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ (إلى آخر السّورة) يعني تريهم ركعا سجدا أي راكعين ساجدين في غالب أوقاتهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا في سائر حالاتهم وهو بكسر الراء وضمها سيماهم أي علامة أنوارهم لائحة في وجوههم من أثر السجود أي من تأثير طاعاتهم وأسرارهم ذلك أي الذي وصفوا به مثلهم أي صفتهم العجيبة وحالاتهم الغريبة المذكورة في التوراة ومثلهم في الإنجيل مبتدأ خبره كزرع تمثيل مستأنف أخرج شطأه بسكون الطاء وفتحها أي فراخه من أشطأ الزرع إذا أفرخ فآزره من الموازرة أي المعاونة وأصل معناه من جهة مبناه شد أزره وقواه فاستغلظ أي صار غليظا أي بعد ما كان دقيقا رقيقا فاستوى على سوقه بالواو والهمز جمع ساق بالوجهين أي استقام على قصبه قيل في الإنجيل سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر يعجب الزراع بكثرته وقوته واستحكام حالته حتى أعجب الناس من الأبرار ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم من بيانية عند أهل السنة مغفرة وأجرا عظيما هذا وقيل قوله تعالى وَالَّذِينَ مَعَهُ كناية عن الصديق وأشداء على الكفار عبارة عن الفاروق ورحماء بينهم إشارة إلى عثمان تريهم ركعا سجدا إيماء إلى علي يبتغون فضلا من الله ورضوانا تعميم بعد تخصيص واستدل به على تكفير الروافض والخوارج الفجار حيث قال تعالى لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ (وقال) أي ﷿ (وَالسَّابِقُونَ) أي في مناقب الإيمان ومراتب الإحسان (الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ) وهم من أسلم قبل الهجرة أو من صلى إلى القبلتين أو من شهد بدرا وَالْأَنْصارِ [التوبة: ١٠٠] أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعة والعقبة الثانية وكانوا سبعين ومن آمن حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير (الآية) أي والذين اتبعوهم بإحسان أي اللاحقون بهم إلى يوم القيامة ﵃ بقبول طاعتهم المرضية ورضوا عنه بما منحهم به من النعم الدينية والدنيوية وأعد لهم جنات تجري تحتها وفي قراءة المكي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا أي مقدرين الخلود في نعيمها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (وقال) أي عز وعلا وفي نسخة وقال تَعَالَى (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ) أي في الحديبية (تَحْتَ الشَّجَرَةِ) [الفتح: ١٨] وتسمى بيعة الرضوان وقد
[ ٢ / ٩١ ]
تقدمت القضية (وقال) أي الله ﷾ (رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) [الْأَحْزَابِ: ٢٣] من قتالهم أعداء الله وثباتهم مع رسول الله وهم عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد وحمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير ونحوهم (الآية) أي فمنهم من قضى نحبه أي نذره حتى قتل شهيدا كحمزة ومصعب وأنس بن النضر ومنهم من ينتظر ان يقضي نحبه أي نذره ليفوز بالشهادة كعثمان وطلحة وسعيد وما بدلوا عهدهم تبديلا ولقد ثبت معه طلحة يوم أحد حتى أصيبت يده فقال ﵇ أوجب طلحة أوجب طلحة (حدّثنا القاضي أبو عليّ) أي ابن سكرة (ثنا) أي حدثنا (أبو الحسين) أي المبارك بن عبد الجبار الصيرفي (وأبو الفضل) أي ابن خيرون (قالا) أي كلاهما (حدّثنا أبو يعلى) أي البغدادي أحمد بن عبد الواحد المعروف بابن زوج الحرة (حدّثنا أبو عليّ السنجيّ) بكسر أوله (حدّثنا محمّد بن محبوب) المشهور بالمحبوبي (حدّثنا التّرمذيّ) وهو الحافظ أبو عيسى صاحب السنن (حدّثنا الحسن) وفي نسخة صحيحة الحسين بالتصغير (ابن الصّبّاح) بتشديد الموحدة وهو البزار براء في آخره (حدّثنا سفيان بن عيينة) وهو الإمام الجليل (عن زائدة) أي ابن قدامة أبو الصلت الثقفي الكوفي ثقة حجة صاحب سنة توفي غازيا بالروم سنة ستين ومائة أخرج له الأئمة الستة (عن عبد الملك) رأى عليا وسمع جريدا والمغيرة والنعمان بن بشير وعنه شعبة والسفيانان أخرج له الأئمة الستة (ابن عمير) بالتصغير (عن ربعيّ) بكسر راء فسكون موحدة وكسر مهملة فتشديد تحتية (ابن حراش) بكسر مهملة وتخفيف راء وفي آخره معجمة هو أبو مريم العبسي سمع عمر وابن مسعود وعنه منصور وأبو مالك الأشجعي حجة قانت لله لم يكذب قط وحلف أنه لا يضحك حتى يعلم أين مصيره فما ضحك إلا بعد موته توفي سنة أربع ومائة أخرج له الأئمة الستة (عن حذيفة) هو ابن اليماني أبو عبد الله العبسي وفي الصحابة جماعة يقال لكل منهم حذيفة ومنهم من له رواية فلهذا ميزت هذا بأبيه واليماني إثبات الياء فيه أصح من تركها وهو صحابي أيضا رضي الله تعالى عنهما ثم اعلم أن هذا الحديث قد أخرجه المصنف من عند الترمذي كما رأيت وقد أخرجه الترمذي في المناقب به ورواه أيضا من طريق أخرى وأخرجه ابن ماجه في السنة من طريقين وقد أخرجه ابن حبان والحاكم من حديث حذيفة ورواه الحاكم من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وصحح اسناده (قال قال رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بكر وعمر) هذا أمر بطاعتهما متضمن لثنائه عليهما ومؤذن بحسن سيرتهما وصدق سريرتهما ومشير إلى أنهما يكونان خليفتيه من بعده (وقال) أي النبي ﵊ كما روى عبد بن حميد عن ابن عمر (أصحابي كالنّجوم) بجامع الاهتداء إذ بها يقتدى في غياهب الظلمة الشنيعة وبهم يهتدي إلى محاسن مراتب أنوار الشريعة (بأيّهم اقتديتم اهتديتم) ولعل الحديث مقتبس من قوله ﷾ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ويقويه قوله ﵊ العلماء ورثة الأنبياء ثم
[ ٢ / ٩٢ ]
أعلم أن قوله وقال أصحابي حديث آخر وقد أخرجه الدارقطني في الفضائل وابن عبد البر من طريقه من حديث جابر وقال هذا إسناد لا تقوم به حجة ورواه عبد بن حميد في مسنده عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال البزار منكر لا يصح ورواه ابن عدي في الكامل بإسناده عن نافع عن ابن عمر بلفظ فأيهم أخذتم بقوله بدل اقتديتم وإسناده ضعيف ورواه البيهقي في المدخل من حديث عمر ومن حديث ابن عباس بنحوه ومن وجه آخر مرسلا وقال متنه مشهور وأسانيده ضعيفة قال الحلبي وكان ينبغي للقاضي أن لا يذكره بصيغة جزم لما عرف عند أهل الصناعة وقد سبق له مثله مرارا أقول يحتمل إنه ثبت بإسناد عنده أو حمل كثرة الطرق على ترقيه من الضعف إلى الحسن بناء على حسن ظنه مع أن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال والله أعلم بحقيقة الأحوال (وعن أنس رضي الله تعالى عنه) في رواية البزار وأبي يعلى (قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مثل أصحابي) زاد البغوي في المصابيح وشرح السنة في أمتي (كمثل الملح في الطّعام) بجامع الصلاح إذ بهم صلاح الدنيا وفلاح العقبى (لا يصلح الطّعام إلّا به) أي بالملح بحسب الحاجة إلى القدر المصلح له قال الحسن قد ذهب ملحنا فكيف نصلح (وقال) ﵇ (الله الله) بنصبهما أي اتقوه أو راعوه (في أصحابي) أي خاصة (لا تتّخذوهم غرضا) أي هدفا للطعن (بعدي) أي بعد موتي أو بعد غيبتي لأني أقوم لهم بنصرتي في حياتي وحضرتي (فمن أحبّهم فبحبّي) أي إياهم أو فبحبهم لي (أحبّهم) ويؤيده قوله (ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم) وهذا بحسب الاعتقاد والأحوال وأما باعتبار الأقوال والأفعال فكما بينه بقوله (ومن آذاهم) أي باللسان أو الأركان (فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله) أي فكأنه آذاه (ومن آذى الله يوشك) بكسر الشين وتفتح أي يقرب (أن يأخذه) أي بأخذ شديد ويؤاخذه بعذاب أكيد ولعل الحديث مقتبس من مجموع قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (وقال) أي النبي ﵊ كما رواه مسلم وغيره (لا تسبّوا أصحابي) قال النووي هو من أكبر الفواحش وسيأتي عن المصنف أنه عده من الكبائر ويعزر عند الجمهور ويقتل عند بعض المالكية وكذا عند بعض الحنفية ففي بعض كتبهم إن سب الشيخين كفر (فلو أنفق أحدكم) أي كل يوم كما رواه عبد بن حميد في مسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه مرفوعا لو أنفق أحدكم كل يوم (مثل أحد) أي مالا قدره أو إنفاقا مثله (ذهبا) تمييز (ما بلغ) أي جميعه (مدّ أحدهم) وفي نسخة صحيحة مد أصحابي وهو بضم ميم وتشديد دال وخص بالذكر لأنه أقل ما كانوا يتصدقون به وأصله كان الرجل يمد كفيه فيملأهما طعاما أي قدر مد طعام أحدهم مما أنفقوا في محلهم (ولا نصيفه) لما قارنه من صدق نية وصفاء طوية مع شدة الحاجة وكمال القلة وقد ورد سبق درهم مائة ألف درهم والنصيف بفتح فكسر بمعنى النصف بتثليث النون كما يقال
[ ٢ / ٩٣ ]
عشر وعشير وقال الأرزنجاني في شرح المشارق النصيف مكيال معروف وهو دون المد والضمير في نصيفه راجع إلى أحدهم لا إلى المد والمعنى أن أحدكم لا يدرك بإنفاق مثل أحد ذهبا من الفضيلة ما أدرك أحدهم بإنفاق مد من الطعام أو نصيف منه ولعل الحديث مقتبس من قوله تعالى لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى (وقال) أي فيما رواه الديلمي عن عويم بن ساعدة أبو نعيم في الحلية عن جابر رضي الله تعالى عنه (مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ والنّاس أجمعين) تأكيد لمن ذكر أو للناس فقط أي كلهم أي الطرد والبعد عن الحق والسب والذم من الخلق (لا يقبل الله منه) أي ممن سبهم (صرفا) بفتح الصاد المهملة وسكون الراء أي التوبة أو نافلة (ولا عدلا) بفتح العين وسكون الدال أي فدية أو فريضة وقال الماوردي الجمهور على أن الصرف الفريضة والعدل النافلة وعكسه الحسن وقال الأصمعي أن الصرف التوبة والعدل الفدية ومعنى القبول تكفير الذنوب بهما قال النووي معنى الفدية هنا أنه لا يجد في القيامة فداء يفتدى به خلاف غيره من المذنبين الذين يتفضل الله تعالى على ما يشاء منهم بأن يفديه من النار بيهودي أو نصراني كما ثبت في الصحيح وفي الحديث أن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبوابها دونها ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها ثم تأخذ يمينا وشمالا فإذا لم تجد لها مساغا رجعت إلى الذي لعن إن كان أهلا لها وإلا رجعت إلى قائلها (وقال) كما رواه الطبراني عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا) أي عن الطعن فيهم (وقال) كما رواه الديلمي (في حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ أَصْحَابِي عَلَى جَمِيعِ الْعَالَمِينَ سِوَى النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَاخْتَارَ لِي مِنْهُمْ أَرْبَعَةً أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا فَجَعَلَهُمْ خَيْرَ أصحابي) وخير غيرهم بطريق الأولى وكذا من الأمم الأولى (وفي أصحابي كلّهم خير) لحديث خيركم قرني فهم خيرة الله من خلقه بفتح الياء وسكونها أي اختاره الله (وقال) كما روى الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري بسند حسن (مَنْ أَحَبَّ عُمَرَ فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمَنْ أَبْغَضَ عمر فقد أبغضني) لما أوتيه من كرم الشيم وعلو الهمم (قال) وفي نسخة وقال (مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه وغيره) أي من العلماء (من أبغض الصّحابة) أي بجنانه (وسبّهم) أي بلسانه والواو بمعنى أو (فليس له في فيء المسلمين حقّ) أي فيما ينال من أهل الشرك بعد ما تضع الحرب أوزارها وحكمه أن يكون لكافة المسلمين فأراد مالك ﵀ بنفي حق من أبغض الصحابة وسبهم من الفيء إنه يخرج بذلك عن جماعة المسلمين (ونزع) بنون مفتوحة فزاء فمهملة بصيغة الفاعل وقيل بصيغة المفعول أي بعد عن الفىء فلا حق له فيه فهو تأكيد لما قبله فتكون الباء في قوله (بآية الحشر) سببية والأظهر أنه بصيغة الفاعل وأن ضميره إلى مالك وغيره يقال نزع بآية من القرآن إذا تلاها محتجا بها أي واستدل كل منهم على قوله ذلك بآية الحشر وهي قوله تعالى (وَالَّذِينَ جاؤُ) عطف على
[ ٢ / ٩٤ ]
المهاجرين في قوله للفقراء المهاجرين أي وللفقراء الذين جاؤوا (مِنْ بَعْدِهِمْ) [الحشر: ١٠] الآية، حين قوى شأن الملة أو هم تابعوهم بإحسان إلى يوم القيامة (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ) أي آمنوا قبلنا (وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا) أي حقدا وغشا (لِلَّذِينَ آمَنُوا) أي من السابقين واللاحقين (ربنا إنك رؤوف رحيم) بالمحسنين روي عن مالك ﵀ أنه قال من تنقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين ثم قرأ قوله تعالى ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى حتى بلغ قوله رَؤُفٌ رَحِيمٌ أراد أن الله تعالى قد بين من له الحق في الفيء في هذه الآية ورتبهم على ثلاث منازل الفقراء المهاجرين والذين تبوؤوا الدار يعني المدينة وهم الأنصار والذين جاؤوا من بعدهم يعني التابعين الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا إلى قوله تعالى وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا أي بغضا للذين آمنوا قال فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجا من أقسام المؤمنين (قال) أي مالك بن أنس ﵁ (مَنْ غَاظَهُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ فَهُوَ كَافِرٌ قَالَ الله تعالى لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) وعن مالك أيضا أنه قال حين تلا قوله تعالى لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية (وقال عبد الله بن المبارك: خصلتان) أي صفتان كريمتان (من كانتا فيه نجا) من محن الدنيا والآخرة (الصّدق) أي مع الحق والخلق (وحبّ أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم؛ قال أيّوب) وفي نسخة أبو أيوب وهي غير صحيحة (السّختيانيّ) بفتح أوله وضمه وسكون المعجمة وكسر التحتية سبق ذكره (من أحبّ أبا بكر) أي محبة كاملة (فقد أقام الدّين) أي بقدم تقدم اليقين (ومن أحبّ عمر فقد أوضح السّبيل) أي بين سبيل الله وهو الإسلام وعينه (ومن أحبّ عثمان فقد استغنى بنور الله) أي عن الاستضاءة بما سواه (ومن أحبّ عليّا فقد أخذ) وفي نسخة فقد استمسك (بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَمَنْ أَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَى أَصْحَابِ محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم) أي كلهم (فقد برىء من النّفاق) أي فهو مؤمن كامل صادق في الوفاق (ومن انتقص) وفي نسخة ومن أبغض (أحدا منهم فهو مبتدع) أي صاحب بدعة (مخالف للسّنّة والسّلف الصّالح) أي من أكابر الأمة (وأخاف أن لا يصعد) بفتح أوله وبضمه أي لا يطلع (له عمل إلى السّماء) يعني لا تقبل منه طاعة (حتّى يحبّهم جميعا ويكون قلبه) أي لهم كما في نسخة (سليما) أي من الغل والحقد (وفي حديث خالد بن سعيد) أي ابن العاص بن أمية بن عبد شمس كنيته أبو سعيد وخالد هو ابن عمرو بن سعيد فسعيد جده قالت بنته أم خالد واسمها أمية كان أبي خامسا في الإسلام وقيل كان رابعا أو ثالثا قيل وأسلم قبل أبي بكر أو قبل علي رضي الله تعالى عنه والله أعلم (أنّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال) قال الحلبي وهو صحابي مشهور لكن لا أستحضر له شيئا في الكتب الستة ولا في مسند أحمد ولا في مسند بقي بن مخلد وإن
[ ٢ / ٩٥ ]
كان هذا من غيرهم فإن كان تابعيا كان هذا الحديث مرسلا وإلا فمعضلا انتهى ووجدت بخط شيخ مشايخنا الحافظ السخاوي على هامش حاشية الحلبي ما صورته وجدت بخط الحافظ أبيك على بعض نسخ الشفاء ما صورته كذا فيه خالد بن سعيد وإنما هو خالد بن عمرو بن سعيد بن العاص القرشي والحديث ليس من روايته عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولا عن الصحابة وإنما رواه خالد عن سهل بن يوسف بن سهل بن مالك ابن أخي كعب بن مالك عن أبيه عن جده سهل لما قدم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من حجة الوداع المدينة صعد المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قَالَ (أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَاضٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فَاعْرِفُوا لَهُ ذَلِكَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَاضٍ عَنْ عُمَرَ وَعَنْ عَلِيٍّ وَعَنْ عُثْمَانَ) وفي نسخة وعن عثمان وعن علي (وطلحة) وفي نسخة عن طلحة أي ابن عبيد الله (والزّبير) أي ابن العوام (وسعد) أي ابن أبي وقاص (وسعيد) أي ابن زيد بن عمرو بن نفيل (وعبد الرحمن بن عوف) أي الزهري (فاعرفوا ذلك لهم) ولم يذكر أبا عبيدة مع أنه عاشرهم ولعله سقط من الراوي (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِأَهْلِ بَدْرٍ والحديبيّة) بالتخفيف وتشدد وهي قرية سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة بينها وبين مكة مرحلة وقد جاء في الحديث وهي بئر قال أبو حنيفة ومالك وهي من الحرم وخالفهما الشافعي رحمهم الله تعالى وقال ابن القصار والواحدي بعضها من الحل وفي صحيح البخاري والحديبية خارج الحرم أي باعتبار بعضها فلا ينافي ما تقدم والله تعالى أعلم (احفظوني) أي راعوني (في أصحابي وأصهاري) أي خصوصا وهم آباء زوجاته أبو بكر وعمر وأبو سفيان رضي الله تعالى عنهم (وأختاني) أي أزواج بناته عثمان وعلي وأبو العاص بن ربيعة (لا يطالبنّكم أحد منهم بمظلمة) بكسر اللام من الظلم وهو الجور وبالفتح اسم ما يأخذه الظالم وقيل كل منهما يطلق على الآخر والكسر أكثر وعليه الأكثر (فإنّها) أي مظلمتهم (مظلمة لا توهب في القيامة غدا) والحديث رواه الطبراني في معجمه الكبير من رواية علي بن محمد بن يوسف بن شيبان بن مسمع حدثنا سهل بن يوسف بن سهل بن أخي كعب عن أبيه عن جده فذكره (وقال رجل للمعافى) بفتح الفاء (ابن عمران) وهو أبو مسعود الأزدي الموصلي أحد الأعلام يروي عنه بشر الحافي وغيره قال شيخه الثوري ﵀ هو ياقوتة العلماء أخرج له البخاري وغيره (أين عمر بن عبد العزيز) أي مقامه في العدل والفضل (من معاوية فغضب) أي من قوله لما لاح له من اضمار أفضلية ابن عبد العزيز على معاوية (وَقَالَ لَا يُقَاسُ بِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم أحد) أي لأنهم خير من بعدهم لما سبق من حديث الديلمي والبزار إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ أَصْحَابِي عَلَى جَمِيعِ الْعَالَمِينَ سوى النبيين والمرسلين وحديث الشيخين خير أمتي قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثم الذين يلونهم ثم عد بعض مناقبه التي تقتضي علو مراتبه حتى بالنسبة إلى بعض أصحابه فقال (معاوية صاحبه وصهره) أي أخوام حبيبة من امهات المؤمنين (وكاتبه) أي لمكاتيبه وغيرها (وأمينه على وحي الله ﷿) أي حيث كان
[ ٢ / ٩٦ ]
يكتب الوحي على خلاف فيه ولعل السائل سأله عن عمله وزهده وعدله لكن المسؤول عدل عن جوابه لقوله ﵊ إذا ذكر أصحابي فامسكوا وللإيماء إلى أن كل ما وقع منه يكون مكفرا ببركة صحبته ونتيجة خدمته ولذا لما سئل بعض العلماء مثل هذا السؤال قال في الحال لغبار أنف فرس معاوية مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم خير من ألف عمر بن عبد العزيز ويؤيده قوله تعالى لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وقاتل ومعاوية وإن أسلم عام الفتح لكن له سبق ظاهر على من أسلم بعده سواء كان من الصحابة أو التابعين والحاصل أنه لا أحد من علماء هذه الأمة ومشايخ هذه الملة يبلغ مرتبة الصحابة ومنقبة الخدمة فإن رؤيته ﵊ كانت اكسيرا تؤثر تأثيرا لمن رآه وآمن به صغيرا أو كبيرا (وأتي النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي جيء (بجنازة رجل) بفتح الجيم وكسرها (فلم يصلّ عليه وقال) أي جوابا للسؤال عن الاشكال وهو امتناعه عن تلك الحال مع أنها من جملة الكمال (كان يبغض عثمان) أي بغير وجه شرعي (فأنا أبغضه) رواه الترمذي عن جابر وضعفه (وقال صلى الله تعالى عليه وسلم) كما في الصحيحين عن أنس رضي الله تعالى عنه (في الأنصار) أي في حقهم (اعفوا عن مسيئهم) أي عثراتهم (واقبلوا من محسنهم) أي كمالاتهم وللبخاري أوصى الخليفة من بعدي بالمهاجرين والأنصار أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم (وقال) أي النبي ﵊ كما روى أبو نعيم والديلمي عن عياض الأنصاري وابن منيع عن أنس رضي الله تعالى عنه (احفظوني) بفتح الفاء أي احفظوا وصيتي (في أصحابي) أي عموما (وأصهاري) أي خصوصا ولعله تغليب يشمل اختانه أيضا قال النووي في شرح مسلم عن أهل اللغة الأختان جمع ختن أقارب زوج الرجل والأحماء أقارب زوج المرأة والأصهار يعم الجميع (فإنّه) أي الشأن (من حفظني فيهم) أي راقبني في حقهم (حفظه الله في الدّنيا والآخرة) أي من الهوان والعقوبة (ومن لم يحفظني فيهم تخلّى الله عنه) أي تبرأ منه وأعرض عنه (ومن تخلّى الله عنه يوشك) بكسر الشين وتفتح أي يقرب ويسرع (أن يأخذه) أي يؤاخذه بما يستحقه من الوعيد أن أخذه أليم شديد (وعنه عليه الصلاة وسلام) فيما روى سعيد بن منصور عن عطاء بن أبي رباح مرسلا (مَنْ حَفِظَنِي فِي أَصْحَابِي كُنْتُ لَهُ حَافِظًا يوم القيامة) أي من سوء العقوبة (وقال) كما رواه الطبراني بسند ضعيف (مَنْ حَفِظَنِي فِي أَصْحَابِي وَرَدَ عَلَيَّ الْحَوْضَ) أي وسقيته منه مع أصحابي رعاية لحقوق صحبتهم وخدمتهم ومحبتهم (ومن لم يحفظني في أصحابي) أي من جهة حقوقهم (لم يرد عليّ الحوض) أي من قريب (ولم يرني إلّا من بعيد) وهذا أشد وعيد (قَالَ مَالِكٌ ﵀ هَذَا النَّبِيُّ مُؤَدِّبُ الخلق الّذي هدانا الله به) أي أرشدنا به إلى أمر الدين وعلم اليقين (وَجَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ يَخْرُجُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ إلى البقيع) بالموحدة في أوله أي مقبرة أهل المدينة (فيدعو لهم) أي بالرحمة (ويستغفر لهم) أي عما فرط لهم من الزلة (كالمودّع لهم) كما في حديث مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها
[ ٢ / ٩٧ ]
والمعنى أنه ﵊ كان يبالغ في الدعاء والاستغفار لهم كالمودع عند الوداع لا يترك شيئا مما يهم المودع إلا ذكره وأوصى به (وَبِذَلِكَ أَمَرَهُ اللَّهُ وَأَمَرَ النَّبِيُّ) صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم (بحبّهم) أي بمحبة الصحابة (وموالاتهم) أي موالاة من والاهم من أهل السنة والجماعة (ومعاداة من عاداهم) أي من الخوارج والروافض وسائر اهل البدعة (وروي عن كعب رضي الله تعالى عنه) أي كعب الاحبار كما ذكره الحلبي (لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا لَهُ شَفَاعَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي لمن بينه وبينه زيادة المودة وقال الدلجي وحديث كعب بن سعد ليس مؤمن من آل محمد إلا له شفاعة (وطلب) أي كعب (من المغيرة بن نوفل) أي ابن الحارث ابن عبد المطلب بن هاشم (أن يشفع له يوم القيامة) له رواية وكان من انصار علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وله جماعة اخوة ووالده نوفل أسر يوم بدر ففداه عمه العباس رضي الله تعالى عنه وهو ابن عم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأما جده الحارث بن عبد المطلب فهو أكبر ولد عبد المطلب وبه كان يكنى قال الحافظ عبد الغني المقدسي لم يدرك الإسلام وأسلم من اولاده اربعة نوفل وربيعة وابو سفيان وعبد الله وكان نوفل ابين اخوته واسن من اسلم من بني هاشم ولم يذكر المغيرة فيهم وقد ذكره الحافظ أبو عمر بن عبد البر في استيعابه فيكون خامسا غير أنه يقال ومنهم من يجعل المغيرة اسم أبي سفيان والصحيح الاول يعني أنه غيره انتهى ولم يتعقب هذا الحافظ أبو الفتح اليعمري حين ذكره وأما الذهبي فقد ذكر في كنى التجريد أبا سفيان فقال اسمه المغيرة قاله إبراهيم بن المنذر انتهى ولم يتعقبه وقال في المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب قال ابن عبد البر هذا أخو أبي سفيان فوهم بل هو أبو سفيان انتهى والله تعالى أعلم (قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ لَمْ يؤمن بالرّسول) أي حق إيمانه (من لم يوقّر أصحابه ولم يعزّر أوامره) أي ولم يترك زواجره.
فصل [ومن إعظامه وإكباره إعظام جميع أسبابه]
(ومن إعظامه) أي تعظيم قدره فوق قدر غيره (وإكباره) أي اعظام أمره زيادة على اعظام أمر غيره (إعظام جميع أسبابه) أي أسباب وصلته ومودته وفي حديث كل سبب ونسب ينقطع إلا سببي ونسبي والمراد جميع ما ينسب إليه ويعرف به صلى الله تعالى عليه وسلم (وإكرام مشاهده) أي مواضعه التي حضرها أو نزل بها (وأمكنته) أي مساجده (من مكّة) كبيت خديجة رضي الله تعالى عنها مهبط الوحي ودار الأرقم بن أبي الأرقم وغار حراء وثور ومولده (و) من (المدينة) كمسجده وبيوته ومواطنه (ومعاهده) أي وإكرام معاهده التي كان يتعاهدها كقبا إذ قد ورد أنه كان يزورها كل سبت راكبا أو ماشيا (وما لمسه) أي مسه (عليه الصلاة وسلام أو عرف به) بصيغة المجهول أي مما يمكن إكرامه الآن وإعظامه في هذا الزمان (وروي عن صفيّة بنت نجدة) بفتح نون وسكون جيم فدال مهملة (قالت كان
[ ٢ / ٩٨ ]
لأبي محذورة) وهو مؤذنه ﵊ بمكة ولم يزل مقيما بها يؤذن حتى مات سنة تسع وخمسين قال الواقدي وتوارث الآذان بعده بمكة ولده وولد ولده إلى اليوم في المسجد الحرام وقيل كان مؤذنه بقبا أيضا وهو قرشي جمحي روى عنه ابن أبي مليكة وغيره أخرج له مسلم والأربعة وأحمد في المسند (قصّة) بضم القاف وتشديد الصاد المهملة ما اقبل على الجبهة من شعر الرأس (في مقدّم رأسه) سمي بذلك لأنه يقص وقال ابن دريد كل خصلة من الشعر قصة وقال الجوهري شعر الناصية (إذا قعد وأرسلها) أي لم يعقدها (أصابت الأرض) أي وصلت إليها من طولها (فقيل له) أي لأبي محذورة (ألا تحلقها) أي ألا تقصرها بحلق أو بقص (فقال لم أكن بالّذي أحلقها) آثر التكلم رعاية للمعنى على الغيبة باعتبار المبنى مع أنها هنا القياس بدلالة إعادة الضمير إلى الذي ولفظه لفظ الغائب إيثارا لتغليب التكلم عليها لأن الذي وإن كان بلفظه هو الغائب إلا أنه في المعنى عبارة عن المتكلم (وقد مسّها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيده ورؤي ابن عمر رضي الله تعالى عنهما) ماض مجهول من الرؤية أبصر حال كونه (واضعا يده على مقعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أي موضع قعوده (من المنبر ثم وضعها على وجهه) أي وتمسح بها تبركا بموضع لمسه (وكانت في قلنسوة خالد بن الوليد) بفتحتين فسكون فضم أي في قبعته أو كوفيته (شعرات) بفتحتين (من شعره) بفتح العين ويسكن ويروى من شعراته (﵊ فَسَقَطَتْ قَلَنْسُوَتُهُ فِي بَعْضِ حُرُوبِهِ فَشَدَّ عَلَيْهَا شدّة) بفتح الشين أي ربطة طالت فيها المدة (أنكر) وفي نسخة حتى أنكر (عليه أصحاب النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بعضهم (كثرة من قتل فيها) أي في مدة تلك الشدة وهي يحتمل أن يكون مفعولا به لأنكر أو مفعولا له (فقال) أي خالد معتذرا (لم أفعلها بسبب القلنسوة) أي ذاتها كما توهمتم لأنكم سببها ما عرفتم (بل) أي فعلته (لما تضمّنته من شعره صلى الله تعالى عليه وسلم لئلا أسلب) بصيغة المجهول أي لئلا أنزع (بركتها) بالنصب على أنه مفعول ثان (وتقع) أي ولئلا تقع (في أيدي المشركين) أي الأنجاس الذين لم يعرفوا قدرها (ولهذا) أي ولتعظيم مشاهده وآثار معاهده (كان مالك رحمه الله تعالى لا يركب بالمدينة دابّة وكان يقول) أي في وجهه أو في جواب سائله (أستحيي من الله أن أطأ) أي من أن أدوس (تربة) أي جملة تراب (فيها) أي دفن في أجزاء تلك التربة (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بحافر دابّة) متعلق بأطأ إذ لو أمكن للإنسان أن لا يطأها برجليه وكان يقدر على أن يمشي فيها بعينيه لكان لائقا لتعظيم ما لديه صلى الله تعالى عليه وسلم (وروي عنه) أي عن مالك رحمه الله تعالى (أنّه وهب للشّافعيّ كراعا) بضم أوله أي خيلا (كثيرا كان عنده فقال الشافعي أمسك منها دابّة) أي واحدة تركبها عند الحاجة (فَأَجَابَهُ بِمِثْلِ هَذَا الْجَوَابِ وَقَدْ حَكَى أَبُو عبد الرحمن السلمي) بضم ففتح وهو الإمام الجليل (عن أحمد بن فضلويه) بضم اللام
[ ٢ / ٩٩ ]
وهو نظير نفطويه وعمرويه ونظائرهما في التلفظ بالوجهين على ما تقدم (الزّاهد وكان) أي أحمد (من الغزاة الرّماة) بضم أولهما جمع الغازي والرامي يعني ممن يحسنهما والجملة معترضة (أنّه قال: ما مسست) بكسر السين والأولى وتفتح أي ما لمست (القوس) أي قوسي أو قوس غيري (بِيَدِي إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ مُنْذُ بَلَغَنِي أَنَّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أخذ القوس) أي تناول قوسه أو قوس غيره (بيده وقد أفتى مالك رحمه الله تعالى فيمن قال تربة) ويروى أن تربة (المدينة رديئة) بالهمز وقد تشدد وهي فعلية من الرداءة أي خبيثة غير طيبة (يضرب) بصيغة المجهول وفي نسخة بضرب بالباء السببية والصيغة المصدرية المضافة إلى (ثلاثين درّة) بكسر الدال وتشديد الراء آلة التعزير ونصبها على التمييز (وأمر بحبسه) أي تغليظا لأمره (وكان له) أي والحال أنه كان لهذا المعذر (قدر) أي جاه وعظمة أمر عنده ومنزلة عند غيره (وقال) أي مالك رحمه الله تعالى زيادة على ما هنالك (ما أحوجه) ما تعجبية (إلى ضرب عنقه) أي في جريمة ذلك (تربة دفن فيها النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يزعم أنّها غير طيّبة) أي مع أنه ﵊ سمى المدينة طابة وطيبة (وفي الصحيح) أي عند الشيخين عن علي وأنس رضي الله تعالى عنهما (أنّه قال صلى الله تعالى عليه وسلم في المدينة) أي في شأنها (من أحدث فيها حدثا) أي أمرا مبتدعا منكرا لا يعرف في السنة وقيل هو عام في الآثام (أو آوى) بالمد ويقصر أي ضم إليه أو إليها (محدثا) بكسر الدال اسم فاعل أي جانيا بأن أجاره ونصره على خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه أو بفتحها فيكون نفس الأمر المبتدع ويواؤه الرضى به والصبر عليه وإفشاؤه فمن رضي ببدعة وأقر عليها محدثها ولم ينكرها مع القدرة على إنكارها فقد آواها وقواها (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله منه صرفا) أي نافلة (ولا عدلا) أي فريضة (وحكي أن جهجاها) بفتح أوله وفي نسخة جهجاه بلا تنوين (الغفاريّ) بكسر أوله قال الحلبي وهذا هو ابن مسعود وقال أبو عمر هو ابن سعد بن حرام وقال الطبري المحدثون يزيدون فيه الهاء والصواب جهجا بدون هاء انتهى قال الذهبي جهجاه بن قيس وقيل ابن سعد الغفاري مدني روى عنه عطاء وسليمان ابنا يسار وشهد بيعة الرضوان وكان في غزوة المريسيع أجير العمر إلى أن ذكر عن ابن عبد البر أنه هو الذي تناول العصا من يد عثمان رضي الله تعالى عنه فذكر القصة ثم قال وتوفي بعد عثمان بسنة وسيأتي قريبا أنه مات قبل الحول أي من كسر العصا وقد تقدم الكلام على حديث كسر العصا فيما مضى (أخذ قضيب النبيّ) أي عصاه (صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَدِ عُثْمَانَ ﵁ وتناوله ليكسره على ركبته) أي معتمدا عليها (فصاح به النّاس) أي لمنعه عنه (فأخذته الآكلة) بعد وكسر كاف مرض معروف (في ركبته فقطعها) أي فقطع ركبته خوفا من سرايتها إلى بقيته (ومات قبل الحول) أي الحول الذي وقع كسره فيه (وقال عليه الصلاة وسلام) كما رواه مالك وأبو داود
[ ٢ / ١٠٠ ]
والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (من حلف على منبري) أي فوقه أو عنده أو حوله (كاذبا) أي يمينا فاجرة (فليتبوّأ مقعده من النّار) شديد ووعيد أكيد (وحدّثت) بضم الحاء وتشديد الدال أي حكي لي (أَنَّ أَبَا الْفَضْلِ الْجَوْهَرِيَّ لَمَّا وَرَدَ الْمَدِينَةَ) أي السكينة (زائرا) أي مريدا للزيارة (وقرب من بيوتها) بضم الباء وكسرها (ترجّل) بتشديد الجيم أي نزل عن دابته (ومشى باكيا منشدا) حالان متداخلان والإنشاد قراءة شعر نفسه أو غيره والبيتان لأبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي وسيأتي ترجمة المتنبي إن شاء الله ﷾ (وَلَمَّا رَأَيْنَا رَسْمَ مَنْ لَمْ يَدَعْ لَنَا) رسم الدار أثرها (فؤادا) أي قلبا (لعرفان الرّسوم ولا لبّا) أي عقلا (نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة) الكور بالضم رحل الناقة بأكافه كالسرج بآلته للفرس وكرامة نصب على العلة (لمن بان) أي ظهر رسمه (عنه) بالإشباع (أن نلمّ) من الإلمام أي ننزل (به ركبا) من أسماء الجمع كرهط أو جمع راكب كصحب وصاحب فهو تمييز أو حال من ضمير نلم أي راكبين (وحكي) يروي وروي (عن بعض المريدين) أي للزيارة (أنّه لمّا أشرف على مدينة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أنشأ) ويروي أنشد جعل (يقول متمثّلا) أي شاهدا أو واقفا فإن حقيقة المثول هو الانتصاب على القدمين وقد يراد به القيام في الأمر والنهوض فيه بالهمة ولعله المراد هنا (رفع الحجاب لنا) بصيغة المجهول أي كشف الذي كان بيننا وبين من قصدنا جناب حضرته وباب عزته (فلاح لناظر) أي لمع ولمح (قمر تقطّع) بصيغة المضارع مجهولا أو بحذف إحدى التاءين أو بصيغة الماضي معلوما أي تضمحل (دونه) أي عنده (الأوهام) وتنقطع لديه الأفهام بسطوع نوره بكمال ظهوره (وإذا المطيّ بنا بلغنّ محمّدا) جمع مطية وهي التي يركب مطاها أي ظهرها ويقال يمطي بها في السير أي يمد ومنه قوله تعالى يَتَمَطَّى (فظهورهنّ على الرّحال) بالمهملة جمع رحل البعير وفي نسخة بالجيم (حرام) مكافأة لهن على ايصالهن كما قال (قرّبننا من خير من وطىء الثّرى) أي التراب أو الأرض (فلها علينا حرمة ودمام) بكسر أوله أي عهد وأمان والأبيات لأبي نواس الحكمي يمدح بها الأمين أي أمين الدولة كذا بخط السخاوي وقد ذكر السهيلي في روضه في غزوة مؤته كقول أبي نواس (وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ حَجَّ مَاشِيًا فقيل له في ذلك) حذرا عليه من النصب هنالك (فقال) أي في الجواب (العبد الآبق) أي الهارب الشارد من سيده (يأتي) أي أيأتي (إلى بيت مولاه راكبا) وفي نسخة إلى باب مولاه وفي أخرى لا يأتي (لو قدرت أن أمشي على رأسي) بل على عيني (ما مشيت على قدميّ) وهذا علامة الحب الصادق والأدب الفائق وفي نسخة بتشديد الياء مثنى (قال القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى) يعني المصنف (وجدير) خبر مقدم أي حقيق ولائق وخليق (لمواطن) أي بمكة والمدينة (عمرت) بصيغة المجهول مخففا ومشددا (بالوحي) أي بوحي النبوة (والتّنزيل) أي وتنزيل القرآن (وتردّد فيها) وفي نسخة بها أي في
[ ٢ / ١٠١ ]
الإتيان إليها (جبرائيل) أي دائما (وميكائيل ﵉) أي أحيانا (وعرجت) أي صعدت (منها الملائكة) أي المقربون (والرّوح) أي وأرواح الأنبياء والمرسلين أو الروح الأمين (وضجّت) بتشديد الجيم أي صوتت (عرصاتها) أي أماكنها وجهاتها والمعنى ارتفعت الأصوات في عرصاتها وهي جمع عرصة وهي كل بقعة بين الديار واسعة وليس بها بناء (بالتّقديس) أي التطهير عن التشبيه (والتّسبيح) أي التنزيه (وَاشْتَمَلَتْ تُرْبَتُهَا عَلَى جَسَدِ سَيِّدِ الْبَشَرِ وَانْتَشَرَ عنها) أي عن تلك الأماكن (من دين الله) أي المأخوذ من كتابه (وسنّة رسوله ما انتشر مدارس آيات) جمع مدارس مفعال من الدرس وهو مكانه وفي الحديث تدارسوا القرآن أي تعاهدوه بتلاوته وهذا خبر مبتدأ محذوف أي وهذه مدارس آيات (بينات) أي واضحات أو مبينات (ومساجد وصلوات) أي دعوات أو عبادات (ومشاهد الفضائل) أي من مكارم الشمائل (والخيرات) أي الطاعات والمبرات (ومعاهد البراهين) أي الدلالات الواضحات (من الآيات) أي الخارقة للعادات (والمعجزات) أي على وفق الكرامات (ومناسك الدّين) أي مذابحهم ومعابدهم (ومشاعر المسلمين) أي معالمهم ومعارفهم (ومواقف سيّد المرسلين) أي أماكن وقوفه ومواطن حضوره ومنابع نوره (ومتبوّأ خاتم النّبيّين) بفتح الواو وكسر تاء خاتم وفتحها ويروى مثواه بسكون المثلثة أي منزله ومأواه من مكة (حيث انفجرت النّبوّة) أي ظهرت ظهور الماء النازل من السماء (وأين) أي من مكة وعينها (فاض عبابها) بضم أوله معظم السيل وارتفاعه وكثرة تموجه كذا في القاموس أي سال عذبها الغمر بها (ومواطن مهبط الرسالة) بكسر الموحدة أي أماكن انزالها أو نزولها من مكة حين إيصالها أو وصولها وفي نسخة وَمُوَاطِنُ طُوِيَتْ فِيهَا الرِّسَالَةُ (وَأَوَّلُ أَرْضٍ مَسَّ جلد المصطفى ترابها) بالرفع كذا في بعض الأصول والأظهر نصبه والمراد به بعد الموت وفيه تلميح إلى قول الشاعر:
بلاد بها نيطت على تمائمي وأول أرض مس جلدي ترابها
(أن تعظّم) بتشديد الظاء المفتوحة (عرصاتها) بفتحتين جمع عرصة بفتح فسكون وهي في الأصل كل مكان واسع لا بناء فيه والتقدير تعظيم أماكنها وهو المبتدأ المقدم خبره وإنما قدم عليه لمزيد تشويق السامع إليه ومن ثمة طول الكلام في المسند ليحسن كل الحسن في المرام إذ بازدياد طوله يزداد حسنه وطوله كما أن بازدياده عليه يزداد الشوق إليه ومنه قول الشاعر:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
(وتتنّسّم) بالبناء للمفعول تستنشق وتشم (نفحاتها) جمع نفحة من نفح الطيب إذا فاح وفي الحديث إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها وفي رواية تعرضوا لنفحات رحمة الله تعالى (وتقبّل) بتشديد الموحدة المفتوحة (ربوعها) بضمتين جمع ربع بفتح
[ ٢ / ١٠٢ ]
فسكون موحدة وهو المنزل ودار الإقامة وفي حديث مكة وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم حين قال أسامة بن زيد أين ننزل غدا يا رسول الله وهل ترك لنا عقيل من رباع جمع ربع أيضا (وجدراتها) بضم الجيم وبالفوقية في آخرها لا بالنون وإن كان هو أيضا جمع جدار وهو ما يحاط به عليها لمراعاة السجع (يا دار خير المسلمين) ويروى زين المرسلين (ومن به) قال الحلبي الذي ظهر لي أن هذا الشعر من قول المصنف انتهى وناداها من لوعة الاحتراق ولذعة الافتراق عن تلك البقعة المنيعة وسكان تلك الرقعة الرفيعة وقال يا دار خير المرسلين لحديث البخاري أنا سيد الأولين والآخرين ثم قال ومن به أي بسبب وجوده وكرمه وجوده (هدي الأنام) أي هداية الخلق (وخصّ) أي هو (بالآيات) أي المنزلة والمعجزات المكملة (عندي لأجلك لوعة) أي شدة ومحبة وكثرة مودة موجبة لزيادة حرقة في حالة فرقة (وصبابة وتشوّق متوقّد الجمرات) الصبابة بفتح أولها أي رقة الشوق ودقة الذوق وعن النخعي كان يعجبهم أن يكون للغلام صبوة لأنه إذا تاب فربما كان ارعواؤه باعثا له على شدة اجتهاده وكثرة ندمه على ما فرط من عمله في سبق قدمه وأبعد له عن أن يعجب بحاله أو يتكل على كماله ولأن المجاز قنطرة الحقيقة والرياء قنطرة الإخلاص (وعليّ عهد) أي وعد عقد (إن ملأت محاجري) بفتح الميم ما دار بالعين أي نواظري (من تلكم الجدرات) بضمتين (والعرصات) بفتحتين (لأعفّرنّ) بتشديد الفاء المكسورة أي لألوثن وأغبرن (مصون شيبي) أي شيبي المصون ووجهي المكنون بتقليبي لهما (بينها) أي بين المذكورات من الجدرات والعرصات (من كثرة التّقبيل) أي تقبيل تلك الأماكن الشريفة (والرّشفات) بفتحتين فقاف كذا في الأصول ولعل معناها رمى سائر الأعضاء على تلك الأجزاء المنيفة من الرشق وهو الرمى بالنبل ففيه تجريد وتشبيه وفي أصل الدلجي بالفاء وكذا في بعض النسخ المصححة فقال جمع رشفة وهو مص المحب ريق محبوبه انتهى ولا يخفى أنه مع عدم وجوده في كتب اللغة غير موافق لكلام الشاعر ومطلوبه نعم لو صحت الرواية بالفاء لتعين أن يقال المراد بها رشفات المشتاق ريقه لكمال حرارة شوقه ومرارة ذوقه في ذلك المكان الموصوف بحسنه وبريقه ففي القاموس رشفه مصه ورشف الماء قليلا قليلا أسكن للعطش (لولا العوادي) جمع عادية وهي شغل يصرفك عن الشيء يريد والله تعالى أعلم ما يعتري الإنسان من العوارض التي تكون عوائق (والأعادي) جمع عدو (زرتها) أي تلك المنازل بسير المراحل (أبدا) أي دائما (ولو) أي وإن كانت زيارتي (سحبا) من قولك سحبت الشيء فانسحب أي جررته فانجر أي سيرا ومشيا (على الوجنات) بفتحتين جمع وجنة بفتح فسكون ويكسر أولها ويضم وهي أعلى الخد (لكن سأهدي) تكلم من الإهداء (من حفيل تحيّتي) أي تحيتي الحافلة الكثيرة الكاملة (لقطين تلك الدّار والحجرات) أي لمقيمها وخادمها من قطن بالمكان إذا لزمه وفي حديث الإفاضة نحن قطين الله تعالى أي
[ ٢ / ١٠٣ ]
سكان حرمه بحذف المضاف ومنه قول زيد بن حارثة فإني قطين البيت عند المشاعر والحجرات بضمتين جمع حجرة بضم فسكون وهي بيت صغير من الدار منفرد عنها من الحجر وهو المنع أو من الحجر لكونها مبنية منه (أزكى) بمعجمة أي أهدى من كثير التحية والثناء ما هو أضوع (من المسك المفتّق) بمثناة فوقية مشددة أي المشقق ويقال فتق المسك إذا خلط به ما يزكي رائحته وقيل معناه المستخرج الرائحة (نفحة) تمييز للنسبة في أزكي أزيل عن أصله للتفصيل بعد الإجمال ليكون أوقع في نفس أرباب الأحوال (تغشاه) أي تحل بركاته وتغطيه (بالآصال) جمع أصيل من بعد العصر إلى المغرب كذا قاله الدلجي تبعا للحلبي والأولى أن يقال من بعد الزوال (والبكرات) بضمتين جمع بكرة بضم فسكون أي أول النهار والمراد بهما الدوام في الأيام والليالي تابعة لها كما لا يخفى على الأنام وفي القاموس الأصيل العشي والعشاء أول الظلام أو من المغرب إلى العتمة أو من زوال الشمس إلى طلوع الفجر والعشي والعشية آخر النهار (وتخصّه بزواكي الصّلوات) بفتح الياء أي بظواهرها وكذا في قوله (ونوامي التّسليم والبركات) أي ببواهرها ويروى بفضائل الصلوات ولطائف التسليم ولو روي بشرائف الصلوات ولطائف التسليم لكان الطف.
[ ٢ / ١٠٤ ]
الباب الرابع [في حكم الصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وسلم والتسليم]
أي من القسم الثاني (في حكم الصّلاة عليه والتّسليم) أي عليه أو لديه واختير التسليم على السلام مع أن كليهما مصدر سلم لإفادة زيادة التوكيد ولتحقق مطابقة لفظ التنزيل صلوا عليه وسلموا تسليما (وفرض ذلك) أي فرضيته (وفضيلته) وفي نسخة وفضله أي فضل ذلك والمعنى في بيان الحكم في كميتها وكيفيتها واختلاف العلماء في حقيقتها (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ
) [الأحزاب: ٥٦] أي يعظمونه بالثناء عليه (الآية) تمامها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا أي ادعوا له وقولوا اللهم صل وسلم عليه والواو تفيد الجمعية لا المعية كما عليه الأصولية وأرباب العربية فلا دلالة في الآية على كراهية افراد الصلاة عن السلام وعكسه كما ذهب إليه النووي واتباعه من الشافعية وقد أوضحت المسألة في رسالة مستقلة (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يباركون على النّبيّ) أي أن الله يبارك له في أمره ويزيد في قدره وتدعو الملائكة ربه أن يرفع ذكره ويظهر أمره ففيه إشارة إلى أن في قوله يصلون مجازا مرسلا لا جمعا بين الحقيقة والمجاز ولا استعمال المشترك في معنييه كما هو مبين في الأصول لأهل الوصول (وقيل إنّ الله يترحّم على النبيّ) أي يبالغ في إنزال الرحمة عليه فكأنه يطلب من نفسه الرأفة إليه (وملائكة يدعون له) أي ويتواضعون لديه (قال المبرّد وأصل الصّلاة التّرحّم وهي) وفي نسخة فهي (من الله رحمة) أي انزالها وإيصالها (ومن الملائكة رقّة) أي موجبة للرحمة (واستدعاء للرّحمة من الله تعالى) أي على نبي الأمة وكاشف الغمة (وقد ورد) ويروى وقد روي (فِي الْحَدِيثِ صِفَةُ صَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى مَنْ جلس) أي في مسجد ونحوه (ينتظر الصّلاة) أي الآتية أو أذانها وإقامتها (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ فَهَذَا دُعَاءٌ) لكنه يليق بالأمة ولا يبعد أن يكون دعاؤهم للنبي بأن يقولوا اللهم عظم شأنه وتمم برهانه وأكثر أمته وأظهر ملته وأرفع درجته (وقال بكر) وفي نسخة أَبُو بَكْرٍ (الْقُشَيْرِيُّ: الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لمن دون النبيّ) أي لغيره (رحمة) أي عامة (وللنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم تشريف) وهو رحمة خاصة (وَزِيَادَةُ تَكْرِمَةٍ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: صَلَاةُ اللَّهِ وثناؤه عليه عند الملائكة) أي المقربين (وصلاة الملائكة الدّعاء) أي بزيادة الإكرام والإنعام للنبي ﵊ (قال القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى) يعني المصنف (وقد فرّق) بتشديد الراء وتخفيفها وهو أولى أي فصل (النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في حديث تعليم الصّلاة عليه بين لفظ الصّلاة ولفظ البركة) أي في الحديث الذي
[ ٢ / ١٠٥ ]
رواه الشيخان وغيرهما من أصحاب السنن اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد (فدلّ أنّهما) أي الصلاة والبركة (بمعنيين) أي متغايرين لأن المراد بالصلاة الثناء وبالبركة كثرة الخير والنماء (وَأَمَّا التَّسْلِيمُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عباده) أي بقوله وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا وهو يحتمل أن يكون بمعنى الانقياد كما قال تَعَالَى فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ويحتمل أن يراد به التسليم الذي بمعنى التحية فإن السلام تحية أهل الإسلام أو خصوص الدعاء بالسلامة من الآفة للنبي ﵊ (فقال القاضي أبو بكر بن بكير) بضم موحدة فكاف مفتوحة فتحتية ساكنة (نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ أَنْ يُسَلِّمُوا عليه) وكذا امرهم النبي أن يسلموا عليه في الصلاة بأن يقولوا السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ (وكذلك من بعدهم) أي من التابعين وغيرهم (أمروا) أي تبعا لهم (أن يسلّموا على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم عند حضورهم قبره) أي خصوصا (وعند ذكره) أي عموما (وفي معنى السّلام عليه ثلاثة وجوه: أحدها السّلامة لك) أي حاصلة لك أو السلامة الكاملة من الآفات الشاملة خاصة لك (ومعك) أي ومصحوبة معك لا تنفك عنك في جميع أحوالك (ويكون السّلام مصدرا) أي كالسلامة (كاللّذاذ واللّذاذة) فإنهما مصدران من لذيذ إلا أنهما من الثلاثي المجرد والأولان من المزيد (الثّاني) أي من الوجوه (أي السّلام) أي اسمه (على حفظك) أي محافظتك من موجبات قصورك (ورعايتك) أي مراعاة جميع أمورك (متولّ له) أي متصرف لما ذكر من حفظك ورعايتك أو متول عونه ونصره له (وكفيل به) أي ضمين بقيامه ومتكفل بنظام مرامه (ويكون هنا) أي في الوجه الثاني (السّلام اسم الله) أي مصدر وصف به مبالغة ومعناه ذو السلامة من كل نقص وآفة (الثّالث أنّ السّلام بمعنى المسالمة له) أي المصالحة والموافقة (والانقياد) أي بالإدغان وترك المخالفة (كما قال تعالى فَلا) أي فليس الأمر كما زعموا (وَرَبِّكَ) وقيل التقدير فوربك بشهادة فوربك لنسألنهم زيدت فيه لا لتأكيد القسم لا لتظاهر لا في (لا يُؤْمِنُونَ) جواب القسم لأن استواء النفي والإثبات في زيادتها للتاكيد كما في فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تبصرون يأبى ذلك (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ) أي يجعلوك حاكما (فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ) أي فيما وقع لهم من التنازع والاختلاف (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا) أي ضيقا شرعا لا طبعا أو شكا (مِمَّا قَضَيْتَ أي حكمت به (وَيُسَلِّمُوا أي وينقادوا لما حكمت به (تَسْلِيمًا) [النساء: ٦٥] . مصدر مؤكد لفعله بمنزلة تكريره أي وينقادوا انقيادا ظاهرا وباطنا لا ريبة فيه.
[ ٢ / ١٠٦ ]
فصل [اعلم أن الصلاة على النبي فرض في الجملة]
(اعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم فرض) أي واجب مقطوع به (في الجملة) وفي نسخة على الجملة أي إجمالا (غير محدّد) وفي نسخة غير محدود أي غير موقت ومقدر (بوقت) أي بزمان معين (لأمر الله تعالى بالصّلاة عليه) والأصل في الأمر الوجوب كما عليه الجمهور (وحمل الأئمة) يحتمل أن يكون مصدرا أو ماضيا كما في نسختين صحيحتين والمراد الأئمة المجتهدين (والعلماء) أي من المفسرين والمحدثين (له) أي لأمر الله (على الوجوب) بمعنى الفرض (وأجمعوا عليه) أي على الوجوب والمراد بإجماعهم اتفاق أكثرهم لقوله (وحكى أبو جعفر) أي محمد بن جرير الشافعي (الطّبريّ أنّ محمل الآية) بفتح الميم الأولى وكسر الثانية أي الآية محمولة باعتبار أمرها (عنده على النّدب وادّعى فيه الإجماع) أي على الندب (ولعله) أي الإجماع المذكور (فيما زاد على مرّة) أي لئلا يخالف الإجماع المذكور (والواجب منه) مبتدأ وهو اسم فاعل مشتق فلامه اسم موصول صلته (الّذي يسقط به الجرح) بفتح الجيم وسكون الراء أي الطعن والقدح (ومأثم ترك الفرض) أي ويسقط به الإثم المترتب على تركه (مرّة) خبر المبتدأ المقدم لأنها أقل ما توجد فيها الماهية المطلوبة فيحمل عليها (كالشّهادة له بالنّبوّة) أي المقرونة بالرسالة لوجوبها مرة اجماعا (وما عدا ذلك) أي وأما ما زاد على مرة فيها (فمندوب) أي مستحب ومطلوب (مرغّب فيه) أي مرغوب (من سنن الإسلام وشعار أهله) أي علامتهم في احكام الأحكام (قال القاضي أبو الحسن بن القصّار) من المالكية (المشهور عن أصحابنا) أي علمائنا (أنّ ذلك) أي ما ذكر من أن الصلاة (واجب في الجملة) أي فرض غير موقت بوقت معين (على الإنسان وفرض عليه) أي على كل فرد من أفراد الإنسان من المؤمنين (أن يأتي به) أي بهذا الفرض وفي نسخة بها أي بالصلاة (مرّة من دهره) إذ به يخرج من عهدة أمره (مع القدرة على ذلك) أي على الإتيان بها إذ هي شرط له ولهذا تسقط عن الأبكم (وقال القاضي أبو بكر بن بكير) بضم موحدة وفتح كاف أحد المالكية (افترض الله على خلقه) أي المؤمنين (أن يصلّوا على نبيّه) أي تعظيما وتكريما (ويسلّموا تسليما ولم يجعل ذلك) أي الافتراض (لوقت معلوم) أي في وقت معين وزمان مبين (فالواجب) أي مروءة أو احتياطا أو المراد به الواجوب الذي دون الفرض (أن يكثر المرء منها) أي من الصلاة (ولا يغفل) بضم الفاء أي لا يذهل (عنها) والمعنى أنه تعالى لم يوقت ذلك ليشمل سائر الأوقات هنالك كما قيل في الذكر أنه سبحانه وتعلى قال اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا فجعل لكل عبادة وقتا معينا إلا ذكره ﷿ فإنه لم يجعل له زمانا مبينا سواء يكون ذكرا لسانيا أو جنانيا وكذلك الصلاة عليه غير موقتة حيث قرن ذكره بذكره البتة (قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ نَصْرٍ:
الصَّلَاةُ على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم واجبة في الجملة) هذا قول مجمل وفي بيان تفصيله (قال القاضي أبو عبد الله مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ: ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ من أهل العلم)
[ ٢ / ١٠٧ ]
أي من الأئمة المجتهدين (إلى) وفي نسخة بدونها (أنّ الصّلاة على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فرض بالجملة بعقد الإيمان) أي بقيد الإيمان المذكور في القرآن فلا تجب على أهل الكفر والكفران (لا يتعيّن في الصّلاة) بمعنى أنها لا تجب فيها ولا أنها لا تصح إلا بها كما قال الشافعي (وأنّ) أي وذهبوا إلى أن (مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ عُمُرِهِ سقط الفرض عنه وقال أصحاب الشّافعيّ) أي تبعا له (الفرض منها) أي من الصلاة (الّذي أمر الله) أي في قديم كلامه (به) أي بإتيانه (ورسوله) أي وأمر به رسوله (﵇) أي في حديثه (هو في الصّلاة) أي منحصر فيها وهو عقب تشهدها قبل سلام تحللها واستدلوا بحديث أبي مسعود البدري في صحيحي ابن حبان والحاكم أما السلام عليك يا رسول الله فقد عرفناه أي فيما علمناه من تشهد الصلاة وهو السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا قال قولوا اللهم صل على محمد إلى آخره زاد ابن ماجه وغيره والسلام علي كما قد علمتم وفيه أنه لا دلالة على فرضيتها على وجه خصوصيتها وبحديث ابن مسعود فيما رواه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والحاكم بسند صحيح يتشهد الرجل في الصلاة ثم يصلي على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ثم يدعو لنفسه بعد وفيه أن هذا اخبار عن أقوال تقال في الصلاة ولا دلالة على وجوب الصلاة بشهادة كون الدعاء مستحبا إجماعا وبحديث ابن عمر فيما رواه العميري بسند جيد لا تكون صلاة إلّا بقراءة وتشهد وصلاة عليّ في الصلاة في الصلاة اللهم صل على محمد وآل محمد الخ وفيه أنه يحتمل أن المراد لا تكون صلاة كاملة مع وجود الاحتمال يمتنع الاستدلال وقال الشافعي قد ورد أنه صلى الله تعالى عليه وسلم علمهم تشهد الصلاة وورد أنه علمهم كيف يصلون عليه فيها فلم يجز أن نقول بوجوب التشهد فيها دون وجوب الصلاة عليه انتهى ولا يخفى أنه يجوز أن يقع الأمران ويكون أحدهما للوجوب والآخر للندب على أن لفظ الحديث الصلاة المشتملة على آله والشافعي لم يقل بوجوب الجمع بينهما مع أنه ﵊ أمرهم بالدعاء فيها أيضا وهو مندوب أيضا قال الدلجي وزعم القرافي في ذخيرته أنه يستدل على وجوب الصلاة عليه ﵇ فيه بالإجماع ولم يصب في زعمه إذ لا اجماع على وجوبها فيه أقول ولعله أراد أن الإجماع على وجوب الصلاة في الجملة وتعين الوقت فيه بالسنة وهذا معنى قوله (وقالوا) أي أصحاب الشافعي رحمهم الله تعالى (وأمّا في غيرها) أي غير الصلاة (فلا خلاف أنّها غير واجبة) أي فيتعين كونها في الصلاة واجبة إذ لا بد من وجوبها مرة كما مر فقول الدلجي إلا مرة واحدة كما مر غير مستقيم فتدبر (وَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَحَكَى الْإِمَامَانِ أَبُو جَعْفَرٍ) وفي نسخة أبوا جعفر بلفظ التثنية فإنه كنية لهما (الطّبريّ) وهو محمد بن جرير من أكابر الشافعية (والطّحاويّ) وهو محمد بن أحمد بن سلام من أكابر الحنفية (وغيرهما إجماع جميع المتقدّمين) أي من الصحابة والتابعين (والمتأخّرين من علماء الأمّة) أي المجتهدين (عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم في التّشهّد غير واجبة) وعارضهما الدلجي بنقل النووي في شرح المهذب ومسلم وابن كثير وابن قيم
[ ٢ / ١٠٨ ]
الجوزية وكثيرين نقلوا وجوبها عليه فيه عن أئمة من الصحابة كعمر وابنه عبد الله وابن مسعود وأبي مسعود البدري وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم ومن التابعين محمد بن كعب القرظي والشعبي والباقر ومقاتل رحمهم الله تعالى ومن غيرهم أحمد بن حنبل كما قال أبو زرعة الدمشقي الآخر عملا حتى أن بعضهم أوجب أن يقال فيه صلى الله تعالى عليه وسلم قال وقد ألزم من قال من الحنفية بوجوبها فيه لتقدم ذكره فيه وفيه أن لهم أن يلتزموه لذكره لا لصحتها والظاهر أن الصحابة المذكورين وغيرهم لم ينصوا بوجوبها إذ هذا اصطلاح حادث وإنما كانوا يقولون بوقوعها من غير أن يتعرضوا لكونه واجبا أو مندوبا اللهم إلّا أن صرحوا بعدم صحة الصلاة بدونها أو بصحتها من غير وجودها فحينئذ يعرف الإجماع بثبوتها أو نفيها ولهذا قال ابن حجر العسقلاني لم أر من الصحابة أحدا صرح بعدم الوجوب إلا ما نقل عن النخعي وبهذا الاعتبار قال المصنف (وشذّ الشّافعيّ) أي انفرد هو ومن تبعه (في ذلك) أي القول بوجوبها وعدم صحة الصلاة بدونها (فقال) أي الشافعي (مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم من بعد التّشهّد الأخير) وفي نسخة الآخر وهو أشهد أن محمدا رسول الله (قبل السّلام) أي سلام التحليل (فصلاته فاسدة) أي لأنها ركن عنده تفسد بتركه (وإن صلّى عليه قبل ذلك) أي قبل أشهد أن محمدا رسول الله على ما قاله الدلجي أو قبل ذلك التشهد بأن يقول بعد التشهد الأول (لم تجزه) كان حقه أن يقول لم تجزئه كما في نسخة صحيحة لأنه مهموز من اجزأه يجزئه إذا كفاه (ولا سلف) أي لا سابقة قدم (له) أي للشافعي والمعنى أن أحدا من السلف ما وافقه (في هذا القول) أي من الصحابة والتابعين وسائر المجتهدين (ولا سنّة يتّبعها) بتشديد التاء وتخفيفها أي من الأحاديث الدالة على وجوبها فيه ومن أعجب العجائب قول الدلجي وإن تعجب فعجب قوله بعدم وجوبها عليه فيه منكرا على رأس المجتهدين الشافعي إلى آخر ما ذكره فإن الشافعي لم يكن رأس المجتهدين أصلا بل رأسهم وأساسهم أبو حنيفة ومالك وأمثالهما قطعا فيما يتعلق بالاجتهاد فصلا فصلا فلهما على غيرهما في الفقه والحديث فضل وأما قوله من إن موضوع هذا الكتاب يقتضي وجوب الصلاة ﵇ فأمر خارج عن تحقيق المرام ثم قوله إن هذا من ورطة العصبية فالمصنف منزه عن حمية الجاهلية ثم أغرب في قوله لم أقل ذلك غمصا لمن شذ عما هدى إمام الأمة إليه من طيب القول بل امتثالا لقول عمر إذا رأيتم من يمزق أعراض الناس لا تقربوا عليه قالوا نخاف لسانه فقال ذلك أحرى أن لا تكونوا شهداء (وَقَدْ بَالَغَ فِي إِنْكَارِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَيْهِ) أي على الشافعي (لمخالفته فيها من تقدّمه) أي من السلف ممن لم يقل بوجوبها عليه (جماعة) أي من علماء الخلف (وشنّعوا) بتشديد النون أي طعنوا (عليه الخلاف فيها) أي في هذه المسألة (منهم الطّبريّ) وهو محمد بن جرير من الشافعية (والقشيري) أي صاحب الرسالة منهم أبو بكر بن العلاء المالكي (وغير واحد) أي وكثيرون من غيرهم (وقال أبو بكر بن المنذر) هو الإمام الأوحد محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري شيخ الحرم توفي بمكة سنة تسع أو عشر وثلاثمائة (يستحبّ أن لا يصلّي أحد
[ ٢ / ١٠٩ ]
صلاة) أي فرضا أو نافلة (إِلَّا صَلَّى فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) أي عقب التشهد الذي بعده التحليل (فإن ترك ذلك) أي الاستحباب (تارك فصلاته مجزئة) أي كافية له (في مذهب مالك وأهل المدينة) أي من علمائها السبعة (وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ) أي أهل الرأي الثاقب الذي هو من أعلى المناقب وقد سماهم أئمة الحديث به لأخذهم فيما أشكل من الحديث أو فيما لم يرد به حديث بآرائهم (وغيرهم وهو قول جلّ أهل العلم) بضم الجيم وتشديد اللام وفي نسخة جمل بضم جيم وفتح ميم وتخفيف لام أي أكثرهم وجمهورهم (وحكي عن مالك وسفيان) أي الثوري (أَنَّهَا فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ مُسْتَحَبَّةٌ وَأَنَّ تَارِكَهَا في التّشهّد) أي الأخير (مسيء) أي ملام بترك السنة (وشذّ الشّافعيّ فأوجب على تاركها) أي عمدا أو سهوا (في الصّلاة) فرضا أو نفلا (الإعادة) لأنها عنده ركن من أركانها الثلاثة عشر التي لا تتم الصلاة إلا بها ولا تجبر بسجود السهو (وأوجب إسحاق) أي ابن إبراهيم بن راهويه المروزي عالم خراسان روى عنه الجماعة خلا ابن ماجه ثقة حجة توفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين (الإعادة مع تعمّد تركها دون النّسيان) ووافقه الحزقي من الحنابلة (وَحَكَى أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ محمد بن الموّاز) بفتح الميم وتشديد الواو (أنّ الصّلاة على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فريضة) أي في مذهب المالكية وهذا يحتمل أن يريد مرة أو كلما ذكر أو في تشهد الصلاة (قال أبو محمد) هو ابن أبي زيد (يريد) يعني ابن الموز (ليست) أي الصلاة عليه (من فرائض الصّلاة) أي من أركانها (وقاله) أي وكذا قاله (محمد بن عبد الحكم وغيره) ومحمد بن عبد الحكم هذا هو الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري صاحب الشافعي يروي عن ابن وهب وطائفة وعنه النسائي وابن خزيمة والأصم وآخرون قال ان خزيمة ما رأيت في الفقهاء أعرف بأقاويل الصحابة والتابعين منه مات سنة ثمان وستين ومائتين (وحكى ابن القصّار) بفتح القاف وتشديد الصاد (وَعَبْدُ الْوَهَّابِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْمَوَّازِ يَرَاهَا) أي يرى الصلاة (فريضة في الصّلاة كقول الشّافعي) وصححه ابن الحاجب في مختصره وابن العربي في سراج المريدين وقال ابن عبد السلام المالكي وهو ظاهر كلام ابن المواز (وحكى أبو يعلى العبديّ) بفتح مهملة وسكون موحدة (المالكيّ عن المذهب) أي مذهب مالك (فيها ثلاثة أقوال: الوجوب) أي كما قال الشافعي وأشياعه (والسّنّة) أي المؤكدة كما قال أبو حنيفة وأتباعه (والنّدب) أي كما ذهب إليه مالك وبعضهم ولا فرق عند أكثر الشافعية بين السنة والندب وأما عند غيرهم فتغايرهما بأن السنة ما واظب عليه صلى الله تعالى عليه وسلم والندب ما لم يواظب عليه وبه قال بعض الشافعية كالقاضي حسين (وَقَدْ خَالَفَ الْخَطَّابِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرُهُ) بالرفع أي وغير الخطابي منهم الحافظ العراقي وأبو أمامة بن النقاش (الشّافعيّ في هذه المسألة) أي حيث لم يروا له حجة واضحة من الأدلة (قال الخطّابيّ وليست) أي الصلاة عليه (بواجبة في الصّلاة وهو) أي عدم وجوبها (قول جماعة الفقهاء) أي من السلف والخلف (إلّا الشّافعيّ) أي بالأصالة إنما وافقه من وافقه من الخلف على سبيل التبعية (ولا أعلم له فيها) أي في المسألة
[ ٢ / ١١٠ ]
(قدوة) بضم القاف وكسرها ويحكى فتحها أي مقتدى من السلف (وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ) وفي نسخة من فرائض الصلاة (عمل السّلف الصّالح) أي إفتاء (قبل الشّافعيّ) أي وجوده وظهوره (وإجماعهم عليه) أي على أن ترك الصلاة عليه غير مفسد للصلاة (وقد شنّع النّاس) أي من المتأخرين (عليه) أي على الشافعي (هذه المسألة) أي فيها (جدّا) أي بطريق المبالغة أو مبالغين له في التخطئة (وهذا تشهّد ابن مسعود) أي الذي هو أصح ألفاظ التشهد حيث رواه أصحاب الكتب الستة ولهذا اختاره بعض العلماء والمشايخ من الشافعية أيضا وقد ذكر ابن الملقن التشهدات الواردة عنه صلى الله تعالى عليه وسلم في تخريج أحاديث الرافعي فبلغت ثلاثة عشر تشهدا ثم أجمعوا على جواز جميع ألفاظ التشهد الوارد وإنما الخلاف في الاختيار فاختار أبي حنيفة تشهد ابن مسعود لكونه اصح سندا واختار الشافعي تشهد ابن عباس واختار مالك تشهد عمر الذي قرأه فوق منبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأما قوله (الّذي اختاره الشّافعيّ) فغير مشهور عنه بل الثابت عنه في كتب اصحابه أن الذي اختاره تشهد ابن عباس لزيادة المباركات فيه الموافقة لقوله تعالى تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً (وهو) أي تشهد ابن مسعود (الّذي علّمه له النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم وكذلك) مثل تشهد ابن مسعود (كُلُّ مَنْ رَوَى التَّشَهُّدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي مُوسَى الأشعريّ وعبد الله بن الزّبير) أي وغيرهم لما سبق (لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ صَلَاةً عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) أي ولو كانت الصلاة فرضا كالتشهد لما تركوا ذكرها وفيه بحث لا يخفى إذ كل واحد منهما فرض على حدة ولا يلزم من ذكر أحدهما ذكر الآخر لا سيما وقد اختلف مقام التعليم مع أنه يمكن تأخير وجوب الصلاة بعد تقديم فرض التشهد (وقد قال ابن عباس) كما في مسلم (وجابر) كما رواه الحاكم والنسائي (كان النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ من القرآن) أي ولهذا خص بالوجوب بخلاف الصلاة عليه فإنه ما ورد فيها مثل هذا الاهتمام (ونحوه) أي ونحو ما ذكر عنهما روي (عن أبي سعيد) أي الخدري (وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما) كما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ عَلَى الْمِنْبَرِ) أي وهو فوقه (كما يعلّمون) أي الفقهاء وفي نسخة بصيغة الخطاب أي كما تعلمون أنتم (الصّبيان في الكتّاب) بضم فتشديد أي في المكتب وموضع تعليم الكتاب (وعلّمه) أي التشهد (أَيْضًا عَلَى الْمِنْبَرِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ الله تعالى عنه) أي ولم يرو عن أحد منهم ذكر الصلاة عليه في هذا الباب (وَفِي الْحَدِيثِ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عليّ) رواه ابن ماجه والحاكم في مستدركه قال وليس على شرطهما إذ لم يخرجاه والطبراني والدارقطني قال وليس عندهم بقوي واليعمري والبيهقي بلفظ لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ولا صلاة لمن لم يصل على نبيه ولا صلاة لمن لم يحب الأنصار (قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ مَعْنَاهُ كَامِلَةً أَوْ لِمَنْ لم يصلّ عليّ مرّة في عمره) وإنما أوله بحديث
[ ٢ / ١١١ ]
البيهقي الدال على أن المراد به نفي الكمال إذ الإجماع منعقد على صحة صلاة من لا يحب الأنصار والاتفاق على صحة من لم يذكر اسم الله على وضوئه خلافا لأحمد فاندفع قول الدلجي بأنه تحكم وترجيح بلا مرجح وصرف للنفي عن المتبادر منه وضعا أعني الحقيقة المجزئة إلى ناقص لا غناء له ثم هذا كله لو ثبتت صحته (وَضَعَّفَ أَهْلُ الْحَدِيثِ كُلُّهُمْ رِوَايَةَ هَذَا الْحَدِيثِ) أي بجميع طرقه ويعمل بالحديث الضعيف ولا يستدل به قال السخاوي في القول البديع وعن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال لا وضوء لمن لم يصل على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رواه ابن ماجه وابن أبي عاصم وسنده ضعيف وفي بعض طرقه من الزيادة لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ومعناه لا وضوء كامل الفضيلة والتسمية عندنا من الفضائل ولا أعلم من قال بوجوبها إلا ما جاء عن أحمد في إحدى الروايتين عنه وبه قال إسحاق بن راهويه وأهل الظاهر فيتعين حمل الحديث على ما تقدم وهو مثل قوله لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد وما أشبه ذلك (وفي حديث أبي جعفر) الصادق محمد الباقر ابن زين العابدين علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم من صلّى صلاة) أي فرضا أو نافلة (لَمْ يُصَلِّ فِيهَا عَلَيَّ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِي لم تقبل منه) أي قبولا كاملا وفي نسخة وقد روي موقوفا من قبل ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ الصَّوَابُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي جعفر محمد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنه) أي ابن علي بن أبي طالب قال الحلبي وعلي كونه مرفوعا أيضا يكون منقطعا لأن أبا جعفر لم يدرك ابن مسعود وابن أبي جعفر من ابن مسعود فإنه على ما قيل ولد سنة عشر ومائة وابن مسعود توفي سنة اثنتين وثلاثين (لَوْ صَلَّيْتُ صَلَاةً لَمْ أُصَلِّ فِيهَا عَلَى النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ لَرَأَيْتُ) من الرأي أو معناه لظننت (أنّها لا تتمّ) أي لا تكمل وليس معناه أنها لا تصح فبطل قول الدلجي قد حكم القاضي ولم يشعر على نفسه بأن للشافعي فيما قاله سلفا هو أبو جعفر وقد انقلب عليه قوله الشاهد لديه:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم
على أن الصلاة على أهل البيت ليست من فروض الصلاة إجماعا وعليه الشافعي وغيره فلو سلم أن مراد جعفر الصادق عدم صحة الصلاة بدونها فيكون ممن انفرد بها على أنه لم يسنده إلى نفسه بل يرويه غايته أن حديثه مسند متصل أو منقطع وقد حكم بأنه حديث ضعيف لا يصح الاستدلال به وزيد في بعض النسخ (وراويه) أي ناقل هذا الحديث عن أبي جعفر (جابر الجعفي) بفتح الجيم وسكون العين (وهو ضعيف) .
فصل [في المواطن التي تستحب فيها الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويرغب فيها]
(فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ فِيهَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ) وفي نسخة التسليم (على النبي صلى
[ ٢ / ١١٢ ]
الله تعالى عليه وسلم ويرغّب) بصيغة المجهول من الترغيب وهو ضد الترهيب وفي نسخة ويترغب (من ذلك) أي مما ذكر من المواضع وكان الأظهر أن يقول منها (في تشهّد الصّلاة كما قدّمناه) أي من الأدلة وأقوال الأئمة (وذلك) أي محلها (بعد التّشهّد) أي الأخير على ما عندنا (وقبل الدّعاء) أي قبل الدعاء لحديث ثم ليتخير من الدعاء ما شاء (حدّثنا القاضي أبو عليّ) أي ابن سكرة (﵀ بقراءتي عليه قال ثنا) أي حَدَّثَنَا (الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَلْخِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الفارسيّ) بكسر الراء (عن أبي القاسم الخزاعيّ) بضم أوله (عن أبي الهيثم) بفتح الهاء وسكون التحتية وفتح المثلثة وهو ابن كليب وفي نسخة صحيحة عن أبي سعيد الهيثم بن كليب وعلي بن سعيد ضبة وكنية الهيثم أبو سعيد فلعله أراد بالضبة أن الكنية ليست في الأصل والله أعلم (عن أبي عيسى الحافظ) أي الترمذي صاحب الجامع (حدّثنا محمود بن غيلان) مروزي حافظ يروي عن ابن عيينة وغيره وعنه أصحاب الكتب الستة سوى أبي داود (حدّثنا عبد الله بن يزيد) وفي نسخة زيد والصواب الأول وهو ابن عبد الرحمن (المقرىء) اسم فاعل من الإقراء وهو تعليم القراءة بتجويد الأداء وهو القصير مولى آل عمر بن الخطاب أصله من ناحية البصرة نزل مكة وروى عن أبي حنيفة وموسى بن علي بن رباح بالموحدة وحرملة وحيوة بن شريح وغيرهم وعنه البخاري وأحمد وابن راهويه وابن المديني وخلق كثير وثقه النسائي وغيره توفي سنة ثلاث عشرة ومائتين (حدّثنا حيوة) وفي نسخة عن حيوة (ابن شريح) وحيوة بفتح حاء وسكون ياء وشريح بالتصغير (حدّثني) وفي نسخة حدثنا (أبو هانىء) بكسر نون فهمز (الخولانيّ) بفتح الخاء (أنّ عمرو بن مالك) وفي نسخة عمر والصواب بالواو (الجنبي) بفتح الجيم وسكون النون فموحدة فياء نسبة إلى جنب بطن من مذحج البصري وثقه ابن معين توفي سنة اثنتين وثلاثمائة أخرج له أصحاب السنن الأربعة (أخبره أنه سمع فضالة) بفتح الفاء (ابن عبيد) وفي نسخة ابن عبيد الله والصواب الأول وهو أنصاري أوسي شهد أحدا والحديبية وولي قضاء دمشق لمعاوية (يقول سمع النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته) أي في آخرها (فلم يصلّ على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي قبل الدعاء بها (فقال النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم عجل هذا) بكسر الجيم مخففة أي استعجل في دعائه لنفسه قبل ثنائه على ربه الذي هو وسيلة لقبوله وفي نسخة عجل بتشديد الجيم المفتوحة أي عجل أمر الدعاء على الصلاة (ثمّ دعاه) أي طلبه (فقال له ولغيره) أي فخاطبه خطابا عاما غير مختص به (إذا صلّى أحدكم) أي وقعد في التشهد الأخير (فليبدأ بتحميد الله والثّناء عليه) أي بقوله التحيات لله الخ (ثمّ ليصلّ على النّبيّ) صلى الله تعالى عليه وسلم أي كما مر (ثمّ ليدع بعد) أي بعد الصلاة عليه (بما شاء) أي بما احتاج إليه أي بما لا يسئل من الناس والحديث أخرجه الترمذي في الدعوات وقال صحيح وأخرجه أبو داود ونحوه في الصلاة وكذا النسائي (وَيُرْوَى مِنْ غَيْرِ هَذَا السَّنَدِ بِتَمْجِيدِ اللَّهِ) أي بتعظيمه وهو بتقديم الميم على الجيم بدل بتحميده بتقديم الحاء على الميم ومعناهما
[ ٢ / ١١٣ ]
متقاربان (وهو) أي اللفظ الثاني أو سنده (أصحّ) أي مما قبله عند المصنف وفيه بحث إذ روى الأول أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم ثم لا دلالة في الحديث على وجوب الصلاة كما توهمه الدلجي لأن هذا أمر شفقة ونصيحة في مراعاة السنة بدليل امره بالدعاء المجمع على أنه للاستحباب بل فيه دليل على عدم الوجوب حيث أنه لم يأمره بإعادة الصلاة (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قال الدّعاء والصّلاة) أي المكتوبة والنافلة (معلّق) أي كل منهما (بين السّماء والأرض لا يصعد) بفتح أوله وضمه أي لا يطلع ولا يرفع (إلى الله) أي محل قبوله أو مكان عرشه (منه) أي مما ذكر من الدعاء والصلاة (شيء) أي منهما (حتّى يصلّي) أي الداعي وفي نسخة بصيغة المجهول في صلاته (على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي قبل دعائه رواه الترمذي إلا أنه في الحصن الحصين بلفظ حتى يصلي على نبيك وفيه تنبيه نبيه على أن منشأ الحكم المذكور هو وصف النبوة ونعت الوسيلة (وعن عليّ كرم الله وجهه عن النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بمعناه) رواه أبو الشيخ في الثواب عنه (وقال) أي علي في رواية زيادة (وعلى آل محمد) ولفظ البيهقي في شعب الإيمان الدعاء محجوب حتى يصلى على محمد وأهل بيته وفي رواية وآل محمد وهذا معنى قوله (وروي أنّ الدّعاء محجوب) أي ممنوع عن كمال حصوله وجمال وصوله (حَتَّى يُصَلِّيَ الدَّاعِي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) وفي الاقتصار عليه مرة وضم آله أخرى إشعار بأن ذكر أهل بيته إنما هو لبيان الأحرى ثم اعلم أن حديث علي رواه الطبراني في الأوسط موقوفا وروى الحسن بن عرفة عن علي مرفوعا وسنده ضعيف والصحيح وقفه لكن قال المحققون من علماء الحديث إن مثل هذا لا يقال من قبل الرأي فهو مرفوع حكما (وعن ابن مسعود) كما روى عبد الرزاق والطبراني بسند صحيح عنه (إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ شَيْئًا) أي في الصلاة وغيرها (فليبدأ بمدحه) وفي نسخة بحمده (والثّناء عليه بما هو أهله ثمّ يصليّ) أي هو (على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) ويمكن أن يكون يصلي مجزوما وبقاء الياء على لغة نحو قوله تعالى إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ على رواية قنبل عن ابن كثير وهو الملائم لما قبله وما بعده من قوله (ثمّ ليسأل) أي مطلوبه (فإنّه اجدر) أي أحق وأليق حينئذ (أن ينجح) بضم الياء وكسر الجيم أو بفتحهما من نجح ينجح وأنجح إذا أصاب طلبته وتيسرت حاجته ونجحت وأنجحت وانجحه الله وفي الحديث دليل على استحباب الصلاة حيث علل بقوله فإنه أجدر أن ينجح فتأمل وتدبر (وعن جابر ﵁) في رواية البزار وأبي يعلى والبيهقي في شعب الإيمان (قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا تجعلوني) أي مؤخرا مع كوني مقدما (كقدح الرّاكب) أي حيث يعلقه من ورائه ويلتفت إليه عند حاجته قال الهروي معناه لا تؤخروني في الذكر كتأخير الراكب تعليق قدحه في آخرة رحله بعد فراغه من التعبية ويجعله خلفه قال حسان كما نيط خلف الراكب القدح الفرد انتهى ونحوه لابن الأثير وقد أخذه منه أو التقدير لا تجعلوني مثل ماء قدح الراكب في الالتفات إليه عند الحاجة وتركه عند حال السعة قيل
[ ٢ / ١١٤ ]
وما قدحه يا رسول الله قال (فإنّ الرّاكب يملأ قدحه ثمّ يضعه) أي في رحله (ويرفع متاعه) أي على مركوبه أو يضع القدح حيث وقع ويرفع متاعه حيث ارتفع (فإن احتاج إلى شراب) أي شربه (شربه أو الوضوء) أي أو احتاج إليه (توضّأ وإلّا) أي وإن لم يحتج إلى شربه ولا إلى وضوئه (هراقه) أي صبه وفي نسخة اهراقه بسكون الهاء وقيل بفتحها والهاء في هراق بدل من همزة أراق يقال أراق الماء يريقه وهراقه يهريقه هراقة ويقال فيه أهرقت الماء أهريقه اهراقا فتجمع بين البدل والمبدل قال الحجازي ولا تفتح الهاء مع الهمزة (وَلَكِنِ اجْعَلُونِي فِي أَوَّلِ الدُّعَاءِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ) أي اذكروني بالصلاة علي في هذه المواطن خصوصا فإنكم لن تستغنوا عني عموما (وقال ابن عطاء: للدّعاء أركان) أي يقوم بها كالإخلاص (وأجنحة) أي يطير بها ويصعد بسببها ولا بد من وجودها كأكل الحلال (وأسباب) أي أحوال للإجابة كحالة السجود والقراءة (وأوقات) أي أزمنة خاصة لها كالسحر وساعة الجمعة وقد بينا كلها في شرح الحصن الحصين (فإن وافق) أي الدعاء (أركانه) بأن قارنها (قوي) أي باستناده إليها (وإن وافق أجنحته طار في السّماء) أي صعد إليها (وإن وافق مواقيته) أي أزمنته وأمكنته (فاز) أي نجح أجابته وقضيت حاجته واستجيب قوله (وإن وافق أسبابه أنجح) أي ظفر بطلبته (فأركانه حضور القلب) أي لمشاهدة الرب (والرّقّة) أي اللينة من أثر الرحمة (والاستكانة) أي الخضوع والتضرع والمذلة (والخشوع) أي الانكسار والافتقار والخشية (وتعلّق القلب بالله) أي بنفي ما سواه (وقطعه) أي الداعي (من الأسباب) وفي نسخة عن الأسباب اعتمادا على رب الأرباب (وأجنحته الصّدق) بأن لا يجري على لسانه الكذب نحوه ويكون صادقا في قوله وفعله وبارا في عهده ووعده (ومواقيته الأسحار) أي ونحوها من مواقيت الاذكار وخصت بالأسحار لأنها وقت الخلو عن الأغيار والخلوص عن الإكدار (وأسبابه الصّلاة) أي أنواعها بجعلها في أول الدعاء وأوسطه وآخره (على محمد صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الْحَدِيثِ الدُّعَاءُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لا يردّ) أي بلا إجابة بل يستجاب البتة وقد قال الشيخ أبو سليمان الداراني إذا سألت الله حاجة فابدأه بالصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ثم ادع بما شئت ثم اختم بالصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وسلم فإنه سبحانه بكرمه يقبل الصلاتين وهو أكرم من أن يدع ما بينهما (وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ كُلُّ دُعَاءٍ مَحْجُوبٌ دُونَ السَّمَاءِ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّلَاةُ عَلَيَّ صَعِدَ الدُّعَاءُ) وهو مضمون حديث الترمذي عن عمر (وَفِي دُعَاءِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ حنش) بفتح مهملة ونون فشين معجمة وهو ابن عبد الله شيباني صنعاني دمشقي نزل إفريقية يروي عن علي وغيره وثقه أبو زرعة وغيره توفي سنة مائة (فَقَالَ فِي آخِرِهِ وَاسْتَجِبْ دُعَائِي ثُمَّ تَبْدَأُ بالصّلاة على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أن تصلي) أي بأن تصلي وفي نسخة تقول اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ (عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكِ وَنَبِيِّكِ وَرَسُولِكِ أَفْضَلَ مَا صَلَّيْتَ عَلَى أحد من خلقك أجمعين) تأكيد لما قبله (آمين) بالمد ويقصر قال الحلبي هذا الحديث الذي أشار إليه القاضي ليس هو في الكتب الستة والذي لحنش عن ابن عباس حديث يا غلام
[ ٢ / ١١٥ ]
إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك الحديث أخرجه الترمذي في الزهد وحديث آخر عند ابن ماجه أنه ﵇ قال لابن مسعود معك ماء قال لا نبيذ في سطيحة الحديث أخرجه ابن ماجه في الطهارة وليس له عن ابن عباس شيء في بقية الكتب ولا فيها إلا هذين لحنش هذا ترجمته في الميزان وصحح عليه انتهى والحاصل أن الحديث ليس له أصل صحيح لكن الضعيف يذكر في الفضائل والمصنف إمام جليل في حسن الشمائل ومن حفظ حجة على من لم يحفظ والمثبت مقدم والله أعلم (وَمِنْ مُوَاطِنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ وَسَمَاعِ اسمه أو كتابه) وفي نسخة أو كتابه (أو عند الأذان) أي الاعلام الشامل للإقامة (وقد قال ﵇) كما في رواية مسلم عن أبي هريرة (رغم) بكسر الغين ويفتح أي لصق بالتراب وذل (أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ) وفي حديث بعثت مرغمة للمشركين وفي هذا دعاء عليه أي لحقه هوان ومذلة مجازاة بترك تعظيمي بالصلاة علي حين سمع اسمي (وكره ابن حبيب) وهو عبد الملك القرطبي أحد الأئمة ومصنف الواضحة (ذكر النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم عند الذّبح) ولعل وجه الكراهة توهم اشتراك اسمه بسم الله سبحانه بأن يقول بسم الله وصلى الله تعالى عليه وسلم وأما إن قال بسم الله والنبي نحوه فلا شك أنه حرام ولا يحل أكل تلك الذبيحة وربما يكفر قائله والحاصل أن أصحاب أبي حنيفة كرهوا الصلاة في هذا الموطن كما ذكره صاحب المحيط وعلله بأن قال لأن فيها إيهام الإهلال لغير الله تعالى (وكره سحنون) بفتح فسكون فضم وهو منصرف وهو أبو سعيد عبد السلام (الصّلاة عليه عند التّعجّب وقال) أي في تعليله (لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إِلَّا عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِسَابِ وطلب الثّواب) عطف تفسير لما قبله ويؤيده ما قال بعض ائمتنا من ذكر الله عند فتح سلعته أو نشر سلعته وارادة ترويجها واجتماع الناس عليها يكفر وفي تحفة الملوك ومنحة السلوك للعيني ويحرم التسبيح والتكبير والصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عند عمل محرم أو عرض سلعة أو فتح متاع انتهى فما ذكره الأنطاكي من قوله كذلك كره أصحابنا الحنيفة للسوقي أن يصلي عليه ﵇ عند فتح بضاعته وعرضها على المشتري لأنه يقصد بذلك تحسين بضاعته وترغيب المشتري في تجارته لا الاحتساب وطلب الثواب ينبغي أن يحمل على الكراهة التحريمية وإذا قصد المثوبة وغيرها فتكون الكراهة تنزيهية والله أعلم (قال) وفي نسخة وقال (أصبغ) بفتح فسكون فموحدة مفتوحة فغين معجمة وهو غير مصروف وهو ابن فرج بن سعيد بن نافع أبو عبد الله الأموي مولى عمر بن عبد العزيز المصري الفقيه يروي عن ابن وهب والداوردي وطائفة وعنه البخاري وجماعة قال ابن معين كان أعلم خلق الله برأي مالك صدوق عالم ورع (عن ابن القاسم) وهو أبو عبد الله المصري الفقيه صاحب مالك وثقه غير واحد ورع زاهد أخرج له البخاري والنسائي ورد عنه قال خرجت إلى مالك اثنتي عشر مرة اتفقت كل مرة ألف دينار (موطنان لا يذكر فيهما) بصيغة المفعول (إلا الله الذّبيحة والعطاس) بضم أوله وهو العطسة (فلا تقل) بصيغة الخطاب وفي نسخة بصيغة الغيبة مجهولا (فيهما) أي في الذبيحة والعطاس
[ ٢ / ١١٦ ]
(بعد ذكر الله محمد رسول الله) أي لاختصاص ذكر الله تعالى بهما ويؤيده ما رواه أبو محمد الخلال بسنده عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال موطنان لا حظ لي فيهما عند العطاس والذبح وأخرج الديلمي في مسند الفردوس له من طريق الحاكم عن أنس وهو عند البيهقي في السنن الكبرى عن الحاكم من غير ذكر الصحابي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلم قال لا تذكروني في ثلاثة مواطن عند العطاس وعند الذبيحة وعند التعجب (وَلَوْ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى) وفي نسخة وصلى الله تعالى (على محمد لم يكن تسميته) وفي نسخة تسمية (له مع الله) لأنها جملة منفصلة عما قبلها (وقاله) أي وذكره أيضا (أشهب) وهو ابن عبد العزيز بن داود أبو عمر القيسي المصري الفقيه يروي عن الليث ومالك وطائفة وعنه سحنون وجماعة توفي بعد الشافعي بثمانية عشر يوما وله أربع وستون سنة أخرج له أبو داود والنسائي قال ابن يونس هو أحد فقهاء مصر وذوي رأيها وقال ابن عبد البر كان فقيها حسن الرأي والنظر فضله ابن عبد الحكم على ابن القاسم في الرأي (قال) أي أشهب (وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُجْعَلَ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم فيه) أي فيما ذكرا وفي كل منهما (استنانا) وفي نسخة استئنافا أي سنة واستحسانا خلافا للشافعي حيث قال لا أكره مع التسمية على الذبيحة أن يقول صلى الله تعالى عليه وسلم على محمد بل أحب ذلك (وروى النّسائيّ) وكذا أبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه (عن أوس بن أوس) ثقفي صحابي سكن دمشق أخرج له أصحاب السنن الأربعة وأحمد في المسند قال الحلبي وفي الصحابة من اسمه أوس خمسة وأربعون (عن النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَمْرَ بِالْإِكْثَارِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ يوم الجمعة) ولفظه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه الصعقة فأكثروا فيه من الصلاة علي فإن صلاتكم معروضة علي قالوا كيف تعرض صلاتنا عليك وقد ارممت أي بليت قال إن الله ﷿ حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء رواه أيضا أحمد وابن أبي عاصم والبيهقي والطبراني وابن خزيمة وصححه النووي في الأذكار وجاء في هذا الباب أحاديث كثيرة وفي بعضها تعين عدد الصلاة بثمانين وفي بعضها بمائة وفي بعضها بألف وكذا ورد أحاديث في الصلاة عليه ليلة الجمعة (ومن مواطن الصّلاة والسّلام) أي الجمع بينهما (دخول المسجد) أي بعد تحققه وحصوله أو قصد دخوله ووصوله (قال أبو إسحاق بن شعبان) أي المصري المالكي (وَيَنْبَغِي لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله ويترحّم عليه ويبارك عليه وعلى آله ويسلّم) أي عليه وعلى آله كما في نسخة (تَسْلِيمًا وَيَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لي أبواب رحمتك وإذا خرج) من المسجد (فعل مثل ذلك) أي من الصلاة والدعاء ويروى يقول مثل ذلك (وجعل موضع رحمتك فضلك) وهذا مأخوذ من حديث أحمد وأبي يعلى والترمذي وحسنه عن فاطمة رضي الله تعالى عنها كان رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ
[ ٢ / ١١٧ ]
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ ثُمَّ قال اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رحمتك وإذا خرج قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ ثُمَّ قال اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فضلك واصله في حديث مسلم وليس فيه ولا في غيره وترحم وبارك ثم لا يخفى مناسبة طلب الرحمة في دخول المسجد للطاعة وملاءمة طلب الفضل وهو الرزق عند خروجه على وجه الإباحه كما يشير إليه قوله سبحانه فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (وقال عمرو بن دينار) هو أبو محمد مولى قيس مكي إمام يروي عن ابن عباس وابن عمر وجابر وعنه شعبة وسفيانان وحمادان وهو عالم حجة أخرج له الأئمة الستة (في قوله) أي الله سبحانه (فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا) بضم الباء وكسرها (فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ) [النور: ٦١] أي على أهليكم تحية من عند الله مباركة طيبة (قال) أي ابن دينار وهو من كبار التابعين المكيين وفقهائهم (إن) وفي نسخة فإن (لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ فَقُلْ السَّلَامُ على النّبيّ ورحمة لله وبركاته) أي لأن روحه ﵇ حاضر في بيوت أهل الإسلام (السّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين) أي من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين (السّلام على أهل البيت) لعله أراد بهم مؤمني الجن (ورحمة الله وبركاته) وظاهر القرآن عموم البيوت لا سيما وسابقه بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ الآية ويؤيده حديث أنس متى لقيت أحدا من أمتي فسلم عليه يطل عمرك وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوابين (قال ابن عبّاس) أي في رواية ابن أبي حاتم (المراد بالبيوت هنا المساجد) ولعله أراد أنها تشمل المساجد فإنها أفضل البيوت كما يشير إليه قوله سبحانه فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ الآية فالتنوين للتذكير أو أراد أن التنوين للتعظيم فيختص بالمساجد لأنها أعلى المشاهد (وقال النّخعي) وهو إبراهيم بن يزيد العالم الجليل (إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدٌ فَقُلْ: السّلام على رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ فَقُلْ:
السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصّالحين) ولا منع من الجمع فيهما (وعن علقمة) أي ابن قيس الفقيه النبيه (إذا دخلت المسجد) أي أنا (أَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وبركاته صلّى الله وملائكته على محمد) أي اجمع بين الصلاة والسلام عليه (ونحوه عن كعب) أي كعب الأحبار (إذا دخل) المسجد (وإذا خرج) أي في الوقتين (ولم يذكر الصّلاة) أي كعب بخلاف الأحبار (واحتجّ ابن شعبان لما ذكره) أي فيما مر من أنه ينبغي لمن دخل المسجد أن يصلي الخ ويروى لما ذكر (بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ) لكن سبق أنها لم تذكر فيه ترحما ولا مباركة وحديثها أخرجه الترمذي في الصلاة وفيه إرسال فاطمة بنت الحسين ولم يذكر فاطمة بنت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأخرجه ابن ماجه في الصلاة أيضا (ومثله) أي مثل حديثها أو مثل حديث علقمة (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) أي الأنصاري قاضي المدينة وأميرها يروي عن السائب بن يزيد وغيره وعنه الأوزاعي ونحوه
[ ٢ / ١١٨ ]
أخرج له الأئمة الستة (وذكر) وفي نسخة فذكر (السّلام والرّحمة وقد ذكرنا هذا الحديث) أي حديثها (آخر القسم) أي الثاني وفي نسخة في آخر هذا القسم (والاختلاف في ألفاظه) أي من رواية عنها (وَمِنْ مَوَاطِنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَيْضًا الصَّلَاةُ عَلَى الجنائز وذكر) أي وروي (عن أبي أمامة أنّها من السّنّة) قال الحلبي أبو أمامة هذا الظاهر أنه سعد بن سهل بن حنيف بن واهب بن الحكم بن ثعلبة أبو أمامة الأنصاري ولد في زمان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وسماه ﵇ كناه وبرك عليه وحديثه مرسل وروى عن عمر وعنه الزهري ويحيى بن سعد وخلق فإن قيل لم قلت إن أبا أمامة هذا الظاهر أنه سعد فالجواب أن حديثه المشار إليه هو في المستدرك الحاكم رواه من طريق يونس عن الزهري أخبرني أبو أمامة بن سهل أنه أخبره رجال من الصحابة في الصلاة على الجنازة أنه يكبر الإمام ثم يصلي على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويخلص الصلاة في التكبيرات الثلاث ثم يسلم تسليما خفيفا حتى ينصرف والسنة أن يفعل من ورائه مثل ما فعل أمامة قال الزهري حدثني بذلك أبو أمامة وابن المسيب يسمع فلم ينكر فذكرت الذي قال لمحمد بن سويد فقال وأنا سمعت الضحاك بن قيس يحدث عن حبيب بن مسلمة في صلاة صلاها على الميت مثل الذي حدثنا به أبو أمامة على شرطهما سكت عليه الذهبي ولم يتعقبه وله حديث في سنن النسائي السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة ثم يكبر ثلاثا والتسليم عند الأخيرة ثم اعلم أن التكبيرات عندنا أركان وأما الثناء بعد الأولى والصلاة بعد الثانية والدعاء بعد الثالثة فسنن ولو قرأ الفاتحة بنية الثناء جاز وذكر الدلجي أن الصلاة على النبي عند الشافعي من أركانها ومحلها كما جزم به في المنهاج التكبيرة الثانية الحديث النسائي ومحمد بن نصر المروزي عن أبي إمامة بن سهل الصحابي لا أبي أمامة الباهلي قال السنة في الصلاة على الجنائز أن يكبر ثم يقرأ بأم القرآن ثم يصلي على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ثم يخلص الدعاء للميت ولا يقرأ إلا في التكبيرة الأولى ثم يسلم حديث صحيح صححه الحاكم وحكمه الرفع إليه صلى الله تعالى عليه وسلم (وَمِنْ مَوَاطِنِ الصَّلَاةِ الَّتِي مَضَى عَلَيْهَا عَمَلُ الأمّة ولم تنكرها) أي على عاملها (الصلاة على النبي ﷺ وآله في الرّسائل) أي المكاتيب والوسائل (وما يكتب بعد البسملة) أو الحمدلة لا قبلهما (ولم يكن هذا) أي ابتداء الرسائل بها (في الصّدر الأوّل) أي في زمنه ﵇ مطلقا أو في زمن أصحابه شائعا فلا ينافي ما ذكره الدلجي من أنه أول من فعله من الخلفاء أبو بكر بشهادة ما في سيرة الكلاعي أن بني سليم لما ارتدوا كتب إلى عامله عليهم طريفة ابن حاجر بسم الله الرحمن الرحيم من أبي بكر خليفة رسول الله إلى طريفة بن حاجر سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأسأله أن يصلي على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أما بعد إلخ وفي اذكار النووي عن حماد بن سلمة أن مكاتبة المسلمين كانت من فلان إلى فلان أما بعد سلام عليك الخ وأصله كتابه ﵇ إلى هرقل عظيم الروم ثم
[ ٢ / ١١٩ ]
أحدث هذه الزنادقة هذه المكاتبات المبدوءة بالطلبقة أي أطال الله بقاك (وأحدث) بصيغة المجهول أي وابتدع ابتداء الرسائل بها (عند ولاية بني هاشم) أي بني عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم وأولهم السفاح (فَمَضَى بِهِ عَمَلُ النَّاسِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ) أي نواحيها (ومنهم من يختم به) أي بما ذكر من الصلاة عليه ﵇ (أيضا) مع الابتداء به أو بدونه (الكتب) أي المكاتيب (وقال صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا دَامَ اسمي في ذلك الكتاب) رواه الطبراني في الأوسط بسند حسن والخطيب في شرف أصحاب الحديث وأبو الشيخ في الثواب وغيرهم (ومن مواطن السّلام) أي بانفراده (على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم تشهّد الصّلاة) أي في أثنائه (قال) كذا في نسخة أي المصنف (حدّثنا أبو القاسم خلف بن إبراهيم المقرىء الخطيب ﵀ وغيره) أي من مشايخه المعروفة عنده ولا يضره قول الحلبي لا أعرفه (قال) أي أبو القاسم (حدّثتني كريمة) وفي نسخة صحيحة قالوا حدثتنا (بنت محمد) وفي نسخة بنت أحمد وقد تقدمت (قالت) أي حدثنا (أبو الهيثم) الكشميهني (حدّثنا محمد بن يوسف) أي الفربري (حدّثنا محمد بن إسماعيل) أي الإمام البخاري (حدّثنا أبو نعيم) بالتصغير هو الفضل بن دكين الحافظ يروي عن الأعمش وطائفة وعنه البخاري وجماعة (حدّثنا الأعمش) وهو سليمان بن مهران (عن شقيق بن سلمة) أي الأسدي مخضرم سمع عمر ومعاذا وقال أدركت سبع سنين من سني الجاهلية وكان من العلماء العاملين أخرج له الأئمة الستة (عن عبد الله بن مسعود) وقد رواه أصحاب الكتب الستة عنه (عن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) اعتمد الدلجي على أصله السقيم قال ظاهره على أنه موقوف عليه وهو في حكم المرفوع (قال إذا صلّى أحدكم) أي فرضا أو نقلا (فليقل) أي في كل قعدة من صلاته وجوبا (التحيّات لله والصّلوات والطّيّبات) أي العابدات القولية والفعلية والمالية كلها لله تعالى (السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) قال الدلجي وإنما قال عليك دون على النبي تبعا للفظه ﵇ وقت علمهم وعدوله إليه ليخاطبوه إذا كان حيا فلما توفي ذهب بعضهم إلى الغيبة بشهادة حديث البخاري عن ابن مسعود كنا نقول السلام عليك وهو بين ظهرانينا ولما قبض قلنا السلام على النبي قلت إن ثبت عنه أراد بهذا في الصلاة فهذا مذهبه المختص به إذا جمع الأربعة على أن المصلي يقول أيها النبي وأن هذا من خصوصياته ﵇ إذ لو خاطب مصل أحدا غيره ويقول السلام عليك بطلت صلاته (السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ- فَإِنَّكُمْ إذا قلتموها) أي جملة السلام علينا إلى آخرها (أصابت) أي السلامة أو كلمة السلام (كلّ عبد صالح في السّماء) من الملائكة (والأرض) من الأنبياء والأولياء والصالح من يقوم بأداء حقوق الله وحقوق عباده (هذا) أي وقت أداء الصلاة أو تشهد الصلاة (أَحَدُ مَوَاطِنِ التَّسْلِيمِ عَلَيْهِ، وَسُنَّتُهُ أَوَّلُ التَّشَهُّدِ) أي بعد الثناء على الله سبحانه وقبل أن يقول أشهد (وقد روى مالك) أي في الموطأ (عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما (أنّه
[ ٢ / ١٢٠ ]
كان يقول ذلك) أي السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (إذا فرغ من تشهّد وأراد أن يسلّم) أي ليخرج من صلاته (واستحبّ مالك في المبسوط) وفي نسخة في المبسوطة (أن يسلّم بمثل ذلك) أي استحب فيها أن يقال ما رواه ابن عمر (قبل السّلام) أي من صلاته قال الدلجي وليس هذا من مشهور مذهبه (قال محمد ابن مسلمة أراد) أي مالك (ما جاء عن عائشة وابن عمر) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ عِنْدَ سَلَامِهِمَا السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وعلى عباد الله الصّالحين؛ السّلام عليكم) أي ورحمة الله (واستحبّ أهل العلم أن ينوي الإنسان) أي المصلي إماما أو مأموما أو منفردا (حين سلامه) أي من صلاته عن يمينه ويساره وفي نسخة عند سلامه (كلّ عبد) وفي نسخة على كُلَّ عَبْدٍ (صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنَ الملائكة وبني آدم والجنّ) أي ممن حضره فإن أصحاب أبي حنيفة على أن الإمام ينوي بطرفيه من ثمه من الملك والبشر وكذا المقتدي إلّا أنه ينوي إمامه أيضا في تسليمة واحدة إذا كان في أحد طرفيه وفيهما إذا كان محاذيا والمنفرد ينوي الملك فقط وذكر الدلجي أن أصحاب الشافعي على أن الإمام ينوي بسلامه المقتدين به وهم ينوون بسلامهم الرد عليه وغيره ينوي به من عن يمينه ويساره وهو الرد (قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَأُحِبُّ لِلْمَأْمُومِ إِذَا سَلَّمَ إِمَامُهُ أَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصّالحين السّلام عليكم) قال الدلجي وهذا غريب ليس من مشهور مذهبه ثم اعلم إن مواطن الصلاة عليه تزيد على أربعين موضعا ولعله ﷾ إن وفقني على جمعها أجعلها في رسالة مستقلة مع ما ورد فيها من الأدلة.
فصل [في كيفية الصلاة عليه والتسليم]
(في كيفية الصلاة عليه والتسليم) أي بألفاظ وردت ﵊ وثبتت عند العلماء الأعلام (قال) كذا في نسخة أي المصنف (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْفَقِيهُ بقراءتي عليه حدّثنا القاضي أبو الأصبغ) بفتح الهمزة والموحدة فغين معجمة عيسى بن سهل (حدثنا أبو عبد الله بن عتّاب) بتشديد الفوقية (حدّثنا أبو بكر بن واقد) بالقاف المكسورة (وغيره) أي من المشايخ (حدّثنا أبو عيسى) المفهوم من كلام الدلجي إنه الإمام الترمذي وهو الظاهر عند إطلاقه وقال الحلبي هو يحيى بن عبد الله بن يحيى بن كثير ووافقه الانطاكي ويؤيده قوله (حدّثنا عبيد الله) قال الحلبي هذا عم أبي عيسى الذي قبله وهو عبيد الله بن يحيى بن يحيى الليثي (حدّثنا يحيى) هذا هو يحيى بن يحيى الليثي أحد رواة الموطأ عن مالك (حدّثنا مالك) وهو الإمام (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حزم) وفي نسخة أبي بكر بن عمرو بن حزم روى عنه السفيانان (عن أبيه عن عمرو بن سليم) بالتصغير (الزّرقيّ) بضم الزاء وفتح الراء مخففة فقاف فياء نسبية أنصاري يروي عن أبي قتادة وأبي هريرة رضي الله تعالى
[ ٢ / ١٢١ ]
عنهما وعنه الزهري وطائفة (أنه قال أخبرني أبو حميد) بالتصغير (الساعديّ) منسوب إلى بني ساعدة من الأنصار خزرجي مدني له صحبة بقي إلى حدود ستين (أنهم) أي بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم (قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ) وهو مطلق يشمل حال الصلاة وغيرها (فقال قولوا) ربما يستدل به على فريضة الصلاة عليه في الصلاة لأن الأصل في الأمر الوجوب والإجماع على عدم وجوبها في غير الصلاة ولعل الجمهور حملوه على الاستحباب مطلقا إلّا إنها في الصلاة آكد والله أعلم (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صلّيت على آل إبراهيم) قيل الآل مقحمة وقيل المراد آل إبراهيم معه والتشبيه من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر لا من باب إلحاق الناقص بالكمال فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم أكمل الخلق فالصلاة المطلوبة له من الحق محمولة على الأفضل فالمعنى صل عليه صلاة مشهورة كشهرة صلاة الملائكة على إبراهيم لقوله تعالى رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وقد ورد في بعض طرق الحديث زيادة إنك حميد مجيد (وبارك) وفي رواية اللهم بارك (على محمّد) أي اثبت وأدم ما منحته إليه وأنعمته عليه (وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إنّك حميد) أي محمود بذاتك وصفاتك سواء حمدت أو لم تحمد على لسان مخلوقاتك أو حامد بكلماتك على ما أظهرت من آلائك في مصنوعاتك فهو الحامد والمحمود ﷾ لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه وأسنده إليه بنحو قوله فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (مجيد) أي كريم كثير الإحسان عظيم كبير الامتنان والحديث قد أخرجه القاضي من موطأ يحيى بن يحيى كما ترى وقد أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه كلهم عن مالك به فإن قيل لم عدل عن أخراجه من الكتب والمذكورة فالجواب أنه يقع له من الموطأ أعلى لأن بينه وبين مالك فيه ستة أشخاص من غير إجازة في الطريق (وفي رواية مالك) أي في الموطأ (عن أبي مسعود الأنصاري) رضي الله تعالى عنه أي البدري لنزوله بدرا وقيل لحضوره إياه وأبو مسعود هذا هو عقبة بن عمر وقد تقدم (قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله) أي آل محمد (كما صلّيت على آل إبراهيم) وهو صلى الله تعالى عليه وسلم أيضا من أشرف آله فتكون الصلاة مضاعفة عليه في حاله وإذا دخل في الآل يرتفع ما سبق في التشبيه من الإشكال والله أعلم بالحال. واعلم أنه استشكل هذا الحديث بناء على القاعدة الأغلبية من أن المشبه به يكون أفضل من المشبه فقبل إن ذلك كان قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم ﵉ وقيل صدر عنه صلى الله تعالى عليه وسلم تواضعا عند ربه أو هضما لنفسه أو تأدبا مع جده وقيل سأل صلاة يتخذه بها خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا وهذا لا يتم إلا بما قيل من أنه أراد المشابهة في أصل الصلاة لا قدرها كما في قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وقيل التشبيه وقع في الصلاة على الآل والكلام تم عند قوله صل على محمد وقوله وعلى آل محمد كلام مستأنف
[ ٢ / ١٢٢ ]
والمعنى وصل على آل محمد كما صليت ويحكى هذا عن الشافعي لكن تكلفه لا يخفى وقيل هو على ظاهره والمراد اجعل لمحمد وآله صلاة كصلاة إبراهيم وآله فالمسؤول مقابلة الجملة بالجملة لأن المختار من القول في الآل إنهم جميع الأتباع فيدخل في آل إبراهيم خلائق لا يحصون من الأنبياء وكذا ذكره الانطاكي ولا يحتاج إلى تفسير الآل بالاتباع لأن الأنبياء ﵈ بعد إبراهيم كلهم من ذريته فأنبياء بني اسرائيل من نسل إسحاق ونبينا من نسل إسماعيل فهو صلى الله تعالى عليه وسلم من جملة آله فآله باعتبار هذا المعنى ومآله أعظم والله أعلم (وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حميد) أي في جميع الأحوال (مجيد) أي كثير البر والنوال (والسّلام كما قد علّمتم) بكسر لام مخففة مع فتح أوله أو مشددة مع ضم أوله أي كما عرفتم في التشهد (وفي رواية كعب بن عجرة) بضم مهملة وسكون جيم وهو من أصحاب الشجرة روى عنه الشعبي وابن سيرين وغيرهما مات سنة إحدى وخمسين والحديث رواه الأئمة الستة عنه مرفوعا (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صلّيت على إبراهيم) وفي نسخة على آل إِبْرَاهِيمَ (وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد) أي مبالغ في المجد والشرف والكرم وعن علي كرم الله وجهه أما نحن بنو هاشم فأنجاد أمجاد أي أشراف كرام (وعن عقبة بن عمرو) أي كما رواه مسلم وغيره عنه مرفوعا (فِي حَدِيثِهِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأمّيّ) أي الذي على أصل خلقته لم يتعلم قراءة ولا كتابة بعد ولادته فيكون ظهور كمال علمه من خوارق عاداته (وعلى آل محمد) قال الشافعي ﵀ هم من حرمت عليهم الزكاة قال الدلجي ويؤيده قول الحسين بن علي إنا آل محمد لا نأكل أو لا يحل لنا الصدقة والأظهر أن المراد جميع أقاربه وأهل بيته وقيل أزواجه وذريته أو جميع أمته ورجحه النووي في شرح المهذب وقيده القاضي حسين بالأتقياء منهم في حديث البخاري وربما يقال أمة الإجابة كلهم اتقياء فإن التقوى ترك الشرك وقد ورد كل تقي آلى نعم على قدر مراتب التقوى تحصل المشاركة في المقام الأعلى (وفي رواية أبي سعيد الخدريّ) رضي الله تعالى عنه (اللهمّ صلّ على محمد عبدك) أي الأكمل (ورسولك) أي الأفضل فالإضافة للتعظيم والتكريم أو للعهد المخرج توهم التعميم وفيه إيماء إلى الاعتراف بالعبودية والتحدث بنعمة رسالة الربوبية (وذكر معناه) أي معنى الحديث ومبناه ويروى وذكر بمعناه (وَحَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ سَمَاعًا عليه وأبو عليّ الحسن بن طريف) بفتح مهملة (النّحويّ) أي المنسوب إلى النحو لمهارته في علمه وشهرته في فنه (بقراءتي عليه قالا) أي كلاهما (ثنا) أي حدثنا (أبو عبد الله بن سعدون) بفتح سين وضم دال مهملتين ممنوع وقيل مصروف (الفقيه) أي العالم بالفقه (حدّثنا أبو بكر المطّوعيّ) بفتح الواو مشددة (قال حدّثنا أبو عبد الله الحاكم) أي النيسابوري شيخ أهل الحديث في عصره وصاحب التصانيف في دهره ولد سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة في ربيع الأول وطلب من صغره الحديث باعتناء أبيه وخاله فسمع سنة
[ ٢ / ١٢٣ ]
ثلاثين وثلاثمائة ورحل إلى العراق وهو ابن عشرين وحج ثم جال في خراسان وما وراء النهر وسمع من ألفي شيخ تقريبا وفي مستدركه أحاديث ضعيفة وموضوعة أيضا لا يخفى بطلانها على من له معرفة بها وقد وثق جماعة قد ضعفهم هو في مواضع أخر وذكر أنه تبين جرحهم بالدليل توفي في صفر سنة خمس وأربعمائة (عن أبي بكر بن أبي دارم) بكسر الراء (الحافظ) أي السبيعي التميمي محدث الكوفة سمع إبراهيم بن عبد الله بن القصّار وأحمد بن موسى الحمار وغيرهما روى عنه الحاكم وتكلم فيه أبو بكر بن مردويه وآخرون وكان موصوفا بالحفظ لكن كان يترفض واتهم بالكذب توفي سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة (عن عليّ بن أحمد العجليّ) بكسر مهملة وسكون جيم (عن حرب) بالموحدة وفي نسخة حارث بالمثلثة (ابن الحسن) وهو الطحان قال الأزدي ليس حديثه بذاك قاله في الميزان قال الحلبي لكن ذكره ابن حبان في ثقاته (عن يحيى بن المساور) بضم الميم وكسر الواو قال الذهبي فيه عن جعفر الصادق قال الأزدي كذاب (عن عمرو بن خالد) هو أبو خالد القرشي مولى بني هاشم كوفي نزل واسط يروي عن حبيب بن أبي ثابت وزيد بن علي وأبي جعفر الباقر وجماعة وعنه حجاج بن أرطأة وإسرائيل وإسماعيل بن أبي عياش وخلق كذاب له ترجمة قبحة في الميزان (عن زيد بن علي بن الحسين) أي ابن علي بن أبي طالب وهو أبو الحسين العلوي المدني أخو محمد الباقر وعبد الله وعمر وعلي وحسين روى عن أبيه وأبان بن عثمان وعروة بن الزبير وغيرهم وعنه الزهري وزكريا بن أبي زائدة وشعبة وعمرو بن خالد وخلق ذكره ابن حبان في الثقات وقال رأي جماعة من الصحابة استشهد سنة اثنتين وعشرين ومائة (عن أبيه عليّ) أبوه عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب زين العابدين يروي عن أبيه وعائشة وأبي هريرة وجمع وعنه بنوه محمد وزيد وعمر والزهري وأبو الزناد وخلق قال الزهري ما رأيت قريشا أفضل منه ثقة مأمون (عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أبي طالب قال) أي علي (عدّهنّ) أي الكلمات الآتية فالضمير مبهم مفسر بما بعده (في يدي) وفي نسخة بصيغة التثنية (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) مرفوع على أنه فاعل عد (وقال) أي النبي ﵊ (عدّهنّ في يدي جبريل وقال هكذا) أي الكلمات المعدودة (نزلت) بتسكين تاء التأنيث وفي نسخة نزلت بهن (مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْعِزَّةِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبراهيم وعلى آل إبراهيم) وفي نسخة ربنا أي ربنا (إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد) وهذا المقدار تقدم أنه صحيح رواه أصحاب الكتب الستة عنه صلى الله تعالى عليه وسلم (اللهمّ وترحّم) بتشديد الحاء على صيغة الدعاء أي أظهر الرحمة الوافية والرأفة الكافية (عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا تَرَحَّمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مجيد اللهم وتحنن) أي أظهر الحنان وهو على ما في القاموس كسحاب الرحمة والرزق والبركة والوقار والهيبة ورقة القلب والحنان كشداد من اسمائه ﷾ ومعناه الذي يقبل على
[ ٢ / ١٢٤ ]
من أعرض عنه فلا يبعد أن يقال المعنى على قصد التجريد في المبنى اللهم وأقبل (عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا تَرَحَّمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ وَتَحَنَّنْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا تَحَنَّنْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبراهيم إنك حميد مجيد) قال الحلبي هذا الحديث مسلسل وقد رويته عن غير واحد مسلسلا وقال الدلجي ما أورده المصنف هنا عن أبي عبد الله الحاكم فقد قال النميري إسناده ذاهب وفيه عمرو بن خالد الواسطي وهو متروك لوضعه على أهل البيت وفيه حرب بن الحسين الطائي ويحيى بن المساور وهما مجهولان قلت غايته أن الحديث ضعيف وقد أجمع العلماء على أنه يعمل به في فضائل الأعمال (وعن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه أي برواية أبي داود عنه (عن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم من سرّه) أي أعجبه (أن يكتال) بفتح الياء وروي بضمها أي يأخذ الأجر الأعلى (بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ) بالنصب على المدح أو بتقدير يعني وفي نسخة بالجر على أنه بدل من الضمير في علينا (فليقل) أي صلاته أو في جميع حالاته (اللهمّ صلّ على محمد النبيّ) أي الموصوف بالرسالة (وأزواجه أمّهات المؤمنين) إيماء إلى قوله تعالى وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ (وذرّيّته) أي أولاده وحفدته (وأهل بيته) أي أقاربه وهو تعميم بعد تخصيص مشيرا إلى قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ (كما صلّيت على آل إبراهيم) أي بقولك رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ولهذا ختم بقوله (إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَفِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ خارجة الأنصاريّ) وهو الخزرجي الحارثي المتكلم بعد الموت على الصحيح وقيل هو أبوه وذلك وهم لأنه قتل يوم أحد وهذا تكلم في زمن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال ابن منده شهد بدرا والحديث رواه الديلمي في مسند الفردوس عنه (سألت النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ فَقَالَ صَلُّوا) أي الصلاة بشرائطها وأركانها وسننها (واجتهدوا في الدّعاء) أي بعد التحريمة وفي الركوع والسجود وفي آخر الصلاة (ثمّ قولوا) أي وقولوا وعبر بثم للترقي أو للتراخي في الأخبار ولا يبعد أن يراد بالاجتهاد في الدعاء المبالغة في الثناء بالتحيات الواردة عن سيد الأنبياء ثم قولوا بعد السلام المندرج في ضمن التحيات قبل السلام الصارف عن الصلاة (اللهمّ بارك) أي أكثر الصلاة والرحمة (عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ على إبراهيم إنّك حميد مجيد) وفي الحديث دليل على أنه يجوز الاكتفاء بهذا اللفظ الوارد وإن كان ما سبق أفضل وأكمل فتأمل (وعن سلامة الكنديّ) بكسر الكاف ذكره ابن حبان في الثقات (كان عليّ) رضي الله تعالى عنه (يعلّمنا) وفي رواية يعلم الناس (الصّلاة على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي لداخل الصلاة وخارجها وهو موقوف وقد صح سنده قال الدلجي لكن أعل وإن صحح سنده بأن روايته عنه مرسلة إذ لم يدركه انتهى وهو مردود بما ذكره ابن حبان أنه روى عن علي وروى عنه نوح بن قيس الطاحي انتهى ومثل هذا لا يقال في الإرسال ثم رأيت قال الشيخ ابن كثير في تفسيره روينا من طريق سعيد بن منصور
[ ٢ / ١٢٥ ]
وزيد بن الحباب ويزيد بن هارون ثلاثتهم عن نوح بن قيس حدثنا سلامة الكندي أن عليا كان يعلم الناس (اللهمّ داحي المدحوّات) بتشديد الواو وفي رواية المدحيات بتشديد التحتية فيهما اسما مفعول من دحا يدحو ويدحي أي يا باسط المبسوطات كالأرض إذ خلقها ربوة ثم دحاها أي بسطها ومدها مد الأديم قال تعالى وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ وفي الآيتين رد على أهل الهيئة القائلة بغير هذه الكيفية من الكرة المخالفة للأدلة النقلية بمجرد التوهمات العقلية (وبارىء المسموكات) من برأ الشيء أي خلقه بريئا من التفاوت قال تعالى ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ وفي قراءة من تفوت أي نقصان وزيادة وقصور في مادة أي خالق المرفوعات من سمكه إذا رفعه كالسموات فإنها مرتفعة عن السفليات مسيرة خمسمائة عام كما ثبت في الروايات وروي سامك المسموكات أي رافعها وما أحسن المناسبة بين الفقرتين فإن معنى الأولى واضعها وخافضها كما قال تعالى وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ وفي العبارة ترق في الكلام وفيه إيماء إلى أنه ﷾ يرفع قوما ويضع آخرين كما تقتضيه اسماؤه الجمالية وصفاته الجلالية (اجعل شرائف صلواتك) أي خيارها وارفعها قدرا وأتمها نورا قيل للأعمش لم لم تستكثر من الرواية عن الشعبي فقال كان يحقرني كنت آتي مع إبراهيم النخعي فيرحب به ويقول لي اقعد ثمه أيها العبد ثم يقول
لا يرفع العبد فوق سنته ما دام فينا بأرضنا شرف
ولعله كان يعمل بما روي نزل الناس على قدر منازلهم فلا يكون تحقيرا له (ونوامي بركاتك) الإضافة فيها وفيما قبلها من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف أي بركاتك النامية الزاكية الدائمة في الزيادة الكافية الوافية (ورأفة تحنّنك) أي اجعل رأفة تنشأ من تحيتك والرأفة أشد الرحمة وفي نسخة تحننك بتاء فوقية فمهملة فنونين أي رحمتك ومنه قوله تعالى وَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا أي واجعل أشد تعطفك وترحمك (على محمد عبدك ورسولك) أي الجامع لوظيفة العبودية والقيام بحق الربوبية (الفاتح لما أغلق) بصيغة المجهول أي المبين لمشكلات الأمور قَالَ تَعَالَى لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ فهو فاتح لما عسر من أبواب كنوز المبرات وأسباب رموز المسرات إذ قد فتح بإقامة الحجة وإشاعة المحجة أبواب الهداية وأسباب الرعاية المانعة عن الوقوع في الغواية وفي الحديث أوتيت مفاتيح خزائن السموات والأرض وكأنه أراد ما سهله الله تعالى له ولأمته من فتح البلاد وإخراج كنوزها للعباد وفي حديث آخر أوتيت مفاتيح الكلام أي ما منحه الله تعالى من البلاغة والبراعة والفصاحة والنصاعة بالوصول إلى حقائق المباني ودقائق المعاني مما أغلق على غيره من الخلق أجمعين (والخاتم) بكسر التاء وفتحها (لما سبق) أي من النبين والمرسلين وفيه تلويح إلى قوله تعالى وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ ولا يبعد أن يراد بالفاتح الإسناد المجازي مشيرا إلى أنه الذي أفتتح به الوجودات وابتدىء به الكائنات كما قال أول ما خلق الله روحي أو نوري أو لأنه كالعلة الغائية في ظهور
[ ٢ / ١٢٦ ]
المراتب الاسمائية كما ورد لولاك لما خلقت الأفلاك وكما قال تعالى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ وهو الأكمل في مقام العبادة وحالة العبودية (والمعلن الحقّ) بالجر على الإضافة وبالنصب على المفعولية بنزع الخافض أي المظهر لأمر الحق (بالحق) أي بطريق الصدق وليس المراد بهما معنى واحد حتى يصح للدلجي أن يقول وضعه موضعه ضميره قصدا لزيادة تمكينه وتلويحا بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لا يعلن إلا به نعم يمكن أن يراد بالحق اسمه تعالى فالمعنى أنه مظهر للحق بمعاونة الحق إيماء إلى مقام الجمع من ملاحظة فنائه ويقائه (والدّامغ لجيشات الأباطيل) جمع جيشة وهو المرة من جاش إذا فار وارتفع والأباطيل جمع باطل على غير قياس وفي نسخة الأباطل بلا ياء وأصل الدمغ اصابة الدماغ وهو مقتل والمراد به هنا الدفع ومنه قوله تعالى بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ أي القامع لظهورها والدافع لشرورها (كما حمل) بضم الحاء وتشديد الميم المكسورة وهو خبر مبتدأ محذوف أي هذه الحال من وصفه صلى الله تعالى عليه وسلم بما ذكر من الكمال مثل حال وصفه بما حمله من أعباء الرسالة وأثقال النبوة (فاضطلع) بالضاد المعجمة افتعال من الضلاعة وهي القوة ومنها الاضلاع أي فقوي على ما حمله ونهض (بأمرك) أي بإذنك وتيسيرك وإعانتك إياه عليه وتوفيقك له أو فقام بمأمورك الذي كلفته حمله (لطاعتك) أي لأجلها أو ممتثلا لها وفي نسخة صحيحة بطاعتك فالباء للسببية فتشارك اللام في معناها (مستوفزا) بكسر الفا بعدها زاء أي منتصبا ناهضا أو قائما مستعجلا (في مرضاتك) أي لطلب ما فيه رضاك أو في تحصيل مرضاتك وزاد الدلجي في أصله بغير نكل في قدم بضم نون وسكون كاف وكسر قاف وسكون دال من نكل به إذا جعله عبرة لغيره ومنه قوله تعالى فَجَعَلْناها نَكالًا والمعنى بغير جبن في إقدام ولا وهن في عزم أي ولا ضعف في أمر حزم وحكم حتم وجزم وفي الحديث أنه ﵊ قال لأبي بكر متى توتر قال أول الليل وقال لعمر متى توتر قال آخر الليل فقال لأبي بكر أخذت بالحزم ولعمر أخذت بالعزم ولا خير في عزم بلا حزم وأما قول المصنف (واعيا لوحيك) فهو من وعى يعي وعيا إذا حفظ وفهم ومنه قوله تعالى أُذُنٌ واعِيَةٌ
ويقال للإناء الوعاء لحفظه ما فيه من نحو الماء أي مراعيا لما أوحيته إليه وفاهما لما بينته لديه صلى الله تعالى عليه وسلم (حافظا لعهدك) أي الذي عاهدك عليه من الإيمان بألوهيتك والإقرار بوحدانيتك والإخلاص في عبوديتك والقيام بحق رسالتك وفي هذا تلويح إلى قوله ﵊ وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أي مقيم عليهما ومتمسك بهما مدة استطاعتي وحالة طاقتي لعجزي عن بلوغ كنه ما أوجبته على من أطاعني في عبادتي وطاعتي أو عن دفع ما قضيته علي في سابق قضائك أي إن كنت قضيت علي أن انقض العهد وقتا ما فإني أتنصل منه معتذرا إليك (ماضيا) أي جاريا ومستمرا أو مقدما (على نفاذ أمرك) بالذال المعجمة على امضائه ترغيبا إليك وترهيبا لما لديك (حتّى أورى قبسا) من أوريت الزند إذا قدحته فأخرجت ناره والقبس بفتحتين ما اقتبس
[ ٢ / ١٢٧ ]
أي أخذ من النار فهو شعلة منها ومنه قوله تعالى بِشِهابٍ قَبَسٍ واستعير النار هنا للنور والجملة غاية لما قبلها أي لم يزل مجاهدا في إبلاغ ما أمر به مرغبا في موافقته مرهبا من مخالفته حتى أظهر دينا بينا كالقبس نورا نيرا (لقابس) أي لطالب النور الموجب للحضور والسرور (آلاء الله) بالرفع مبتدأ أي نعمه (تصل بأهله أسبابه) بالنصب أي وسائله التي قدرها وذرائعه التي قررها وفي اللوح المحفوظ حررها وفي أصل الدلجي لقابس آلاء الله بالإضافة أي لمبتغي سوابغ نعمه ومواهب كرمه تصل بأهله أي بأهل القبس يعني بالمبتغين له أسبابه بالرفع أي وسائله الموصلة إليه من العناية وتوفيق الهداية من البداية إلى النهاية مما به الفوز أبدا معاشا ومعادا (به) أي به ﵊ (هديت القلوب) بصيغة المفعول وفي نسخة بصيغة الفاعل أي قلوب أهل الإسلام من بين الأنام فانقادت مذعنة لقبول الأحكام (بعد خوضات الفتن والآثام) أي بعد دخول القلوب في ميدان فتن الأيام وشروعها في مهاوي المعاصي أو الآثام (وأبهج) أي عين وبين (موضحات الأعلام) وسقط في أصل الدلجي لفظ وانهج فقال موضحات متعلق بهديت والأصل إلى موضحات فحذف الجار وأوصل الفعل أقول وعلى تقدير صحة ترك وانهج لا يبعد أن يقال المعنى حال كون تلك القلوب مبينات أعلام الغيوب وقال الأنطاكي هو بفتح الضاد على بناء المفعول أي فأصبحت القلوب بما رزقت من الهداية به ﵊ منشورات الأعلام انتهى ولا يخفى أن ما قدمناه أولى وأنسب بقوله (ونائرات الأحكام) من نار لازما بمعنى ظهر أي واضحاتها وبيناتها وقول الحلبي نايرات بالنون أوله ومثناة تحتية بعد الألف محمول على ما قبل الاعلال وإلا فيقرأ بالهمزة فلا إشكال (ومنيرات الإسلام) من أنار متعديا أي ومظهرات أحكامه ورافعات أعلامه (فهو) بضم الهاء واسكانها لغتان مشهورتان وقراءتان متواترتان والضمير راجع إليه صلى الله تعالى عليه وسلم (أمينك المأمون) أي حافظ دينك وعهدك الذي ائتمنته عليه وفوضت أمر بيانه إليه (وخازن علمك المخزون) أي وسائر ما استودعته من أسرار الربوبية التي تعجز عن إدراكها عامة أرباب العبودية كما قيل صدور الأحرار قبور الأسرار (وشهيدك) أي الشاهد عندك للأنبياء والأصفياء وعلى أممهم الأشقياء (يوم الدين) أي يوم الجزاء وفصل القضاء قال تَعَالَى فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا فقيل المراد بالإشارة إلى هؤلاء أمته من العلماء والأولياء وهم شهداء على أمم سائر الأنبياء ويدل عليه قوله تَعَالَى وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ولا منع من الجمع بين الشهادة للأصل والفرع (وبعيثك) أي مبعوثك الذي بعثته أي أرسلته (نعمة) أي للمؤمنين أي هداية ودلالة للكافرين (ورسولك بالحقّ) أي إلى الحق (رحمة) أي للعالمين لمن آمن في الدنيا والآخرة ولمن كفر في الدنيا لا في العقبى (اللهمّ أفسح له) أي وسع لأجله المقام الأعلى (في عدنك) أي في جنة عدنك ودار كرامتك فعدن علم لمعنى العدن وهو الإقامة من عدن بالمكان إذا أقام به ولم يبرح منه سمى بها جنتها لعلاقة الظرفية
[ ٢ / ١٢٨ ]
قيل عدن اسم جنة من جملة الجنان فهو في الجنان كآدم في نوع الإنسان والصحيح أنه اسم لجملة الجنان فكلها جنات عدن قال تعالى جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ وقال جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وقال وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وجَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ والاشتقاق أيضا يدل على أنه أعم والله أعلم ويروى في عدتك ولعله بكسر العين وتخفيف الدال بمعنى وعدك أي في موضعه ومحله (واجزه) بهمزة وصل وسكون جيم فزاء مكسورة ومنه قوله تعالى وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا وهذا هو الأصل المطابق للرواية الموافق للدراية وكأنه تصحف على الدلجي حيث لم يذكر هذا الوجه الوجيه وقال يجوز أن يكون بهمزة قطع وجيم مكسورة وزاء من أجازه إذا أعطاه انتهى ولا يوجد في القاموس هذا المعنى ثم قال ويجوز أن يكون بوصل وجيم مضمومة وراء أي أعطه أجره فيه أنه لا يتعدى إلى مفعولين ويجوز في مضارعه الكسر والضم ويجوز قطع همزه ممدودا مع كسر جيمه يقال أجره يأجره ويأجره جزاء كآجره فيرجع إلى معنى الأول فتأمل ثم رأيت الحلبي قال في النسخة المذكورة بفتح الهمزة ثم جيم ساكنة ثم بالزاء المكسورة والصواب بوصل الهمزة انتهى وبه تبين خطأ الأنطاكي حيث قال هو بهمزة مفتوحة مقطوعة وقوله (مضاعفات الخير) أي أنواع الخير المضاعفة أضعافا كثيرة (من فضلك) إذ لا يجب عليك شيء من عندك (مهنّئات) بكسر النون المشددة وفي نسخة بفتحها وهو حال من مضاعفات من هنأني الطعام يهنأني إذا ساغ بلا تنغيص وكل ما أتاك بلا تعب كذا ذكره الدلجي وهو توهم أنه من الثلاثي المجرد وليس كذلك بل هو من باب التفعل (غير مكدّرات) بكسر الدال المشددة وفتحها صفة لمهنئات أي غير منغصات (من فوز ثوابك) بالزاء أي من أجل الظفر بأجرك (المحلول) أي الذي يحل فيه وفسر بالمنول وتصحف الفوز على الدلجي فقال من فارت القدر إذا غلت فاستعير للسرعة أي من سريع فضلك الذي لا بطء فيه (وجزيل عطائك) أي كثيره (المعلول) مأخوذ من العلل بفتحتين وهو الشرب ثانيا بعد النهل بفتحتين وهو الشرب أولا وقد وهم الدلجي حيث قال في الأول بفتحات ثلاث وفي الثاني بثلاث فتحات والمعنى عطاؤك المضاعف تعل به عبادك مرة بعد مرة أخرى فشبه وافر عطائه بمنهل عذب يرده العطاش ومنه قول كعب بن زهير رضي الله تعالى عنه.
[كأنه منهل بالراح معلول] (اللهمّ أعل) بفتح الهمزة وكسر اللام أمر من الاعلاء وفي نسخة عل بفتح العين وتشديد المكسورة أمر من التعلية أي ارفع (على بناء النّاس) وفي رواية على بناء البانين جمع بان اسم فاعل من بنى يبني بناء بالكسر (بناءه) والمعنى ارفع على عمل العاملين عمله أو على منازلهم في الجنة منزله أو اعل بناء دينه على بناء أديان سائر الناس فيكون إيماء إلى قوله تعالى لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ أي ليعليه ويغلبه وفي نسخة بالمثلثة المفتوحة في الموضعين
[ ٢ / ١٢٩ ]
بدل الموحدة المكسورة وقال الدلجي أو أطل على ذواتهم ذاته حتى لا يطوله أحد بشهادة قول سليمان ﵇ من هدم بناء ربه ﵎ فهو ملعون يعني من قتل إنسانا ظلما من حيث إن أصل البناء ضم شيء إلى شيء وهو أجزاء خلقها الله تعالى مضموما بعضها إلى بعض مركبة فشبه بالبناء لذلك انتهى ولا يخفى أن هذا الدعاء إنما يناسب في حياته صلى الله تعالى عليه وسلم فإنه كان لا يكتنفه طويلان إلا طالهما مع أنه كان ربعة أقرب إلى الطول في سائر أحواله المناسب إلى التوسط في اعتداله اللهم إلا أن يقال المراد بإطالة ذاته بقاء جسده الشريف بعد مماته على ما كان عليه مدة حياته فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ﵈ ويلائمه قوله (وأكرم مثواه لديك) أي منزله ومأواه عندك (ونزله) بضمتين ويسكن الزاء أي أجره وثوابه وجزاءه وهو في الأصل الطعام المهيأ للضيف (وأتمّ) بتشديد الميم المفتوحة وفي نسخة وأتمم (له نوره) أي الذي سألك أن تجعله في قلبه وبصره وسمعه وعن يمينه وعن شماله ليتحلى بأنوار المعارف ويتجلى بأسرار العوارف وفي الحديث تلميح إلى قوله تعالى رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا (واجره) بفتح الهمزة وسكون الجيم فراء أي جزاءه الذي يوجب سروره قال الحلبي الأجر معروف وهو منصوب معطوف على ما قبله من قوله نوره والمفهوم من قول الدلجي وأجزه الجزاء الأوفى أنه تصحف عليه الراء وأنه جعله أمرا معطوفا على أكرم أو أتم وكأنه تبع الحجازي في قوله ويروى واجزه بهمزة وصل من الجزاء (من ابتعاثك) مصدر من باب الانفعال من البعث أي من بعثك إياه وفي نسخة من الافتعال والجار متعلق بأكرم وهو أنسب أو بأتم وهو أقرب والمعنى لأجل اقامتك إياه من قبره (له مقبول الشّهادة) أي تزكية لأمته إذا شهدوا للأنبياء أنهم قد بلغوا أممهم الرسالة بعد ما جحدوا تبليغهم أي إياهم يوم القيامة ونصبه على الحال من ضمير له أو على المفعولية وكذا قوله (ومرضيّ المقالة) أي مقبول الشفاعة (ذا منطق عدل) مصدر سمي به فوضع موضع عادل مبالغة في جعل منطقه عدلا أي ذا منطق مستقيم وذا كلام قويم ووهم الدلجي حيث قال مبالغة في جعل نفسه عدلا فإنه لو أريد به هذا المعنى لنصب عدل في المبنى كما لا يخفى (وخطّة فصل) أي وذا خطة فصل والخطة بضم المعجمة وتشديد المهملة الأمر والحال والقصة والفصل والقطع أو الفرق أو بمعنى الفاصل أي ذا حالة رشد وهداية واستقامة والمعنى إذا ألم به خطب عظيم وأمر مشكل جسيم فصله برأي قويم وفي حديث الحديبية لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله تعالى إلا أعطيتهم إياها (وبرهان عظيم) أي وذا دليل واضح وبيان قاطع عظيم في ميدان البيان بحيث يصير الشيء الغائب كالأمر العيان (وعنه) أي وعن علي كرم الله وجهه (أَيْضًا فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي في جملة الفاظها الواردة عنه كرم الله وجهه (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) [الْأَحْزَابِ: ٥٦] أي فنحن أولى بذلك (الآية) يعني يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا يعني لا سيما وقد أمرنا بذلك تصريحا بعد ما أشير إليه تلويحا فيجب علينا أداء إجابته والقيام بحق
[ ٢ / ١٣٠ ]
إطاعته بأن نقول (لبّيك) أي اقمنا مرة بعد أخرى بخدمتك ودمنا بحضرتك (اللهمّ) أي يا الله أمنا برحمتك وأقصدنا بمنتك ونعمتك (ربّي) أي يا ربي (وسعديك) أي نساعد عبادتك مساعدة بعد مساعدة في طاعتك (صلوات الله البرّ) بفتح الموحدة وتشديد الراء وهو أبلغ من البار ولذا لم يرد في أسمائه ومعناه كثير البر بعباده المؤمنين من أولي البر وفي الحديث تمسحوا بالأرض فإنها بكم برة أي عليكم مشفقة كالوالدة البرة بولدها البار يعني أن منها خلقكم وفيها معاشكم ومنها بعد الموت معادكم وقد قيل البر أبر بأهله وقال تعالى أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا أَحْياءً وَأَمْواتًا وأما البحر فإنه يغرق أهله ولا يفرق حزنه وسهله وقد ورد البحر من جهنم رواه الحاكم والبيهقي عن يعلى بن أمية (الرّحيم) أي كثير الرحمة بالمؤمنين وكبير العناية بالمحسنين (والملائكة المقرّبين) أي وصلواتهم (والنّبيّين) وهم أعم من المرسلين (والصّدّيقين) أي العلماء العاملين (والشّهداء والصّالحين) أي القائمين بحقوق الله تعالى وبحقوق الخلق أجمعين (وما سبّح لك من شيء) أي وصلوات جميع الأشياء فهذا تعميم بعد تخصيص كقوله ﷾ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ فما موصولة معطوفة على ما قبلها ومن بيانية لها وفي نسخة بدون العاطفة فما مصدرية ومن زائدة أي صلواتهم دائمة مستمرة مدة تسبيح شيء لك أي ما دام يسبحك شيء (يا ربّ العالمين) أي مربيهم ومدبر أمورهم (عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ) بكسر التاء وفتحها (وسيّد المرسلين) لكونهم تحت لوائه يوم الدين (وإمام المتّقين) أي من أرباب اليقين (ورسول ربّ العالمين) أي إلى كافة الخلق أجمعين (الشّاهد) أي للأنبياء (البشير) للأولياء (الدّاعي إليك بإذنك) أي بأمرك وتيسيرك (السّراج المنير) أي من أبصر بنوره ذو العماية واستبصر بظهوره ذو الغواية (وعليه السّلام) أي مما يغشى غيره من الملام وسوء المقام ومن دعائه ﵊ إذا دخل رمضان اللهم سلمني من رمضان وسلمه لي وسلمني منه أي لا يغشاني فيه ما يحول بيني وبين صومه وسلمه لي أي حذرا من أن يغم علي الهلال أوله وآخره فيلتبس علي صوما وفطرا وسلمني منه أي بعصمتي فيه (وعن عبد الله بن مسعود) كما رواه ابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان (اللهمّ اجعل صلواتك) أي اجناسها (وبركاتك) أي أنواعها (ورحمتك) أي الخاصة (عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ محمد عبدك ورسولك إمام الخير) أي الكثير على الأمة (ورسول الرّحمة) أي على الكافة (اللهمّ ابعثه مقاما) نصبه على الظرفية أي مقاما عظيما وهو المقام المحمود الذي يحمده الأولون والآخرون بالشفاعة الكبرى والصغرى لقوله ﵊ هو المقام الذي اشفع فيه لأمتي ولا يبعد أن يراد بأمته جماعته المحتاجة إلى شفاعته وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مقاما يحمدك فيه الأولون والآخرون وتشرف فيه على جميع الخلائق تسأل فتعطي وتشفع فتشفع ليس أحد إلا تحت لوائك وعن حذيفة يجمع الناس في صعيد واحد فلا تتكلم نفس فأول مدعو محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فيقول لبيك وسعديك والشر ليس
[ ٢ / ١٣١ ]
إليك والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وَإِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت فهذا معنى قوله تَعَالَى عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا (يغبطه) بكسر الموحدة أي يتمنى مثل مقامه (فيه الأوّلون والآخرون) وفي الحديث هل يضر الغبط قال لا إلا كما يضر العضاة الخبط أي يخبط ورقها دون قطعها والمقصود أن الغابط كالخابط ينتفع بالمغبوط والمخبوط من غير أن يحصل هناك ضرر لأحد منهما (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) أي من الأنبياء من ذريته (إنّك حميد مجيد) وقد سبق تحقيق مبناه وتدقيق معناه (وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يشرب بالكأس الأوفى) أي بالحظ الأعلى (من حوض المصطفى) أي من بحر شرعه المرتضى في الدنيا ومن نهر كوثره في العقبى (فليقل) أي دائما أو كثيرا بالقلب الأصفى (اللهمّ صلّ على محمد وعلى آله) أي من يؤول إليه أمره ويعظم لديه قدره وهو يحتمل التعميم والتخصيص ويروى وعلى آل محمد (وأصحابه) أي من أدرك جمال صحبته وتشرف برؤية طلعته (وأولاده) أي الشاملة لبناته وأحفاده (وأزواجه) أي زوجاته وسرياته (وذرّيّته) ولو كان بواسطة كثيرة في نسبته (وأهل بيته) أي المتناول لمواليه وخدمه (وأصهاره) أي من بينه وبينه مصاهرة كالشيخين والختنين (وأنصاره) أي من المهاجرين والأنصار (وأشياعه) أي أتباعه من أهل القرى والأمصار (ومحبّيه) أي من العلماء الأخيار والصلحاء الأبرار (وأمّته) أي الداخل فيهم المؤمنون الفجار (وَعَلَيْنَا مَعَهُمْ أَجْمَعِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَعَنْ طاوس عن ابن عبّاس) في رواية عبد بن حميد وعبد الرزاق بسند جيد وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ تقبّل شفاعة محمد الكبرى) أي العظمى وهي التي يفصل القضاء بين أهل الموقف بما يستحقون من الجزاء (وارفع درجته العليا) أي مرتبته العالية ومنزلته الغالية (وآته سؤله) أي أعطه مسؤوله (في الآخرة والأولى) أي الدنيا وسميت أولى لتقدمها على الأخرى (كما آتيت إبراهيم وموسى وعن وهيب) بالتصغير وفي نسخة وهب (بن الورد) وهو عبد الوهاب المكي الزاهد يروي عن حميد بن قيس وجماعة وعنه عبد الرزاق وطائفة ثقة حجة (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ أَعْطِ محمدا أفضل ما سألك لنفسه) أي من الخيرات (وَأَعْطِ مُحَمَّدًا أَفْضَلَ مَا سَأَلَكَ لَهُ أَحَدٌ من خلقك) أي من المقامات (وأعط محمدا أفضل ما أنت مسؤول له إلى يوم القيامة) أي من الكرامات (وعن ابن مسعود ﵁) أي في رواية ابن ماجه والبيهقي والديلمي والدارقطني وتمام في فوائده (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم فأحسنوا الصّلاة عليه) أي في المبنى والمعنى (فإنّكم لا تدرون) أي ما يترتب عليه هنالك (لعلّ ذلك) أي إذا قبل (يعرض عليه) أي يبلغ إليه (وقولوا) أي مثلا (اللهمّ اجعل صلواتك) أي أنواع دعواتك العامة (ورحمتك وبركاتك) أي
[ ٢ / ١٣٢ ]
الخاصة (عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ محمد عبدك ورسولك إمام الخير) أي لنفسه (وقائد الخير) أي لغيره (ورسول الرّحمة) أي جميع الأمة فإنه كاشف الغمة (اللَّهُمَّ ابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَغْبِطُهُ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ محمد كما باركت على إبراهيم) زيد في نسخة في العالمين (إنك حميد مجيد) وقد سبق أن هذه الجملة الأخيرة من أصح أنواع الصلوات مما ورد فيه الروايات (وما يؤثر) أي ما يروى (من تطويل الصّلاة) وفي نسخة في تطويل الصلاة (وتكثير الثّناء عن أهل البيت) قال الحجازي ويروى عن أهل البيت وهو الملائم لقوله (وغيرهم) أي من أصحابه وأزواجه واتباعه وأشياعه (كثير) أي يطول ذكره ويحتاج إلى مؤلف مستقل حصره (وقوله) أي وقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه موقوفا أو مرفوعا (والسلام كما قد علّمتم) أي بالوجهين والمتقدمين (هو ما علّمهم فِي التَّشَهُّدِ مِنْ قَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وفي تشهّد عليّ رضي الله تعالى عنه) هذا غير معروف سنده (السَّلَامُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَى أَنْبِيَاءِ الله ورسله) تعميم بعد تخصيص (السلام على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْنَا وعلى المؤمنين والمؤمنات من غاب منهم) أي بالموت وغيره (ومن شهد) أي حضر عنده (اللهمّ اغفر لمحمد) وسيأتي الكلام على غفرانه ﵊ (وتقبّل شفاعته واغفر لأهل بيته) أي من أزواجه وذريته (واغفر لي ولوالديّ وما ولدا وارحمهما) سيأتي تحقيقه (السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ السَّلَامُ عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته) وفيه إشكال حيث دعا بالمغفرة لوالديه وما ولدا والرحمة لهما مع ثبوت موت أبيه وبعض إخوته كافرين قال الدلجي ولعل الناسخ زاد الألف سهوا وإنما الدعاء بهما لولديه الحسنين ومن ولداه انتهى والأظهر أنه قال ذلك لتعليم غيره لا للدعاء لنفسه وفيه اشكال آخر وهو ما بينه المصنف بقوله (جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ: الدُّعَاءُ للنبيّ بالغفران وفي حديث الصلاة) بالإضافة أي الذي أسنده (أيضا) ويروى في حديث الصلاة عليه والضمير له ﵊ ويروى عنه أي عن علي قبل ذلك وهو المذكور في أوائل هذا الفصل (قبل) أي من طريق الحافظ أبي عبد الله الحاكم فقبل مبني على الضم وقوله (الدّعاء له) أي للنبي ﵊ (بالرّحمة) خبر أي الدعاء له بالرحمة في حديث الصلاة على النبي المروي عن علي (وَلَمْ يَأْتِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ المعروفة) فهل يجوز الدعاء له بهما أولا والظاهر أنه يجوز أما الرحمة فظاهر فإنها أحد معاني الصلاة وقد قال تعالى رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ مرادا به إبراهيم ﵇ وآله وأما المغفرة فحيث وقع له ﵊ طلب المغفرة لنفسه سبعين مرة وفي رواية مائة مرة امتثالا لقوله تعالى وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ جاز لغيره غايته أن ذنبه المترتب عليه الغفران مأول بالغفلة عن المولى
[ ٢ / ١٣٣ ]
وارتكاب خلاف الأولى أو الاشتغال بالأمور المباحة أو رؤية التقصير في مقام الطاعة وأمثال ذلك مما يليق بشأنه وعلو مكانه فحسنات الأبرار سيئات المقربين مع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه فهو من باب التأكيد في القضية أو من قبيل التلذذ بذكر العطية نحو الدعاء بقوله رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا فمعنى اغفر له وارحمه أي أدم له المغفرة الشاملة والرحمة الكاملة (وَقَدْ ذَهَبَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ) وهو من أكابر علماء المالكية (وغيره إلى أنه لا تدعى للنبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرَّحْمَةِ وَإِنَّمَا يُدْعَى لَهُ بِالصَّلَاةِ والبركة الّتي تختصّ به) وفي كون البركة تختص به نظر ظاهر (ويدعى لغيره بالرّحمة والمغفرة) ويروى بالغفران نعم هذا هو الأولى ولكن لأجل النهي يحتاج إلى دليل مثبت للدعوى وقد أغرب الدلجي حيث قال لافتقارهم إليهما دونه وجه غرابته أن كل أحد محتاج إلى غفران الله تعالى ورحمته وكم ورد من دعاء له ﵊ بقوله اللهم اغفر لي وارحمني وإنما الكلام في دعاء وغيره له بهما لأنه كان في مقام التواضع والأدب كما يقتضي استغناء الرب ثم رأيت في شمائل الترمذي أن واحدا من الصحابة قال له ﵊ غفر الله لك فقال ولك هذا تقرير منه ﵊ على جواز مثل هذا الكلام (وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ) أي المالكي في رسالته زيادة الترحم (في الصّلاة على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بقوله (اللَّهُمَّ ارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ كَمَا تَرَحَّمْتَ) بتشديد الحاء وفي نسخة تراحمت (عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَأْتِ هَذَا) أي الدعاء له ﵊ بالمغفرة والرحمة ويروى ولم تأت هذه الرواية (في حديث صحيح) قال الدلجي إذ ما ورد بزيادتهما كله ضعيف وفيه أنه يعمل بالضعيف في فضائل الأعمال وإنما يحتاج إلى الحديث الصحيح أو الحسن في الأحكام من الأقوال وأما قول النووي في شرح مسلم المختار أن الرحمة لا تذكر فيسلم لأنه خلاف الأولى وأما ما جزم به في الأذكار بأن ذكرها بدعة ففيه بحث لأنه قد ورد في بعض الطرق ولو كان ضعيفا فلا يعد بدعة لا سيما وهي لا تنافي سنة وعلى تقدير التسليم فليكن بدعة حسنة ويقويه ما ذكره المصنف بقوله (وحجّته) أي دليل ابن أبي زيد الذي أخذ به استحباب طلب الرحمة (قوله) أي قول النبي ﵊ حال تعليم أمته (فِي السَّلَامِ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وبركاته) ومما يؤيده قوله تعالى رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وينصره أن رحمته عامة للخواص والعوام ولا يستغني أحد عن هذا الإنعام العام، ثم اعلم ان الرافعي ذكر في الشرح الكبير عن الصيدلاني أنه قال ومن الناس من يزيد وارحم محمدا كما رحمت على إبراهيم وربما يقولون ترحمت وهذا لم يرد في الخبر وأنه غير فصيح فإنه لا يقال رحمت عليه وإنما يقال رحمته وأما الترحم ففيه معنى التكلف فلا يحسن إطلاقه في حق الله ﷾ انتهى ولا يخفى أن نفي الصيدلاني ورود الخبر بلفظ ارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ كَمَا تَرَحَّمْتَ عَلَى إبراهيم غلط نشأ من جهله بطريق الحديث فمن حفظ حجة على من لم يحفظ فهذه الرواية في مستدرك
[ ٢ / ١٣٤ ]
الحاكم من رواية ابن مسعود بإسناد صححه وقال في موضع آخر بل قد ورد به خبر صحيح قال الحلبي وقد راجعت تلخيص المستدرك للذهبي فرأيت ما لفظه بعد انهاء مسنده إلى ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلم إذا شهد أحدكم في الصلاة فليقل اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وبارك على محمد وعلى آل محمد وارحم محمدا وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مجيد انتهى وقد جاء في جملة حديث وارحم محمدا وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مجيد وكذا جاء في رواية علي وابن عباس وجابر وجاء أيضا في حديث مسلسل وترحم محمدا إلى آخره وقد ذكر القاضي مثل هذا فيما تقدم ومما يؤيد جواز الرحمة ما في النسائي الصغير بإسناده عن عكرمة قال ظاهر رجل امرأته وأصابها قبل أن يكفر فذكر ذلك للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له ﵊ ما حملك على ذلك فقال رحمك الله يا رسول الله رأيت خلخالها وساقها الحديث وقد جاء مرسلا ومسندا ففي تقريره ﵊ دليل على جوازه ورد على من عده بدعة أو حكم عليه بالكراهة وأما قوله إن الترحم فيه معنى التكلف فممنوع بل يراد به المبالغة في إنزال الرحمة فاندفع به قول الغزالي أنه لا يجوز ترحم بالتاء وقول الرافعي إنه لا يحسن ولعلهما ما بلغهما الرواية فبنيا الحكم على ظاهر الرواية والعجب من النووي أنه قال وأما ما قاله بعض أصحابنا وابن أبي زيد المالكي من استحباب زيادة وارحم محمدا وآل محمد فهذه بدعة لا أصل لها وكأنه غفل عما ورد وذهل عن قول الشافعي في الرسالة وكان خيرته المصطفى لوحيه المنتخب لرسالته المفضل على جميع خلقه بفتح رحمته وختم نبوته إلى أن قال محمد عبده ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ورحم وكرم انتهى فقد قال رحم في حقه فهذا رد على مقلده هذا وقد قال شمس الأئمة السرخسي وأصحابنا الحنفية لا بأس بقول وارحم محمدا لأن الأثر ورد به ولا عتب على من اتبع الأثر ولأن أحدا لا يستغني عن رحمة الله تعالى.
فصل (في فضيلة الصلاة على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم والتسليم عليه والدّعاء له)
أي وفي فضيلتهما (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّيْخُ الصَّالِحُ مِنْ كتابه ثنا) أي حدثنا (القاضي يونس ابن مغيث) بضم فكسر (حدّثنا أبو بكر بن معاوية) أي ابن الأحمر الأندلسي وقد روى النسائي الكبير بعضه سماعا وبعضه اجازة (حدّثنا النّسائي) أي صاحب الجامع (أنا) بالموحدة أو النون أي أخبرنا أو أنبأنا (سويد) بالتصغير (ابن نصر) بالمهملة وهو المروزي يروي عن ابن المبارك وابن عيينة وعنه الترمذي والنسائي ثقة (أنا) أي أخبرنا أو أنبأنا (عبد الله) بن المبارك بن واضح الخطلي التميمي مولاهم المروزي أبو عبد الرحمن شيخ خراسان يروي
[ ٢ / ١٣٥ ]
عن سليمان التميمي وعاصم الأحوال والربيع بن أنس وعنه ابن مهدي وابن معين وأبوه تركي مولى تاجر وأمه خوارزمية وقبره بهيت «١» يزار ويتبرك به أخرج له الأئمة الستة (عن حيوة) بفتح فسكون (ابن شريح) بالتصغير (قال أخبرني كعب بن علقمة) أي التنوخي المصري تابعي يروي عن سعيد بن المسيب وطائفة وعنه الليث وجماعة ذكره ابن حبان في الثقات وأخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي (أنه سمع عبد الرحمن بن جبير) بالتصغير مولى نافع قرشي مصري مؤذن ثفة فقيه مقرىء توفي سنة سبع وتسعين أخرج له مسلم وغيره (أنه سمع عبد الله بن عمرو) بالواو وفي نسخة بدونه والحديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي أيضا عنه (يقول سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول إذا سمعتم المؤذّن) أي أذانه (فقولوا مثل ما يقول) أي جوابا له واختلف في الحيعلتين والأصح أنه يقول فيهما لا حول ولا قوة إلا بالله وقيل يجمع بينهما (وصلّوا عليّ) أي بعد إجابة المؤذن (فإنّه) أي الشأن (من صلّى عليّ مرّة) أي واحدة كما في نسخة (صلى الله عليه عشرا) أي لوعده ﷾ مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وهذا أقل مراتب أضعاف أعمالها وهو لا ينافي ما ورد في مسند أحمد بسند حسن موقوفا على عبد الله بن عمرو وهو مرفوع إذ لا مجال للاجتهاد فيه من صلى على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مرة صلى الله تعالى عليه بها سبعين مرة نعم لا يبعد أن هذه المضاعفة تكون بخصوص يوم الجمعة إذ قد ورد أن الأعمال كلها تضاعف فيه بسبعين ضعفا وهو يؤيد ما ورد أنه إذا وافق يوم عرفة يوم الجمعة كان حجه بسبعين حجة (ثمّ سلوا) أي الله تعالى كما في نسخة (لي الوسيلة) وهي المرتبة الجليلة (فإنّها منزلة) أي درجة جميلة (في الجنّة لا تنبغي) أي لا تليق أو لا تحصل (إلّا لعبد) أي عظيم (من عباد الله) أي الصالحين (وأرجو أن أكون أنا هو) أي ذلك العبد فقوله هو خبر كان ووضع موضع إياه وأنا تأكيد لاسمها أو مبتدأ خبره هو والجملة خبرها ويجوز أن يكون موضع اسم إشارة أي أن أكون أنا ذلك العبد كما أشرنا إليه (فمن سأل لي الوسيلة) أي وهي نهاية مراتب الفضيلة (حلّت عليه الشّفاعة) ويروى شفاعتي أي غشيته ونزلت به وفي نسخة حلت له الشفاعة أي ثبتت وفي رواية وجبت له شفاعتي أي حقت (وروى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه) كما في شعب الإيمان (أنّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً) أي واحدة (صلى الله عليه عشر صلوات) أي قياما بشكر عبده (وحطّ) أي وضع (عَنْهُ عَشْرَ خَطِيئَاتٍ وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ وفي رواية) أي لأبي يعلى (وكتب له عشر حسنات) أي ثوابها (وعن أنس رضي الله تعالى عنه) كما رواه ابن أبي شيبة في مسنده (عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنّ جبريل ناداني) أي خاطبني (فقال من صلّى عليك صلاة
_________________
(١) بوزن فيل اسم بلدة بالعراق لمصححه.
[ ٢ / ١٣٦ ]
صلى الله عليه عشرا) أي عشر مرات (وَرَفَعَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ وَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عوف) كما رواها الحاكم وصححها والبيهقي في شعبه (عنه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ لِي إِنِّي أبشّرك) أي أخبرك بما يسرك (إنّ الله تعالى) بكسر إن وفتحها (يقول من سلّم عليك سلّمت عليه) أي عشرا أو أكثر (ومن صلّى عليك صلّيت عليه) وفي الحديث إيماء إلى جواز انفراد كل منهما عن الآخر فتدبر (ونحوه) أي نحو مروي ابن عوف (مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَالِكِ بْنِ أَوْسِ) بفتح فسكون (ابن الحدثان) بفتحهما أدرك زمن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ورأى أبا بكر وسمع عمر وعثمان وبقية العشرة رضي الله تعالى عنهم وعنه الزهري وابن المنكدر وقال أنس بن عياض عن سلمة بن وردان عنه أنه سمع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول من ترك الكذب بني له في ربض الجنة وأحمد بن صالح صحح هذا الحديث والأصح عند الذهبي أنه عنده تابعي وحديثه مرسل (وعبيد الله بن أبي طلحة) أي زيد بن سهل الأنصاري وفي بعض النسخ عبيد الله مصغرا والصواب الأول ولد في حياته ﵊ وهو أخو أنس لأمه حنكه ﵇ وسماه وتوفي زمن الوليد فهو تابعي له رواية روى عن أبيه ثقة أخرج له مسلم والنسائي ولد له عشرة بنين كلهم قرؤوا القرآن (وعن زيد بن الحباب) بضم المهملة وبالموحدتين (سمعت النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ على محمد وأنزله المنزل) وفي رواية المقعد (الْمُقَرَّبَ عِنْدَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي) وهذا الحديث سقط منه رجال فإن زيد بن الحباب ليس من الصحابة ولا من التابعين ولا من أتباعهم وإنما روى عن مالك بن أنس والضحاك بن عثمان ومالك بن مغول وعبد الله بن لهيعة وعنه أحمد بن حنبل نعم هذا الحديث محفوظ من رواية رويفع بن ثابت الأنصاري مرفوعا وقد رواه زيد بن الحباب هذا عن ابن لهيعة بفتح اللام وكسر الهاء عن بكر بن سوادة عن زياد بن نعيم عن وفاء بن شريح الحضرمي قيل ولعل المصنف أورده في أصله عن زيد بن الحباب عن رويفع بن ثابت على وجهة الإرسال وسقط ذكره رويفع من بعض نسخ الكتاب والله تعالى أعلم بالصواب (وعن ابن مسعود) أي مرفوعا (أولى النّاس بي) أي أقرب الناس مني وأحقهم بشفاعتي (يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة) رواه الترمذي وابن حبان (وعن أبي هريرة عنه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ) أي بأن كتب فيه الصلاة (لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا بَقِيَ اسمي) يروى ما دام اسمي (في ذلك الكتاب) رواه الطبراني في الأوسط وأبو الشيخ في الثواب بسند ضعيف لكنه يعتبر في هذا الباب وربما يقال يكتب له الثواب ما نقل أيضا من ذلك الكتاب والله أعلم بالصواب (وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً) أي واحدة أو أكثر (صلّت عليه الملائكة ما صلّى عليّ) أي مدة صلاته علي (فليقلل) أمر من التقليل أو من الإقلال (من ذلك) أي من قول الصلاة أي عبد كما في نسخة (أو ليكثر) امر من التكثير أو الإكثار والمراد به الاخبار واختيار ما هو المختار رواه أحمد وابن ماجه
[ ٢ / ١٣٧ ]
والطبراني في الأوسط بسند حسن (وعن أبيّ بن كعب) على ما رواه الترمذي وحسنه (كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا ذهب ربع اللّيل) بضمهما ويسكن الثاني وفي رواية المصابيح إذا ذهب ثلثا الليل (قام) أي من نومه أو فراشه (فقال: يا أيّها النّاس) كأنه ينادي أهل بيته أو خواص أمته (اذكروا الله) أي في حال الانتباه واتركوا ما عداه (جاءت الرّاجفة) أي النفخة الأولى التي ترجف الأرض بأهلها والمعنى قرب مجيئها ويموت كل أحد عندها (تتبعها الرّادفة) أي تعقبها النفخة الثانية ويبعث الخلق كلهم بعدها وثبت أن ما بين النفختين أربعون سنة يقول الله ﷾ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ويجيب بذاته عز شأنه لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ أو يقول الخلق بلسان الحال في جواب ذلك السؤال لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ واليوم كذلك في نظر أرباب الأسرار وأصحاب الأنوار لا ملك إلا لله الواحد القهار رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار وقيل الرجفة القيامة والرادفة البعث (جاء الموت بما فيه) أي من سكراته ومنكراته أو بما فيما بعده ولا منع من الجمع من البعث والحساب والميزان والكتاب وما يترتب عليها من الثواب والعقاب ويحتاج كل أحد إلى شفاعته ﵊ في ذلك الباب (فقال) الظاهر وقال إذ لا يظهر وجه الرابطة بالفاء (أبيّ بن كعب) وهو أقرأ الصحابة (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ) أي لكثرة محبتي إياك رجاء حصول الشفاعة لي لديك ويروى أني اكثر من الصَّلَاةَ عَلَيْكَ (فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي) أي من زمان دعائي لنفسي أو من أوقات عبادتي النافلة (قال ما شئت) أي قدر ما أردت من تقربك بي (قال) أي أبي (الرّبع) بالنصب أي اجعل لك من صلاتي ربع أوقاتي (قال) أي النبي ﵊ (ما شئت) أي اخترت قليلا أو كثيرا (وإن زدت) أي على الربع (فهو خير) أي لك كما في نسخة صحيحة (قال الثّلث) بضمتين ويسكن الثاني وهو بالنصب كما مر (قَالَ مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ) قال الحجازي وذكر بعد الربع النصف إلى آخره وفي غالب نسخ الشفاء ذكر الربع ثم الثلث ثم النصف إلى آخره وهذا الحديث في الترمذي لم يذكر فيه الثلث (قَالَ النِّصْفَ قَالَ مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ قَالَ الثُّلُثَيْنِ قَالَ: مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ قَالَ: يَا رَسُولَ الله فاجعل صلاتي) أي أوقات دعائي (كلّها لك) أي لذكرك وما يتعلق به من الصلاة عليك (قال إذا) بالتنوين أي حينئذ (تكفى) بصيغة المفعول المخاطب وفي رواية همك أي ما يهمك من أمر دينك ودنياك وهو بالنصب على أنه مفعول ثان لتكفي وفي نسخة يكفى بصيغة المجهول الغائب وهمك بالرفع على نيابة الفاعل ويلائمه قوله (ويغفر ذنبك) بصيغة المجهول منصوبا وذنبك مرفوعا والحاصل أنه ﵊ لم ير أن يعين له حدا مقدرا من الليالي والأيام لئلا يغلق عليه باب المزيد في مقام المرام أو لأنه به يحصل كفاية المهمات الدينية والدنيوية والأخروية على وجه النظام ونظيره قوله ﵇ عن الله من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين وكان الحديث السابق مستندا للطائفة السنية الأويسية حيث يداومون على الصلوات المصطفوية (عن أبي طلحة) وهو زيد بن سهل
[ ٢ / ١٣٨ ]
وحديثه هذا رواه النسائي وابن حبان والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح أنه قال (دخلت على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فرأيت من بشره) بكسر الموحدة أي بشاشة بشرته (وطلاقته) أي بساطته ولطافته (ما لم أره قطّ) أي أبدا قبل ذلك (فسألته) أي عن سبب ما هنالك (فقال وما يمنعني) أي عن هذا السرور (وقد خرج جبريل ﵇) أي ظهر (آنفا) بالمدة والقصر وقد قرىء بهما في السبعة أي هذه الساعة فكأنها قدام الأنف من كمال قربها (فأتاني ببشارة من ربّي أن) بفتح الهمزة أي هي أن أو بأن (الله بعثني إليك أبشّرك أنّه) بالكسر والفتح (ليس أحد من أمّتك) أي أمة الإجابة (يصلّي عليك إلّا صلى الله عليه وملائكته بها) أي بدلها أو بسببها (عشرا) فهذا الذي يوجب بشرا ويفيد بشرى ويقتضي نشرا (وعن جابر بن عبد الله) على ما رواه البخاري (قال قال رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ) أي الآذان أو الإقامة أو الاعلام بأحدهما (اللهمّ ربّ هذه الدّعوة) أي الدعاء إلى العبادة (التّامّة) أي الكاملة الشاملة (والصّلاة القائمة) أي الدائمة الفاضلة لا يغيرها ملة ولا ينسخها شريعة (آت محمدا الوسيلة) أي الذريعة المنيعة وفي نسخة والدرجة الرفيعة وفي نسخة بزيادة الفضيلة وقد ورد أن الوسيلة منزلة في الجنة فالفضيلة أعم من الوسيلة (وابعثه مقاما محمودا) وفي نسخة المقام المحمود وقد ورد هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي أي خصوصا بعد أن أشفع للخلق عموما (الّذي وعدته) أي له في الآخرة الذي بدل من مقاما محمودا وقوله وعدته أي في القرآن قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا (حلّت له شفاعة) أي الخاصة (يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) كما رواه مسلم (من قال) يروى أنه قال من قال (حين يسمع المؤذّن) أي صوته (يتشهد وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وحده لا شريك له) مقول (وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وبمحمّد رسولا وبالإسلام دينا) نصبه وما قبله من الاسمين على التمييز (غفر له) أي ذنبه (وروى ابن وهب) أي بسند منقطع (أنّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ سَلَّمَ عَلَيَّ عَشْرًا فكأنّما أعتق رقبة) أي في الأجر والمثوبة (وفي بعض الآثار ليردنّ) من الورود بمعنى ليأتين (عليّ أقوام ما أعرفهم) يروى لا أعرفهم (إلّا بكثرة صلاتهم عليّ) رواه الأصبهاني في ترغيبه عن أنس (وفي آخر) أي وفي أثر آخر (إن) بكسر الهمزة وفتحها (أنجاكم) أي اسبقكم نجاة (يوم القيامة من أهوالها ومواطنها) أي مواقفها (أكثركم عليّ صلاة وعن أبي بكر) أي الصّدّيق كما في نسخة (الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمحق للذّنوب) أي أطفأ (مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ لِلنَّارِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ من عتق الرّقاب) رواه الأصبهاني في ترغيبه بلفظ الصلاة عليه أفضل من عتق الرقاب وحبه ﵊ أفضل من مهج الأنفس أو من ضرب السيف في سبيل الله وفي الجامع الصغير الصلاة علي نور على الصراط فمن صلى علي يوم الجمعة ثمانين مرة غفرت له ذنوب ثمانين عاما على ما رواه الطبراني والدارقطني في الأفراد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
[ ٢ / ١٣٩ ]
فصل (فِي ذَمِّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم وإثمه)
أي وإثم من لم يصل عليه وفي معناه من لم يسلم عليه لأنه في الآية الشريفة وجوبهما في الجملة إلا أنه ليس فيهما ما يدل على لزوم الإتيان بهما على وجه المعية (حدّثنا القاضي الشهيد أبو عليّ) أي ابن سكرة (﵀ ثنا) أي حدثنا (أبو الفضل بن خيرون) بالمنع والصرف وهو البغدادي (وأبو الحسين الصّيرفيّ) وفي نسخة أبو الحسن والصواب بالتصغير (قالا) أي كلاهما (حدّثنا أبو يعلى) أي ابن زوج الحرة (حدّثنا السّنجيّ) بكسر السين (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى) أي الإمام الترمذي صاحب الجامع (حدّثنا أحمد بن إبراهيم الدّورقيّ) أي البغدادي والدورقي نسبة إلى نوع من القلانس ووهم من اعترض على المزي بأنه منسوب لبلد فقد صرح أبو أحمد الحاكم في الكنى في ترجمة يعقوب بما قاله المزي وله تصانيف قال أبو حاتم صدوق أخرج له مسلم وغيره (حدّثنا ربعيّ) بكسر الراء وسكون الموحدة (ابن إبراهيم) أي ابن مقسم الأسدي روى عنه أحمد والزعفراني (عن عبد الرّحمن بن إسحاق) أي ابن عبد الله بن الحارث بن كنانة القرشي العامري مولاهم المدني ويروي عن المقبري والزهري وعنه يزيد بن زريع وابن علية قال أبو داود قدري ثقة وضعفه بعضهم وقال البخاري ليس ممن يعتمد على حفظه (عن سعيد بن أبي سعيد) أي المقبري (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) وكذا رواه مسلم عَنْهُ (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم رغم) بكسر الغين وفتحها (أنف رجل) أي ذل ولصق بالتراب (ذكرت عنده) بصيغة المفعول (فلم يصلّ عليّ) أي إعراضا أو تهاونا لا كسلا أو نسيانا (ورغم أنف رجل دخل رمضان) أي عليه (ثمّ انسلخ) أي خرج عنه (قبل أن يغفر له) أي بأن لم يفعل فيه ما يستحق به غفران ذنوبه (ورغم أنف رجل أدرك) أي بلغ عنده (أبواه الكبر) بالنصب على المفعول من أدرك والفاعل أبواه وإنما خص حال الكبر لأنه أحوج حال الإنسان إلى الخدمة والإحسان (فلم يدخلاه الجنّة) بضم الياء وكسر الخاء أي بأن لم يبرهما حتى يكونا سببا لدخوله الجنة والمعنى أن برهما عند كبرهما وضعفهما بالخدمة والنفقة سبب لدخول الجنة (قال عبد الرّحمن) أي راوي أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (وأظنّه) أي أبا هريرة (قال أو أحدهما) أي بطريق الشك أو على سبيل التنويع ويؤيده قوله تعالى إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما وأبعد الدلجي في جعل ضمير أظنه راجعا إليه صلى الله تعالى عليه وسلم (وفي حديث آخر) كما رواه الطبراني عن ابن عباس وأنس وعبد الله بن الحارث بن جزء وكعب بن عجرة ومالك بن الحويرث ورواه البزار عن جابر بن سمرة وأبي هريرة وعمار بن ياسر (أنّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صعد المنبر) بكسر العين أي طلع عليه (فقال) أي عقب صعوده (آمين) بالمد ويجوز قصره قيل معناه اللهم استجب وفي الحديث آمين خاتم رب العالمين (ثمّ صعد
[ ٢ / ١٤٠ ]
درجة فقال آمين ثمّ صعد درجة فقال آمين فسأله معاذ عن ذلك) أي عن قوله آمين وسبب تكراره هنالك (فَقَالَ إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ من سمّيت) بضم السين وتشديد الميم المكسورة على لفظ الخطاب أي ذكرت (بين يديه) أي عنده والمعنى من ذكر اسمك له وهو حاضر يسمعه (فلم يصلّ عليك) أي عقيب ذكر اسمك (فمات) أي تاركا لصلاته عليك غير تائب مما وقع له من التقصير بالنسبة إليك (فدخل النّار) أي بسبب ترك صلاته لاستهانة أو عدم مبالاة أو لغيره من خطيئاته مع حرمان شفاعته في شدة حالته (فأبعده الله تعالى) أي عن ساحة رحمته وميدان مغفرته والجملة خبرية مبنى وانشائية معنى ولذا قال جبريل للنبي ﵊ (قل آمين فقلت آمين) وهذا في الدرجة الأولى من المنبر وإنما قدم هذه الحالة على البقية لأنها كالمقدمة في القضية (وقال) أي جبرائيل في الدرجة الثانية (فيمن أدرك رمضان فلم يقبل منه) أي صيامه وقيامه (فمات مثل ذلك) بالرفع ويجوز نصبه بل هو الأظهر فتدبر أي فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْ آمِينَ فَقُلْتُ آمين وهذا في حق من حقوق الله سبحانه (ومن أدرك) وفي نسخة وقال أي جبرائيل من أدرك (أبويه أو أحدهما فلم يبرّهما) بفتح الباء والباء والراء المشددة أي لم يقم بواجبهما (فمات مثل ذلك) وفي نسخة مثله وهذا مما يتعلق بحقوق العباد (وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنه) كما رواه الترمذي وصححه والبيهقي في شعب الإيمان والنسائي من حديث ابنه الحسين عن أبيه (عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال البخيل) أي كل البخيل كما في رواية (الذي) أي هو الذي (ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ) أي حيث بخل علي بزيادة الفضيلة وعلى نفسه بزيادة المثوبة الجزيلة (وعن جعفر بن محمّد) كما رواه البيهقي في شعب الإيمان عنه (عن أبيه) أي مرسلا فإن جعفرا هذا هو الصادق وأبوه هو الباقر وهو تابعي فالحديث مرسل ورواه الطبراني في الكبير عن محمد جد الحسين موصولا (قال قال رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عليّ أخطىء به طريق الجنّة) بضم الهمزة وكسر الطاء وجوز الدلجي كونه مبنيا للفاعل أيضا وكأنه قصد به النسبة المجازية (وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الْبَخِيلَ كُلَّ الْبَخِيلِ) أي كامل البخل حيث بخل بما لم ينقص من ماله ويزيد من جماله وكماله في حاله ومآله (من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ) وقد تقدم هذا الحديث والظاهر أن هذا من زيادة الكتاب والله أعلم بالصواب وفي الجامع الصغير بلفظ الْبَخِيلِ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن الحسين مرفوعا (وعن أبي هريرة) كما رواه أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عنه (قال أبو القاسم صلى الله تعالى عليه وسلم أيّما قوم جلسوا مجلسا) أي مكان جلوس أو جلوسا وفي نسخة صحيحة مجلسهم (ثمّ تفرّقوا) أي قاموا عنه ويروى ثم تفرقوا عنه (قبل أن يذكروا الله ويصلّوا) أي وقبل أن يصلوا (على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كانت) أي وقعت (عليهم من الله ترة) بمثناة فوقية مكسورة وراء مخففة مفتوحة أي منقصة أو تبعة وهاء
[ ٢ / ١٤١ ]
ترة عوض عن واوه المتروكة كعدة ومقة ومنه قوله تعالى وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ وروي ترة بالنصب أي كانت الجلسة أو التفرقة عليهم مضرة (إن شاء) أي الله (عذّبهم) أي بتركهم كفارة المجلس لما صدر عنهم ويكون عدلا (وإن شاء غفر لهم) أي مع تقصيرهم ويكون فضلا (وعن أبي هريرة) على ما رواه البيهقي في الشعب عنه مرفوعا (من نسي الصّلاة عليّ) أي تركها ترك المنسي (نسي طريق الجنّة) أي تركها وأخطأها وضبطه الدلجي بضم أوله وتشديد ثانيه وتبعه الأنطاكي (وعن قتادة) أي من رواية عبد الرزاق عن معمر عنه (عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من الجفاء) بفتح الجيم والمد ضد الوفاء وقد يراد به الأذى (أن أذكر عند الرّجل) لم يرد به رجلا معينا فهو كالنكرة في المعنى وإن كان معرفة في المبنى ونظيره قوله تعالى فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ (فلا يصليّ عليّ) لغلظ طبعه وعدم مراعاة شرعه (وعن جابر) كما رواه البيهقي (عنه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا ثُمَّ تفرّقوا) أي منه (على غير صلاة) حال وفي نسخة من غير صلاة صفة مصدر محذوف أي تفرقا صادرا عن غير صلاة (على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي في حال من الأحوال (إلّا تفرّقوا على أنتن) أي إلا حال كونهم متفرقين عن حال انتن ويروى على انتن (من ريح الجيف) بما صدر عنهم من رديء الكلام ومذمومه في مقام المرام (وعن أبي سعيد) كما رواه البيهقي في الشعب وسعيد ابن منصور (عن النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَجْلِسُ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَا يُصَلُّونَ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي أو لا يذكرون الله تعالى فيه كما في رواية (إلّا كان) أي ذلك المجلس (عليهم حسرة) أي يوم القيامة كما في رواية ولأن الجنة لا حسرة فيها فلا بد من هذا القيد ليستقيم قوله (وإن دخلوا الجنّة) والمراد بالحسرة الندامة اللازمة لمقامهم من سوء آثار كلامهم فقول الدلجي بعد قوله وإن دخلوا الجنة فيزدادوا حسرة ليس في محله (لما يرون) أي فيها (من الثّواب) أي الأجر العظيم بالصلاة على النبي الكريم (وحكى أبو عيسى التّرمذيّ) أي صاحب السنن (عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: إِذَا صَلَّى الرّجل) أي رجل بل أي شخص (على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم مرّة في المجلس) أي في مجلس (أجزأ) بالهمزة وأجزى لغة فيه أي كفى (عنه ما كان في ذلك المجلس) ما دام فيه دفعا للحرج وهذا هو قول الطحاوي من أصحابنا وهو المعتمد المعتقد والله تعالى أعلم وعن صاحب المجتبى من أئمتنا يتكرر الوجوب بتكرره وإن كثر وفي الجامع الصغير كرر آية السجدة في المجلس الواحد يكفيه سجدة واحدة وكذا في الصلاة ولا تسن السجدة لكل مرة وفي الصلاة تسن لكل مرة.
فصل [في تخصيصه ﵊ بتبليغ صلاة من صلى عليه صلاة أو سلم من الأنام]
(في تخصيصه) أي تخصيص الله إياه (﵊ بِتَبْلِيغِ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ) أَوْ سَلَّمَ عليه (من الأنام) أي الخلائق من طوائف الإسلام (ثنا) أي حدثنا كما في
[ ٢ / ١٤٢ ]
نسخة (القاضي أبو عَبْدُ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ) وهو أبو علي الغساني (حدّثنا أبو عمر الحافظ) أي ابن عبد البر حافظ المغرب (حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ حَدَّثَنَا ابْنُ دَاسَةَ) بالمهملتين (حدّثنا أبو داود) أي صاحب السنن (حدّثنا ابن عوف) أي الطائي الحافظ الحمصي شيخ أبي داود والنسائي وغيرهما (حدّثنا المقرىء) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد القصير مولى عمر بن الخطاب أصله من ناحية البصرة نزل مكة وروى عن أبي حنيفة وغيره وعنه البخاري وأحمد وابن راهويه وابن المديني أخرج له الأئمة الستة (حدّثنا حيوة) بفتح مهملة فسكون تحتية (عن أبي صخر) بفتح مهملة وسكون معجمة (حميد) بالتصغير (ابن زياد) وصخر هذا هو الخراط رأى سهل بن سعد وروى عن أبي صالح السمان وأبي سلمة وخلق وعنه ابن وهب وجماعة قال أحمد ليس به بأس (عن يزيد بن عبد الله بن قسيط) بضم قاف وفتح سين مهملة وسكون تحتية ليثي يروي عن ابن المسيب وعنه مالك والليث وثقه النسائي أخرج له الأئمة الستة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أردّ عليه) أي على من سلم علي (السّلام) مفعول أرد والحديث رواه أبو داود وأحمد والبيهقي وسنده حسن وظاهره الإطلاق الشامل لكل مكان وزمان ومن خص الرد بوقت الزيارة فعليه البيان والمعنى أن الله سبحانه يرد روحه الشريف عن استغراقه المنيف ليرد على مسلمه جبرا لخاطره الضعيف وإلا فمن المعتقد المعتمد أنه صلى الله تعالى عليه وسلم حي في قبره كسائر الأنبياء في قبورهم وهم أحياء عند ربهم وأن لأرواحهم تعلقا بالعالم العلوي والسلفي كما كانوا في الحال الدنيوي فهم بحسب القلب عرشيون وباعتبار القالب فرشيون والله ﷾ أعلم بأحوال أرباب الكمال هذا وقال الأنطاكي يمكن أن يقال رد الروح كناية عن اعلام الله تعالى إياه بأن فلانا صلى عليك أو عن علمه ﵇ بأحوال المسلم من بين الأنام (وذكر أبو بكر بن أبي شيبة) وهو الحافظ الكبير الحجة صاحب التصانيف روى عن ابن المبارك وجماعة وروى عنه الشيخان وطائفة ووثقه الجماعة قال الذهبي أبو بكر ممن قفز القنطرة وإليه المنتهى في الثقة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سمعته) أي من غير واسطة (ومن صلّى عليّ نائيا) أي بعيدا عني (بلّغته) بصيغة المجهول مشددا أي بلغنيه الملائكة وفي رواية أبلغته والحديث أيضا رواه أبو الشيخ في الثواب والبيهقي في الشعب (وعن ابن مسعود) قال الشمني هو الصواب وقال الحلبي عن أبي مسعود وهو عقبة بن مسعود الأنصاري (إنّ) بفتح الهمزة وكسرها (لله ملائكة سيّاحين) أي سيارين (في الأرض يبلّغوني) بتخفيف النون وتشديدها وهو من باب التفعيل أو الأفعال أي يوصلوني (عن أمّتي السّلام) أي علي فأرده عليهم رواه أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي في الشعب (وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ) أي موقوفا ويحتمل أن يكون مرفوعا (أَكْثِرُوا مِنَ السَّلَامِ عَلَى نَبِيِّكُمْ كُلَّ جُمُعَةٍ فإنّه) أي السلام (يؤتى به) أي يبلغه
[ ٢ / ١٤٣ ]
(منكم في كلّ جمعة) لا يعرف من رواه لكن ورد أكثروا من الصلاة علي في كل يوم جمعة فإن صلاة أمتي تعرض علي في كل يوم جمعة فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة رواه البيهقي عن أبي أمامة ورواه عن أنس بلفظ أكثروا من الصلاة علي في يوم الجمعة وليلة الجمعة فمن فعل ذلك كنت له شهيدا أو شافعا يوم القيامة وروى ابن ماجه عن أبي الدرداء أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة وأن أحدا لن يصلي علي إلا عرضت علي صلاته حين يفرغ منها وهذا معنى قوله (وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنَّ أَحَدًا لَا يُصَلِّي عَلَيَّ إِلَّا عُرِضَتْ صَلَاتُهُ عَلَيَّ حِينَ يَفْرُغُ مِنْهَا) أي أول ما يفرع من غير توقف بخلاف سائر الأيام فإنه يكون موقوفا إلى مجيء يوم الجمعة وفي نسخة حتى يفرغ منها فالمعنى أن جميع صلاته تكون وإن أطال في كلماته تعرض عليه صلى الله تعالى عليه وسلم وروى البيهقي عن أبي هريرة وابن عدي عن أنس وأبو يعلى عن الحسن وخالد بن معدان مرسلا أكثروا الصلاة علي في الليلة الغراء واليوم الأزهر فإن صلاتكم تعرض علي (وعن الحسن) برواية الطبراني وأبي يعلى بسند حسن (عنه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صلاتكم تبلغني) أي تصل إلي بواسطة الملائكة يوم الجمعة وروى ابن مردويه عن أبي هريرة صلوا علي فإن صلاتكم علي زكاة لكم وروى ابن عدي عن ابن عمر وأبي هريرة صلوا علي صلى الله عليكم وروى أحمد والنسائي وجماعة صلوا علي واجتهدوا في الدعاء وقولوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد (وعن ابن عباس) كما رواه اسحاق بن راهويه في مسنده والبيهقي في شعبه موقوفا (ليس أحد من أمّة محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم يسلّم عليه ويصلّي عليه إلّا بلّغه) بضم موحدة وتشديد لام مكسورة ويجوز فتحها مخففة (وذكر بعضهم أنّ العبد) أي من عباد الله (إذا صلّى على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم عرض عليه اسمه) أي اسم المصلى عليه بخصوصه (وعن الحسن بن عليّ) كما رواه ابن أبي شيبة وعنه أبو يعلى عن زين العابدين علي بن الحسين (إذا دخلت المسجد) أي أردت دخوله أو إذا حققت وصوله (فسلّم على النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم قال: «لا تتّخذوا بيتي» أي قبري كما في رواية لأنه في بيته (عيدا) والمعنى لا تجعلوا زيارة قبري عيدا ومعناه النهي عن الاجتماع لزيارته ﵇ اجتماعهم للعيد من الأيام وقد كانت اليهود والنصارى يجتمعون لزيارة قبور أنبيائهم ويشتغلون باللهو والطرب مع آبائهم وأبنائهم ونسائهم فنهى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمته عن ذلك تحذيرا لهم عما يقع من الفساد هنالك ويؤيده حديث لعن الله اليهود والنصارى واتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ويحتمل أن يراد به الحث على كثرة زيارته إذ هي أفضل القربات وآكد المستحبات بل قريبة من درجة الواجبات فالمعنى اكثروا من زيارتي ولا تجعلوها كالعيد تزورونني في السنة مرتين أو في العمر كرتين بدليل أحاديث كثيرة وردت بالحث عليها وبوجوب الشفاعة لمن أتى إليها
[ ٢ / ١٤٤ ]
وقيل يحتمل أن يكون نهيه ﵊ لدفع المشقة عن الأمة بناء على كمال الرحمة ويؤيده قوله الآتي وصلّوا علي حيث كنتم أو لكراهة أن يتجاوزوا في تعظيم قبره زيادة على قدره بنحو السجدة وغيره (ولا تتخذوا بيوتكم قبورا) أي كالقبور لا يصلى فيها والمعنى اجعلوا من صلواتكم في بيوتكم لما روى أحمد عن زيد بن خالد لا تتخذوا بيوتكم قبورا صلوا فيها ويؤيده قول الخطابي لا تجعلوها وطنا للنوم فقط لا تصلون فيها فإن النوم أخو الموت والميت لا يصلي أو لا تجعلوها قبورا لموتاكم تدفنونهم فيها قال الخطابي وليس بشيء فقد دفن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في بيته ودفع بأن هذا من خصوصيات الأنبياء بدليل قوله ﵇ ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه كما رواه الترمذي عن أبي بكر (وصلّوا عليّ حيث كنتم) أي قريبا أو بعيدا (فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) رواه الطبراني وأبو يعلى بسند حسن (وفي حديث أوس) هو أوس بن أوس الثقفي صحابي وفي الصحابة خمسة وأربعون نفرا يسمعون أوسا (أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ صلاتكم معروضة عليّ) أي من غير واسطة أو من غير انتظار رابطة رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (وعن سليمان بن سحيم) بضم سين وفتح حاء مهملتين فتحتية ساكنة مدني يروي عن ابن المسيب وجماعة وعنه ابن عيينة وطائفة أخرج له مسلم وغيره (رأيت النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله هؤلاء الّذين يأتونك) أي للزيارة (فيسلّمون عليك أتفقه سلامهم) أي أتعرف كلامهم وتدري مرامهم (قال نعم وأردّ عليهم) أي سلامهم واقضي مرامهم رواه ابن ابي الدنيا والبيهقي في حياة الانبياء وفي شعب الإيمان (وعن ابن شهاب) الزهري كما رواه المنيري مرسلا (بلغنا أنّ رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيَّ في اللّيلة الزّهراء) أي البيضاء النوراء (واليوم الأزهر) أي الأنور ويروى في الليلة الغراء واليوم الأغر يعني ليلة الجمعة ويوم الجمعة (فإنّهما) أي اليوم والليلة (يؤدّيان) أي ذلك (عَنْكُمْ وَإِنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ وما من مسلم يصلّي عليّ) أي صلاة (إلّا حملها ملك) أي تحملها عنه (حتّى يؤدّيها) أي يوصلها (إليّ ويسمّيه) أي لدي (حتّى إنّه) أي الملك (ليقول إنّ فلانا يقول كذا وكذا) كناية عن ألفاظ الصلاة والسلام إجمالا وتفصيلا وتكثيرا وتقليلا فناهيك به تعظيما وتبجيلا.
فصل (فِي الِاخْتِلَافِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ قَالَ القاضي) وزيد في نسخة أبو الفضل يعني المصنف (وفّقه الله) وفي نسخة رحمه الله تعالى فالأولى من كلامه والأحرى من كلام غيره (عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ على غير النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي من سائر الأنبياء وأقول بل هي مستحبة لما روى البيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه والخطيب عن أنس مرفوعا صلوا
[ ٢ / ١٤٥ ]
عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَهُمْ كما بعثني فيستحقون الصلاة كما استحقها لأن المراد بها تعظيم من يصلي عليه ويؤيده الحديث الصحيح كما صليت على إبراهيم وهو في المدعي كالصريح (وروي عن ابن عباسّ) كما في شعب الإيمان للبيهقي وسنن سعيد بن أبي منصور (أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم) ولعله رضي الله تعالى عنه أخذ من قوله تعالى في حق الأنبياء ﵈ سَلامٌ عَلى نُوحٍ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ومن مفهوم قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا حيث يستفاد منه أن الجمع بينهما من خصوصيته ﵇ مما بين الأنام (وروي عنه) أي عن ابن عباس كما في فضل الصلاة عليه ﵇ لإسماعيل القاضي (لَا تَنْبَغِي الصَّلَاةُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا النَّبِيِّينَ) ولعله رجع عن قوله الأول أو مراده به الجمع على ما ذكرنا فتأمل فإنه يمكن الجمع به على ما هو المعول (وقال سفيان) أي الثوري أو ابن عيينة (يكره أن يصلّى) أي على أحد أصالة (إِلَّا عَلَى نَبِيٍّ، وَوَجَدْتُ بِخَطِّ بَعْضِ شُيُوخِي) وفي حاشية الحلبي قوله وَقَدْ وَجَدْتُ مُعَلَّقًا عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْفَاسِيِّ بالفاء والسين المهملة نسبة إلى بلد بالمغرب قال ابن ماكولا أبو عمران الفاسي ففيه أهل القيروان في وقته (مذهب مالك أنّه لا يجوز) أي لا ينبغي (أَنْ يُصَلَّى عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سِوَى محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم وهذا) أي النقل (غير معروف من مذهبه) لكن يمكن أن يكون مراده الجمع بين الصلاة والسلام فإنه حينئذ يكون وفق مشربه (وقد قال مالك) أي الإمام (في المبسوطة) وفي نسخة المبسوط (لِيَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ أَكْرَهُ الصَّلَاةَ عَلَى غَيْرِ الأنبياء وما ينبغي لنا أن نتعدّى) أي بالجمع بين الصلاة والسلام (ما أمرنا به) أي من الجمع بين الصلاة والسلام مختصا به في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (قال يحيى بن يحيى) أي الليثي عالم الأندلس راوي الموطأ (لست آخذ بقوله) أي بقول مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى أحد من الأنبياء سوى محمد (ولا بأس بالصّلاة على الأنبياء كلّهم) أي بالأصالة (وعلى غيرهم) أي تبعا ويحتمل أنه أراد به استقلالا لأنا ننزهه عن مخالفة العلماء إجلالا (واحتجّ) أي يحيى لما قاله وفي نسخة صحيحة واحتجوا أي هو ومن تبعه (بحديث ابن عمر) أي الآتي أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر (وَبِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ تَعْلِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) أي أصحابه فيما مر (الصلاة عليه وفيه) أي وفي حديث تعليمه ﵇ (وعلى أزواجه) فيه أنه لا خلاف في جواز الصلاة على غير الأنبياء تبعا وزيد في بعض النسخ هنا (وَقَدْ وَجَدْتُ مُعَلَّقًا عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْفَاسِيِّ) بالفاء والسين وفي نسخة القابسي بالقاف وبموحدة بعد الألف فسين مهملة (رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ كَرَاهَةَ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم قال وبه أقول) وفي نسخة وَبِهِ نَقُولُ (وَلَمْ يَكُنْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا مَضَى، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلُّوا عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ
[ ٢ / ١٤٦ ]
ورسله فالله) وفي نسخة فإن الله (بعثهم كما بعثني قالوا) أي يحيى وأتباعه أو جمهور العلماء وهو الظاهر من قوله (والأسانيد) أي الواردة (عن ابن عباس) من نحو قوله ولا تجوز الصلاة على غير النبي ﵇ (ليّنة) أي ضعيفة لا يصلح شيء منها لاحتجاج به على عدم جواز الصلاة على غيره صلى الله تعالى عليه وسلم (وَالصَّلَاةُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ بِمَعْنَى التَّرَحُّمِ وَالدُّعَاءِ) أي وتحوهما من الاستغفار وحسن الثناء (وذلك) أي جوازه (على الإطلاق) أي بالاتفاق (حَتَّى يَمْنَعَ مِنْهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَوْ إِجْمَاعٌ) أي صريح (وَقَدْ قَالَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ [الأحزاب: ٤٣] الآية) تمامها ليخرجكم من الظلمات إلى النور وفي العالم للبغوي فالصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار للمؤمنين وقال أنس لما نزلت إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه ما خصك الله يا رسول الله بشرف إلا وقد اشركتنا فيه فأنزل الله تعالى هذه الآية (وقال) أي الله تعالى لنبيه ﵇ (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ) أي من رذيلة البخل (وَتُزَكِّيهِمْ) أي وتنمي مالهم (بِها أي بسببها (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) [التوبة: ١٠٣] أي التفت إليهم وترحم عليهم وأقبل عذر ما لديهم (الآية) وهي أن صلاتك سكن لهم أي تسكن إليها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم وفيه إيماء إلى خصوصيته بهذا الدعاء (وقال) أي الله سبحانه (أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ) أي تحيات ومدحات (وَرَحْمَةٌ) [البقرة: ١٥٧] أي أنواع رحمات وظاهره أن الصلوات عامة للمؤمنين ولا يبعد أن يكون من باب التوزيع والتقسيم وأن تكون الصلوات خاصة للأنبياء والرحمة عامة للأصفياء (وقال النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) كما رواه الشيخان عن عبد الله بن أبي أوفى (اللهمّ صلّ على آل أبي أوفى) ومن تتمة الحديث قوله (وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ اللَّهُمَّ صلّ على آل فلان) كناية عما ينسبون إليه وقد رواه أبو داود والنسائي عن قيس بن سعد بن عبادة أنه ﵇ قال اللهم اجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة وهو مراد معهم كأبي أوفى (وفي حديث الصلاة) أي في التشهد (اللهمّ صلّ على محمد وعلى أزواجه) وفي نسخة وعلى أزواجه (وذرّيته وفي آخر) أي حديث آخر (وعلى آل محمّد، قيل) أي المراد بهم (أتباعه) أي إلى يوم القيامة (وقيل أمّته) أي أمة الإجابة وهو قريب مما قبله وربما يقال هو أعم والأول أخص (وقيل آل بيته) أي أقاربه وأزواجه وذريته (وقيل الأتباع والرّهط والعشيرة) أي جميعهم ويروى الأتباع وهم الرهط وقيل رهط الرجل قبيلته وعشيرته قومه (وقيل آل الرّجل ولده) أي أولاده وأحفاده (وقيل قومه) أي المؤمنون من قريش أو بني هاشم (وقيل أهله الّذين حرّمت عليهم الصّدقة) عن زيد بن أرقم أن آل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من حرم الصدقة عليه وهم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس (وفي رواية أنس) كما رواه الطبراني في الأوسط وابن مردويه (سئل النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ آلُ مُحَمَّدٍ قَالَ كُلُّ تقيّ) الظاهر إن كل تقي منهم والمعنى من ليس بمتق ليس بآلي ولا يبعد أن يكون المعنى كل من يكون تقيا
[ ٢ / ١٤٧ ]
يكون آلا وعلى التقديرين يؤيده قوله تعالى إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ (ويجيء على مذهب الحسن) الظاهر أنه الحسن البصري (أنّ المراد بآل محمد محمد نفسه) أي في بعض التراكيب (فإنّه) أي النبي ﵇ أو الحسن (كان يقول في صلاته على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي على ما رواه النميري (اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) زيد في نسخة يريد نفسه الشريفة إلا أنه لا يلائم قوله (لأنّه) أي قائله (كان لا يخلّ بالفرض) أي في الجملة وهو الصلاة على محمد (ويأتي بالنّفل) وهو الصلاة على آله (لأنّ الفرض الّذي أمر الله به) أي في قوله سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ (هو الصّلاة على محمد نفسه) أي ذاته دون غيره بشهادة روايته الأخرى من طرق متعددة على محمد بدون آله (وهذا) أي كون الآل مقحما (مثل قوله ﵇) فيما رواه الشيخان (لقد أوتي) أي أبو موسى الأشعري (مزمارا) أي صوتا حسنا (من مزامير آل داود يريد) أي النبي ﵇ (من مزامير داود) لأنه لا يعرف أحد من آله أنه كان له مزمار ونظير هذا من التنزيل قوله تعالى تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ (وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ فِي الصَّلَاةِ) أي في ألفاظها (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي عند قبره (وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الموطّإ من رواية يحيى الأندلسيّ) بفتح همزة ودال وضم لام وقيل بضم الثلاثة وقيده به احترازا عن يحيى بن يحيى النيسابوري وزيد في نسخة وَالصَّحِيحُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ وَيَدْعُو لِأَبِي بَكْرٍ وعمر (وروى ابن وهب) وهو المصري العلم (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ كُنَّا نَدْعُو لِأَصْحَابِنَا بِالْغَيْبِ فَنَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْ مِنْكَ عَلَى فُلَانٍ صلوات قوم أبرار الّذين يقومون باللّيل) أي للتهجد والاستغفار (ويصومون بالنّهار قال القاضي) يعني المصنف وفي نسخة قال الفقيه الْقَاضِي (وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ وَأَمِيلُ إِلَيْهِ ما قاله مالك) أي إمام المذهب (وسفيان) أي الثوري أو ابن عيينة (رحمهما الله، وروي) أي وما روي (عن ابن عباس، واختاره غير واحد) أي كثيرون (مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى غير الأنبياء) وهم أعم من الرسل (عند ذكرهم) أي إفرادا وإنما تجوز اتباعا (بل هو) أي الصلاة وذكر باعتبار خبره وهو قوله (شيء يختصّ) يروى يخص (به الأنبياء) أي عرفا وعادة وفيه رد على الرافضة (توقيرا وتعزيزا) أي تعظيما وتبجيلا (كَمَا يُخَصُّ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ ذِكْرِهِ بِالتَّنْزِيهِ والتّقديس والتّعظيم ولا يشاركه فيه) أي فيما ذكر (غيره) فيقال قال تعالى ﷿ وإن كان الأنبياء أعزة وأجلاء عن العيوب برآء (كذلك يجب تخصيص النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ وَلَا يشارك) بالبناء للمفعول أو الفاعل وفي نسخة ولا يشاركهم (فيه) أي في كل واحد منهما (سواهم كما أمر الله) أي المؤمنين (بِقَوْلِهِ صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الْأَحْزَابِ: ٤٣] (وَيُذْكَرُ من سواهم من الأئمة) المجتهدين من الصحابة والتابعين (وغيرهم) من العلماء الصالحين (بالغفران والرّضى) وفيه أن الرضى مختص عرفا بالصحابة وإن كانوا يدخلون في المغفرة
[ ٢ / ١٤٨ ]
تحت عموم الدعاء (كما قال تعالى يَقُولُونَ) أي الذين جاؤوا من بعدهم (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ) [الحشر: ١٠] أي وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (وقال وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ) وفي نسخة وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ (بِإِحْسانٍ) أي بإيمان وإيقان وطاعة واتقان إلى يوم القيامة (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة: ١٠٠] وأيضا فهو) أي ذكر الصلاة والسلام على غير الأنبياء (أمر) ويروى فهذا أَمْرٌ (لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ) أي من السلف والخلف (كما قال أبو عمران) أي الفاسي (وإنّما أحدثه الرّافضة) أي التاركة محبة أكثر الصحابة (والمتشيّعة) أي المظهرة أنهم السابقون والمتابعون (في بعض الأئمة) أي من أهل بيت النبوة (فشاركوهم) أي ائمتهم كعلي والحسنين وغيرهم (عند الذّكر لهم بالصّلاة) وكذا بالسلام فيقولون مثلا علي ﵇ (وساووهم) أي ائمتهم (بالنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك) أي مقام المرام وهذا لا يليق بالكرام وذكر انطاكي أن الرافضة فرقة من شيعة الكوفة وسموا بذلك لأن زيد بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبي طالب خرج على هشام بن عبد الملك فطعن عسكره في أبي بكر وعمر فمنعهم عن ذلك فرفضوه ولم يبق معه إلا مائتا فارس فقال لهم رفضتموني أي تركتموني فلقبوا بذلك ثم لزم هذا اللقب كل من غلا في مذهبه واستجاز الطعن في الصحابة والمتشيعة هم الذين ينسبون إلى الشيعة وتقدم أنهم فرقة يفضلون عليا ويزعمون أنهم من شيعته أي أتباعه (وأيضا فإنّ التّشبّه بِأَهْلِ الْبِدَعِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَتَجِبُ مُخَالَفَتُهُمْ فِيمَا التزموه من ذلك) أي وجعلوه شعارا لهم هنالك (وَذِكْرُ الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ وَالْأَزْوَاجِ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم بحكم التّتبع) أي له صلى الله تعالى عليه وسلم (والإضافة إليه) أي فهو جائز (لا على التّخصيص) أي بحكم الاستقلال (قالوا) أي العلماء المحققون (وصلاة النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم على من صلّى عليه) أي من آل أبي أوفى ونحوه (مجراها مجرى الدّعاء) أي مجرى تلك الصلاة محمول على مجرى الدعاء والرحمة (والمواجهة) أي حسن المقابلة حال المعاشرة (ليس فيها معنى التّعظيم والتّوقير) أي الذي اختص بأرباب الكمال (قالوا) أي العلماء (وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) [النور: ٦١] أي في المناداة باسمه وفي رفع الصوت عنده (فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ لَهُ مُخَالِفًا لدعاء النّاس بعضهم لبعض) أي يتميز به عن غيره (وهذا اختيار الإمام أبي المظفّر الإسفرايينيّ) بكسر الهمزة وتفتح الفاء وتكسر (من شيوخنا) أي الفقهاء المالكيه (وَبِهِ قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ) وهو حافظ الغرب في البحر والبر.
فصل (فِي حُكْمِ زِيَارَةِ قَبْرِهِ ﷺ وَفَضِيلَةِ مَنْ زَارَهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ
وَكَيْفَ يسلم ويدعو وزيارة قبره ﵇ سنّة من سنن المسلمين مجمع) ويروى مجتمع (عليها) أي
[ ٢ / ١٤٩ ]
مجتمع على كونها شنة وممن ادعى الإجماع النووي وابن الهمام بل قيل إنها واجبة (وفضيلة مرغّب فيها روي «١» عن ابن عمر) فيما رواه ابن خزيمة والبزار والطبراني وله طرق وشواهد حسنه الذهبي لأجلها (قال النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شفاعتي) أي حقت وثبتت وفي رواية حلت رواه الدارقطني وغيره وصححه جماعة من أئمة الحديث (وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ زَارَنِي فِي الْمَدِينَةِ مُحْتَسِبًا) أي ناويا ذلك الجناب وطالبا للثواب ليس له غرض آخر في هذا الباب فعن عمر رضي الله تعالى عنه أيها الناس احتسبوا أعمالكم فإن من احتسب عمله كتب له أجر عمله وأجر حسبته (كان في جواري) بكسر الجيم أي مجاورتي وفي نسخة بضم الجيم أي في ذمتي وعهدي وجيرتي (وكنت له شفيعا يوم القيامة) قال الدلجي لا أعرف من رواه قلت قد رواه العقيلي وغيره بلفظ من زارني معتمدا كان في جواري يوم القيامة ورواه البيهقي ولفظه من زارني محتسبا إلى المدينة كان جواري يوم القيامة وروى أبو عوانة من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة (وفي حديث آخر) أي مما رواه البيهقي وسعيد بن منصور في سننهما والدارقطني والطبراني وأبو يعلى وابن عساكر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (من زارني بعد موتي) وفي رواية بعد وفاتي (فكأنّما زارني في حياتي) والأحاديث في هذا الباب كثيرة والروايات فيها شهيرة منها ما رواه علي مرفوعا من زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ومن لم يزر قبري فقد جفاني وقد استدل به على وجوب الزيارة بعد الاستطاعة وعن أنس بسند ضعيف بلفظ ما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني إلا وليس له عذر وعن ابن عدي بسند يحتج به من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني (وكره مالك ﵀) قال ابن تيمية وتبعه طائفة في ذلك (أَنْ يُقَالَ زُرْنَا قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ) أي الداعي إلى كراهية مالك (فقيل كراهية الاسم) وفي نسخة كراهية للاسم وفي أخرى كراهة الاسم أي اسم الزيارة (لما ورد) أي في رواية أحمد والترمذي وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (من قوله ﵇ لعن الله زوّارات القبور) بفتح الزاء وتشديد الواو أي المبالغات في زيارة القبور وفيه أنه ﵇ إنما لعنهن لأنهن مأمورات بالقرار في بيوتهن فلا يصلح زيارتها لهن نعم قد يؤخذ منه أنه لا يسن في حقهن زيارته ﵇ كما قال به بعض الأعلام لكن الأصح أنه لا يكره لهن ذلك إذا قمن بشرائط فيما هنالك (وهذا) أي الاستدلال (يردّه قوله) أي فيما رواه مسلم (كنت نهيتكم) وفي نسخة من الكتاب نهيتم (عن زيارة القبور فزوروها) وفي نسخة بزيارة ولا تقولوا هجرا بضم الهاء وسكون الجيم أي كلاما يوجب إثما وفيه بحث إذ يحتمل أن يكون خطاب
_________________
(١) وقد سقط في نسخة هذا الشرح السندات فليراجع نسخة المتن وشرح الشهاب قاله المصحح ط.
[ ٢ / ١٥٠ ]
الرجال بعد خطاب النساء فيكون الحكم الثاني في حقهم ناسخا لا في حقهن ويؤيده التعليل في حقهن بأنهن قليلات الصبر كثيرات الجزع والفزع لا يملكن أنفسهن من الصياح والنياح وأما التعليل في حقهم فلأن أمواتهم في صدر الإسلام كانوا كفرة فمنعوا عن زيارة قبورهم فلما كثر أموات المسلمين أجازهم زيارتهم لما فيها من العبرة لأهل الحياة ومنفعة الدعوة للأموات فهذا حديث اجتمع فيه الناسخ والمنسوخ (وقوله) أي ويرده أيضا قوله فيما مر عن ابن عمر وغيره مرفوعا (من زار قبري) أي وجبت له شفاعتي أو حلت له شفاعتي (فقد أطلق اسم الزّيارة) أي فلم تكن الكراهة لاسم الزيارة (وقيل) أي في توجيه كلام مالك (لأنّ ذلك لما قيل) أي لقول بعضهم (إنّ الزّائر أفضل من المزور وهذا) أي الاستدلال (أيضا ليس بشيء) أي معتد به وفي نسخة ليس ببين أي بظاهر فلم يلتفت إليه (إذ ليس كلّ زائر بهذه الصّفة) بل الغالب عكسه في العرب والعادة (وليس هذا) أي هذا القول (عموما) أي عاما في كل زائر (وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَهْلِ الْجَنَّةِ زِيَارَتُهُمْ لربّهم ولم يمنع هذا اللّفظ) أي إطلاق لفظ الزيارة (في حقّه تعالى) ففي حق نبيه ﵇ بالأولى فلا يصح الاستدلال بهذا المبنى على هذا المعنى وزيد في بعض النسخ هنا (وقال أبو عمران) أي الفاسي وفي كثير من النسخ أبو عمر وهو ابن عبد البر (إِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُقَالَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ وزرنا قبر النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِاسْتِعْمَالِ النَّاسِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ بَعْضُهُمْ لبعض) أي فيما بينهم (فكره تسوية النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم مع النّاس) أي عمومهم (بِهَذَا اللَّفْظِ وَأَحَبَّ أَنْ يُخَصَّ بِأَنْ يُقَالَ سلّمنا على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) وفيه أن السلام أيضا يستعمل عاما فلا يكون التعليل تاما (وَأَيْضًا فَإِنَّ الزِّيَارَةَ مُبَاحَةٌ بَيْنَ النَّاسِ وَوَاجِبٌ شدّ الرحال) وفي نسخة شد المطيّ (إلى قبره صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ بِالْوُجُوبِ هُنَا وُجُوبَ نَدْبٍ وترغيب وتأكيد لا وجوب فرض) أي موجب تهديد وفيه أن لفظ الزيارة قضية لغوية كالحج والعمرة والصلاة والزكاة وأمثالها والوجوب والندب والنافلة من الأحكام الشرعية (والأولى عندي أن منعه) أي منع هذا القول هنالك (وكراهة مالك له) أي لذلك (لإضافته إلى قبر النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وأنه) بكسر الهمزة وفتحها (لو قال زرنا النبيّ لم يكرهه) أي مالك ومن تبعه وإنما ذلك (لقوله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا) أي كالوثن وهو الصنم (يعبد بعدي) أي بعد موتي (اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبيائهم مساجد) أي يسجدون لها كما يسجدون للأوثان كما فعله بعض النصّارى (فحمى) أي صان مالك (إضافة هذا اللّفظ) أي لفظ الزيارة (إلى القبر والتّشبّه بفعل أولئك) أي العامة (قطعا للذّريعة) أي الوسيلة (وحسما) أي قطعا (للباب) أي لفتح هذا الباب (والله أعلم) أي بالصواب وفيه أنه قد ورد بروايات متعددة التصريح بهذه اللفظة فلا يلتفت إلى هذه العلة منها ما رواه أبو داود الطيالسي من زار قبري كنت له شفيعا أو شهيدا ومنها حديث علي مرفوعا من زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ومن لم يزر قبري فقد جفاني وجاء عنه موقوفا من زار قبر
[ ٢ / ١٥١ ]
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان في جواره ﵇ على أنا إذا قلنا زرناه فالمعنى زرنا قبره لأنه لا يتصور زيارة ذاته حقيقة ولهذا المعنى ورد من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي بلفظ التشبيه مع أن المعتقد أنه وسائر الأنبياء في قبورهم من الأحياء فإنهم أولى بذلك من الشهداء بل قولنا زرنا قبره أولى من زرناه عند التحقيق والله ولي التوفيق هذا وما وقع للشعبي والنخعي وغيرهما مما يقتضي كراهة زيارة القبور شاذ لا يعول عليه لمخالفته الإجماع وقد فرط ابن تيمية من الحنابلة حيث حرم السفر لزيارة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما أفرط غيره حيث قال كون الزيارة قربة معلوم من الدين بالضرورة وجاحده محكوم عليه بالكفر ولعل الثاني أقرب إلى الصواب لأن تحريم ما أجمع العلماء فيه بالاستحباب يكون كفرا لأنه فوق تحريم المباح المتفق عليه في هذا الباب نعم يمكن حمل كلام من حرم أو كره على صورة خاصة من الزيارة من الاجتماع في وقت خاص على هيئة منكرة أو صفة مكروهة من اجتماع الرجال والنساء في وقت واحد لما فيه من اتخاذ قبره عيدا والموجب لما أورد فيه وعيدا (قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَقِيهُ وَمِمَّا لَمْ يزل) أي من قديم الأيام (من شأن من حجّ) أي من ديدن من قصد بيت الله الحرام (المرور بالمدينة) أي مدينة الإسلام لزيارته ﵇ أي إما قبل الحج وإما بعده (والقصد) أي أيضا (إِلَى الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) لما ورد فيه من مزيد المضاعفة في تلك المحال الكرام إذ قد ورد أن الصلاة فيه بمائة ألف (والتّبرّك برؤية روضته) أي خصوصا (ومنبره وقبره ومجلسه) أي محل جلوسه في المسجد ومكان صلاته عند الإسطوانات وغيرها (وملامس يديه ومواطىء قدميه) أي في نحو المنبر (والعمود الّذي كان يستند إليه) وفي نسخة يسند ففي الصحاح سندت إلى الشيء واستندت إليه بمعنى (وينزل جبريل بالوحي فيه) أي في حال استناده (عليه وبمن عمره) أي والتبرك بمن عمر مسجده مبنى ومعنى وقيل أي زاره (وقصده) أي وبمن قصده (من الصّحابة وأئمة المسلمين) أي من التابعين واتباعهم من المجتهدين والعلماء والصالحين (والاعتبار) بالرفع (بذلك) أي بما ذكره (كلّه) أي جميعه والحاصل أنه لا منع من الجمع بين النيات في تحصيل الطاعات لكن ينبغي أن يكون الغرض الأصلي بعد أداء فرض حج الإسلام زيارته ﵇ ويتبعها حضور مشاهده الكرام (وقال ابن أبي فديك) بالتصغير وثقه جماعة واحتج به أصحاب الكتب الستة (سمعت بعض من أدركت يقول:
بلغنا) أي في الحديث (أنه) أي الشأن (مَنْ وَقَفَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم فتلا هذه الآية (وهي قَوْلِهِ تَعَالَى (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) [الأحزاب: ٥٦] الظاهر أنه يقرأ ما بعدها أيضا وهو يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (ثمّ قال صلى الله تعالى عليك) الأولى أن يزيد وسلم (يا محمد) الأولى أن يقول يا نبي الله ونحوه (مَنْ يَقُولُهَا سَبْعِينَ مَرَّةً، نَادَاهُ مَلَكٌ صَلَّى الله عليك يا فلان) أي باسمه (ولم تسقط له) وفي نسخة لك (حاجة) بل ترفع والمعنى قضيت كل حاجة له دنيوية أو أخروية والحديث رواه البيهقي
[ ٢ / ١٥٢ ]
من طريق ابن أبي الدنيا (وعن يزيد بن أبي سعيد المهريّ) بفتح ميم وسكون هاء فراء فياء نسبة (قَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَمَّا ودّعته قال: لي إليك حاجة) أي وهي إنك (إِذَا أَتَيْتَ الْمَدِينَةَ سَتَرَى قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) أي حقيقة أو مجازا وهو محله وحوله (فأقره منّي السّلام) يجوز قطع همزة وكسر رائه ويجوز وصل أوله وفتح عينه والحديث رواه ابن أبي الدنيا من طريق البيهقي في الشعب عنه (قال غيره) أي غير المهري وهو حاتم بن وردان كما رواه البيهقي في شعب الإيمان (وكان) أي عمر بن عبد العزيز (يبرد) بضم ياء وسكون موحدة وكسر راء أي يوجه ويسير (إليه البريد من الشّام) أي إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم القاصد من الشام ليقرأه منه السلام (قَالَ بَعْضُهُمْ رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَتَى قبر النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فوقف) أي بين يديه (فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ فسلّم على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ثمّ انصرف) لا يعرف استحباب رفع اليدين في ذلك المقام عن أحد من الأعلام ولعله دعا الله سبحانه وتشفع به ﵇ (وقال مالك في رواية ابن وهب) أي عنه (إذا سلّم) أي هو أو أحد (على النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَا يَقِفُ وَوَجْهُهُ إِلَى الْقَبْرِ لا إلى القبلة) وذهب بعض أرباب المناسك أن الزائر يسلم أولا وهو متوجه إلى القبر ثم يدعو الله وهو مستقبل القبلة فوق رأسه ﵊ (ويدنو) أي ويقرب إلى القبر قربا يناسب الأدب (ويسلّم ولا يمسّ القبر) وكذا جدار قبته وشبابيك حجرته ﵇ (بيده) ولا بفمه لعدم وروده عن الصحابة الكرام ولأنه أقرب إلى مقام الأدب لأن ذلك من عادة النصارى على ما نقله الغزالي (وقال) أي مالك (في المبسوطة لا أرى) أي لا أجوز (أن يقف) أي أحد (عند قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يدعو ولكن يسلّم ويمضي) هذا بظاهره يناقض ما سبق عنه اللهم إلا أن يقال هذا بيان الأكمل فتأمل (قال ابن أبي مليكة) بالتصغير تابعي تيمي مؤذن ابن الزبير وقاضيه قال بعثني ابن الزبير على قضاء الطائف فكنت أسأل ابن عباس وأما أبو مليكة فصحابي (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقُومَ وِجَاهَ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) بكسر الواو ويضم أي في مواجهته ومقابلته (فليجعل القنديل) بكسر القاف معروف وأما بفتحه فهو عظيم الرأس (الّذي في القبلة) أي في جهتها (عند القبر على رأسه) أي محاذيا لرأسه (وقال نافع) هو مولى ابن عمر من أئمة التابعين وأعلامهم (كان ابن عمر يسلّم على القبر) أي على من فيه (رأيته) أي ابن عمر بفعل ذلك (مائة مرّة وأكثر) وفي نسخة أو أكثر بمعنى بل أكثر (يَجِيءُ إِلَى الْقَبْرِ فَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَامُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ السَّلَامُ على أبي) وفي نسخة السلام على أبي حفص وهو كنية عمر وهذا أقرب إلى الأدب (ثمّ ينصرف) أي ولم يزد على ذلك رواه البيهقي وغيره (ورؤي) وفي نسخة ورئي أي أبصر (ابْنُ عُمَرَ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى مَقْعَدِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي موضع قعوده (من المنبر ثمّ وضعها) أي يده (على وجهه) رواه ابن سعد عن عبد الرحمن بن عبد القارىء أنه
[ ٢ / ١٥٣ ]
رآه وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى مَقْعَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم (وعن ابن قسيط) بفتح قاف فكسر مهملة أو بالتصغير وهو الأصح (والعتبيّ) بضم عين فسكون فوقية فموحدة (كان أصحاب النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم إذا خلا المسجد) أي من عامة الناس (جسّوا) بفتح الجيم وتشديد السين المهملة أي حسو ومسوا (رمّانة المنبر) أي العقدة المشابهة للرمانة (التي تلي القبر) يعني التي كان يأخذها ﵇ بيمينه (بميامنهم) متعلق بجسوا أي تمسحوا بأيمانهم طلبا لليمن والبركة في زيادة الإيمان وإيقان الإحسان (ثمّ استقبلوا القبلة يدعون) أي الله سبحانه بهذه الوسيلة المشتملة على الفضيلة رواه ابن سعد (وَفِي الْمُوَطَّأِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللّيثيّ) هو عالم الأندلس (أنّه) أي ابن عمر (كَانَ يَقِفُ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي عند قبره كما في نسخة (فَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) أي وهو في مكان يجمع بينهم في السلام من غير تغيير المقام في القيام (وعند ابن القاسم) وهو فقيه مصر (والقعنبيّ) وهو أحد الأعلام وروى عنه البخاري ومسلم وغيرهما (ويدعو لأبي بكر وعمر) أي بدل لفظة وعلى أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ (قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وهب) وهو عالم مصر (يقول المسلّم) بتشديد اللام المكسورة أي الزائر (السّلام) ويروى سلام (عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ: قَالَ) أي مالك (في المبسوطة ويسلّم على أبي بكر وعمر) بأي لفظ كان (قال القاضي أبو الوليد الباجيّ) بالموحدة والجيم وهو أحد الأعلام (وعندي أنّه يدعو للنبي بلفظ الصّلاة) أي بأن يقول الصلاة عليك يا نبي الله أو الصلاة على رسول الله ولا شك أن الجمع بينها وبين السلام أفضل وأكمل كما دل عليه قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (ولأبي بكر وعمر) يعني ويدعو لهما أيضا (كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنَ الْخِلَافِ) أي المتقدم حيث جاء في رواية أخرى عنه أنه كان يقول السلام على النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَامُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ السَّلَامُ على أبي وفي رواية أخرى عنه أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر وقد تقدم أن الصلاة على غير الأنبياء تكره استقلالا فكيف يصح قول الباجي عندي أنه يدعو للنبي بلفظ الصلاة ولأبي بكر وعمر وغايته أن حديث ابن عمر في الرواية الثانية أن ذكر الصلاة عليهما وقع تبعا أو تغليبا والحاصل أن الأفضل هو الجمع بين الصلاة والسلام للنبي الأكمل وأما صاحباه فنخصهما بلفظ السلام فتأمل فإنه القول المعول (وقال ابن حبيب) أحد الأئمة ومصنف الواضحة (ويقول) أي الزائر (إذا دخل مسجد الرّسول) أي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقد كره بعض العلماء إطلاق الرسول من غير الإضافة إلى الله سبحانه لتوهم معناه اللغوي (باسم الله وسلام) أي تمام (على رسول الله السّلام) وفي نسخة ﵊ (السلام علينا) أي وعلى عباد الله الصالحين (من ربّنا) أي من جانبه ومن لطفه وكرمه (وصلى الله وملائكته) الأولى زيادة وسلم (عَلَى مُحَمَّدٍ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لي أبواب رحمتك وجنّتك) أي بتوفيق اكتساب طاعتك واجتناب معصيتك
[ ٢ / ١٥٤ ]
(واحفظني من الشّيطان الرّجيم) أي من وساوسه وهو اجسه (ثمّ اقصد) فيه التفات أي ثم توجه (إلى الرّوضة) أي الشريفة المطهرة (وَهِيَ مَا بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ فَارْكَعْ فِيهَا) أي صل (ركعتين) أي قياما بحق الربوبية كما اقتضته العبودية (قبل وقوفك بالقبر) أي الشريف للزيارة المصطفوية وأداء التحية النبوية (تحمد الله تعالى) أي حال كونك تثني على الله سبحانه (فيهما) أي في الركعتين وفي نسخة فيهما أي في الصلاة أو في الروضة (وتسأله) أي الله فيهما أو بعد الفراغ منها (تمام ما خرجت إليه) أي من المقاصد (والعون عليه) أي في جميع المراصد (وإن كانت ركعتاك) وهما تحية المسجد (في غير الرّوضة أجز أتاك) أي كفتاك عن السنة (وفي الرّوضة) وكذا في المواضع الفاضلة في المسجد (أفضل) أي لورود الأحاديث في فضلها (وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم ما بين بيتي) أي المختص بعائشة المعبر عنه في رواية ما بين قبري (ومنبري روضة من رياض الجنّة) إما حقيقة بأن ينتقل إليها حال وصولها وإما وسيلة بأن تكون العبادة فيها سببا لدخولها وباعثة لوصولها فقد قال القتيبي معناه أن الصلاة والذكر في هذا الموضع يورثان الجنة فكأنه قطعة منها أقول ولا منع من الجمع والله أعلم (ومنبري على ترعة) بضم فوقية فسكون راء فعين مهملة أي عتبة أو روضة مرتفعة (من ترع الجنّة) رواه أحمد بتمامه عن جابر والبزار عن أبي بكر والدارقطني عن عمر بلفظ قبري بدل بيتي ورواه بدون الجملة الأخيرة البيهقي عن أبي هريرة والطبراني في الأوسط عن ابن عمر ورواه فقط أحمد وأبو عوانة عن سهل بن سعد والترعة في الأصل الروضة على مكان مرتفع خاصة فإن كانت في مطمئن فهي روضة وورد ارتعوا في رياض الجنة يعني مجالس الذكر وفي رواية إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا وفسر الرياض بالمساجد والرتع بقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ونحو ذلك (ثمّ تقف) خبر معناه أمر أي قف أيها الزائر (بالقبر) أي قريبا منه ومقبلا عليه (متواضعا) أي مذللا في نفسه (متوقّرا) أي معظما لمن في حضرته (فتصلّي عليه وتثني بما يحضرك) أي لديه (وَتُسَلِّمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَتَدْعُو لَهُمَا) أي بالغفران والرضوان (وأكثر من الصّلاة) أي الطاعة والعبادة أو الصلاة على صاحب السعادة والسيادة (في مسجد النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم باللّيل والنّهار) أي في ساعاتهما (ولا تدع أن تأتي مسجد قبا) أي ولا تترك إتيان ذلك المسجد وزيارة ذلك المشهد فإنه كان صلى الله تعالى عليه وسلم يأتيها كل يوم سبت راكبا وماشيا وقباء يمد ويقصر ويؤنث ويذكر ويصرف ويمنع والأشهر الأكثر مده وتذكيره وصرفه (وقبور الشّهداء) أي شهداء أحد وغيرهم أي ولا تترك إتيان زيارتهم واستدعاء شفاعتهم (قال مالك في كتاب محمد) يعني واحدا من أصحابه ولعله محمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة فإنه روى عنه الموطأ (ويسلّم على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم إذا دخل) أي سلام القدوم والزيارة (وخرج) أي وإذا أراد أن يخرج سلام الموادعة (يعني) أي يريد بذلك وهو (في المدينة) أولا وآخرا (وفيما بين ذلك) أي أحيانا (قال محمد وإذا خرج) أي أراد
[ ٢ / ١٥٥ ]
الزائر أن يخرج من المدينة (جعل آخر عهده الوقوف بالقبر) أي للزيارة قياسا على طواف الوداع (وكذلك من خرج) ولو من أهل المدينة (مسافرا) أي حال كونه مريدا للسفر وهذا كله بطريق الاستحباب واستحسان الآداب الموجب لمزيد الثواب (وروى ابن وهب عن فاطمة) أي البتول الزهراء رضي الله تعالى عنها (بنت النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «إذا دخلت المسجد) قال الدلجي بفتح تاء الخطاب ولا أعلم من رواه قلت بل الصواب أن المراد به عموم الخطاب وقد سبق روايته مع مخرجها في الكتاب (فصلّ على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) وفي نسخة ضبط دخلت بكسر التاء وفصلي بياء المخاطبة (وقل) وفي نسخة وقولى فيه وفيما بعده (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَإِذَا خَرَجْتَ فَصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُلِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى) أي لأبي داود عن أبي حميد وأسيد (فليسلّم مكان فليصلّ فيه) أي في هذا المروي (وَيَقُولُ إِذَا خَرَجَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فضلك وفي أخرى اللهمّ احفظني) أي احرسني واعذني واعصمني (من الشّيطان الرّجيم) أي المطرود المبعود (وعن محمد بن سيرين) أحد أعلام التابعين (كان النّاس) أي الصحابة (يقولون إذا دخلوا المسجد) أي المسجد النبوي أو جنس المسجد الإلهي (صلّى الله وملائكة على محمد) جملة خبرية مبنى إنشائية معنى (السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ باسم الله دخلنا) أي لا باسم غيره (وباسم الله خرجنا) والمعنى دخلنا مستعينين باسمه وخرجنا مستمسكين باسمه ففي الحالين باسمه تعلقنا (وعلى الله توكّلنا) أي في جميع أحوالنا عليه اعتمدنا وجميع أمورنا إليه فوضنا (وكانوا يقولون إذا خرجوا) أي حين خروجهم من هنالك (مثل ذلك، وعن فاطمة رضي الله تعالى عنها أيضا) أي كما تقدم عنها (كان النبيّ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى محمد وسلم) وفي نسخة صلى الله تعالى عليه وسلم أخرجه أحمد والبيهقي في الدعوات (ثمّ ذكر) أي ابن سيرين (مِثْلَ حَدِيثِ فَاطِمَةَ قَبْلَ هَذَا وَفِي رِوَايَةٍ حَمِدَ اللَّهَ وَسَمَّى وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم وذكر مثله) وهذا نقل بالمعنى وقد ثبت باختلاف المبنى فلا عبرة بقول الدلجي لا أدري من رواها (وفي رواية) أي للترمذي وابن ماجه (باسم الله والسلام) وفي نسخة والصلاة (على رسول الله وعن غيرها) أي وروي عن غير فاطمة من الصحابة من طرق متعددة فلا يضر قول الدلجي لم أقف عليه لأن من حفظ حجة على غيره وكذا لا التفات إلى قول الحلبي لا أعرفه بعينه لأنه يكفي أن المصنف رواه وهو حافظ ثقة حجة (كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا دخل المسجد) أي حقيقة أو إذا أراد دخوله (قال اللهمّ افتح لي أبواب رحمتك) أي الدينية والأخروية (ويسّر لي أبواب رزقك) أي الحسية والمعنوية (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فليصلّ على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وليقل اللهمّ افتح لي) أي أبواب رحمتك رواه ابن ماجه والنسائي في عمل اليوم والليلة وابن حبان وابن خزيمة (وقال مالك
[ ٢ / ١٥٦ ]
فِي الْمَبْسُوطِ وَلَيْسَ يَلْزَمُ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وخرج منه من أهل المدينة) أي كلما دخل به وخرج منه (الوقوف بالقبر) أي للزيارة (وإنّما ذلك) أي لازم (للغرباء) أي من الزائرين دون المقيمين وهذا كما قاله العلماء من أن الصلاة النافلة في مكة أفضل لأهل الإقامة والطواف أفضل للغرباء النازلة (وقال) أي مالك رحمه الله تعالى (فيه) أي في المبسوط (أيضا لا بأس لمن قدم) بكسر الدال أي نزل (من سفر) أي من أهل المدينة وغيرهم (أو خرج إلى سَفَرٍ أَنْ يَقِفَ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم فيصلّي عليه ويدعو له) أي بالسلام (ولأبي بكر وعمر فقيل له) أي لمالك (إنّ ناسا من أهل المدينة لا يقدمون) بفتح الدال أي لا يجيئون (من سفر ولا يريدونه) أي ولا يقصدون السفر غالبا وهم مع ذلك (يفعلون ذلك) أي الوقوف على القبر للزيارة (فِي الْيَوْمِ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ وَرُبَّمَا وَقَفُوا) أي تأخروا (في الجمعة) بضم الجيم والميم ويسكن أي في الأسبوع (أو في الأيّام) أي ولو أكثر من الجمعة (المرّة) أي تارة (أو أكثر) أي أخرى (عِنْدَ الْقَبْرِ فَيُسَلِّمُونَ وَيَدْعُونَ سَاعَةً فَقَالَ لَمْ يَبْلُغْنِي هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ) أي من المتقدمين (ببلدنا) يعني المدينة (وتركه واسع) أي جائز يعني ولو فعله فسائغ لأنه كما قال ابن مسعود ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن والقياس بوقت الوفاة على حال الحياة صحيح ولا شك أن الصحابة كانوا يكثرون السلام عليه في حال حياته ويتشرفون بتكرار ملاقاته ويتبركون بأخذ الفيض من أنوار بركاته فأي مانع من التردد على بابه والتوسل إلى جنابه على أنه قد ثبت من صلى عليه نائيا بلغه ومن صلى عليه عند قبره سمعه نعم إن كانت الكثرة توجب الملالة فلا شك أن يقال في حقها الكراهة كما يشير إليه حديث زرغبا تزدد حبا وأما عند كثرة الشوق ومزية الذوق فلا سبيل إلى المنع من تلك الحضرة ولو على سبيل المداومة كما يدل عليه حديث أبي بن كعب في تكثير الصلاة والسلام عليه والحاصل أن تكثيرها مستحب بالإجماع فايقاعها أولى في أفضل البقاع ولعل السلف الصالح كان عندهم أمور أهم من ذلك فكانت تشغلهم عن كثرة الوقوف هنالك وكذا نقول إن طلب العلم وتحصيله وتدريسه وتصنيفه إذا كان خالصا في طريقه أفضل من كثرة الطواف والزيادة بل أكمل من حج النافلة وقصد العمرة فاندفع بما قررنا وارتفع بما حررنا ما يفهم من ظاهر قوله (وَلَا يُصْلِحُ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ أَوَّلِ هَذِهِ الأمّة وصدرها أنّهم كانوا يفعلون ذلك) وقدمنا عذرهم أنهم كانوا يشتغلون بأمور كانت أهم هنالك (ويكره) أي الوقوف للزيارة من أهل المدينة (إِلَّا لِمَنْ جَاءَ مِنْ سَفَرٍ أَوْ أَرَادَهُ) أي السفر (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِذَا خَرَجُوا مِنْهَا أَوْ دَخَلُوهَا أَتَوُا الْقَبْرَ فَسَلَّمُوا) لا شك أن الزيارة في تينك الحالتين أكثر استحبابا وأظهر آدابا لكن لا يلزم منه أنهم لم يكونوا فيما بين ذلك من الواقفين هنالك وقد سبق عن نافع أن ابن عمر كان يسلم على القبر رأيته مائة مرة أو أكثر ولا شك أنه كان من أهل المدينة فتدبر (قال) أي ابن القاسم (وذلك رأي) أي المختار المطابق لظاهر قول مالك (قال الباجيّ) وهو بالموحدة والجيم (ففرق) أي مالك
[ ٢ / ١٥٧ ]
وفي نسخة بفتح فسكون أي فصل وفارق (بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْغُرَبَاءِ لِأَنَّ الْغُرَبَاءَ قَصَدُوا لذلك) أي في رحلتهم (وَأَهْلَ الْمَدِينَةِ مُقِيمُونَ بِهَا لَمْ يَقْصِدُوهَا مِنْ أجل القبر والتّسليم) أي على صاحبه وفيه أنه لا يلزمهم ترك ذلك وأي مانع لما هنالك فهل ترى أحدا قال بأن الغرباء لهم الطواف حول الكعبة لأنهم قصدوها في سفرهم دون أهل مكة حيث لم يقصدوها في إقامتهم (وقال ﵊) كما روى مالك في الموطأ عن عطاء بن يسار مرسلا وعبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم (اللهمّ لا تجعل قبري وثنا يعبد) أي صنما يعبد من دون الله تعالى وإنما قاله خوفا على أمته وأهل ملته أن يفعلوا مثل جهلة أهل الكتاب بالنسبة إلى القبور أنبيائهم ومشاهد أصفيائهم ولذا قال ﵊ (اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبيائهم مساجد) أي مسجودا بها ومشهودا فيها حيث عبدوها (وقال) أي النبي ﵊ (لا تجعلوا قبري عيدا) رواه أبي شيبة موصولا عن علي وسعيد بن منصور في سننه مرسلا من طريقتين وتقدم تحقيق بيانه وتدقيق برهانه (وَمِنْ كِتَابِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الْهِنْدِيِّ فِيمَنْ وقف بالقبر: لا يلصق به) لأنه ناشىء عن قلة الأدب مع رسول الرب (ولا يمسّه) أي لعدم وروده بل ورد النهي عن مسه ولمسه (ولا يقف عنده طويلا) أي وقوفا طويلا أو زمانا طويلا خوفا من الرياء والسمعة أو من الملالة والسآمة (وفي العتبيّة) بضم العين المهملة وسكون الفوقية وكسر موحدة وتشديد تحتية منسوبة إلى فقيه الأندلس محمد بن أحمد بن عبد العزيز العتبي القرطبي مصنفها وهو من موالي عتبة بن أبي سفيان أخذ عن يحيى بن يحيى الليثي وطبقته (يبدأ بالرّكوع) أي بصلاة التحية للمسجد (قبل السّلام) أي على سيد الأنام حين دخوله (في مسجد النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي قياسا على حال حياته فإنه قد ورد أن واحدا من الصحابة دخل المسجد فجاء وسلم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له ارجع وصل ركعتين ثم سلم علي وفيه إيماء إلى تقديم الحرمة الربوبية على تعظيم الخدمة النبوية (وَأَحَبُّ مَوَاضِعِ التَّنَفُّلِ فِيهِ مُصَلَّى النَّبِيِّ حَيْثُ العمود المخلّق) بضم ميم وفتح خاء معجمة ولام مشددة مفتوحة أي المبخر أو المطلى بالخلوق بفتح أوله وهو نوع من الطيب المعبق (وأمّا في الفريضة فالتّقدّم إلى الصّفوف) أي أفضل للمأمومين وأما الإمام فلا شك أن مقامه أفضل مصلاه الأكمل (والتّنفّل فيه) أي في مصلاه بل في جميع مسجده أفضل (للغرباء) دون أهل المدينة لحديث ورد بذلك (أحبّ إليّ) وكذا إلى غيره (من التّنفّل في البيوت) ولعل وجهه أن لا مضاعفة في الصلاة في غير المسجد من مواضع المدينة بخلاف ذلك في مكة فإن الحرم كله تضاعف فيه الحسنة بمائة ألف فالنون في البيوت أفضل لهم ولو كانوا من الغرباء.
فصل (فِيمَا يَلْزَمُ مَنْ دَخَلَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم من الأدب)
وفي نسخة من
[ ٢ / ١٥٨ ]
الآداب (سوى ما قدّمناه) أي من أنواع الاستحباب (وفضله) أي فضل مسجده (وفضل الصّلاة فيه) أي وما يتعلق به (وفي مسجد مكّة) طردا للباب وما يتعلق به من بعض الأبواب (وذكر قبره ومنبره) أي وشرف ما بينهما وقدره (وفضل سكنى المدينة ومكّة) أي سكانهما ومجاوري مكانهما وقدم المدينة بناء على معتقد مالك ومن وافقه على ذلك (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) [التوبة: ١٠٨] واختلف المفسرون في المراد به (روي أنّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ أَيُّ مَسْجِدٍ هُوَ قَالَ مسجدي هذا) رواه مسلم والترمذي وصححه والنسائي عن أبي سعيد وأحمد عن أبي بن كعب وسهل بن سعد وفي رواية لمسلم هو مسجدكم هذا مسجد المدينة فكان الأولى للمصنف أن يقول فقد ورد أو ثبت إذ روى بصيغة المجهول موضوعة للتمريض غالبا (وهو قول ابن المسيّب) بفتح الياء وكسرها وهو من أكابر التابعين فكان الأولى أن يؤخره عن قوله (وزيد بن ثابت وابن عمر) ثم يقول بعده (ومالك بن أنس وغيرهم) وأما ما ذكره الحلبي من أن اللائق تقديم ابن عمر على زيد بن ثابت فغير ثابت لأن زيدا من أكابر الصحابة وممن أخذ عنه ابن عباس وغيره وهو أجل كتبة الوحي وقد ورد في حقه أفرضكم زيد أي أعلمكم بالفرائض وهو إمام في علم القراءة والكتابة وغيرهما وابن عمر من صغار الصحابة والطبقة الثانية منهم رضي الله تعالى عنهم (وعن ابن عباس أنّه مسجد قباء) أي لأنه اسسه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وصلى فيه أيام إقامته بها من يوم الاثنين إلى يوم الجمعة وهو أوفق للقصة في سبب نزول الآية فقد روي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء سألوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف فبنوا مسجدا فقالوا قد بنينا مسجدا لذي الحاجة والعلة فصل فيه حتى تتخذه مصلى فقال أنا على جناح سفر وإذا قدمنا إن شاء الله تعالى صلينا فيه فلما رجع كرروا عليه فنزلت ويؤيده أنه روى البخاري في تاريخه وجماعة عن محمد بن عبد الله بن سلام أنه قاله لما أتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المسجد الذي أسس على التقوى مسجد قباء قال إن الله تعالى قد أثنى عليكم في الطهور خيرا أفلا تخبروني فقالوا يا رسول الله إنا لنجد مكتوبا علينا في التوراة الاستنجاء بالماء ونحن نفعله اليوم كذا ذكره شيخ مشايخنا الحافظ السيوطي في الدر المنثور في التفسير المأثور ويقويه ما رواه الترمذي وأبو داود أن هذه الآية نزلت في أهل قباء فيه رجال يحبون أن يتطهروا وكذا ما رواه ابن ماجه أن هذه الآية لما نزلت فيه رجال قال ﵊ واقفا على باب مسجد قباء يا معشر الأنصاري أن الله تعالى قد أثنى عليكم في الطهور فما طهوركم الحديث وعندي أن الجمع ممكن بأن يراد به جنس المسجد الذي أسس على التقوى وأن ما ذكر من الطهور لأهل قباء لا ينافي الحمل على أهل مسجده من الأنصار والله أعلم بحقائق الأخبار ودقائق الأسرار (حدّثنا هشام) وفي نسخة هاشم (بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا الحسين) بالتصغير والأصح كما في
[ ٢ / ١٥٩ ]
نسخة الحسن (بن محمد الحافظ) أي حافظ عصره ومحدث دهره وهو الغساني (ثنا) أي قال حدثنا (أبو عمر النّمريّ) بفتح النون وكسر الميم وهو ابن عبد البر حافظ الغرب (حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ حَدَّثَنَا أبو بكر بن داسة حدثنا أبو داود) أي صاحب السنن (حدّثنا مسدّد) بفتح الدال الأولى مشددة (حدّثنا سفيان) أي ابن عيينة (عن الزّهريّ) وهو الإمام ابن شهاب (عن سعيد بن المسيّب) من قيل فيه أنه أفضل التابعين (عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال لا تشدّ الرّحال) جمع راحلة وهي الصالحة لأن ترحل أو يشد الرحل عليها والرحل للبعير كالسراج للفرس والمعنيان يحتملان هنا وفي النهاية الراحلة من الرحيل البعير القوي على الاسفار والاحمال للذكر والأنثى والهاء للمبالغة ومنه قوله ﵊ الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة والمعنى لا ينبغي أن تركب دابة لزيارة مسجد من المساجد (إلّا إلى ثلاثة مساجد) لفضلها على غيرها في كونها مشاهد (مسجد الحرام) بالجر يدل من الثلاثة وفي نسخة المسجد الحرام والمراد به المسجد الذي في بلد الله الحرام المحترم عند سائر الأنام وهو أفضلها كما يشير إليه تقديمه في هذا الحديث ومزيد المضاعفة فيها كما في أخبار كثيرة وآثار شهيرة (ومسجدي هذا) يعني مسجد المدينة احترازا من نحو مسجد قباء فلا يدل على حصر فضل مسجده على ما كان مشارا إليه في مشهده (والمسجد الأقصى) وهو الأبعد من المساجد بالنسبة إلى العرب وهو الذي بيت المقدس وهو مسجد كثير من الأنبياء وقد دخله ﵊ وصلى فيه في ليلة الإسراء وقد أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وفيه تنبيه نبيه على أنه ينبغي للعاقل أن لا يشتغل إلا بما فيه صلاح دنيوي وفلاح أخروي ولما كان ما عدا المساجد الثلاثة متساوي المرتبة في الشرف والفضيلة وكان التنقل والارتحال لأجله عبثا من غير المنفعة نهى الشارع عنه لأن لا تشد خبر وقع نفيا وأراد به نهيا (وقد تقدّمت الآثار في الصلاة والسلام) ويروى التسليم (على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم عند دخول المسجد) أي مطلق المساجد فبالأولى مراعاتها في أفضل المساجد (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄) الصواب ترك الياء في آخره كما بينا وجهه أولا (أنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا دخل المسجد) أي جنسه (قال أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم) أي ذاته (وسلطانه القديم من الشّيطان الرّجيم) رواه أبو داود (وقال مالك) أي فيما رواه البخاري والنسائي (سمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه صوتا) أي عظيما (في المسجد) أي مسجد المدينة (فدعا بصاحبه) أي طلب صاحب الصوت (فقال ممّن أنت) يروى من أنت (قال رجل من ثقيف) أي من أهل الطائف (قال لو كنت من هاتين القريتين) أي مكة والمدينة أي لفعلت نكالا أو لعذبتك أو لعزرتك وفي نسخة صحيحة لأدبتك (إنّ مسجدنا) أي أهل المدينة خصوصا (لا يرفع فيه الصّوت) أي لما ورد من قوله تعالى لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وهو حي حاضر بعد مماته كما كان في حال حياته فيكون موجبا
[ ٢ / ١٦٠ ]
لمراعاته وقد قال بعض علمائنا إن رفع الصوت في المساجد ولو بالذكر حرام لما يشوش على أهلها العبادة ويشغل خاطرهم عما تتعلق به الإرادة قال الدلجي وقد اتفق العلماء عليه بشهادة الحصر في حديث إنما بنيت المساجد للذكر والعبادة هذا وفي صحيح البخاري بسنده إلى السائب بن يزيد هو الكندي وله صحبة كنت قائما في المسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال اذهب فأتني بهذين فجئته بهما فقال ممن أنتما أو من أين أنتما قالا من أهل الطائف قال لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولعله سامحهما لكونهما قريبي العهد من الإيمان والإسلام وآدابهما أو لكونهما من الغرباء فأوجب مراعاة حالهما (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أن يعتمد) وفي نسخة صحيحة أن يتعمد أي يقصد (المسجد) أي فيه (برفع الصّوت ولا بشيء من الأذى) أي من دخوله فيه أو رميه من بصاق ونحوه (وأن ينزّه عمّا يكره) أي من بيعه وشرائه وحلاقة رأسه وقص ظفره وقتل قملة ونحوها فإن المساجد لم تبن لذلك وإنما بنيت لذكر الله ولما يناسب هنالك (قال القاضي) يعني المصنف (حَكَى ذَلِكَ كُلَّهُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ فِي مَبْسُوطِهِ) وهو الإمام شيخ الإسلام إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي مولاهم البصري ثم البغدادي المالكي الحافظ صاحب التصانيف ولد سنة ستع وتسعين ومائة وقرأ على قالون وتفقه وأخذ علم الحديث وقاله عن ابن المديني روى عنه جماعة وتفقه عليه طائفة قال الخطيب كان عالما متقنا فقيها شرح مذهب مالك واحتج له وصنف المسند وصنف في علوم القرآن وله كتاب أحكام القرآن لم يسبق إلى مثله وكتاب معاني القرآن وكتاب القراآت واستوطن بغداد وولى قضاءها إلى أن توفي وقال غيره صنف موطأ وصنف كتابا كبيرا نحو مائة جزء في الرد على محمد بن الحسن لم يتمه توفي إسماعيل فجأة في ذي الحجة سنة اثنين وثمانين ومائتين وروى النسائي في الكنى عن إبراهيم بن موسى عن إسماعيل القاضي عن ابن المديني والحاصل أنه ذكر فيه (فِي بَابِ فَضْلِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم والعلماء كلّهم متّفقون أنّ حكم سائر المساجد هذا الحكم) أقول لكن لا شبهة في تفاوت مراتب المساجد في هذا الحكم وغيره من المقاصد (قَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ويكره في مسجد الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم الجهر) أي رفع الصوت (على المصلّين فيما يخلّط) بتشديد اللام المكسورة أي يلبس ويشبه (عليهم صلاتهم) أي من جهة قراآتهم وعدد ركعاتهم (وَلَيْسَ مِمَّا يُخَصُّ بِهِ الْمَسَاجِدُ رَفْعُ الصَّوْتِ) أي بالكلام فرفع الصوت مرفوع على أنه اسم ليس ومما يخص محله النصب على الخبر والمساجد مرفوع على أنه نائب الفاعل (قد كره) بصيغة المفعول أي كره جماعة (رفع الصّوت بالتّلبية) أي مع كونها ذكرا وسنة (في مساجد الجماعات إلّا المسجد الحرام ومسجد منى) أقول هذا الاستثناء إنما هو على مقتضى مذهبه ومختار مشربه وإلا الصحيح من مذهبنا أنه يكره رفع الصوت مطلقا في جميع
[ ٢ / ١٦١ ]
المساجد لأنه لا فرق في العلة المانعة منه في كل المساجد وفي نسخة ومسجدنا قال الانطاكي كذا وقع في النسخ التي وقفت عليها والظاهر أنه تصحيف إنه لا معنى لإضافة المسجد إلى القائل هنا ولعل الصواب ومسجد منى فقد قال السروجي في شرح الهداية وقال مالك لا يرفع المحرم صوته بالتلبية في مساجد الجماعات لأنها لم تبن لها إلا في المسجد الحرام ومسجد منى قال وخالف الجماعة فيه وقد لبى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في مسجد ذي الحليفة دبر صلاته ورووا تلبيته صلى الله تعالى عليه وسلم ولو لم يرفع بها صوته لما حفظوها منه هذا لفظه بحروفه انتهى كلام الانطاكي وفيه أن تلبيته في مسجد ذي الحليفة ليس كسائر المساجد إذ هو ليس من مساجد الجماعات بل مسجد موضوع للاحرام وما يتعلق به من الصلاة والتلبية والحاصل أن مذهب الحنفية يستحب التلبية في المسجد الحرام ومنى وسائر المساجد التي في بقاع الحرم لأنها موضع النسك ولا يستحب إظهارها في مساجد الأمصار والحل لما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سمع رجلا يلبي فقال إن هذا المجنون إنما التلبية إذا برزت كذا في الكافي أحكام المساجد للشافعية يستحب التلبية في المسجد الحرام وفي مسجد منى وإبراهيم بعرفات وفي استحبابه في سائر المساجد قولان الجديد الأصح أنه يستحب والقديم لا لئلا يشوش انتهى وقد علم بما ذكرنا أن الخلاف في رفع الصوت المشوش وأما أمر الإضافة فسهل إذا كان القائل مثلا في مسجد نمرة أن مسجد الخيف والله تعالى أعلم (وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه) أي فيما رواه الشيخان (عنه صلى الله تعالى عليه وسلم صلاة في مسجدي هذا) أي مسجد المدينة وقال النووي المضاعفة فيه مختصة بما كان في زمنه ﵊ وتحت نظره أصحابه الكرام (خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا المسجد الحرام قال القاضي) يعني المصنف (اختلف النّاس) أي العلماء فإنهم هم الناس (في معنى هذا الاستثناء) يعني إلا المسجد الحرام هل يفيد الزيادة أو النقصان أو الأستواء (على اختلافهم) قال الدلجي أي مع احتلافهم والأظهر أن علي على بابها والمعنى اختلافا مبنيا عَلَى اخْتِلَافِهِمْ (فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ) أي كون أيتهما أفضل في حق المجاورة (فذهب مالك في رواية أشهب) أي ابن عبد العزيز (عنه) أي عن مالك (وقاله ابن نافع صاحبه) أي صاحب أشهب أو صاحب مالك (وجماعة أصحابه) كذا بالإضافة وفي نسخة وجماعة من أصحابه أي من أصحاب مالك عنه (إلى أنّ معنى الحديث) أي مراده ومقتضاه بحسب مبناه ومفهوم معناه (أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ بِدُونِ الألف) يعني فالاستثناء لبيان النقص في الجملة وسيأتي ما يرد هذه المقولة (واحتجوا بما روي) أي في مسند الحميدي (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ صلاة فيما سواه) وفيه أنه يدل على أن صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَيْرٌ
[ ٢ / ١٦٢ ]
من مائة صلاة في مسجد المدينة لأنه داخل فيما سواه من غير ذكر استثناء في مبناه فلا يتم قوله تبعا لهم (فتأتي فضيلة مسجد الرّسول صلى الله تعالى عليه وسلم بتسعمائة وعلى غيره بألف) وسيأتي ما يناقضه ويعارضه بما هو أصح في هذا الباب مما روي عن عمر بن الخطاب والله أعلم بالصواب (وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ) أقول بل تفضيل المدينة على مكة مبني على هذا إذ سبب تفضيل المكانين بموجب تشريف المسجدين وإلا فلا شك أن مكة لكونها من الحرم المحترم إجماعا أفضل من نفس المدينة ما عدا التربة السكينة فإنها أفضل من الكعبة بل من العرش على ما قاله جماعة على أنه لا فضيلة في العبادة بالمدينة خارج مسجدها لعدم تعلق المضاعفة في الحسنة بها بخلاف مكة وما حولها من الحرام المحترم والله تعالى أعلم والحاصل أنه إن ثبت افضلية مسجد المدينة يدل على أفضلية المجاورة بها لأن المقصود من السكون فيها إتيان العبادة بها (عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخطّاب رضي الله تعالى عنه) وفيه أن روايته الحديث السابق ليس لها دلالة على مذهبه اللاحق (ومالك وأكثر المدنيّين) أي علماء أهل المدينة وفقهائهم من التابعين (وذهب أهل مكّة والكوفة) ومنهم أبو حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري وحماد وعلقمة وأصحاب الشافعي وغيرهم (إلى تفضيل مكّة) لحديث النسائي وابن ماجه والترمذي وحسنه وصححه عن عبد الله بن الحمراء قال رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على الحرورة فقال والله إنك لخير أرض الله إلى الله تعالى ولولا أني أخرجت منك ما خرجت (وهو قول عطاء) وهو من أكابر التابعين (وَابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وحكاه الساجيّ) بالسين المهملة والجيم محدث البصرة وعنه أخذ الأشعري مقالة أهل الحديث وله كتاب جليل في علل الحديث ذكره الشيخ أبو إسحاق في طبقاته فقال أخذ عن الربيع والمزني وصنف كتاب اختلاف الفقهاء وكتاب علل الحديث وتوفي بالبصرة سنة سبع وثلاثمائة ذكره في الميزان وقال أحد الأثبات ما علمت فيه جرحا أصلا وقال أبو الحسن بن القطان مختلف فيه في الحديث وثقه قوم وضعفه آخرون (عن الشّافعيّ) أي نصا في هذا الباب (وحملوا الاستثناء في الحديث المتقدّم) أي عن أبي هريرة برواية الشيخين (على ظاهره) أي للزيادة (وأنّ الصّلاة في المسجد الحرام أفضل) أي منها في مسجده ﵊ (واحتجّوا) أي لتفضيل مكة على المدينة (بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم بمثل حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) أي صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام (وفيه) أي وزيد في حديث ابن الزبير (وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ في مسجدي هذا بمائة صلاة) فهذا منطوق وقع صريحا فلا يعارضه مفهوم ولو كان صحيحا والحديث هذا مما ثبت في مسند أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من حديث عبد الله بن الزبير أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد
[ ٢ / ١٦٣ ]
إلا المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا وقال النووي في شرح مسلم هذا حديث حسن رواه أحمد بن حنبل في مسنده والبيهقي وغيرهما بإسناد حسن انتهى وقد رواه ابن حبان في صحيحه هذا وقال الدلجي في قوله بمائة صلاة أسقط منه المضاف إلى صلاة أي بمائة ألف صلاة إذ قد ورد كذلك عند أحمد وابن ماجه عن جابر بإسنادين صحيحين بلفظ صلاة في مسجدي أفضل مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه فحديث ابن الزبير هذا روى أبو هريرة صدره وعمر آخره (وروى قتادة مثله) وفي نسخة وروي عن قتادة مثله أي مثل حديث ابن الزبير (فَيَأْتِي فَضْلُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى هذا) أي القول المحتج المجتمع له بحديث ابن الزبير (على الصّلاة في سائر المساجد) أي ولو مسجد المدينة (بمائة ألف) قال الحجازي يروى بمائة وألف أقول الظاهر أنه تصحيف في المبنى وتحريف في المعنى ثم اعلم إن العلماء صرحوا بأن هذه المضاعفة فيما يرجع إلى الثواب فثواب صلاة فيه يزيد على ثواب مائة ألف فيما سواه ولا يتعدى ذلك إلى الأجزاء عن الفوائت حتى لو كان عليه صلاتان فصلى في مسجد المدينة أو المسجد الحرام أو المسجد الأقصي صلاة لم تجزئه عنهما وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء خلافا لما يغتر به بعض الجهلاء (ولا خلاف) أي بين علماء الامصار (أن موضع قبره أفضل بقاع الأرض) أي بشرف قدره وكرامه عند ربه (قال القاضي أبو الوليد الباجيّ) بالموحدة والجيم (لّذي يقتضيه الحديث) أي الوارد في فضل المسجدين (مخالفة حكم مسجد مكّة لسائر المساجد) ومن جملتها مسجده ﵊ بدليل حمل الاستثناء في حديث أبي هريرة على ظاهره وحديث عمر رضي الله تعالى عَنْهُ صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَيْرٌ مِنْ مائة صلاة فيما سواه (ولا يعلم منه) أي من الحديث المذكور (حكمها) أي حكم مكة (مع المدينة) أي في أيتهما أفضل من الأخرى إلا أنه يدل على أن المجاورة بمكة والمداومة في مسجدها بالجماعة أفضل من المجاورة بالمدينة لما يترتب عليها من مزيد المضاعفة إلا أن حديث حسنات الحرم بمائة ألف إن ثبت صريح في أن نفس مكة أفضل من نفس المدينة ما عدا البقعة السكينة ومما يدل عليه أيضا ما تقدم من حديث ابن الحمراء فإنه حديث صحيح ودلالته على المدعي صريح (وذهب الطّحاويّ) وهو أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة العالم المشهور في المذهب الحنفي (إلى أنّ هذا التّفصيل) أي في المسجدين (إنّما هو في صلاة الفرض) أي لأن النافلة في البيوت أفضل (وذهب مطرّف) بضم ميم وكسر راء مشددة وهو اليساري المدني مولى ميمونة يروي عن خاله مالك ونافع القارىء وعنه البخاري وأبو زرعة (من أصحابنا) أي المالكية (إلى أنّ ذلك) أي التفضيل الوارد في الصلاة فيهما (في النّافلة أيضا) أي منضمة إلى الفريضة أخذا بظاهر عموم الحديث وكذا قاله أيضا أصحاب الشافعي على ما نقله الحلبي (قال) أي الطحاوي أو مطرف في تفضيل الصلاة والصوم فيهما (وجمعة خير من جمعة) أي
[ ٢ / ١٦٤ ]
في غيرهما بما سبق في فضلهما (ورمضان خير من رمضان) أي كذلك (وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْضِيلِ رَمَضَانَ بالمدينة وغيرها) أي من البلاد والظاهر على غيرها (حديثا نحوه) أي نحو ما ذكر قبله رواه الطبراني عن بلال بن الحارث خير من رمضان وجمعة بها خير من جمعة بحذف المفضل عليه للعموم كذا ذكره الدلجي وفي الجامع الصغير رمضان بالمدينة رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواها من البلدان وجمعة بالمدينة خير من ألف جمعة فيما سواها من البلدان رواه الطبراني والضياء عن بلال بن الحارث المزني وورد رمضان بمكة أفضل من ألف رمضان بغير مكة رواه البزار عن ابن عمر (وقال ﵊ مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجنّة) رواه أحمد والشيخان والنسائي عن عبد الله بن زيد المازني والترمذي عن أبي هريرة (ومثله) أي مثل هذا اللفظ (عن أبي هريرة وأبي سعيد) أي في الموطأ (وزادا) وفي نسخة صحيحة زاد أي أبو سعيد الخدري (منبري على حوضي) أي حقيقة أو مجازا كما سيأتي (وفي حديث آخر) وقد سبق مخرجه (ومنبري على ترعة من ترع الجنّة) بضم الفوقية وسكون الراء وقد تقدم معناها (قال الطّبريّ) الظاهر أنه محمد بن جرير (فيه) أي في الحديث الأول (مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيْتِ بَيْتٌ سُكْنَاهُ) أي مع عائشة في مبيته ومثواه (على الظّاهر) أي المتبادر من المعنى اللغوي للبيت (مع أنّه روي ما يبيّنه) أي هذا المعنى وهو قوله (بين حجرتي ومنبري والثّاني) أي ثانيهما (أنّ البيت هنا القبر) أي باعتبار مآله (وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي هَذَا الحديث كما روي) أي في بعض الروايات (بين قبري ومنبري، قال الطّبريّ) أي جمعا بين الروايات (وإذا كان قبره في بيته) أي في آخر أمره (اتَّفَقَتْ مَعَانِي الرِّوَايَاتِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهَا خِلَافٌ) في مباني الاعتبارات (لأنّ قبره في حجرته وهو) أي حجرته وذكره لتذكير خبره وهو (بيته، وقوله) أي في الحديث الآخر (ومنبري على حوضي قيل يحتمل أه منبره) أي موضعه (بِعَيْنِهِ الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ أَظْهَرُ) أي من غيره من الأقوال وذلك بأن تنقل تلك البقعة بعينها إلى أرض الآخرة فيقع من بقع أرض الحوض فيها (والثّاني أن يكون له هناك منبر) أي عند الكوثر (وَالثَّالِثُ أَنَّ قَصْدَ مِنْبَرِهِ وَالْحُضُورَ عِنْدَهُ لِمُلَازِمَةِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ يُورِدُ الْحَوْضَ وَيُوجِبُ الشُّرْبَ مِنْهُ قَالَهُ الْبَاجِيُّ، وَقَوْلُهُ: رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ يحتمل معنيين أحدهما أنّه) أي أيضا (موجب لذلك) أي لما سبق هنالك كما بينه بقوله (وأنّ الدّعاء والصّلاة فيه) أي فيما بين بيته ومنبره (يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِنَ الثَّوَابِ كَمَا قِيلَ: الْجَنَّةُ تحت ظلال السّيوف) كان حقه أن يقول كما روي فإنه حديث رواه الحاكم في مستدركه عن أبي موسى وفي معناه الجنة تحت أقدام الأمهات رواه القضاعي والخطيب في الجامع عن أنس رضي الله تعالى عنه (وَالثَّانِي أَنَّ تِلْكَ الْبُقْعَةَ قَدْ يَنْقُلُهَا اللَّهُ فتكون في الجنّة بعينها، قاله الدّاوديّ) قيل هو الذي شرح البخاري (وروى ابن عمر) أي كما رواه مسلم (وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم قال في المدينة) أي في فضلها (لا يصبر على لأوائها) بفتح اللام وسكون الهمزة والمد أي ضيق
[ ٢ / ١٦٥ ]
المدينة وعنائها (وشدّتها) أي شدة بلائها (أحد إلّا كنت له شهيدا) مبالغة شاهد أي أشهد له بما أعلم من صبره عليها (أو شفيعا) مبالغة شافع أي واشفع له (يوم القيامة) واو ههنا ليست للشك لأنه رواه جابر وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبو سعيد وأبو هريرة وأسماء بنت عميس وصفية بنت أبي عبيدة وهي تابعية على الصحيح فحديثها مرسل عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بهذا اللفظ ويبعد اتفاقهم على الشك وكذا يستحيل اتفاق رواتهم على الشك فأوهنا بمعنى الواو أو للتقسيم كما صرح به النووي فيكون شهيدا لبعض شفيعا لباقيهم أو شهيدا لمطيعهم شفيعا لمذنبهم أو شهيدا لمن مات في حياته شفيعا لمن عاش بعد موته وهذه خصوصية زائدة على شهادته في القيامة على جميع الأمم أو على أصفياء هذه الأمة وزائدة على شفاعته الكبرى للخلق أجمعين والصغرى للمذنبين وقد رود شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم في قتلى أحد أنا شهيد على هؤلاء أي شهادة خاصة توجب مزيد الرفعة والعلاء والحاصل أنه ﵊ له شهادات متكاثرة وشفاعات متظاهرة في مواقف الآخرة (وقال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (فيمن تحمّل) أي رفع حمله وأمتعته ونقلها (عن المدينة) وتحول عنها إلى غيرها (المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون) رواه الشيخان عن سفيان بن أبي زهير والمعنى لو علموا خيريتها لما فارقوها أو لو كانوا من أهل العلم لعلموا خيريتها ولصبروا على بليتها (وقال) أي النبي ﵊ كما رواه الشيخان عن جابر (إنّما المدينة كالكير) بكسر الكاف وهو كير الحداد وهو المبني من الطين أو هو الزق الذي ينفخ به النار والمبنى الكور قاله ابن الأثير (تنفي) أي المدينة (خبثها) بفتحتين أو بضم فسكون وهو منصوب على المفعولية (وينصع) بنون ساكنة فصاد مفتوحة فعين مهملة أي ويخلص وقيل يبقى ويذر (طيبها) بفتح طاء مهملة وتحتية مشددة مكسورة أو بكسر فسكون وهو مرفوع على أنه فاعل ولو روي تنصح بالتأنيث وطيبها بالنصب لكان وجها وجيها قيل هذا القول صدر عنه ﵊ على وجه التمثيل فجعل المدينة وما يصيب ساكنها من الجهد والبلاء وقحط والغلاء كمثل الكير يتميز به الخبيث من الطيب فيذهب الوسخ ويبقى نحو الذهب أزكى ما كان وأخلص وقد روي في سبب ورود الحديث أن أعرابيا بايع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأصاب الأعرابي حمى بالمدينة فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقال يا محمد أقلني بيعتي فأبى ثم جاء فقال أقلني بيعتي فأبى فخرج الأعرابي فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الحديث وعن عمر بن عبد العزيز لما خرج من المدينة التفت إليها وبكى ثم قال نخشى أن نكون ممن نفته المدينة (وقال) أي في حديث آخر رواه مسلم عن جابر (لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنَ الْمَدِينَةِ رَغْبَةً عَنْهَا) أي للزاهد فيها والإعراض عنها وعدم الميل إليها (إلّا أبدلها الله خيرا منه) أي راغبا في سكناها صابرا على بلواها (وروي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم) كما في سنن البيهقي والدارقطني عن عائشة بسند ضعيف (مَنْ مَاتَ فِي أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ
[ ٢ / ١٦٦ ]
حاجّا أو معتمرا) أي قاصدا لأحداهما وهو أعم من قول الدلجي حال كونه محرما بهما (بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ ولا عذاب وفي طريق آخر) للبيهقي في الشعب عن عمر والطبراني عن جابر وسلمان (بعث من الآمنين يوم القيامة) وفي الجامع الكبير من مات في أحد الحرمين استوجب شفاعتي وكان يوم القيامة من الآمنين رواه الطبراني والبيهقي وضعفه عن سلمان (وعن ابن عمر) أي مرفوعا رواه الترمذي وصححه وابن ماجه وابن حبان (مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا) تحريض على لزومه لها وإقامته بها ليتأتى له أن يموت فيها إطلاقا للمسبب على سببه كما في قوله تعالى وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (فإنّي أشفع لمن يموت بها) أي قبل أن أشفع لمن مات في غيرها قال التلمساني وروي فإنها تشفع وقد أجمعوا على أن الموت بالمدينة أفضل مما عداها وقد ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه اللهم ارزقني شهادة في سبيلك وموتا في بلد رسولك وقد استجاب الله تعالى دعاء وجمع له بين ما تمناه وقال الله تعالى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ أي جعله الله تعالى معبدا لهم وقبلة يعبدونه فيها ويستقبلون ويتوجهون في عباداتهم إليها (لَلَّذِي بِبَكَّةَ) وهي لغة في مكة من بكه إذا دقه لأنها تدق أعناق الجبابرة أو لأن الناس يزاحم بعضهم بعضا في الطواف وقد روي أنه ﵊ سئل عن أول بيت وضع للناس فقال المسجد الحرام ثم بيت المقدس فقيل كم بينهما فقال أربعون سنة (إلى قوله آمَنَّا) [آل عمران: ٩٦] تمامه مباركا أي كثير النفع خصوصا لمن حجه أو اعتمره وطاف حوله وشاهد حاله وهدى للعالمين أي مرشدا لهم لأنه قبلتهم ومتعبدهم فيه آيات بينات أي علامات واضحات على قدرته ﷾ وعزته وعظم شأنه مقام إبراهيم أي منها مكان قيامه وأثر قدم من إقدامه في حجر صلد قام عليه لرفع الحجارة في البناء أو حين أذن بالنداء ومن دخله أي البيت أو حرمه كان آمنا من التعرض في الدنيا ومن العذاب في العقبى وأما ما يتوهمه بعض العوام من إرجاع الضمير إلى المقام فلا يصح في المرام لأنه لا يتصور الدخول في حقيقة المقام والمعنى حوله من حوادث الأيام (قال بعض المفسرين آمنا من النّار) ويدل عليه حديث يبعث الله من هذا الحرم سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر وحديث الحجون والبقيع مقبرتا مكة والمدينة يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة وقيل مبناه خبر ومعناه أمر أي آمنوه ولا تتعرضوا له وهذا توجيه قوله (وقيل كان) وفي نسخة بل كان (يأمن من الطلب) أي طلب الثار (من أحدث حدثا) أي جنى جناية من قتل نفس أو قطع جارحة (خارجا عن الحرم ولجأ) بالهمز أي التجأ وعاذ وأما قول التلمساني وروى أو لجأ بالتنويع فلا يصح في مقام التفريع (إليه في الجاهليّة) وكذا في الأحكام الإسلامية على مقتضى قواعد علمائنا الحنفية فإنه لا يتعرض إليه ما دام في الحرم المحترم إلا أنه لا يؤوي ولا يطعم ولا يسقى حتى يضطر إلى الخروج فإذا خرج منه ولعل عادة الجاهلية كانت على الإطلاق
[ ٢ / ١٦٧ ]
وأما في الإسلام فمن أحدث حدثا في الحرم ولو دخل الكعبة يخرج منها ويقتص منه بالاتفاق (وهذا) أي قوله تعالى وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا (مثل قوله وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ) أي الكعبة وما حولها من أرض الحرم (مَثابَةً لِلنَّاسِ) أي مرجعا لهم أو مكان مثوبة لهم (وَأَمْنًا) [البقرة: ١٢٥] (على قول بعضهم) أي من العلماء الحنفية على ما قدمنا عنهم أو معناه يأمن من حجه أو اعتمره أو دخله من عذاب الآخرة أو موضع آمن لا يتعرض لأهله كقوله ﷾ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويتخطف الناس من حولهم (وحكي أنّ قوما أتوا سعدون) بفتح السين وسكون العين وضم الدال والقياس صرف سعدون وحمدون ولكنهما وقعا غير مصروفين في كتب الحديث من الأصول المعتمدة (الخولانيّ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو فنون قبل ياء النسبة (بالمنستير) بضم ميم وفتح نون ويكسر وسكون سين مهملة وفوقية مكسورة وتحتية ساكنة فراء مكان بالقيروان (فأعلموه أنّ كتامة) بضم الكاف ففوقية قبيلة من البربر (قتلوا رجلا وأضرموا) بالضاد المعجمة أي اشعلوا وأوقدوا (عليه النّار طول اللّيل فلم تعمل) أي لم تؤثر (فيه) أي شيئا كما في نسخة (وبقي) أي الرجل (أبيض اللون) أي زيادة على ما كان عليه أو تبدل سواده بياضا وهو الأظهر وفي نسخة أبيض البدن (فقال) أي سعدون (لعلّه) أي المقتول (حجّ ثلاث حجج) أي مقبولة وهي بكسر الحاء وفتح الجيم الأولى جمع حجة بفتح الحاء وكسرها (قالوا نعم) أي حج ثلاث حجج (قال حدّثت أنّ من حجّ حجّة) أي واحدة (أدّى فرضه) أي إن أقام بشرائطه وأركانه (ومن حجّ ثانية داين ربّه) أي أقرضه قرضا وفي أصل الدلجي دان ربه أي أطاعه وعبده والظاهر أنه تصحيف لما في نسخة من زيادة فينادي غدا ملك من عند الله من كان له عند الله دين فليقم (وَمَنْ حَجَّ ثَلَاثَ حِجَجٍ حَرَّمَ اللَّهُ شَعْرَهُ وبشره) أي ظاهر جلده من باهر جسده (على النّار) أي في الدنيا والآخرة (ولمّا نظر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الكعبة) أي يوم الفتح أو وقت هجرته إلى المدينة أو في حجة الوداع (قال مرحبا بك) يحتمل التأنيث والتذكير أي سهلا فضلا (من بيت ما أعظمك وأعظم حرمتك) أي قدرا رواه الطبراني في الأوسط عن جابر (وفي الحديث عنه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْعُو اللَّهَ تعالى عند الرّكن الأسود) هو حيث فيه الحجر الأسود وفي الترمذي عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم قال الترمذي حسن صحيح وقال المحب الطبري وقد اعترض بعض الملاحدة فقال كيف يسود الحجر خطايا أهل الشرك والكفران ولا يبيضه توحيد أهل المعرفة والإيمان وأجيب بأن بقاءه أسود إنما كان للاعتبار ليعلم أن الخطايا إذا أثرت في الحجر فتأثيرها في القلوب أعظم وأكثر وللحجر الأسود آيات بينات منها أنه يطفو على الماء ومنها أنه لا يسخن بالنار ومنها حفظ الله تعالى له من الضياع منذ اهبط إلى الأرض مع ما وقع من الأمور المقتضية لذهابه كالطوفان ومنها أنه يقال هلك تحته ثلاثمائة
[ ٢ / ١٦٨ ]
بعير والله تعالى أعلم (إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْمِيزَابِ) لا يعرف مخرجه إلا إنا قد روينا في رسالة الحسن البصري إلى أهل مكة أن الدعاء يستجاب في حرمها وعند البيت والركن الأسود والملتزم وتحت الميزاب وهو الذي يقال له ميزاب الرحمة قال الحسن البصري وسمعت أن عثمان بن عفان أقبل ذات يوم فقال لأصحابه ألا تسألونني من أين جئت قالوا من أين جئت يا أمير المؤمنين قال ما زلت قائما على باب الجنة وكان رضي الله تعالى عنه قائما تحت الميزاب يدعو الله تعالى وذكر الأزرقي في تاريخه عن عطاء قال من قام تحت ميزاب الكعبة فدعا استجيب له وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه (وعنه ﵊ مَنْ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَحُشِرَ يوم القيامة من الآمنين) رواه الديلمي وابن النجار ولفظهما من طاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين وشرب من ماء زمزم غفر الله ذنوبه كلها بالغة ما بلغت لكن قال السخاوي لا يصح وقد ولع به العامة كثيرا لا سيما بمكة حيث كتب على بعض جدرها الملاصق لزمزم وتعلقوا في ثبوته بمنام وشبهه مما لا يثبت الأحاديث النبوية بمثله وقد ذكره المنوفي في مختصره وقال فيه أنه باطل لا أصل له والله تعالى أعلم ثم على تقدير ضحته فهو محمول على تكفير الصغائر لقوله تعالى إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ (قال الفقيه القاضي أبو الفضل) يعني المصنف (قرأت على القاضي الحافظ أبي عليّ ﵀) هو ابن سكرة (حدّثك) وفي نسخة حدثنا (أبو العباس العذريّ) بضم العين وسكون الذال المعجمة (قال ثنا) أي حَدَّثَنَا (أَبُو أُسَامَةَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ محمد الهرويّ) بفتح الهاء والراء منسوب إلى هراة بكسر أولها مدينة عظيمة بخراسان (حدّثنا الحسن بن رشيق) بفتح الراء وكسر الشين المعجمة هو اليشكري مصري مشهور عالي السند لين الحفظ وثقه جماعة وانكر عليه الدارقطني أنه كان يصلح في أصله ويغيره (سمعت أبا الحسن) وفي نسخة أبا الحسين (محمد بن الحسن بن راشد) أي الأنصاري يروي عن وراق الحميدي (سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِدْرِيسَ سَمِعْتُ الحميديّ) بالتصغير وهو القرشي المكي الفقيه الإمام أحد الأعلام وهو من أصحاب الشافعي مات بمكة سنة تسع عشرة ومائتين وهو أول رجل أخرج له البخاري في صحيحه (قَالَ سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يقول سمعت رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَا دَعَا أَحَدٌ بِشَيْءٍ في هذا الملتزم) بضم الميم وفتح الزاء وهو ما بين الحجر الأسود وباب الكعبة قال الأزرقي ذرعه أربعة أذاع سمي بذلك لأن الناس يلتزمونه في الدعاء ويقال له المدعي والمتعوذ بفتح الواو (إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَا فما دعوت الله شيء في هذا الملتزم منذ) ويروى مذ هنا وما بعده (سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا اسْتُجِيبَ لِي، وَقَالَ عَمْرُو بن دينار) أي الراوي عن ابن عباس (وَأَنَا فَمَا دَعَوْتُ اللَّهَ تَعَالَى بِشَيْءٍ فِي هذا الملتزم منذ سمعت هذا من ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ لِي، وَقَالَ سُفْيَانُ) أي ابن عيينة الراوي
[ ٢ / ١٦٩ ]
عن عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ (وَأَنَا فَمَا دَعَوْتُ اللَّهَ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الْمُلْتَزَمِ مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا من عمرو) أي ابن دينار (إلّا استجيب لي، قال الحميديّ) وهو الراوي عن ابن عيينة (وَأَنَا فَمَا دَعَوْتُ اللَّهَ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الملتزم منذ سمعت هذا من سفيان) أي ابن عيينة (إِلَّا اسْتُجِيبَ لِي؛ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ) يعني الراوي عن الْحُمَيْدِيُّ (وَأَنَا فَمَا دَعَوْتُ اللَّهَ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الْمُلْتَزَمِ مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا مِنَ الْحُمَيْدِيِّ إلّا استجيب لي؛ وقال أبو الحسن) وفي نسخة أبو الحسين (محمد بن الحسن) وهو الراوي عن ابن إِدْرِيسَ (وَأَنَا فَمَا دَعَوْتُ اللَّهَ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الْمُلْتَزَمِ مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ إِلَّا اسْتُجِيبَ لِي؛ قَالَ أَبُو أسامة وما أذكر الحسن بن رشيق) يعني شيخه (قال فيه شيئا) أي مثل ما سبق عن بقية مشايخ السلسلة وعلى هذا فالمسلسل هنا منقطع (وَأَنَا فَمَا دَعَوْتُ اللَّهَ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الْمُلْتَزَمِ مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا مِنَ الْحَسَنِ بْنِ رَشِيقٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ لِي مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا) أي مما طلبته (وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُسْتَجَابَ لِي مِنْ أَمْرِ الآخرة) أي مما دعوته (قال العذريّ) أي الراوي عن أبي أسامة (وَأَنَا فَمَا دَعَوْتُ اللَّهَ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الْمُلْتَزَمِ مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ أَبِي أُسَامَةَ إلّا استجيب لي قال أبو عليّ) وهو تلميذ العذري وشيخ المصنف (وَأَنَا فَقَدَ دَعَوْتُ اللَّهَ فِيهِ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ استجيب لي بعضها وأنا أرجو من سعة فضله) بكسر السين وفتحها أي واسع كرمه (أن يستجيب لي بقيّتها) والأحاديث المسلسلة قلّ أن تكون متصلة وندر أن تكون صحيحة هذا وقد ذكر شيخ مشايخنا أبو الخير محمد بن الجزري في الحصن الحصين أنا قد روينا في استجابة الدعاء في الملتزم حديثا مسلسلا من طريق أهل مكة كذا ذكره مجملا من غير أن يبينه مفصلا وقد روى سعيد بن منصور والبيهقي في سننهما من طريق أبي الزبير عن ابن عباس الملتزم بين الركن والباب لا يسئل الله تعالى أحد فيه شيئا إلا أعطاه قال أبو الزبير وقد دعوت الله مرة هناك فاستجاب لي (قال القاضي أبو الفضل) لعله يعني المصنف نفسه (ذكرنا) وفي نسخة وقد ذكرنا (نبذا) بضم النون وفتح الموحدة فذال معجمة أي قدرا يسيرا (من هذه النّكت) بضم ففتح جمع النكتة وهي النقطة والمراد بها الفوائد بها الفوائد اللطيفة والعوائد المنيفة (في هذا الفصل) أي عظيم الفضل (وإن لم تكن) أي النبذ أو النكت (من الباب) أي باعتبار الأصل وإنما ذكرناها في أثناء الوصل (لِتَعَلُّقِهَا بِالْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ حِرْصًا عَلَى تَمَامِ الفائدة) أي وغاية منفعته (والله الموفّق للصّواب برحمته) وكرمه ولطفه.
[ ٢ / ١٧٠ ]
الْقِسْمُ الثَّالِثُ [فِيمَا يَجِبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم وما يستحيل في حقه وما يمتنع]
(فيما يجب للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي يثبت له ولا بد له من وقوعه (وَمَا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ أَوْ يَجُوزُ عَلَيْهِ وما يمتنع) أي مع إمكان وجوده (أَوْ يَصِحُّ مِنَ الْأَحْوَالِ الْبَشَرِيَّةِ أَنْ يُضَافَ إليه قال تعالى وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ أي من جملة الرسل لا من الملائكة الذين لا يموتون إلا عند النفخة الأولى (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) أي مضوا وانقرضوا أو بعضهم ماتوا وبعضهم قتلوا واستمر دينهم في أممهم وسيخلو محمد كمن قبله (أَفَإِنْ ماتَ) أي محمد (أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ) [آل عمران: ١٤٤] وهمزة الإنكار التوبيخي منصبة على الانقلاب وفي الآية الإيماء إلى موت الناس حتى الأنبياء وتمام الآية من ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وإنما يضر نفسه حيث يجحد ربه وسيجزي الله الشاكرين أي الثابتين على دينهم والصابرين على يقينهم كأنس بن النضر عم أنس بن مالك فإنه لما قيل له في أحد إلا أن محمدا قد قتل يا قوم إن كان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم قتل فإن ربه حي لا يموت وما تصنعون بالحياة بعده قاتلوا على ما قاتل عليه ثم قال اللهم إني أعتذر إليك مما يقولون وأبرأ منه ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل (وقال) أي الله سبحانه (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) أي لا ألوهية لها ولا نبوة وإنما هي كثيرة الصدق والتصديق بالحق (كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ) [المائدة: ٧٥] وهو مما ينافي الربوبية ولذا قيل هو كناية عن يبولان ويغوطان فهما محتاجان إلى الله أولا ومفتقران إلى دفعه ثانيا (وقال (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ) أي أحدا (مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ) أي أن شأنهم (لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ) [الْفَرْقَانِ: ٢٠] (وَقَالَ تعالى قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) أي لا أدعي أني ملك وإنما أتميز عنكم بأني (يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فمحمّد صلى الله تعالى عليه وسلم وسائر الأنبياء) أي وباقيهم ﵈ (من البشر) أي من جنس بني آدم وهو أبو البشر وسموا بشرا لظهور جلودهم إذ البشرة ظاهر الجلد (أرسلوا إلى البشر) أي من نوعهم (ولولا ذلك) أي التناسب بأن كان أرسل إليهم الملائكة (لما أطلق النّاس مقاومتهم) أي لما استطاعوا مقابلتهم وملابستهم لضعف البنية البشرية وقوة القدرة الملكية فقد ورد أن جبريل قلع قرى قوم لوط من أصولها على جناحه ثم قلبها أي جعل عاليها سافلها وصاح بثمود صيحة فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ورأى إبليس يكلم عيسى
[ ٢ / ١٧١ ]
على عقبة بالأرض المقدسة فنفخه بجناحه نفخة فألقاه على أقصى جبل بالهند (والقبول) أي ولما أطاقوا قبول الأحكام وأخذ الإسلام (عنهم) أي في تبليغهم ما أرسلوا به إليهم إذ الجنسية علة الضم قال الحجازي ويروى عليهم أقول الظاهر إنه تصحيف (ومخاطبتهم) أي ولما أطاقوا حال مكالمتهم لهم ومخالطتهم معهم (قال الله تعالى) أي في جواب جمع اقترحوا وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (وَلَوْ جَعَلْناهُ) أي الرسول الذي اقترحوه (مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا) [الأنعام: ٩] أي لأرسلناه في صورة رجل وهذا معنى قوله (أَيْ لَمَا كَانَ إِلَّا فِي صُورَةِ الْبَشَرِ الّذي) أفرد نظرا إلى لفظ البشر وفي نسخة الذين نظرا إلى معناه (يمكنكم) يروى يمكنكم (مخالطتهم) كما كان جبرائيل يصور له ﵇ في صورة دحية وغيره وفي نسخة خالطتهم (إذ لا تطيقون) أي جنس البشر (مُقَاوَمَةَ الْمَلَكِ وَمُخَاطَبَتَهُ وَرُؤْيَتَهُ إِذَا كَانَ عَلَى صورته) أي وهو على حقيقة ذاته إلا نادرا على وجه خرق العادة كما وقع لنبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أنه رأى جبريل في صورته الأصلية مرتين وتتمة جواب المقترحين وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ أي ولو جعلناه في صورة رجل لخطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم فإنهم إذا رأوه في صورته قالوا ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ فيكذبونه كما كذبوا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم (وقال) أي الله تعالى لنبيه (قالُوا) أي جوابا لقولهم أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا انكارا منهم أن يرسل الله بشرا وإقرارا بأن يصلح أن يكون الإله حجرا (لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ) أي ظاهرين كما يمشي بنو آدم فيها ساكنين (لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا أَيْ لَا يُمْكِنُ فِي سُنَّةِ اللَّهِ إِرْسَالُ الملك إلّا لمن هو من جنسه) أي لتمكنه من مخالطته وتلقنه من مخاطبته (أو من خصّه الله تعالى واصطفاه) أي بأن صفى مرآة روحه (وقوّاه على مقاومته) أي مقابلة الملك ومواجهته (كالأنبياء والرّسل) فيقومون بدعوة الخلق إلى طريق الحق وكأن المصنف ذهب في الفرق بين النبي والرسول إلى ما قاله بعضهم إن الرسول صاحب كتاب وشريعة مجددة والنبي بخلافه (فَالْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ ﵈ وَسَائِطُ بَيْنَ اللَّهِ تعالى) أي بواسطة ملائكته (وبين خلقه) أي المأمورين بطاعته وعبادته (يبلّغونهم أوامره) أي ليمتثلوها (ونواهيه) ليجتنبوها (ووعده) أي على طاعتهم (ووعيده) أي على معصيتهم (ويعرّفونهم بما لم يعلموه من أمره) أي من أمر ذاته وصفاته وأفعاله في مصنوعاته وقضائه من إيجاد وإمداد وإفناء وإبقاء وغفران ذنب وتفريج كرب ورفع قوم ووضع آخرين (وخلقه) أي وما لم يعلموه من أحوال خلقه ابتداء وانتهاء (وجلاله) وأي من بيان عظمته وهيبته وجماله من رأفته ورحمته وكماله من عنايته ورعايته (وسلطانه) أي علو شأنه وظهور برهانه (وجبروته) أي قهره وقدرته (وملكوته) أي عزته وغلبته وحاصل الكل بيان تصرفه في ملكه ومملكته لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه (فظواهرهم) أي الأنبياء (وأجسادهم وبنيتهم) أي أبدانهم المركبة
[ ٢ / ١٧٢ ]
من أشباحهم وأرواحهم أو الممتزجة من العناصر الأربعة بالوجه المعتبر (متّصفة بأوصاف البشر طارىء عليها) أي هو جار وهو من طرأ مهموز الفاء (ما يطرأ على البشر من الأعراض) أي العوارض في الأجسام (والأسقام) كسائر الأنام (والموت والفناء) أي ولعله عطف تفسير وإلا فالفناء لا يطرأ على مطلق الأرواح وأما الأشباح فقد ورد أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء (ونعوت الإنسانيّة) وفي نسخة الآدمية أي من القوى الشهوية والغضبية (وأرواحهم وبواطنهم متّصفة بأعلى) أي بأوصاف أعلى (من أوصاف البشر متعلّقة بالملاء الأعلى) بل متوجهة بالكلية إلى المولى وهو الأولى (متشبّهة) يروى مشبه (بصفات الملائكة) أي في دوام الذكر والحضور من غير السآمة والفتور وفي القوة على الطاعة والعبادة من غير الملامة ففي البخاري أنه أعطي قوة ثلاثين رجلا (سليمة من التّغيّر) أي تغير العقل المورث لتغير النقل (والآفات) أي المنافية لأرباب النبوات وأصحاب الفتوات (لا يلحقها) أي أرواحهم وأشباحهم (غالبا عجز البشريّة ولا ضعف الإنسانيّة) بفتح الضاد وضمها أي فتورها وقصورها فهم أتم أفعالا وأصدق أقوالا وأكمل أحوالا إلا أنهم قد يغشاهم فترة لطبيعتهم على نعت العلة لكن لا تخرجهم عن كمال القوة وعلو المهمة (إذ لو كانت بواطنهم) أي أسرارهم العلية (خالصة للبشريّة) أي من دواعيها (كظواهرهم) أي من لزوم مراعيها (لما أطاقوا الأخذ) أي أخذ العلم وتلقي الوحي (عن الملائكة ورؤيتهم) بالنصب أي ولا أطاقوا ملاقاتهم (ومخاطبتهم) أي مكالمتهم (ومخالّتهم) بتشديد اللام أي مخالطتهم كما في نسخة مخاللتهم بالفك وهي موادتهم ومصاحبتهم (كما لا يطيقه) أي ما ذكر من الأخذ وما بعده (غيرهم) أي غير من الأنبياء (من البشر) أي ولو كانوا من الأولياء (ولو كانت أجسامهم) أي أجسادهم كما في نسخة (وظواهرهم) أي أبشارهم (متّسمة) أي متصفة (بِنُعُوتِ الْمَلَائِكَةِ وَبِخِلَافِ صِفَاتِ الْبَشَرِ لَمَا أَطَاقَ البشر) أي من غيرهم (ومن أرسلوا) بصيغة المجهول (إليه) أي من أممهم (مخالطتهم) وفي نسخة مخاطبتهم أي الأخذ منهم والانتفاع بأمرهم ونهيهم (كما تقدّم) أي مما يدل على هذا (من قول الله تعالى) أي ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا (فجعلوا) بصيغة المجهول أي خلقوا متوسطين بين الأرواح الملكية والأشباح البشرية جامعين بين الأنوار الباطنية والأسرار الظاهرية فجبلوا (من جهة الأجسام والظّواهر مع البشر) أي متشاركين (ومن جهة الأرواح والبواطن مع الملائكة) أي متناسبين (كما قال ﵊) أي فيما رواه البخاري وغيره (لو كنت متّخذا من أمّتي خليلا) أي حبيبا تتخلل محبته خلال قلبي (لا تخذت أبا بكر خليلا) إلا أن هذه المحبة الخالصة لقلبي مختصة بمودة ربي كما يشير إليه ما روي عنه ﵊ لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل والتحقيق أن المراد بالنبي المرسل ذاته الأكمل فإنه في مقام جمع الجمع يفنى عن
[ ٢ / ١٧٣ ]
ذاته ومقاماته ويستغرق في مشاهدة ذات الله تعالى وصفاته (ولكن أخوّة الإسلام) أي حاصلة بيننا بنعت الدوام ووصف التمام (لكن صاحبكم) يعني نفسه الأنفس (خليل الرّحمن) لتخلل حبه في قلبه بحيث لا يسع فيه غير ربه (وكما قال) أي فيما رواه ابن سعد عن الحسن مرسلا (تنام عيناي ولا ينام قلبي وقال) أي فيما رواه الشيخان عن ابن عمر وأبي هريرة وأنس وعائشة جوابا لقولهم إنك تواصل فكيف تنهانا (إنّي لست كهيئتكم) أي على صفتكم وماهيتكم (إنّي أظلّ) بفتح الظاء المعجمة وتشديد اللام أي أصير أو أداوم نهارا (يطعمني ربّي ويسقيني) محلهما النصب على الخبرية لأظل إن كانت ناقصة أو على الحالية المتداخلة إن كانت تامة وفي رواية أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني إما بإفاضته سبحانه عليه ما يقوم مقام طعامه وشرابه يدفع عنه مس الجوع وألم العطش الناشىء لديه ويتقوى به على الطاعة وما يجب القيام إليه أي أو بإيصال رزق من الجنة له ليالي صيامه كما ورد أنه ﵊ كان يبيت يلتوي من الجوع ثم يصبح شبعان وهذا مبني على أن طعام الجنة لا يفطر على ما قاله ابن الملقن إن كان يظل على ظاهره الموضوع للنهار وقيل إطعام الله تعالى لا يفطر والصحيح الأول وهو أن المراد بالطعام وما يقوم مقامه من القوة لأنه لو أكل حقيقة لم يكن مواصلا ويمكن الجمع بأنه يتقوى في النهار ويأكل من طعام الجنة في الليل كما يشير إليه رواية أبيت فالوصال حاصل في الجملة له بخلاف غيره (فبواطنهم منزّهة عن الآفات) أي المخلة بنعوتهم الملكية (مطهّرة عن النّقائص والاعتلالات) أي المملة على الأجسام الحيوانية (وهذه) أي النبذة (جملة) أي قضية مجملة (لن يكتفي بمضمونها كلّ ذي همّة) أي علية (بل الأكثر) أي من ذوي الهمم الجالية (يحتاج) ويروى محتج (إلى بسط) أي للكلام في أحوالهم (وتفصيل) لما يتعلق بأفعالهم (على ما نأتي به) أي نبينه ونذكره (بعد هذا) أي البيان الإجمالي (في البابين) أي الموضوعين للمقام التفصيلي (بعون الله تعالى) أي بمعونته وتوفيق هدايته (وهو) أي الله ربي (حسبي) كافي أمري الجليل والقليل (ونعم الوكيل) أي هو أفضل من توكل إليه الأمور ويعتمد عليه وتطمئن إليه الصدور.
[ ٢ / ١٧٤ ]
الْبَابُ الْأَوَّلُ (فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالْكَلَامُ فِي عِصْمَةِ نَبِيِّنَا ﵊ وَسَائِرِ الأنبياء صلوات الله عليهم
: قال القاضي أبو الفضل رضي الله تعالى عنه) يعني المصنف وهذا من ملحقات بعض تلاميذه كما تشير إليه الترضية عنه (اعلم أنّ الطّوارىء) بالهمزة جمع الطارىء وهو ما يطرأ ويحدث (من التّغيّرات) أي الموجبة للفتورات ويروي التغييرات بياءين والأولى هو الأولى كما لا يخفى (والآفات) أي الحاصلة بالعاهات (على آحاد البشر) أي عوامهم ويروى أجساد البشر أي أبدانهم (لا يخلوا أن تطرأ) أي من أن تعرض (على جسمه) أي جسم البشر (أو على حواسّه) أي الخمس وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس (بغير قصد واختيار) أي من البشر بل بخلق الله تعالى لها فيه (كالأمراض والأسقام) أي الأوجاع والآلام (أو بقصد واختيار) أي أو أن تطرأ بهما (وكلّه) أي وكل ما ذكر مما يطرأ بغير اختيار أو باختيار (في الحقيقة عمل وفعل) بل وعقد (ولكن جرى رسم المشايخ) أي دأبهم (بتفصيلة إلى ثلاثة أنواع) أي باعتبار مواردها (عقد) بالجر والرفع (بالقلب) أي جزم وقصد به وعزم (وقول باللّسان) أي يترجم عن الجنان (وعمل بالجوارح) أي الأعضاء والأركان (وجميع البشر) أي أفرادهم من خواصهم وعوامهم (تطرأ عليهم الآفات والتّغيّرات) بضم الياء التحتية المشددة أي الحالات المختلفة بالانتقال من حالة إلى حالة كنعمة ومحنة وملك وهلك ونصر وقهر وكسر وجبر (بِالِاخْتِيَارِ وَبِغَيْرِ الِاخْتِيَارِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا والنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي جنسه (وإن كان من البشر) أي من جملتهم وعلى طبيعتهم (ويجوز على جبلّته) بكسر جيم فموحدة وبلام مشددة أي خلقته (يجوز على جبلّة البشر) أي سائرهم (فقد قامت البراهين القاطعة) أي الأدلة اليقينية (وتمّت كلمة الإجماع) أي ثبتت (عَلَى خُرُوجِهِ عَنْهُمْ وَتَنْزِيهِهِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الآفات الّتي تقع على الاختيار) أي لعصمة الله تعالى لهم منها (وعلى غير الاختيار) أي لكرامتهم على الله سبحانه فيها (كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا نأتي به من التّفاصيل) أي تبيين كل منهما في فصل على حدة.
فصل (فِي حُكْمِ عَقْدِ قَلْبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم)
وهو أحكامه ولزومه على الشيء
[ ٢ / ١٧٥ ]
وحقيقته (مِنْ وَقْتِ نُبُوَّتِهِ اعْلَمْ مَنَحَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ توفيقه) أي اعطاناه بخلقه فينا جملة دعائية اعتراضية والخطاب عام والمعنى افهم (أنّ ما تعلّق) أي الذي تعلق به قلب النبي (منه) أي بعضه ما هو (بطريق التّوحيد) أي توحيد الذات وتفريد الصفات (والعلم بالله) أي بذاته العلية (وصفاته) الثبوتية والسلبية والفعلية والإضافية (والإيمان به) أي التصديق بوجوده والتحقيق بكرمه وجوده (وبما أوحي إليه) أي من الوحي الجلي أو الخفي ليبلغه أو يعمل به (فعلى غاية المعرفة) أي بجزئياته (ووضوح العلم واليقين) أي بكلياته (والانتفاء) أي وعلى غاية التنزه (عن الجهل شيء من ذلك) أي مما ذكر من العلم المتعلق به سبحانه (أو الشّكّ) أي مطلق التردد (أو الرّيب) أي الشبهة (فيه والعصمة) أي وعلى غاية الحفظ (من كلّ ما يضاد) بتشديد الدال أي ينافي (المعرفة بذلك واليقين) أي بما هناك (هذا) أي الذي ذكرناه إجمالا من نسبته إليه (مَا وَقَعَ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ؛ وَلَا يَصِحُّ) وفي نسخة فلا يصح (بالبراهين الواضحة) أي الأدلة البينة (أن يكون في عقود الأنبياء سواه) أي غير ما تقدم (ولا يعترض على هذا) بصيغة المجهول أي وليس لأحد أن يعترض على قولنا هذا ويدفعه (بقول إبراهيم ﵇) أي حيث حكى عنه سبحانه إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ أي أما آمنت فالهمزة للتقرير ومعناه حمل المخاطب على الإقرار بإيجاب ما بعد النفي الموضوع له بلى (قال بلى) آمنت ولا شك في إيماني بإحيائك الناشىء عن قوتك وقدرتك (ولكن) سألت ما سألت (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي؛ إِذْ لَمْ يَشُكَّ إِبْرَاهِيمُ فِي إخبار الله تعالى له بإحياء الموتى) أي في الدنيا والآخرة إذ كان أثبت إيمانا وأتم إيقانا (ولكن أراد طمأنينة القلب) أي بمشاهدة فعل الرب إذ ليس الخبر كالمعاينة على ورد في الأثر (وترك المنازعة) أي بسكون النفس أو منازعة أهل المخاصمة (بمشاهدة الإحياء) وفي نسخة لمشاهدة الاحياء فاللام للعلة والباء للسببية (فحصل له العلم الأوّل) وهو علم اليقين (بوقوعه) أي بوقوع إحيائه تعالى (وأراد العلم الثّاني) وهو عين اليقين (بكيفيّته ومشاهدته) أي ملاحظة هيئته والحاصل أنه في مقام استزادة العلم إذ لا نهاية لمراتب تجليات الله وتعيناته ولذا قال لأعلم الخلق بالحق وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا وهذا الوجه الأول في دفع الاعتراض الوارد على الخليل الأكمل (الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ إِنَّمَا أراد اختبار منزلته) أي باعتبار مرتبته ورفعة مكانته (عند ربّه وعلم إجابته) أي وأراد علم إجابة الله له (دعوته) وفي نسخة إجابة دعوته وينسب إلى أصل المصنف (بسؤال ذلك من ربّه) أي بطلبه منه أن يريه كيفية الإحياء بإعادة التركيب والروح في الموتى (ويكون) وفي نسخة فيكون (قوله تعالى أَوَلَمْ تُؤْمِنْ أي تصدّق) وفي نسخة صحيحة أي ألم تصدق (بمنزلتك منّي وخلّتك) بضم الخاء وتشديد اللام أي وكونك خليلا عندي (واصطفائك) أي بالرسالة وغيرها لدي (الوجه الثالث أنه سأل زيادة يقين) أي معرفة لقبولها ضعفا (وقوّة طمأنينة) أي لأجل مشاهدة (وإن لم يكن في الأوّل) أي في المقام الأول من علم اليقين (شكّ) أي تردد وشبهة (إذ العلوم الضّروريّة) أي البديهية (والنّظريّة) أي الفكرية (قد تتفاضل
[ ٢ / ١٧٦ ]
في قوّتها) أي وتتناقص في ضعفها إلا أنه لا بد من ثبوت أصولها من غير تردد في حصولها (وطريان الشّك) أي حدوثه ووقوعه (على الضّروريّات ممتنع) أي من حيث ذاتها (ومجوّز) بفتح الواو المشددة وفي نسخة ويجوز أي طريانها وجريانها (في النّظريّات) إذ قد يلم بها الوهم ويندفع عنها الفهم (فأراد) أي إبراهيم (الانتقال من النّظر) أي السابق (أو الخبر) أي الصادق (إلى المشاهدة) أي العينية المفيدة للزيادة اليقينية (والتّرقّي) أي الصعود (مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ فَلَيْسَ الخبر كالمعاينة) وهذا اقتباس من قوله ﵊ فيما رواه أحمد وابن حبان عن ابن عباس مرفوعا ليس الخبر كالمعاينة إن الله ﷿ أخبر موسى ﵇ بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا ألقاها فانكسرت ولا يبعد أن قوله إن الله ﷿ يكون مدرجا من قول ابن عباس والله ﷾ أعلم (ولهذا قال سهل بن عبد الله) أي التستري (سأل) أي إبراهيم (كَشْفَ غِطَاءِ الْعِيَانِ لِيَزْدَادَ بِنُورِ الْيَقِينِ تَمَكُّنًا في حاله) أي بصيرة في كماله (الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنَّهُ لَمَّا احْتَجَّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ) أي من قومه نمرود وسائر الجنود (بأنّ ربّه يحيي ويميت) كما قال تعالى حكاية عنه إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ أي لا غيره بشهادة تعريف الجزأين أو بتقدير ضمير الفصل قبل الذي (طلب) جواب لما أي سأل (ذلك) أي إراءة كيفية إحياء الموتى (من ربه ليصحّ احتجاجه) أي عليهم (عيانا) ويلجئهم الحق بيانا وهذا متوقف على صحة كون هذه الواقعة عند نمرود وجنوده وظاهر الآية أنه انتقل من هذا الاستدلال وحصل له الزام لغيره في الحال (الوجه الخامس قول بعضهم) يروى قول بعضهم (هو) أي قوله رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى (سؤال) أي طلب من الرب وارد (على طريق الأدب:
المراد) أي المقصود به (أقدرني) بفتح الهمزة وكسر الدال أي قدرني وقوني (على إحياء الموتى وقوله ليطمئنّ قلبي) أي حينئذ يكون معناه ليسكن (عن هذه) ويروى من هذه (الأمنيّة) وهي التمني والتشهي (الوجه السادس أنه أرى) أي أظهر إبراهيم لغيره (من نفسه الشّكّ) أي صورة (ما شك) أي حقيقة (لكن) أي أرى ذلك تأدبا لما هنالك (ليجاوب) بفتح الواو وفي نسخة ليجاب أي ليجيبه ربه (فيزداد قربه) بالإضافة أي كمال قربه بمعرفة منزلته عند ربه وفي نسخة قربة أي عظيمة إذ المجاوبة تؤذن بالمقاربة (وقول نبيّنا ﵊ نحن أحقّ بالشّكّ من إبراهيم) ليس اعترافا منه بالشك لهما بل (نفي لأن يكون إبراهيم شكّ وإبعاد) أي زجر وطرد (للخواطر الضّعيفة أن تظنّ هذا بإبراهيم) إذ قد ورد أنه لما نزل وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى سمع قوم ذلك فقالوا شك إبراهيم ولم يشك نبينا (أي نحن) يعني معاشر الأنبياء أو جماعة المؤمنين (موقنون بالبعث وإحياء الله الموتى) أي ولم نشك في قدرته على ذلك وفي ظهور هذه الحالة هنالك (فلو شكّ إبراهيم) أي ولو جاز له (لكنّا أولى بالشّكّ منه) وهذا القول منه صلى الله تعالى عليه وسلم (إمّا على طريق الأدب) أي مع إبراهيم لأنه بمنزلة الأب (أو أن يريد) أي بنحن (أمّته الذين
[ ٢ / ١٧٧ ]
يجوز عليهم الشّكّ) لفقد عصمتهم (أو على طريق التّواضع) أي هضم النفس (والإشفاق) أي الخوف من تزكيتها (أن حملت) بضم الحاء وكسر الميم المخففة (قصّة إبراهيم على اختبار حاله) بالموحدة أي امتحان كماله كما في الوجه الثاني ليعلم منزلة قربه من ربه (أو) أي وان حملت قصته على (زيادة يقينه) أي ليزداد حصول علم يقينه بوصول عين يقينه (فإن قلت فما معنى قوله) أي الله ﷾ (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ) أي قلق واضطراب (مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ) أي من كتاب ربك (فَسْئَلِ) قرىء بالتخفيف والنقل (الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ) [يونس: ٩٤] فإنهم محيطون علما بصحة ما أنزلنا إليك من ربك (الآيتين) يعني لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ أي فيما أنت عليه من الجزم واليقين ولذا قال ﵊ ولا أشك ولا أسأل وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ فيه زيادة تنبيه وتهييج له على دوام ما هو عليه من اليقين وانتفاء الشك في أمر الدين (فاحذر) أي كل الحذر (ثبّت الله قلبك) لو قال قلبي وقلبك لكان أولى (أن يخطر ببالك) بضم الطاء أي أن يمر بخيالك (ما ذكره فيه بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ غَيْرِهِ) أي من المتقدمين أو المتأخرين (من إثبات شكّ للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فيما أوحي) أي الله كما في نسخة (إليه وأنّه من البشر) أي وإن الخاطرات ليس بها عبرة (فمثل هذا) أي الخاطر المذموم (لا يجوز عليه جملة) لثبوت عصمته من مثل هذا الأمر (بل قد قال ابن عبّاس وغيره) أي باسانيد صحيحة منها ما رواه ابن حاتم عنه (لم يشكّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يسأل) أي أحدا ممن قرأ الكتاب من قبله (ونحوه عن ابن جبير) وهو سعيد (والحسن) أي البصري (وحكى قتادة) أي فيما رواه ابن جرير (أنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي حين جمع الله له الرسل ليلة أسري به (قال ما أشكّ ولا أسأل) لنزاهته وبراءة ساحته عن الشك لعصمته (وعامّة المفسّرين على هذا؛ واختلفوا) أي المأولون (في معنى الآية) أي آية فإن كنت في شك (فقيل المراد) أي المفاد (بها قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلشَّاكِّ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ الآية) [يونس: ٩٤] أي فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك وفيه تنبيه نبيه لمن خالج قلبه شبهة أن يبادر إلى دفعها ويطلب معرفتها من أهل العلم بها إذ شفاء العي السؤال كما ورد في حديث وقد قال تعالى فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (قالوا) أي مؤولوا الآية بما ذكر (وفي السّورة) أي وفي سورة الآية المذكورة (نفسها ما دلّ) يروى ما يدل (على هذا التّأويل: قوله) أي وهو قوله تعالى وفي نسخة في قوله أي وهو في قوله تعالى (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي الآية) [يونس: ١٠٤] أي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (وقيل المراد بالخطاب) أي بقوله تعالى فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ هم (العرب وغير النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ومن عداه من الأمة فالمعنى فإن كنت في شك أيها المخاطب مثل قوله تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ولا
[ ٢ / ١٧٨ ]
يشكل بقوله مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فان القرآن كما انزل الى النبي انزل الى امته قال تَعَالَى قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا (كما قال) أي الله (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ الآية الخطاب له والمراد غيره) [الزمر: ٦٥] كما في قولهم اسمعي يا جارة أو هو وارد على سبيل الفرض والتقدير كما تفرض المحال في مقام التقرير (ومثله فَلا تَكُ) وفي نسخة في فَلا تَكُ أي ومثل التأويل السابق في قوله فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ التأويل في قوله تعالى فَلا تَكُ (فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ونظيره) [هود: ١٠٩] أي مثل فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ الآية (كثير) أي في القرآن كقوله تعالى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (قال بكر بن العلاء) من القضاة المالكية (ألا تراه) أي الله تعالى (يَقُولُ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ الآية) [يونس: ٩٥] أي فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (وهو ﵊ كان) أي هو (المكذّب) بفتح الذال المعجمة المشددة وهو منصوب على أنه خبر كان (فيما يدعو إليه) أي من التوحيد (فكيف يكون ممّن كذّب به) يروى يكذب يعني فدل على أنه ليس المراد بالخطاب (فهذا) أي ما ذكر (كلّه) أي جميعه (يدلّ على أنّ المراد بالخطاب غيره) أي سواء قلنا الخطاب له أو لغيره أو لكل من يصلح للخطاب (ومثل هذه الآية) أي آية فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ في أن المراد بالخطاب فيها غيره مقصود في هذا الباب (قوله الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا المأمور هنا) [الفرقان: ٥٩] أي وبيانه أن المأمور في فاسئل له خبيرا (غير النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْأَلَ النَّبِيَّ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم هو الخبير) أي به ﵎ (المسؤول) أي الذي ينبغي أن يسأل منه لأنه المخبر عن الله تعالى (لا المستخبر السّائل) فإن هذا شأن آحاد الأمة أو الخبير المسؤول به غيره ﵊ أي اسئل عنه الله تعالى علما يخبرك بجلال ذاته وكمال صفاته فالباء صلة اسئل بمعنى فتش عنه وعدي بالباء لتضمنه معنى الاعتناء أو اسئل أحدا خبيرا به فالباء صلة خبيرا مبالغة في الفاعل بمعنى مخبر أو خابر (وقيل) وفي نسخة صحيحة وقال أبي بكر بن العلاء في آية فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ (إنّ هذا الشّكّ) وفي نسخة أن هذا الشاك (الّذي أمر) بصيغة المجهول وفي نسخة أمر به (غير النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بسؤال الّذين يقرؤون الكتاب إنّما هو فيما قصّه) أي الله كما في نسخة وفي أخرى بالنون بدل القاف يعني فيما حكاه الله تعالى لنبيه ﵊ في كتابه (من أخبار الأمم) أي السابقة (لَا فِيمَا دَعَا إِلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالشَّرِيعَةِ) وفيه أنه لا فرق في نفي الشك عنه صلى الله تعالى عليه وسلم في القصتين على السويتين (ومثل هذا) أي مثل ما أريد به غيره ﵊ من الخطاب وسؤال الذين يقرؤون الكتاب (قوله تعالى وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا الآية) [الزخرف: ٤٥] أي اجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (المراد به) أي بالسؤال مجازا
[ ٢ / ١٧٩ ]
(المشركون) أي الموجودون من أممهم لاستحالة سؤاله من مضى منهم اسئل من الفيت من أممهم اجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون بالاستفهام الإنكاري التكذيبي (والخطاب مواجهة للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم) أي مرادا به غيره (قاله القتيبي) بقاف مضمومة وفوقية مفتوحة فتحتية ساكنة فموحدة فياء نسبة وفي نسخة بضم القاف وسكون الفوقية وفتحها فموحدة فالمراد بهما أبو عبد الله عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري صاحب المصنفات وقد تقدم والأظهر أنه المراد والله أعلم وفي أخرى بعين مهملة ففوقية ساكنة فموحدة فالمراد به فقيه الأندلس محمد بن أحمد بن عبد العزيز العتبي القرطبي مصنف العتبية ويقال لها المستخرجة أيضا من موالي عتبة بن أبي سفيان (وَقِيلَ مَعْنَاهُ سَلْنَا عَمَّنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فحذف الخافض) وهو عن ولم يتعرض لحذف المفعول في سلنا لوضوحه ولزومه (وتمّ الكلام ثمّ ابتدأ) أي الكلام كما في نسخة بقوله (أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إلى آخر الآية) [الزخرف: ٤٥] أي آلهة يعبدون كما في نسخة (على طريق الإنكار أي ما جعلنا) أي آلهة فلا عبادة لها (حكاه مكّيّ، وقيل أمر النبي) بصيغة المفعول وفي نسخة بلفظ الفاعل أي أمر الله تعالى (لنبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يسأل الأنبياء ليلة لإسراء عن ذلك) أي هذا الإنباء فقد روي أنه ﵊ ليلة أسري به بعث الله آدم وولده من الأنبياء والمرسلين فأذن جبريل ثم قال يا محمد صل بهم فلما فرغ قال له وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (فكان) أي النبي عليه الصلاة والصلام (أشدّ يقينا) أي في مراتب الكمال (من أن يحتاج إلى السّؤال) من غيره من الرجال ولو كانوا من الكمل في الأحوال (فروي أنه قال لا أسأل) أي من أحد (قد اكتفيت) أي بما أيقنت وعرفت (قاله ابن زيد) أي عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقد تقدم (وقيل سل أمم من أرسلنا) وفي نسخة سل أمم من أرسلنا يعني أنه على تقدير مضاف (هل جاؤوهم) أي الرسل (بغير التّوحيد) استفهام انكاري أي ما جاؤوا به بل اتفقوا على خلافه (وهو) أي هذا القيل (معنى قول مجاهد والسّدّيّ والضّحّاك وقتادة) وهم من أكابر التابعين وعمدة المفسرين (والمراد بهذا) أي بقوله وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا (والّذي قبله) أي من قوله فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ إلى هنا (إعلامه صلى الله تعالى عليه وسلم بما بعثت) بصيغة المجهول أي أرسلت (به الرّسل) أي من التوحيد إجماعا (وَأَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَأْذَنْ فِي عِبَادَةِ غَيْرِهِ لأحد) أي من الأنبياء والأمم (رَدًّا عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ إنّما نعبدهم) كذا وقع في كثير من النسخ من الأصول لكن التلاوة إنما هي ما نَعْبُدُهُمْ (إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى) وكذا في قولهم هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ وكذا دعوى العرب أنهم على دين إسماعيل وأن إبراهيم كان مشركا كما كانت اليهود والنصارى مدعين أن إبراهيم على دينهم قال تعالى ردا عليهم ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (وكذلك) أي ومثل ما ذكر من الآيات (وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ)
[ ٢ / ١٨٠ ]
أي القرآن (مُنَزَّلٌ) قرىء بالتشديد والتخفيف (مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ) ووصف جميعهم بأنهم يعلمون حقيقة مشعر بأن جحودهم عن عناد في كفرهم (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) [الأنعام: ١١٤] أي الشاكين (أي في علمهم بِأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ لَمْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ) أي بما ذكر من حقية ما لديك وحقية الكتاب المنزل عليك حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق (وليس المراد به) أي بقوله فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (شكّه فيما ذكر في أوّل الآية) أي آية فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ إذ المراد به هنا شكهم في كونه رسول الله وهناك الشك فيما أنزل الله تعالى ولم يقع شك منه صلى الله تعالى عليه وسلم (وقد يكون) أي قوله تعالى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ هنا (أيضا على مثل ما تقدّم) أي من أنه ﵊ أمر أن يقول للشاك فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ أو على أنه المخاطب والمراد غيره (أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِمَنِ امْتَرَى فِي ذلك) أي شك فيما هنالك هذا حق (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَوَّلَ الْآيَةِ) وفي نسخة في أول الآية أي التي فيها وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وهو قوله (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا) [الأنعام: ١١٤] استفهام انكاري أي أطلب غيره تعالى يحكم بيني وبينكم ليظهر المحق منا والمبطل منكم لا يكون ذلك مني أبدا ولا ابتغي غيره أحدا (الآية) وهي قوله تعالى وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ أي القرآن مفصلا مبينا فيه الحق والباطل (وأنّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يخاطب) بكسر الطاء ويروى خاطب (بذلك غيره) أي غير نفسه (وقيل هو) أي أمره ﵊ بالسؤال (تقرير) أي لمشركي قريش يحملهم على الإقرار بما يعرفون من أن الله لم يجعل من دونه آلهة تعبد وتوبيخهم على عبادة الأصنام (كقوله) تعالى أي خطابا لعيسى ﵇ والمراد بالتوبيخ غيره (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي) بفتح الياء وسكونها (إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) وقد علم [المائدة: ١١٦] أي الله سبحانه (أنّه) أي عيسى (لم يقل) اتخذوني إلخ (وقيل معناه ما كنت في شكّ) أي على أن أن نافية بمعنى ما وأخطأ الدلجي خطأ فاحشا في قوله ما هنا مصدرية أي مدة كونك في شك (فاسأل) أي الذين يقرؤون الكتاب لعلهم بصحة ما أنزل إليك من ربك (تزدد) مجزوم على جواب الأمر الذي هو سل أي تزد (طمأنينة) أي إلى طمأنينتك (وعلما) أي برهانا ويقينا (إلى علمك ويقينك، وقيل) أي في معناه (إن كنت تشكّ فيما شرّفناك) من كرم النبوة التامة وشرف الرسالة العامة (وفضّلناك) ويروى وعظمناك (به) أي على غيرك بدلالة ما في التوراة أن لله تعالى قال لإبراهيم أن هاجر تلد ويكون من ولدها من يده فوق الجميع وأيديهم مبسوطة إليه بالخشوع (فاسألهم عن صفتك في الكتب) أي السالفة (ونشر فضائلك) أي بين الأمم السابقة ففي التوراة (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا ونذيرا وحرزا للأميين ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالاسواق ولا يجزي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ الله حتى يقيم به الملة العوجاء أي ملة إبراهيم الغراء) فإن العرب غيروا فيها كثيرا من الأشياء وفي الانجيل على لسان عيسى ﵇
[ ٢ / ١٨١ ]
أنا أطلب من ربي وربكم حتى يمنحكم فارقليط أي كاشفا للخفيات فيكون معكم إلى الأبد وفيه فارقليط روح القدس الذي يرسله ربي باسمي أي بالنبوة هو يعلمكم ويمنحكم جميع الأشياء ويذكركم ما قلت لكم وقد أخبرتكم بهذا قبل أن يكون فإذا كان فآمنوا به (وحكي عن أبي عبيدة) وهو معمر بن المثنى من أكابر أئمة اللغة وله كتب كثيرة في الصفات والغريب وأيام العرب ووقائعها وكان الغالب عليه الشعر والغريب وأخبار العرب توفي سنة عشر ومائتين وقد قارب المائة وله تفسير حديث في الزكاة وكان أبو عبيد القاسم بن سلام يوثقه ويكثر الرواية عنه في كتبه (أنّ المراد) أي المفاد من الآية (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ) أي حاصل آنسته (من غيرك) أي من جانب غيرك (فيما أنزلنا) إليك من الحق والصواب فاسأل الذين يقرؤون الكتاب يخبروك بحقيقة هذا الباب (فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ) أي يئسوا من إيمان أممهم أو من النصر في الدنيا عليهم (وَظَنُّوا) أي الرسل (أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) [يوسف: ١١٠] بصيغة المجهول (على قراءة التّخفيف) أي كما قرأ به الكوفيون لأن ظاهرها ظنهم أنهم قد أخلفوا ما وعدهم الله من النصر مع نزاهتهم من أن يظنون بربهم ذلك الأمر لأنه سبحانه لا يخلف وعده رسله (قُلْنَا الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ مَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ معاذ الله) أي حاشاه واستجير بالله (أن تظنّ ذلك) أي الظن المذكور (الرّسل بربّها) كان الأولى بربهم وكأنه أراد جماعة الرسل (وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الرُّسُلَ لَمَّا اسْتَيْأَسُوا) أي من النصر على مكذبيهم وطالت مدة إمهالهم (ظنّوا أنّ من وعدهم النّصر) أي به (من أتباعهم) بيان لمن (كذبوهم) بتخفيف الذال والضمير الأول للموعودين من أتباع الرسل وهم المؤمنون والضمير الثاني للرسل أي اخلفوهم ما وعدوهم من نصرهم على عدوهم وتوهموا من أن الله تعالى اخلف رسلهم (وعلى هذا) أي مقول عائشة (أكثر المفسّرين) فعلى هذا ضمير ظنوا راجع إلى الرسل (وقيل إن ضمير ظَنُّوا عَائِدٌ عَلَى الْأَتْبَاعِ وَالْأُمَمِ لَا عَلَى الرّسل) الواو بمعنى أو فالمعنى أن أتباعهم ظنوا إذ لم يروا لوعدهم النصر نتيجة وأثرا ظاهرا بسبب تراخيه عنهم انهم قد كذبوا فيها اخبروا به قومهم من انهم ينصرون عليهم أو المعنى أن أممهم المكذبين لهم ظنوا أنهم كذبوا أي كذبتهم رسلهم في قولهم إنهم منتصرون عليهم (وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالنَّخَعِيِّ وَابْنِ جُبَيْرٍ) أي من التابعين (وجماعة من العلماء) أي المتقدمين والمتأخرين (وبهذا المعنى قرأ مجاهد) أي شاذة (كذبوا بالفتح) أي بفتح الكاف والذال والتخفيف والمعنى أن الأمم ظنوا أن رسلهم كذبوا في قولهم بالنصر عليهم (فلا تشغل) بفتح التاء والغين وفي نسخة بضم أوله وكسر ثالثه إلا أنه لغة رديئة (بالك) أي قلبك (من شاذّ التّفسير بسواه) أي بغير ما ذكرناه من قول عائشة وابن عباس وأمثالهما ولا يتوهم أن الرسل ظنوا به سبحانه أنه أخلفهم ما وعدهم من نصرهم على عدوهم (ممّا لا يليق بمنصب العلماء) بكسر الصاد أي مقامهم ومرتبتهم (فكيف بالأنبياء) فما سبق من نسخة الظن المذموم بالاتباع إما أن يحمل على مجرد الخواطر التي لا تدخل
[ ٢ / ١٨٢ ]
تحت التكليف أو على أن بعضهم كفروا بذلك وارتدوا عما هنالك (وكذلك) أي مثل آية حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وارد من الاشكال (ما ورد في حديث السّيرة) أي سيرة النبي ﵊ في ابتداء النبوة (ومبدإ الوحي) أي بالرسالة (من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي على ما أخرجه البخاري وغيره (لخديجة) أي بعد ما أخبرها ما جرى له مع جبريل بحراء (لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي لَيْسَ مَعْنَاهُ الشَّكَّ فيما آتاه الله) أي من النبوة والرسالة والهداية والمعرفة ويروى فيما أتاه من الله تعالى (بعد رؤية الملك) أي وإخباره أنه رسول الله (ولكن لعلّه خشي أن لا تحتمل قوّته) لضعف القوة البشرية (مقاومة الملك) أي مصابرته فإنه في غاية القوة القوية (وأعباء الوحي) بالنصب أي لا يحتمل أثقال تحمل الوحي وتبليغه وهو جمع عبء بكسر العين مهموزا (لينخلع قلبه) كذا في نسخة مصححة فلعل اللام للعاقبة والأظهر ما في نسخة فينخلع بالفاء منصوبا أي فيزول حينئذ قلبه عن مكانه ويحصن له جنون في شأنه (أو تزهق نفسه) أي تخرج روحه (هذا) أي التأويل (على ما ورد في الصّحيح) أي صحيح البخاري وغيره (أنّه قاله) أي القول السابق ويروى أنه قال (بعد لقائه الملك أو يكون ذلك) أي المقول (وقبل لقياه الملك) ويرى قبل لقائه الملك ولعله تكرر منه ذلك (وإعلام الله تعالى له) أي وقبل إخباره له (بالنّبوّة لأوّل ما عرضت) بصيغة المجهول كذا في نسخة مصححة والأظهر أنه بصيغة الفاعل والمعنى في أول ما ظهرت أو لأجل أول ما برزت (عليه من العجائب) أي خوارق العادة من الأمور الغرائب كما بينه بالعطف التفسيري حيث قال (وسلّم عليه الحجر والشّجر) الظاهر أن المراد بهما الجنس فإنه روى الدولابي بسنده عن ابن عباس قال بعث الله محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم على رأس خمس سنين من بنيان الكعبة وفي آخره فلما قضى إليه الذي أمر به انصرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم منقلبا إلى أهله لا يأتي على حجر ولا شجر إلا سلم عليه الحديث ويحتمل أن يراد بالجمر الإفراد ففي صحيح مسلم من حديث جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لأني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث الحديث وقد ورد أنه الحجر الأسود على ما رواه السهيلي وقيل إن الحجر المعروف بالتكلم المركوز في جدار زقاق بيت خديجة (وبدأته المنامات) أي ابتدائه المقامات العاليات فكان لا يرى مناما إلا جاء مثل فلق الصبح (والتّباشير) أي المقدمات المؤذنة بالبشارات ومنه تباشير الصبح أي أوائله (كَمَا رُوِيَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ) أي حديث مبدأ الوحي (أنّ ذلك) أي ما ذكر من التباشير (كان أوّلا في المنام ثمّ أري) بصيغة المجهول أي أراه الله (في اليقظة مثل ذلك) أي الذي رآه في المنام ويروى مثال ذلك (تأنيسا له ﵇) من الأنس بالضم ضد الوحشة تسكينا لقلبه (لئلّا يفجأه الأمر) بفتح الجيم والهمز أي لئلا يرد عليه أمر النبوة بغتة (مشاهدة) أي معاينة (ومشافهة) أي مخاطبة (فلا يحتمله) أي قلبه (لأوّل حالة) بالتنوين ويروى بالإضافة أي في أول وهلة من أحواله (بنية البشريّة) بكسر الموحدة
[ ٢ / ١٨٣ ]
وسكون النون لضعفها عن القوة الملكية (وفي الصّحيح) أي البخاري ومسلم (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَوَّلُ مَا بدىء به) بصيغة المجهول أي ابتدىء به (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من الوحي) بيان لما وأول مبتدأ خبره (الرّؤيا الصّادقة) وفي رواية الصالحة من النوم وإنما أخبرت بذلك بإخباره ﵊ أو بعض أصحابه لها بما هنالك وإلا فهي لم تكن ولدت قبل بدئه به فالحديث من مراسيل الصحابة وهي حجة بلا خلاف (قالت ثمّ حبّب إليه الخلاء) بالمد أي الخلوة والعزلة لفراغ القلب بالذكر والفكر وظهور النور وسرور الحضور والغيبة عما سواه ونفي الشعور وإليه أشار الشاعر حيث قال
* فصادف قلبا خاليا فتمكنا*
(وقالت إلى أن) ورواية الشيخين (جاءه الحقّ) أي الأمر المحقق (وهو في غار حراء) بكسر الحاء وتخفيف الراء جبل على ثلاثة أميال من مكة يمد ويقصر ويذكر باعتبار المكان فيصرف ويؤنث باعتبار البقعة فلا يصرف والغار الكهف والنقب بالجبل وكذا المغارة (وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما) فيما روى ابن سعد عنه (مكث النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بضم الكاف وفتحها أي لبث (بمكّة خمس عشرة سنة) بسكون عشرة وبالكسر لغة تميم (يسمع الصّوت) أي صوت الملك (ويرى الضوء) أي نوره (سبع سنين ولا يرى شيئا) أي ظاهرا (وثمان سنين يوحى إليه) وهذا إنما يتمشى على القول بأنه ﵊ عاش خمسا وستين سنة والصحيح أن عمره ثلاث وستون سنة فبعد البعثة بمكة ثلاث عشرة على الصحيح وبالمدينة عشرا بلا خلاف وقيل المراد بثلاث وستين ما عدا سنة الولادة والوفاة فبهما يتم خمس وستون وفي المسألة قول آخر وهو أنه ﵊ عاش ستين سنة وهو محمول على إسقاط الكسر (وقد روى ابن إسحاق) أي صاحب المغازي (عن بعضهم) الظاهر أن المراد به بعض الصحابة فإن المطلق ينصرف إلى الأكمل (أنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال وذكر جواره) بكسر الجيم ويضم أي مجاورته وإقامته متعبدا (بغار حراء) وهو نقب فيه والجملة حالية معترضة بين القول ومقوله وكرر قوله (قال) للتأكيد مع وجود الفصل (فجاءني) يعني جبريل (وأنا نائم) أي حقيقة أو صورة أي مضطجع على هيئة النائم ولا يبعد أن يكون النوم كناية عن الغفلة أو الاستغراق في الفكرة (فقال اقرأ فقلت ما أقرأ) أي شيء أقرأ فما استفهامية ويؤيده رواية وما اقرأ أو ما نافية بدلالة دخول الباء في خبرها في رواية البخاري ما أنا بقارىء (وذكر) أي ابن إسحاق أو من روى عنه (نحو حديث عائشة في غطّه) بفتح معجمة وتشديد مهملة أي في ضم جبريل ﵇ ضما شديدا وفي نسخة إياه صلى الله تعالى عليه وسلم (وإقرائه له) وفي نسخة إياه (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) أي صدر هذه السورة قال القاضي في الإكمال حكمة هذا الغط له ﵊ دفع اشتغاله عن الالتفات إلى شيء من أمر الدنيا ليتفرغ لما أتاه به وفعله به ذلك ثلاثا وفيه دليل على
[ ٢ / ١٨٤ ]
استحباب التكرار ثلاثا وقد استدل به بعضهم على جواز تأديب المعلم ثلاثا (قال) النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (فانصرف) أي جبريل ﵇ (عنّي وهببت) بفتح الموحدة الأولى أي استيقظت (من نومي) أي استنبهت من غفلتي أو استفقت من استغراقي (كأنّما صوّرت) أي مثلت ونقشت وشكلت سورة اقرأ (في قلبي ولم يكن) أي الشأن وخبرها (أبغض إليّ من شاعر أو مجنون) أي من قولهم له ذلك والجملة حالية أفادت شدة بغضه نسبة قريش له صلى الله تعالى عليه وسلم بواحد منهما فكيف بهما (قلت) أي في نفسي أكتم حالي (لا تحدّث) بفتح الفوقية على أنه حذف منه إحدى التاءين أي لا تتحدث (عنّي قريش بهذا أبدا) أي بقولهم له شاعر أو مجنون (لأعمدنّ) بفتح اللام والهمزة وكسر الميم ويفتح وتشديد النون أي لأقصدن (إلى حالق) بمهملة وكسر لام أي مكان عال (من الجبل فلأطرحنّ نفسي منه فلأقتلنّها) أي حذرا من أن يسموه بشاعر أو مجنون ولعل هذا بناء على أنه ظن ما تبين له من جانب الجن ولذا قال (فبينا أنا عامد لذلك) أي قاصدا لطرح النفس ومريد لما هنالك (إِذْ سَمِعْتُ مُنَادِيًا يُنَادِي مِنَ السَّمَاءِ يَا محمّد أنت رسول الله وأنا جبريل) أي مبلغ عن الله تعالى (فرفعت رأسي فإذا) أي ففاجأني بغتة (جبريل على) ويروى في (صورة رجل) حال من جبريل أي ممثلا في صورة رجل أو التقدير فظهر لي على صورة رجل (وذكر الحديث) أي بتمامه واقتصرنا على محل مرامه (فقد بيّن) أي أظهر ﵊ ويروى بين لك (في هذا الحديث) أي حديث ابن إسحاق (أنّ قوله) أي النبي ﵊ (لما قال) لخديجة رضي الله تعالى عنها لقد خشيت على نفسي (وقصده لما قصد) أي من طرح نفسه من الجبل (إنّما كان قبل لقاء جبريل ﵇) أي في اليقظة أو في عالم الحضرة (وَقَبْلَ إِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِالنُّبُوَّةِ وَإِظْهَارِهِ) أي الله تعالى (واصطفائه) أي اجتبائه وفي نسخة وإظهار اصطفائه أي إظهار شأنه بالرفعة (له بالرّسالة ومثله) أي شبيه حديث ابن إسحاق أن ما قاله لخديجة إنه خشي على نفسه إنما كان قبل لقاء جبريل (حديث عمرو بن شرحبيل) بضم معجمة وفتح راء وسكون مهملة وكسر موحدة فتحتية ساكنة وهو غير منصرف أبو ميسرة الهمداني يروي عن عمر وعلي وعائشة وكان فاضلا عابدا حجة صلى عليه شريح قال الحلبي وهذا الذي ذكره القاضي عياض هنا هو في رواية يونس عن ابن إسحاق بسند إلى أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل (أنه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِخَدِيجَةَ إِنِّي إِذَا خَلَوْتُ وَحْدِي سَمِعْتُ نِدَاءً وَقَدْ خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ يكون هذا) أي ما سمعته من نداء الملك (لأمر) أي لم أحط به خبرا يرهقني من أمري عسرا قالت معاذ الله ما كان الله ليفعل ذلك بك إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث وقاله الدلجي الحديث رواه البيهقي عن عمرو بن شرحبيل (ومن رواية حمّاد بن سلمة) فيما رواه الطبراني وابن منيع في مسنده موصولا عن حماد عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (أنّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِخَدِيجَةَ إِنِّي لَأَسْمَعُ صَوْتًا) أي عظيما (وأرى ضوءا) أي نورا كريما (وأخشى أن يكون بي جنون) ولم
[ ٢ / ١٨٥ ]
يدر أن شأنه فيه فنون (وعلى هذا) أي على قوله لأسمع صوتا الحديث (يتأوّل) بصيغة المجهول (لَوْ صَحَّ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ) أي روايتها (إنّ الأبعد شاعر أو مجنون) مقول قوله الذي تنازعه الفعلان قبله واعمل الأول أي يتأول قوله بذلك لخديجة إن صح يحمله على أنه كان قبل لقاء الملك وإعلام الله تعالى له أنه رسول ولم يكن معناه الشك وعبر بالأبعد عن نفسه الأسعد تحاشيا من أن يقال له شاعر أو مجنون (وألفاظا) أي وإن في هذه الأحاديث ألفاظا ويروى وألفاظها (يُفْهَمُ مِنْهَا مَعَانِي الشَّكِّ فِي تَصْحِيحِ مَا رآه) أي من الضوء وسمعه من الصوت (وأنه) أي في قوله ذلك (كَانَ كُلُّهُ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ وَقَبْلَ لِقَاءِ الملك له وإعلام الله تعالى له أنه رسوله) أي مما ينفي عنه الشك فيما آتاه الله تعالى واختصه به من المنح الإلهية ما لم يؤته سواه (فكيف) أي لا يكون ذلك في ابتداء أمره (وبعض هذه الألفاظ) أي التي نسب صدورها إليه صلى الله تعالى عليه وسلم (لا تصحّ طرقها) أي أسانيدها لكون بعض من فيها متهما أو مجهولا (وأمّا بعد إعلام الله تعالى له) أي بأنه رسوله (ولقائه الملك) أي وبعد ملاقاته وتحقق مخاطباته (فلا يصحّ) أي بأن يصدر عنه ﵊ (فيه ريب) أي شبهة ومرية (ولا يجوز عليه شكّ) أي تردد (فيما ألقى إليه) من المعارف الربانية والعوارف السبحانية (وقد روى ابن إسحاق عن شيوخه) أي بأسانيدهم (أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يرقى) بصيغة المجهول أي يعوذ بالعوذ التي يرقى بها من ألمت به حمى ونحوها (من العين) أي من جهة إصابة العين (قبل أن ينزل عليه) أي الوحي أو القرآن وهو بصيغة الفاعل أو المفعول مخففا أو مشددا ويؤيد الثاني (فلما نزل عليه القرآن) ومنه قوله تعالى وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ (أصابه نحو ما كان يصيبه) أي قبل ذلك (فقالت له خديجة أوجّه) بتشديد الجيم المكسورة أي أرسل (إليك من يرقيك) بفتح الياء وكسر القاف (قال أمّا الآن) أي بعد نزول القرآن (فلا) أي فلا حاجة لي به اكتفاء بربه وكتابه إذ هو هدى وشفاء لقلبه واعلم أنه قد وردت أحاديث كثيرة بجواز الرقى وكذا في النهي عنها وجمع بينهما بأن الجائز منها ما كان بلسان عربي مما يعرف معناه كأسماء الله تعالى وصفاته وسور كلامه وآياته ومن ثمه قال ﵊ اعرضوا على رقاكم قال جابر فعرضناها عليه فقال لا بأس بها إنما هي من مواثيق الجن فكأنه ﵊ خشي أن يكون فيها مما يقال ويعتقد من الشرك في زمن الجاهلية وأن المنهي عنه منها ما لم يكن كذلك أو أن يعتقد أنها نافعة بنفسها كما أشار إليه صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله ما توكل من استرقى أو حق توكله والحاصل أن تركها مع التوكل أفضل لقوله ﵊ في حديث من يدخل الجنة بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون (وحديث خديجة رضي الله تعالى عنها) أي الذي رواه ابن إسحاق والبيهقي عن فاطمة بنت الحسين أي أبو نعيم في الدلائل موصولا من طريق أم سلمة عن خديجة (واختبارها) أي امتحان خديجة (أمر جبريل ﵇) أي تحقق أمره (بكشف
[ ٢ / ١٨٦ ]
رأسها) أي من شعرها (الحديث) أي بطوله (إنّما ذلك) أي الاختبار والتردد (في حقّ خديجة) أي واقع وحاصل (لتتحقّق صحّة) وفي نسخة صدق (نبوّة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنّ الّذي يأتيه) أي بما يوحى إليه من ربه ويلقيه (ملك ويزول الشّكّ عنها) أي ويرتفع التردد لها الناشىء مما قال لها من نحو لقد خشيت على نفسي وأخشى أن يكون بي جنون (لأنّها) أي خديجة (فعلت ذلك) أي كشف رأسها (للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي لأجل أمره (وليختبر) أي هو كما في نسخة أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (حاله بذلك) فيكون على بصيرة من أمره هنالك (بل) لانتقال من حال إلى حال أفاد أن ما فعلته خديجة من الاختبار لم يكن بأمر السيد المختار بل نشأ عن ابن عمها ورقة (إذ قَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ محمد بن يحيى بن عروة) قال أبو حيان يروي الموضوعات عن الثقات وقال أبو حاتم الرازي متروك الحديث (عن هشام) وهو أخو عبد الله الراوي وهشام أحد الأعلام يروي عنه شعبة ومالك قال أبو حاتم ثقة أمام (عن أبيه) أي عروة بن الزبير أي ابن العوام بن خويلد يروي عن أبويه وخالته وعلية وطائفة وعنه جماعة قال ابن سعد كان فقيها عالما كثير الحديث ثبتا مأمونا قال هشام صام إلى الدهر ومات وهو صائم (عن عائشة رضي الله تعالى عنها) أم المؤمنين خالته (أنّ ورقة) وهو ابن نوفل بن أسد (أمر خديجة) وهي بنت خويلد بن أسد (أن تخبر الأمر) وفي نسخة تختبر بضم الموحدة أي تمتحن وتجرب (بذلك) أي الذي فعلته من كشف رأسها (وفي حديث إسماعيل بن أبي حكيم) أي فيما رواه ابن إسحاق وهو قرشي مدني يروي عن سعيد بن المسيب وغيره وعنه مالك ونحوه وثقه ابن معين وغيره قال ابن سعد كان كاتبا لعمر بن عبد العزيز في خلافته توفي سنة ثلاثين ومائة (أنها) أي خديجة (قالت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يا ابن عمّ) لاجتماعهما في قصي نسبا لأنه ﵊ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي وهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي (هل تستطيع أن تخبرني بصاحبك) أي تعلمني بمأتاه (إذا جاءك؟ قال نعم) أي أستطع وأخبرك به إذا جاءني (فلمّا جاءة جبريل) ويروى جاء جبريل أي بعد سؤالها هذا (أخبرها) بمجيئة إليه (فقالت له) أي للنبي ﵊ (اجلس إلى شقّي) بكسر الشين وتشديد القاف تريد أحد جنبيها (وذكر الحديث إلى آخره) وفيه فجلس إليه وكشفت رأسها فلم يدخل جبريل (وفيه فقالت مَا هَذَا بِشَيْطَانٍ هَذَا الْمَلَكُ يَا ابْنَ عمّ فاثبت) أي على ما أنت عليه (وأبشر) أي بكل خير مما لديه (وآمنت به) أي حينئذ أو آمنت قبل لكن اطمأنت به فحصل لها عين اليقين بعد علم اليقين فهي أول من آمن به مطلقا أو من النساء (فهذا) أي الدي قالته (يدلّ أنّها) أي على أنها كما في نسخة (مستثبتة) اسم فاعل من باب الاستفعال من الثبات أي طالبته للوثوق (لما) أي لأجل ما وفي نسخة بما أي بسبب ما (فعلته) أي من الإختبار (لنفسها) أي لإيقانها (ومستظهرة به) أي مستقوية بما فعلته (لإيمانها) أي به ﵊ (لا للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) تأكيد لقوله
[ ٢ / ١٨٧ ]
لنفسها ولا سقطت من أصل الدلجي فقال عدي باللام لتضمنه معنى الانقياد (وقول معمر) بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة ابن راشد سكن اليمن (في فترة الوحي) بفتح الفاء أي انقطاعه عنه سنتين ونصف كذا ذكره الدلجي وقال الحلبي الحديث في صحيح البخاري في التعبير وقال الدلجي فيما رواه أحمد والبيهقي (فحزن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بكسر الزاء أي صار ذا حزن بسبب فتور الوحي وتأخره عنه (فيما بلغنا عنه) أي وصل إلينا من مشايخنا (حزنا) أي عظيما (غدا) أي ذهب (منه) أي من أجله أو قصد فيه (مرارا) أي مرة بعد أخرى (كي يتردّى) أي يقصد السقوط ويروى كاد يتردى (من) رؤوس (شواهق الجبال) أي أعاليها وإنما جمع باعتبار تكرار ما قصده (لا يقدح) لا يخل أي قول معمر (في هذا الأصل) الذي قدمناه من أن ما قاله لخديجة من الخشية على نفسه لم يكن على الشك فيما منحه الله تعالى: (لقول معمر عنه) أي عن النبي ﵊ (فيما بلغنا) أي بطريق الإجمال (ولم يسنده) ليعلم حال الرجال من الانقطاع والاتصال (ولا ذكر رواته) ليعرف ثقاته (ولا من حدّث به) أي من المخرجين (ولا أنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قاله) أي فيكون الحديث مرفوعا أو قاله صحابي فيكون موقوفا (ولا يعرف مثل هذا) أي والحال أنه لا يعرف حقية هذا المقال ولا حقيقة هذه الحال وهو أنه كاد يلقي نفسه من الجبال (إلّا من جهة النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) ولعله ﵊ حدث عائشة رضي الله تعالى عنها خبر فترة الوحي وقال فيه فحزنت إلى آخره بلفظ التكلم فروته عنه بلفظ الغيبة فحزن إلى آخره فبلغ من لم يسمعه منها فقال حزن فيما بلغنا إلى آخره فلا يقدح فيما ذكر الحلبي ذكر أبو الفتح بن سيد الناس في سيرته ما لفظه ورويناه من طريق الدولابي حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس بن زيد عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها فذكر نحو ما تقدم وفي آخره ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيما بلغنا حزنا إلى آخره فهذا لم يكن فيه معمر بالكلية وهذا الذي ذكره هو في البخاري في التعبير من قول معمر كما عزاه القاضي إليه وقد وقفت على أنه ساقه أبو الفتح من غير كلام معمر والذي يظهر أنه من كلام الزهري ويحتمل أن يكون من كلام غيره والله تعالى أعلم (مع أنه) أي ما بلغهم من أنه حزن (قَدْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ الْأَمْرِ كما ذكرناه) أي من أنه كان قبل أن يلقاه جبريل وفيه أنه يدفعه أنه وقع في زمن فترة الوحي ولا شك أنه كان بعد لقائه جبريل (أو أنّه فعل ذلك) أي ما ذكر من إرادة التردي (لما أخرجه) بالحاء المهملة أي من أجل ما ضيق عليه البال وأوقعه في حرج ضيق الحال (من تكذيب من بلّغه) أي أوصل ما أرسل به إليهم (كما قال تعالى: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ) أي ذابحها ومهلكها غيظا والمعنى اشفق على نفسك أن تقتلها (عَلى آثارِهِمْ) أي من بعد اختبارهم (إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ) أي القرآن الجديد الانزال (أَسَفًا [الكهف: ٦] أي من أجل الأسف وهو أشد الحزن أو متأسفا عليهم كما قال الله
[ ٢ / ١٨٨ ]
تعالى في موضع آخر فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ بأن تتلهب على فراقهم جمرات (وَيُصَحِّحُ مَعْنَى هَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثٌ رَوَاهُ شَرِيكٌ) وهو ابن عبد الله النخعي يروي عنه أبو بكر ابن أبي شيبة وعلي بن حجر وثقه ابن معين وقال غيره سيىء الحفظ وقال النسائي لا بأس به (عن عبد الله بن محمد بن عقيل) بفتح وكسر وهو ابن أبي طالب يروي عن ابن عمر وجابر وعدة وعنه جماعة قال أبو حاتم وغيره لين الحديث وقال ابن خزيمة واحتج به قال الواقدي مات بالمدينة قيل خروج محمد بن عبد الله بن حسن سنة خمس وأربعين ومائة (عن جابر بن عبد الله) كما رواه البزار وروى الطبراني نحوه عن ابن عباس (أنّ المشركين لمّا اجتمعوا بدار النّدوة) بفتح النون وسكون الدال المهملة وهو مكان اجتماعهم حيث يتشاورون في مهامهم (للتّشاور في شأن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) وهي دار بناها قصي بن كعب وجعل بابها إلى الكعبة ليجتمع فيها العرب للمشاورة وللختان وللنكاح وإذا قدمت غير نزلت فيها وإذا ارتحلت رحلت منها وسميت دار الندوة من الندي بتشديد الياء وهو مجتمع القوم قال الشمني وهي الآن من الحرم والله تعالى اعلم وهي الزيادة التي تلي ناحية سويقة من المسجد وهي مستقبلة الميزاب وسيأتي قصة مشورتهم واتفاقهم على قتله ﵊ (واتّفق رأيهم على أن يقولوا) أي في حقه (إنّه ساحر) كما مر عن أبي جهل وعن الوليد بن المغيرة (اشتدّ ذلك عليه وتزمّل في ثيابه) أي تلفف (وتدثّر فيها) أي تغطى بها فوق الشعار أعني ما يلي جسده من الثياب ومنه قوله ﵊ الأنصار شعاري والعرب دثاري (فأتاه جبريل ﵇ فقال) أي مناديا له (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [المزمل: ١]) أي تارة وأخرى (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر: ١]) لما روي عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كنت على حراء فنوديت يا محمد إنك رسول الله فنظرت عن يميني وشمالي فلم أر شيئا فنظرت فوقي فرأيت شيئا وفي رواية عائشة رضي الله تعالى عنها فإذا به على كرسي بين السماء والأرض يعني جبريل فرعبت منه ورجعت إلى خديجة فقلت دثروني دثروني فقال يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (أو خاف) أي أو أنه ﵊ فعل ذلك من أجل أنه خاف (أنّ الفترة) أي للوحي إنما كانت (لأمر) أي لأجل أمر صدر عنه (أو سبب منه فخشي أن تكون) أي فترته (عُقُوبَةً مِنْ رَبِّهِ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يرد نهي عن ذلك) وفي نسخة شرع بالنهي عن ذلك أي عن التردي من الجبل لأنه كان أول الإسلام ولم تتبين الأحكام (فيعترض به) عليه في هذا المقام (ونحو هذا) أي من ضيق البال وشدة الحال (فرار يونس ﵊) وفيه ست لغات ضم النون وفتحها وكسرها مع ترك الهمز وبه حيث ذهب مغاضبا لقومه متبرما من تكذيبهم تخويفا لهم أن يحل العذاب عليهم ظنا منه أن فراره بغير إذن ربه سائغ إذ لم يفعله إلا غضبا لربه وغيظا على مخالفي دينه ومع ذلك لاحظ (خَشْيَةَ تَكْذِيبِ قَوْمِهِ لَهُ لِمَا وَعَدَهُمْ بِهِ من العذاب) ورجاء أن يؤمنوا به بعد فقده فقد روي أنهم لما فقدوه خافوا نزوله عليهم فاستغاثوا بربهم وقالوا يا حي حين لا
[ ٢ / ١٨٩ ]
حي ويا حي محيي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت وقالوا اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وأنت أعظم منها وأجل وافعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله وهذا معنى قوله ﷾ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (وَقَوْلُ اللَّهِ فِي يُونُسَ: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الْأَنْبِيَاءِ: ٨٧] مَعْنَاهُ أَنْ لَنْ نُضَيِّقَ عليه) كما قال تعالى يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ وليس مراده أنه ﷾ غير قادر عليه لأن هذا لم يخطر ببال كافر فضلا عن مؤمن لا سيما نبيا ورسولا روي أن ابن عباس دخل على معاوية فقال يا ابن عباس لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فما أجد لنفسي خلاصا إلا بك ثم قرأ الآية ثم قال أو يظن نبي الله أن لا يقدر الله عليه فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا من القدر أي بسكون الدال أو فتحها لا من القدرة، (قال مكّيّ طمع في رحمة الله تعالى) أي سعة كرمه (وَأَنْ لَا يُضَيِّقَ عَلَيْهِ مَسْلَكَهُ فِي خُرُوجِهِ) بغير إذنه مغاضبا لقومه ليؤمنوا بعد فقده (وَقِيلَ حَسَّنَ ظَنَّهُ بِمَوْلَاهُ أَنَّهُ لَا يَقْضِي عليه بالعقوبة) لما ورد في الحديث القدسي أنا عند ظن عبدي بي لكنه غفل عن أن حسنات الأبرار سيئات المقربين (وقيل نقدّر عليه ما أصابه) أي من الابتلاء ببطن الحوت في الماء وهو بضم أوله فسكون ثانيه فكسر ثالثه مخفف نقدر عليه كذا ذكره الدلجي وهو غير صحيح فالصواب أنه مخفف قدر بمعنى قدر مشددا وقد ضبطه الحجازي بضم النون وفتح القاف وتشديد الدال المكسورة، (وقد قرىء) أي في الشواذ (نقدّر بالتّشديد) أي بتشديد الدال المكسورة وكذا قرىء نقدر مبنيا للفاعل وللمفعول مخففا ومثقلا (وقيل نؤاخذه) أي فظن أن لن نؤاخذه بعتابه أو عقابه (بغضبه وذهابه) إذ كان عليه أن يصابرهم ولا يفارقهم إلا بإذن من ربه، (وقال) وفي نسخة بلا واو العطف (ابن زيد) وفي نسخة أبو زيد وفي أخرى أبو يزيد والصواب الأول فقد نقل ذلك البغوي في تفسيره عن ابن زيد والظاهر أنه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (معناه أفظنّ أن لن تقدر عليه على الاستفهام) أي الداخل على صدر الكلام وحذف تخفيفا لدلالة المقام على المرام والمعنى إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا أفظن أن لن نقدر عليه ويمكن أن يقدر إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ والتأويل لازم على كل تقدير لما علله المصنف بقوله (ولا يليق) أي لا يحسن (أن يظنّ بنبيّ) أي فضلا عن رسول (أن يجهل) وروي أنه جهل (صفة من صفات ربّه) كالقدرة والعلم والإرادة ولذا استدل أهل السنة بطلب موسى ﵇ الرؤية أنها ممكنة في الجملة ليس فيها استحالة خلافا للمعتزلة والحاصل أنه لا يتصور أن نبينا يظن أنه تعالى لا يقدر عليه كما قدمناه (وكذلك) أي يحتاج إلى تأويل (قوله) أي الله ﷾ (إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا [الأنبياء: ٨٧]) حيث يتوهم أنه ذهب مغاضبا لربه فالصواب تأويله بوجه من الوجوه (الصّحيح مغاضبا لقومه
[ ٢ / ١٩٠ ]
لكفرهم) كما مر وهو المناسب ههنا لأن المغاضبة مراغمة على ما في القاموس (وهو قول ابن عبّاس والضّحّاك وغيرهما) أي من المفسرين (لَا لِرَبِّهِ ﷿ إِذْ مُغَاضِبَةُ اللَّهِ مُعَادَاةٌ لَهُ وَمُعَادَاةُ اللَّهِ كُفْرٌ لَا يَلِيقُ بالمؤمنين فكيف بالأنبياء) لا سيما المرسلين (وقيل مستحييا من قومه أن يسموه) بفتح الياء وكسر السين وتخفيف الميم أي كراهة أن يصفوه (بالكذب) إذ قيل إنه قال لهم أأجلكم أربعين ليلة فقالوا إن رأينا أسباب الهلاك آمنا وظاهر هذا القيل إن مستحييا تفسير مغاضبا ولم أر هذا المبنى في كتب اللغة بهذا المعنى فكان الأولى أن يقال استحياء ولا يبعد أن يكون حالا أخرى مقدرة لتصحيح الكلام والله تعالى اعلم بالمرام (أو يقتلوه) أي ذهب مغاضبا لهم كراهة أن يقتلوه (كما ورد في الخبر) لم يعرف له من الأثر إلا أن الأنطاكي قال وهو ما روي أنه كان عندهم من كذب ولم يكن له بينة قتل (وقيل مغاضبا لبعض الملوك) أي لأجله (فيما أمره) أي يونس (بِهِ مِنَ التَّوَجُّهِ إِلَى أَمْرٍ أَمَرَهُ اللَّهُ تعالى) أي أمر الله الملك (به على لسان نبيّ آخر) أي غير يونس ﵉ كان في زمنه (فَقَالَ لَهُ يُونُسُ غَيْرِي أَقْوَى عَلَيْهِ مِنِّي (أي اعتذارا منه أو أراد المحجة السهلة حذرا من غلبة المشقة (فعزم عليه) أي حمله ﷾ على الجد والصبر على مقاساة شدائد المر (فخرج لذلك) أي من أجل عزمه عليه ما لا طاقة لديه (مغاضبا) له تاركا ما أمره به لصعوبته لديه ولهذا قال تعالى لنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ، (وقد روي عن ابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما (أنّ إرسال يونس ونبوّته) أي المقرونة بالرسالة إلى قومه بنينوى أي من الموصل (إنّما كان بعد أن نبذه الحوت) وقد سقط أن المصدرية بعد بعد ف أصل الدلجي فقال الحوت فاعل المصدر قبله المضاف إلى معموله أي قذفه من بطنه (واستدلّ) أي ابن عباس ويحتمل أن يكون بصيغة المجهول عطفا على روي أي وقد استدل لما روي عنه (بقوله) أي بظاهر قوله تعالى (فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ) أي قذفناه من بطن الحوت بمكان عار عن البناء والشجر ونحوهما (وَهُوَ سَقِيمٌ) أي اليم من حرارة بطن الحوت (وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ) من كمال رأفتنا وجمال رحمتنا (شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ) يفعيل من قطن بالمكان إذا أقام به قيل هي الدباء لأن الذباب لا يقع عليها فجعلها الله تعالى فوقه مظلة له كالقبة ويقال إن ريح القرع من ريح يونس بقي فيه منه رائحة إلى القيامة (وَأَرْسَلْناهُ) أي إلى مائة ألف أو يزيدون يعني في رأي العين إذا رآهم الرائي قال هم مائة ألف أو أكثر والمراد وصفهم بالكثرة أو بمعنى بل ويؤيده أنه قرئ ويزيدون بالواو ووجه الاستدلال أن الأصل في إفادة الواو الترتيب كما يدل عليه قوله ﵊ نبدأ بما بدأ الله تعالى به أن الصفا والمروة من شعائر الله ولا يعدل عن هذا المعنى إلا إذا عرف دليل خارج عن المبنى وهذا لا ينافي قولهم إن الواو لمطلق الجمع وأنها لا تفيد الترتيب فإن مرادهم أنه ليس نصا في المعنى لاحتمال ارادة غيره من هذا المبنى إذا وجد دليل على هذا المدعي هذا وقيل المراد بأرسلناه إرساله الأول إليهم أو هو إرسال ثان بعد ذلك إليهم
[ ٢ / ١٩١ ]
أو إلى غيرهم لما قيل لما آمنوا سألوه أن يرجع إليهم فأبى تحاميا من رجوعه للإقامة فيهم بعد هجرته عنهم وقال الله تعالى (بعث إليكم نبيا) (ويستدلّ أيضا) أي لما روي عن ابن عباس من أن ارساله إليهم إنما كان بعد نبذ الحوت له (بقوله) أي الله ﷾ خطابا لنبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم (وَلا تَكُنْ) أي حال ضجرك وقلة صبرك؛ (كَصاحِبِ الْحُوتِ) أي يونس ﵇ (الْحُوتِ إِذْ نادى [القلم: ٤٨] وذكر القصّة) وهي قوله تعالى إِذْ نادى أي في بطن الحوت وَهُوَ مَكْظُومٌ أي مملوء غيظا لولا أن تداركه وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس لولا أن تداركته نعمة من ربه بعود رحمته إليه وقبول توبته عليه وقرأ الحسن تداركه بتشديد الدال على أن أصله تتداركه على حكاية الحال الماضية بمعنى لولا أن كان يقال في شأنه تتداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء أي لطرح بالفضاء الخالي عن الماء والبناء وهو مذموم حال اعتمد عليها جواب لولا والمعنى لولا تدارك رحمته وعود نعمته لكان على حال مذمته ومذلته (ثمّ قال: فَاجْتَباهُ رَبُّهُ أي قربه واصطفاه (فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [القلم: ٥٠]) أي الكاملين في الصلاح والديانة وهم أصحاب النبوة والرسالة (فتكون هذه القصّة إذن) أي على هذا (قبل نبوّته) أي وارساله إليهم (فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) فيما رواه عن الأعز المزني (إنّه) أي الشأن (ليغان على قلبي) أي ليغطي ويستر والجار نائب الفاعل وهو بصيغة المجهول من الغين وهو اطباق الغيم في مرأى العين وهو سحاب لطيف كناية عن حجاب ظريف لما يعرض له ﵊ مما يصرفه عن دوام ملازمة ذكر الملك العلام على وجه التمام وهو الاستغراق في بحر الشهود والفناء عن مطالعة ما سوى الله تعالى في عالم الوجود لما يعرض له مما يصرفه عن ذلك المقام بسبب اشتغاله بأمور أمته ومصالحها من الأحكام المتعلقة بالخاص والعام أو لأجل تصور قصوره في مقام العبادة على الوجه التام (فاستغفر الله كلّ يوم) وفي نسخة في كل يوم وفي نسخة في اليوم (مائة مرّة وفي طريق) أي للبخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فاستغفر الله (في اليوم أكثر من سبعين مرّة) وهي لا تنافي الرواية الأولى على أن حملهما على أرادة الكثرة هو الأولى والحاصل أنه كان يعد ما يشغله عن ربه في الصورة ذنبا بالنسبة إلى مقامه الأعلى المعبر عنه لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل والمحققون على أنه أراد بالنبي المرسل ذاته الأكمل في حاله الأفضل المعبر عنه بالاستغراق في لجة فناء بحر التوحيد وبر التفريد وبهذا تبين لك أن حسنات الأبرار سيئات المقربين وكانت رابعة العدوية في مثل هذه القضية قالت استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير والحاصل أن هذا سحاب غين في الطريقة وحجاب عين في الحقيقة وحجب الأنبياء والاصفياء من الأولياء لم تكن إلا نوارنية لطيفة لا ظلمانية كثيفة (فاحذر) أي كل الحذر لخوف عظيم الخطر (أن يقع ببالك) أي ويخطر في خيالك (أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغَيْنُ وَسْوَسَةً أَوْ رَيْبًا) بالموحدة ان شكا وشبهة وفي نسخة بالنون فيكون من قبيل قوله تعالى كَلَّا بَلْ رانَ
[ ٢ / ١٩٢ ]
عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ فالمعنى فاحذر أن تتوهم أن يكون هذا الغين ربنا أي حجابا شينا (وقع في قلبه عليه الصلاة السّلام) أي فينقلب عليك الملام (بل أصل الغين في هذا) أي المكنى به في المقام (ما يتغشّى القلب ويغطّيه) عما يقصده من المرام ولعل الحكمة في ذلك عدم القوة البشرية لدوام ما هنالك؛ (قاله) أي هذا المبنى اللغوي المترتب عليه المعنى الحقيقي (أبو عبيد) وهو معمر بن المثنى كذا ذكره الدلجي وقال الحلبي هو القاسم بن سلام بتشديد اللام انتهى وهو الظاهر في هذا المقام ويروى قال أبو عبيد (وأصله من غين السّماء) وفيه إيماء إلى مقام العلاء (وهو إطباق الغيم عليها) فهو سحاب عارض لا يمنع السماء عن مقام الاعتلاء؛ (وقال غيره) أي غير أبي عبيد (الغين شيء يغشّي القلب) بتشديد الشين وتخفيفها أي يستره ويخفيه (ولا يغطّيه كلّ التّغطية كالغيم الرّقيق) وهو السحاب الأبيض (الّذي يعرض في الهواء) بالمد (فلا يمنع ضوء الشّمس) أي بالكلية (وكذلك) أي مثل ما قدمناه لك فيما حذرناك من أن تفهم بالغين نوع وسوسة في البين (لا يفهم) بصيغة المجهول ليكون أعم ولا يبعد أن يكون بصيغة الخطاب والمراد به الخطاب العام (مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُغَانُ عَلَى قَلْبِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً فِي اليوم إذ ليس يقتضيه) أي هذا المعنى (لفظه الّذي ذكرناه) أي من المبنى (وَهُوَ أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ وَإِنَّمَا هَذَا عَدَدٌ لِلِاسْتِغْفَارِ لا للعين) وفيه أن الرواية التي ذكرها المصنف بلفظ فاستغفر الله تقتضي ذلك بل الظاهر أن هذا العدد من الاستغفار يترتب على تحقق كل ما وقع من الغين في عين الأبرار نعم هذا لم يرد على ما ورد بلفظ وأني لأستغفر الله فإن صدر الحديث يشير إلى أنه قد يغان قلبه عن ربه وآخره يشعر بأنه يستغفر الله تعالى كثيرا لأجله أو بسبب غيره وحينئذ يحتمل أن يكون استغفاره لنفسه أو لغيره من المؤمنين أو للجمع بينهما وهو ظاهر قوله تعالى وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ مع ما فيه من تعليم الأمة وتحثيثهم على كثرة الاستغفار والتوبة عن المعصية والغفلة والتقصير في الطاعة والعبادة للاقتداء بسيد الأنبياء على أن في كثرة الاستغفار فتح باب الفناء وانكشاف مقام البقاء (فيكون المراد بهذا الغين) أي والله تعالى أعلم بحقيقته (إشارة إلى غفلات قلبه) أي في مقام المجاهدة (وفترات نفسه) أي في مرام المشاهدة (وسهوها) أي اشتغالها بما هو أهم عليها (عن مداومة الذّكر) أي اللساني إذ لا يمنع مانع عن مواظبة الذكر الجناني ولذا كان صلى الله تعالى عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال غفرانك تداركا لما فاته من ذكر اللسان في درك الفضاء واشعارا بأنه قاصر عن القيام بشكر تلك النعماء كما أشار إليه بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم حينئذ الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني وأبقى علي ما ينفعني (ومشاهدة الحقّ) أي في مقام الفناء والاستغراق المطلق (بما كان) أي بسبب كونه (صلى الله تعالى عليه وسلم دفع إليه) بصيغة المجهول أي رد إليه وحمل عليه (من مقاساة البشر) أي من مكابدة لوازم البشرية من الأكل والشرب وسائر المقتضيات الطبيعية (وسياسة الأمّة) أي بالأحكام الشرعية (ومعاناة الأهل)
[ ٢ / ١٩٣ ]
أي مقاساة أحوال العيال والأولاد والخدم والأحفاد ومكابدة الأقارب القريبة والبعيدة (ومقاومة الوليّ والعدوّ) أي مقابلتهما بما يصلح في معاملتهما (ومصلحة النّفس) أي تربيتها وارتياضها حتى تنقاد بتحمل ما لها وتحمل ما عليها مما لا بد منه معاشا ومعادا (وكلّفه) بصيغة المجهول أي وبما كلفه الله تعالى أي حمله (من أعباء أداء الرّسالة) أي من أثقال تأديتها واشتغال تبليغها (وحمل الأمانة) أي الخاصة والعامة المؤدية إلى كمال الديانة كما أشار إليه قوله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ أي عليها أنفسها أو على سكانها فَأَبَيْنَ أي امتنعن من قبول حملها بحسب القابلية حيث لم يخلقوا لها وما جعلهم الله من أهله وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ لكمال قابليته وجمال أهليته إِنَّهُ كانَ أي في علمه ﷾ باعتبار جنسه ظَلُومًا جَهُولًا لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ففي الآية دلالة على أن أن أفراد المؤمنين لا بد لهم من الاستغفار والتوبة ليستحقوا بذلك المغفرة والرحمة كما أشعر به قوله ﷾ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا للمسيئين والمحسنين (وهو) أي النبي ﵊ (في كلّ هذا) أي ما ذكرناه من اختلاف مقامه ويروى في هذا كله (في طاعة ربّه وعبادة خالقه) فلا يكون الاستغفار على الحقيقة من التوبة عن المعصية وإنما هو من حالة أدنى إلى حالة أعلى فإن السير في الله تعالى لا يبلغ أحد منتهاه (ولكن) أي الاستغفار مع هذا له سبب وهو أنه (لمّا كان صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْفَعَ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ مَكَانَةً) أي رتبة (وأعلاهم درجة) أي قربة (وَأَتَمَّهُمْ بِهِ مَعْرِفَةً وَكَانَتْ حَالُهُ عِنْدَ خُلُوصِ قلبه) أي عن ملاحظة غير ربه (وخلوّ همّته وتفرّده بربّه) عن شهود غيره (وإقباله بكلّيّته) أي قلبا وقالبا (عليه) أي بتفويض جميع أموره إليه والقائه نفسه كالميت بين يديه (ومقامه هنالك أرفع حاليه) أي بالنسبة إلى غير ذلك وجواب لما قوله (رأى صلى الله تعالى عليه وسلم حال فترته عنها) أي صورة (وشغله بسواها) أي ضرورة (غضّا) بتشديد المعجمة الثانية أي نقصا وانحطاطا (من عليّ حاله) أي رفع كماله وبديع جماله (وخفضا من رفيع مقامه) ومنيع مرامه (فاستغفر الله من ذلك) وطلب المقام الأعلى فيما هنالك؛ (هذا) أي التأويل الذي حررناه (أولى وجوه الحديث وأشهرها) أي وأظهرها فيما قررناه وفي نسخة وأشهدها أي وأبينها وأدلها فيما ذكرناه (وإلى معنى ما أشرنا به) أي إليه كما في نسخة وفي نسخة وإلى ما أشرنا به فيه من تأويل الحديث (مال كثير من النّاس وحام حوله) أي دار في جوانبه أهل الاستيناس (فقارب) أي أمره (ولم يرد) أي أحد حكمه وقيل لم يصله على أنه من ورد (وقد قرّبنا غامض معناه) أي مشكل معناه مع ما يتعلق بحل مبناه (وكشفنا للمستفيد محيّاه) بضم الميم وتشديد الياء أي نقاب وجهه وحجاب أمره وفي نسخة مخباه بخاء معجمة وتشديد موحدة أي مخفيه وأصله الهمز كما في قوله ألا يا اسجدوا لله الذي يخرج الخبأ فكأنه أبدل للتخفيف مراعاة للسجع (وهو) أي التأويل المذكور (مبنيّ على جواز الفترات) أي التكاسل
[ ٢ / ١٩٤ ]
في الطاعات والتغافل عن العبادات (والغفلات) أي عما يجب عليهم من الأمور في الأوقات (والسّهو) أي الغلط أو اللهو في بعض الأمور والحالات (في غير طريق البلاغ) أي تبليغ الآيات وما يتعلق بأمور الرسالات (على ما سيأتي) أي في بعض المقامات (وذهب طائفة من أرباب القلوب ومشيخة المتصوّفة) بفتح الميم وكسر الشين وسكونها أي مشايخهم في الطريق المطلوب (ممّن قال بتنزيه النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم عن هذا) أي عما ذكر من نحو الفترة والغفلة (جملة) أي جميعا بطريق الإجمال من غير تفصيل واستثناء بعض الأحوال (وأجّله) بتشديد اللام أي وعده ﵊ جليلا وفي مقام الكمال جميلا (أن يجوز عليه) أي من أن يصدر عنه وفي نسخة بصيغة المجهول مشددة الواو أي من أن يصدر تجويز ما سبق عليه (في حال) أي من الحالات ووقت من الأوقات (سهو) أي ذهول في المقامات (أو فترة) أي قصور في الطاعات وكسور في المقامات ومال (إلى أنّ معنى الحديث) أي المذكور بحسب المآل أن المراد بالغين (مليهمّ خاطره) من أهمه الأمر إذا أزعجه وأقلقه (ويغمّ فكره) بفتح الياء وضم الغين المعجمة لا كما توهم الحلبي من أنه بكسرها كما قبله وفي نسخة بضم أوله أي ويشغل سره (من أمر أمّته) أي أهل دعوته وإجابته (﵊ لاهتمامه بهم وكثرة شفقته عليهم) أي بوصف الدوام (فيستغفر لهم) أي في ساعات من الأيام فالاستغفار راجع إلى عصاة أمته ﵊؛ (قالوا) أي الطائفة المتصوفة (وقد يكون الغين ههنا) أي في هذا الحديث (على قلبه السّكينة) أي الوقار والطمأنينة (التي تتغشّاه) وفي نسخة تغشاه أي تتنزل عليه مما يخشع له قلبه ويسكن روعه (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ [التَّوْبَةِ: ٤٠] ويكون استغفاره ﵊ عندها) أي عند نزولها وحال حصولها (إظهارا للعبوديّة) يروى لعبوديته (والافتقار) ألى التجليات الربوبية؛ (قال ابن عطاء استغفاره وفعله) أي تضرعه وخضوعه وإظهار خوفه (هذا تعريف للأمّة) أي تعليم لهم (يحملهم) جملة استئنافية أو حالية أي يبعثهم ويحثهم (على الاستغفار) أقول وهذا المعنى لا ينافي ما سبق عن بعض الأبرار؛ (قال غيره) أي غير ابن عطاء (ويستشعرون) من الشعور أي ويدركون من تعريفه لهم الاستغفار (الحذر) من الوقوع في المعاصي على وجه الإصرار ووقع في أصل الدلجي الحصر أي الحبس لأنفسهم على الطاعة وفي نسخة الحظر أي المنع لها عن المعصية والحاصل أنهم حينئذ يقعون في الحذر والخوف على أنفسهم (ولا يركنون إلى الأمن) أي لا يميلون ولا يسكنون إليه ولا يعتمدون عليه؛ (وقد يحتمل أن تكون هذه الإغانة) في القاموس غين على قلبه غينا تغشته السهوة أو غطي عليه وألبس أي غشي عليه أو أحاط به الرين كأغين فيهما انتهى وبهذا علم أن الإعانة في لغة مبنى الغين والمراد بها أن هذه الغشية (حالة خشية وإعظام) أي ومقام هيبة (تَغْشَى قَلْبَهُ فَيَسْتَغْفِرَ حِينَئِذٍ شُكْرًا لِلَّهِ وَمُلَازَمَةً لعبوديّته) أي ومحافظة على مداومة عبودية مولاه (كما قال في ملازمة العبادة) أي التي هي أخص من العبودية (أفلا
[ ٢ / ١٩٥ ]
أكون عبدا شكورا) حين قام ﵊ في صلاة الليل حتى تورمت قدماه فقيل له افتتكلف هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شكورا والحديث روى الترمذي والفاء للعطف على مقدر تقديره ءاترك الصلاة اعتمادا على الغفران فلا أكون عبدا شكورا للرحمن وقد قال في حق نوح ﵇ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا وقال ﷿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ وقيل المعنى أن غفران الله تعالى إياي سبب لأن أصلي شكرا له فكيف أتركه ثم تخصيص العبد بالذكر للإشعار بأن العبودية تقتضي صحة النسبة وليست تتصور إلا بالعبادة وهي عين الشكور فالمعنى ألزم العبادة وإن غفر لي لأكون عبدا شكورا وكأن من سأله ظن أن سبب تحمل مشقة العبادة إما خوف معصية أو رجاء مغفرة فأفاده أن لها سببا آخر أتم وأكمل وهو الشكر على التأهل لها مع اكمال المغفرة واجزال النعمة وقد روي عن علي كرم الله تعالى وجهه أن قوما عبدوا رغبة فتلك عبادة التجار وأن قوما عبدوا رهبة فتلك عبادة العبيد وأن قوما عبدوا شكرا فتلك عبادة الأحرار كذا نقله عنه صاحب ربيع الأبرار (وعلى هذه الوجوه) أي الأخيرة كما في نسخة وهي من قوله وقالوا وقد يكون الغين إلى آخره (يُحْمَلُ مَا رُوِيَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الحديث عنه ﵊ إنه) بكسر الهمز أي الشأن (لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سبعين مرّة فأستغفر الله تعالى) ولا يخفى أن هذه الرواية تؤيد أن المراد بالعدد في الحديث السابق هو الغين المرتب عليه الاستغفار لا الاستغفار المجرد عن الغين كما قدمناه (فَإِنْ قُلْتَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صلى الله تعالى عليه وسلم وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ أي الخلق بأجمعهم (عَلَى الْهُدى) بتوفيقهم للإيمان وترك العصيان لكن لم تتعلق المشيئة بما هنالك فلم يجمعهم على ذلك وأما تأويل المعتزلة بأن يأتيهم بآية ملجئة تجمعهم عليه لكن لم يفعل لخروجه عن الحكمة فمردود عليهم لأن المشيئة لا تتعلق بالخارج عن الحكمة والحكم الالهية لا نهاية لها ولا غاية لمعرفتها بل أكثرها مجهول عندنا (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ [الأنعام: ٣٥]) أي بصفات الله تعالى المقتضية لذلك فإن منها الجلالية التي توجب هلاك الكفار وانتقامهم بالنار خالدين فيها أبدا ومنها الجمالية التي توجب الرحمة على المؤمنين وإنعامهم بالجنة خالدين فيها أبدا (وقوله تعالى) أي والحال أنه قد قال وفي نسخة وقوله أي وما معنى قوله (لِنُوحٍ ﵇: مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [هود: ٤٦]) وحاصل الإشكال نهاهما عن كونهما من الجهال فأجاب عنه بقوله؟ (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ فِي ذَلِكَ إِلَى قول من قال في آية نبيّنا ﵊) وهي الآية الأولى (فلا تَكُونُنَّ مِمَّنْ يَجْهَلُ أَنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ لجمعهم على الهدى) لأنه ﵊ لم يكن جاهلا بهذا المقام ولا يجوز جهل الأنبياء بصفاته الكرام لكن لا يلزم من نهيه عن كونه منهم أنه منهم كما قال تعالى في آيات كثيرة فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ فإن المراد به التهييج والتثبيت على تحقيق ذلك
[ ٢ / ١٩٦ ]
المرام والتعريض بأن من كان على خلاف ذلك الاعتقاد فهو جاهل بالرشاد وضال عن طريق السداد (وفي آية نوح) وهي الآية الثانية (لَا تَكُونُنَّ مِمَّنْ يَجْهَلُ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حقّ) أي واخباره صدق (لقوله) أي لتصريح نوح نفسه (وإنّ وعدك الحقّ إذ فيه) أي فيما قاله هذا القائل الجاهل مجترئا بقوله عليهما تفسيرا للآيتين (إثبات الجهل بصفة من صفات الله تعالى) أي تجويزا مكان ذلك لأن النهي غالبا لا يكون إلا هنالك وإلا فقد سبق أنه لا يلزم من قوله فيهما اثبات الجهل لهما بصفة من صفات الله تعالى (وذلك) أي الجهل المذكور (لا يجوز على الأنبياء) بل ولا على العلماء والأولياء (والمقصود) أي من نهي الأنبياء عن هذه الأشياء (وعظهم أن لا يتشبّهوا في أمورهم) أي من أحوالهم وأقوالهم وأعمالهم وفي نسخة أن لا يتسموا بتشديد التاء أي لا يتصفوا (بسمات الجاهلين) بكسر السين المهملة أي بصفاتهم (كما قال) أي الله ﷾ إيماء إلى ذلك (إنّي أعظك وليس في آية منها دليل على كونهم على تلك الصّفة) أي صفة الجهل (الّتي نهاهم عن الكون عليها) أي الاتصاف بها (فكيف) أي لا يكون الأمر كذلك (وآية نوح قبلها فلا تسألني) فيه قراآت أي فلا تطلبني (ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) من نجاة ابنك (فحمل ما بعدها) أي ما بعد هذه الآية وهو قوله إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ (على ما قبلها) وهو قوله (فلا تسألني ما ليس لك به علم) (أولى) لصراحتهم بعدم علمه بموجب ترك نجاة ابنه (لأنّ مثل هذا) أي سؤال ما ليس له به علم من نجاة ابنه (قد يحتاج إلى إذن) من ربه ليقدم عليه بأمره (وقد تجوز إباحة السّؤال فيه ابتداء) أي من ابتداء الحال قبل النهي عن السؤال (فنهاه الله أن يسأله عمّا طوى) أي زوى الله تعالى (عنه علمه وأكنّه) بتشديد النون أي ستره وكتمه (من غيبه) أي عن ادراكه بالبصر أو البصيرة ومن بيان لما وقوله (من السّبب) بيان للغيب فكأنه قال من الغيب الذي هو السبب (الموجب لهلاك ابنه) وفي نسخة لإهلاك ابنه مع أنه قال تعالى وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ لكن لما كان على وجه الإجمال حمله على هذا السؤال ليتبين له جملة الأحوال وقال الماتريدي ظن أنه على دينه إذ كان يظهر له ذلك ويبطن كفره نفاقا هنالك وإلا لما تأتي له أن يقول إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وقيل إنه غلب عليه الشفقة الوالدية ومقتضى الطباع البشرية والأظهر قول الماتريدي ولذا قال المصنف (ثمّ أكمل الله تعالى نعمته عليه) أي هنالك (بِإِعْلَامِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي الموعودين بالنجاة كما قدمنا الإشارة إليه بأداة المستثناة أو المعنى ليس من أهلك حقيقة وإن كان ابنك صورة حيث خالفك سيرة كما بينه ﷾ بقوله (إِنَّهُ عَمَلٌ) أي ذو عمل (غَيْرُ صالِحٍ [هود: ٤٦]) وفي قراءة الكسائي إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ بصيغة الفعل ونصب غير والمراد بعمل غير صالح الكفر فكل من كان من ذرية الأنبياء ولم يكن من الاتقياء فلم يكن من أهلهم وإن كان من نسلهم ولذا ورد آلى كل تقي (حكى معناه مكّيّ كذلك) أي ومثل أمره ﷾ لنوح ﵇ (أمر نبيّنا) صلى الله تعالى عليه وسلم (في الآية
[ ٢ / ١٩٧ ]
الأخرى بالتزام الصّبر) في آية وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا (على إعراض قومه) أي عن الإيمان به (ولا يحرج) بالحاء المهملة وفتح الراء أي لا يضيق صدرا (عند ذلك) أي الاعراض (فيقارب) أي حالك (حال الجاهل بشدّة التّحسّر) كما يشير إليه صدر الآية وهو قوله تعالى وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ أي ملجئة إلى الإيمان بالأنبياء والمعنى لا تقدر على ذلك فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ بما هنالك، (حكاه أبو بكر ابن فورك) بضم الفاء وفتح الراء وجوز فيه الصرف وعدمه (وقيل معنى الخطاب) أي وجهه (لأمّة محمد) على أن الخطاب له والمراد غيره أو الخطاب لغيره ابتداء (أَيْ فَلَا تَكُونُوا مِنَ الْجَاهِلِينَ: حَكَاهُ أَبُو محمّد مكّي؛ وقال) أي مكي (مثله في القرآن كثير) أي من الآيات التي فيها الخطاب له والمراد أمته أو التي لا يصلح فيها الخطاب له حقيقة فالمراد به خطاب غيره من الأمة؛ (فبهذا الفضل) أي الذي أوجب لهم مزيد الفضل (وجب القول) وفي نسخة فهذا الفضل أوجب القول وفي أخرى يوجب القول (بعصمة الأنبياء منه) أي مما ذكر من الجهل بالله تعالى وصفاته ومن السهو واللهو والفترة والغفلة (بعد النّبوّة قطعا) أي جزما من غير تردد وشبهة (فَإِنْ قُلْتَ فَإِذَا قَرَّرْتَ عِصْمَتَهُمْ مِنْ هَذَا وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ) أي والشرك من جملة ذلك بل هو أعظم ما هنالك (فما معنى وعيد الله تعالى) وفي أكثر النسخ المصححة فما معنى إذا وعيد الله تعالى بالتنوين بمعنى حينئذ وبجر وعيد وكان الأظهر أن يقال فإذا ما معنى وعيد الله تعالى (لنبيّنا صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ إِنْ فَعَلَهُ وَتَحْذِيرِهِ منه) بناء على أن الوعيد والتحذير غالبا إنما يكون فيمن يتصور فيه فعلى ذلك لا فيمن يكون معصوما من وقوعه فيما هنالك وصورة الوعيد والتحذير وقعت كثيرة في حق نبينا ﵊ (كَقَوْلِهِ: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزُّمَرِ: ٦٥] الْآيَةَ) أي وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ وقبله وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ أي من الأنبياء والرسل فتوحيد الخطاب باعتبار كل واحد منهم وإطلاق الاحباط ظاهر على مقتضى مذهبنا والشافعية يحملونه على أنه خاص بهم أو على تقييده بموتهم عليه (وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ [يُونُسَ: ١٠٦] الْآيَةَ) وهي قوله تعالى فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ [الْإِسْرَاءِ: ٧٥] الآية) يعني قوله تَعَالَى وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا أي لقاربت أن تميل إلى مرادهم فأدركك تثبيتنا وعصمتنا فلم تقارب الركون إليهم فضلا عن أن تركن إليهم إذا أي لو قاربت الركون إليهم فرضا وتقديرا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة مضاعفين والأصل عذابا ضعفا في الحياة وعذابا ضعفا في الممات بمعنى مضاعفا فحذف الموصوف وأقيم صفته مقامه ثم أضيفت والمعنى أن المعصوم لا يتصور منه الركون إلى الكفر الموجب للعذاب (وقوله لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [الحاقة: ٤٥]) وهو جواب لو
[ ٢ / ١٩٨ ]
في قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ أي لو افترى علينا ما لا يصح نسبته إلينا لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين أي لأهلكناه وعذبناه وهذا تصوير لقتله صبرا بأفظع ما يفعله الملوك قهرا فيؤخذ بيمينه فيضرب عنقه فينقطع وتينه وهو عرق يقال له حبل الوريد مناط القلب فإذا قطع مات صاحبه والمعنى أن المعصوم لا يفتري على الله تعالى حتى يتفرع عليه ما هدد به (وَقَوْلِهِ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام: ١١٦]) والمعنى أن المعصوم لا يتصور منه إطاعة أرباب الضلال حتى يضلوه عن طريق الوصال (وقوله: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ [الشورى: ٢٤]) أي بعد قوله أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فالمعنى إن يشأ يجعلك ممن يختم على قلبه حتى يجترئ بالكذب على ربه أو المعنى يختم على قلبك فينسيك كلام ربك وقيل المعنى يربط عليه بالصبر فلا يشق عليه مقالة أهل الكفر فلا إشكال حينئذ (وقوله: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ) أي ما أمرت به من تبليغ جميع ما أنزل إليك (فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [المائدة: ٦٧]) قرئ بالإفراد والجمع أي حق رسالته أو فكأنك ما بلغت شيئا منها (وقوله: اتَّقِ اللَّهَ) كذا في نسخة وقبله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ كما في أخرى أي دم على تقواه (وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ [الأحزاب: ١]) أي فيما يؤدي إلى وهن في الدين ومن المعلوم أن المعصوم لا يكون إلا متقيا ولا يتصور فيه أن يطيع كافرا فما معنى أمره بالتقوى ونهيه عن إطاعة غير المولى (فاعلم) أيها المخاطب الأعم (وفقنا الله وإيّاك) للطريق الأقوم (أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لا يصحّ) أي له (ولا يجوز عليه أن لا يبلّغ) أي شيئا مما أمر به (ولا أن يُخَالِفَ أَمْرَ رَبِّهِ وَلَا أَنْ يُشْرِكَ بِهِ ولا يتقوّل على الله) أي ولا أن يتكلف بالقول عليه (ما لا يحبّ) أي ما لا ينبغي أن يقال ولم يؤذن في ذلك المقال (أو يفتري عليه) أي من تلقاء نفسه (أو يضلّ) بصيغة المجهول وفي نسخة بفتح الياء وكسر الضاد (أو يختم على قلبه) بالبناء للمفعول (أو يطيع الكافرين) أي أعم من المنافقين (لكن) وفي نسخة ولكن الله تعالى (يسّر أمره) أي سهله (بالمكاشفة والبيان في البلاغ) أي في تبليغه (للمخالفين) أي من اليهود والنصارى والمشركين (وَأَنَّ إِبْلَاغَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ السَّبِيلِ) أي الطريق المرضي (فكأنّه ما بلّغ) والمعنى أنه ﵊ كان خائفا من وقوع تقصير له في هذا المقام ولذا عقبه (وطيّب نفسه) أي أراحه من تعبه (وقوّى قلبه) بتوفيق ربه وتحقيق أمره (بقوله وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧]) أي مما بين الناس من أن تقع منك معصية أو تقصير في طاعة وهذا المعنى هو المناسب لهذا المقام كما يشير إليه السابق واللاحق للكلام وهو قوله تعالى وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ وهو لا ينافي ما ذكر بعضهم في معناه أنه ﷾ يعصمه من تعرض الكفار له بقتل ونحوه ففيه تنبيه نبيه على أنه لا بد له من إكمال تبليغه وهذه التسلية له ﵊ (كما قال لموسى وهارون لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما [طه: ٤٥]) أي حافظكما وناصركما على أعدائكما وهذا كله (لتشتدّ بصائرهم) أي لتتقوى سرائرهم (في الإبلاغ) ويروى في البلاغ أي في باب
[ ٢ / ١٩٩ ]
تبليغ الرسالة (وإظهار دين الله تعالى) في كل حالة (ويذهب) بضم الياء وكسر الهاء وفي نسخة بفتحها أي وليزيل أو يزول (عنهم خوف العدو المضعف) بتخفيف العين وتشديدها أي الموهن (للنّفس) وفي نسخة صحيحة لليقين. (وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ [الحاقة: ٤٤] الآية) وقد سبقت (وَقَوْلُهُ إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ [الْإِسْرَاءِ: ٧٥] فَمَعْنَاهُ أنّ هذا) يجوز كسر همزه وفتحه والإشارة إلى ما ذكر من الأخذ والإذاقة (جزاء من فعل هذا) أي الافتراء والميل إلى كلام الأعداء (وجزاؤك لو كنت) أي فرضا وتقديرا (ممّن يفعله) أي يتصور له فعله (وهو لا يفعله) أي لا يجيء منه فعله وفي هذا مبالغة للزجر عما ذكر لغيره ممن يتصور منه فعله (وكذلك) أي ومثل ما تقدم من التأويل (قَوْلُهُ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام: ١١٦]) أي ولو كان الخطاب له بظاهره (فالمراد غيره) مبالغة في زجره عن مخالفة أمره (كما قال) أي الله تعالى مخاطبا للأمة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا على سبيل الحقيقة (إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٩] الْآيَةَ) أي يردوكم على أعقابكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ وقد نزلت حين قال المنافقون للمؤمنين بأحد عند انهزامهم إذا أرجف بقتل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كذبا ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم ولو كان محمد نبيا لما قتل ثم العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (وقوله) أي وكذلك قوله تعالى (فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ [الشُّورَى: ٢٤]: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزُّمَرِ: ٦٥] وَمَا أَشْبَهَهُ فالمراد غيره) أي حقيقة ولو كان الخطاب له مجازا فيكون فيه تعريض لاستيقاظ الأمة من نوم الغفلة (وأنّ هذه) أي العقوبة المتفرعة (حال من أشرك) ومآل وبال من كفر ومن لم يوحد الله تعالى به وما أقر (والنبيّ ﵊ لا يجوز عليه هذا) أي الإشراك لعصمته من ذاك إجماعا (وَقَوْلُهُ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ [الْأَحْزَابِ: ١]) مبتدأ وكأن المصنف قدر فيه اما أو توهم فأخبر عنه بقوله (فليس فيه أنّه أطاعهم) إذ لا يلزم من النهي عن الإطاعة مخالفة الطاعة (والله سبحانه ينهاه عمّا يشاء) حيث قال وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ (ويأمره بما يشاء) حيث قال اتَّقِ اللَّهَ (كَمَا قَالَ: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ [الأنعام: ٥٢] الآية) أي بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (وما كان طردهم صلى الله تعالى عليه وسلم ولا كان من الظّالمين) والتحقيق في مقام العصمة أنه لا يأمره بالموافقة ولا ينهاه عن المخالفة لأنه لا يتصور منه هذه الحالة فإما أن يحمل الآيتان على ما سبق من سائر الآيات أو على أنه أريد به التهييج والاثبات أو الامتنان عليه بهذه العصمة والثبات في الحياة إلى الممات.
فصل (وأمّا عصمتهم من هذا الفنّ)
أي من نوع المعصية مع الإجماع على عصمتهم من
[ ٢ / ٢٠٠ ]
الكفر (قبل النّبوّة فللنّاس فيه خلاف) ففي شرح العقائد للعلامة التفتازاني الأنبياء معصومون من الكذب خصوصا فيما يتعلق بأمر الشرائع وتبليغ الأحكام وإرشاد الأمة إما عمدا فبالإجماع وإما سهوا فعند الأكثرين وفي عصمتهم من سائر الذنوب تفصيل وهو أنهم معصومون عن الكفر قبل الوحي وبعده بالإجماع وكذا عن تعمد الكبائر عند الجمهور خلافا للحشوية وإما سهوا فجوزه الأكثرون وأما الصغائر فتجوز عمدا عند الجمهور خلافا للجبائي واتباعه وتجوز سهوا بالاتفاق إلا ما يدل على الخسة كسرقة لقمة وتطفيف حبة لكن المحققون اشترطوا أن ينبهوا عليه فينتهوا عنه هذا كله بعد الوحي وأما قبله فلا دليل على امتناع صدور الكبيرة وذهب المعتزلة إلى امتناعها والحق منع ما يوجب النفرة كعهر الأمهات والفجور والصغائر الدالة على الخسة إذا تقرر هذا فما نقل عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مما يشعر بكذب أو معصية فما كان منقولا بطريق الآحاد فمردود وما كان بطريق التواتر فمصروف عن ظاهره إن أمكن وإلا فمحمول على ترك الأولى أو كونه قبل البعثة وتفصيل ذلك في الكتب المبسوطة. (وَالصَّوَابُ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ مِنَ الْجَهْلِ بالله وصفاته) أي الثبوتية والسلبية والفعلية والإضافية (والتّشكّك) وروي أو التشكك والأول أولى ومعناه التردد (في شيء من ذلك) أي من جميع جهاته المتعلقة بالأمور الدينية والأخروية (وقد تعاضدت الأخبار والآثار) أي وتعاونت وتواترت الأنباء (عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النّقيصة) أي منقصة الجهل في مرتبة المعرفة (منذ ولدوا) فهم معصومون قبل البلوغ أيضا عن الكفر والاصرار على المعصية (ونشأتهم) أي وبخلقتهم وفطرتهم وتربيتهم (على التّوحيد والإيمان) أي في أعلى مراتب الإيقان ومناقب الإحسان (بل على إشراق أنوار المعارف) وإطلاع أسرار العوارف (ونفحات ألطاف السّعادة) ورشحات اشراف الزيادة (كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنَ القسم الأوّل) أي في فصل الخصال المكتسبة (مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْ أهل الأخبار) أي لا من الكفار ولا من الأبرار (أنّ أحدا) من الناس (نبّىء) ويروى تنبأ أي جعل نبيا في مقام الاستئناس (واصطفي) أي اختير عليهم (ممّن عرف بكفر وإشراك) عطف خاص على عام (قبل ذلك) أي قبل ظهور النبوة وإظهار الرسالة (ومستند هذا الباب) أي مرجع هذا النوع من الكلام (النّقل) أي الثابت في مقام المرام (وقد استدلّ بعضهم) أي على عصمة الأنبياء من بعض أفراد المعصية على تقدير وقوعها منهم (بأنّ القلوب تنفر عمّن) ويروى عن كل من (كانت هذه سبيله) فيفوت غرض التبليغ وتحصيله (وأنا أقول إنّ قريشا) وهم عمدة قبائل العرب (قد رمت نبيّنا بكلّ ما افترته) أي ذمته بجميع ما قدرت عليه من نسبته إلا المسبة، (وعيّر) بتشديد التحتية أي وعاب (كفّار الأمم أنبياءها بكلّ ما أمكنها) أي من المعايب (واختلفته) بالقاف أي اخترعته من جميع المثالب (ممّا نصّ الله تعالى عليه) أي صرح به من الجنون والسحر والشعر والتعلم والافتراء وطلب الجاه وأمثال ذلك وفي نسخة بالقاف بدل النون (ونقلته إلينا الرّواة) أي عن كفار الأمم من الطعن في الرسل (ولم نجد في شيء من
[ ٢ / ٢٠١ ]
ذلك) أي من نص الحق ورواية الخلق (تعييرا لواحد منهم) يحتمل أن يكون الواحد معرفا وقع مضافا إليه وأن يكون تعييرا مفعول لم نجد ولو أحد متعلق به (برفضه) أي بترك نبي (آلهته) أي من الأصنام بعد ما كان يلتزم عبادتها (وتقريعه) أي وبتوبيخه (بذمّه) متعلق بتعيير الواحد منهم (بترك ما كان قد جامعهم) أي وافقهم (عليه) أي في أول أمره ولو في حال صغره (ولو كان) أي وجد لأحد منهم (هذا) أي الأمر المخالف للدين المنافي لتوحيد أرباب اليقين (لكانوا) أي الكفار (بذلك) أي بإظهار ما ذكر (مبادرين) أي مسارعين إلى تعييره في تغييره (وبتلوّنه) أي تغيره وانتقاله (في معبوده) أي معبود غيره (محتجّين) أي مستدلين على تقريعه وتوبيخه (ولكان توبيخهم) أي لومهم (له بنهيهم عمّا كان يعبد قبل) أي قبل دعوى النبوة (أفظع) بالفاء والظاء المعجمة أي أشنع في النسبة (وأقطع) أي أمنع (فِي الْحُجَّةِ مِنْ تَوْبِيخِهِ بِنَهْيِهِمْ عَنْ تَرْكِهِمْ آلهتهم) التي يدعون من دون الله (وَمَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ فَفِي إطباقهم على الإعراض عنه) أي عن توبيخ أحد منهم بعبادة غير الله (دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا سَبِيلًا إِلَيْهِ) أي إلى نقله (إذ لو كان لنقل) أي عنهم (وما سكتوا عنه) فإنهم كانوا يفترون عليه ما لم يكن فيه موجودا فكيف إذا وجدوا إليه سبيلا محققا مشهودا (كما لم يسكتوا عند تحويل القبلة) أي صرفها عن الكعبة إلى بيت المقدس أو عن بيت المقدس إلى الكعبة ويروى عن تحويل القبلة (وقالوا) أي كفار مكة أو اليهود (مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) أولا من الكعبة أو بيت المقدس (كما حكاه الله عنهم) بقوله سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ الآية (وقد استدلّ القاضي القشيريّ) لعله أبو نصر عبد الرحيم ابن الاستاذ أبي القاسم القشيري «١» صاحب الرسالة اجمع على جلالته وإمامته ارتفع على إمام الحرمين وعلى أبيه واعتقل لسانه في آخر عمره وكان دائم الذكر وكان لا يتكلم إلا بآي القرآن توفي سنة أربع عشرة وخمسمائة بنيسابور ولأبي القاسم القشيري ولد آخر اسمه عبد الرحمن كنيته أبو منصور أحد أولاده من فاطمة بنت الاستاذ أبي علي الدقاق وكان مستوعب العمر بالعبادة مستغرق الأوقات بالذكر والتلاوة مات سنة اثنين وثلاثين وأربعمائة بمكة مجاورا وكان له ولد آخر اسمه عبد الله أكبر أولاده وكان من أكابر الأمة فقها وأصولا وكان والده يحترمه ويعامله معاملة الأقران مولده سنة أربع عشرة وأربعمائة ومات سنة سبع وسبعين وأربعمائة قال الحلبي هذا الذي عرفته من أولاده ولم أر فيهم أحدا قاضيا والله ﷾ أعلم والحاصل أنه استدل (على تنزيههم) أي براءة ساحتهم (عن هذا) عن مثل ما ذكر من الشرك والكفر (بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ) أي عهدهم بتبليغ الرسالة والدعاء إلى التوحيد
_________________
(١) أقول الصواب عبد الرحيم ابن الإمام عبد الكريم بن هوازن الأستاذ أبو نصر ابن الأستاذ أبي القاسم القشيري كما قاله الشهاب فليراجع.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
والديانة وَمِنْكَ [الأحزاب: ٦] الآية) أي ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم فخص أولو العزم من الرسل وقدم نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم إما لتعظيم رتبته وإما لتقديم حقيقة نبوته بتقديم روحه ونوره في عالم ظهوره الأولى في بدء أمره وآخر عصره فهو كالعلة الغائية متقدم الوجود متأخر الشهود وتتمة الآية وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا أي عظيما ولعل هذا الميثاق في عالم الأرواح أو كان لهم ميثاق خاص في ضمن عموم ميثاق أهل الأشباح (وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ [آل عمران: ٨١] إلى قوله تعالى لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [الأحزاب: ٨١] أي لما آتيتكم بفتح اللام وقرأ حمزة بكسرها وقرأ نافع لما آتيناكم من كتاب وحكمة أي نبوة ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ فقيل المراد برسول فرد من أفراد هذا الجنس فالتنوين للتنكير وقيل المراد به رسولنا صلى الله تعالى عليه وسلم بخصوصه فيكون التنوين للتعظيم ويؤيده أنه ﵊ قال لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي ثم هذا الميثاق يحتمل فيما قدمناه أن يكون جملة ويحتمل أن كل نبي حين اعطائه ﷾ له النبوة أخذ منه هذه البيعة على هذه الموافقة والمتابعة (قال) أي القاضي القشيري (فطهّره الله في الميثاق) بإماطة ما لا يليق بكريم قدره وإحاطة ما يناسب تعظيم أمره (وبعيد أن يأخذ) أي الله تعالى (منه الميثاق قبل خلقه ثمّ يأخذ ميثاق النّبيّين بالإيمان به ونصره) أي وبإعانة دينه وتقوية أمره (قبل مولده بدهور) أي بأزمنة طويلة (ويجوز عليه الشّرك) يروى الشك ويجوز في يجوز تشديد الواو المفتوحة أو المكسورة (أي وغيره من الذّنوب) أي الكبائر وكذا الاصرار على الصغائر فهذا هو المستبعد غاية البعد والواو للحال، (هذا) أي إمكان صدور الكفر والشرك منه (مَا لَا يُجَوِّزُهُ إِلَّا مُلْحِدٌ، هَذَا مَعْنَى كلامه) أي القشيري ولعله اقتصر بعض مرامه؛ (فكيف يكون ذلك) أي مجوزا (وقد أتاه جبريل) كما رواه مسلم عن أنس (وشقّ قلبه) أي صدره كما في نسخة (صغيرا) أي حال صغره وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه (واستخرج منه علقة) أي تكون للشيطان بها علقة (وقال هذا حظّ الشّيطان منك) أي صورة لو تركناها على تلك الحالة بلا طهارة كاملة تكون حائلة (ثمّ غسله) أي جبريل في طست من ذهب بماء زمزم حتى ذهب عنه الحجاب الصوري وانكشف له النقاب النوري (وملأه حكمة) أي إيقانا واتقانا (وإيمانا) أي تصديقا وبرهانا ثم لأمه وأعاده في مكان وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني ظئره فقالوا إن محمدا قد قتل فاستقبلوه وهو منتقع اللون قال أنس فكنت أرى أثر المخيط في صدره كذا في المصابيح (كما تظاهرت) أي تواترت وتظافرت (به أخبار المبدأ) أي أحاديث بدء خلقته وظهور آثار نبوته إلى منتهى نعته في أسرار رسالته ولا يخفى أنه ﵊ شق صدره مرتين مرة في حال صباه عند مرضعته حليمة ومرة ليلة المعراج على ما تقدم والله تعالى أعلم (ولا يشبّه) بتشديد الموحدة المفتوحة أي لا يلتبس (عليك) الأمر في تصويب العصمة عن المعصية قبل النبوة (بِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ فِي
[ ٢ / ٢٠٣ ]
الكوكب والقمر والشّمس هذا ربّي) فإنه بظاهره ينافي ما قدمناه على إطلاقه وأجمعوا على أنه لم يكن في حال كبره (فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ كَانَ هَذَا فِي سَنِّ الطّفوليّة وابتداء النّظر والاستدلال) أي في قضية الربوبية (وقبل لزوم التّكليف) أي بالأمور الشرعية (وذهب معظم الحذاق) جمع حاذق بالذال المعجمة المهرة المتقنين (من العلماء والمفسّرين إلى أنّه) أي إبراهيم (إنّما قال ذلك) أي هذا ربي (مبكّتا) بتشديد الكاف المكسورة أي حال كونه موبخا (لقومه ومستدلا عليهم) أي ببطلان دينهم وما تخيل إليهم (وقيل) كان الظاهر أن يقال فقيل بفاء التفريع لتبيين وجه التبكيت والتقريع (معناه الاستفهام) أي المقدر في الكلام (الوارد مورد الإنكار) أي لتتميم المرام، (والمراد فهذا ربّي) وفيه أنه يكفي أن يقال هذا رَبِّي (وقال الزَّجَّاجُ قَوْلُهُ هَذَا رَبِّي [الْأَنْعَامِ: ٧٦] أَيْ عَلَى قولكم) يعني في زعمكم (كما قال) أي الله ﷾ حكاية عما يقوله يوم القيامة مخاطبا للكفرة (أَيْنَ شُرَكائِيَ [القصص: ٧٤] أي عندكم) وفي رأيكم، (ويدلّ على أنّه) أي إبراهيم (لم يعبد شيئا من ذلك) أي ما ذكر من الكوكب والقمر والشمس (ولا أشرك بالله تعالى قطّ) أي أبدا (طرفة عين) أي غمضة ولمحة (قول الله تعالى عنه) أي حكاية (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ [الشُّعَرَاءِ: ٧٠]) إنكارا عليهم (ثم قال) أي بعد جوابهم كما قال له تعالى حكاية عنهم قالُوا نَعْبُدُ أَصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (أَفَرَأَيْتُمْ أي أخبروني (ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ) أي أسلافكم المتقدمون (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) أي فلا أعبد شيئا منها (إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ) استثناء منقطع أي لكنه ودود لي فاعبده وحده لأنه موصوف بنعوت الكمال الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (وقال) أي الله تعالى في حقه ويروى وقوله (إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الصَّافَّاتِ: ٨٤] أَيْ من الشّرك) وسائر العقائد الدنية والأخلاق الردية؛ (وقوله) أي كما حكاه عنه سبحانه (وَاجْنُبْنِي) أي وبعدني (وَبَنِيَّ) أي من صلبي (أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ [إبراهيم: ٣٥]) وثبتنا على دين الإسلام (فإن قلت فما معنى قوله) أي بعد غيبوبة القمر وأفوله (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [الأنعام: ٧٧] قيل إنّه) أي معناه (إن لم يؤيّدني) أي ربي (بمعونته) أي توفيقه وعصمته (أكن مثلكم في ضلالتكم وعبادتكم) أي لآلهتكم فهو إنما قال ذلك المقال (على معنى الإشفاق والحذر) عن أن يقع في الوبال بحسب المآل (وَإِلَّا فَهُوَ مَعْصُومٌ فِي الْأَزَلِ مِنَ الضَّلَالِ) والأظهر أنه إظهار تلذذ بتلك الحال وتحدث بنعمة الله الملك المتعال هذا والأزل هو القدم وأصله لم يزل فلما نسب إليه اختصر فقيل يزلي بالياء ثم أزلي بالهمز بدلا منه (فإن قلت فما معنى قوله) أي الله ﷾ (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا [إبراهيم: ١٣]) أقسموا ليكونن أحد الأمرين إما اخراجهم من قريتهم أو عودهم في ملتهم ولم يكونوا قط على طريقتهم (ثم قال) أي الله تعالى (بعد) أي بعد ذلك (عن الرّسل) هذه البعدية لأن الآية الآتية إنما هي في
[ ٢ / ٢٠٤ ]
شعيب حيث قال له قومه لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (قَدِ افْتَرَيْنا الآية) فهذا جواب عن شعيب ومن تبعه من المؤمنين ويمكن حمل العود على التغليب لا كما قال المصنف عن الرسل اللهم إلا أن يتكلف ويقال التقدير قد افترينا نحن معاشر الأنبياء وطائفة المؤمنين من الأولياء على الله كذبا أي في دعوى التوحيد إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله منها وعصمنا من الركون إليها (فلا يشكل عليك لفظة العود) بناء على توهم أنه بمعنى الرجوع في هذا المقام (وأنّها تقتضي) أي حينئذ (أنّهم) أي الأنبياء (إنّما يعودون) ويروى أنهم يعودون (إلى ما كانوا) ويروى لما كانوا (فيه من ملّتهم) أي فإن هذا المعنى خطأ فاحش وللعوذ معان (فَقَدْ تَأْتِي هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ) أي أحيانا (لغير ما ليس له ابتداء) كذا في بعض النسخ والصواب كما في بعضها لما ليس له ابتداء كما بينه بقوله (بِمَعْنَى الصَّيْرُورَةِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْجَهَنَّمِيِّينَ) على ما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري (عادوا حمما) بضم الحاء المهملة وفتح الميم أي صاروا فحما سودا قد امتحشوا (ولم يكونوا) أي الجهنميون (قبل كذلك) أي كذلك كما في نسخة يعني حمما ويروى قبل بضم اللام وبعده كذلك، (ومثله قول الشّاعر) ولم يعرف قائله وثبت أن عمر بن عبد العزيز أنشده وكأنه تمثل به وقيل إنه لأمية بن أبي الصلت في سيف بن ذي يزن وقيل لأبي الصلت بن ربيعة الثقفي وقيل للنابغة الجعدي وفي نسخة ومثله قوله (فعادا بعد) ببناء الدال على الضم (أبوالا) وهذا عجز بيت صدره:
تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ شِيبَا بماء فعاد بعد أبوالا
وفي بعض النسخ المعتمدة البيت بكماله أي هذه المناقب الجميلة وهي المكارم التي يترتب عليها المراتب الجزيلة ولا قعبان ضبط بكسر النون على أنه تثنية القعب وهو بفتح القاف وسكون العين المهملة فموحدة القدح الضخم ويروى الرجل وفي بعض النسخ بفتح النون على البناء وشيبا بصيغة المجهول أي خلطا فعادا أي القعبان والمراد ما فيهما من اللبن بذكر المحل وارادة الحال كقوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ بعد أي بعد شربهما أي صارا أبوالا واستحالا بها مآلا (وما كانا) أي لبن القعبين (قبل) أي قبل شربهما (كذلك) أي أبوالا هنالك وأما ما ذكره الأنطاكي شاهدا على أن عاد بمعنى صار من قوله تعالى حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ومن قول النعمان بن قتادة أنه دخل على عمر بن عبد العزيز فقال له من أنت يا فتى فقال:
أنا ابن الذي سألت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الرد
فعادت كما كانت لأحسن حالها فيا حسنها عينا ويا حسنها أيد
وكان قد اصيبت عين قتادة يوم أحد ووقعت عَلَى وَجْنَتِهِ فَرَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم فقال عمر بن العزيز بمثل هذا فليتوسل إلينا المتوسلون فلا يخفى أن العود
[ ٢ / ٢٠٥ ]
فيهما بمعنى الرجوع فليس ذكرهما في محله (فإن قلت فما معنى قوله تعالى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [الضحى: ٧] فليس) أي فنقول ليس (هو من الضّلال الّذي هو الكفر) أي إجماعا لما سبق من الدليل نقلا وعقلا واختلف في المراد به (قيل ضالّا عن النّبوّة) أي غائبا عنها أو غير عارف بها (فهداك إليها) ويروى وهداك ذكره الحجازي وهو الملائم للآية؛ (قاله الطّبريّ) وهو محمد بن جرير، (وَقِيلَ وَجَدَكَ بَيْنَ أَهْلِ الضَّلَالِ فَعَصَمَكَ مِنْ ذلك) أي الحال (وهداك بالإيمان) على وجه الكمال (وإلى إرشادهم) إليه بحسن المقال (وَنَحْوُهُ عَنِ السُّدِّيِّ وَغَيْرِ وَاحِدٍ، وَقِيلَ ضَالًّا عن شريعتك أي لا تعرفها) إلا بإلهام أو وحي (فهداك إليها) أي تارة بالوحي الجلي وأخرى بالخفي، (والضّلال ههنا التّحيّر) أي الناشئ عن عدم المعرفة (ولهذا كان صلى الله تعالى عليه وسلم يخلو بغار حراء) بالصرف وعدمه على ما سبق ضبطه (فِي طَلَبِ مَا يَتَوَجَّهُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ) من قطع العلائق ودفع العوائق (ويتشرّع به) أي ويطلب شرعا يمشي في طبقه ويعمل على وفقه ويروى يسرع من الإسراع بالسين المهملة وعند شارح قائلا إنه بخط المؤلف يشرع بضم الياء وسكون الشين المعجمة وكسر الراء رباعيا من أشرع جعله شريعة (حتّى هداه الله إلى الإسلام) أي إلى شرائعه الأعلام وتفاصيله من الأحكام (قال) وفي نسخة حكي (معناه) أي معنى الكلام الذي قدمناه (القشيريّ) أي الاستاذ أو ولده (وقيل لا تعرف الحقّ) أي إلا مجملا (فهداك إليه) أي مفصلا، (وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
[النساء: ١١٣]) أي من أمور الدين وأحكام اليقين (قاله عليّ بن عيسى) الظاهر أن هذا هو الرماني المتكلم النحوي على ما ذكره الحلبي ويروى قال عَلِيُّ بْنُ عِيسَى، (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ تكن له ضلالة معصية) بالإضافة وفي نسخة ضلالة في معصية أي لأجلها يقع في وبالها بل ضلالة طاعة لم يدر طريق كمالها (وقيل هدى: أي بيّن أمرك بالبراهين) أي الأدلة القاطعة والبينة الساطعة (وقيل وَوَجَدَكَ ضَالًّا [الضحى: ٧] بين مكّة والمدينة) أي ما تدري ما محياك ومماتك (فهداك إلى المدينة) وجعلها محل حياتك ومنزل وفاتك وهدى بك أقواما كانوا عن الحق غافلين وآخرين كانوا له مذعنين وآخرين كانوا له معاندين (وقيل المعنى وجدك) أي هاديا (فهدى بك ضالّا) يعني فقدم وأخر مراعاة للفواصل وهذا بعيد عن القواعد القوابل. (وعن جعفر) أي الصادق (بن محمد) أي الباقر ابن زين العابدين بن الحسين بن علي ﵃ (وَوَجَدَكَ ضَالًّا) أي حال بدء التجلي الأول (عَنْ مَحَبَّتِي لَكَ فِي الْأَزَلِ أَيْ لَا تعرفها) على الوجه الأكمل (فمننت عليك بمعرفتي) لتعرف بها محبتي؛ (وقرأ الحسن بن عليّ وَوَجَدَكَ ضَالًّا) أي بالرفع على أنه فاعل أي متحير في الحال (فَهَدى أي اهتدى بك) في المآل ونال مقام الوصال، (وقال ابن عطاء: وَوَجَدَكَ ضَالًّا أي محبّا لمعرفتي) فهداك إلى طريق محبتي وسبيل مودتي (والضّالّ المحبّ) أي في بعض اللغات (كما قال) أي ﷾ حكاية عن بني يعقوب مخاطبين لأبيهم (إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ [يُوسُفَ: ٩٥] أَيْ مَحَبَّتِكَ القديمة ولم يريدوا
[ ٢ / ٢٠٦ ]
ههنا) ويروى هنا أي الضلال (فِي الدِّينِ إِذْ لَوْ قَالُوا ذَلِكَ فِي نبيّ الله) أي يعقوب (لكفروا) أي بيقين (ومثله) أي في مبناه ومعناه (عند هذا) أي ابن عطاء (قوله) أي الله سبحانه حكاية عنهم (إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ أَيْ مَحَبَّةٍ بيّنة) أي ليوسف ومودة ظاهرة من كثرة التلهف والتأسف وفسر بعضهم الضلال في هذه الآية بالخطأ حيث اختار محبة الصغيرين على محبة أولاده الكبار العشرة الذين هم عصبة وأرباب قوة وشوكة، (وقال الجنيد) هو أبو القاسم القواريري نسبة لبيع القوارير وهو الزجاج المشهور بسيد الطائفة وشيخ الطريقة أصله من نهاوند ومولده ومنشأه بالعراق كان شيخ وقته وفريد عصره وكلامه في الحقيقة معروف مدون وتفقه على أبي ثور أحد أصحاب الشافعي وكان يفتي في حلقته وعمره عشرون سنة كذا ذكره السبكي وقال بعضهم تفقه على مذهب سفيان الثوري وصحب خاله السري السقطي والحارث بن أسد المحاسبي وأبي حمزة البغدادي توفي سنة سبع وتسعين ومائتين آخر ساعة من يوم الجمعة ببغداد ودفن بالشونيزية عند خاله السري ذكره السبكي في طبقات الشافعية ونقل عنه أنه كان يقول الأفضل للمحتاج أن يأخذ من صدقة التطوع وخالفه غيره وقال الأخذ من الزكاة أفضل لأنها إعانة على واجب انتهى ولعله أراد التورع فإن دائرة التطوع أوسع في باب التبرع وكان يقول ما أخذنا التصوف عن القيل والقال ولكن بالجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات وكان يقول طريقتنا مضبوطة بالكتاب والسنة من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به وقال ذات يوم ما أخرج الله إلى الأرض علما وجعل للخلق إليه سبيلا إلا وجعل لي فيه حظا ونصيبا وكان كل يوم يفتح حانوته ويسبل سترا ويصلي فيه أربعمائة ركعة (وَوَجَدَكَ مُتَحَيِّرًا فِي بَيَانِ مَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ فهداك لبيانه) أي لإظهاره لديك ما خفي عليك (لقوله: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ [النحل: ٤٣] الآية) أي لتبين للناس ما نزل إليهم ويؤيده قوله تعالى لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
وقوله ﷿ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (وقيل ووجدك) أي ضالا بينهم (لم يعرفك أحد بالنّبوّة) منهم ومنه قوله ﵊ الكلمة الحكمة ضالة المؤمن (حتّى أظهرك فهدى بك السّعداء) وأبعد عنك الاشقياء (وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِيهَا) أي في هذه الآية (أنه وجدك ضالّا عن الإيمان) أقول ولو فرض أن يقال يحب أن يأول بتفاصيل أحكامه كما في قوله تعالى مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ (وكذلك) أي ومثل وجدك ضالا مما يورث اشكالا ويدفع حالا ومآلا (فِي قِصَّةِ مُوسَى ﵇ قَوْلِهِ: فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ [الشُّعَرَاءِ: ٢٠] أَيْ مِنَ المخطئين الفاعلين شيئا بغير قصد) أي تعمد قتل. (قاله ابن عرفة) وهو من كبار المفسرين المعتبرين المشهور بالعبدي المؤدب يروي عن ابن المبارك وغيره وعنه الترمذي وابن ماجه وابن أبي حاتم والصفار وثقه ابن معين مات سنة سبع وخمسين ومائتين بسامرا وعاش مائة وسبعا أو عشرا قيل المراد به نفطويه ولا يبعد أن
[ ٢ / ٢٠٧ ]
يكون المعنى من الذاهلين إلى ما يفضي إليه الوكز ويؤيده قراءة ابن مسعود من الجاهلين، (وقال الأزهريّ) هو الإمام اللغوي أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي صاحب تهذيب اللغة وغير ذلك مات سنة سبعين وثلاثمائة (معناه من النّاسين وقد قيل ذلك) أي المعنى الذي ذكر (فِي قَوْلِهِ: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى أَيْ نَاسِيًّا كَمَا قَالَ تَعَالَى أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما [الْبَقَرَةِ: ٢٨٢]) بفتح همزة أن وكسرها (فإن قلت فما معنى قوله: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [الشورى: ٥٢] فالجواب) أي على وجه الصواب (أنّ السّمرقنديّ) وهو الإمام أبو الليث (قَالَ مَعْنَاهُ مَا كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الْوَحْيِ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَلَا كَيْفَ تَدْعُو الْخَلْقَ إِلَى الْإِيمَانِ، وَقَالَ بَكْرٌ الْقَاضِي نَحْوَهُ؛ قَالَ) أي السمرقندي أو بكر القاضي واقتصر الدلجي على الأول لزيادة البيان (ولا الإيمان) يروى وأراد الإيمان (الّذي هو الفرائض والأحكام) وحاصله نفي تفاصيل شرائع الإيمان والإسلام، (قال وكان قبل) أي قبل الوحي (مؤمنا بتوحيده) أي لربه إجمالا (ثمّ نزلت الفرائض) أي من الصلاة والصيام والزكاة وحج بيت الله الحرام (الّتي لم يكن يدريها) أي أصلها أو تفصيلها (قبل) أي قبل الوحي (فزاد بالتّكليف) أي بتكليف كل فرض (إيمانا) أي إيقانا به وإحسانا لقيامه (وهذا) ويروي وهو (أحسن وجوهه قلت فما معنى قوله تعالى: وَإِنْ) مخففة أي وأنه (كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ) أي قبل وحينا (لَمِنَ الْغافِلِينَ) [يُوسُفَ: ٣] فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ [يونس: ٧]) فإن الغفلة عن آيات الله بمعنى الاعراض عنها وعدم الالتفات إليها ونفي الإيمان بما يترتب عليها من توحيد الله تعالى وتحقيق قدرته فيها أو تخصيص ارادته بها كفر لا يجوز أن يكون وصف مؤمن من الأولياء فضلا عن أن يكون نعت نبي من الأنبياء (بل) المعنى (كما حكى أبو عبد الله الهرويّ) أي عن المفسرين المعتبرين وتبعهما غيرهما (أَنَّ مَعْنَاهُ لَمِنَ الْغَافِلِينَ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ) أي بقرينة سابقها ولا حقها (إذ لم فعلها إلّا بوحينا) كما أشار إليه قوله ﷾ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ أي هذه السورة وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ عن هذه القصة فيكون إظهارك إياها لك معجزة (وكذلك) أي من المشكلات (الْحَدِيثُ الَّذِي يَرْوِيهِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ بسنده) أي حيث قال عن جرير عن سفيان الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل (عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم قد كان يشهد) يروى شهد (مع المشركين مشاهدهم) أي محاضرهم وهي لا تخلو عن أصنامهم فإنها كانت في الكعبة وحولها قريبا من ثلاثمائة صنم وكان من حسن خلقه يعاشرهم لكونه من عشائرهم كما قبل ودارهم ما دمت في دارهم والفرق بين المداراة والمداهنة مما لا يخفى (فسمع) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (مَلَكَيْنِ خَلْفَهُ أَحَدُهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ اذْهَبْ حَتَّى تقوم) أنت أو نحن (خلفه) ونتبرك بظله (فَقَالَ الْآخَرُ كَيْفَ أَقُومُ خَلْفَهُ وَعَهْدُهُ بِاسْتِلَامِ الأصنام) أي قريب ولعل المراد به رؤيتها ومشاهدتها أو مخالطتهم ومصاحبتهم ويؤيده قوله (فلم يشهدهم بعد) أي
[ ٢ / ٢٠٨ ]
واعتزلهم بانفراده عنهم في غار حراء إن كان هذا قبل الوحي أو في مسجد دار الخيزران إن كان بعده وهذا كله على تقدير أن يصح نقله وفي أصل الأنطاكي باستلام الاصنام وهو تناولها باليد أو الفم (فَهَذَا حَدِيثٌ أَنْكَرَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ جِدًّا) بكسر الجيم وتشديد الدال المهملة أي إنكارا بليغا (وقال هو موضوع) أي بحسب المراد (أو شبيه) يروى يشبه بتشديد الموحدة المفتوحة (بالموضوع) أي في إيراد الإسناد، (وقال الدّارقطني يقال إنّ عثمان وهم) بكسر الهاء ويفتح أي غلط وأخطأ (في إسناده) أي إسناد هذا الحديث إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال أبو بكر بن أحمد بن حنبل قال أبي أبو بكر أخو عثمان أحب إلي من عثمان فقلت إن يحيى بن معين يقول إن عثمان أحب إلي فقال أبي لا وقال الأزدي رأيت أصحابنا يذكرون أن عثمان روى أحاديث لا يتابع عليها قال وقد يغلط وقد اعتمده الشيخان في صحيحيهما إلى آخر كلامه ثم قال إلا أن عثمان كان لا يحفظ القرآن فيما قيل ثم ذكر له تصانيف في القرآن، (والحديث بالجملة منكر) أنكره الذهبي وغيره من العلماء (غير متّفق على إسناده) إذ ليس هو في شيء من الكتب الستة (فلا يلتفت إليه) وإن كان رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ بن عبد الحميد الضبي عن سفيان الثوري عن عبد الله بن محمد بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يشهد مع المشركين مشاهدهم الحديث ورواه البيهقي أيضا وفيه الكلام الذي تقدم والله أعلم، (والمعروف عن النّبيّ ﵌ خلافه) أي خلاف ما يتوهم من الحديث المذكور وهو كونه استسلم الأصنام (عند أهل العلم) أي بالسير (من قوله) بيان لقوله خلافه (بغّضت إليّ الأصنام) بصيغة المجهول أي بغضها الله إلي من حال الصغر إلى الكبر فإنه يخالف أن يقع منه الاستسلام للأصنام ولعل الاستسلام كناية عن القرب منها وعدم التبعد عنها كما أن بعض المريدين تكلم مع سكران في طريقه حال توجهه إلى بعض المشايخ المكاشفين فقال له اشم منك رائحة الخمر وما ذاك إلا لقربه منه وعدم تبعده عنه وبالجملة باب التأويل واسع فهو أولى من الطعن في الحديث مع أنه مشهور شائع (وقوله) أي ومن قوله (فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي رَوَتْهُ أُمُّ أَيْمَنَ) كما رواه ابن سعد عن ابن عباس عنها وهي حاضنة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ومولاته وأم أسامة رضي الله تعالى عنهما (حين كلّمه عمّه) أي أبو طالب (وآله) أي وأقاربه (في حضور بعض أعيادهم) أي بأن يحضرها على وفق مرادهم (وعزموا عليه فيه) أي الحوا وبالغوا (بعد كراهته) يروى كراهيته أي الطبيعية (لذلك) أي المخرج (فخرج معهم) أي كرها (ورجع مرعوبا) أي مخوفا (فقال كلّما دنوت منها) أي من الأصنام واحدا بعد واحد (من صنم تمثّل لي شخص) يروى رجل (أبيض طويل يصيح بي وراءك) أي ألزمه وقيل أرجع وراءك والمعنى تأخر وتباعد (لا تمسّه) من المساس أي لا تمسكه أو لا تقربه (فما شهد) أي فلم يحضر (بعد) أي بعد ذلك (لهم) أي للكفار (عيدا) أي محضر عيد؛ (وقوله) أي ومن قوله (في قصّة بحيرا) بفتح
[ ٢ / ٢٠٩ ]
موحدة وكسر مهملة مقصورا وممدودا وقد رواها ابن سعد عن نفيسة بنت منبه (حين استحلف) أي بحيرا (النبي صلى الله تعالى عليه وسلم باللّات والعزّى إذ لقيه) أي بحيرا (بالشّام) أي في قريب منها (فِي سَفْرَتِهِ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ) أي النبي ﵇ (صبيّ) أي غير بالغ (ورأى) أي بحيرا (فيه علامات النّبوّة فاختبره بذلك) أي فامتحنه بحيرا بذلك الاستحلاف (فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا تسألني بهما) أي باللات والعزى (فو الله ما أبغضت شيئا قطّ بغضهما) أي مثل بغضهما (فقال له بحيرا فبالله) أي فأسألك بالله أن لا أقول شيئا (إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ؛ فَقَالَ سل عمّا بدا) بالألف أي ظهر (لك) الحديث (وكذلك المعروف من سيرته ﵊ وتوفيق الله تعالى له) أي في تحقيق مراعاة شرائع الأحكام (أنّه كان قبل نبوّته يخالف المشركين) أي من قبيلة قريش (في وقوفهم) أي عشية عرفة (بمزدلفة في الحجّ) أي معللين بأنهم من خواص الحرم المحترم فلا يخرجون بالكلية من الحرم خلافا لغيرهم حيث كانوا يفقون بعرفات وهذا مبنى قوله تعالى ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وقوله فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ (فكان يقف هو) أي النبي ﵊ مخالفا لقومه (بعرفات) أي مراعاة لسابقة شرائع الأحكام (لأنّه) أي موضع عرفات (كان موقف إبراهيم ﵇) بل وموقف سائر الأنبياء من آدم وغيره عليهم الصلاة والسلام وقد بينت هذه المسألة في رسالة مستقلة والله تعالى أعلم.
فصل [قال القاضي أبو الفضل قد بان مما قدمناه عقود الأنبياء في التوحيد والإيمان]
(قال القاضي أبو الفضل رضي الله تعالى عنه) يعني المصنف (قد بان) أي ظهر (بما قدّمناه عقود الأنبياء) أي ما عقد عليه قلوبهم (في التّوحيد والإيمان) أي الإجمالي قبل الوحي والتفصيلي بعده (والوحي) أي الجلي والخفي (وعصمتهم في ذلك) أي عما ينافي ما هنالك (على ما بيّنّاه) أي فيما قررناه وحررناه، (فأمّا ما عدا هذا الباب) بالنصب أو الجر أي غير باب التوحيد وما يتعلق به من التفريد (من عقود قلوبهم) أي ثبوتها ورسوخها (فجماعها) بكسر الجيم أي ما اجمع عليه أو جملتها (أنّها) أي قلوبهم (مملوءة علما ويقينا) أي مقرونين (على الجملة) أي من غير تفصيل في المسألة (وأنّها) أي قلوبهم (قد احتوت) أي اشتملت (من المعرفة) أي في الجزئيات (والعلم) في الكليات (بأمور الدّين) أي جميعها (والدّنيا) مما يحتاج إليه (ما لا شيء فوقه) أي شيئا لا مزيد عليه (ومن طالع الأخبار واعتنى بالحديث) أي اهتم بالآثار (وتأمّل ما قلناه وجده) أي مطابقا لما ذكرناه (وقد قدّمنا منه في حقّ نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم في الباب الرّابع أوّل قسم) أي في أول قسم (من هذا الكتاب) أي في فصل ذكر معجزاته في أواخر القسم الأول (ما ينبّه على ما وراءه) أي من فصل الخطاب (إلّا أنّ) أي لكن (أحوالهم في هذه المعارف تختلف) أي بحسب اختلاف متعلقاتها؛ (فَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ مِنْهَا بِأَمْرِ الدُّنْيَا فَلَا يشترط فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ الْعِصْمَةُ مِنْ عَدَمِ مَعْرِفَةِ الأنبياء ببعضها) كما
[ ٢ / ٢١٠ ]
توهمت الشيعة فإنه يرده قول الهدهد لسليمان ﵊ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ (أو اعتقادها) أي أو من عدم اعتقادهم إياها (على خلاف ما هي عليه) أي على خلاف حقيقتها كما يشير إليه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم للأنصار وهم يؤبرون النخل لا عليكم أن لا تفعلوا فتركوا تأبيره فلم يلقح منه ذلك إلا قليل فقال أنتم أعرف بدنياكم وكذا رجوعه إلى رأي الحباب بن المنذر ببدر على ما مر (ولا وصم) بسكون الصاد المهملة أي لا عيب لهم ولا عتب (عليهم إذ همتهم) أي توجههم وعزيمتهم وفي نسخة هممهم (متعلّقة بالآخرة وأنبائها) أي اخبارها من أحوالها وأهوالها (وأمر الشّريعة وقوانينها) أي ضوابطها الكلية المشتملة على المسائل الجزئية (وأمور الدّنيا) أي باعتبار توجه الهمة إليها مبتدأ خبره (تضادّها) كتضاد الضرتين والكفتين وقد ورد من أحب آخرته أضر بدنياه ومن أحب دنياه أضر بآخرته فآثروا ما يبقى على ما يفنى (بخلاف غيرهم) أي غير الأنبياء واتباعهم وهم العلماء والأولياء (من أهل الدّنيا) كالكفار والفجار (الذين) قال الله فيهم (يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا) أي لا باطنها من أنها تعبر ولا تعمر (وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ) أي مع أنهم في أمر دنياهم عاقلون (كَمَا سَنُبَيِّنُ هَذَا فِي الْبَابِ الثَّانِي إِنْ شاء الله ولكنّه) أي الشأن (لا يقال) أي مع هذا (أنّهم) أي الأنبياء (لا يعلمون شيئا من أمر الدّنيا) أي على وجه الإطلاق (فإنّ ذلك يؤدّي إلى الغفلة) أي إلى نسبة الغفلة (والبله) بفتحتين أي البلاهة المنافية لكمال العقل والفطانة فقيل الأبله الذي لا عقل له وقيل الأبله الكثير الغفلة ويقال الأبله أيضا للذي طبع على الخير فهو غافل عن الشر وعليه الحديث أكثر أهل الجنة البله (وهم المنزّهون عنه) أي عن مثل ذلك فإنهم الكاملون المكملون فيما هنالك (بل قد أرسلوا إلى أهل الدّنيا) أي لينبهوهم من غفلتهم ويمنعوهم عن بلاهتهم (وقلّدوا) بصيغة المجهول أي وتقلدوا (سياستهم) أي محافظتهم عما يضرهم (وهدايتهم) أي دلالتهم إلى ما ينفعهم (والنّظر في مصالح دينهم) يروى صلاح دينهم (ودنياهم) أي المرتبطة بأمور أخراهم، (وهذا) أي ما ذكر (لا يكون) أي لا يتصور (مع عدم العلم بأمور الدّنيا بالكلّيّة) نعم قد يكون لهم عدم علم ببعضها لعدم التفاتهم إليها في الأمور الجزئية، (وأحوال الأنبياء وسيرهم) أي عند العلماء (في هذا الباب معلومة) وفي الكتب مسطورة (وَمَعْرِفَتُهُمْ بِذَلِكَ كُلِّهِ مَشْهُورَةٌ وَأَمَّا إِنْ كَانَ هذا العقد) أي عقد قلوبهم (ممّا يتعلّق) يروى فيما يتعلق (بالدّين) أي بأموره (فلا يصحّ من النبيّ إِلَّا الْعِلْمُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ جَهْلُهُ جملة) أي بأسرها (لأنّه لا يخلو) أي من أحد أمرين (أن يكون) أي النبي ﵊ (حصل عنده ذلك) أي العلم (عن وحي من الله فهو ما لا يصحّ الشّكّ منه) أي من النبي ﵇ (فيه على ما قدّمناه) من أنه لا يصح منه إلا العلم بما أوحى (فكيف الجهل) أي فكيف يصح الجهل منه به (بَلْ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ الْيَقِينُ أَوْ يَكُونُ) أي أو أن يكون النبي (فعل ذلك) وفي نسخة عقد ذَلِكَ (بِاجْتِهَادِهِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِيهِ شيء) بصيغة المفعول أو الفاعل (على القول) أي قول بعض العلماء (بتجويز وقوع
[ ٢ / ٢١١ ]
الاجتهاد منه) أي من النبي (في ذلك) أي فيما لم ينزل عليه فيه شيء وهو الحق المبني (على قول المحقّقين) أي من علماء الدين وكبراء المجتهدين (وعلى مقتضى حديث أمّ سلمة) أم المؤمنين (إنّي إنّما أقضي بينكم برأيي) أي أحيانا (فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهِ شَيْءٌ خَرَّجَهُ) أي خرج حديث أم سلمة (الثّقات) أي من الرواة كأبي داود، (وكقصّة أسرى بدر) وهي معروفة وسيأتي بيانها وقد نزل فيها ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ (والإذن للمتخلّفين) أي من المنافقين عن غزوة تبوك حيث نزل فيها عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ (على رأي بعضهم) أي بأن ما صدر عنه كان باجتهاد منه وقيل لا يجوز له الاجتهاد بالرأي المبني على الظن لقدرته على علم اليقين بالوحي بانتظاره ورد بأن انزال الوحي ليس في قدرته وتحت اختياره مع أنه قَالَ تَعَالَى لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (فَلَا يَكُونُ أَيْضًا مَا يَعْتَقِدُهُ مِمَّا يُثْمِرُهُ اجتهاده إلّا حقّا) أي وصدقا (وصحيحا) أي صريحا (هذا هو الحقّ الّذي لا يلتفت) أي معه (إلى خلاف من خالف فيه) أي ممن أجاز عليه الخطأ في الاجتهاد كما في نسخة فقال بمنع اجتهاده مطلقا أو بمنعه في غير الأسرى والحروب وجوازه فيهما بل اجتهاده حق وصواب فيما لم ينزل عليه فيه شيء (لا على القول بتصويب المجتهدين) فيما لا قاطع فيه من مسائل الفروع (الّذي هو الحقّ والصّواب عندنا) أي على ما ذهب إليه الأشعري والباقلاني ومختار أبي يوسف ومحمد وابن شريح بأن كل مجتهد مصيب (ولا على القول الآخر) وهو مذهب الجمهور (بأنّ الحقّ في طرف واحد) وأن مصيبه من المجتهدين في كل مسألة واحد مكلف بإصابته لقيام إمارة عليه وإشارة إليه فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد ولا إثم عليه بخلاف اجتهاد النبي فإن الصواب عدم خطأه في هذا الباب (لعصمة نبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ فِي الشّرعيّات) وأما القول بأنه قد يخطىء وينبه عليه فمما لا يلتفت إليه وأما ما سبق من عتابه في قصة اسرى بدر وإذن المتخلفين عن تبوك فمحمول على أنه كان خلاف الأولى (ولأنّ القول في تخطئة المجتهدين) أي على القول بأن المصيب واحد منهم لا بعينه (إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الشَّرْعِ وَنَظَرُ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي تأمله وتفكره (وَاجْتِهَادُهُ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فيه شيء ولم يشرع له قبل) مبني على الضم أي قبل نظره واجتهاده وفي نسخة قبل هذا، (هذا) أي ما تقدم (فيما عقد عليه) أي النبيّ كما في نسخة (النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قلبه) أي عزم عليه واستقر لديه (فَأَمَّا مَا لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهِ قَلْبَهُ مِنْ أمر النّوازل الشّرعيّة) أي مما يحتاج إلى بيان الأمر فيه رعاية للرعية (فقد كان لا يعلم منها أوّلا) أي قبل الوحي والإذن (إلّا ما علّمه الله شيئا شيئا) أي فشيئا على وجه التدريج بحسب ما يقتضيه الحكم والحكمة من الفعل والترك (حتّى استقرّ علم جملتها) أي إجمالها وتفصيلا ويروى علم جميعها (عنده) بعد وصوله إلى مقام يوجب كمالا وتكميلا (إِمَّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ أَوْ إِذْنٍ لَهُ أن يشرع في ذلك) أي فيما أبداه (ويحكم بما أراه الله) كما أشار إليه قوله ﷾ إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ
[ ٢ / ٢١٢ ]
النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ أي وحيا جليا أو الهاما خفيا (وَقَدْ كَانَ يَنْتَظِرُ الْوَحْيَ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا) أي من النوازل ولم يبادر إلى الاجتهاد فيها ولعله في الأمور الكلية لا في المسائل الفرعية المعلومة من القواعد الشرعية (ولكنّه لم يمت حتّى استفرغ) أي استوفى واستجمع وفي نسخة استقر أي ثبت واستمر (علم جميعها عنده ﵊) كما يدل عليه قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (وَتَقَرَّرَتْ مَعَارِفُهَا لَدَيْهِ عَلَى التَّحْقِيقِ وَرَفْعِ الشَّكِّ) بصيغة المجهول أي ارتفع التردد (والرّيب) أي الشبهة (وانتفاء الجهل) أي بأن ينسب في شيء إليه (وبالجملة فلا يصحّ منه) أي من النبي ﵊ (الْجَهْلُ بِشَيْءٍ مِنْ تَفَاصِيلِ الشَّرْعِ الَّذِي أُمِرَ بالدّعوة إليه إذ لا تصلحّ دعوته إلى ما لا يعلمه) أي إلى ما لا علم به لديه صلى الله تعالى عليه وسلم (وأمّا ما تعلّق بعقده) أي بجزم قلبه في معرفة ربه (من ملكوت السّموات والأرض) أي ظواهرهما وبواطنهما (وخلق الله تعالى) أي وسائر مخلوقاته العلوية والسفلية (وتعيين أسمائه الحسنى) أي المشتملة على نعوت الجمال وصفات الجلال كما يقتضيه ذات الكمال (وآياته الكبرى) أي العظمى من عجائب مخلوقاته وغرائب مصنوعاته (وأمور الآخرة) من نشر وحشر وشدائد أحوالها ومكابد أهوالها (وأشراط السّاعة) أي علاماتها من قطيعة الأرحام وقلة الكرام وكثرة اللئام وكثرة الظلم من الأنام (وأحوال السّعداء) في جنة النعيم (والأشقياء) في محنة الجحيم (وعلم ما كان) في بدء الأمر (وما يكون مما لم يعلمه) ويروى فيما لا يعلمه (إلّا بوحي فعلى ما تقدّم) جواب أما أي فمحمول على ما سبق (مِنْ أَنَّهُ مَعْصُومٌ فِيهِ لَا يَأْخُذُهُ فِيمَا أعلم به) بصيغة المجهول (منه شكّ) أي تردد (ولا ريب) أي شبهة لقوله تعالى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (بل هو فيه على غاية اليقين) في طريق الدين المبين (لكنّه) أي الشأن أو النبي ﵊ (لَا يَشْتَرِطُ لَهُ الْعِلْمَ بِجَمِيعِ تَفَاصِيلِ ذَلِكَ) بل ربما يقال إنه لا يتصور له الاستقصاء بما هنالك (وإن كان عنده من علم ذلك) أي بعضه مما حكم له في القدر (ما ليس عند جميع البشر) أي افرادا وجمعا (لقوله) أي النبي (﵊) فيما رواه البيهقي (إِنِّي لَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي رَبِّي ولقوله) فيما رواه الشيخان عنه ﵊ حكاية عن ربه اعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت (ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتم عليه اقرؤوا إن شئتم فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ) بصيغة المفعول وقرأ حمزة بصيغة المتكلم (مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧]) أي مما تلذ به وبله اسم فعل بمعنى دع واترك (وَقَوْلِ مُوسَى لِلْخَضِرِ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ) وفي قراءة بإثبات الباء (مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [الكهف: ٦٦]) وقرأ أبو عمرو بفتحهما أي علما ذا رشد وفيه أن المفضول قد يتميز بشيء لم يكن عند من هو أفضل منه كما يشهد له قصة الهدهد مع سليمان ﵇ (وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم) فيما رواه الديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه (أسألك بأسمائك الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم وقوله) فيما رواه أحمد (أسألك بكلّ اسم هو لك) أي خاصة (سمّيت به نفسك أو استأثرت به) أي انفردت
[ ٢ / ٢١٣ ]
بعلمه عن غيرك ويروى واستأثرت به (في علم الغيب عندك) قيل اسماء الله أربعة الآف اسم ألف استأثر بها وألف علمها الملائكة وألف أعلمها الأنبياء وألف في الكتب المنزلة منها تسعة وتسعون في القرآن وواحد في صحف إبراهيم وثلاثمائة في التوراة ومثلها في الزبور ومثلها في الأنجيل (وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف: ٧٦]) أي من هو اعلم منه (قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَغَيْرُهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ العلم إلى الله تعالى) أو فوق العلماء كلهم من هو أعلم منهم وهو الحكيم العليم (وَهَذَا مَا لَا خَفَاءَ بِهِ إِذْ مَعْلُومَاتُهُ تعالى لا يحاط بها) وقد قال تعالى وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا وقال وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ (ولا منتهى لها) أي لمعلوماته ﷾ أزلا وأبدا فلا يتصور أن يحيط به علم البشر؛ (هذا) أي ما ذكر (حكم عقد النبيّ) أي جزم قلبه (في التّوحيد) أي في توحيد ربه (والشّرع) أي المكلف به من أمره ونهيه (والمعارف الالهية) أي الأسرار الربانية (والأمور الدّينية) أي والأنوار المنبعثة عن الأحوال الدينية والأفعال الأخروية.
فصل [وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى عِصْمَةِ النَّبِيِّ من الشيطان إلى آخره]
(واعلم أنّ الأمّة مجمعة) وفي نسخة مجتمعة (على عصمة النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي حفظه وحمايته (من الشّيطان) لقوله تعالى إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ (وكفايته) أي وعلى كفاية الله له وفي نسخة وحراسته (منه) أي من ضرره الظاهري والباطني كما بينه بقوله (لا في جسمه) أي ظاهر جسده (بأنواع الأذى) كالجنون والإغماء (ولا على خاطره بالوساوس) أي على وجه الالقاء وفي نسخة بالوسواس أي بجنسه الذي يوسوس في صدور سائر الناس (وقد أخبرنا القاضي الحافظ أبو عليّ) أي ابن سكرة (﵀ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خيرون) بالمنع والصرف (العدل) أي الثقة (حدّثنا أبو بكر البرقانيّ) بفتح الموحدة هو الحافظ الإمام أحد الأعلام أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي الشافعي شيخ بغداد (حدّثنا أبو الحسن الدّارقطني) وهو شيخ الإسلام والدارقطني محلة ببغداد (حدّثنا إسماعيل الصّفّار) بتشديد الفاء (حدّثنا عباس) بالموحدة والسين المهملة (التّرقفي) بفتح المثناة الفوقية ثم راء ساكنة ثم قاف مضمومة ثم فاء مكسورة ثم ياء النسبة ثقة متعبد أخرج له ابن ماجة (حدّثنا محمد بن يوسف) هذا هو الغرياني وعاش اثنتين وتسعين سنة (حدّثنا سفيان) أي الثوري على ما هو الظاهر (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن سالم بن أبي الجعد) الأشجعي الكوفي يروي عن عمر وعائشة مرسلا وعن ابن عباس وابن عمر وعنه الأعمش وجماعة ثقة (عن مسروق) أي ابن الأجدع الهمداني أحد الأعلام يروي عن أبي بكر وعمر ومعاذ ومعاوية قال الشعبي وكان أعلم بالفتيا من قريش وقال أبو إسحاق حج مسروق فما نام إلا ساجدا وقالت امرأة مسروق كان يصلي حتى تورم قدماه أخرج له الأئمة الستة (عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم ما
[ ٢ / ٢١٤ ]
منكم من أحد) من زائدة مؤكدة (إلّا قد وكّل) وفي نسخة إلا وكل وهو بصيغة المجهول وفي نسخة إلا وكل الله (بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ) وفي رواية من الملك (قالوا وإيّاك يا رسول الله) أي وأنت وكل بك قرينك من الجن (قال وإيّاي) أي وقد وكل بي قريني (ولكنّ الله تعالى أعانني عليه فأسلم) بفتح الميم أي انقاد وقيل آمن وفي نسخة بضمها أي أسلم من شره. (زاد غيره) أي سفيان أحد رواته (عن منصور فلا) ويروى ولا (يأمرني إلّا بخير) هذا الحديث أخرجه المصنف كما ترى من حديث مسروق عن ابن مسعود والحديث في مسلم لكن من حديث سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن ابن مسعود وإنما اكثر إخراجه من هذه الطريق دون طريق مسلم لما فيها من العلو مع صحة الإسناد كذا ذكره الحلبي وقال الدلجي هذا الحديث في البخاري ولعله بسند آخر والله تعالى أعلم (وعن عائشة بمعناه) لا يعرف مخرج مبناه وروي في الباب أيضا عن ابن عباس بسند أحمد قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليس منكم أحد إلا وقد وكل به قرينه من الشياطين قالوا وأنت يا رسول الله قال نعم ولكن الله أعانني عليه فأسلم (روي فأسلم بضمّ الميم) أي وفتح همزة المتكلم من السلامة (أي فأسلم أنّا منه) أي فأخلص (وصحّح بعضهم هذه الرّواية ورجّحها) أي من جهة الدارية وممن صححها سفيان بن عيينة فإنه زعم أن الشيطان لا يسلم كما نقله الغزالي في الاحياء، (وروي فأسلم) أي بصيغة الماضي المعلوم (يعني القرين أنّه انتقل عن حَالِ كُفْرِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ فَصَارَ لَا يَأْمُرُ) كرواية البخاري (إلّا بخير كالملك، وهو ظاهر الحديث) أي بناء على الفعل الماضي مع أنه يحتمل أن يكون معناه انقاد واستسلم ويؤيده رواية المتكلم، (وروى بعضهم فاستسلم) أي أذعن وانقاد وذكر ابن الأثير رواية فأسلم بفتح الميم ورواية فاسلم بضم الميم ورواية حتى اسلم أي انقاد كذا لفظه ثم قال ويشهد للأول يعني رواية فتح الميم الحديث الآخر كان شيطان آدم كافرا وشيطاني مسلما (قال القاضي أبو الفضل رضي الله تعالى عنه) يعني المصنف (فَإِذَا كَانَ هَذَا حُكْمَ شَيْطَانِهِ وَقَرِينِهِ الْمُسَلَّطِ) أي باعتبار جنسه (على بني آدم) وفي نسخة على كل أحد من بني آدم (فكيف) أي الظن (بمن بعد) أي من شياطين الجن (عنه) أي عن النبي ﵊ ويروى منه (ولم يلزم صحبته ولا أقدر) بصيغة المجهول أي مكن ولا جعل له قدرة (على الدّنوّ منه) أي القرب من حضوره والمعنى أي يقع في وهم أنه ﵊ لا يسلم منه لا بل الأولى أن يسلم بدليل أنه لم يكن له عليه كغيره من النبيين سلطان (وقد جاءت الآثار بتصدّي الشّياطين) أي بتعرضه (له في غير موطن) أي من الصلاة وغيرها وفي نسخة في غير موطن أي في مواطن كثيرة (رغبة) أي لأجل الميل والتوجه (في إطفاء نوره) وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ (وإماتة نفسه) أي اهلاك ذاته واعدام صفاته (وإدخال شغل) بضم فسكون وبضمتين وبفتح فسكون أي اشغال بال (عليه إذ يئسوا) أي جنس الشيطان (من إغوائه) أي إضلاله وإفساد أمره (فانقلبوا خاسرين) أي فرجعوا خائبين خاسئين ذليلين صاغرين (كتعرّضه) أي الشيطان (لَهُ فِي صَلَاتِهِ فَأَخَذَهُ
[ ٢ / ٢١٥ ]
النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وأسره) أي استولى عليه وقهره ويروى فأسره. (ففي الصّحاح) أي البخاري ومسلم وغيرهما (قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عنه ﵇) أي مرفوعا (إنّ الشّيطان عرض لي) أي ظهر (قال عبد الرّزّاق) أي الصغاني على ما في الصحيحين (في صورة هرّ) لما أوتوه من قوة التشكل كالملائكة إلا أن الملك لا يتصور إلا بشكل حسن بخلاف الشيطان (فشدّ) بتشديد الدال أي حمل (عليّ يقطع عليّ الصّلاة) حال أو استئناف وأبعد الدلجي في قوله حذفت لام العلة منه للعلم بها وهو مأول بمصدر (فأمكنني الله منه) أي فأقدرني من أخذه وأسره وقواني على قهره (فذعتّه) بذال معجمة وقيل مهملة قال النووي وأنكر الخطابي المهملة وصححها غير وصوبه وإن كانت المعجمة أوضح وأشهر انتهى وعند ابن الحذاء في حديث ابن أبي شيبة فذغته بذال وغين معجمتين وفتح عين مهملة مخففة وتشديد فوقية أي خنقته خنقا شديدا أو دفعته دفعا عنيفا أو معكته في التراب كالغط في الماء وفي رواية ابن أبي الدنيا عن الشعبي مرسلا أتاني شيطاني فنازعني ثم نازعني فأخذت بحلقه فو الذي بعثني بالحق ما أرسلته حتى وجدت برد لسانه على يدي ولولا دعوة أخي سليمان أصبح طريحا في المسجد (ولقد هممت) أي قصدت (أن أوثقه) أي أربطه (إلى سارية) أي اسطوانة وفي رواية بسارية من سواري المسجد (حتّى تصبحوا) أي تدخلوا في الصباح أو تصيروا (تنظرون) وفي نسخة ناظرين (إليه فذكرت) أي فتذكرت (قول أخي) أي في النبوة (سليمان) أي ابن داود وفي رواية دعوة أخي سليمان أي دعاءه (رَبِّ اغْفِرْ) قدم طلب المغفرة فإنه الأمر الديني على المطلب الدنيوي المشار إليه بقوله (لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا [ص: ٣٥] الآية) أي لا ينبغي لأحد من بعدي أي لا يتسهل أو لا يصح أو لا يكون لأحد غيري لتكون معجزة مختصة بي (فردّه الله خاسئا) أي خائبا خاسرا قال المصنف في شرح مسلم كما نقله عنه النووي أنه مختص بهذا فامتنع نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم من ربطه إما لأنه لم يقدر عليه لذلك وإما لأنه مختص بهذا فامتنع نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم من ربطه إما لأنه لم يقدر عليه لذلك وإما لأنه لما تذكر ذلك لم يتعاط ذلك لظنه أنه لا يقدر عليه أو تواضعا وتأدبا انتهى أو إيماء لكونه معجزة مختصة به. (وفي حديث أبي الدّرداء) وهو عمير وقيل اسمه عامر ولقبه عويمر واختلف في اسم أبيه على سبعة أقوال وبنته الدرداء روى عنه ابنه بلال وزوجته أم الدرداء توفي بدمشق سنة إحدى وثلاثين وقد اسلم عقيب بدر إلا أنه فرض له عمر والحقه بالبدريين لجلالته (عنه ﵊) فيما رواه مسلم (إنّ) بفتح الهمزة ويجوز كسرها (عدوّ الله إبليس جاءني بشهاب) أي بشعلة مضيئة مقتبسة (من نار ليجعله في وجهي) أي ليحرقه، (والنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في الصّلاة) جملة حالية معترضة بين ما رواه أبو الدرداء من لفظه صلى الله تعالى عليه وسلم وبين ما ذكره بمعناه لبيان وقت مجيء عدو الله إلى حبيب الله (وذكر) أي أبو الدرداء (تعوّذه بالله منه ولعنه له) بلفظ أعوذ بالله منك العنك بلعنة الله تعالى وقوله ﵊ (ثمّ أردت
[ ٢ / ٢١٦ ]
آخذه وذكر) أي أبو الدرداء (نحوه) أي نحو حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه من قوله ولقد هممت أن أوثقه (وقال لأصبح موثقا) بفتح المثلثة أي مقيدا (يتلاعب به ولدان أهل المدينة) أي صبيانهم وصغارهم (وكذلك) أي وكما في حديث أبي الدرداء (في حديثه) فيما رواه البيهقي عن عبد الرحمن بن حبيش (في الإسراء) أي إلى بيت المقدس والسماء (وطلب عفريت له) برفع طلب مضافا وفي نسخة يجره أي طلب خبيث متمرد يعفر أقرانه أي يصرعهم ويفزعهم ويمرغهم في التراب ويهلكهم (بشعلة نار فعلّمه جبريل ﵇ ما يتعوّذ به منه وذكره) أي هذا الحديث (في الموطّأ) بهمزة أو ألف وهو كتاب للإمام مالك وفي حديث البخاري أن عفريتا تفلت على الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فأخذته فذعته ولولا دعوة أخي سليمان لربطته بسارية من سواري المسجد فأصبح يلعب به ولدان المدينة، (ولمّا لم يقدر) أي عدو الله (على أذاه بمباشرته) أي إياه (تسبّب بالتّوسّط إليإ عداه) بكسر العين وهو اسم جمع أي اعدائه من كفار قريش وغيرهم (كقضيّته مع قريش في الائتمار) أي التشاور (بقتل النّبي صلى الله تعالى عليه وسلم وتصوّره) أي إبليس (في صورة الشّيخ النّجديّ) وإنما انتسب اللعين بذلك لأنهم قالوا لا تدخلوا معكم أحدا من أهل تهامة فإن هواهم مع محمد ﵊ ومجمل القصة أنه جاءهم وهم بدار الندوة بمكة وقد بلغهم إسلام الأنصار من أهل المدينة في العقبة فجزعوا ولدفعه اجتمعوا فدخل عليهم وقال أنا من نجد سمعت اجتماعكم ولن تعدموا مني رأيا ونصحا لكم فقال أبو البحتري أرى أن تحبسوه في مكان وتسدوا منافذه غير كوة تلقون إليه طعامه شرابه منها فقال إبليس بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه منكم فقال هشام بن عمرو أرى أن تحملوه على حمل فتخرجوه من أرضكم فلا يضركم ما يصنع فقال بئس الرأي يفسد قوما غيركم ويقاتلكم فقال أبو جهل أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما وتعطوه سيفا فيضربوه ضربة واحدة فيفترق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم فإذا طلبوا عقله أي ديته عقلناه فقال صدق الفتى فتفرقوا على رأيه فأخبره جبريل ﵇ بذلك وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأذن له بالهجرة إلى المدينة فخرج وأخذ قبضة من تراب وجعل ينثره على رؤوسهم ويقرأ وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ومضى إلى الغار من ثور هو وأبو بكر إلى آخر القصة فنزل وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (ومرّة أخرى) أي وكتصوره (في غزوة يوم بَدْرٍ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ) وَهُوَ ابن جعشم الكناني على ما رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (وَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [الأنفال: ٤٨] الآية) يعني وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وأني جار لكم أي مجيركم من بني كنانة فإنكم لا تغلبون ولا تطاقون لكثرتكم عددا وعددا وأوهمهم أن لهم الغلبة أبدا حتى قالوا اللهم انصر إحدى الفئتين وأفضل الملتين فلما تراءت
[ ٢ / ٢١٧ ]
الفئتان نكص على عقبيه أي رجع القهقرى وكانت يده في الحارث بن هشام فقال له إلى أين تريد أن تخذلنا أفرارا من غير قتال فدفع في صدر الحارث وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله وانطلق متبرئا من أفعالهم ويائسا من أحوالهم لما رأى من امداد الله تعالى المؤمنين بالملائكة الدال على أن لهم النصرة والغلبة فانهزم الكفرة فقيل هزم الناس سراقة فقال والله ما شعرت بمسيرتكم حتى بلغني خبر هزيمتكم فلم يعلموا أنه الشيطان حتى اسلم بعضهم، (ومرّة) أي وتصوره كرة أخرى (ينذر بشأنه) أي يخبر بحاله صلى الله تعالى عليه وسلم ليخوف الناس منه ويحذرهم عنه (عند بيعة العقبة) أي عقبة منى السفلى ليلة بايع الأنصار على أنه إن آتاهم آووه ونصروه ودفعوا عنه كما يحمي الرجل عن جريحه قال الإمام أبو الليث في تفسيره وقد هاجر إليهم بعد هذا بحولين؛ (وكلّ هذا) أي وجميع ما ذكر (فقد كفاه الله أمره وعصمه) أي حفظه ومنعه (ضرّه) بفتح أوله وضمه (وشرّه) ويروى من ضره وشره (وقد قال ﵊) أي فيما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (إنّ عيسى ﵇ كفي) بصيغة المجهول أي وقي (من لمسه) أي حبسه وحسه (فجاء) الفاء للتفريع فلما قصد (ليطعن) بفتح العين ويضم أي ليضرب (بيده في خاصرته) أي جنبه (حين ولد) أي حين خرج من بطن أمه (فطعن في الحجاب) أي المشيمة وهي الغشاء الذي يكون الجنين في داخله وقيل حجاب بين الشيطان وبين مريم والله تعالى أعلم والظاهر أن عيسى ﵇ مختص بهذا الإكرام خلافا لما ذكره الدلجي من تعميم الأنبياء في هذا المرام ففي حديث البخاري وغيره ما من مولود يولد إلا ويمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا إلا مريم وابنها وذلك لدعاء جدته ربها أن يعيذ أمه وذريتها من الشيطان الرجيم (وقال ﵊) فيما رواه الشيخان عن عائشة (حين لد في مرضه) بضم اللام وتشديد الدال أي سقي دواء من أحد شقي فمه بغير اذنه لغشيانه وظن أنه أصابه وجع في جنبه وذلك يوم الأحد وتوفي يوم الاثنين الذي يليه مع الزوال فلما أفاق قال لا يبقى في البيت أحد الألد قال ذلك عقوبة لهم (وَقِيلَ لَهُ خَشِينَا أَنْ يَكُونَ بِكَ ذَاتُ الجنب) وهو علم لدمل كبير وهو قرحة تظهر في باطن الجنب الأيسر وتنفجر إلى داخل قلما يسلم صاحبها (فقال) أعاده لطول الفصل (إِنَّهَا مِنَ الشَّيْطَانِ وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيُسَلِّطَهُ عليّ) وضمير أنها إلى لدهم له وأنثه باعتبار صنعتهم لا كما قال الدلجي باعتبار صدوره مرة واحدة ثم نسبه إلى الشيطان لأنه كان سبب وسوسته لهم بذلك حتى فعلوا ما لم يأذنهم هنالك (فإن قيل) إذا كان الله لم يسلطه عليه (فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ) أي نازغ وناخس منه (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف: ٢٠٠] الآية) أي قوله تعالى إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي سميع لمقالك وعليم بحالك (فقد قال بعض المفسّرين) أي لدفع هذا الإشكال الوارد في السؤال (إنّها) أي الآية (رَاجِعَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الْأَعْرَافِ: ١٩٩]) أي المصدر بقوله خُذِ الْعَفْوَ أي ما سهل من اخلاق الناس من غير كلفة ومشقة حذرا من
[ ٢ / ٢١٨ ]
النفرة عن الحضرة وأمر بالعرف أي المعروف من الفعل الجميل وهذه الآية أجمع مكارم اخلاق الأنام بشهادة قول جبريل له ﵉ وقد سأله عنها فقال لا أدري حتى اسأل ربي ثم رجع فقال يا محمد إن ربك أمرك أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ وتعفو عمن ظلمك (ثمّ قال) أي الله ﷾ أو بعضهم في تفسير قوله (وإمّا ينزغنّك أي يستخفنّك) يعني يزعجك ويحملك على الخفة ويزيل حملك (غضب يحملك على ترك الإعراض عنهم) أي مثلا (فاستعذ بالله) ولا تطع من سواه (وقيل النّزغ هنا الفساد كما قال) أي الله تعالى حكاية عن يوسف ﵇ لأبيه ومن معه تحدثا بنعمة ربه وجاء بكم من البدو (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي [يوسف: ١٠٠] وقيل ينزغنّك) أي معناه (يغرينّك) أي من الاغراء بالغين المعجمة والراء وهو الالزام وفي نسخة يغوينك بالواو من الاغواء (ويحرّكنّك) أي بالقيام في طلب ما له من المرام، (والنّزغ أدنى الوسوسة) أي حديث النفس والخطرة التي ليس بها عبرة (فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ مَتَى تَحَرَّكَ عَلَيْهِ غضب على عدوّه) أي مثلا (أو رام الشّيطان) أي قصد (من إغرائه به) أي تسليطه وفي نسخة من اغوائه أي من اضلاله (وخواطر أدنى وساوسه) أي مقدمات هواجسه (ما لم يجعل) بصيغة المجهول أي لم يقدر الله تعالى (له سبيل إليه) أي بحيث يتسلط عليه (أن يستعيذ منه فيكفى أمره) بصيغة المفعول ونصب أمره ويحتمل أن يكون مبنيا للفاعل أي فيكفي الله أمره ويدفع شره وضره (ويكون) أي استعاذته من وسوسته (سبب تمّام عصمته) وظهور حالته عند أمته مع إفادة تعليمه لأهل ملته (إِذْ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنَ التَّعَرُّضِ له) أي بمجرد وسوسته (ولم يجعل له قدرة عليه) أي لعصمته (وَقَدْ قِيلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرُ هَذَا) أي من الأقاويل في باب التأويل (وكذلك) أي وكعصمته ﵊ من إبليس ووسوسته (لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَصَوَّرَ لَهُ الشَّيْطَانُ فِي صورة الملك ويلبّس) بفتح الياء وكسر الباء أو بضم أوله وتشديد الموحدة أي يخلط (عليه) ويشكك في أمره إليه (لا في أوّل الرّسالة ولا بعدها) أي بالأولى (والاعتماد في ذلك) أي في عدم صحة تصور الشيطان له في صورة الملك (دليل المعجزة) فإنما هي للتثبيت له بالعصمة والتأييد له بالحكمة وتوضيحه أنه لما كانت المعجزة قائمة مقام قول الله تعالى صدق عبدي لمدعي النبوة فمحال أن يجد الشيطان إليه سبيلا بالغلبة (بل لا يشكّ النّبيّ) أي في الأنبياء (أَنَّ مَا يَأْتِيهِ مِنَ اللَّهِ الْمَلَكُ وَرَسُولُهُ) أي أنه هو المرسل إليه بوحيه لديه وفي نسخة على يديه (حقيقة) أي من غير تردد فيه (إمّا بعلم ضروريّ يخلقه الله تعالى له) أي فيعتمد عليه (أو ببرهان يظهره لديه) وفي نسخة على يديه (لتتمّ كلمة ربّك) أي أيها المخاطب بالخطاب العام وفيه إيماء إلى ما في التنزيل من قوله وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ (صِدْقًا) في الاخبار والاعلام (وَعَدْلًا) في الأحكام نصبهما على التمييز أو الحالية لا كما قال الدلجي على المفعولية (لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ) ولا محول لإرادته. (فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ) هذا صريح في الفرق بينهما
[ ٢ / ٢١٩ ]
والأظهر أن الرسول من أوحى إليه وأمر بالدعوة والنبي أعم والله تعالى أعلم (إِلَّا إِذا تَمَنَّى) أي قرأ وتلا (أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: ٥٢]) أي تلاوته وقراءته مما يشغله به عن استغراقه في بحور العوارف واشتغاله بكنوز المعارف (الآية) أي فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ أي يبطله ويزيله ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ الْآيَةَ (فَاعْلَمْ أَنَّ لِلنَّاسِ فِي مَعْنَى هَذِهِ الآية أقاويل) أي كثيرة شهيرة (منها) أي من تلك الأقاويل (السّهل) أي الهين المقبول (والوعر) أي الصعب الوصول وفي نسخة صحيحة بدله (والوعث) بسكون العين ويكسر وبالمثلثة الطريق العسير ومنه ما ورد اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر أي شدائد مشقته (والسّمين) أي الكلام المتين القوي (والغثّ) بفتح الغين المعجمة وتشديد المثلثة أي المهزول الضعيف الردي، (وأولى ما يقال فيها) أي في الآية (ما عليه الجمهور من المفسّرين) كما ذكره البغوي أيضا (أن التّمنّي ههنا التّلاوة) يقال تمنيته إذا قرأته وفي مرثية عثمان رضي الله تعالى عنه:
تمنى كتاب الله أول ليلة وآخره:
لاقى حمام المقادر
(وإلقاء الشّيطان فيها) أي في تلاوته (شغله) بفتح أوله وضمه وفي نسخة اشتغاله أي شغل الشيطان إياه (بخواطر) أي ردية (وإذكار من أمور الدّنيا) أي الدنية (للتّالي) أي للقارئ من النبي فضلا عن غيره (حتّى يدخل عليه) من الإدخال أي يوصل إليه الشيطان أو شغله إياه (الوهم) أي السهو والخطاء (والنّسيان فيما تلاه) أي فيما قرأه من جهة مبناه أو طريق معناه (أو يدخل غير ذلك في) وفي نسخة على (أفهام السّامعين من التّحريف) في لفظ التنزيل ومبناه (وسوء التّأويل) أي في معناه (ما يزيله الله وينسخه) أي يدفعه ويرفعه (ويكشف لبسه) بفتح أوله أي ويبين خلطه ويظهر غلطه (ويحكم آياته) أي ويثبت بيناته (وسيأتي الكلام على هذه الآية بعد) أي بعد ذلك في فصل (بأشبع من هذا) أي أبسط وأوسع (إن شاء الله، وقد حكى السّمرقنديّ) أي الإمام أبو الليث الحنفي (إنكار قول من قال بتسلّط الشّيطان) ويروى بِتَسْلِيطِ الشَّيْطَانِ (عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَغَلَبَتِهِ عَلَيْهِ وأنّ مثل هذا لا يصحّ) يعني فإذا كان لا يصح تسلط الشيطان على ملك سليمان من الأمور الدنيوية فبالأحرى أن لا يصح له التسلط على الأنبياء فيما يتعلق بالأمر الديني والأخروي (وقد ذكرنا) أي وسنذكر (قِصَّةَ سُلَيْمَانَ مُبَيَّنَةً بَعْدَ هَذَا وَمَنْ قَالَ) أي ونذكر من قال في تأويله (إنّ الجسد) أي في قوله تعالى وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا (هو الولد الّذي ولد له) أي ناقصا جاءت به إحدى نسائه فألقته القابلة على كرسيه وذلك حين قال لأطوفن الليلة على نسائي كلهن الحديث، (وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ فِي قِصَّةِ أَيُّوبَ وقوله) أي وفي قوله أي الله ﷾ حكاية عنه (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ
[ ٢ / ٢٢٠ ]
بِنُصْبٍ) بضم وسكون وقرأ يعقوب بفتحها أي بتعب (وَعَذابٍ [ص: ٤١]) زيد في نسخة ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (إنّه) أي الشأن (لا يجوز لأحد أن يتأوّل) أي الآية برأيه ويزعم (أَنَّ الشَّيْطَانَ هُوَ الَّذِي أَمْرَضَهُ وَأَلْقَى الضُّرَّ في بدنه) لعدم قدرته على ذلك ولو قدر عليه لم يدع صالحا إلا نكبه هنالك (ولا يكون ذلك) أي ما أصابه من المرض والضر العرض (إلّا بفعل الله وأمره ليبتليهم) أي ليمتحنهم كما ورد أشد الناس بلاء الأنبياء (ويثبّتهم) من التثبيت أو الاثبات أي يؤيدهم بالعصمة ويقويهم بالحكمة وفي نسخة ويثيبهم من الإثابة أي ويجازيهم على بلائهم ثوابا جزيلا وثناء جميلا وإسناد المس إلى الشيطان مجاز مراعاة للأدب في تعظيم الرب اقتداء بإبراهيم حيث قال وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ حيث لم يقل أمرضني مع أن أيوب ﵇ ما حكى مجرد ضرر المرض بل شكا ما حصل له من نصب وعذاب كان الشيطان لهما من الأسباب فقد روي أن إبليس اعترض امرأته في هيئة ليس كهيئة بني آدم في العظم والجسم والجمال على مركب ليس من مراكب الناس كالخيل والبغال فقال لها أنت صاحبة أيوب هذا الرجل المبتلى قالت نعم قال لها هل تعرفينني قالت لا قال أنا إله الأرض وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت لأنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني فأنت لو سجدت لي سجدة واحدة رددت عليك المال والأولاد وعافيت زوجك فرجعت إلى أيوب فأخبرته بما قال لها قال أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك فعند ذلك قال مسني الضر من طمع إبليس في سجود حرمتي له ودعائه إياها إلى الكفر بالله ﷾، (قال مكّيّ: وقيل إنّ الّذي أصابه الشَّيْطَانُ مَا وَسْوَسَ بِهِ إِلَى أَهْلِهِ فَإِنْ قلت فما معنى قوله تعالى) أي حكاية (عن يوشع) غير منصرف للعلمية والعجمة وهو ابن نون (وَما أَنْسانِيهُ بكسر الهاء وضمها لحفص (إِلَّا الشَّيْطانُ [الكهف: ٦٣]) أي أن أذكره (وقوله) أي وما معنى قوله تعالى (عن يوسف ﵇) أي في حقه (فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ [يوسف: ٤٢]) بأن وسوس له بخواطر مما يورثه أن يكل أمره إلى غير ربه مستعينا به في خلاصه من السجن وتعبه لحديث رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ لما لبث في السجن سبعا بعد الخمس والاستعانة في كشف الشدائد والضراء وإن حمدت في الجملة إلا أنها غير لائقة بالأنبياء والكمل من الأولياء (وقول نبيّنا ﵊) أي وما معنى قوله كما في رواية مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (حين نام عن الصّلاة) أي صلاة الفجر (يوم الوادي) أي الذي أمر بلالا أن يكلأ له فيه الفجر فغلبه النوم حتى مسهم حر الشمس (إنّ هذا واد به شيطان) ارتحلوا ثم قضى صلاة الصبح بعد ارتحالهم منه وهو مؤذن بجواز تأخير الفائتة بعذر فهو مخصص لعموم حديث البخاري من فاتته صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك (وقول موسى ﵇) أي وما معناه (في وكزته) أي القطبي وهو ضربه في مصدره بجمع كفه الذي صار سبب قتله (هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [القصص: ٦٥]) أي لصدوره منه قبل أن يؤذن له في ضربه أو قتله وجعله من
[ ٢ / ٢٢١ ]
عمل الشيطان وتسميته ظلما واستغفاره منه جار على كريم عادة الأنبياء من استعظام ما تركه أولى من الأشياء (فاعلم أنّ هذا الكلام) أي منهم عليهم الصلاة والسلام (قد يرد في جميع هذا) أي مما حكي عنهم (مورد مستمر) بالنصب وفي نسخة على مورد مستمر (كلام العرب) أي مجرى دأبهم ومطرد عادتهم (في وصفهم كلّ قبح مِنْ شَخْصٍ أَوْ فِعْلٍ بِالشَّيْطَانِ أَوْ فِعْلِهِ) القبح منظره وسوء فعله في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض لا خير فيه (كما قال تعالى) في مذمة شجرة الزقوم (طَلْعُها) أي ثمرها (كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ [الصافات: ٦٥]) لتناهي قبحه وهول منظره وهو تشبيه تخييلي كتشبيه الفائق في حسن عظيم بملك كريم قال تعالى إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (وقال) أي وكما قال (صلى الله تعالى عليه وسلم) على ما رواه الشيخان (فيمن يريد أن يمر بين يدي المصلي) وأول الحديث إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى (فليقاتله فإنّما هو شيطان) أي إنسي أو جني شبهه به تقبيحا لمروره بين يديه لمشابهة فعله في قبح أمره لشغل خاطره واذهاب خشوعه وخضوعه به (وايضا) مصدر من آض اذا رجع أي ونرجع ونقول (فإنّ قول يوشع) لموسى وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ (لا يلزمنا الجواب عنه) وفي نسخة عليه، (إِذْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ) أي وقت كونه في خدمة موسى (نبوّة مع موسى) بل يظهر فيه أنه لم يكن نبيا وأنه كان تابعا لملازمته، (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ [الكهف: ٦٠] والمرويّ أنّه إنّما نبّىء بعد موت موسى، وقيل قبيل موته) ويروى قبل موته أي موت موسى نعم يلزم الجواب عنه لمن قال بعصمة الأنبياء قبل النبوة وبعدها إذ لا سبيل للشيطان عليهم مطلقا وقد يقال للشيطان هضما لنفسه وتأدبا مع ربه؛ (وقول موسى) أي في حال وكز القبطي هذا من عمل الشيطان (كان قبل نبوّته بدليل القرآن) فإنه يدل على أن قتله كان قبل هجرته إلى مدين إذ وقع سببا لها وقد روي أنه لما قضي الأجل مكث بعده عند صهره شعيب عشرا أخرى ثم استأذنه في العود إلى مصر واتفق له ذلك السفر وارساله كان بعد رجوعه من مدين إلى فرعون وفيه أنه لم يحتمل أنه كان نبيا ولم يكن رسولا لقوله تعالى قبل هذه القصة وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ودخل المدينة الآية (وقصّة يوسف) أي وهو في السجن (قد ذكر) ويروى قد ذكرنا (أنّها كانت) أي كلها كما في نسخة (قبل نبوّته) أي على قول بعضهم وإلا فقد قال بعضهم إنه نبئ في الجب بدليل قوله تَعَالَى وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ نعم رسالته كانت متأخرة؛ (وقد قال المفسّرون في قوله: فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ [يوسف: ٤٢]) أي ذكر ربه بعد قول يوسف له اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ (قولين) أي تأويلين (أَحَدُهُمَا أَنَّ الَّذِي أَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ أحد صاحبي السّجن) وهو الشرابي (وربّه) أي وسيده (الملك) بكسر اللام (أي أنساه) أي الشيطان الشرابي (أن يذكر) من الذكر أو التذكير والأول أوفق بقوله اذْكُرْنِي (للملك) وفي نسخة الملك (شأن يوسف ﵇) أي
[ ٢ / ٢٢٢ ]
لينجيه من السجن وما فيه من تعب المقام ونصب الملام، (وأيضا فإنّ مثل هذا) أي الإنساء (من فعل الشّيطان ليس فيه تسلّط) أي بالإغواء (على يوسف ﵊) أي ولو كان حينئذ من الأنبياء (ويوشع) أي وعليه وهو ولد ولده (بوساوس) ويروى بوسواس (ونزغ) أي خطر من هواجس (وإنّما هو) أي فعل الشيطان (بشغل خواطرهما) أي بسببه وفي نسخة بصيغة المضارع وفي أخرى شغل بصيغة المصدر وفي أخرى اشتغال خَوَاطِرِهِمَا (بِأُمُورٍ أُخَرَ وَتَذْكِيرِهِمَا مِنْ أُمُورِهِمَا مَا ينسيهما ما نسيا؛ وأمّا قوله ﵊ إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ فَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ تَسَلُّطِهِ عَلَيْهِ وَلَا وَسْوَسَتِهِ لَهُ بَلْ إن كان بمقتضى ظاهره) أي سببا لغفلته (فقد بيّن أمر ذلك الشّيطان بقوله) في رواية مالك والبيهقي عن زيد بن اسلم (إنّ الشّيطان أتى بلالا) أي حين قال له صلى الله تعالى عليه وسلم اكلأ لنا الفجر أي احفظ وقته لنا (فلم يزل يهدّئه) بضم الياء وكسر الدال بالهمز من الاهداء أو التهدية أي يسكنه عن الحركة (كما يهدّأ الصّبي) بصيغة المجهول بأن يضرب عليه بالكف على وجه اللطف لينام من غير العنف (حتّى نام) أي بلال فلم يستيقظ حتى ضربهم حر الشمس فقال ما هذا يا بلال فقال أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك يا رسول الله (فَاعْلَمْ أَنَّ تَسَلُّطَ الشَّيْطَانِ فِي ذَلِكَ الْوَادِي الذي عرس به) بتشديد الراء أي نزل به في الليل أو آخره هو وأصحابه حين قفلوا من غزوهم أي رجعوا (إنّما كان) أي في الجملة (على بلال الموكّل بكلاءة الفجر) بكسر الكاف وفتح اللام ممدودة وفي نسخة بكلاءته الفجر أي حراسته ليخبرهم بطلوع الفجر ووقت صلاته، (هذا) أي التأويل (إِنْ جَعَلْنَا قَوْلَهُ إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ تَنْبِيهًا عَلَى سَبَبِ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ؛ وأمّا إن جعلناه) أي قوله ذلك (تَنْبِيهًا عَلَى سَبَبِ الرَّحِيلِ عَنِ الْوَادِي وَعِلَّةً لِتَرْكِ الصَّلَاةِ بِهِ وَهُوَ دَلِيلُ مَسَاقِ حَدِيثِ زيد بن أسلم) كما رواه مالك والبيهقي (فَلَا اعْتِرَاضَ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ لِبَيَانِهِ) أي بيان حديثهما (وارتفاع إشكاله) على منهج الصواب.
فصل [وأما قوله صلى الله تعالى عليه وسلم فقامت الدلائل إلى آخره]
(وأمّا أقواله صلى الله تعالى عليه وسلم فقامت) ويروى فقد قامت (الدّلالة) أي جنس الدلالات (اللائحة) وفي نسخة صحيحة الدلائل الواضحة (بصحّة المعجزة على صدقه) من الآيات الساطعة والبينات القاطعة كانشقاق القمر وغيره من خوارق العادة (وأجمعت الأمّة فيما كان طريقه البلاغ) أي تبليغ الشرائع والأحكام من الله الملك العلام لسائر الأنام (أنّه معصوم فيه من الإخبار) بكسر الهمزة أي الاعلام (عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ) أي من المقصود والمرام والمعنى بخلاف الواقع (لا قصدا) أي بسبب (ولا عمدا) أي لا عن سبب (ولا سهوا) أي خطأ (ولا غلطا) أي نسيانا وفي نسخة لا قصدا أو عمدا ولا سهوا أو غلطا (أمّا تعمّد الخلف) بضم أوله وهو اخلاف الوعد وهو في الآتي كالكذب في الماضي وروي وأما تعمده بالخلف (في ذلك) أي فيما تقدم من أمر البلاغ (فمنتف) أي ممتنع عقلا ونقلا (بدليل
[ ٢ / ٢٢٣ ]
المعجزة القائمة مقام قول الله صدق) أي عبدي كما في نسخة (فيما قال اتّفاقا) بين علماء الأمة، (وبإطباق أهل الملّة إجماعا) أي في الجملة (وأمّا وقوعه) أي الخلف (عَلَى جِهَةِ الْغَلَطِ فِي ذَلِكَ فَبِهَذِهِ السَّبِيلِ) أي فمنتف أيضا بدليل المعجزة المذكورة أو بهذه الطريقة المسطورة بعينها (عند الأستاذ) بالدال المهملة وقيل بالمعجمة (أبي حامد «١» الإسفرايينّي) بكسر الهمزة وفتح الفاء بلدة بخراسان بنواحي نيسابور وهو إمام المتبحرين في علوم الدين كلاما وأصولا وفروعا وأبوابا وفصولا توفي بنيسابور يوم عاشوراء سنة ثماني عشرة وأربعمائة (ومن قال بقوله) أي ممن تابعه وشايعه في أنه منتف لصدوره (من جهة الإجماع فقط) لأنه حجة قاطعة (وورود الشّرع) أي ومنتف أيضا من جهة ورود الكتاب والسنة وفي نسخة وورد الشرع (بانتفاء ذلك الغلط) لقوله تعالى وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (وعصمة النّبيّ) أي ومنتف أيضا من جهة عصمته قطعا (لَا مِنْ مُقْتَضَى الْمُعْجِزَةِ نَفْسِهَا عِنْدَ الْقَاضِي أبي بكر الباقلانيّ) بكسر القاف وتشديد اللام وقد تقدم عليه الكلام وهو الإمام المالكي (ومن وافقه لاختلاف بينهم) أي بين الاستاذ والقاضي ومقلديهما (فِي مُقْتَضَى دَلِيلِ الْمُعْجِزَةِ لَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِهِ) في هذا الباب (فنخرج عن غرض الكتاب) ونورث السآمة والملالة من الاطناب (فَلْنَعْتَمِدْ عَلَى مَا وَقَعَ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ أنّه لا يجوز عليه) أي على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (خلف في القول إِبْلَاغِ الشَّرِيعَةِ وَالْإِعْلَامِ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ ربّه ومّا أوحاه إليه) ويروى وبما أَوْحَاهُ إِلَيْهِ (مِنْ وَحْيِهِ لَا عَلَى وَجْهِ العمد ولا على غير عمد) أعاد حرف النفي سابقا ولا حقا تأكيدا لعدم جواز خلفه فيما ذكره حقا وصدقا (ولا في حال الرّضاء) بكسر الراء وتضم أي المحبة وفي نسخة حال الرضى وفي أخرى حين الرضى (والسّخط) بفتحين وبضم وكسر أي الغضب والكراهة (وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمرو) أي ابن العاص بن وائل السهمي كما رواه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه (قلت يا رسول الله اكتب) باستفهام مقدر أو مقرر بإبدال والمعنى أأكتب (كلّ ما أسمع منك قال نعم) اكتب عني كل ما سمعت مني (قُلْتُ فِي الرِّضَى وَالْغَضَبِ قَالَ نَعَمْ فَإِنِّي لا أقول في ذلك كلّه) أي في الذي أقوله (إلّا حقا) لما عصمه ربه من الزلل والخطل في القول والعمل (ولنرد) بفتح النون وكسر الراء من الورود أي ولنذكر (ما أشرنا) أي فيما حررنا (إليه من دليل المعجزة) ويروى في دليل المعجزة (عليه) أي على ما قررنا (بيانا) أي برهانا (فنقول إذا قامت المعجزة على صدقه) أي النبي (وَأَنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا وَلَا يُبَلِّغُ) بالتشديد والتخفيف أي ولا يخبر (عن الله إلّا صدقا) بحيازته رعاية الأمانة وحماية الصيانة والديانة (وَأَنَّ الْمُعْجِزَةَ قَائِمَةٌ مَقَامَ قَوْلِ اللَّهِ لَهُ صدقت فيما تذكره عني) وروي مقام قول الله تعالى (صدق عبدي فيما يذكره) (وهو يقول
_________________
(١) هكذا وقع في نسخة هذا الشرح والصواب أبي إسحاق قاله المصحح ط.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
إني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إليكم لأبلّغكم) بالتشديد والتخفيف أي لأخبركم (مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ أُبَيِّنُ لَكُمْ مَا نزّل عليكم) بالبناء للفاعل مخففا أو المفعول مثقلا لتفوزوا بكرم السيادة وعظم السعادة (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ) أي ما هو (إِلَّا وَحْيٌ يُوحى فَاسْتَوى [النجم: ٣- ٤] قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ) كما في آية أخرى، (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ونحو هذا من الآيات من الكتاب؛ (فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ فِي هَذَا الباب) أي في باب البلاغ عن ربه (خبر بخلاف مخبره) بضم الميم وفتح الموحدة أي ما أخبر به (على أيّ وجه كان) من قصد أو غيره، (فلو جوّزنا عليه الغلط والسّهو) أي نسبتهما إليه (لما تميّز لنا) أي لما امتاز خبره (من غيره) أي من خبر غيره قال الحجازي سياق الكلام يدل على أن الضمير في ذلك عائد إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (وَلَا اخْتَلَطَ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ؛ فَالْمُعْجِزَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تصديقه جملة واحدة من غير خصوص) بتقييد حاله (فتنزيه النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي فيما طريقه البلاغ (عن ذلك كلّه) أي عن الاخبار بشيء منه بخلاف ما هو به قصدا وسهوا وغلطا (واجب برهانا) أي دليلا عقليا (وإجماعا) أي اتفاقا نقليا (كما قاله أبو إسحاق) أي الإسفراييني على ما تقدم والله أعلم.
فصل [وقد توجهت ههنا لبعض الطاعنين سؤالات]
(وقد توجّهت ههنا) أي في هذا المبحث (لبعض الطاعنين) أي في الدين (سؤالات) أي من الملحدين (منها ما روي) أي فيما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وأبو حاتم بسند منقطع عن سعيد بن جبير (من أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لمّا قرأ سورة والنّجم) أي سورته (وقال) أي وقرأ (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ) صنم كان لثقيف بالطائف أو بنخلة من قريش وهي مؤنثة من لوى لأنهم كانوا يلوون على طاعتها ويعكفون على عبادتها أو يلتوون عليها أي يطوفون لديها وقيل مؤنث لفظه الجلالة (وَالْعُزَّى) تأنيث الأعز شجرة كانت لغطفان تعبدها بعث إليها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها (وَمَناةَ) بالقصر ويمد صخرة كانت لهذيل وخزاعة تعبدها وتتقرب بها وتعتكف لديها (الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) صفتان للتأكيد (قال) أي جرى على لسانه أو حكى الشيطان بعد بيانه (تلك الغرانيق العلى) جمع غرنوق بضم المعجمة والنون وبكسرها وفتح النون ويقال غرنيق بضمها وفتح النون وسكون الراء والياء ويقال كقنديل وهي في الأصل الذكور من طير الماء طويل العنق قيل هو الكركي ويقال للشاب الممتلئ شبابا وحسنا وبياضا أريد بها ههنا الأصنام إذ كانوا يزعمون أنها تقربهم إلى الله تعالى وشفعاؤهم عند الله فشبهوها بالطير الذي يعلو في الهواء ويرتفع إلى السماء (وإن شفاعتها) ويروى وأن شفاعتهن (لترتجى) بصيغة المجهول أي تتوقع وتؤمل في التجاوز عن الذنب والزلل (ويروى ترتضى) أي بدل ترتجى أي تقبل، (وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّ شَفَاعَتَهَا
[ ٢ / ٢٢٥ ]
لترتجى، وإنّها لمع الغرانيق العلى) بضم العين أي العالية (وفي أخرى والغرانقة العلى) والغرانقة أيضا جمع غرنيق (تلك الشّفاعة ترتجى، فلمّا ختم) أي النبي ﵊ (السّورة) أي سورة النجم (سجد) أي لله امتثالا لأمر ربه (وسجد معه) أي جميع من كان حاضرا (المسلمون) أي الأبرار (والكفّار) أي الفجار (لمّا سمعوه) بفتح اللام وتشديد الميم أو بكسر اللام وتخفيف الميم (أثنى على آلهتهم) أي بقوله تلك الغرانيق إلى آخره (وما وقع) أي ومنها ما وَقَعَ (فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ الشَّيْطَانَ أَلْقَاهَا) أي الكلمات السابقة في مدح الآلهة (على لسانه) أي وجرى على لسانه من غير شعور له على بيانه والأظهر أنه كان على حكاية لسانه ومنوال بيانه (وأنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كان يتمنّى) أي فيما خطر بباله (أن لو نزل) ويروى أنزل (عَلَيْهِ شَيْءٌ يُقَارِبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنْ لَا يَنْزِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ينفّرهم عنه) بتشديد الفاء أي يبعدهم عن قربه حتى ينفعهم برسالة ربه (وذكر) أي صاحب تلك الرواية (هذه القصّة) ابتلاء للمحنة المشتملة على الغصة ويروى هذه السورة (وأنّ جبريل ﵇ جاءه فعرض عليه السّورة) ويروى هذه السورة أي سورة النجم (فلمّا بلغ الكلمتين) أي وجرى ما سبق من إحدى الحالتين (قَالَ لَهُ مَا جِئْتُكَ بِهَاتَيْنِ، فَحَزِنَ لِذَلِكَ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) خشية الفتنة في حق الأمة (فأنزل الله تعالى) أي عليه (تَسْلِيَةً لَهُ وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ [الحج: ٥٢] الآية) فقد روى ابن جرير وسعيد بن منصور عن محمد بن كعب ومحمد بن قيس قالا جلس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في ناد لقريش كثير أهله فتمنى أن لا يأتيه من الله تعالى ما يفرقهم عنه فأنزل الله تعالى وَالنَّجْمِ فقرأها فلما بلغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى القى الشيطان عليه ﵊ تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى فتكلم بها ثم مضى يقرأ حتى ختمها فسجد وسجدوا معه جميعا ورضوا بما تكلم به فلما أمسى أتاه جبريل فعرضها عليه فلما بلغ تلك الغرانيق العلى قال ما جئتك به قال افْتَرَيْتُ عَلَى اللَّهِ وَقُلْتُ مَا لَمْ يَقُلْ فما زال مغموما حتى نزل وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ فطابت نفسه وفي هذه الرواية ألفاظ ما تصح بحسب الدراية (وقوله) أي ومنها قوله أو أنزل عليه أيضا قوله (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ [الإسراء: ٧٣]) أي أن الشأن قاربوا أي ليضلونك (الآية) أي عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لا تخذوك خليلا وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا وردت فيما أرادته قريش منه ﵊ أن يبدل الوعد وعيدا أو الوعيد وعدا بقولهم لهم اجعل لنا آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة حتى نؤمن بك وكذا ما اقترحه ثقيف عليه من أن يضيف إلى الله تعالى ما لم ينزل عليه بقولهم له لا ندخل في أمرك حتى تعطينا ما نفتخر به على العرب لا نعشر ولا نحشر ولا نتحنى في صلاتنا وكل ربا لنا فهو لنا وكل ربا لغيرنا فهو موضوع عنا وإن تمتعنا باللات سنة ولا نكسرها
[ ٢ / ٢٢٦ ]
بأيدينا عند رأس الحول بل ترسل أنت إليها من يكسرها وأنت تمنع من قصد وادي وج يعضد شجرة فإذا سألتك العرب لم فعلت ذلك فقل أمرني الله تعالى به ثم جاؤوا بكاتب فكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا تعشرون ولا تحشرون فقالوا ولا تنحنون وهو ينظر إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقام عمر فسل سيفه وقال أسعرتم قلب نبينا يا معشر ثقيف أسعر الله تعالى قلوبكم نارا فقالوا لسنا نكلمك إنما نكلم محمدا فنزلت (فَاعْلَمْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ أَنَّ لَنَا فِي الْكَلَامِ على مشكل هذا الحديث) أي الوارد في قصة سورة النجم (مأخذين) أي طريقين نمنع بهما من يتشبث بهذه الروايات أو يثق بها من الحكايات (أحدهما في توهين أصله) أي تضعيف نقله (والثّاني على تسليمه) أي على تقدير وقوعه، (أمّا المأخذ الأوّل) والمخلص المعول (فيكفيك) في توهينه ورد تبيينه (أنّ هذا حديث) أي منكر من جهة الرواية والدراية حيث (لم يخرّجه أحد من أهل الصّحّة) كأصحاب الكتب الستة (ولا رواه ثقة) أي عن ثقة (بسند سليم) أي سالم من الاضطراب والعلة بل ولا رواه ثقة بسند (متّصل) أي مرفوعا أو موقوفا بل رواه جماعة بأسانيد ضعيفة واهية مقطوعة أو موضوعة أو مرفوعة (وإنّما أولع) بصيغة المجهول أي تولع (به و) تعلق (بمثله المفسّرون) أي المعتمدون على أقاويل ضعيفة (والمؤرّخون) بتشديد الراء المكسورة بعد همزة وتبدل واوا أي أرباب التواريخ (المولعون) بضم الميم وفتح اللام أي الحريصون (بكلّ غريب) أي بنقل كل مروي فيه غرابة (المتلقّفون) أي المبتلعون وفي نسخة الملفقون بتشديد الفاء المكسورة بعدها قاف أي المرقعون الملقطون (من الصّحف) من دون سماع رواية وتصحيح دراية (كلّ صحيح وسقيم) أي ثابت وضعيف ثم اعلم أن أبا الفتح اليعمري قال في سيرته الكبرى ما لفظه بلغني عن الحافظ عبد العظيم المنذري أنه كان يرد هذا الحديث من جهة الرواة بالكلية وكان شيخنا الحافظ عبد المؤمن بن خلف يخالفه في ذلك انتهى وذكر الحلبي أنه قال بعض شيوخي فيما قرأته عليه حين ذكر هذا الكلام أنه باطل لا يصح منه شيء لا من جهة النقل ولا من جهة العقل (وَصَدَقَ الْقَاضِي بَكْرُ بْنُ الْعَلَاءِ الْمَالِكِيُّ حَيْثُ قال لقد بلي) بضم الموحدة وكسر اللام أي ابتلي (النّاس) وامتحنوا (ببعض أهل الأهواء) أي المبتدعة وفي نسخة بتقصي أهل الأهواء أي بتقصصهم على ما ذكره الأنطاكي (والتّفسير) أي أهل التفسير بالآراء المخترعة (وتعلّق بذلك) أي بحديث سورة النجم (الملحدون) أي المائلون عن الحق (مع ضعف نقلته) أي رواته (واضطراب رواياته) أي من جهة اختلاف عباراته وفي نسخة روايته (وانقطاع إسناده) الموجب لعدم اعتماده وفي نسخة أسانيده (واختلاف كلماته) المقتضية لتفاوت دلالاته ويروى كلمته (فقائل) أي منهم (يقول إنّه) أي النبي ﵊ قرأها (في الصّلاة، وآخر يقول قالها) أي المقالة حين قرأها (في نادي قومه) أي مجلسهم ومتحدثهم (حين أنزلت عليه السّورة) أي سورة النجم؛ (وآخر يقول قالها وقد
[ ٢ / ٢٢٧ ]
أصابته سنة) بكسر سين وتخفيف نون أي نعاس، (وآخر يقول بل حدّث نفسه) أي خطر في باله تلك المقالة (فسها) أي فجرى على لسانه ما حصل له به الملالة، (وآخر يقول من الشّيطان قالها على لسانه) أي حاكيا صوته في تقرير بيانه وهذا أقرب الأقوال بالنسبة إلى نزاهة شأنه لكن يشكل قوله (وأنّ النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عَرَضَهَا عَلَى جِبْرِيلَ قَالَ مَا هَكَذَا أَقْرَأْتُكَ؛ وَآخَرُ يَقُولُ بَلْ أَعْلَمَهُمُ الشّيطان) أي وسوس لهم (أنّ النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَهَا؛ فَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيُّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم ذلك) أي اعلام الشيطان وإغواءه (قال والله ما هكذا نزلت) بصيغة المجهول مشددا أو المعلوم مخففا؛ (إلى غير ذلك) أي مع غير ما ذكر من الحكايات الناشئة عن اضطراب الروايات (من اختلاف الرّواة) أي الذين يقال في حقهم إنهم غير الثقات والحاصل أن الاضطراب وقع من جميع الجهات؛ (وَمَنْ حُكِيَتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَنْهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ) أي المعتبرين كابن جرير وأبي حاتم وابن المنذر (والتّابعين) أي المعتمدين كالزهري وقتادة وأمثالهما (لم يسندها أحد منهم) أي إسناده متصلا يصلح اعتمادا (ولا رفعها إلى صاحب) أي للرواية (وأكثر الطّرق) أي الأسانيد (عنهم فيها ضعيفة واهية) أي منكرة جدا ولو كانت متصلة (والمرفوع فيه) أي قليل ويروى فيها وفي رواية منه (حديث شعبة) وهو إمام جليل (عن أبي بشر) بكسر موحدة وسكون شين معجمة تابعي صدوق ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة (عن سعيد بن جبير) من اجلاء التابعين (عن ابن عباس قال) كذا في نسخة (فيما أحسب) أي أظن (الشّكّ في الحديث) جملة معترضة من كلام المصنف يعني شك الراوي بقوله فيما أحسب في نفسه الحديث لا في كونه مرويا عن ابن عباس والحاصل أن سعيد بن جبير وإن كان معتمدا لكن تردد (أنّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان بمكّة) في هذه القضية أو بغيرها والسورة مكية بلا خلاف فيها (وذكر القصّة) وكان حق المصنف أن يذكر القصة كما ثبت في الرواية وقد بينها الدلجي بقوله أي قصة نزول سورة النجم وهو في نادي قومه بعد تمنيه أن لا ينزل عليه ما يفرق قومه عنه أو ينزل عليه ما يطيب نفوسهم به عسى أن يؤمنوا فنزلت عليه سورة النجم فقرأها فلما بالغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى قال تلك الغرانيق العلى ففرح المشركون ثم ختمها وسجد وسجد من حضر المسلمون والكفار (قال أبو بكر البزّار) بتشديد الزاء وراء في آخره حافظ مشهور (هذا الحديث لا نعلمه روي) أي لا نعرف أنه روي (عن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بإسناد متّصل يجوز ذكره) أي ويعتمد عليه في الجملة (إلّا هذا) أي الإسناد إلى ابن عباس (ولم يسنده) أي الحديث (عن شعبة إلّا أميّة بن خالد) ثقة توفي سنة إحدى ومائتين أخرج له مسلم (وغيره) أي غير أمية ممن رواه (يرسله عن سعيد بن جبير) أي بحذف رجاله من أصحابه كابن عباس (وإنمّا يعرف) أي اتصال سنده (عن الكلبيّ) وهو محمد بن السائب المفسر الأخباري النسابة والأكثرون على أنه غير ثقة خصوصا إذا روى (عن أبي صالح عن ابن عبّاس) أي موقوفا عليه وأبو صالح
[ ٢ / ٢٢٨ ]
هذا يروي عن مولاته أم هانئ وعن علي وعنه السدي والثوري وعدة وأخرج له أصحاب السنن الأربعة قال أبو حاتم وغيره لا يحتج به وقد تقدم أنه لم يسمع من ابْنِ عَبَّاسٍ (فَقَدْ بَيَّنَ لَكَ أَبُو بَكْرٍ) أي البزار (رحمه الله تعالى) جملة دعائية (أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنْ طَرِيقٍ يَجُوزُ ذِكْرُهُ سوى هذا) أي سوى طريق شعبة لقوة إسناده إذ كل رجاله ثقات (وفيه) أي في حديث شعبة (من الضّعف ما نبّه عليه) أي البزار وغيره من اختلاف عباراته واضطراب رواياته وانقطاع إسناده وإرساله واختلاف مواطن حالاته (مع وقوع الشّكّ فيه) أي مع ما وقع له فيه من الشك (كما ذكرناه) من أنه (الذي لا يوثق به) الذي صفة للشك والضمير في به يعود إليه أي مع وقوع الشك الذي لا يوثق به (ولا حقيقة) لصحة الحديث (مَعَهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْكَلْبِيِّ فَمِمَّا لَا تَجُوزُ الرّواية عنه) أي عن الكلبي مطلقا (ولا ذكره) أي لهذا الحديث أصلا (لقوّة ضعفه وكذبه) أي وكثرة كذبه ولذا ضعفه الجمهور (كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَزَّارُ ﵀ وَالَّذِي منه) أي من حديث سورة النجم (في الصّحيح) من رواية الشيخين عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (أنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قرأ والنّجم) أي من غير زيادة (وهو بمكّة) أي قبل الهجرة (فسجد معه المسلمون والمشركون) ولم يبين ما سبب سجدة المشركين (والجنّ والإنس) أي الحاضرون، (هذا) أي الذي ذكرناه (توهينه) أي تضعيفه (مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ، فَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى) أي الذي يدركه العقل (فقد قامت الحجّة) أي القاطعة (وأجمعت الأمّة على عصمته صلى الله تعالى عليه وسلم ونزاهته) أي براءة ساحته (عن مثل هذه الرّذيلة) أي الخصلة الدنية ويروى النقيصة أي المنقصة (قبل النبوة) ولو قبل البلوغ فكيف يتصور وقوعها بعد تمام النبوة ونظام الرسالة لا سيما وقت التلاوة ودرجها في القراءة والحاصل أن له ﵊ عصمة ثانية (إِمَّا مِنْ تَمَنِّيهِ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ مِثْلُ هذا من مدح آلهة غير الله تعالى وهو) أي مثل هذا التمني (كفر) فلا يصح نسبته إليه صلى الله تعالى عليه وسلم إلا أن يكون وقعت خطرة لديه (أو أن يتسوّر) أي أو من أن يتسلط (عليه الشّيطان) من تسور تصعد السور وهو الحائط المرتفع ومعناه هنا التسلط مجازا (ويشبّه) بتشديد الموحدة أي يلبس (عليه القرآن) ويخلط عليه الفرقان (حتّى يجعل فيه ما ليس منه) أي ولا يصح أن يكون منه (ويعتقد النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مِنَ الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ منه) أي حقيقة (حتّى ينبّهه جبريل ﵉) مع أن ذلك من الواضحات عند كل مؤمن موحد أنه ليس من الآيات البينات (وذلك) أي ما ذكر من التمني والتسور والاعتقاد (كلّه ممتنع في حقّه ﵊ أو يقول) أي أو من أن يتفوه (ذلك النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم من قبل نفسه عمدا) أي حال كونه ذا عمد (وذلك) أي تعمده (كفر أو سهوا) أي حال كونه ساهيا (وهو معصوم من هذا كلّه) أي مما يكون كفرا سواء حال عمده أو سهوه بخلاف سهوه في غير الكفر أو المعصية فإنه يجوز جريانه عليه (وقد قرّرنا) أي مرارا (بالبراهين) أي الأدلة الواضحة (والإجماع) أي اتفاق جميع الأمة (عصمته عليه الصلاة
[ ٢ / ٢٢٩ ]
والسلام من جريان الكفر على قلبه) أي باعتقاد جنانه (أو لسانه) أي جريانه بموجب عصيانه (لا عمدا ولا سهوا) تأكيدا لما أفاده ما قبله من نفي جريان الكفر عليه مطلقا (أو أن يتشبّه) أي أو من أن يتلبس (عليه ما يلقيه الملك) أي يوحيه إليه من ربه (ممّا يلقي الشّيطان) ويوسوس إليه من نكره ويروى مما يلقيه الشيطان (أو يكون) أي أو من أن يكون (للشّيطان عليه سبيل) أي بالتسلط وقد قال تعالى إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (أو أن يتقوّل) أي أو من أن يفتري (على الله تعالى) وهو لا يَتَقَوَّلَ عَلَى اللَّهِ (لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا ما لم ينزل عليه) بصيغة المجهول أو المعروف (وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ [الحاقة: ٤٤]) أي افترى علينا مما لم يوح إليه بالفرض والتقدير (الآية) أي لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين وقد سبق ما يتعلق بمعناه وقيل في تحقيق مبناه إن من صلة أي لأخذناه والأولى أن يقال فيه تضمين والتقدير لانتقمنا منه باليمين أي بالقوة القاهرة والقدرة الباهرة؛ (وقال) أي الله ﷾ (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) أي قاربت تميل أدنى ميل (إِذًا) أي حينئذ (لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ [الإسراء: ٧٥]) أي عذابا مضاعفا في الدنيا وبعد الوفاة (الآية) أي ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا أي معينا يكون دافعا عنا العقوبة؛ (ووجه ثان) لتوهين هذه القضية (وهو استحالة هذه القصّة نظرا) أي من جهة دلالة العقل لعصمته من مدح الآلهة وإثبات شفاعتها (وعرفا) أي من جهة استبعاد العادة أن يصدر عن الأنبياء مدح الشرك مع ذمهم له وحثهم على التوحيد على وجه التأكيد (وذلك) أي بيانه (أنّ هذا الكلام) أي المنقول في هذا المقام (لو كان) أي بالفرض والتقدير (صحيحا كما روي) أي كما نقلوه صريحا (لكان بعيد الالتئام) بل عديم النظام (لكونه متناقض الأقسام) أي متباين المرام (ممتزج المدح بالذّمّ) في الشرك بأن ذم الكفر في آيات بينات ومدح في هذه الآيات المخترعات مع أنه خلاف إجماع الأنبياء والمرسلين في جميع الحالات (متخاذل التّأليف) بالخاء والذال المعجمتين متفاعل من الخذلان وهو ترك النصرة أي متخالفة في ارتباط المرام (والنّظم) أي ونظم الكلام وقد قال تعالى أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا فمعناه أنه من عند الله ولم يجدوا فيه اختلاف كثيرا ولا يسيرا (ولمّا) بفتح لام وتخفيف ميم (كان النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مَنْ بِحَضْرَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أي من أكابر الصحابة (وصناديد المشركين) أي رؤسائهم في مكة من قريش وغيرهم (ممّن يخفى عليه ذلك وهذا) أي ومثله (لا يخفى على أدنى متأمّل) أي من أفراد الموحدين (فكيف ممن) وفي نسخة بمن (رجح) بفتح الجيم المخففة أي غلب (حمله) أي تأنيه وتثبته في أمر الدين أو عقله (واتّسع في باب البيان) أي بيان المرام (ومعرفة فصيح الكلام علمه) بقوة فطرة وقدرة فطنة، (ووجه ثالث) في توهين هذه القصة (أنّه) أي الشأن (قَدْ عُلِمَ مِنْ عَادَةِ الْمُنَافِقِينَ وَمُعَانِدِي الْمُشْرِكِينَ) وفي نسخة ومعاندة وفي أخرى ومعاداة الْمُشْرِكِينَ (وَضَعَفَةِ الْقُلُوبِ وَالْجَهَلَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
[ ٢ / ٢٣٠ ]
نفورهم) بالرفع نائب فاعل علم أي تنفر المذكورين (لأوّل وهلة) أي في أول ساعة في دعوى النبوة (وتخليط العدوّ) أي وعلم انقلابهم (على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لأقلّ فتنة) أي لأدنى ما يؤدي إلى فساد ومحنة (وتعييرهم) أي وعلم تعييبهم (المسلمين) بمتاركة المشركين (والشّماتة بهم) أي وعلم شماتة الكافرين بالمؤمنين (الفينة بعد الفينة) بالفاء والنون المفتوحتين بينهما تحتية ساكنة أي الحين بعد الحين والساعة بعد الساعة ويقال بال وبدونها وضبط الحلبي الشمات بضم الشين المعجمة وتشديد الميم وهو جمع شامت جمع تكسير وأما الشمات بكسر الشين وتخفيف الميم الخائنون بلا واحد قال في القاموس وهو من الشماتة التي هي الفرح ببلية العدو وفي نسخة الشمات بفتح الشين وتخفيف الميم وهو جنس الشماتة (وارتداد من في قلبه مرض) أي وعرف هذا أيضا (ممّن أظهر الإسلام لأدنى شبهة) علة للردة (ولم يحك أحد في هذه القصّة سببا) أي للطعن والمذمة مع العلل المتقدمة (سوى هذه الرّواية الضّعيفة الأصل) المخالفة للنقل والعقل (ولو كان ذلك) أي صحيحا فيما ذكر هنالك (لوجدت قريش) أي كفارهم (بها) أي بهذه القصة (على المسلمين الصّولة) أي الاستطالة والغلبة (ولأقامت بها اليهود عليهم الحجّة) أي في أن هذه غير الطريقة المحجة كيف وقال تعالى ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (كما فعلوا) أي أنكروا كفار قريش (مكابرة) أي معاندة (فِي قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ حَتَّى كَانَتْ فِي ذَلِكَ) أي في إظهار ما ذكر فيها (لبعض الضّعفاء ردة) أي سبب ارتداد وفتنة مع أنه لم يكن فيه ما يوجب كفرا وإنما كان يتوهم منه أن يكون كذبا لوقوعه عجبا وهو مقتضى خوارق العادات مطلقا (وكذلك ما روي) يروى ما ورد (في قصّة القضيّة) أي في أمر قضية الحديبية وذلك أنه ﵊ رأى رؤيا عام الحديبية أنه دخل مكة هو وأصحابه فصده المشركون فرجع إلى المدينة فكان رجوعه بعدما أخبر أنه يدخلها فتنة لبعضهم قال تَعَالَى وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ أي امتحانا لشأنهم واختبارا في ضعف إيمانهم حيث قال بعض المنافقين والله ما رأينا المسجد الحرام وقوة إيمان الصحابة برهانهم حيث قال الصديق ما أخبرنا أنا ندخلها هذه السنة وأنا سندخلها إن شاء الله من غير شك وشبهة (وَلَا فِتْنَةَ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ الْبَلِيَّةِ لَوْ وجدت) أي لو صحت هذه القضية (ولا تشغيب) بالشين والغين المعجمتين أي لا تهييج للشر والفتنة والفساد (للمعادي) أي للعدو من أهل العناد (حِينَئِذٍ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ الْحَادِثَةِ لَوْ أَمْكَنَتْ) أي وقوعها في الجملة (فَمَا رُوِيَ عَنْ مُعَانِدٍ فِيهَا كَلِمَةٌ وَلَا عن مسلم) وروي عن متكلم وهو أولى (بسببها بنت شفة) أي لفظة تخرج من الشفة (فدلّ على بطلها) بضم أوله مصدر أي على بطلان هذه الرواية (واجتثاث أصلها) أي استئصال نقلها لمخالفة الدراية (وَلَا شَكَّ فِي إِدْخَالِ بَعْضِ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ أَوِ الْجِنِّ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى بَعْضِ مُغَفَّلِي المحدّثين) بفتح الفاء المشددة أي الغافلين عن الدراية في الرواية (ليلبّسن به
[ ٢ / ٢٣١ ]
على ضعفاء المسلمين) أي ما يوجب الفتنة وقد قال تعالى وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلم أنه قال سيكون في آخر الزمان ناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم وعنه ﵊ يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم. (ووجه رابع) أي في توهين هذه القصة (ذكر الرّواة لهذه القصة) وفي نسخة لهذه القضية أي الواقعة في سورة النجم (أَنَّ فِيهَا نَزَلَتْ وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ [الْإِسْرَاءِ: ٧٣]) أي ليضونك (الآيتين) أي عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ الْآيَتَيْنِ، (وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ تَرُدَّانِ الْخَبَرَ الَّذِي رَوَوْهُ) أي تنافيانه وتعارضانه (لأنّ الله تعالى ذكر أنّهم كادوا ليفتنونه) أي قاربوا (حتّى يفتري) أي فلم يقع شيء (وأنّه) أي الله ﷾ (لولا أن ثبّته لكاد) ويروى لقد كان أن (يركن إليهم) أي وقد ثبته فلم يقرب أن يميل إليهم أدنى ميل فلم يتحقق شيء (فمضمون هذا) أي ما ذكر من الآيتين (وَمَفْهُومُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَصَمَهُ مِنْ أَنْ يفتري وثبّته حتّى لم يركن) يروى حتى لم يكن يَرْكَنْ (إِلَيْهِمْ قَلِيلًا فَكَيْفَ كَثِيرًا وَهُمْ يَرْوُونَ) الواو للحال أي وهم راوون (في أخبارهم الواهية) أي الضعيفة المنكرة (أنّه زاد على الرّكون) أي الميل إليهم (والافتراء) أي على الله تعالى بتبديل الوعد والوعيد عليهم (بمدح آلهتهم وأنه) أي ويروون أنه (قال ﵊) حين قال له جبريل ما جئتك بهذا (افْتَرَيْتُ عَلَى اللَّهِ وَقُلْتُ مَا لَمْ يَقُلْ) أي اعترافا بذنبه وتصديقا لكلام ربه (وهذا) الذي ذكروه من الرواية (ضدّ مفهوم الآية) أي من عدم ركونه إليهم بحسب الدراية (وهي) أي الآية بصريح مفهومها (تضعّف الحديث) وتدفعه (لو صحّ) لأن دلالة القرآن قطيعة ورواية الحديث ظنية (فكيف ولا صحة له) أي لأصل هذه القضية (وهذا) أي مفهوم هذه الآية (مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ
) أي بالنبوة والعصمة (لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ
) أي من المنافقين (أَنْ
) عن القضاء بالحق بين الخلق (يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ
[النساء: ١١٣]) ولأن وبال ضلالهم راجع إليهم وضرر شرهم عائد عليهم (وقد روي عن ابن عبّاس) كما رواه ابن أبي حاتم وغيرهم (كلّ ما في القرآن كاد) أي بمعنى قارب (فهو ما لا يكون) يروى ما لم يكن أي إذا كان الكلام موجبا لأن نفس المقاربة تدل على عدم المواقعة ففي القاموس كاد يفعله قارب ولم يفعل مجردة تنبئ عن نفي الفعل ومقرونة بالجحد تنبئ عن وقوعه (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ [النور: ٤٣] ولم يذهب) أي بها ويروى لم يذهبها وكذا قوله تعالى يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ ولم يخطفها (وقال) أي الله سبحانه (أكاد أخفيها ولم يفعل) وفيه بحث إذ ما أظهرها الله لأحد كما يدل عليه سائر الآيات نحو إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ
[ ٢ / ٢٣٢ ]
عِلْمُ السَّاعَةِ وقوله يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها وقوله يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ نعم قيل في الآية أَكادُ أُخْفِيها عن نفسي فيصح قوله ولم يفعل لأنه لم يتصور وإنما ذكره للمبالغة فتدبر أو يقال أكاد أخفي مجيئها فلا أقول هي آتية للمبالغة في إرادة إخفائها فيصح قوله ولم يفعل حينئذ أيضا وقد يقال أخفيها بمعنى أظهرها لأنه من الأضداد والله ﷾ أعلم بما اراد هذا وقال في القاموس وقد يكون كاد بمعنى أراد ومنه قوله أَكادُ أُخْفِيها أي أريد اخفاءها عن غيري، (وقال القشيريّ القاضي) مر ذكره (ولقد طالبته) يروى ولقد طالبه (قريش) أي كفارهم (وثقيف) أي قبيلتهم من أهل الطائف (إذ مرّ بآلهتهم) أي معرضا عنها غير مقبل عليها (أن يقبل بوجهه إليها) ويلتفت ببصره إليها (ووعدوه الإيمان به) أي والحال أنهم وعدوه الإيمان به بسبب إقباله (إن فعل فما فعل) أي الإقبال الصوري في الحال الضروري (وما كان) وفي نسخة ولا كان أي ما صح منه (ليفعل) أي الإقبال المذكور أو ما كان الله بحسب تقديره أن يفعل بنبيه الرفيع هذا الفعل الشنيع نقلا وعقلا في تصويره فكيف يتصور مدحها في صلاة أو غيرها وإدراجها في سورة وآيها، (قال ابن الأنباريّ) وهو الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار النحوي كان من أعلم الناس بالأدب والنحو ولد سنة إحدى وسبعين ومائتين روى عنه الدارقطني وابن حيوة والبزار وغيرهم كان صدوقا دينا من أهل السنة صنف التصانيف الكثيرة وصنف في القرآن والغريب والمشكل والوقف والابتداء روي عنه أنه قال احفظ ثلاثة عشر صندوقا وقيل إنه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا بأسانيدها وقيل إنه يحفظ ثلاثمائة ألف شاهد في القرآن وقد أملى كتاب غريب الحديث قيل إنه خمس وأربعون ألف ورقة وكتاب شرح الكافي وهو نحو ألف ورقة وكتاب الأضداد وهو كبير جدا وكتاب الجاهليات في سبعمائه ورقة وكان رأسا في نحو الكوفيين توفي ليلة عيد النحر ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة (ما قارب الرّسول) أي الركون إلى الكفرة (ولا ركن) أي ولا مال إليهم فيما قصدوه لثبوت تثبيت الله تعالى إياه المفهوم من لولا الامتناعية في الآية (وقد ذكرت) بصيغة المجهول (في معنى هذه الآية) أي آية وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ (تفاسير أخر) أي ضعيفة سخيفة (مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ نَصِّ اللَّهِ عَلَى عِصْمَةِ رسوله تردّ سفسافها) أي رديئها وأصله ما يطير من غبار الدقيق إذا نخل والتراب إذا أثير (فلم يبق في الآية) أي في معناها (إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى امْتَنَّ عَلَى رَسُولِهِ بعصمته وتثبيته مما) وفي نسخة بما (كاده به الكفّار) أي مكروا (وراموا من فتنته) أي وقصدوا بعض محنته وبليته ليفتري على ربه ما يخالف مقتضى نبوته ورسالته (ومرادنا من ذلك) أي ما ذكرناه كله (تنزيهه) أي براءة ساحته (وعصمته) أي حمايته بما يجب من الرعاية (وهو مفهوم الآية) عند أرباب العناية وأصحاب الهداية؛ (وأمّا المأخذ الثّاني) أي في الكلام على مشكل هذا الحديث (فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَسْلِيمِ الْحَدِيثِ لَوْ صَحَّ) أي إسناده (وقد أعاذنا الله تعالى) أي
[ ٢ / ٢٣٣ ]
أجارنا (من صحّته) أي تصحيحه (ولكن على كلّ حال) وفي نسخة ولكن على ذلك من حال (فقد أجاب عن ذلك) أي عما نسب إليه من مدح الآلهة ويروى عَلَى ذَلِكَ (أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا الْغَثُّ) بفتح معجمة وتشديد مثلثة أي الضعيف مما لا يجدي نفعا (والسّمين) أي القول الذي يدفع الشبهة دفعا (فمنها) أي من الأجوبة (ما روى قتادة ومقاتل) قال الحلبي مقاتل اثنان مفسران لكل منها تفسير وينقل عنهما فأما الأول فهو مقاتل بن حيان البلخي الخراساني الخراز أحد الأعلام روى عن الضحاك ومجاهد وعكرمة والشعبي وخلق وعنه ابن المبارك وآخرون عابد كبير القدر صاحب سنة وصدوق وثقه ابن معين وأبو داود وغيرهما وقال النسائي ليس به بأس وروى أبو الفتح اليعمري عن وكيع أنه قال ينسب إلى الكذب قال الذهبي وأحسبه التبس عليه مقاتل بن حيان بمقاتل بن سليمان فإن ابن حيان صدوق قوي الحديث والذي كذبه وكيع فابن سليمان مات قبل الخمسين ومائة أخرج له مسلم والأربعة وأما ابن سليمان فروى عن مجاهد والضحاك قال ابن المبارك ما أحسن تفسيره ولو كان ثقة وقال ابن حبان كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم وكان يسبه الرب بالمخلوقات وكان يكذب في الحديث توفي مقاتل بن سليمان سنة خمسين ومائة انتهى ولا يدري من أراد القاضي منهما والحاصل أن قتادة ومقاتل رويا (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أصابته سنة) بكسرة ففتحة أي نوم وغفلة (عند قراءته هذه السّورة) أي النجم (فجرى هذا الكلام) أي مدح الآلهة (على لسانه بحكم النّوم) أي غلبته عليه (وهذا لا يصحّ) أي أصلا لا في النوم ولا في اليقظة (إِذْ لَا يَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم مثله) أي مثل ما نسب إليه (في حالة من أحواله) إذ ثبت أنه تنام عيناه ولا ينام قلبه وأيضا فإن كل إناء يترشح بما فيه فمثل هذا لا يتصور من النبي النبيه (ولا يخلقه الله على لسانه) ما لا يناسب عظمة شأنه (ولا يستولي الشّيطان عليه في نوم) ولذا لم يكن يحتلم (ولا يقظة) بالأولى (لعصمته في هذا الباب) أي باب الكفر والمعصية ولو صورة وقال الأنطاكي يريد فيما كان طريقه البلاغ عن الله تعالى (من جميع العمد والسّهو) إجماعا (وفي قول الكلبيّ) وهو محمد بن السائب مات سنة ست وأربعين ومائة وسبق ذكره قريبا (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم حدّث نفسه) أي خطر في خاطره (فقال ذلك الشّيطان) أي الملقى في نفسه (على لسانه) أي سهوا قال الدلجي وهو باطل إذ لم يجعل الله للشيطان عليه كغيره من الأنبياء سبيلا وأقول لا يبعد أن يكون مراد الكلبي أن الشيطان قال ذلك على لسانه وفق صوته وحكاية بيانه، (وفي رواية ابن شهاب) أي الإمام الزهري (عن أبي بكر بن عبد الرّحمن) أي ابن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي أحد الفقهاء السبعة على قول يروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وعائشة ولد زمن عمر وكف بصره بآخره ويسمى الراهب أخرج له الأئمة الستة توفي سنة أربع وتسعين (قال وسها) أي النبي ﵊ فيما جرى على لسانه أو سها عن بيان حاله وألقاه الشيطان في
[ ٢ / ٢٣٤ ]
مقاله ويؤيده ظاهر قوله (فَلَمَّا أُخْبِرَ بِذَلِكَ قَالَ إِنَّمَا ذَلِكَ مِنَ الشّيطان) أي من القائه وكان المصنف ذهب إلى أن المعنى من وسوسته ولذا قال (وكلّ هذا) أي جميع ما ذكرناه أي بحسب ظاهره (لا يصحّ أن يقوله ﵊ لَا سَهْوًا وَلَا قَصْدًا وَلَا يَتَقَوَّلَهُ الشَّيْطَانُ على لسانه) أي حقيقة (وقيل لعلّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قاله أثناء تلاوته على تقدير التّقرير) أي التسليم في صحته أو على تقدير استفهام الإنكار المقصود منه حمل المخاطب على الإقرار بأن الذي يضر وينفع إنما هو الإله الواحد القهار (والتّوبيخ للكفّار كقول إبراهيم ﵊ هذا رَبِّي [الأنعام: ٧٦]) أي هذا الحقير أو المخلوق مثل ربي (على أحد التّأويلات) في تلك الحالات (وكقوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [الأنبياء: ٦٣]) أي على وجه التورية التي هي من معاريض الكلام ففيها غنية عن الكذب في المرام (بعد السّكت) وهو وقفة لطيفة على فعله كما اختاره بعض أرباب الوقوف (وبيان الفصل بين الكلامين) أي السابق واللاحق وفي رواية بين الكلمتين إشارة إلى أن التقدير بل فعله فاعله مطلقا أو فاعله الذي تعرفونه ثم قال مبتدأ كبيرهم هذا وجعل الدلجي هذا من المتن وقال ما عزى لنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم بعد السكت أي بينه وبين ما تلاه قبله وبيان الفصل بين الكلامين أي كلام الله تعالى وما عزى إليه ويؤيده قوله (ثمّ رجع إلى تلاوته) أي بقية السورة (وهذا) التأويل (ممكن مع بيان الفصل) بين الكلامين (وقرينة) أي ومع قرينة (تدلّ على المراد) أي من أنه إنما قاله توبيخا وتقبيحا لقولهم وتقريعا وتسفيها لعقولهم (وأنّه ليس من المتلو) أي من القرآن (وهذا) أي التأويل وفي نسخة صحيحة وَهُوَ (أَحَدُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ) أي الباقلاني أو ابن العربي المالكيان (وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ كان في الصلاة) أي والكلام مبطل فيها (فقد كان الكلام قبل) أي قبل النهي عنه (فيها غير ممنوع) منه كما قرر في حديث ذي اليدين حتى نزل قوله تعالى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ أي ساكتين (والّذي يظهر ويترجّح في تأويله) أي في تأويل ما عزى إليه صلى الله تعالى عليه وسلم (عنده) أي عند القاضي أبي بكر (وعند غيره من المحقّقين) أي من سائر العلماء المجتهدين المدققين (على تسليمه) أي فرض وقوعه (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كان كما أمره ربّه) أي بقوله وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (يرتّل القرآن ترتيلا) أي يقرأه مترسلا (ويفصّل الآي تفصيلا) أي ويبينها تبيينا مبينا (في قراءته) أي من كمال تؤدته (كما رواه الثّقات عنه) يروى كما قال الثقات فعن عائشة وقد سئلت عن قراءته لو أراد سامعها أن يعد حروفها لعدها (فيمكن ترصّد الشّيطان لتلك السّكتات) أي خلال تلاوة الآيات (ودسه) أي إدخاله على وجه الخفاء (فيها) أي في السكتات أو في اثناء القراآت (مَا اخْتَلَقَهُ مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ مُحَاكِيًا نَغْمَةَ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي صوته ولهجته (بحيث يسمعه) من السماع أو الاسماع (من دنا إليه) أي قرب (من الكفّار) أي دون الأبرار (فظنّوها من قول النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وأشاعوها) أي أفشوها بينهم (ولم يقدح ذلك عند
[ ٢ / ٢٣٥ ]
المسلمين لحفظ السّورة) باللام والباء أي بسبب حفظهم سورة النجم (قبل ذلك) أي قبل دس الشيطان ما هنالك (عَلَى مَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ وَتَحَقُّقِهِمْ مِنْ حَالِ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في ذمّ الأوثان وعيبها) أي وعيبه إياها (على ما عرف منه) ولا يخفى أن ما بين السكتات لا يتصور فيه جميع تلك الكلمات المختلقة ويبعد كون كل كلمة في حال سكتة فالظاهر أنه بعد قراءته ﵊ ومذمته الأصنام بقوله تعالى أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى وقع له ﵊ سكتة طويلة لعارض من نحو شغله أو فكره فانتهز الشيطان الفرصة والقى تلك الجملة وسمعها الكفار دون الأبرار وهذا ليس كما توهم الدلجي ورد قول المحققين بأن هذا قول غير مرضي لا يذانه بأن الشيطان كان له عليه سبيل بتمكنه من دسه خلال تلاوته كلام ربه انتهى هذا ولا يخفى أن شيخ الإسلام خاتمة الحفاظ ابن حجر العسقلاني في شرحه للبخاري أطال في ثبوت هذه القصة وأن لها طرقا صحيحة وطرقا أخر كثيرة صريحة تدل على أصل القضية فلا بد من تأويلها وهذا أحسن ما قيل في التأويل إن الشيطان ألقى ذلك في سكتة من سكتاته ولم يتفطن له ﵊ وسمعه غيره فأشاعه بين الأنام وأما ما ذكره البغوي من أن الأكثرين على أنها جرت على لسانه سهوا ونبه عليه وقرره الشيخ أبو الحسن البكري على ما نقله عنه شيخنا عطية السلمي أنه لا يقدح ذلك في العصمة لكونه من غير قصد كحركة المرتعش فقد رده صاحب المدارك من أئمتنا في تفسيره حيث قال إجراء الشيطان ذلك على لسانه صلى الله تعالى عليه وسلم جبرا بحيث لم يقدر على الامتناع عنه ممتنع لأن الشيطان لا يقدر على ذلك في حق غيره ففي حقه أولى والقول بأنه جرى ذلك على لسانه سهوا وغفلة مردود أيضا لأنه لا يجوز مثل هذه الغفلة عليه حال تبليغ الوحي ولو جاز لبطل الاعتماد على قوله ثم اختار ما اختاره العسقلاني قال وكان الشيطان يتكلم في زمن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويسمع كلامه فقد روي أنه نادى يوم أحد إلا أن محمدا قد قتل وقال يوم بدر لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم (وقد حكى موسى بن عقبة) أي ابن أبي عياش (في مغازيه نحو هذا) أي نحو ما ذكر عن المحققين قال الحلبي هو مولى آل الزبير ويقال مولى أم خالد زوج الزبير روى عنها وعن علقمة بن وقاص وعروة وخلق وعنه مالك والسفيانان وجماعة ثبت ثقة أخرج له الأئمة الستة ومغازيه أصح المغازي كما قاله الإمام مالك بن أنس وهي مجلدة لطيفة وله أولاد فقهاء محدثون ووقع في بعض النسخ محمد بن عقبة والأول هو الصواب؛ (وَقَالَ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَسْمَعُوهَا وَإِنَّمَا أَلْقَى الشّيطان ذلك في أسماع المشركين وقلوبهم) أي صدور الشاكين (ويكون ما روي) أي فيما مر (من حزن النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهَذِهِ الْإِشَاعَةِ وَالشُّبْهَةِ وَسَبَبِ هَذِهِ الفتنة وقد قال الله تعالى) في هذه تسلية (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ [الحج: ٥٢] الآية) أي إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أي في أثناء قراءته ما ليس من تلاوته (فمعنى تمنّى تلا) أي قرأ
[ ٢ / ٢٣٦ ]
والأمنية معناها التلاوة، (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ [البقرة: ٧٨]) وهي جمع أمنية (أي تلاوة) أي مجرد قراءة خالية عن دراية (وقوله) أي في بقية الآية (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ [الْحَجِّ: ٥٢] أَيْ يذهبه) أي يفنيه ويعدم اعتباره (ويزيل اللّبس به) بفتح اللام أي خلط الحق بالباطل بسببه (ويحكم آياته) في التنزيل ثم يحكم الله آياته أي يثبتها؛ (وَقِيلَ مَعْنَى الْآيَةِ هُوَ مَا يَقَعُ لِلنَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم من السّهو) أي الناشىء من النسيان (إذا قرأ فينتبه) من الانتباه أو التنبه أي فيتفطن (لذلك) ويتذكر لما هنالك (ويرجع عنه وهذا) التأويل (نَحْوُ قَوْلِ الْكَلْبِيِّ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ حَدَّثَ نَفْسَهُ وَقَالَ إِذَا تَمَنَّى أَيْ حَدَّثَ نَفْسَهُ) يعني على طريق السهو، (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نحوه) وهذا السهو بطريق النسيان الغالب على الإنسان أجمعوا على جوازه منه ﵊ وقد قال تعالى سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ (وهذا السّهو في القراءة إنّما يصحّ) أي صدوره عنه ﵊ (فِيمَا لَيْسَ طَرِيقُهُ تَغْيِيرَ الْمَعَانِي وَتَبْدِيلَ الْأَلْفَاظِ) أي المباني (وزيادة ما ليس من القرآن) أي في وجوه السبع المثاني (بَلِ السَّهْوُ عَنْ إِسْقَاطِ آيَةٍ مِنْهُ أَوْ كلمة) أو انتقال من كلمة أو آية إلى أخرى لا يترتب عليه فساد المعنى (ولكنّه) أي مع هذا (لا يقرّ) بصيغة المجهول وتشديد الراء أي لا يترك (على هذا السّهو بل ينبّه عليه) من التنبيه من باب التفعيل بصيغة المجهول وكذا قوله (ويذكّر به) أي بما وقع له لينتهي عنه (للحين) أي في وقته (عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي حُكْمِ مَا يَجُوزُ عليه من السّهو وما لا يجوز) أي عليه من السهو (وَمِمَّا يَظْهَرُ فِي تَأْوِيلِهِ أَيْضًا أَنَّ مُجَاهِدًا روى هذه القصّة والغرانقة العلى) بضم المهملة (فإن سلّمنا القصّة) أي صحتها (قلنا لا يبعد أنّ هذا) أي ما وقع فيها (كان قرآنا) أي ثم نسخ تلاوته (وَالْمُرَادُ بِالْغَرَانِقَةِ الْعُلَى وَأَنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى الْمَلَائِكَةُ على هذه الرّواية) أي رواية مجاهد الغرانقة العلى ولا يظهر وجه تخصيص هذا التأويل بهذه الرواية إذ يصح على ما تقدم من الروايات أيضا كما لا يخفى على أرباب الدراية (وبهذا فسّر الكلبيّ الغرانقة العلى) أي في روايته ولا يلزم منه أنه لا يجوز هذا التفسير لرواية غيره (أنّها الملائكة وذلك) أي الباعث له على تفسيرها بها هنالك (أنّ الكفار) أي من قريش وغيرهم (كانوا يعتقدون الأوثان) وفي نسخة أن الْأَوْثَانَ (وَالْمَلَائِكَةَ بَنَاتِ اللَّهِ كَمَا حَكَى اللَّهُ تعالى عنهم) أي بقوله تعالى وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا الآية وذمهم بقوله أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وبقوله وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا وبقوله أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (وردّ عليهم في هذه السّورة) وهي النجم (بقوله أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى فأنكر الله كل هذا) أي الذي ذكره (مِنْ قَوْلِهِمْ وَرَجَاءُ الشَّفَاعَةِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ صَحِيحٌ) وهذا التأويل وأمثاله يتعين لئلا يلزم كفر صريح وبه يندفع قول الدلجي وهذا التأويل وإن كان صحيحا في نفسه فمباين للمقام يأبى عن سياق الكلام قلت ويمكن تأويل سائر الروايات على وجه يحصل به الالتئام على أن التأويل من شأنه أن يكون
[ ٢ / ٢٣٧ ]
خلاف ظاهر المرام وإنما يحتاج إليه للتخلص عما يرد في الكلام من الملام (فلمّا تأوّله المشركون على) حسب غرضهم من فساد عقيدتهم (أنّ المراد بهذا) وفي نسخة بذلك (الذّكر آلهتهم) أي مدح آلهتهم ورجاء شفاعتهم (ولبّس) من التلبيس (عليهم الشّيطان) أي إبليس (ذلك) أي ما توهموه (وزيّنه في قلوبهم وألقاه إليهم) أي المراد به ما فهموه مما سمعوه (نسخ الله ما ألقى) ويروى ما يلقى (الشّيطان) أي أزال ما كان موجبا لإلقائه وباعثا لإغوائه (وأحكم آياته) أي أثبت بقية آياته (ورفع تلاوة تلك اللّفظتين) أي إحديهما وفي نسخة صحيحة تينك اللفظتين (اللّتين وجد الشّيطان بهما) أي بسبب ما يتوهم من ظاهرهما (سبيلا) ويروى سببا (للتلبيس) وفي نسخة للإلباس أي للشبهة المفتنة للناس والاشتباه والالتباس (كما نسخ كثير من القرآن) أي دراسته (ورفعت تلاوته) أي مع حكمه أو بدونه منها آية الرجم ومنها على ما ورد لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثا ولن يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب (وَكَانَ فِي إِنْزَالِ اللَّهِ تَعَالَى لِذَلِكَ حِكْمَةٌ) وفي نسخة حكم أي له ﷾ أيضا (يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) كما قال الله تعالى يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا (وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ) أي الخارجين عن طريق وفاقه الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ (ولِيَجْعَلَ) أي ليصير الله تعالى (ما يُلْقِي الشَّيْطانُ) أي مما يلبس به (فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي داء شك من المنافقين (وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ) من المشركين المعاندين (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ) من الجنسين (لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ) خلاف بعيد عن طريق سديد وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) أي من المؤمنين (أَنَّهُ) أي ما نزله ثم نسخه (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ) أي زيادة على إيمانهم (فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ [الحج: ٥٣- ٥٤]) أي تطمئن زيادة على إيقانهم (الآية) أي وأن الله لهادي الذين آمنوا بالدين القويم إلى صراط مستقيم (وقيل إنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لمّا قرأ هذه السّورة) أي النجم (وبلغ ذكر اللات) بالنصب على الحكاية وبالجر على الإعراب (وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةِ الْأُخْرَى خَافَ الْكُفَّارُ أَنْ يأتي) أي النبي ﵊ (بشيء من ذمّها) أي زيادة على عيبها (فسبقوا إلى مدحها بتلك الكلمتين) وفيه ما سبق أن الصواب كما في نسخة بتينك الكلمتين (ليخلّطوا) أي ليرموا (به) بالتخليط (في تلاوة النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ويشغبوا) بتشديد الغين المعجمة أي يثيروا الشر ويهيجوا الفتنة وفي نسخة يشنعوا من التشنيع أي ليعيبوا ويعيروا (عليه على عادتهم وقولهم) أي وعلى منهج مقالتهم (لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ) أي مهما قدرتم (وَالْغَوْا فِيهِ) أي تشاغلوا عند قراءته برفع أصواتكم إذا عجزتم (لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦]) عليه في قراءته (ونسب هذا الفعل) يعني الالقاء (إلى الشّيطان) مع أنه فعلهم (لحمله لهم عليه) لأنه السبب الداعي إليه (وأشاعوا ذلك) أي ما سبقوا به إلى مدحها افتراء منهم (وأذاعوه) أي أفشوه فيما بينهم (وأنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قاله) أي هو الذي قاله افتراء منهم في نسبته إليه
[ ٢ / ٢٣٨ ]
(فَحَزِنَ لِذَلِكَ مِنْ كَذِبِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ فَسَلَّاهُ الله تعالى) عن حزنه (بِقَوْلِهِ وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ [الْحَجِّ: ٥٢] الْآيَةَ) إيماء إلى أن هذا من سنة الله التي قد خلت في عباده وإشعارا بأن الكفرة من شياطين الإنس وأنهم من اتباع شياطين الجن، (وبيّن) أي ميز الله تعالى (للنّاس الحقّ) المنزل (من ذلك) أي مما ذكره (من الباطل) الملقى (وحفظ القرآن) أي جميع كلماته (وأحكم آياته ودفع ما لبّس) بتشديد الموحدة (به العدوّ) من الإباطيل (كما ضمنه الله تعالى) أي تكلفه وتضمن حفظه المفهوم (من قوله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩]) أي من زيادة ونقص وتحريف وتبديل ولم يكل حفظه إلى غيره بل تولاه بنفسه بخلاف الكتب الإلهية المنزلة قبله فإنه لم يتول حفظها بل استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيها وحرفوها وبدلوها وهذا لا ينافي أن حفظ القرآن بحسب مبناه ومعناه فرض كفاية لأن المعنى أنه تعالى تكفل حفظ القرآن بهم وأنه لم يكلهم في مراعاته إلى أنفسهم بل يكون دائما في عون حماتهم (ومن ذلك) أي من سؤالات بعض الطاعنين في مراتب النبيين (ما روي من قصّة يونس) وفي نسخة في قصة يونس (﵇ أنه وعد قومه العذاب عن ربّه) أي وخرج من عند قومه (فلمّا تابوا) أي بعد خروجه وظهور مقدمة وعيده (كشف عنهم العذاب) قيل يوم جمعة في عاشوراء (فقال لا أرجع إليهم كذّابا أبدا) أي ولو بحسب الصورة استحياء من قومه (فذهب مغاضبا) أي على هيئة الغضبان على قومه. أو على قوله وكان عليه أولا أي يصابرهم منتظرا من ربه الإذن له في خروجه وثانيا أن يرجع إليهم حيث تاب الله عليهم (فاعلم أكرمك الله تعالى) بالعقيدة الثابتة (أنه) أي الشأن وفي نسخة أَنْ (لَيْسَ فِي خَبَرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ في هذا الباب) لا في السنة ولا في الكتاب (أن يونس ﵇ قال لهم إنّه) أي الله ﷾ (مهلكهم) وفي نسخة يهلكهم وفي أخرى مهلككم وعلى التسليم فيكون مقيدا بما أن ثبتوا على كفرهم فلا يستقيم أن يقول لا أرجع إليهم كذابا أبدا إلا بظاهره (وإنّما فيه) أي وإنما الوارد في حقه من الأخبار (أنّه دعا عليهم بالهلاك) أي إن أصروا على الإشراك، (والدّعاء) إنما هو إنشاء بطلب (لَيْسَ بِخَبَرٍ يُطْلَبُ صِدْقُهُ مِنْ كَذِبِهِ، لَكِنَّهُ) أي يونس (قَالَ لَهُمْ إِنَّ الْعَذَابَ مُصَبِّحُكُمْ وَقْتَ كَذَا وكذا) فيه أن هذا اخبار لا انشاء (فكان ذلك) أي مجيئه لهم فيما هنالك وفي نسخة كذلك أي كما قال فلا يكون كذابا أبدا غايته أنه لما أغامت السماء غيما شديدا اسود بدخان سود سطوح بيوتهم لبسوا المسوح وعجوا في السوح مظهرين الإيمان والتوبة النصوح (ثمّ رفع الله عنهم العذاب وتداركهم) برحمته المخصوصة بهم في هذا الباب؛ (قال الله تعالى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ) استثناء منقطع من القرى إذ المراد أهلها أي لكن قومه أو متصل من ضمير آمنت والجملة في معنى النفي أي ما آمنت قرية من القرى المحكوم على أهلها بالهلاك إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ (لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ [يونس: ٩٨] الآية) أي في الحياة الدنيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (وروي في الأخبار) أي في بعض الآثار (أنهم رأوا دلائل
[ ٢ / ٢٣٩ ]
العذاب ومخايله) أي مظانه جمع مخيلة أي مظنة أو سحابة فيها عقوبة وفي الحديث أنه ﵊ إذا رأى مخيلة أقبل وأدبر وفي رواية إذا رأى في السماء اختيالا تغير لونه خشية أن يكون عذابا أرسل كما وقع لقوم هود فإذا أمطرت سرى عنه، (قاله ابن مسعود) كما رواه ابن مردويه عنه مرفوعا وابن أبو حاتم موقوفا، (وقال سعيد بن جبير غشّاهم) أي غطاهم الله تعالى (العذاب كما يغشّي الثّوب القمر) وفي نسخة كما يغشي السحاب القمر.
(فإن قلت فما معنى ما روي) عن ابن جرير عن عكرمة مولى ابن عباس مِنْ (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي سَرْحٍ) بفتح السين المهملة وسكون الراء وفي آخره مهملة اسلم قبل الفتح وهاجر وكتب الوحي ثم ارتد ثم اسلم ومات ساجدا لله (كان يكتب لرسول الله ﵌ ثمّ ارتدّ مشركا) ويروى ارتد كافرا (وسار) وفي نسخة وصار أي رجع (إلى قريش) أي بمكة (فقال لهم إني كنت أصرف محمدا) أي أغيره (حيث أريد) أي من تغيير كلامه وتعبير مرامه (كان يملي عليّ عزيز حكيم فأقول) أي استفهاما (أعلي حكيم) وفي نسخة فَأَقُولُ أَوْ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (فَيَقُولُ نَعَمْ كُلٌّ صواب) أي في نفس الأمر إذ نزل عليه بهذا كتاب فيكون من السبعة الأحرف التي نسخ من كل باب؛ (وفي حديث آخر) كما رواه ابن جرير عن السدي (فيقول له النّبي صلى الله تعالى عليه وسلم اكتب كذا) كناية عما كان يأمره بكتابته في املاء نظرته (فيقول) أي ابن أبي سرح (أكتب كذا) بألف استفهام ملفوظة أو محذوفة وأغرب الدلجي في تقدير إنما أكتب كذا (فيقول) أي النبي ﵊ كما في نسخة (اكْتُبْ كَيْفَ شِئْتَ وَيَقُولُ اكْتُبْ عَلِيمًا حَكِيمًا فَيَقُولُ أَكْتُبُ سَمِيعًا بَصِيرًا؟ فَيَقُولُ لَهُ اكْتُبْ كيف شئت) وهذا على اطلاقه غير صحيح فقد روي أن أعرابيا سمع قارئا يقرأ فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله غفور رحيم بدل عزيز حكيم ولم يكن قارئا فأنكره وقال إن كان هذا كلام الله فلا يذكر الغفران عند الزلل لأنه اغراء عليه بالعمل؛ (وفي الصّحيح) أي في البخاري من طريق عبد العزيز وفي مسلم من طريق ثابت كلاهما (عن أنس رضي الله تعالى عَنْهُ أَنَّ نَصْرَانِيًّا كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) أي ما أوحي إليه (بعدما أسلم) وقرأ البقرة وآل عمران (ثمّ ارتدّ) كافرا فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب فاعجبوا به فما لبث أن قسم الله عنقه فيهم الحديث (وكان يقول ما يدري محمّد ما كتبت) أي له كما في نسخة والمعنى ما يشعر بكتابتي فيما غيرت سهوا أو قصدا وفي نسخة مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ (فاعلم ثبّتنا الله وإيّاك على الحقّ) أي البين دليلا (ولا جعل للشّيطان وتلبيسه الحقّ) أي تخليطه (بِالْبَاطِلِ إِلَيْنَا سَبِيلًا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحِكَايَةِ) ولو على طريق الرواية (أَوَّلًا لَا تُوقِعُ فِي قَلْبِ مُؤْمِنٍ رَيْبًا) أي شكا وشبهة (إِذْ هِيَ حِكَايَةٌ عَمَّنِ ارْتَدَّ وَكَفَرَ بِاللَّهِ) وفي حال كفره رواه (ونحن) أي معاشر المحدثين من علماء المسلمين (لا نقبل خبر المسلم المتّهم) أي في عدالته بالكذب والمعصية (فكيف بكافر) أي مستحق العقوبة (افترى هو ومثله) من الكفرة والفجرة (على الله ورسوله ما هو أعظم من هذا) الافتراء المروي عنهما فلا عبرة بهما
[ ٢ / ٢٤٠ ]
(والعجب لسليم العقل) وفي نسخة لسليم القلب (يشغل بمثل هذه الحكاية سرّه) أي إلا بإرادة أنه يدفع شره (وَقَدْ صَدَرَتْ مِنْ عَدُوٍّ كَافِرٍ مُبْغِضٍ لِلدِّينِ) اسم فاعل من أبغض ضد أحب وروي منغص من التنغيص وهو التكدير وروي بالقاف من النقض (مفتر على الله ورسوله ولم يرد) أي هذه الحكاية (عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا ذَكَرَ أَحَدٌ من الصّحابة أنّه شاهد) لا برؤية ولا بسماع قضية (ما قاله وافتراه على نبيّ الله وإنّما) كان حقه أن يقول وقد قال تعالى إِنَّما (يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ) فيه اقتباس من القرآن الكريم اشعارا بأنه نزل ردا لقولهم إنما يعلمه بشر وإنه على الله مفتر، (وَمَا وَقَعَ مِنْ ذِكْرِهَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ) ولو في الصحيح (وظاهر حكايتها) ولو بالتصريح (فليس فيه ما يدلّ على أنّه) أي إنسا (شاهده) أي الحاكي حال إسلامه وفي نسخة شاهدها أي الحكاية القضية (ولعلّه حكى ما سمع) أي من غيره وهكذا بغير انتهاء أمره إلى تحقيق سنده (وقد علّل البزّار حديثه ذلك) أي لذلك أو لعلة خفية فادحة في إسناد ذكر هنالك (وقال) أي البزار (رواه ثابت) وفي نسخة عنه أي عن أنس (عنه ولم يتابع عليه) بصيغة المجهول، (ورواه حميد) أي الطويل لطول كان في يده مات وهو قائم يصلي وثقوه على أنه كان يدلس (عن أنس رضي الله تعالى عنه قال) أي البزار (وأظنّ حميدا إنّما سمعه من ثابت) أي فدلس وروي عن أنس؛ (قال القاضي الإمام) الظاهر أنه المصنف ويؤيده أنه في نسخة قال القاضي أبو الفضل ﵀ (وَلِهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَمْ يُخَرِّجْ أَهْلُ الصّحيح) وفي نسخة أهل الصحة (حديث ثابت ولا حميد) فيه بحث إذ سبق أن حديثهما في الصحيحين وكأنه أراد غير هذا الحديث المتنازع فيه (والصّحيح حديث عبد الله بن عزيز بن رفيع) وهو تابعي جليل ثقة روى عن ابن عباس وابن عمر وعنه شعبة وأبو بكر بن عياش توفي سنة ثلاث ومائة وأخرج له الأئمة الستة (عَنْ أَنَسٍ ﵁ الَّذِي خَرَّجَهُ أهل الصّحّة) أي كلهم (وذكرناه) أي سابقا (وَلَيْسَ فِيهِ عَنْ أَنَسٍ قَوْلُ شَيْءٍ مِنْ ذلك) أي مما حكى (مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ إِلَّا مِنْ حِكَايَتِهِ عَنِ المرتدّ النّصرانيّ) على ما تقدم والله تعالى أعلم (ولو) وفي نسخة فلو (كانت) أي تلك الرواية أو الحكاية (صحيحة) أي فرضا وتقديرا (لما كان فيها) أي في مضمونها (قدح) أي طعن له (ولا توهيم) أي نسبة إلى وهم وفي نسخة ولا توهين أي نسبة إلى وهن وضعف في ضبط (للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيما أوحي إليه) أي من عند ربه (ولا جواز للنّسيان والغلط عليه والتّحريف) أي الزيغ والميل (فيما بلّغه) أو أوصله من الحق إلى الخلق (ولا طعن في نظم القرآن) أي لا من جهة مبانيه ولا من طريق معانيه (وأنّه من عند الله تعالى) أي العزيز الحميد (إذ ليس فيه) أي فيما قاله الكاتب (لو صحّ) أي قوله (أكثر من أنّ الكاتب قال له) أي للنبي ﵊ (عليم حكيم أو كتبه) أي قبل أن يتم النبي ﵊ كلامه وفي نسخة إذا كتبه (فقال له النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كذلك هو) أي مثل ما قلته أو كتبته (فسبقه لسانه أو قلبه لِكَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَتَيْنِ مِمَّا
[ ٢ / ٢٤١ ]
نَزَلَ عَلَى الرَّسُولِ قَبْلَ إِظْهَارِ الرَّسُولِ لَهَا) أي لتلك الكلمة (إِذْ كَانَ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا أَمْلَاهُ الرَّسُولُ يدلّ عليها) أو يشير إليها (ويقتضي وقوعها) أي في محلها اللائق بها (بقوّة قدرة الكاتب على الكلام) حيث كان من فصحاء الأنام (ومعرفته به) أي بالكلام نظما ونثرا في ترتيب المرام (وجودة حسّه) أي إدراكه ودرايته (وفطنته) أي سرعة فهمه عند سماع روايته ونظير ذلك ما وقع لعمر رضي الله تعالى عنه في موافقته حيث روي أنه لما نزل قوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ الآية فلما بلغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ قال عمر رضي الله تعالى عنه فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فقال له النبي ﵊ كذلك أنزلت (كما يتّفق ذلك للعارف) بأساليب الكلام (إذا سمع البيت) من الشعر (أن يسبق) فهمه لقوته (إلى قافيته) قبل التمام (أو مبتدأ الكلام) أي أو إذا سمع ابتداء الكلام (الحسن) في النثر فإنه يسبق طبعه (إلى ما يتمّ به) أي قبل تمام المرام كما في وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وفي إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها (ولا يتّفق ذلك) التوافق (في جملة الكلام) أي مما لا تدل فاتحته عل خاتمته (كما لا يتّفق ذلك في آية) أي كاملة (ولا سورة) أي شاملة؛ (وكذلك) أي يأول (قوله ﵊) لعبد الله بن أبي سرح (كلّ صواب) أي كل ما قلته أو كتبته (إن صح) سنده ويروى إن صحت أي أسانيده (فَقَدْ يَكُونُ هَذَا فِيمَا) كَانَ (فِيهِ مِنْ مقاطع الآي) أي رؤوسها وموافقتها ويروى الآيات (وجهان) أي جائزان في صدر الإسلام (وقراءاتان) أي متواتران (أنزلتا جميعا على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) إلا أن إحديهما صارت شاذة (فأملى إحداهما وتوصّل الكاتب بفطنته) ببركة صحبته وانعكاس مرآته (ومعرفته بمقتضى الكلام) وما يتعلق بفصاحته وبلاغته (إلى الأخرى) أي قبل ذكر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لها كما في نسخة (فذكرها) أي الكاتب (للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قبل ذكره لها) كما قدمناه على ما يشير إليه قَوْلِهِ تَعَالَى يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ عند ظهور الإيمان يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ كعمر يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ كابن أبي سرح وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ بل له نار في غاية من ظهور والأمور مخبوءة تحت حجب ظلال وستور (فصوّبها) أي القراءة الأخرى (له النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بحسب الموافقة (ثمّ أحكم الله من ذلك) أي مما ذكر من عليم حكيم بدل غفور رحيم ونحوه مما تقدم هنالك (ما أحكم) أي أثبته (ونسخ ما نسخ) أي أزاله لحكمه اقتضت هنالك كقوله تعالى (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما) وقوله وبلغوا عنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا نزل فيمن قتل ببئر معونة من القرآن ثم نسخ (كما قد وجد ذلك) الاختلاف الآن أيضا (في بعض مقاطيع الْآيِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ) أي القوي القادر على ثوابهم وعقابهم (الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨]) في إرادته من تعذيبه وإثابته
[ ٢ / ٢٤٢ ]
(وهذه قراءة الجمهور) وهم السبعة أو العشرة (وقد قرأ جماعة) أي بطرق شاذة (فإنّك أنت الغفور الرّحيم وليست) أي هذه الجملة (في المصحف) وفي نسخة من المصحف أي فهي متلوة لا مكتوبة ولذا صارت شاذة (وَكَذَلِكَ كَلِمَاتٌ جَاءَتْ عَلَى وَجْهَيْنِ فِي غَيْرِ المقاطع) بل في أثناء الآي من المواضع (قرأ بهما معا) أي كليهما (الجمهور وثبتتا في المصحف) أي في مصحف الإمام أو جنس المصاحف العثمانية (مثل وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ) أي عظام الحمار (كَيْفَ نُنْشِزُها [البقرة: ٢٥٩]) بالراء وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو أي نحييها (وننشزها) بالزاء في قراءة الباقين أي نحركها ونرفع بعضها إلى بعض في تركيبها (ويقضي الحقّ) بضاد معجمة مكسورة في قراءة أبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وحذف ياؤه في الرسم على خلاف القياس تنزيلا للوقف منزلة الوصل أي يقضي القضاء الحق؛ (ويقصّ الحقّ) بضم صاد مهملة مشددة أي يتبعه ويحكيه ويأمر به (وكلّ هذا) أي ما ذكر من الخلاف في القراءة أو الرواية (لا يوجب ريبا) يورث شبهة (ولا يسبّب) بتشديد الباء الأولى مكسورة أي لا يصير سببا وفي نسخة صحيحة لا ينسب (للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم غلطا) أي سهوا (ولا وهما) بفتح الهاء وسكونها أي توهما (وقد قيل إنّ هذا) أي قول ابن أبي سرح لقريش بعد ردته كنت أصرف محمدا كيف أريد (يحتمل أن يكون فيما يكتبه) أي فيما كان يكتبه مكاتيب (عن النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي على لسانه (إلى النّاس) أي من الملوك وغيرهم (غير القرآن فيصف) أي ابن أبي سرح (الله) ﷾ بصفات تليق به من سمع بصير وعليم خبير وعليم حكيم وغفور رحيم حسب ما يوافق سجع الكلام ووفق المرام (ويسمّيه في ذلك الكتاب) أي المكتوب (كيف شاء) على نهج المطلوب ويروى بما شاء وكثيرا ما يقع ذلك الاختلاف بين المملي والمملى عليه ثم يحصل الائتلاف.
فصل [فصل هذا القول فيما طريقه البلاغ]
(هذا القول) أي الذي تقدم (فيما طريقه البلاغ) أي التبليغ في باب الرسالة (وأمّا ما ليس سبيله البلاغ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي لَا مُسْتَنَدَ لَهَا إِلَى الأحكام) المتعلقة بالأمور الدنيوية في حسن المعاش وتحسين الزاد (ولا أخبار المعاد) بفتح الميم أي أحاديث الأحوال الأخروية في أبد الآباد (ولا تضاف إلى وحي) أي الهي جلي أو خفي (بل في أمور الدّنيا) أي ليس لها تعلق بالأخرى (وأحوال نفسه) أي من حكاية غده وأمسه (فالّذي يجب) أي اعتقاده كما في نسخة (تنزيه النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي تبرئته (عن أن يقع خبره) أي حديثه (في شيء من ذلك) أي مما قدمناه هنالك (بخلاف مخبره) بضم الميم وفتح الموحدة أي بضد ما أخبر به (لا عمدا ولا سهوا) أي نسيانا (ولا غلطا) أي خطأ (وأنّه معصوم من ذلك) أي من جميع ما ذكر (في حال رضاه وفي حال سخطه) بفتحتين وضم فسكون أي كراهته وغضبه (وجدّه) بكسر الجيم وهو ضد الهزل (ومزحه) فإنه كان يمزح ولا يقول إلا حقا ومنه قوله
[ ٢ / ٢٤٣ ]
لامرأة لا تدخل الجنة عجوز (وصحّته ومرضه) أي لسلامة قلبه وصحة لسانه (ودليل ذلك) أي ما ذكر (اتّفاق السّلف) أي من الصحابة والتابعين (وإجماعهم عليه) أي على أنه لا يصدر شيء منه بخلاف إخباره عنه (وذلك) أي بيانه (أنّا نعلم من دين الصّحابة) أي ديدنهم (وعادتهم مبادرتهم) أي مسارعتهم (إلى تصديق جميع أحواله) أي أفعاله وأقواله (والثّقة) أي الاعتماد (بجميع أخباره) أي أحاديثه وآثاره (في أيّ باب كانت) من أطواره (وعن أيّ شيء) وفي نسخة وفي أي شيء (وقعت) أي أخباره (وأنّه) أي الشأن وفي نسخة صحيحة وأنهم (لم يكن لهم توقّف) أي تلبث وتمكن (ولا تردّد في شيء منها) أي من صحة أقواله وأفعاله وثبوت أحواله (ولا استثبات) أي ولا طلب ثبات نشأ عن تردد بعد نقل ثقات (عَنْ حَالِهِ عِنْدَ ذَلِكَ هَلْ وَقَعَ فِيهَا سهو أم لا) لكمال متابعتهم في أقواله وموافقتهم لأفعاله حتى ورد أنه ﵊ لما خلع نعله في الصلاة ورمى بها خلعوا نعالهم ورموا بها وكذلك في طرح الخاتم تبعا له صلى الله تعالى عليه وسلم، (ولمّا احتجّ ابن أبي الحقيق) بضم المهملة وفتح القاف الأولى وسكون التحتية (اليهوديّ) من يهود خيبر (على عمر) فيما رواه البخاري في حديث إجلاء يهود خيبر (حين أجلاهم) أي أخرجهم عمر (من خيبر) وهو وطنهم ويروى عن خيبر (بإقرار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) متعلق باحتج أي استدل اليهودي بتقريره ﵊ (لهم) في ابقائهم فيها (وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ عُمَرُ ﵁ بِقَوْلِهِ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي لابن أبي الحقيق (كيف بك إذا أخرجت من خيبر) بصيغة المجهول المخاطب (فقال اليهوديّ كانت) أي مقالته ﵊ (هزيلة) تصغير هزلة وهي المرة من الهزل (من أبي القاسم) كنيته ﵊ بابنه القاسم (قال له عمر كذبت يا عدوّ الله) وإنما كذبه لنسبته له ﵊ لما لا يليق به من الهزل وللإشارة إلى أن كلامه كله قول فصل وما هو بالهزل فإنه كان إخبارا عما سيقع من عزة الإسلام وقوة الاحكام فيكون معجزة جزيلة لا هزيلة رذيلة (وأيضا فإنّ أخباره وآثاره) أي من أقواله وأفعاله (وسيره) أي سائر أحواله (وشمائله) جمع شمال بالكسر وهو الخلق أي الجبلة من صفات كماله ونعوت جماله (معتنّى) أي مهتم (بها) وهو بصيغة المجهول وكذا (مستقصى) أي مستوفي (تفاصيلها ولم يرد) أي وما ورد (في شيء منها) أي من أقواله وشمائل أحواله (استدراكه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِغَلَطٍ فِي قَوْلٍ قَالَهُ أَوِ اعترافه بوهم) أي بوقوع سهو (فِي شَيْءٍ أَخْبَرَ بِهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ) أي ما ذكر من الغلط والوهم واقعا (لنقل) أي إلينا (كما نقل) على ما رواه مسلم عن طلحة وأنس ورافع بن خديج (من قصّته رجوعه ﵊) وفي نسخة في قصته ﵊ ورجوعه (عَمَّا أَشَارَ بِهِ عَلَى الْأَنْصَارِ فِي تَلْقِيحِ النّخل) أي تأبيرها وهو جعل شيء من النخل الذكر في الأنثى وذلك أنه مر بهم وهو يلقحونها فسألهم عن ذلك فأخبروه فقال لعلكم لو لم تفعلوا لكان خيرا فتركوا فلم تثمر على العادة فقال لهم أنتم أعلم بدنياكم وقال إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دينكم
[ ٢ / ٢٤٤ ]
فَخُذُوا بِهِ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِي فإنما أنا بشر (وكان ذلك) أي قوله ﵊ للأنصار (رأيا) أي من نفسه (لا خبرا) عن وحي من ربه ومن ثمة قال أنتم أعلم بدنياكم وفيه تنبيه نبيه على أنه لا يشترط في حق أرباب النبوة العصمة على الخطأ في الأمور الدنيوية التي لا تعلق لها بالأحكام الدينية والأحوال الأخروية لتعلق هممهم العليا بعلوم العقبى وغيرهم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا (وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ هذا الباب) أي باب تنزيهه ﵊ عن أن يقع خبره خلاف مخبره في فصل الخطاب (كقوله) فيما رواه الشيخان عن أبي موسى الأشعري قال أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اسأله الحملان إلى غزوة تبوك فقال والله وفي نسخة زيادة أني لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه ثم أتى صلى الله تعالى عليه وسلم بذود غر الذري فأعطاه إياها فقال تغفلنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يمينه فرجع إليه فأخبره فقال ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم (والله لا أحلف على يمين) أي على عقد وعزم ونية قال الأنطاكي أي على شيء مما يحلف عليه وسمي المحلوف عليه يمينا لتلبسه باليمين (فأرى غيرها) أي فعل غير المحلوف عليه يعني فاعلم أن تركها (خيرا منها) أي من بقائها (إلّا فعلت الّذي حلفت عليه) كترك حملانهم (وكفّرت عن يميني؛ وقوله) فيما رواه الشيخان عن أم سلمة (إنّكم تختصمون إليّ الحديث) تمامه ولعل بعضكم الحن بحجته من بعض فمن اقتطعت له من حق أخيه شيئا فكأنما اقتطع له قطعة من النار (وقوله ﵊) فيما رواه الأئمة الستة عن الزبير من أمره ﵊ للزبير بن العوام أن يسقى نخله ولا يستوعب ثم يرسل الماء إلى جاره من الأنصار فقال الأنصاري إن كان ابن عمتك فقال صلى الله تعالى عليه وسلم (اسق) بفتح الهمزة (يا زبير) أي نخلتك أو حديقتك (حتّى يبلغ الماء الجدر) بفتح الجيم وكسرها وسكون الدال المهملة وبالراء لغة في الجدار والمراد ههنا أصل الحائط كما ذكر النووي وقيل أصول الشجر وقيل جدر المشارب التي يجتمع فيها الماء في أصول الشجرة وفي نسخة الجدر بضمتين وهو جمع الجدار فاستوعب له ﵊ بعد أن أمره أن يسقي بدون استيعاب رعاية لجاره (كما سنبيّن كلّ ما في هذا) أي الذي ذكرناه (مِنْ مُشْكِلِ مَا فِي هَذَا الْبَابِ وَالَّذِي بعده إن شاء الله مع أشباهها) أي نظائرها مما وقع في هذا الكتاب ويروى مَعَ أَشْبَاهِهِمَا (وَأَيْضًا فَإِنَّ الْكَذِبَ مَتَى عُرِفَ) أي صدوره (من أحد في شيء من الأخبار) ولو جزئيا وهو بفتح الهمزة ويروى في شيء والإخبار فهو بكسر الهمزة (بخلاف ما هو) متعلق بعرف حال من ضميره (على أيّ وجه كان) من المزاح ونحوه (استريب بخبره) بصيغة المجهول وكذا قوله (واتّهم في حديثه) وهو تفسير لما قبله قال أبو بكر لعمر رضي الله تعالى عنهما عليك بالرائب من الأمور وإياك والرائب منها أي الزم الصافي الخالص منها واترك المشتبه منها فالأول من راب اللبن يروب والثاني من رابه يريبه أي أوقعه في الشك ومنه قوله ﵊ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك بضم الياء وفتحها (ولم يقع قوله
[ ٢ / ٢٤٥ ]
في النّفوس موقعا) أي لم يؤثر فيها تأثيرا تقبله وتطمئن به (ولهذا) أي ولكون الكذب يورث الريبة في الخبر والتهمة في الأثر (ترك المحدّثون) وفي نسخة ما ترك المحدثون على أن ما موصولة وقال الدلجي ما مزيدة لتأكيد معنى الترك وهو غريب (والعلماء) أي المجتهدون فهو أعم مما قبله (الحديث) أي نقله (عمّن عرف) أي شهر (بالوهم) بفتح الحاء أي الغلط وبسكونها أي السهو (والغفلة) أي الذهول وعدم اليقظة (وسوء الحفظ) بقلة الضبط (وكثرة الغلط) في المتن والسند (مع ثقته) أي اعتماده في ديانته وأمانته في روايته وقد حكي أن البخاري امتنع عن الرواية ممن أخذ بذيله تحديبا لدابته أن في حجره شعيرا ونحوه (وَأَيْضًا فَإِنَّ تَعَمُّدَ الْكَذِبِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا معصية) ويروى منقصة أي خصلة تورث المذمة عاجلا والعقوبة آجلا إذ هي الخروج عن الطاعة (والإكثار منه) أي من تعمد الكذب (كبيرة بإجماع) أي من العلماء الأعلام كأبي حنيفة ومالك وغيرهما من غير نزاع (مسقط للمروءة) ومخل بالعدالة (وكلّ هذا) أي ما ذكر (ممّا ينزّه عنه منصب النّبوّة) بفتح الميم وكسر الصاد أي ساحة الرسالة (والمرّة الواحدة) مبتدأ وصفة مؤكدة له (منه) أي من الكذب (فيما) ويروى عما (يستشنع) بصيغة المجهول من مادة الشناعة وهي القباحة وكذا قوله (ويستبشع) من البشاعة وهي الكراهة وفي نسخة ويشاع من الإشاعة وفي أخرى ويشيع بالياء أو النون من التشييع أو التشنيع أي فيما يستقبح ويستكره (ممّا يخلّ بصاحبها) أي المرة (ويزري بقائلها) أي يعيبه وينقصه ويحقره (لاحقة بذلك) خبر المبتدأ أي متصلة بما ينزه عنه منصب النبوة (وأمّا فيما لا يقع هذا الموقع) أي من الأمر المستبشع كالكذبة الواحدة في حقيرة من الدنيا (فإن عددناها) أي هذه المعصية (من الصّغائر فهل تجري على حكمها) أي حكم المرة الواحدة من الكذب (في الخلاف فيها) أي قبل البعثة هل يصدر من الأنبياء صغيرة أو لا (مختلف فيه) وقد سبق بيان الخلاف (والصّواب تنزيه النّبوّة) أي صاحبها أو ذاتها مبالغة (عن قليله) أي الكذب (وكثيره) أي بالأولى (وسهوه وعمده) بخلاف غيرها من الصغائر إذ فيها القولان المشهوران للسلف والخلف (إذ عمدة النّبوّة) أي مدار أمورها المقرونة بالرسالة (البلاغ) أي تبليغ الأحكام (والإعلام) أي بما يتعلق به حق الأنام (والتّبيين) أي تبيين ما أنزل إليهم من الابهام (وتصديق ما جاء به النبي) أي فيما جاء به النبي ﵊ (وتجويز شيء من هذا) أي الذي يخل بمنصب النبوة سواء كان صغيرة أو كبيرة قليلة أو كثيرة (قادح في ذلك) أي في العمدة التي هي إبلاغ النبوة (ومشكّك فيه) أي وموقع في الريبة (مناقض للمعجزة) أي التي هي عبارة عن قول الرب صدق عبدي (فلنقطع عن يقين) أي لا عن ظن وتخمين وفي نسخة على يقين (بأنّه) أي الشأن (لا يجوز على الأنبياء خلف) أي تخلف كما في نسخة أي مخالفة وقوع (في القول) من أقوالهم (في وجه من الوجوه) أي في حال من أحوالهم (لا بقصد ولا بغير قصد ولا نتسامح) أي نحن وفي نسخة وبصيغة المجهول أي ولا ينبغي أن يتسامح ويتساهل وفي أخرى ولا يتسامح بباء الجر والتنوين (مع من تسامح) بصيغة الماضي وفي
[ ٢ / ٢٤٦ ]
نسخة بصيغة المضارع الغائب كلاهما من باب التفاعل وفي نسخة سامح من باب المفاعلة وفي أخرى ولا يتسامح بتسامح على لفظ المصدر (في تجويز ذلك) أي الخلف في القول (عليهم) ولو كان (حال السّهو مما) وفي نسخة فيما (ليس طريقه البلاغ، نعم) كذا في بعض النسخ المصححة ولم يتعرض له أحد من المحشيين ولم يظهر لنا وجهه المستبين (وبأنّه) أي وكذا نقطع بأنه (لا يجوز عليهم الكذب قبل النّبوّة) أي إظهارها (ولا الاتّسام) بتشديد التاء افتعال من الوسم وهو العلامة أي ولا يجوز الاتصاف (به في أمورهم) المتعلقة بآخرتهم (وأحوال دنياهم لأنّ ذلك) أي الكذب لو صدر عنهم (كان يزري) أي يحقرهم (ويريب بهم) أي يوقع أممهم في التهمة فيما جاؤوا به عن ربهم (وينفر القلوب عن تصديقهم بعد) أي بعد إرسالهم بما أمروا بتبليغ أحوالهم (وانظر أحوال عصر النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ) أي من العرب والعجم (وسؤالهم) بالنصب أو الجر (عن حاله) أي تحول شأنه (في صدق لسانه وما عرفوا به) بتشديد الراء مبنيا للمفعول أو الفاعل مشددا أو مخففا أي والذي عرف قريش (من ذلك) أي صدق لسانه (واعترفوا به) حين سألوا عنه (ممّا عرف) بصيغة المفعول ويروى واعترفوا بما عرف به أي علم من تحقق شأنه (واتّفق النّقل) ويروى واتفق أهل النقل (على عصمة نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم منه) أي من الكذب ونحوه (قبل وبعد) أي قبل البعثة وبعدها (وقد ذكرنا من الآثار فيه) أي فيما يتعلق به (فِي الْبَابِ الثَّانِي أَوَّلَ الْكِتَابِ مَا يُبَيِّنُ لك صحّة ما أشرنا إليه) من تنزيه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن الكذب ونحوه مما يشين لديه ومن جملته قَوْلُهُ تَعَالَى قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ بالتشديد والتخفيف أي لا ينسبونك إلى الكذب قبل النبوة ولا بعدها.
فصل (فإن قلت فما معنى قوله ﵊ في حديث السّهو)
أي الحديث الدال على السهو على ما رواه الشيخان (الَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ الْفَقِيهُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بن جعفر حدّثنا القاضي أبو الأصبغ) بفتح الهمزة والموحدة بعدها غين معجمة (ابن سهل) هو القاضي عيسى ابن سهل (قال حدّثنا حاتم بن محمد) تقدم، (حدّثنا أبو عبد الله بن الفخّار) بفتح الفاء وتشديد الخاء المعجمة، (حدّثنا أبو عيسى) أي الترمذي على ما صرح به الدلجي وقال الحلبي تقدم أنه يحيى بن عبد الله بن يحيى بن يحيى بن كثير الليثي، (حدّثنا عبيد الله) قال الحلبي تقدم مرارا أنه أبو مروان عبد الله بن يحيى بن يحيى الليثي، (حدّثنا يحيى) تقدم أنه يحيى بن يحيى الليثي (عن مالك) أي ابن أنس الإمام، (عن داود بن الحصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وثقه جماعة توفي سنة خمس وثلاثين ومائة أخرج له الأئمة الستة، (عن أبي سفيان) تابعي ثقة مولى ابن أبي أحمد أخرج له الأئمة الستة (أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا
[ ٢ / ٢٤٧ ]
هريرة ﵁) قال الحلبي الحديث أخرجه من الموطأ كما ترى وهو في مسلم والنسائي من رواية أبي سفيان عن أبي هريرة وأخرجاه جميعا عن عقبة عن مالك فإن قلت لم لم يخرجه القاضي من مسلم فالجواب أن بينه وبين مالك في الموطأ سبعة أشخاص ولو رواه عن مسلم كان كذلك ولكن الموطأ عندهم مقدم على غيره أيضا الموطأ يقع له من بعض الطرق أعلى مما ذكره بدرجة فيعلو له على مسلم ولكن لو أخرجه من عند النسائي كان يقع له أعلى من الموطأ عن أبي هريرة (يقول صلّى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صلاة العصر) وقيل الظهر (فسلّم في ركعتين) أي بعد فراغه منهما ومن تشهدهما (فقام ذو اليدين) وسمي به لأن في يديه أو أحدهما طولا وقيل لأنه كان يعمل بكلتا يديه ووهم هنا الزهري مع سعة علمه فقال ذو الشمالين ولا يصح لأن ذا الشمالين استشهد ببدر وذو اليدين شهد قصة أبي هريرة وإسلام أبي هريرة بعد خيبر تأخر موته حتى روى عنه متأخرو التابعين كمطير وقيل إنهما واحد هذا لا يصح لأن ذا الشمالين خزاعي وذا اليدين سلمي (فقال يا رسول الله أقصرت الصّلاة) على بناء المفعول من القصر ضد الإتمام أو بفتح فضم صاد وتاء تأنيث على صيغة الفاعل بمعنى النقص قاله ابن الأثير وقال النووي كلاهما صحيح والأول أشهر وأصح وقال المزي الصحيح بناء قصرت لما لم يسم فاعله من قبل الرواية ومن قبل الدراية لأن غيرها قصرها ولموافقة لفظ القرآن أن تقصروا من الصلاة انتهى ولا يخفى أن هذا يشير إلى احتمال وجه آخر وهو أن يكون قصرت بفتحتين وتاء الخطاب وحينئذ يطابق قوله (أم نسيت) بفتح فكسر ثم تاء خطاب (فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي جوابا له (كلّ ذلك لم يكن) روي بالرفع والنصب فعلى الأول مبتدأ خبره لم يكن وعلى الثاني خبر كان مقدم عليها والمعنى كل ذلك لم يقع من قبلي بل إنما كان من عند ربي ليس الحكم في أمتي من جهتي (وفي الرّواية الأخرى ما قصرت) بصيغة الغائبة للفاعل أي الصلاة كما في نسخة (وما نسيت) بصيغة المتكلم وما يحتمل نافية واستفهامية ويؤيد الأول أنه في رواية أخرى لم أنس ولم تقصر وفي نسخة ولا نسيت (الحديث بقصّته) أي مشهور في روايته (فأخبر بنفي الحالتين) أي معا بناء على ما اختاره المصنف من أن ما ناقيه (وأنّها لم تكن) أي حالة منهما أي مطلقا أو القضية أصلا وفي رواية أنهما لم يكونا أي النقص والنسيان (وقد كان أحد ذلك) أي أحد ما ذكر من الحالتين في الواقع (كما قال له) وفي نسخة كَمَا قَالَ ذُو الْيَدَيْنِ (قَدْ كَانَ بَعْضُ ذلك يا رسول الله) فهذا يرجح كون ما نافية (فَاعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي ذلك أجوبة بعضها بصدد الإنصاف) أي متمسك بطريق الانصاف في الرجوع إلى الحق (ومنها) أي وبعضها (ما هو بنيّة التّعسّف والاعتساف) التعسف هو الخروج عن الجادة وركوب الأمر بالمشقة وفي معناه الاعتساف وإنما جمع بينهما للمبالغة ورعاية الفاصلة والمراد بالنية القصد والتوجه بالطوية وفي نسخة بتيه بكسر الفوقية فياء ساكنة فهاء وفسره الحلبي بالكبر والأظهر أنه بمعنى التحير في تيه الضلالة وبيداء الجهالة ولذا فسره التلمساني بعدم الاهتداء (وها أنا
[ ٢ / ٢٤٨ ]
أقول) مبتدأ وخبر قرنا بتنبيه في حق نبي نبيه (أمّا على القول) أي قول بعضهم (بتجويز الوهم) بفتح الهاء وسكونها أي السهو (والغلط ممّا ليس طريقه من القول البلاغ) بالنصب أي الإبلاغ وفي نسخة من البلاغ أي من جهة التبليغ (وهو) أي هذا القول هو (الّذي زيّفناه) أي ضعفناه (من القولين) أعني الجواز وعدمه (فلا اعتراض بهذا الحديث وشبهه) ولا إشكال في تجويز نحوه (وأمّا على مذهب من يمنع السّهو والنّسيان في أفعاله) أي الشاملة لأقواله ﵊ (جملة) أي جميعها مجملة (ويرى أنه) أي ويعتقد أنه ﵊ (في مثل هذا عامد لصورة النّسيان) أي كالعامد في هذه الصورة (ليسنّه فَهُوَ صَادِقٌ فِي خَبَرِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْسَ وَلَا قَصُرَتْ وَلَكِنَّهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَعَمَّدَ هذا الفعل في هذه الصّورة) ليسنه (لمن اعتراه مثله) أي أصابه نحوه من الأمة فيقتدى به في تدارك الحالة (وهو قول مرغوب عنه) أي مردود لنسبته إلى التعمد في القضية (نذكره) وفي نسخة ونذكره (في موضعه) أي مع بيان ضعفه (وأمّا على إحالة السّهو) أي على كون السهو محالا (عَلَيْهِ فِي الْأَقْوَالِ وَتَجْوِيزِ السَّهْوِ عَلَيْهِ فِيمَا ليس طريقه القول) أي التبليغ (كما سنذكره) أي على القول الأصح (ففيه أجوبة) أي مرضية (منها أنّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أخبر عن اعتقاده وضميره) أي بحسب ظنه في قوله كل ذلك لم يكن (أَمَّا إِنْكَارُ الْقَصْرِ فَحَقٌّ وَصِدْقٌ بَاطِنًا وَظَاهِرًا) فلا شبهة فيه (وأمّا النّسيان فأخبر صلى الله تعالى عليه وسلم عن اعتقاده) أي وفق اجتهاده (وَأَنَّهُ لَمْ يَنْسَ فِي ظَنِّهِ فَكَأَنَّهُ قَصَدَ الخبر بهذا) أي بعدم نسيانه (عن ظنّه وإن لم ينطق به) أي وإن لم يصرح به وإن لم يقل لم أنس فيما ظن به (وهذا) ويروى وهو (صدق أيضا) لا ريبة فيه ولا شبهة (وَوَجْهٌ ثَانٍ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَمْ أَنْسَ رَاجِعٌ) أي مفعوله (إِلَى السَّلَامِ أَيْ إِنِّي سَلَّمْتُ قَصْدًا وَسَهَوْتُ عَنِ الْعَدَدِ أَيْ لَمْ أَسْهُ فِي نَفْسِ السّلام وهذا محتمل) أي من جهة العربية (وفيه بعد) أي عن صحة حمل القضية (ووجه ثالث وهو أبعدها) ويروى أبعدها أي من النقل والعقل في تحقيق المعنى (مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ وَإِنِ احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ) أي المبنى (مِنْ قَوْلِهِ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَيْ لَمْ يَجْتَمِعِ الْقَصْرُ وَالنِّسْيَانُ بَلْ كَانَ أَحَدُهُمَا) وهذا بحسب مفهوم المعنى وهو غير معتبر عند الجمهور (ومفهوم اللّفظ) أي المعتبر (خلافه) أي مخالف له لا سيما (مَعَ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الصَّحِيحَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ مَا قصرت الصّلاة وما نسيت) وفي نسخة ولا نسيت فإنه دال على نفي وجودهما كليهما سواء تكون نافية أو استفهامية وأيضا لو كان مفهومه ما تقدم لم يقل ذُو الْيَدَيْنِ قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رسول الله؛ (هذا) أي الوجه الثالث (ما رأيت فيه لأئمّتنا) أي المالكية أو الأعم فيشير إلى أنه مما ظهر له والله تعالى أعلم (فكلّ من هذه الوجوه) أي الثلاثة (محتمل اللّفظ) وفي نسخة محتمل للفظ أي للمبنى وإن كان الأخيران بعيدين في المعنى (على بعد بعضها) وهو الوجه الثاني (وتعسّف الآخر منها) وهو الوجه الثالث؛ (قال القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى) يعني المصنف (والّذي أقول) أي واختاره (وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ كلّها أن قوله لَمْ أَنْسَ إِنْكَارٌ لِلَّفْظِ الَّذِي نَفَاهُ عَنْ نفسه) لأن أصل النسيان الترك
[ ٢ / ٢٤٩ ]
فكره ﵊ أن يقول تركت باختياري (وأنكره على غيره) جملة حالية أي وقد أنكره ﵊ فيما رواه الشيخان عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (بقوله بِئْسَمَا لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وكذا ولكنّه نسّي) بضم النون وتشديد السين المكسورة أي أنساه الله إياها ولأبي عبيد بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كيت وكيت ليس هو نسي ولكنه نسي وهو أبين من الأول لكن فيه أن ظاهر الحديث يخص النسيان بآي القرآن فلا يعم سائر الأقوال والأفعال من الشأن ولعله مقتبس من قوله تعالى سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أي ما أراد الله تعالى انساءك إياه فينسيكه ربما يعم الحكم كما نبه عليه المصنف وقال (وبقوله في بعض روايات الحديث الأخر) وفي نسخة في بعض رواية الحديث الأخر (لست أنسى) بفتح الهمزة والسين (ولكن) وفي نسخة ولكن (أنسّى) بصيغة المجهول مشددا ويجوز مخففا (فلمّا قال له السّائل) وهو ذو اليدين (أَقْصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ أَنْكَرَ قَصْرَهَا كَمَا كان) أي في نفس الأمر (ونسيانه) أي وأنكر نسيانه هو (هو من قبل نفسه) أي باختياره وتقصير من جانبه (وأنه) أي الشأن (إِنْ كَانَ جَرَى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ نسّي) بصيغة المجهول مشددا (حتّى سأل غيره) أي الصحابة كأبي بكر وعمر ﵄ بقوله أحق ما يقول ذو اليدين قالوا نعم (فتحقّق أنّه نسّي) بصيغة المجهول مشددا أي أنساه الله (وأجري عليه ذلك) بالبناء للمفعول وكذا قوله (ليسنّ) أي ليقتدي وفي نسخة بالبناء للفاعل أي ليجعله سنة تقتدي بها الأمة (فَقَوْلُهُ عَلَى هَذَا لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصُرْ) للبناء للفاعل أو المفعول (وكلّ ذلك) أي وقوله كل ذلك وفي نسخة إذ كل ذلك (لم يكن صدق) خبر لقوله فقوله (وحقّ) تأكيد (لم تقصر) أي كما في نفس الأمر (ولم ينس حقيقة) أي من قبل نفسه (ولكنّه نسّي) أي أنساه الله تعالى إياه فكراهته ﵊ نسبة النسيان إلى النفس إنما هي لاستناد الحوادث كلها إلى الله تعالى إذ هو المقدر لها وللإشعار بأنه لم يقصد إلى نسيانه ولم يكن باختياره فلم ينسب إلى تقصيره. (ووجه آخر) يؤذن بالفرق بين السهو والنسيان (استثرته) أي استخرجته من استثار بالمثلثة من باب الافتعال وأصله استثورته ومنه قوله تعالى فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا والمعنى استنبطته (من كلام بعض المشايخ) أي مأخوذ من متفرقات كلامه في تحقيق مرامه (وذلك أنّه) أي بعض المشايخ (قال إنّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْهُو وَلَا يَنْسَى وَلِذَلِكَ نفى عن نفسه النّسيان قال) أي بعض المشايخ (لأنّ النّسيان غفلة وآفة) أي بلية ناقصة ولذا قال تعالى فَلا تَنْسى أي باختيارك إلا ما شاء الله بأن ينسيك من غير تقصير منك (والسّهو إنّما هو شغل) بضم وسكون وبضمتين وفي نسخة بالإضافة إلى بال أي اشتغال حال وهو لا ينافي صاحب كمال لأنه يتنبه منه بأدنى تنبيه فيه. (قال) أي ذلك البعض (فكان النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْهُو فِي صِلَاتِهِ وَلَا يَغْفَلُ) بضم الفاء أي ولا يذهل (عنها) بالكلية (وكان يشغله عن حركات الصّلاة) أي وسكناتها من قراءتها وركوعها وسجداتها (ما في الصّلاة شغلا بها) أي بتحصيلها وتكميلها من حضور ومرور وخضوع وخشوع وتدبر قراءة في مبانيها أو
[ ٢ / ٢٥٠ ]
معانيها (لا غفلة عنها) بصرف الخاطر إلى غيرها من الأمور الدنيوية والأحوال الدنية بل لاستغراق وقع له فيها مما لا ينافيها (فهذا) أي القول بهذا المبنى (إن تحقّق) بصيغة المفعول أو الفاعل أي ثبت (عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِ ما قصرت) أي هي (وما نسيت) أي أنا (خلف) بضم أي اخلاف (في قول) لعصمته ﵊ من الخلف في الكلام والله تعالى أعلم بحقيقة المرام (وعندي أنّ قوله صلى الله تعالى عليه وسلم مَا قَصُرَتِ الصَّلَاةُ وَمَا نَسِيتُ بِمَعْنَى التَّرْكِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ وَجْهَيِ النِّسْيَانِ أَرَادَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أُسَلِّمْ مِنْ رَكْعَتَيْنِ تَارِكًا لِإِكْمَالِ الصَّلَاةِ وَلَكِنِّي نَسِيتُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ صلى الله تعالى عليه وسلم فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إِنِّي لَأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لأسنّ) وهذا واضح وأثر التكرار عليه لائح. (وأمّا قصّة كلمات إبراهيم المذكورة) أي في الحديث كما في نسخة (أنّها كذباته) جمع كذبة بفتح فكسر في المفرد والجمع خلافا للتلمساني حيث قال بفتح الذال جمع كذبة بسكونها (الثّلاث المنصوصة) أي الصريحة (في القرآن) ففيما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات (منها اثنتان قوله: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩]) في الصافات فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [الأنبياء: ٦٣]) في سورة الأنبياء قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (وقوله للملك عن زوجته) أي سارة حين أخذها وسأله عنها فقال (إنّها أختي) أي في الإسلام خشية أن يقتلها لو قال إنها زوجتي ولقد نجاها الله منه بما اعتراه من الخوف وأخدمها هاجر أم إسماعيل أبي العرب جد نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أحد الذبيحين على ما ورد قال الحلبي فإن قيل ما الحكمة في عدوله عن قوله هذه زوجتي إلى هذه أختي وظاهر الحال أنه لو قال هذه زوجتي ربما كان الملك لا يتطرق إلى امرأة زوجها معها إن كان يعمل بالشرع ولكنه صار كما وصف في الحديث فما يبالي أكانت زوجة أم أختا بخلاف ما إذا قال هذه اختي ربما كان يقول الملك زوجنيها ويكون عدوله عن امرأتي إلى أختي أدعى لأخذ الملك لها فالجواب ما قاله بعض مشايخي فيما قرأته عليه عن ابن الجوزي أنه وقع له أن القوم كانوا على دين المجوس وفي دينهم أن الأخت إذا كانت مزوجة كان أخوها الذي هو زوجها أحق بها من غيره وكان إبراهيم ﵇ أراد أن يستعصم من الجبار بذكر الشرع الذي يستعمله فإذا الجبار يراعي دينه وقد اعترض على هذا الجواب بأن الذي جاء بمذهب المجوس زرادشت وهو متأخر عن إبراهيم ﵇ وأجيب بأن لمذهبهم أصلا قديما ادعاه زرادشت وزاد عليه خرافات أخر انتهى وقيل كان من عادة ذلك الجبار أن لا يتعرض إلا لذات الأزواج ولذلك قال الخليل لها أن يعلم أنك أمرأتي يغلبني عليك وحكى أن الملك كان بمصر وأراد إبراهيم أن يجتاز منها هو ومن معه من المؤمنين وكانوا ثلاثمائة وعشرين رجلا وجمع بينهما حناطه الذي يبيع طعامه وهو الذي وشى بسارة وحملها إلى الملك فأهوى إليها بيده مرارا فلم يستطع وإبراهيم ينظر
[ ٢ / ٢٥١ ]
إليهما من خارج القصر بعد أن أمر الملك بإخراجه ومثل الله تعالى لإبراهيم القصر كالقارورة حتى أنه ينظر من خارجه كل ما كان في داخله (فاعلم أكرمك الله أنّ هذه) أي كلمات إبراهيم ﵊ (كلّها خارجة عن الكذب) بفتح فكسر ويجوز كسر أوله وسكون ثانيه (لا في القصد ولا في غيره) أي من السهو والخطأ والنسيان (وهي) أي الكلمات الثلاث (دَاخِلَةٌ فِي بَابِ الْمَعَارِيضِ الَّتِي فِيهَا مَنْدُوحَةٌ عن الكذب) أي سعة وفسحة عنه ومنه قول أم سلمة لعائشة قد جمع ذيلك فلا تندحيه أي لا توسعيه وتنشريه أرادت قوله تعالى وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وهذا مأخوذ من حديث أبي عبيد وغيره عن عمران بن حصين يرفعه أن في المعاريض لمندوحة عن الكذب وهو جمع معراض من التعريض ضد التصريح من القول فهي في الحقيقة صدق عرض بها ليتوصل إلى غرضه من مكايدة قومه والزامهم الحجة في ذات الله تعالى ومرضاة ربه فمعاريض الكلام أن يتكلم الرجل بكلمة يظهر من نفسه شيئا ومرداه شيء آخر وقد كان السلف يورون عند الحاجة والضرورة فقد روي عن إبراهيم النخعي أنه كان إذا طلبه في الدار من يكرهه قال للجارية قولي له اطلبه في المسجد وكان الشعبي إذا طلبه أحد يكرهه يخط دائرة ويقول للجارية ضعي الأصبع فيها وقولي ليس ههنا (أَمَّا قَوْلُهُ: إِنِّي سَقِيمٌ [الصَّافَّاتِ: ٨٩] فَقَالَ الْحَسَنُ) أي البصري (وغيره معناه سأسقم) من باب فرح وكرم والأول أفصح (أي أنّ كلّ مخلوق معرّض لذلك) بتشديد الراء المفتوحة أي معرض للسقم ومقابل له (فاعتذر لقومه من الخروج) أي تفاديا منه (معهم إلى عيدهم) أي محل اجتماعهم (بهذا) التعريض روي أنه أرسل إليه ملكهم أن غدا عيدنا فاخرج معنا وقد أراد التخلف عنهم فنظر إلى نجم فقال إن هذا النجم ما طلع قط إلا اسقم أي مشارف للسقم وهو الطاعون لأنه كان أغلب اسقامهم وكانوا يرهبون العدوى فنفروا عنه وتخلصوا منه (وَقِيلَ بَلْ سَقِيمٌ بِمَا قُدِّرَ عَلَيَّ مِنَ الموت) أي عرض لهم بأن من كان هدفا للمنايا وغرضا للبلايا فهو سقيم بما قدر عليه من الموت كما روي أن رجلا مات فجأة فقيل مات وهو صحيح فقال أعرابي أصحيح وفي عنقه الموت (وقيل سقيم القلب بما أشاهده) ويروى بما شاهدته (من كفركم) بالرب الأحد (وعنادكم) بالميل عن طريق الحق والأدب (وقيل بل) قال سقيم لأنه (كَانَتِ الْحُمَّى تَأْخُذُهُ عِنْدَ طُلُوعِ نَجْمٍ مَعْلُومٍ) له أولهم (فلمّا رآه اعتذر بعادته) التي تعتريه عند طلوعه وتغيره في حالته (وكلّ هذا) أي ما ذكر من الأجوبة (ليس فيه كذب) أي صريح (بل خبر صحيح صدق) أي هو قول حق (وقيل بل عرّض) بتشديد الراء وروي في قوله (بسقم حجّته عليهم) أي بعدم نفع موعظته لديهم (وَضَعْفِ مَا أَرَادَ بَيَانَهُ لَهُمْ مِنْ جِهَةِ النّجوم التي كانوا يشتغلون بها) أي تعظيما لها إذ عمدة الناظر فيها التخمين وهو لا يجدي نفعا في مقام اليقين قيل كان القوم نجامين أي متعاطين لعلوم النجوم فأوهمهم أنه استدل بإمارة في علم النجوم على أنه سقيم وعرض بسقم حجته وضعف ما أراد من بيان بينته (وأنّه) أي إبراهيم ﵊ كان (أثناء نظره في ذلك) إليهم
[ ٢ / ٢٥٢ ]
(وَقَبْلَ اسْتِقَامَةِ حُجَّتِهِ عَلَيْهِمْ فِي حَالِ سَقَمٍ) بفتحتين وبضم فسكون أي تغير باله (ومرض) حاله لديهم فجعل سقم حجته وضعف موعظته سقما مجازا عن تعب القلب (مع أنّه) أي إبراهيم ﵊ (لم يشكّ هو) بل تيقن إيقانه (ولا ضعف إيمانه) بل قوي كل ساعة برهانه (ولكنّه ضعف) أي بيانه (في استدلاله عليهم وسقم نظره) أي فكره فيما يتوجه إليهم (كما يقال حجّة سقيمة ونظر معلول) اللغة الفصحى معل أو معلل فقد قال ابن الصلاح قول الفقهاء والمحدثين معلول مردود عند أهل العربية وقال النووي إنه لحن وقال صاحب المحكم والمتكلمون يستعملون لفظة المعلول كثيرا ولست منها على ثقة لأن المعروف إنما هو أعله فهم معل اللهم إلا أن يكون على ما ذهب إليه سيبويه في قولهم مجنون ومسلول من أنهما جاءا على جننته وسللته وإن لم يستعملا في الكلام استغناء عنهما بأفعلت وإذا أرادوا جن وسل فإنما يقولون حصل فيه الجنون والسل (حتّى ألهمه الله باستدلاله) أي الواضح لديهم (وَصِحَّةِ حُجَّتِهِ عَلَيْهِمْ بِالْكَوَاكِبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ مَا نصّه الله تعالى) أي ما صرحه وفي نسخة ما قصه أي حكاه حيث ذكر تبيانه (وقدّمنا) وفي نسخة وقد قدمنا (بيانه) أي ما يوضح حجته وبرهانه (وَأَمَّا قَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الْأَنْبِيَاءِ: ٦٣] الآية) أي فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (فإنّه علّق خبره) أي بفعل كبيرهم (بشرط نطقه) مع غيره (كأنّه قال إن كان ينطق) أي كبيرهم (فهو فعله) مع علمه بأنه لا ينطق فهو (على طريق التّبكيت) أي التوبيخ والتقريع (لقومه) في اعتقادهم الفاسد وزعمهم الكاسد في ألوهية كواكب وحجارة لا تضر ولا تنفع وتعظيمهم لها وعبادتهم إياها (وهذا) القول بهذا المعنى (صدق) أي وحق (أيضا ولا خلف فيه) أصلا؛ (وَأَمَّا قَوْلُهُ أُخْتِي فَقَدْ بَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ) أي الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه لم يكذب إبراهيم فذكره (وقال إنّك) وفي نسخة فَإِنَّكِ (أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ وَهُوَ صِدْقٌ وَاللَّهُ تعالى يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠]) وقد روي أنها كانت بنت عمه ومثل هذه قد يقال لها الأخت في النسب أيضا (فإن قلت هذا) وفي نسخة فهذا (النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قد سمّاها) أي الكلمات الثلاث (كِذْبَاتٍ وَقَالَ لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كِذْبَاتٍ وَقَالَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ وَيَذْكُرُ كِذْبَاتِهِ) على ما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (فمعناه) أي معنى وصفها بكونها كذبات (أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِكَلَامٍ صُورَتُهُ صُورَةُ الْكَذِبِ وإن كان حقّا في الباطن) أي في نفس الأمر (إلّا هذه الكلمات) أي الثلاث وهي إني سقيم وفعله كبيرهم وهذه أختي (وَلَمَّا كَانَ مَفْهُومُ ظَاهِرِهَا خِلَافَ بَاطِنِهَا أَشْفَقَ إبراهيم عليه الصلاة السّلام) أي خاف (من مؤاخذته) وفي نسخة بمؤاخذته (بها) لعلو شأن الأنبياء عن الكناية بالحق في باب الانباء فيقع ذلك منهم موقع الكذب من غيرهم فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين الأحرار (وأمّا الحديث) أي الذي رواه الشيخان عن كعب بن مالك (كان النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أراد غزوة) أي ويريد سترها (ورّى بغيرها) بتشديد الراء من التورية وهي الإخفاء وكأنه جعل
[ ٢ / ٢٥٣ ]
الشيء وراءه وجعل غيره نصب عينه وقيل روى ستر مقصده وأظهر غيره بأن سئل عن طريق لا يريده فإنه كان ﵊ يسأل عن ناحية وطريقها ويخرج إلى غيرها لئلا يأخذ العدو حذره (فَلَيْسَ فِيهِ خُلْفٌ فِي الْقَوْلِ إِنَّمَا هُوَ ستر لمقصده) وفي نسخة ستر مقصده بالإضافة وفي أخرى ستر بصيغة الماضي ونصب مقصده أي أخفى جهة قصده خوفا من اشتهاره (لئلّا يأخذ عدوّه حذره) بكسر أوله أي احتراسه واحترازه (وكتم وجه ذهابه) بالإضافة وفي نسخة بصيغة الماضي وفي أخرى كتم لوجه ذهابه أي جهة مقصده وطريق مطلبه (بِذِكْرِ السُّؤَالِ عَنْ مَوْضِعٍ آخَرَ وَالْبَحْثِ عَنْ أخباره) أي أحوال الموضع الآخر (والتّعريض بذكره) أي التلويح به وعدم التصريح بمقصده وقد ورد استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان وفي الصحيح الحرب خدعة (لَا أَنَّهُ يَقُولُ تَجَهَّزُوا إِلَى غَزْوَةِ كَذَا أو وجهتنا) بكسر الواو أي جهة قصدنا (إلى موضع كذا خلاف مقصده) ليكون خلفا (فهذا لم يكن) ولا يتصور أن يكون منه ﵊ (والأوّل) وهو التعريض (ليس فيه خبر يدخله الخلف) بضم الخاء أي الإخلاف فيترتب عليه الكذب في القول. (فَإِنْ قُلْتَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِ مُوسَى ﵇، وَقَدْ سُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ فَقَالَ أنا أعلم) بناء على ظنه (فعتب الله عليه ذلك) حيث لم ينتظر الوحي هنالك أو لم يفوض (إذ لم يردّ العلم إليه تعالى) بأن يقول الله تعالى أعلم أو يقول أنا والله اعلم ومن هنا تأدب العلماء في أجوبتهم بقول والله تعالى اعلم (الحديث) رواه الشيخان عن أبي بن كعب مطولا (وفيه قال) أي الله تعالى (بل) وفي رواية بلى (عبد لنا بمجمع البحرين) وهو ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق وقال السهيلي هو بحر الأردن وبحر القلزم وقيل غيره (أعلم منك) أي في بعض العلوم لما في الحديث يا موسى إني على علم علمنيه الله تعالى لا تعلمه وأنت على علم علمك الله لا اعلمه وذكر السهيلي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن حكمة لله تعالى في جمع موسى مع الخضر عليهما الصلاة والسلام عند مجمع البحرين أنهما بحران أحدهما اعلم بالظاهر أعني علم الشرعيات وما يتعلق بالذات والصفات وهو موسى ﵇ والآخر اعلم بالباطن وأسرار الملكوت من الكائنات وهو الخضر ﵇ فكأن اجتماع البحرين بمجمع البحرين هذا وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن موسى ﵊ ذكر الناس يوما حتى فاضت العيون ورقّت القلوب فأدركه رجل فقال أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك قال لا فعتب الله تعالى عليه إذ لم يرد العلم إلى الله تعالى (وهذا) أي قول موسى أنا أعلم (خبر قد أنبأنا الله تعالى أنّه ليس كذلك فاعلم أنّه) أي الشأن (وقع) وفي نسخة قَدْ وَقَعَ (فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ بَعْضِ طُرُقِهِ الصَّحِيحَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَلْ تَعْلَمُ أحدا) أي من الناس (أعلم منك) ينصب اعلم على أنه مفعول ثان وفي نسخة برفعه فتقديره هو أَعْلَمَ مِنْكَ (فَإِذَا كَانَ جَوَابُهُ عَلَى عِلْمِهِ) أي مبنيا على ما غلب عنده من علمه (فهو) أي قوله أنا اعلم بهذا الوجه (خَبَرُ حَقٍّ وَصِدْقٍ لَا
[ ٢ / ٢٥٤ ]
خلف فيه ولا شبهة) مؤكدات لكونه خبرا حقا؛ (وعلى الطّريق الآخر) أي المروي عن أبي ابن كعب كما مر (فمحمله على ظنّه) أي الغالب (ومعتقده) أنه اعلم بحسب علمه (كما لو صرّح به) أي بظنه ومعتقده كان يقول أنا اعلم فيما أظن واعتقد وإنما ظن ذلك واعتقد بما ذكر هنالك (لأنّ حاله) أي مرتبته (في النّبوّة) المؤيدة بالرسالة (والاصطفاء يقتضي ذلك) أي كونه اعلم الناس في زمانه (فَيَكُونُ إِخْبَارُهُ بِذَلِكَ أَيْضًا عَنِ اعْتِقَادِهِ وَحُسْبَانِهِ) بكسر أوله لا بضم أوله كما وهم الدلجي أي ظنه (صدقا لا خلف فيه) فلا إشكال فيه أصلا (وقد يريد بقوله أنا أعلم) متعلقا خاصا وهو ما بينه بقوله (بما يقتضيه وظائف النّبوّة من علوم التّوحيد) المتعلقة بالذات والصفات (وأمور الشّريعة) أي وظائف العبادات (وسياسة الأمّة) أي بحدودها الزواجر والمنهيات وهو لا ينافي أن يكون غيره أعلم منه في غيرها كما ورد أنتم اعلم بأمور دنياكم وكما عرف في قضية الهدهد قوله أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وكما وقع لعمر في موافقاته فإنه قد يكون في المفضول ما لا يكون في الفاضل مما لا ينقص في فضله ومن هنا ورد في معرفة الأنساب علم لا ينفع وجهل لا يضر بل وقد يكون بعض العلوم مضرته أكثر من منفعته فلا محذور حينئذ أن يكون بعض أفراد الأمة اعلم بوجه من صاحب النبوة (ويكون الخضر أعلم منه) أي من موسى ولو كان من أمته على القول بولايته أو نبوته (بأمور أخر) اختص بها (مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِعْلَامِ اللَّهِ تعالى) له إياها (من علوم غيبه) الخاص به وفي نسخة من علوم غيبية (كالقصص المذكورة في خبرهما) من قضية السفينة والغلام والجدار (فكان موسى أعلم) الناس مطلقا (على الجملة) أي عموما (بما تقدّم) من علوم النبوة والرسالة وأمور الشريعة وأحكام السياسية (وهذا) أي الخضر ﵊ (أعلم على الخصوص بما أعلم) بصيغة المجهول أي بما اعلمه ﷾ (ويدلّ عليه) أي على أن ما اعلمه خاص (قوله تعالى: وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا) أي مما يختص علمه بنا (عِلْمًا [الكهف: ٦٥]) بطريق الوحي الجلي والخفي (وعتب الله) بسكون التاء أي ويدل عليه عتابه ﷾ (ذلك) أي قوله أنا اعلم (عليه فيما قاله العلماء) أي المحدثون (إنكار هذا القول عليه لأنّه) كما في حديثه (لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ كَمَا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَا عِلْمَ لَنا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا أَوْ لأنّه) أي الله ﷾ (لم يرض قوله) أي لم يستحسن قول موسى ﵊ أنا اعلم (شرعا) أي من جهته رعاية لأمته والمعنى لم يرض أن يكون قوله شرعا يقتدي به (وذلك) أي وسببه (وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ فِيهِ مَنْ لم يبلغ كماله) أي كمال موسى من جهة مرتبته (في تزكية نفسه) أي طهارة حالته (وعلوّ درجته من أمّته) متعلق بيقتدي (فيهلك) بالنصب أي يضيع من يقتدي به من أمته في قوله أنا اعلم من غير تفويض واستثناء (لما تضمّنه) أي قوله أنا اعلم (من مدح الإنسان نفسه) أي عند اطلاقه وقد قال الله تعالى فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (ويورثه ذلك) القول وهو أنا اعلم (من الكبر والعجب) إلا أن يكون تحدثا بنعمة ربه ظاهرا وباطنا (والتّعاطي)
[ ٢ / ٢٥٥ ]
الاجتراء على الاعطاء وأخذ الأشياء (والدّعوى) الخارجة عن المعنى (وإن نزّه عن هذه الرّذائل) أي المذكورة (الأنبياء) بشرف مقاماتهم ورفع درجاتهم وإن تفاوتت في الفضائل والفواضل وحسن الشمائل (فغيرهم بمدرجة سبيلها) بفتح الميم والراء أي مسلك طريقها وفي نسخة سيلها أي ممرها (ودرك ليلها) بفتح الراء بأن يدركه ظلامها وفي أصل التلمساني نيلها بالنون أي يدركه فيصيبه ضررها ويحصل له خطرها (إلّا من عصمه الله تعالى) من الاتصاف بها أو التخلص عنها (فالتّحفّظ منها أولى لنفسه) قبل وقوعه فيها (وليقتدى به) بصيغة المجهول أي ليقتدي غيره به، (ولهذا) أي التحفظ أو الاقتداء (قال صلى الله تعالى عليه وسلم تحفّظا من مثل هذا) أي مدح النفس وما يترتب عليه له ولغيره (ممّا قد علم به) بصيغة المجهول وفي نسخة أعلم به (أنا سيّد ولد آدم) أي يوم القيامة على ما رواه مسلم وغيره (ولا فخر) أي لا أقوله افتخارا لنفسي بل تحدثا بنعمة ربي (وهذا الحديث) يعني سئل أي الناس أعلم (إحدى حجج القائلين بنبوّة الخضر لقوله) وفي نسخة بقوله أي الخضر (فيه) أي في حديثه (أنه) وفي نسخة أنا (أعلم من موسى) وهكذا وقع في كثير من الأصول وهو غير الصواب لأن الضمير المضاف إليه القول عائد حينئذ على الخضر والضمير المجرور بفي عائد على الحديث السابق وليس فيه أن الخضر قال أنا اعلم من موسى فالصواب ما في بعض النسخ وهو لقوله فيه أنا اعلم من موسى ويكون الضمير المضاف إليه القول عائدا إلى الله والضمير المنصوب بان عائدا على الخضر وقد سبق أن في الحديث بَلْ عَبْدٌ لَنَا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ أَعْلَمُ مِنْكَ (ولا يكون الوليّ أعلم من النّبيّ) أي جنس الأنبياء وفي نسخة من نبي وفيه أنه لا يجوز أن يكون الولي اعلم من النبي مطلقا لا كما بينه الخضر مقيدا (وأمّا الأنبياء فيتفاضلون في المعارف) كما قال تَعَالَى وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وكذا في الدرجات كما قال وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ (وبقوله وما فعلته عن أمري) أي من رأيي بل فعلته بأمر ربي؛ (فدلّ) (أنه بوحي) إما بواسطة ملك أو بدونها وأيضا ليس لولي يقدم على قتل صبي بمجرد ما ينكشف له بإعلام أو الهام أنه كافر في علم الله ﷾، (وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ قَالَ يُحْتَمَلُ أن يكون فعله) للأمور الثلاثة أو قتل الصبي فإن غيره لا يحتاج أن يكون (بأمر نبيّ آخر) كان في زمانه، (وهذا) القول (يضعف) أي ضعفا ظاهرا (لِأَنَّهُ مَا عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ مُوسَى نَبِيٌّ غَيْرُهُ إِلَّا أَخَاهُ هَارُونَ وَمَا نقل أحد من أهل الأخبار) أي الأحاديث (في ذلك) أي في كون نبي غيرهما حينئذ (شيئا يعوّل عليه) أي يعتمد ويستند إليه ويستعان به لديه؛ (وإذا جعلنا) أي قول السائل لموسى هل تعلم أحدا (أعلم منك ليس على العموم) أي على إطلاقه (وإنّما هو) أي قول اعلم محمول (عَلَى الْخُصُوصِ وَفِي قَضَايَا مُعَيَّنَةٍ لَمْ يَحْتَجْ إلى إثبات نبوّة خضر) وفيه أنه يشكل قتله الصبي على ما قدمنا فلا بد من القول بنبوته أو بوجود نبي غير موسى وهارون في مدته، (وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ كَانَ مُوسَى أَعْلَمَ مِنَ الْخَضِرِ فِيمَا أَخَذَ عَنِ اللَّهِ وَالْخَضِرُ أعلم) بالرفع أو النصب (فيما
[ ٢ / ٢٥٦ ]
دفع إليه) بصيغة المجهول (من موسى) متعلق بأعلم وهذا بعينه في نفس الحديث تقدم، (وقال آخر) أي من الشيوخ (إنّما ألجىء) أي اضطر (موسى إلى الخضر للتّأديب) أي التهذيب (لا للتّعليم) ويرده قوله هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا الآيات.
فصل (وأمّا ما يتعلّق بالجوارح)
أي بالأركان (من الأعمال ولا يخرج) بالواو لا بالفاء كما في نسخة لأن جواب لما سيجيء والجملة فيما بينهما معترضة والتقدير والحال أنه لا يخرج (من جملتها) ويروى عن جملتها أي الأعمال (الْقَوْلُ بِاللِّسَانِ فِيمَا عَدَا الْخَبَرَ الَّذِي وَقَعَ فيه الكلام) من قسميه الذي سبيله البلاغ والذي ليس سبيله البلاغ من المرام (ولا الاعتقاد) أي ولا يخرج من جملتها أيضا الاعتقاد (بالقلب) لأن محله الجنان ويروى في القلب (فيما عدا التّوحيد) وما يتبعه من الإيمان والإسلام والإحسان ومراتب الإيقان والاتقان ما عقدت عليه قلوب الأنبياء (وما قدّمناه من معارفه المختصة به) أي بالقلب وأحواله فإنها لا تخرج من جملتها لأنها من أعماله (فأجمع المسلمون) أي السلف المعتمدون (على عصمة الأنبياء من الفواحش) أي قولا وفعلا وعقدا وهي الذنوب التي فحش قبحها وحرم على هذه الأمة ومن قبلها (والكبائر الموبقات) بكسر الموحدة أي المهلكات وهو عطف تفسير ويروى والموبقات والأولى مختصة بارتكاب السيئات والأخرى باجتناب العبادات (ومستند الجمهور) أي أكثر العلماء (في ذلك) أي في القول بعصمتهم (الإجماع الّذي ذكرناه) من المسلمين المتقدمين (وهو مذهب القاضي أبي بكر) أي ابن الطيب الباقلاني المالكي (ومنعها) أي عصمتهم (غيره) أي غير القاضي (بدليل العقل) لعدم احالته منع عصمتهم لإمكانه في نفسه (مع الإجماع) أي مع تكاثر قيامه عليها (وهو) أي الإجماع (قول الكافّة) أي عامة المتأخرين، (واختاره الأستاذ) بالدال المهملة والمعجمة (أبو إسحاق) الإسفراييني الشافعي ولعل هذا الخلاف لفظي والجواز وعدمه عقلي وإلا فلا خلاف في عصمة الأنبياء عن الكفر قبل النبوة وبعدها وإنما الخلاف فيما عداه من الكبائر والصغائر والجمهور على عصمتهم من الكبائر بخلاف ما سيأتي من الخلاف في الصغائر (وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ كِتْمَانِ الرّسالة) لقوله تعالى يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (والتّقصير في التّبليغ) أي ومن التقصير فيه لقوله فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ، (لأنّ ذلك) وفي نسخة لأن كل ذلك أي كل واحد من الكتمان والتقصير (يقتضي العصمة) بالنصب (منه المعجزة) بالرفع ويروى مقتضى الْعِصْمَةَ مِنْهُ الْمُعْجِزَةُ (مَعَ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ) أي على ما ذكر من أن عصمتهم من قبل الله تعالى باختيارهم وكسبهم واقتدارهم بمعنى أنه تعالى لم يخلق فيه كفرا ولا ذنبا كبيرا (من الكافّة) أي من جهة عامة العلماء، (والجمهور قائل) يروى وَالْجُمْهُورُ قَائِلُونَ (بِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ مُعْتَصِمُونَ بِاخْتِيَارِهِمْ وَكَسْبِهِمْ إِلَّا حُسَيْنًا النّجّار) وفي نسخة
[ ٢ / ٢٥٧ ]
خلافا للنجار من المعتزلة (فإنّه قال لا قدرة لهم) ويروى لا قوة لهم (على المعاصي أصلا) وهو بنون وجيم مشددة حسين بن محمد وإليه ينسب النجارية وهم اتباعه وهم يوافقون القدرية في بعض أصولهم من نفي الرؤية ونفي الحياة والقدرة ويقولون بحدوث الكلام والقدرية يكفرونهم بسبب مخالفتهم إياهم في بعض المسائل وهم أكثر من عشر فرق فيما بينهم كالبرغوثية والزعفرانية والمستدركية وغيرهم وهم فرقة من ثلاث وسبعين فرقة، (وأمّا الصّغائر فجوّزها) أي وجودها ووقوعها (جماعة من السّلف وغيرهم) من الخلف كإمام الحرمين منا وأبي هاشم من المعتزلة حيث جوزوا الصغائر غير المنفرة (عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ وغيره من الفقهاء) أي المجتهدين (والمحدّثين والمتكلّمين) أي في أصول الدين والمراد بعض من كل منهم، (وسنورد بعد هذا) أي في فصل الرد على من أجاز الصغائر على الأنبياء (ما احتجّوا به) أي ما استدلوا به من الأدلة، (وذهبت طائفة أخرى إلى الوقف) أي التوقف في أمرهم (وقالوا العقل لا يحيل وقوعها) أي الصغائر ولا الكبائر (منهم ولم يأت في الشّرع) أي من الكتاب والسنة (قاطع بأحد الوجهين) أي بجواز صدورها عنهم، (وذهبت طائفة أخرى من المحقّقين من الفقهاء والمتكلّمين إلى عصمتهم من الصّغائر) المختلف في وقوعها منهم (كعصمتهم من الكبائر) أي المتفق على عدم صدورها عنهم، (قالوا لاختلاف النّاس في الصّغائر) أي في تعريفها وتبيينها (وتعيينها) أي وعدم تمييزها (من الكبائر وإشكال ذلك) أي ولاشتباه تعينها من بين الكبائر فقال بعضهم هي كل ما يجب فيه حد وقيل ما ورد فيه وعيد وقيل هي أمر وتوقف بعضهم عن الفرق (وقول ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما) أي ولقوله (وَغَيْرِهِ إِنَّ كُلَّ مَا عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فهو كبيرة) كما رواه ابن جرير عنه (وأنّه) بفتح الهمز أي وأن الشأن (إِنَّمَا سُمِّيَ مِنْهَا الصَّغِيرُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا هو أكبر منه) كالمس والقبلة والمعانقة والمعالجة بالنسبة إلى المجامعة فكل باعتبار ما فوقه صغير وما تحته كبير وكلها معصية حتى الخلوة بالأجنبية (ومخالفة الباري في أيّ أمر كان يجب كونه كبيرة) أي من حيث إنها مخالفة لصاحب الكبرياء والعظمة وإلا فلا شبهة في تفاوت مراتب المخالفة ولذا قال تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وقال ﷿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ أي الصغائر وقد أنشد صلى الله تعالى عليه وسلم:
إن تغفر اللهم فاغفر جما وأي عبد لك لا ألما
وعن أبي العالية اللمم ما بين حد الدنيا وحد الآخرة أي بين ما يجب به الحد في الدنيا كشرب الخمر والزنا وبين ما أوعد الله عليه العقاب في العقبى كعقوق الوالدين وأكل الربا وأموال اليتامى ظلما؛ (قال القاضي أبو محمد عبد الوهّاب) أي البغدادي المالكي صاحب الرحبة كان فقيها دينا له تصانيف جيدة العبارة منها كتاب المعونة في شرح الرسالة توفي
[ ٢ / ٢٥٨ ]
بمصر سنة اثنتين وأربعمائة ودفن بالقرافة الصغرى فيما بين قبة الإمام الشافعي وباب القرافة بالقرب من ابن القاسم وأشهب (لا يمكن أن يقال في) وفي نسخة إن في (إنّ في معاصي الله صغيرة) لما يلزم منه احتقار المعصية (إلّا على معنى أنّها تغتفر) وفي نسخة تغفر (باجتناب الكبائر) أي معها لا بعين اجتنابها فإنه مذهب المعتزلة بل بشرط اجتنابها لكن بسبب أعمال حسنة بينها الشارع وعينها (ولا يكون لها) في المؤاخذة بها (حكم مع ذلك) أي مع غفران الله تعالى لها (بخلاف الكبائر إذا لم يتب منها) بصيغة المفعول أو الفاعل (فلا يحبطها) أي لا يذهبها ولا يرفعها أو لا يهدمها ولا يبطلها (شيء) أي من الطاعات وإن كان ظاهر قوله تعالى إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ يشمل الصغائر والكبائر إلا أن علماء أهل السنة أجمعوا على أن المكفرات مخصوصة بالصغائر ويجوز أن الله تعالى يعذب عليها ويغفر ما فوقها (والمشيئة في العفو) أي فيما عدا الكفر (إلى الله تعالى) كما قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وفي نسخة في العفو عنها أي عن الصغائر والكبائر لا عن الصغائر كما هو المتبادر (وهو) أي ما ذهبوا إليه من عصمة الأنبياء من الكبائر والصغائر (قول القاضي أبي بكر) أي الباقلاني من المالكية رحمه الله تعالى (وجماعة أئمّة الأشعريّة) من باب عطف العام على الخاص إذ هو من أكابرهم (وكثير من أئمّة الفقهاء) كاتباع الماتريدية، (وقال بعض أئمّتنا) أي من أهل السنة أو المالكية (ولا يجب) أي ولا يثبت (على القولين) وهما قول العصمة وعدمها عقلا (أن يختلف) وكان الأظهر أن يقول ويجب على القولين أن لا يختلف (أنّهم) أي من أن الأنبياء (مَعْصُومُونَ عَنْ تَكْرَارِ الصَّغَائِرِ وَكَثْرَتِهَا إِذْ يُلْحِقُهَا ذلك) التكرار (بالكبائر) المختلف في عصمتهم منها فإن من جملة الكبائر الإصرار على الصغائر فقد ورد لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار (ولا في صغيرة) أي ولا يجب أيضا أن يختلف في صغيرة (أدّت إلى إزالة الحشمة) أي المهابة (وأسقطت المروءة) بالهمزة ويجوز ابدالها وادغامها وهي الفتوة وكمال الرجولية (وأوجبت الإزراء) بتقديم الزاء على الراء أي الحقارة (والخساسة) أي الدناءة، (فهذا) أي النوع من الصغائر (أيضا ممّا يعصم منه) ويروى عَنْهُ (الْأَنْبِيَاءُ إِجْمَاعًا، لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا يَحُطُّ منصبه) أي يضع منصب النبي ويروى منصب المتسم أي الموصوف به (ويزري) بفتح أوله على أن الباء للتعدية في قوله (بصاحبه) أي يحقره وينقصه (وينفّر) بتشديد الفاء أي يطرد (القلوب عنه) أي عن قبول كلامه وحصول مرامه (وَالْأَنْبِيَاءُ مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ، بَلْ يَلْحَقُ بِهَذَا) أي في التنزه (ما كان من قبيل المباح) الذي لا تبعة على فاعله ولا مذمة (فأدّى إلى مثله) أي إلى شبه ما ينزهون عنه (لِخُرُوجِهِ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ عَنِ اسْمِ الْمُبَاحِ إلى الحظر) بفتح الحاء المهملة وسكون الظاء المعجمة أي المنع، (وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى عِصْمَتِهِمْ مِنْ مُوَاقَعَةِ المكروه) أي فعله أو قوله (قَصْدًا، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ عَلَى عِصْمَتِهِمْ من الصّغائر بالمصير) متعلق باستدل أي بمرجع الأمم (إلى امتثال أفعالهم) أي افعال الأنبياء (واتّباع آثارهم وسيرهم) ويروى سيرتهم أي أحوالهم وأقوالهم (مطلقا) أي من
[ ٢ / ٢٥٩ ]
غير قيد أن تقع أفعالهم وأقوالهم قصدا كما قال تَعَالَى أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ وقال قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي، (وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ والشّافعيّ وأبي حنيفة) رحمهم الله تعالى لم ينصف المصنف في ترتيب ذكر الأئمة لا سيما في تأخير أبي حنيفة عن الشافعي مع أنه مقدم على الكل مدة ورتبة (من غير التزام قرينة) دالة على وقوع قصد وتعمد في أفعالهم (بَلْ مُطْلَقًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي حكم ذلك) أي في حكم اتباعهم من وجوب أو ندب هنالك، (وحكى ابن خويز منداذ) بضم الخاء المعجمة وفتح الواو المخففة وسكون التحتية وفتح زاء أو كسرها وكسر ميم وسكون نون فدال مهملة فألف فذال معجمة أو فذالين معجمتين بينهما الف تفقه على الأبهري وهو ضعيف في الرواية مات في حدود الأربعمائة (وأبو الفرج) هو المالكي صاحب كتاب الحاوي مات سنة ثلاثين وثلاثمائة (عن مالك التزام ذلك) أي ما صدر عنهم (وجوبا وهو قول الأبهريّ) بفتح الهمزة والهاء بلد عظيم بين قزوين وزنجان وجبل بالحجاز قال التلمساني هم جماعة أكبرهم التميمي مات سنة خمس وسبعين وثلاث مائة (وابن القصّار) بتشديد الصاد (وأكثر أصحابنا) أي المالكية (وقول أكثر أهل العراق) أي الثوري وأصحاب أبي حنيفة (وابن سريج) بسين مهملة مضمومة وفي آخره جيم وهو أبو العباس البغدادي أخذ عن الأنماطي بلغت مصنفاته أربعمائة توفي سنة ست وثلاثمائة وعمره سبع وخمسون سنة قال الشيخ أبو إسحاق تفضل على جميع أصحاب الشافعي حتى على المزني (والإصطخريّ) بكسر الهمزة وتفتح وبفتح الطاء وسكون الخاء المعجمة وهو شيخ ابن سريج صنف كتبا كثيرة منها أدب القضاء استحسنه الأئمة وكان زاهدا متقللا من الدنيا كان من أخلاقه حدة ولاه المقتدر بالله قضاء سجستان ثم حسبة بغداد ولد سنة أربعين ومائتين وتوفي ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ودفن بباب حرب (وابن خيران) الخاء المعجمة وسكون التحتية فراء فألف فنون البغدادي مات سنة عشرين وثلاثمائة كان إماما جليلا وربما كان يعتب على أن سريج في ولايته للقضاء ويقول هذا الأمر لم يكن في أصحابنا إنما كان في أصحاب أبي حنيفة وطلبه الوزير ابن الفرات بأمر الخليفة للقضاء فامتنع فوكل ببابه وختم عليه بضعة عشر يوما حتى احتاج إلى الماء فلم يقدر عليه إلا بمناولة بعض الجيران فبلغ الخبر إلى الوزير فأمر بالإفراج عنه وقال ما أردنا بالشيخ أبي علي الأخيرا أردنا أن نعلم أن في مملكتنا رجلا يعرض عليه قضاء القضاة شرقا وغربا وفعل به مثل هذا وهو لا يقبل (من الشّافعيّة) أي المذكورون هو ومن قبله من علماء الشافعية ذهبوا إلى وجوب اتباع افعال الانبياء (وأكثر الشّافعيّة على أنّ ذلك ندب، وذهبت طائفة) أي منهم أو غيرهم (إلى الإباحة) إلا إذا قام دليل على الوجوب أو الندب. (وقيّد بعضهم الاتّباع) أي وجوبا أو ندبا (فِيمَا كَانَ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَعُلِمَ بِهِ مقصد القربة) أي التقرب في الأحوال الأخروية (ومن قال بالإباحة في أفعاله) أي في اتباع أفعال النبي ﵊ (لم يقيّد) أي اتباعهم بما تقدم (قال) أي ذلك البعض (ولو جوّزنا
[ ٢ / ٢٦٠ ]
عليهم الصّغائر) أي فضلا عن الكبائر (لم يمكن الاقتداء بهم في أفعالهم) لعدم علمنا بمقاصدهم وأحوالهم، (إذ ليس كلّ فعل من أفعاله) أي كغيره منهم ويروى من أفعالهم (يتميّز مقصده) بكسر الصاد أي مطلبه أو قصده كما في نسخة أي نيته ومستور طويته (به) أي بعمله الذي قصده أهو (من القربة) واجبا أو ندبا (أو الإباحة) مما لا يترتب على فعله مدح ولا ذم ولا ثواب ولا عقاب (أو) من (الحظر) أي المنع حراما أو مكروها أو خلاف الأولى (أو المعصية) أي المخالفة في الجملة ويروى والمعصية، (وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُؤْمَرَ الْمَرْءُ بِامْتِثَالِ أَمْرٍ لعلّه معصية لا سيّما) أي خصوصا (عند من يرى من الأصوليّين) أي في الفقه (تقديم الفعل) من الأدلة (على القول إذا تعارضا) وجهل المتأخر منهما وهم أصحاب الشافعي فأما عندنا فيرجح القول على الفعل لأنه أدل على كونه للقربة لاحتمال أن الفعل وقع وفق العادة أو بحسب ما يناسب تلك الحالة ولذا قال اصحابنا إن الاعتمار من التنعيم أفضل منه من الجعرانة خلافا للشافعية مع أن عمرة عائشة كانت متأخرة حيث وقعت عام حجة الوداع وعمرة الجعرانة كانت سنة الفتح، (ونزيد) أي نحن (هذا) المبحث (حجّة) أي تزيل شبهة من زعم عدم إمكان الاقتداء بالأنبياء لإبهام أفعالهم من بين ما سبق من الأشياء (بِأَنْ نَقُولَ مَنْ جَوَّزَ الصَّغَائِرَ وَمَنْ نَفَاهَا عن نبيّنا ﵊) وكذا عن سائر الأنبياء ﵈ (مجمعون على أنّه) أي كغيره منهم (لا يقرّ) بضم ياء وفتح قاف وتشديد راء وأخطأ الحلبي في قوله يقر بكسر القاف وتبعه غيره من المحشيين وقال الأنطاكي أي لا يقر غيره على منكر والصواب ما قدمناه وأن المعنى لا يبقى ولا يترك (على منكر من قول أو فعل) بل ينبه ويذكر لينتهي عنه ولم يتكرر واختلفوا هل من شرط ذلك الفور أم يصح على التراخي قبل وفاته ﵊ والصحيح الأول (وأنّه) أي النبي ﵊ (متى رأى شيئا) أي علم من أمته قولا أو فعلا (فسكت عنه صلى الله تعالى عليه وسلم عنه) أي لم ينكر على فاعله (دلّ) سكوته (على جوازه) ويسمى مثل هذا تقريرا (فكيف يكون هذا) التقرير (حاله في حقّ غيره ثمّ يجوّز) مضارع جاز وفي نسخة بصيغة المفعول من التجويز وفي أخرى بصيغة المتكلم منه والمعنى كيف يتصور (وُقُوعُهُ مِنْهُ فِي نَفْسِهِ وَعَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ) أي المذكور سابقا (تجب عصمته مِنْ مُوَاقَعَةِ الْمَكْرُوهِ كَمَا قِيلَ وَإِذِ الْحَظْرُ) أي المنع عن ترك الاقتداء على وجه الحرمة وكان الأظهر أن يقول إذ الوجوب (أَوِ النَّدْبُ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِفِعْلِهِ يُنَافِي الزَّجْرَ والنّهي عن فعل المكروه) أي لغيره؛ (وأيضا فقد علم من دين دين الصّحابة) أي دأبهم وعادتهم (قطعا الاقتداء بأفعال النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كيف توجّهت وفي كلّ فنّ) وفي نسخة وفي كل فن أي ومن دينهم الاقتداء بأفعاله في كل فن أي نوع من أفعاله قصدا أو سهوا من غير تفرقة بين فعل من أفعاله (كالاقتداء بأقواله) أي اتفاقا (فقد نبذوا خواتيمهم) أي طرحوها (حين نبذ خاتمه) بكسر التاء وفتحها على ما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه ﵊ اتخذ له خاتما من ذهب ثم نبذه فاقتدوا به وروي أنه عليه
[ ٢ / ٢٦١ ]
الصلاة والسلام اتخذ خاتما من ذهب ثم نبذه ثم اتخذ خاتما من ورق (وخلعوا نعالهم) كما رواه أحمد وأبو داود (حين خلع صلى الله تعالى عليه وسلم) ويروى خلع نعله ولفظ الحاكم عن أبي سعيد صلى الله تعالى عليه وسلم في نعليه ثم نزع فنزع الناس نعالهم وعن ابن سعيد الخدري قال بينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره فلما رأى القوم ذلك ألقوا نعالهم فلما قضى صلاته قال ما حملكم على القائكم نعالكم قالوا رأيناك القيت نعليك فقال إن جبريل اخبرني أن فيهما قذرا الحديث ويناسب الباب حديث الصلاة إلى القبلتين ومتابعة الصحابة له في الجهتين (واحتجاجهم) بالرفع أي ومن دين الصحابة استدلالهم بجواز محاذاة القبلة حال قضاء الحاجة استقبالا واستدبارا (برؤية ابن عمر إيّاه) كما في حديث الشيخين عنه قال رقيت يوما على بيت حفصة فرأيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (جالسا لقضاء حاجته مستقبلا بيت المقدس) ورواية المصابيح مستدبر القبلة مستقبل الشام مع نهيه صلى الله تعالى عليه وسلم عن الاستقبال والاستدبار في تلك الحال كما في حديث الشيخين عن أبي أيوب إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا فجمع الشافعي بينهما بحمل رواية ابن عمر على البناء ورواية أي أيوب على الفضاء وهو عندنا محمول على الضرورة أو على ما قبل النهي (واحتجّ غير واحد) من الصحابة أو الأئمة أي كثير (منهم في غير شيء) أي واحد بل في اشياء كثيرة ويروى في رؤية شَيْءٍ (مِمَّا بَابُهُ الْعِبَادَةُ أَوِ الْعَادَةُ بِقَوْلِهِ) أي الصحابة كأنس رضي الله تعالى عنه فيما رواه الشيخان أنه قدم من سفر فرؤي على حمار يصلي لغير القبلة يومي فقيل له فقال (رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يفعله) ولعله ﵊ كان فعله خارج البلد فأخذ أنس بجوازه مطلقا وكذا ابن عمر سئل عن أشياء فعلها فقال رأيته صلى الله تعالى عليه وسلم يفعله (وقال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في حديث الموطأ عن عطاء بن يسار أن رجلا قبل أمرأته وهو صائم فوجد من ذلك وجدا شديدا أي حزن حزنا كبيرا فأرسل امراته تسأل عن ذلك فدخلت على أم سلمة فذكرت لها ذلك فأخبرتها أم سلمة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقبل وهو صائم فأخبرت زوجها فقال لسنا مثل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يحل الله لرسوله ما يشاء فرجعت امرأته إلى أم سلمة فوجدت عندها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال ما بال هذه المرأة فأخبرته أم سلمة فقال (هلّا خبّرتيها) بتشديد الموحدة وإشباع كسرة التاء ياء وفي نسخة هلا أخبرتيها أي المرأة التي سألتك (أنّي أقبّل وأنا صائم) فقالت قد أخبرتها وذهبت إلى زوجها فأخبرته فقال لسنا مثل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يحل الله لرسوله ما يشاء فغضب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقال إني اتقاكم لله وأعلمكم بحدوده (وقالت عائشة محتجّة) أي مستدلة بجواز تقبيل الرجل وهو صائم (كُنْتُ أَفْعَلُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) لا يعرف مخرجه على ما ذكره الدلجي وإنما المعروف غسلها مع رسول
[ ٢ / ٢٦٢ ]
الله صلى الله تعالى عليه وسلم في إناء واحد على ما رواه الترمذي وكذا في الترمذي عن عائشة إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل فعلته أنا ورسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) كما مر في حديث الموطأ (على الذي أخبر) بصيغة المجهول (بمثل هذا) أي تقبيله وهو صائم (عنه) أي عن النبي ﵊ (فقال يُحِلُّ اللَّهُ لِرَسُولِهِ مَا يَشَاءُ وَقَالَ إِنِّي لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده) وروي أن رجلا جاء يستفتي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال تدركني الصلاة يعني صلاة الفجر وأنا جنب فأصوم فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم فقال الرجل يحل الله لرسوله ما يشاء فغضب ﵊ وقال لأني لأخشاكم لله وأعملكم بحدوده أي محارمه حيث قال تعالى تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها مبالغة في الزجر عنها وأما قوله تعالى تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها فالمراد منها سهام المواريث المعينة وتزوج الزائدة على الأربع وزيادة الحد على جلد المائة في الزاني والزانية ونحوها من الأحكام المبينة (والآثار) أي الأحاديث والأخبار (في هذا) الباب (أعظم) وفي نسخة أكثر (من أن نحيط) أي نحن (بها) وفي نسخة من أن يحاط عَلَيْهَا (لَكِنَّهُ يُعْلَمُ مِنْ مَجْمُوعِهَا عَلَى الْقَطْعِ) في مدلولها (اتّباعهم) أي الصحابة (أَفْعَالَهُ وَاقْتِدَاؤُهُمْ بِهَا وَلَوْ جَوَّزُوا عَلَيْهِ الْمُخَالَفَةَ في شيء منها) أي من أفعاله (لمّا اتّسق) أي لما استوى وما انتظم ولا تحقق (هذا) الذي سبق (ولنقل عنهم) أي خلاف ما هناك (وَظَهَرَ بَحْثُهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَلَمَا أَنْكَرَ صَلَّى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْآخَرِ قَوْلَهُ وَاعْتِذَارُهُ بِمَا ذكرناه) بأن الله يحل لرسوله ما يشاء، (وأمّا المباحات) ولو على سبيل المشتهيات (فجائز وقوعها منهم) بل متحقق صدورها عنهم (إذ ليس فيها قدح) أي منع (بَلْ هِيَ مَأْذُونٌ فِيهَا وَأَيْدِيهِمْ كَأَيْدِي غَيْرِهِمْ من الأمم مسلّطة عليها) بجواز الامتداد إليها فقد ورد في الحديث أن الله سبحانه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ وقال ﷿ يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا (إلّا أنّهم) أي الأنبياء وكذا اتباعهم الكمل من الأصفياء (بما خصّوا به من رفيع المنزلة) ومنيع الحالة (وشرحت) أي وبما اتسعت (لهم صدورهم من أنوار المعرفة) أي وأسرار الحكمة (واصطفوا) بصيغة المجهول مخففة الفاء من الاصطفاء أي واختيروا (به) في علو حالهم (من تعلّق بالهم) أي قبلهم وتعلق حالهم ويروى من تعلق بالتنوين وبالهم بتشديد الميم (بالله والّدار الآخرة) في مآلهم (لا يأخذون) أي لا يتناولون شيئا (من المباحات إلّا الضّرورات) لزهدهم في الدنيا وتوجههم إلى العقبى وطلبهم رضى المولى فيكتفون بها (ممّا يتقوّون) أي استعانة (به على سلوك طريقهم) في تقوية أبدانهم وتهيئة زادهم لمعادهم (وصلاح دينهم) المتوقف على إصلاح شأنهم (وضرورة دنياهم) المعينة على أمور أخراهم مما لا بد منه ولا محيص عنه (وما أخذ على هذه السّبيل) أي وفق الشريعة والطريقة (التحق) ضبط بصيغة
[ ٢ / ٢٦٣ ]
المجهول والمعلوم أي انقلب (طاعة وصار قربة) لأن استعمال المباحات وأفعال العادات إذا اقترنت بتزيين النيات وتحسين الطويات طاعات انقلبت وعبادات كما قد تنقلب بفساد النيات مكروهات بل محرمات وهذا معنى قول سيد السادات ومنبع السعادات إنما الأعمال بالنيات (كما بيّنا منه) أي من بعض تحقيق هذا الكلام وتدقيق هذا المرام (أوّل الكتاب) أي في أوله (طرفا) أي نبذا طرفا (في خصال نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم؛ فبان لك) أي تبين (عظيم فضل الله على نبيّنا) أي خصوصا كما قال تعالى وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا
(وعلى سائر أنبيائه) يروى الأنبياء (عليهم الصلاة والسّلام) كما قال تَعَالَى وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ (بأن جعل أفعالهم قربات وطاعات) أي عبادات وإن كانت في صورة عادات فإن عادات السادات سادات العادات (بعيدة عن وجه المخالفة ورسم المعصية) بخلاف المحرومين من هذه المرتبة فإن عباداتهم رسوم وعادات وطاعاتهم عين المخالفة في الحالات كما قال بعض أرباب الحال من لم يكن للوصال أهلا فكل طاعاته ذنوب.
فصل [وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي عِصْمَتِهِمْ مِنَ الْمَعَاصِي قَبْلَ النبوة]
(وقد اختلف في عصمتهم) أي الأنبياء (من المعاصي) أي جملة المناهي (قبل النّبوّة) وإظهار الرسالة (فمنعها قوم) بناء على عموم العصمة الشاملة للأحوال المتقدمة والمتأخرة (وجوّزها آخرون) حيث خصوا العصمة بحال النبوة (وَالصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَنْزِيهُهُمْ مَنْ كُلِّ عيب) أي سابق ولا حق (وعصمتهم من كلّ ما يوجب الرّيب) أي شبهة مخالفة علام الغيب (فكيف) لا يكون الأمر كذلك والعجب من ذكر الخلاف هنالك (والمسألة) أي والحال أنها مع ثبوت المخالفة (تصوّرها كالممتنع) أي المستحيل في الذهن حصولها (فإنّ المعاصي) كالكبائر (والنّواهي) كالصغائر (إنّما تكون) أي في حيز المنع (بعد تقرّر الشّرع) أي ثبوته من الأصل والفرع (وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حَالِ نَبِيِّنَا صَلَّى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ هَلْ كان متّبعا للشّرع) وفي نسخة لِشَرْعٍ (قَبْلَهُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ جَمَاعَةٌ لَمْ يكن متّبعا لشيء) أي من التكاليف أو لشرع كما في نسخة (وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ فَالْمَعَاصِي عَلَى هَذَا الْقَوْلِ) ويروى هذا الوجه (غَيْرُ مَوْجُودَةٍ وَلَا مُعْتَبَرَةٍ فِي حَقِّهِ حِينَئِذٍ إذ الأحكام الشّرعيّة) من الوجوب والمندوب والحرام والمكروه (إنّما تتعلّق بالأوامر والنّواهي وتقرّر الشّريعة) أي بأصولها وفروعها كما هي وهذا بالنسبة إلى نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم ظاهر لكن يشكل بالنسبة إلى أولاد إبراهيم ﵇ مثلا كإسماعيل وإسحاق وأولاد يعقوب على القول بنبوتهم فإنه لا شك أنهم كانوا متبعين شريعة أبيهم أو جدهم وكذا بالنسبة إلى سليمان ﵇ فإنه كان على دين أبيه داود بل وكذا داود وسائر أنبياء بني إسرائيل حيث كانوا على شريعة إبراهيم ﵇ وإنما نسخ في التوراة والإنجيل بعض الأمور وأيضا بنو إسماعيل وهم العرب كانوا يتدينون بدين إبراهيم ﵇ ويفتخرون به وإنما حدث كفرهم عبادتهم الأصنام وإحداث بعض
[ ٢ / ٢٦٤ ]
الأحكام من نحو السائبة والحام وتجويز أكل الميتة ونحوها من الحرام وكان في جبلتهم وطريقتهم تحريم الزنى وقتل النفس بغير حق وتقبيح أكل مال اليتيم والسرقة ومذمة الكذب وأمثالها مما اتفق الأنبياء القدماء على قبح أفعالها وأقوالها فينبغي أن يرجع الخلاف إلى كيفية عبادته لأنه ﵇ كان قبل النبوة في مرتبة إباحته (ثُمَّ اخْتَلَفَتْ حُجَجُ الْقَائِلِينَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ عَلَيْهَا) أي على صحة تلك الحالة أو المقالة (فذهب سيف السّنّة) أي القاطع في الحجة المبينة (ومقتدى فرق الأمّة) أي في علم الكلام والمسائل المهمة (القاضي أبو بكر) أي ابن الطيب الباقلاني المالكي (إلى أن طريق العلم بذلك) أي بكونه ﵊ متبعا للشرع في عبادة ربه هنالك (النّقل) أي إلينا ووصل لدينا أي فوائد الأثر (وموارد الخبر من طريق السّمع) أي الوارد على ألسنة نقلة يكونون في مرتبة الجمع (وحجّته) أي القاضي أبي بكر (أنّه) أي الشأن (لو كان ذلك) أي وقع هنالك (لنقل) أي إلينا ووصل لدينا (ولما أمكن كتمه وستره في العادة) أي في جري العادة الغالبة علينا (إذ كان) أي نقل خبره (مِنْ مُهِمِّ أَمْرِهِ وَأَوْلَى مَا اهْتُبِلَ بِهِ) بضم الفوقية وكسر الموحدة أي اغتنم به في انتهاز فرصة لكونه تعبده (من سيرته ولفخر) بفتح الخاء أي لافتخر (به أهل تلك الشّريعة) على أمته (ولا احتجّوا به عليه) أي باتباع شريعة قلبه بعد ادعاء نبوته (ولم يؤثر) أي لم يرو (شيء من ذلك جملة) في سيرته من سريرته وعلانيته وفيه أن الظاهر المتبادر من حاله ﵊ أنه كان قبل النبوة على دين جده الخليل ﵇ في أمر التوحيد وحج البيت السعيد وما كان معروفا من ملته وما الهمه الله سبحانه من معرفته مع أنه لا احتجاج لأحد من أربا الملل إذ كان بعضهم يدعي النبوة بعد متابعة بعض الأنبياء السابقة كما وقع لأنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام، (وذهبت طائفة إلى امتناع ذلك عقلا) حيث لم يجدوا بتصريح القضية نقلا (قالوا لأنّه) أي الشأن (يبعد أن يكون متبوعا من عرف) ويروى من كان (تابعا، وبنوا هذا على التّحسين والتّقبيح) العقليين (وهي طريقة غير سديدة) أي غير مستقيمة (وَاسْتِنَادُ ذَلِكَ إِلَى النَّقْلِ كَمَا تَقَدَّمَ لِلْقَاضِي أبي بكر أولى وأظهر) وقد قدمنا من بيان النقل ما يبطل ما بنوا عليه اساس العقل ومما يقويه أن موسى ﵇ لما قتل القبطي قبل النبوة استغفر ربه وعد قتله معصية ولا شك أنه كان على دين من قبله من انبياء بني إسرائيل وتابعا ثم صار بعد ذلك متبوعا وإنما العقل يمنع في الجملة امتناع كون واحد تابعا ومتبوعا من جهة واحدة لا من جهة مختلفة ألا ترى إلى قوله تعالى فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ فإنه كان تابعا لإبراهيم ﵇ في عموم ملته ومتبوعا في خصوص أمته ونظير ذلك كون عيسى ﵇ متبوعا في أول أمره ويكون تابعا لنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم في آخر عصره، (وقد قالت فرقة أخرى بالوقف في أمره ﵇) أي في شأنه قبل بعثته للعجز عن معرفته (وترك قطع الحكم عليه) أي على حاله هنالك (بشيء في ذلك إذ لم يحل) من الإحالة وفي نسخة إذ لا يحيل أي لم يمنع (الوجهين منها العقل ولا استبان عندها) أي تلك الطائفة أو المسألة (في أحدهما) أي أحد
[ ٢ / ٢٦٥ ]
الوجهين (طريق النّقل وهو مذهب أبي المعالي) أي ابن أبي محمد الجويني المعروف بإمام الحرمين من اتباع الشافعي وقد وافقه في ذلك الغزالي ولا أدري نصف العلم والعجز عن درك الإدراك إدراك، (وقالت فرقة ثالثة إنّه) ويروى ومالت فرقة ثالثة إلى أنه (كان عاملا بشرع من قبله) أي في الجملة لاستحالة أن يكون ﵊ مباحيا قبل البعثة، (ثمّ اختلفوا) أي الفرقة الثالثة (هَلْ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الشَّرْعُ أَمْ لَا فَوَقَفَ بعضهم عن تعيينه) لعدم ما يدل على تبيينه (وأحجم) بتقديم الحاء على الجيم أي تأخر وبعكسه أي تقدم أو تأخر فهو من الاضداد (وجسر بعضهم) أي اجترأ واقتحم ومنه قول الشاعر:
من راقب الناس مات غما وفاز باللذة الجسور
والمعنى أقدم (على التّعيين وصمّم) أي عزم عليه وجزم، (ثمّ اختلفت هذه المعيّنة) بكسر التحتية صفة الفرقة (فيمن كان يتّبع) من أرباب النبوة قبل البعثة (فقيل نوح) وهو بعيد بحسب الزمان وكذا باعتبار معرفة أحكام هذا الشأن مع أن دينه منسوخ لظهور نبوة خليل الرحمن (وقيل إبراهيم) وهو الظاهر المتبادر والأظهر أنه تابع لإسماعيل فإنه كان رسولا بعد الخليل وهو على ملته ولم يعرف تبديل في شريعته (وقيل موسى) وهذا لا يصح إذ ملته نسخت بعيسى (وقيل عيسى) وفيه أن موسى وعيسى إنما كانا مبعوثين إلى بني إسرائيل ولم يكن نبينا منهم (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَهَذِهِ جُمْلَةُ الْمَذَاهِبِ فِي هذه المسألة) حكى القاضي المؤلف هذه الأقوال الأربعة وبقي قولان أحدهما آدم وهذا حكى عن ابن برهان بفتح الموحدة وثانيهما أن جميع الشرائع شرع له حكاه بعض شراح المحصول عن المالكية وأظن أن هذا هو الأوجه من الأوجه السابقة واللاحقة وهو المناسب لمقامه ﵊ من مرتبة الجمع في المرام ولأنه كان مظهرا لاسم الذات المستجمع لجميع الصفات غايته أنه كان قبل البعثة على تلك الحالة الجامعة بطريق الإجمال وبعدها على وجه التفصيل في مراتب الكمال فلا ينافي قوله تعالى مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وهذا هو غاية الإيقان ونهاية الاتقان والله المستعان (والأظهر فيها) أي في المسألة (ما ذهب إليه القاضي أبو بكر) الباقلاني (وأبعدها مذاهب المعيّنين) بكسر الياء المشددة (إِذْ لَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَنُقِلَ) إلينا (كما قدّمناه ولم يخف) أي عن أحد (جملة) أي جميعا هنالك (وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي أَنَّ عِيسَى آخِرُ الأنبياء) أي أنبياء بني إسرائيل (فلزمت شريعته من جاء بعدها) وفي نسخة بعده (إذ لم يثبت عموم دعوة عيسى ﵇) كما يدل عليه قوله تعالى وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ (بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِنَبِيٍّ دَعْوَةٌ عامّة إلّا لنبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم) فإن دعوته عامة للجن والإنس بل إلى الخلق كافة كما بينته في الصلاة العلية بخلاف دعوة نوح فإنه كان مختصا للإنس دون الجن وسليمان كان مبعوثا إليهما إلا أنه مخصوص ببني إسرائيل والله تعالى اعلم بحقيقة الأقاويل، (ولا حجّة أيضا للآخر) يروى
[ ٢ / ٢٦٦ ]
للآخرين (فِي قَوْلِهِ: أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا [النحل: ١٢٣]) لأن أمره باتباعها إنما كان بعد الوحي إليه والكلام قبله (للآخر) أي وَلَا لِلْآخَرِينَ (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا [الشُّورَى: ١٣]) فإذا أيضا بعد الوحي ومع هذا (فمحمل هذه الآية) وفي نسخة فمحتمل وفي أخرى فتحمل هذه الآية كما قبلها (على اتّباعهم في التّوحيد) أي توحيد الذات وتفريد الصفات وما يتعلق به من أمور النبوات والفروع الكليات المجمع عليها في جميع الحالات لاختلاف كل نبي فيما جاء كما قال الله تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا وهذا (كقوله تعالى: أُولئِكَ) أي المذكورون من الأنبياء والاصفياء (الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) أي هداهم واجتباهم واصطفاهم ومن متابعة الهوى زكاهم ونجاهم وعن المعاصي عصمهم ونحاهم (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠]) بسكون الهاء للسكت وفي قراءة بكسر الهاء وفي رواية بإشباعها والضمير إلى المصدر فتدبر (وقد سمّى الله تعالى فيهم) أي في الذين هدى الله (من لم يبعث) أي بالنبوة (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ شَرِيعَةٌ تَخُصُّهُ كَيُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ لَيْسَ برسول) وهذا مردود بقوله تعالى وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ الآية نعم لم يعرف له شريعة تخصه وهو ليس من لوازم الرسالة (وقد سمّى الله تعالى جماعة منهم) أي من الأنبياء (في هذه الآية شرائعهم) وفي نسخة وشرائعهم (مختلفة لا يمكن الجمع بينها) أي من الأحوال المؤتلفة، (فدلّ) أي اختلافهم (أنّ المراد) يهديهم (مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَعِبَادَةِ اللَّهِ تعالى) بنعت التفريد ولا يبعد أن يكون بعض الشرائع المجمع عليها داخلا في الأمر بالاقتداء بجميع أفراد الأنبياء (وبعد هذا) الذي تقرر وتحرر (فَهَلْ يَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِمَنْعِ الِاتِّبَاعِ هَذَا القول) بالرفع (في سائر الأنبياء غير نبيّنا) عليه وعليهم الصلاة والسلام (أو يخالفون بينهم) أي ويفرقون بينه وبينهم ففيه تفصيل مبني على أصولهم (أمّا من منع الاتّباع عقلا فيطّرد) بتشديد الطاء أي فيستمر (أصله) ولم يختلف نقله من منعه (في كلّ رسول) من غير تفرقة (بلا مرية) بكسر الميم ويضم أي بغير شك وشبهة (وَأَمَّا مَنْ مَالَ إِلَى النَّقْلِ فَأَيْنَمَا تُصُوِّرَ له) بصيغة الفاعل وقيل بالمفعول (وتقرّر اتّبعه) وعمل كما يقتضي أمره، (ومن قال) ويروى من يقول (بالوقف فعلى أصله) من غير مفارقة لفصله، (ومن قال بوجوب الاتّباع) أي قبل الوحي (لمن قبله) من الأنبياء (فيلتزمه) أي القول بموجبه (بمساق حجّته في كلّ شيء) وفي نسخة في كل نبيّ.
فصل [هَذَا حُكْمُ مَا تَكُونُ الْمُخَالَفَةُ فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ عَنْ قَصْدٍ وَهُوَ مَا يُسَمَّى مَعْصِيَةً ويدخل تحت التكليف]
(هذا) الذي قدمناه من فصل العصمة (حُكْمُ مَا تَكُونُ الْمُخَالَفَةُ فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ) المنكرات الصادرة (عن قصد) أي تعمد (وَهُوَ مَا يُسَمَّى مَعْصِيَةً وَيَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ) أي ويؤاخذ به فاعله؛ (وأمّا ما يكون) أي المخالفة فيه من الأعمال (بغير قصد وتعمّد كالسّهو) وهو الذهول بالغفلة في الجملة (والنّسيان) وهو الذهول بالمرة والكلية (في الوظائف الشّرعيّة)
[ ٢ / ٢٦٧ ]
سواء يكون من ارتكاب المنهيات أو اجتناب المأمورات (مِمَّا تَقَرَّرَ الشَّرْعُ بِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِهِ وترك المؤاخذة عليه) كالسهو في الصلاة والكلام والنسيان في الصيام وجواب أما قوله (فَأَحْوَالُ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَرْكِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ وَكَوْنِهِ ليس بمعصية لهم مع أممهم سواء) كما يشير إليه قوله تعالى رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا وحديث رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وأما استكرهوا عليه كما رواه الطبراني عن ثوبان مرفوعا بسند صحيح (ثمّ ذلك) أي عدم المؤاخذة بالسهو والنسيان (على نوعين) أحدهما (ما طريقه البلاغ وتقرير الشّرع) فيما يعمل به من الأصل والفرع (وتعلّق الأحكام) أمرا ونهيا وحدا وسائر شرائع الإسلام (وتعليم الأمّة بالفعل) أي جنسه (وأخذهم باتّباعه) ويروى باتباعهم (فيه) أي في ذلك الفعل ونحوه (وما هو) أي وثانيهما ما هو (خارج عن هذا) الذي طريقه البلاغ (ممّا يختصّ بنفسه) من واجبات ومندوبات ومباحات ومكروهات ومحرمات، (أمّا الأوّل) أي من النوعين وهو ما طريقه البلاغ من الأحكام عملا وقولا (فحكمه) أي في إلمام السهو به (عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ حُكْمُ السَّهْوِ فِي القول في هذا الباب) أي باب ما طريقه البلاغ، (وقد ذكرنا الاتّفاق) من العلماء (على امتناع ذلك) أي امتناع المخالفة في القول (في حقّ النبيّ ﵊) أي من الأنبياء (وَعِصْمَتَهُ مِنْ جَوَازِهِ عَلَيْهِ قَصْدًا أَوْ سَهْوًا) بالأولى؛ (فكذلك) أي فمثل ما قالوا في باب القول بعصمة النبي من امتناع جواز ذلك (قَالُوا الْأَفْعَالُ فِي هَذَا الْبَابِ لَا يَجُوزُ طروّ المخالفة) بضم الطاء والراء فواو ساكنة فهمزة وقد تبدل مشددة أي طريانها وجريانها وحدوثها وعروضها (فيها) أي في الأفعال (لا عمدا ولا سهوا لأنّها) أي الأفعال منهم (بمعنى القول) الصادر عنهم (من جهة التّبليغ والأداء) إذ الأمم مأمورون بمتابعات الأنبياء قولا وفعلا ولا محيص لهم عن الموافقة أصلا (وطروّ هذه العوارض) أي من السهو والخطأ والنسيان (عليها) أي على أفعال الأنبياء (يوجب التّشكيك) للأمم الموافقة (ويسبّب المطاعن) من الطوائف المخالفة والمطاعن جمع مطعن محل الطعن وفي نسخة ويسبب الطاعن اسم فاعل من طعن فيه وعليه إذا عاب وقدح، (واعتذروا) أي هؤلاء العلماء (عن أحاديث السّهو) أي في بعض صلواته ﵊ (بتوجيهات نذكرها بعد هذا) في فصل على حدة (وإلى هذا) أي منع طرو المخالفة (مال أبو إسحاق) أي الإسفراييني، (وذهب الأكثر من الفقهاء) أي من أرباب الفروع والأصول (والمتكلمين) أي من أصحاب الأصول (إِلَى أَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِي الْأَفْعَالِ الْبَلَاغِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الشّرعيّة) أي من الأمور العلمية والعملية (سهوا) تمييز أو منصوب بنزع الخافض أي عن سهو (وعن غير قصد) عطف بيان (منه) أي من النبي (جائز عليه) أي وقوعه منه (كَمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَحَادِيثِ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ) أي الثابتة في الصحيحين وغيرهما من الكتب الستة قال النووي وهذا هو الحق (وفرقوا) أي المجوزون له (بين ذلك) الفعل من الأفعال الشرعية (وَبَيْنَ الْأَقْوَالِ الْبَلَاغِيَّةِ لِقِيَامِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى الصِّدْقِ في القول) أي من حيث شهد الله بأن صدق عبدي (ومخالفة ذلك) الصدق ولو سهوا (تناقضها) أي تعارض المعجزة (وأمّا
[ ٢ / ٢٦٨ ]
السّهو في الأفعال فغير مناقض لها) أي المعجزة لأنه ليس من جنسها (ولا قادح) أي وغير طاعن (في النّبوّة) لثبوتها مع وقوعه منها لعدم منافاته لها (بَلْ غَلَطَاتُ الْفِعْلِ وَغَفَلَاتُ الْقَلْبِ مِنْ سِمَاتِ البشر) بكسر السين أي علاماته وذلك لأن الإنسان مشتق من النسيان وأول الناس فقد قال الله تعالى في حق آدم ﵊ فَنَسِيَ (كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم إنّما أنا بشر أنسى) بفتح أوله (كما تنسون فإذا نسيت فذكّروني) رواه الشيخان عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (نعم) ليس نسيانه كنسيان غيره من كل وجه (بل حالة النّسيان والسّهو) أي نسيانه وسهوه (هنا) أي في هذا المحل بخصوصه (في حقّه ﵊ سبب إفادة علم) لأمته (وتقرير شرع) لملته (كما قال ﵊) في حديث الموطأ بلاغا لم يعرف وصله (إنّي لأنسى) بفتح الهمزة والسين أي بإنسائه سبحانه كما قال تعالى فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ انساءك إياه (أو أنسّى) بصيغة المفعول مشددا ويجوز مخففا أي ينسيني الله تعالى (لأسنّ) يفتح الهمزة وضم السين وتشديد النون أي لأبين لكم ما يفعله أحد منكم نسيانا لتأنسوا بي وتقتدوا بفعلي (بل قد روي لست أنسى) أي حقيقة (ولكن أنسّى) بصيغة المجهول كما مر (لأسنّ) وهذا نظير قوله تعالى وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى إيماء إلى مقام الجمع (وهذه الحالة) أي من نسيانه ليسن (زيادة له في التّبليغ) أي تبليغ الرسالة (وتمام عليه في النّعمة) حيث أمر الأمة بأن يقتدوا به فيما صدر عنه على جهة السهو والغفلة ولعل فيه إيماء إلى قوله تعالى وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ (بعيدة عن سمات النّقض) بالضاد المعجمة أي عن ورود النقض من جواز وجود السهو والخطأ ووجوب الاقتداء (واعتراض الطّعن) أي به وبغيره على ألسنة السفهاء وفي نسخة صحيحة بعيدة عن سمات النقص بالصاد المهملة أي النقصان وأغراض الطعن أي على مجرد وقوع السهو والنسيان حيث تبين الحكمة الإلهية في ذلك الشأن (فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِتَجْوِيزِ ذَلِكَ يَشْتَرِطُونَ أَنَّ الرُّسُلَ لا تقرّ) بضم التاء وفتح القاف وتشديد الراء أي لا تبقى ولا تترك (على السّهو والغلط بل ينبّهون عليه) لينتبهوا ويتداركوا ما وقع لهم من السهو (ويعرفون) بصيغة المجهول مشدد الراء (حكمه) أي حكم السهو وما يترتب عليه (بالفور) في الحال أي من غير تراخ (عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَبْلَ انْقِرَاضِهِمْ) أو قبل موته (عَلَى قَوْلِ الْآخَرِينَ وَأَمَّا مَا لَيْسَ طَرِيقُهُ البلاغ) أي تبليغ شرائع الإسلام (وَلَا بَيَانَ الْأَحْكَامِ مِنْ أَفْعَالِهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ أُمُورِ دينه) أي أسرار ربه (وأذكار قلبه) أي أنوار لبه (ممّا لم يفعله ليتّبع فيه) بل لينتفع به في زيادة قربه عند ربه (فالأكثر من طبقات علماء الأمّة) وكذا من طوائف مشايخ الملة (على جواز السّهو) أي الذهول والغفلة (والغلط عليه) لغلبة الاستغراق لديه (فيها) أي في أفعاله حين نزول الواردات إليه ولا يلحقه بذلك معرة ولا منقصة (ولحوق الفترات) أي الزلات بالنسبة إلى علو الحالات (والغفلات) لعوارض الحادثات (بقلبه) المستغرق في بحر حب ربه (وذلك) أي الحال الذي يعتبر به هنالك (بما كلفه) بصيغة المجهول أي بما طوقه
[ ٢ / ٢٦٩ ]
الحق ويروى بما تكلفه (من مقاساة الخلق) أي مكابدتهم (وسياسة الأمّة) أي محافظتهم ويروى وسياسات الأمة (ومعاناة الأهل) من عانه قاساه أي ملاحظة أحوالهم ومراعاة أفعالهم رفقا بهم وعونا لهم (وملاحظة الأعداء) أي مراقبتهم ومحاذرتهم وهذا كله من حيث هو مما يشغل القلب عن تجرده للرب ويوجب فتورا يقتضي في الجملة قصورا (ولكن ليس) صدور ذلك وظهور ما هنالك (على سبيل التّكرار) أي المفضي إلى حال الاكثار (ولا الاتصال) أي ولا على سبيل الاتصال في مقام الانفصال (بل على سبيل النّدور) أي القلة في الانتقال عن مشاهدة جمال ذي الجلال على وجه الكمال (كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم إنّه) أي الشأن (ليغان على قلبي) بصيغة المفعول والمعنى قد يحجب قلبي عن مشاهدة ربي بالاشتغال بأمره والانتقال إلى إمضاء حكمه (فأستغفر الله) أي في اليوم سبعين مرة أو مائة مرة وهذا من قبيل حسنات الأبرار سيئات المقربين الأحرار بل كان في كل وقت وحالة مترقبا إلى مقام ومرتبة بعد الحال الأولى بالنسبة إلى المرتبة الثانية العليا والمنزلة الأولى سيئة ومنقصة يحتاج فيها إلى الأوبة وطلب المغفرة مما فيه صورة الحوبة كما يشير إليه قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (وليس في هذا) أي فيما ذكر (شيء يحطّ) أي يصنع (من رتبته ويناقض معجزته) أي يعارض من كرامته (وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى مَنْعِ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ وَالْغَفَلَاتِ والفترات في حقّه ﵊ جملة) أي من غير استثناء حالة (وهو مذهب جماعة المتصوّفة) أي متكلفي طريق التصوف ومنتحلي سبيل التعرف (وأصحاب علم القلوب) بالحالات السنية الجليلة (والمقامات) البهية العلية ويمكن الجمع بين كلام المثبتين للسهو والنافين للغلط واللهو أن ما وقع من أفعاله ﵊ في صورة الغفلات وهيئة الفترات ليست على حقيقتها المترتب عليها نقصان مرتبة من الحالات أو قصور في رتبة علو المقامات فإن سيئات أرباب السعادة حسنات وحسنات أرباب الشقاوة سيئات كما أشار إليه بعضهم بقوله:
من لم يكن للوصال أهلا فكل طاعاته ذنوب
والحاصل أن ضعف بنية البشرية لا يقوى على مداومة تجليات الإلهية فتارة يكون في حالة الصحو وأخرى في حالة المحو وكذا تختلف المقامات بتفاوت غلبة الفناء ورجعة البقاء حتى يترتب عليه السكر والشكر والفكر والذكر والترقي والتدلي مع أن مقام جمع الجمع يقتضي أن لا تمنع الكثرة عن الوحدة ولا الوحدة عن الكثرة فلا يتصور في حق الكمل منهم صدور الغفلة بالمرة فإن اتباعهم ببركة اتباعهم وصلوا إلى حد لو أرادوا أن يتركوا طاعة أو يغفلوا ساعة لم يقدروا على ذلك عكس حال أرباب الدنيا واصحاب الحجاب عن المولى فسبحان من أقام العباد فيما أراد وقد علم كل اناس مشربهم وعرف كل حزب مذهبهم (ولهم في هذه الأحاديث) أي الواردة في باب السهو (مذاهب نذكرها) وفي نسخة سنذكرها (بعد هذا) أي من غير تراخ في الفصل الذي يليه (إن شاء الله تعالى) .
[ ٢ / ٢٧٠ ]
فصل (فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورِ فِيهَا السَّهْوُ
منه صلى الله تعالى عليه وسلم وقد قدّمنا في الفصول) السابقة ويروى في الفصل أي الذي تقدم (قبل هذا) الفصل (ما يجوز فيه ﵊ عليه السّهو) من الأفعال والأحوال السنية (وما يمتنع) فيه عليه السهو من الأفعال البلاغية والأحكام الشرعية (وأحلناه) أي وجعلنا وقوع السهو محالا (في الأخبار) بفتح الهمزة أو كسرها (جملة) أي من غير تفرقة بين كونها دينية أو دنيوية، (أو أجزنا وقوعه) أي وجوزنا وقوع السهو (في الأفعال الدّينيّة) لعدم مناقضته حكم المعجزة وعدم مباينته وجه النبوة (قطعا؛ في الأفعال الذي عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي رَتَّبْنَاهُ وَأَشَرْنَا إِلَى مَا ورد في ذلك) كما بيناه من حكمة أن كونه مع قلته إنما يقع سببا لإفادة علم لأمته وتقرير حكم لملته (ونحن نبسط القول فيه) أي في هذا الفصل (وَنَقُولُ الصَّحِيحُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي سَهْوِهِ ﵊ فِي الصَّلَاةِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ: أَوَّلُهَا حَدِيثُ ذِي اليدين) كما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (في السّلام) أي سلامه ﵊ (من اثنتين) أي ركعتين في إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر فقال ذو اليدين يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة قال لم أنس ولم تقصر فقال أكما يقول ذو اليدين قالوا نعم فأتم ثم سلم ثم كبر وسجد ثم رفع قال ابن سيرين نبئت أن عمران بن حصين قال ثم سلم؛ (الثّاني حديث ابن بحينة) بضم موحدة وفتح مهملة وسكون تحتية فنون فتاء وهي أم عبد الله زوج مالك مطلبية قرشية ابن القشب بكسر القاف وإسكان الشين المعجمة فموحدة الأزدي ويقال الأسدي قال النووي الأزد والأسد بإسكان الزاء والسين قبيلة واحدة وهما اسمان مترادفان لها وهما أزد شنوءة وعبد الله هذا كان حليفا لبني المطلب بن عبد مناف قال بعض الحفاظ اسلم عبد الله بن مالك هو وأبوه وصحبا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنكر الدمياطي في حاشيته على صحيح البخاري أن يكون لمالك والد عبد الله هذا صحبة أو رواية أو إسلام وإنما ذلك لعبد الله قال الذهبي في تجريده ما لفظه مالك بن بحينة والد عبد الله ورد عنه حديث وصوابه لعبد الله وقال المزي في أطرافه ومن مسند مالك بن بحينة إن كان محفوظا عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حديث أصلي الصبح أربعا وحديث السهو في الصلاة في مسند عبد الله بن مالك ابن بحينة انتهى وفي الكاشف مالك بن بحينة الصحابي له في السهو وعنه ابن حبان قال النسائي هذا خطأ والصواب عبد الله بن مالك كذا ذكره الحلبي وبهذا تبين خطأ الدلجي حيث جزم بقوله الثاني حديث الشيخين عن مالك بن عبد الله بن بحينة (في القيام) أي قيامه ﵊ (من اثنتين) أي ركعتين سهوا قال الأنطاكي وحديثه في السهو هو ما روي عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قام في صلاة الظهر وعليه جلوس وفي رواية قام في الشفع الذي يريد يجلس فلما أتم صلاته سجد سجدتين الحديث؛ (الثالث
[ ٢ / ٢٧١ ]
حديث ابن مسعود ﵁) في الصحيحين (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم صلّى الظّهر خمسا) قال القاضي المصنف في الاكمال قال الإمام أحاديث السهو كثيرة الصحيح منها خمسة أحاديث حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه سجد سجدتين وحديث أبي سعيد سجد قبل السلام وحديث ابن مسعود في القيام إلى خامسة وحديث ذي اليدين في السلام من اثنتين وحديث ابن بحينة في القيام من اثنتين، (وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السَّهْوِ فِي الْفِعْلِ الذي قرّرناه) أي لا في الأخبار الذي حررناه؛ (وحكمة الله فيه) أي في سهوه في فعله (ليستنّ به) على بناء المفعول أي ليقتدى به في أمره (إذ البلاغ بالفعل أجلى) بالجيم أي أظهر وأرفع وفي نسخة بالحاء أي أحسن وأوقع (منه بالقول وأرفع للاحتمال) أي ادفع له عند بعضهم خلافا لغيرهم كما قدمناه ولعل الأظهر في حكمته أن يكون تسلية لأمته في مشاركتهم معه في سيرته وطريقته وأحوال بشريته كما أشار إليه بقوله إنما أنا بشر أنسى كما تنسون (وشرطه) أي السهو في حقه بخصوصه للأمر بالاقتداء في فعله كقوله (أنّه لا يقرّ) وفي نسخة لا يقرر بصيغة المجهول فيهما أي لا يبقى ولا يترك (على السّهو) أي زمانا يمكن أن يقتدى به في ذلك الأمر (بل يشعر به) بصيغة المفعول أي بل يعرف وبينه (ليرتفع الالتباس وتظهر فائدة الحكمة فيه) للناس (كما قدّمناه) في مقام الإيناس (وأن النّسيان) أي بأصله (والسّهو) أي المترتب عليه بفرعه (في الفعل في حقّه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ مُضَادٍّ لِلْمُعْجِزَةِ وَلَا قَادِحٍ في التّصديق) بالرسالة وقد مر بيان تحقيق هذه المقالة، (وقد قال ﵊) فيما رواه الشيخان (إنّما أنا بشر أنسى كما تنسون) كما يشير إليه قوله تعالى فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وقوله ﷿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ (فإذا نسيت) أي آية (فذكّروني) أو المعنى إذا نسيت وفعلت شيئا غير ما تعرفون من شريعتي فأعلموني (وقال) كما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا (رحم الله فلانا) كناية عن رجل (لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنْتُ أُسْقِطُهُنَّ) أي تركتهن نسيانا (ويروى أنسيتهنّ) بصيغة المجهول وذكر التلمساني عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم سمع رجلا يقرأ من الليل فقال يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية الحديث انتهى وقال النووي عن الخطيب البغدادي أن فلانا الهم هنا هو عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري انتهى ووقع بعد هذا الحديث في البخاري وزاد عباد بن عبد الله عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت تهجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في بيتي فسمعت صوت عباد فأعلمته وهو عباد بن بشر كما نقله ابن الملقن في شرح البخاري عن ابن التين قال الحلبي ورأيت في نسخة صحيحة من شرح البخاري في الشهادات فسمع صوت عباد بن تميم المنسوب إلى العلامة الفربري (وقد قال ﵊) كما في الموطأ بلاغا (إنّي لأنسى) بفتح اللام والهمزة والسين (أو أنسّى) بصيغة المجهول مشددا ويجوز مخففا (لأسنّ) بضم سين وتشديد نون أي لأبين ما يترتب على السهو من الحكم (قيل هذا اللّفظ شكّ من الرّاوي) فأو للترديد ولا يبعد أن تكون
[ ٢ / ٢٧٢ ]
للتنويع فإن النسيان قد يكون لغفلة من جانب الإنسان وقد يكون لحكمة من جانب الرحمن (وقد روي إنّي لا أنسى) أي غالبا أو على وجه التقصير (ولكن أنسّى) بحسب التقدير (لأسنّ) في مقام التقرير (وذهب ابن نافع) بنون في أوله قال التلمساني هو عبد الله بن صانع وفي نسخة ابن رافع وفي أخرى ابن قانع (وعيسى بن دينار) هو الطيطلي تفقه بابن القاسم جمع بين الفقه والزهد قال أبو إسحاق في طبقات الفقهاء صلى أربعين سنة الصبح بوضوء العشاء الآخرة وشيعه ابن القاسم فراسخ عند انصرافه عنه فعوتب في ذلك فقال أتلومونني إن شيعت رجلا لم يخلف بعده أفقه منه مات سنة اثني عشرة ومائتين (أنّه) أي حديث لأنسى أو أنسى (ليس بشكّ وأن معناه التّقسيم) يعني التنويع (أي أنسى أنا أو ينسيني الله) لورود نسبته ﵊ النسيان إلى نفسه تارة نظرا إلى مقام الفرق وإلى ربه أخرى إشارة إلى مقام الجمع إيماء إلى قوله تعالى وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وردا على القدرية والجبرية وإثباتا للقدرة الجزئية كما هو مذهب أهل السنة السنية؛ (قال القاضي أبو الوليد الباجي) بالموحدة والجيم (يحتمل ما قالاه) أي ابن نافع وابن دينار (أن يريد) أي النبي ﵊ (أنّي أنسى) بالبناء للفاعل (في اليقظة) لتأتي السهو فيها اختيارا (وأنسّى) بالبناء للمفعول (في النّوم) لتأتيه فيه اضطرارا وفيه أن قلبه ﵊ كان لا ينام فحاله نوما أو يقظة سواء في مراتب الأحكام للأحكام (أو أنسى) بصيغة الفاعل (عَلَى سَبِيلِ عَادَةِ الْبَشَرِ مِنَ الذُّهُولِ عَنِ الشّيء والسّهو) أي الغفلة الناشئة عن شغل البال وتشتت الحال (وأنسّى) بصيغة المفعول (مع إقبالي عليه وتفرّغي له) أي فراغ خاطري إليه (فَأَضَافَ أَحَدَ النِّسْيَانَيْنِ إِلَى نَفْسِهِ إِذْ كَانَ له بعض السّبب فيه) وهو تسبب اختيار بمباشرته في تحصيل معالجته (ونفى الآخر عن نفسه) وفي نسخة من نفسه (إذ هو فيه) باعتبار مباديه البعيدة ومجاريه (كالمضطرّ) إليه لأنه قدر في الأزل عليه أن يصدر منه بكسبه لديه فهو مضطر في صورة مختار وربك يخلق ما يشاء ويختار وفي السنة أهل الحكمة قال الجدار للوتد مالك تشقني فقال سل من يدقني؛ (وذهبت طائفة من أصحاب المعاني) وهم بعض الصوفية من أرباب المعالي (والكلام على الحديث) أي وذوي التكلم على حديث سهوه وما يتعلق به من تحقيق المباني (إلى أنّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يسهو في الصّلاة) فيترك منها ما ليس عنعلم به (ولا ينسى) فيها (لأنّ النّسيان ذهول وغفلة وآفة) أي عاهة مؤدية إلى زوال المدرك من القوة المدركة والحافظة بما يستولي على القلب ويغشاه مما يحجبه عن عبادة الرب (قال) أي ذلك البعض (والنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم منزّه عنها) أي مبعد عن الغفلة مما يؤدي إلى المنقصة (والسّهو شغل) بذهول لا ينتهي إلى زواله من الحافظة في أحواله (فكان صلى الله تعالى عليه وسلم يسهو في صلاته) أي لا عنها (وَيُشْغِلُهُ عَنْ حَرَكَاتِ الصَّلَاةِ مَا فِي الصَّلَاةِ شغلا بها لا غفلة عنها) فلا يتركها عن علم فيها مبال بها ولا يخرجها عن وقتها بشهادة فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ أي غافلون (واحتجّ) أي
[ ٢ / ٢٧٣ ]
ذلك البعض (بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى إِنِّي لَا أَنْسَى) بصيغة النفي وفي نسخة زيادة ولكن أنسى وحاصله أن النسيان المذموم المنتسب إلى تقصير الإنسان منفي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم بخلاف ما خلقه تعالى فيه اضطرارا لحكمة الهية كما تقدم والله تعالى اعلم (وذهبت طائفة أخرى) وهم بعض الصوفية (إلى منع هذا) أي ما ذكر من السهو والنسيان (كلّه) أي عنه كما في نسخة (وقالوا: إنّ سهوه عليه الصلاة السّلام كان عمدا وقصدا ليسنّ) بصيغة الفاعل أو المفعول (وهذا قول مرغوب عنه) أي مردود في الموارد (متناقض المقاصد) لمناقضة السهو للعمد (لا يحلى) بالحاء المهملة على صيغة المفعول أي لا يظفر (منه بطائل) أي بنفع حاصل يقال هذا الامر لم يحل منه بطائل إذا لم يكن فيه فائدة وقد صرح الجوهري بأنه لا يتكلم به إلا في الجحد وقد أتى به المؤلف في صورة النفي ولعله يسوغ أيضا أو وقع سهوا في القلم والله ﷾ اعلم (لِأَنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ مُتَعَمِّدًا سَاهِيًا فِي حَالٍ) أي واحد وزمان متحد (وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّهُ أُمِرَ) أي أمره الله تعالى (بتعمّد صورة النّسيان) وهو بصيغة المصدر بعد باء التعدية وروي أنه يتعمد بصيغة المضارع (ليسنّ لقوله: «إنّي لأنسى أو أنسّى) وفي نسخة زيادة لأسن وهو بالوجهين على ما سبق (وقد أثبت) أي النبي ﵊ ويروى فقد أثبت (أحد الوصفين) وهو النسيان من قبل نفسه أو الإنساء من قبل ربه (ونفى مناقضة) بالإضافة إلى الضمير (العمد والقصد) فلا يصح إثبات العمد والقصد له ﵊ ويروى مُنَاقَضَةَ التَّعَمُّدِ وَالْقَصْدِ (وَقَالَ «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مثلكم أنسى كما تنسون») وفي رواية فإذا نسيت فذكروني (وقد مال إلى هذا) أي القول بأنه أمر يتعمد النسيان (عظيم من المحقّقين من أئمّتنا) يعني المالكية (وهو أبو المظفّر) ويروى أبو المطهر (الاسفراييني ولم يرتضه) بالضمير أو بهاء السكت أي ولم يختره (غيره منهم) أي من المالكية وغيرهم (ولا أرتضيه) يعني أنا (أيضا) لظهور تناقضه ووضوح تعارضه وقال النووي بعد ما حكى هذا القول عن بعض الصوفية وهذا لم يقل به أحد ممن يقتدى به إلا الاستاد أبو المظفر الإسفراييني فإنه مال إليه ورجحه وهو ضعيف متناقض (ولا حجّة لهاتين الطّائفتين) أي القائلة بأنه ﵊ كان يسهو في صلاته ولا ينسى والقائلة بأن سهوه كان عمدا أو قصدا (في قوله إنّي لا أنسى) بصيغة النفي على بناء الفاعل (ولكن أنسّى) بصيغة المفعول (إذ ليس فيه نفي حكم النّسيان) بالإضافة البيانية (بالجملة) أي بالكلية (وإنّما فيه نفي لفظه) أي مبناه المشعر بعدم التفاته إليه (وكراهة لقبه) أي وصفه الذي يحمل عليه (كقوله) صلى الله تعالى عليه وسلم (بِئْسَمَا لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا) لاعترافه بدخوله تحت وعيد ظاهر قوله سبحانه كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (ولكن نسّي) مشددا أي أنساه الله من غير تقصير إياه لعارض أو مرض ورواه أبو عبيد بلفظ بئسما لأحدكم أن يقول نسبت آية كيت وكيت ليس هو نسي ولكنه نسي وهو أبين من الأول وقد رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعا بلفظ بئسما لأحدكم أن يقول
[ ٢ / ٢٧٤ ]
نسيت آية كيت وكيت بل هو نسي ويمكن أنه كره نسبة النسيان إلى النفس لأنه تعالى هو الذي انساه لاستناد الحوادث كلها إليه أو لأن النسيان مبناه الترك فكره له أن يقول تركت القرآن أو قصدت إلى نسيانه ولم يكن باختياره إياه يقال انساه الله ونساه والحاصل أن اختلاف النفي والاثبات باعتبار لفظه ومبناه لتفاوت فحوى الكلام ومقتضاه باعتبار معناه (أو نفي الغفلة) عن ربه (وَقِلَّةِ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الصَّلَاةِ عَنْ قَلْبِهِ لَكِنْ شغل بها عنها) أي بالصلاة عن الصلاة يعني بفعل بعضها عن فعل بعضها (ونسي بعضها ببعضها) أي بعض الصلاة ببعض الغفلة عنها ليبين للساهي فيها ما يجبرها بتركه شيئا منها (كما ترك الصّلاة) على ما رواه الشيخان (يوم الخندق) أي زمان حفر الخندق وهي غزوة الأحزاب وكانت في السنة الخامسة بعد الهجرة في شهر شوال منها (حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا وَشُغِلَ بِالتَّحَرُّزِ مِنَ الْعَدُوِّ عنها) أي عن الصلاة (فشغل بطاعة) أي العليا وهي حراسة المدينة (عن طاعة) وهي أداء الصلاة الوسطى لما ورد شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قلوبهم وقبورهم نارا (وَقِيلَ إِنَّ الَّذِي تُرِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَرْبَعُ صلوات) بالرفع على أنه خبر ان ثم أبدل منه بقوله (الظّهر، والعصر، والمغرب، والعشاء) وهذا على قول الكوفيين وأما على ما قاله سيبويه فيكون أعمال ترك وهو الثاني فيكون أربع منصوبا ذكره الحلبي ولعل الواقعة تعددت في الغزوة؛ (وَبِهِ احْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الصّلاة) أي إلى أن يخرج وقتها (فِي الْخَوْفِ إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ أَدَائِهَا إِلَى وَقْتِ الْأَمْنِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّامِيِّينَ وَالصَّحِيحُ أَنَّ حُكْمَ صَلَاةِ الْخَوْفِ كَانَ بَعْدَ هَذَا فهو ناسخ له) ولا يبعد أن يقال إنما كان ناسخا إذا كان قادرا على التمكن من ادائها بصلاة الخوف بخلاف ما إذا لم يتمكن من أدائها كما إذا كان العدو من كل جانب محاصرا على ما وقع في الاحزاب والله تعالى اعلم بالصواب. (فَإِنْ قُلْتَ فَمَا تَقُولُ فِي نَوْمِهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم عن الصّلاة يوم الوادي) كما رواه البخاري وقد قيل هو وادي ضحيان وهو موضع بجوار مكة وروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين قفل من خيبر سار ليلة حتى إذا أدركه الكرى عرس ونام هو وأصحابه فلم يستيقظ أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس فكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أولهم استيقاظا فقال اقتادوا يعني سوقوا رواحلكم فاقتادوا رواحلهم شيئا ثم توضأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأمر بلالا فأقام الصلاة فصلى بهم الصبح (وقد قال) ﵊ (إنّ عينيّ تنامان ولا ينام قلبي) قال النووي هذا من خصائص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام انتهى والجملة اعتراض بين السؤال وجوابه ورد حالا افاد أن قلبه لا يعروه نوم فكيف نام عن الصلاة حتى خرج وقتها (فاعلم أنّ للعلماء في ذلك) أي في دفعه وفي نسخة عن ذلك أي عن نومه فيه بالوصف المذكور هنالك (أجوبة) بالنصب على أنه اسم أن (منها أنّ المراد بأنّ هذا) الذي ذكر من اليقظة بربه (حكم قلبه عند نومه) أي نوم قلبه (وعينيه) أي وعند نوم عينيه أو المعنى هذا حكم قلبه وعينيه حال اجتماعهما (في غالب الأوقات وقد يندر
[ ٢ / ٢٧٥ ]
منه) بضم الدال أي يقع نادرا (غير ذلك) من غفلة قلبه حالة نوم عينيه (كما يندر من غيره خلاف عادته) والحاصل أنه ﵊ على ما قيل كان له حالان في المنام أحدهما أنه كان تنام عينه ولا ينام قلبه وذلك في غالب أوقاته وثانيهما وهو أن ينام قلبه أيضا وهو نادر فصادف هذا الموضع حاله الثاني ثم اعلم أن في بعض النسخ ضبط غيبته بدل عينيه واختاره الحلبي وقال الغيبة ضد الحضور وهو ظاهر وإنما ذكرته لاحتمال أن يشتبه على من لا يعرف فيصحفه وقال الغيبة بعينيه تثنية عين وهي الجارحة الباصرة قالت هذا لا يصح لا من جهة الأعراب في المبنى ولا من طريق الصواب في المعنى لأن غيبته إذا كان عطفا على قلبه لا يستقيم الكلام إذ التقدير هذا حكم قلبه عند نومه وحكم عدم حضوره ولا خفاء في قصوره وإذا كان عطفا على نومه فيكون التقدير هذا حكم قلبه عند نومه وعند عدم حضوره ولا يخفى ما في هذه أيضا من بعد تصوره (وتصحّح هذا التّأويل) الذي أفاد أن قلبه لا ينام غالبا وقد ينام نادرا (قوله ﵊ في) هذا (الحديث نفسه) أي نفس هذا الحديث المذكور وهو حديث الصلاة في الوادي لا كما توهم الدلجي من أنه حديث عيناي تنامان ولا ينام قلبي وقال التلمساني صوابه ما عند ابن مليح في أصله وقول بلال في الحديث نفسه وهو معروف من قول بلال والمحفوظ من قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (إنّ الله قبض أرواحنا) قلت هذا هو المراد وهو الصواب ولا يظهر لقول التلمساني وجه في هذا الباب مع أن رواية البخاري أن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها عليكم حين شاء (وقول بلال فيه) أي في حديث صلاة الوادي فما أيقظهم إلا حر الشمس فقال صلى الله تعالى عليه وسلم هذا واد به شيطان اقتادوا فاقتدوا رواحلهم حتى خرجوا منه وقضوا صلاة الصبح لا كما توهم الدلجي ايضا وقال أي في حديث أن عيني تنامان جوابا لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم وقد أمره أن يكلأ لهم الفجر فقال ﵊ أين ما قلت يا بلال فقال والله يا رسول الله (ما ألقيت عليّ نومة مثلها قطّ) لشدة تعب السيرة وقوة نصب السهر ولعل وجه كون قول بلال يصحح التأويل السابق أنه وقع له ﵊ من شدة الحال كما وقع لبلال فنام قلبه ﵊ من كثرة الكلال (ولكن مثل هذا) أي النادر الوقوع (إنّما يكون منه) أي من النبي ﵊ (لأمر يريده الله ﷿) وفي نسخة يريده من الله (من إثبات حكم) تحته حكم (وتأسيس سنّة) أي تأصيل قضية منيعة يبني عليها فروع شريعة (وإظهار شرع) من فرض أو سنة لم يكن مبينا، (وكما قال) أي النبي ﵊ (فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَيْقَظَنَا») أي منامنا ظاهرا وباطنا (ولكن أراد) أي بغلبة النوم علينا (أن يكون) أي سنة (لمن بعدكم) يقتدون بها، (الثّاني) من الأجوبة (أَنَّ قَلْبَهُ لَا يَسْتَغْرِقُهُ النَّوْمُ حَتَّى يَكُونَ منه الحدث فيه) أي ناقض الوضوء في نومه (لما روي) في صحيح البخاري وغيه (أنّه كان محروسا) أي محفوظا عن أن يقع منه حدث في حال نومه (وأنّه كان ينام حتّى ينفخ) بضم الفاء (وحتّى يسمع) بصيغة المجهول (غطيطه) أي ترديد صوته الخارج
[ ٢ / ٢٧٦ ]
مع نفسه (ثمّ يصلّي ولا يتوضّأ) لعدم نقض وضوئه مع يقظة قلبه أو بناء على حراسة ربه أو لاختصاصه به (وحديث ابن عبّاس) في الصحيحين (المذكور فيه) أي في حديثه (وضوءه) أي وضوء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (عند قيامه من النّوم) مبتدأ خبره (فيه نومه مع أهله) أي ميمونة بنت الحارث خالة ابن عباس (فلا يمكن الاحتجاج به على وضوئه) أي على كون وضوئه (بمجرّد النّوم) مع أهله (إذ لعلّ ذلك) أي وضوءه هنالك (لملامسة الأهل) أي مساسه ويروى لملامسة أهله (أو لحدث آخر) أي وهذا أظهر إذ لم يثبت أنه ﵊ توضأ من لمس امرأة قط فتدبر أو للتجديد المفيد للتنشيط (فكيف) لا يكون وضوؤه بواحد مما ذكر (وفي آخر الحديث نفسه) أي المروي عن ابن عباس بعينه (ثمّ نام) أي ثانيا (حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى ولم يتوضّأ) أي اكتفاء بالوضوء الذي تقدم (وَقِيلَ لَا يَنَامُ قَلْبُهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يوحى إليه في النّوم) كغيره من الأنبياء فإنهم يوحى إليهم فيه قال تعالى إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ومن هنا أخطأ محيي الدين بن عربي حيث تأول على سيدنا إبراهيم الخليل وقال إنه أخطأ في التعبير والتأويل وإنه كان تأويل منامه أنه يذبح كبشا فحمل المنام على ظاهره وقصد ذبح ابنه كما بسطت هذا في محله (وليس في قصّة الوادي إلّا نوم عينيه عن رؤية الشّمس) أي وأثر طلوعها من الفجر في افق السماء (وليس هذا من فعل القلب) إذ قد يكون الشخص مستيقظا ولم يكن مطالعا لمطلع الشمس لا سيما إذا كان مغمضا عينيه خصوصا في بقاء القمر إلى آخر الليل وبعده وهذا إنما هو على الفرض والتقدير وإلا فقد صح أنه ﵊ كان حينئذ في استغراق المنام (وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم إنّ الله قبض أرواحنا) أي المدركة للأمور الظاهرة (وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هذا) وهو قبل هذا الوقت لإدراك الوقت ولكن أراد أن نعرف حكم فوت الوقت والحديث مقتبس من قوله تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (فَإِنْ قِيلَ فَلَوْلَا عَادَتُهُ مِنَ اسْتِغْرَاقِ النَّوْمِ لما قال لبلال اكلأ) بكسر همزة وصل في أوله وهمزة ساكنة في آخره أي احفظ (لَنَا الصُّبْحَ؛ فَقِيلَ فِي الْجَوَابِ إِنَّهُ كَانَ من شأنه صلى الله تعالى عليه وسلم التّغليس بالصّبح) لعله في الأسفار (ومراعاة أوّل الفجر) أي المختار وهو الاسفار وفي نسخة لمراعاة أول الفجر (فلا تصحّ ممّن نامت عينه) وكذا ممن استغرق في شهود ربه وعدم التفاته لغيره (إذ هو) أي الصبح (ظاهر) من الأمور (يدرك بالجوارح الظّاهرة) بل بالجارحة الباصرة وكأنه جمع لجميع العيون الحاضرة (فوكّل بلالا بمراعاة أوّله) حقيقة أو حكما (لِيُعْلِمَهُ بِذَلِكَ كَمَا لَوْ شُغِلَ بِشُغْلٍ غَيْرِ النّوم) من أي عمل كان (عن مراعاته) أي محافظة أوقاته وقد اغرب التلمساني في عبارته والمعنى ﵊ كان يؤخر الصلاة إلى وقت التغليس في الصبح. (فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى نَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم عن القول نسيت) أي في حديث لا يقولن أحدكم نسيت
[ ٢ / ٢٧٧ ]
آية كيت وكيت بل هو نسي بضم النون وتشديد المهملة (وقد قال صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نسيت) وفي رواية أنسيت (فذكّروني) رواه أبو حنيفة ﵀ في مسنده (وقال) أي في رواية أخرى (لقد أذكرني) أي فلان (كذا وكذا آية كنت أنسيتها) كذا في النسخ والمناسب للسؤال الوارد نسيتها ليرد الإشكال بين النهي عن نسبة النسيان إلى نفسه وبين إتيانه في لفظة فإنه تعارض بحسب ظاهره (فَاعْلَمْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ فِي هذه الألفاظ) أي عند المحققين من الحفاظ لما سبق من التنبيه على شيء من التوجيه وهو نسبة الفعل إلى الله تعالى حقيقة وإلى العبد مجازا فالأولى صرف القلب إلى فعل الرب وأيضا فعل النسيان من حيث إنه ظاهر في التقصير والنقصان مذموم بخلاف ما إذا أراد الله أمضاه وقدر عليه بأن أنساه إياه ولا يبعد أن يكون قوله انسيت بالنسبة إليه صلى الله تعالى عليه وسلم معناه أنسانيه الله لقوله تعالى فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وأما بالنسبة إلى غيره ﵊ فمعناه أنسانيه الشيطان كما قال يوشع وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ وكما قال ﷿ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ونتيجة الفرق أن ما يكون مذموما ينسب إلى الشيطان وما يكون محمودا ينسب إلى الرحمن ومجمله أن كل نسيان صدر عن تقصير وتوان فيكون بسبب إغواء الشيطان وكل ما يكون يعارض مرض أو كبر ونحوهما فهو بسبب اختيار الرحمن وأيضا من معاني النسيان الترك فلا ينبغي لمؤمن أن يقول تركت آية حيث يتوهم منه أن يكون قصدا ولا يراعي رعاية ومن جملة الأجوبة قوله؛ (أَمَّا نَهْيُهُ عَنْ أَنْ يُقَالَ نَسِيتُ آيَةَ كذا فمحمول على ما نسخ نقله) الظاهر كونه وفي نسخة حِفْظُهُ (مِنَ الْقُرْآنِ أَيْ إِنَّ الْغَفْلَةَ فِي هَذَا لَمْ تَكُنْ مِنْهُ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اضطرّه إليها) أي إلى نسيانها (ليمحو ما يشاء ويثبت) بالتشديد والتخفيف وهذا أحد معاني قوله تعالى فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أي أراد نسخة كما قضاه وأمضاه لكن هذا إنما يكون جوابا عن قوله ﵊ إني لا أنسى فلا يصلح أن يكون تأويلا لنهيه ﵊ للأمة أن يقال نسيت آية كذا فلا رابطة بين السؤال والجواب والله اعلم بالصواب (وَمَا كَانَ مِنْ سَهْوٍ أَوْ غَفْلَةٍ مِنْ قبله) أي من جانب العبد (تذكّرها) وكذا إذا لم يتذكرها (صلح) بضم اللام وفتحها أي صح (أن يقال فيه أنسى) بفتح الهمزة لا بضمها كما توهم الدلجي فبهذا الاعتبار ورد عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أني أنسى كما تنسون فلا تعارض أصلا وقطعا (وقد قيل) وفي الجواب عن إيراد السؤال المتضمن للإشكال وهو التعارض الظاهر في المقال (إنّ هذا) أي نسبة الإنساء إلى الله تعالى (منه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ أَنْ يُضِيفَ الفعل إلى خالقه) وهو الله تعالى إذ لا خالق له سواه (والآخر) وهو نسبة النسيان إلى نفسه (على طريق الجواز لاكتساب العبد فيه) أي بنوع تسبب وتقصير منه (وإسقاطه ﵊) مبتدأ (لما أسقط من هذه الآيات) حق العبارة لبعض الآيات وهي التي أذكره إياها بعض الأمة (جائز عليه) وليس من باب التقصير والسهو في التبليغ (بعد بلاغ ما أمر ببلاغه) أولا (وتوصيله إلى عباده) كاملا (ثمّ يستذكرها) يروى يستدركها (من أمّته) ثانيا (أو من قبل نفسه) استحضارا (إلّا ما قضى
[ ٢ / ٢٧٨ ]
الله نسخه) أي رفعه (ومحوه من القلوب) أي من قلبه ﵊ وقلب سائر الأنام (وترك استذكاره) في بقية الأيام فإنه من أنواع نسخ الكلام؛ (وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَنْسَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) بصيغة المفعول أو الفاعل (ما هذا سبيله) أي المحو بعد البلاغ (كرّة) أي بالمرة (وَيَجُوزُ أَنْ يُنَسِّيَهُ مِنْهُ قَبْلَ الْبَلَاغِ مَا لَا يُغَيِّرُ نَظْمًا وَلَا يُخَلِّطُ حُكْمًا مِمَّا لا يدخل خللا في الخبر) أي في مبناه أو معناه (ثمّ يذكّره إيّاه) كما يشير إليه قوله ﷾ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
وحاصله بيان عصمته عن أن يقع له خطأ في قراءته عند تبليغ أمته (وَيَسْتَحِيلُ دَوَامُ نِسْيَانِهِ لَهُ لَحِفْظِ اللَّهِ كِتَابَهُ) بقوله إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (وتكليفه) ويروى وتكفيله (بلاغه) بقوله يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ.
فصل (فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَجَازَ عَلَيْهِمُ الصَّغَائِرَ
وَالْكَلَامِ عَلَى مَا احْتَجُّوا بِهِ فِي ذَلِكَ) أي ما استدلوا به من الظواهر هنالك (اعْلَمْ أَنَّ الْمُجَوِّزِينَ لِلصَّغَائِرِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الفقهاء والمحدّثين ومن شايعهم) أي تابعهم كما في نسخة (على ذلك من المتكلّمين) كأبي جعفر الطبري وغيره (احتجّوا على ذلك) أي على تجويزها عليهم (بظواهر كثيرة من القرآن) أي القديم (والحديث) أي السنة (إن التزموا ظواهرها) من غير أن يأولوا أكثرها واتخذوها مذهبا وطريقة (أفضت بهم) أوصلتهم (إلى تجويز الكبائر) عليهم (وخرق الإجماع) أي وإلى مخالفتهم (وما لا يقول به مسلم) أي من تجويز الكبائر بعد البعثة عمدا فإنه لا يقول به إلا الحشوية (فكيف) يجوزون الصغائر عليهم (وَكُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ مِمَّا اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ في معناه) أي في تأويل مبناه (وتقابلت الاحتمالات) أو الاحتمالان (في مقتضاه) أي موجبه ومؤداه ومع وجود الاحتمال لا يصح الاستدلال (وجاءت أقاويل) جمع أقوال جمع قول أي أقوال كثيرة (في هذا المبحث) وفي نسخة فيها أي في هذه القضية (للسّلف) الصالحين من الصحابة والتابعين (بخلاف ما التزموه) أي بعض الخلف (من ذلك) أي من تجويز ما هنالك وفي نسخة في ذلك (فإذا لم يكن مذهبهم إجماعا) أي بجمع المسلمين (وكان الخلاف فيما احتجّوا به قديما) من أيام المتقدمين (وقامت الدّلالة) أي العقلية (على خطأ قولهم وصحّة غيره) أي غير مقالهم (وجب تركه) جواب إذا (والمصير إلى ما صحّ) دليله عقلا ونقلا على أن متابعة السلف أولى من موافقة الخلف (وها) تنبيه (نحن نأخذ) أي نشرع (في النّظر فيها) أي في التأويل والتفكر في الأدلة وما يترتب عليها من حكم المسألة (إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى لنبيّنا صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: ٢]) أي ما صدر منه جائزا وكان تركه أولى فغفر له بترك عتابه في مقام خطابه؛ (وقوله) تعالى (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [محمد: ١٩]) كتقصير في العبادة أو رؤية
[ ٢ / ٢٧٩ ]
الطاعة أو غفلة الساعة أو ملاحظة ما سواه في مقام أن تعبد الله كأنك تراه (وقوله) تعالى (وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ) أي ثقل أعباء الرسالة ومرارة وعثاء الكلفة (الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح: ٢- ٣]) أي كسره لولا أنه ﷾ هون عليه وسهل أمره لديه صلى الله تعالى عليه وسلم (وقوله) تعالى (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ) أي لو صدر ذنب منك (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة: ٤٣]) أي للمنافقين المتخلفين إعلاما بأن اذنه لهم كان من باب ترك الأولى كما بينه بقوله حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ودليل ذلك أنه ﷾ فوض الإذن إليه في مقامه هنالك حيث قال فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لبعض شأنهم فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ (وقوله) تعالى (لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ) أي حكم أزلي ظهر منه وهو (سَبَقَ) من أن الغنائم تحل لهذه الأمة (لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [الأنفال: ٦٨]) فهذه قضية فرضية لا يتفرع عليها نهي مسألة فرعية يترتب على تركها خصلة غير مرضية نعم ربما يقال كان الأولى انتظار الوحي الأعلى (وقوله) (عَبَسَ وَتَوَلَّى) أي كلح وجهه وتغير لونه (أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى [عبس: ١- ٢]) أي كراهة مجيئه في غير محله اللائق به ثم عدم التفاته ﵊ إليه لسؤاله منه قبل تمام الكلام من حضار مجلسه من الأنام (الآية) أي الآيات بعدها مما وقع فيه المعاتبة على اقباله ﵊ على عبادة الأصنام طمعا أن يدخلوا في الإسلام على اعراضه عمن جاءه ليستفيد منه بعض الأحكام لقوله وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى والأعمى هو عبد الله ابن أم مكتوم العامري شهد القادسية ومعه اللواء فقتل وقد هاجر إلى المدينة وكان مؤذنه ﵊ واستخلفه على المدينة ثلاث عشرة مرة وقيل مات بالمدينة (وما قصّ الله تعالى) أي حكى وفي نسخة ما نص أي ما صرح سبحانه (من قصص غيره) بفتح القاف أي حاية غيره وفي نسخة بكسرها أي حكايات غيره صلى الله تعالى عليه وسلم (من الأنبياء) عليهم الصلاة والسلام (كقوله وَعَصى آدَمُ أي خالف (رَبَّهُ) بأكل الشجرة نسيانا أو خطأ (فَغَوى [طه: ١٢١]) فضل عن المطلوب وزل عن المحبوب أو عن المنهي عنه أو عن طريق الرحمن حيث اغتر بقول الشيطان أو خاب حيث طلب الخلد بأكل الشجرة من حيث لم يوجد له الثمرة (وقوله) تعالى (فَلَمَّا آتاهُما) أي الله تعالى اعطاهما (صالِحًا) أي ولدا سويا (جَعَلا) أي آدم وحواء (لَهُ) أي له ﷾ (شُرَكاءَ) وفي قراءة شريكا حيث سمياه عبد الحارث ولم يدريا ما الحارث وهو اسم للشيطان وقد وسوس لحواء حين حملت بأنه ما يدريك لعله بهيمة أو كلب وأني من الله بمنزلة فأن دعوت الله أن يجعله خلفا مثلك فسميه عبد الحارث وكان اسمه حارثا في الملكية (الآية) أي فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ وهذا ليس بشرك حقيقي لأنهما ما اعتقدا أن الحارث ربه بل قصدا أنه سبب صلاحه فسماه الله شركا للتغليظ فإن الذنب من العارفين المقربين أشد وأعظم والله اعلم ويكون لفظ شركاء من
[ ٢ / ٢٨٠ ]
اطلاق الجمع على الواحد ويقال إنهما لما فعلا ذلك اقتدى بهما بعض الناس فيما هنالك فسموا أولادهم عبد شمس ونحوه كما في الجاهلية وكعبد النبي في الإسلامية (وقوله) تعالى (عنه) أي حكاية عن آدم وحواء ﵉ (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف: ٢٣]) بوضع الشيء في غيره موضعه الأولى (الآية) أي وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ أي الخائبين الضائعين في الدنيا والآخرة إذ لا يستغني أحد عن مغفرة ربه لنوع تقصير في حقه قال تعالى كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (وقوله) تعالى (عن يونس) أي حكاية (سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: ٨٧]) أي ولو في غفلة ساعة أو تقصير طاعة (وما ذكره من قصّة) أي يونس كما سبق (وقصة داود) كما سيأتي، (وقوله) تعالى (وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ) أي ابتليناه (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ [ص: ٢٥]) أي سقط حال كونه راكعا إلى السجدة شكرا للمغفرة أو عذرا للتقصير في الغفلة (وأناب) أي رجع من الغفلة إلى الحضرة فإن الانابة أخص من التوبة فإنها من المعصية (إلى قوله مَآبٍ) حيث جبر خاطره بقوله فَغَفَرْنا لَهُ ذلك ما كان في صورة الذنب هنالك وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى لقربة في الباب وَحُسْنَ مَآبٍ مرجع إلى الجناب (وقوله) تعالى (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) أي هم الشهوة (وَهَمَّ بِها [يوسف: ٢٤]) أي هم الخطرة (وما قصّ من قصّته مع إخوته) فيوسف ثابت نسبة نبوته ومنزه ساحته ببراءته وأما ما سبق من أمور إخوته فسيأتي بعض أجوبته، (وقوله) تعالى (عن موسى: فَوَكَزَهُ مُوسى) أي ضربه بجمعه دفعا له عن ظلمه من غير قصد لقتله (فَقَضى عَلَيْهِ) أي مات لديه (قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ) نسب إليه لأنه لم يكن أمر بضربه نزل عليه على أن الصحيح أنه كان قبل النبوة (وقول النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ما قدّمت) أي من التقصير في العبودية (وما أخّرت) أي الطاعة عن الأوقات الأولوية (وما أسررت) من الخواطر النفسانية (وما أعلنت) أي من العوارض الإنسانية (ونحوه من أدعيته ﵊) من إظهار التواضع والخضوع والخشوع والمسكنة وبيان المهابة والخشية تعليما للأمة وتكميلا للمرتبة ورفعة الدرجة (وذكر الأنبياء) بالرفع أي وذكر الله تعالى الأنبياء أو بالجر أي ومن ذكر الأنبياء (في الموقف) أي القيامة (ذنوبهم) خوفا من ربهم (في حديث الشّفاعة) لمشاهدة الأهوال ومطالعة الأحوال الدالة على كمال غضب ذي الجمال والكبرياء فعدوا تقصيراتهم سيئات وخافوا عليها من التبعات، (وقوله إنّه) أي الشأن (ليغان على قلبي) أي فيحجب عن ربي (فأستغفر الله) من ذنبي على ما تقدم (وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) أي لأطلب مغفرة الذنوب وستر العيوب (وأتوب إليه) أي ارجع عن ملاحظة اسرار الخلق إلى مطالعة أنوار الحق (في اليوم) الواحد (أكثر من سبعين مرّة) لأنه ﵊ كان بوصف الكائن البائن القريب الغريب العرشي الفرشي (وَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي [هود: ٤٧] الآية) أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ومن الذي يستغني عن مغفرة الله تعالى ورحمته ولو كان في أعلى مراتب نبوته
[ ٢ / ٢٨١ ]
ومناقب رسالته، (وقد كان) أي نوح قبل ذلك (قَالَ اللَّهُ لَهُ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي كفروا (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [هود: ٣٧]) وقد خاطبه نوح في ابنه فعاتبه ربه في أمره (وَقَالَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي) أي خطاي أو ما كان من عمد في صورة ذنب لي (يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء: ٨٢]) أي الجزاء وفصل القضاء (وقوله عن موسى تُبْتُ إِلَيْكَ [الأعراف: ١٤٣]) أي رجعت عن سؤالي بعد ما أظهرت لك حالي وطلبت منك مآلي من منالي (وقوله وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ [ص: ٣٤]) أي ابتليناه بالجهاد الدنيوي أولا وألقينا على كرسيه جسدا خاويا ثانيا (إلى ما أشبه هذه الظّواهر) مع أمثاله من الآيات والروايات؛ (قال القاضي رحمه الله تعالى) يعني المصنف (فأمّا احتجاجهم) أي استدلال المجوزين للصغائر على الأنبياء (بِقَوْلِهِ: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: ١] فهذا) الكلام المكنون (قد اختلف فيه المفسّرون) أي في تدقيق مبناه وتحقيق معناه؛ (فَقِيلَ الْمُرَادُ مَا كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا) من الحالة المجملة المحتملة فلا يكون فيه دليل على المسألة، (وَقِيلَ الْمُرَادُ مَا وَقَعَ لَكَ مِنْ ذَنْبٍ) سابقا (وما لم يقع) لا حقا (أعلمه أنّه مغفور له) حقا، (وَقِيلَ الْمُتَقَدِّمُ مَا كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَالْمُتَأَخِّرُ عصمتك بعدها) والمعنى ليغفر لك الله ما تقدم بمحو السيئة وما تأخر ببركة حراسة العصمة؛ (حَكَاهُ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ) أي بخطابه لك ومن ذنبك (أمّته ﵊) على حذف مضاف (وَقِيلَ الْمُرَادُ مَا كَانَ عَنْ سَهْوٍ وَغَفْلَةٍ وتأويل) وقع فيه زلة وهذا أحسن ما قيل في هذه المسألة؛ (حكاه الطّبريّ) وهو محمد بن جرير (واختاره القشيريّ) وهو عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك إمام الشريعة والحقيقة وصاحب الرسالة في الطريقة؛ (وَقِيلَ مَا تَقَدَّمَ لِأَبِيكَ آدَمَ وَمَا تَأَخَّرَ من ذنوب أمّتك) على أن الإضافة لأدنى الملابسة ولك معناه لأجلك، (حكاه السّمرقنديّ) وهو الفقيه الإمام أبو الليث من أكابر الحنفية (والسّلميّ) بضم السين وفتح اللام هو أبو عبد الرحمن الصوفي صاحب طبقات الصوفية ومؤلف التفسير في التصوف (عن ابن عطاء وبمثله والّذي قبله) أي وبمثل وهذا التأويل والتأويل الذي تقدم قَبْلَهُ (يُتَأَوَّلُ قَوْلُهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [مُحَمَّدٍ: ١٩] قَالَ مَكِّيٌّ مُخَاطَبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم ههنا هي مخاطبة لأمّته) لأدنى الملابسة في إضافة أو بحذف مضاف عن مرتبته، (وقيل إنّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أُمِرَ أَنْ يَقُولَ: وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [الْأَحْقَافِ: ٩]) أي تفصيلا لحالي وحالكم (سرّ) بضم السين وتشديد الراء أي فرح (بِذَلِكَ الْكُفَّارُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: ١] الآية) أي ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا (وبما للمؤمنين) وفي نسخة وبمآل المؤمنين بهمزة ممدودة قبل اللام أي بما يؤولون إليه (في الآية الأخرى بعدها) أي بعد الآية الأولى، (قاله ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما) فالآية الأولى قَوْلِهِ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ والآية الأخرى التي أشار إليها هي قوله تعالى لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ إلى آخرها وهما على هذا
[ ٢ / ٢٨٢ ]
التأويل جواب لقوله وما أدري ما يفعل بنا ولا بكم وذلك لما نزلت وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ أدري ما فرح المشركون وقالوا واللات والعزى ما أمرنا وأمر محمد عند الله إلا واحد وما له علينا مزية زائدة ولولا أنه ابتدع ما يقوله من تلقاء نفسه لأخبره الذي بعثه بما يفعل به فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ الآية فقالت الصحابة هنيئا لك يا رسول الله قد علمنا ما يفعل الله بك فماذا يفعل فأنزل الله تعالى لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ الآيات، (فمقصد الآية) بكسر الصاد أي مرادها (إِنَّكَ مَغْفُورٌ لَكَ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِذَنْبٍ أَنْ لو كان) أي حقيقة أو حكما، (قال بعضهم المغفرة ههنا) أي في هذه الآية (تبرئة من العيوب) وتنزيه من الذنوب لأن أصلها الستر فهو كالعصمة في معنى الستر من الحجاب والمنع عن الوزر (وأمّا قوله: وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ رددنه الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [الشَّرْحِ: ٢- ٣] فَقِيلَ مَا سَلَفَ مِنْ ذَنْبِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زيد) أي ابن اسلم (والحسن) أي البصري (ومعنى قول قتادة) أي ابن دعامة؛ (وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ حُفِظَ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ مِنْهَا) أي من الذنوب (وعصم) بصيغة المجهول فيهما؛ (ولولا ذلك) أي ما ذكر من الحفظ والعصمة (لأثقلت ظهرك) وفي نسخة ظهره، (حكى معناه السّمرقنديّ) أي أبو الليث، (وقيل المراد بذلك ما) أي الذي (أثقل ظهره من أعباء الرّسالة) بفتح الهمزة أي أثقالها وتحمل أحمالها وتصبر أحوالها (حتّى بلّغها) إلى أهلها، (حكاه الماورديّ والسّلميّ؛ وقيل) أراد (حططنا) أي وضعنا أو رفعنا (عنك ثقل أيّام الجاهليّة) أي اثقال آثامهم ومشاهدة أعلامهم المنكرة في الشرائع الإسلامية، (حكاه مكّيّ، وقيل ثقل شغل سرّك) أي خاطرك (وحيرتك) أي تحيرك في باطنك وظاهرك (وطلب شريعتك) وفق طريقتك (حتّى شرعنا ذلك لك) بحسب حقيقة ما هنالك، (حكى معناه القشيريّ) أي في تفسيره، (وقيل معناه) وفي نسخة المعنى (خفّفنا) بالتشديد (عليك) وفي نسخة عنك (ما حمّلت) بضم مهملة فتشديد ميم مكسورة أي كلفت حمله (بحفظنا) أي لك (لما) بكسر اللام وتخفيف الميم أو بالفتح والتشديد (استحفظت) بصيغة المجهول أي استرعيت (وحفظ عليك) أي أمرك لديك، (معنى أنقض ظهرك أي كاد ينقضه) أي قارب ولم ينقض فهو من باب مجاز المشارفة (فيكون المعنى) أي معنى الانقاض (على من جعل ذلك) أي عند من جعل ذلك الوزر (لِمَا قَبْلَ النُّبُوَّةِ اهْتِمَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم بأمور فعلها قبل النّبوّة وحرّمت عليه بعد النّبوّة فعدّها) أي تلك الأمور (أوزارا وثقلت عليه) ويروى وثقلت واثقلت (وأشفق منها) أي خاف من غاية خشيته من الله وتصور عظمته، (أَوْ يَكُونُ الْوَضْعُ عِصْمَةَ اللَّهِ لَهُ وَكِفَايَتَهُ) أي حمايته (من ذنوب لو كانت) أي فرضا وتقديرا (لأنقضت ظهره) وشغلت فكره وشتتت أمره، (أو يكون) أي الوضع (من ثقل الرّسالة) أي بأدائها إلى الأمة وخلاصه عن الكفالة (أو ما ثقل عليه) أي أمره (وَشَغَلَ قَلْبَهُ مِنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ وَإِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِحِفْظِ مَا اسْتَحْفَظَهُ مِنْ وَحْيِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التَّوْبَةِ: ٤٣] فَأَمْرٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه
[ ٢ / ٢٨٣ ]
وَسَلَّمَ فِيهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى نَهْيٌ فَيُعَدُّ) بالنصب أي حتى يعد مخالفته (سيئة ولا عدّه الله تعالى عليه معصية) حيث أذن له بقوله فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ (بل لم يعدّه) بفتح الدال المشددة وضمها (أهل العلم معاتبة) على أنه فعل خلاف الأولى كما هو ظاهر قوله تعالى حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (وغلّطوا) بتشديد اللام وبالطاء المهملة أي ونسبوا إلى الغلط في معنى الآية (من ذهب إلى ذلك) أي على خلاف ما هنالك؛ (قال نفطويه) بكسر نون وسكون فاء وفتح مهملة وواو مفتوحة وتحتية ساكنة وهاء مكسورة (وقد حاشاه الله تعالى) أي نزهه (من ذلك) العتاب (بل كان مخيّرا في أمرين) كما في الكتاب (قَالُوا وَقَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا شاء فيما لم ينزل عليه) بالبناء للفاعل أو المفعول (فيه وحيّ) مشتمل على نهي (فكيف وقد قال الله تعالى) أي له كما في نسخة (فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ [النُّورِ: ٦٢] فَلَمَّا أَذِنَ لهم) أي لبعضهم وهم المنافقون بناء على ظنه أنهم مؤمنون وكان الإذن مختصا بالمؤمنين لقوله تعالى وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ لأن الله تعالى لم يأمره بالاستغفار للمنافقين (أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِمَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ مِنْ سرّهم) أي باطنهم يقينا (أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ لَقَعَدُوا وَأَنَّهُ لا حرج) أي لا أثم ولا تبعة (عليه فيما فعل) أي من الأذن لهم (وليس عَفَا [التوبة: ٤٣] ههنا بِمَعْنَى غَفَرَ بَلْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَفَا اللَّهُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الخيل والرّقيق ولم تجب عليهم قطّ) جملة حالية (أي لم يلزمكم ذلك) من الإلزام الشرعي هنالك، (ونحوه للقشيريّ) في تفسيره، (قال) أي القشيري (وَإِنَّمَا يَقُولُ الْعَفْوُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ ذنب) بطريق الحصر (من لم يعرف كلام العرب) أي مستوفيا، (قال ومعنى) ويروى معناه (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ أَيْ لَمْ يُلْزِمْكَ ذَنْبًا) أي وضع عنك شيئا لو لم يضعه لكان ذنبا (قال الدّاوديّ روي أنها تكرمة) أي في أول الكلام كالتقدمة ويوروى أنها كانت تكرمة؛ (قال مكّيّ هو استفتاح كلام) لمن يكون من أهل اكرام (مثل أصلحك الله وأعزّك الله) خطابا للملوك أو الأمراء أو سائر العظماء، (وحكى السّمرقنديّ أنّ معناه عافاك الله) من المعافاة وفيه نكتة خفية صوفية أي عافاك عنك وخلصك منك حتى تكون بكليتك لنا وبنا وآخذا عنا وآمنا منا ممتعا بما تتمنى من غير أن تتعنى؛ (وأمّا قوله في أسارى بدر ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى [الأنفال: ٦٧] الآيتين) يعنى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ روي أنه لما كان يوم بدر جيء بالأسارى فقال ﵊ ما تقولون في هؤلاء فقال أبو بكر يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستأن بهم لعل الله أن يتوب عليهم وخذ منهم فداء يكون لنا قوة على الكفار وقال عمر يا رسول الله كذبوك وأخرجوك قدمهم لضرب اعناقهم فسكت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم قال إن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال تعالى فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ومثلك يا عمر مثل نوح قالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا قال عمر فهوى رسول الله
[ ٢ / ٢٨٤ ]
صلى الله تعالى عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت فلما كان الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأبو بكر يبكيان فقلت يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت فقال أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة أشار لشجرة قريبة منه وأنزل الله تعالى ما كانَ لِنَبِيٍّ الآية وقوله أَسْرى جمع أسير مثل قتلى وقتيل وقوله حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ أي يبالغ في قتل المشركين ذكره البغوي وحاصل القضية أن الصديق كان مظهر الجمال كإبراهيم وعيسى ﵉ في قوله إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ والفاروق كان مظهر الجلال كنوح وموسى ﵉ في قوله رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وكان نبينا محمد ﵊ مظهر الكمال إلا أنه يغلب عليه الجمال فلهذا مال إلى قول الصديق وعلى طبقه أيضا نزل القرآن على التحقيق وفي قوله ﷾ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ إيماء إلى قوله في الحديث القدسي والكلام الأنسي سبقت رحمتي غضبي وفي رواية غلبت والله ولي التوفيق فإذا عرفت ما تقدم (فليس فيه إلزام) ويروى فليس دليل الزام (ذنب للنبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ فِيهِ بَيَانُ مَا خُصَّ به) من كريم الشيم (وفضّل من بين سائر الأنبياء) وأمته من بين سائر الأمم (فكأنّه قال) تعظيما له وامتنانا وتكريما (ما كان هذا لنبيّ غيرك) لكمال فضلك أو رفعة قدرك وطولك (كما قال ﵊ أُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِنَبِيٍّ قَبْلِي) روي لم تحل بضم التاء وفتح الحاء على بناء المجهول وبفتح التاء وكسر الحاء على بناء الفاعل والأولى لمناسبة أحلت هي الأولى (فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا [الأنفال: ٦٧]) أي تختارونه (الآية) أي وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ أي يختارها لكم والله عزيز غالب على أمره حكيم في قضائه وقدره وحكمه (قيل المعنى) بكسر النون وتشديد الياء أي المقصود (بالخطاب) والمراد بالعتاب (من أراد) ويروى المعنى بفتح النون بالخطاب لمن أراد (ذلك منهم) أي من الأصحاب لا لعزة قوة أهل الإسلام في هذا الباب (وتجرّد غرضه لغرض الدّنيا) الذي في صدد الزوال (وحده) أي لا يريد غيره (والاستكثار منها) لنفسه وهم بعض ضعفاء المؤمنين ومع هذا إنما كانوا أرادوا الدنيا ليستعينوا بها على العقبى لكنه مقام أدنى بالإضافة إلى تارك الدنيا كما قال عيسى ﵇ يا طالب الدنيا لتبر بها وتركك الدنيا أبر (وليس المراد بهذا) الخطاب المشتمل على العتاب (النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ولا علية أصحابه) بكسر العين المهملة وسكون اللام وفتح التحتية جمع على مثل صبي وصبية أي اشرافهم ورؤساءهم ومن هنا قال ابن مسعود ولم أكن أظن أحدا من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يحب الدنيا حتى نزل قوله تعالى مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ولما سمع الشبلي رحمه الله تعالى قال آه فأين من يريد الله وأجيب عنه بلسان العبارة أن من يريد الآخرة هو من يريد الله لقوله تعالى وَاللَّهُ يُرِيدُ
[ ٢ / ٢٨٥ ]
الْآخِرَةَ وببيان الإشارة فكأنه ﷾ يقول إن من يريد الله فهو ليس منكم بل منا في دنياه وعقباه ومستغرق فينافي مقام الإحسان المعبر عنه بأن تعبد الله تعالى كأنك تراه مشتغلا بمولاه ﷿ معرضا عما سواه فانيا عن غيرنا باقيا بنا لا ينظر إلى دنيا ولا إلى آخرة وهذا معنى قول بعضهم الدنيا حرام على أهل الآخرة والآخرة حرام على اهل الدنيا وهما حرامان على أهل الله وهذا محمل قوله ﵊ أكثر أهل الجنة البله وعليون لأولي الألباب والله تعالى أعلم بالصواب، (بَلْ قَدْ رُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّهَا نَزَلَتْ حِينَ انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ وَاشْتَغَلَ النَّاسُ بالسّلب) بفتحتين وهو ما على القتيل من السلاح والثوب (وجمع الغنائم عن القتال) أي معرضين عنه في ذلك الحال مخالفين لما كان عليه أرباب الكمال من عدم التفاتهم إلى جمع المال (حتّى خشي عمر أن يعطف) بكسر الطاء أي يكر (عليهم العدوّ) ويغلبهم (ثمّ قال تعالى: لَوْلا كِتابٌ) أي مكتوب في اللوح المحفوظ أو حكم في القضاء الملحوظ (مِنَ اللَّهِ سَبَقَ [الأنفال: ٦٨]) أي في القدر وتحقق الأمر بالأثر (واختلف) وفي نسخة فَاخْتَلَفَ (الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ فَقِيلَ: مَعْنَاهَا لولا أنّه سبق منّي) أي في الأزل (أني) وفي نسخة أَنْ (لَا أُعِذِّبَ أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ النَّهْيِ لعذّبتكم؛ فهذا) تعليق بالفرض والتقدير (ينفي) وفي نسخة فهذا كله ينفي (أن يكون أمر الأسرى معصية) أي في مقام التحقيق والتقرير؛ (وَقِيلَ الْمَعْنَى: لَوْلَا إِيمَانُكُمْ بِالْقُرْآنِ وَهُوَ الْكِتَابُ السّابق) أي القديم أو المقدم رتبة على غيره من الكتاب اللاحق (فاستوجبتم به الصّفح) أي الاعراض والعفو عن اختياركم الاعراض (لعوقبتم على الغنائم) أي أخذها في جميع الأحوال أو قبل الفراغ من تكميل القتال فيكون تقدير الآية بحسب الإعراب لولا إيمان كتاب عظيم الشأن سبق لكم فيما مضى من الزمان لمسكم في المستقبل لأجل ما أخذتم من الغنائم الدنيوية عذاب عظيم مشتمل على الأهوال الأخروية؛ (ويزاد هذا القول تفسيرا وبيانا) أي تعبيرا وبرهانا (بأن يقال لولا) وفي نسخة لوما وفي أخرى لَوْلَا مَا (كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِالْقُرْآنِ وَكُنْتُمْ مِمَّنْ أحلّت لهم الغنائم) في مستقبل الزمان (لعوقبتم كما عوقب من تعدّى) أي تجاوز عن الحد في العصيان؛ (وقيل) أي معنى الآية (لَوْلَا أَنَّهُ سَبَقَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَنَّهَا) أي الغنائم (حَلَالٌ لَكُمْ لَعُوقِبْتُمْ؛ فَهَذَا كُلُّهُ يَنْفِي الذَّنْبَ والمعصية) من غير شك وشبهة (لأنّ من فعل ما أحلّ لم يعص) فيما فعله، (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا [الأنفال: ٦٩]) أي خالصا (وقيل بل كان ﵊ قد خيّر في ذلك) أي بين القتل وأخذ الفداء وأنه ﵊ كان من عادته أن يختار أيسر الأمرين ويستشير أصحابه في اختيار أحد الحكمين فشاور الشيخين ومال إلى رأي أفضلهما في الحال وأجملهما في المقال وكان أمر الله قدرا مقدورا في الآزال فحسن الأحوال وزان الآمال في المآل، (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ خَيِّرْ أَصْحَابَكَ في الأسارى إن شاؤوا القتل) أي قتل الكفار فيها (وإن شاؤوا الفداء) فيكون
[ ٢ / ٢٨٦ ]
(عَلَى أَنْ يُقْتُلَ مِنْهُمْ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ) أي في السنة الآتية من غزوة أحد (مثلهم) أي في عددهم؛ (فقالوا) أي جمهورهم ومنهم الصديق (الفداء) بالرفع أي مختارنا أو بالنصب أي نختار الفداء (ويقتل منّا) عدتهم ونكون شهداء فقتل منهم يوم أحد سبعون عدد أسارى بدر قال بعض الفضلاء هذا الحديث مشكل جدا لمخالفته ما يدل عليه ظاهر التنزيل ولما صح من الأحاديث في أمر أسارى بدر أن أخذ الفداء كان رأيا رأوه فعوتبوا ولو كان هنالك تخيير بوحي سماوي لم تتوجه المعاتبة عليهم وقد أنزل الله تعالى إليهم ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى إلى قوله عَذابٌ عَظِيمٌ وأجيب بأنه لا منافاة بين الحديث والآية وذلك أن التخيير في الحديث وارد على سبيل الاختبار والامتحان ولله أن يمتحن عباده بما شاء ولعله سبحانه امتحن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه بين أمرين القتل والفداء وأنزل جبريل ﵊ بذلك هل هم يختارون ما فيه رضى الله تعالى من قتل الأعداء أو يؤثرون الأعراض العاجلة من قبول الداء فلما اختاروا الثانية عوتبوا على ذلك والله ﷾ اعلم بما هنالك والأظهر في الجواب والله اعلم بالصواب أن يقال إنه ﵊ شاور أولا بعض أصحابه الكرام فاختاروا الفداء ووافقهم أيضا في ذلك المرام فعوتبوا في ذلك المقام ثم خيروا بين أحد الأمرين من البلاء وهو قتل الاعتداء من الاحياء أو اختيار الفداء وكون سبعين منهم يصيرون شهداء فاختاروا ما جرى به القلم ومضى به القضاء، (وهذا دليل على صحّة ما قلنا) أي وقوة ما قدمناه (وَأَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا إِلَّا مَا أُذِنَ لَهُمْ فيه لكن بعضهم مال إلى أضعف الوجهين) أي في نفس الأمر وإن كان هو أقواهما في رأيه (ممّا كان الأصلح غيره) أي عند غيره (من الإثخان) وهو تكثير القتل في العدو (والقتل) كالتفسير لما قبله (فعوتبوا على ذلك) أي اختيار الأضعف فيما هنالك حيث أخطأوا في الاجتهاد وأصاب بعضهم في هذا الباب حين وافق رأيه فصل الخطاب كعمر بن الخطاب (وبيّن لهم) بصيغة المفعول (ضعف اختيارهم) أي الأولين (وتصويب اختيار غيرهم) أي الآخرين (وكلّهم غير عصاة ولا مذنبين) لكونهم مجتهدين في أمر الدين (وإلى نحو هذا) التأويل (أشار الطّبريّ، وقوله ﵊) مبتدأ في الكلام (في هذه القضيّة) وفي نسخة في هذه القصة (لَوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَذَابٌ مَا نَجَا منه إلّا عمر) أي ومن تبعه في هذا الأمر المقرر (إشارة إلى هذا) هذا هو الخبر وفي نسخة أشار إلى هذا (من تصويب رأيه) أي رأي عمر (وَرَأْيِ مَنْ أَخَذَ بِمَأْخَذِهِ فِي إِعْزَازِ الدِّينِ وإظهار كلمته وإبادة عدوّه) أي افنائهم واهلاكهم من أصله وذلك لما ورد في حقه من دعاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم اللهم أعز الإسلام بعمر كما ورد في بعض الخبر (وأنّ هذه القضيّة لو استوجبت عذابا) أي بالفرض والتقدير (نجا منه عمر ومثله) أي ومن قال بمثل قوله (وعيّن عمر) في الخبر (لأنّه أوّل من أشار بقتلهم) وتبعه بعض الصحابة في الأثر (وَلَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يُقَدِّرْ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ عذابا) أي نازلا يتحقق (لِحِلِّهِ لَهُمْ فِيمَا سَبَقَ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ وَالْخَبَرُ بهذا) أي
[ ٢ / ٢٨٧ ]
التخيير (لا يثبت) الأولى لم يثبت، (ولو ثبت) أي فرضا (لما جاز أن يظنّ) بصيغة المجهول أي يظن أحد (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ بِمَا لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا دَلِيلَ مِنْ نَصٍّ وَلَا جُعِلَ الْأَمْرُ فِيهِ إِلَيْهِ وَقَدْ نَزَّهَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذلك) وكأنه خالف جمهور العلماء الأعلام فيما قرروا أن له ﵊ أن يجتهد في الأحكام بل وقد فوض إليه كثير من أحكام الإسلام أو المعنى أنه ﵊ ما جعل له فعل ذلك من تلقاء نفسه مستبدا برأيه من غير تأويل في أمره؛ (وقال القاضي بكر بن العلاء) أي المالكي (أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أنّ تأويله) أي ما اختاره من الأشياء (وَافَقَ مَا كَتَبَهُ لَهُ مِنْ إِحْلَالِ الْغَنَائِمِ والفداء وقد كان) أي وقع (قبل هذا فادوا) فعل ماض من المفاداة أي فدا بعض أصحابه (فِي سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ الَّتِي قتل فيها ابن الحضرميّ) أخوه العلاء من أكابر الصحابة (بالحكم بن كيسان) بفتح الكاف وسكون التحتية فمهملة مولى هشام بن المغيرة المخزومي (وصاحبه) وهو عثمان بن عبد الله أسر ومات كافرا (فما عتب الله ذلك عليهم) اعلم أن عبد الله بن جحش بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة فشين معجمة هو ابن عمة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعثه ﵊ في جمادى الآخرة في السنة الثانية من الهجرة قبل بدر بشهر ليترصد عير قريش وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد وهم سعد بن أبي وقاص وعكاشة بن محصن وعتبة بن غزوان وأبو حذيفة بن عتبة وسهيل ابن بيضاء وعامر بن ربيعة وواقد بن عبد الله وخالد بن بكير وقيل إن هذه السرية كانت أكثر من ذلك قال ابن سعد بعث عبد الله بن جحش في اثني عشر رجلا من المهاجرين انتهى وفي هذه السرية سمي عبد الله بن جحش أمير المؤمنين فساروا على بركة الله حتى نزلوا بطن نخلة بين مكة والطائف فمرت عير لقريش تحمل تجارة من الطائف فيها عمرو بن عبد الله الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله ونوفل بن عبد الله فرمى واقد بن عبد الله عمر بن الحضرمي فقتله فكان أول قتيل من المشركين واستأسروا الحكم وعثمان وكانا أول أسيرين في الإسلام وأفلت نوفل فأعجزهم فاستاقوا العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأسلم الحكم بن كيسان وأقام بالمدينة وحسن إسلامه فقتل يوم بئر معونة وصاحبه عثمان بن عبد الله رجع إلى مكة ومات بها كافرا كذا ذكره التلمساني وليس فيه ما يدل على فداء على أنه لو ثبت فهذا فداء كافر بمسلم وما نحن فيه فداء كافر بمال فلا يستويان في مآل ثم رأيته ذكر في محل آخر أن الحكم بن كيسان كان ممن أسر في سراية عبد الله بن جحش حين قتل واقد اليميمي عمرا بن الحضرمي أسره المقداد قال فأراد أميرنا ضرب عنقه فقلت له دعه نقدم به على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقدمنا به على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه انتهى وهذا كما ترى ليس فيه ذكر فداء لا بمال ولا بغيره وإنما هو تأخير أمره إلى حكم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في حقه وقد صرح
[ ٢ / ٢٨٨ ]
الحجازي بأن الباء في بالحكم تتعلق بفادوا لا بقتل فإن الحكم أسلم وصاحبه لحق بمكة ومات بها كافرا والله ﷾ اعلم (وذلك قبل بدر بأزيد من عام) بل كانا في سنة واحدة فإن تلك في رجب في السنة الثانية وبدر في رمضان فيكون قبل بدر بشهر (فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَأْنِ الْأَسْرَى كَانَ عَلَى تأويل وبصيرة) أي اجتهاد صادر عن فكرة (وعلى ما تقدّم قبل) مبني على الضم وقوله (مثله) مرفوع فاعل تقدم (فَلَمْ يُنْكِرْهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ لَكِنَّ اللَّهَ تعالى أراد لعظم أمر بدر) ويروى لعظيم أمر بدر (وكثرة أسراها) أي أسراها) (والله أعلم) جملة معترضة بين الفعل ومفعوله أعني (إظهار نعمته وتأكيد منّته بتعريفهم) ويروى بتعريف (مَا كَتَبَهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مِنْ حِلِّ ذلك لهم لا على وجه عتاب) فضلا عن طريق عقاب (وإنكار وتذنيب) أي نسبة إلى ذنب، (هذا معنى كلامه) أي كلام بكر بن العلاء وتمام مرامه؛ (وأمّا قوله عَبَسَ) أي بوجهه (وَتَوَلَّى [عبس: ١]) أعرض بخده (الآيات) كما قدمناها (فليس فيه إثبات ذنب له ﵊) أي يستحق به الملام (بل إعلام الله تعالى) أي له في ذلك المقام (أنّ ذلك المتصدّي له) بصيغة المجهول أي المتعرض له بالتوجه والإقبال (ممّن لا يتزكّى) أي لا يتطهر من الشرك في الاستقبال وأن الاشتغال به من جملة تضييع الأحوال وهذا معنى قوله وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أي الأعمى أو يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى أن تتعرض وعليك ألا يزكى أي إن لم يؤمن فما عليك ألا البلاغ وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى أي الله تعالى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى أي تتلهى وتتشاغل عنه وتعرض عن التوجه إليه والإقبال عليه (وأن الصّواب) في هذا الباب (والأولى) بالنسبة إلى حاله الأعلى (كان لو كشف) وفي نسخة ما لو كشف أي بين وظهر (لك) وفي نسخة له (حال الرّجلين) من الأعمى في الظواهر والبصير في السرائر ومن عكسه وهو البصير صورة والأعمى سيرة بل هو الأعمى حقيقة فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ومنه قوله تعالى وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وقوله وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (لاختار الإقبال على الأعمى) والاعراض عن الآخر من أهل الدنيا إلا أنه ﵊ لحرصه على إيمان الأنام أدى اجتهاده إلى أن التفاته إليه يكون سببا لإيمانه بما أنزل عليه (وفعل النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لما فعل) أي هنالك (وتصدّيه) أي تعرضه وإقباله (لذاك الكافر) لكونه من الأكابر وإيمانه باعث لقومه من الأصاغر (كان طاعة لله وتبليغا عنه) في مقام رضاه (واستئلافا له) أي طلب ألفة حين آواه (كما شرعه الله له) فيما قضاه (لا معصية ومخالفة له) في مؤداه (وما قصّه الله عليه) أي حكاه (من ذلك إعلام بحال الرّجلين) أي المؤمن والكافر أو الصالح والفاجر أو الفقير الصابر والغني المكابر مثلا (وتوهين أمر الكافر عنده) أي جنسه وفي نسخة أمر الكافر (والإشارة) الأولى وإشارة (إلى الإعراض عنه بقوله وَما عَلَيْكَ) أي ضرر (أَلَّا يَزَّكَّى) بعد ما بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وبلغت النصيحة بقدر الطاقة (وقيل أراد) ويروى المراد (بعبس وتولّى) أي بضميره (الْكَافِرَ الَّذِي كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم قاله أبو تمّام) بتشديد الميم الأولى هو علي ابن محمد بن أحمد البصري من أصحاب الأبهري وكان حسن الكلام قيل إن أباه كان نصرانيا له كتاب الحماسة ومجموع سماه فحول الشعراء نشأ بمصر وقيل كان يسقي الماء بالجرة في جامع مصر توفي بالموصل سنة إحدى وثلاثين ومائتين وهذا التأويل مخالف لظاهر التنزيل بل كان في مقام النزاع أن يكون مخالفا للإجماع قال أبو محمد بن عبد السلام في تفسيره الصغير الأعمى عبد الله ابن أم مكتوم وكان ضريرا أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يستقرئه ويقول علمني مما علمك الله فجعل يناديه ويكرر النداء وهو لا يعلم تشاغله عنه فكره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قطعه لكلامه فعبس وأقبل على العباس وأمية وجاآ ليسلما وفي تفسير البغوي أن ابن أم مكتوم أتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب وأبي بن خلف وأخاه أمية فعلى هذا يكون ال في الكافر للجنس روي أنه ﵊ كان بعده يكرمه ويقول إذا رآه مرحبا بمن عاتبني فيه ربي ويقول هل لك من حاجة. (وأمّا قصّة آدم ﵊) في متفرقات الكلام (وقوله تعالى:
فَأَكَلا) أي آدم وحواء (مِنْها [طه: ١٢١]) أي الشجرة المنهية (بعد قوله) لهما (وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ) أي جنسها أو عينها (فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة: ٣٥]) أي العاصين فيكون النهي للتحريم أو من الواضعين للأشياء في غير موضعها على أن يكون النهي للتنزيه (وَقَوْلُهُ: أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الْأَعْرَافِ: ٢٢]) وهي شجرة الكرم وقيل السنبلة وقيل شجرة العلم عليها معلوم الله من كل لون وطعم وقيل غير ذلك (وتصريحه تعالى عليه) أصالة وعلى حواء تبعية (بِالْمَعْصِيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [طه: ١٢١] أي جهل) مقامه وضل مرامه (وقيل أخطأ) في اجتهاده حيث ظن أن الإشارة إلى الشجرة بعينها والحال أن النهي كان متوجها إلى جنسها أو عرف أولا أن المراد جنسها فنسي فحملها على خصوصها وإنما أولنا هذه التأويلات كلها (فإنّ الله تعالى قد أخبر) وفي نسخة قد أخبرنا (بعذره بقوله: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ) أي أمرا أو عهدا (مِنْ قَبْلُ) أي قبل خروجه من الجنة أو قبل ظهور الذرية (فَنَسِيَ) أمرنا بالكلية أو محل نهينا في الجملة (وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه: ١١٥]) على المخالفة أو لم نجد له عزيمة جزما على الموافقة فإنه لما اشتبه عليه الحال من أن النهي عن عين تلك الشجرة أو جنسها كانت العزيمة أن يجتنبها بالكلية ولن يعمل بالرخصة في القضية ولذا قيل إن آدم ﵇ لم يكن من أولي العزم فقد قال تعالى فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وكذا يونس ﵇ فقد قال ﷿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ (قال ابن زيد) أي ابن اسلم وقد تقدم (نسي عداوة إبليس له) هنالك (وَمَا عَهِدَ اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ
[ ٢ / ٢٩٠ ]
[طه: ١١٧] الآية) أي فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى أي فتعب أنت بالإصالة وزوجك بالتبعية؛ (وقيل نسي ذلك بما أظهر لهما) من النصيحة أي الشيطان على وجه الخديعة وحلفه في القضية (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّمَا سُمِّيَ الْإِنْسَانُ إِنْسَانًا لأنه عهد إليه) بصيغة المجهول (فنسي) وفيه إشكال لأن الظاهر أن حروف أصول الإنسان كما يدل عليه قوله تعالى امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
وقال في القاموس الإنس البشر كالإنسان والواحد إنسي جمعه أناسي وقرأ يحيى بن الحارث وأناسى كثيرا فهو مهموز الفاء وأما النسيان فمادته ناقصة يسمى معتل اللام فاختلفا مادة اللهم الا أن يقال أصل الإنسان انسيان فنقلت حركة الياء إلى ما قبلها بعد سلب حركته فحذفت تخفيفا لكثرة استعماله فصح ما يقال أول الناس أول الناسي والله اعلم (وقيل لم يقصد) أي آدم وحواء (المخالفة استحلالا لها) أي جعلها حلالا فإنه لا يصح عنهما إجماعا (ولكنّهما) باشرا مكرها لا على قصد مخالفتهما أمر ربهما بل بسبب أنهما (اغْتَرَّا بِحَلِفِ إِبْلِيسَ لَهُمَا إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] توهّما إنّ أحدا لا يحلف بالله حانثا) أي كاذبا كذبا يوجب الحنث أي الاثم (وقد روي عذر آدم بمثل هذا) الاغترار (في بعض الآثار) ولا شك أن هذا نوع من الاعذار؛ (وقال ابن جبير) وهو سعيد من اجلاء التابعين (حلف بالله لهما) أي متكررا (حتّى غرّهما والمؤمن يخدع) وفي الحديث المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم رواه أبو داود والترمذي والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة (وقد قيل) يروى وقال أي ابن جبير (نسي ولم ينو المخالفة) وهذا ظاهر (فلذلك قال) أي ﷾ (وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه: ١١٧] أَيْ قَصْدًا لِلْمُخَالَفَةِ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ العزم هنا الحزم) أي الاحتياط في الأمر (والصّبر) أي عن المخالفة بالتحمل على مرارة الموافقة (وقيل كان) أي آدم (عند أكله سكران) أي من حب المولى كما قيل في آية لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى من حب الدنيا أو من خمر الجنة (وَهَذَا فِيهِ ضَعْفٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ خمر الجنّة أنّها لا تسكر) وروي أنه لا يسكر لأن الخمر قد تذكر ويمكن أن يقال لعلها كانت تسكر ثم سلب الله تعالى سكرها ويناسبه أنها كانت حلالا في الدنيا أولا وصارت حراما آخرا والله ﷾ وصف خمر الجنة بما يكون نعتها بعد القيامة ويريده أن الجنة لا يكون فيها التكليف آخرا وقد صح تكليفهما فيها أولا (وإذا) وفي نسخة فإذا (كان) أي أكله (نَاسِيًا لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ ملبّسا) بتشديد الموحدة المفتوحة أي مخلطا (عليه غالطا) أي مخطئا (إِذِ الِاتِّفَاقُ عَلَى خُرُوجِ النَّاسِي وَالسَّاهِي عَنْ حكم التّكليف) وفيه أن الله ﷾ قد صرح بعصيانه فينبغي أن يقال النسيان أو الخطأ لم يكن معفوا حينئذ كما يدل عليه قوله ﵊ رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه رواه الطبري عن ثوبان؛ (وقال الشَّيْخُ أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ وَغَيْرُهُ إِنَّهُ يمكن أن يكون ذلك قبل النّبوّة) بل وهو الظاهر من سياق القضية لقوله تعالى قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً الآية (ودليل ذلك قوله تعالى: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ [طه: ١٢١])
[ ٢ / ٢٩١ ]
أي بالنبوة (فَتابَ عَلَيْهِ) أي فوفقه للتوبة والثبات على الطاعة أو فرجع عليه بقبول التوبة ونزول الرحمة (وَهُدىً) به الأمة (فذكر) أي الله ﷾ (أنّ الاجتباء والهدى) وفي نسخة الهداية (كانا) وفي نسخة كان أي كل واحد منهما (بعد العصيان) بدلالة الفاء التعقيبية (وقيل بل أكلها متأولا) لأن النهي عنه لم يكن مصرحا (وهو لا يعلم أنّها) أي الشجرة التي أكل منها هي (الشّجرة التي نهي عنها لأنّه تأوّل) أي حمل (نهي الله عن شجرة مخصوصة) أي عليها بعينها (لا على الجنس) الشامل لها ولغيرها فأكل مما عداها، (وَلِهَذَا قِيلَ إِنَّمَا كَانَتِ التَّوْبَةُ مِنْ تَرْكِ التّحفّظ) وهو التحرز ورعاية الأحوط في باب الموافقة (لا من المخالفة) أي الصريحة في الواقعة، (وَقِيلَ تَأَوَّلَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَنْهَهُ عَنْهَا نهي تحريم) ولم يعلم أن الأصل في النهي أن يكون للتحريم والحاصل أنه حمل النهي على التنزيه الذي يوجب للمكلف نوعا من التخيير وإن كان الأول هو الانتهاء لا سيما بالنسبة إلى الأنبياء والأصفياء.
(فإن قيل فعلى كلّ حال) أي تقدير وتأويل (فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) فأثبت له العصيان والغواية (وقال فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى [طه: ١٢١]) والتوبة لم تكن إلا عن المخالفة (وقوله في حديث الشّفاعة ويذكر ذنبه) حين يخاف ربه قائلا (وإنّي نهيت عن أكل الشّجرة فعصيت) اعترافا بذنبه وتواضعا لربه (فسيأتي الجواب عنه وعن أشباهه) مما وقع لغير آدم من إخوانه وأمثاله (مجملا) شاملا له ولغيره (آخر الفصل) يعني في الفصل الذي يلي آخر هذا الْفَصْلِ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَمَّا قِصَّةُ يُونُسَ ﵊) وقد تقدم أنه بضم الياء والنون أشهر لغاته من تثليث النون مع الهمز وعدمه (فقد مضى الكلام على بعضها آنفا) بمد الهمزة وقصرها وقد قرئ بهما في السبعة أي قريبا (وَلَيْسَ فِي قِصَّةِ يُونُسَ نَصٌّ عَلَى ذَنْبٍ وإنّما فيها أبق) أي من مولاه أو من أمته لشكواه أو من تحمل أعباء النبوة ومقتضاه (وذهب مغاضبا) أي على أمته أو على نفسه وحالته من ضيق قلبه وقلة صبره (وقد تكلّمنا عليه) بحسب ما ظهر لنا من أمره، (وقيل إنّما نقم الله) بفتح القاف وبكسر أي أنكر (عليه) أي عاب أو كره (خروجه عن قومه) من غير إذن ربه (فارّا من نزول العذاب) أي لئلا يشاهد حلول العقاب وحصول الحجاب، (وَقِيلَ بَلْ لَمَّا وَعَدَهُمُ الْعَذَابَ ثُمَّ عَفَا الله عنهم) يرفعه لإسلامهم بعد خروجه ووصول خبرهم إليه (قال والله لا ألقاهم بوجه كذّاب) أي صورة (أبدا) حياء من الخلق بمقتضى العادة البشرية وهو بالوصف أو الإضافة (وَقِيلَ بَلْ كَانُوا يَقْتُلُونَ مَنْ كَذَبَ فَخَافَ ذلك) وفيه إن إخباره بالعذاب كان مبنيا على اصرارهم بالكفر الموجب للعقاب وإذا لم يقتلوه وهو مشركون كيف يتصور أن يقصدوا قتله وهم مؤمنون، (وقيل ضعف عن حمل أعباء الرّسالة) أي أثقالها وشدائد أهوالها ومكابدة أحوالها (وقد تقدّم الكلام أنّه لم يكذبهم) بفتح أوله أي بل صدق لهم وقد شاهدوا صدق كلامه بآثار العذاب ومقدمة العقاب فآمنوا فارتفع الحجاب كما أخبر الله تعالى عنه بقوله فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ؛ (وهذا) أي الذي
[ ٢ / ٢٩٢ ]
ذكرنا (كلّه) على وجه قررنا (لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَلَى مَعْصِيَةٍ إِلَّا عَلَى قول مرغوب عنه) لطائفة (وقوله أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
[الصافات: ١٤٠]) أي المملوء (قال المفسّرون تباعد) أي عن قومه تباعد المملوك عن مالكه حيث أمر الله تعالى بكونه عندهم وفق أمره وبهذا التقرير لا يضر لو قيل أبق من ربه وسيده لتخلفه عن حكمه بتباعده وفي أبق إيماء بقائه على عبوديته وتحت قضائه وربوبيته، (وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الْأَنْبِيَاءِ: ٨٧] فالظّلم وضع الشيء في غير موضعه) حتى قيل لمن وضع حب غير ربه في صدره وقلبه هو ظالم لنفسه ومنه قول العارف بن الفارض:
عليك بها صرفا وإن شئت مزجها فعدلك عن ظلم الحبيب هو الظلم
بل عد الصوفية السنية الغفلة عن الله تعالى وارادة ما سواه ظلما بل شركا وقد قال الله تعالى إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وقال العارف أيضا:
ولو خطرت لي في سواك ارادة على خاطري سهوا حكمت بردتي
(فهذا اعتراف منه) أي من يونس ﵊ (عند بعضهم بذنبه فإمّا أن يكون) فعله ذنبا (لِخُرُوجِهِ عَنْ قَوْمِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ رَبِّهِ أَوْ لضعفه عمّا حمّله) بصيغة المجهول أي كلفه (أو لدعائه بالعذاب على قومه) بعد يأسه من إيمان قومه، (وقد دعا نوح ﵇ بهلاك قومه فلم يؤاخذ) بذنبه إذ لا يجب على الله تعالى شيء من عفو أو عقوبة وسائر حكمه ويحتمل أن دعاء نوح ﵇ كان عن اذن من ربه بخلاف يونس ﵊ في حق قومه وهو الظاهر لعلمه ﷾ بإيمان قومه في آخر أمره، (وقال الواسطيّ) من أكابر الصوفية المتقدمين (في معناه) أي معنى قوله سبحانك إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (نزّه ربّه عن الظّلم) إذ لا يتصور منه (وأضاف الظّلم إلى نفسه اعترافا) بقصوره (واستحقاقا) لعفوه (ومثل هذا قول آدم وحوّاء) بالمد فعلاء من الحياة وهي أم بني آدم وسماها آدم حواء حين خلقت من ضلعه فقيل له من هذه فقال امرأة قيل وما اسمها قال حواء قيل ولم ذلك قال لأنها خلقت من حي (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الْأَعْرَافِ: ٢٣]) إِذْ كَانَا السَّبَبُ في وضعهما) أي في وضعه ﷾ إياهما (فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي أُنْزِلَا فِيهِ وَإِخْرَاجِهِمَا) أي وكانا السبب في اخراجهما (من الجنّة وإنزالهما إلى الأرض) وهي مكان المحنة والمشقة ودار الكلفة. (وأمّا قصّة داود ﵊ فلا تجب أن يلتفت) الاولى فيجب أن لا يلتفت (إلى ما سطّره) بتشديد الطاء وتخفف أي كتبه (فيها) أي القصة وفي نسخة فيه أي في الأمر (الأخباريّون) بفتح الهمزة أي الناقلون (عن أهل الكتاب) أي اليهود والنصارى (الّذين بدّلوا) أي ألفاظ التورية ومبناها (وغيّروا) معناها ومقتضاها (ونقله) عنهم (بعض المفسّرين) اعتمادا على أخبارهم عن أحبارهم وقد ورد أن من العلم جهلا (وَلَمْ يَنُصَّ اللَّهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ولا ورد في حديث صحيح) موافق لما هنالك (والّذي نصّ الله عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما
[ ٢ / ٢٩٣ ]
فَتَنَّاهُ [ص: ٢٤]) أي ابتليناه وامتحناه (فاستغفر ربه) أي طلب غفران مولاه في دنياه وأخراه (إلى قوله وَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٢٥]) يعني وَخَرَّ راكِعًا أي وسقط للسجود بالخضوع والخشوع حال انتقاله من الركوع وأناب أي رجع من الغفلة إلى الحضرة فإن الإنابة أخص من التوبة فهي الرجوع من المعصية إلى الطاعة فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ أي إن كان له ذنب هنالك وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى أي لقربى وَحُسْنَ مَآبٍ مرجع إلى الجناب (وقوله فيه) أي في حقه وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ أي صاحب القوة في الطاعة إِنَّهُ أَوَّابٌ كثير الأوبة وهي الرجعة حتى عن الخطرة (فمعنى فتنّاه اختبرناه) أي امتحناه (وأواب قال قتادة مطيع) أي في كل باب (وهذا التّفسير أولى) في حق أولي الألباب؛ (قال ابن عبّاس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم) لعل تقديم ابن عباس لكونه من ذوي القربى وإلا فابن مسعود أفقه الصحابة بعد الخلفاء الأربعة بل ابن عباس أخذ عنه التفسير والحديث والقراءة (ما زاد داود) أي إن صح عنه (على أن قال للرّجل) من أمته تلويحا أو تصريحا (انزل لي عن امرأتك) أي طلقها لأني أريد أن أتزوجها وأكد الأمر بقوله (واكفلنيها) أي أعطنيها وحقيقة ضمها إلي واجعل كفالتها لدي ومؤنتها علي وكان أهل زمان داود ﵊ يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته وكان ذلك مباحا لهم غير أن الله تعالى لم يرض له بما هنالك (فعاتبه الله على ذلك ونبّهه عليه) كما في الآية (وأنكر عليه شغله بالدّنيا) وقلة رغبته في الآخرة وازدياد النساء وقد أغناه الله تعالى عنها بما اعطاه من غيرها على أن مثل هذا الاستدعاء ليس محظورا في مذاهب سائر الأنبياء كطلب سائر المماليك وباقي الأشياء غير أنه لا يستحسن عرفا بين الأحياء (وهذا) التأويل (الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِ) أي يعتمد عليه لجلالة قدره (وقيل خطبها على خطبته) بكسر أوله أي قبل زواجه وهو مكروه في ملتنا إذا وقع التراضي في قضيته قال التلمساني روي أنه كان خطبها أورياء ثم خطبها داود ﵇ فآثره أهلها فكان ذنبه أن خطبها على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه أي بالشرط الذي قدمناه وهو غير معلوم مما نقلناه، (وقيل بل أحبّ بقلبه) وهذا مما لا يعرفه غير ربه (أن يستشهد) أي أورياء ليأخذ امرأته بعده ولعله كان خطرة من غير اصرار عليه والحاصل أنه لا ينبغي أن يلتفت إلى ما نقله أهل القصص من أن داود تمنى منزلة أبيه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈ فقال يا رب إن آبائي قد ذهبوا بالخير كله فأوحى الله تعالى إليه أنهم ابتلوا بالبلاء فصبروا عليه قد ابتلي إبراهيم بنمرود وإسحاق بذبحه ويعقوب بالحزن على يوسف وذهاب بصره فسأل الابتلاء فأوحى الله تعالى إليه إنك لتبتلي في يوم كذا فاحترس فلما كان ذلك اليوم دخل محرابه وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور فجاء الشيطان في صورة حمامة من ذهب فمد يده ليأخذها لابن له صغير فطارت فوقفت في كوة فتبعها فأبصر امرأة جميلة قد نقضت شعرها فغطي بدنها وهي امرأة أورياء وهو من غزاة البلقاء فكتب إلى أيوب بن صوريا وهو صاحب البلقاء أن أبعث أورياء وقدمه على التابوت
[ ٢ / ٢٩٤ ]
وكان من يتقدم على التابوت لا يحل له أن يرجع حتى يفتح الله تعالى على يديه أو يستشهد لديه فبعثه وقدمه فسلم وأمر برده مرة أخرى وثالثة حتى قتل فتزوج امرأته وهي أم سليمان فهذا ونحوه مما يقبح أن يتحدث به عن بعض المتسمين بالصلاح من المسلمين فضلا عن بعض أعلام الأنبياء والمرسلين فعن علي كرم الله وجهه من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وهو حد الفرية على النبيين، (وحكى السّمرقنديّ) وهو الفقيه أبو الليث الحنفي رحمه الله تعالى (أَنَّ ذَنْبَهُ الَّذِي اسْتَغْفَرَ مِنْهُ قَوْلُهُ لِأَحَدِ الخصمين لَقَدْ ظَلَمَكَ [ص: ٢٤] فظلّمه) بتشديد لامه أي نسبه إلى ظلمه (بقول خصمه) أي من غير أن يقر المدعى عليه بذنبه وهذا غير مستفاد من التنزيل لأنه ليس فيه دليل على اثباته ولا على نفيه مع أنه يحتمل أن لا يكون هذا حكما بأن قاله افتاء على تقدير سؤاله وقبول خصمه لقوله؛ (وقيل بل لما خشي على نفسه) من الغفلة (وظنّ من الفتنة) أي من جملة الابتلاء بالمحنة (بما بسط له) أي وسع عليه (من الملك) وهو كمال الجاه الصوري (والدّنيا) أي كثرة المال المحتاج إليه في الحال الضروري كذا في بعض النسخ قوله وقيل إلى هنا وسيأتي ما في بعض آخر مؤخرا، (وإلى نفي ما أضيف في الأخبار) أي عن الأحبار (إلى داود) أي ما نسب إليه من ذلك (ذهب) قدم عليه الجار والمجرور المتعلق به لا فائدة الحصر فيما ذهب إليه (أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ وَأَبُو تَمَّامٍ وَغَيْرُهُمَا مِنَ المحقّقين) وذلك لأنهم الكفرة الفجرة وقد غيروا أخبار البررة قال ﵊ لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وهذا إذا لم يكن منافيا لقواعد ملتنا وقوانين شريعتنا وإلا فلا شك أنا نكذبهم في أخبارهم عن رهبانهم وأحبارهم وعن كتبهم وأسرارهم، (قال الدّاوديّ: ليس في قصّة داود وأورياء) بفتح الهمزة وقد يضم بسكون الواو وكسر الراء فتحتية فألف ممدودة (خبر يثبت) أي بشروط المعتبرة عند أرباب الأثر (ولا يظنّ) بصيغة المجهول أي ولا ينبغي أن يظن (بنبيّ محبّة قتل مسلم) لحصول أمر دني ثم الخصمان قيل جبريل وميكائيل ﵉ وقال تسوروا بصيغة الجمع إما بناء على إطلاقه على ما فوق الواحد أو تعظيما لهما أو لأجلهما ومن معهما من الملائكة قال التلمساني أو حملا على لفظ الخصم إذ كان كلفظ الجمع ومشابها مثل الركب والصحب وفيه أنه لو كان حملا على لفظه لأفراد ضميره كالفوج والقوم على ما حقق في قوله تعالى كَالَّذِي خاضُوا وقوله هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا أي فوجان وقد جمع اختصموا بناء على أفراد الفوجين (وقيل إنّ الخصمين اللّذين اختصما إليه) أي إلى داود (رجلان) أي لا ملكان وهو مرفوع على خبر ان على ما هو ظاهر وفي حاشية التلمساني قيل صوابه رجلين نصبا ووجه الألف إما على لغة بني الحارث فالألف في الجر والنصب كألف المقصود أو خبر لمحذوف أي هما رجلان وهو بعيد انتهى وخطاؤه لا يخفى (في نعاج) وفي نسخة في نتاج (غنم) متعلق باختصما (على ظاهر الآية) فيكون الاختصام تحقيقا أي لا تمثيليا وتصويريا لكن يستفاد من الحقيقة أيضا بطريق الإشارة ما يراد
[ ٢ / ٢٩٥ ]
به من مجاز الطريقة. (وقيل) أي علة ذنبه الذي استغفر منه (لما خشي على نفسه وظن) في باطنه (من الفتنة) أي البلية والمحنة (بما بسط له) أي وسع له (من الملك والدنيا) وأي فتنة أعظم من الدنيا لولا عصمة المولى مع أنها سبب لنقصان الدرجة في الآخرة (وأمّا قصّة يوسف ﵇) وهو بضم الياء والسين أشهر لغاته من تثليث السين مع الهمزة وعدمه (وإخوته فليس على يوسف منها) أي في قصتهم وفي نسخة منها أي من جهتهم (تعقّب) بتشديد القاف أي اعتراض أو تعتب كما في نسخة أي مطالبة عتاب وملامة (وأمّا إخوته فلم تثبت نبوّتهم) أي عند بعض العلماء فلا إشكال في أحوالهم (فيلزم) بالنصب أي حتى يلزمنا (الكلام على أفعالهم) ونأولها على تحسين آمالهم (وَذِكْرُ الْأَسْبَاطِ وَعَدُّهُمْ فِي الْقُرْآنِ عِنْدَ ذِكْرِ الأنبياء) ليس تصريحا في كونهم من أهل الإنباء حيث قال تَعَالَى قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وهو جمع سبط بالكسر أولاد يعقوب وأحفاد إسماعيل وإسحاق وسموا بذلك لأنه ولد لكل واحد منهم جماعة وسبط الرجل حافده ومنه قيل للحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما سبطا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والسبط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب والشعوب من العجم ومنه قوله تعالى وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا وهم أخوة يوسف كلهم بحسب ظاهره ويشير إليه رؤيا يوسف إياهم على هيئة الكواكب إيماء إلى أن مراتبهم في المناقب دون مرتبة الرسالة التي كانت لأبيهم يعقوب على أنه يحتمل أن يكون تصوير الكواكب اشعارا بنور الإيمان وظهور المناقب، (قال المفسّرون) أي بعضهم (يريد من نبّىء من أبناء الأسباط) قال البغوي وكان في الاسباط انبياء ولذلك قال وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ وقيل هم بنو يعقوب من صلبه فصاروا كلهم انبياء والله ﷾ اعلم (وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُمْ كَانُوا حِينَ فَعَلُوا بِيُوسُفَ مَا فَعَلُوهُ صِغَارَ الْأَسْنَانِ وَلِهَذَا لَمْ يُمَيِّزُوا يوسف) أي لم يعرفوه في مصر (حين اجتمعوا عليه) وفي نسخة به (ولهذا) أي ولكونهم صغارا أيضا (قالوا أرسله معنا غدا نرتع ونلعب) على قراءة النون والظاهر أنها محمولة على التغليب لقراءة يرتع ويلغب بصيغة الغيبة والرتع الأكل رغدا ثم كون كلهم صغارا في غاية البعد عقلا ونقلا على أن لعب الكبار لا يستبعد شرعا وعرفا (وإن ثبتت) يروى فإن ثَبَتَتْ (لَهُمْ نُبُوَّةٌ فَبَعْدَ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ) الأمر والقصة وهذا مما لا شك فيه أنه قبل البعثة وإنما الإشكال فيما وقع لهم من العقوق وقطع الرحم والكذب وبيع الحر وهذه الأمور كلها كبائر لا يستقيم إلا عند من يجوز ارتكابها على الأنبياء قبل البعثة والمحققون على خلاف هذه القصة، (وأمّا قول الله تعالى فيه) أي في حق يوسف ﵇ (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) أي هم شهوة ومراودة (وَهَمَّ بِها) أي هم مصيبة ومكايدة والباء للسببية فيهما أو هم فكرة وخطرة شفقة عليها وحسرة على قبيح همها لديها وارادتها عدم حفظ الغيب المفوض إليها ويكون بين همت وهم صنعة المجانسة أو طريقة المشاكلة (لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ [يوسف: ٢٤]) أي لولا النبوة ولوازمها من العصمة لهم
[ ٢ / ٢٩٦ ]
هم الشهوة لكن النبوة موجودة فلم يهم هم المعصية وحذف هم في جواب لولا لدلالة همت عليه من قبلها (فعلى مذهب كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ أَنَّ هَمَّ النَّفْسِ) أي خاطرها (لا يؤاخذ به) أي وإن صمم عليه (وليست سيّئة) إلا صورة (لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم عن ربّه) أي حاكيا عنه في الحديث القدسي والكلام الأنسي (إذا همّ عبدي بسيئة فلم يعملها) أي وتركها خوفا مني فلم يثبت عليها ظاهرا وباطنا من أجلي (كتبت له حسنة) بصيغة المجهول ويجوز أن يكون بصيغة الفاعل والمعنى أمرت بأن يكتب لَهُ حَسَنَةٌ (فَلَا مَعْصِيَةَ فِي هَمِّهِ إِذًا) أي حينئذ (وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ فإنّ الهمّ إذا وطّنت) بضم الواو وتشديد الطاء المكسورة أي إذا استقرت (عَلَيْهِ النَّفْسُ سَيِّئَةٌ وَأَمَّا مَا لَمْ تُوَطَّنْ عَلَيْهِ النَّفْسُ مِنْ هُمُومِهَا وَخَوَاطِرهَا فَهُوَ الْمَعْفُوُّ عنه وهذا) القول الثاني (هو الحقّ) أي الصواب جملة معترضة بين أما وجوابها (فيكون إن شاء الله هم يوسف ﵇) أي إن كان هم الشهوة (من هذا القبيل) كما هو اللائق بالأنبياء من حسن الظن في أحوالهم (ويكون قوله: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي [يوسف: ٥٣]) أي من التقصير والزلة ولا أزكيها بكمال النظافة والظهارة (الآية) أي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ أي لكثيرة الأمر بما يسوء الإنسان في جميع الأزمان إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي أي من رحمة أو وقت رحمة ربي فإنه يعصم من خطراتها ووساوسها وتكدراتها وهواجسها أي ربي لغفور لمن فرط في خدمته من عباده رحيم بمن أحسن في طاعته من عباده (أي ما أبرّئها من هذا الهمّ) المورث للغم (أو) وفي نسخة (ويكون ذلك) القول (منه على طريق التّواضع) في ساحة الربوبية (والاعتراف بمخالفة النّفس) في زاوية العبودية (لما) وفي نسخة بما (زكّي قبل وبرّىء) بصيغة المجهول فيهما أي لما زكته النسوة وبرأته قبل ذلك وشهدن له بالعصمة هنالك (فكيف) أي لا يأول على طريق يعول (وقد حكى أبو حاتم) أي الرازي السختياني الحنظلي وهو الإمام الحافظ الكبير أحد الاعلام ولد سنة تسع وخمسين ومائة ومات بالبصرة وسمع محمد بن عبد الله الأنصاري والاصمعي وأبا نعيم وغيرهم وحدث عنه يونس بن عبد الاعلى وابو داود والنسائي وجماعة قال الدارقطي ثقة وأما ابنة عبد الرحمن فله تفسير جليل وله حال جميل (عن أبي عبيدة ﵀) وهو معمر بن المثنى (أنّ يوسف لم يهمّ) أي أصلا وهو بضم الهاء والميم ويفتح ويكسر (وَأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ أَيْ وَلَقَدْ همّت به) أي وتم الكلام بِهِ (وَلَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بها) وإنما قال بالتقديم والتأخير لأن جواب لولا لم يتقدم عليها في الأصح (وقد قال الله ﵎ عن المرأة) وهي زليخا أو راعيل (وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ) أي طالبته أن يجامعني وقصدت منه أنه يواقعني (فَاسْتَعْصَمَ [يوسف: ١٣٢]) أي امتنع وتصمم ولم يقع منه ميل ولا هم (وقال تعالى كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ) أي الصغيرة وهي نحوا لهم (وَالْفَحْشاءَ [يوسف: ٢٤]) أي الكبيرة وهي الزنى (وقال تعالى: وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ) اهتماما للأسباب ومبالغة في الستر والحجاب (وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ) فيه قراءات
[ ٢ / ٢٩٧ ]
مشهورة ومعاني مذكورة في كتب مسطورة وحاصلها هلم إلى ما أدعوك إليه (قالَ مَعاذَ اللَّهِ) أي أعوذ بالله معاذا (إِنَّهُ) أي الله (رَبِّي) أو العزيز مربي وسيدي (أَحْسَنَ مَثْوايَ [يوسف: ٢٣] الآية) أي منزلي ومأواي (قيل ربّي) وفي نسخة في ربي أي في معناه (الله) أي وهو المراد به (وقيل الملك) صوابه العزيز أو وزير الملك (وقيل همّ بها أي بزجرها) أي طردها أو ضربها (ووعظها) أي نصحها ومن جملة نصيحتها أنها في اثناء مراودتها قامت وسترت على وجه صنم لها فقال لها إذا كنت تستحيين مما لا حياة له ولا بصر ولا نفع ولا ضر فكيف لا استحيي من ربي المطلع على جميع أمري (وقيل همّ بها) باؤه للتعدية أو مزيدة وفاعله محذوف (أَيْ غَمَّهَا امْتِنَاعُهُ عَنْهَا وَقِيلَ هَمَّ بِهَا نظر إليها) نظر غضب أو أدب (وقيل همّ بضربها ودفعها) عن نفسه وكفى شرها وهذا كالتكرار لما تقدم والله تعالى اعلم (وقيل هذا كلّه كان قبل نبوّته) أي قبل رسالته إذ المشهور أنه نبئ وهو في الجب كما يشير إليه قوله تعالى فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ولا يبعد أن الوحي هنا يكون بمعنى الإلهام (قد ذكر بعضهم ما زال النّساء يملن) بفتح الياء وكسر الميم (إِلَى يُوسُفَ مَيْلَ شَهْوَةٍ حَتَّى نَبَّأَهُ اللَّهُ فَأَلْقَى عَلَيْهِ هَيْبَةَ النُّبُوَّةِ فَشَغَلَتْ هَيْبَتُهُ كُلَّ من رآه عن حسنه) أي صورته. (وأمّا خبر موسى ﵊ مع قتيله الّذي وكزه) أي ضربه بجمعه فقتله (فقد نصّ الله تعالى أنّه) وفي نسخة على أنه (من عدوّه قال) أي أراد ويروى قيل وهي رواية حسنة (كان من القبط) بكسر القاف أمة من أهل مصر (الّذين) وفي نسخة الذي أي القوم الذي (كانوا على دين فرعون) وهو الوليد بن مصعب وفرعون لقب لكل ملك مصر كقيصر للروم وكسرى للفرس والنجاشي للحبشة وتبع لليمن وخاقان للترك قيل وكان طباخا لفرعون وقد أراد أن يحمل السبطي الحطب إلى مطبخه (ودليل السّورة) أي دلالتها (فِي هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ قَبْلَ نُبُوَّةِ مُوسَى) لأنه خرج بعد قتله واجتمع بشعيب وتزوج ببنته وكان عنده عشر سنين أو أكثر ثم نبئ وأرسل إلى فرعون بدعوة الرسالة، (وقال قتادة وكزه بالعصا) أي لا بآلة من السلاح (ولم يتعمّد قتله) بل أراد دفعه عن الظلم ورده إلى الصلاح فكان قتله على وجه الخطأ (فعلى هذا لا معصية في ذلك) مع أن القتيل كان كافرا هنالك إلا أنه ﵊ لم يؤمر بقتل من لم يكن من أهل الإسلام ولهذا ندم على فعله؛ (وقوله هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [القصص: ١٥]) محمول عليه أي أنه من عمل يحبه الشيطان ولا يبعد أن تكون الإشارة لما جرى بين السبطي والقبطي وما أدى إلى معاونته ﵊ لمحبه على عدوه (وقوله ظَلَمْتُ نَفْسِي) حيث ضربته من غير أن أكون مأمورا به (فَاغْفِرْ لِي [القصص: ١٦]) ما صدر عني ففي الحديث اللهم اغفر لي ذنبي وخطاي وعمدي وكل ذلك عندي (قال ابن جريج) بجيمين مصغرا القرشي مولاهم المكي الفقيه أحد الأعلام يروي عن مجاهد وابن أبي مليكة وعطاء وعنه القطان وغيره قال ابن عيينة سمعته يقول ما دون العلم
[ ٢ / ٢٩٨ ]
تدويني أحد أخرج له الأئمة الستة (قال) أي موسى (ذلك) الكلام (مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يقتل) أحدا (حتّى يؤمر) بقتله ولما أدى ضربه إلى قتله استغفر ربه في تقصير أمره؛ (وقال النّقّاش) أي الموصلي (لَمْ يَقْتُلْهُ عَنْ عَمْدٍ مُرِيدًا لِلْقَتْلِ وَإِنَّمَا وكزه وكزة يريد بها دفع ظلمه) عن أهل وده (قال) النقاش (وقد قيل إنّ هذا) أي القتل مع أنه كان خطأ (كان قبل النّبوّة وهو مقتضى التّلاوة) لقوله تعالى فَخَرَجَ مِنْها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة إلى آخر القصة فإن النبوة كانت له بعدها بمدة طويلة (وقوله تعالى في قضيته) وفي نسخة في قصته أي حال رفع غصته (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا [طَهَ: ٤٠] أَيِ ابْتَلَيْنَاكَ ابْتِلَاءً بَعْدَ ابتلاء) أي امتحناك فتونا (قيل) أريد ابتلاؤه (فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَمَا جَرَى لَهُ مَعَ فرعون) حيث ائتمر قومه في قتله (وقيل إلقاؤه في التّابوت) أولا (واليمّ) أي البحر ثانيا ووقوعه في يد فرعون ثالثا (وغير ذلك) مما ابتلي هنالك (وقيل معناه أخلصناك إخلاصا) لأن ابتلاءه إنما هو للتهذيب لا للتعذيب (قاله ابن جبير) وهو سعيد (ومجاهد) وهو ابن جبير تابعيان جليلان وهو مأخوذ (من قولهم) أي العرب (فتنت الفضّة في النّار إذا خلّصتها) أي أذبتها وأصفيتها من غيرها مما اختلط بها (وأصل الفتنة معنى) بالتنوين أي في اصطلاح الخاصة (الاختبار) أي الامتحان وهو مرفوع (وإظهار ما بطن) أي مطلقا ومنه قول بعضهم عند الامتحان يكرم المرء أو يهان (إِلَّا أَنَّهُ اسْتُعْمِلَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ فِي اختبار أدّى) ويروى يؤدي (إلى ما يكره) بصيغة المجهول أي إلى أمر مكروه في الطبع (وكذلك ما روي في الخبر الصّحيح) أي في صحيح البخاري في كتاب الأنبياء (من أنّ ملك الموت جاءه) أي موسى مصورا بصورة إنسان (فلطم عينه) أي ضربها بباطن راحته (ففقأها) أي أخرجها (الحديث) أي إلى آخره (ليس فيه) أي في الحديث من الدليل (ما يحكم على موسى ﵇ بالتّعدّي) أي بشيء يقضي عليه بالتجاوز عن الجد على ملك الموت حيث لم يعرفه (وفعل ما لم) وفي نسخة ما لا (يجب له) أي وبفعل شيء لا يجوز له ولم يثبت شرعا ويروى ما يحكم التعدي وفعل ما لم يجب بالنصب فيهما أي ما يمنعهما (إِذْ هُوَ ظَاهِرُ الْأَمْرِ بَيِّنُ الْوَجْهِ جَائِزُ الفعل) بالعقل والنقل (لِأَنَّ مُوسَى دَافَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَنْ أَتَاهُ لِإِتْلَافِهَا وَقَدْ تُصُوِّرَ لَهُ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ) أراد هلاكها (ولا يمكن) أي لا يتصور في حق موسى ﵊ ولا غيره من سائر الأنام (أنه علم حينئذ أنه ملك الموت) وأنه من عند ربه وعن اذنه وأمره (فَدَافَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ مُدَافَعَةً أَدَّتْ إِلَى ذَهَابِ عَيْنِ تِلْكَ الصُّورَةِ الَّتِي تُصُوِّرَ لَهُ فِيهَا الملك امتحانا من الله تعالى) أي اختبارا لموسى ﵇ وفي نسخة لهما ولا يظهر وجهه (فلمّا جاءه) أي الملك (بعد) أي بعد ذهابه إلى الله تعالى ورجوعه من عند مولاه (وأعلمه الله تعالى) أي موسى ﵇ (أنه) الملك المصور (رسوله إليه) ليقبض روحه (استسلم) أي انقاد؛ (وللمتقدّمين والمتأخّرين) من علماء المحدثين والمتكلمين (على هذا) ويروى عن هذا الحديث (أجوبة) أي متعددة (هذا) الجواب المتقدم (أسدّها عندي) بسين
[ ٢ / ٢٩٩ ]
مهملة وتشديد ثانية أي أقواها وأقومها ومنه قول الشاعر:
اعلمه الرماية كل يوم فلما استد ساعده رماني
وقيل في البيت إنها بالمعجمة (وَهُوَ تَأْوِيلُ شَيْخِنَا الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ المازريّ) بفتح الزاء وهو الأكثر وقد تكسر وهو منسوب لمازر بلدة بجزيرة صقلية وقيل قبيلة تسمى بمازر افتى وهو ابن عشرين سنة وهو مشهور بالإمام سماه النبي ﵊ بذلك في المنام مات بالمهدية سنة ست وثلاثين وخمسمائة وهو ابن ثلاث وثمانين سنة واحتمل في البحر إلى المنستير فدفن بها وهو أحد الأعلام المالكية وقد شرح مسلما شرحا جيدا سماه المعلم لفوائد كتاب مسلم وعليه بنى القاضي عياض المصنف كتاب الإكمال وهو تكملة لهذا الكتاب وله كتاب إيضاح المحصول في برهان الأصول وله في الأدب كتب متعددة مفيدة (وقد تأوّله قديما ابن عائشة) وهو عبيد الله بن محمد بن حفص التيمي القرشي المعروف بالعيشي لأنه من ولد عائشة بنت طلحة كان أحد العلماء والأشراف والمحدثين روى عن حماد بن سلمة وغيره وعنه أبو داود والبغوي وخلق وثقه أبو حاتم وأخرج له أبو داود والترمذي والنسائي ومات سنة ثمان وعشرين ومائتين (وغيره) أي من العلماء المتقدمين (على صكّه) المعنوي (وَلَطْمِهِ بِالْحُجَّةِ وَفَقْءِ عَيْنِ حُجَّتِهِ وَهُوَ كَلَامٌ مستعمل في هذا الباب في اللّغة ومعروف) عند أهلها فإنه يقال صكه ضربه مطلقا وضربه بشيء عريض وصكه غلبه بالحجة وكذا يقال لطمه ضربه على الوجه بباطن الراحة ولطمه غلبه بالحجة والظاهر أن المعنى الأول حقيقي والآخر مجازي. (وَأَمَّا قِصَّةُ سُلَيْمَانَ وَمَا حَكَى فِيهَا أَهْلُ التَّفَاسِيرِ مِنْ ذَنْبِهِ وَقَوْلُهُ:
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ [ص: ٣٤] فمعناه ابتليناه) أي امتحناه واختبرناه (وابتلاؤه بما) وفي نسخة ما (حكي) الأولى روي (عن النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال) أي سليمان ﵊ في بعض الأيام (لأطوفنّ) وفي رواية لأطيفن بضم الهمزة أي أدورن والمراد أقعن (اللّيلة) أي المقبلة (على مائة امرأة أو تسع وتسعين) أي امرأة والشك من الراوي (كلّهنّ يأتين) أي كل واحدة منهن تأتي (بفارس) أي بمولود يكبر ويصير راكب فرس (يجاهد في سبيل الله تعالى) ولا شك أن هذا نية صالحة يترتب عليها مثوبة كاملة وقد روي عن أبن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كَانَ فِي ظَهْرِ سُلَيْمَانَ مَاءُ مِائَةِ رَجُلٍ (فقال له صاحبه) أي مخاطبه وهو الملك وقيل آدمي وقيل القرين وأبعد من قال خاطره (قل إن شاء الله فلم تقل) حيث شغله عنه شيء وانساه لما قدره الله وقضاه. (فلم تحمل) بكسر الميم أي فلم تحبل (منهنّ) أي النساء كلهن (إلّا واحدة جاءت بشقّ رجل) بكسر الشين وتشديد القاف أي بنصفه وفي صحيح مسلم فولدت له بنصف إنسان قال النووي في شرح مسلم عقيب قوله فقال له صاحبه أو الملك قل إن شاء الله تعالى قيل المراد بصاحبه الملك وهو الظاهر من لفظه ثم حكى القولين الآخرين (قال النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إن
[ ٢ / ٣٠٠ ]
شاء الله لجاهدوا) أي لجاءت كل واحدة بولد وكبروا (وقاتلوا فوق الفرسان في سبيل الله تعالى قال أصحاب المعاني) أي المؤولون للمباني (وَالشِّقُّ هُوَ الْجَسَدُ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَى كُرْسِيِّهِ) أي سرير سليمان ﵊ (حين عرض عليه) أي ولده وذكر عصمة الأنبياء أن الجسد عبارة عن ولد لسليمان ولد له بفرد رجل وهو ميت فوضع في سريره (وهي) أي هذه الحالة (عقوبته) أي بليته (ومحنته) المعبر عنها بفتنته (وقيل بل مات) الولد (فألقي على كرسيّه ميّتا) وهو الظاهر من إطلاق الجسد والعدول عن الولد وهذا يحتمل أن يكون من أصله نزل ميتا أو كان حيا ثم صار ميتا وروي أنه ولد له ابن فقال الشياطين إن عاش لم تنفك من السخرة فسبيلنا أن نقتله فعلم ذلك وكان ينفذه في السحابة فما راعه إلا أن ألقي على كرسيه ميتا فنبه على خطئه في أنه لم يتوكل فيه على ربه فاستغفر ربه وأناب ثم يحتمل أن هذا الابتلاء لأجل ترك الاستثناء على ما هو ظاهر الحديث، (وقيل ذنبه حرصه على ذلك) أي جنس الولد (وتمنّيه) أي كثرتهم في البلد ولا ينبغي للكامل أن يطلب من الله سواه، (وقيل لأنّه لم يستثن) أي لم يقل إن شاء الله تعالى (لِمَا اسْتَغْرَقَهُ مِنَ الْحِرْصِ وَغَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ التّمنّي) أي فكان سبب نسيان الاستثناء في ذلك المتمني (وقيل عقوبته) المعبر عنها بفتنته (أن سلب ملكه) أي حكمه في رعيته وفي هذا امتحان من الله تعالى لأرباب الجاه (وذنبه) أي الذي كان سبب سلب ملكه (أَنْ أَحَبَّ بِقَلْبِهِ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ لِأَخْتَانِهِ) بفتح الهمزة جمع الختن أي اصهاره أو كل من كان من قبل المرأة كالأب والأخ (على خصمهم) ولعل هذا كان على خطرة من لوازم البشرية فلا يعد من المعصية إلا للكمل في القضية وقال الأنطاكي فقد ورد عن السدي أنه قال كان سبب فتنة سليمان هو أنه كانت في نسائه امرأة يقال لها جرادة وهي آثر نسائه عنده فقالت له يوما إن أخي بينه وبين فلان خصومة وأنا أحب أن يقضى له إذا جاء فقال نعم ولم يفعل فابتلي بقوله (وقيل ووخذ) مجهول وأخذ كووري مجهول وارى وفي نسخة أو خذ أي عوقب (بذنب قارفه بعض نسائه) أي كسبته من غير إطلاعه وفيه أنه تعالى لا يؤاخذ أحدا بفعل غيره ولعله عوقب لتقصيره في أمره ومقارفتهن إنما تكون من تأخير صلاة أو صوم أو زكاة أو لبس حلية محرمة أو نياحة مكروهة وأمثالها ولا يجوز أن يتوهم فعل فاحشة منهن فقد قال المفسرون في قوله ﷾ فَخانَتاهُما أي في الطاعة لهما والإيمان بهما إذ ما بغت امرأة نبي قط أي ما زنت ويشير إليه قوله تعالى الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ الآيات وأما ما نقله التلمساني عن السهيلي في قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية أن من قذف أزواج النبي ﵊ فقد سبه فمن اعظم الأذية أن يقول عن الرجل قرنان وإذا سب نبي بمثل هذا فهو كفر صريح انتهى فهو معلول إذ لا يلزم هذا إلا إذا كان عالما بالفاحشة وراضيا بها عليه تقدير وجودها نعم الآن قذف عائشة كفر بلا شبهة بناء على أنه إنكار للقرآن بخلاف من سبق له قذفها قبل نزول آيات البراءة فإن كان مرتكب كبير ولذا حدهم النبي
[ ٢ / ٣٠١ ]
صلى الله تعالى عليه وسلم حد القذف ولم يقتلهم لارتدادهم ولا أمرهم تحديد الإسلام وسائر ما يترتب عليه من الأحكام وقال الأنطاكي حكي أن سليمان ﵊ بلغه أن في بعض الجزائر مدينة عظيمة وبها ملك عظيم الشأن فخرج إليها يحمله الريح حتى أناخ بها بجنوده من الجن والإنس فقتل ملكها وأصاب بنتا له من أحسن النساء وجها فاصطفاها لنفسه وأسلمت فأحبها وكان لا يرقأ بدمعها حزنا على أبيها فأمر الشياطين فمثلوا لها صورة أبيها فكستها مثل كسوته وكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدون لتلك الصورة فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر الصورة وعاقب المرأة ثم خرج وحده إلى فلاة وفرش الرماد فجلس عليه تائبا إلى الله تعالى متضرعا إلى مولاه (وَلَا يَصِحُّ مَا نَقَلَهُ الْأَخْبَارِيُّونَ مِنْ تَشَبُّهِ الشّيطان به) أي بصورته وفي نسخة ما قاله الاخباريون من خرافاتهم عما فعله ومن تشبه الشيطان به (وتسلّطه على ملكه) أي سرير دولته (وتصرّفه في أمّته) وسائر رعيته (بِالْجَوْرِ فِي حُكْمِهِ لِأَنَّ الشَّيَاطِينَ لَا يُسَلَّطُونَ عَلَى مِثْلِ هَذَا؛ وَقَدْ عُصِمَ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ مثله) قلت ومما يؤيد هذا قوله ﵊ إن الشيطان لا يتمثل بي ولا يتصور بصورتي فهذا إذا كان ممنوعا عنه في حال المنام فبالأولى أن لا يقدر على التمثل في حال اليقظة بشكله ﵊ والظاهر أن سائر الأنبياء ﵈ يكون أمرهم على هذا النظام فإن الأنام مأمورون باتباع أوامرهم ونواهيهم والاقتداء بأقواله وأفعالهم فلو صور الشيطان بصور الأنبياء لوقع التشكيك في حقيقة أحوالهم ومن جملة ما نقله الأخباريون في تشبه الشيطان به وتسلطه على ملكه أن سليمان ﵇ كانت له أم ولد يقال لها أمينة وكان إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها وكان ملكه في خاتمه فوضعه عندها يوما فأتاها الشيطان صاحب البحر واسمه الصخر على صورة سليمان فقال يا أمينة خاتمي فناولته إياه فتختم به وجلس على كرسي سليمان فعكفت عليه الطير والجن والإنس وغير سليمان من هيئته فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته وطردته فكان ﵇ يدور على البيوت يتكفف وإذا قال أنا سليمان حثوا عليه التراب وسبوه ثم عمد إلى السماكين ينقل لهم السمك ويعطونه كل يوم سمكتين فمكث على ذلك أربعين صباحا عدد ما عبد الوثن في بيته فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان وسأل آصف نساء سليمان فقلن ما يدع امرأة منا في دمها ولا يغتسل من جنابة ثم طار الشيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة ووقعت السمكة في يد سليمان فبقر بطنها فإذا هو بالخاتم فتختم به فوقع ساجدا لله تعالى ورجع إليه ملكه هذه فرية عظيمة بلا مرية ولقد أبى العلماء المحققون قبول هذا النقل تنزيها لنساء الأنبياء عما نسب إليهن من الانباء، (وإن سلم لِمَ لَمْ يَقُلْ سُلَيْمَانُ فِي الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ إن شاء الله فعنه أجوبة) متعددة (أحدها) وفي نسخة فعنه جوابان أي مرضيان أحدهما (مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ نَسِيَ أن يقولها وذلك) أي وقوع النسيان (لينفذ مراد الله تعالى) وفق ما قدره وقضاه فهذا كقوله تعالى وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ
[ ٢ / ٣٠٢ ]
يَشاءَ اللَّهُ (والثّاني أنّه لم يسمع صاحبه) أي كلامه (وشغل عنه) بشيء خالف مرامه (وَقَوْلُهُ وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص: ٣٥] لَمْ يَفْعَلْ هَذَا سُلَيْمَانُ) أي لم يصدر عنه هذا القول (غيرة) بفتح الغين ويكسر أي حرصا ونهمة (على الدّنيا) من مالها وجاهها (ولا نفاسة بها) بفتح النون أي لا رغبة فيها إذ جل رغبتهم في حضرة المولى ونعمة الأخرى قال تعالى وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ لأن النفاسة رغبة في الشيء النفيس دون الخسيس وقد ورد لو كانت الدنيا تعدل جناح بعوضة لما سقي كافرا منها شربة ماء وإنما ابتلي سليمان ﵇ بهذا الملك الوسيع والجاه الرفيع ليكون حجة على الملوك في القيام بحق العبودية والعمل بأحكام الربوبية ومع هذا فقد ورد أنه يدخل الجنة بعد سائر الأنبياء بخمسمائة عام لتعرف أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر ولهذا ورد أن عبد الرحمن ابن عوف يدخل الجنة بعد فقراء المهاجرين بخمسمائة عام فكل هذا تزهيد في الدنيا وترغيب في العقبى والحكم فيهما للمولى رزقنا الله العمل بالأولى وبلغنا المقام الأعلى والمرام الأعلى (ولكن مقصده) بكسر الصاد أي مراده بهذا الدعاء (في ذلك) النداء (على ما ذكره المفسّرون) أي بعضهم (أَنْ لَا يُسَلَّطَ عَلَيْهِ أَحَدٌ كَمَا سُلِّطَ عليه الشّيطان الّذي سلمه إِيَّاهُ مُدَّةَ امْتِحَانِهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ) ويروى على من قال (ذلك) وقد عرفت ضعف ما هنالك.
(وَقِيلَ بَلْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الله فضيلة) زائدة (وخاصّة) أي مزية خالصة (يَخْتَصُّ بِهَا كَاخْتِصَاصِ غَيْرِهِ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ ورسله بخواصّ منه) كالخلة لإبراهيم وكالتكليم لموسى ونحوهما فإن قيامه على وجه العدالة والاستقامة مع كثرة الرعية من الجن والإنس والطير والذرة وتفقدهم بالرعاية والحماية لعله من خواصه لم يكن لغيره أن يقوم مقامه فسبحان من أقام العباد فيما أراد وقد قال تعالى إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا فمن عباده من يصلح للفقر والعناء ومنهم من يصلح للجاه والغنى وليس أحد يطلع على حقيقة القدر والقضاء، (وقيل ليكون ذلك) أي بقاء ملكه حقيقة وحكما (دَلِيلًا وَحُجَّةً عَلَى نُبُوَّتِهِ كَإِلَانَةِ الْحَدِيدِ لِأَبِيهِ) أي دواد كما في نسخة (وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى لِعِيسَى وَاخْتِصَاصِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم بالشّفاعة) أي الكبرى وهي المقام المحمود (ونحو هذا) من اختصاص موسى بنعت الكليم ووصف إبراهيم بالخلة. (وأمّا قصّة نوح ﵇) وهو منصرف وجوز منع صرفه قيل اسمه عبد الغفار وسمي نوحا لكثرة بكائه وتضرعه في دعائه (فظاهرة العذر) فيما وقع له من الأمر (وأنّه أخذ فيها بالتّأويل) وفي نسخة بالتأويل (وظاهر اللّفظ لقوله تعالى وأهلك) أي عمومه في الخلاص من هلاكه وكأنه صرف الاستثناء إلى غير أهله، (فطلب مقتضى هذا اللّفظ) من عمومه (وأراد علم ما طوي عنه) بصيغة المجهول أي ستر وخفي (من ذلك) خصوصه بإخراجه من جملة أهله (لا أنّه) أي نوحا (شكّ في وعد الله تعالى) بنجاة أهله (فبيّن الله عليه) أي أظهر لديه وفي نسخة علته أي سببه (أنّه ليس من أهله الّذين وعدهم) وفي نسخة وَعَدَهُ (بِنَجَاتِهِمْ لِكُفْرِهِ وَعَمَلِهِ الَّذِي هُوَ
[ ٢ / ٣٠٣ ]
غير صالح وقد أعلمه) أي الله تعالى (أنّه مغرق الّذين ظلموا) بالإضافة ودونها (ونهاه عن مخاطبته) إياه (فيهم فأوخذ) بصيغة المجهول من المؤاخذة بالهمزة والواو لغتان وقراءتان وفي نسخة فووخذ بواوين بناء على اللغة الأخيرة فهو كقوله تعالى ما وُورِيَ والمعنى فعوقب (بهذا التّأويل) حيث خالف حقيقة التنزيل (وعتب عليه) عطف تفسير وكان الأظهر وعوتب عليه وفي نسخة وعيب بكسر فسكون تحتية والظاهر أنه تصحيف (وأشفق) أي خاف (هو) أي نوح (من إقدامه على ربّه) أي جراءته (لسؤاله) أي لأجله وفي نسخة بسؤاله أي بسببه (ما لم يؤذن له) وفي نسخة ما لم يأذن (في السّؤال فيه) أي في حقه (وَكَانَ نُوحٌ فِيمَا حَكَاهُ النَّقَّاشُ لَا يَعْلَمُ بكفر ابنه) لأنه كان منافقا في أمره وتابعا لأمه في كفره (وقيل في الآية غير هذا) لبعض العلماء في تفسيره (وكلّ هذا لا يقضي) أي لا يحكم (على نوح بمعصية) أي كبيرة (سوى ما ذكرناه من تأويله) للمقال (وإقدامه بالسّؤال فيمن لم) وفي نسخة فِيمَا لَمْ (يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ وَلَا نُهِيَ عنه؛ وما روي في الصّحيح) أي صحيح الأحاديث مما رواه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة (من أنّ نبيّا قرصته نملة) أي عضته (فحرّق) بتشديد الراء أي فأحرق (قرية النّمل) أي بيتها وجحرها (فأوحى الله تعالى إليه أن) بفتح الهمزة وسكون النون أي لأن (قرصتك نملة) أي واحدة كما في نسخة (أحرقت أمّة من الأمم تسبّح) وذلك لقوله تعالى وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ وقوله وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وقال الزكي المنذري إن هذا النبي جاء من غير وجه أنه عزير انتهى ولا شك أن المبهمين في الأحاديث لا يعرفون إلا من حديث آخر مصرح بتسمية الشخص منهم ويشكل هذا بما في أبي داود مرفوعا لا أدري أعزير نبي أم لا وصححه الحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه والجواب لعل الله أطلعه على أنه نبي بعد ذلك فأخبره وفي كلام الطبري أن هذا النبي هو موسى ﵊ ونقله عن الحكيم الترمذي وعن ابن عباس قال نهى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والصرد بضم الصاد المهملة وفتح الراء طائر معروف ضخم الرأس والمنقار له ريش عظيم نصفه أسود ونصفه أبيض قال الخطابي أما نهيه عن قتل النحلة فلما فيها من المنفعة وأما الهدهد والصرد فإنما نهى عن قتلهما لتحريم لحمهما وذلك أن الحيوان إذا نهي عن قتله ولم يكن ذلك لحرمة ولا لمضرة كان ذلك لتحريم لحمه انتهى ولعل النهي عن قتل النمل محمول على حال عدم الأذية أو المضرة فالمعاتبة على النبي من حيث قتله سائر النمل من غير حصول العلة والله تعالى اعلم بالحقيقة ثم النمل جنس منفرده النملة ويستوي مذكرها ومؤنثها كالحمامة ونحوها وإنما استدل إمامنا الأعظم على أن نملة سليمان ﵊ كانت أنثى بدليل قوله تعالى قالت لأنها لو كانت ذكرا لقيل قال لا سيما والفعل مقدم والتأنيث غير حقيقي وقد وهم التلمساني ولم يتحقق كلام الإمام
[ ٢ / ٣٠٤ ]
الرباني وإذا عرفت حقيقة القضية (فليس في هذا الحديث) أي السابق ما يقتضي (أنّ هذا الّذي أتى معصية) ووقع في أصل التلمساني أن هذا الذي أتى معصية فتكلف له بأن الذي موصول وأتى صلته وعائده محذوف لأنه منصوب أي أتاه معصية برفعها على خبر أن أو خبر محذوف (بل فعل ما رآه مصلحة وصوابا) أي صورة (بقتل من) وفي نسخة صحيحة ما (يؤذي جنسه) ولعل وجه من أن جنس المؤذي مختلط بين من يعقل وما لا يعقل و(يمنع المنفعة بما أباح الله تعالى) أي من الراحة بالنوم ونحوه، (أَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ كَانَ نَازِلًا تحت الشّجرة) وفي نسخة تحت شجرة ولعلها كانت بعيدة عن العمارة (فلمّا آذته النّملة) أي الواحدة بأن عضته (تحوّل برحله) أي متاعه (عنها مخافة تكرار الأذى عليه) منها (وليس فيما أوحى الله تعالى إليه) من الملامة (ما يوجب عليه معصية بل ندبه) أي دعاه (إلى احتمال الصّبر) على الأذية (وترك التّشفيّ) أي الانتقام في القضية (كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل: ١٢٦]) وفيه أن الصبر على أذى الحيوان ليس كالصبر على مضرة أفراد الإنسان كما بينه العلماء الأعيان (إذ ظاهر فعله) من الإحراق (إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ أَنَّهَا آذَتْهُ هُوَ فِي خاصّته) أي خاصة نفسه (فكان انتقاما لنفسه) أي انتصارا لروحه (وقطع مضرّة يتوقّعها) أي يخشاها أي يمكن حصولها (من بقيّة النّمل هناك) ولنا توقف في ذلك (ولم يأت) أي لم يفعل النبي (في كلّ هذا أمرا نهي عنه فيعصّى به) بضم الياء وفتح الصاد المشددة أي حتى ينسب إلى المعصية (وَلَا نَصَّ فِيمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ ولا بالتّوبة والاستغفار منه) أي تصريحا وإلا فيستفاد منه تلويحا فإنه وإن كان لم يوح إليه نهي أولا فكأنه نسب إلى خطأ في اجتهاده ثانيا وهو يستدعي في الجملة رجوعه إلى الاستغفار والتوبة كما هو طريق أرباب النبوة وأصحاب الفتوة هذا وفي حديث رواه الطبراني عن ابن عمر مرفوعا وما من دابة ولا طائر ولا غير تقتل بغير حق إلا تخاصم يوم القيامة (فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ ما من أحد إلّا ألّم بذنب) أي نزل به وتنزل بارتكابه (أو كاد) أي قارب أن يلم به (إِلَّا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا أَوْ كَمَا قَالَ ﵊) ما هذا معناه وإنما الشك في مبناه وإنما قال هذا لأن الحديث روي بألفاظ مختلفة منها ما رواه القاضي ومنها ما من نبي إلا وقد هم أو الم ليس يحيى بن زكريا ومنها غير ذلك (فَالْجَوَابُ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذُنُوبِ الْأَنْبِيَاءِ الَّتِي وَقَعَتْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَعَنْ سَهْوٍ وغفلة) ويدل عليه أن اللمم إنما يطلق على الصغيرة من الزلة كما قال تعالى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ واللمم هو أن يلم الرجل بالذنب مرة ثم يتوب ولا يعود إليه كما قال ابن عباس والمشهور أنه الصغير من الذنوب وقد قال ﵊
إن تغفر اللهم فاغفر جما وأي عبد لك لا الما
فهذا الاستثناء الدال على العموم ينافي الحديث المذكور من استثناء يحيى إلا أن يحمل
[ ٢ / ٣٠٥ ]
على الأغلب ثم الأنسب أن يقال هذا النعت من خصائص يحيى ﵇ وأنه من صغره إلى كبره ما هم بمعصية قط ولا خطر بباله سيئة قبل البعثة فضلا عما بعد النبوة ولذا قيل في قوله تعالى وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا أي نبئ في أوله أمره ونشأة عمره ولذا امتنع من اللعب مع أقرانه في حال صغره وقد اعطي عيسى ﵊ أيضا النبوة من أول الوهلة ما يشير إليه قوله تعالى حكاية عنه إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وهو يوم القيامة لم يذكر له ذنبا كسائر أولي العزم من الرسل إلا أنه يتعلل بأنه عبد من دون الله وهو بلا شبهة ما كان يريده ويرضاه لكنه يحتمل أنه هم ببعض الذنوب وتركه خشية من الله فحصر الحكم في يحيى يستقيم بهذا التأويل القويم والله تعالى اعلم ثم إن الحديث الذي أورده المصنف ضعيف فلا يجوز الاحتجاج به على ما أجاب عنه النووي والمصنف إنما أجاب عنه على تقدير صحته ثم اعلم أن هذا الحديث رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن زهير عن عفان عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال ما من أحد من ولد آدم إلا وقد اخطأ أو همّ بخطيئة ليس يحيى بن زكريا أي إلا يحيى ولعل هذا لدعاء زكريا وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي مرضيا وهذا إسناد ضعيف لأجل علي بن زيد بن جدعان وإن كان حافظا لكنه ليس بالثبت وقد أخرج له مسلم والأربعة ويوسف بن مهران انفرد عنه علي بن زيد بن جدعان وقد وثقه أبو زرعة وقال أبو حاتم يكتب حديثه ويذاكر به أخرج له البخاري في تاريخه وظاهر هذا الإسناد أنه حسن لا ضعيف ولا صحيح والله ﷾ اعلم.
فصل (فَإِنْ قُلْتَ فَإِذَا نَفَيْتَ عَنْهُمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عليهم الذّنوب)
أي الكبائر (والمعاصي) أي الصغائر (بِمَا ذَكَرْتَهُ مِنَ اخْتِلَافِ الْمُفَسِّرِينَ وَتَأْوِيلِ الْمُحَقِّقِينَ) في الفصل السابق وحاصله أن حسنات الأبرار سيئات المقربين (فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [طه: ١٢١]) أي جهل حكمه (وَمَا تَكَرَّرَ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنَ اعتراف الأنبياء بذنوبهم) في الدنيا أو يوم القيامة (وتوبتهم) أي عن تقصيرهم في طاعتهم (واستغفارهم) أي طلب مغفرتهم عن سهوهم وغفلتهم (وبكائهم على ما سلف منهم) في حالتهم كداود إذ قد ورد أنه بكى حتى بلت دموعه الأرض (وإشفاقهم) أي من عقوبتهم في عاقبتهم (وهل يشفق) بصيغة المجهول أي يخاف (ويتاب ويستغفر من لا شيء) أي من غير شيء هو باعث وفي نسخة من لا يسيء أي لا يذنب على أن الأفعال الثلاثة فيما قبله مبنية للفاعل (فَاعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ دَرَجَةَ الْأَنْبِيَاءِ في الرّفعة والعلوّ) أي علو الرتبة (والمعرفة بالله) واتصافه بنعوت جلاله وعظمته وكبريائه (وسنّته) أي عادته الجارية (في عباده وعظم سلطانه) وكريم برهانه وعلو شأنه وفي نسخة وعظم سلطانه (وقوّة بطشه) أي أخذه بالقهر والغلبة (مِمَّا يَحْمِلُهُمْ عَلَى
[ ٢ / ٣٠٦ ]
الخوف منه ﷻ) وعظم كماله (والإشفاق) أي وعلى الحذر (مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ بِمَا لَا يُؤَاخَذُ بِهِ غَيْرُهُمْ) كما يشير إليه قوله تعالى إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ وحديث أنا اعلمكم بالله وأخشاكم له (وأنّهم في تصرّفهم بأمور) أي مباحة (لَمْ يُنْهَوْا عَنْهَا وَلَا أُمِرُوا بِهَا ثُمَّ أوخذوا) وفي نسخة وخذوا أي عوقبوا (عليها وعوتبوا بسببها وحذّروا) أي احترسوا وفي نسخة حذروا بتشديد الذال على بناء المجهول أي خوفوا (من المؤاخذة بها وأتوها) أي فعلوها (على وجه التّأويل أو السّهو) أي الخطأ والغفلة (أو تزيّد) بفتح التاء والزاء وتشديد الياء أي على وجه طلب زيادة (من أمور الدّنيا المباحة خائفون) أي وهم مشفقون (وجلون) أي حذرون مضطربون (وهي ذنوب بالإضافة إلى عليّ منصبهم) بفتح العين وكسر اللام وتشديد الياء أي علوه (ومعاص بالنّسبة إلى كمال طاعتهم) وجمال عبادتهم (لا أنّها كذنوب غيرهم ومعاصيهم) أي معاصي غيرهم كما أن طاعات الأنبياء وإيمانهم ليست كطاعات الأمم وإيمانهم في مراتب ايقانهم واتقانهم فلا يقاس الملوك بالحداد والصعلوك (فإنّ الذّنب مأخوذ من الشّيء الدّني) أي الحقير الخسيس (الرّذل) بفتح الراء وسكون الذال المعجمة أي المذموم الردي (ومنه ذنب كلّ شيء) بفتحتين (أي آخره وأذناب النّاس رذّالهم) بضم أوله وتخفيف ثانيه جمع رذل أي خسيستهم وفي نسخة أراذلهم جمع ارذل (فكأن) بتشديد النون وفي نسخة فكان وفي أخرى فكانت (هذه) أي الأمور التي تصرفوا فيها (أدنى أفعالهم) أي أردأها (وأسوأ ما يجري من أحوالهم) بالإضافة إلى أعلى مراتب أفعالهم (لتطهيرهم وتنزيههم) عما لا يليق بهم (وعمارة بواطنهم وظواهرهم بالعمل الصّالح) مما أمروا به واجبا أو مندوبا (والكلم الطّيّب) من تهليل وتسبيح وتكبير واذكار ودعاء واستغفار وفيه إشارة إلى قوله تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وفي الحديث أن الكلم الطيب سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك فحيى بها وجه الرحمن فإذا لم يكن له عمل صالح لم تقبل (والذّكر الظّاهر) أي الجلي (والخفيّ) أي الباطن وفي الحديث خير الذكر الخفي (والخشية لله) لما تقدم من الآية والحديث (وإعظامه في السّرّ والعلانية) بتحسين النية وتزيين الطوية (وغيرهم) من عوام الأمة (يتلوّث) أي يتلطخ بقاذورات الذنوب (من الكبائر والقبائح) أي الشاملة اللصغائر (والفواحش) أي اعظم الكبائر وهو ما يتعلق بحقوق العباد (ما) وكان حقه أن يقول كما في نسخة بما أي يتلوث غيرهم بأشياء (تكون هذه الهنات) بفتح الهاء والنون أي العثرات والزلات وفي نسخة الهيئات بفتح الهاء وسكون الياء وهمزة ممدودة أي الحالات وفي نسخة بالإضافة إلى هذه الهنات ويروى بالإضافة إليه هذه الهنات فالهنات بالرفع فاعل تكون والمعنى تكون الهنات التي صدرت عن أصحاب النبوات بالإضافة إليه على أن الضمير في إليه يعود إلى ما أي بالنسبة إلى ما يتلوث به ذلك الغير من السيئات (في حقّه) أي في حق غيرهم (كالحسنات) بل حسنات إذ ليست في الحقيقة سيئات بل طاعات (كما قيل حسنات الأبرار) أي من المؤمنين (سيّئات
[ ٢ / ٣٠٧ ]
المقرّبين) من الأنبياء والمرسلين (أي يرونها) أي يظنون تلك الحسنات (بالإضافة إلى عليّ أحوالهم كالسّيّئات) وهذا كما قيل كان المقربون أشد استعظاما للزلة الصغيرة من الإبرار للمعصية الكبيرة وكانوا فيما أحل لهم أزهد من الإبرار فيما حرم عليهم وكان الذي لا بأس به عند الإبرار كالموبقات عند أولئك الأخبار فبين المقامين بون بين (وكذلك العصيان) أي معناه (التّرك) أي ترك الموافقة (والمخالفة) في الطاعة إلا أنه إن كان عن عمد فذنب ومعصية وإلا فزلة وعثرة (فعلى مقتضى اللّفظة) أي إطلاقها (كيف ما كَانَتْ مِنْ سَهْوٍ أَوْ تَأْوِيلٍ فَهِيَ مُخَالَفَةٌ وترك) أي وترك طاعة إما حقيقة وإما صورة (وقوله غوى أي جهل) وكان الأحسن في العبارة أن يقول لم يعرف (أنّ تلك الشّجرة) المأكول منها (هي التي نهي عنها) أي بعينها أو غيرها من جنسها فأكل منها غير عالم أنها هي بخصوصها وهذا معنى قوله تعالى فَنَسِيَ (والغيّ الجهل) وأصل معنى غوى ضل وقد يأتي متعديا فيكون المعنى أنه أغوته حواء بأن تبعها في الهوى (وقيل) أي في معنى غوى (أَخْطَأَ مَا طَلَبَ مِنَ الْخُلُودِ إِذْ أَكَلَهَا) إذ تعليلية والمعنى لأنه أكلها (وخابت أمنيّته) بضم الهمزة وكسر النون وتشديد التحتية وهي ما يتمنى والجمع أماني مشددا ويخفف (وهذا يوسف ﵇ قد ووخذ) بواوين وفي نسخة أوخذ أي عوتب (بقوله لأحد صاحبي السّجن) أي ساكنه معه وهو الشرابي للملك (اذْكُرْنِي) أي حالي عِنْدَ رَبِّكَ) أي سيدك ليخلصني من سجني (فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) مصدر مضاف إلى مفعوله أي أنساه ذكر يوسف لسيده (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ) أي مكث في الحبس (بِضْعَ سِنِينَ [يوسف: ٤٢]) وأكثر ما قيل إنه ﵇ لبث فيه سبع سنين وقيل لبثها سبعا أي بعد قوله اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ (قيل أنسي يوسف) بصيغة المجهول أي أنساه السيطان (ذكر الله تعالى) حتى استعان بما سواه؛ (وَقِيلَ أُنْسِيَ صَاحِبُهُ أَنْ يَذْكُرَهُ لِسَيِّدِهِ الْمَلِكِ) كما قدمناه وفي الجملة، (قال النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لولا كلمة يوسف) أي هذه (ما لبث في السّجن ما لبث) أي مدة لبثه وفي رواية رحم الله أخي يوسف لم يقل اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ لما لبث في السجن سبعا بعد الخمس على ما بيناه والاستعانة في كشف شدائد البلاء وإن كانت محمودة في الجملة لكن لا تليق بمنصب الأنبياء والكمل من الأولياء والاصفياء ونظيره ما حكي عن الجنيد أنه كان في جنازة فرأى سائلا يسأل فخطر بباله لو اكتسب هذا لكان خيرا له من أن يسأل فرأه في منامه ميتا ويقال له كل منه فقال كيف آكل منه وهو آدمي فقيل له إنك اغتبته فقال معاذ الله وإنما خطر ببالي ذلك فقيل له إنا لا نرضى من مثلك بهذا (قال ابن دينار) من اجلاء التابعين واسمه مالك مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة وهو من أجل علماء البصرة وزهادهم يروي عن أنس وسعيد بن جبير وثقه النسائي وغيره وقد ذكره ابن حبان في الثقات أخرج له الأربعة وعلق له البخاري وقد رواه ابن أبي حاتم أيضاف عن أنس موقوفا (لمّا قال ذلك يوسف) أي اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ (قيل له) أي بالوحي الجلي أو الخفي وهو الإلهام الغيبي (أتّخذت من
[ ٢ / ٣٠٨ ]
دوني وكيلا) بهمزة الاستفهام الانكاري مقررا أو مقدرا (لأطيلنّ حبسك) أي عن غيري لتطمئن إلى أمري وتسلم لي في قضائي وقد روي وتعرف حقيقة قدري فحبسه كان تهذيبا لا تعذيبا كالأربعين للمريدين تأديبا وتدريبا، (فقال) أي يوسف اعتذارا (يا ربّي أنسى قلبي كثرة البلوى) النازلة على قلبي من حين ألقيت في جبي وفورق بيني وبين أبي وحبي؛ (وقال بعضهم يؤاخذ) بصيغة المفعول وفي نسخة بالفاعل وفي أخرى أخذ (الأنبياء بمثاقيل الذّرّ) أي من محقرات الأمر (لمكانتهم عنده) أي لرفعة مرتبتهم لديه في القدر (ويجاوز) بالوجهين وفي نسخة ويتجاوز وفي أخرى وتجاوزه (عن سائر الخلق لقلّة مبالاته بهم) أي لعدم عنايته ورعايته وحمايته فيهم وإلا لكانوا كلهم اصفياء من انبياء أو أولياء (في أضعاف ما أتوا به) بقصر الهمزة أي ما فعلوه (من سوء الأدب) أي كالجبال في مخالفة أمر الرب (وقد قال المحتجّ للفرقة الأولى) أي اعترض المستدلي الموافق للطائفة السابقة القائلة بإثبات المعصية للأنبياء بعد البعثة وأورد (على سياق ما قلناه) ولحاق ما أولناه بطريق السؤال لما ظهر له من الإشكال حيث قال (إذا كان الأنبياء يؤاخذون بهذا) الحال والمنوال (مِمَّا لَا يُؤَاخَذُ بِهِ غَيْرُهُمْ مِنَ السَّهْوِ والنّسيان) في الأقوال والأفعال (وما ذكرته) من حالهم بأنهم يؤاخذون بمثاقيل الذر مما لا يؤاخذ به غيرهم في مقادير الجبال (وحالهم أرفع) جملة حالية أي والحال أنهم أرفع درجة في نفس الأمر (فحالهم إذن) أي حينئذ (في هذا) أي في حق المؤاخذة (أسوأ حالا من غيرهم) حيث يعاملون بالمسامحة والمساهلة وهذا من خسافة العلم ورثاثة الفهم إذ لم يهتد إلى أن الأرفع درجة والأقرب منزلة من ربه لا يسامح بما يسامح البعيد عن مقام قربه كالوزراء والأمراء بالنسبة إلى الملوك إذا كانوا على بساط الانبساط يخالف عليهم أقوى من الرعايا في المفازات البعيدة المشتغلين بأنواع النشاط ومن هنا يعلم معنى قوله تعالى إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ وحديث أنا أخشاكم له واتقاكم إذا عرفت ذلك مجملا، (فاعلم) ما سنلقي إليك مفصلا (أكرمك الله أنّا لا نثبت) بالتشديد والتخفيف (لك) أي مخاطبا لك ومبينا لأجلك (المؤاخذة) أي مؤاخذتهم (في هذا) الباب (على حدّ مؤاخذة غيرهم) من حلول العقاب وحصول الحجاب الدنيوي أو الأخروي؛ (بل نقول إنّهم) أي الأنبياء ونحوهم من العلماء (يؤاخذون بذلك في الدّنيا ليكون ذلك) مع كونه كفارة لما صدر عنهم هنالك (زيادة) أي لهم كما في نسخة (في درجاتهم) في العقبى (ويبتلون) بضم الياء وفتح اللام على صيغة المجهول أي ويمتحنون (بذلك) أي بمؤاخذة ربهم (ليكون استغفارهم له) وفي أصل الأنطاكي ليكون استشعارهم له أي ليكون وقوع ذلك في قلوبهم (سببا لمنماة رتبهم) بفتح الميم الأولى أي لزيادة مراتبهم ومزية مناقبهم (كما قال) عز من قائل في حق آدم ﵊ (ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى [طَهَ: ١٢٢]) وقال في حق يونس ﵊ فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ أي الكاملين في الصلاح القائمين بحقوق الله تعالى وحقوق العباد على وجه الفلاح (وقال تعالى لداود) أي في حقه ولأجله (فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ [ص: ٣٥] الآية) أي
[ ٢ / ٣٠٩ ]
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (وَقَالَ بَعْدَ قَوْلِ مُوسَى تُبْتُ إِلَيْكَ. إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ [الأعراف: ١٤٤]) أي برسالاتي وبكلامي (وَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ فِتْنَةِ سُلَيْمَانَ وَإِنَابَتِهِ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ [ص: ٣٦] إِلَى وَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٢٥]) أي إلى قوله وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ وأمثال ذلك مما ورد في هذا الباب (وقال بعض المتكلّمين) من أرباب الإشارات (زلّات الأنبياء في الظّاهر زلّات) أي عثرات تستوجب ملامات (وفي الحقيقة كرامات وزلف) بضم الزاء وفتح اللام أي قربات ومكرمات (وأشار إلى نحو ممّا قدّمناه) من مستحسنات عبارات (وأيضا فلينبّه) من التنبيه بصيغة المجهول أو من الانتباه بصيغة المعلوم (غيرهم من البشر) وهم خواص أمتهم وأولياء ملتهم وعلماء شريعتهم (منهم) أي من جهة أحوالهم (أو ممّن ليس في درجتهم) من أهل النبوة لتفاوت مرتبتهم (بمؤاخذتهم بذلك) أي بمعاتبتهم بما فعلوا هنالك (فيستشعروا الحذر ويعتقدوا المحاسبة) فيما قل وكثر (ليلتزموا الشّكر على النّعم) بأن سلموا من موجب النقم (ويعدّوا) بضم الياء وكسر العين وتشديد الدال أي ويهيئوا (الصّبر على المحن) عند ابتلائهم بالفتن (بملاحظة ما وقع) أي حل (بأهل هذا النّصاب) أي القدر الكامل من النصب ويروى هذا النمط أي الطريق (الرّفيع) في الرتبة (المعصوم) أي المحفوظ من الفتنة والمحنة (فكيف بمن سواهم) ممن يدعي المحبة والمتابعة في طريق المودة، (ولهذا قال صالح المرّيّ) بضم الميم وتشديد الراء نسبة إلى قبيلة بني مرة وهو الواعظ الزاهد يروي عن الحسن البصري وعنه يونس المؤدب ويحيى بن يحيى ضعفوه وقال أبو داود لا يكتب حديثه وقال الترمذي له غرائب ينفرد بها ولا يتابع عليها وهو رجل صالح وقد أخرج له الترمذي (ذكر داود) مبتدأ أي ذكر الله تعالى قصة داود خبره (بسطة للتّوّابين) أي تسلية ونشاط وسبب انبساط للمذنبين ليتهيأوا للتوبة ولا ييأسوا من الرحمة (قال ابن عطاء) وهو من العلماء الأجلاء (لم يكن ما نصّ الله تعالى من قصّة صاحب الحوت) وهو يونس ﵇ (نقصا له) في المرتبة (ولكن) كان نصه (استزادة من نبيّنا ﵊) في علو الدرجة (وأيضا فيقال لهم) أي للقائلين بجواز صدور المعصية عن ارباب النبوة بعد البعثة بطريق الالزام في القضية (فإنّكم ومن وافقكم) في هذه العقيدة (تقولون) أي اتقولون (بغفران الصّغائر باجتناب الكبائر) أي بمجرد اجتنابها فيلزم منه غفران الكبائر (ولا خلاف) أي بيننا وبينكم (فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْكَبَائِرِ فَمَا جَوَّزْتُمْ من وقوع الصّغائر عليهم) أي بالفرض والتقدير (هي مغفورة على هذا) التقرير (فما معنى المؤاخذة بها إذا) أي حينئذ (عندكم) مع قولكم إنهم منزهون عن الكبائر (وخوف الأنبياء) أي وما معنى خوف الأنبياء من الصغائر (وتوبتهم منها وهي مغفورة لهم) أي لاجتنابهم الكبائر (لو كانت) أي الصغائر موجودة (فما أجابوا به) لنا (فهو جوابنا عن المؤاخذة بأفعال السّهو والتّأويل) وفيه أن مذهب أهل السنة والجماعة أنه يجوز العقوبة على الصغائر لو اجتنب مرتكبها الكبائر لدخولها تحت قوله تعالى وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ نعم ذهب بعض المعتزلة إلى أنه إذا اجتنب الكبائر لم يجز تعذيبه
[ ٢ / ٣١٠ ]
بالصغائر لا بمعنى أنه يمتنع عقلا بل بمعنى أنه لا يجوز أن يقع لقيام الأدلة السمعية على أنه لا يقع مستدلا بظاهر قوله تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وأجيب بأن الكبيرة المطلقة هي الكفر لأنه الكامل في المعصية وجمع الاسم بالنظر إلى أنواع الكفر الصادر من اليهود والنصارى والمشركين وإن كان الكل ملة واحدة في حكم الكفر أو إلى أفراده القائمة بأفراد المخاطبين فيكون من قبيل مقابلة الجمع بالجمع فيكون التقدير أن تجتنبوا أنواع الكفر نكفر عنكم سيئاتكم السابقة وأما اللاحقة فهي تحت المشيئة للآية المتقدمة فالخطاب على هذا للكفرة أو المعنى إن تجتنبوا الكبائر نكفر عنكم الصغائر بالحسنات من الطاعات كالصلاة والزكاة وسائر العبادات والله ﷾ أعلم بحقيقة الحالات، (وَقَدْ قِيلَ إِنَّ كَثْرَةَ اسْتِغْفَارِ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم وتوبته) أي بوصف كثرته (وغيره من الأنبياء) إنما كان (على وجه ملازمة الخضوع والعبوديّة) ولوازمها من المسكنة والخشوع (والاعتراف بالتّقصير) في القيام بحق العبودية كما يقتضيه كمال الربوبية وجمال الألوهية (شكرا لله على نعمه) أي من إحسانه وكرمه (كما قال ﵊ وقد أمن) بفتح فكسر وفي نسخة بضم فتشديد ميم مكسور مجهول من باب التفعيل وليس كما قال الأنطاكي الظاهر إنه غلط إذ البناء المجهول من هذا الباب أو من بالميم المخففة وأصله أو من قلبت الهمزة الثانية واوا لسكونها وانضمام ما قبلها هذا مقتضى القواعد التصريفية انتهى نعم هذا مقتضاها لو اريد مجهول أمن من باب الأفعال والله اعلم بالأحوال أي والحال أنه قد اعطى الأمن (من المؤاخذة بما تقدّم وما تأخّر) من ذنبه ومع هذا قام في التهجد لربه حتى تورمت قدماه من طول قيامه مع علو مقامه وقلة منامه مغاتبه بعض أصحابه اتفعل هذا وقد غفر الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فقال في جوابه (أفلا أكون عبدا شكورا) أي كثير الشكر لربي على مغفرة ذنبي وشرح صدري وقلبي (وقال) في حديث آخر في جواب من قال يبيح الله لنبيه ما شاء من الأشياء (إنّي أخشاكم لله) وفي نسخة لأخشاكم الله أي أكثركم خشية (وأعلمكم بما أتّقى) أي احذره فأتركه من المعصية والمخالفة ورواه البخاري بلفظ إني لأتقاكم وأخشاكم له وفي رواية أن أخشاكم واتقاكم لله أنا (قال الحارث بن أسد) وفي نسخة سويد والأول هو المعول وهو المحاسبي العارف الزاهد المعروف البصري الأصل صاحب التأليف منها كتاب الرعاية ومنها النصائح ومن جملة كلامه أنه لا يعمل بما فيه خلاف الأولى والمحاسبي بضم الميم نسبة إلى محاسبة نفسه كما في النووي روى عن زيد بن هارون وغيره وعنه ابن مسروق ونحوه وهو ممن اجتمع له علم الظاهر والباطن والشريعة والطريقة والحقيقة ورث من أبيه سبعين ألف درهم فلم يأخذ منها شيئا لأقل ولأجل لأن أباه كان يقول بالقدر فرأى من الورع أن لا يأخذ من ميراثه ومات وهو محتاج إلى درهم واحد وكان إذا مد يده إلى طعام فيه شبهة تحرك على أصبعه عرق فكان يمنع منه وفي هذا من مناقبه توفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين (خَوْفُ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ خَوْفُ إِعْظَامٍ وَتَعَبُّدٍ لِلَّهِ) على وجه إجلال واكرام (لأنّهم آمنون) من
[ ٢ / ٣١١ ]
وقوع إيلام. (وقيل فعلوا) أي الأنبياء (ذلك) أي إظهار التوبة والاستغفار هنالك (ليقتدى بهم) غيرهم (وتستنّ بهم) أي يتابعهم (أممهم كما قال ﵊ لو تعلمون ما أعلم) أي من الأهوال وشدائد الأحوال (لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا) رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس ورواه الحاكم في مستدركه عن أبي ذر وزاد ولما ساغ لكم الطعام والشراب ورواه الطبراني والحاكم والبيهقي عن أبي الدرداء وزاد ولخرجتم إلى الصعدات بضمتين أي الطرقات تجأرون إلى الله تعالى لا تدرون تنجون أو لا تنجون (وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ مَعْنًى آخَرَ لطيفا) ومبنى شريفا (أَشَارَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ اسْتِدْعَاءُ مَحَبَّةِ الله) باستقصاء الغيبة عما سواه (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) أي الذين يرجعون إلى الله بتوبتهم عن رؤية حولهم وقوتهم أي عن ملاحظة طاعاتهم وعباداتهم (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢]) عن وجودهم وشهودهم وعن جودهم (فإحداث الرّسل والأنبياء) أي إيجادهم وإظهارهم (الاستغفار) وفي نسخة الاستغفار أي طلب المغفرة عل وجه الافتقار وطريق الانكسار (والتّوبّة) عن الغفلة (والإنابة) أي الرجوع من المباح إلى الطاعة (والأوبة) أي الانتقال من حال إلى حال لطلب الكمال (في كلّ حين) من زمان الاستقبال (استدعاء) أي استجلاب (لمحبّة الله) بالرجوع إلى ما يحبه ويرضاه (والاستغفار فيه معنى التّوبة) كما أن فيها معنى الاستغفار فهما متلازمان في مقام الاعتبار والحاصل أنه لا يلزم من الاستغفار والتوبة مباشرة الذنب والمعصية، (وقد قال الله لنبّيه) النبيه (بَعْدَ أَنْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذنبه وما تأخّر) إن كان هنالك ذنب حقيقي يتصور (لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ [التوبة: ١١٧] الآية) أي الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا الآية والمعنى أنه سبحانه وفقهم للتوبة أو قبل توبتهم أو ثبتهم على التوبة وذكر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تحسين للتوبة وتزيين للقضية وكذا ذكر المهاجرين والأنصار جبر لخواطر أرباب الانكسار من الثلاثة الذين خلفوا وأظهروا التوبة والاستغفار (وقال) أي لله ﷾ (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ) أي اجمع في دعائه بين التسبيح والحمد في ثنائه المشعر بنفي الصفات السلبية وبإثبات النعوت الثبوتية (وَاسْتَغْفِرْهُ) أي اطلب منه المغفرة في المجاوزة عما يصدر منك من الغفلة أو التقصير والفترة (إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا [النصر: ٣]) أي كثير الرجوع عليك بالرحمة صلى الله تعالى عليه وسلم كثيرا يقول سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وبحمده استغفر الله وأتوب إليه وكان نزول هذه الآية الشريفة بعد فتح مكة المنيفة وفيه إيماء إلى الارتحال بعد تحصيل الكمال والانتقال إلى ما كان له من الحال فالعود أحمد والنهاية هي الرجوع إلى البداية فقد روت عائشة رضي الله تعالى عنها أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان قبل موته يكثر أن يقول سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك وأتوب إليك وكان آخر كلامه اللهم الرفيق الأعلى وقد بلغه الله تعالى المقام الأعلى والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ٣١٢ ]
فصل [قد استبان لك أيها الناظر بما قررناه ما هو الحق من عصمته ﵇]
(قد استبان) أي ظهر وتبين (لك أيّها النّاظر) أي المتأمل (بما قرّرناه) من الكلام وحررناه من المرام (ما هو الحقّ من عصمته ﵊) وكذا عصمة سائر الأنبياء ﵈ وكان الأطهر أن يقول من عصمتهم ﵈ (عن الجهل بالله تعالى) أي بذاته (وصفاته) وأفعاله ومصنوعاته (وكونه) وفي نسخة أو كونه أي كون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بخصوصه أي بجنسه (عَلَى حَالَةِ تُنَافِي الْعِلْمَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) أي مما ذكر من الذات والصفات (كلّه) جميعه (جملة) أي إجمالا لا تفصيلا إذ يحيط به أحد علما وهذه العصمة ثابتة له (بعد النّبوة عقلا وإجماعا وقبلها سماعا ونقلا) كان الأولى بحسب السجع نقلا وسماعا ومؤداهما واحد والمراد بالسماع ما ثبت بالسنة وبالنقل ما نقل عن الأئمة وذلك كحديث الصحيحين ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جدعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة رضي الله تعالى عنه اقرؤوا إن شئتم فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وحديث كل عبادي خلقت حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم فأمروهم أن يشركوا بي غيري ومن المعلوم استثناء الأنبياء إذ لم يجعل للشيطان عليهم سبيلا في الاغواء قال تعالى إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وقوله (فاجتالتهم) بالجيم أي استخفتهم فجالوا معه في ميدان الضلالة يهيمون وروي بالحاء أي نقلتهم من حال إلى حال فهم في طغيانهم يعمهون (ولا بشيء) أي ولا على حالة تنافي العلم بشيء (ممّا قرّرناه) أي النبي (من أمور الشّرع وأدّاه عن ربّه ﷿ من الوحي) أي الجلي أو الخفي من الكتاب والسنة (قطعا) أي بلا شبهة (وعقلا وشرعا) أي من الجهتين (وعصمته) أي ومن عصمة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (عن الكذب) في القول مطلقا (وخلف القول) في الإخبار (منذ نبّأه الله تعالى) أي من ابتداء ما أظهر نبوته خصوصا (وأرسله) إلى أمته (قصدا أو غير قصد) أي لا عن عمد ولا عن خطأ (واستحالة ذلك) أي ومن استحالة ما ذكر من الكذب والخلف (عليه شرعا) أي سمعا (وإجماعا ونظرا) أي عقلا (وبرهانا) أي بيانا ظاهرا (وتنزيهه عنه) أي عن الكذب (قبل النّبوّة قطعا) لئلا تقع الأمة في الشبهة بعدها أصلا (وتنزيهه عنه الكبائر إجماعا) من غير التفات لمن خالف فيه سمعا أو عقلا (وعن الصّغائر تحقيقا) لحملها على خلاف الأولى تدقيقا (وعن استدامة السّهو والغفلة) توفيقا وقد قيل:
يا سائلي عن رسول الله كيف سها والسهو من كل قلب غافل لاه
قد غاب عن كل شيء سره فسها عما سوى الله في التعظيم لله
(وَاسْتِمْرَارِ الْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ عَلَيْهِ فِيمَا شَرَعَهُ لِلْأُمَّةِ) من الأحكام واجبا ومندوبا وحراما ومكروها وخلاف الأولى ومباحا (وعصمته) أي ومن عصمته (فِي كُلِّ حَالَاتِهِ مِنْ رِضًى
[ ٢ / ٣١٣ ]
وغضب وجدّ) بكسر الجيم ضد الهزل والمراد به هنا العزم والحزم (ومزح) فإنه كما قال أمزح ولا أقول إلا حقا فإذا كان مزحه حقا فكيف لا يكون جده صدقا (فيجب عليك) يروى مما يجب لك (أن تتلقّاه) أي تأخذ وتنول وتقبل ما صدر من مشكاة صدره في أي حالة كانت من أمره (باليمين) أي بالقوة أو بالبركة وقيل باليد اليمين لأن اليمين تمد إلى كل حسن مرغوب ويتناول بها كل عزيز مطلوب (وتشدّ عليه يد الضّنين) بالضاد المعجمة أي البخيل الممسك للشيء الثمين وهذا نظير ما يقال عضوا عليه بالنواجذ (وتقدر) بكسر الدال وضمها أي تعرف (هذه الفصول حقّ قدرها) أي حق معرفتها أو تعظمها حق عظمتها كما قيل بالمعنيين في قوله تعالى وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (وتعلم عظيم فائدتها وخطرها) بفتحتين وحكي سكون ثانيهما أي منزلتها وقدرها وعائدتها (فَإِنَّ مَنْ يَجْهَلُ مَا يَجِبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم أو يجوز أو يستحيل عليه) أي يمتنع عقلا أو نقلا (ولا يعرف صور أحكامه) أي فرضا ونفلا (لا يأمن) ويروى لا يؤمن أي عليه من (أن يعتقد في بعضها) أي المذكورات (خلاف ما هي عليه) من الصواب في القضيات المشهورات (ولا ينزّهه) أي النبي (عمّا لا يجب) ويروى عما لا يجوز أي لا ينبغي (أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ فَيَهْلِكَ مِنْ حَيْثُ لَا يدري) ما يترتب عليه (ويسقط في هوّة الدّرك) بضم الهاء وتشديد الواو الوهدة العميقة والدرك بفتح الراء وسكونها ضد الدرج (الأسفل من النّار) أي منازلها وفيه إشعار إلى أن من لم يكن في زيادة فهو في نقصان ومن لم يكن في اعتلاء فهو في ارتداء إذ لا توقف للإنسان في مرتبة استواء ومنه قول أبي الفضل التورزي:
ونزولهموا وطلوعهموا فإلى درك وعلى درج
فالأبرار لهم درجات والفجار لهم دركات (إذ ظنّ الباطل به) أي بالنبي ﵊ (واعتقاد ما لا يجوز عليه يحلّ) بفتح الياء وضم الحاء ويكسر وبتشديد اللام أي ينزل (بصاحبه) فيدخل (دار البوار) أي الهلاك والخسار (ولهذا) المعنى (ما) أي الأمر الذي وقيل ما زائدة (احتاط النبي صلى الله تعالى عليه وسلم) أي اخذ بالحزم والثقة من جهة الشفقة (على الرّجلين) أي من الأنصار كما في البخاري وغيره قيل هما أسيد بن حضير وعباد بن بشر (اللَّذَيْنِ رَأَيَاهُ لَيْلًا وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ) جملة معترضة (مع صفيّة) متعلق برأياه (فقال لهما إنّها صفيّة) أي إحدى أمهات المؤمنين وقد جاءت تزوره في اعتكافه في العشر الأواخر من رمضان فتحدثت معه ساعة ثم قام معها لينقلها إلى بيتها حتى إذا بلغت باب المسجد فمرا به فأبصراه فسلما على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأسرعا في المشي إما لحيائهما من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وإما لئلا يستحيي النبي ﵊ منهما فقال لهما على رسلكما أي اثبتا على مشيكما ولا تسرعا في سيركما أنها صفية فقالا سبحان الله تعجبا من قوله ذلك لهما إذا لا يظن مسلم به ﵊ ما لا يليق به
[ ٢ / ٣١٤ ]
من قبح المقام، (ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابن آدم مجرى الدّم) بنفوذه في المنافذ الضيقة للوساوس الخفية وفي النهاية المراد من قوله يجري مجرى الدم أنه يتسلط عليه وتسري وساوسه في العروق مجرى الدم لا أن يدخل جوفه (وإنّي خشيت أن يقذف) أي يلقي ويرمي (في قلوبكما شيئا) وفي رواية شرا (فتهلكا) قال الخطابي خشي صلى الله تعالى عليه وسلم عليهما الكفر لو ظنا تهمة برؤيته معه امرأة أجنبية فبادر إلى اعلامهما بمكانها نصيحة لهما في حق الدين قبل أن يقعا في امر يهلكان به انتهى وفي هذا إيماء إلى عصمة الأنبياء ﵈ من مقارفة السوء والفخشاء. (هذه) أي الفائدة الجلية وهي ما ذكر من احتياطه ﵊ للرجلين في هذه القضية (أكرمك الله) تعالى جملة معترضة بين المبتدأ والخبر وهو (إِحْدَى فَوَائِدِ مَا تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الفصول) السالفة من تعظيم ارباب النبوة وأصحاب الرسالة تحذيرا من أن يعتقد بهم ما لا يليق بكريم مناقبهم لأجل جهالته بعصمتهم وغفلته عما يجب لهم ويجوز ويمتنع من حالتهم (ولعلّ جاهلا) أي عن مراتب العلم غافلا (لا يعلم بجهله) أي يجهل كونه جاهلا ويسمى جهلا مركبا (إذا سمع شيئا منها) أي من تنزيهات الأنبياء ﵈ ويروى من هذا أي مما ذكر (يرى) أي يظن (أنّ الكلام فيها) ويروى فيه (جملة) أي بجملتها أو مجملة (من فضول العلم) أي زوائده وهو خبر أن (وأنّ) ويروى أو أن (السّكوت أولى) من التعرض لذكره (وقد استبان لك أنّه) أي الكلام في عصمتهم ﵈ (متعيّن) أي واجب معرفته على أهل الإسلام (للفائدة الّتي ذكرناها) مع فوائد أخر في هذا المقام كما بينه بقوله (وفائدة ثانية يضطرّ) بصيغة المجهول أي يحتاج (إِلَيْهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَيُبْتَنَى عَلَيْهَا مَسَائِلُ) متفرعة عنها (لا تنعدّ) لكثرتها وهي لغة رديئة في لا تعد ذكرها الدلجي وفي حاشية التلمساني لا تبعد من البعد ومعناه قريبة تبنى عليها المسائل (من الفقه) وروى لا تتعدد تفعل من العدد ومعناه مسائل كثيرة لا يحصرها العد ومن الفقه على الاول معمول لا تنعد وهو الأظهر أو مسائل ولا تنعد صفة وعلى الثاني عامله هو المسائل فقط ولا يصح تتعدد لفساد المعنى (ويتخلّص) بصيغة المجهول أي ويحصل الخلاص (بها من تشغيب مختلفي الفقهاء) أي تهييجهم الشر والفتنة والخصوصة (في عدّة منها) أي من المسائل (وهي) أي الفائدة المضطر إليها في أصول الفقه وغيره (الحكم في أقوال النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي جنسه أو خصوصه (وَأَفْعَالِهِ وَهُوَ بَابٌ عَظِيمٌ وَأَصْلٌ كَبِيرٌ مِنْ أصول الفقه) لابتناء كثير من أحكام الشريعة عليها وتفرعها عنها (ولا بدّ من بنائه) أي الأصل الكبير (على صدق النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في أخباره) بكسر الهمزة أو فتحها (وبلاغه) أي تبليغه وهذا تخصيص بعد تعميم (وأنّه لا يجوز عليه السّهو فيه) أي في إبلاغ ما أمر تبليغه (وعصمته من المخالفة في أفعاله عمدا) احتراز من وقوعها سهوا (وبحسب اختلافهم) بفتح السين وأبعد الحلبي فقال هنا بإسكانها (في وقوع الصّغائر) من جواز صدورها وعدمه من الأنبياء (وقع خلاف) وفي نسخة اختلاف (في امتثال الفعل) أي بمجرد صدوره
[ ٢ / ٣١٥ ]
منهم والحق المصير إلى امتثال أفعالهم واتباع سيرهم وآثارهم مطلقا بلا قرينة على ما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك وأكثر أصحاب الشافعي (بسط بيانه) بصيغة المصدر وفي نسخة وبسط وهو يحتمل أن يكون مصدرا وأن يكون فعلا مجهولا أي وشرح بيان امتثال الفعل (في كتب ذلك العلم) أي علم الأصول في الدين المذكور فيه اختلافهم في وقوع الصغائر منهم أو علم أصول الفقه المذكور فيه اختلافهم في امتثال أفعالهم المقصودة دون أفعالهم بمقتضى العادة (فلا نطوّل) أي الكلام (فيه) وفي نسخة أي لا نطول الكتاب بذكره اكتفاء بما هنالك من استيفاء ذلك (وفائدة ثالثة يحتاج إليها الحاكم) قاضيا كان أو غيره (والمفتي) أي مجيب السائل عن مسألته الحادثة (فيمن أضاف) أي نسب (إلى النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ وَوَصَفَهُ بها) أي مما يجب له أو يجوز أو يمتنع مما سيأتي تفصيلها (فمن لم يعرف ما يجوز) أي له فعله (وما يمتنع عليه) أي وقوعه منه (وما وقع الإجماع فيه والخلاف) أي ولم يعرف موضع الاتفاق ومحل الاختلاف (كيف) أي على أي حال (يصمّم) أي يتمادى عليه ويجزم به ويعزم (في الفتيا) بضم الفاء وأما الفتوى فبفتحها وقد يضم وكلاهما اسم للافتاء (في ذلك) أي الذي يجب له أو يجوز أو يمتنع عليه إذا رفع السؤال إليه (ومن أين يدري هل ما قاله) أي الحاكم أو المفتي (فيه) أي في حقه ﵊ (نقص) أي طعن (أو مدح) حتى يقدم على حكمه ليعمل به وإذا لم يعلم وأقدم (فإمّا أنّ يجترىء) أي يهجم (على سفك دم مسلم حرام) أي اراقته من غير استحقاقه (أو يسقط حقّا) أي أمرا ثابتا (ويضيّع حرمة للنّبيّ) وفي نسخة حرمة النبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) فيهلك من حيث لا يعلم والثاني أقبح من الأول لأنه موجب كفر له ولغيره فتأمل (ولسبيل هذا) أي ما ذكر من الكلام في عصمة الأنبياء ﵈ (ما) ظائدة أو موصولة (قد اختلف أرباب الأصول) أي أصول الدين (وأئمة العلماء) من المجتهدين (والمحقّقين) من المفسرين والمحدثين (في عصمة الملائكة) المقربين والمعتمد أنهم كالأنبياء والمرسلين في تنزيههم عن المخالفة في أمر الدين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
فصل (في القول في عصمة الملائكة)
جمع ملك أصله ملأك حذفت همزته بعد نقل حركتها لكثرة الاستعمال وقيل أصله مألك من الألوكة وهي الرسالة فأخرت ثم جمع وقد تحذف الهاء فيقال ملائك (أجمع المسلمون على أنّ الملائكة مؤمنون) كاملون (فضلاء) بضم ففتح أي فاضلون في قدرهم عند ربهم (واتّفق أئمّة المسلمين) من علماء الأمة وعظماء الملة (على أن حكم المرسلين منهم) أي من الملائكة المقربين إلى الأنبياء والمرسلين (حكم النّبيّين سواء) أي مستوين (في العصمة) وتعظيم الحرمة (ممّا ذكرنا عصمتهم) أي النبيين (منه) أي من السهو في القول والتبليغ في الفعل (وأنّهم) أي رسل الملائكة (في حقوق الأنبياء والتّبليغ
[ ٢ / ٣١٦ ]
إليهم) ما أمرهم الله تعالى به من الأنباء (كالأنبياء مع الأمم) في هذه الأشياء (واختلفوا) أي العلماء (في غير المرسلين منهم) أمعصومون هم كمرسليهم أم لا (فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى عِصْمَةِ جَمِيعِهِمْ عَنِ الْمَعَاصِي واحتجّوا) أي استدلوا وهم الأئمة وفي نسخة واحتجت أي الطائفة والفرقة في عصمتهم من جميع المعصية (بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) أي فيما أمرهم به فيما مضى (وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦]) فيما يستقبل أو لا يمتنعون عن قبول الأوامر والتزامها ويؤدون ما يؤمرون ولا يتثاقلون عن القيام به (وبقوله وَما مِنَّا) أي معشر الملائكة أحد (إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) لعبادته لا يتجاوز إلى غير حالته (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) أقدامنا في الصلاة أو الحافون حول العرش وافقون (وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [الصافات: ١٦٤- ١٦٦]) أي المنزهون لله عما يشركون وبقوله: وَمَنْ عِنْدَهُ) أي عندية مكانة ومنزلة وهو مبتدأ خبره (لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ) تعظما (وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) أي لا يعيون ولا يتعبون ولا ينقطعون تفاقما (الآية) أي يسبحون الليل والنهار لا يفترون كما في نسخة أي لا ينقطعون ولا يملون (وبقوله: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ أي مقربون (لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ [الأعراف: ٢٠٦]) بل يفتخرون بطاعته (الآية) أي ويسبحونه وله يسجدون حقيقة أو ينقادون لحكمه ويتذللون بالخضوع والخشوع لأمره، (وبقوله) ﵎ في وصفهم (كِرامٍ) أي مكرمين على الله (بَرَرَةٍ [عبس: ١٦]) أي اتقياء مطيعين في مقام رضاه (لا يَمَسُّهُ) أي اللوح المحفوظ أو القرآن المحفوظ (إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٩]) أي الملائكة المتطهرون من أدناس الذنوب وأجناس العيوب (ونحوه) أي وبأمثال ما ذكر (من السّمعيّات) من الكتاب والسنة، (وذهبت طائفة) من العلماء (إلى أنّ هذا) أي ما ذكر من قضية العصمة وعدم المخالفة (خصوص للمرسلين والمقرّبين منهم) أي من الملائكة، (واحتجّوا بأشياء ذكرها أهل الأخبار والتّفاسير) المعتمدة على ما نقله فيها عن الرهبان والأحبار (نحن نذكرها إن شاء الله بعد) أي بعد ذلك (ونبيّن الوجه) أي إلا وجه (فيها) هنالك (إن شاء الله تعالى) أي أراده وقضاه وما أحسن ما قاله الشافعي رحمه الله تعالى:
فما شئت كان وإن لم أشأ وما لم تشأ أن اشأ لم يكن
وهو مضمون كلام اتفق عليه السلف والخلف مما ثبت في الحديث ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن (والصّواب عصمة جميعهم) أي الملائكة من جنس المعصية (وتنزيه نصابهم) أي تبرئة ساحة منصبهم وقدرهم (الرّفيع) عند ربهم (عن جميع ما يحطّ من رتبتهم) ويروى من رتبهم (ومنزلتهم عن جليل مقدارهم) وجميل درجتهم (ورأيت بعض شيوخنا أشار بأن) وفي نسخة مال إلى أن أي أنه يعني الشأن (لا حاجة بالفقيه) أي له (إلى الكلام في عصمتهم) بل يجوز له السكوت عن تفصيل حالتهم ومرتبتهم، (وأنا أقول إنّ للكلام في ذلك) المرام من كثرة الفوائد (ما للكلام) وفي نسخة كالكلام (فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْفَوَائِدِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا) فيما
[ ٢ / ٣١٧ ]
تقدم من الفصول المشتملة على أنواع من الفوائد (سوى فائدة الكلام في الأقوال والأفعال) لعدم اطلاعنا على ما يصدر عنهم من قول وقيل مفصلا وإنما نعرف أحوالهم مجملا مع أنا لسنا مكلفين باتباعهم فيها فلا داعي إلى إثبات عصمتهم فيها من طرق ما لا يليق بهم فيها حمدا أو سهوا (فهي) أي فائدة الكلام في أقوالهم وأفعالهم (ساقطة ههنا) أي غير مذكورة في بيان عصمتهم لعدم احتياجنا إليها فإذا عرفت هذا، (فَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يُوجِبْ عِصْمَةَ جميعهم) أي جميع أفراد الملائكة بل يوجب عصمة جنسهم الصادق على بعضهم (قصّة هاروت وماروت) وهما ملكان نزلا ببابل قرية بالعراق اسمان اعجميان بدلالة منع صرفهما للعلمية والعجمة (وما ذكر) عطف على قصة أي وما ذكره (فيها) أي في قصتهما (أهل الأخبار ونقلة المفسّرين) عن الأحبار من أن الملائكة عيرت بني آدم بعصيانهم الله تعالى كما رواه البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر يا رب هؤلاء ما أقل معرفتهم بعظمتك فقال لو كنتم في مسلاخهم لعصيتموني قالوا كيف يكون هذا ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال فاختاروا منكم ملكين فاختاروهما فأهبطا إلى الأرض وركبت فيهما شهوات بني آدم ومثلت لهما امرأة فما عصما حتى واقعا المعصية فقال الله تعالى لهما اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا (وما روي) أي عن إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد وغيرهما (عن عليّ) كرم الله تعالى وجهه (وابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما (في خبرهما) أي هاروت وماروت فعن علي رضي الله تعالى أن هذه الزهرة يسميها العجم ناهيذ وكان الملكان يحكمان بين الناس فأتتهما امرأة فأرادها كل منهما مخفيا من الآخر فقال أحدهما يا أخي أريد أن أذكر لك ما في نفسي فقال اذكره لعله ما في نفسي فاتفقا فقالت لا أمكنكما أو تخبراني أي حتى تعلماني بما تصعدان به إلى السماء وتهبطان به فقالا باسم الله الاعظم قالت علمانية فعلماها إياه فتكلمت به فطارت إلى السماء فمسخها الله تعالى كوكبا وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن ملائكة سماء الدنيا قالوا يا ربنا أهل الأرض يعصونك فقيل لهم اختاروا منكم ثلاثة يحكمون في الأرض وجعل فيهم شهوة بني آدم وأمروا أن لا يقترفوا ذنبا فاستقال منهم واحد فأقبل فهبط اثنان فأتتهما امرأة من أحسن النساء فهوياها فأتيا منزلها وأراداها فأبت حتى يشربا خمرها ويقتلا ابن جارها ويسجدا لوثنها فأبيا إلا أن يشربا فشربا ثم قتلا ثم سجدا وقالت أخبراني بالكلمة التي إذا قلتماها طرتما إلى السماء فأخبراها فطارت فمسخت حمرة وهي الزهرة فأرسل إليهما سليمان بن داود وقيل ادريس فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا فهما مناطان بين السماء والأرض قيل معلقان بشعورهما وقيل جعل في جب ملئت نارا منكوسان يضربان بسياط الحديد (وابتلائهما) أي ما روي من اختبارهما بما ذكر وبالسحر فتنة للناس أي امتحانا لهم فمن تعلمه وعمل به معتقدا حله كفر ومن تجنبه أو تعلمه ليتوقي شره لم يكفر، (فَاعْلَمْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ أَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ لَمْ يُرْوَ مِنْهَا شَيْءٌ لَا سَقِيمٌ وَلَا صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلم) أي وإنما رويت عن
[ ٢ / ٣١٨ ]
علماء اليهود والنصارى ممن لا يصدق ولا يكذب في اخبارهم ولا يعتمد على آثارهم لكن يشكل هذا بما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده فقال حدثنا يحيى بن أبي بكير وقال عبد ابن حميد في مسنده حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثني ابن أبي بكير حدثنا زهير بن محمد عن موسى بن جبير عن نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر أنه سمع نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول إن آدم ﵇ لما أهبطه الله ﵎ إلى الأرض قالت الملائكة أي رب أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ قالوا ربنا نحن أطوع لك من بني آدم قال تعالى للملائكة هلموا ملكين من الملائكة حتى يهبط بهما إلى الأرض لينظره كيف يعملان قالوا ربنا هاروت وماروت فاهبطا إلى الأرض ومثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر فجاآها فسألاها نفسها فقالت لا والله حتى تكلما بهذه الكلمة من الاشراك فقالا لا والله لا نشرك به أبدا فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله فسألاها نفسها فقالت لا والله حتى تقتلا هذا الصبي فقالا لا والله لا نقتله أبدا فذهبت ثم رجعت بقدح خمر تحمله فسألاها نفسها فقالت لا والله حتى تشربا هذه الخمر فشربا فسكرا فوقعا عليها وقتلا الصبي وتكلما بكلمة الإشراك فلما افاقا قالت المرأة والله ما تركتما شيئا مما ابيتماه علي إلا وقد فعلتماه حتى سكرتما فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا انتهى ويحيى بن أبي بكير شيخ أحمد ثقة أخرج له الأئمة الستة وزهير بن أحمد أخرج له أيضا أصحاب الكتب الستة ووثقه أحمد وروى الميموني عن أحمد مقارب الحديث وروى المروزي عن أحمد ما به بأس وروى البخاري عن أحمد قال كان زهير الذي روى عنه أهل الشام زهيرا آخر وروى الأشرم عن أحمد قال للشاميين عن زهير مناكير وقال الترمذي في العلل سألت البخاري عن حديث زهير هذا فقال أنا أتقي هذا الشيخ كان حديثه موضوع وليس هذا عندي بزهير بن محمد قال وكان أحمد بن حنبل يضعف هذا الشيخ ويقول هذا الشيخ ينبغي أن يكونوا قلبوا اسمه قال الحلبي وله ترجمة في الميزان وقد ذكر فيها مناكير ولم يذكر هذا منها وأما موسى بن جبير فقد أخرج له أبو داود وابن ماجه وذكره أبو حيان في الثقات وأما نافع فلا يسأل عنه فيحتاج هذا الحديث إلى جواب على وجه صواب قال الحلبي وقد رأيت الحديث في مستدرك الحاكم في تفسير سورة الشورى من طريق ابن عباس وقال في آخره صحيح ولم يتعقبه الذهبي في تلخيصه للمستدرك هذا وذكر في الميزان في ترجمة سنيد بن داود اسمه الحسين أنه حافظ له تفسير وله ما ينكر ثم ساق بسند إلى سنيد حدثنا فرج بن فضالة عن معاوية بن صالح عن نافع قال سرت مع ابن عمر فقال طلعت الحمراء قلت لاثم قال قد طلعت قلت لا قال لأمر حبابها ولا أهلا قلت سبحان الله نجم ساطع مطيع قال ما قلت إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن الملائكة قالت يا رب كيف صبرك على بني آدم قال اني قد ابتليتهم وعافيتهم قالوا لو كنا مكانهم ما عصيناك قال فاختاروا ملكين منكم فاختاروا
[ ٢ / ٣١٩ ]
هاروت وماروت فنزلا فألقى عليهما الشهوة فجاءت امرأة يقال لها الزهرة الحديث بطوله ثم قال روى عنه أبو زرعة والأشرم وجماعة وضعفه أبو حاتم وقال أبو داود لم يكن بذلك وقال النسائي الحسين سنيد بن داود ليس بثقة ثم أخرج الذهبي وفاته انتهى ولا يخفى أن الحديث كما تراه مرفوعا وموقوفا له أصل ثابت في الجملة لتعدد طرقه واختلاف سنده في مسند أحمد وصحيح ابن حبان وتفسير ابن جرير وشعب البيهقي ومسند عبد بن حميد والعقوبات لابن أبي الدنيا وغيرهم مطولا ومن رواية أبي الدرداء في ذم الدنيا لابن أبي الدنيا وموقوفا عن علي وابن عباس كما مر وعن ابن عمر وابن مسعود بأسانيد صحيحة وقد قيل لهذه القصة طرق تفيد العلم لصحتها فالجواب الصواب إن الكلام في عصمة الملائكة الكرام وهذان قد خرجا عن صفة الملائكة بإلقاء نعت البشرية من الشهوة النفسية عليهما ابتلاء لهما في القضية والتحقيق والله ولي التوفيق أن الملائكة خلقوا للطاعة كما أن الشياطين خلقوا للمعصية وكل من الطائفتين جبلوا بما لهم من القابلية وأما الأفراد الإنسانية فمعجون مركب من الصفات الملكية والنعوت الشيطانية مرتب بين المراتب العلوية والمناقب السفلية فمن مال إلى أطوار الملائكة ترقى عنهم ومن مال إلى انشاز الشياطين تنزل عنهم فالإنسان كالبرزخ بين البحرين شارب من النهرين جامع بين نعوت الجلال وصفات الجمال وقابل لقبول ما لله من صفات الكمال فقد ورد لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم إيماء إلى نعت الغفور والغفار والحليم والستار ومن هنا يتبين أن الأنبياء يتصور منهم المعصية في الجملة بخلاف الملائكة مع أن المعتمد في المعتقدان رسل البشر أفضل من رسل الملائكة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولعل العلة أنهم مع كون الشهوة فيهم مركبة وقعت أحوالهم مرتبة في رفعة منزلة وعلو مرتبة (وليس هو) أي ما نقل من الأخبار (شيئا يؤخذ بقياس) أي من الآثار في مقام الاعتبار (والّذي منه) أي من خبر قصتهما (في القرآن) أي في سورة البقرة (اختلف المفسّرون في معناه) فكل ذهب إلى ما اطلع عليه نقلا من جهة مبناه، (وأنكر ما قال بعضهم فيه) أي في معناه (كثير من السّلف كما سنذكره) فيما سيأتي فلا نطول هنا بذكره، (وهذه الأخبار) التي أوردها المفسرون فيه (من كتب اليهود وافترائهم) على انبياء الله وملائكته من أرباب الشهود (كما نصّه الله تعالى) أي صرحه (أوّل الآيات) أي في أولها (من افترائهم) أي كذب اليهود (بذلك على سليمان وتكفيرهم إيّاه) في قوله واتبعوا أي اليهود ما تتلوا الشياطين أي كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرؤها على ملك سليمان أي في زمن ملكه وعهده وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يخلطون بما سمعوا أكاذيب كثيرة ويلقونها إلى الكهنة وقد دونوها في الكتب يقرؤونها ويعلمونها الناس وفشا ذلك في زمنه حتى قالوا إن الجن تعلم الغيب وكانوا يقولون هذا علم سليمان وما تم له ملكه إلا به وما سخر له الجن والإنس والطير والريح إلا به وما كفر سليمان شهادة من الله وتكذيبا لليهود ودفعا لما بهتت به سليمان من اعتقاد السحر والعمل به ولكن الشياطين كفروا باستعمالهم
[ ٢ / ٣٢٠ ]
السحر وتدوينهم يعلمون الناس السحر يقصدون به إغواءهم وإضلالهم؛ (وقد انطوت القصّة) أي احتوت واشتملت قصة هاروت وماروت (على شنع) بضم المعجمة وفتح النون أي قبائح (عظيمة وها) للتنبيه (نحن نخبّر) بضم نون وفتح مهملة وكسر موحدة مشددة أي نحسن (في ذلك) القول من العبارات (ما يكشف غطاء هذه الإشكالات) أي ما يرفع حجابها ويزيل نقابها (إن شاء الله فاختلف) أي فاختلفوا (أوّلا في هاروت وماروت هل هما ملكا) بفتح اللام وهو الصحيح (أو إنسيّان) أي منسوبان إلى الإنس أي آدميان ويمكن الجمع بأنهما كانا ملكين وتشكلا بصورة رجلين، (وهل هما) أي هاروت وماروت (المراد بالملكين) في آية وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ وهو الصحيح (أم لا) وهذا مما لا يلتفت إليه أصلا، (وهل القراءة ملكين) بفتح لامها كما في القراءة المتواترة التي اتفق عليها القراء السبعة والعشرة (أو ملكين) بكسرها كما في قراءة شاذة وهما كانا ببابل أنزل عليهما السحر ولا معنى للاختلاف فيهما إذ الرواية الشاذة الغير المعتبرة لا تقاوم القراءة المتواترة على أنه يمكن الجمع بينهما بأنهما ملكان في أصلهما نزل على صورة ملكين حاكمين في عهدهما، (وهل ما في قوله تعالى وَما أُنْزِلَ [البقرة: ١٠٢]) أي على الملكين (وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ [البقرة: ١٠٢] نافية) فيهما فيكون عطفا على ما كفر أي وما كفر سليمان ولا أنزل على الملكين أي جبريل وميكائيل فإن سحرة اليهود زعموا أن السحر أنزل على لسانهما إلى سليمان فردهم الله به (أو موجبة) أي ثابتة موصولة معطوفة على السحر على الصحيح والمراد بهما واحد والعطف لتغاير الاعتبار أو يراد به نوع أقوى منه أي ويعلمونهم ما الهما أو معطوفة على ما تتلوا قال البيضاوي وهما ملكان انزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله تعالى للناس وتمييزا بينه وبين المعجزة وإذا عرفت هذا الاختلاف إجماعا فاعلم ما يبين لك المصنف تفصيلا (فَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى امْتَحَنَ النَّاسَ بالملكين) بفتح اللام (لتعليم السّحر وتبيينه) في مقام تعيينه (وأن علمه) أي تعلمه وفي نسخة عَمَلَهُ (كُفْرٌ، فَمَنْ تَعَلَّمَهُ كَفَرَ، وَمَنْ تَرَكَهُ آمن) بمد الهمزة أي دام على إيمانه ولم يكفر ولا يبعد أن يكون بفتح الهمزة وكسر الميم أي أمن من الوقوع في الكفر واعلم أن استعمال السحر كفر عند أبي حنيفة ومالك وأحمد وعند الشافعي استعماله من الكبائر إذا لم يعتقد جوازه ولم يكن في السحر ما يوجب الكفر وظاهر الآية يؤيد إطلاق قول الأئمة الثلاثة حيث؛ (قال الله تعالى خبرا عنهما وما يعلمان من أحد حتى يقولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [الْبَقَرَةِ: ١٠٢] وَتَعْلِيمُهُمَا النّاس له) مبتدأ خبره (تعليم إنذار) أي تخويف وانكار (أي يقولان لمن جاء يطلب تعلّمه منهما لا تفعلوا) وفي نسخة لا تفعل (كذا) أي لا تتعلمه (فإنّه يفرّق بين المرء وزوجه) أي هو سبب للتفريق بينهما بإيجاد الله عنده البغض والنشوز في قلوبهما فالسحر له بنفسه أثر يحدثه الله عند تعاطيه وقد لا يحدثه بدليل قوله تعالى وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (ولا تتخيّلوا) بخاء معجمة من التخيل وفي نسخة لا تخيلوا من التخييل من باب التفعيل وهو ظن الشيء على خلاف ما هو
[ ٢ / ٣٢١ ]
عليه ومنه قوله تعالى يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى وفي نسخة لا تتحيلوا بالحاء المهملة (بكذا) أي وكذا (فإنّه سحر فلا تكفروا فعلى هذا) التفسير (فعل الملكين طاعة) بلا شبهة (وتصرّفهما فيما أمرا به) بما أنزل عليهما (ليس بمعصية) وفي نسخة معصية أي مخالفة (وهي) أي هذه الحالة (لغيرهما فتنة) أي ابتلاء ومحنة، (وروى ابن وهب) وهو عبد الله بن وهب المصري المعلم وقد تقدم (عن خالد بن أبي عمران) التجيبي التونسي قاضي إفريقية يروي عن عروة وجماعة وعنه الليث بن سعد وعدة صدوق فقيه عابد ثقة (أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ هَارُوتُ وَمَارُوتُ وَأَنَّهُمَا يُعَلِّمَانِ) أي الناس كما في نسخة (السّحر فقال نحن ننزّههما عن هذا) أي عن تعليم السحر لأنه كفر أو كبيرة ويروى عن هذه النقيصة (فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ [الْبَقَرَةِ: ١٠٢]) بناء على أن ما موصولة وهاروت وماروت بدل منهما فيكون حجة على إثباته لهما (فقال خالد) دفعا لما ورد عليه بقوله وَما أُنْزِلَ معناه أنه (لم ينزل عليهما) بناء على كون ما نافية (فهذا خالد على جلالته) أي عظيم رتبته (وعلمه) أي وكثرة معرفته (نَزَّهَهُمَا عَنْ تَعْلِيمِ السِّحْرِ الَّذِي قَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهُمَا مَأْذُونٌ لَهُمَا فِي تَعْلِيمِهِ بِشَرِيطَةِ أن يبيّنا أنه كفر وأنّه) أي أمرهما (امتحان من الله تعالى وابتلاء) أي اختبار لخلقه وليس فيه محظور ولا يترتب عليه محذور ويمكن الجمع بأن المثبت يحمل أمرهما على أنهما مأموران والنافي على ضد ذلك فيرتفع الخلاف هنالك، (فكيف لا ينزّههما عن كبائر المعاصي) من قتل النفس والزنا وشرب الخمر (والكفر) من السجدة للصنم (المذكورة في تلك الأخبار) المسطورة المشهورة وقد قدمنا دفع الإشكال حيث حملنا حالهما حينئذ على سلب ماهية الملكية عنهما وتركيب الشهوة البشرية فيهما والكلام في حق الملائكة الثابتة على جبلتهم الأصلية بخلاف الأحوال العارضية، (وَقَوْلُ خَالِدٍ لَمْ يُنْزَلْ يُرِيدُ أَنَّ مَا نافية) كما قدمناه (وهو قول ابن عباس) أي رواية عنه، (قال مكّيّ وتقدير الكلام) على قول خالد تبعا لابن عباس أن ما نافية عطفا على قوله تعالى (وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ يريد) أي الله ﷾ أن سليمان ما كفر (بالسّحر الّذي افتعلته عليه) أي افترته عليه (الشّياطين واتّبعهم في ذلك اليهود) فإن الشياطين كتبوا السحر ودفنوه تحت كرسيه ثم لما مات سليمان ﵇ أو نزع منه ملكه استخرجوه وقالوا تسلطه في الأرض بهذا السحر فتعملوه وبعضهم نفوا نبوته وقالوا ما هو إلا ساحر فبرأه الله مما قالوا فقال وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ (وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، قَالَ مَكِّيٌّ هُمَا) يعني الملكين اللذين لم ينزل عليهما (جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ ادَّعَى الْيَهُودُ عَلَيْهِمَا الْمَجِيءَ بِهِ كَمَا ادَّعَوْا عَلَى سُلَيْمَانَ فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ فِي ذلك) فإن سحرة اليهود زعموا أن السحر أنزل على لسانهما إلى سليمان فردهم الله تعالى وعلى هذا فقوله ببابل متعلق بيعلمون وهاروت وماروت اسمان لرجلين صالحين سيما ملكين باعتبار صلاحهما ويؤيده قراءة الملكين بالكسر ابتلاهما الله بالسحر وقعا بدل بعض من الشياطين هذا وعن مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما أن سليمان أخذ ما في أيدي الشياطين من السحر ودفنه
[ ٢ / ٣٢٢ ]
تحت كرسيه ثم لما مات أخرجه الإنس بتعليم الجن وعملوا به وعن الحسن ثلث ما أخرجوا من تحت كرسيه شعر وثلثه سحر وثلثه كهانة (وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا) قرئ في السبعة بتشديد لكن وتخفيفها (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [البقرة: ١٠٢] ببابل) قرية بالعراق ومنع صرفه للعلمية والتأنيث أو العجمة وعن ابن مسعود لأهل الكوفة أنتم بين الحرة وبابل وقيل بابل موضع بالمغرب وهو بعيد ولعله اسم مشترك وإنما الكلام في المراد والله تعالى اعلم (هاروت وماروت) سبق أنهما ملكان في أصلهما وقع منهما ما وقع ثم ابتليا بتعليم السحر للخلق ابتلاء من الحق (قيل هما رجلان تعلّماه) ويؤيده أنه، (قال الحسن) أي البصري رحمه الله تعالى (هاروت وماروت علجان) تثنية علج بكسر أوله وقد يفتح وهو الشديد القوي الغليظ الجافي والمعنى أنهما كافران من العجم (من أهل بابل، وقرأ) أي الحسن (وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ [الْبَقَرَةِ: ١٠٢] بِكَسْرِ اللَّامِ) بناء على أنهما كانا من بابل أنزل عليهما السحر ابتلاء من الله تعالى لهما ولغيرهما (وتكون ما) في الآية حينئذ (إيجابا) أي موصولة لا نافية (على هذا ومثله) أي ومثل قراءة الحسن، (قراءة عبد الرّحمن بن أبزى) بموحدة ساكنة وزاء مقصورا (بكسر الّلام) قال صليت خلف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وكان لا يتم التكبيرات انتهى ونقل الذهبي عن البخاري أن له صحبة عن ابن أبي حاتم أنه صلى خلف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقال الكلابادي له صحبة وحدث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وكذا في الإكمال قال إنه صحابي وقال ابن أبي داود أنه تابعي وقال ابن قرقول في مطالعه إنه لم يدرك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفي التجريد للذهبي عده في الصحابة وكذا النووي في التهذيب وقد روي عن أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، (ولكنّه) أي ابن أبزى (قال الملكان هنا) أي في آية وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ (داود وسليمان وتكون ما) على قراءته (نفيا على ما تقدّم) عن اليهود أنهم كانوا ينسبون إنزال السحر تارة إلى جبريل وميكائيل وأخرى إلى داود وسليمان؛ (وقيل كانا ملكين) أي آخرين (من بني إسرائيل) ساحرين (فمسخهما الله، حكاه السّمرقنديّ) وهو الفقيه أبو الليث (والقراءة بكسر اللام شاذّة) أي ليست متواترة (فمحمل الآية) وروي فحمل الآية أي آية وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ (على تقدير أبي محمد مكيّ) بجعل ما نافية عطفا على ما كَفَرَ سُلَيْمانُ (حسن) لو قيل إنهما لم يؤمرا بتعليم السحر للناس ابتلاء وامتحانا لهم إما على القول بأنهما مأموران بما ذكر فلا حاجة إلى ارتكاب القول بجعل ما نافية لمخالفته ظاهر الآية ولأن فعلهما ذلك حينئذ طاعة (ينزّه الملائكة) عن الخروج عن الطاعة بارتكاب المعصية (ويذهب الرّجس عنهم) أي جنس الذنب (ويطهّرهم تطهيرا) بالعصمة عن العيب (وقد وصفهم الله تعالى) أي الملائكة (بأنّهم مطهّرون) من الأدناس (وكِرامٍ بَرَرَةٍ [عبس: ١٦]) عند الله تعالى وعند الناس (ولا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ [التحريم: ٦]) في جميع الأنفاس ومجمل الكلام في هذا المقام أن الأصح عند العلماء الكرام في هذه القصة أن الملكين بفتح
[ ٢ / ٣٢٣ ]
اللام يراد بهما هاروت وماروت وما موصولة وبكسر اللام يراد بهما داود وسليمان عليهما اللام وما نافية وكذا إذا فسر الملكين بفتح اللام بجبريل وميكائيل يكون ما نافية فارتفع الخلاف في المرام واجتمع نظام الالتئام (وممّا يذكرونه) أي الطائفة القائلة بعدم عصمة جميعهم ويستدلون به (قصّة إبليس) ويروى من قصة إبليس (وإنه كان من الملائكة) على زعمهم (ورئيسا فيهم) وفيه أنه لا يلزم من كونه رئيسا فيهم أنه في أصله منهم (ومن خزّان الجنّة) بضم الخاء وتشديد الزاء أي خزنتها (إلى آخر ما حكوه) وليس فيه دلالة على ما ادعوه (وأنه) أي الله ﷾ (اسْتَثْنَاهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِقَوْلِهِ: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ [البقرة: ٣٤]) والأصل في الاستثناء أن يكون متصلا إلا أنه قيل بانقطاعه لقوله تعالى كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ وبأن الملائكة ليس لهم ذرية وقال تعالى أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ والملائكة ليس هم اعداء لنا (وهذا) وروي وهو أي القول بأنه من الملائكة (أيضا) قول طائفة قليلة (لم يتّفق عليه) بين العلماء (بل الأكثر منهم ينفون ذلك) القول بأنه منهم (وأنه أبو الجنّ) عندهم على الصحيح (كما آدم أو الإنس وهو) أي القول بأنه أبو الجن (قول الحسن وقتادة وابن زيد) وإنما استثنى منهم لأنه كان مغمورا بين الوف منهم فأمر بالسجود لآدم معهم ثم استثنى استثناء واحد منهم بقوله فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ والحاصل أنه استثناء متصل مجازا أو منقطع حقيقة ولا يبعد أن يقال جمعا بين الأقوال أنه كهاروت وماروت كان من جنس الملائكة لكن الله ﷾ خلق في جبلته المعصية فتغير عن حالته الأصلية فخالف أمر الالهي في السجدة الصورية فانتقل إلى الخلقة الجنية وحصلت منه الذرية، (وقال شهر بن حوشب) بفتح الحاء المهملة فواو ساكنة فشين معجمة مفتوحة فموحدة يروي عن مولاته اسماء بنت يزيد وعن ابن عباس وأبي هريرة وعنه مطر الوراق وثابت وثقه ابن معين وأحمد وضعفه شعبة وقال النسائي ليس بالقوي توفي سنة مائة أخرج له الأربعة (كان) أي إبليس (مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ طَرَدَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ فِي الْأَرْضِ حين أفسدوا) يعني، (والاستثناء) بقوله إِلَّا إِبْلِيسَ منقطع لأنه من غير الجنس المستثنى هو منه وهو أي الاستثناء (مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ شَائِعٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ) نظما ونثرا (سائغ) بسين مهملة وغين معجمة أي جائز من ساغ الشراب في الحلق إذا جاوزه بسهولة وفي نسخة زيادة وشائع بشين معجمة وعين مهملة أي فاش ذائع من شاع الخبر إذا ذاع ومنه كل سر جاوز الاثنين شاع (وقد قال الله تعالى) تكذيبا لمن زعم قتل عيسى (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ [النساء: ١٥٧]) لأن اتباعه ليس من جنس العلم فهو استثناء منقطع أي ولكنهم اتبعوا فيه ظنهم (وممّا رووه) أي الطائفة القائلة بعدم عصمة جنس الملائكة (في الأخبار) كابن جرير عن ابن عباس وابن أبي حاتم عن يحيى بن كثير (أن خلقا من الملائكة عصوا الله تعالى فحرّقوا) أي أحرقوا (وَأُمِرُوا أَنْ يَسْجُدُوا لِآدَمَ فَأَبَوْا فَحُرِّقُوا ثُمَّ آخرون كذلك حتّى سجد له) أي لآدم (من ذكر الله) أي جميع الملائكة (إِلَّا إِبْلِيسَ فِي أَخْبَارٍ لَا أَصْلَ لَهَا)
[ ٢ / ٣٢٤ ]
مما يعتمد عليها (تردّها صحاح الأخبار فلا يشتغل) أي فينبغي أن لا يشتغل (بها) ويروى بهذا وفي نسخة بصيغة المتكلم ثم على تقدير صحتها يحمل على أن الله تعالى غير ماهيتهم عن أصل جبلتهم وعصمتهم فوقع فيهم ما أراد الله من معصيتهم وهذا كقضية بلعم بن باعوراء حيث تغير عن جبلته إلى صورة كلب وماهيته وعكسه كلب أصحاب الكهف وقد ورد أن بلعم يدخل النار بصورة ذلك الكلب وذلك الكلب يدخل الجنة بصورة بلعم ثم رأيت في حاشية الأنطاكي روي أن الله تعالى لما خلق الأرض خلق لها سكانها من بني الجن من نار فركبت فيهم الشهوة وأمرهم ونهاهم فلما سكنوا فيها أفسدوا وعصوا أمر ربهم وسفكوا الدماء فأنزل الله تعالى نارا من السماء فأحرقتهم إلا إبليس سأله من الله ملك من الملائكة فوهب له ثم خلق الله ثانيا وثالثا مثلهم ففعلوا ذلك فأهلكهم الله ﷿ (والله أعلم) وفي نسخة والله ﷾ الموفق وزيد في نسخة للصواب.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
الْبَابُ الثَّانِي [فِيمَا يَخُصُّهُمْ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ]
(فيما يخصّهم) أي الأنبياء (في الأمور الدّنيويّة وما يطرأ عليهم من العوارض البشريّة) أي ما يعرض للإنسان ويحدث له من الأمور الكونية (قد قدّمنا أنه ﵊ وسائر الأنبياء والرّسل) الكرام (من البشر وأنّ جسمه) أي جسده (وظاهره) أي بدنه (خالص للبشر) أي لعوارضه كغيره (يجوز عليه من الآفات) أي العاهات (والتّغييرات) من قبض وبسط وفرح وغم وسائر الحالات (والآلام والأسقام وتجرّع كأس الحمام) بكسر الحاء الموت وكل منها لا يخلو عن كلفة والتجرع شرب بمهلة وقيل ابتلاعه بعجلة أو القضاء والقدر والكأس مهموز وقد تبدل (ما يجوز) أي كل ما يجوز وقوعه من الآفات والحالات (على البشر) أي جنس بني آدم (وهذا كلّه) ويروى وذلك كله (ليس بنقيصة فيه) ولا في غيره من الأنبياء (لِأَنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا يُسَمَّى نَاقِصًا بِالْإِضَافَةِ إِلَى ما هو أتمّ منه) أي من جنسه ويروى إلى غير مما هو أتم (وأكمل من نوعه) كإفراد الإنسان في تفاوت مراتب الإحسان (وقد كتب الله تعالى) أي قدر وقضى (على أهل هذه الدّار) أي دار الهموم والاكدار أو أثبت في كتابه (فيها يحيون) أي تعيشون (وفيها تموتون) أي وتقبرون (ومنها يخرجون) بصيغة المجهول في قراءة وبصيغة الفاعل في أخرى (وخلق جميع البشر بمدرجة الغير) بكسر الغين المعجمة وفتح التحتية الاسم من قولك غيرت الشيء فتغير والمدرجة بفتح الميم وسكون الدال وبالراء والجيم أي في مسلك التغير من حوادث الدهر (فقد مرض صلى الله تعالى عليه وسلم واشتكى) الضر تكثيرا للأجر وقد ورد أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل وفي حديث قالوا له إنك توعك وعكا شديدا قال أجل كما يوعك رجلان منكم (وأصابه الحرّ والقرّ) بضم أوله ويفتح البرد مطلقا وقيل برد الشتاء وحر الصيف إذا لم يخص بهما أحد دون أحد وقد يطلقان مجازا على المحنة والنعمة قال عمر لابن مسعود بلغني أنك تفتي ول حارها من تولى قارها كني بالحر عن الشدة وبالبرد عن الهينة أي ول شرها من تولى خيرها (وأدركه الجوع والعطش) كغيره من البشر حتى ربط ببطنه الحجر (ولحقه الغضب) لله إذا رأى خلاف ما يرضاه (والضّجر) بفتحتين أي القلق والملل (وناله الإعياء) أي العجز والكلل (والتّعب) أي المشقة والنصب (ومسّه الضّعف) أي ضعف البدن (والكبر) أي أثره بأنواع الغير (وسقط) أي عن دابة وفي رواية عن فرس كما رواه الشيخان (فجحش) بضم الجيم وكسر الحاء المهملة فشين معجمة أي خدش (شقّه) وقشر جلد بعض اعضائه وفي رواية جانبه الايمن وفي رواية شقه
[ ٢ / ٣٢٦ ]
الأيسر وفي رواية ساقه أو كتفه فلم يخرج أياما (وشجّه الكفّار) في وجهه فأدموه والشج في الأصل ضرب الرأس وكسره وشقه ثم استعمل في غيره من الأعضاء والمعنى جرح وجهه الكريم ابن قمئة اللئيم يوم أحد (وكسروا رباعيته) بتخفيف التحتية على زنة الثمانية وهي التي بين الثنية والناب وكانت السفلى اليمنى على ما ذكره الحلبي وأما قول الدلجي أي إحدى ثنايا أسنانه فغير صحيح (وسقي) بصيغة المجهول (السّمّ) بتثليث السين والفتح أفصح ثم الضم وقد تقدم أن زينب بنت الحارث اليهودية سمته في عضده الشاة بخيبر وسبق ما فعل بها وأخبرته العضد بأنها مسمومة (وسحر) وقد تقدم أن لبيد بن الأعصم سحره أو بناته (وتداوى) لبعض أوجاعه تشريعا لاتباعه (واحتجم) كما رواه الشيخان وغيرهما من طرق (وتنشّر) بتشديد الشين المعجمة وهو من النشر مثل التعويذ والرقية وفي الصحيح من حديث عائشة هلا تنشرت قال أما الله فقد عافاني قال الحلبي والظاهر أن مرادها بالنشرة المعروفة عندهم وهي أغسال مخصوصة وليس المراد الرقية بالقرآن أو بغيره من الأذكار وذكر الدلجي أن النشرة هي الرقية من سحر ونحوه وقد ورد أنه صلى الله تعالى عليه وسلم اشتكى فرقاه جبريل بسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك الله يشفيك وقالت له عائشة ألا تنشر فقال أما الله فقد شفاني (وتعوّذ) كما رواه الترمذي والنسائي عن أبي سعيد بلفظ كان يتعوذ من أعين الجان وأعين الإنس فلما نزل المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما وروى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه ﵊ كان إذا اشتكى يقرؤ على نفسه بالمعوذات وذكر التلمساني أن النشرة هي علاج ورقية من مرض أو جنون واختلف في النشرة فقيل يجوز وقيل لا وقال الخطابي ما يؤخذ على كتبها جائز حلال إذا كان باسم الله تعالى وبما يفهم من الكلام وأما بغير ذلك فحرام (ثمّ قضى نحبه) أي نذره أو سيره أو أجله والتحقيق أنه كناية عن الموت إذا أصله النذر وكل حي لا بد أن يموت فكأنه نذر لازم له فإذا مات فقد قضاه (فتوفّي صلى الله تعالى عليه وسلم) بصيغة المفعول أي توفاه الله تعالى (ولحق بالرّفيق الأعلى) كما تمناه من المولى على ما رواه البخاري وغيره عن عائشة اللهم الرفيق الأعلى وفي رواية الحقني بالرفيق الأعلى أي من النبيين والملائكة وقيل هو مرتفق الجنة وقيل الرفيق اسم لكل سماء وأراد الأعلى لأن الجنة فوق ذلك وقيل المراد أعلى الجنة وقيل هو الله تعالى وقيل لا يصح أنه اسم الله ويرد بأنه يقال الله رفيق بعباده وقيل معناه رفق الرفيق وقبل لا يعرف أهل اللغة الرفيق ولعله تصحيف الرفيع وما قدمناه هو الصحيح لقوله تَعَالَى وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا وهو يقع على الواحد والجمع وقيل الرفيق الأعلى جماعة الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين (وتخلّص من دار الامتحان والبلوى) أي المحنة والبلية (وهذه سمات البشر) بكسر السين المهملة جمع سمة أي علامات كون البشر يبتلى بها (الّتي لا محيص عنها) بكسر الحاء المهملة أي لا معدل ولا محيد ولا مخلص (وَأَصَابَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا
[ ٢ / ٣٢٧ ]
هو أعظم منها) أي بحسب الصورة فيها (فقتّلوا) بالتشديد للتكثير (تقتيلا) وفي نسخة فقتلوا قتلا بغير حق كيحيى بن زكريا يجز عنقه وفي حاشية التلمساني وإنما أكد بالمصدر تحقيقا للوقوع وقال ابن سيدي الحسن وجدت بخط شيخنا الإمام أبي عبد الله بن مرزوق وقال وجدت في بعض كتب أهل التاريخ عن أبي هريرة قال اشتريت غلاما بربريا فرآه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال من هذا فقلت غلام بربري اشتريته فقال بعه ولا تمسكه عندك فإن قومه قتلوا أربعين نبيا فأكلوا لحومهم ورموا عظامهم على المذابل فسلط الله عليهم ريحا بددتهم وألقتهم بالمغرب قال الشيخ ولا يخفى ما في أحاديث المؤرخين من الضعف (ورموا في النّار) كإبراهيم ﵊ فكانت عليه بردا وسلاما وقد أحرق جرجيس وطبخ ثم قام سالما (ونشروا بالمناشير) وفي نسخة وأشروا بالمآشير جمع مئشار بهمز لغة في المنشار بنون وفيه لغة أخرى وهي المواشير بالواو وقيل المياشير بالياء من وشر والمعنى واحد أي شقق وقطع بالمنشار ونحت به كزكريا ﵊ نشر بالمنشار جزلتين أي قطعتين (ومنهم من وقاه الله ذلك) أي حفظه هنالك من الآفات والبليات (في بعض الأوقات ومنهم من عصمه) أي الله كما في نسخة أي حفظه ووقاه من القتل كعيسى ﵇ إذ تمالأت اليهود على قتله فأخبره الله بأنه يرفعه إليه ويطهره من صحبتهم ويقربه لديه فقال لبعض أصحابه أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة فقال رجل منهم أنا فألقى عليه شبهه فقتل وصلى وعصم عيسى برفع الله إياه (كما عصم بعد نبيّنا من النّاس) أي من شرهم جميعا وفي أصل الدلجي كما عصم بعد مبنيا على الضم أي بعد عيسى نبينا من الناس لقوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ أي من قتلهم إياك وقيل نزلت هذه الآية بعد ما وقعت له الجراحة ففي الجملة حصلت له الرعاية والكفاية والصيانة والحماية (فلئن لم يكف نبيّنا) أي محمدا كما في نسخة (ربّه) بالرفع على أنه فاعل أي فلئن لم يمنع عنه (يد ابن قمئة) فعلة بكسر القاف وسكون الميم فهمزة وقيل بفتح أوله وكسر ثانيه وزيادة ياء فيه على وزن سفينة وهو الأكثر وهو من قمأ صغر وذل وهو عبد الله بن قمئة الذي جرح وجنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته (يوم أحد) وكسر رباعيته وهو الذي قتله مصعب بن عمير كما حكاه الطبري وقد نطحه تيس فتردى من شاهق جبل كافرا وضبطه الدلجي بكسر أوله وثانيه مشددا بعده همزة (ولا حجبه) أي ولئن لم يحجبه ولم يستره (عن عيون عداه) بكسر أوله ويضم اسم جنس للعدو أي عن أعين أعدائه (عند دعوته أهل الطّائف) ويروى عن عيون عداه أهل الطائف عند دعوته ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم هلى أتى عليك يوم أشد من يوم أحد قال لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب الحديث وكان عبد ياليل من أكابر أهل الطائف
[ ٢ / ٣٢٨ ]
وروي أنه ﵊ لما انتهى إلى الطائف حيث التمس من ثقيف النصرة فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به ويرمون رجليه بالحجارة فدميتا وطفق يقيهما بثيابه حتى اجتمع عليه الناس والجأه إلى حائط لابني ربيعة وهما فيه ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه فعمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف فتحركت له رحمهما فبعثا له قطف عنب الحديث وروى الطبراني في كتاب الدعاء عن عبد الله بن جعفر قال لما توفي أبو طالب خرج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الطائف فدعاهم إلى الإسلام فلم يجيبوه فأتى ظل شجرة فصلى ركعتين ثم قال اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين إلى من تكلني إلى عدو بعيد يتجهمني أي يلقاني بوجه كريه أم إلى صديق قريب كلفته أمري إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك (فلقد أخذ) أي الله ﷾ (على عيون قريش) بإخفائه عنها حين أرادوا قتله فخرج عليهم وقرأ وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ونثر على رأس كل واحد منهم ترابا وذلك (عند خروجه) ويروى في يوم خروجه (إلى ثور) أي إلى غار في جبل ثور عن يمين مكة وهو المراد بقوله تعالى ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ووقع في أصل التلمساني جبل أبي ثور ثم قال وروي إلى أبي ثور وصوابه إلى جبل ثور أو إلى يوم ثور ولفظ أبي وهم إذ لا يعرف جبل أبي ثور (وأمسك) أي الله تعالى (عنه) أي عن نبيه (سيف) ابن (غورث) بالغين المعجمة وهو ابن الحارث الغطفاني وقد تقدم أنه اسلم وصحبه صلى الله تعالى عليه وسلم والذي في البخاري أنه ﵊ نزل بمكان كثير العضاة فعلق سيفه بشجرة ونام في ظلها فجاء غورث فاخترطه وقال للنبي ﵊ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي فَقَالَ اللَّهُ فَسَقَطَ السَّيْفُ من يده الحديث (وحجر أبي جهل) فرعون هذه الأمة أي أمسكه عنه حين أراد أن يرميه به وكان حمل صخرة والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ساجد ليطرحها عليه فلزقت بيده وتقدمت القصة (وفرس سراقة) بضم أوله بإساخة رجليها بالأرض فوقاه الله شره وقد اسلم كما أفاده حديث الهجرة (ولئن لم يقه) أي لم يحفظه ولم يمنعه (سحر ابن الأعصم) وفي نسخة من سحر ابن الاعصم وهو لبيد اليهودي هلك على كفره وقد سحره في مشط ومشاطة وجف طلعه ذكر كما في رواية البخاري (فلقد وقاه ما هو أعظم) خطر وأكثر ضررا من سحره (من سمّ اليهوديّة) بيان لما وقد سمته بشاة محنوذة بخيبر فأخبره كتفها به فأكل منها وبعض أصحابه فلم يضره فعفا عنها ومات به بشر بن البراء فقتلها به كذا روي وفيه خلاف تقدم والله تعالى اعلم والحاصل أنه ﷾ ربى نبيه الذي عظم شأنه تارة بصفة الجلال وأخرى
[ ٢ / ٣٢٩ ]
بنعت الجمال ليكون في مقام الكمال حيث مقتضيات اسماء الذات والصفات (وهكذا سائر أنبيائه) منهم (مبتلّى) كأيوب ﵊ (و) منهم (معافى) من كثرة الاسقام وشدة الآلام وهم قليل من الأنام (وذلك) أي ابتلاؤهم (من تمام حكمته ليظهر) من الإظهار أو الظهور (شرفهم) بصبرهم على البليات (في هذه المقامات) المتفاوتة فيها الحالات (ويبيّن) وفي نسخة ويتبين (أمرهم) أي رفعة قدرهم لغيرهم (ويتمّ) من الإتمام أو التمام (كلمته فيهم) بإظهار محنته عليهم وآثار بليته لديهم (وليحقّق) أي ليثبت لهم ولغيرهم (بامتحانهم) بأنواع ابتلائهم (بشريّتهم) أي عجز عنصريتهم (ويرفع الالتباس) وفي نسخة ويرتفع الالتباس بعد معرفة أنها من عوارض أجسام البشر أي الاشتباه (عن أهل الضّعف) بالضم والفتح في مقام اليقين من الناس إزالة لما يتوهمونه (فيهم) من أنهم لا يصيبهم محنة وبلاء ولا يغشاهم شدة وعناء استعظاما لمرتبتهم واستبعادا لمحنتهم (لئلّا يضلّوا بما يظهر من العجائب) أي الخوارق للعادات من الغرائب (على أيديهم) كبرد النار لإبراهيم الخليل وقلب العصاحية لموسى الكليم وخلق الطير من الطين وإحياء الموتى لعيسى وانشقاق القمر لنبينا الأكبر (ضلال النّصارى) كضلالتهم (بعيسى) أي ابن مريم كما في نسخة إذا بالغوا في تعظيمه حتى قالوا إن فيه لاهوتية وناسوتية (وليكون في محنتهم) وفي نسخة ومحنهم أن محن الله إياهم (تسلية لأممهم) لمشاركتهم بهم إذا أصابهم شيء من الآفات والبلايا ونالهم بعض المعصيبات والرزايا (ووفور) أي وسبب كثرة (لأجورهم) ويروى في أجورهم (عند ربّهم تماما) للكرامة الحاصلة لديهم (عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ؛ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ وهذه الطّوارىء) بالهمز وقد لا يهمز أي العوارض من الآفات (والتّغييرات المذكورة) من الحالات المسطورة (إنّما تختصّ بأجسامهم البشريّة المقصود بها) أي التي قصد بأجسامهم (مقاومة البشر) أي مداخلتهم (ومعاناة بني آدم) أي مقاساتهم في مخالطتهم (لمشاكلة الجنس) أي لمشابهتهم (وأمّا بواطنهم فمنزّهة غالبا عن ذلك) أي عما ذكر (معصومة منه) أي مبرأة ومبعدة عنه مما لا يجوز طروه عليهم كالجنون ولو متقطعا وقيد الغالبية مشعر بجواز وقوع ما لا يشين عليهم كالإغماء لحظة أو لحظتين كما في حديث البخاري أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال في مرضه الذي توفي فيه هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن فوضع في مخضب وصب عليه منها ثم ذهب ليتوضأ فأغمي عليه وبهذا اندفع ما قال الحلبي من أن المصنف لو حذف لفظة غالبا لكان أحسن إذ حذفها واجب (متعلّقة بالملأ الأعلى) من أرواح الأنبياء والملائكة المقربين وقيل نوع من الملائكة أعظمهم عند الله مرتبة وأعلاهم درجة (والملائكة) أجمعين (لأخذها) أي لاستفاضة بواطنهم أخبار السماء وغيرها (عنهم وتلقّيها الوحي منهم قال) أي بعض المحققين (وقد قال صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قلبي) أي غالبا لما سبق في نوم الوادي (وقال إنّي لست كهيئتكم) أي كصفتكم من جميع الوجوه (إنّي أبيت يطعمني ربّي ويسقيني) بفتح أوله وضمه يقال سقاه واسقاه قال تعالى وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا
[ ٢ / ٣٣٠ ]
طَهُورًا وقال تعالى وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا ولما كان الطعام قوت الأبدان والأشباح والمعارف قوت الجنان والأرواح جعلت كأنها مطعومة لأنه يتقوى بها قلب الأنام كما تتقوى الأجسام بأنواع الطعام ولما كان الماء يشفي ظمأ الغليل والمعرفة تطفئ ظمأ العليل جعلت كأنها مشروبة لأنها تذهب ظمأ الجهل كما يذهب الماء ظمأ العطش وهذا بناء على أن معناه مجاز للمعارف في حق العارف وقيل هو حقيقة وأنه يأكل ويشرب من طعام الجنة وشرابها وقيل المراد منهما النشاط والقوة في الطاعة والعبادة (وقال) أي النبي ﵊ (لست أنسى) كسائر الأنام (ولكن أنسى ليستنّ بي) أي ليقتدى بفعلي في الأحكام (فأخبر) ﵊ (أَنَّ سِرَّهُ وَبَاطِنَهُ وَرُوحَهُ بِخِلَافِ جِسْمِهِ وَظَاهِرِهِ وأنّ الآفات الّتي تحلّ) بضم الحاء وكسرها أي تنزل (ظاهره) أي بظاهره ﵊ فقط (من ضعف) أي ضعف بدن (وجوع وسهر ونوم لا يحلّ منها) أي من هذه المذكورات (شيء باطنه) أي بباطنه ولا يؤثر في خاطره (بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الْبَشَرِ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ) مع مشاركتهم له في حكم الظاهر (لِأَنَّ غَيْرَهُ إِذَا نَامَ اسْتَغْرَقَ النَّوْمُ جِسْمَهُ وقلبه) أي غمرهما وعطاهما (وهو صلى الله تعالى عليه وسلم في نومه) وإن استغرق جميع اعضائه فهو (حاضر القلب كما هو في يقظته) حاضر مع الرب (حَتَّى قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ أَنَّهُ كَانَ مَحْرُوسًا مِنَ الْحَدَثِ فِي نَوْمِهِ لِكَوْنِ قلبه يقظان) بربه (كما ذكرناه) من قبله من أن عينيه كانتا تنامان ولا ينام قلبه ولعل المراد ببعض الآثار في كلام المصنف ما رواه سعيد بن منصور عن عكرمة عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في حديث مبيته عند خالته ميمونة زوجته صلى الله تعالى عليه وسلم وصلاته بالليل معه ﵊ وفيه ثم وضع رأسه حتى اغفى وسمعت بخبخة وأصله في البخاري ثم جاء بلال فاستيقظ فقام فصلى بأصحابه زاد البخاري ولم يتوضأ أي بعد انتباهه من اغفائه أي نومه قال سعيد بن جبير فقلت لابن عباس ما أحسن هذه فقال إنها ليست لك ولأصحابك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يحفظ من الحدث في نومه لكون قلبه الشريف يقظان (وكذلك) أي لا يشابهه (غيره) فإن غيره (إذا جاع ضعف لذلك) الجوع (جسمه) وانحل جسده (وخارت) بالخاء المعجمة أي فترت (قوّته) وذهبت همته (فبطلت بالكلّيّة جملته) أي جميع محاسن حالاته (وهو صلى الله تعالى عليه وسلم قد أخبر) عن نفسه (أنّه لا يعتريه ذلك) أي لا يغشاه ضعف هنالك (وأنّه بخلافهم) فإنه يلحقهم ويرهقهم (لقوله) أي في حديث البخاري في حال الوصال (إنّي لست كهيئتكم) أي من ضعف بنيتكم وفتور حالتكم (إنّي أبيت يطعمني ربّي ويسقيني) على ما تقدم (قال القاضي رحمه الله تعالى) يعني المصنف (وكذلك) أي مثل مقول بعض المحققين من أن الطوارئ والتغيرات إنما تختص بأجسام الأنبياء (أَقُولُ إِنَّهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا مِنْ وصب) بفتحتين أي الم وتعب (ومرض وسحر وغضب) للرب (لم يجر على باطنه ما يخلّ به) بفتح الياء وكسر الخاء المعجمة أي يضعف بباطنه مما كان يخل به ظاهره (ولا فاض) أي ولا سال ولا حدث وخرج (منه) أي
[ ٢ / ٣٣١ ]
مما كان يخل ظاهر (عَلَى لِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ) من هذيانات المرضى وخرافاتهم واختلاف حالاتهم (كما يعتري غيره من البشر) ممن نزل به شيء منها من شدة الألم وقوة الضرر (ممّا نأخذ بعد) أي نشرع بعد هذا (في بيانه) أي في بيان شأنه وتبيين برهانه.
فصل [فَإِنْ قُلْتَ فَقَدْ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ ﵊ سحر]
(فإن قلت فقد) ويروى قد (جاءت الأخبار الصّحيحة) والآثار الصريحة (أنّه صلى الله تعالى عليه وسلم سحر) أي أثر عليه السحر (كما حدثنا الشّيخ أبو محمّد العتّابي) بفتح العين وتشديد المثناة فوق وبعد الألف موحدة فياء نسبة (بقراءتي عليه قال حدثنا حاتم بن محمد) وهو الطرابلسي (حدثنا أبو الحسن عليّ بن خلف) وهو الحافظ القابسي المعافري القروي (حدثنا محمّد بن أحمد) وهو أبو يزيد المروزي (حدثنا محمّد بن يوسف) وهو الفربري (حدثنا البخاريّ) وهو الإمام محمد بن إسماعيل صاحب الصحيح (حدثنا عبيد بن إسماعيل) أي الهباري يروي عن ابن عيينة وطبقته (قال حدثنا أبو أسامة) هو الحافظ حماد الكوفي يروي عن الأعمش وغيره وعنه أحمد وإسحاق وابن معين وكان حجة عالما أخباريا عنده ستمائة حديث عن هشام بن عروة عاش ثمانين سنة وتوفي سنة إحدى ومائتين أخرج له الأئمة الستة (عن هشام بن عروة عن أبيه) سبق الكلام عليهما (عن عائشة ﵁ قالت سحر رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فعل الشّيء) وفي رواية الفعل أي من الجماع وغيره (وما فعله) جملة حالية وهذا الحديث ساقه القاضي كما ترى من عند البخاري وقد أخرجه مسلم أيضا فهو حديث متفق عليه كما سيأتي قريبا في كلام المصنف (وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أنّه كان يأتي النساء ولا يأتيهنّ) أي يظن أنه واقعهن والحال أنه لم يجامعهن (الحديث) قال الحكيم الترمذي ولما سحر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى عجز عن نسائه وأخذ بقلبه لبث في ذلك ستة أشهر فيما روي في الخبر ثم نزلت المعوذتان انتهى كذا في تفسير البغوي وسيأتي عن عائشة أنه لبث سنة قال عبد الرزاق حبس عنها خاصة حتى أنكر بصره قال ابن الملقن في شرح البخاري في تفسير قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ورواية ثلاثة أيام أو أربعة أيام هو أصوب وسنة بعيد أقول ولعله ﵊ كان سحره شديدا عليه في تلك الأيام ثم خف عنه إلى نصف سنة ولم يتعارف منه إلا بعد كمال سنة (وَإِذَا كَانَ هَذَا مِنَ الْتِبَاسِ الْأَمْرِ عَلَى المسحور فكيف حال النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك) الوقت المذكور (وكيف جاز عليه) أي السحر وأن يكون في مقام موهوم (وَهُوَ مَعْصُومٌ فَاعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ هذا الحديث) الذي أسندناه إلى عائشة (صحيح متّفق عليه) لا شبهة لديه (وقد طعنت فيه الملحدة) أي الطائفة الملاحدة الزائغة بالعقيدة الفاسدة (وتذرّعت) بذال معجمة من الذريعة توسلت (به) إلى التشكيكات الكاسدة وفي نسخة بدال مهملة أي تسلحت به لإظهار الحجج الداحضة الشاردة (لسخف عقولها) بضم السين
[ ٢ / ٣٣٢ ]
المهملة وسكون الخاء أي رقتها وضعفها (وتلبيسها) أي تخليطها (على أمثالها) أي اشباهها من ضعفاء اليقين في أمر الدين (إلى التّشكيك) أي إيقاع الشك ويروى التشكك أي قبول الشك (في الشّرع) أي في أمور الشرع المبين (وقد نزّه الله الشّرع) أي الشريف المكرم (والنبيّ) المعظم صلى الله تعالى عليه وسلم (عمّا يدخل) أي عن شيء يدخل (في أمره لبسا) بفتح أوله أي خلطا واشتباها (وَإِنَّمَا السِّحْرُ مَرَضٌ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَعَارِضٌ مِنَ العلل) أي من جملة الأعراض (يجوز) وقوعه (عليه كأنواع الأمراض ممّا لا ينكر) بالإجماع (ولا يقدح في نبوّته) من غير النزاع. (وَأَمَّا مَا وَرَدَ أَنَّهُ كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) أي يقع في خيال باله (أنه فعل الشّيء) من أفعاله (ولا يفعله) في حاله ويروى وما فعله (فليس في هذا) التخيل (ما يدخل عليه داخلة) أي ريبة وتهمة (في شيء من تبليغه) أي لأمته (أو شريعته) أي بيان أحكام ملته (أو يقدح في صدقه) وفي نسخة في شيء من صدقه (لقيام الدّليل) من أنواع المعجزة (والإجماع) من علماء الأمة (على عصمته من هذا) أي من إدخال فساد في الحال (وإنّما هذا) ويروى وإنما هو أي التخيل (فيما يجوز طروّه عليه في) وفي نسخة من (أَمْرِ دُنْيَاهُ الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ بِسَبَبِهَا وَلَا فضّل) على غيره (من أجلها) ما يشير إليه قوله أنتم اعلم بأمر دنياكم وإنما فضل بالوحي الإلهي وما يتعلق بالأمر الديني والأخروي كما يومي إليه قوله تَعَالَى قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ (وهو) صلى الله تعالى عليه وسلم (فيها) أي في أمور دنياه (عرضة للآفات) أي هدف للعاهات (كسائر البشر) في جميع الحالات وإذا كان الأمر كذلك (فَغَيْرُ بَعِيدٍ أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِهَا ما لا حقيقة له) في صدورها (ثمّ ينجلي عنه) أي ينكشف الأمر (كما كان) على وجه ظهورها كسحابة عارضة مانعة عن شعاع الشمس ونورها (وأيضا فقد فسّر هذا الفصل) أي الكلام المجمل (الحديث الآخر) المفصل (مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِي أهله) من النساء (ولا يأتيهنّ) فإن اتيانهن من جملة أمور دنياه ولا ضرر من هذه الأحوال في دينه وأخراه (وقد قال سفيان) أي الثوري وقال الدلجي الظاهر أنه ابن عيينة إذ هو المراد بالإطلاق عند أئمة الحديث وجزم الحلبي وقال هو ابن عيينة لأنه المذكور في السند في الصحيح (وهذا) النوع (أشدّ ما يكون من السّحر) وإلا لم يعرض له هذا التخيل ويشير إلى كلامه قوله تعالى فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (ولم يأت في خبر منها) أي من أحاديث سحره ﵊ أو من الأخبار الصحيحة (أَنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ بِخِلَافِ مَا كَانَ أَخْبَرَ أَنَّهُ فَعَلَهُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ) والمعنى أنه لم ينقل عنه أنه قال حال سحره فعلت كذا والحال أنه لم يفعله لعصمته من الخلف في الأخبار لأمته (وإنّما كانت) هذه السوانح واللوائح (خواطر) أي خطرات (وتخييلات) في صورة تسويلات ويروى بموحدة وتحتية. (وقد قيل إنّ المراد بالحديث) أي حديث حتى يخيل إليه (أنه كان يتخيّل الشّيء) ويروى يتخيل إليه الشَّيْءَ (أَنَّهُ فَعَلَهُ وَمَا فَعَلَهُ لَكِنَّهُ تَخْيِيلٌ لا يعتقد) هو بنفسه (صحّته) وفي نسخة بصيغة المجهول أي كل أحد يدرك عدم حقيقته كما يستفاد من نفس التخيل
[ ٢ / ٣٣٣ ]
وصيغته واشتقاق بنيته (فتكون اعتقاداته كلّها) أي سواء تعلقت بأمور دنياه أو بأحوال أخراه (على السّداد) أي الصواب ومنهج الرشاد (وأقواله على الصّحّة) التي تصلح للاعتماد، (هذا ما وقفت عليه لأئمّتنا) أي الأشعرية أو المالكية أو أئمة أهل السنة والجماعة (من الأجوبة على) وفي نسخة عن (هذا الحديث) أي حديث سحره ﵊ (مع ما أوضحنا من معنى كلامهم) وبيناه على مبنى مرامهم (وزدناه بيانا من تلويحاتهم) أي من إشاراتهم من غير تصريح عباراتهم (وكلّ وجه منها) أي من الوجوه المذكورة (مقنع) بضم الميم وكسر النون ويجوز فتحهما على أنه مصدر للمبالغة أو اسم مكان وهو من قنع بالكسر قناعة إذا رضي ويقال فلان مقنع في العلم وغيره على وزن جعفر أي مرضي فيه وليس المراد به أنه دليل اقناعي وإن كان يشير إليه قوله (لكنّه قد ظهر لي في الحديث) هذا (تأويل أجلى) بالجيم أي أظهر وأوضح من التأويلات السالفة (وأبعد من) وفي نسخة عن (مطاعن ذوي الأضاليل) جمع ضليل مبالغة في الضلال ومنه قول علي رضي الله تعالى عنه وقد سئل عن أشعر الشعراء فقال الملك الضليل يعني امرأ القيس وكان يلقب به وقيل هو جمع أضلولة وهو ما يضل من ركبه (يستفاد) أي ذلك التأويل الأجلى (من نفس الحديث) ويروى من تفسير الحديث (وهو أنّ عبد الرّزّاق) وهو الحافظ الصغاني (قد روى هذا الحديث) في مصنفه عن معمر عن الزهري (عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ وَقَالَ) أي عبد الرزاق (فيه) أي في حديثه (عنهما) أي ابن المسيب وعروة (سحر يهود بني زريق) بضم الزاء وفتح الراء (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فجعلوه) أي ما سحروه به (في بئر) وهي بئر ذروان (حتّى كاد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي قارب (أن ينكر بصره) لضعف حدته أو لأمر تخيله (ثمّ دلّه الله على ما صنعوا) أي اليهود (فاستخرجه) بنفسه أو بمأموره (من البئر، وروي نحوه) بصيغة المجهول (عن الواقديّ) قاضي العراق وقد سبق ذكره (وعن عبد الرّحمن بن كعب) أي ابن مالك السلمي يروي عن أبيه وعائشة وعنه الزهري وهشام بن عروة ثقة مكثر أخرج له أصحاب الكتب الستة (وعمر بن الحكم) بفتحتين تابعي جليل (وذكر) بصيغة المجهول (عن عطاء الخراسانيّ) من أكابر التابعين روى عنه الأوزاعي ومالك وشعبة قال ابن جابر كنا نغزو معه وكان يحيي الليل صلاة إلى نومة السحر أخرج له الأئمة الستة (عن يحيى بن يعمر) بفتح الياء والميم وقد يضم وحكي عن البخاري وهو غير مصروف للعلمية ووزن الفعل قاضي مرو يروي عن عائشة وابن عباس مقرئ ثقة أخرج له الأئمة الستة قال هارون بن موسى أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر قال الذهبي يقال توفي سنة تسعين وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن عطاء (حبس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن عائشة) بصيغة المجهول أي منع من قربانها (سنة فبيننا هو نائم أتاه ملكان) وهما جبريل وميكائيل كما في سيرة الدمياطي (فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ الحديث) أي فقال أحدهما ما له فقال الآخر مطبوب قال من طبه قال لبيد بن الأعصم في جف طلعة ذكر نخل في بئر ذروان وروى عن
[ ٢ / ٣٣٤ ]
ابن عباس وعائشة أن غلاما من اليهود كان يخدم النبي ﵊ فدنت إليه اليهود فلم يزالوا حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعدة أسنان من مشطه فأعطاها اليهود فسحروه فيها فنزلت السورتان فيه وعن عائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم طب أي سحر حتى أنه ليخيل إليه أنه قد صنع شيئا وما صنعه وأنه دعا ربه ثم قال اشعرت أن الله قد افتاني فيما استفتيته فيه قالت عائشة وما أدراك يا رسول الله قال جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال أحدهما لصاحبه ما وجع الرجل قال الآخر مطبوب قال من طبه قال لبيد بن الاعصم قال فيماذا قال في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر قال وأين هو قال في ذروان وذروان بئر في بني زريق قالت عائشة فأتاها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم رجع إلى عائشة فقال والله لكأن ماءها نقاعة الحناء ولكأن نخلها رؤوس الشياطين قالت فقلت له هلا أخرجته قال أما أنا فقد شفاني وكرهت أن أثير على الناس من شرا وروي أنه كان تحت صخرة في البئر فرفعوا الصخرة وأخرجوا جف الطلعة وإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان مشطه وعن زيد بن أرقم قال سحر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رجل من اليهود قال فاشتكى لذلك أياما قال فأتاه جبريل ﵇ فقال رجل من اليهود سحرك وعقد لك عقدا فأرسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عليا فاستخرجها فجاء بها فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة فقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كأنما انشط من عقال فما ذكر ذلك لليهودي ولا رآه في وجهه قط قال مقاتل والكلبي كان في وتر عقد إحدى عشرة عقدة وقيل وكانت مغروزة بالإبر فأنزل الله ﷿ هاتين السورتين وهي إحدى عشرة آية سورة الفلق خمس آيات وسورة الناس ست آيات كلما قرأ آية انحلت عقدة حتى انحلت العقد كلها فقام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كأنما انشط من عقال قال البغوي وروي أنه لبث فيه ستة أشهر واشتد عليه ثلاث ليال فنزلت المعوذتان؛ (قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) بعد أن سحر (عن عائشة خاصّة) دون غيرها من نسائه (سنة) وطالعت المدة (حتّى أنكر بصره) أي من ضعف بصره أو من تخيل بعض أمره؛ (وروى محمد بن سعد) بفتح وسكون وهو كاتب الواقدي وصاحب الطبقات وكذا رواه البيهقي بسند ضعيف (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم فحبس عن النّساء) أي منع عنهن وحيل بينه وبينهن (والطّعام والشّراب) أي وعن تكثيره منهما كما هو عادته فيهما (فهبط) بفتح الموحدة أي نزل (عليه ملكان) أي بصورة رجلين فعقد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه (وذكر القصّة) أي إلى آخرها على ما قدمناه ويروي القضية؛ (فَقَدِ اسْتَبَانَ لَكَ مِنْ مَضْمُونِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ السِّحْرَ إِنَّمَا تَسَلَّطَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَجَوَارِحِهِ) أي من جهة منع جماعة ونقصان أكله وشربه (لا على قلبه واعتقاده وعقله) وكذا سلم منه آلة لسانه الذي هو عمدة بيانه وزبدة برهانه (وأنّه إنّما أثّر) أي السحر بعض اثره (في بصره) من ضعف نظره أو تخيل أثره (وحبسه) أي منعه (عن وطء نسائه وطعامه) أي
[ ٢ / ٣٣٥ ]
بعض المنع (وَأَضْعَفَ جِسْمَهُ وَأَمْرَضَهُ وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ يُخَيَّلُ إليه أنّه يأتي أهله) أي بعض نسائه (ولا يأتيهنّ) في نفس الأمر، (أي يظهر له من نشاطه) أي كمال رغبته (ومتقدّم عادته) أي سابقتها في حالته (القدرة على النّساء) بالمجامعة (فإذا دنا منهنّ) أي على قصد مواقعتهن (أصابته) أدركته (أخذة السّحر) بضم الهمزة وخاء ساكنة فذال معجمة فتاء تأنيث وهي رقية كالسحر أو خرزة تؤخذ أي تحبس بها النساء أزواجهن عن النساء دونهن (فلم يقدر على إتيانهنّ كما يعتري) أي يصيب ويغشى (من أخذ) بضم همز وتشديد خاء أي حبس عن وطء امرأة لا يصل لجماعها يقال أخذت المرأة زوجها تأخيذا إذا فعلت به ما تقدم من السحر وفي نسخة وأخذ وهو في مبناه ومعناه ونظيرهما قوله تعالى وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ووقتت كما قرىء بهما في السبعة واختير التفعيل في التأخيذ للمبالغة في أخذه وحبسه (واعترض) بصيغة المجهول أيضا من العرض بالتحريك وهو ما يعرض للإنسان من حوادث الدوران، (ولعلّ) أي الشأن ويروى ولعله (لمثل هذا) السحر (أشار سفيان) أي ابن عيينة أو الثوري (بقوله وهذا) النوع (أشدّ ما يكون من السّحر) لأنه غالبا يكون سببا للتفريق بين المرء وزوجه (ويكون قول عائشة رضي الله تعالى عنها في الرّوايات الأخرى إنّه ليخيّل) وفي نسخة يخيل أي يشبه (إِلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ مِنْ باب ما اختلّ من بصره) أي لأنه كناية عن جماعه مع أهله كما تقدم (فَيَظُنُّ أَنَّهُ رَأَى شَخْصًا مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ أو شاهد) أي أو يظن أنه رأى (فعلا من غيره ولم يكن) ما ذكر من الشخص والفعل (على ما يخيّل إليه) أي موافقا لتخيله (لما أصابه) أي من ضعف (في بصره) وفي نسخة أي لما أصابه وهن من جهة بصره (وضعف نظره لا لشيء طرأ) بالهمز أي عرض وحدث (عليه في ميزه) بفتح الميم وسكون التحتية وبالزاء أي تمييزه وتفرقته بين الأشياء قال التلمساني وروي في غيره اقول الظاهر إنه تصحيف (وإذا كان) أي أمره ﵊ (هذا) الذي ذكرناه في هذا المقام (لم يكن في إصابة السّحر) وفي نسخة لم يكن ما ذكر في إصابة السحر (له وتأثيره فيه) أي في ظاهر أمره (ما يدخل عليه لبسا) أي خلطا في باطنه (ولا يجد به الملحد) المائل عن الحق في مقاله (المعترض) بعقله التابع لباطله (أنسا) بضم فسكون أي تبصرا فيما لا يجدي بطائله.
فصل [هذا حاله ﵊ في جسمه]
(هذا) الذي ذكرنا في الفصل الذي قدمنا على ما حررنا (حاله) من جهة أمراض وأعراض نازلة أو حاصلة له (في جسمه) من ظاهر جسده وباطنه، (فأمّا أحواله) أي الواردة (في أمور الدّنيا) أي الخارجة عن جسمه (فنحن نسبرها) بنون مفتوحة وسين ساكنة وبموحدة مضمومة فراء من سبرها أو بضم نون فكسر موحدة من أسبرها أي نقيد أحواله ونوزن أفعاله ونوردها (على أسلوبها) ويروى على أسلوبنا (المتقدّم) أي طريقها السابق (بالعقد) بمعنى الاعتقاد (وَالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ؛ أَمَّا الْعَقْدُ مِنْهَا فَقَدْ يَعْتَقِدُ) أي يظن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
[ ٢ / ٣٣٦ ]
(في أمور الدّنيا الشّيء على وجه) من جواز فعله وتركه في بادئ رأيه (وَيَظْهَرُ خِلَافُهُ أَوْ يَكُونُ مِنْهُ عَلَى شَكٍّ) أي تردد لا يترجح أحد طرفيه (أو ظنّ) يترجح عنده أحد شقيه ويتبين بعده وهذا كله في أمر الدنيا وما يتعلق به من الفرع (بخلاف أمور الشّرع كما) يدل عليه ما (حدّثنا أبو بحر) بفتح موحدة وسكون مهملة (سفيان بن العاص) بغير الياء في آخره (وغير واحد) من المشايخ (سماعا) من بعض (وقراءة) على بعض وهما منصوبان على التمييز أو حالان (قالوا) كلهم (حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ؛ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الرَّازِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ بن عمرويه) بفتح وسكون فضم وفتح فسكون هاء وفي نسخة ففتح تاء وفي نسخة الراء والواو وسكون الياء وكسر الهاء (حدّثنا ابن سفيان) هذا أبو إسحاق محمد بن سفيان راوي الصحيح عن مسلم (حدّثنا مسلم) أي ابن الحجاج الحافظ صاحب الصحيح (حدّثنا عبد الله) ويقال عبيد الله (ابن الرّوميّ) يروي عن ابن عيينة انفرد مسلم بالإخراج له (وعبّاس العنبريّ) منسوب إلى بني العنبر ابن عمرو بن تميم من حفاظ البصرة روى عن القطان وعبد الرزاق وعنه مسلم والأربعة والبخاري تعليقا قال النسائي ثقة مأمون توفي سنة ست وأربعين ومائتين (وأحمد المعقريّ) بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف وفي نسخة بكسر الميم وفتح القاف وفي أخرى بضم الميم وفتح العين وكسر القاف المشددة نسبة إلى ناحية من اليمن توفي بعد خمس وخمسين ومائتين كان بزازا بمكة روى عنه مسلم (قالوا) أي كلهم (حدّثنا النّضر بن محمّد) هو الجرشي اليماني يروي عن شبعة وغيره وعنه أحمد العجلي أخرج له الستة إلا النسائي (قال حدثني عكرمة) أي ابن عمار (حدّثنا أبو النّجاشيّ) هو عطاء ابن صهيب روى عنه عكرمة والأوزاعي وجماعة أخرج له الشيخان والنسائي وابن ماجه (قال حدّثنا رافع بن خديج) انصاري أوسي حارثي شهد أحدا عاش ستا وثمانين سنة توفي بالمدينة سنة ثلاث وسبعين أخرج له الأئمة الستة (قال قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة وهم يأبرون) بضم الموحدة وفي نسخة يؤبرون بضم أوله وكسر بائه مشددة وهو رواية الطبراني يلقحون (النّخل) بوضع طلع ذكورها فيها (فقال ما تصنعون قالوا: كنّا نصنعه) أي شيئا على عادتنا ليكثر فيما يثمر؛ (قال لعلّكم لو لم تفعلوا) أي لو تركتم تأبيرها (كان خيرا) من تأبيرها بناء على هدم المعالجة في تدبير تأثيرها (فتركوه فنفضت) بفتح النون والفاء والضاد المعجمة أي أسقطت حملها من ثمرها وروي فنقصت بالقاف والصاد المهملة وقيل هو تصحيف وعلى تقدير صحته أما بمعنى اسقطت وإما قالت في الحمل وإما قلت في نفسها مع كثرتها أي صارت حشفا وروي نصبت بصاد مهملة بعدها موحدة وبغين معجمة وصاد مهملة قال القاضي ولا معنى لهما وقيل في معناهما أن نصبت من النصب وهو التعب ومعناه أن ثمرها لم يخرج إلا بنكد فصار كأنه تعب وإن نغصت من قولهم نغص لم يتم مراده قال ابن قرقول وفي هذه اللفظة روايات كلها تصحيف إلا الأول، (فذكروا ذلك له) أي من نقصان الثمر (فَقَالَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ من دينكم) أي ولو برأيي (فخذوا به) لأنه
[ ٢ / ٣٣٧ ]
﵊ مبين لأحكام الإسلام (وإذا أمرتكم بشيء من رأيي) وفي رواية من رأي أي في أمر دنياكم مما ليس له تعلق بأمر دينكم وآخرتكم (فإنّما أنا بشر) مثلكم فقد أصيب وقد اخطئ فالأمر فيه مخير لكم (وفي رواية أنس) وفي نسخة رواية أنس أي لمسلم عنه (أنتم أعلم بأمر دنياكم) إن اردتم تبعتموني وإن أردتم اخترتم رأيكم (وفي حديث آخر) رواه مسلم عن طلحة (إنّما ظننت ظنّا فلا تؤاخذوني بالظّنّ) إن لم يكن مطابقا لظنكم وموافقا لرأيكم هذا وعندي أنه ﵊ أصاب في ذلك الظن ولو ثبتوا على كلامه لفاقوا في الفن ولارتفع عنهم كلفة المعالجة فإنما وقع التغير بحسب جريان العادة ألا ترى أن من تعود بأكل شيء أو شربه يتفقده في وقته وإذا لم يجده يتغير عن حالته فلو صبروا على نقصان سنة أو سنتين لرجع النخيل إلى حاله الأول وربما أنه كان يزيد على قدره المعول وفي القضية إشارة إلى التوكل وعدم المبالغة في الأسباب وقد غفل عنها أرباب المعالجة من الأصحاب والله تعالى اعلم بالصواب (وفي حديث ابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما كما رواه البزار بسند حسن (في قصّة الخرص) بفتح الخاء المعجمة فراء ساكنة فصاد مهملة هو الحرز والتقدير لما على الشجر من الرطب تمرا ومن العنب زبيبا أي تخمينه ظنا والقصة ما روي عن أبي حميد قال خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في غزوة تبوك فأتينا وادي القرى على حديقة لامرأة فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أخرصوها فخرصناها وخرص رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عشرة أوسق وقال لها احصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله تعالى إلى قوله ثم اقبلنا حتى قدمنا وادي القرى فسأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المرأة عن حديقتها كم بلغ تمرها قالت عشرة أوسق (فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إنّما أنا بشر) وفي كلام جنسهم خطر (فما حدّثتكم عن الله تعالى) أي وحيه جليا أو خفيا (فهو حقّ) أي صوابه دائما (وما قلت فيه) أي من أمور الدنيا (من قبل نفسي) أي مما خطر لي (فإنّما أنا بشر أخطىء وأصيب وهذا) وارد (على ما قرّرناه) آنفا من أنه ﵊ قد يعتقد الشيء من أمور الدنيا على وجه ويظهر خلافه كذا قرره الدلجي على طبق ما حرره القاضي ولكن فيه أنه لم يعتقده بل ظنه كما يدل عليه قوله (فِيمَا قَالَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فِي أُمُورِ الدّنيا وظنّه من أحوالها) الجارية على منوال أفعال أهلها في منالها (لا ما قاله من قبل نفسه) جزما مع أنه جاء مطابقا لما قاله حزما (واجتهاده في شرع شرعه) أي أظهره وبينه عزما (وسنّة) وفي نسخة أو سنة (سنّها) أي طريقة اخترعها لحديث أبي داود عن المقدام بن معدي كرب قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ألا أني أوتيت القرآن ومثله معه يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم مثل ما حرم الله تعالى إلا لا يحل الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه (وكما حكى
[ ٢ / ٣٣٨ ]
ابن إسحاق) وقد رواه البيهقي عن عروة والزهري أيضا (أنّه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَزَلَ بِأَدْنَى مِيَاهِ بَدْرٍ) أي في أبعدها منه (قال له الحباب بن المنذر) بضم الحاء المهملة وبموحدتين الخزرجي وكان يقال له ذو الرأي توفي في خلافة عمر كهلا ولم يرو نقلا (أَهَذَا مَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نتقدّمه) لا بأن نتأخر عنه ولا أن نتقدم عليه (أم هو الرّأي والحرب والمكيدة) وهي مفعلة من الكيد بمعنى المكر يعني فلنا المخالفة فإن الحرب خدعة والمكيدة بمعنى الخديعة واقعة (قَالَ: «لَا بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ) أي لم ينزلني الله تعالى فيه ولم يأمرني به وإنما وقع نزولي فيه اتفاقا من غير تأمل في أمره وقد أمرني الله تعالى بقوله قولكم في مصلحة أمركم حيث قال وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (قال فإنّه ليس بمنزل) مرضي بحسب العقل، (انهض) بفتح الهاء والضاد المعجمة وهو القيام إلى الشيء بالسرعة والعجلة أي قم لنا وانتقل بنا (حتّى نأتي أدنى ماء) أي أقربه (من القوم) يعني قريشا (فننزله ثمّ نعوّر ما وراءه من القلب) بضمتين جمع قليب وهو البئر ونعور بتشديد الواو المكسورة بعد عين مهملة وقيل معجمة فعلى الأول أي نفسدها عليهم وعلى الثاني نذهبها في الأرض وندفنها لئلا يقروا على الانتفاع بها وفي رواية السهيلي بضم العين المهملة وسكون الواو وهي لغة فيها (فنشرب ولا يشربون) أي منها، (فقال أشرت بالرّأي) أي الصحيح (وفعل ما قاله) أي الحباب في هذا الباب وقد روى ابن سعد أنه نزل جبريل ﵇ على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال الرأي اشار به الحباب، (وقد قال الله تعالى) أي وأمره ﵊ بقوله (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩]) ومدحهم في مواضع أخر فقال وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وعنه صلى الله تعالى عليه وسلم ما تشاور قوم إلا هدوا لا رشد أمرهم وقد ورد ما خاب من استخار ولا ندم من استشار (وأراد) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في غزوة الأحزاب (مصالحة بعض عدوّه على ثلث تمر المدينة) من التمر وغيره وفي نسخة بالتاء الفوقية (فاستشار الأنصار) كما رواه البزار عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بلفظ جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال يا محمد ناصفنا ثمر المدينة وإلا ملأناها عليك خيلا ورجلا فقال حتى استأمر السعود يعني سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فشاورهما فقالا لا والله ما اعطينا الدنيئة من أنفسنا بالجاهلية وقد جاء الله تعالى بالإسلام وفي رواية ابن إسحاق أنه ﵊ أراد في غزوة الخندق أن يقاضي أي يصالح بذلك عيينة بن حصين الفزاري والحارث بن عوف المري وهما قائدا غطفان واستشار صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فقال سعد بن معاذ يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله تعالى وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قري أو بيعا فحين أكرمنا الله تعالى بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ما لنا بهذا من حاجة والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله تعالى بيننا وبينهم فقال ﵊ فأنت وذاك القصة
[ ٢ / ٣٣٩ ]
وهذا معنى قوله (فلمّا أخبروه برأيهم رجع عنه) أي عن رأيه، (فمثل هذا) أي ما ذكر عن الحباب ببدر وعن الأنصار في الأحزاب (وأشباهه من أمور الدّنيا) ما لم يكن به الاعتناء (وهي الَّتِي لَا مَدْخَلَ فِيهَا لِعِلْمِ دِيَانَةٍ وَلَا اعتقادها ولا تعليمها) أي مما لم يؤمر به بيانا وتعليما وتبيانا (يجوز عليه فيها ما ذكرناه) وفي نسخة ما ذكروا أي من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قد يظن شيئا على وجه ويظهر خلافه، (إذ ليس في هذا كلّه نقيصة) أي منقصة (ولا محطّة) له عن رفعة مرتبة وعلو منزلة (وإنّما هي أمور اعتياديّة) اعتادها الناس وألفوها (يعرفها من جرّبها) مرة بعد أخرى (وجعلها همّه) أي غاية همه فيها (وشغل نفسه بها) وعالجها وعاناها (والنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) يقول في دعائه ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا وهو (مشحون القلب) أي مملوءة (بمعرفة الرّبوبيّة) وما يتعلق بها من آداب العبودية (ملآن الجوانح) أي الاضلاع وفي نسخة الجوارح (بعلوم الشّريعة مقيّد البال) أي مربوط القلب في جميع الحال (بمصالح الأمّة الدّينيّة والدّنيويّة) أي التي لها تعلق بالأمور الأخروية (ولكن هذا) أي ما يظنه على وجه ويظهر خلافه (إنّما يكون في بعض الأمور) الدنيوية أي التي ليس لها تعلق أصلا بالأحوال الدينية (ويجوز) أي وقوع مثله عنه (في النادر وفيما سبيله التّدقيق) أي تدقيق النظر وتحرير الفكر (في حراسة الدّنيا) بكسر أوله أي محافظتها ومراعاتها (واستثمارها) أي تحصيل ثمرتها ونتيجتها المترتبة عليها (لا في الكثير) من أمورها (المؤذن بالبله) بفتحتين أي المشير إلى البلاهة (والغفلة) المؤذنة بقلة شعورها والحاصل أنه ﵊ واتباعه الكرام كانوا على ضد حال الكفار وأرباب الكفر اللئام كما قال الله تعالى يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (وقد تواتر بالنّقل) من جمع يمتنع من تكذيبهم العقل (عنه صلى الله تعالى عليه وسلم من المعرفة بأمور الدّنيا) وأحوالها (وَدَقَائِقِ مَصَالِحِهَا وَسِيَاسَةِ فِرَقِ أَهْلِهَا مَا هُوَ معجز في البشر) حيث لم يقدر أحد أن يأتي بنظام أمور هذا الباب (مِمَّا قَدْ نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِي بَابِ مُعْجِزَاتِهِ من هذا الكتاب) .
فصل [وَأَمَّا مَا يَعْتَقِدُهُ فِي أُمُورِ أَحْكَامِ الْبَشَرِ إلى آخره]
(وأما ما يعتقده) وفي حاشية الحجازي ويروى بضم أوله وفتح ثالثه والقاف (فِي أُمُورِ أَحْكَامِ الْبَشَرِ الْجَارِيَةِ عَلَى يَدَيْهِ) صلى الله تعالى عليه وسلم (وقضاياهم) المرفوعة منهم إليه (ومعرفة المحق من المبطل) وأغرب التلمساني في ضبطهما بصيغة المفعول وتفسيرهما بالحق والباطل وغرابته من جهة المبنى والمعنى في هذا المقام مما لا يخفى (وعلم المصلح من المفسد) من يداخل بإصلاح أو إفساد من العباد في أمور البلاد (فبهذا السّبيل) أي ما ذكر هنا من معتقده ومعرفته على الوجه الجميل (لقوله ﵊) فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أم سلمة (إنّما أنا بشر) وإنما يوحى إلي أحيانا (وإنّكم تختصمون) بينكم
[ ٢ / ٣٤٠ ]
وترفعون الأمر (إليّ ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن) أي أعرف وأفطن (بحجّته) أي خصومته وتبيين بينته وطريق تمشيته ومنه قول عمر بن عبد العزيز عجبت لمن لاحن الناس كيف لا يعرف جوامع الكلم أي فاطنهم (من بعض) لبلاهته أو لصفاء حالته (فأقضي له) أي فاحكم (على نحو) بالتنوين (ممّا أسمع) أي منه كما في نسخة يعني من كلامه حيث لم أعرف حقيقة مرامه وفي نسخة على نحو ما اسمع بالإضافة، (فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِشَيْءٍ) فيما ظهر لي على وجه يكون الأمر في الواقع بخلافه (فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قطعة من النّار) لبناء أحكام شريعته على الظاهر وغلبة الظن في قضيته وقد ورد نحن نحكم بالظواهر والله اعلم بالسرائر وإنما صدر الحديث بقوله إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ إيذانا بأن السهو والنسيان غير مستبعد من الإنسان وأن الوضع البشري يقتضي أن لا يدرك من الأمور الشرعية إلا ظواهرها تمهيدا للمعذرة فيما عسى يصدر عنه ﵊ من أمثال تلك الأحكام ولو كان نادرا في الأيام وليس هذا من قبيل الخطأ في الحكم فإن الحاكم مأمور مكلف بأن يحكم بما يسمع من كلام الخصمين وبما تقتضيه البينة لا بما في نفس الأمر في القضية حتى لو حكم المبطل في دعواه بشاهدي زور وفق مدعاه وظن القاضي عدالتهما فهو محق في الحكم وإن لم يكن المحكوم به ثابتا في نفس الأمر. (حدّثنا الفقيه أبو الوليد رحمه الله تعالى) أي الباجي وهو هشام بن أحمد وهو ابن العواد (حدّثنا الحسين بن محمد الحافظ) هو أبو علي الغساني (حدّثنا أبو عمر) أي ابن عبد البر حافظ الغرب (حدّثنا أبو محمد) هو عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن القرطبي من قدماء شيوخ ابن عبد البر كان تاجرا صدوقا (حدّثنا أبو بكر) وهو ابن داسة راوي السنن عن أبي داود (حدّثنا أبو داود) وهو حافظ العصر صاحب السنن (حدّثنا محمد بن كثير) بفتح الكاف وكسر المثلثة العبدي البصري يروي عن شعبة والثوري عاش تسعين سنة أخرج له الأئمة الستة (أخبرنا سفيان) قال الحلبي الظاهر أنه الثوري ومستندي في هذا أن الحافظ عبد الغني ذكر الثوري فيمن روى عنه محمد بن كثير ولم يذكر ابن عيينة وفي التذهيب قال روي عن سفيان وأطلق فحملت المطلق على المقيد قلت وكلاهما إمامان جليلان في مقامهما فلا إشكال في ابهامهما (عن هشام بن عروة عن أبيه) سبق الكلام عليهما (عن زينب بنت أمّ سلمة) ربيبة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صحابية أخرج لها الأئمة الستة لها الرواية عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أيضا وكان اسمها برة بفتح الموحدة فقال صلى الله تعالى عليه وسلم وسلم فلا تزكوا أنفسكم الله اعلم بأهل البر منكم فسماها زينب (عن أمّ سلمة) إحدى أمهات المؤمنين (قالت قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الحديث) كما تقدم وسبق أنه رواه الشيخان وغيرهما (وفي رواية الزّهريّ) وهو الإمام العالم (عن عروة) وقد تقدم، (فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ) أي أفصح أو أكثر بلاغا يقال بالغ يبالغ مبالغة وبلاغا إذا اجتهد في الأمر أي أجهد نفسه في إيصال كلامه إلى ذهن سامعه واقتصر الدلجي عليه وفيه أنه لا يبنى أفعل من غير الثلاثي المجرد إلا بتقوية
[ ٢ / ٣٤١ ]
أشد ونحوه فلو أريد هذا المعنى لقيل أكثر تبليغا أو أشد بلاغا ونحوهما (فأحسب أنّه صادق) أي أظن أنه في قوله لما في نفس الأمر موافق (فأقضي له) بما أظنه أنه يستحقه، (ويجري) من الإجراء أي ويمضي (أحكامه ﵊) وفي نسخة يجري من الجريان أي وتقع أحكامه ﵊ ويروى أحكامهم (على الظّاهر) من الأمور وأحوال الأنام (وموجب) بفتح الجيم أي ومقتضى (غلبات الظّنّ) جمع باعتبار جمع القضايا (بشهادة الشّاهد) أي جنسه تارة (ويمين الحالف) أخرى عند انكاره وعدم البينة على خلافه (ومراعاة الأشبه) مما يظنه حقا وقال التلمساني يعني في الحكم بالقائف أقول وهذه مسألة مختلف فيها (ومعرفة العفاص) بكسر العين والصاد المهملتين بينهما فاء بعدها ألف الوعاء الذي يكون فيه الشيء (والوكاء) بكسر أوله ممدودا خيط الوعاء والمراد كل ما يربط من صرة وغيرها والمعنى أنه ﵊ بنى أمره في الأحكام على الأمور الظاهرة من الشهادة واليمين والشبه ومعرفة الوعاء والوكاء في اللقطة من الأشياء وقد أغرب الدلجي حيث قال كني بالعفاص والوعاء عما يظهر له من فحوى كلام الخصمين مما يظن به حقيقة ما ادعى به (مع مقتضى حكمة الله تعالى فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ تَعَالَى لَوْ شَاءَ لَأَطْلَعَهُ) أي نبيه (على سرائر عباده) من أهل ملته (ومخبّآت) أي مخفيات (ضَمَائِرِ أُمَّتِهِ فَتَوَلَّى الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ بِمُجَرَّدِ يَقِينِهِ وعلمه) حينئذ (دون حاجة) أي من غير افتقار له (إلى اعتراف) من أحد المتخاصمين بالحق (أو بينة أو يمين أو شبهة) أي مشابهة ومناسبة ترجح الحكم لأحد وكل ذلك على تقدير مشيئة الله تعالى إطلاعه ﵊ في القضايا (ولكن لمّا أمر الله أمّته باتّباعه) في قواعد شريعته (وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ وَقَضَايَاهُ وَسَيَرِهِ) أي طريقته (وكان هذا) أي ما أمر الله تعالى أمته باتباعه في جميع سيرته (لو كان ممّا يختصّ) أي النبي ﵊ (بعلمه ويؤثره الله به) أي بانفراده واختصاصه (لَمْ يَكُنْ لِلْأُمَّةِ سَبِيلٌ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ في شيء من ذلك) لعدم إطلاعهم على حقيقة وقوع ما هنالك (ولا قامت) بعده (حجّة) على من خالف أمرا من أمور دينه (بقضيّة من قضاياه لأحد) من حكام ملته (في شريعته) على أحد من أمته (لأنّا لا نعلم ما أطلع عليه) من الإطلاع أو الإطلاع أي مما أوثر به (هو في تلك القضيّة) المرفوعة إليه (بحكمه هو إذن) أي حينئذ (في ذلك) أي في وقت ورودها هنالك (بالمكنون) أي المستور (مِنْ إِعْلَامِ اللَّهِ لَهُ بِمَا أَطْلَعَهُ عَلَيْهِ من سرائرهم) أي ضمائرهم (وهذا) الأمر المكنون والسر المصون (ممّا لا تعلمه الأمّة) إذ لا يطلع عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رسول وأما الأولياء وإن كان قد ينكشف لهم بعض الأشياء لكن علمهم لا يكون لهم يقينا وإلهامهم لا يفيد إلا أمرا ظنيا وبهذا المقال يندفع ما يرد على الحصر في الآية من نوع الإشكال والله تعالى اعلم بالأحوال ثم الأولياء من أرباب الكشوف لا يوجدون في كل زمان ومكان أيضا وربما يدعي كل أحد أنه في مرتبة الولاية العلية (فأجرى الله تعالى أحكامه على ظواهرهم) في القضية (الّتي يستوي في ذلك هو) أي النبي ﵊ (وغيره من البشر) في زمنه
[ ٢ / ٣٤٢ ]
وبعده من الأيام (ليتّم) من الإتمام أو التمام أي ليعم (اقتداء أمّته به في تعيين قضاياه) أي أحكام ملته (وتنزيل أحكامه) على أمته وفق قواعد شريعته (ويأتون ما أتوا من ذلك) أي يفعلون ما فعلوا من الحكم بطريقته (عَلَى عِلْمٍ وَيَقِينٍ مِنْ سُنَّتِهِ، إِذِ الْبَيَانُ بالفعل أوقع منه بالقول) أي وحده على خلاف فيه (وأرفع) أي أدفع كما روي (لاحتمال اللّفظ وتأويل المتأوّل) وفيه أن الأحكام منه ﵊ كانت جامعة بين الفعل والقول وإلا ففي قضية الحال كلام لأهل المقال (وكان حكمه على الظّاهر أجلى) أي أظهر لكل أحد (في البيان) أي في ميدان العيان (وأوضح) أي أبين (في وجوه الأحكام) لظهور المرام (وأكثر فائدة لموجبات التّشاجر) أي التخالف والتنازع (والخصام) أي التخاصم في الأحكام (وليقتدي بذلك كلّه) أي بقضاياه وفق شريعته (حكام أمّته) وعلماء أمته (ويستوثق) عطف على ليقتدى أي يستمسك وليس بتصحيف كما ظنه الأنطاكي وفي نسخة يستوسق بالسين بدل المثلثة أي يجتمع وينتظم (بما يؤثر عنه) أي يروى من بيان قواعد طريقته (وينضبط قانون شريعته) المشتملة على كليات أصولية تبنى عليها جزئيات فرعية (وطيّ ذلك) أي عدم الأطلاع ما هنالك (عنه) ﵊ فيما تتعلق به القضايا والأحكام (من علم الغيب الّذي استأثر) أي انفرد (به عالم الغيب) أي ما غاب عن غيره (فلا يظهر على غيبه أحدا) من خلقه (إلّا من ارتضى من رسول) أي من ملك أو بشر (فيعلمه منه) أي بعضه لا كله (بما شاء) أي بشيء يشاء أو بقدر يشاء (ويستأثر) أي وينفرد (بما يشاء) وفي نسخة في الموضعين بما شاء (ولا يقدح هذا) أي عدم إطلاعه ببعض قضية (في نبوّته) من رفعة مرتبته (ولا يفصم) بفتح الياء فسكون الفاء وكسر الصاد أي لا يكسر أو لا يحل (عروة) أي عقدة (من عصمته) أي نزاهته من طهارته.
فصل [وَأَمَّا أَقْوَالُهُ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنْ أَخْبَارِهِ عَنْ أَحْوَالِهِ]
(وأمّا أقواله الدّنيويّة) أي الصادرة منه في غير الأمور الأخروية (من أخباره) بكسر أوله أي أعلامه (عَنْ أَحْوَالِهِ وَأَحْوَالِ غَيْرِهِ وَمَا يَفْعَلُهُ أَوْ فعله) مستقبلا أو ماضيا (فقد قدّمنا أنّ الخلف) أي التخلف أو صدور الخلاف أو الاختلاف وفسر بالكذب (فيها) أي في تلك الأقوال وفي نسخة في هذا أي هذا النوع (ممتنع عليه) ولا يجوز أن ينسب شيء منه إليه لعصمته في أخباره (في كلّ حال) يكون علينا (وعلى أيّ وجه) يتصور فيها (مِنْ عَمْدٍ أَوْ سَهْوٍ أَوْ صِحَّةٍ أَوْ مرض أو رضى أو غضب) أي فرح أو حزن (وأنّه) وفي نسخة فإنه (﵊ معصوم منه) أي من الحلف في إخباره في جميع أحواله وأسراره (هذا) أي ما ذكر (فيما طريقه الخبر المحض) الذي ليس فيه تورية لمصلحة (ممّا يدخله الصّدق والكذب) أي بالنسبة إلى غيره (فأما المعاريض الموهم ظاهرها خلاف باطنها) صفة كاشفة (فجائز ورودها منه) أي من النبي ﵊ (في الأمور الدّنيويّة لا سيّما) أي
[ ٢ / ٣٤٣ ]
خصوصا (لقصد المصلحة) المعلقة بالأحوال الأخروية (كتوريته عن وجه مغازيه) حيث كان إذا أراد غزاة ورى بغيرها أي سترها وأوهم أنه يريد غيرها وأصله من الوراء أي ألقى البيان وراء ظهره (لئلّا يأخذ العدوّ حذره) أي احترازه واحتراسه بعد بلوغ خبره وفي الحديث أن في المعاريض لمندوحة عن الكذب (وكما) عطف على كتوريته وقال الدلجي أي ومثل توريته ما (روي من ممازحته ودعابته) بضم داله المهملة أي ملاعبته ومنه قوله لجابر هلا بكرا تداعبها وفيه إشارة إلى ملاعبة صغارهم فعن أنس أنه ﵊ دخل على أم سليم فرأى أبا عمير حزينا فقال يا أم سليم ما بال أبي عمير حزينا قالت يا رسول الله مات بغيره الذي كان يلعب به فقال ﵊ أبا عمير ما فعل النغير رواه الترمذي أو المراد بها ممازحته ومطايبته ومنه قول عمر وقد ذكر عنده علي للخلافة ولا دعابة فيه فتحصل أن الدعابة أعم من الممازحة (لبسط أمّته معه) أي لانبساطهم معه أو لانبساطه معهم وانشراح صدر وطيب خاطر فيما بينهم تأنيسا لهم ببشاشة ملاقاة وطلاقة وجه وحلاوة مكالمة (وتطييب قلوب المؤمنين من صحابته) قال الدلجي من بيانية لا تبعيضية وأقول الأظهر الثاني لأن مزاحه ﵊ لم يكن مع جميع أصحابه الكرام (وتأكيدا في تجيبهم) ويروى في تحببهم أي في محبتهم فيه وميلهم إليه (ومسرّة نفوسهم) أي فرحها حال حضورهم لديه صلى الله تعالى عليه وسلم (كقوله) لبعض أصحابه على ما رواه أبو داود والترمذي وصححه عن أنس ﵁ (لأحملنّك على ابن النّاقة) ولفظ الترمذي أن رجلا استحمل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال إني حاملك على ولد الناقة وروى ابن سعيد بإسناده أن أم أيمن جاءت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقالت احملني فقال احملك على ولد الناقة فقالت إنه لا يطيقني فقال لا احملك إلا على ولد الناقة والإبل كلها ولد النوق فدل على تعدد الواقعة فقال يا رسول الله ما أصنع بولد الناقة فقال ﵊ وهل تلد الإبل إلا النوق (وقوله) فيما رواه ابن أبي حاتم وغيره من حديث عبد الله بن سهم الفهري (لِلْمَرْأَةِ الَّتِي سَأَلَتْهُ عَنْ زَوْجِهَا أَهُوَ الَّذِي بعينه بياض وهذا) أي ما قاله ﵊ مداعبة (كلّه صدق لأنّ كلّ جمل) صغيرا كان أو كبيرا هو (ابن ناقة وكلّ إنسان بعينه بياض) أي قليل غالبا (وقد قال ﵊) أي حين قالوا يا رسول الله أنك تداعبنا (إنّي لأمزح ولا أقول إلّا حقّا) رواه الترمذي وقال العلماء المباح من المزاح هو الذي يفعله على الندرة لمصلحة تطييب نفس المخاطب وهذا القدر هو المستحب وهو الذي كان يفعله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأما الذي فيه إفراط مما يورث الضحك وقسوة القلب والشغل عن ذكر الله تعالى وأمور الدين ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء ويورث الأحقاد فهو منهي عنه (هذا) أي مزاحه (كلّه فيما بابه الخبر) بمعنى الأخبار. (فَأَمَّا مَا بَابُهُ غَيْرُ الْخَبَرِ مِمَّا صُورَتُهُ صورة
[ ٢ / ٣٤٤ ]
الأمر) باللام أو بالصبغة (والنّهي) أي صورة النهي للغالب أو الحاضر ولو (في الأمور الدّنيويّة فلا يصحّ) القول بصدوره (مِنْهُ أَيْضًا وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَ أحدا بشيء أو ينهاه عنه وهو يبطن) أي يضمر (خلافه) جملة حالية (وقد قال ﵊ ما كان) أي ما صح وما استقام (لنبيّ أن تكون له خائنة الأعين) أي ايماؤه بها على وجه الخيانة وقد قال تعالى يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ أي ما يسترق من النظر إلى ما لا يحل وقيل هو النظر لريبة وما تخفي الصدور من خبث النية وفساد الطوية والخائنة اسم فاعل أو مصدر بمعنى الخيانة أي ما يخان به كالعافية بمعنى المعافاة وعن الشيخ أبي الحسن الشاذلي خائنة الأعين النظر لمحاسن المرأة وما تخفى الصدور حب مواقعتها وفي بعض الكتب المنزلة من قول الله ﷿ (أنا مرصد لهم) أنا العالم بحال الفكر وكسر الجفون أي من البصر وسبب ورود الحديث أنه ﵊ لما كان يوم فتح مكة آمن الناس إلا جماعة منهم عبد الله بن أبي سرح فاختبأ عند عثمان رضي الله تعالى عنه وكان أخاه لامه فلما دعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال يا نبي الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى فبايعه بعد ذلك ثم أقبل على أصحابه فقال أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن مبايعته فيقتله فقالوا ما ندري يا رسول الله ما في نفسك إلا أومأت إلينا بعينك قال إنه لا ينبغي أن يكون لنبي خائنة الأعين رواه أبو داود والنسائي من حديث سعد ابن أبي وقاص واختلف في المراد بخائنة الأعين ما قاله ابن الصلاح في مشكله فقيل هي الإيماء بالعين وقيل مسارقة النظر وعبارة الرافعي هو الإيماء إلى غير مباح من ضرب أو قتل على خلاف ما يظهر ويشعر به الحال وإنما قيل لها خائنة الأعين تشبيها بالخيانة من حيث إنه يخفي خلاف ما يظهر واختاره النووي وقال كان يحرم ذلك عليه صلى الله تعالى عليه وسلم ولا يحرم على غيره إلا في محظور وقال صاحب التلخيص من الشافعية لم يكن له ﵊ أن يخدع في الحرب مستدلا بهذا الحديث وخالفه الجمهور وعلله الرافعي بأنه اشتهر أنه ﵊ أن يخدع في الحرب مستدلا بهذا الحديث وخالفه الجمهور وعلله الرافعي بأنه اشتهر أنه ﵇ قال الحرب خدعة وهو بفتح الخاء لغة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفيها لغات أخر والفرق لهم أن الرمز يزري بالرامز بخلاف الإبهام في الأمور العظام وعبد الله هذا كان كاتبه ﵊ فارتد ثم أسلم وحسن إسلامه ومات ساجدا والحاصل أنه ﵊ إذا لم يكن له خيانة الأعين في الأمر الظاهر (فكيف أن تكون له خائنة القلب) وهو بيت الرب الطيب الطاهر ويروى خائنة القلب (فَإِنْ قُلْتَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قصّة زيد) أي ابن حارثة الكلبي مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يسم في القرآن أحد من الصحابة
[ ٢ / ٣٤٥ ]
باسمه إلا زيد هذا قيل وسر ذلك أنه ﵊ كان تبناه وكان يدعى زيد بن محمد فلما نزل ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ أي أعدل وأقوم قيل زيد بن حارثة فلما فاته شرافة عظيمة ونسبة وسيمة أبدله الله من ذلك أن سماه في كتابه هنالك اشعارا بأنه سماه في أزله فيصير رفعة لمحله حيث جعل اسمه في كتابه المسطور المحفوظ في الصدور وقد قتل في غزوة مؤتة شهيدا بعد أن عاش مدة مديدة في خدمته ﵊ سعيدا وكان ﵊ خطب زينب بنت جحش الأسدية بنت عمة النبي ﵊ لمولاه زيد بن حارثة وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اشتراه في الجاهلية فأعتقه وتبناه فلما خطب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زينب رضيت وظنت أنه يخطبها لنفسه فلما علمت أنه يخطبها لزيد أبت وقالت أنا ابنة عمتك يا رسول الله فلا أرضاه لنفسي وكانت بيضاء جميلة فيها حدة وكذلك كره أخوها عبد الله بن جحش فنزل قوله تعالى وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا فلما سمعا ذلك رضيا بما هنالك وجعلت أمرها بيد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وكذلك أخوها فأنكحها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زيدا فدخل بها وساق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إليها عشرة دنانير وستين درهما وخمارا ودرعا وأزارا وملحفة وخمسين مدا من طعام وثلاثين صاعا من تمر وكان مرة معها فرآها ﵊ مرة فوقعت في نفسه ﵊ فقال سبحان الله مقلب القلوب فسمعت تسبيحة فذكرته لزيد ففطن له ثم كره صحبتها ورغب عنها لأجله ﵊ فقال أريد أن أفارقها أرابك منها شيء قال لا والله ولكنها تتعاظم علي بشرفها وتؤذيني بلسانها ثم طلقها فلما انقضت عدتها قال له ﵊ ما أجد أحدا أوثق في نفسي منك أخطب لي زينب قال فانطلقت إليها فإذا هي تخمر عجينها قال فلما رأيتها عظمت في نفسي فلم أستطع النظر إليها لرغبة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في نكاحها فوليتها ظهري وقلت يا زينب أبشري أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يخطبك ففرحت وقالت ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي فقامت إلى مسجدها ونزل (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ) بالإسلام الذي هو أجل أنواع الأنعام (وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ) بالعتق والتبني المنبئ عن كمال الإكرام (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [الأحزاب: ٣٧]) أي اصبر عليها (الآية) أي وَاتَّقِ اللَّهَ أي لا تطلقها فإن الطلاق أبغض الحلال إلى الله الملك المتعال وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ أي شيئا الله تعالى مظهره وَتَخْشَى النَّاسَ في مقالتهم بإطلاق السنتهم وقال ابن عباس والحسن أن تستحيي منهم وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ وأن لا تلتفت إلى ما سواه (فاعلم أكرمك الله ولا تسترب) أي لا تكسب ريبه ولا تشك (في تنزيه النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي تبرئته (عن هذا
[ ٢ / ٣٤٦ ]
الظّاهر) كما بينه بقوله (وأن يأمر زيدا بإمساكها وهو) أي والحال أنه (يُحِبُّ تَطْلِيقَهُ إِيَّاهَا كَمَا ذُكِرَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَأَصَحُّ مَا فِي هَذَا مَا حكاه أهل التّفسير) كالبغوي وغيره (عن عليّ بن الحسين) أي ابن علي بن أبي طالب وهو الإمام زين العابدين (أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ أَعْلَمَ نَبِيَّهُ أَنَّ زَيْنَبَ سَتَكُونُ مِنْ أَزْوَاجِهِ فَلَمَّا شَكَاهَا إِلَيْهِ زَيْدٌ قَالَ لَهُ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ الله وأخفى منه) وفي نسخة عنه (في نفسه) أي في باطنه استحياء منه مع كونه مباحا (مَا أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ أَنَّهُ سَيَتَزَوَّجُهَا ممّا الله مبديه) أي مبينه (ومظهره بتمام التّزويج وطلاق زيد لها) مصلحة لعباده وحكمة في مراده المبين بقوله لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا مَا كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ وتوضيح هذا الكلام وتصحيح هذا المرام ما ذكره البغوي في تفسيره أنه روى سفيان بن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان قال سألني علي بن الحسين زين العابدين ما يقول أبو الحسن في قوله تعالى وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ قلت لما أن جاء زيد إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال يا نبي الله أريد أن أطلق زينب فأعجبه ذلك قال أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ فقال علي بن الحسين ليس كذلك فإن الله قد اعلمه أنها ستكون من أزواجه وأن زيدا سيطلقها فلما جاء زيد قال إني أريد أن أطلقها قال أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ فعاتبه الله تعالى فقال لم قلت أمسك عليك زوجك وقد اعلمتك أنها ستكون من أزواجك وهذا هو الأولى والأليق بحال الأنبياء وهو مطابق للتلاوة لأن الله تعالى أعلمه أنه يبدي ويظهر ما اخفاه ولم يظهر غير تزويجها منه فقال زوجناكها فلو كان الذي أضمره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم محبتها أو طلاقها لكان يظهر ذلك لأنه لا يجوز أن يخبر أنه يظهره ثم يكتمه فلا يظهره فدل على أنه إنما عوتب على اخفاء ما اعلمه الله تعالى أنها ستكون زوجة له وإنما اخفاه استحياء أن يقول لزيد أن التي تحتك في نكاحك ستكون امرأتي قال البغوي وهذا قول حسن مرضي وإن كان القول الآخر وهو أنه أخفى محبتها أو نكاحها لو طلقها لا يقدح في حال الأنبياء لأن العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء ما لم يقصد فيه المآثم لأن الود وميل النفس من طبع البشر وقوله أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ أمر بالمعروف وهو حسنة لا أثم فيه وقوله وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ لم يرد به أنه لم يكن يخشى الله فيما سبق فإنه ﵊ قال أنا أخشاكم الله واتقاكم له ولكنه تعالى لما ذكر الخشية من الناس ذكر أن الله تعالى أحق بالخشية في عموم الأحوال وفي جميع الأشياء هذا وزين العابدين أحد النظاء السبعة وهم كلهم مدنيون هو وعلي بن عبد الله بن العباس وأبان بن عثمان بن عفان وسلام بن عبد الله بن عمر وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وأبو بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم وعبد الله بن هرمز الأعرج، (وروى) وفي نسخة وذكر (نحوه
[ ٢ / ٣٤٧ ]
عمرو بن فائد) بالفاء في أوله ودال مهملة في آخره وهو أبو علي الأسواري قال الدارقطني متروك وقال ابن عدي منكر الحديث وقال العقيلي كان يذهب إلى القدر والاعتزال ولا يقيم الحديث (عن الزّهريّ) هو ابن شهاب تابعي جليل (قال نزل جبريل ﵊ على النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْلِمُهُ أَنَّ اللَّهَ يُزَوِّجُهُ زَيْنَبَ بنت جحش فذلك) أي تزوجها (الّذي أخفى في نفسه) واعلم أن في أزواجه ﵊ زينب أخرى هي بنت خزيمة بن الحارث تسمى أم المساكين تزوجها ﵊ في شهر رمضان على رأس أحد وثلاثين شهرا من الهجرة ومكثت عنده ثمانية أشهر وتوفيت على رأس تسعة وثلاثين شهرا من الهجرة وصلى عليها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ودفنها بالبقيع ولذا قيد زينب في الأصل بقوله بنت جحش فإن الآية نزلت فيها، (ويصحّح هذا) المروي عن الزهري (قَوْلُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [الْأَحْزَابِ: ٣٧] أَيْ لَا بدّ لك أن تتزوّجها، ويوضح هذا) أي ما يصحح (أنّ الله لم يبد من أمره) أي لم يظهر من شأنه (مَعَهَا غَيْرَ زَوَاجِهِ لَهَا؛ فَدَلَّ أَنَّهُ الَّذِي أخفاه ﵊ ممّا كان أعلمه به تعالى) أي لا غيره (وقوله) أي ويوضح هذا أيضا قوله (تعالى في القصّة) هذه (مَا كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ) أي قدره (اللَّهُ) وقضاه وأوجبه وأمضاه (سُنَّةَ اللَّهِ [الأحزاب: ٣٨]) أي سن سنة مؤكدة وقضية مؤيدة (الآية) أي فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ أي مضوا من قبله من أرباب النبوة وأصحاب الرسالة حيث أباح لهم كثرة النساء فكان لداود مائة امرأة وثلاثمائة سرية ولسليمان ثلاثمائة امرأة وتسعمائة سرية وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا أي قضاء مقضا وأمرا مقطوعا، (فدلّ) أي قوله ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ (أنه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (لم يكن عليه حرج) أي ضيق وإثم (في الأمر) أي المفروض له مما لا إثم بتركه؛ (قال الطّبريّ) وهو الإمام محمد بن جرير (ما كان الله ليؤثّم) بتشديد المثلثة أي نسب إلى الإثم (نبيّه فيما أحلّ له مثال فعله) أي مثل فعل الله (لِمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: سُنَّةَ اللَّهِ) أي شرع طريقته وأظهر شريعته (فِي الَّذِينَ خَلَوْا) أي مضوا (مِنْ قَبْلُ [الأحزاب: ٣٨]) أي من قبلك (أي من النّبيّين فيما أحلّ لهم) من نكاح وغيره (ولو كان) أي ما أخفاه (على ما روي في حديث قتادة) كما رواه عبد ابن حميد عنه (من وقوعها) أي من وقوع محبة زينب (من قلب النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي في خاطره (عند ما أعجبته) أي رؤيتها (ومحبّته) أي ومن محبته (طَلَاقَ زَيْدٍ لَهَا لَكَانَ فِيهِ أَعْظَمُ الْحَرَجِ) وهذا يندفع بما سبق وبما سيأتي بعد أيضا (وما لا يليق) أي ولكان فيه ما لا ينبغي (به من مدّ عينيه) أي طمحها وفي نسخة من مد عينه (لما نهي عنه) وفي رواية إلى ما نهى عنه (من زهرة الحياة الدّنيا) وفيه بحث إذ المراد بها زينتها المذمومة وبهجتها الملومة (وَلَكَانَ هَذَا نَفْسَ الْحَسَدِ الْمَذْمُومِ الَّذِي لَا يرضاه ولا يتّسم) أي لا يتصف
[ ٢ / ٣٤٨ ]
(به الأتقياء، فكيف سيّد الأنبياء) أقول هذا ليس بحسد أصلا لأنه ﵊ هو الذي اختارها له أولا ثم لما قدره الله وقضاه وقلب قلب نبيه بما كتب عليه وأمضاه حين رآها وأعجبته أدار عنها وجهه وقال سبحان مقلب القلوب تعجبا مما وقع له في صورة ما يعد صدوره عن غيره من الذنوب وخطر بباله أن زيدا لو طلقها لأدخلها في حباله ومع هذا جاهد نفسه ولم يظهر باطن حاله وأمره بإمساك امرأته في استقباله رعاية لحسن مآله ولكنه ﷾ كما أنه قلب قلب حبيبه إلى محبتها قلب قلب صاحبه إلى كراهتها ليقضي الله أمرا كان مفعولا (قال القشيري) وهو الإمام المفسر صاحب الرسالة وغيرها (وهذا) أي القول بوقوعها من قلبه ومحبة طلاق زيد لها (إقدام عظيم) أي جراءة كبيرة (مِنْ قَائِلِهِ وَقِلَّةُ مَعْرِفَةٍ بِحَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم وبفضله فكيف يقال رآها فأعجبته وهي بنت عمّته) أي أميمة بنت عبد المطلب (ولم يزل) أي دائما (يراها منذ ولدت) أي من ابتداء ما ولدت إلى انتهاء ما كبرت (وَلَا كَانَ النِّسَاءُ يَحْتَجِبْنَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي قبل زواجها فقد روي أن آية الحجاب نزلت حين تزوج زينب وأولم فلما طعموا جلس ثلاثة منهم متحدثين فخرج ﵊ من منزلة ثم رجع ليدخل وهم جلوس وكان ﵊ شديد الحياء والحديث مروي في الصحيحين (وهو زوّجها لزيد) وفيه بحث إذ لا مانع من أنه كان يراها وما تعجبه ثم رآها فأعجبته ليقضي الله أمرا كان مفعولا وهذا لا ينافي قوله (وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ طَلَاقَ زَيْدٍ لَهَا وَتَزْوِيجَ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم إيّاها لإزالة حرمة التّبني) بفوقية فموحدة مفتوحة فنون مكسورة مشددة (وإبطال سببه) بموحدتين وفي نسخة سنته بنون ففوقية أي طريقته حسب عادته (كَمَا قَالَ: مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ [الأحزاب: ٤٠]) أي حقيقة (وقال) أي وقع ما وقع (لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ) أي شك وشبهة وضيق وتهمة (فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ [الأحزاب: ٣٧]) جمع دعى وهو المدعو بالابن وفي معناه المدعو بالأب والأخ والجد والأم والأخت والبنت فإنه لا يحرم شيئا، (وَنَحْوُهُ لِابْنِ فُورَكٍ، وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ فَإِنْ قِيلَ فَمَا الْفَائِدَةُ فِي أَمْرِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم لزيد بإمساكها فهو) أي فجوابه وفي نسخة فهي أي فائدة أمره بالإمساك (أنّ الله أعلم نبيّه أنّها زوجته) أي في آخر الأمر (فنهاه النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ طَلَاقِهَا إِذْ لَمْ تَكُنْ بينهما) أي بين زيد وزوجته (ألفة) الظاهر أن إذ تعليلية وحينئذ لم يتبين وجهه وكذا إذا كانت ظرفية فالأولى أن يحمل نهيه عن طلاقها لكونه ﵊ شارعا وقد قال أبغض الحلال إلى الله الطلاق فلا يناسبه أن يأمره بالفراق ولا يبعد أن يقدر أمسك عليك زوجك بمعروف أو سرحها بمعروف كما قال الله تعالى فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ولعله كان يرجو أن الله تعالى يصلح بينهما وأن يقلب قلبه ﵊ عن محبتها وأرادة تزوجها فلا ينافي ما قررنا قوله
[ ٢ / ٣٤٩ ]
(وَأَخْفَى فِي نَفْسِهِ مَا أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ) من أنها ستصير زوجته إن شاء الله وأيضا لو أمره بطلاقها لصارت سنة لمن بعده فيمن تبناه بالنسبة إلى زوجته أو مطلقا لكل خليفة أو قاض ونحوهما ولا يخفى ما يتفرع عليه من الفساد ويفوت طريق السداد (فلمّا طلّقها زيد خشي قول النّاس) أي استحيى منه أو خاف تزلزل أمر الامة على الإطلاق أو كلام أهل النفاق (يتزوّج امرأة ابنه فأمره الله بزواجها) ويروى تزويجها بل زوجها الله تعالى كما قال فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا أي حاجة بحيث ملها ولم يبق له حاجة فيها وطلقها وانقضت عدتها زَوَّجْناكَها (لِيُبَاحَ مِثْلُ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا [الأحزاب: ٣٧]) أي دخلوا عليهن يعني لئلا يظن أن حكم الأدعياء حكم الأبناء فإنه جاز أن يتزوج موطوءة دعيه بخلاف موطوءة ابنه والظاهر أنه لمسها لكن روي عن زينب أنها قالت ما كنت امتنع عنه غير أن الله تعالى منعني منه (وَقَدْ قِيلَ كَانَ أَمْرُهُ لِزَيْدٍ بِإِمْسَاكِهَا قَمْعًا للشّهوة) أي متمناها (وردّا للنّفس عن هواها) وانتظارا لرفع هذا الخاطر عنها (وهذا) القيل إنما يعتبر (إذا جوّزنا عليه) أي حملنا أمره على (أنّه رآها فجأة) بفتح فسكون فهمزة وبضم ففتح فألف بعدها همزة لغتان وقيل الأول مصدر للمرة والثاني مصدر فجأة إذا جاءه بغتة (واستحسنها) أي وأحبها (ومثل هذا) أي ما ذكر من رؤيته إياها فجأة واستحسانها بغتة (لا نكرة فيه) بضم نون فسكون كاف كذا في النسخ وقال الدلجي بالتحريك اسم من الانكار كالنفقة من الانفاق وهو كذلك في القاموس وفيه أيضا أن النكر بالضم وبالضمتين المنكر انتهى وقد قرئ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا بهما في السبعة (لما طبع عليه ابن آدم) أي خلق وجبل (من استحسانه الحسن) بفتحتين أو بضم فسكون أي ميل طبعه إلى الأمر المستحسن (ونظرة الفجأة معفوّ عنها) جملة حالية (ثمّ قمع نفسه عنها) أي عن رؤيتها قصدا (وأمر زيدا بإمساكها) لزيادة قمعها أو لانتظار رفعها (وإنّما تنكر تلك الزّيادات الّتي) ذكرها بعض المفسرين (في القصّة) من أنه ﵊ أخفى عنه تعلق قلبه بها وأرادة مفارقته لها (والتّعويل) أي المعول عليه (والأولى) مما ينسب إليه (ما ذكرناه) وفي نسخة والتعويل على ما ذكرناه (عن عليّ بن الحسين) على ما حررناه (وحكاه) أي وما رواه (السّمرقنديّ) كما سبق عنه (وهو قول ابن عطاء وصححه) وفي نسخة واستحسنه (القاضي القشيريّ) سبق أنه غير الإمام القشيري (وعليه عوّل) أي وعلى ما ذكر اعتمد (أبو بكر بن فورك وقال إنه) أي ما عول عليه ابن فورك (مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ؛ قال) أي ابن فورك (والنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم منزّه) أي مبرأ (عن استعمال النّفاق في ذلك) بإخفائه خلاف ما يعلن (وإظهار خلاف ما في نفسه) هنالك (وَقَدْ نَزَّهَهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ) أي بأس بل له سعة (فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ [الأحزاب: ٣٧]) أي قدره وقضاه أو أوجب عليه فعله وأمضاه (قال) أي ابن فورك (ومن ظنّ
[ ٢ / ٣٥٠ ]
ذلك) أي إرادة مفارقتها (بالنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فقد أخطأ خطأ بينا) وفيه بحث لأنه ﵊ إذا اعلمه الله تعالى بالوحي أو الإلهام أنها ستصير زوجته في بقية الأيام فلا مانع من أن يريد مفارقتها وفق إرادة الملك العلام (قال وليس معنى الخشية هنا) أي في قوله تعالى وَتَخْشَى النَّاسَ (الخوف) أي من ملامتهم لعدم مبالاته بهم (وإنّما معناه) أي اللفظ أو ما ذكر وروي معناها أي اللفظة أو الخشية (الاستحياء أي أن يَسْتَحْيِي مِنْهُمْ أَنْ يَقُولُوا تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ) بعد نهيه عن نكاح حلائل الأبناء جهلا منهم أن المراد بالأبناء ابناء الأصلاب كما بينه تعالى بقوله وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ (وأنّ) أي وإنما معناه أيضا أن (خشيته ﵊ من النّاس كانت) أي حذرا (من إرجاف المنافقين واليهود) أي إخبار سوء وتزلزل (وتشغيبهم) أي بإيقاع شر وفتنة (عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِمْ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْ نِكَاحِ حَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ كَمَا كَانَ فعتبه الله تعالى على هذا) أي على استحيائه منهم (ونزّهه عن الالتفات إليهم فيما أحلّه له) في نكاح زوجة دعيه (كَمَا عَتَبَهُ عَلَى مُرَاعَاةِ رِضَى أَزْوَاجِهِ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ: لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم: ١] الآية) أي تبتغي مرضاة أزواجك وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وقد ورد أنه ﵊ شرب عسلا عند زينب فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له إنا نشم منك رائحة مغافير فقال إنما شربت عند زينب عسلا فقالتا جرست نحله العرفط فحرم شربه فلاطفه ربه بقوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ الآية؛ (وكذلك قوله: له ههنا وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [الْأَحْزَابِ: ٣٧]) ملاطفة له على منعه من مراعاة الناس والتفاته إليهم (وقد روي) كما في جامع الترمذي وقد رواه ابن جرير وغيره أيضا (عن الحسن) أي البصري رحمه الله تعالى فإنه المراد عند المحدثين حال إطلاقه (وعائشة) كان المستحسن تقديم عائشة على الحسن (لو كتم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شيئا من الوحي) أي مما يوحى إليه (لكتم هذه الآية) أي قوله تعالى وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ (لما فيها من عتبه) أي عتابه عليه (وإبداء ما أخفاه) أي وإظهار ما كتمه إليه.
فصل (فَإِنْ قُلْتَ قَدْ تَقَرَّرَتْ عِصْمَتُهُ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَقْوَالِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ)
المشتملة على أفعاله (وأنّه لا يصحّ منه فيها خلف) لقوله من كذب (ولا اضطراب) أي تردد من ريب (في عمد) أي قصد (ولا سهو) أي خطأ ونسيان نشأ عن ذهول وغفلة (ولا صحّة) أي في حال عافية (ولا مرض) أي علة (ولا جدّ) بكسر الجيم ضد الهزل (ولا مزح ولا رضى) أي حال شرح وفرح (ولا غضب) أي حال ضيق خلق وكراهية نفس وكرر لا تأكيدا لنفي ما ذكر من انفراد كل من ذلك كما يقتضيه عصمته هنالك (ولكن ما معنى الحديث) الذي رواه الشيخان والنسائي أيضا (في وصيّته ﵊ الَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاضِي الشَّهِيدُ
[ ٢ / ٣٥١ ]
أبو عليّ رحمه الله تعالى) وهو ابن سكرة (قال حدّثنا القاضي أبو الوليد) أي الباجي (حدّثنا أبو ذرّ) أي الهروي (حدّثنا أبو محمّد) أي ابن حمويه السرخسي (وأبو الهيثم) أي الكشميهني (وأبو إسحاق) أي المستملي (قالوا) ثلاثتهم (حدّثنا محمّد بن يوسف) أي الفربري (حدّثنا محمّد بن إسماعيل) أي الإمام البخاري (حدّثنا عليّ بن عبد الله) أي ابن جعفر بن نجيح بن المديني الحافظ قال شيخه ابن مهدي علي بن المديني اعلم الناس بحديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وخاصة بحديث ابن عيينة وقال ابن عيينة تلومونني على حب علي بن المديني والله لا تعلم منه أكثر مما تعلم مني وكذا قال يحيى بن القطان فيه وقال إمام هذه الصناعة البخاري ما استصغرت نفسي إلا بين يدي علي قال النسائي كأن الله خلقه لهذا الشأن مات بسامرا سنة أربع وثلاثين ومائتين وله ثلاث وسبعون سنة والمديني نسبة إلى مدينة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقال ابن الأثير في كتابه والأكثر فيمن ينسب إلى المدينة مدني والأقل مديني وأما المديني فنسبة إلى أماكن وساق سبعة أماكن وفي الصحاح المدني نسبة إلى مدينة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وأما المديني فنسبة إلى المدينة التي بناها المنصور وعن ابن الصلاح أن المديني نسبة إلى مدينة أصبهان (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) قال الحلبي هكذا في كثير من النسخ والصواب ما في بعضها وهو عبد الرزاق ابن همام أو عبد الرزاق عن معمر لأن عبد الرزاق لا يروي عن همام واسم أبيه همام ويروي عن معمر وهو بفتح الميمين وسكون العين المهملة ابن راشد (عن الزّهريّ) أي ابن شهاب (عن عبيد الله بن عبد الله) أي ابن عتبة الفقيه الأعمى يروي عن عائشة وأبي هريرة وجماعة وهو معلم عمر بن عبد العزيز وكان من بحور العلم مات سنة ثمان وتسعين وعبيد الله هذا أحد الفقهاء السبعة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا احْتُضِرَ رَسُولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم) بصيغة المفعول أي احتضر والمعنى قرب أجله (وفي البيت رجال) أي من قرابته وصحابته جملة حالية (قال هلمّوا) أي تعالوا وهو لغة أهل نجد وتميم فإنهم يثنون ويجمعون ويؤنثون وأما أهل الحجاز فيستوي الكل عندهم ومنه قوله تعالى وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا (اكتب) بصيغة المتكلم مجزوما على جواب الأمر وفي نسخة بالرفع أي أنا أكتب (لكم كتابا) يعني آمر أن يكتب أحد لكم مكتوبا فيه بيان مهمات الدين للأمة أو محل الخلافة دفعا للمنازعة وفيه أن هذا غير محتاج إلى الكتابة (لن تضلّوا بعده) أي بعد العمل به ويروى بعدي (فقال بعضهم) وهو عمر رضي الله تعالى عنه (إنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد غلبه الوجع الحديث) أي وعندنا كتاب الله تعالى حسبنا كتاب ربنا وهو بسكون السين أي كافينا (وفي رواية آتوني) أي أحضروني (أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعدي) وفي نسخة بعده (أبدا فتنازعوا فقالوا) أي بعضه كما في البخاري (ما له أهجر) ويروى فقالوا أهجر وهو بفتحات على أن الهمزة للاستفهام الإنكاري من الهجر بضم الهاء بمعنى الهذيان في حال المرض والغشيان على من توقف في امتثال أمره ﵊ بالكتابة والمعنى لم
[ ٢ / ٣٥٢ ]
يخلف كلامه ولم يتغير من الوجع مرامه كما يقع للمرضى ممن لا يرتبط نظامه (استفهموا) بكسر الهاء أي استخبروا القائل بمنعه أو النبي ﵊ عما أراده أفعله أولى أم تركه، (فقال) النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (دعوني) أي اتركوني في حالي وترك مقالي (فإنّ الّذي أنا فيه) من مراقبة ربي ومحاسبة قلبي (خير) مما أنتم فيه من تنازع وضير ولعله ﵊ ظهر له في رأيه أو أوحي إليه أولا أن الخير في كتابته فهم بها ثم تبين له أو أوحي إليه أن الخير في تركها فتركها (وفي بعض طرقه) كما في مستخرج الإسماعيلي من طريق ابن خلاد عن سفيان (فقال) أي قائل (إنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يهجر) بكسر الجيم مع فتح أوله بتقدير استفهام إنكار. (وفي رواية) كما في البخاري (هجر) أي أهجر قال ابن الأثير أي هل تغير كلامه واختلط لأجل ما به من المرض مرامه وهذا أحسن ما قيل ولا يصحح أن يجعل أخبارا فيكون من الفحش والهذيان والقائل كان عمر رضي الله تعالى عنه ولا يظن به ذلك انتهى (ويروى أهجر) بهمزة الاستفهام وضبط في نسخة بضم الهاء وكسر الجيم أي اترك أمر كتابته وفي أخرى بفتح الهمزة وسكون الهاء وفتح الجيم يقال اهجر في منطقه إذا فحش وأكثر في كلامه فالاستفهام مقدر في الكلام، (ويروى أهجرا) بهمزة الاستفهام وضم هاء وسكون جيم منصوبا والتقدير أيهجر هجرا يعني لا وقد افراد ابن دحية تأليفا في اختلاف الرواة في هذه اللفظة؛ (وفيه) أي وفي الحديث من بعض طرقه (فقال عمر إنّ النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْوَجَعُ وَعِنْدَنَا كتاب الله حسبنا وكثر اللّغط) بفتحتين وهو اختلاف الأصوات والكلام بحيث لم يتميز فيه الصواب والغلط (فَقَالَ قُومُوا عَنِّي وَفِي رِوَايَةٍ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ البيت) أي حاضروه من أهل البيت وغيرهم (واختصموا) أي تنازعوا واختلفوا (فمنهم من يقول قرّبوا) أي كاتبا (يكتب لكم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي يملي لأجلكم (كتابا) فيه ذكركم (ومنهم من يقول ما قال عمر) أي عندنا كتاب الله حسبنا مقتبسا من قوله تعالى أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ وهذا من عمر مؤذن بحسن نظره وصحة فكره ولذا وافقه ﵊ وأعرض عن كلام غيره من الأنام ولا يعارضه قول ابن عباس أن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وبين أن يكتب لأن عمر كان أفقه من ابن عباس لعلمه بأن الله تعالى قد أكمل دينه ورسوله قد بلغ أمره ثم الخير فيما اختاره الله وقدره، (قال أئمّتنا) أي المالكية أو الأشعرية أو أهل السنة والجماعة (في هذا الحديث) أي حديث ابن عباس (إنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم غير معصوم من الأمراض) أي العارضة على ظاهره دون باطنه كغيره من الأنبياء (وَمَا يَكُونُ مِنْ عَوَارِضِهَا مِنْ شِدَّةِ وَجَعٍ وغشي) بفتح وسكون أي إغماء (ونحوه) أي ما ذكر (ممّا يطرأ) أي يقع ويحدث (على جسمه) أي ظاهر جسده (معصوم أن يكون منه) أي يصدر عنه (من القول) مما لا ينبغي (أثناء ذلك) أي في خلال ذلك المرض العارض هنالك (ما) موصولة أو موصوفة (يَطْعَنُ فِي مُعْجِزَتِهِ وَيُؤَدِّي إِلَى فَسَادٍ فِي شريعته من هذيان) بفتحتين
[ ٢ / ٣٥٣ ]
أي كلام مهجور في حال منام (أو اختلال) بنقصان أو اختلاف (في كلام. وعلى هذا) القول بعصمته مما ذكر في حال نبوته (لَا يَصِحُّ ظَاهِرُ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى فِي الحديث هجر) بصيغة الإخبار إلا إذا قدر له استفهام الانكار (إذ معناه هذى) أي أكثر كلامه بلا جدوى (يقال هجر هجرا) بفتح فسكون (إذا هذى، وأهجر) بفتح فسكون (هجرا) بضم فسكون (إذا أفحش) أي أتى بكلام يقبح ذكره، (وأهجر) بفتح الهمزة وسكون الهاء (تعدية هجر) وهذا وهم من المصنف والصواب أنهما لغتان وفي معناهما متقاربان وأنهما لازمان لا يتعديان وقد قرئ بهما في السبعة قوله تعالى سامِرًا تَهْجُرُونَ فالجمهور بفتح أوله وضم جيمه على أنه بمعنى الهذيان ومنه الهجر بالضم الفحش وقرا نافع بضم أوله وكسر جيمه من أهجر إذا أفحش للمبالغة فزيادة المبنى لزيادة المعنى، (وإنّما الأصحّ والأولى) أي في هذا المقام الأعلى (أهجر على طريق الإنكار) بزيادة الاستفهام إخراجا له من صيغة الاخبار ومحط الإنكار (على من قال لا يكتب) أي لا يحتاج إلى الكتابة لتمام على الأمة بأمر الديانة حتى قضية الإمارة بأمارة نصب الإمامة؛ (وهكذا) أي لفظ اهجر مع الاستفهام (روايتنا فيه) أي في الحديث المروي (فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ جَمِيعِ الرُّوَاةِ) أي رواة هذا الحديث من الطرق الواقعة (في حديث الزّهريّ المتقدّم) أي المروي في صحيح البخاري؛ (وفي حديث محمّد بن سلّام) بتخفيف اللام وقد تشدد وهو البيكندي الحافظ شيخ البخاري (عن ابن عيينة) وهو سفيان وإلا فابن عيينة عشرة منهم خمسة لهم رواية وأجلهم في العلم سفيان فهو المراد به عند الإطلاق لأنه الفرد الأكمل فتأمل (وكذا) أي اهجر بفتحات مع همزة انكار (ضبطه الأصيليّ) وهو بفتح الهمز وكسر الصاد (بخطّه في كتابه) أي لا بهمز وسكون هاء كما ضبطه غيره وأن أراد أن الاستفهام مقدر لكن الأول هو الأظهر فتدبر (وغيره) أي وكذا ضبطه غير الأصيلي من الرواة (من هذه الطّرق) ويروى من هذا الطريق أي من أهل هذا الإسناد المنتهي إلى الزهري المروي في صحيح البخاري (وكذا) أي بفتحات وهمزة إنكار (رويناه) وفي نسخة بصيغة المجهول مخففا وفي أخرى مشددا وفي أخرى روايتنا (عن مسلم في حديث سفيان) أي ابن عيينة (وعن غيره) أي وكذا روينا عن غير مسلم فهو اصح من رواية هجر الأخبار وكذا أصح من رواية أهجر بفتح الهمزة وسكون الهاء لأن كلا منهما يحتاج إلى تقدير همزة الإنكار على من قال لا يكتب أي كيف يترك أمره في مرامه ويجعل كمن هجر على ظاهر في كلامه وهو محفوظ في أعلى مقامه وأما قول عمر عندنا كتاب الله تعالى حسبنا فهو إنما كان ردا على من نازعه لا رادا لأمره صلى الله تعالى عليه وسلم والحاصل أنه رضي الله تعالى عنه كان في حزب يقولون لا احتياج إلى الكتابة والله اعلم (وقد تحمل عليه) أي على لفظ اهجر إنكارا (رواية من رواه هجر) اخبارا (على حذف ألف الاستفهام) جميعا بين الروايتين في مقام المرام (والتّقدير أهجر) بفتحات وكذا أَهَجَرَ (أَوْ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الْقَائِلِ هَجَرَ) بفتحات (أو أهجر) بفتح فسكون على ظاهره من الخبر إلا أنه وقع ذلك (دهشة) أي وحشة أو غفلة (من
[ ٢ / ٣٥٤ ]
قائل ذلك وحيرة) توجبها هيبة (لِعَظِيمِ مَا شَاهَدَ مِنْ حَالِ الرَّسُولِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) في مرضه (وشدّة وجعه) وحصول غشيانه الموهم لوقوع هذيانه (وهول المقام الّذي اختلف فيه عليه) بامتثاله وامتناعه تهوينا له به مع تسليم الحكم إليه (والأمر) أي وهول الأمر (الّذي همّ) أي اهتم (بِالْكِتَابِ فِيهِ حَتَّى لَمْ يَضْبِطْ هَذَا الْقَائِلُ لفظه) أي في كلام نفسه (وأجرى الهجر) بالضم الفحش وبالفتح الهذيان (مجرى) بضم الميم ويفتح أي موضع (شدة الوجع) في مرضه (لا أنّه) أي القائل (اعتقد أنّه يجوز عليه الهجر) بالضم والفتح (كما حملهم الإشفاق على حراسته) أي محافظته ورعايته (والله تعالى) أي والحال أنه ﷾ (يقول: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧]) أي ولو لم يحفظك الناس فإنهم كانوا يعدون تلك الحراسة عبادة وطاعة ويغتنمون الحضور بين يديه ولو ساعة (ونحو هذا) من إشفاقهم عليه حين وقع غضب وإعراض لديه تمنيهم أنه لو سكت مع كمال ميلهم إليه. (وأمّا على رواية أهجرا) ويروى وأما على رواية اهجرا وهو بفتح الهمزة وضم الهاء وهو بالنصب منونا على أن يكون مصدرا لهجر يهجر أو اسما من الأهجار (وهي رواية أبي إسحاق المستملي) بميم مضمومة فسين مهملة ساكنة أحد رواة البخاري (في الصّحيح في حديث ابن جبير) وهو سعيد (عن ابن عبّاس من رواية قتيبة) أي ابن سعيد أحد شيوخ البخاري (فقد يكون هذا) أي قوله أهجرا (راجعا إلى المختلفين) ويروى على المختلفين (عنده صلى الله تعالى عليه وسلم ومخاطبة لهم من بعضهم) إنكارا عليهم (أَيْ جِئْتُمْ بِاخْتِلَافِكُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم وبين يديه) أي والحال أنكم بين يديه (هجرا) أي ما يجب عليكم أن تهجروه (ومنكرا من القول) أي ما ينبغي لكم أن تتركوه؛ (والهجر بضمّ الهاء: الفحش في المنطق) ولا يتصور أن أحدا من الصحابة يخاطبه ﵊ بمثل هذا الكلام في مقام الملام وهذا ما يتعلق بألفاظ هذا الحديث ومبناه ومجمل ما يتعلق بفحواه ومقتضاه، (وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ) أي حديث هلموا أكتب لكم (وكيف اختلفوا بعد أمره صلى الله تعالى عليه وسلم أن يأتوه بالكتاب) الموصوف بأنهم لن يضلوا بعده في هذا الباب؛ (فقال بعضهم) أي بعض العلماء (أوامر النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يفهم إيجابها من ندبها) تارة و(من إباحتها) أخرى (بقرائن) قالية أو حالية يدركها أربابها، (فلعلّ) أي الشأن (قد ظهر من قرائن قوله ﵊ لبعضهم) أي من الصحابة الحاضرين (ما فهموا أنّه لم تكن منه) أي من جانبه (عزمة) أي أمر عزيمة (بل أمر) أي على وجه خبر (ردّه إلى اختيارهم) ولا يبعد أنه كان لظهور أمرهم في مقام امتحانهم واختبارهم (وبعضهم لم يفهم ذلك) لقصور فهمه وإدراك حقيقة ما هنالك (فقال) أي ذلك البعض لبعض منهم (استفهموه) أي استخبروه حتى يتبين لكم ما تستبهمونه، (فلمّا اختلفوا) أي كلهم ولم يستقر على شيء رأيهم (كفّ عنه) أي أعرض عن أمره (إذ لم يكن عزمة) في حكمه إذ لو كان عزيمة لما تركها (ولما) أي ولأجل ما (رأوه) أي كلهم أو أكثرهم ومنهم النبي صلى الله
[ ٢ / ٣٥٥ ]
تعالى عليه وسلم (من صواب رأي عمر ثمّ هؤلاء) أي العلماء (قالوا ويكون امتناع عمر) على وجه حكمه يظهر (إمّا إشفاقا على النّبي صلى الله تعالى عليه وسلم) أي خوفا عليه (من تكليفه) أي تحمله (في تلك الحال إملاء الكتاب) أي كلفته ومحنته (وأن تدخل) بصيغة الفاعل أو المفعول مذكرا أو مؤنثا أي يحمل (عليه مشقّة من ذلك) الإملاء للكتابة (كما قال) أي عمر (إنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم اشتدّ به الوجع) فلا ينبغي أن يكلف املاء كتاب لنا كتاب الله حسبنا؛ (وقيل خشي عمر أن يكتب أمورا) أي أحكاما (يعجزون عنها) أي عن القيام بها (فيحصلون في الحرج بالمخالفة) أي فيقعون في الإثم بترك الموافقة (ورأى) أي عمر (أنّ الأوفق) وفي نسخة الأرفق (بالأمّة في تلك الأمور) أي المجملة المقدرة (سعة الاجتهاد وحكم النّظر) أي التأمل في ظهور المراد (وطلب الصّواب فيكون المصيب) للحكم الشرعي (والمخطىء) بعد مراعاة شرعه المرعي (مأجورا) فللمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد، (وقد علم عمر تقرّر الشّرع) أي شرع هذه الأمة ويروى الشريعة (وتأسيس الملّة) برسوخ قواعده وثبوت دعائه (وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣]) وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وهذا معنى قوله حسبنا كتاب ربنا (وقوله) أي وعلم أيضا قوله ﵊ (أوصيكم بكتاب الله تعالى) أي بما فيه مما يتعلق باعتقاده وبأوامره ونواهيه ومعرفة حلاله وحرامه وما يترتب على اجتهاده (وعترتي) أي أهل بيتي كما في رواية والمراد به أقاربه من عشيرته وأهل من أزواجه وذريته وقيل المراد بعترته من يتتبع أخباره وآثاره من سيره وسيرته فكأنه قال أوصيكم بالكتاب والسنة ولعل تخصيص العترة لأنهم أقرب إلى مشاهدة أفعاله في الجلوة والخلوة وأما على التفسير الأول فالعمل بالسنة يؤخذ من الكتاب أيضا لقوله تعالى وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وقوله تَعَالَى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي وقوله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ (وقول عمر) مبتدأ مقوله (حسبنا كتاب الله) أي كافينا خبره (ردّ على من نازعه) أي خالفه في أمر الكتاب على ما رآه عمر أن تركه هو الصواب في مقام فصل الخطاب (لا ردا منه) أي من ابن الخطاب (على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) لأنه لا يتصور منه مثله في هذا الباب؛ (وقد قيل خشي عمر تطرّق المنافقين) أي توصلهم (ومن في قلبه مرض) أي شك وتردد أو حقد وحسد (لما كتب) أي حين كتب أو لأجل ما كتب (ذلك) وفي نسخة في ذلك (الكتاب) أي المكتوب (في الخلوة) أي في الحجرة الشريفة (وأن يتقوّلوا) أي يتكلفوا (في ذلك) أي في جملة ذلك الكتاب (الأقاويل) الباطلة افتراء من عند أنفسهم المنهمكة في الضلالة (كادّعاء الرّافضة الوصيّة) بالخلافة لعلي كرم الله وجهه قدحا في أكابر الصحابة بل في علي نفسه إذ لم يقم بالأمر الموصى به (وغير ذلك) مما لا إطلاع لنا على ما هنالك، (وقيل إنّه) أي قوله لهم (كان من النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لهم على طريق المشورة) بفتح فسكون ففتح وفي نسخة بضم ثانيه وسكون واوه وقيل لا يصح هذا أي المشاورة (والاختبار)
[ ٢ / ٣٥٦ ]
أي الامتحان ليظهر منهم حسن الاختيار (هل يتّفقون على ذلك) فيكتب لهم (أم يختلفون) فيتركه، (فلمّا اختلفوا تركه) ويروى تركهم ولا يبعد أن يكون الامتحان ليعلم أنهم إلى الآن محتاجون إلى الكتاب والبيان أو هم متيقنون في أحكام الأديان ولا يفتقرون إلى زيادة التبيان فلما تبين من كلام عمر ومن تبعه أنهم في مقام العيان وفي غاية من كمال الإيمان وجمال الإيقان والاتقان من منازل الإحسان ترك ما أراد كتابته مجملا لظهور أمرهم مفصلا (وقالت طائفة أخرى: إنّ معنى الحديث) المذكور (أنّ النبيّ ﵌ كان مجيبا في هذا الكتاب) أي في قصده أو أمره (لما طلب منه) ببيان القال أو بلسان الحال (لا أنه ابتدأ بالأمر به) من غير السؤال (بل اقتضاه) أي طلبه واستدعاه (منه بعض أصحابه) أي المخصوصين من أقاربه وأحبابه (وأجاب رغبتهم) وأطاب طلبتهم (وكره ذلك غيرهم للعلل الّتي ذكرناها) عن عمر وغيره مما اقتضت حكمتهم فلما تعارضا تساقطا؛ (واستدلّ) بصيغة المجهول وفي نسخة بصيغة الفاعل أي استدل القائل (في مثل هذه القصّة) المشتملة على الغصة (بقول العباس لعليّ رضي الله تعالى عنهما انطلق بنا) أهل البيت أو معشر بني هاشم الذين هم أفضل من سائر قريش وقد ورد أن الخلافة في قريش (إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فإن كان الأمر) أي أمر الخلافة بعده (فينا) خصوصا (علمناه) ولا ينازعنا فيه أحد، (وكراهة عليّ هذا) القول من عمه العباس (وقوله) لعمه (والله لا أفعل- الحديث) كما في البخاري (واستدلّ) كما تقدم وأغرب الدلجي حيث قال واستدل علي (بقوله دعوني) أي اتركوني (فَإِنَّ الَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ) أَيِ الَّذِي أنا فيه من الإعراض عن الدنيا والإقبال على العقبى والتوجه إلى المولى خير وأبقى مما تدعونني إليه (من إرسال الأمر) بلا كتابة (وترككم) أي وخير من تركي إياكم (وكتاب الله) أي معه إذ ربما اختلفتم فيه كما اختلف في قبلكم (وأن تدعوني) بفتح الدال قال الدلجي عطف على دعوني والظاهر أنه عطف على ترككم أي وإن ترككم لي (ممّا طلبتم) ويروى من الذي طلبتم مني من كتابتي لكم كتابا خير أيضا هذا، (وذكر) أي روي (أنّ الّذي طلب) أي المطلوب (كتابته) خبر أن قوله (أمر الخلافة) منصوب على المفعولية (بعده) وكذا قوله (وتعيين ذلك) أي أمر الخلافة وفي نسخة كتابة أمر الخلافة بالإضافة وفي نسخة كفاية بدل كتابة فهي مرفوعة على أنها اسم أن وكذا تعيين بالعطف عليها.
فصل (فَإِنْ قِيلَ فَمَا وَجْهُ حَدِيثِهِ أَيْضًا الَّذِي حدّثناه الفقيه أبو محمد الخشنيّ)
بضم الخاء وفتح الشين المعجمة (بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ حَدَّثَنَا عبد الغافر الفارسيّ) بكسر الراء (حدّثنا أبو أحمد الجلوديّ) بضم الجيم واللام (قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بن الحجّاج) صاحب الصحيح (حدّثنا قتيبة) أي ابن سعيد (حدّثنا ليث) وهو ابن سعد (عن سعيد بن أبي سعيد) هو المقبري (عن سالم مولى النّصريين) بالنون والصاد المهملة أي ابن
[ ٢ / ٣٥٧ ]
عبد الله النصري (قال سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول اللهمّ إنّما محمد) وفي نسخة أن محمدا (بشر يغضب كما يغضب البشر) وإن كان غضبه لله بخلاف من سواه (وإنّي قد اتّخذت عندك عهدا) يحتمل أن يكون إخبارا وأن يكون ابتداء انشاء (لن تخلفنيه) أي أبدا فأسألك الوفاء بعهدك (فأيّما مؤمن آذيته) بنوع من الأذى (أو سببته) بلساني (أو جلدته) أي ضربته بيدي أو بأمري (فاجعلها) أي تلك الأذية أو الأمور المذكورة (له كفّارة) لذنبه كيلا يقع في الندامة (وقربة تقرّبه بها إليك يوم القيامة) أي قربة رتبه ومكانة. (وفي رواية) أي عن أنس كما صرح به الحلبي فكان ينبغي من جهة الصناعة أن يقول وفي رواة لأنس (فأيّما أحد دعوت عليه دعوة) أي إلى آخره، (وفي رواية ليس) أي المدعو عليه (لها بأهل) أي مستحق، (وَفِي رِوَايَةٍ «فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ) أي شتمته (أو لعنته) لساني أو طردته عن مكاني (أو جلدته) أي ضربته بالجلد وغيره (فاجعلها له زكاة) أي طهارة من سيئته أو بركة في معيشته (وصلاة) أي ووصلة لقربه (ورحمة) ينشأ منها نعمة (وكيف) أي على أي حال (يصحّ أن يلعن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم من لا يستحقّ اللّعن) أي عمدا وقصدا (ويسبّ من لا يستحقّ اللّعن وَيَجْلِدُ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْجَلْدَ أَوْ يَفْعَلُ مثل ذلك عند الغضب وهو معصوم) بعناية الرب (من هذا) الذي ذكر (كُلِّهِ فَاعْلَمْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَكَ أَنَّ قَوْلَهُ ﵊ أَوَّلًا لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَيْ عِنْدَكَ يَا ربّ في باطن أمره فإن حكمه ﵊ على الظّاهر) من حاله (كما قال) فيما ورد عنه ﵊ نحن نحكم بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر (وللحكمة الّتي ذكرناها) من أن أحكامه إنما كانت جارية على موجبات غلبات ظنه لتقتدي به أمته في حكمه (فحكم ﵊) فيما ظهر له من قرائن المقام (بجلده أو أدّبه بسبّه) أي بشتمه (أو لعنه) بصيغة المصدر أو الخبر (بما اقتضاه) من جواز ذلك (عنده حال ظاهره) بالرفع على أنه فاعل لاقتضاه أو بالنصب على الظرفية وفي نسخة عند حال ظاهره (ثمّ دعا له ﵊) على وجه الإبهام (لشفقته على أمّته ورأفته ورحمته للمؤمنين) أي شدة رأفته لخاصتهم وإرادة نعمته لعامتهم (الّتي وصفه الله بها) أي في قوله ﷾ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (وحذره) أي ولاحترازه (أن يتقبّل الله فيمن دعا عليه دعوته) أي في دعوته عليه وفي نسخة فيمن دعا عليه دعوته على أنها مفعول يتقبل وقوله (أن يجعل) متعلق بقوله فيما سبق ثم دعا له أي بدل ما دعا عليه أن يجعل (دعاءه) أي عليه (ولعنه له رحمة) نازلة عليه وواصلة إليه وحاصلة لديه (فهو معنى قوله) ﵊ (ليس) أي المدعو عليه (لها بأهل) ولذا ورد في دعائه اللهم ما لعنت من لعن فعلى من لعنت وما صليت من صلاة فعلى من صليت أنت ولي في الدنيا والآخرة، (لا أنه صلى الله تعالى عليه وسلم يحمله الغضب) أي يبعثه (ويستفزّه) بتشديد الزاء أي ويستخفه (الضّجر) بفتحتين ضيق الصدر وعدم الصبر (لأن يفعل مثل هذا) الذي ذكر من اللعن والضرب والشتم (بمن) وفي نسخة لمن أي لأجل من (لا
[ ٢ / ٣٥٨ ]
يستحقّه من مسلم، وهذا معنى صحيح) وفي المدعي صريح لا ينبغي أن يفهم منه غيره؛ (وَلَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ البشر أنّ الغضب) الذي يعتري ابن آدم من ثوران الدم وهو من خصال تذم (حمله على ما لا يجب) أي لا ينبغي أن يفعله (بل يجوز أن يكون المراد بهذا) الذي ذكر مِنْ قَوْلِهِ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ (أَنَّ الغضب لله تعالى) هو الذي (حمله على معاقبته بلعنه أو سبّه) أو ضربه إذ ورد كما مر أنه ما انتقم رسول الله لنفسه قط إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَيَنْتَقِمُ له وقد قال له صحابي أوصني يا رسول الله فقال لا تغضب وكلما أعاد السؤال أجاب له بهذا الجواب فلا يتصور أنه ينهى آحاد أمته عن الغضب وهو على منوالهم يغضب (وأنّه) أي غضبه ﵊ (ممّا كان يحتمل) تحمله من الخلق تواضعا مع الحق واختيارا لصفة الحلم الناشىء عن كمال العلم (ويجوز عفوه) ﵊ (عنه) أي عن من عاقبه بلعن أو غيره من الإيلام (أو كان) ذنب المغضوب عليه (مِمَّا خُيِّرَ بَيْنَ الْمُعَاقَبَةِ فِيهِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ) وفي نسخة أو العفو عنه ولكنه كان قد اختار المعاقبة لما رأى فيها من الحكمة والمصلحة، (وقد يحمل) أي دعاؤه ﵊ لمن عاقبه (أنّه خرج مخرج الإشفاق) أي إظهار الشفقة أو الخوف على من عاقبه بلعن أو غيره (وَتَعْلِيمِ أُمَّتِهِ الْخَوْفَ وَالْحَذَرَ مِنْ تَعَدِّي حُدُودِ الله تعالى) شفقة منه عليهم أن يعاقب أحدا منهم واحتراسا لهم مما يصدر عنهم (وَقَدْ يُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنْ دُعَائِهِ هُنَا) أي في مواضع المعاقبة ومقام الغضب طلبا لرضى الرب (ومن دعواته على غير واحد) أي على كثيرين (في غير موطن) أي في مواضع كثيرة (على غير العقد) أي عقد القلب بالعزم (والقصد) أي قصد المعاقبة بالجزم (بل) كانت صادرة منه من غير الغضب (بما جرت) أي على وفق ما جرت (به عادة العرب) حيث لا يريدون وقوع الأمر وإنما يقصدون به الأدب أو الملاطفة في مقام الطلب إذ قد يشنعون اللفظ وكله ود وينفونه وما من فعله بد يقولون للشيء إذا مدحوه قاتله الله ولا اب له ولا أم له ولا يريدون به الذم وفي الحديث ويل أمه مسعر حرب فلك أن تنظر إلى القول وقائله والقرينة الدالة على حاله ومآله بحسب اختلاف شمائله فإن كان وليا فهو الولاء وإن خشن وإن كان عدوا فهو البلاء وإن حسن فضرب الحبيب حلو كالزبيب بخلاف دعاء الرقيب (وليس المراد بها) أي بدعواته ﵊ غلى غير واحد من الصحابة الكرام (الإجابة كقوله ﵊) فيما رواه الشيخان لعائشة وفي رواية لأم سلمة (تربت يمينك) بكسر الراء أي خشرت وقيل امتلأت ترابا وقيل استغنت والظاهر أن أتربت بمعنى استعنت على أن الهمزة للسلب وروي يدك ويداك، (ولا أشبع الله بطنك) قاله لمعاوية لكن بلفظ لا أشبع الله بطنه كما في نسخة هنا وهو في مسلم في كتاب الأدب من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فتواريت خلف باب فجاء فخطاني خطوة وقال اذهب فادع لي معاوية قال فجئت فقلت هو يأكل قال ثم قال لي اذهب فادع لي معاوية قال فجئت فقلت هو يأكل فقال لا أشبع الله
[ ٢ / ٣٥٩ ]
تعالى بطنه زاد البيهقي في الدلائل فما شبع بطنه أبدا وهذا يشير إلى أنه كان دعاء عليه وقد استجاب الله تعالى لديه، (وعقرى حلقى) قاله لصفية بنت حيي بن أخطب في حجة الوداع كما رواه الشيخان أي عقرها الله تعالى وحلقها أي عقر الله تعالى جسدها وأصابها بوجع في حلقها قيل وقد جعلها الله كذلك كذا رواه المحدثون غير منون لجريانه على مؤنث كغضبي والمعروف في اللغة التنوين لأنه من مصادر حذفت أفعالها لفظا أي عقرها وحلقها حلقا ويقال للأمر المتعجب منه عقرا حلقا وكذا للمرأة المؤذية المشؤمة وقيل يقال لطويلة اللسان وقيل عقرى عاقر لا تلد وقيل عقرا حلقا مصدران أو الألف للتأنيث وقد روت عائشة أن صفية حاضت ليلة النفر فقالت ما أراني إلا حابستكم قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عقرى حلقى أطاقت يوم النحر قيل نعم قال فانفري (وغيرها من دعواته) مما لا يريد هو وغيره إجاباته كقول بعضهم أنعم صباحا تربت يداك فإنه دعاء له بقرينة ما قبله، (وقد ورد في صفته) أي نعته (في غير حديث) أي في أحاديث كثيرة من شمائله (أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن فحّاشا) أي منسوبا إلى قوله الفحش وفعله بل كان أقواله وأفعاله كلها مستحسنة، (وقال أنس) كما رواه البخاري (لم يكن سبّابا) أي كثير السب والشتم (ولا فحاشا) وفي نسخة صحيحة ولا فاحشا وهو أولى صيانة لساحة رفيع جنابه أن يوجد نوع من الفحش في بابه (ولا لعّانا) أي كثير اللعن (وكان يقول لأحدنا عند المعتبة) بفتح الفوقية ويكسر أي عند العتب في مقام الأدب (ما له) وفي نسخة ما باله (ترب جبينه) وفي العدول عن الخطاب التفات حسن في الآداب وقد قيل أراد به دعاء له بكثرة السجود وبتواضعه للرب المعبود وقيل يسقط في الأرض فيترب جبينه وأما قوله لبعض أصحابه ترب نحرك فقتل شهيدا فدعاء له لا عليه كما وهم الدلجي وقال فهو محمول على ظاهره وأغرب منه قوله (فيكون حمل الحديث) أي حديث ترب جبينه (على هذا المعنى) من أن يقتل والصواب أن قوله فيكون حمل الحديث أعم حديث تربت يمينك على هذا المعنى أي على معنى ترب جبينه إذ قوله ترب نحرك ليس مذكورا في كلام المصنف فكيف يحمل عليه المعنى من غير ذكر المبنى ولا يبعد أن يراد بتربت يمينه وترب جبينه اختيار غاية الفقر ونهاية المسكنة لصاحبه كما يشير إليه قوله تعالى أَوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ فيكون في الحقيقة دعاء له لا عليه؛ (ثمّ) أي مع هذا كله (أشفق ﵊) أي خاف على من جرى في شأنه هذا الكلام (من موافقة أمثالها) وفي نسخة مواقعة أمثالها أي الدعوات التي لم يرد بها وقوعها (إجابة) مفعول أشفق أي أن يجيبها الله في الدنيا والآخرة فتداركه (فعاهد ربّه كما قال في الحديث) السابق (أن يجعل ذلك) الدعاء (للمقول له زكاة) أي طهارة (ورحمة) عليه (وقربة) تقربه إليه، (وقد يكون ذلك) الدعاء (إشفاقا على المدعوّ عليه وتأنيسا له) أي تلطفا بحاله وتداركا لمقاله (لئلا يلحقه) أي المدعو عليه (من استشعار الخوف) أي إدراكه من الله تعالى (والحذر من لعن النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) له (وتقبّل دعائه) في حقه (ما يحمله على
[ ٢ / ٣٦٠ ]
اليأس) من رحمة الله تعالى في الدنيا (والقنوط) في العقبى وهو بضم القاف أشد اليأس؛ (وقد يكون ذلك) الدعاء (سؤالا منه) أي من النبي ﵊ (لربّه) ﷻ وعز كماله (لمن جلده) أي ضربه (أو سبّه) أي شتمه أو لعنه (على حقّ) أي أمر يستحقه (وبوجه صحيح) وفق شرعه (أن يجعل ذلك) الجلد ونحوه (له كفّارة لما أصابه) من الذنوب (وتمحية) مصدر محى مشددا للمبالغة أي وكثرة محو (لما اجترم) أي اكتسبه من العيوب وفيه أنه يأباه ظاهر رواية ليس لها بأهل اللهم إلا أن يقال ليس للعقوبة بأهل على جهة الدوام بأن يكون من أهل الإسلام (وَأَنْ تَكُونَ عُقُوبَتُهُ لَهُ فِي الدُّنْيَا سَبَبَ العفو) عن تقصيراته (والغفران) لسيئاته في العقبى (كما جاء في الحديث الآخر) مما رواه الشيخان عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم ليلة العقبة بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين ايديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف فمن وفي منكم بذلك فأجره على الله (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ) أي فجوزي به (في الدّنيا فهو كفّارة له) وفي نسخة فهو له كفارة أي في العقبى وتمام الحديث ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فهو إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه (فإن قلت فما معنى حديث الزّبير) أي ابن العوام أحد العشرة المبشرة (وقول النّبيّ) أي وما معنى قوله (صلى الله تعالى عليه وسلم له) أي للزبير (حين تخاصمه) بصيغة المصدر أي وقت تنازعه واختلافه (مع الأنصاريّ) أي المنسوب إلى الأنصار فإنه قيل إنه كان منافقا فهو من نسبهم لا من حسبهم وقيل غير ذلك واختلف في تعيين قائله هنالك (في شراج الحرّة) بكسر الشين المعجمة جمع شرجة وهي مسيل الماء إلى السهل من الحرة وهي موضع من المدينة فيه حجارة سود (اسق) أي حديقتك وهو بكسر همزة الوصل أو بفتح همزة القطع (يَا زُبَيْرُ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ فَقَالَ لَهُ الأنصاريّ أن) وفي نسخة أنه (كان يا رسول الله ابن عمّتك يا رسول الله) وهو علة لقوله اسق أي حكمت للزبير لأجل أن كان ابن عمتك وهي صفية بنت عبد المطلب وقيل الرواية بمد الهمزة بناء على أنه بهمزتين والثانية ومنهما مبدلة ممدودة وهو وجه من الوجوه في اجتماع الهمزتين للقراء السبعة ورواتهم (فتلوّن) أي فتغير حيث احمر واصفر (وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) غضبا لله وتنزيها لرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم مما نسب إليه (ثمّ قال اسق يا زبير) أي حديقتك كما ذكر (ثمّ احبس) الماء وامنعه عن غيرها أو اصبر على جريانه (حتّى يبلغ الجدر) أي جدر الحديقة أو أصول الكرم وهو بفتح الجيم وسكون الدال المهملة وروي بضم أوله جمع جدار وبذال معجمة من جذر الحساب بالفتح أو الكسر أراد به مبلغ تمام التقي استيفاء لحق الزبير رضي الله تعالى عنه (الحديث) بطوله والمقصود حل مشكله (فالجواب أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم منزّه أن) وفي نسخة عن أن (يقع بنفس مسلم) أي في خاطره (منه) أي من جهة أمره ﵊ (في هذه القصّة) وفي نسخة القصة (أمر يريب) بضم أوله وفتحه أي شيء يوقع في
[ ٢ / ٣٦١ ]
الريبة والشك والتهمة (ولكنّه صلى الله تعالى عليه وسلم ندب) أي الزبير كما في نسخة أي أمره أمر ندب وإحسان ودعاء (أوّلا) أي في أول أمره حيث أشار (إلى الاقتصار) للزبير (على بعض حقّه على طريق التّوسّط) أي مراعاة الجانبين (والصّلح) الذي هو موجب صلاح العباد وفلاح البلاد (فلمّا لم يرض بذلك الآخر ولجّ) بتشديد الجيم أي وبالغ في طلب الحكم المقرر (وقال ما لا يجب) أي لا ينبغي في ذلك المقر (استوفى) جواب لما أي أخذ (النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم للزّبير حقّه) وافيا ثانيا (ولهذا ترجم البخاريّ) أي عنون في صحيحه (على هذا الحديث باب إذا) بالإضافة منصوبا على أنه مفعول ترجم وضبط باب بالرفع منونا فيكون محكيا والنصب محليا أو التقدير هذا باب فيما إذا (أشار الإمام بالصّلح فأبى) أي الخصم به (حكم عليه) بالبناء للمفعول أو الفاعل (بالحكم) أي البين كما في البخاري وتركه المصنف لوضوحه (وذكر) أي البخاري (في آخر الحديث فاستوّعى) أي استوفى كما في نسخة أي استوعب (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حينئذ للزّبير حقّه) ووقع في أصل الحلبي والتلمساني حقه للزبير فقالا فيه تقديم وتأخير أو التقدير استوعى حق الزبير للزبير يعني وقد سبق في الحديث ذكر الزبير فالمرجع موجود وقال الحلبي وكذا في نسخة صحيحة عندي بالبخاري. (وقد جعل المسلمون هذا الحديث) أي حديث الزبير مع الأنصاري (أصلا في قضيّته) أي في مثل حكم الزبير؛ (وفيه) أي وفي الحديث (الاقتداء) أي أخذ الاقتداء والاهتداء (به صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ مَا فَعَلَهُ فِي حال غضبه ورضاه وأنّه) ﵊ (وإن نهى) فيما رواه الشيخان عن أبي بكرة (أن يقضي القاضي وهو غضبان) جملة حالية أفادت أن غيره من القضاة غير معصوم فلا يقضي حال غضبه بخلافه ﵊ (فَإِنَّهُ فِي حُكْمِهِ فِي حَالِ الْغَضَبِ وَالرِّضَى سواء لكونه فيها) أي في الغضب والرضى وفي نسخة فيها أي في حالهما (معصوما) من الخطأ في القضاء، (وغضب النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في هذا) أي في أمر الزبير مع خصمه (إِنَّمَا كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى لَا لِنَفْسِهِ كَمَا جاء في الحديث الصحيح) من أنه لم يكن يغضب لنفسه وإنما كان يغضب لربه هذا ولو صدر مثل هذا الكلام الذي خاطبه ﵊ به من إنسان اليوم من نسبته ﵊ إلى هوى وغرض في الأحكام كان ارتدادا عن الإسلام فيجب قتله بشرطه المعتبر عند الإعلام وقد قال العلماء إنما تكره ﵊ لأنه كان في أول الإسلام يتألف الناس في الكلام ويدفع بالتي هي أحسن في ذلك المقام ويصبر على أذى المنافقين في تلك الأيام وهذا كقول الآخر هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى فإنه نسب الغرض في العطية إليه ﵊ ولم يأمر بقتله فأقرب أمره أن يكون منافقا أو حديث عهد بجاهلية أو بدويا في غلظة طبعهم وجهالة شأنهم وجفاؤه لسانهم، (وكذلك الحديث) الذي ورد في الحلية لأبي نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (في إقادته) بالقاف من القود أي في قصاصه (عكاشة) يضم العين وتشديد الكاف وتخفف وهو
[ ٢ / ٣٦٢ ]
ابن محصن الأسدي صحابي جليل رضي الله تعالى عنه والمعنى أن يقتص لنفسه (من نفسه) ﵊ (لم يكن) أي ضربه ﵊ له (لتعدّ) بتشديد الدال أي لتجاوز حد وفي نسخة صحيحة لتعمد أي لقصد (حمله الغضب عليه) أي على ضربه (بل وقع في الحديث) أي في حديث قود عكاشة (نفسه أن عكاشة قال له) ﵊ (وضربتني بالقضيب) أي العصا، (فلا أدري أعمدا) كان ضربك لي (أم أردت ضرب النّاقة) فوقع علي (فقال النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أعيذك بالله) أي أجعلك في حفظه (يا عكاشة أن يتعمّدك رسول الله) وفي نسخة أن يتعمدك نبيك (صلى الله تعالى عليه وسلم) وحاصل الجواب أنه وقع منه خطأ وهو جواب حسن صواب يصلح أن يكون جوابا عن الإشكال الأول في الحديث الآخر أيضا وهو أيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته بمعنى ضربته أو شتمته سهوا أو خطأ والله تعالى اعلم هذا وفي حاشية الحلبي أن حديث عكاشة في قادة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأنه ﵊ دفع القضيب إلى عكاشة ليقتص منه ذكره ابن الجوزي في موضوعاته مطولا وقال في آخره هذا حديث موضوع لا محالة كافأ الله تعالى من وضعه وقبح من شين الشريعة بمثل هذا التخليط البارد والكلام الذي لا يليق بالرسول ولا بالصحابة والمتهم عبد المنعم بن إدريس قال أحمد بن حنبل كان يكذب على وهب وقال يحيى كذاب خبيث وقال ابن المديني وأبو داود ليس بثقة وقال ابن حبان لا يحل الاحتجاج به وقال الدارقطني في ميزانه فيه مشهور قصاص ليس يعتمد عليه تركه غير واحد ثم ذكر كلام أحمد فيه وقال قال البخاري ذاهب الحديث ثم قال وله عن ابيه عن وهب عن جابر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما خبر إقادة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم طويل وأنه دفع القضيب إلى عكاشة ليقتص منه وقال قال ابن حبان كان يضع الحديث على أبيه وعلى غيره (وكذلك) الكلام (في حديثه الآخر) قال الدلجي لا أعرف من رواه (مع الأعرابيّ) قال الحلبي هذا الأعرابي لا أعرفه (حين طلب ﵊ الاقتصاص منه) أي من نفسه الشريف للأعرابي؛ (فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم قد ضربه) أي الأعرابي (بالسّوط لتعلّقه بزمام ناقته) بكسر الزاء أي يخطامها (مرّة بعد أخرى) علة لضربه (والنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ينهاه) كل مرة عن تعلقه بزمامها (ويقول له تدرك حاجتك وهو يأبى) قبول قوله ذلك (فضربه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعد ثلاث مرّات) من نهيه وابائه عن قبوله ووقع في أصل الدلجي فضربه ثلاث مرات بعد وقال ظرف غائي قطع عما أضيف هو إليه منويا أي بعد نهيه له وهذا خطأ فاحش لأن الضرب لم يقع ثلاث مرات بل مرة واحدة بعد نهيه ثلاث مرات ثم لا يتوهم أن ضربه له كان انتقاما لنفسه بل كان تأديبا وتشريعا له ولغيره للاجتناب عن مثل ذلك لقبحه، (وهذا) أي ضربه الذي وقع عليه (منه ﵊ لمن لم يقف عند نهيه) ولم ينزجر بردعه (صواب وموضع أدب) وهما خبران لقوله وهذا وقد وهم الدلجي حيث قال ويروى أنه صواب وموضع أدب
[ ٢ / ٣٦٣ ]
يقتبس منه ويستضاء به، (لكنّه ﵇ أشفق) أي خاف مقام ربه (إذ كان حظ نفسه) وفي نسخة حق نفسه والجملة تعليلية اعتراضية بين اشفق ومتعلقه أعني (من الأمر) أي لأجل أمر ضربه (حتّى عفا عنه) الأعرابي غاية لطلبه الاقتصاص منه والحاصل أن اقتصاصه إنما كان لكمال خوفه من ربه حيث كان ظاهر ضربه على صورة حظ نفسه مع ما يتضمنه من تعليم أمته عدم المسامحة والمساهلة في حقوق العباد قبل يوم المعاد (وأما حديث سواد) بفتح السين المهملة وتخفيف الواو (ابن عمرو) أي ابن عطية الأنصاري رواه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة وابن سعد وعبد الرزاق في جامعه عن الحسن (أتيت النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) وقال ابن عبد البر سوادة بزيادة تاء ابن عمرو الأنصاري ويقال سواد بن عمرو وحديثه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أقاده من نفسه روى عنه الحسن ومحمد بن سيرين أنه قال اتيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (وأنا متخلّق) أي متلطخ بالخلوق من الطيب يقال خلقه تخليقا طيبه فتخلق كما في القاموس (فقال ﵊ ورس ورس) وهو نبت أصفر يصبغ به ومعناه التهديد في النهي عن لبسه أو تطيبه وكرر للتأكيد كقوله (حطّ حطّ) بضم الحاء وتشديد الطاء المهملتين أي ضع عنك هذا بلبس غيره أو بغسله ويجوز في طائه الحركات الثلاث لأنه أمر مضاعف كمد فيجوز الفتح للخفة والضم للاتباع والكسر للأصل في تحريك الساكن أما قول الحلبي الظاهر إن هذا أمر بالحط وكذا رأيته مضبوطا بحط بإسكان الطاء فسهو قلم منه فإنه إذا كان الأمر بالحط فالإسكان خطأ في الخط هذا وقال التلمساني وروي بسكون سين ورس وفتح طاء حط ساكنين وروي بتنوين السين وسكون الطاء انتهى وخلله مما لا يخفى نعم وجه السكون هو الوقوف ومحله الرفع على أنه خبر مبتدأ مقدر أي أهذا ورس أو بفعل محذوف أي أيفعل ورس يعني يصبغ به ويلبس وأما على التنوين فظاهر إعرابهما قال التلمساني ولعله كان محرما فنهاه عنه لانه لا يلبسه المحرم أقول لبس الأصفر والأحمر مكروه عندنا مطلقا وكذا التطيب بطيب فيه لون لأنه تشبه بالنساء وقال الدلجي الخلوق طيب مركب من زعفران وغيره وقد ورد الخبر بإباحته وبالنهي عنه وهو أكثر والظاهر أنه ناسخ لاباحته لأنه من طيب النساء وهن أكثر استعمالا له (وغشيني) وفي نسخة فغشيني أي فلحقني (بقضيب في يده) أي موقعا ضربه (في بطني فأوجعني) ولعله كان بعد امتناعه عن امتثال الأمر واجتناب النهي ثم رأيت في حاشية الشمني أنه روي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه نهى عن الخلوق مرتين أو ثلاثا وأنه رآه متخلقا فطعنه في بطنه بجريدة في يده، (قلت القصاص) بالنصب مفعول لمحذوف نحو اسألك أو أطلب منك (يا رسول الله) ولعله ظن أنه ﵊ ضربه بغير ما يستحقه من الآثام؛ (فكشف لي عن بطنه) تواضعا لربه وتنزلا مع قومه (إنّما) جواب أما فحقه أن يقول فإنما (كان ضربه إياه) وفي نسخة إنما ضربه النبي ﵊ (لمنكر رآه به) وفي نسخة رآه عليه وقد نهاه عنه وهو على حاله (وَلَعَلَّهُ لَمْ يُرِدْ بِضَرْبِهِ بِالْقَضِيبِ إِلَّا تَنْبِيهَهُ) بضرب لطيف في مقام
[ ٢ / ٣٦٤ ]
التأديب، (فلمّا كان منه إيجاع) أي حقيقة أو إظهار وجع حيلة (لم يقصده) بضربه (طلب التّحلّل منه) أي في قدر الزائد على ما يستحقه (على ما قدّمناه) من نظير ما وقع له مع غيره قال ابن عبد البر وهذه القصة لسواد بن عمرو لا لسواد بن غزية وقد رويت لسواد بن غزية انتهى ويقال سواد بن غزية مشدد الواو وسواد في الأنصار غيره مخففة وقال ابن إسحاق حدثني حبان بن واسع عن أشياخ من قومه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر ومعه قدح يعدل به القوم فمر بسواد بن غزية حليف بن عدي بن النجار وهو مستنتل من الصف قال ابن هشام ويقال متنصل من الصف فطعن في بطنه بالقدح وقال استو يا سواد قال يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله تعالى بالحق والعدل فاقدني قال فكشف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن بطنه وقال استقد قال فاعتنقه وقبل بطنه قال ما حملك على هذا يا سواد قال يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك الشريف فدعا له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بخير انتهى وقال الحلبي وأما ما وقع في بعض النسخ أنه عمرو بن سواد فغلط وعلى الخطأ نقله شيخنا ابن الملقن في شرح البخاري ثم تعقبه لكنه لم ينبه على أنه مقلوب.
فصل (وأمّا أفعاله ﵊ الدّنيويّة)
أي المجردة عن الأحكام الأخروية (فحكمه) مبتدأ (فيها) أي في أفعاله الدنيوية (من ترقّي المعاصي والمكروهات) بيان لحكمه أي من تحفظه عنهما (ما قدّمناه) وفي نسخة ما قد قدمناه وهو خبر المبتدأ وأما ما صدر عنه من فعل بعض المكروهات كشربه وبوله قائما بعد نهيه فإنه كان لعذر لديه أو لبيان الجواز مما كان واجبا عليه (ومن) أي وحكمه من (جواز السّهو والغلط في بعضها) أي أفعاله كتسليمه من ركعتي إحدى صلاتي العشى سهوا (ما ذكرناه) في حديث ذي اليدين (وكلّه غير قادح في النّبوّة) المبنية على صفة العصمة (بل) وفي نسخة بلى (إنّ هذا) أي صدور السهو (فيها على النّدور إذ عامّة أفعاله) أي غالبا بل كلها (على السّداد) أي الاستقامة والاقتصاد (والصّواب) في الاجتهاد (بل أكثرها أو كلّها) أي أفعاله الصادرة على وفق العادات (جارية مجرى العبادات والقرب) بضم ففتح أي القربات (على ما بيّناه) من أن الأعمال بالنيات وأن المباحات بها تنقلب طاعات (إذ كان ﵊ لا يأخذ منها) أي من أفعاله الدنيوية (لنفسه إلّا ضرورته) أي حاجته المعينة على أحواله الأخروية من القيام بالعبودية وفق مقتضى الربوبية وفي نسخة إلا ضروريته أي إلا أموره الضرورية التي لا يستغني عنها الأفراد البشرية (وما يقيم رمق جسمه) أي مادة قوته وقوته من أكله وشربه ونومه التي بها قيام بنيته ونظام صحته قدر فريضته (وفيه مصلحة ذاته) وما يتبعه من صفاته (الّتي بها يعبد ربّه ويقيم شريعته) ببيان أحكامها (ويسوس أمّته) أي يراعيهم ويؤديهم بما فيه نظامها وهذا كله فيما بينه وبين ربه (وما
[ ٢ / ٣٦٥ ]
كَانَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ) أي مما ذكر من أفعاله الدنيوية (فبين معروف يصنعه) بين ظرف ومعروف مجرور منون مضاف إليه أي فأمره دائر بين فعل معروف يصنعه إليهم (أو بر) أي أنعام (يوسّعه) عليهم (أو كلام حسن يقوله) ويلقيه لديهم (أو يسمعه) بضم الياء وكسر الميم أي يرويه لهم وفي نسخة بفتحهما أي يسمعه منهم فيما صدر عنهم (أو تألّف شارد) أي نافر بطبعه ما رد فيداريه بالأحكام ليثبت قلبه على الإسلام (أو قهر معاند) أي منكر جاحد، (أو مداراة حاسد) أي مدافعته وهو من الدرء بالهمز وهو الدفع وقد يخفف همزه ومنه قولهم ودارهم ما دمت في دارهم (وكلّ هذا لاحق بصالح أعماله) وفي نسخة بمصالح أعماله (منتظم في زاكي وظائف عباداته) أي ظاهرها أو زائدها في مقام فوائدها (وَقَدْ كَانَ يُخَالِفُ فِي أَفْعَالِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِحَسَبِ اختلاف الأحوال) العارضة من الأمور الأخروية (وبعد) بضم الياء وكسر العين وتشديد الدال أي ويهيئ (للأمور أشباهها) المناسبة لأفعالها (فيركب في تصرّفه) وتوجهه (لما) أي لسير (قرب) من البلد (الحمار) إذ لا كلفة في ركوبه مع الإيذان بعدم التكبر مع جلالة مقامه (وفي أسفاره) أي البعيدة (الرّاحلة) لصبرها على شدة السير ومشقة الزاملة (وَيَرْكَبُ الْبَغْلَةَ فِي مَعَارِكَ الْحَرْبِ دَلِيلًا عَلَى الثّبات) إلى الوفاة وإشعارا بقوة شجاعته وشدة قلبه مع كونها لا تصلح للكر والفر وقال علي كرم الله تعالى وجهه إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أي جعلناه وقاية من الناس (ويركب الخيل ويعدّها) من أعد أي يهيئها (ليوم الفزع) أي وقت الإغاثة والإعانة (وإجابة الصّارخ) أي الصائح للإعلام بالحادثة الواقعة (وكذلك) كان يفعل (في لباسه وسائر أحواله) وفي نسخة أفعاله أي في أكله وشربه وفراشه ومنامه وقيامه وإفطاره وصيامه وسكوته وكلامه (بحسب اعتبار مصالحه) أي مهمات ذاته (ومصالح أمّته) أي مراعاة أهل ملته ليقدر كل أحد في الجملة على متابعته على ما بيناه في جميع الوسائل لشرح الشمائل (وكذلك يفعل الفعل من أمور الدّنيا مساعدة لأمّته) على أحوال العقبى (وسياسة) لبعضهم (وَكَرَاهِيَةً لِخِلَافِهَا وَإِنْ كَانَ قَدْ يَرَى غَيْرَهُ خيرا منه) أي من حيثية أخرى (كما) يترك (الفعل) أي فعل الخير (لهذا) أي لحكمة نفسه أو لمصلحة أمته (وقد يرى فعله خيرا منه) أي من تركه في نفسه الأمر إشعارا بجوازه (وقد يفعل هذا) أي ما يرى تركه خيرا من فعله (في الأمور الدّينيّة ممّا له الخيرة) بكسر الخاء وفتح الياء ويسكن اسم من خار بمعنى اختار أي ما هو مخير (في أحد وجهيه) أي في فعلهما (كخروجه) بأصحابه (من المدينة لأحد) حين محاربة أبي سفيان وقومه (وكان مذهبه) أي عادته (التّحصّن بها) وعدم الخروج منها (وتركه) أي وكتركه ﵊ (قَتْلَ الْمُنَافِقِينَ وَهُوَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَمْرِهِمْ) غير شاك في كفرهم وفي نسخة من أمورهم وإنما تركهم (مؤالفة لغيرهم ورعاية) أي ومراعاة (للمؤمنين) المخلصين (من قرابتهم وكراهة) وفي نسخة وكراهية (لِأَنْ يَقُولَ النَّاسُ إِنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ كما جاء في الحديث) المناسب لبابه وهو ما رواه البخاري وغيره في قصة رئيس أهل النفاق عبد الله بن أبي وقوله في غزوة بني
[ ٢ / ٣٦٦ ]
المصطلق لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الأذل وأراد بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فسمعه زيد بن أرقم وهو حدث فقال له أنت والله الأذل المبغض في قومه ومحمد هو الأعز بربه وقومه ثم أخبر رسول الله بقوله فقال عمر دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله فقال إذن ترعد ألف كبيرة يثرب قال فإن كرهت أن يقتله مهاجري فمر أنصاريا فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه (وتركه) أي وكتركه ﵊ (بِنَاءَ الْكَعْبَةِ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ مُرَاعَاةً لِقُلُوبِ قريش) حيث كانوا قريب عهد بالإسلام ولم يتمكنوا في قبول الأحكام (وتعظيمهم لتغيّرها) وفي نسخة لتغييرها أي الكعبة بيت الله الحرام عمالها من ظاهر النظام (وحذرا من نفار قلوبهم) بكسر النون أي تنافرها (لذلك) أي لتغيرها (وتحريك متقدّم عداوتهم للدّين وأهله) بالارتداد ونحوه (فقال لعائشة) كما رواه الشيخان (لولا حدثان قومك) بكسر الحاء أي قرب عهدهم (بالكفر) ويروى حداثة قومك (لأتممت البيت على قواعد إبراهيم) أي أسست أو بنيت أو أعليت أو أتممته بإدخال الحجر وقد بناه ابن الزبير كما تمناه وغير الحجاج بعض ما بناه وعلى ذلك البناء بقي إلى وقتنا (ويفعل الفعل) أي أحيانا (ثمّ يتركه) بعده (لكون غيره خيرا منه) حينئذ (كانتقاله من أدنى مياه بدر) أي من أدناها إلى بدر (إلى أقربها للعدوّ من قريش) برأي الحباب بن المنذر كما سبق (وكقوله) في حجة الوداع على ما رواه الشيخان (لو استقبلت من أمري ما استدبرت) أي الأمر الذي استدبرته (ما) وفي نسخة لما (سقت الهدي) إذ بفعله ذلك لزمه أن لا يحل حتى ينحر ولا يجوز نحره إلا يوم النحر فلا يجوز له فسخ الحج بعمرة كما أمر بذلك أصحابه ليخرج عن خاطرهم ما اشتهر في الجاهلية من أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور وإنما أمر بذلك من لم يكن معه هدي إذ يكون له فسخه هنالك وإنما قال ذلك على وجه الاعتذار تطييبا لقلوب أصحابه وحذرا من ان يشق عليهم أن يحلوا وهو محرم وليعلموا أن قبول ما دعاهم إليه من فسخه بها أفضل وأنه لولا الهدي لفعله ثم هذا الفسخ منسوخ عند الأئمة إلا أحمد بن حنبل (ويبسط وجهه للكافر والعدوّ) من المنافق (رجاء استئلافه) طمعا في الفته وحذرا من نفرته (ويصبر للجاهل) فيما يصدر عنه حال فترته (ويقول) كما رواه الشيخان عن عائشة (إنّ من شرار النّاس) وفي نسخة من شر الناس (من اتّقاه النّاس) أي خافوه وحذروه واحترسوا منه (لشرّه ويبذل له) بضم الذال المعجمة أي يعطي من ذكر وأمثاله (الرّغائب) أي النفائس من ماله (ليحبّب إليه شريعته) أي أحكام ملته (ودين ربّه) أي من طاعته وعادته (ويتولّى في منزله ما يتولّى به) أي يقوم فيه بما يقوم وفي نسخة ما يتولاه (الخادم من مهنته) بفتح الميم هو الرواية وقد يكسر وقيل خطأ أي خدمة منزله، (ويتسمّت) بتشديد الميم من السمت وهو الهيئة الحسنة أي يظهر السمت الحسن ويقصد الطريق المستحسن (في ملاآته) بضم الميم ممدودا وقيل مقصور مهموز وغلط أي في إزاره كذا قالوا والظاهر في ملابسه إذ الملاآت جمع ملاءة وهي الملحفة ويقال لها الريطة إذا كانت قطعة
[ ٢ / ٣٦٧ ]
واحدة ولم تكن لفقين يشتمل بها وروي في ملائه بفتحتين مقصورا أي جماعته وقومه (حتّى لا يبدو) أي لا يظهر (منه شيء من أطرافه) أي أعضائه من ساق وقدم وساعد ونحوها من كمال أدبه ووقاره وجمال حيائه وانكساره وتواضعه لربه وافتقاره وليتأدب أصحابه بشعاره ودثاره (حتّى كأنّ) بتشديد النون (على رؤوس جلسائه الطّير) من كمال سكوتهم وسكونهم ووقارهم في قرارهم لأن الطير لا يقع إلا على ساكن (ويتحدّث مع جلسائه بحديث أوّلهم) أي بحكاية أوائلهم وما جرى لهم تأنسا بمقالهم وتلطفا بحالهم أو بحديث أوله متكلم منهم فيبني عليه كلامه إلى أن ينتهي مرامه أو يتحدث مع آخرهم بحديث أولهم من جهة النشاط وطريق الانبساط من غير انقياض عن بعضهم وملالة وكلالة في آخر أمرهم ولفظ الترمذي حديثهم عنده كحديث أولهم (ويتعجّب ممّا يتعجّبون منه) استجلابا لخواطرهم (ويضحك ممّا يضحكون منه) في عجائب أخبارهم وغرائب آثارهم (وقد وسع النّاس) أي جميعهم (بشره) بكسر فسكون أي طلاقة وجهه وبشاشة حديثه (وعدله) أي وكذا وسعهم عدله في حكمهم أو اعتداله في أمرهم (لا يستفزّه الغضب) أي لا يستخفه ولا يزعجه ولا يخرجه عن مقام الأدب مع أن غضبه كان للرب (ولا يقصّر عن الحقّ) بل يقوم به غاية القيام (ولا يبطن) بضم الياء وكسر الطاء أي لا يضمر (على جلسائه) خلاف ما يظهره (يقول) شاهدا لأمره (ما كان لنبي أن يكون له خائنة الأعين) وقد تقدم ما يتغلق به مبنى ومعنى وتفصيل هذه الفضائل ذكرته في شرح الشمائل (فَإِنْ قُلْتَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ لِعَائِشَةَ ﵂) كما رواه الشيخان (في الدّاخل عليه) وهو عتبة بن حصين الفزاري قبل أن يسلم أو مخرمة بن نوفل القرشي ولا يبعد تعدد القضية (بئس ابن العشيرة) وفي نسخة هو وفي رواية أو أخو العشيرة كما في رواية الترمذي على الشك وأما رواية البخاري بئس ابن العشيرة وأخو العشيرة أي إنما قاله حين استأذن في الدخول عليه (فلمّا دخل ألان له القول) أي لين له الكلام (وضحك معه) في المقام وفي رواية البخاري تطلق في وجهه وانبسط إليه، (فلمّا خرج سألته) أي عائشة (عن ذلك) ولفظ الترمذي فلما خرج قلت يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له القول (فقال) يا عائشة متى عهدتني فحاشا (إنّ من شرّ النّاس) وفي رواية أن شر الناس عند الله تعالى منزلة يوم القيامة (من اتّقاه النّاس لشرّه) وفي رواية من تركه الناس اتقاء فحشه وفي رواية اتقاء شره (وَكَيْفَ جَازَ أَنْ يُظْهِرَ لَهُ خِلَافَ مَا يبطن) أي يضمر (ويقول في ظهره) أي في غيبته قبل أن يدخل في حضرته (ما قال) في مواجهته (فالجواب أنّ فعله ﵊) أي ضحكه والإنة قوله له (كان استئلافا) أي مداراة له وتألفا (لمثله) من اجلاف العرب وعتاتهم في مقام الأدب (وتطييبا لنفسه ليتمكّن إيمانه) في باطن قلبه (ويدخل في الإسلام بسببه) أي بسبب اتباعه (أتباعه) أي قومه وأشياعه (ويراه مثله) في الجفاوة والقساوة (فينجذب) أي ينقاد (بذلك إلى الإسلام) وقبول الأحكام، (ومثل هذا) الاتقاء (على هذا الوجه) أي وجه الاستئلاف (قد خرج من حدّ مداراة الدّنيا) أي مدارة الأمور الدنيوية (إلى السّياسة الدّينيّة) أي انتقل منها إليها
[ ٢ / ٣٦٨ ]
بالمقاصد الأخروية (وقد كان يتألفهم) وفي نسخة يستألفهم (بأموال الله العريضة) أي بإعطاء الأموال الكثيرة (فكيف) لا يتألفهم (بالكلمة اللّيّنة) فأنها أولى أن تقع فأنها في المرتبة الهينة (قال صفوان) أي ابن أمية بن وهب الجمحي اسلم بعد حنين وكان أحد الأشراف والفصحاء وفي الصحابة ممن يقال له صفوان ستة عشر غير ما تقدم والله تعالى أعلم (لقد أعطاني) أي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تعالى كما في نسخة (وَهُوَ أَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَيَّ فَمَا زَالَ يُعْطِينِي) أي الأموال عفوا من غير السؤال (حتّى صار أحبّ الخلق إليّ) فإن الإنسان عبد الإحسان؛ (وقوله) ﵊ (فيه) أي في حق الرجل المذكور (بئس ابن العشيرة هو غير غيبة) بكسر الغين وهي أن تذكر أخاك المسلم بما يكرهه (بل هو تعريف) أي اعلام (بما علمه منه) وفي نسخة تَعْرِيفُ مَا عَلِمَهُ مِنْهُ (لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ) بحاله (ليحذر حاله ويحترز منه ولا يوثق) أي لا يعتمد وفي نسخة لا يثق (بجانبه كل الثّقة لا) وفي نسخة ولا (سيّما وكان مطاعا) بضم الميم يفسره (متبوعا) أي لقومه لا يخرجون عن رأيه، (وَمِثْلُ هَذَا إِذَا كَانَ لِضَرُورَةٍ وَدَفْعِ مَضَرَّةٍ) وكذا حصول منفعة وظهور مصلحة (لم يكن بغيبة بل كان جائزا) بلا شبهة (بل) قد يكون (واجبا في بعض الأحيان كعادة) بعض (المحدّثين في تجريح الرّواة) بكذب أو سوء حفظ أو قلة ديانة ونحوها (والمزكّين) بكسر الكاف عطف على المحدثين وفي نسخة بفتحها على أنه عطف على الرواة (في الشّهود) قال التلمساني بسكون الياء جمع مزكى هذا قول البصريين وأجراه الكوفيون كالصحيح؛ (فإن قيل فما معنى المعضل) بكسر الضاد المعجمة أي الداء العضال المشكل الذي أعيى الفضلاء والحكماء في باب الدواء وفي نسخة الفصل واحد الفصول بدل المعضل (الوارد في حديث بريرة) براءين على زنة فعيلة وهي بنت صفوان مولاة عائشة وهي حبشية أو قبطية (من قوله ﵊ لعائشة) كما في الصحيحين (وقد أخبرته) أي عائشة (أنّ موالي بريرة أبوا بيعها) أي امتنعوا عنه (إلّا أن يكون لهم الولاء) بفتح الواو أي ولاء عتقها فإنهم كاتبوها فعجزت فأتت عائشة تستعين بها فقالت إن أراد أهلك دفعت له ثمنك واعتقتك ويكون ولاؤك لي فأبوا (فقال لها ﵊ اشتريها واشترطي لهم الولاء) هذا هو المعضل من الداء الذي تحير في معالجته العلماء (ففعلت) أي اشترتها وشرطت لهم الولاء وأعتقتها، (ثمّ قام خطيبا) أي واعظا (فقال ما بال أقوام) أي ما حالهم وشأنهم (يشترطون شروطا ليست في كتاب الله تعالى) أي مما لم يرد بشرعيتها أحكام ليعمل بها (كلّ شرط ليس في كتاب الله) أي ولا في سنة رسول الله (فهو باطل) ليس تحته طائل وفي بعض النسخ زيادة قوله شرط الله تعالى أوثق وقضاؤه أحق (والنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قد أمرها بالشّرط لهم) وهذا مشكل (وعليه باعوا) وهذا معضل (ولولاه) أي ولولا شرط عائشة لولائها لهم (والله تعالى أعلم) جملة معترضة (لما باعوها) أي بريرة (من عائشة كما لم يبيعونها قبل) أي قبل قبول عائشة شرطهم (حتّى شرطوا ذلك عليها) أي على عائشة (ثمّ أبطله ﵊ وهو قد حرّم الغشّ) بقوله من غشنا فليس منا كما رواه
[ ٢ / ٣٦٩ ]
الترمذي (والخديعة) أي وكذا حرم المكر والمكيدة بقوله تعالى وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فهذا مشكل من وجوه فيحتاج إلى جواب شاف كاف (فَاعْلَمْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم مبرأ) أي منزه (عمّا يقع في بال الجاهل) أي قلب الغافل (من هذا) المقام الكامل (ولتنزيه النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم عن ذلك) وعدم ظهور تأويل ذلك لهم فيما هنالك (ما) زائدة أو موصولة (قد أنكر قوم) من المحدثين منهم يحيى ابن أكثم (هذه الزّيادة) أعني (قوله) أي وهي قوله (اشترطي لهم الولاء إذ ليست) هذه الزيادة (في أكثر طرق الحديث) أي حديث بريرة فلا إشكال في بقية الإفادة وقد اعتل بتفرد مالك به عن هشام بن عروة وأنه لم يتابع عليه لكن الصحيح أنه تابعه عليه أبو أسامة وجرير في طريق متعددة (ومع ثباتها) أي ومع صحة هذه الزيادة وهو المعتمد لأن زيادة الثقة مقبولة بلا شبهة (فَلَا اعْتِرَاضَ بِهَا إِذْ يَقَعُ لَهُمْ بِمَعْنَى عليهم) فإن حروف الجر يستعار بعضها لبعض كما هو مقرر في محله من المغني ونحوه (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ [الرَّعْدِ: ٢٥]) أي عليهم والأظهر أن اللام فيه للاختصاص أي اللغة حاصلة لهم دون غيرهم (وقال وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [الإسراء: ٧]) أي فعليها وعدل عنها للمشاكلة أو الاختصاص كما قدمناه (فعلى هذا) القول بأن اللام بمعنى على فالمراد (اشترطي عليهم الولاء لك) فإنما هو لمن اعتق وهذا بعيد جدا من جهة المبنى والمعنى أما الأول فلأنه لا يصلح كون لهم هنا بمعنى عليهم وإن صح من غيره لأن اللام لا تكون كعلي إلا حيث لا لبس فإنه يقال اشترط له واشترط عليه كما يقال دعا له ودعا عليه وشهد له وشهد عليه وقضى له وعليه فلا ينوب أحدهما مناب الآخر فتدبر وأما الثاني فلما قدمه المصنف من أن موالي بربرة لم يرضوا إلا أن يكون ولاؤها لهم فلو رضوا لما وقع العتب في الخطبة عليهم وأن تكلف المصنف في دفعه بقوله (ويكون قيام النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ووعظه لما سلف لهم من شرط الولاء لأنفسهم قبل ذلك) فعلى هذا معنى قوله ﵊ لعائشة اشترطي أظهري شرط الولاء لك وقيل معناه الوعيد الذي ظاهره الأمر وباطنه النهي قاله محمد بن شجاع ومنه قوله تعالى اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ومعناه التهديد على عمله أن عملوه لأن صعوده على المنبر ونهيه دليل على ذلك فتدبر. (ووجه ثان) من وجوه الأجوبة (أنّ قوله ﵊ اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ لَيْسَ عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ) المجزوم به للتأكيد ولا للتهديد (لَكِنْ عَلَى مَعْنَى التَّسْوِيَةِ وَالْإِعْلَامُ بِأَنَّ شَرْطَهُ لَهُمْ لَا يَنْفَعُهُمْ بَعْدَ بَيَانِ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم لهم قبل) أي قبل ذلك والمعنى قبل قوله لها اشترطيه لهم (أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ فَكَأَنَّهُ قَالَ اشْتَرِطِي أو لا تشترطي) فحذفه يكون من باب الاكتفاء والمعنى وأن تَشْتَرِطِي (فَإِنَّهُ شَرْطٌ غَيْرُ نَافِعٍ، وَإِلَى هَذَا ذهب الدّاوديّ وغيره) من العلماء قاله الدلجي ويؤيده أنه قد ورد في بعض طرقه اشترطي أو لا تشترطي فإنما الولاء لمن أعتق وفيه بحث إذ المراد به أن الولاء لمن اعتق سواء اشترط عند شرائه الولاء لنفسه أو لم يشترط بأن اطلق الشراء وإنما الكلام فيما إذا لم يمرض البائع إلا
[ ٢ / ٣٧٠ ]
بشرط الولاء لنفسه نعم يرد عليه إذا علم أن هذا الشرط باطل في الشريعة فأراد صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله لها اشترطي أن شرطك لا يضرك هنالك بل يضرهم ذلك (وتوبيخ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لهم وتقريعهم على ذلك) أي تصميمهم على شرطهم وامتناعهم من بيعها إلا أن يكون لهم الولاء (يدلّ على علمهم به) بأن شرطه لهم غير نافع (قبل هذا) التوبيخ والتقريع. (الوجه الثّالث) كأنه تفنن في العبارة (أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ أَيْ أظهري لهم حكمه) أي شريعته (وبيّني عندهم سنّته) أي طريقته وهو (أنّ الولاء إنّما هو لمن أعتق) وأن شرط لغيره فشرط الله تعالى أوثق وقضاؤه أحق؛ (ثمّ بعد هذا قام) أي هو كما في نسخة (صلى الله تعالى عليه وسلم) أي خطيبا واعظا (مبيّنا ذلك) لتعم الفائدة هنالك (وموبّخا) لهم (على مخالفة ما تقدّم منه فيه) وفي نسخة وموبخا على مخالفه بالإضافة هذا ومن قصة بريرة أنها لما أعتقت وهي منكوحة مغيث اختارت نفسها ولم تقبل شفاعة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في زوجها فقد قيل إنما فعلت ذلك إيثارا لخدمة النبي ﵊ على خدمة زوجها وهو حسن مستحسن وذكر الغزالي في الإحياء وجها آخر وهو أنه ﵊ لبس يوما واحدا ثوبا من سندس ثم نزعه وحرم لبس الحرير وكأنه إنما لبسه أولا لتأكيد التحريم كما لبس خاتما من ذهب يوما ثم نزعه فحرم لبسه على الرجال وكما قال لعائشة رضي الله تعالى عنها في شأن بريرة اشترطي لأهلها الولاء فلما اشترطته صعد المنبر فحرمه وكما أباح المتعة ثلاثة أيام ثم حرمها لتأكيد أمر النكاح انتهى وفيه بحث لا يخفى إذ يقتضي هذا أن الاشتراط أولا كان حلالا ثم صار حراما فينبغي أن يكون العقد الأول بشرطه صحيحا وليس كذلك بل العقد صحيح والشرط باطل فرجع الإشكال بأن فيه غررا بظاهر الحال؛ (فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى فِعْلِ يُوسُفَ ﵇ بأخيه) أي شقيقه بنيامين (إذ جعل السّقاية) أي الصاع الذي كان يسقي فيه ويكال به أيضا لعزة الغلة في وقته وقد قيل كانت من زبرجد أو من ذهب أو فضة مرصعة (في رحله) أي وسط متاع أخيه (وأخذه) أي وأخذ يوسف أخاه وحبسه عنده (باسم سرقتها) أي بعنوان سرقته السقاية (وما جرى على إخوته في ذلك) بعمومهم (وقوله تعالى) حكاية عن المنادي ومن معه خطابا لإخوة يوسف (إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ [يوسف: ٧٠] ولم يسرقوا) جملة حالية (فَاعْلَمْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أنّ فعل يوسف كان) صادرا (عن أمر الله لقوله تعالى كذلك) أي مثل ذلك الكيد (كِدْنا لِيُوسُفَ) أي بينا الكيد له بأن أوحينا إليه ليأخذ أخاه في دين أبيه لأنه أولى من حكم غيره وقيل الكيد هنا جزاء الكيد يعني كما فعلوا بيوسف في الابتداء فعلنا بهم حال الانتهاء حتى ضم يوسف أخاه إلى نفسه وحال بينه وبين إخوته (ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ) فيضمه إلى نفسه في مثواه (فِي دِينِ الْمَلِكِ) أي حكمه إذ كان من دينه ضرب السارق وتغريمه مثلي ما سرقه دون الاسترقاق (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [يوسف: ٧٦]) بأن يجعل ذلك الحكم حكم ملك مصر فالاستثناء من أعم الأحوال ويجوز أن يكون منقطعا أي
[ ٢ / ٣٧١ ]
لكن أخذه بمشيئة الله تعالى وإذنه (الآية) أي نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ والحاصل أن يوسف لم يكن ليتمكن من حبس أخيه في حكم الملك لولا ما كدنا له بلطفنا حتى وجد السبيل إلى ذلك وهو ما أجري على ألسنة الأخوة أن جزاء السراق الاسترقاق فحصل مراد يوسف بمشيئة الخلاق (فإذا كان) الأمر (كذلك فلا اعتراض به) أي فيه هنالك (كان فيه ما فيه) بدل من قوله فلا اعتراض به جواب لا ذا أي والذي فيه هو أنه كيف يجوز أن يأمر الله تعالى به ولا يبعد أن يكون التقدير فإذا كان ذلك بإذن الله تعالى وتعليمه هنالك فلا اعتراض به على أي وجه كان فيه مما وقع فيه ثم رأيت الأنطاكي قال يعني أي شيء كان بعد أن يكون ذلك بأمر الله ﷾ لأن الملك ملكه وما فيه عبيده وإماؤه وللمالك أن يتصرف في ملكه ما يشاء، (وأيضا) يمكن أن يقال في دفع الإشكال (فَإِنَّ يُوسُفَ كَانَ أَعْلَمَ أَخَاهُ بِأَنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ) أي لا تحزن (بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) بنا فيما مضى فإن الله تعالى قد أحسن إلينا وجمعنا بخير وتفضل علينا ونعم ما قيل:
كما أحسن الله فيما مضى كذلك يحسن فيما بقي
وروي أنه قال ليوسف بعد ما اعلمه أنا أخوك فأنا لا أفارقك فقال لقد علمت اغتمام والدي بي فإذا حبستك ازداد غمه ثم لا سبيل إلى ذلك إلا أن أنسبك إلى ما لا يجمل في حقك فقال لا أبالي فافعل ما بدا لك فإني أدس صاعي في رحلك ثم يقال إنك سرقته ليتأتى لي ردك إلي بعد تسريحك معهم قال فأفعل ولله در القائل:
فليس لي في سواك حظ فكيف ما شئت فاختبرني
(فَكَانَ مَا جَرَى عَلَيْهِ بَعْدَ هَذَا مِنْ وفقه) أي وفق مرافقته وفي نسخة وفقته (ورغبته) أي ميله في إقامته (وعلى) أي وكان على (يقين من عقبى الخير له به) أي لبنيامين بسبب يوسف (وإزاحة السّوء) بضم السين وفتحها والإزاحة بالزاء أي إزالة الشر (والمضّرة عنه بذلك) التوفيق؛ (وأمّا قوله ﷾) حكاية (أَيَّتُهَا الْعِيرُ) أي أصحاب الإبل ذات الاحمال من الطعام والأثقال (إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ [يوسف: ٧٠]) أي في ظننا (فليس من قول يوسف) بل من مناديه (فيلزم) أي فلا يلزم (عليه جواب يحلّ شبهه) أي يزيلها وفي نسخة لحل شبهه أي لفك عقده (ولعلّ قائله إن حسّن له التّأويل) بصيغة المجهول مشدد السين أي أن صحح (كائنا من كان) أي بأمر يوسف أو غيره (ظنّ على صورة الحال ذلك) كما يقتضي المقال هنالك (وقد قيل قال ذلك) بأمر يوسف هنالك (لفعلهم قبل) أي قبل ذلك (بيوسف) فإنه كان سرقه في المعنى من أبيه ومكيدة في حق ابنه (وبيعهم له) حيث قال تعالى وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ أي باعه إخوته أو اشتراه السيارة من إخوته قولان للمفسرين وقد أغرب الدلجي حيث قال بعد قوله وبيعهم له وفيه ما فيه لأنهم لم يسرقوا بل ذهبوا به
[ ٢ / ٣٧٢ ]
بإذن أبيهم ولم يبيعوه بل ألقوه في غيابة الجب ورجعوا (وقيل غير هذا) من الأجوبة وفيما ذكرنا الكفاية (ولا يلزم أن نقوّل الأنبياء) بتشديد الواو المكسورة أي ننسب إليهم (مَا لَمْ يَأْتِ أَنَّهُمْ قَالُوهُ حَتَّى يُطْلَبَ الخلاص منه) وإنما يطلب الخلاص مما ثبت أنه قولهم أو فعلهم وفي أصل الأنطاكي ضبط يقول بالبناء للمجهول (ولا يلزم الاعتذار عن زلّات غيرهم) ولو كانوا من أقاربهم وكان الشيخ المصنف ذهب إلى أن إخوة يوسف ما وصلوا إلى مرتبة النبوة وقد تقدم ذكر الخلاف في هذه القضية فلا ينبغي الجزم لا بالإثبات ولا بالنفي كما هو طريق الحزم والله تعالى أعلم.
فصل [فَإِنْ قِيلَ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي إِجْرَاءِ الْأَمْرَاضِ وشدتها عليه ﵊]
(فَإِنْ قِيلَ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي إِجْرَاءِ الْأَمْرَاضِ) أي أنواع العلة (وشدّتها عليه) أي على نبينا (وعلى غيره من الأنبياء) الشامل للرسل وغيرهم (على جميعهم السّلام) والتحية والإكرام (وما الوجه) أي التوجيه الوجيه (فِيمَا ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَامْتِحَانِهِمْ) بأنواع العناء (فيما) وفي نسخة بما (امتحنوا به) من الضراء فصبروا كما شكروا على السراء (كأيّوب) وكانت تحته رحمة من نسل يعقوب وقضيته معروفة مشهورة وفي كتب التفسير وغيره مسطورة (ويعقوب) ابتلاء بفقد ولده وذهاب بصره (ودانيال) بكسر النون وكان عالما بتعبير الرؤيا حكي أنه دخل بلاد الغرب وقيل قبره بالسوس ويقال إنه نبي غير مرسل وكان في أيام بخت نصر وهو أكرم الناس عنده فحسدته المجوس فوشوا إليه وقالوا إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك ولا يأكلون ذبيحتك فسألهم فقالوا أجل فأمر بخد فخدلهم قالوا فيه وهم ستة وألقى معهم سبع ضاري ليأكلهم ثم راحوا من الغد فوجدوهم جلوسا والسبع مفترش ذراعيه لم يضرهم فآمن بخت نصر وقيل لم يؤمن والله ﷾ أعلم (ويحيى) ابتلاه الله تعالى بذبحه (وزكريّا) ابتلاه الله تعالى بنشره (وعيسى) ابتلاه الله باليهود وكيدهم (وإبراهيم) ابتلاه الله تعالى بإلقائه في النار (ويوسف) ابتلاه الله تعالى بفراق أبيه وغيره (وغيرهم) من الأنبياء (صلوات الله عليهم) وفي نسخة على جميعهم (وهم) أي والحال أنهم (خيرته) بكسر الخاء وسكون الياء وتفتح أي مختاره (من خلقه وأحبّاؤه وأصفياؤه) اجتباهم من بينهم لشرف ما بهم وكرم مآبهم (فَاعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ تعالى كلّها عدل) كما ورد يا الله المحمود في كل فعاله (وكلماته) أي أحكامه (جميعها صدق) لا خلف في وعده ووعيده قال تعالى وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ) أي لأحكامه (يبتلي عباده) أي يمتحنهم بما أراده تارة بمنحهم وأخرى بمحنهم لقوله وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً (كما قال لهم) أي في ضمن غيرهم ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ (لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) من الشر والخير فتجازون وفق أعمالكم واختلاف أحوالكم والابتلاء من الله تعالى أن يظهر من العبد ما كان يعلم منه في الغيب (لِيَبْلُوَكُمْ) أي وقال خطابا عاما الَّذِي
[ ٢ / ٣٧٣ ]
خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أي ليعاملكم معاملة الممتحن (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [هود: ٧]) أي أصوبه وأخلصه وقد ورد مرفوعا أحسن عقلا وأسرع إلى طاعة الله تعالى وأورع عن محارمه وقيل أكثركم ذكرا للموت واستعدادا لم بعده قبل الفوت وقيل أزهدكم في الدنيا وأجهدكم في العقبى وقال الله تعالى أيضا (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران: ١٤٠] منكم) عطف على علة مقدرة أي نداول الأيام بين الأنام لتتعظوا وليعلم الله إيذانا بأن الحكمة فيه كثيرة وأن ما يصيب المؤمن من المصالح مما لا يعلمه غيره أو التقدير فعلنا ذلك ليتميز الثابتون على الإيمان من المنحرفين عنه وهم المنافقون أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ؛ (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ) أي لم يتعلق علمه ﷾ بجهادكم (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٤٢]) بالنصب على إضمار ان والواو للجمع أي ولم يتعلق علمه بصبركم على اجتهادكم والقصد في أمثاله ليس إلى إثبات علمه ونفيه بل إلى إثبات المعلوم ونفيه على طريق البرهان في أمره فإن علمه تعالى إذا تعلق بشيء لزم وجوده كما أن عدم تعلقه به ينافي شهوده وقال أيضا (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [محمد: ٣١]) قرئ في السبعة بالنون والياء في الأفعال الثلاثة (فامتحانه) أي الله ﷾ (إيّاهم) أي الأنبياء واتباعهم من الأولياء (بضروب المحن) وفنون البلاء والفتن (زيادة في مكانتهم) أي منزلتهم (ورفعة في درجاتهم) أي مراتبهم العالية حسا ورتبة (وأسباب لاستخراج حالات الصّبر) على البلاء والجهاد مع الأعداء (والرّضى) منهم بما قضى عليهم من السراء أو الضراء (والشّكر) على النعماء والآلاء (والتّسليم) في الأمور (والتّوكّل) في الصدور (والتّفويض) أي الاعتماد على رب العباد فيما أراد (والدّعاء) في البلاء والرخاء (والتّضرّع منهم) حال الاستدعاء والاستكفاء (وتأكيد) بالرفع وهو الظاهر وفي نسخة وتأكيدا (لبصائرهم في رحمة الممتحنين) بفتح الحاء (والشّفقة على المبتلين) بفتح اللام وهو كالتفسير لما قبله (وتذكرة) أي تنبيه وتبصرة (لغيرهم) من أممهم (وموعظة لسواهم ليتأسّوا) بتشديد السين أي ليقتدوا (فِي الْبَلَاءِ بِهِمْ وَيَتَسَلَّوْا فِي الْمِحَنِ بِمَا جرى عليهم ويقتدوا بهم في الصّبر) على الأحوال كلها فإنه كما قيل:
هو المهرب المنجي لمن أحدقت به مكاره دهر ليس عنهن مذهب
(ومحو) بالرفع وفي نسخة ومحوا أي سبب عفو (لهنات) بفتح هاء وتخفيف نون أي زلات (فرطت منهم) أي صدرت عنهم وقد قال الشراح أن نسبة الهنات وهي الخصال السوء لا تليق إلى الأنبياء وإن ذكره المصنف فلكل عالم هفوة (أو غفلات سلفت لهم) أي سبقت منهم (ليلقوا الله طيّبين مهذّبين) ظاهرا وباطنا مؤدبين (وليكون أجرهم أكمل) أي أكثر وأجمل (وثوابهم أوقر وأجزل) أي أتم وأعظم والله اعلم. (حدّثنا القاضي أبو عليّ الحافظ) أي ابن سكرة (حدّثنا أبو الحسين) بالتصغير هو الصحيح (الصّيرفيّ وأبو الفضل بن خيرون) بفتح
[ ٢ / ٣٧٤ ]
فسكون فضم يصرف ولا يصرف (قالا) أي كلاهما (حدّثنا أبو يعلى البغداديّ) بدال المهملة ثم معجمة هو الرواية المعتمدة من الوجوه الأربعة المحتملة (قال حدّثنا أبو عليّ السّنجيّ) بكسر أوله (حدّثنا محمّد بن محبوب) وهو راوي جامع الترمذي عنه (حدّثنا أبو عيسى التّرمذيّ) صاحب الجامع (حدّثنا قتيبة) أي ابن سعيد (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بهدلة) بسكون بين فتحتين أوله موحدة قيل هي أمه واسم أبيه عبد وهو أبو بكر بن عاصم بن أبي النجم وبهدلة مولى بني أسد أحد القراء السبعة قرأ على السلمي وذر وحدث عنهما وعن جماعة وعنه شعبة والحمادان والسفيانان ثبت إمام في القراآت قال الذهبي هو حسن الحديث قال وقال أبو زرعة وأحمد ثقة أخرج له البخاري ومسلم مقرونا لا أصلا وأخرج له الأئمة الأربعة فلا يلتفت إلى ما قال يحيى القطان ما وجدت رجلا اسمه عاصم إلا وجدته رديء الحفظ فإنه منقوض بالإمام عاصم هذا فإنه حافظ الكتاب والسنة مات بالكوفة سنة ثمان أو سبع وعشرين ومائة (عن مصعب بن سعد) كنيته أبو زرارة روى عن علي وطلحة ثقة نزل الكوفة وأخرج له الأئمة الستة (عن أبيه) وهو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة (قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً قَالَ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ) أي الأشبه فالأشبه من العلماء والأصفياء والأفضل فالأفضل من الصلحاء والأولياء (يبتلى الرّجل على حسب دينه) بفتح السين أي على قدر يقينه (فما يبرح) أي فما يزال (البلاء) متعلقا (بالعبد) يطهره من الذنوب (حتّى يتركه يمشي على الأرض) أي ماشيا عليها (وما عليه خطيئة) ينسب إليها ويؤاخذ لديها والحديث رواه الترمذي وقال حسن صحيح وروى النسائي وابن ماجه والحاكم نحوه؛ (وكما قال تعالى: وَكَأَيِّنْ) وفي قراءة وكأين أي وكم (مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ) وفي قراءة قاتل (مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [آل عمران: ١٤٦]) واحدها ربي أي جماعات كثيرة ويقال هم سادات كبيرة والربى منسوب إلى الربة أي الجماعة وجمع للمبالغة وقيل منسوب إلى الرب والكسر من تغييرات النسب أي علماء أو عابدون لربهم اتقياء (الآيات الثلاث) وهي وقوله فَما وَهَنُوا أي ما جنبوا وما فتروا وما انكسروا لما أصابهم في سبيل الله من قتل نبيهم أو بعض أكابرهم وَما ضَعُفُوا عن دينهم وما تغيروا عن يقينهم وَمَا اسْتَكانُوا ما خضعوا لأعدائهم وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ على بلائهم وأمر ربهم وطاعة نبيهم وما كان قولهم إلا أن قالوا أي إلا قولهم رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا أي سيئاتنا واسرافنا في أمرنا من التقصير في طاعتنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ في مجاهداتنا فآتاهم الله ثواب الدنيا من عزة ونصرة وغنيمة وحسن ثواب الآخرة من زيادة مثوبة رفعة ودرجة وعلو رتبة وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ في كل حالة (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) أي مرفوعا كما رواه الترمذي وصححه (مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وماله) يكفر عنه ذنوبه (حتّى يلقى الله تعالى) أي يموت (وما عليه خطيئة) يؤاخذ بها؛ (وعن أنس) كما رواه الترمذي أيضا وحسنه (عنه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ) أي الكامل في العقبى
[ ٢ / ٣٧٥ ]
(عجّل له العقوبة) أي بما يكون كفارة له (فِي الدُّنْيَا؛ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ) أي السوء الكامل في العقبى (أمسك عنه بذنبه) أي من غير أن يكفر بشيء يكون بسببه (حتّى يوافي) بكسر الفاء وفتحها أي حتى يأتي أو يؤتى (به) أي بذنبه وافيا والمعنى يجازى به (يوم القيامة) وسبب وروده أن رجلا اصاب ذنبا من قبله أو غيره فاتبع بصره الشخص فأصابه حائط في وجهه فأقبل وهو ينضح دما فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أراد الله تعالى الحديث (وفي حديث آخر) رواه الديلمي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا ابْتَلَاهُ لِيَسْمَعَ تَضَرُّعَهُ) أي تذلله في أنينه وشكواه وخضوعه وبكاه (وحكى السّمرقنديّ) أي أبو الليث (أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تعالى كان بلاؤه أشدّ) من بلاء غيره (كي يتبيّن) أي ليظهر (فضله) على غيره (ويستوجب الثّواب) بقدره (كما روي عن لقمان) واختلف في نبوته (أنّه قال) لابنه واختلف في اسمه (يا بنيّ) بفتح الياء وكسرها لغتان وقراءتان (الذّهب والفضّة يختبران) بصيغة المجهول أن يمتحنان (بالنّار) فينظفان من وسخهما (والمؤمن يختبر بالبلاء) فيظهر من دنسه وخبثه، (وقد حكي أن ابتلاء يعقوب بيوسف) أي بفقده (كان سببه التفاته في صلاته إليه وهو) أي يوسف كما في نسخة (نائم) لديه (محبّة له) أي غيرة الهية عليه وأغرب الدلجي في قوله ولا أقول بأن هذا سببه لنزاهته ﵊ عن قطعه به كمال إقباله على ربه فيها انتهى وغرابته لا تخفى وروي في سبب ابتلائه ﵊ أن الله تعالى أوحى إليه اتدري لم فرقت بينك وبين ولدك يوسف قال لا قال لقولك لإخوته أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ لم خفت عليه الذئب ولم ترجني ولم نظرت إلى غفلة إخوته ولم تنظر إلى حفظي، (وقيل بل اجتمع) أي يعقوب (يوما هو وابنه يوسف) وأغرب الدلجي بقوله يوسف مفعول معه (على أكل حمل) بفتح المهملة والميم وهو الجزع من الضأن له سنة أو أقل (مشويّ وهما يضحكان) جملة حالية أي والحال أنهما منشرحان منبسطان (وَكَانَ لَهُمْ جَارٌ يَتِيمٌ فَشَمَّ رِيحَهُ وَاشْتَهَاهُ وَبَكَى وَبَكَتْ لَهُ جَدَّةٌ لَهُ عَجُوزٌ لِبُكَائِهِ) شفقة منها عليه (وَبَيْنَهُمَا جِدَارٌ وَلَا عِلْمَ عِنْدَ يَعْقُوبَ وَابْنِهِ) بجارهما ولعله وقع لتقصير يعقوب في تفحص حالهما في جميع أوقاته فاندفع اعتراض الدلجي على المصنف بأن الإنسان لا يؤاخذ بما لم يعلم سيما إذا لم يجب عليه (فعوقب) أي يعقوب كما في نسخة (بالبكاء أسفا) بفتحتين أي للحزن والتأسف (على يوسف) في جميع أوقاته (إِلَى أَنْ سَالَتْ حَدَقَتَاهُ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الحزن) اعترض الدلجي بأن قوله وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ يدفع قوله سألت حدقتاه وهو وهم فاحش إذ الحدقة محركة سواد العين كما في القاموس (فلمّا علم بذلك) أي ببكائهما (كَانَ بَقِيَّةَ حَيَاتِهِ يَأْمُرُ مُنَادِيًا يُنَادِي عَلَى سطحه) أي فوق بيته (ألا) للتنبيه (من كان مفطرا) فقيرا أو غنيا (فليتغدّ) بالدال المهملة المشددة من الغداء وهو طعام أول النهار ويؤيده قوله مفطرا قال الحلبي وفي النسخة المعتمدة بالذال المعجمة وهو أبلغ منه بالمهملة انتهى وفيه ما تقدم (عند آل يعقوب)
[ ٢ / ٣٧٦ ]
أي بنيه وأهل بيته أو عنده نفسه وآل مقحم تفخيما لشأنه وهذا كقوله تعالى مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ (وعوقب يوسف بالمحنة) بنون بعد الحاء المهملة كذا ضبطوه احترازا عن تصحيفه بالمحبة بالموحدة (الّتي نصّ الله عليها) فيه إشكال إذ هو كان صغيرا دون البلوغ حينئذ لكن الله ﷾ يفعل ما يشاء ولعل هذا من الحكم المجهولة عندنا كإيلام الأطفال والله تعالى أعلم بالأحوال، (وروي عن اللّيث) أي ابن سعد (أَنَّ سَبَبَ بَلَاءِ أَيُّوبَ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ أَهْلِ قَرْيَتِهِ عَلَى مَلِكِهِمْ فَكَلَّمُوهُ فِي ظُلْمِهِ وَأَغْلَظُوا لَهُ إِلَّا أَيُّوبَ فَإِنَّهُ رَفَقَ بِهِ) بفتح الفاء من الرفق أي الطف معه في كلامه رجاء أن يرتدع عن ظلمه ولا مانع من أن يكون رفقه بِهِ (مَخَافَةً عَلَى زَرْعِهِ فَعَاقَبَهُ اللَّهُ بِبَلَائِهِ) وجملة الكلام في هذا المقام على تقدير صحة نقل هؤلاء الأعلام أن الله تعالى أن يبتلي من شاء بما شاء من العمل إذ لا يسأل عما يفعل؛ (ومحنة سليمان) أي وسبب بلائه (لما ذكرناه) فيما سبق (من نيّته) أي خطور طويته (في كون الحقّ في جنبة أصهاره) بفتح الجيم والنون أي جهة أصهاره كما في نسخة (أَوْ لِلْعَمَلِ بِالْمَعْصِيَةِ فِي دَارِهِ وَلَا عِلْمَ عنده) كما تقدم بيانه في أخباره (وهذه) أي الأمور المترتبة على المحنة والبلية من الكفارة في بعض القضية أو رفع الدرجة العلية وفي نسخة وهذا (فائدة شدّة المرض) من الحمى وغيرها (والوجع) من الصداع ونحوه (بالنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها) كما في الصحيحين (مَا رَأَيْتُ الْوَجَعَ عَلَى أَحَدٍ أَشَدَّ مِنْهُ) أي من الوجع (على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؛ وعن عبد الله) كما رواه الشيخان وهو ابن مسعود فإنه المراد إذا أطلق عند المحدثين فلا وجه لقول الدلجي لعله ابن مسعود أو ابن عمر مع أنه لا وجه فيما حصره إذ يحتمل ابن عباس وابن عمر وابن عمرو وابن الزبير وغيرهم إذ في الصحابة من يقال له عبد الله كثير قال الحلبي عبد الله هذا هو ابن مسعود إنما نبهت عليه لأن في الصحابة من يقال له عبد الله فوق الأربعمائة وقال ابن الصلاح أنهم نحو مائتين وعشرين قيل وثلاثين وقيل هم ثلاثمائة وأربعة وستون وهذا الاختلاف في عددهم إنما وقع لأن منهم من كرر لاختلاف في اسم أبيه أو في اسمه هو ومنهم من لم يصحح له صحبة عند هذا وصحح له عند غيره والله تعالى اعلم أقول والأظهر أن يحمل على زيادة تتبع بعضهم (رأيت النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في مرضه يوعك) بصيغة المجهول (وعكا شديدا) بسكون العين المهملة وتحرك أي شدة الحمى وحدتها في وجعها (فقلت إنّك لتوعك وعكا شديدا؛ قال أجل) أي نعم (إنّي لأوعك) وفي نسخة أُوعَكُ (كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ، قُلْتُ ذَلِكَ أنّ لك) وفي نسخة أن ذلك (الأجر مرّتين قال أجل ذلك) الأمر (كذلك) والأظهر لذلك باللام أي أجل ذلك (وفي حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه) رواه ابن ماجه والحاكم (أنّ رجلا) يحتمل الراوي وغيره والأول أولى لرواية ابن ماجه أن أبا سعيد هو الذي وضع يده لكن لا يبعد أن يكون غيره أيضا (وضع يده على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) ليختبر حماه أشديدة هي أم
[ ٢ / ٣٧٧ ]
خفيفة (فقال والله ما أطيق أضع) وفي نسخة أن أَضَعُ (يَدِي عَلَيْكَ مِنْ شِدَّةِ حُمَّاكَ فَقَالَ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم إنّا معشر الأنبياء) بالنصب على الاختصاص أو المدح أي جماعتهم (يضاعف لنا البلاء) على مقدار ما لنا من الولاء (إن) مخففة من الثقيلة أي أنه أي الشأن (كان النبيّ) أي فرد من أفراد هذا الجنس (ليبتلى بالقمل حتّى يقتله) لكثرته وما ذاك إلا لرفعة النبي وعلو درجته (وإن كان النبيّ ليبتلى بالفقر) أي الجوع حتى يقتله (وإن كانوا) أي الأنبياء (ليفرحون بالبلاء كما يفرحون) أي أنتم (بالرّخاء) المتضمن للنعماء لقوة يقينهم في أمر دينهم وتسليم أمرهم عند حكم ربهم وفي العدول عن الغيبة إلى الخطاب إيماء إلى أنهم لا يفرحون بالرخاء وقد أورد المصنف في الباب الثاني من القسم الأول حديثا يقرب من معنى هذا الحديث وهو أنه ﵊ قال لَقَدْ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلِي يُبْتَلَى أَحَدُهُمْ بِالْفَقْرِ والقمل وكان ذلك أحبه إليهم من العطاء إليكم (وعن أنس) كما رواه الترمذي وحسنه (عنه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البلاء) بكسر العين وفتح الظاء ويجوز ضمها مع سكون الظاء أي فمن كان بلاؤه أكثر أو أكبر فجزاؤه أتم وأوفر (وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ فَمَنْ رضي) بالقضاء (فله الرّضى) من الله تعالى وجزيل الثواب وجميل المآب (ومن سخط) بكسر الخاء أي كره (فله السّخط) بفتحتين أي الغضب واليم العذاب ودوام الحجاب (وقال) وفي نسخة وَقَدْ قَالَ (الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النِّسَاءِ: ١٢٣] إِنَّ الْمُسْلِمَ يجزى بمصائب الدّنيا فتكون له كفّارة) حتى لا يعذب في العقبى، (وروي هذا) أي قول المفسرين وفي نسخة وروي مثل هذا (عن عائشة وأبيّ) أي ابن كعب (ومجاهد) كما رواه أحمد والحاكم عنهم ومثل هذا ما يقال بالرأي فهذا الموقوف في حكم المرفوع وقد ذكر البغوي في تفسيره بإسناده عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال كنت عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأنزلت عليه هذه الآية مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ فقال ﵊ يا أبا بكر ألا اقرئك آية انزلت علي قال قلت بلى يا رسول الله فاقرأنيها قال ولا اعلم أني وجدت انفصاما في ظهري حتى تمطيت لها فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مالك يا أبا بكر فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي وأينا لم يعمل سوء وأنا لمجزيون بكل سوء عملناه فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فيجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله تعالى وليست لكم ذنوب وأما الآخرون فيجتمع ذلك لهم حتى يجزوا يوم القيامة وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين وقالوا يا رسول الله وأينا لم يعمل سوء غيرك فكيف الجزاء قال منه ما يكون في الدنيا فمن يعمل حسنة فله عشر حسنات ومن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشره وبقيت له تسع حسنات فويل لمن غلب آحاده عشراته وأما ما كان جزآء في الآخرة فيقابل بين حسناته وسيئاته فتلقى مكان كل سيئة حسنة وينظر في الفضل فيعطى الجزاء في الجنة فيؤتى كل ذي فضل فضله وفي رواية
[ ٢ / ٣٧٨ ]
عن أبي بكر حين نزلت الآية فمن ينجو مع هذا يا رسول الله قال لا تحزن أما تمرض وأما تصيبك اللأواء قال بلى يا رسول الله قال هو ذاك؛ (وقال أبو هريرة عنه ﵊) كما في صحيح البخاري (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ) بضم أوله وكسر صاده ويفتح أي ينزل به مكروها ليثاب عليه (وقال) أي النبي ﵊ كما في صحيح مسلم (فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المسلم) أي من الأمور المكروه (إلّا يكفّر) وفي نسخة إلا يكفر (الله تعالى بها عنه) أي ذنوبه (حتّى الشّوكة) بالحركات الثلاث والأظهر الجر على أن حتى عاطفة أو بمعنى إلى أو الرفع على أن الشوكة مبتدأ والخبر قوله (يشاكها) بضم الياء والضمير القائم مقام الفاعل عائد إلى المؤمن والتقدير يشاك المؤمن تلك الشوكة والمراد شوكة العضاة وأبعد التلمساني في تجويزه أن الشوكة ذات الجنب أي تصيبه فيمرض منها قال فعلى الأول غاية في الضعف وعلى الثاني غاية في القوة انتهى والأولى أولى كما لا يخفى (وقال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما في الصحيحين (في رواية أبي سعيد) أي الخدري (ما يصيب المؤمن من نصب) بفتحتين أي تعب (ولا وصب) بفتحتين أي وجع (ولا همّ) أي غم يذيب الإنسان (ولا حزن) بضم فسكون وبفتحتين أي غم فوت شيء (ولا أذّى ولا غمّ) يغم فؤاد صاحبه وقيل الهم من الأمر السابق والغم من اللاحق (حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا من خطاياه) أي بعض ذنوبه وقيل من زائدة (وفي حديث ابن مسعود) كما رواه الشيخان (ما من مسلم يصيبه أذّى) أي ما يتأذى به ولو قطع شراك نعل أو انطفاء سراج (إلّا حاتّ) بتشديد الفوقية من باب المغالبة أي أسقط (الله عنه خطاياه) وفي نسخة خطاياه (كما يحتّ) أي الله تعالى (ورق الشّجر) وفي نسخة بصيغة المجهول وفي نسخة تحات بصيغة الماضي من باب التفاعل وفي أخرى بصيغة المضارع على أنه حذف منه أحد التاءين وفي رواية تحاتت عنه ذنوبه أي تساقطت وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حمى يوم كفارة ثلاثين سنة (وحكمة أخرى) في إجراء الأمراض والبلاء على الأنبياء والأصفياء (أَوْدَعَهَا اللَّهُ فِي الْأَمْرَاضِ لِأَجْسَامِهِمْ وَتَعَاقُبِ الْأَوْجَاعِ عليها) أي على أعضائها (وشدّتها) كمية وكيفية (عند مماتهم لتضعف قوى نفوسهم) في تعلقاتهم وفي نسخة قوى أنفسهم (فيسهل خروجها) أي انتقال أرواحهم (عند قبضهم) أي وفاتهم (فتخفّ عليهم مونة النّزع) أي ثقل نزع أرواحهم ومشقة إخراجها من أشباحهم (وشدّة السّكرات) وغلبة الغمرات (بتقدّم المرض وضعف الجسم والنّفس لذلك) أي لما تقدم من الحكمة هنالك وهذا (خلاف موت الفجأة) بفتح فسكون مقصورا ويضم ممدودا أي موت البغتة (وأخذه) بالغفلة وأن ورد في الحديث موت الفجأة للمؤمن وأخذة أسف للفاجر على ما رواه أحمد والبيهقي عن عائشة (كما يشاهد) بصيغة المجهول (من اختلاف أحوال الموتى) أي الذين على شرف الموت وقربه (في الشّدّة واللّين) أي الهينة (والصّعوبة وقد قال ﵊) كما في الصحيحين عن كعب بن مالك وجابر (مثل المؤمن مثل خامة
[ ٢ / ٣٧٩ ]
الزّرع) بالخاء المعجمة وتخفيف الميم أي طاقته للينة عطفها أو ضعفها (تفيّؤها) بضم أوله ففاء مفتوحة وتحتية مشددة مكسورة فهمزة مضمومة وأما قول التلمساني ووري تفئها بدون ياء فخطأ فاحش أي تحركها وتميلها (الرّيح) أي جنس الرياح (هكذا) مرة عن يمينها (وهكذا) مرة عن يسارها والمعنى تميلها من جانب إلى جانب (وفي رواية أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) وفي نسخة لأبي هريرة كما في صحيح مسلم (من حيث أتتها الرّيح تكفؤها) بفتح الفاء وتكسر أي تقلبها (فإذا سكنت) أي الريح (اعتدلت) أي قامت الخامة على ساقها معتدلة غير مائلة، (وكذلك المؤمن يكفأ) بصيغة المجهول أي بقلب ويغير حاله (بالبلاء) عما كان عليه في النعماء؛ (ومثل الكافر) وفي معناه الفاجر (كمثل الأرزة) بسكون الراء وفتحها شجرة الأرز وهو خشب معروف وقيل الصنوبر وقال بعضهم الآرزة بوزن فاعلة ومعناها الثابتة في الأرض وأنكرها أبو عبيد كذا في النهاية (صمّاء) أي صلبة يابسة (معتدلة) أي مستوية ثابتة (حتّى يقصمه الله تعالى) بكسر الصاد بعد سكون القاف أي يكسره (ويهلكه) ويأخذه بغتة من غير تقدم بلية في غالب قضية وعن أنس رضي الله تعالى عنه أن الله تعالى خلق عباده منهم صحيح وسقيم وغني وفقير فمنهم من لو أسقمه لأفسده ذلك ومنهم من لو أصحه لأفسده ذلك ومنهم من لو أغناه لأفسده ذلك ومنهم من لو أفقره لأفسده ذلك والله تعالى أعلم بمصالح عباده وفق مراده أقول وقد يستفاد هذا المعنى من قوله تعالى إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا وفي الجملة كما ورد المؤمن مكفر على ما رواه الحاكم عن سعد (معناه) أي الحديث السابق (أنّ المؤمن مرزّء) بتشديد الزاء المفتوحة وفي نسخة بتخفيفها أي مبتلي بالرزايا (مصاب بالبلاء) أي بأنواع البلايا كموت أعزته وفوت أحبته (والأمراض) وفي معناها فقد الأغراض (راض بتصريفه) أي بتغيير أحواله وتغير آماله في حاله ومآله وجاهه وماله (بين أقدار الله تعالى) أي أنواع قضائه من بلائه ونعمائه (مطاع) وفي نسخة منطاع أي منقاد (لذلك) الذي أصيب به هنالك (ليّن الجانب) أي متواضع لربه متلبس (برضاه) وفق ما قدر له وقضاه (وقلّة سخطه) أي وعدم كراهته لبلواه (كطاعة خامة الزّرع وانقيادها للرّياح) حال تقبلها يمنة ويسرة في الصباح والرواح (وتمايلها لهبوبها) المختلفة في الشدة واللينة (وترنّحها) بنون مشددة مضمومة بعد راء مفتوحة أي دورانها في تغيير شأنها وعن يزيد الرقاشي المريض يرنح والعرق من جبينه يرشح (من حيث ما أتتها) أي جاءتها رياح البلايا والرزايا (فإذا أزاح الله تعالى) بالزاء أي أزال (عن المؤمن رياح البلايا) وأبدل منها رياح النعماء (واعتدل صحيحا) واستقام صريحا (كَمَا اعْتَدَلَتْ خَامَةُ الزَّرْعِ عِنْدَ سُكُونِ رِيَاحِ الجوّ) بفتح الجيم وتشديد الواو أي هواء جو السماء (رجع) المؤمن من مقام صبره (إِلَى شُكْرِ رَبِّهِ وَمَعْرِفَةِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ بِرَفْعِ بلائه) أي بدفع محنته (منتظرا رحمته وثوابه) أي مثوبته (عليه) أي على شكر ربه في حاليه، (فإذا كان) أي المؤمن (بهذه السّبيل) أي بهذه المثابة من تحمل توارد الرزايا وترادف البلايا (لم يصعب
[ ٢ / ٣٨٠ ]
عليه مرض الموت ولا نزوله) أي حلوله وحصوله في وقت من أوقات الفوت (ولا اشتدّت) أي ولخفت (عليه سكراته ونزعه) حين صعبت غمراته (لعادته) أي تعوده (لما) وفي نسخة بما (تقدّم) وفي نسخة تقدمه (من الآلام) أي تحملها في ضمن الاسقام (ومعرفة ما له فيها من الأجر) أي الثواب التام يوم القيام (وتوطينه) أي ولتثبيته وتمكينه (نفسه على المصائب) أي إصابتها (ورقّتها وضعفها بتوالي المرض) ولو مع خفته (أو شدّته) وإن لم يتوال في مدته (والكافر) أي شأنه وحاله (بخلاف هذا) المؤمن في حاله ومآله (فهو) وكذا الفاجر (مُعَافًى فِي غَالِبِ حَالِهِ مُمَتَّعٌ بِصِحَّةِ جِسْمِهِ) وكثرة ماله وسعة مناله (كالأرزة الصّماء) أي الشجرة القوية (حتّى إذا أراد الله هلاكه قصمه) أي كسره وأهلكه (لحينه) بكسر الحاء أي في وقته فورا (على غرّة) بكسر غين وتشديد راء أي على حين غرور وغفلة (وأخذه) أي أماته (بغتة) أي فجأة (من غير لطف ولا رفق) بل بعنف وشدة تضرب الملائكة وجهه ودبره بسياط من نار (فكان موته أشدّ عليه حسرة) أي تأسفا وكآبة (ومقاساة نزعه) أي معاناة خروج روحه (مَعَ قُوَّةِ نَفْسِهِ وَصِحَّةِ جِسْمِهِ أَشَدَّ أَلَمًا وعذابا) عند قبضه (ولعذاب الآخرة أشدّ) أي أقوى (وأبقى) وفي نسخة زيد لو كانوا يعلمون أي لآمنوا (كانجعاف الأرزة) بالنون والجيم أي انقلاعها من أصلها وقال التلمساني وروي انخعاف بخاء معجمة أي ضعف واسترخاء (وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [الأعراف: ٩٥]) قبل ذلك أمارة وعلامة وقد ورد الحمى رائد الموت أي بريده ونذيره (وكذلك عادة الله تعالى في أعدائه) أي معهم خلاف عادته مع أحبائه (كما قال الله تعالى فَكُلًّا) من اعدائنا ممن كذب بأصفيائنا (أَخَذْنا بِذَنْبِهِ) بغتة فإذا هم مبلسون أي متحيرون آيسون (فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا) أي ريحا عاصفة تحصيهم كقوم لوط (وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ [العنكبوت: ٤٠]) كثمود فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (الآية) أي وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ كقارون وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا كفرعون وقوم نوح وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ، (ففجأ) أي ففاجأ الله (جميعهم) حيث أخذهم كلهم (بالموت على حال عتو) أي فرط تكبر وتجبر (وغفلة) عما خلقوا له من الموت والبعث في العاقبة (وصبّحهم به) بتشديد الموحدة أي جاءهم بالموت (على غير استعداد) حال كونه (بغتة ولهذا ما) كذا في نسخة فقيل هي زائده أو موصولة (كره عن السّلف موت الفجأة ومنه حديث إبراهيم) أي النخعي كما صرح به ابن الأثير في نهايته فلا وجه لقول الدلجي النخعي أو التيمي وكذا لقول غيره إنه ابن أدهم ولا يبعد التعدد والله اعلم (كانوا) أي الصحابة والتابعون (يكرهون أخذه كأخذة الأسف) رواه سعيد بن منصور في سننه وابن أبي الدنيا في ذكر الموت والأسف بفتحتين (أي الغضب) الموجب لكثرة التأسف وشدة التلهف وفي نسخة بكسر السين أي الغضبان المتأسف (يريد) أي إبراهيم وفي نسخة يريدون أي السلف بهذه الأخذة (موت الفجأة وحكمة ثالثة) في اعتراء أنواع البلاء على الأنبياء والأصفياء (أنّ الأمراض) أي كلها (نذير
[ ٢ / ٣٨١ ]
الممات) وفي نسخة نذير الموت أي منذر الموت ومخوف الوفاة كما ورد الحمى رائد الموت لأنها تنبئ عن قرب الفوت (وبقدر شدّتها) أي قوة الأمراض وقلتها (شدّة الخوف) أي خوف الفوت (من نزول الموت فيستعدّ) للموت (من أصابته) تلك الأمراض قبل الفوت (وعلم) أي المؤمن (تعاهدها له) أي تفقد الأمراض وتعاودها له استعداد تاما (لِلِقَاءِ رَبِّهِ وَيُعْرِضُ عَنْ دَارِ الدُّنْيَا الْكَثِيرَةِ الأنكاد) أي الكدورات وما أحسن قول ابن عطاء في حكمه ما دمت في هذه الدار لا تستغرب وقوع الأكدار (ويكون قلبه معلّقا بالمعاد) ويكون متهيئا لتحصيل الزاد ليوم التناد (فيتنصّل) من باب التفعل وفي نسخة فينتصل من باب الانفعال أي يتخلص وينفصل (من كلّ ما يخشى تباعته) بكسر أوله لا بفتحه كما وهم الحلبي بمعنى تبعته ومؤاخذته (من قبل الله تعالى) وهو أهون (وقبل العباد) وهو أقوى (ويؤدّي الحقوق) المتعلقة به جميعا (إلى أهلها) بقدر إمكان أدائها (وينظر) أي يتأمل (فيما يحتاج إليه من وصيّة) بما تركه إلى من يثق به (فيمن يخلّفه) بتشديد اللام المكسورة أي فيمن يعقبه إليه من ولد وعبد (أو أمر يعهده) إلى من يريده (وهذا نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم المغفور له) أي ما تقدم من ذنبه وما تأخر كما في نسخة (قد طلب التّنصّل) أي التخلص (فِي مَرَضِهِ مِمَّنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مَالٌ) دينا أو قرضا (أو حقّ في بدن) يورث قصاصا أو أرشا (وأقاد من نفسه وما له) أي اعطى القود منهما مستحقه (وأمكن من القصاص منه) أي من نفسه (على ما ورد في حديث الفضل) أي ابن عمه العباس كما مر وفيه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم ضرب أعرابيا بعود كان بيده فقال يا رسول الله القصاص غير مريد له فكشف له عن بطنه فالتزمه تبركا به (وحديث الوفاة) كما تقدم والله تعالى اعلم (وأوصى بالثّقلين بعده: كتاب الله تعالى) بالجر بدل مما قبله ويجوز رفعه ونصبه (وعترته) بكسر أوله أي أقاربه وأهل بيته وسميا بالثقلين إما لثقلهما على نفوس كارهيهما أو لكثرة حقوقهما فهما شاقان أو لعظم قدرهما أو لشدة الأخذ بهما أو لثقلهما في الميزان من قبل ما أمر به فيهما أو لأن عمارة الدين بهما كما عمرت الدنيا بالإنس والجن المسميين بالثقلين في قوله تعالى سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ، (وبالأنصار عيبته) بفتح العين المهملة وسكون التحتية فباء موحدة أي لأنهم موضع سره وأمانته ومحل رعايته وعنايته وحراسته ووقايته كعيبة الثياب التي يضع الشخص فيها متاعه النفيس، (ودعا) أي أصحابه في مرض موته (إلى كتب كتاب) أي كتابة مكتوب (لئلّا تضلّ أمّته بعده) إذا عملوا بكتابته فاختلفوا في ذلك وتنازعوا هنالك فقال دعوني فإنه لا ينبغي التنازع عند نبي وذلك الكتاب (إمّا في النّصّ على الخلافة) وفيه أن الوصية بالخلافة لا تحتاج إلى أمر الكتابة مع أنه قد أشار إليه بنصب الإمامة (والله أعلم بمراده) مما خطر بباله نصيحة لخلق الله تعالى وعباده (ثمّ رأى الإمساك عنه أفضل وخيرا) من الكتابة وأجمل (وهكذا سيرة عباد الله تعالى المؤمنين وأوليائه المتّقين) من الابتلاء بأنواع البلاء المذكورة لحال الفناء المهيئة للاستعداد ليوم اللقاء في دار البقاء (وهكذا كله) أي ما ذكر من حال
[ ٢ / ٣٨٢ ]
أنبيائه وأوليائه الأبرار (يحرمه) بصيغة المجهول أي يحرم منه (غالبا الكفّار) وكذا الفجار (لإملاء الله لهم) أي إمهالهم إلى انصرام آجالهم (ليزدادوا إثما) ويستزيدوا ظلما ليكون لهم عذاب مهين فيما اكتسبوا جرما (وليستدرجهم) أي ليستدينهم الله درجة درجة في مراتبهم إلى ما يهلكهم بأشد عقبهم (من حيث لا يعلمون) ما يراد بهم بتواتر نعمه ﷾ عليهم منهمكين في غيهم وضلالتهم كلما جدد لهم نعمة زادوا في طغيانهم وعصيانهم ظنا منهم أن تواتر النعماء عليهم تقريب وإسعاد وإنما هو تطريد وإبعاد، (قال الله تعالى: ما يَنْظُرُونَ) أي ما ينتظرون (إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً) وهي النفخة الأولى (تَأْخُذُهُمْ) بغتة وتهلكهم فجأة غافلين عنها لا يخطر ببالهم أمرها (وَهُمْ يَخِصِّمُونَ) بفتح الخاء وكسرها واختلاسها أي والحال أنهم يختصمون في معاملاتهم وفي قراءة بسكون الخاء وكسر الصاد من خصم إذا اختصم وفي الحديث لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما يتبايعانه فلا يطويانه فلتقومن الساعة وقد رفع الرجل اكلته إلى فيه فلا يطعمها (فَلا يَسْتَطِيعُونَ أي حينئذ (تَوْصِيَةً) في أمرهم (وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ مُحْضَرُونَ [يس: ٤٩- ٥٠]) أي ولا يقدرون أن يرجعوا إلى قومهم بل يموتون فجأة كلهم (ولذلك) أي لكون موت الفجأة مذموما في الجملة (قال ﵊) كما رواه أبو يعلى وابن أبي الدنيا عن أنس (في رجل مات فجأة) أي في حقه (سبحان الله) تعجبا من شأنه (كأنّه على غضب) أي وقع على سبب غضب يقتضي موته كذلك (المحروم من حرم وصيّته) تلويح بالحث على الوصية لئلا يموت الواحد فجأة لحديث ما حق أمرئ يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده وكأنه ﵊ كشف له أن الرجل كان واجبا عليه الوصية في شيء من الأحكام فلا ينافي ما ورد عنه صلى الله تعالى عليه وسلم خلافه كما بينه المصنف بقوله (وقال) أي النبي ﵊ كما في حديث أحمد عن عائشة بسند صحيح (موت الفجّأة راحة للمؤمن وأخذة أسف) أي غضب (للكافر أو الفاجر) قال الدلجي شك من أحد رواته وأقول الأظهر إنه للتنويع والمراد بالفاجر المنافق أو الفاسق (وذلك) أي كون موت الفجأة مختلفا هنالك (أن الموت) وفي نسخة لأن الموت (يأتي المؤمن غالبا مستعدّ له) أي لوصوله (منتظر لحلوله) متهيئ لنزوله (فهان أمره) أي سهل (عليه كيفما جاء) حال حصوله (وأفضى) أي أوصله (إلى راحته من نصب الدّنيا وأذاها) أي تعبها وأذيتها (كما قال ﵊) فيما رواه الشيخان عن أبي قتادة حين مر بجنازة (مستريح) أي الميت مستريح (ومستراح منه) أي أو مستراح منه وفي نسخة يستريح ويستراح منه قيل من هما يا رسول الله قال أما المستريح فالمؤمن يموت فيستريح من تعب الدنيا وأما المستراح منه فالظالم يموت فيستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب قال النووي أما استراحة العباد منه فاندفاع اذاه عنهم واستراحة الدواب منه فكذلك لأنه يؤذيها بالضرب والإيجاع وتحميل ما لا تطيقه واستراحة البلاد والشجر لأنها تمنع القطر بمعصيته (وتأتي الكافر والفاجر) بالواو أي الفاسق أو الظالم
[ ٢ / ٣٨٣ ]
(منيّته) بتشديد تحتية أي موته (على غير استعداد) لمعاد (ولا أهبة) بضم فسكون أي تهيئة زاد (ولا مقدّمات) بكسر الدال وتفتح أي مؤذنات سابقة ومخوفات لاحقة (منذرة) أي مخوفة (مزعجة) أي مقلقة محركة (بَلْ تَأْتِيهِمْ) المنية (بَغْتَةً) فجأة (فَتَبْهَتُهُمْ) أي تحيرهم وتدهشهم (فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها) أي صرفها (وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) أي لا يمهلون حينئذ وإن كانوا من قبله ليهملون (فَكَانَ الْمَوْتُ أَشَدَّ شَيْءٍ عَلَيْهِ وَفِرَاقُ الدُّنْيَا أفظع) بالفاء والظاء المعجمة أي أهيب وأصعب وأشنع وأمر (أمر) لديه من حال (صدمه) أي أصابه مما هجمه (وأكره شيء له) أي أصعب شيء أرهقه وأصابه. (وإلى هذا المعنى أشار ﵊ بقوله) كما في الصحيحين عن عبادة بن الصامت (من أحبّ لقاء الله) أي برؤية الله تعالى له عند موته ما أعده له في الجنة (أحبّ الله لقاءه) أي أراد مصيره إليه ومنحه ما لديه، (ومن كره لقاء الله تعالى) برؤيته له عند موته ما أعد له من سخطه وكما ورد في الحديث تفسيره بذلك (كره الله لقاءه) فلم يظفر بمطلوب ولم يظهر بمرغوب وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال إن اهل البيت ليتنافسون في الخير والمعروف فيدخلون الجنة كلهم حتى ما يفقدوا خادمهم وأن أهل البيت ليتنافسون في الشر فيدخلون النار كلهم حتى ما يفقدوا خادمهم وقد يقتبس هذا المعنى منطوقا ومفهوما من قوله تعالى جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وروى الترمذي عن سالم بن عمر قال لقيت عليا رضي الله تعالى عنه وهو منصرف من مسجد القبلتين فقال يا ابن عمر أني كنت آنفا عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبرني بكلمات أخبر بهن جبريل عن الله ﷿ وأنا نخبرك بهن وأنت لذلك أهل أخبرني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال قال جبريل ﵇ ما من قوم يكونون في حبرة إلا ستتبعهم عبرة وكل نعيم زائل إلا نعيم الجنة وكل هم منقطع إلا هم أهل النار وإذا عملت سيئة فاتبعها حسنة تمحها سريعا وأكثر من صنائع المعروف توق مصارع السوء وما من عمل بعد الفرائض أحب إلى الله من إدخال السرور على المؤمن ثم قال دونكهن يا ابن عمر قال فشرح الله بهن صدري مرتين كذا ذكره التلمساني والله ﷾ أعلم.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
الْقِسْمُ الرَّابِعُ (فِي تَصَرُّفِ وُجُوهِ الْأَحْكَامِ فِيمَنْ تنقّصه أو سبّه ﵊
قال القاضي أبو الفضل رضي الله تعالى عنه) يعني المصنف (قَدْ تَقَدَّمَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ مَا يَجِبُ مِنَ الْحُقُوقِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي مجملا (وما يتعيّن له من بر) أي طاعة أو إحسان (وتوقير) أي تبجيل (وتعظيم وإكرام) وأمثال ذلك مفصلا (وبحسب هذا) بفتح السين أي على قدر ما يجب له ويتعين في حقه (حرّم الله تعالى أذاه في كتابه) وبين حرمته في فصل خطابه (وأجمعت الأمّة على قتل متنقّصه) بنوع من تحقيره خلاف ما يجب من توقيره (من المسلمين) بخلاف الكافرين (وسابّه) أي شاتمه بطريق الأولى في حقه ففي قاضيخان لو عاب الرجل النبي في شيء كان كافرا وكذا قال بعض العلماء لو قال لشعر النبي شعير فقد كفر وعن أبي حفص الكبير من عاب النبي بشعرة من شعراته الكريمة فقد كفر وذكر في الأصل أن شتم النبي كفر ولو قال جن النبي ذكر في نوادر الصلاة أنه كفر ويجوز أن يقال أغمي على النبي وهذا حكم المؤمن به وأما الكافر إذا تنقصه أو سبه قال بعضهم يقتل وقال بعضهم ينتقض عهده ويخرج من بلده فيبلغ مأمنه، (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ) أي أبعدهم عن الرحمة (فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا [الأحزاب: ٥٧]) وحجابا مبينا قال ابن عباس هم اليهود والنصارى والمشركون فأما اليهود فقالوا عزير ابن الله ويد الله مغلولة وقالوا إن الله فقير ونحن أغنياء وأما النصارى فقالوا المسيح ابن الله وثالث ثلاثة وأما المشركون فقالوا الملائكة بنات الله والأصنام شركاؤه قال البغوي وروينا عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال يقول الله يؤذيني ابن آدم بسبب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار وأما ايذاء الرسول فقال ابن عباس هو أنه شجّ في وجهه وكسرت رباعيته وقيل ساحر شاعر معلم مجنون (وقال وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [التوبة: ٦١]) أي مؤلم بفتح اللام وكسرها وصدر الآية وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ نزلت في جماعة من المنافقين كانوا يؤذون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقالوا ما لا ينبغي فقال بعضهم لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه فيوقع بنا فقال الجلاس ابن سويد منهم بل نقول ما شئنا ثم نأتيه وننكر ما قلنا ونحلف فيصدقنا فإنما محمد أذن أي أذن سامعة فقال تعالى قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ الآية (وقال تَعَالَى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ) بنوع من الأذى لا في
[ ٢ / ٣٨٥ ]
حياته ولا بعد مماته (وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا) أي لا بعد وفاته ولا بعد فراقه لها دخل بها أم لا تعظيما لقدره وتفخيما لأمره (إِنَّ ذلِكُمْ) أي الأذى من قبلكم (كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا [الأحزاب: ٥٣]) أي ذنبا جسيما في رجل من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال لئن قبض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لأنكحن عائشة قال مقاتل بن سليمان هو طلحة بن عبيد الله فأخبر الله تعالى ﷿ أن ذلك محرك وروى معمر عن الزهري أن عالية بنت ظبيان التي طلقها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تزوجت رجلا وولدت له وذلك قبل تحريم نكاح أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفي تفسير البغوي أنه نزل فيمن اضمر نكاح عائشة بعد رسول الله ﷺ إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (وقال تعالى في تحريم التّعريض له) أي التلويح بما يسوؤه من غير التصريح (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا) فإنه أمر بالمراعاة في مقام التصريح لكنه متضمن لمعنى الرعونة في مقام التلويح (وَقُولُوا) أي بدله (انْظُرْنا) أي انظر إلينا وراقبنا أو انتظرنا وتأن بنا حتى نفهم كلامك ونعلم مرامك (وَاسْمَعُوا [البقرة: ١٠٤]) أي سماع قبول (الآية) أي وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ وفيه وعيد شديد وتهديد أكيد؛ (وذلك) أي سبب نزول الآية هنالك (أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَقُولُونَ رَاعِنَا يَا مُحَمَّدُ أي أرعنا سمعك) بفتح الهمزة وكسر العين والمعنى راعنا بسمعك وألقه إلينا (واسمع منّا) ولا تغفل عنا؛ (ويعرّضون) بتشديد الراء المسكورة أي ويلوحون (بالكلمة) التي هي سبة عندهم (يريدون الرّعونة) وهي بضم الراء الحماقة ويضحكون فيما بينهم فسمعها سعد بن معاذ ففطن لها فقال لليهود ولئن سمعتها من أحد منكم يقولها لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لأضربن عنقه فقالوا أو لستم تقولونها (فنهى الله المؤمنين عن التّشبّه بهم) ولو في الصورة (وقطع الذّريعة) أي الوسيلة وسد باب الفساد (بنهي المؤمنين عنها) أي عن كلمة راعنا (لِئَلَّا يَتَوَصَّلَ بِهَا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ إِلَى سَبِّهِ) أي طعنه (والاستهزاء به وقيل بل لما فيها) أي في كلمة راعنا (من مشاركة اللّفظ) أي المبنى ومشابهة المعنى (لِأَنَّهَا عِنْدَ الْيَهُودِ بِمَعْنَى اسْمَعْ لَا سَمِعْتَ) دعاء عليه كما قال أخبارا عنهم من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين لو أنه قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا وبهذا تبين أنه ما يصح كون كلمة راعنا بمعنى اسمع بل يينهما مغايرة، (وقيل بل لما فيها) أي في كلمة راعنا (مِنْ قِلَّةِ الْأَدَبِ وَعَدَمِ تَوْقِيرِ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) أي تبجيله (وتعظيمه لأنّها في لغة الأنصار) وفي نسخة لغة النصارى ولا وجه للتقييد بأحدهما إذ هي على وفق اللغة الجادة فإن المراعاة مفاعلة من باب المغالبة فيكون (بمعنى ارعنا) بوصل همزة وفتح عين أمر من الرعاية (نرعك) أي حتى نرعاك فحذف الألف للجزم في جواب الأمر وحيث كان يؤذن بأن رعايتهم له مشروطة برعياته لهم (فنهوا عن ذلك إذ مضمنه) بفتح
[ ٢ / ٣٨٦ ]
الميم الثانية المشددة أي مضمونه (أَنَّهُمْ لَا يَرْعَوْنَهُ إِلَّا بِرِعَايَتِهِ لَهُمْ وَهُوَ ﵊ واجب الرّعاية بكلّ حال) سواء راعاهم أو لم يراعهم (وهذا هو ﵊ قد نهى) الحاضرين من أمته (عن التّكنّي بكنيته) وهي أبو القاسم إما بابنه القاسم وهو الظاهر أو كناه الله تعالى بذلك لقوله أنا قاسم بينكم وله كنية أخرى وهي أبو إبراهيم لابنه الآخر (فقال سمّوا) وفي نسخة تسموا (باسمي) أي محمد أو أحمد (ولا تكنّوا) من كنى مخففا أو مشددا وروي ولا تكتنوا (بكنيتي) بضم الكاف وبكسر وفيه إيماء إلى ان محط النهي هو الجمع بين الاسم والكنية لأنهما موجبان للشبهة (صيانة لنفسه) أي الكريمة كما في نسخة (وحماية عن أذاه) إذا أحد به غيره ناداه ولعل وجه النهي عن الكنية دون الاسم كونهم متأدبين معه حيث لا ينادونه باسمه لا سيما بعد نهيهم عنه بقوله تَعَالَى لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا أي لا تقولوا له يا محمد يا أحمد قولوا يا نبي الله يا رسول الله وأما ما ثبت من حديث أنس أن رجلا من أهل البادية قال يا محمد الحديث فلعله كان قبل النهي أو قبل بلوغه ونقل عن عز الدين بن عبد السلام أنه يجوز ذلك في الأدعية وكانوا ينادونه بالكنية لما فيه من نوع التعظيم في الجملة بحسب العرف والعادة ولما كان فيه شبهة المشاركة نهاهم عن ذلك ليكونوا متأدبين هنالك (إذ كان صلى الله تعالى عليه وسلم) كما رواه الشيخان عن أنس (استجاب) أي أجاب (لرجل نادى) غيره (يا أبا القاسم، فقال لم أعنك) بفتح فسكون فكسر أي لم أردك بهذا النداء، (إنّما دعوت هذا) واشار إلى رجل آخر وهو ابن القاسم الأنصاري مذكور في الصحابة، (فَنَهَى حِينَئِذٍ عَنِ التَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ لِئَلَّا يَتَأَذَّى بإجابة دعوة غيره) وفي نسخة بإجابة دعوته غيره الصادرة (لِمَنْ لَمْ يَدْعُهُ وَيَجِدُ بِذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُسْتَهْزِئُونَ ذريعة) أي وسيلة (إلى أذاه) أي أذيته (والإزراء به) أي الاستحقار بدعوته والانتقاص في حالته (فينادونه) قصدا له (فإذا التفت قالوا: إنّما أردنا هذا) الواقف ونحوه (لسواه) أي لغيره ﵊. (تعنيتا له) تفعيل من العنت بفتحتين وهو المشقة إدخالا للتعب عليه في أمره وتنقيصا لقدره (واستخفافا بحقّه على عادة المجّان) بضم الميم وفتح الجيم المشددة جمع الماجن وهو الذي لا يبالي بما صنع (والمستهزئين فحمى ﵊ حمى أذاه) بفتح الحاء في الأول وكسره في الثاني أي صان حريم ساحته عن أذى يلحقه في حالته (بكلّ وجه) في شريعته وطريقته؛ (فحمل محقّقو العلماء نهيه عن هذا) أي التكني بكنيته (عَلَى مُدَّةِ حَيَّاتِهِ وَأَجَازُوهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ لِارْتِفَاعِ العلّة) وهي ايذاؤه في تلك الحالة ولما سيأتي أيضا من الأدلة وقد أغرب الدلجي بقوله حملوا بلا دليل شرعي مع ترجيح ولا مرجح له وليس ارتفاع العلة بكاف في تجويزه بعدها مع صراحة عموم النهي المطلق عنه الشامل لما قبلها وما بعدها كيف وقد غير عمر في خلافته اسماء كثيرة من أولاد الصحابة ممن كان اسمه محمدا بغيره كاسم ابن أخيه غيره بعبد الرحمن مع أذنه صلى الله تعالى عليه وسلم في التسمية به فلأن يمنع من التكنية بكنيته مع النهي عنها أولى وممن منعه بها مطلقا الشافعي
[ ٢ / ٣٨٧ ]
انتهى وسيأتي الجواب عن تغيير عمر مع أنه بظاهره حجة عليه لأنه غير موافق لمذهبه وأما قول الشافعي ليس لأحد أن يكنى بأبي القاسم سواء كان اسمه محمدا أو لا لظاهر النهي فيرد عليه بأن الناس ما زالوا يكتنون به في سائر الأعصار من غير إنكار وذلك منهم بمنزلة الإجماع ولا تجتمع الأمة على الضلالة على ما قاله الأنطاكي وتبعه التلمساني، (وللنّاس في هذا الحديث مذاهب) أي كثيرة (ليس هذا موضعها) وسيأتي بعضها (وما) وفي نسخة والذي (ذكرناه) من تقييد النهي بحياته (هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَالصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى) عارضه الدلجي بقوله بل الصواب المنع مطلقا وقد سمعت الجواب محققا (أَنَّ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ تَعْظِيمِهِ وَتَوْقِيرِهِ وَعَلَى سبيل النّدب والاستحباب لا على التّحريم) وتعقبه الدلجي بأن هذا دعوى مجردة عن البينة لصدوره على خلاف الأصل من أن نهيه إنما كان للإيذاء المؤذن بوجوب الكف عن التكني بها إذ الاصل حمل لفظ النهي على حقيقته من التحريم حتى يقوم ما يصرفه عنها انتهى واعلم إن أقول الذي هو فصل الخطاب في هذا الباب أن حديث تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي أخرجه البخاري ومسلم من رواية جماعة من الصحابة منهم جابر وأبو هريرة وغيرهما فقال الشافعي ليس لأحد أن يكتنى بأبي القاسم سواء كان اسمه محمدا أم لا قال الرافعي ومنهم من حمله على كراهية الجمع بين الاسم والكنية وجوز الإفراد قال ويشبه أن يكون هو الأظهر لأن الناس ما زالوا يكتنون به في سائر الأعصار من غير انكار قال النووي في الروضة وهذا التأويل والاستدلال ضعيف والأقرب مذهب مالك وهو جواز الكنى بأبي القاسم مطلقا لمن اسمه محمد ولغيره والنهي مختص بحياته ﵊ لأن سبب النهي أن اليهود تكنوا به وكانوا ينادون يا أبا القاسم فإذا التفت الني صلى الله تعالى عليه وسلم قالوا لم نعنك إظهارا للإيذاء وقد زال ذلك المعنى وهذا نقله العزالي في الإحياء عن العلماء (ولذلك لم ينه عن اسمه لأنّه) أي الشأن (قَدْ كَانَ اللَّهُ مَنَعَ مِنْ نِدَائِهِ بِهِ) أي باسمه (بقوله: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ) أي نداءه باسمه (كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: ٦٣]) بأسمائكم (وإنّما كان المسلمون يدعونه) أي ينادونه (يا رسول الله يا نبيّ الله وقد يدعونه) هو بصيغة الجمع على الصواب وروي يدعوه بالإفراد قيل ووجهه يدعوه الداعي (بكنيته) يعني (أبا القاسم) أو فيقولون أبا القاسم أي يا أبا القاسم وفي نسخة أبي القاسم فلا اشكال (بعضهم) بدل من ضمير يدعونه أو هو فاعل يدعوه على حقيقة الإفراد وليس بعضهم في نسخة (في بعض الأحوال) لما استقر عندهم من أن الدعاء بالكنية إشعار بالتعظيم والإجلال وذكر الحلبي عن بعض مشايخه أن قول النووي في الروضة ما ذكره الرافعي أنه ضعيف وكذا قوله في الاذكار أن فيه مخالفة لأصل الحديث فيه نظر لأن فيه موافقة لحديث صحيح رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث أبي الزبير عن جابر رفعه من تسمى باسمي فلا يكتني بكنيتي ومن تكنى بكنيتي فلا يسمي باسمي قال الترمذي حسن غريب وقال البيهقي في شعب الإيمان بعد أن أخرجه هذا حديث صحيح
[ ٢ / ٣٨٨ ]
وصححه ابن حبان وابن السكن وهو مذهب أبي حاتم وشذ آخرون فمنعوا التسمية باسم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جملة كيف ما كان حكاه المنذري قال وذهب آخرون إلى أن النهي في ذلك منسوخ انتهى وما ذكره المنذري من المنع عن التسمية باسمه ﵊ حكاه النووي في شرح مسلم فقال التسمية بمحمد ممنوعة مطلقا سواء كان له كنية أم لا قال وجاء في حديث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يسمون أولادهم ثم يلعنونهم وهذا معنى قوله؛ (وقد روى أنس ﵁) كما رواه الحاكم والبزار وأبو يعلى بسند حسن (عنه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ التَّسَمِّي باسمه وتنزيهه) أي تبعيد اسمه (عن ذلك) أي عن أن يتسمى به غيره (إذا لم يوقّر) أي لم يعظم حق تعظيمه، (فقال تسمّون أولادكم محمّدا ثمّ تلعنونهم) بتقدير الاستفهام الإنكاري أي التوبيخي ومحط الإنكار الجملة الثانية كقوله تعالى تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ (وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَتَبَ إلى أهل الكوفة لا يسمّى أحد) بصيغة المجهول ويجوز كونه للفاعل (باسم النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) والمراد به محمد لأنه أشهر اسمائه أو الجنس ليشمل أحمد أيضا ويؤيده أنه في نسخة صحيحة باسمي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (حكاه أبو جعفر الطّبريّ) وهو محمد بن جرير؛ (وحكى محمّد بن سعد) كاتب الواقدي وصاحب الطبقات عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (أنّه) أي عمر رضي الله تعالى عنه (نظر إلى رجل) قيل هو ابن أخيه أو عبد الحميد بن زيد بن الخطاب (اسمه محمّد ورجل يسبّه) أي يشتمه (ويقول) أي له كما في نسخة (فعل الله بك يا محمّد وصنع) الله تعالى، (فقال عمر رضي الله تعالى عنه) عند ذلك (لِابْنِ أَخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ لا أرى) لا نافية لا ألا منبهة كما تصحف على الدلجي أي لا أرضى (محمّدا ﵊ يسبّ بك) أي في ضمن سبك أو بسبب سبك تصريحا (والله لا تدعى محمّدا ما دمت) أنا أو أنت (حيّا وسمّاه عبد الرحمن) ثم أرسل إلى نبي طلحة بن عبيد الله وهم سبعة أكبرهم وسيدهم اسمه محمد فأراد أن يغير اسمه فقال محمد بن طلحة فو الله يا أمير المؤمنين أن من سماني محمدا لمحمد ﵇ فقال قوموا فلا سبيل إلى تغيير شيء سماه رسول الله وروي أن من الصحابة من اسمه محمد بضعة وثمانون أنسانا (وأراد أن يمنع لهذا) السبب وهو تنزيه الاسم عن السب (أَنْ يُسَمَّى أَحَدٌ بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ إِكْرَامًا لَهُمْ بذلك) أي بتغيير اسمائهم هنالك (وغيّر أسماءهم) أي أسماء بعض من تسمى بأسماء الأنبياء وفي نسخة وغير اسماء جماعة تسموا بأسماء الأنبياء فقد روى ابن سعد قال دخل عبد الرحمن بن سعد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي على عمر وكان اسمه موسى فسماه عبد الرحمن وروي أن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام كان اسمه إبراهيم فسماه عبد الرحمن (وقال لا تسمّوا) أي أولادكم ويجوز أن يكون بفتح التاء والميم أي لا تتسموا (بأسماء الأنبياء ثمّ أمسك) أي عمر عن منعهم وفي شرح مسلم أن المذاهب في هذه المسألة ستة الأول النهي عن التكني
[ ٢ / ٣٨٩ ]
بأبي القاسم مطلقا الثاني أنه خاص بحياته الثالث أنه محمول على الأدب الرابع إنما يحرم الجمع الخامس التسمي بقاسم السادس المنع من التسمي بمحمد، (والصّواب جواز هذا كلّه بعده ﵊ بِدَلِيلِ إِطْبَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ سَمَّى جماعة منهم) أي من الصحابة (ابنه محمّدا) لقوله ﵊ تسموا باسمي (وكنّاه بأبي القاسم) كما يشير إليه قوله (وروي أنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أذن في ذلك) أي في تسمية ولده محمدا وتكنينه بأبي القاسم (لعليّ ﵁) أذنا خاصا أو عاما فقد رواه أبو داود والترمذي من حديث محمد ابن الحنفية عن علي بلفظ قال أي علي يا رسول الله أرأيت أن ولد لي بعدك اسميه محمدا وأكنيه بكنيتك قال نعم ويروى أنه ﵊ قال لعلي سيولد لك بعدي غلام وقد نحلته اسمي وكنيتي ولا يحل لأحد من أمتي بعده (وقد أخبر ﵊ أنّ ذلك) أي مجموع محمد وأبي القاسم (اسم المهديّ) من أهل بيته في آخر الزمان (وكنيته) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما عن ابن مسعود بلفظ المهدي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه واسم أبي ولم يعرف من زاد الكنية في روايته (وقد سمّى به) أي باسمه محمد (النبيّ ﵊ محمد بن طلحة) بن عبيد الله التميمي على ما تقدم قيل وكناه بكنيته وقد مسح رأسه وهو المعروف بالسجاد أمه حمنة بنت جحش أخت زينب قتل يوم الجمل مع أبيه سنة ست وثلاثين وكان هواه فيما ذكر مع علي بن أبي طالب وكان علي قد نهى عن قتله في ذلك اليوم وقال إياكم وصاحب البرنس ويروى أن عليا مر به وهو قتيل يوم الجمل فقال هذا السجاد ورب الكعبة هذا الذي قتله بره بأبيه يعني أن أباه أكرهه على الخروج في ذلك اليوم (ومحمد بن عمرو بن حزم) الأنصاري النجاري ولد سنة ست عشر بنجران وقيل بالحرة وكان فقيها قتل يوم الحرة سنة ثلاث وستين من الهجرة (ومحمد بن ثابت بن قيس) بن شماس الأنصاري الخزرجي المدني أتى به أبوه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تعالى فسماه محمدا وحنكه بريقه قتل يوم الحرة (وغير واحد) أي وكثيرا منهم سماه ﵊ محمدا كمحمد بن خليفة قال الذهبي وكان اسمه عبد مناف ومحمد بن نبيط بن جابر ولد في زمنه صلى الله تعالى عليه وسلم هلال بن العلاء (وقال) أي النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا ضَرَّ أَحَدَكُمْ أَنْ يَكُونَ في بيته محمّد ومحمّدان) وفي نسخة صحيحة وثلاثة (وقد فصّلت الكلام) أي فيما بينت فيه المرام (في هذا القسم) أي الرابع من الكتاب (عَلَى بَابَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ) .
[ ٢ / ٣٩٠ ]
الْبَابُ الْأَوَّلُ (فِي بَيَانِ مَا هُوَ فِي حقّه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبٌّ أَوْ نَقْصٌ مِنْ تَعْرِيضٍ أو نصّ)
أي تلويح أو تصريح من شتم أو ذم (اعلم) وفي نسخة فاعلم (وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ سَبَّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي شتمه (أو عابه) أي ذمه (أو ألحق به نقصا في نفسه) أي ذاته أو صفاته (أو نسبه) بفتحتين (أو دينه) أي شريعته وسيرته وحكوماته (أو خصلة من خصاله) أي حالة من حالاته أو كلمة من مقالاته سواء صرح به (أو عرض به) بتشديد الراء أي لوح فيه (أَوْ شَبَّهَهُ بِشَيْءٍ عَلَى طَرِيقِ السَّبِّ لَهُ أو الإزراء عليه) أي احتقارا به واستخفافا بحقه (أو التّصغير لشأنه) أي الاحتقار لعظيم قدره (أو الغضّ منه) أي الخفض والنقص من أمره (والعيب له) في حكمه (فهو) بكل واحد مما ذكر (سَابٌّ لَهُ وَالْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ السَّابِّ يُقْتَلُ) أي إجمالا (كما نبيّنه) تفصيلا (وَلَا نَسْتَثْنِي فَصْلًا مِنْ فُصُولِ هَذَا الْبَابِ) أي نوعا من أنواع كلام الساب (على هذا المقصد) بكسر الصاد أي الذي قصدناه من صوب الصواب (ولا نمتري فيه) أي ولا نشك في قتل هذا الساب (تصريحا كان أو تلويحا) في هذا الباب إذ يستويان في الحكم عند أولي الألباب (وكذلك) بالطريق الأولى (من لعنه أو دعا عليه ﵇ أو تمنّى مضرّة له) كانت تحصل لديه (أَوْ نَسَبَ إِلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ) بكسر الصاد أي بمقامه الشريف ومكانه المنيف (على طريق الذّمّ) لعله احتراز من الخطأ أو السهو (أو عبث) بفتح العين المهملة وكسر الموحدة أي لعب ومزح أي خلط (في جهته العزيزة) أي جانبه الكريم وهو بزايين وفي نسخة بغين معجمة وراء ثم زاء الطبيعة (بسخف) بضم السين وسكون المعجمة أي برقة قبيحة (من الكلام وهجر) بضم فسكون أي فحش في المنطق (ومنكر من القول) أي تنكره الشريعة (وزور) أي كذب وافتراء أمر منحرف عن الحق (أو عيّره) بعين مهملة وتحتية مشددة أي عابه (بِشَيْءٍ مِمَّا جَرَى مِنَ الْبَلَاءِ وَالْمِحْنَةِ عَلَيْهِ) كالفقر والكسر وغيرهما (أو غمصه) بغين معجمة وصاد مهملة أي حقره (ببعض العوارض البشريّة الجائزة) جريانها (عليه المعهودة لديه) كالجوع والإغماء ونحوهما (وهذا) الذي ذكرناه (كلّه إجماع من العلماء) من المفسرين والمحدثين (وأئمّة الفتوى) من المجتهدين (من لدن الصّحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين إلى هلمّ جرّا) أي إلى يومنا وهلم جرا كما في نسخة وهو من الجر بمعنى السحب والمعنى استمر الإجماع واتصل من عصرهم إلى الآن وكذا إلى ما بعده من الزمان وانتصب جرا على المصدر والحال أو التمييز، (قال) القاضي (أبو بكر بن
[ ٢ / ٣٩١ ]
المنذر) محمد بن إبراهيم النيسابوري (أجمع عوّام أهل العلم) أي كلهم (عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم يقتل) صونا لقدره وتعظيما لأمره ونعم ما قيل من المبنى في هذه المعنى:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم
(وممّن قال ذلك) أي القتل بسبه (مالك بن أنس) إمام المذهب (واللّيث) أي ابن سعد (وأحمد) أي ابن حنبل (وإسحاق) أي ابن راهويه (وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ ﵀) تعالى يعني المنصف (وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ المذكورين) من العلماء، (وبمثله) أي بمثل قول من ذكر بقتل من سبه لا بعدم قبول توبته كما وهم الدلجي إذ يرده قول المنصف لكنهم قالوا هي ردة (قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى) أي نصا منه (وأصحابه) وافقوا معه فيه (والثّوريّ) أي سفيان بن سعد (وأهل الكوفة) أي جميعهم (والأوزاعي) وهو إمام جليل أخذ عنه مالك والثوري (في المسلمين) وفي نسخة في المسلم احترازا ممن وقع له سب وهو من المعاهدين لاختلاف فيه على ما تقدم (لكنّهم قالوا) أي العلماء المتأخرون من أبي حنيفة ومن بعده في الذكر وإن كانوا هم المتقدمين في الرتبة والعمر (هي) أي سبه وأنثه باعتبار خبره وهي (ردّة) أي ارتداد وسيجيء بيان حكم المرتد من أنه يستتاب فإن أبى يقتل على الجواب الصواب (وروى مثله) أي مثل قول هؤلاء أنه ردة (الوليد بن مسلم) أحد الأعلام من أهل الشام مات سنة خمس وتسعين وروى ابن أبي مسلم والأول أصح (عن مالك) الإمام فيكون عنه روايتان (وحكى الطّبريّ مثله) أي مثل القول بأنه ردة (عن أبي حنيفة وأصحابه فيمن تنقّصه) بشيء ينقصه (صلى الله تعالى عليه وسلم أو برىء منه) أي تبرأ منه بأن قطع مودته ومحبته ﵊ (أو كذّبه) في قول من أقواله (وَقَالَ سُحْنُونٌ فِيمَنْ سَبَّهُ ذَلِكَ رِدَّةٌ كَالزَّنْدَقَةِ) من الثنوية القائلين بتناسخ الأرواح ودوام الدهر والأشباح ذكره الدلجي تبعا للجوهري في صحاحه أن الزنديق من الثنوية وهو معرب والجمع الزنادقة وقد تزندق والاسم الزندقة انتهى وقال ابن قرقول الزنادقة من لا تعتقد ملة من الملل المعروفة ثم استعمل في كل من عطل الأديان وأنكر الشرائع وفيمن أظهر الإسلام وأسر غيره وقال الرافعي هو الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر والأصح عند الشافعية أنه الذي لا ينتحل دينا وقيل هو المباحي الذي لا يتدين بدين ولا ينتمي إلى شريعة ولا يؤمن بالبعث والنشور والزندقة بالفتح عقيدته (وعلى هذا) أي القول بكونه ردة مطلقة كالزندقة (وقع الخلاف في استتابته وتكفيره) أي خروجه من الإسلام إلى كفره لأنه لم يعرف له دين في أمره فلا يستتاب لعدم الاعتماد على تغيره (وهل قتله) أي بعد توبته (حدّ) أي سياسة (أو كفر) حقيقة (كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِي الْبَابِ الثَّانِي إِنْ شَاءَ الله تعالى) والحاصل أن الخلاف محصور فيما ذكرنا، (وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي اسْتِبَاحَةِ دَمِهِ بَيْنَ علماء
[ ٢ / ٣٩٢ ]
الأمصار وسلف الأئمة) من صلحاء الكبار (وقد ذكر غير واحد) أي كثير من الأخيار (الْإِجْمَاعَ عَلَى قَتْلِهِ وَتَكْفِيرِهِ وَأَشَارَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ وهو أبو محمد عليّ بن أحمد) أي ابن سعيد بن حزم اليزيدي القرطبي الظاهري (الفارسيّ) الأصل مات سنة سبع وخمسين وأربعمائة صاحب التصانيف وله كتاب نوادر الأخبار ويسمى بنقط العروس وكان شافعيا ثم صار مجتهدا ظاهريا وصنف كتبا كثيرة (إلى الخلاف في تكفير المستخف به) ولعله محمول على عدم تعمده (والمعروف ما قدّمناه) من تكفيره وقتله (قال محمد بن سحنون أجمع العلماء) أي علماء الأعصار في جميع الأمصار (على أنّ شاتم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم المتنقّص له) صفة كاشفة وكان الأولى أن يؤتى بعاطفة (كافر والوعيد جار عليه بعذاب الله تعالى له) في الدارين (وحكمه) في الدنيا (عند الأمّة) أي جميع الأئمة (القتل ومن شك في كفره) في الدنيا (وعذابه) في العقبى (كفر) ولحق به وفي نسخة فقد كَفَرَ؛ (وَاحْتَجَّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ الفقيه) بالرفع نعت لإبراهيم والمعنى استدل (في مثل هذا) أي تنقصه ﵊ (بقتل خالد بن الوليد) أي ابن المغيرة (مالك) بالنصب على أنه مفعول قتل (ابن نويرة) بضم النون وفتح الواو وسكون التحتية وفتح الراء على أنه تصغير نار أو نورة وهو التميمي اليربوعي كان فارسا شاعرا مطاعا في قومه قدم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأسلم واستعمله ﵊ على صدقات قومه بني يربوع (لقوله) أي لأجل قول ابن نويرة وفي نسخة بقوله أي بسبب نقله (عن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم صاحبكم) وسبب ذلك أنه منع الزكاة زمن أبي بكر رضي الله تعالى عنه فأرسل إليه خالد بن الوليد في منع الزكاة فقال مالك أنا آتي بالصلاة دون الزكاة فقال خالد أما علمت أن الصلاة والزكاة لا تقبل واحدة دون الأخرة فقال مالك قد كان صاحبكم يقول ذلك فقال خالد وما تراه لك صاحبا والله لقد هممت أن أضرب عنقك ثم تجادلا في الكلام فقال خالد إني قاتلك قال أو بذلك أمرك صاحبك قال وهذه بعد تلك وكان عبد الله بن عمر وأبو قتادة الأنصاري حاضرين فكلما خالدا في أمره فكره كلامهما فقال مالك يا خالد ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا فقال خالد لا أقالني الله إن أقلتك فأمر ضرار بن الأزور بضرب عنقه فالتفت مالك إلى زوجته وكانت في غاية من الجمال فقال لخالد هذه هي التي قتلتني فقال خالد بل الله قتلك برجوعك عن الاسلام فقال مالك انا على الاسلام فقال خالد يا ضرار اضرب عنقه فضرب عنقه وجعل رأسه أثفية لقدره وقبض خالد امرأته قيل إنه اشتراها من الفيء وتزوجها وقيل إنها اعتدت بثلاث حيض وتزوج بها وقال ابن عمر وأبي قتادة احضر النكاح فأبيا وقال له ابن عمر نكتب إلى أبي بكر ونعلمه بأمرها وتتزوج بها فأبى وتزوجها ولما بلغ ذلك أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما قال عمر لأبي بكر أن خالدا قد زنى فارجمه قال ما كنت ارجمه أنه تأول فأخطأ قال فإنه قد قتل مسلما فاقتله قال ما كنت اقتله أنه تأول قال فأعز له قال ما كنت أعمد سيفا سله الله تعالى على المشركين وفي رواية لا أعزل واليا ولاه رسول الله صلى الله
[ ٢ / ٣٩٣ ]
تعالى عليه وسلم وقد رثاه أخوه متمم بن نويرة بمراثي كثيرة وكان أعور ويبكي عليه حتى تبكي عينه العوراء وقد يكون قتله خالد بن الوليد مع أهل الردة حين قتل مسيلمة وغيره وقد اختلف في مالك هذا فقيل إنه قتل مسلما بسبب كلام سمعه خالد منه ويظن ظنه به وأنكر عليه أبو قتادة قتله وخالفه في ذلك وأقسم أنه لا يقاتل تحت رايته أبدا وقيل بل قتل كافرا وفي الروض للسهيلي أن مالك بن نويرة ارتد ثم رجع إلى الإسلام ولم يظهر ذلك لخالد في مقام الأحكام وشهد عنده رجلان من الصحابة برجوعه إلى الإسلام فلم يقبلهما انتهى ما ذكره التلمساني عن الحلبي والقضية غير صافية عما يرد عليه من بعض الإشكال والله تعالى أعلم بالأحوال فلا يصح احتجاج الفقيه بهذا مع وجود الاحتمال، (قال أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفَ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ إِذَا كَانَ مسلما) أي بخلاف ما إذا كان كافرا؛ (وقال ابن القاسم) المصري صاحب مالك (عن مالك في كتاب ابن سحنون) بالانصراف وعدمه (والمبسوط) أي وفيه وهو كتاب للمالكية (وفي العتبيّة) بضم فسكون فكسر فتشديد وهو كتاب آخر لهم (وحكاه) أي ما قاله ابن القاسم عن مالك (مطرّف عن) خاله (مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ مَنْ سَبَّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم من المسلمين قتل) أي حدا قولا واحدا (ولم يستتب) وهذا عندهم في قواعد المذهب؛ (وقال ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَنْ سَبَّهُ أَوْ شتمه أو عابه أو تنقصّه) أي احتقره (فإنّه يقتل) أي ولم يستتب (وحكمه عند الأئمّة) أي الجماعة الأئمة من المالكية (القتل كالزّنديق) عندهم من غير الاستتابة (وقد فرض الله تعالى له) علينا (توقيره وبرّه) أي طاعته لدينا كما قال تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ (وفي المبسوط عن عثمان بن كنانة) بكسر الكاف مات سنة ست وثمانين ومائة بعد وفات مالك بسنتين (من شتم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم من المسلمين قتل) أي ذبحا (أو صلب حيّا) أي وطعن أو ترك إلى أن يصير ميتا (ولم يستتب) أي ولم تقبل توبته على ما هو عندهم من المذهب، (وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي صَلْبِهِ حَيًّا أَوْ قَتْلِهِ) أي لا مرتب في حكمه، (ومن رواية أبي المصعب) بضم الميم وفتح العين وهو الزهري العوفي قاضي المدينة وعالمها سمع مالكا وغيره وعنه أصحاب الكتب الستة إلا النسائي فإنه بالواسطة (وابن أبي أويس) بفتح فسكون وهو ابن أخت مالك قالا (سَمِعْنَا مَالِكًا يَقُولُ: مَنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ شَتَمَهُ أَوْ عَابَهُ أَوْ تَنَقَّصَهُ قُتِلَ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا وَلَا يستتاب) لأن حده القتل وإن تاب فهذه الرواية مطلقة بخلاف ما سبق من الروايات حيث كانت بالمسلمين مقيدة، (وفي كتاب محمد) أي ابن إبراهيم بن المواز (أنا) أي أخبرنا كما في نسخة (أصحاب مالك أنه) أي مالكا (قال: من سبّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ مسلم أو كافر قتل ولم يستتب) قال الدلجي بشهادة حديث من وقعة كعب بن الأشرف فإنه قد آذىّ الله ورسوله فقتله جماعة بإذنه ﵊ فيحتاج من قال لا يقتل الكافر بسبه إلى الجواب عن هذا الحديث انتهى ولعل الجواب أن الكلام في الذمي لا الحربي والله تعالى
[ ٢ / ٣٩٤ ]
اعلم بالصواب على أنه ليس فيه دلالة على أنه لم تقبل توبته إذا تاب؛ (وقال أصبغ) بفتح الهمزة والموحدة وآخره معجمة وهو ابن الفرج الفقيه المصري (يقتل) أي من سب نبينا (على كلّ حال أسرّ ذلك) أي أخفاه وثبت عليه بالبينة (أو أظهره) بإقراره (ولا يستتاب) أي لا تعرض عليه التوبة إذ لا تقبل توبته في الدنيا (لأنّ توبته لا تعرف) أي صحتها باطنا وفيه أنا نحكم بالظاهر والله تعالى اعلم بالضمائر كما في حق الكافر والفاجر، (وقال عبد الله بن عبد الحكم) فقيه المالكية بمصر يروي عن مالك والليث وثقه أبو زرعة (من سبّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من مسلم أو كافر) أي ولو ذميا وفيه خلاف (قتل ولم يستتب) أي كالزنديق عندهم (وحكى الطّبريّ مثله عن أشهب) أي ابن عبد العزيز المصري (عن مالك) صاحب المذهب؛ (وروى ابن وهب) وهو عبد الله المصري (عن مالك) وهو الإمام (مَنْ قَالَ إِنَّ رِدَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي مثلا وكذا حكم ازاره وسائر دثاره وشعاره وأعضائه وأبشاره (ويروى) أي بدل أن رداء (أن زرّ النبيّ) صلى الله تعالى عليه وسلم وهو وبكسر الزاء وتشديد الراء ما يشد به أطراف الحبيب (وسخّ) أي كان وسخا بفتح فكسر أي دنسا (أراد به عيبه قتل) أي نقصه وطعنه لا بيان الواقع في نفس أمره إذ ثبت في الشمائل أنه ﵊ كان يكثر القناع حتى كان ثوبه ثوب زيات وأنه خطب الناس وعليه عصابة دسماء أي ملطخة بدسمومة شعره أو عرقه والدسماء في الأصل الوسخة وهي ضد النظيفة، (وقال بعض علمائنا) أي المالكية (أجمع العلماء) لعل المراد علماء المالكية فكان حقه أن يقول اتفق الْعُلَمَاءُ (عَلَى أَنَّ مَنْ دَعَا عَلَى نَبِيٍّ من الأنبياء بالويل) أي الهلاك أو العذاب ونحوه (أو بشيء من المكروه) في حقه (أنّه يقتل بلا استتابة) أي من غير مطالبة بتوبة ولا التفات إلى قبولها (وأفتى أبو الحسن القابسيّ) بكسر الموحدة وهو المعافري القروي الحافظ (فيمن قال في النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم الجمّال) أي أنه الجمال بفتح الجيم وتشديد الميم وفي نسخة بالحاء المهملمة (يتيم أبي طالب بالقتل لظهور استهانته) واستحقاره، (بذلك) أي بكونه يتيما بقرينة الجمال هنالك وإلا فهو في نفس الأمر كذلك وقد قال تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى أي قد وجدك ولعل الجمع بين الوصفين مطابق للواقع في السؤال وإلا فكل واحد منهما يكفي في تكفير صاحب المقال (وأفتى أبو محمد بن أبي زيد) أي القيرواني (بقتل رجل سمع قوما) أي جمعا (يتذاكرون صفة النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ مَرَّ بِهِمْ رَجُلٌ قَبِيحُ الوجه واللّحية فقال لهم) أي الذي أفتى ابن أبي زيد بقتله (تريدون تعرفون صفته) أي أتريدون أن تعرفوا صفة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (هي) أي صفته (صفة هذا المارّ) وفي نسخة هِيَ فِي صِفَةِ هَذَا الْمَارِّ (فِي خَلْقِهِ) أي خلقته في طلعته (ولجبته قال) أي ابن أبي زيد (ولا تقبل توبته) أي وإن تاب (وقد كذب لعنه الله) فإن شمائله معروفة بالحسن والجمال ونهاية الكمال وغاية الاعتدال في الأحوال (وليس يخرج) أي ولا يظهر ما قاله هذا القائل بالبهتان (مِنْ قَلْبٍ سَلِيمِ الْإِيمَانِ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ صَاحِبُ سُحْنُونٍ مَنْ قَالَ إِنَّ
[ ٢ / ٣٩٥ ]
النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كان أسود، يقتل) لأنه ﵊ كان أبيض كأنما صيغ من فضة على ما رواه الترمذي في الشمائل عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وفي رواية مسلم والترمذي عن أبي الطفيل كان ابيض مليحا مقصدا وفي رواية البيهقي عن علي كان بياضه مشربا بحمرة وفي رواية الشيخين عن البراء كان أحسن الناس وجها وفي رواية مسلم عن أنس كان أزهر اللون هذا ولم يكن تكفير هذا القائل بكذبه إذا كان جاهلا بأمره وإنما يكفر بقصده استحقاره، (وقال) أي ابن أبي سليمان (في رجل قيل له) أي ردا لما قاله (لَا وَحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ؛ فَقَالَ فَعَلَ اللَّهُ بِرَسُولِ اللَّهِ كَذَا وَكَذَا وَذَكَرَ كَلَامًا قَبِيحًا) أي لا ينبغي أن يذكر صريحا (فقيل له) إنكارا عليه (ما تقول يا عدوّ الله في حق رسول الله فقال أشدّ) أي كلاما أقبح (مِنْ كَلَامِهِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَرَدْتُ برسول الله العقرب) فإنه أرسل من عند الحق وسلط على الخلق تأويلا للرسالة العرفية بالإرادة اللغوية وهو مردود عند القواعد الشرعية (فقال ابن أبي سليمان للّذي سأله) أي استفتاه (اشهد عليه) أي اثبت الأمر لديه (وأنا شريكك) أي في الأجر المنسوب إليه؛ (يريد) أي ابن أبي سليمان مشاركته (في قتله وثواب ذلك) وأجر ما يترتب على ما هنالك. (قال حبيب بن الرّبيع) أي ابن يحيى بن حبيب القروي (لأنّ ادّعاء التّأويل في لفظ صراح) بضم أوله ويكسر مبالغة صريح كعجاب وعجيب ومعناه خالص لا لبس فيه ولا قرينة تنافيه فيكون دعوى مجردة خالية عن علامة (لا يقبل) أي ادعاؤه (لأنّه امتهان) أي احتقار له صلى الله تعالى عليه وسلم (وهو) أي والحال أن صاحب هذا القال (غير معزّر) بكسر الزاء قبل الراء أي غير مبجل (لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا موقّر له) أي ولا معظم لشأنه حيث غير وصفه الخاص به وأراد به حيوانا استحق مهانة (فوجب إباحة دمه) لتقصيره في توقيره وقد قال تعالى لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ؛ (وأفتى أبو عبد الله بن عتّاب) بتشديد الفوقية (في عشّار) أي مكاس في ظلم الناس (قال لرجل أدّ) بفتح همزة وتشديد دال مهملة مكسورة أمر من التأدية أي أعط (المكس واشك) بضم الكاف ويكسر أي وأظهر الشكوى (إلى النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بأني أخذت منك والمعنى أني ما أبالي بإطلاعه على ذلك وكان العشار جار على ذلك الرجل في أخذ المكس فتضرر الرجل وقال اشكوك إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له ما قال (وقال) أي العشار أيضا بعد ذلك (إن سألت) أي طلبت المال (أو جهلت) بعض الحال (فقد جهل) أي النبي أيضا (وسأل النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي من الله ما لم يعلم (بالقتل) متعلق بأفتى أي بقتله للكلام الذي صدر عنه من كمال جهله ويؤيده أنه روي عن مالك بن عتاهية قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول إذا لقيتم عشارا فاقتلوه لأن الغالب عليهم أن يستحلوه ويقدموا أمر ملكهم على حكم نبيهم (وأفتى فقهاء الأندلس) بفتح الهمزة وضمها وفتح الدال وضم اللام (بقتل ابن حاتم المتفقّة الطّليطليّ) بضم الطاءين المهملتين وفتح اللام الأولى وسكون التحتية وكسر اللام الثانية بعدها ياء النسبة (وصلبه)
[ ٢ / ٣٩٦ ]
بفتح الصاد أي بجعله على جذع مع مد باعه (بما شهد عليه) بصيغة المجهول (بِهِ مِنَ اسْتِخْفَافِهِ بِحَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) ولعل تفسير قوله (وتسميته إيّاه أثناء مناظرته) أي في خلال مجادلته في علم الكلام ومباحثته (باليتيم) احتقارا له (وختن حيدرة) بفتحتين أي أبي فاطمة زوج علي فإن حيدرة بدال مهملة لقب علي كرم الله تعالى وجهه وهو اسم الاسد في أصله وكان اسم علي قبل ذلك أسدا سمته أمه فاطمة بنت أسد باسم أبيها في أول ولادته وأبوه غائب فلما قدم من غيبته سماه عليا إيماء إلى رفعته وقيل حيدرة لقب له لحدارته وشدة حرارته وفي صحيح مسلم من إنشاد علي حين بارز مرحبا يوم خيبر أنا الذي سمتني أمي حيدره (وزعمه) أي ظن ابن حاتم ووهمه (أنّ زهده لم يكن قصدا) أي اختيارا بل كان عجزا واضطرارا (ولو قدر) بفتح الدال ويكسر أي لو تمكن (على الطّيّبات أكلها) وهذا جهل منه بحاله ﵊ وبكماله في هذا المقام حيث خير بين أن يكون نبيا ملكا وبين أن يكون نبيا عبدا فاختار الفقر وقال أجوع يوما فأصبر وأشبع يوما فأشكر ليكون مظهرا لنعت الجلال ووصف الجمال على أن اختيار الله لعبده خير من اختيار العبد لنفسه وقد أكل الطيبات بلا شبهة كما يشير إليه قوله تعالى يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وإنما أراد الملعون الطعن في زهده والقدح في فقره مع أنه محل فخره تواضعا لربه وانكسارا في أمره (إلى أشباه لهذا) الاستخفاف والاستحقار في حقه مما يكفي أمر واحد منها في تكفيره وقتله، (وأفتى فقهاء القيروان) بفتح القاف والراء بلد معروف ومنهم أبو زيد (وأصحاب سحنون) بفتح السين وتضم ويصرف ولا يصرف (بقتل إبراهيم الفزاريّ) بفتح الفاء والزاء (وكان شاعرا متفنّنا) أي ماهرا (في كثير من العلوم) أدبية وعقلية لا شرعية ونقلية ولذا وقع في بلية جلية (وَكَانَ مِمَّنْ يَحْضُرُ مَجْلِسَ الْقَاضِي أَبِي الْعَبَّاسِ بن طالب للمناظرة) في العلوم والمباحثة (فرفعت) أي أثبتت (عليه أمور منكرة من هذا الباب) أي باب الاستخفاف بعلي الجناب (في الاستهزاء بالله) أي بكتابه وانبائه (وأنبيائه) في مقام إيحائه (ونبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم) من عظمائه (فأحضر له) أي لأجل إبراهيم الفزاري (القاضي) وهو أبو العباس المذكور (يحيى ابن عمر وغيره) بالنصب على المفعولية (من الفقهاء وأمر) أي أبو العباس (بقتله وصلبه فطعن) بصيغة المجهول أي فضرب في بطنه (بالسّكّين) حتى هلك (وصلب منكّسا) رأسه لأسفل مدة (ثمّ أنزل) من صلبه (وأحرق بالنّار) في الدنيا قبل عذاب العقبى لزيادة السياسة، (وحكى بعض المؤرّخين أنه) أي إبراهيم الفزاري المصلوب بعد قتله (لمّا رفعت خشبته) التي صلب عليها (وزالت عنها الأيدي) الممدودة إليها (استدارت) أي الخشبة (وحوّله عن القبلة) أي عن جهة الكعبة إلى غيرها (فكان) تحويلها له عنها (آية للجميع) من الحاضرين (وكبّر النّاس) عليه من الأولين والآخرين؛ (وجاء كلب) في عقبة (فولغ) بفتح اللام وتكسر (في دمه) أي شرب بلسانه منه لعظم جرمه (فقال) أي القاضي (يَحْيَى بْنُ عُمَرَ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم وذكر حديثا عنه ﵊ أَنَّهُ قَالَ لَا يَلِغُ الْكَلْبُ فِي
[ ٢ / ٣٩٧ ]
دم مسلم) قال الحلبي يقال ولغ الكلب والسبع بفتح اللام في الماضي وبكسرها والظاهر أن اللام في المضارع مفتوحة في اللغتين انتهى وفي القاموس ولغ الكلب في الإناء وفي الشراب ومنه وبه يلغ كيهب وولغ كورث ووجل شرب ما فيه بأطراف لسانه انتهى ولا يخفى أنه إذا كان من باب ورث يقع مضارعه بكسر اللام كيرث فيجوز الوجهان والله تعالى أعلم هذا وقال الدلجي الحديث لا أعلم من رواه والظاهر أنه لا أصل له مع ما فيه من ركاكة التركيب انتهى ولا يخفى أنه لا ركاكة فيه من جهة المبنى لأن الولوغ يتعدى بفي ومن والباء على ما تقدم وأما من جهة المعنى فلعله استدل بثبوته على وقوعه في قضيته كما حكي عن العارف بالله محيي الدين بن عربي ﵀ أنه قال بلغني عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه من قال لا إله إلا الله سبعين ألف مرة غفر له وكنت ذكرت هذا العدد وما عينته لأحد حتى اجتمعت في ضيافة مع شاب مشتهر بالمكاشفة فبكا أثناء أكله فسألته عن حاله فقال أرى أمي وأبي يعذبان فقلت في نفسي وهبت ثواب التهليل الجليل ليمت هذا الرجل الجميل فضحك فسألته فقال ارتفع عنهما العذاب فعرفت صحة الحديث بكشفه وصحة كشفه بثبوت الحديث وأصله (وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُرَابِطِ) بصيغة الفاعل وهو محمد بن خلف بن سعيد ابن وهب مات بعد الثمانين وأربعمائة (من قال إنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم هزم) بصيغة المجهول (يستتاب) يطلب منه رجعته (فإن تاب قبلت توبته وإلّا) أي وإن لم يتب (قتل) لما اقتضته ردته (لأنّه) أي قوله هزم (تنقّص) في مرتبته (إذ لا يجوز ذلك) أي وقوع هزيمته (عليه في خاصّته) أي خاصة نفسه كما في نسخة (﵊) لبراءة ساحته من الهزيمة عن مقام طاعته (إِذْ هُوَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ وَيَقِينٍ من عصمته) ففي حديث مسلم عن أبي إسحاق قال رجل للبراء بن عازب يا أبا عمارة فررتم يوم حنين قال لا والله ما ولي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولكنه خرج شبان أصحابه وأحفادهم وهم حسر ليس عليهم سلاح أو سلاح كثير فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم فأقبلوا هناك إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على بغلته البيضاء الحديث وكذا رواه البخاري وزاد عن أبي إسحاق قال البراء كنا إذا أحمر البأس نتقي به وأن الشجاع منا للذي يحاذيه أن يقابله ﵊ وكذا روي عن علي كرم الله تعالى وجهه وأما خروجه ﵊ من البلد الحرام فإنما كان بأمر الله سبحانه بالهجرة إلى دار السلام بل قيل أنه فرض عليه الجهاد ولو لم يوافقه أحد من العباد في البلاد كما يشير إليه قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ والله ﷾ اعلم بالاسرار قال الحلبي وإذا كان قوله هزم تنقصا فينبغي أن يقتل حدا عندهم وإن تاب لأن هذا هو المعروف من مذهبهم ولعل هذا اختيار لابن المرابط، (وقال حبيب بن ربيع القرويّ) بفتح القاف والراء نسبة إلى القرية أو إلى القيروان على غير قياس (مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ مَنْ قَالَ فِيهِ أي في حقه ﵊ ما فيه نقص) أي قدح وطعن (قُتِلَ دُونَ اسْتِتَابَةٍ؛ وَقَالَ ابْنُ عَتَّابٍ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مُوجِبَانِ أَنَّ مَنْ قَصَدَ
[ ٢ / ٣٩٨ ]
النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بأذى أو نقص معرضا) أي ملوحا (أو مصرحا وإن قلّ) الأذى وإن كثر بالأولى (فقتله واجب، فهذا الباب) أي باب ما يؤذي ذلك الجناب (كلّه ممّا عدّه العلماء سبّا) أي شتما وطعنا (ونقصا) أي قدحا وفي نسخة أو تنقصا أي إظهار نقص في كماله (يَجِبُ قَتْلُ قَائِلِهِ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ متقدّمهم ولا متأخّرهم) أي من المالكية (وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ قَتْلِهِ عَلَى مَا أشرنا إليه) أنه هل يستفاد أو لا وهل إذا تاب يترك أو يقتل حدا أو لا يستتاب ويقتل كالزندق والله تعالى ولي التوفيق (ونبيّنه بعد) أي ننظر تفصيله بعد ذلك على وجه التحقيق ثم اعلم أن فصل الخطاب في هذا الباب أن هذا كله إذا صدر عنه تعمدا ولو هزلا بخلاف ما إذا جرى على لسانه سهوا أو خطأ أو إكراها لقوله ﵊ رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وقد صرح قاضيخان من ائمتنا في فتاواه بأن الخاطئ إذا جرى على لسانه كلمة الكفر خطأ لم يكن ذلك كفرا عند الكل بخلاف الهازل لأنه يقول قصدا انتهى ثم إنه لا يعذر بالجهل عند عامة أهل العلم خلافا لبعضهم ثم اعلم أن المرتد يعرض عليه الإسلام عند علمائنا الإعلام على سبيل الندب دون الوجوب لأن الدعوة بلغته وهو قول مالك والشافعي وأحمد ويكشف عن شبهته فإن طلب أن يمهل في مدته حبس ثلاثة أيام لأنها مدة ضربت لأجل الأعذار فإن تاب قبل وإلا قتل وفي النوادر عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لا يستحب أي يمهل ثلاثة أيام طلب ذلك أو لم يطلب وفي أصح قولي الشافعي أنه يستتاب في الحال وإلا قتل وهو اختيار ابن المنذر وقال الثوري يستتاب ما يرجى عوده وفي المبسوط من كتب مذهبنا أنه إن ارتد ثانيا وثالثا فكذلك يستتاب وهو قول أكثر أهل العلم ويشير إليه قوله تعالى وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إلى أن قال وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا ويدل عليه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة فإن الحكم في المعصية الصغرى والكبرى واحد فقد قال ﵊ التائب من الذنب كمن لا ذنب له وقال مالك وأحمد لا يستتاب من تكرر منه كالزنديق ولعلهم تعلقوا بظاهر قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وأوله المحققون بكونهم لا يتوبون أو بكون توبتهم لا تكون إلا نفاقا لا لارتدادهم وزيادة كفرهم ولذلك لم يدخل الفاء في لن تقبل توبتهم فإن المبتدأ لا يكون سببا للخبر بل النفاق سبب له وقيل لن تقبل توبتهم إذا أشرفوا على الموت ففيه الحث على التوبة قبل الفوت وقيل نزل فيمن مات منهم كافرا كما بينه بعده بقوله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ الآية أو الآية السابقة مختصة بالزنديق والله ولي التوفيق ثم لنا في الزنديق روايتان رواية لا تقبل توبته كقول مالك وفي رواية تقبل وهو قول الشافعي وهذا في حق أحكام الدنيا وأما فيما بينه وبين الله تعالى فتقبل بلا خلاف وعن أبي يوسف إذا تكرر منه الارتداد يقتل من غير عرض الإسلام عليه لاستخفافه بالدين الواجب إكرامه إليه (وكذلك أقول حكم من غمصه) أي عابه (أو عيّره) بتشديد الياء أي احتقره (برعاية الغنم) أي برعيها بالأجرة وسيأتي
[ ٢ / ٣٩٩ ]
تفصيل هذه القصة (أو السّهو أو النّسيان) مع أنهما ثابتان عنه إلا أنه إنما يكفر لأجل التعيير وسبب التحقير (أو السّحر) أي بالسحر وهو ظاهر في الكفر أو (ما أصابه) أي وبما نابه (من جرح) بضم الجيم ويفتح أي جراحة مع أنه ﵊ كسرت رباعيته وشج وجهه فكفر القائل إنما هو لتعييره به وتنقيصه بسببه وكذا قوله (أو هزيمة لبعض جيوشه) فإنه هزم بعض أصحابه في أحد وحنين (أَوْ أَذًى مِنْ عَدُوِّهِ أَوْ شِدَّةٍ مِنْ زمنه) أي على وجه التعيير به (أو بالميل إلى نسائه) ففي العالم في قوله تعالى أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ قال ابن عباس والحسن ومجاهد جماعة المراد بالناس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وحده حسدوه على ما أحل الله له من النساء وقالوا ما له هم إلا النكاح قاله تعالى:
فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا كداود وسليمان فإنه كان لسليمان ألف امرأة ثلاثمائة مهرية وسبعمائة سرية وكان لداود ﵇ مائة امرأة ولم يكن يومئذ لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا تسع نسوة انتهى وقد صرح بعض علمائنا أن من تزوج أربعا وتسرى ألفا وعيره أحد وذمه به يكفر لأنه بمنزلة تحريم ما أحل الله ﷾ (فَحُكْمُ هَذَا كُلِّهِ لِمَنْ قَصَدَ بِهِ نَقْصَهُ الْقَتْلُ وَقَدْ مَضَى مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي ذلك) أي من اختلافهم هنالك هل يستتاب أم لا (ويأتي ما يدلّ عليه) من الجواب على وجه الصواب.
فصل (فِي الْحُجَّةِ فِي إِيجَابِ قَتْلِ مَنْ سَبَّهُ أو عابه صلى الله تعالى عليه وسلم)
من الكتاب والسنة وإجماع الأمة (فمن القرآن لعنه تعالى) أي لعن الله كما في نسخة (لمؤذيه) أي لمؤذي نبيه (في الدّنيا والآخرة) ظرف لعنه (وقرانه تعالى) أي وجمعه سبحانه (أذاه) أي أذى رسول (بأذاه) أي بأذى نفسه (وَلَا خِلَافَ فِي قَتْلِ مَنْ سَبَّ اللَّهَ) أي عمدا من غير خطأ واكراه وإنما الخلاف في أنه هل يستتاب أم لا (وأنّ اللّعن) أي الطرد الكلي من رحمة الله تعالى (إنّما يستوجبه من هو كافر) وأما ما ورد من لعن أصحاب الكبائر وأرباب الصغائر كقوله ﵊ لعن الله آكل الربا ونحوه ولعن الله المحلل والمحلل له وأمثاله فهو لعن دون لعن والحاصل أن اللعن المطلق ينصرف إلى الفرد الاكمل وأغرب الدلجي في هذا المحل حيث قال بخلاف المؤمن فإن لعنه كقتله كما ورد وفي رواية لعنه فسوف إذ ليس الكلام فيمن لعن مؤمنا بل الكلام فيما إذا وقع لعن الله على أحد فإنه إن لم يكن مؤمنا فهو كافر وأما إذا وقع على مؤمن فالمراد زجره (وحكم الكافر القتل) إذ لم يكن معصوم الدم (فقال) أي اللَّهُ تَعَالَى (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب: ٥٧]) وقد سبق بيان أذاهما وقيل ذكر الله تعالى تعظيم وتمهيد لذكره ﵊ (الآية) أي لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي أبعدهم من رحمته الخاصة فيهما وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا وحجابا مبينا (وقال) أي الله تعالى (في قاتل المؤمن مثل ذلك) أي نظير ما هنالك حيث قال تعالى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا
[ ٢ / ٤٠٠ ]
مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا لكن اللعن الموجب للكفر إنما يكون إذا استحل قتل المؤمن أو قتل لكونه مؤمنا وإلا فهو محمول على الزجر كما أن خالدا مأول بمدة مديدة (فمن لعنته في الدّنيا القتل) إما قصاصا وإما حدا (قال الله تَعَالَى) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي شك وشبهة والمرجفون في المدينة بالأخبار السيئة لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ أي لنسلطنك عليهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا أي زمانا قليلا فهددهم بالبعد عن حضرة حبيبه وعدم المجاورة في مكان قربه الموجب للبعد عن رحمته والطرد من جنته وهذا معنى قوله (مَلْعُونِينَ) بالنصب على الحال (أَيْنَما ثُقِفُوا) أي وجدوا وأدركوا (أُخِذُوا) أي أمسكوا (وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا [الأحزاب: ٦١]) أي أشد أنواع القتل ليعتبر غيرهم ويقوموا بحق النبي كما يجب له توقيرا وتبجيلا (وقال) أي الله (في المحاربين) أي قطاع الطريق على سيارة المسلمين (وذكر عقوبتهم) بقوله إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أن اقتصروا على القتل أو يصلبوا أن جمعوا بين أخذ المال وقتل النفس أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أن اقتصروا على أخذ المال أو ينفقوا من الأرض بالإخراج أو الحبس إن اقتصروا على الإخافة (ذلِكَ) أي ما ذكر من قتل وغيره (لَهُمْ خِزْيٌ) أي ذل وفضيحة (فِي الدُّنْيا [المائدة: ٣٣]) وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وحاصله أن اللعن قد يجيء بمعنى القتل على أن صاحب اللعن يستحق القتل (وقد يقع القتل بمعنى اللّعن قال: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [الذاريات: ١٠]) أي لعن الكذابون المقدرون المفترون (وقاتَلَهُمُ اللَّهُ) أي اليهود والنصارى وأمثالهم (أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون: ٤]) أي كيف يصرفون عن الحق مع ظهور أمره وعلو نوره (أي لعنهم الله تعالى) أي أبعدهم عن مقام حضوره (ولأنّه) أي الله تعالى (فرق بين أذاهما) والتقدير لأن الله ﷾ فرق بين إذاهما أي أذى الله ورسوله بأن في اذاهما الكفر والقتل وفي أذى المؤمنين القتل والضرب بحسب اختلاف الأذى حيث قال تعالى وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (وفي أذى المؤمنين ما دون القتل) أي أن لم يكن الأذى بالقتل ونحوه مما يستحق القتل (من الضّرب والنّكال) أي العقوبة التي هي العبرة لغيره في الاستقبال (فكان حكم مؤذي الله ونبيّه) بخصوصه أو عموم جنسه (أشدّ من ذلك) أي من أذى المؤمنين (وهو) أي حكمه الأشد (القتل) لمؤذيهما والكفر في متنقصيهما (وقال لله تعالى فَلا أي فليس الأمر كما يزعمون (وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ) أي يجعلوك حكما (فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: ٦٥]) أي فيما اختلفوا فيما بَيْنَهُمْ (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا الآية) أي ضيقا وشكا مما قضيت أي حكمت بينهم سواء لهم أو عليهم ويسلموا تسليما أي ينقادوا انقيادا تاما لحكمك ظاهرا وباطنا دائما (فسلب) أي نفي الله (اسْمَ الْإِيمَانِ عَمَّنْ وُجِدَ فِي صَدْرِهِ
[ ٢ / ٤٠١ ]
حرجا من قضائه) بعدم انقياده (ولم يسلم له) أمره بإذعانه وفق مراده (ومن تنقّصه فقد ناقض هذا) أي عارض ما يجب عليه من أنه لم يجد من نفسه حرجا من قضائه كيف ما جاء واسعا أو ضيقا (وقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) تعظيما لقدره وتكريما لأمره وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ (إلى قوله أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات: ٢]) ومن المعلوم أن مجرد رفع الصوت فوق صوته لا يبطل العمل فإن المعاصي سواء الكبائر والصغائر لا تبطل الحسنات عند أهل السنة والجماعة وإنما يبطلها الكفر وهو لا يكون إلا إذا تضمن وفع الصوت خفض حرمة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم واستخفاف منصبه وهذا معنى قوله (ولا يحبط العمل إلّا الكفر) بمجرد تحققه ولو رجع إلى الإسلام عند أكثر علماء الأعلام (والكافر يقتل) بالارتداد بعد استتابته أو بدونها على خلاف لأرباب الاجتهاد (وقال الله تعالى وَإِذا جاؤُكَ) أي اليهود والمنافقون (حَيَّوْكَ) أي سلموا عليك (بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ [المجادلة: ٨]) أي بلفظ لم يأمر الله تعالى به فيقولون السام عليك والسام الموت ويقولون في أنفسهم أي في صدروهم أو فيما بينهم من حجورهم لولا يعذبنا الله بما نقول وأقول قد عذبهم الله تعالى بعين المقول وأن لم يدركوه بالعقول (ثمّ قال حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ) أي كافيهم عذابها في العقبى ولو أمهلناهم لحكمة في الدنيا (يَصْلَوْنَها) أي يدخلونها ويحرقون بها ويخلدون فيها (فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [المجادلة: ٨]) أي المرجع هي لهم ولأمثالهم في مآلهم (وقال تعالى وَمِنْهُمُ) أي من المنافقين (الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ [التَّوْبَةِ: ٦١]) بضمتين وبسكون ثانيه الجارحة المعروفة والمراد به هنا المستمع القائل لما يقول له كل أحد قال تعالى ردا عليهم قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ أي نعم هم اذن ولكن نعم الأذن هم يؤمن بالله أي بجوده ووجوده يؤمن للمؤمنين أي يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم ورحمة للذين آمنوا خاصة وللخلق عامة (ثمّ قال: يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [التَّوْبَةِ: ٦١]) وعقاب مقيم (وقال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ) أي المنافقين وهم سائرون معه في غزوة تبوك عن قولهم في حقه انظروا هذا الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه بالتمام هيهات هيهات من هذا المرام (لَيَقُولُنَّ) في مقام الإنكار على وجه الاعتذار (إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [التوبة: ٦٥]) فيما يخوض فيه الركب ليقصر السفر ويخف التعب قل أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا باعتذاراتكم الكاذبة (إلى قوله: قَدْ كَفَرْتُمْ سرا (بَعْدَ إِيمانِكُمْ [التوبة: ٦٦]) ظاهرا (قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ كَفَرْتُمْ بِقَوْلِكُمْ فِي رَسُولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم) ما لا يليق بجنابه المكرم (وأمّا الإجماع فقد ذكرناه) وهو أقوى الحجج في مقام النزاع (وأمّا الآثار) أي الأحاديث والأخبار (فَحَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ محمد بن غلبون) بفتح معجمة وسكون لام وهو منصرف وقد يمنع على مذهب أبي علي الفارسي كما قدمناه (عن الشّيخ أبي ذرّ الهرويّ) بفتح الهاء ويكسر (إِجَازَةً قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ
[ ٢ / ٤٠٢ ]
الدّارقطنيّ وأبو عمر بن حيّويه) بمهملة مفتوحة وتشديد تحتية مضمومة فواو ساكنة فتحتية وفي نسخة حيوة بفتحتين بينهما ساكن وهو أبو عمر محمد بن زكريا الخزاز بزايين لعمله الخز (قالا) كلاهما (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بن محمّد بن الحسن بن زبالة) بفتح الزاء وتخفيف الموحدة المدني من أئمة الحديث ومصنفيهم قال ابن حبان يأتي عن المدنيين بالأشياء المعضلات فبطل الاحتجاج به ذكره الذهبي في الميزان على ما قاله الحلبي (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ) قال الحلبي يحتمل أن يكون هذا عبد الله بن موسى الهاشمي فإن كان هو يروي عن الحسن بن الطيب والبغوي وطبقتهما وعنه أبو محمد الخلال والتنوخي قال ابن أبي الفوارس فيه تساهل شديد وقال البرقاني أبو العباس الهاشمي ضعيف وله أصول رديئة وقال أبو الحسن بن الفرات ثقة مات سنة أربع وسبعين وثلاثمائة كذا ذكره الذهبي في الميزان فإن كان هذا هو فهو لم يدرك علي بن موسى يعرف ذلك بالنظر في تاريخ موتهما فيكون الحديث منقطعا قال وإن لم يكن هو فلا أعرفه والله أعلم (عن عليّ بن موسى) هو الرضى العلوي يروي عن أبيه وعمه وعنه أبو عثمان المازني وعبد السلام بن صالح وعدة مات بطرطوس سنة ثلاث ومائتين وله خمسون سنة أخرج له ابن ماجه فقط تكلموا فيه قال ابن طاهر يأتي عن أبيه بعجائب قال الذهبي إنما الشأن في ثبوت السند وإلا فالرجل قد كذب عليه ووضع عليه نسخة سائرة كما كذب على جده جعفر الصادق (عن أبيه) أبوه هو موسى بن جعفر بن محمد العلوي الكاظم روى عن أبيه وعبد الله بن دينار ولم يدركه وعنه ابنه علي الرضى وأخواه علي ومحمد وبنوه إبراهيم وإسماعيل وحسين وصالح قال أبو حاتم ثقة إمام توفي في حبس الرشيد ولد سنة ثمان وعشرين ومائة سنة ثالث وثمانين ومائة أخرج له الترمذي وابن ماجة وكان من الأجواد الحكماء ومن العباد الاتقاء وله مشهد معروف ببغداد وحديثه قليل جدا (عن جدّه) وهو جعفر بن محمد الصادق (عن محمّد بن عليّ بن الحسين) هو أبو جعفر البقر (عن أبيه) أي علي بن الحسين زين العابدين (عن الحسين بن عليّ) أي ابن طالب (عن أبيه) أمير المؤمنين علي المرتضى كرم الله وجهه ورضي عنه (أنّ رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ سَبَّ نَبِيًّا فَاقْتُلُوهُ ومن سبّ أصحابي فاضربوه) قال الحلبي الحديث هذا ليس في الكتب الستة قلت الحديث قد ساقه القاضي بسنده من طريق الدراقطني وهو إمام جليل من أهل السنة وقد رواه الطبراني في الكبير أيضا لكنه بسند ضعيف عن علي رضي الله تعالى عنه من سب الأنبياء قتل ومن سب أصحاب جلد ورواه أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ والناس أجمعين وروى أحمد والحاكم في مستدركه من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله تعالى وفي حاشية التلمساني عن علي رضي الله تعالى عنه قال لا أوتى بمن فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته جلد المفتري. (وفي الحديث الصّحيح) الذي رواه البخاري وغيره (أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمر بقتل
[ ٢ / ٤٠٣ ]
كعب بن الأشرف) من يهود خيبر (وقوله) بالرفع عطف على أن النبي أي وفي الحديث الصحيح قوله ﵊ في أصل الدلجي وفي الحديث الصحيح أمر النبي بصيغة المصدر فقال وقوله عطف على أمر النبي (من لكعب بن الأشرف) أي من يتصدى لقتله (فإنّه) كما رواه الشيخان عن جابر (يؤذي) وفي رواية لهما آذى (الله ورسوله ووجّه) بتشديد الجيم أي أرسل (إليه من قتله) وهو محمد بن مسلمة وقد خرج معه سلمان بن سلامة وعباد ابن بشر والحارث بن أوس وأبو عيسى بن جبير وهؤلاء الخمسة كلهم من الأوس وكان خروجهم إليه لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا من مهاجرة ﵊ (وكان قتله غيلة) بكسر المعجمة أي خفية ومخادعة وحيلة والقضية مشهورة وفي كتب السير مسطورة (دون دعوة) واستتابة لسبق الدعوة وعدم المنفعة (بخلاف غيره) أي غير كعب (من المشركين) فإن قتله كان بعد دعوته له إلى الإسلام رجاء أن يرجع إلى طريق دار السلام (وعلّل) أي النبي ﵊ في قتله (بأذاه له) كما تقدم (فَدَلَّ أَنَّ قَتْلَهُ إِيَّاهُ لِغَيْرِ الْإِشْرَاكِ بَلْ للأذى) وفيه أن ذلك الأذى كان نوعا من الإشراك إذ لم يثبت له إيمان سابق وأذى لا حق ليكون دليلا على ما نحن فيه فإنه لعنه الله قد جمع بين الكفر بالله والقدح في أمر رسول الله فتقدير كلام المصنف لغير الإشراك وحده بل للأذى معه (وكذلك) أي ومثل ما قتل كعبا في الجملة (قتل أبا رافع) أي الأعور سلام بتخفيف اللام وقيل يتشديدها وهو ابن أبي الحقيق وكان يهوديا بخيبر قاله البخاري في صحيحه وزاد وقيل هو حصن بأرض الحجاز، (قال البراء) أي ابن عازب (وكان) أي أبو رافع (يؤذي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويعين) أي اعداءه (عليه) روي أنه استأذن نفر من الخزرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في قتل أبي رافع فأذن فخرج خمسة نفر عبد الله بن عتيك ومسعود بن سنان وعبد الله بن أنيس وأبو قتادة بن ربعي وخزاعي بن أسود وحليف لهم من اسلم وأمر عليهم ابن عتيك وذلك في شهر رمضان سنة ست (وكذلك أمره يوم الفتح) أي فتح مكة (بقتل ابن خطل) بفتح المعجمة والمهملة واختلف في اسمه رواه ابن أبي إسحاق والبيهقي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عمرو بن حزم مرسلا ورواه الشيخان عن أنس بلفظ أمر بقتل ابن خطل وفي الترمذي وهو متعلق بأستار الكعبة واختلف في قاتله والظاهر اشتراكهم في قتله (وجاريتيه اللّتين كانتا تغنّيان بسبّه ﵊) وهما سارة وفرتنا بالفاء والتاء والنون وأسلمت فرتنا وأمنت سارة وعاشت إلى زمن عمر رضي الله تعالى عنه ثم وطئها فرس فقتلها ذكره السهيلي وقال أبو الفتح اليعمري وأما قينتا ابن خطل فقتلت إحديهما واستأمنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الأخرى فأمنها فعاشت مدة ثم ماتت في حياة النبي ﵊ ذكره الحلبي فحيث ما صح قتلهما ولا قتل إحداهما لاختلاف وقع فيهما فلا يرد على أبي حنيفة أنه لم يحكم بقتل المرتدة مع أنهما لا يعرف إسلام سابق لهما وروى أبو داود والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص لما كان يوم فتح
[ ٢ / ٤٠٤ ]
مكة أمن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الناس إلا أربعة وامرأتين ذكره الدلجي ولم يبين أنهما قتلا أم لا ولعلهما الجاريتان والله تعالى تعالى اعلم. (وفي حديث آخر) قال الدلجي لا أدري من رواه (أنّ رجلا كان يسبّه ﵊) قال الحلبي هذا الرجل لا أعرف اسمه وقال التلمساني هو الحويرث بن نغير وهو الذي نخس جمل زينب ابنته ﵊ حين أدركها فسقطت من دابتها وألقت جنينها (فقال من يكفيني عدوّي) أي شره وفي أصل التلمساني يكفني على أن من شرطية قال وروي يكفيني بالرفع أي بإثبات الياء وهو إما على لغة الم يأتيك والأنبياء تنمي وقيل أشباع وقيل من موصولة فيها معنى الشرط (فَقَالَ خَالِدٌ أَنَا فَبَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَتَلَهُ وَكَذَلِكَ أَمَرَ بِقَتْلِ جَمَاعَةٍ) وقد تصحف على الحلبي بقوله وكذلك لم يقل بضم المثناه تحت أوله ثم قاف مكسورة وهذا ظاهر انتهى وهو خطأ باهر كما لا يخفى وقد تبعه الأنطاكي والدلجي ضبطه بضم أوله وكسر ثانيه من أقال عثرته أي هلكته وتبعهما التلمساني في ضبط مبناه وقال معناه أنه لم يترك جماعة انتهى ولا يخفى أنه لم يثبت عن أحد من الجماعة أنه رجع ولم يقبل ﵊ رجعته حتى يصح نفي الإقالة فتأمل ولا يغرك كثرة القائلين الغافلين بل أمر بقتل جماعة غير تائبة (مِمَّنْ كَانَ يُؤْذِيهِ مِنَ الْكُفَّارِ وَيَسُبُّهُ كَالنَّضْرِ بن الحارث) وهو القائل من كمال تعصبه في مذهبه وحماقته في مشربه اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ وهو النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري أخذ أسيرا ببدر وبالصفراء أمر ﵊ عليا فقتله وهذا هو الصواب وأما ابن منده وأبو نعيم فغلطا فيه غلطين أحدهما أنهما قالا في نسبته كلدة بن علقمة وإنما هو بالعكس ذكره الزبير بن بكار وابن الكلبي وخلائق وثانيهما أنهما قالا إن النضر بن الحارث شهد حنينا معه ﵊ وأعطاه مائة من الإبل وكان مسلما من المؤلفة وعزوا ذلك إلى ابن إسحاق وهذا غلط بإجماع أهل المغازي والسير وقد أطنب ابن الأثير في تعليقهما والرد عليهما انتهى وقد ذكر ذلك الشيخ محيي الدين عنه وكذا الذهبي في التجريد على ما قاله الحلبي والله ﷾ أعلم (وعقبة بن أبي معيط) بضم الميم وفتح العين المهملة وسكون التحتية وطاء مهملة وهو أبان بن ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي أسره عبد الله بن سلمة بكسر اللام ببدر فلما انصرف ﵊ من بدر وكان بعرق الظبية أمر بقتله عاصم بن ثابت الأنصاري وقيل عليا فقال حين قتله من للصبية يا محمد قال النار أو قال إلى من الصبية يا محمد قال إلى النار (وعهد) أي وصى (بقتل جماعة منهم) أي ممن كان يؤذيه (قبل الفتح وبعده فقتلوا) أي من عهد بقتله (إِلَّا مَنْ بَادَرَ بِإِسْلَامِهِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ) مثل كعب بن زهير بن أبي سلمى بضم السين صاحب قصيدة بانت سعاد وقصته معروفة (وقد روى البزّار) بسند ضعيف (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي معيط نادى) بأعلى صوته (يا
[ ٢ / ٤٠٥ ]
معاشر قريش) وروي يا معشر قريش وهم ولد النضر بن كنانة سموا قريشا باسم دابة في البحر تأكل حيوانه وقد قيل فيها:
وقريش هي التي تسكن البح ر سميت قريش قريشا
تأكل الغث والسمين ولا تتر ك يوما لذي جناحين ريشا
(ما لي أقتل) بصيغة المجهول (من بينكم صبرا) أي محبوسا ومأخوذا من غير محاربة في المعركة (فقال له النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بكفرك) أي أولا (وافترائك على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) ثانيا إهانة له واحتقارا و(ذكر عبد الرزاق) في جامعه عن عكرمة مولى ابن عباس مرسلا (أنّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّهُ رَجُلٌ فَقَالَ مَنْ يَكْفِينِي عدوّي) بدفع شره عني (فقال الزّبير: أنا، فبارزه) أي الزبير أو هو (فقتله الزّبير وروي أيضا) في جامعه عن عروة عن رجل من اليمن (أنّ امرأة كانت تسبّه ﵊ فَقَالَ مَنْ يَكْفِينِي عَدُوَّتِي فَخَرَجَ إِلَيْهَا خَالِدُ بن الوليد فقتلها) وروى ابن أبي شيبة عن الشعبي أن رجلا من المسلمين كان يأوي إلى امرأة يهودية تطعمه وتسقيه وتحسن إليه ولا تزال تؤذيه في رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقتلها في ليلة من الليالي خنقا فرفع ذلك له ﵊ فأخبره الرجل بأنها كانت تؤذيه فيه وتسبه وتقع فيه فقتلتها لذلك فأهدر صلى الله تعالى عليه وسلم دمها؛ (وروي) كما في جامع عبد الرزاق (أَنَّ رَجُلًا كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ إِلَيْهِ لِيَقْتُلَاهُ) كذا روي مختصرا وروى البيهقي عن سعيد بن جبير قال جاء رجل إلى قرية من قرى الأنصار فقال إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمرني أن تزوجوني فلانة فبلغ ذلك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأرسل عليا والزبير فقال إذهبا فإن أدركتماه فاقتلاه ولا اراكما تدركانه فذهبا فوجداه قد لدغته حية فقتلته ثم رواه من وجه آخر موصولا عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن الحارث وسمي الرجل الذي كذب جد جد الجندي كذا ذكره الدلجي وقال الحلبي هذا الرجل لا أعرف اسمه أقول من حفظ حجة على من لم يحفظ، (وروى ابن قانع) بقاف ونون وهو عبد الباقي بن قانع بن مرزوق بن واثق أبو الحسين الأموي (أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِيكَ قَوْلًا قَبِيحًا فَقَتَلْتُهُ فَلَمْ يشقّ ذلك) أي لم يصعب أمره (على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) قال الحلبي هذا الرجل وأبوه لا أعرفهما، (وبلغ المهاجر) بالنصب (ابن أبي أميّة أمير اليمن) نيابة (لأبي بكر ﵁) والمعنى وصله (أنّ امرأة) وفي نسخة بتشديد لام بلغ ورفع المهاجر أي أوصل لأبي بكر أن امرأة (هناك) أي في اليمن (في الرّدّة) أي في حالها أو لأجلها (غنّت) بتشديد النون أي تغنت وتنغمت (بسبّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فقطع) أي المهاجر (يدها) وفي نسخة يديها وفي نسخة ثدييها (ونزع ثنيّتها) وكان الأنسب قطع لسانها أو قمع وجودها وشأنها (فبلغ ذلك أَبَا بَكْرٍ ﵁ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ لَوْلَا مَا فَعَلْتَ لَأَمَرْتُكَ بِقَتْلِهَا لِأَنَّ حدّ الأنبياء) أي تعزير
[ ٢ / ٤٠٦ ]
تنقصهم (ليس يشبه الحدود) المترتبة على أسبابها بالنسبة إلى غيرهم فإن القتل متعين إلا في المرأة لاختلاف فيها والحديث رواه ابن سعد وابن عساكر والمهاجر هو ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي كان اسمه الوليد فكرهه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وسماه المهاجر وهو أخو أم سلمة أم المؤمنين أرسله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى اليمن إلى الحارث بن عبد كلال الحميري باليمن ثم استعمله على صدقات كندة فتوفي صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يسر إليها فبعثه أبو بكر إلى قتال من باليمن من المرتدين فإذا فرغ سار إلى عمله فسار إلى ما أمره به أبو بكر وهو الذي فتح حصن النجير بحضرموت زمن أبي بكر مع زياد بن لبيد الأنصاري وله في قتال المرتدين باليمن آثار كثيرة رضي الله تعالى عنه (وعن ابن عباس) قال الدلجي لا أعرف من رواه (هجت امرأة من خطمة) بفتح معجمة وسكون مهملة قبيلة والمرأة عصماء بنت مروان بن أبي أمية بن زيد (النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فقال من لي بها) أي من يقوم لأجلي بقتلها (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهَا أَنَا يَا رَسُولَ الله فنهض) أي فقام (فقتلها) وهو عمير بن عدي بن خرشة الخطمي (فأخبر النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بصيغة المجهول (فقال ﵊ لا ينتطح فيها عنزان) بفتح مهملة فسكون نون فزاء وهو تثنية عنز أي لا يجري فيها خلاف ولا نزاع كنطاح التيوس والكباش وهذا من الكلام الذي لم يسبق إليه أحد من الأنام وصار هذا مثلا في تحقير الأمر وأنه لا يكون فيه مكروه وإن قل أو معناه أن أمرها هين لا يتكلم فيها ولا يطلب دمها لفعلها القبيح الدال على كفرها الصريح أو معناه أنه لا يحصل في قتلها ما يثير فتنة من قبلها وإن أيسر الأشياء أن ينطح عنزان وهو في قتلها غير موجود وقيل العنزان لا ينتطحان وإنما ينتطح التيسان والمعنى لا توجد فيها فتنة البتة وروي أن قاتلها صلى الفجر بالمدينة بعد قتلها فقال ﵊ قتلت ابنة مروان قال نعم فهل علي في ذلك شيء فقال ﵊ لا ينتطح فيها عنزان وأرسلته العرب مثلا يضرب في أمر هين لا يكون له تعيير ولا نكير قال الحافظ وأول من تكلم به النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قاله حين قتل عمير بن عدي عصماء (وعن ابن عباس) كما رواه أبو داود والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عنه (أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَسُبُّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فيزجرها) أي ينهاها الأعمى (فلا تنزجر) بقوله لها (فلمّا كانت ذات ليلة) أي ساعة من ساعاتها (جعلت) أي أخذت وشرعت (تقع في النبيّ) أي في عرضه (صلى الله تعالى عليه وسلم وتشتمه) بكسر العين وضمها أي تسبه كما في نسخة (فقتلها وأعلم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك فأهدر دمها) قال الحلبي وهذه المرأة وزوجها الأعمى لا أعرفهما الآن وفي الصحابة جماعة عميان غير أن الإمام السهيلي ذكر في أواخر روضه في مقتل عصماء بنت مروان قال وكانت تسب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقتلها بعلها على ذلك إلى أن قال ووقع في مصنف حماد ابن سلمة أنها كانت يهودية وكانت تطرح المخاط في مسجد بني خطمة فأهدر رسول الله
[ ٢ / ٤٠٧ ]
صلى الله تعالى عليه وسلم دمها قال ولم ينتطح فيها عنزان انتهى وقد ذكر ابن سعد في سيرته أن عصماء بنت مروان من بني أمية بن زيد كانت عند يزيد بن فريد بن حصن الخطمي وكانت تعيب الإسلام وتؤذي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وتحرض عليه الأنام وتقول الشعر فيه من نظم الكلام فجاءها عمير بن عدي في جوف الليل حتى دخل عليها بيتها وحولها نفر من ولدها نيام ومنهم من ترضعه في صدرها فجسها بيده ونحى الصبي عنها ووضع سيفه على صدرها حتى انفذه من ظهرها وكان ضرير البصر إلى آخر القصة فعمير ليس بزوجها وزوجها يزيد بن فريد بن حصن صحابي ولا اعلمه في العميان؛ (وفي حديث أبي برزة) بفتح الموحدة فسكون راء فزاء (الأسلميّ) على ما رواه أبو داود وصححه الحاكم ورواه البيهقي في سننه (قال كُنْتُ يَوْمًا جَالِسًا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) رضي الله تعالى عنه (فغضب على رجل من المسلمين) أي ممن اغضبه عليه بسب أو بسبب آخر (وحكى القاضي إسماعيل) أي ابن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد المالكي البغدادي الحافظ (وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ) أي في سبب ورود حديث أبي برزة (أنه) أي الرجل (سبّ أبا بكر ورواه النّسائيّ) وهو أحد الأئمة الستة (أتيت أبا بكر وقد أغلظ لرجل) أي في القول (فردّ) أي الرجل (عليه) أي على أبي بكر (قال) أي قال أبو برزة (فقلت يا خليفة رسول الله دعني) أي اتركني (أضرب) بالجزم وقيل بالرفع (عنقه) أي بسبه لك كما في نسخة وكأنه مهتما بأمره (فقال اجلس فليس ذلك) أي قتل مثله (لأحد إلّا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) كإخوته من الأنبياء لاشتراكهم في بعث النبوة وصفة الرسالة بخلاف غيرهم من آحاد الأمة ولو كانوا من أكابر الأئمة هذا والحديث رواه النسائي من طرق بألفاظ متعددة منها ما تقدم ومنها تغيظ أبو بكر على رجل ومنها مررت على أبي بكر وهو متغيظ على رجل من الصحابة ومنها غضب أبو بكر على رجل غضبا شديدا حتى تغي لونه ومنها كنا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَغَضِبَ عَلَى رَجُلٍ من المسلمين فاشتد غضبه عليه جدا ورواه أبو داود أيضا ولفظه عن أبي برزة كنت عند أبي بكر فتغيظ على رجل فاشتد عليه، (قال القاضي أبو محمد بن نصر) ومن كلامه في أيامه حال ضيق مرامه:
يا لهف قلبي على شيئين لو جمعا عندي لكنت إذن من أسعد البشر
كفاف عيش يقيني ذل مسألة وخدمة العلم حتى ينقضي عمري
(ولم يخالف عليه أحد) يعني فصار إجماعا أنه لا يقتل مسلم بسبب صحابي وينبغي أن لا يكون فيه خلاف إذ لو قتل أحد أبا بكر لم يكفر اتفاقا فكيف إذا سبه أحد ومن المعلوم أن جناية السب دون جناية القتل وإنما جوز بعض أصحابنا الحنفية قتل من سب أكابر الصحابة على وجه الزجر والسياسة وأما ما نقلوه فيه من حديث سب الشيخين كفر فلا أصل له وعلى تقدير صحة ثبوته فيجب تأويله كحديث من ترك صلاة متعمدا فقد كفر أي قارب الكفر أو يخشى عليه الكفر أو كفر النعمة أو محمول على استحلال المعصية أو عد سبهم عبادة وأمثال
[ ٢ / ٤٠٨ ]
ذلك والله تعالى اعلم بحقيقة ما هنالك، (واستدلّ) وفي نسخة فاستدل (الأئمة) أي علماء الأمة (بهذا الحديث) المروي عن أبي برزة المنتهي إلى أبي بكر الصديق (عَلَى قَتْلِ مَنْ أَغْضَبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكُلِّ مَا أَغْضَبَهُ أَوْ أَذَاهُ أَوْ سَبَّهُ وَمِنْ ذَلِكَ كِتَابُ عُمَرَ بْنِ عبد العزيز إلى عامله بالكوفة) قال الحلبي هذا الرجل لا أعرفه وقال التلمساني هو عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (وقد استشاره) أي ذلك العامل عمر بن عبد العزيز (فِي قَتْلِ رَجُلٍ سَبَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنه) الظاهر أن المراد به ابن الخطاب لأنه الفرد الأكمل في هذا الباب ولا يبعد أن يراد به عمر بن عبد العزيز (فكتب إليه عمر) أي ابن عبد العزيز (إنّه لا يحلّ قتل امرىء مسلم بسبّ أحد من النّاس) ولو بلا موجب وسبب (إِلَّا رَجُلًا سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ سَبَّهُ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ) أي إجماعا وذلك لخروجه عن دينه قطعا، (وسأل الرّشيد) وهو هارون بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وقد بويع له سنة سبعين ومائة في الليلة التي مات فيها أخوه الهادي لاثنتي عشرة ليلة بقيت من الربيع الأول وهو ابن احدى وعشرين سنة وشهرين وحج بالناس ست حجات ولم يزل واليا إلى أن مات بطوس من خراسان وهنالك قبره وذلك ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة وهو ابن سبع وأربعين سنة وكانت ولايته ثلاثا وعشرين سنة وشهرين وسبعة عشر يوما وكان يحج عاما ويغزو عاما وهو آخر خليفة حج في خلافته حج بعده كثير من قبل ولايتهم والحاصل أنه سأل (مالكا) إمام المذهب ما تقول (في رجل شتم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بخصوصه أو أحدا من جنسه (وذكر له) أي الرشيد (أنّ فقهاء العراق) أي الكوفة والبصرة أو فقهاء العجم (أفتوه) إذا سألهم عنه أجابوه (بجلده) أي بضربه حدا لشتمه (فغضب مالك) لفتواهم بذلك (وَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا بَقَاءُ الْأُمَّةِ) على الجادة (بعد شتم نبيّها) بهذه المثابة من عدم التفرقة بينه وبين غيره في تفاوت الرتبة (مَنْ شَتَمَ الْأَنْبِيَاءَ قُتِلَ وَمَنْ شَتَمَ أَصْحَابَ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أحدا منهم (جلد) أي ضرب جلد الفرية. (قال القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى) أي المصنف (كذا وقع في هذه الحكاية) أي أن فقهاء العراق افتوا الرشيد بجلده (رَوَاهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ مَنَاقِبِ مَالِكٍ) ممن اعتنى بجمعها وفي نسخة ممن ذكر مناقب مالك (ومؤلّفي أخباره وغيرهم) من رواة سيره وآثاره (وَلَا أَدْرِي مَنْ هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءُ بِالْعِرَاقِ الَّذِينَ أفتوا الرّشيد بما ذكر) من أنه يجلد ولا يقتل (وقد ذكرنا مذهب العراقيّين) وفي نسخة مذاهب العراقيين (بقتله ولعلّهم) أي من افتاه بجلده دون قتله (ممن لم يشتهر) وفي نسخة ممن لم شهر (بعلم) وهذا بعيد جدا وكذا قوله (أو ممن) وفي نسخة أَوْ مَنْ (لَا يُوثَقُ بِفَتْوَاهُ أَوْ يَمِيلُ به هواه) فأن مثل هؤلاء لا ينقل الرشيد عنهم فيتعين قوله (أو يكون ما قاله) أي نقله الرشيد (يحمل على غير السّبّ) الموجب لقتله (فيكون الخلاف) جاريا فيه (هل هو سبّ) فيقتل (أو غير سبّ) فيجلد (ويكون) أي الساب (رجع وتاب عن سبّه)
[ ٢ / ٤٠٩ ]
وفي نسخة من سبه وهذا هو الأظهر لأنه الموافق لمذهب الكوفيين على ما تقرر (فلم يقله) أي لم ينقله الرشيد (لمالك) فلم يقله مالك (على أصله) أي حقيقة وقوعه (وإلّا فالإجماع على قتل من سبّه) أي في الجملة (كما قدّمناه) وإن كان منهم من قال فإن تاب قبلت توبته بل يجب أو يستحب أن يستتاب والله تعالى اعلم بالصواب (ويدلّ على قتله من جهة النّظر) أي نظر العقل (والاعتبار) أي طريق القياس (أنّ من سبّه أو تنقّصه ﵊) كغيره من الأنبياء الكرام (فقد ظهرت علامة مرض قلبه) أي من سوء اعتقاده بربه (وبرهان سرّ طويّته) أي ودليل خبث باطنه وفي نسخة وبرهان لسوء طويته أي فساد نيته (وَكُفْرِهِ، وَلِهَذَا مَا حَكَمَ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ العلماء بالرّدّة) الصواب ما قاله التلمساني أن ما زائدة أو موصولة بخلاف قول الدلجي حيث جعلها ناقية وقال لعدم قطعهم بكفره وأن حكم به ظاهرا انتهى وهو خلاف مذهبهم لأنهم قالوا بكفره قطعا إلا أنهم يقبلون التوبة منه خلافا لمالك على ما تقدم ويدل عليه قوله (وهي) أي الردة (رِوَايَةُ الشَّامِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَقَوْلُ الثَّوْرِيِّ وأبي حنيفة والكوفيّين) أي وسائرهم (والقول الآخر) أي الرواية الأخرى عن مالك (أنه) أي سبه (دليل على الكفر) أي بحسب ظاهر الأمر (فَيُقْتَلُ حَدًّا وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِالْكُفْرِ) قطعا وقال التلمساني ومعناه أنه مسلم انتهى فيتفرع عليه أنه يغسل ويصلي عليه ويدفن في مقابر المسلمين ونحو ذلك (إلّا أن يكون متماديا) أي مصرا مستمرا (على قوله غير منكر له) أي لمضمونه (ولا مقلع عنه) بتركه (فهذا كافر) وفي نسخة كفر أي بلا خلاف فقتله يكون كفرا كالزنديق لأحدا كالمرتد عنده، (وقوله) أي الذي تمادى منه (إمّا صريح كفر كالتّكذيب به) ﵊ أو بما جاء به عن ربه (ونحوه) كنسبة إبليس ربه تعالى إلى الجور والظلم إذ أمره بالسجود لآدم ﵇ زاعما أنه خير من آدم (أو من كلمات الاستهزاء والذّمّ) مما هو غير صريح كفر في مقام الفهم (فَاعْتِرَافُهُ بِهَا وَتَرْكُ تَوْبَتِهِ عَنْهَا دَلِيلُ اسْتِحْلَالِهِ لذلك وهو) أي استحلال المعصية (كفر أيضا فهذا) المستحل (كافر بلا خلاف) أي إذا لم يتب وفيه دليل على أنه ممن يستتاب في مذهب مالك أيضا فعنه روايات والله تعالى اعلم بالصواب وقال الأئمة إذا كان في المسألة قولان أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تخفيف فلا يجوز للمفتي أن يفتي العامة بالتشديد والخواص من ولاة الأمر بالتخفيف وذلك قريب من الفسوق والخيانة في الدين والتلاعب بالمسلمين والحاكم كالمفتي سواء وكذلك لا يأخذ في أمر نفسه بالتخفيف ويشدد على الناس بل الأولى له العكس وروي أن العبد يسأل عن فتواه هل أفتى بعلم أو جهل وهل فتواه نصيحة أو خذلان وهل أراد وجه الله تعالى أو الرياسة كذا ذكره التلمساني وقال بعض علمائنا إذا وجدت رواية واحدة بعدم تكفير مسلم وتسع وتسعون رواية بتكفيره فينبغي للمفتي أن يختار تلك الرواية لأن إبقاء ألف كافر في الدنيا أهون من أفناء مسلم من أمر العقبى (قال الله تعالى في مثله) أي مثل هذا المعترف بكلمات الاستهزاء والذم (يَحْلِفُونَ) أي المنافقون (بِاللَّهِ مَا قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ
[ ٢ / ٤١٠ ]
[التوبة: ٧٤]) أي أظهروا كفرهم بعد إظهار إسلامهم (قال أهل التّفسير هي) أي كلمة الكفر (إن كان ما يقول محمد) من أنه سيفتح قصور الشام (حقّا) أي صدقا (لنحن) أي وأشرافنا المتخلفون (شرّ من الحمير) والقائل الجلاس بن سويد فسمعه عامر بن قيس الأنصاري فقال أجل والله أن محمدا صادق وأنت شر من الحمار فبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فحلف بالله ما قال فصدقه النبي ﵊ فجعل عامر يدعو ويقول اللهم انزل على نبيك من الصادق منا فنزلت فتاب وحسنت توبته (وقيل بل) هي (قول بعضهم) وهو عمل النفاق ورأس أهل الشقاق عبد الله بن أبي ابن سلول إذ لقي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بني المصطلق بالمريسيع ماء لهم فهزمهم منهم وأزدحم جهجاه بن سعد أجير عمر بن الخطاب وسنان حليف بن أبي واقتتلا فصاح جهجاه يا للمهاجرين وسنان يا للأنصار فأعان جهجاها جعال من فقراء المهاجرين ولطم سنانا فقال ابن أبي لجعال وأنت هناك أي أنت في تلك المنزلة بحيث تلطم حليفي ثم قال ما صحبنا محمدا إلا لتلطم (مَا مِثْلُنَا وَمِثْلُ مُحَمَّدٍ إِلَّا قَوْلُ الْقَائِلِ) في المثل السائر يضرب لمن يحسن إلى أحد فيسيء إليه (سمّن كلبك يأكلك) وقال لأصحابه لا تنفقوا علي من عند رسول الله حتى ينفضوا فرده الله تعالى بقوله وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (و) قال أيضا (لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ) يريد نفسه الخبيثة (مِنْهَا الْأَذَلَّ [المنافقون: ٨]) يريد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فرد الله تعالى عليه بقوله وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ روي أنه قال لقومه ماذا فعلتم بأنفسكم انزلتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل طعامكم لم يركبوا رقابكم ولا وشكوا أن يتحولوا عنكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد فسمع ذلك زيد بن أرقم فقال والله انت الذليل المبغض في قومه ومحمد في عز من الرحمن وقوة من أصحابه فقال له ابن أبي إنما كنت ألعب فأخبر زيد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال عمر دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال اذن ترعد أنف كثيرة بيثرب قال فإن كرهت أن يقتله مهاجري فأمر أنصاريا قال فكيف أذن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ثم قال ﵊ لابن أبي أنت صاحب الكلام الذي بلغني قال والله الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك الباب وأن زيدا لكاذب فقال من حضر شيخنا وكبيرنا لا نصدق عليه قول غلام عسى أن يكون قدوهم فلما نزلت تكذيبا لابن أبي لحق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زيدا فعرك أذنه وقال له وفت أذنك يا غلام أن الله قد صدقك وكذب المنافق ولما أراد أن يدخل المدينة قال له ابنه وكان مؤمنا مخلصا وراءك يا منافق والله لا تدخلها حتى تقول رسول الله هو الأعز وأنا الأذل فلم يزل به حتى قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خله يدخل وقيل قال له ابنه لئن لم تقر لله ولرسوله بالعزة لأضربن عنقك فقال ويحك أفاعل أنت قال نعم فلما رأى منه الجد قال
[ ٢ / ٤١١ ]
أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لابنه جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيرا (وقد قيل إن قائل مثل هذا) القول مما يشبه قول ابن أبي واضرابه وفي نسخة ويدل عليه أيضا أن قائل هذا (إن كان مستترا به) من الاستتار وفي نسخة متسترا من التستر فهما مأخوذان من الستر ومعناهما مختفيا قال التلمساني وروي مستسرا من السر وهو خلاف العلانية (أنّ حكمه حكم الزّنديق يقتل) أي كفرا لأحدا ولا يستتاب أصلا قال التلمساني وقد استدل من قال بقبول توبة المستسر بكفره بما جاء في الصحيح من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله قال الخطابي قوله وحسابهم على الله يعني فيما يستسرون به قال وفيه دليل على أن الكافر المستسر بكفره لا يتعرض له إذا كان ظاهر حاله الإسلام وأن توبته مقبولة وإذا أظهر الإنابة من كفر علم بإقراره أنه كان يعتقده قبل قال وهم مقول أكثر العلماء وقال مالك لا تقبل توبة المستسر بكفره (ولأنّه غيّر دينه) فصار مرتدا (وقد قال صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ) رواه أحمد والبخاري والأربعة لفظ من بدل دينه فاقتلوه فلعله نقل بالمعنى أو رواية بالمبنى (ولأنّ) الشأن (لحكم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في الحرمة) أي الاحترام والعظمة (مزيّة) أي زيادة رتبة (على أمّته وسابّ الحرّ) أي من يسب حرا (من أمّته) ذكرا أو أنثى (يحدّ) أي يغرر على ما هو المقرر إلا أن يكون قذفا فيحد (فكانت العقوبة لمن سبّه ﵊ القتل) وهذا أمر مجمع عليه في عقوبته وإنما الخلاف في قبول توبته وذلك (لعظيم قدره) أي علو مرتبته عن أمته (وشفوف منزلته) أي زيادتها (على غيره) من خلق الله ﷾ والشفوف بضم الشين المعجمة والفاء الأولى من الشف بالكسر وهو الزيادة.
فصل (فَإِنْ قُلْتَ فَلِمَ لَمْ يَقْتُلِ النَّبِيُّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم اليهوديّ الّذي قال له)
أي للنبي وحده أوله لمن معه (السّام عليكم) أي الموت أو الملل والمعنى متم أو مللتم (وهذا دعاء عليه) أي بالموت أو الملل وهو السامة من الطاعة أو الملالة من الحياة والراحة والحديث رواه البخاري وغيره ولقد فطنت عائشة إذ كانت اليهود يمرون فيقولون السام عليك يا أبا القاسم فقالت عليكم السام والذام واللعنة ومن ثمة قال صلى الله تعالى عليه وسلم إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم يعني الذي يقولونه لكم ردوه عليهم قال الخطابي عامة المحدثين يروون وعليكم بواو العطف وكان ابن عيينة يرويه بغير واو وهو الصواب لإيذانه برد ما قالوه عليهم خاصة وإثباتها يؤذن بالاشتراك معهم فيه لأنها لمطلق الجمع انتهى
[ ٢ / ٤١٢ ]
ولا يخفى أن ترجيح الرواية الشاذة وتخطئة الجمهور من الرواية ليس على الصواب وإنما يتعين تأويل روايتهم بأن المراد بالعاطفة هي المشاركة في الموت لأنه مشترك بين العباد في جميع البلاد إذ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ فكأنه قيل وعليكم ما قلتم أيضا فهو جواب دعاء عليهم معاقبة لديهم ما احتمال أنهم قالوا السلام باللام ولذا لم يصرح لهم بقول عليكم السام بالواو العاطفة أو بدونها وفي إيماء إلى قوله تعالى وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها هذا والذي دخل عليه ﵊ وقال السام عليكم جاء في رواية أنه يهودي وفي أخرى أنه رهط من اليهود وفي رواية اناس وفي أخرى ناس ولعلها قضيتان وقد يجمع بأن دخل عليه رهط من اليهود وسلم واحد منهم والله اعلم (ولا قتل الآخر) جملة حالية أو عطف بالمعنى على ما قبله أي ولم ما قتل الكافر الآخر (الّذي قال له) كما رواه البخاري وفي قسمة قسمها (إنّ هذا لقسمة) وفي نسخة قسمة (ما أريد بها وجه الله تعالى) قال الدلجي هو ذو الخويصرة وهو وهم منه فقد قال الحلبي هذا الآخر لا أعرفه غير أنه وقع في صحيح البخاري أنه من الأنصار وقد قال بعض الفضلاء إنه مغيث بن قشير وأما الذي قال له أعدل فذاك ذو الخويصرة يعني بالتصغير كذا صرح به في صحيح مسلم من رواية أبي سعيد الخدري وهو تميمي قتل في الخوارج يوم النهروان وهو رأس الخوارج ولهم ذو الخويصرة رجل آخر يماني يروي في حديث مرسل أنه هو الذي بال في المسجد ولا ثالث لهما في الصحابة ووقع في صحيح البخاري في باب من ترك قتال الخوارج للتألف في كتاب استتابة المرتدين ما لفظه جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال أعدل انتهى قال الحلبي والصحيح أنه ذو الخويصرة ويحتمل أنه مرة نسب القول إلى أبيه ونسبه تارة إليه لأنهما قالاه والله تعالى اعلم أقول ولا يبعد أن عبد الله هو ذو الخويصرة وأنه لقبه ولقب أبيه أيضا والله تعالى اعلم وكان قول هذا القائل يوم حنين لما آثر ﵊ أناسا في القسمة لمصلحة رآها فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطى عيينة بن حصين مثل ذلك على ما قدمناه (وقد تأذّى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم من ذلك) ولكنه من كمال حلمه أو لتألفه في جمال علمه تحمل منه هنالك (وَقَالَ قَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فصبر) على ما آذاه به بنو إسرائيل كحمل قارون المومسة بالرشوة على قذفه بنفسها واتهامهم له بقتل أخيه هارون إذ ذهب معه إلى الطور فمات هنالك فحملته الملائكة فمرت بهم فعوفوا أنه لم يقتله ورميهم بعيب في جسده من برص وأدرة به قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (وَلَا قَتَلَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُؤْذُونَهُ فِي أكثر الأحيان) ويعظمونه في قليل من الزمان وفي نسخة في كل الأحيان أي غالب الأزمان (فَاعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم كان أوّل الإسلام) أي في أول ظهوره ﵊ (يستألف عليه النّاس) أي يطلب ائتلافهم ويقصد تألفهم قال المزي المستعمل يتألف (ويميل) بالتشديد أو التخفيف من الإمالة أي يحول (قلوبهم ويميّل
[ ٢ / ٤١٣ ]
إليه ويحبّب إليهم الإيمان ويزيّنه في قلوبهم) باللطف والإحسان (ويدارئهم) أي ويسامحهم ويدافعهم فهو من الدرء مهموز وقد يخفف فقول الحلبي غير مهموز وقد يهمز ليس في محله ومن المخفف قولهم:
فدارهم ما دمت في دارهم وأرضهم ما دمت في أرضهم
(ويقول لأصحابه إنّما بعثتم) تغليبا لهم لكثرتهم على نفسه الشريفة تواضعا معهم أو بعثتم بمعنى ارسلتم بعدي إلى من بعدكم (ميسّرين) بكسر السين أي مسهلين (ولم تبعثوا منفّرين) بتشديد الفاء المسكورة أي مشددين رواه الترمذي عن أبي هريرة ولفظه إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ولعل المصنف وجد في رواية قوله منفرين أو نقله بالمعنى وقد أغرب التلمساني حيث اعترض على المصنف وصوابه معسرين من العسر لمطابقة الظاهر ولكنه راعى الطباق الخفي لأن التيسير لازم السكون كما أن التنفير لازم العسر (ويقول يسّروا ولا تعسّروا) أي هونوا ولا تشددوا (وسكّنوا) أي قرروا (ولا تنفّروا) رواه أحمد والشيخان والنسائي عن أنس رضي الله تعالى عنه بلفظ يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا (ويقول) أي في الاعتذار عن عدم قتل المنافقين (لا يتحدّث النّاس) أي لا يقول بعضهم لبعض (أنّ محمّدا يقتل أصحابه) فيكون تنفيرا لمن أراد أن يأتي إلي بأنه (وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يدارىء) بالهمز وإبداله أي يدافع (الكفّار والمنافقين) ويلاطفهم وقد ورد رأس العقل بعد الإيمان بالله التجب إلى الناس رواه الطبراني في الأوسط عن علي كرم الله وجهه ورواه البزار والبيهقي عن أبي هريرة بلفظ التودد بدل التحبب ورواه البيهقي عن علي أيضا رأس العقل بعد الدين التودد إلى الناس واصطناع الخير إلى كل بر وفاجر وزاد البيهقي عن أبي هريرة في رواية وأهل التودد في الدنيا لهم درجة في الجنة وفي رواية له عنه رأس العقل والمداراة (ويجمل صحبتهم) من أجمل بالجيم أي يحسن أو من أجمل جمع بعد تفرقة وفي نسخة بالحاء المهملة من حمل أي يتحمل كلفة صحبتهم (ويغضي عنهم) من الاغضاء بالغين والضاد المعجمتين أي يغمض عينه عن عيبهم وفي نسخة عليهم أي يخفي عليهم ذنبهم (ويحتمل من أذاهم) من تبعيضية أو زائدة ويدل عليه أنه وفي نسخة صحيحة ويحتمل إذا هم أي يتحمل على أذاهم (ويصبر على جفائهم) وهذا كله لقوله تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا أي دع مكافأة أذيتهم إياك فإنا كفيناك والحاصل أنه كان يجوز له (مَا لَا يَجُوزُ لَنَا الْيَوْمَ الصَّبْرُ لَهُمْ) أي للمنافقين ونحوهم (عليه) أي على ما صدر من فعلهم وقولهم لأنا مأمورون بزجرهم على كفرهم وبعدم اكرامهم في مرامهم (وكان يرفقهم) بفتح الياء وكسر الفاء من الرفق ضد العنف وهو لين الجانب وبضم الياء من الأرفاق يقال رفق به وحكى أبو زيد أرفقت به وأرفقته بمعنى
[ ٢ / ٤١٤ ]
يلطف بهم (وبالعطاء) لهم (والإحسان) إليهم تفاديا من نفرتهم عن حضرته وامتناعهم عن قبول ملته (وَبِذَلِكَ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ تَعَالَى وَلا تَزالُ) أي دائما (تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ) أي خيانة تبدر وجناية تصدر عنهم كما هو دأبهم وديدنهم اقتداء بمن قبلهم (إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) وهو من آمن منهم أو كان مقتصدا فيهم (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ) أي وأعرض عنهم (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: ١٣]) معهم ومع غيرهم تخلقا بأخلاق الله فيهم حيث يرزقهم ويعافيهم فقيل هذا قبل أمره بقتالهم وقيل اعف عن مؤمنيهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم (وقال الله تعالى: (ادفع) أي السيئة التي وردت عليك منهم بالحسد والعداوة (بِالَّتِي
) أي بالحسنة التي (هِيَ أَحْسَنُ
) من أختها وهي العقوبة والمكافأة بمثلها والمجازاة بنحوها أو بأن تحسن إليه بإساءته إليك (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ) أي بسبب مدافعة السيئة بالحسنة (كَأَنَّهُ وَلِيٌّ) نصير لك مائل إليك (حَمِيمٌ [فصلت: ٣٤]) قريب مشفق عليك (وذلك) أي ما أمره الله به من المداراة وعدم المجازاة (لحاجة النّاس) أي همومهم (للتّألّف) وفي نسخة من التألف أي طلب الألفة وعدم النفرة (أوّل الإسلام) في أوائل الهجرة إلى مدينة السلام (وجمع الكلمة عليه) أي ولاجتماع كلمة الأمة لديه (فلمّا استقرّ) أمره وثبت حكمه وعلا قدره وأعلى نوره (وأظهره الله على الدّين) أي أنواعه (كلّه) أي جميعه حسب ما وعده له بقوله هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ (قَتَلَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ) ممن عاداه (واشتهر أمره) فيمن باداه (كفعله) ﵊ (بابن خطل) وهو متعلق بأستار بيت الله الحرام (ومن عهد بقتله) أي كفعله بقتل من أوصى بقتله (يوم الفتح) من بعض الرجال والنساء فمنهم من قتل وذهب إلى جهنم ومنهم من تاب وأسلم (ومن) أي وقتل من (أمكنه قتله غيلة) بكسر المعجمة أي خفية أو غفلة (من يهود) كابن أبي الحقيق وابن الأشرف (وغيرهم) أي وغير يهود على ما مر ذكرهم (أو غلبة) بفتحتين أي أو قتله شهرة وعلانية كَالنَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ (ممّن لم ينظمه) بكسر الظاء المعجمة أي لم يشمله (قبل) أي قبل قتله (سلك صحبته) أي خيط محبته وحياطة مودته وحيازة معرفته (والانخراط) أي ولم ينظمه الدخول والاختلاط (فِي جُمْلَةِ مُظْهِرِي الْإِيمَانِ بِهِ مِمَّنْ كَانَ يؤذيه) بلسانه ويطعن في شأنه (كابن الأشرف) المحروم عن الشرف (وأبي رافع) الذي نسبه له غير نافع (والنّضر بن الحارث) بالضاد المعجمة وهو الذي لم يحصل له النصر (وعقبة بن أبي معيط) بضم العين وسكون القاف الذي دخل في عقبة النار وعقبى الفجار في دار البوار (وكذلك هدر) بفتح الهاء والدال المهملة والراء أي أبطل (دم جماعة) وفي أصل الدلجي ندر بالدال وقال أي أسقط وأهدر انتهى وفي القاموس الهدر محركة ما يبطل من دم وغيره هدر يهدر ويهدر هدرا وهدرا وهدرته لازم ومتعد وأهدرته فعل وأفعل بمعنى وندر الشيء ندورا سقط من جوف شيء أو من بين اشياء انتهى فظهر أنه لم يأت بمعنى اسقط وأهدر نعم فيه أن أندر الشيء أسقط وهو كذا في أصل الأنطاكي ولكن
[ ٢ / ٤١٥ ]
ليس فيه تصريح بأنه بمعنى أهدره وقال التلمساني نذر بفتح الذال المعجمة أي التزم وقتلهم ويجوز أن يكون معناه اباح لأنه لما التزم قتله كان كأنه أباح للقاتل ويجوز أن يكون نذر بالكسر أي اعلم والمعنى اعلم بإباحة دمائهم والرواية بالفتح ويجوز ندر بالمهملة أي أهدر دمه واسقط وقد روي فأهدر دماءهم (سواهم) أي ما عدا المذكورين (ككعب بن زهير) بالتصغير المزني كان قد خرج هو وأخوه بجير بضم الموحدة وفتح الجيم فتحتية ساكنة فراء إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فتقدم بجير ليكشف أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويأتي كعبا ويخبره فلما جاءه بجير عرض عليه الإسلام فأسلم فبلغ ذلك كعبا فأنشد أبياتا ينكر فيها على أخيه إسلامه ويتعرض لغيره من أبي بكر الصديق ونحوه بقوله:
ألا أبلغا عني بجيرا رسالة على أي شيء ويب غيرك دلكا
على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه ولم تدرك عليه أخا لكا
فقال ﵊ نعم لم يلف عليه أمه ولا أباه فأهدر ﵊ دمه وقال من لقيه فليقتله فبعث إليه أخوه يعلمه بذلك وأنه ﵊ لا يأتيه أحد فيسلم إلا قبل منه الإسلام وأسقط ما كان قبله من الآثام فإذا أتاك كتابي هذا فأقبل واسلم فجاء كعب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنشد القصيدة المشهورة أولها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
فلما بلغ:
أن الرسول لسيف يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول
انبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول
أشار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى من معه استمعوا وأجازه ﵊ على هذه القصيدة وأعطاه بردة قيل إن معاوية بن أبي سفيان طلب البردة منه بعشرة آلاف درهم فقال ما كنت لأوتر يثوب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أحدا فلما مات كعب بعث معاوية إلى أولاده بعشرين ألف درهم وأخذ البردة ولم تزل في خزائن بني أمية تنتقل من واحد إلى واحد قيل اشتراها منه معاوية بثلاثين ألفا ويقال إنها البرد الذي توارثه خلفاء بني العباس وكان قدومه وإسلامه بعد انصرافه ﵊ من الطائف وكعب ابن زهير من فحول الشعراء وأبوه وجده وكذلك ابنه عقبة وابن عقبة أيضا وأشعرهم زهير ثم كعب وقد هلك زهير قبل المبعث (وابن الزّبعرى) بكسر الزاء والموحدة فعين ساكنة مهملة فراء مقصورا القرشي السهمي الشاعر المشهور كان من أشد الناس على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه بلسانه ويده قبل إسلامه ثم اسلم بعد الفتح وحسن إسلامه واعتذر عن زلاته حين أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقد انقرض ولده ومن مدحه لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
[ ٢ / ٤١٦ ]
مضت العداوة فانقضت اسبابها ودعت أوامر بيننا وحكوم
فاغفر فدى لك والد أي كلاهما زللي فإنك راحم مرحوم
وعليك من علم المليك علامة يوم أغر وخاتم مختوم
(وغيرهما ممّن آذاه) بألسنتهم (حتّى ألقوا) أنفسهم بأيديهم (بين يديه) وهو كناية عن إسلامهم واستسلامهم لديه (ولقوه مسلمين) أي منقادين مخلصين متوجهين إليه صلى الله تعالى عليه وسلم (وبواطن المنافقين مستترة وحكمه ﵊ على الظّاهر) أي وأحكامه على ظواهرهم مستقرة مستمرة في العلانية (وأكثر تلك الكلمات) المؤذية (إنّما كان يقولها القائل منهم خفية) بضم أوله وكسره (ومع أمثاله) أي من يهودي أو منافق كما قال تعالى وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (ويحلفون عليها) إنكارا لها (إذا نميت) بصيغة المجهول مخففا أي رفعت إليه (وينكرونها) إذا وصلت لديه (ويحلفون بالله ما قالوا) كما أخبر الله تعالى عنهم وأكذبهم بقوله (وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ) وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وهموا بما لم ينالوا في مرامهم من قتل الرسول وهو أن خمسة عشر منهم توافقوا عند مرجعه من تبوك أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل أي علاها فيه فأخذ عمار بن ياسر بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وقعقعة السلاح فقال إليكم إليكم يا اعداء الله فهربوا (وكان) ﵊ لكونه رحمة للعالمين (مع هذا) أي ما فعلوه وقالوه (يطمع في فيئتهم) بفتح الفاء ويكسر وسكون التحتية تفسيره قوله (ورجوعهم إلى الإسلام وتوبتهم) من الآثام (فيصبر ﵊ على هناتهم) أي زلاتهم في مقالاتهم (وهفوتهم) أي وسقطاتهم وفي نسخة وجفوتهم أي وغلظتهم في حالاتهم (كما صبر أولو العزم) أي أصحاب الجد والحزم (من الرّسل) قيل من بيانية والأصح أنها تبعيضة وأنهم محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام وقيل غير ذلك وقال البغوي الذين ذكرهم الله تعالى على التخصيص في قوله وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وفي قوله شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا انتهى وقدم النبي ﵊ في الآية والأولى للإيماء إلى أنه في المرتبة الأعلى وأنه أول في عالم الموجود وإن كان آخرا في مقام الشهود (حتّى فاء) أي رجع إلى الإسلام (كثير منهم باطنا) في الآخر (كما فاء ظاهرا) في الأول (وأخلص سرّا) في الاستقبال (كما أظهر جهرا) في أول الحال (ونفع الله بعد) أي بعد ذلك من اخلاصهم هنالك (بكثير منهم) في أمر الجهاد وغيره (وقام منهم للدّين وزراء وأعوان) أي أمراء (وحماة) بضم الحاء وتخفيف ألميم أي قضاة (وأنصار) للدين ولو ينقل علوم اليقين (كما جاءت به الأخبار) التي ذكرها أرباب السير من المحدثين (وبهذا) الجواب (أجاب بعض أئمتنا) أي المالكية وغيرهم (﵏ عن هذا السّؤال) المشتمل
[ ٢ / ٤١٧ ]
على ما سبق من الإشكال (وقال) ايضاحا لهذا المقال (ولعلّه) أي الشأن (لم يثبت عنده ﵊ من أقوالهم ما رفع إليه) وحكي لديه ويشكل هذا بقول بعضهم أعدل واتق الله (وإنّما نقله الواحد) القائل إذ قوله دفع ورد عليه (ومن لم يصل) أي لم يبلغ قوله أو قائله (رتبة الشّهادة) أي الكاملة من العدد المعتبر في الشرع المقرر (في هذا الباب) بخصوصه المقدر فيما يوجب قتل من سب نبينا كما تحرر (من صبيّ) كزيد بن أرقم (أو عبد أو امرأة) كعائشة أو جارية مملوكة أو بنت صغيرة أو كافر (والدّماء لا تستباح) اراقتها (إلّا بعدلين) لكن يشكل هذا بتكذيب الله تعالى لهم في قوله وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وكذا في شهادة ابن أرقم والله تعالى أعلم (وعلى هذا) الاحتمال (يحمل أمر اليهوديّ) أي كلامهم (في السّلام) وفي نسخة في السام (وأنّهم) على دأبهم وعادتهم (لوّوا به ألسنتهم) بتشديد الواو الأولى وتخفيفها أي عطفوها وأمالوها والمعنى أنهم حرفوه (ولم يبيّنوه ألا ترى كيف نبّهت) النبي ﵊ (عائشة رضي الله تعالى عنها) أي على ظن أنه ﵊ ما تفطن لقولهم السام (ولو كان) أي المنافق أو اليهودي (صرّح بذلك لم تنفرد) عائشة من بين الصحابة (بعلمه) روي أنها قالت لهم عليكم السام والذام وفي رواية واللعنة فقال مهلا يا عائشة الم تسمعي ما أقول لهم فإن الله يستجيب لهم فيهم ولا يستجيب لهم في (ولهذا) أي لتنبيه عائشة (نبّه النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أصحابه على فعلهم) وكذا على كذبهم في قولهم (وقلّة صدقهم) المتين المبين (في سلامهم) لعدم إسلامهم (وخيانتهم في ذلك) أي في مقام كلامهم (ليّا بألسنتهم) أي تحريفا بها (وَطَعْنًا فِي الدِّينِ فَقَالَ إِنَّ الْيَهُودَ إِذَا سلّم أحدهم) أي على المسلمين (فإنّما يقول السّام عليكم) أي الموت (فقولوا عليكم) أو وعليكم كما تقدم والله تعالى اعلم وفيه أن الله سبحانه أخبر عنهم بقوله وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ فهذا ثبت بشهادة الله تعالى في حقهم فليس الحكم السابق مبنيا على إخبار عائشة فقط (وكذلك) أي مثل هذا المقول المرضي عند المنصف (قال بعض أصحابنا) أي من المالكية (البغداديون) بالرفع على أنه نعت بعض والبغداديين بالجر على أنه نعت أصحاب كالقاضي عبد الوهاب وابن خويز منداد وابن الجلاب (إنّ النّبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْتُلِ الْمُنَافِقِينَ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ) أي بمجرد علمه في حقهم (ولم يأت) أي في حديث من الأخبار ورواية من الآثار (أنه قامت بيّنة) أي ثبتت حجة (على نفاقهم) أي بخصوصهم وما ورد في الكتاب إنما هو مذكور لعمومهم سترا من الله في اسرارهم وكتما في أخبارهم وآثارهم (فلذلك تركهم) احياء على أحوالهم في ديارهم فاندفع ما اعترض الدلجي على المصنف بقوله وكفاك بينة عليه ما وردت به سورة المنافقين وبراءة من البحث عن اسرارهم وإظهار نفاقهم وأخبارهم (وأيضا) يقال في دفع الإشكال (فإنّ الأمر كان سرّا وباطنا) أي بالإخفاء والكتمان (وظاهرهم الإسلام والإيمان وإن كان) أحدهم (من أهل الذّمة بالعهد والجوار) بكسر الجيم وتضم أي الإمان فهو من
[ ٢ / ٤١٨ ]
الجار بمعنى المجاور أو الذي أجرته من أن يظلم (والنّاس قريب عهدهم بالإسلام لم يتميّز بعد) أي بعد مضي تلك الأيام (الخبيث من الطّيب) أي المرائي من المخلص في مقام الكلام (وقد شاع) أي فشا وذاع (عن المذكورين في العرب) بحيث ملأ الاسماع (كَوْنُ مَنْ يُتَّهَمُ بِالنِّفَاقِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ وصحابة سيّد المرسلين) المفاد من عموم حديث البخاري أنا سيد الأولين والآخرين (وأنصار الدّين بحكم ظاهرهم) أنهم من المسلمين (فلو قتلهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لنفاقهم وما يبدر) بضم الدال المهملة بعد الموحدة أي يسرع للناس (منهم) وفي أصل الدلجي يبدر بالواو أي يظهر منهم (وعلمه) أي لمجرد علمه (بما أسرّوا في أنفسهم) من النفاق والشقاق وجواب لو (لوجد المنفّر) بتشديد الفاء المسكورة (ما يقول) في تنفيره (ولا ارتاب الشّارد) في تغييره (وأرجف المعاند) بصيغة المفعول أو الفاعل والمعاند بكسر النون هو المنكر الحاجد الحائد ومنه قَوْلِهِ تَعَالَى لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ الآية والمرجف هو الذي يرجف قلوب الناس بالأخبار المتزلزلة التي لا أصل لها من الرجفة وهي الزلزلة والمعنى خاص في أمر الفتنة والأخبار السيئة (وارتاع) أي وخاف (من صحبة النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرُ وَاحِدٍ) أي كثير من الأنام ممن ضعف دينه وسقم يقينه وجهل أن الداخلين في الإسلام وهم مخلصون أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (ولزعم الزّاعم وظنّ العدوّ الظّالم) وفي نسخة الفذ بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة المنفرد الواهم (أن القتل) للمنافقين (إنّما كان للعداوة) الباطنية المتعلقة بالأمور الدنيوية (وطلب أخذ التّرة) بكسر التاء الفوقية أي النقص والتبعة الكامنة في الطباع البشرية من مطالبة دماء القتيل الواقع في الجاهلية (وَقَدْ رَأَيْتُ مَعْنَى مَا حَرَّرْتُهُ مَنْسُوبًا إِلَى مالك بن أنس رحمه الله تعالى) أي الإمام وفق ما قررته (ولهذا قال ﵊ لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) وقد مر عليه الكلام، (وقال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لكن لا يعرف من رواه من المخرجين الكرام (أولئك الّذين نهاني الله عن قتلهم) وعلى تقدير صحته يحمل على أول أمره وحالته من قوله فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ بخلاف آخره لقوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ (وهذا) أي عدم اجراء أحكامه عليهم من حيث بواطنهم المستورة لديهم (بِخِلَافِ إِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ عَلَيْهِمْ مِنْ حُدُودِ الزّنا) أي جلدا ورجما وهو بالقصر وقد يمد (والقتل) قودا وحدا (وشبهه) كحد السرقة والقذف وشرب الخمر (لظهورها) أي لوضوح أمرها (واستواء النّاس في علمها) أي واشتراك الناس في حكمها (وقد قال محمّد بن المواز) بفتح الميم وتشديد الواو ثم زاء (لو أظهر المنافقون نفاقهم) أي كفرهم وشقاقهم (لقتلهم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بخصوصهم فلا ينافي ما أظهر الله من حالهم بعمومهم كما توهمه الدلجي واعترض به على القاضي وذلك لأن المنافق إذا آظهر النفاق خرج عن كونه منافقا، (وقال) يعني وقال به أيضا (القاضي أبو الحسن بن القصّار) بفتح القاف وتشديد
[ ٢ / ٤١٩ ]
الصاد وتصحف في أصل الدلجي بالصفار، (وَقَالَ قَتَادَةُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ) أي عن نفاقهم (وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي شك عن ترددهم وشقاقهم (وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ) عن إرجافهم بأخبار سوء من عند أنفسهم عن سراياه ﵊ بقولهم هزموا قتلوا جرى عليهم كذا وكذا يؤذن المؤمنين ويغمونهم (لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) لنسلطنك عليهم بأن تفعل بهم ما يكون عبرة لغيرهم (ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها) بأن نضطرهم إلى الجلاء عن المدينة السكينة فلا يساكنونك فيها (إِلَّا قَلِيلًا) من الزمان ريثما يخرجون بعيالهم ثم يرتحلون أو إلا قليلا منهم وهو الذي ينتهي عما ذكر من المنهي (مَلْعُونِينَ) نصب على الحال أي حال كونهم مبعودين عن رحمة الله العظيم ورحمة رسوله الكريم (أَيْنَما ثُقِفُوا) أي وجدوا بعد ذلك (أُخِذُوا) أي امسكوا (وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا) أي وبولغ في قتلهم تنكيلا (سُنَّةَ اللَّهِ [الأحزاب: ٦٠- ٦٢]) أي سن الله سنته وأجرى عادته (الآية) أي في الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ أي مضوا قبلكم من الأنبياء وأممهم وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا أي تغييرا وتحويلا، (قال) أي قتادة (معناه) أي معنى قوله لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ (إذا أظهروا النّفاق) الذي في باطنهم من الشقاق، (وَحَكَى مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ زيد بن أسلم) وهو من فقهاء التابعين بالمدينة (أنّ قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ) أي بالسيف (وَالْمُنافِقِينَ) أي بالحجة (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة: ٧٣]) جميعا في محاربتهم ومحاججتهم فعن الحسن وقتادة ومجاهد المنافقين بإقامة الحدود عليهم وعن مجاهد بالوعيد وقيل بإفشاء اسرارهم وإظهار أخبارهم والأظهر أن المعنى جاهد الكفار والمنافقين إذا آظهروا كفرهم واعلنوا سرهم وبهذا التقدير (نسخت) هذه الآية (ما كان قبلها) من المسالمة والمسامحة وفي كثير من النسخ نسخها ما كان قبلها أي نسخ هذا الحكم ما كان قبله من العفو والصفح عنهم (وقال بعض مشايخنا) من المالكية أو الأشعرية أو علماء أهل السنة (لعلّ القائل) وهو واحد من الأنصار كما في صحيح البخاري أو مغيث بن قشير كما قاله بعضهم لا ذو الخويصرة كما توهم الدلجي (هذه قسمة ما أريد بها وجه الله وقوله اعدل) أي قبل ذلك أو بعده هنالك كذا حرره الدلجي وقال الحلبي قائل أعدل هو ذو الخويصرة وكلام القاضي في عطفه بقوله وقوله أعدل ظاهر في أن الكلامين قالهما واحد وفيه نظر فإنما هما اثنان ولو قال وقول الآخر أعدل لكان حسنا (لم يفهم النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي منه كما في نسخة أي من قوله (الطّعن عليه) أي على فعل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (والتّهمة له) أي لديه ونسبة التقصير إليه (وإنّما رآها) أي القسمة أو تلك الحالة (من وجه الغلط في الرّأي) أي بناء على رأي ناقصة (وأمور الدّنيا) أي في أمورها (والاجتهاد في مصالح أهلها) ظنا منه أن هذا من قبيل أنتم أعلم بأمور دنياكم (فلم ير) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (ذلك) الكلام (سبّا) بتشديد الموحدة أي طعنا ومذمة وفي نسخة شيئا أي من الملامة مما يستحق عليه العقوبة (ورأى أنّه من
[ ٢ / ٤٢٠ ]
الأذى الّذي) يجوز (لَهُ الْعَفْوُ عَنْهُ وَالصَّبْرُ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ) لَمْ يعاقبه والصواب أنه ﵊ فهم من الخطاب ما يستحق عليه العقاب لكنه كان مأمورا بالإعراض عنهم في مقام العتاب وإلا فكيف لا يفهم الطعن من قوله هذه قسمة ما أريد بها وجه الله نعم قوله أعدل قد يقال إنه أراد به التسوية اللغوية والعدالة العرفية ولكنه ﵊ فهم أنه أراد العدالة الشرعية فقال له ويلك من يعدل إن لم أعدل وقال في آخر الحديث يخرج من ضئضىء هذا قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين الحديث فكان كما أخبره ﵊ وقتل على يد علي رضي الله تعالى عنه في النهروان وهو رئيس الخوارج وأهل الخذلان (وكذلك) أي وكما قيل فيمن تقدم من الاعتذار (يقال في اليهود إذ قالوا) بدل السلام (السّام) أي عليكم كما في نسخة (ليس فيه صريح) وفي نسخة تصريح (سبّ) أي شتم (ولا دعاء) أي عليه بذم (إلّا) أي لكن دعاء عليه (بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنَ الْمَوْتِ الَّذِي لا بدّ) أي لا محالة ولا مفارقة (من لحاقه جميع البشر) بل كل ذي روح من الخلق كما صح في الخبر وفيه أن مثل هذا يسمى من باب الدعاء على المقول فيه بحسب العرف والعادة لأنه يراد به الإنشاء لا الإخبار بما سيقع من الحالة وهذا المعنى الذي فهمته عائشة رضي الله تعالى عنها وهي من الفصحاء والبلغاء ومن أهل بيت الفهم والحذاقة والعلم والفطانة (وقيل بل المراد تسأمون دينكم) أي تملونه وتتركونه (والسّأم) بهمزة ساكنة (والسّامة) بهمزة ممدودة (الملال والملالة) قال الدلجي والرواية بل همز لاختلاف صيغتيهما واوا وهمزا انتهى وأراد أنه لا يصح هذا المعنى من ذلك المبنى والصواب أنه لا مخالفة بين الرواية والدراية لأن الهمزة الساكنة كثيرا تبدل ألفا (وهذا دعاء على سآمة الدّين) أي في قلوب المؤمنين (ليس بصريح سبّ) أي شتم لكنه متضمن لعيب وذم (ولهذا) أي ولكونه ليس بصريح سب (ترجم البخاري على هذا الحديث باب) بالرفع منونا (إذا عرّض) بتشديد الراء أي لوح (الذّميّ أو غيره) وفي نسخة وغيره أي المستأمن (بسببّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ولم يصرح به قال ابن المنير كأن البخاري كان على مذهب الكوفيين في هذه المسألة وهو أن الذمي إذا سب يعزر ولا يقتل (قال بعض علمائنا وليس هذا) أي قول اليهود السام عليكم (بتعريض بالسّبّ) أي الشتم (وإنّما هو تعريض بالأذى) ولكنه موصوف بالذم (قال القاضي أبو الفضل) يعني المنصف (وقد قدّمنا أنّ الأذى) بعمومه (والسّبّ) بخصوصه (في حقّه صلى الله تعالى عليه وسلم سواء) لاستوائهما في تنقصه والخروج عن دينه الموجب لتكفيره بخلاف غيره فإنه يفرق بينهما باختلاف تعزيره حسب تقريره وفيه إن جميع مراتب الايذاء لا تكون مع السب في حالة السواء فإنه ﵊ كان يتأذى من أصحابه الكرام إذا صدر عنهم ما يوجب شيئا من الآثام (وقال القاضي أبو محمّد بن نصر) بصاد مهملة (مجيبا عن هذا الحديث) أي حديث السام (ببعض ما تقدّم) من الكلام (ثُمَّ قَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ هَلْ كان هذا اليهوديّ من أهل العهد) أي الجزية (والذّمّة) أي
[ ٢ / ٤٢١ ]
الامان فينتقض عهده ويبلغ مأمنه (أو الحرب) أي أهل الحرب فيهدر دمه (ولا يترك موجب الأدلة) بفتح الجيم أي مقتضاها من القتل بشتم أو ذم (لأمر المحتمل) لواحد منهما وفيه أن ذلك اليهودي إما كان منافقا وإما مستأمنا ولا فما كان ﵊ وأصحابه الكرام يتحملون من الحربي نوعا من الكلام ولا كانوا يتركونه في ذلك المقام بعد الأمر بقتال من لم يذعن للإسلام نعم كما قال هو وغيره (والأولى في ذلك) وفي نسخة في هذا (كلّه والأظهر من هذه الوجوه) في حكمه (مقصد الاستئلاف) بفتح الصاد وكسرها أي لمحض طلب الألفة ورفع الكلفة عن الأمة (والمداراة على الدّين لعلّهم يؤمنون) على وجه اليقين (وَلِذَلِكَ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ عَلَى حَدِيثِ الْقِسْمَةِ وَالْخَوَارِجِ باب) بالتنوين وفي نسخة بالإضافة إلى قوله (من ترك قتال الخوارج) أي مقاتلتهم وفي نسخة قتل الخوارج وهم طائفة مشهورة من أهل البدعة يبغضون أهل بيت النبوة (للتّألّف) أي طلب الالفة ليثبتوا على الملة (ولئلّا ينفر النّاس عنه) بكسر الفاء من النفر وفي نسخة من التنفير عن أي ولدفع النفرة عن قبول الدعوة (وَلِمَا ذَكَرْنَا مَعْنَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَقَرَّرْنَاهُ قَبْلُ) أي قبل ذلك (وقد صبر لهم صلى الله تعالى عليه وسلم على سحره) بكسر السين أي ما سحر به وفي نسخة بفتحها وهو المصدر (وسمّه) أي وعلى تسميمه (وهو أعظم من سبّه) وفيه أن من سمه علله بأنه اختبره على أنه إن كان نبيا فلا يضره وإلا فيندفع به شره ولذا لم يقتلها أولا ثم قتلها قصاصا بعد ما مات بشر بن البراء من أصحابه (إلى أن نصره الله عليهم) وأظهر أمره لديهم (وَأَذِنَ لَهُ فِي قَتْلِ مَنْ حَيَّنَهُ مِنْهُمْ) فتحتية مشددة فنون مفتوحات أي أهلكه من الحين وهو الهلاك وقيل من حينه أي انتظر وقته وروي بالخاء المعجمة من الخيانة ويحتمل خيبه بالباء الموحدة أي نسبه إلى الخيبة وفي نسخة أخرى عيبه بالموحدة أو النون وهذا كله في بني قريظة وإضرابهم (وإنزالهم) وفي نسخة وانزلهم (من صياصيهم) بفتح أوله أي حصونهم (وقذف) أي والحال أنه ﷾ ألقى (في قلوبهم الرّعب) بسكون العين وضمها أي الخوف الشديد (وكتب على من يشاء منهم) كبني النضير وأحزابهم (الجلاء) بفتح الجيم ويكسر والمد اي الإخراج عن وطنهم ومألوف بدنهم وكربة الغربة وسائر محنهم (وأخرجهم من ديارهم) ومدار آثارهم (وخرّب بيوتهم) من دارهم (بأيديهم) أي أنفسهم (وأيدي المؤمنين) بالنقض والهدم حتى لا يبق منهم في المدينة آثار دار ولا ديار (وكاشفهم) أي ظاهرهم وشافههم (بالسّبّ) أي الطعن والتعيير (فقال يا إخوة القردة والخنازير) خطابا لشبانهم ومشايخهم وفيه إيماء إلى قوله تعالى وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ فهم أخوتهم من حيث وقوع المسخ في طائفتهم وقيل القردة في أصحاب السبت من اليهود والخنازير في أصحاب المائدة من النصارى وهم من قوم واحد يجمعهم بنو إسرائيل (وحكّم فيهم سيوف المسلمين) بتشديد الكاف إشارة إلى قتل بني قريظة ونزولهم من حصونهم بحكم سعد بن معاذ (وأجلاهم) أي أخرجهم (من جوارهم) بكسر الجيم ويضم أي مجاورتهم ومحاورتهم (وأورثهم) أي الله
[ ٢ / ٤٢٢ ]
﷾ (أرضهم وديارهم) أي مساكنهم (وأموالهم) كبني النضير وهذا كله (لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَكَلِمَةُ الَّذِينَ كفروا السّفلى) في الدنيا والأخرى قال ابن إسحاق كان إجلاء بني النضير عند مرجع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أخذ وفتح بني قريظة عند مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان ومجمل قصتهما أن بني النضير كانوا صالحوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على أن لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه ولما غزا أحدا وهزم المسلمون نقضوا العهد فركب كعب بن الأشرف في أربعين راكبا من اليهود إلى مكة فأتوا قريشا وعاقدوهم بأن تكون كلمتهم واحدة على محمد ثم رجع كعب وأصحابه إلى المدينة فنزل جبريل ﵇ فأخبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك فأمر رسول بقتل كعب بن الأشرف وأمر الناس بالمسير إلى بني النضير وكانوا بقرية فدس المنافقون إليهم أن لا يخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم ولنضرنكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم فحاصرهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إحدى وعشرين ليلة وقذف الله في قلوبهم الرعب وأيسوا من نصر المنافقين فسألوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الصلح فأبى عليهم إلا أن يخرجوا من المدينة ولهم ما أقلت الإبل أي حملت من أموالهم ولنبي الله ما بقي ففعلوا ذلك وخرجوا من المدينة إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام وذلك قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ أي في أول حشرهم من جزيرة العرب إذ لم يصبهم قبل ذلك هذا الذل والتعب أو في أول حشرهم من إجلائه ﵊ إلى الشام وآخر حشرهم إجلاء عمر رضي الله تعالى عنه إياهم من خيبر إلى ذلك المقام وقيل آخر حشرهم يوم القيامة فأنهم كغيرهم يحشرون إليه عند قيام الساعة وأما قضية بني قريظة فروي أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما رجع من منصرف الأحزاب إلى المدينة أتاه جبريل ﵇ فقال وضعت السلاح يا رسول الله قال نعم قال إن الله يأمرك بالسير إلى بني قريظة وكانوا قد عاونوا الأحزاب على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأمر النبي ﵊ مناديا أذن من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة وقدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عليا بن أبي طالب كرم الله وجهه برايته إليهم فسار علي حتى إذا دنا من الحصون سمع مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فرجع حتى أتاه فقال يا رسول الله لا عليك أن تدنو من هؤلاء الأخابيث قال لم أظنك سمعت في منهم اذى قال نعم يا رسول الله قال لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا فلما دنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من حصونهم قال يا أخوة القردة والخنازير هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمة قالوا يا أبا القاسم ما كنت جهولا قال فحاصرهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب فنزلوا على حكم سعد بن معاذ قال سعد فإني أحكم فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة بأن يقتل مقاتلهم ويسبى ذرايهم فحبسهم رسول الله صلى
[ ٢ / ٤٢٣ ]
الله تعالى عليه وسلم في دار بنت الحارث امرأة من بني النجار ثم خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى سوق المدينة فخندق بها خندقا ثم بعث إليهم فضربت أعناقهم في تلك الخنادق وكانوا على ما قيل ستمائة أو سبعمائة وقسم الأموال والنساء والذراري وذلك قول تعالى وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أي عاونوا الأحزاب على حرب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (فَإِنْ قُلْتَ فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ) من رواية البخاري وغيره (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهُ صَلَّى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يؤتى إليه) أي لم يعاقب أحدا على مكروه يقع عليه (قطّ) أي أبدا في حال من أحواله (إلّا أن تنتهك) بصيغة المجهول أو الفاعل أي تنتقص أو تنتقض (حرمة الله تعالى) أي احترامه وعزته (فينتقم لله) أي حينئذ مع انتقامه لنفسه انتقاما لحرمة ربه (فاعلم أنّ هذا) الحديث (لا يقتضي) مضمونه (أَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِمْ مِمَّنْ سَبَّهُ أَوْ آذَاهُ) أي بقوله أو فعله (أو كذّبه فإنّ هذه) المذكورات (من حرمات الله التي انتقم لها) وفي نسخة منها أي من أجلها ابتغاء لوجه الله تعالى كما تقدم من قتل أبي رافع وكعب بن الأشرف وغيرهما (وإنّما يكون ما لا ينتقم) أي منه كما في نسخة (له) أي لأجل نفسه (فيما تعلّق بسوء أدب) من اجلاف العرب (أو معاملة) مع أحد منهم (من القول والفعل في النّفس) وفي نسخة بِالنَّفْسِ (وَالْمَالِ مِمَّا لَمْ يَقْصِدْ فَاعِلُهُ بِهِ أذاه) أي أذى النبي ﵊ (لكن) أي إلا أنه صدر (ممّا) وروي بما أي بسبب ما (جبلت عليه الأعراب) أي من الأخلاق أو من الطباع التي خلقت وطبعت وتعودت عليها (من الجفاء) بفتح الجيم ومد الفاء وهو غلظ الطبع (والجهل) بآداب الشرع كما قال تعالى الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ (أو جبل عليه البشر) أي جنس بني آدم كلهم (من الغفلة) أي الغيبة عن مقام الحضرة وروي من السفه وهو الخفة وقلة المبالاة بالعمل (كجبذ الأعرابيّ) بجيم فباء موحدة فذال معجمة أي جذبه بعنف وشدة (رداءه) وفي نسخة بردائه فالباء للتقوية أو لتأكيد التعدية وفي بعض النسخ بازاره وهو خطأ فاحش كما يدل عليه (حتّى أثّر) أي أثر جبذه (في عنقه) اللهم إلا أن يحمل الإزار على الملحفة وهو كل ما سترك وقد قال الأعرابي كما في البخاري مر لي من مال الله الذي عندك (وكرفع صوت الآخر) أي الأعرابي أو غيره (عنده) قال الحلبي يحتمل أنه يريد ثابت بن قيس بن شماس فقد روى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس فقال رجل يا رسول الله أنا اعلم لك الحديث في خوفه من رفع صوته عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عند نزول قوله تعالى لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ الآية ويحتمل أن يريد غيره قلت المتعين أن يكون غيره لأن قصته من محامد مناقبه لا في مذامه من مراتبه وأما قول الدلجي أن الذي قال هذه قسمى ما اريد بها وجه الله فموقوف على ثبوت كون مقوله هذا واقعا برفع صوته وقد عينه التلمساني بالأعرابي الذي طالبه ﵊ في دينه وأراد اصحابه
[ ٢ / ٤٢٤ ]
الكرام منعه فقال ﵊ دعوه فإن لصاحب الحق مقالا (وكجحد الأعرابيّ) أي له كما في نسخة يعني وكإنكاره للنبي ﵊ (شراءه منه) أي الأعرابي وهو سواد بن قيس المحاربي وقيل سواد بن الحارث (فرسه) المسمى بالمرتجز وكان أبيض وقيل النجيب (التي شهد فيها خزيمة) أنه اشتراها منه فجعل صلى الله تعالى عليه وسلم شهادته بشهادتين والحديث وراه البخاري (وما) وفي نسخة وكما (كان من تظاهر زوجيه) وفي نسخة زوجتيه وهي لغة والأول أفصح أي تعاونهما (عليه) فيما يسوؤه من فرط الغيرة بالنسبة إليه وهما عائشة وحفصة (وأشباه هذا) الذي ذكر هنا (ممّا يحسن الصّفح عنه) أي يستحسن الاعراض عنه وعدم الالتفات نحوه وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا إِنَّ أَذَى النَّبِيِّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ بِفِعْلٍ مُبَاحٍ ولا غيره وأما غيره من الناس فَيَجُوزُ بِفِعْلٍ مُبَاحٍ مَا لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ فعله وإن تأذى غَيْرُهُ وَاحْتَجَّ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وبقوله صلى الله تعالى عليه وسلم في حديث فاطمة رضي الله تعالى عنها أنها بضعة مني يؤذيني ما آذاها أَلَا وَإِنِّي لَا أُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَلَكِنْ لَا تَجْتَمِعُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَابْنَةُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَبَدًا (أَوْ يَكُونُ هذا) الحديث المتقدم ذكره (ممّا أذاه به كافر) صريح (رجا بعد ذلك إسلامه) كذا في النسخ المصححة وجاء بالواو وقال الحلبي رأيت في بعض النسخ بالراء من الرجاء وهذه ينبغي أن تكون الصواب وتلك التي تقدمت تصحيف قلت إذا كان المبنى صحيحا رواية ودراية فلا يقال فيه إنه تحريف فلا يلزم ما ادعاه على ما سيأتي دعواه (كَعَفْوِهِ عَنِ الْيَهُودِيِّ الَّذِي سَحَرَهُ وَعَنِ الْأَعْرَابِيِّ الّذي أراد قتله) وهو غورث بن الحارث (وَعَنِ الْيَهُودِيَّةِ الَّتِي سَمَّتْهُ وَقَدْ قِيلَ قَتَلَهَا) أي آخرا قصاصا ببشر بن البراء بعد ما عفا عنها أولا لإسلامها أو اعتذارها في كلامها هذا وقال الحلبي المفهوم من عبارة القاضي المؤلف هنا أن هؤلاء الثلاثة قد اسلموا لكن الذي سحره وهو لبيد بن الأعصم لم يسلم بلا خلاف فيما أعرفه وأما الأعرابي الذي أراد قتله وهو غورث أو دعثور على ما تقدم فقد اسلم بلا خلاف وأما اليهودية التي سمته فأنها زينب بنت الحارث فقيل إنها لم تسلم وقتلها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعن الزهري كما رواه معمر بن راشد في جامعه أنها اسلمت فتركها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وبيان وجه الخلاف والجمع قد تقدم والله تعالى أعلم (ومثل هذا ممّا يبلغه) أي بعض ما يصل إليه (من أذى أهل الكتاب والمنافقين) من أرباب الحجاب (وصفح عنهم) جملة حالية وفي نسخة فصفح عنهم أي أعرض عن اذاهم وتركهم على هواهم (رجاء استئلافهم) أي تألف أنفسهم (واستئلاف غيرهم كما قرّرناه قبل) أي قبل ذلك على وجه التحقيق (وبالله التوفيق) .
فصل (قَالَ الْقَاضِي تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي قَتْلِ الْقَاصِدِ لسبّه)
أي المتعمد في شتمه (والإزراء به) وفي
[ ٢ / ٤٢٥ ]
نسخة والازدراء وهو بمعنى الاحتقار (وغمصه) بمعجمه ومهملة بينهما ميم ساكنة أي عيبه (بأيّ وجه كان من ممكن) وجوده (أو محال) بضم الميم أي ممتنع شهودة (فهذا وجه بيّن) أي ظاهر مكشوف (لا إشكال فيه) ولا توقف في قتل متعاطيه. (الوجه الثاني لا حق به) أي ملحق بالوجه الأول (في البيان والجلاء) أي في الظهور وعدم الخفاء (وهو أن يكون القائل لما قال) من الكلام (في جهته صلى الله تعالى عليه وسلم غير قاصد للسّبّ) أي للشتم على وجه الجفاء (والإزراء) وفي نسخة الازدارء أي الاستحقار بالاستخفاف والاستهزاء (ولا معتقد) بالجر وفي نسخة ولا معتقدا (له) أي لمضمون كلامه (ولكنّه تكلّم في جهته صلى الله تعالى عليه وسلم بكلمة الكفر) وفي نسخة بكلمة من الكفر أي من ألفاظه كما بينه بقوله (مِنْ لَعْنِهِ أَوْ سَبِّهِ أَوْ تَكْذِيبِهِ أَوْ إضافة ما لا يجوز عليه) أي نسبته إليه (أو نفي ما يجب) أي ثبوته (لَهُ مِمَّا هُوَ فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم نقيصة) أي منقصة ومذمة (مثل) بالرفع ويجوز نصبه أي نحو (أن ينسب إليه إتيان كبيرة) بصيغة المجهول والأظهر أن يكون بصيغة الفاعل أي ينسب القائل إليه اتيان كبيرة أي صدورها من قول أو فعل بخلاف صغيرة للاختلاف في جواز صدورها عنه (أو مداهنة) بالجر أو النصب أي مصانعة (في تبليغ الرّسالة) كما نفاها الله عنه بقوله فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ (أو) مسامحة أو مساهلة (في حكم بين النّاس) كما نفاها عنه في قوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ (أو يغضّ) الله بضم الغين وتشديد الضاد المعجمتين أي يخفض وينقص (من مرتبته) العلية (أو شرف نسبه) إلى آبائه وأجداده الجلية من العيوب العرفية لا من الذنوب الشرعية فأن عبد المطلب من أجداده مات في زمن الجهالة بالإجماع وكذا جزم أبو حنيفة بأن والدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ماتا في زمن الجهالة وكذا أبو إبراهيم ﵇ من أهل الكفر إجماعا خلافا للشيعة وشرذمة قليلة من أهل السنة وقد كتبت في هذه المسألة رسالة مستقلة (أو وفور علمه) أي كثرته (أو زهده) من غير ضرورته (أَوْ يُكَذِّبَ بِمَا اشْتَهَرَ مِنْ أُمُورٍ أَخْبَرَ بها ﵊ وَتَوَاتَرَ الْخَبَرُ بِهَا) عَنْهُ (عَنْ قَصْدٍ لِرَدِّ خبره) إذا لو أنكر خبرا متواترا كفر بخلاف ما أنكر حديث آحاد فإن أنكره فسق ففي المحيط من أنكر الأخبار المتواترة في الشريعة كفر مثل حرمة لبس الحرير على الرجال ومن أنكر أصل الوتر وأصل الأضحية كفر وفي الخلاصة من رد حديثا قال بعض مشايخنا يكفر وقال المتأخرون إن كان متواترا كفر أقول وهذا هو الصحيح إلا إذا كان رد حديث الآحاد من الأخبار على وجه الاستخفاف والاستحقار وأما انكار الحديث المشهور فالجمهور من أصحابنا على أنه يكفر إلا عيسى بن أبان فإن عنده يضلل ولا يكفر وهو الصحيح (أو يأتي بسفه من القول) أي بسفاهة في عبارة (أو قبيح من الكلام) ولو بإشارة (ونوع من السّبّ) وما فيه من قلة الأدب (في جهته) ﵊ (وإن ظهر بدليل حاله) أي حال قائله (أنّه لم يعتمد) أي لم يرد (ذمّه) ﵊
[ ٢ / ٤٢٦ ]
في مقاله (ولم يقصد سبّه) لاعتقاده كماله لكن صدر عنه مقاله (إمّا لجهالة) بنعوت جماله (حملته على ما قاله أو لضجر) بفتحتين أي قلق من أثر غم ناله (أو منكر) محرم أو غيره (أو قلّة مراقبة) في شأنه (وضبط) أي وقلة ضبط (للسانه وعجرفة) أي محازفة وقلة مبالاة في بيانه (وتهوّر في كلامه) أي سرعة في خلقه وجراءة في نطقه (فحكم هذا الوجه) الثاني (حكم الوجه الأوّل) وهو (القتل) أي قولا واحدا (دون تلعثم) أي توقف في بابه (إِذْ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ فِي الْكُفْرِ بِالْجَهَالَةِ) إذا معرفة ذات الله تعالى وصفاته وما يتعلق بأنبيائه فرض عين مجملا في مقام الإجمال ومفصلا في مقام الاكمال نعم إذا تكلم بكلمة عالما بمبناها ولا يعتقد معناها يمكن أن صدرت عنه من غير إكراه بل مع طواعيته في تأديته فإنه يحكم عليه بالكفر بناء على القول المختار عند بعضهم من أن الإيمان هو مجموع التصديق والإقرار فياجراءها يتبدل الإقرار بالإنكار أما إذا تكلم بكلمة ولم يدر أنها كلمة ففي فتاوى قاضيخان حكاية خلاف من غير ترجيح حيث قال قيل لا يكفر لعذره بالجهل وقيل يكفر ولا يعذر بالجهل أقول والأظهر الأول إلا إذا كان من قبيل ما يعلم من الدين بالضرورة حينئذ فإنه حينئذ يكفر ولا يعذر بالجهل أقول وفي الخلاصة من قال أنا ملحد كفر وفي المحيط والحاوي لأن الملحد كافر ولو قال ما علمت أنه كفر لا يعذر بهذا أي في القضاء الظاهر والله اعلم بالسرائر (ولا بدعوى زلل اللّسان) فيه أن الخطأ والنسيان وما استكره عليه الإنسان أن عذر في معرض البيان (ولا بشيء ممّا ذكرناه) مما يظن أنه يكون عذرا (إذا) وفي نسخة إذا (كان عقله في فطرته) أي خلقته وجبلته (سليما) بأن لا يكون مجنونا ولا خرفا سقيما (إلّا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) كما هو مبين في القرآن (وبهذا) الوجه الثاني (أفتى الأندلسيّون) بفتح الهمزة وضم الدال واللام بفتحهما أي المالكيون من علماء الأندلس وهو اقليم معروف من المغرب (على ابن حاتم) أي الطليطلي (في نفيه الزّهد) أي الاختياري (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وآله وسلّم الّذي قدّمناه) أي ذكره وأمره (وقال محمد بن سحنون) بفتح أوله ويضم ويصرف ولا يصرف (في المأمور) بأيدي الكفار (يسبّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) جملة حالية (في أيدي العدوّ) أي في تصرفهم أو فيما بينهم (يقتل إلّا أن يعلم تبصّره) أي حدوث دخوله في مذهب النصارى (أو إكراهه) أما الثاني فظاهر ويدل عليه قوله تعالى مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ روي أن بني المغيرة أخذوا عمارا وغطوه في بئر ميمون وقالوا له اكفر بمحمد فتابعهم على ذلك وقلبه كاره فأتى عمار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يبكي فقال ﵊ ما ورائك قال شر يا رسول الله نلت منك وذكره قال كيف وجدت قلبك قال مطمئنا بالإيمان فجعل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يمسح عينيه ويقول إن عادوا لك فعد لهم بما قلت وأما الأول فقد قال الحلبي هذا الكلام ينبغي أن يسأل عنه مالكية وقال الأنطاكي أي إلا أن يكون معروفا بالبصارة تمنعه بصارته ومعرفته عن الحوم
[ ٢ / ٤٢٧ ]
حول الحمى المنيع بالأمر الشنيع انتهى وفيه أن السب هنالك من غير أن يكره عليه في ذلك مناف للتبصر سواء يكون معروفا به أم لا وقال التلمساني وكأن النسخة عندهما بالباء الموحدة وإنما هي والله اعلم بالنون أي إلا أن يعلم تنصره ولا شك أن المالكية يقولون إذا تنصر طوعا ثم وقع منه سب أو لعن أو كلام يعيب به النبي أو قذفه أو استخف بحقه أو غير صفته أو الحق به نقصا ثم رجع إلى الإسلام أقول هنا بياض في الأصل ولم يعلم أن الحكم يقتل أو لا يقتل وعلى كل تقدير فيه إشكال أما على الأول فلأنه ينافي الاستثناء وسيأتي صريحا في كلام القاضي أنه يجب قتله وأما على الثاني فلأنه قد تقدم أن من سب النبي يقتل مسلما كان أو كافرا والذي يظهر لي أن المعنى إلا أن يعلم تنصره قبل ذلك وأنه ما صح إيمانه هنالك بأن كان منافقا أو مزورا أو مرائيا أو جاسوسا ثم لما أسر أظهر سبه ﵊ ثم رجع إلى الإسلام فإنه حينئذ لا يقتل ففي مختصر العلامة خليل المالكي إلا أن يسلم الكافر قال شارحه المشهور بحلو لو اختلف في الذمي إذ سب أحدا من الأنبياء ثم اسلم هل يدرأ عنه القتل بإسلامه فقال مالك في الواضحة وَالْمَبْسُوطِ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ عَبْدِ الحكم وأصبغ أن اسلم ترك قال أصبغ وسحنون لا يقال له اسلم ولكن إن اسلم فذلك له توبة وحكى القاضي أبو محمد في ذلك روايتن انتهى وأما على نسخة تبصره بالموحدة فلا يبعد أن يراد به الفرق بين المتبصر بالدين من العلماء المتقين وبين وبين الفسقة والجهلة بمراتب اليقين فإن الثاني يحتاج إلى العلم بإكراهه ببينة أو قرينة بخلاف الأول فإن الظن به في مقام يقينه أن لا يقع له سب إلا بعد تحقق إكراهه فيقبل قوله ويتفرع عليه إبانة امرأته منه وعدمها والله ﷾ اعلم ومن فروع هذه المسألة عندنا لو قالت زوجة أسير تخلص أنه ارتد عن الإسلام وبنت منه فقال الأسير أكرهني ملكهم بالقتل على الكفر بالله تعالى ففعلت مكرها فالقول لها ولا يصدق الأسير إلا بالبينة (وَعَنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ لَا يُعْذُرُ بِدَعْوَى زَلَلِ اللِّسَانِ فِي مِثْلِ هَذَا) الشأن ولعل وجهه سد الذريعة لفساد أهل الزمان (وأفتى أبو الحسن القابسيّ) بكسر الموحدة (فيمن شتم النّبي ﵌ فِي سُكْرِهِ يُقْتَلُ لِأَنَّهُ يُظَنُّ بِهِ أنّه يعتقد هذا ويفعله) أي ويقول مثله (في صحوه) فإن كل إناء يترشح بما فيه وهذا بناء على سوء الظن به مع أنه لا يلزمه إذ السكران قد يقصد أمه وبنته ونحوهما في حال سكره مع أنه لا يظن به أنه يفعله حال صَحْوِهِ (وَأَيْضًا فَإِنَّهُ حَدٌّ لَا يُسْقِطُهُ السُّكْرُ كالقذف والقتل وسائر الحدود) الفارقة بين الحلال والحرام المانعة من قربان الحرام كالزنى والمترتب عليه كالرجم (لأنّه أدخله على نفسه) باجترائه على نبيه ما لا يليق به (لأنّ من شرب الخمر على علم) أي مع علمه بما يترتب عليها (مِنْ زَوَالِ عَقْلِهِ بِهَا وَإِتْيَانِ مَا يُنْكَرُ) صدوره (منه) بسببها (فهو كالعامد لما يكون بسببه) القتل (وعلى هذا ألزمناه الطّلاق) على خلاف فيه بين علماءنا والصحيح وقوعه تأكيدا لزجره (والعتاق والقصاص والحدود) كالقطع بالسرقة (ولا يعترض على هذا) الذي ذكره من أن السكران يؤخذ بما صدر عنه حال سكره (بحديث
[ ٢ / ٤٢٨ ]
حمزة) أي ابن عبد المطلب الذي رواه الشيخان عن علي رضي الله تعالى عنه أن حمزة قبل أن تحرم الخمر كان في شرب وبفناء الدار شارفان لعلي أراد أن يأتي عليهما بأذخر يبيعه ليستعين بثمنه على تزوج فاطمة رضي الله تعالى عنهم وعند حمزة وأصحابه جارية تغنيهم فقالت:
ألا يا حمز بالشرف النواء فخرج إليهما فبقر خواصرهما وجب اسنمتهما فأخبر علي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فجاءه فلما رآه حمزة صعد نظره إليه وخاطبه بما لا يليق لديه كما بين المصنف بعضه بقوله (وقوله) أي وبقول حمزة (للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ومن معه كعلي (وَهَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي قَالَ فَعَرَفَ النبيّ ﵌ أنّه) وفي نسخة إنما هو (ثمل) بفتح المثلثة وكسر الميم أي سكران (فانصرف) عنه ولم يؤاخذه بما صدر منه (لأنّ الخمر كانت حينئذ غير محرّمة) بل كان هذا سببا لتحريمها (فَلَمْ يَكُنْ فِي جِنَايَاتِهَا إِثْمٌ وَكَانَ حُكْمُ ما يحدث منها) من سكر من شرب منها (مَعْفُوًّا عَنْهُ كَمَا يَحْدُثُ مِنَ النَّوْمِ وَشُرْبِ الدّواء المأمون) العاقبة ولهذا لما أم علي رضي الله تعالى عنه في حال سكره وقد قرأ أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ سومح في أمره.
فصل [أن يقصد إلى تكذيبه فيما قاله إلى آخره]
(الوجه الثّالث أن يقصد) أي أحد من الأنام (إلى تكذيبه ﵊ فيما قاله) أي فيما تواتر عنه من الكلام (أو أتى به) أي من أحكام الإسلام التي أجمع عليها الاعلام (أو ينفي نبوته) مطلقا (أو رسالته) إلى غير العرب مثلا (أو وجوده) في عالم شهوده (أو يكفر به) أي يتبرأ منه سواء (انتقل بقوله ذلك) وخروجه عن الإسلام هنالك (إلى دين آخر) من التهود أو التنصر أو التمجس (غير ملّته) استثناء لمجرد تأكيد في قضيته (أم لا) أي أم لم ينتقل إلى دين بأن صار ملحدا زنديقا أو دهريا أو تناسخيا مما لا يسمى دينا عرفيا وإن كان ما ذكر دينا لغويا (فهذا كافر بإجماع يجب قتله) من غير النزاع (ثمّ ينظر) أي في أمره هنالك (فإن كان مصرّحا بذلك) أي معلنا غير مستتر (كَانَ حُكْمُهُ أَشْبَهَ بِحُكْمِ الْمُرْتَدِّ وَقَوِيَ الْخِلَافُ) أي خلاف أصحاب مالك (في استتابته) أي قبول توبته (وعلى القول الآخر) بكسر الخاء أي المعتبر الناسخ للقول الأول (لا تسقط القتل عنه توبته) فيقتل حدا (لحقّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم إن كان) الملعون (ذكره) ﵊ (بنقيصة فيما قاله) هذا المتنقص (من كذب) في حقه (أو غيره) بتغير في نعته وأمره (وإن كان متستّرا) من التستر تفعل مأخوذ من الستر ضد الإخفاء وفي نسخة مستسرا بتشديد الراء من الاستسرار استفعال من السر ضد الكتم لا من ألسرور كما وهم الدلجي (فحكمه حكم الزّنديق) أي الأصلي (لا تسقط قتله التّوبة عندنا) أي معشر المالكية قولا واحدا (كما سنبيّنه) أي قريبا (قال أبو حنيفة وأصحابه
[ ٢ / ٤٢٩ ]
من برىء من محمّد) أي تبرأ منه وأعرض عنه (أو كذبه) أي في نبوته وفي نسخة أو كذب به أي بوجوده أو بكرمه وجوده وظهور نور شهوده (فهو مرتدّ حلال الدّم) أي قبل توبته (إلّا أن يرجع) عن براءته ولو بعد استتابته (وقال ابن القاسم) أي المصري صاحب مالك (فِي الْمُسْلِمِ إِذَا قَالَ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بنبيّ أو لم يرسل) إلى الثقلين كافة (أَوْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ وَإِنَّمَا هُوَ شيء تقوّله) أي افتراه واختلقه (يقتل) وهذا مجمع عليه (قال) أي ابن القاسم (ومن كفر برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنكره) الواو بمعنى أو (من المسلمين) أي أحد منهم ولا يبعد أن يكون المعنى وأنكر كونه من المسلمين (فهو بمنزلة المرتدّ) أي يقتل إن لم يتب وكان الأولى أن يقول فهو مرتد أو فيجري عليه حكم المرتد وهذا إذا كان معلنا لا مخفيا (وكذلك من أعلن بتكذيبه) أي أظهره جهرا (أنه كالمرتدّ يستتاب) فإن تاب وإلا قتل وهذا مما لا خلاف فيه إلا عند بعض المالكية (وكذلك قال) أي ابن القاسم (فيمن تنبّأ) أي ادعى أنه نبي (وزعم أنه يوحى إليه) أنه كالمرتد يستتاب (وقاله) أي مثل مقال ابن القاسم (سحنون) وهو بفتح السين وضمها وأغرب الدلجي بقوله وقد يكسر ثم هو فعلون ولذا صرف وقد يمنع بناء على مذهب الفارسي في جعل مطلق المزيدتين علة (وقال ابن القاسم دعا إلى ذلك) أي إلى أنه نبي (سرا أو جهرا) فإنه يكون كالمرتد وكان مقتضى ما سبق أنه دعا سرا يكون كالزنديق فتحتاج إلى فرق في مقام جمع التحقيق والله ولي التوفيق (وقال أصبغ) أي ابن الفرج (وهو) أي من زعم أنه نبي (كالمرتدّ لأنّه قد كفر بكتاب الله تعالى) حيث قال تعالى في حق نبينا ﵊ أنه خاتَمَ النَّبِيِّينَ (مع الفرية) بكسر الفاء أي الافتراء (على الله تعالى) قال تعالى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أو قال أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ (وقال أشهب) أي ابن عبد العزيز المصري (في يهوديّ) أي مثلا (تنبأ) أي ادعى أنه نبي في حق نفسه (أو زعم أنّه أرسل إلى النّاس) في أمره ونهيه (أو قال بعد نبيّكم نبيّ) أي يوجد بأن يولد أو نبي ناسخ لدين محمد لئلا يشكل بعيسى ﵊ ولكن اليهودي لم يقصد ذلك وإنما يتصور من النصراني هنالك (أنّه يستتاب إن كان معلنا بذلك) بخلاف ما إذا كان مخفيا فإنه معتقده هنالك (فإن تاب) من اعلان مثل هذا المقال (وإلّا قتل) في الحال (وذلك) أي قتله (لأنّه مكذّب للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في قوله) كما رواه الثقات (لا نبيّ بعدي) الأولى أن يستدل بقوله تعالى ولكن رسول الله وخاتم النبيين لأن الحديث ما ثبت متواترا ليفيد اليقين ولا مشهورا عند المحدثين وإن كان مشتهرا على السنة المؤمنين (مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ فِي دَعْوَاهُ عَلَيْهِ الرِّسَالَةَ والنّبوة) أي إحديهما؛ (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ مَنْ شَكَّ فِي حرف) أي من تردد في صحة حرف في القرآن (ممّا جاء به محمد صلى الله تعالى عليه وسلم عن الله) أي وثبت مجيئه به متواترا (فهو كافر جاحد) أي معاند ملحد وكان الأظهر أن يقول من أنكر لأن من توقف في بعض الحروف المختلفة بين القراء السبعة وإن كانت كلها متواترة ولم يدر جزما بأنه مما جاء به عن الله
[ ٢ / ٤٣٠ ]
تعالى أم لا لا يحكم بكفره فإن كثيرا من الناس إذا ترددوا في كلمة يراجعون القراء العارفين بالقراءة لا يقال مراده بالحرف هو المجمع عليه فإن الإشكال باق على حاله إذ لا يخلو قارئ عن تردد في حرف من حروفه نعم من شك في حرف مع علمه بأنه من القرآن فلا شك أنه كافر، (وقال) أي ابن سحنون (من كذّب النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي مطلقا (كان حكمه عند الأمّة) أي جميعهم (القتل) وإنما الخلاف في أنه هل يستتاب ولو بالاستمهال أم لا بل يقتل في الحال، (وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ صَاحِبُ سُحْنُونٍ من قال إنّ النبيّ ﵊ أَسْوَدُ قُتِلَ. لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم بأسود) بل كان أبيض كأنما صيغ من فضة رواه الترمذي في الشمائل عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وفي رواية مسلم والترمذي عن أبي الطفيل كان أبيض مليحا وفي رواية البيهقي في الدلائل عن علي رضي الله تعالى عنه كان أبيض مشربا بالحمرة يعني لأنه أبيض أمهق وهو البياض المشبه بالجص المكروه عند أكثر الطبائع السليمة والحاصل أن بياض لونه ثابت في الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة مختلفة في المبنى متواترة في المعنى فمن قال في حقه إنه كان أسود يكفر حيث وصفه بغير نعته الموجب لنفيه وتكذيبه لكن قد يعذر قائله إذا كان جاهلا بوصفه ﵊ لا سيما إذا كان من العوام إلا إذا أراد به تنقصه واستهانته ﵊ وهذا يختلف باختلاف العرف بين الأنام إذ السواد مرغوب بين الحبشة والهنود كما أن البياض مطلوب عند العرب والاعجام وإلا روام (وقال نحوه) أي مثل مقال ابن أبي سليمان (أبو عثمان الحدّاد قال) أي أبو عثمان وأبعد الدلجي حيث قال أي ابن أبي سليمان (لو قال) أي أحد من المسلمين (إنّه مات قبل أن يلتحي) أي قبل أن تنبت لحيته (أو أنّه كان بتاهرت) وفي نسخة بتهرت وهو بمثناة فوقية في أوله وآخره وبفتح الهاء وسكون الراء مكان بأقصى المغرب قيل هو آخر العمارة (ولم يكن بتهامة) بكسر أوله أي مكة أو أرض الحجاز (قتل لأن هذا نفي) متضمن لوجوده وظهور كرمه وجوده ثم القولان كلاهما مخالف للكتاب والسنة المشهورة أما بطلان القول الأول فيستفاد من قوله تعالى قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ وأما بطلان القول الثاني فيستفاد من قوله تعالى لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها والمراد بأم القرى مكة بالإجماع وأما بطلانهما من الحديث فقد ثبت أنه ﵊ بعث على رأس اربعين سنة فأقام بمكة ثلاثة عشر وبمدينة عشرا وتوفي وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء (قال حبيب بن ربيع تبديل صفته) أي المشهورة (ومواضعه) أي المأثورة بغيرهما (كفر) به ونفي لوجوده (والمظهر له) أي لتبديلها (كافر) أي ابتداء أو مرتد أي انتهاء (وفيه الاستتابة) أي طلب التوبة (والمسرّ له) أي المخفي لهذا الاعتقاد الفاسد والكاتم لهذا القول الكاسد (زنديق يقتل دون استتابة) أي في مذهب مالك.
[ ٢ / ٤٣١ ]
فصل (الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ يَأْتِيَ مِنَ الْكَلَامِ بِمُجْمَلٍ)
مشتمل على تعدد معنى محتمل (أو يلفظ) بكسر الفاء أي أو ينطق (من القول بمشكل) باللام في آخره أي بمعضل وتصحف على الدلجي بكافين فقال أي بما يوقع متأمله في الشك (يمكن حمله) أي يجوز إطلاق ما ذكر من المجمل (على النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ يَتَرَدَّدُ فِي المراد به) أي بالمشكل (من سلامته من المكروه أو شرّه) أي من ملامته فهو عطف على سلامته لا على المكروه كما توهم الدلجي وقال أي سلامته من شره (فههنا) من المقامين (متردّد النّظر) بفتح الدال الأولى مشددة أي محل تردد للمتأمل في المقالين (وحيرة العبر) توهم الأنطاكي فقال العبر بكسر العين وفتح الموحدة جمع عبرة بفتح وسكون الموحدة وهي الدمعة وحيرتها اجتماعها من قولهم تحير الماء أي اجتمع انتهى والصواب في هذا المقام أنه جمع عبرة بكسر فسكون وهي اسم من الاعتبار ومنه قوله تعالى فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ واستدل به النظار في صحة القياس أي وتحير في الأقيسة المتعارضة المنافية للقول اليقين (ومظنّة اختلاف المجتهدين) بكسر الظاء أي موضع الشيء ومآله الذي يظن كونه فيه (ووقفة استبراء المقلّدين) أي وتوقف لطلب براءة العلماء العالمين من القضاة والمفتين وهو بكسر اللام لأنه في مقابلة المجتهدين وضبطه التلمساني بفتح لأمه (ليهلك من هلك عن بيّنة) أي ليضل من ضل عن حجة واضحة (ويحيى من حيّ) وفي قراءة من حيى أي يهتدي من اهتدى (عن بيّنة) أي دلالة لائحة (فمنهم من غلّب) بتشديد اللام أي قدم (حرمة النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وحمى حمى) بفتح الحاء الأولى وكسر الثانية أي وصان ساحة (عرضه) عن تنقصه في طوله وعرضه (فجسر على القتل) أي أقدم واجترأ على قتل قائله من غير استتابة (ومنهم من عظّم حرمة الدّم) المعصوم في أصله (ودرأ الحدّ) أي ودفع القتل (بالشّبهة) على الناظر فيه (لاحتمال القول) أي قوله إن يراد به الذم أو خلافه وهذا هو الأولى لقوله ﵊ ادرؤوا الحدود بالشبهات كما رواه جماعة من الثقات وزاد ابن عدي واقيلوا الكرام عثراتهم إلا في حد من حدود الله تعالى وروى ابن أبي شيبة والترمذي والحاكم والبيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ولفظه ادفعوا الحدود عن عباد الله تعالى ما وجدتم لها مدفعا هذا وفيما نحن فيه يمكن الجمع بين حمى العرض وبين الدرء بعرض التوبة عليه فإن تاب وإلا قتل فيرتفع حينئذ الإشكال ويزول الاحتمال بالجواب والسؤال والله تعالى اعلم بالحال (وقد اختلف أئمّتنا) أي المالكية (في رجل أغضبه غريمه) أي طالب دينه (فقال له) غريمه (صلّ على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له الطّالب) أي غريمه (لَا صَلَّى اللَّهُ عَلَى مَنْ
[ ٢ / ٤٣٢ ]
صَلَّى عَلَيْهِ فَقِيلَ لِسُحْنُونٍ هَلْ هُوَ كَمَنْ شتم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي منتقصا له (أو شتم الملائكة الّذين يصلّون عليه) صفة كاشفة وظاهره أنه شتم لله وملائكته منطوقا ولرسوله ضمنا مفهوما فإن الله تعالى قَالَ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ وكأن المصنف اقتصر على ذكر الملائكة لقوله لا صلى الله فإن الظاهر منه المغايرة (قال) سحنون (لا) أي لا شتم هنا مطلقا (إذا كان) أي حال قائله (على ما وصفت) أنت (من الغضب) أي من غضبه على مديونه (لأنّه لم يكن) حينئذ (مضمرا للشّتم) أي لا للنبي ولا لغيره من الملائكة وغيرهم بل المراد به امتناعه حينئذ من الصلاة المشعر ذكرها بالمساهلة في المعاملة كما في العرف والعادة حال المجاملة، (وقال أبو إسحاق البرقيّ) بفتح الموحدة (وأصبغ بن الفرج) بالجيم (لا يقتل لأنّه إنّما شتم النّاس) أي بظاهره لا أراد غيرهم بل أراد منهم بحسب لفظة الناس الموجودين لا الآتين والماضين لئلا يكون شتما للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه الكرام والعلماء العظام والمشايخ الكرام والتعبير بالشتم فيه مسامحة لغوية إذ كلامه جملة دعائية وهذا قريب من اللغو في العبارات العرفية (وهذا) الذي ذكر عنهما (نحو قول سحنون) لا أنه يغايرهما ويعارضهما (لأنّه) أي سحنون (لم يعذره) بكسر الذال أي لم يسامحه (بالغضب في شتم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ضمنا ولا في شتم الملائكة ظاهرا (ولكنّه) أي الشأن (لمّا احتمل الكلام عنده) أي احتمالين فاحتاج إلى قرينة مرجحة لأحد الحالين (ولم تكن معه) أي مع كلامه (قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى شَتْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ شَتْمِ الْمَلَائِكَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عليهم ولا مقدّمة) أي سابقة من قرائن المقال أو الحال (يحمل عليها كلامه بل القرينة) الحالية (تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ النَّاسُ غَيْرُ هَؤُلَاءِ) أي النبي والملائكة ففيه نوع تغليب وقد تصحف علي الدلجي وتحرف في أصله غيرها أي غير الملائكة (ولأجل) أي ولا مقدمة لأجل (قول الآخر) والصواب أن التقدير وهذه القرينة الحالية لأجل قول الآخر وهو غريمة (لَهُ صَلِّ عَلَى النَّبِيِّ فَحُمِلَ قَوْلُهُ وَسَبُّهُ) أي دعاؤه عليه (لِمَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ الْآنَ لِأَجْلِ أَمْرِ الْآخَرِ له بهذا عند غضبه) وهذا نظير ما قال علماؤنا في يمين الفور من أنها محمولة على وقت اليمين دون ما بعده على أن هنا احتمالا آخر وهو أن يكون تقدير كلامه لا أصلي عليه أنا في هذه الحال صلى الله تعالى عليه وسلم في الماضي والاستقبال (هَذَا مَعْنَى قَوْلِ سُحْنُونٍ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِعِلَّةِ صاحبيه) أي الدليل البرقي وأصبغ على ما تقدم (وذهب الحارث بن مسكين القاضي) قال الحلبي هذا ففيه مشهور أموي مولى مروان مصري أخذ عن ابن عيينة وابن وهب وابن القاسم وسأل الليث وعنه أبو داود والنسائي وجماعة ثقة حجة عاش نيفا وتسعين سنة قال الخطيب كان ثبتا في الحديث ففيها على مذهب مالك حمله المأمون إلى بغداد أيام المحنة لأنه لم يجب إلى القول بخلق القرآن فلم يزل محبوسا إلى أن ولي المتوكل فأطلقه فحدث ببغداد ورجع إلى مصر وكتب إليه المتوكل بعهده على قضاء مصر (وغيره) أي من العلماء المالكية (في مثل هذا) القول وهو لا صلى الله (إلى
[ ٢ / ٤٣٣ ]
القتل) لشموله ظاهرا شتم كل من صلى عليه من ملائكة وغيرهم (وَتَوَقَّفَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ فِي قَتْلِ رَجُلٍ قال كلّ صاحب فندق) وهو بضم الفاء وسكون النون وداله المهملة تضم وتفتح الخان في عرف أهل مصر وهو موضع يأوي إليه الغرباء كالتجار من المسافرين ومن ليس له قريب من المجاورين (قرنان) بفتح القاف فعلان وهو نعت سوء في الرجل وهو الذي يتغافل عن فجور امرأته وابنته وأخته وقرابته وهو المسمى بالديوث وقيل المراد به القواد (ولو كان نبيّا مرسلا) ولعل وجه توقفه أنه حمل كلامه على قصد المبالغة العرفية الشاملة للأمور المحالية (فأمر) أي القابسي (بشدّة) أي ربطه (بالقيود) أي الوثيقة (والتّضييق عليه) بالإنكال الثقيلة (حتّى يستفهم البيّنة) أي يستخبر ما يبين أمره ويعين حاله الصادرة (عن جملة ألفاظه) أي كلماته في محاروته (وما يدلّ على مقصده) أي ارادته (هل أراد أصحاب الفنادق الآن) أي في ذلك الزمان (فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ فَيَكُونُ أمره أخف) إذ يمكن حمله على المبالغة وإرادة اعتقاده أنه من المحال فتعزيره أخف في مقام التنكيل ويمكن حمله على أن يجوز كون نبي مرسل يظهر بعد نبينا ﵊ فيكون أمره اشد ولهذا قال بعض علمائنا أن من ادعى النبوة فقال له قائل اظهر المعجزة كفر (قال) أي القابسي (وَلَكِنْ ظَاهِرُ لَفْظِهِ الْعُمُومُ لِكُلِّ صَاحِبِ فُنْدُقٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَقَدْ كَانَ فِيمَنْ تَقَدَّمَ من الأنبياء والرّسل من اكتسب المال) وفيه أن بعض الأنبياء والرسل وإن كانوا من أصحاب الأموال لكنهم لم يعرف مساكنهم في الخانات وعلى تقدير التنزل فالكلام إنما هو في تجويز صدور مثل هذا الفعل الشنيع والعمل الفظيع من النبي المرسل فتأمل فإنه من مواضع الزلل ولقد زل قلم الدلجي في قوله هنا فلعل أحدا منهم بنى فندقا لله تنزله المارة انتهى وفيه أن الكلام ليس فيمن بنى المقام وإنما المراد بصاحب الخان خادم أهله وحافظ جمعه وحاشا مقام الرسل والأنبياء عن مثل هذه الأشياء (قال) القابسي (ودم المسلم لا يقدم عليه) أي على سفكه (إلّا بأمر بيّن) كما قال ﵊ لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة رواه الشيخان وفي الجواهر من كتب أصحابنا من قال قتل فلان حلال أو مباح قبل أن يعلم منه ردة أو قتل نفس بآلة جارحة عمدا على غير حق أو يعلم منه زنا بعد احصان كفر (وما تردّ إليه التّأويلات) أي وما يتصور فيه الاحتمالات (لا بدّ من إمعان) وروي انعام (النّظر) أي أعماق التأمل والتفكر (فيه) أي في أمره ليظهر الوجه المرجح في حقه (هذا معنى كلامه) أي كلام القابسي لا لفظه ومبناه وقال التلمساني ما ذكره القاضي من أن الأنبياء كانوا ذوي أموال قلنا وإن أراد به صاحب المال فبين وإن أراد به الحافظ والأمين فلا يوجد نبي فعل ذلك لأنه من أعظم النقائص فيكون معنى ذلك أنه مثل كذا فهو كالاول لأنه عيب ووصم في سائر الناس فما بالك بالأنبياء فيقتل قائل ذلك لأنه شبه الكامل بالناقص وفي تشبيهه الكامل بالناقص نقص ولم يبق إلا سائر الناس فعليه في ذلك الأدب الشديد لأن فيهم عالما ووليا وأذية سائر المسلمين توجب العقوبة والتعزير على قدر
[ ٢ / ٤٣٤ ]
القائل والقول والمقول فيه (وَحُكِيَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ رحمه الله تعالى) وفي نسخة عن ابن أبي زيد وهو أبو محمد القيرواني (فِيمَنْ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْعَرَبَ وَلَعَنَ اللَّهُ بني إسرائيل ولعن الله بني آدم) أي قال أحد هذه الأقوال (وذكر أنه لم يرد الأنبياء) لا من العرب ولا من بني إسرائيل ولا من غيرهم بل ولا العلماء والأتقياء (وإنّما أردت الظّالمين منهم) والفاسقين فيهم (أنّ عليه الأدب) أي التعزير (بقدر اجتهاد السّلطان) أي الوالي والقاضي قال الدلجي ظاهره وإن أدى إلى التلف وفيه أنه ينافي الأدب وهذا ما حكي عن ابن أبي زيد (وكذلك أفتى) أي ابن أبي زيد ولا يبعد أن يكون مندرجا تحت قوله وحكي (فِيمَنْ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ حَرَّمَ الْمُسْكِرَ وقال) أي وفيمن قال أو والحال أنه قال (لا أعلم من حرّمه) أن عليه الأدب بقدر اجتهاد السلطان وسيأتي الكلام عليه (وفي) أي وأفتى أيضا في (من لعن حديث لا يبع حاضر لباد) أي سوقي لبدوي (ولعن) أي وفيمن لعن (ما جاء به) من النهي عن بيعه له وفي نسخة صحيحة ولعن من جاء به وهذا مشكل جدا (أنه) أي وافتى بأنه (كان) وفي نسخة صحيحة وهي ظاهرة إِنْ كَانَ (يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ وَعَدَمِ مَعْرِفَةِ السُّنَنِ) أي المأثورة (فعليه الأدب الوجيع وذلك) يحتمل أن يكون من كلام القاضي المؤلف أو من كلام ابن أبي زيد في توجيه افتائه (أنّ هذا) أي لأن قائله أو وسبب ذلك أنه (لم يقصد بظاهر حمله) من إسلامه (سَبَّ اللَّهِ وَلَا سَبَّ رَسُولِهِ وَإِنَّمَا لَعَنَ من حرّمه من النّاس) وفيه أن الذي حرمه من الناس هو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو سب على تقدير جهله وظنه أن المحرم إنما هو بعض الناس من العلماء فمقتضى مذهبنا أنه يكفر ففي الجواهر لو قال من يقدر على أن يعمل بما أمر العلماء به كفر وذلك لأنه يلزم منه تكذيب العلماء على الأنبياء إلا أن يحمل من حرمه على من تسبب بتحريمه (عَلَى نَحْوِ فَتْوَى سُحْنُونٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ المتقدّمة) وهي من قال لا صلى الله الخ ولكن بينهما فرق بين يمنع صحة المقايسة (ومثل هذا) الأولى ونظير هذا الذي تقدم (ما) زائدة أو موصولة وفي أصل الدلجي كثيرا ما (يجري في كلام سفهاء النّاس من قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ يَا ابْنَ أَلْفِ خِنْزِيرٍ، وَيَا ابْنَ مِائَةِ كَلْبٍ وَشِبْهِهِ مِنْ هُجْرِ القول) بضم الهاء وسكون الجيم أي فحشه وأغرب الدلجي بأن ادخل فيه قول بعضهم لبعض الأطفال يا ولد الزنا مع أنه قذف صريح (وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مِثْلِ هَذَا العدد) وفي نسخة في هذين العددين (من آبائه وأجداده جماعة من الأنبياء) وفيه أن الظاهر من مقاله وقرينة حاله أنه أراد به الكثرة لا حقيقة العدد وعلى سبيل التنزل فلا يدخل فيه جماعة من الأنبياء لأن الناس في زماننا كلهم من نسل نوح ﵇ ويتصور في غير بني إبراهيم ﵇ أنه لا يدخل أحد من الأنبياء في آبائه وأجداده وفي بني إسرائيل أيضا يجيء هذا البحث من المائة بل من الألف وإنما التوقف في السادة الأشراف مع أنه قد يقال إنه يريد خلقته من نطفة جمع فساق اجتمعوا على وطئ أمه فحينئذ يكون قذفا إلا أنه لأجل حصول الاحتمال يدرأ عنه الحد في الحال (ولعلّ بعض هذا العدد منقطع) أي منفصل وفي نسخة سنقطع عند نسبه (إلى آدم عليه
[ ٢ / ٤٣٥ ]
السلام) بل إلى نوح بل إلى إبراهيم ﵈ وأولاده فلا محذور حينئذ في كلامه وقد أغرب الدلجي بقوله أي متصل به من انقطع إليه ولم يركن إلى غيره ومن ثم عداه بإلى وليس بمعنى منفصل إذ لو كان بمعناه لعداه بعن وأنت خبير بأنه تعلق بتصحيح مبناه وغفل عن تصريح معناه فالوجه ما بيناه على ما قدمناه (فينبغي) أي فيجب مع هذا (الزّجر عنه وتبيين ما جهل قائله منه) وفي نسخة بتبيين جهل قائله (وشدّة الأدب) أي التأديب (فيه ولو علم) بالبناء للمفعول أي ولو عرف (أَنَّهُ قَصَدَ سَبَّ مَنْ فِي آبَائِهِ مِنَ الأنبياء) بالعدد الذي ذكره (على علم) منه به (لقتل) به وهذا واضح (وقد يضيّق القول في نحو هذا) المقول (لو قال) أحد (لرجل هاشميّ) أي من بني هاشم بن عبد مناف بن قصي جد عبد الله أبي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (لَعَنَ اللَّهُ بَنِي هَاشِمٍ وَقَالَ أَرَدْتُ الظَّالِمِينَ منهم) وهذا إذا كان لم يتصور وجود مائة أب وألف قبل وصولهم إلى إسماعيل ﵇ وإلا فلا يعرف هاشمي قبل الإسلام إلا ظالم ثم لا يظهر قيدا لهاشمي لأن القرشي بل وغيرهم من العرب كلهم من نسل إسماعيل ﵇ وحاصل كلام المنصف أنه يؤدب وحمل الدلجي على أنه من قبيل قول ابن أبي زيد فيمن قال لعن الله العرب أو لعن بني إسرائيل وقال أردت الظالمين منهم دون الأنبياء لأن نبينا ﵊ من المنسوبين إلى هاشم وكذا علي والحسن والحسين وحمزة وجعفر والعباس وغيرهم اللهم إلا أن أرادوا أولاد هاشم من صلبه (أو قال) أي ويضيق الأمر إذا قال أحد (لرجل) معروف النسب (من ذرّيّة النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلًا قَبِيحًا فِي آبَائِهِ أَوْ من) موصولة أي فيمن (نسله أو ولده) بتخفيف السين واللام وقد يشددان والمعنى فيمن بدره أو ولده ومن بمعنى الذي وفي نسخة من بكسر الميم على أنه حرف جر دخل على نسله بسكون السين وولده بفتحتين أو بضم فسكون (على علم منه) حال من ضمير قال والمعنى أنه غير جاهل (أنه من ذريّة النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ) المتعلقتين بالقول القبيح في آبائه ونسله وفي نسخة في المسألة أي المتقدمة (تقتضي تخصيص بعض آبائه) أي دون بغض (وإخراج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ممّن سبّه منهم) والمعنى أنه لا يوجد هنا قرينة دالة على قصد عمومهم ومن اللطائف أن بعض الإشراف قال لمن يخاصمه كيف ويعاديه تخالفنا وقد أمرت بالصلاة علينا فقال له خرج منها أمثالكم بقولي وعلى آله الطيبين الطاهرين (وقد رأيت لأبي موسى بْنِ مَنَاسَ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ لَعَنَكَ اللَّهُ إِلَى آدَمَ ﵇ أَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ عليه ذلك قتل قال القاضي وفّقه الله وقد كان) أي في سابق الزمان (اختلف شيوخنا) أي المالكية (فيمن قال لشاهد شهد عليه بشيء) جملة حالية ولا يبعد أن يكون نعتا لما قبله (ثمّ قال) أي الشاهد (له تتّهمني) أي اتتهمني في شهادتي أو غيرها (فقال له الآخر) أي المشهود عليه (الأنبياء يتّهمون) إن أراد بالكذب فهذا كفر صريح وإن أراد ببعض المعاصي فلا لكن السياق قرينة للأول فتأمل (فكيف أنت) أي أنت أولى بأن تتهم (فَكَانَ شَيْخُنَا أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ جَعْفَرٍ يَرَى قتله لبشاعة ظاهر اللّفظ) أي لكراهته وفي نسخة
[ ٢ / ٤٣٦ ]
لشناعة بشين وعين أي لقبحه وإن كان يمكن صرفه عن ظاهره بأنهم متهمون ببعض المعاصي (وكان القاضي أبو محمد بن منصور) اللخمي ولد سنة ثمان وخمسين وأربعمائة (يتوقّف عن القتل) أي احتياطا (لاحتمال اللّفظ عنده) أي احتمالا بعيدا (أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَمَّنِ اتَّهَمَهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) أي بالكذب في الأخبار (وأفتى فيها) أي في المسألة هذه (قاضي قرطبة) بضم القاف والطاء المهملة (أبو عبد الله بن الحاج) أي التجيبي قتل بجامع قرطبة يوم الجمعة ظلما وهو ساجد وقتله رجل معتوه وقتلته العامة في الموضع الذي قتله فيه وقد ضرب رحمه الله تعالى بسكين في خاصرته وقيل قتل يوم الجمعة سادس عشر شهر رمضان سنة تسع وعشرين وخمسمائة ودفن بعد صلاة العصر قال الدلجي هو غير ابن الحاج صاحب المدخل (بنحو من هذا) أي توقف ابن منصور وفي نسخة بنحو هذا (وشدّد القاضي أبو محمد) أي ابن منصور (تصفيده) أي توثيقه وتقييده (وأطال سجنه ثمّ استحلفه بعد) أي حلفه بعد أن فعل به ذلك (على تكذيب ما شهد به عليه) من الحق (إِنْ دَخَلَ فِي شَهَادَةِ بَعْضِ مِنْ شَهِدَ عليه وهن) أي نوع طعن يوجب ضعف اعتماد وقلة اعتقاد (ثمّ أطلقه) أي من التقليد وتركه وفيه أن هذه التحليف ليس له دخل في أصل المقصود من المسألة في تهمة بعض الشهود وإنما الكلام في نسبة التهمة إلى أرباب النبوة اللهم إلا أن يقال إنه كان منكرا لهذه المقالة وثبت عليه بالبينة في تلك الحالة إلا أن بعض الشهود لم يكونوا مزكين (وشاهدت شيخنا القاضي أبا عبد الله) اسمه محمد (ابن عيسى) أي ابن حسين التيمي ولد سنة تسع وعشرين وأربعمائه وقد تفقه المنصف به (أَيَّامَ قَضَائِهِ أُتِيَ بِرَجُلٍ هَاتَرَ رَجُلًا اسْمُهُ محمّد) أي قال له سفها من القول يقال هتر العرض أي مزقه وقال ابن الأثير ومن قبله الهروي في الغربيين واللفظ للثاني المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان أي يتقاولان ويتفالجان في القول (ثمّ قصد إلى كلب) هنالك زيادة على ذلك (فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ وَقَالَ لَهُ: قُمْ يَا مُحَمَّدُ فَأَنْكَرَ الرَّجُلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ وَشَهِدَ عليه لفيف) أي جمع كثير (من النّاس) أي من قبائل شتى ومنه قوله تعالى جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا أي مجتمعين مختلطين (فأمر به إلى السّجن) بكسر السين أي إلى إدخاله فيه وفي نسخة بفتحها أي إلى حبسه (وتقصّى) بقاف وصاد مهملة مشددة أي استقصى وبالغ في التفحص والبحث (عن حاله) ليظهر منه حقيقة مقاله (وهل يصحب من يستراب بدينه) أي يشك في إسلامه من ذمي ونحوه (فلمّا لم يجد) أي ابن عيسى (عليه ما يقوّي الرّيبة) أي التهمة والشبهة (باعتقاده ضربه بالسّوط) وفي نسخة بالسياط تعزيرا له حيث خاطب الكلب بالاسم الشريف ولم يظهر منه ما يدل على أنه أراد الإهانة بالنبي المنيف (وأطلقه) ولم يقتله.
فصل [أَنْ لَا يَقْصِدَ نَقْصًا وَلَا يَذْكُرَ عَيْبًا ولا سبا لكنه ينزع إلى آخره]
(الوجه الخامس أن لا يقصد) أي في مجمل قوله (نقصا) لنبيه (ولا يذكر عيبا) في أمره (ولا سبّا) أي شتما أو ذما في حقه (لكنّه) في محتمل كلامه (ينزع) أي يميل وينجذب (بذكر
[ ٢ / ٤٣٧ ]
بعض أوصافه) ﵊ إلى ما يصرفه عن أن يفهم منه نقص أو ذم في اثناء الكلام (أو يستشهد) في بعض ما قاله (ببعض أحواله ﵊ الجائزة عليه في الدّنيا) مما سبق بيانه وتقدم برهانه (على طريق ضرب المثل) متعلق بيستشهد (وَالْحُجَّةِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ أَوْ عَلَى التَّشَبُّهِ به) أي قوله ﵊ أو فعله (أو عند هضيمة) أي نقيصة عظيمة (نالته) أي أصابته (أو غضاضة) بالغين والضاد المعجمتين أي مذلة وحقارة (لحقته) حصلت له ﵊ (ليس على طريق التّأسّي) أي الاقتداء به (وطريق التّحقيق) أي الاهتداء به (بل على مقصد التّرفيع) بالفاء أي على جهة اعلائه (لنفسه) في ابتلائه (أو لغيره) من نحو آبائه أو ابنائه (أو على سبيل التّمثيل) أي التشبيه لنفسه أو لغيره به ﵊ (وعدم التّوقير) أي التبجيل والتعظيم في تمثيله (لنبيّه ﵊ أو قصد الهزل) بصيغة الماضي أو المصدر المضاف (والتّنذير) مصدر ندر بدال مهملة مشددة ومعناه الإسقاط أي أو قصد الساقط من القول أو الفعل (بقوله) ويجوز أن يكون من مادة الندور وهو الشذوذ فالمراد الإتيان بنادر من قول أو فعل بشيء غريب والحاصل أنه خلاف التشهير مما يقتضي التعظيم والتوقير وقع في أصل الدلجي بالموحدة والذال المعجمة والظاهر أنه تصحيف في المبنى وتحريف في المعنى حيث قال أي الإعلام بقوله وقال التلمساني وعند الشارح التنديد بالدال أي في آخره قال وهو كالغيبة يقال ندد بفلان إذا قال فيه كلمة سوء قال الجوهري يقال ندد به أي شهره وسمع به ومعناهما متقاربان انتهى ولا يخفى أنه تصحيف أيضا لأن هذا وقع سجعا في مقابلة قوله التوقير فيتعين أن يكون براء في آخره والله تعالى أعلم بباطنه وظاهره (كقول القائل إن قيل فيّ) بتشديد الياء أي أن ذكر في حقي (السّوء) بفتح السين وضمها كما قرئ بهما في السبعة قوله تعالى عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وروي هنا بال وبدونها (فقد قيل في النبيّ) أي السوء بمثل ما يسوءه ويحزنه (أو إن كذّبت) بتشديد الذال مجهولا (فقد كذّب الأنبياء) وهذا وما قبله له محل حسن إذ ظاهره أنه أراد به التسلية بهم في مقام الاقتداء ومرام الاهتداء بالصبر على أقوال الأعداء ورميهم للناس بالأشياء من الأسواء وأما قوله (أو إن أذنبت فقد أذنبوا) ففيه خطر عظيم لعصمة الأنبياء لاسيما وقد غفر لهم ما كان في صورة المعصية وظهر منهم الأوبة في مقام التوبة فلا يذكر الذنب المعفو بلا شبهة في مقابلة الذي هو حقيقة المعصية وإن تاب صاحبه عنه فهو تحت المشيئة لعدم صحة شرائط التوبة فلا يقاس الصعلوك بالملوك (أو أنا) أي وأنا (أسلم من ألسنة النّاس) أي من أن ينسبوا إلى ما لم أفعله (ولم يسلم منهم أنبياء الله ورسله) كما قال قائل:
ولا أحد من ألسن الناس سالم ولو أنه ذاك النبي المطهر
(أَوْ قَدْ صَبَرْتُ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ) وهذا خطأ فاحش عند أولي الحزم بل يوهم أنه فضل نفسه على بعض الأنبياء الذين قيل في حقهم أنهم ليسوا من أولي العزم كآدم عليه
[ ٢ / ٤٣٨ ]
الصلاة والسلام لقوله تعالى فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا وكيونس ﵊ لقوله تعالى فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ (أو كصبر أيّوب) وهذا كذب ومجازفة في القول (أَوْ قَدْ صَبَرَ نَبِيُّ اللَّهِ عَنْ عِدَاهُ) بكسر العين اسم جمع لعدو أي عن أعدائه ويروى على عداه (وحلم) بضم اللام أي تحمل (على أكثر ممّا صبرت) أي تحملت عليه (وكقول المتنبّي) وهو أبو الطيب الجعفي الكوفي الشاعر الأديب المجيد الأريب صاحب الديوان المعروف وله من بدائع الشعر وحكمه أشياء عجيبة مشتملة على آداب وغيرها من أمور غريبة ولد بالكوفة سنة ثلاث وثلاثمائة ونشأ بالشام والبادية وقال الشعر في صغره واعتنى الفضلاء بشرح ديوان شعره قال السماني في أنسابه إنما قيل له المتنبي لأنه ادعى النبوة في بادية السماوة وتبعه كثيرة من بني كلب وغيرهم فخرج إليه لؤلؤ أمير حمص بالأخشيدية فأسره وفرق اصحابه وسجنه طويلا ثم أشهد عليه أنه تاب وكذب نفسه فيما ادعاه فأطلقه ثم طلب الشعر وقاله فأجاد وفاق أهل عصره في حسن شعره واتصل بسيف الدولة بن حمدان فأكثر مدحه ثم سار إلى عضد الدولة بفارس ومدحه وعاد إلى بغداد فقتل في طريقه بالقرب من النعمانية في شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وقيل إنما قيل له المتنبي لأنه قال:
(أَنَا فِي أُمَّةٍ تَدَارَكَهَا اللَّهُ غَرِيبٌ كَصَالِحٍ في ثمود)
وفيه أنه لا يلزم من هذا التشبيه دعوة النبوة والرسالة في مقام التنبيه وجملة تداركها الله دعائية معترضة وقبله:
ما مقامي بأرض نحلة إلا كمقام المسيح بين اليهود
(ونحوه) بالرفع أي ومثل شعره ويجوز جره أي وكقول نحوه (من أشعار المتعجرفين) أي المتجازفين المفرطين في المدح بحيث لم يبالوا في كلامهم ولم يهموا في أديانهم وعقائدهم (فِي الْقَوْلِ الْمُتَسَاهِلِينَ فِي الْكَلَامِ كَقَوْلِ الْمَعَرِّيِّ) بفتح الميم والعين المهملة وتشديد الراء وهو أبو العلاء اللغوي الشاعر المشهور كان متضلعا من فنون الأدب وله من النظم لزوم ما لا يلزم في خمس مجلدات وذكر أن له كتابا سماه الإيك والغصون يقارب مائة جزء في الأدب أيضا ومكث مدة خمس وأربعين سنة لا يأكل اللحم تدينا لأنه كان يرى رأي الحكماء توفى ليلة الجمعة ثالث شهر الربيع الأول سنة تسع وأربعين وأربعمائة بالمعرة وكان مرضه في ثلاثة أيام وقبره في ساحة من دور أهله ذكره ابن خلكان وذكره الذهبي في الميزان فقال روى جزءا عن يحيى بن مسعر عن أبي عروبة الحراني وله شعر يدل على الزندقة سقت أخباره في تاريخي الكبير انتهى وفي حاشية التلمساني قال القراوي في كتاب اقتراح السميري في شرح مقامات الحريري يزعمون أنه منتحل لمذهب البراهمة مدمن على اعتقاده وفي أشعاره وأسماعه ما يدخل القلب منه ريبا منها قوله (كنت) بالخطاب (موسى وافته) أي من الموافاة أي أتته (بنت شعيب) واختلف في اسمها (غير أن ليس فيكما من فقير) فإنه شبه فيه
[ ٢ / ٤٣٩ ]
ممدوحه وزوجته بموسى ﵇ وامرأته وهي بنت نبي جهلا منه برفيع شأنهم وبديع مكانهم (على أنّ آخر البيت) أي مع أن عجزه (شديد) في القبح عند تدبره لأن مضمونه التعيير لموسى بفقره (وداخل في الإزراء) أي الاحتقار والانتقاص (والتّحقير بالنبيّ) أي الكليم (﵊ وتفضيل حال غيره) من الأمراء الأغنياء (عليه) وسبب هذا كله التوصل للأغراض الدنية والأعراض الفانية والاعراض عن الدار الباقية بما يخفض الأنبياء ويرفع السخفاء (وكذلك) أي ومثل هذا الإزراء في حق الأنبياء (قوله) أي شعر أبي العلاء المعري عن مقام الثناء:
(لَوْلَا انْقِطَاعُ الْوَحْيِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ قُلْنَا مُحَمَّدُ) بالضم (عن أبيه بديل)
لغة في بدل كمثل ومثيل وشبه وشبيه:
(هُوَ مِثْلُهُ فِي الْفَضْلِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يأته برسالة جبريل)
قال التلمساني اجترأ على الله ورسوله في قوله من أبيه فأثبت له أبوة والله تعالى يقول مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ فكذب كتاب الله وجعل الفضل متساويا وهو كما قال الغزالي شبه الملائكة بالحدادين من شبه من ليس بشيء برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بل جعله مساويا له وهو محمد بن الرشيد العباسي (فصدر البيت الثّاني من هذا الفصل) بالصاد المهملة أي النوع من الكلام (شديد) أي في مقام قبح المرام وشدة الملام (لتشبيهه غير النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في فضله بالنّبي والعجز) أي وآخر البيت الثاني (محتمل لوجهين) وفي نسخة محتمل لوجهين وفي أخرى يحتمل الوجهين أي أحدهما أقبح من الآخر (أحدهما أنّ هذه الفضيلة نقّصت الممدوح) بتشديد القاف أي خفصته عن رفيع مقام النبي (والآخر استغناؤه عنها) أي عن رسالة جبريل ﵊ (وهذه) الإرادة (أشد) كفرا من الاحتمال الأول فتأمل وإن كان الاحتمال الأول هو الأظهر فتدبر (ونحو منه قول الآخر) قال الحلبي لا أعرفه وقال التلمساني وهو للمعرى انتهى والأول أظهر وإلا قال قوله الْآخَرِ:
(وَإِذَا مَا رُفِعَتْ رَايَاتُهُ صَفَّقَتْ بَيْنَ جناحي جبريل)
وفي نسخة جبرئين بالنون وهو لغة كما يقال في إسرائيل وإسماعيل ونحوهما وما زائدة ورفعت مبنى للمجهول والرايات جمع راية وهي العلم وصفقت بتشديد الفاء من التصفيق بمعنى التصويب والتضعيف للتكثير وفي نسخة خفقت والمعنى اضطربت برياح النصر وهذا اجتراء على هذا الملك العظيم (وقول الآخر من أهل العصر) أي زمن المصنف قال الحلبي لا أعرفه:
(فَرَّ مِنَ الْخُلْدِ وَاسْتَجَارَ بِنَا فَصَبَّرَ اللَّهُ قلب رضوان)
بكسر الراء وضمها أي خازن الجنة قال الدلجي أي على فراقه إذ لم يجاوره فيه وهذه
[ ٢ / ٤٤٠ ]
عجرفة كاذبة وقال التلمساني استجار من الجوار أي لجأ إليه وسأله الاستنقاذ انتهى ومع هذا كله يتبين خلاصة المعنى من هذا المبنى حتى يتفرع عليه مذمة من كفر أو فسق على ما لا يخفى (وكقول حسّان) يصرف ولا يصرف (المصيصي) نسبة إلى مصيصة كسفينة بلد بالشام ولا يشدد كذا في القاموس وقال التلمساني بكسر الميم يخفف ويشدد وقيل لا يصح التشديد وقيل إن كسر شدد وإن فتح خفف وقيل بكسر الميم ويخفف ويفتح ويخفف وهو موضع من ثغور الشام (من شعراء الأندلس) بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الدال ويضم وضم اللام وفي نسخة شعار الأندلس على أنه مبالغة شاعر (في محمد بن عبّاد) بتشديد الموحدة وكنيته أبو القاسم من ملوك الأندلس (المعروف بالمعتمد) بكسر الميم الثانية أي المعتمد بالله تعالى توفي في السجن سنة ثمان وثمانين وأربعمائة له قصة عجيبة مذكورة في تاريخ ابن خلكان (ووزيره) أي وفي وزيره ومشيره (أبي بكر بن زيدون) يصرف ويمنع:
(كَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَبُو بَكْرِ الرِّضَا وَحَسَّانَ حسّان وأنت محمّد)
أي كان وزيرك أيها الممدوح أبا بكر بن زيدون أبو بكر الصديق وشاعرك حسان المصيصي حسان بن ثابت شاعر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وكأنك أنت الممدوح محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وقد أطال الشراح تبعا للمصنف على هذا المقال لكن لا يخلو عن نوع من الإشكال فإنه لا يلزم من التشبيه التسوية في الكمال بل من القاعدة المقررة أن المشبه به أقوى في جميع الأحوال كما هو مقرر في زيد الأسد الذي هو أبلغ من زيد كالأسد ومنه قولهم أبو يوسف أبو حنيفة ويقال وجه فلان كالبدر أو الشمس أو القمر وأمثال ذلك فتدبر وكان المصنف رحمه الله تعالى أراد سد باب الذريعة ليحذر الناس عن المقالات الشنيعة (إلى أمثال هذا) أي الذي ذكرناه من المتعجرفين (وإنّما أكثرنا) بتشديد المثلثة وفي نسخة أكثرنا (بشاهدها مع استثقالنا حكايتها) أي روايتها عل أن ثقل الكفر ليس بكفر لكن صيانة الألسنة عنه أولى إلا لضرورة داعية (لتعريف أمثالها) وفي أصل التلمساني لتعرف بها أمثلتها وروي لتعرف أمثلتها وروي لتعريف أمثلتها (ولتساهل كثير من النّاس) أي من الشعراء وغيرهم (في ولوج هذا الباب الضّنك) بفتح الضاد المعجمة وسكون النون أي دخول هذا الطريق الضيق في المعيشة وغيرها ومنه قوله تعالى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وقيل الطريق المظلم ويلائمه قوله تعالى وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (واستخفافهم فادح هذا العبء) بكسر العين المهملة وسكون الموحدة بعدها همزة الحمل والفادح بالفاء وكسر الدال والحاء المهملتين الثقل أي وعد الناس ثقل هذا الحمل خفيفا (وَقِلَّةِ عِلْمِهِمْ بِعَظِيمِ مَا فِيهِ مِنَ الْوِزْرِ) أي الإثم الثقيل (وكلامهم منه بما) وفي نسخة وكلامهم فيه مما (ليس لهم به علم وتحسبونه هيّنا وهو عند الله عظيم) وهذا مقتبس من قوله تعالى إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا أي صغيرة وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ
[ ٢ / ٤٤١ ]
عَظِيمٌ أي كبيرة وقد جزع بعض الأكابر عند موته فقيل له لم جزعت فقال أخاف ذنبا لم يكن مني على بال قلت ونعم ما قيل وجودك ذنب لا يقاس به ذنب (لا سيّما الشّعراء) الذين ورد في حقهم وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وقليل ما هم وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ قال التلمساني لا سيما يشدد ويلزمه الواو وقيل لا ويخفف ولا واو وقيل بالواو وبدونها يخفف ويشدد ويقال لا سواها وما بعد لا سيما معرفة فيجر ويرفع وينصب وقيل النصب فيه لا يصح ونكرة فالثلاثة والمختار أن ما زائدة وسي مضاف لما بعده والرفع خبر لمحذوف وما موصولة أو نكرة موصوفة وهو ضعيف في المعرفة قيل وينصب المعرفة وجهه أن ما كافة ولا سيما كذلك في الاستثناء وهو ضعيف لأن الاستثناء إخراج وهذا فيه إدخال هذا وقد قيل الشعراء أمراء الكلام يصرفونه حيث شاؤه وجاز لهم ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده ومد مقصوره وقصر ممدوده والجمع بين لغاته والتألق في صفاته وقيل الاقتصاد محمود إلا منهم والكذب مذموم إلا منهم وقيل إياكم والشاعر فإنه يطلب على الكذب مثوبة ويقرع جليسه بأدنى زلة ولذا قيل فيهم:
الكلب والشاعر في رتبة يا ليت أني لم أكن شاعرا
وأقول بل الكلب أحسن منه ما أشار إليه الشاطبي بقوله:
وقد قيل كن كالكلب يقصيه أهله وما يأتلي في نصحهم متبذلا
والمشهور أن فيه عشر خصال من خصال الرجال الإبدال ما أظن أن واحدة منها توجد في شاعر الحال (وأشدّهم فيه تصريحا وللسانه تسريحا) أي إرسالا وإطلاقا من غير أن يكون تلويحا (ابن هانىء) بكسر النون فهمز وقد يسهل (الأندلسيّ) قال الحلبي هو أبو القاسم محمد الأزدي وكان أبوه هانئ من قرية من قرى المهدية ولد بمدينة اشبيلية ونشأ بها واشتغل وحصل له حظ وافر من الأدب وعمل الشعر فهمر فيه وكان حافظا لأشعار العرب وأخبارهم وكان متهما بمذهب الفلاسفة توجه إلى مصر ثم عاد إلى المغرب فلما كان ببرقة إضافة شخص فأقام عنده أياما فعربدوا عليه فقتلوه وقيل بل وجد مخنوقا وقيل بل نام فوجد ميتا وذلك سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وهو في المغرب كالمتنبي في المشرق وكانا متعاصرين ذكره ابن خلكان (وابن سليمان) وفي نسخة وأبو سُلَيْمَانَ (الْمَعَرِّيُّ بَلْ قَدْ خَرَجَ كَثِيرٌ مِنْ كلامهما إلى حدّ الاستخفاف والنّقص) بالنبي (وصريح الكفر) بالله (وقد أجبنا عنه) أي عن كلامهما وما يترتب على مقامهما فيما مضى وفي هذا تنبيه نبيه على أنه يحرم سماع شعرهما وأمثالهما كما يحرم مطالعة كتب ابن عربي بل ومطالعة الكشاف ونحوهما حذرا من دسهما في كلامهما ما يعد من سمهما في دسمهما (وغرضنا الآن) هو (الكلام في هذا الفصل الذي سقنا أمثلته) نظما ونثرا (فإنّ هذه) الأمثلة (كلّها وإن لم تتضمّن سبّا) أي ذما صريحا (ولا
[ ٢ / ٤٤٢ ]
أضافت إلى الملائكة والأنبياء نقصا) أي عيبا قبيحا (ولست أعني) أي أريد بهذا النفي (عجزي بيتي المعرّي) فإنه كفر واضح وإلحاد لائح وأما قول الدلجي ولست أعني عجزي بيتي المعري بل جميع ما ذكرناه من الأمثلة فخطأ فاحش من جهة لزوم التسوية ثم الجملة حالية معترضة بين المتعاطفين مما قبلها وما بعدها وهو قوله (ولا قصد قائلها إزراء) أي احتقارا (وغضا) أي انتقاصا كالمعرى لكن مع ذلك ما قام بحق الكلام فيما هنالك (فما وقّر النّبوّة) أي ما بجلها ولا صاحبها (ولا عظّم الرّسالة) ولا مرسلها (ولا عزّر) بتشديد الزاء وفي آخره راء أي ولا قوى (حرمة الاصطفاء ولا عزّز) بتشديد الزاء الأولى (حظوة الكرامة) بضم الحاء المهملة ويكسر وسكون الظاء المعجمة أي المترتبة المكرمة والمنزلة المعظمة (حتّى شبّه) من الممدوحين من الأمراء والوزراء (من شبّه) بما ذكر من الأنبياء والأصفياء (في كرامة نالها) أي لأجل جائزة أصابها من ممدوحه (أو معرّة) أي مصيبة أو منقصة أو مشقة (قصد الانتفاء منها) والتبري عنها (أو ضرب مثل) لكشف المراد (لتطييب مجلسه) أي لتطبيب مجلس القائل والمقول له ترغيبا في مجالسته ومخالطته ومصاحبته ومكالمته (أو إعلاء) بعين مهملة أي رفع ومبالغة وبغين معجمة أي مغالاة ومجاوزة في مقالات (في وصف لتحسين كلامه) وتزيين مرامه (بمن عظّم الله خطره) بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة أي منزلته (وشرّف قدره) أي مرتبته من انبيائه وأصغيائه (وألزم) كل أحد (توقيره) أي تعظيمه (وبرّه) بطاعته له وانقياده اكتسابا واجتنابا بقوله أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ (ونهى عن جهر القول له) بقوله ﷾ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ (ورفع الصّوت عنده) أي حيا وميتا بقوله ﷿ لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ قال الدلجي أي نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم وهو موهم أن هذا مختص به وليس كذلك فإنه يشمله وغيره فمن أدرك عيسى ﵊ فيجب عليه أن يكون معه كذلك في مقام الإكرام بل ويؤخذ منه التأدب مع العلماء الأعلام والمشايخ الكرام والقضاة الفخام بل مع الوالدين وسائر صلحاء الأنام (فحقّ هذا) القائل الذي لم يقصد بقوله نقصا ولم يذكر عيبا ولا سبا لكن كلامه بذكر بعض أوصافه ينزع إلى ما يصرفه عن أن تفهم من سبا أو نقصا (إن درىء) أي دفع (عنه القتل) أي احتياطا (الأدب) بضرب وجيع وتوبيخ فظيع (والسّجن) أي في مكان شنيع بحسب حاله (وقوّة تعزيره) أي شدة تأديبه وتشهيره (بحسب شنعة مقاله) بضم فسكون نون أي نكارته (وَمُقْتَضَى قُبْحِ مَا نَطَقَ بِهِ وَمَأْلُوفِ عَادَتِهِ) أي دأبه (لمثله) أي لمثل ما نطق به (أو ندوره) بضمتين أي مخلوف عادته (وقرينة كلامه) حالية أو مقالية (أو ندمه) أي أو بحسب ظهور ندامته (على ما سبق منه) وصدر عنه (ولم يزل المتقدّمون) من العلماء والأمراء (ينكرون مثل هذا) المدح الموهم للقدح (ممّن جاء به) من الشعراء (وقد أنكر الرّشيد) وهو هارون من أحفاد العباس (على أبي نواس) بضم النون فهمزة ويبدل كان والده مولى الجراح بن عبد الله الحكمي والي خراسان ولد بالبصرة ونشأ بها ثم خرج إلى الكوفة ثم صار إلى بغداد ديوانه معروف توفي
[ ٢ / ٤٤٣ ]
سنة خمس وتسعين ومائة ببغداد ودفن في مقابر الشونيزية ومن جيد شعره قوله في نعت النرجس:
تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين جاريات على أطرافها الذهب السبيك
على قضب الزمرد شاهدات بأن الله ليس له شريك
وقال إسحاق التمار رأيت أبا نواس فيما يرى النائم فقلت له ما فعل الله بك قال غفر لي فأنكرت ذلك فقلت ألست أبا نواس قال نعم غفر لي ربي بأبيات قلتها وهي في البيت تحت رأسي فقال فبكرت إلى ابنه فسألته عن الرقعة فأدخلني الدار فرفعت الحصير فإذا رقعة مكتوب فيها بخطه:
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن فمن الذي يدعو ويرجو المجرم
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا وجميل ظني ثم إني مسلم
أدعوك رب كما أمرت تضرعا فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
هذا وإنما أنكر الرشيد (قَوْلَهُ:
فَإِنُ يَكُ بَاقِي سِحْرِ فِرْعَوْنَ فِيكُمُ فإنّ عصا موسى بكفّ خصيب)
بخاء معجمة وصاد مهملة أي رحيب الجانب كريم على الأقارب والأجانب قال التلمساني وعند الشارح أن المراد بخصيب عامل لبعض الملوك العباسيين وهو المأمون بن الرشيد وروي خضيب بالخاء والضاد المعجمتين يقال كف خضيب مختضب بالحناء أي إن يكن في مملكتكم أرض مصر بقية من سحر فرعون فلا هي تجدي نفعا مع وجود عصا موسى بكف أميرها خصيب تلقف ما يأفكون ولا شبهة أنه ما أراد به إثبات النبوة لممدوحه إلا أن في كلامه نوع من الاستعارة الموهمة في ظاهر العبارة لسوء الأدب هنالك فوبخه بذلك (وقال له يا بن اللّخناء) بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة فنون فألف ممدودة من اللخن وهو النتن أي يا ابن المنتنة (أنت المستهزىء) أي المستحقر (بعصا موسى) بجعلك إياها بكف خصيب (وأمر بإخراجه عن عسكره من ليلته) وفي نسخة من ليلته (وذكر القتيبيّ) بضم القاف وفتح الفوقية قال الحلبي أنه عبد الله بن مسلم بن قتيبة وفي نسخة بضم العين المهملة وسكون الفوقية (أنّ ممّا أخذ عليه) أي أنكر على أبي نواس (وكفّر فيه) وفي نسخة بتشديد الفاء مجهولا وفي نسخة به أي بسببه (أو قارب) أي قرب أن يكفر أو يكفر (قوله في محمد الأمين) أي ابن هارون الرشيد بن المهدي وتوفي الرشيد سنة ثلاث وتسعين ومائة فبويع للأمين بالخلافة في عسكر الرشيد صبيحة الليلة التي توفي فيها الرشيد وكان المأمون حينئذ بمرو وكتب صالح بن الرشيد إلى أخيه الأمين بوفاة الرشيد مع رجاء الخادم فأرسل معه خاتم الخليفة والبردة والقضيب ولما وصل إلى الأمين ببغداد أجيزت له البيعة ببغداد وتحول إلى
[ ٢ / ٤٤٤ ]
قصر الخلافة ثم قدمت عليه زبيدة أمه من الرقة ومعها خزائن الرشيد فتلقاها ابنها الأمين بالإقبال ومعه جميع وجوه بغداد وقضاياه مشهورة قتل سنة ثمان وتسعين ومائة وكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وكسرا (وتشبيهه) أي أبي نواس (إيّاه) أي محمد الأمين (بالنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم حيث قال) وفي نسخة في الشعر
(تنازع الأحمدان الشّبه فاشتبها) أي تشابها (خلقا وخلقا كما قدّ الشّراكان)
الشبه بكسر الشين وسكون الموحدة لغة في شبه بفتحتين والخلق بفتح أوله ظاهر الخلقة وبضمه باطنها وأراد بها الصورة والسيرة يقال هذا شبه وشبهه أي شبيهة وقد يضم القاف وتشديد الدال المهملة أي قطع وقدر والشراك بكسر الشين سير النعل وأراد المبالغة في استوائهما في الفضل وهذا كفر صريح ليس له تأويل صحيح إلا أن يدعى أنه أراد بالأحمد غير محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وكأنه عدل عن المحمدين إلى الأحمدين ليستقيم الوزن ولعله أراد بالسيرة صفة الأمانة ولكن بين الأمينين بون بين وإنما حمله على مقاله صورة موافقة الاسمين والوصفين (وقد أنكروا) أي العلماء أو الأمراء أو هما جميعا (أيضا عليه قوله) أي على أبي نواس وفي نسخة على الآخر وهو أصل التلمساني وقال هكذا روي وصوابه عليه لأنه قوله وقال الحلبي وفي نسخة على الآخر وفي نسخة عليه وهو الصحيح إذ قد صرح السهيلي في روضه بأنه من قول أبي نواس (كيف لا يدنيك من أمل) أي كيف لا يقربك من رجائك (من رسول الله من نفره) بفتح الميم الأولى وكسر الثانية أي رهطه وعشيرته وقرابته وأما إطلاق النفر على الخادم فحادث وإنما انكروا عليه (لأن حقّ الرسول) أي رسول الله (وموجب تعظيمه) بفتح الجيم أي مقتضى تكريمه وأبعد الدلجي فقال بكسر الجيم أي ما يوجب ترغيبا في تعظيمه (وإنافة منزلته) أي رفعة مرتبته (أن يضاف) أي ينسب غيره (إليه) أي إلى شرف نسبه وكريم حسبه (ولا يضاف) أي هو إلى أحد وفي نسخة إلى غيره وإلا فالإضافة النسبية وغيرها كلها تشبيه وقد يعذر قائله بصيغة القلب كما في قولهم عرضت الناقة على الحوض لا سيما في ضرورة الشعر إلا أنه في حقه ﵊ لا يعذر بمثل هذا الكلام وحكي عن علي بن الأصفر وكان من رواة أبي نواس قال لما عمل أبو نواس قصيدة:
أيها المنساب عن عفره أنشدنيها فلما بلغ قوله
كيف لا يدنيك من أملي من رسول الله من نفره
وقع لي أنه كلام مستهجن في غير موضعه إذ كان حق رسول الله أن يضاف إليه ولا يضاف هو إلى أحد فقلت له أعرفت عيب هذا البيت قال ما يعيبه إلا جاهل بكلام العرب إنما أردت أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من القبيل الذي هو المدوح أما سمعت قول حسان بن ثابت شاعر دين الإسلام:
[ ٢ / ٤٤٥ ]
وما زال في الإسلام من دين هاشم دعائم عز لا ترام ومفخر
بهاليل منهم جعفر وابن أمه علي ومنهم أحمد المتخير
قال الحلبي نقلا عن السهيلي أن البهاليل جمع بهلول وهو الوضيء الوجه مع طول وقوله ومنهم أحمد المتخير فدعا به بعض الناس لما أضاف أحمد المتخير إليهم وليس بعيب لأنها ليست بإضافة تعريف وإنما هو تشريف لهم حيث كان منهم وإنما ظهر العيب في قول أبي نواس كيف لا يدنيك البيت لأنه ذكر واحدا وأضاف إليه قال التلمساني وإنما أراد التخلص بحجة ما في رواية أقول لما قيل الغريق يتعلق بكل حشيش وأما قول الأنطاكي ويستند أيضا بقول حسان هذا على جواز التقديم والتأخير في الواو فإنه بدأ في اللفظ بجعفر ثم جاء بعده بعلي ثم بالنبي ﵊ وهو المقدم في الحقيقة ففيه أن هذا من قبيل الترقي لا التدلي (فالحكم في أمثال هذا) الذي أوردناه وفي نسخة في مثل هذا قال التلمساني هو أنسب (ما بسطناه) أي ما فصلناه وبيناه (من) وفي نسخة في (طريق الفتيا) بضم الفاء لغة في الفتوى بفتحها وهما مشهورتان ما ذكره النووي يعني أن كلا يقضى عليه بحسب ما ظهر منه وصدر عنه (على هذا المنهج) الذي سلكناه والمعنى على طبقه ووفقه (جَاءَتْ فُتْيَا إِمَامِ مَذْهَبِنَا مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ﵀ وأصحابه) أي اتباعه ممن أدركه وغيره (فَفِي النَّوَادِرِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ) أي الجمحي البصري أبو محمد الحافظ يروي عن الليث وطائفة وعنه ابن معين وأبو حاتم وجماعة ثقة أخرج له الأئمة الستة (عنه) أي عن مالك (فِي رَجُلٍ عَيَّرَ رَجُلًا بِالْفَقْرِ فَقَالَ: تُعَيِّرُونِي) أي بالفقر كما في نسخة أي اتعيرني به (وقد رعى النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم الغنم) قال الدلجي على قراريط لقريش والمحققون أنه ﵊ لم يرع لأحد بالأجرة وإنما رعى غنم نفسه وهذا لم يكن عيبا في قومه كما يعرف من رعى بنات شعيب ورعى موسى ﵉ بل قيل كل نبي رعى الغنم والله تعالى اعلم ليتدرب على رعاية الأمة بوجه الترحم كما أشار إليه بقوله كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته والرجل راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عمر وسيأتي زيادة الكلام على هذا المرام وقد حكي أن موسى ﵊ رأى شاة شاردة فتبعهما ليردها فزادت في شرادها وتنفرها حتى بعدت عن قطيعها فلحقها فحملها على كتفه رحمة لها فنودي في الملكوت بين المقربين أيصلح هذا العبد أن يكون من الأنبياء والمرسلين فقالوا نعم يا رب العالمين ويا أرحم الراحمين هذا وأما رواية رعى بقراريط فقالوا إنه اسم موضع (فقال مالك قد عرّض) بتشديد الراء أي لوح (بذكر النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في غير موضعه) اللائق به (أرى أن يؤدّب) قال الأنطاكي روي أنه ﵊ قال يوم حنين لذلك المنافق الذي قال ألا ترون صاحبكم يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم ويزعم
[ ٢ / ٤٤٦ ]
أنه يعدل ويلك أما كان موسى راعيا أما كان داود راعيا والحديث في الكشاف وفيه دليل على جواز إطلاق اسم الراعي على الأنبياء وأن ذلك لا يستوجب التأديب إذا لم يقصد القائل به منقصة ولعل هذا الحديث لم يبلغ مالكا أو لم يصح عنده انتهى ولا يخفى أن الحديث إذا لم يصح عنده كيف يخفى عليه أن موسى ﵇ رعى الغنم (قال) أي مالك (ولا ينبغي لأهل الذّنوب إذا عوتبوا) فيما صدر عنهم من خطأ في قول أو فعل (أن يقولوا) في جواب العتاب (قد أخطأت الأنبياء قبلنا) فإن هذا خطأ من وجوه إذ لا يقاس الحدادون بالملائكة فإن خطأ الأنبياء ما كانت إلا زلات نادرة في بعض أوقات تسمى صغائر بلا خلاف الأولى بل حسنات بالنسبة إلى سيئات غيرهم وهي مع هذا ممحوة بتوبة عقيبها وتحقيق قبولها كما أخبر الله تعالى بها بخلاف ذنوب الأمم فإنها شاملة للكبائر وغيرها عمدا وخطأ واستمرارا وعلى تقدير توبتهم لا يعرف تحقق شروط صحتها وقبولها بل ولا يدري خاتمة أمر صاحبها بخلاف الأنبياء فإنهم معصومون من الإصرار على المعصية ومأمونون من سوء الخاتمة فلا تصح هذه المقايسة، (وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِرَجُلٍ انْظُرْ لَنَا كَاتِبًا يَكُونُ أَبُوهُ عَرَبِيًّا فَقَالَ كَاتِبٌ لَهُ: قَدْ كَانَ أَبُو النَّبِيِّ كَافِرًا. فَقَالَ جَعَلْتَ هَذَا مَثَلًا فَعَزَلَهُ وَقَالَ لَا تَكْتُبْ لي أبدا) وهذا يوافق ما قال إمامنا في الفقه الأكبر أن والدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ماتا على الكفر وقد كتبت في هذه المسألة رسالة مستقلة ودفعت فيها ما ذكره السيوطي من الأدلة على خلاف ذلك في رسائله الثلاث لكي لا يجوز أن يذكر مثل هذا في مقام المعيرة (وَقَدْ كَرِهَ سُحْنُونٌ أَنْ يُصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ التَّعَجُّبِ إِلَّا عَلَى طَرِيقِ الثّواب) أي قصده (والاحتساب) أي طلب الأجر (توقيرا له وتعظيما كما أمرنا الله) بقوله صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (وَسُئِلَ الْقَابِسِيُّ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ قَبِيحٍ) أي صورته (كأنّه وجه نكير) هو أحد ملكي سؤال القبر والآخر منكر وإنما سميا بذلك لأنهما يأتيان العبد بهيئة منكرة وصورة مغيرة امتحانا من الله لعبده في المقبرة، (ولرجل) أي أو قال رجل لرجل (عبوس) أي وجهه وجبينه (كأنّه) أي وجهه (وجه مالك الغضبان) على أهل العصيان وهو خازن النار قال تعالى وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ وروي ملك بدون الألف وصوابهما أن يكونا بالتنوين وغضبان نعتهما (فقال) أي القابسي (أيّ شيء) بالرفع ويجوز نصبه أي ما الذي (أراد بهذا) الكلام (ونكير أحد فتّاني القبر) بتشديد الفوقية أي أحد الممتحنين في القبر والجملة معترضة حالية وكذا قوله (وهما) أي نكير ومنكر أو نكير ومالك (ملكان) من جملة الملائكة المقربين ولما طال الفصل بالجملتين أعاد الكلام بقوله (فما الّذي أراد أروع) بفتح الراء أي أخوف وأفزع (دخل عليه) أي على القائل (حين رآه) أي المقول له وفي نسخة إذ رآه (من وجهه) متعلق بدل أي من جهة هيبه وجهه (أم عاف النّظر إليه) أي كره رؤيته لديه ووقوع بصره عليه وفي نسخة عاب بدل عاف (لدمامة خلقه) بالدال المهملة وقيل بالمعجمة أي حقارة صورته (فإن كان) مراد (هذا) أي القصد الثاني (فهو شديد) في التنكير (لأنّه جرى
[ ٢ / ٤٤٧ ]
مجرى التّحقير والتّهوين) الذي يوجب التكفير وفي نسخة التوهين (فهو) أي هذا القائل بهذا المعنى وفي نسخة فهذا (أشدّ عقوبة) أي يستحق أن يعاقب أشد عقوبة من القائل بالمعنى الأول (وليس تصريح بالسّبّ للملك) وإلافكان موجبه القتل (وإنّما السّبّ واقع على المخاطب) إلا أنه يستحق التأديب لما في تشبيهه من قلة الأدب (وفي الأدب بالسّوط) أي بالضرب به (والسّجن) أي حبسه (نكال) أي عبرة (للسّفهاء) وعقوبة تمنعهم عن مثل هذه الاشياء فإن السجن قبر الأحياء ومن أحسن ما قيل في باب السجن قول بعضهم:
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
إذا جاءنا السجان يوما لحاجة فرحنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
ونفرح بالدنيا فجل حديثنا إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا
ثم من ألفاظ الكفر رجل قال لغيره رؤيتك عندي كرؤية ملك الموت وقد اختلف علماؤنا فيه فقال أكثرهم يكون كفرا وقال بعضهم أن قال ذلك لعداوة ملك الموت يصير كافرا ون قال ذلك لكراهة الموت لا يصير كافرا كذا في فتاوى قاضيخان وهذا الأخير هو الصحيح ودليله قوله تعالى مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (قال) أي القابسي (وَأَمَّا ذَاكِرُ مَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ فَقَدْ جَفَا الّذي ذكره) أي غلظ طبعه وقل أدبه حيث تفوه بقوله وجه مالك الغضبان وضبطه الدلجي بالهجرة وفسره برمي (عند ما أنكر حاله) وفي نسخة عند ما رأي (من عبوس الآخر) وهو المقول له (إلّا أن يكون المعبّس) بتشديد الموحدة المسكورة (ممن له يد) أي تصرف سلطنة وقدرة عقوبة (فيرهب) بصيغة المجهول مخففا ومشددا أي فيخاف وقال الحلبي يرهب رباعي مبنى للفاعل أي يخيف والأظهر أنه ثلاثي بصيغة الفاعل أي فيخاف ويفزع (بعبسته) بفتحتين وفي نسخة بضم فسكون وفي نسخة بعبوسه (فيشبّهه) وفي نسخة فشبهه (القائل على طريق الذم) أو المدح أو الخوف أو المزح (لهذا) الذي له يد (في فعله) أي من إظهار سوء خلقه (ولزومه في ظلمه صفة مالك) أي خازن النار (الملك) المعظم المطاع (المطيع لربّه في فعله) إذ هو ممن قال فيهم عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (فيقول كأنّه لله يغضب غضب مالك) خازن النار فيه حينئذ لا يظهر وجه الذم (فيكون) قوله ذلك حينئذ (أخفّ) مما قبله (وما كان ينبغي) مع ذلك (له التّعرّيض) وفي نسخة التعرض (بمثل هذا) التشبيه وهو قوله كأنه وجه مالك الغضبان (ولو كان) هذا القائل (أَثْنَى عَلَى الْعَبُوسِ بِعُبْسَتِهِ وَاحْتَجَّ بِصِفَةِ مَالِكٍ) خازن النار (كان) قوله ذلك (أشدّ) من ذلك الأخف (ويعاقب) عليه (المعاقبة الشّديدة) وفيه بحث حيث جعل مقام الثناء والمدح أشد من مقال الذم والقدح (وليس في هذا) الذي ذكرناه من تأويل قررناه (ذمّ للملك) أي أصلا (ولو قصد ذمّه لقتل) لأنه كفر به وأخطأ الدلجي في قوله قتل حدا لا كفرا لأن كفرة وقتله مجمع عليه وإنما يكون قتله حدا عند المالكية إذا تاب والله تعالى اعلم بالصواب (وقال أبو الحسن) أي القابسي (أيضا في
[ ٢ / ٤٤٨ ]
شابّ معروف بالخير) أي الصلاح (قال لرجل شيئا) من الكلام (فقال الرّجل) أي له (اسكت) زجرا له عما قال (فإنّك أمّيّ) أي مغفل لا تفرق بين الخير والشر أو عامي ما قرأت شيئا من العلم وعند الفقهاء هو من لا يحسن الفاتحة ومن معانيه منسوب إلى الأم أي على أصل ولادته من غير اكتساب في قراءته وكتابته أو منسوب إلى أم القرى وهي مكة وما حولها أو منسوب إلى الأمة بمعنى الجماعة (فَقَالَ الشَّابُّ أَلَيْسَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم أمّيّا فشنّع عليه) بصيغة المجهول مشددا أي قبح وذم (مقاله وكفّره النّاس) أي عامتهم فتغير له الحال (وأشفق الشّابّ) أي خاف على نفسه ودينه (ممّا قال وأظهر النّدم) أي الندامة والتوبة (عليه) من ذلك لسوء المقال (فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ أَمَّا إِطْلَاقُ الْكُفْرِ عَلَيْهِ فخطأ لكنّه مخطىء في استشهاده) أي استدلاله بكونه أميا (بصفة النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) حيث لم يفرق بين الأميين كما بينه المصنف بقوله (وكون النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أمّيّا آية له) أي معجزة وكرامة كما قال تعالى وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (وكون هذا) الشاب وغيره (أمّيّا نقيصة فيه وجهالة) أي في حقه وقال الدلجي وجهالة برفيع محله ﵊ (وَمِنْ جَهَالَتِهِ احْتِجَاجُهُ بِصِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) دفع جهالته عن نفسه (لكنّه إذا استغفر وتاب واعترف) بأنه مخطئ في هذا الباب (ولجأ إلى الله تعالى) على طريق الاضطراب (فيترك) عن العقاب وفي نسخة ترك (لأنّ قوله) أليس كان النبي أميا (لا ينتهي إلى حدّ القتل) أي إلى حد يوجب القتل وإنما يوجب التعزير والتأديب (وما طريقه) أي موجبه (الأدب فطوع فاعله) أي فانقاد فاعله الأعم من قائله (بالذّم عليه يوجب الكفّ عنه) أي بعدم التعرض له بسوء وفي الخلاصة روي عن أبي يوسف أنه قيل بحضرة الخليفة إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يحب القرع فقال رجل أنا لا أحبه فأمر أبو يوسف بإحضار النطع والسيف فقال الرجل استغفر الله مما ذكرته ومن جميع ما يوجب الكفر أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فتركه ولم يقتله وتأويل هذا أنه قال بطريق الاستخفاف وإلا فالكراهة الطبيعية ليست داخلة تحت الأعمال الاختيارية ولا يكلف بها أحد في القواعد الشرعية (ونزلت أيضا مسألة) أي وردت (استفتى فيها) أي طلب الجواب عنها (بعض قضاة الأندلس) وفي نسخة بعد أي بعد هذه القضية فيرفع قضاة الأندلس لأنه فاعل والمفعول على كل تقدير (شَيْخَنَا الْقَاضِيَ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ مَنْصُورٍ ﵀ في رجل تنقّصه آخر بشيء) من الكلام وفي أصل الدلجي بشيء من القول (فقال له إنّما تريد نقضي بقولك) لي ذلك (وأنا بشر وجميع البشر يلحقهم النّقص) أي البشري (حتّى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم) بالرفع ويجوز نصبه وجره (فأفتاه بإطالة سجنه) أي حبسه مدة طويلة (وإيجاع أدبه) حال ضربه (إذ لم يقصد السّبّ) وإلا فيحكم بقتله لكفره (وكان بعض فقهاء الأندلس أفتى بقتله) أخذا له بظاهر قوله زجرا له ولغيره ولعل هذا كله مبني على السياسة وسد باب الذريعة وإلا فالمخلوق من حيث هو مخلوق خرج من العدم إلى الوجود
[ ٢ / ٤٤٩ ]
وفي صدد الزوال عن عالم الشهود ناقص الحال بالإضافة إلى كمال الملك المتعلل لا سيما ولا يخلو أحد عن تقصير في مقام العبودية عما يجب عليه من قضاء حقوق الربوبية كما أوما إليه صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وكما أشار إليه ﷾ بقوله كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ قال البيضاوي لم يقض الإنسان من لدن آدم ﵊ إلى هذا الغاية ما أمر الله تعالى بأسره إذ لا يخلو أحد من تقصير ما ولو كان عظيما في قدره.
فصل [أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ ذَلِكَ حَاكِيًا عَنْ غَيْرِهِ وآثرا عن سواه]
(الوجه السّادس أن يقول القائل ذلك) القول الذي فيه نقص من قدره (حاكيا عن غيره وآثرا له) بهمزة ممدودة وكسر مثلثة راويا وناقلا (عن سواه) وفي نسخة وأثرا بفتحتين أي رواية والأظهر أنه مصدر بمعنى فاعل ليلائم المعطوف عليه (فهذا) الناقل (ينظر) من جهة قرائن روايته (في صورة حكايته وقرينة مقالته) ودلالة حالته المؤذنة بغرضه الباعث له على روايته (ويختلف الحكم) المقضى عليه به فيه (باختلاف ذلك) مما يظهر من صورة حكايته وقرينة حالته هنالك (على أربعة وجوه) من الأحكام (الوجوب) بالجر ويجوز أختاه، (والنّدب، والكراهة، والتّحريم) بدل بعض من كل أو كل من كل بأن يكون الربط بعد العطف وهذا ذكره إجمالا وأما بيانه تفصيلا (فإن كان) أي ناقله (أخبر به على وجه الشّهادة) لأحد أو عليه نفيا أو اثباتا (والتّعريف بقائله) حالا وصفة (والإنكار) أي عليه كما في نسخة (والإعلام بقوله) ليعلم ما يترتب عليه من قتل وتعزير وتوبيخ ونحو ذلك (والتّنفير منه) أي بالاحتراس والاحتراز عنه (والتّجريح له) بتقديم الجيم على الحاء المهملة يقال جرحه بالتخفيف والتشديد أي ذكر عيبه ونقصه وهو في الشهادة والخبر ويروى بتقديم الحاء ومعناه التأثيم والتضييق يقال حرجه نسبه للحرج وهو الاثم والضيق (فهذا) القول على هذا المنوال (ممّا ينبغي امتثاله) ويقبل مقاله (ويحمد فاعله) أي ناقله (وكذلك) الحكم (إن حكاه في كتاب) أي تصنيف (أو في مجلس) لوعظ أو تدريس (على طريق الرّدّ) أي دفعه وفي نسخة على جهة الرد (له والنّقض) أي إبطاله (على قائله والفتيا بما يلزمه) أي الافتاء بما يوجبه من قتل ونحوه (وهذا) الرد (منه) أي بعضه (ما يجب) بيان حكمه (وَمِنْهُ مَا يُسْتَحَبُّ بِحَسَبِ حَالَاتِ الْحَاكِي لِذَلِكَ) الذي حكاه ردا (والمحكي عنه) أي وكذا بحسب حالاته في مقالاته (فإن كان القائل لذلك) الذي حكاه (ممّن تصدّى) أي تعرض وتصدر (لأن يؤخذ عنه العلم) الشريف (أو رواية الحديث) المنيف (أو يقطع بحكمه) أي لأن يجزم ويلزم بحكمه لكونه أميرا أو قاضيا (أو شهادته) لعدالته (أو فتياه في الحقوق) لعلمه وحلمه (وجب على سامعه) أي سامع قوله حكما أو فتيا (الإشادة) أي الإفشاء والإشاعة (بما سمع منه والتّنفير للنّاس عنه) تحذيرا منه (والشّهادة عليه بما قاله) ليجتنب عنه (ووجب على من بلغه ذلك) الذي صدر عنه
[ ٢ / ٤٥٠ ]
ولو لم يحضر هنالك (من أئمّة المسلمين إنكاره وبيان كفره) إن صدر ما يوجبه (وفساد قوله) على تقدير خطائه في تقريره (لِقَطْعِ ضَرَرِهِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ وَقِيَامًا بِحَقِّ سَيِّدِ المرسلين) ومراعاة لحماية الدين على مقتضى قواعد المجتهدين (وكذلك إن كان) هذا القائل (ممّن يعظ العامّة) ويزجرهم عن الأمور المحرمة ويزهدهم في الدنيا ويرغبهم في الأخرى ويبين لهم مراتب درجات العقبى ويفتح لهم أبواب العوارف ويذكر لهم أصحاب المعارف لا سيما إذا كان يتكلم في علم التوحيد ومقام التفريد ويدعي الشهود ويتفوه بمسألة الوجود فإنه مقام خطر من الوقوع في الحلول والاتحاد والاتصال والالحاد في مجمع من العباد المجتمعين من أطراف البلاد وقد وضعت رسالة مستقلة في الفرق بين الوجودية من الموحدين والوجودية من الملحدين خذلهم الله (أو يؤدّب الصّبيان) بتعليم القرآن أو العلوم الأدبية من النحو والصرف واللغة والقواعد العربية كما ذكره الزمخشري في ربيع الأبرار في باب اللطافة والأسرار أن ولدا قرأ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي قال الفقيه إلى يوم الدين وقال بعض الفضلاء سمعت معربا يعرب لتلميذه قوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا صفة لعوج فقلت له يا هذا كيف يكون العوج قيما (فإنّ من هذه) الاخلاق (سَرِيرَتُهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَى إِلْقَاءِ ذَلِكَ فِي قلوبهم) وتأثيره في صدورهم (فيتأكّد في هؤلاء) أي في حقهم (الإيجاب) بالإنكار (لحقّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) إن كان أمرا متعلقا به (ولحقّ شريعته) أن تعلق بطعن في قربته (ولحق الله) أن تعلق بمسألة ذاته وصفاته ومصنوعاته هذا وفي مجمع الفتاوى لو تكلم بكلمة الكفر مذكر وقبل قوم ذلك منه كفروا حيث لم يعذروا بالجهل وزاد في المحيط وقيل إذا سكت القوم عن المذكر وجلسوا عنده بعد تلكمه بكلمة الكفر كفروا يعنى إذا علموا أنه كفر به أو اعتقدوا كلامه (وإن لم يكن القائل بهذه السّبيل) الذي يؤخذ عنه العلم (فالقيام بحقّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم واجب وحماية عرضه) أي وصيانته عن طعن ونقص فيه (متعيّن) لا يجوز التهاون به والعرض بكسر أوله النسب والحسب (ونصرته على الأذى) أي مما يتأذى به وروي على الأذى (حيّا وميّتا) كما يدل عليه قوله تَعَالَى وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا (مستحقّ) بفتح الحاء أي فرض عين (على كلّ مؤمن) ليصح إيمانه (لكنّه) أي القيام بحقه فرض كفاية وفي نسخة لكن (إذا قام بهذا من ظهر) أي علي (به الحقّ وفصلت به) بضم الفاء وكسر الصاد المهملة أي انفصلت به (القضيّة) بالحكومة والشرعية (وبان به الأمر) أي ظهر الحق وتبين الصدق (سقط عن الباقي الفرض) المتعلق بذمة كل أحد فلو سكتوا كلهم أثموا جميعهم (وبقي الاستحباب) بالنسبة إلى غير من قام بالحق من الدعوى والشهادة والحكم والقتل ونحوه (في تكثير الشّهادة عليه) للتقوية والتشهير للقضية (وعضد التّحذير منه) بفتح العين المهملة وسكون الضاد المعجمة أي نصرته ومساعدته في الاحتراز عنه (وَقَدْ أَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى بَيَانِ حَالِ الْمُتَّهَمِ في الحديث) أي في روايته بذكر جرحه وطعنه وعدالته وديانته حتى روي أن يحيى بن معين مع
[ ٢ / ٤٥١ ]
جلالته رؤي طائفا بالبيت المكرم يقول فلان كذاب فلان وضاع في روايته (فكيف بمثل هذا) المقام الذي يجب فيه القيام وقد قال الجويني في قوله ﵊ من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار أن الكذب عليه عمدا كفر وهو حديث مشهور بل قيل إنه متواتر (وَقَدْ سُئِلَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ عن الشّاهد) الواحد (يسمع مثل هذا) الكلام المرتب عليه الملام (في حقّ الله تعالى) أو حق نبيه ﵊ (أيسعه أن لا يؤدّي شهادته) عند حاكم ليؤدبه بحسب ما تقتضي حالته ومقالته (قال) أي ابن أبي زيد (إن رجا) أي السامع بمعنى أنه ترجح عنده أن (نفاذ الحكم) بفتح النون والفاء وبالذال المعجمة أي تنفيذه وروي انفاذ الحكم أي اجراؤه وامضاؤه (بشهادته فليشهد) أي وجوابا (وَكَذَلِكَ إِنْ عَلِمَ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَرَى القتل ما شهد به) هذا السامع (ويرى الاستتابة) أي طلب توبته (والأدب) أي مع ذلك كما في مذهب مالك (فليشهد) هنالك (ويلزمه) على سبيل الوجوب (ذلك وأمّا الإباحة لحكاية قوله) المشتمل على كفره (لغير هذين المقصدين) المتقدمين (فلا أرى لها) أي للحكاية (مدخلا في هذا الباب) على سبيل الإباحة (فليس التّفكّه) أي التفوه من غير غرض شرعي (بعرض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والتّمضمض) بالضادين المعجمتين أي التحرك والكثر (بسوء ذكره لأحد) وأما قول التلمساني ومن معاني التمضمض الاكثار وهو بعيد لأن الإكثار والإقلال في هذا سواه فمدفوع لأن الإقلال لما يترتب عليه الحكم من القتل والتعزير والجرح والتحذير متعين كما تقدم وإنما الاكثار لا يترتب عليه فائدة هو الممنوع (لا ذاكرا) أي لفظه مطلقا (ولا آثرا) أي حاكيا ونافلا اتفاقا (لغير غرض شرعيّ بمباح) خبر ليس بل أنه حرام أو مكروه (وأمّا للأغراض المتقدّمة) كالشهادة والرد والنقض (فمتردّد) بفتح الدال الأولى مشددة أي فموضع تردد (بين الإيجاب والاستحباب) والأول أولى والله تعالى اعلم بالصواب (وَقَدْ حَكَى اللَّهُ تَعَالَى مَقَالَاتِ الْمُفْتَرِينَ عَلَيْهِ) أي الكذابين على الله (وعلى رسوله في كتابه) بالإكثار (على وجه الإنكار لقولهم) أي لمقول الكفار (والتّحذير) أي ولتحذير غيرهم (من كفرهم والوعيد عليه) أي على أمرهم (وَالرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِمَا تَلَاهُ اللَّهُ عَلَيْنَا) فِي لسان رسوله المعظم (في محكم كتابه) المكرم (وكذلك وقع من أمثاله) أي أمثال ما تلي علينا بالعبارة الصريحة (في أحاديث النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم الصّحيحة على الوجوه المتقدّمة) من الإنكار والتحذير والوعيد وغيرها (وأجمع السّلف) المتقدمون (والخلف) المتأخرون (من أئمّة الهدى) وهم العلماء العاملون (على حكايات مقالات الكفرة والملحدين) أي على ذكرها (في كتبهم ومجالسهم) حال التدريس والوعظ (ليبيّنوها للنّاس) مما خفي لديهم (وينقضوا شبهها عليهم) جمع شبهة بمعنى شك وريبة (وَإِنْ كَانَ وَرَدَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إِنْكَارٌ لبعض هذا) الذي ذكر (على الحارث بن أسد) المحاسبي بما حكاه في كتاب الرعاية (فَقَدْ صَنَعَ أَحْمَدُ مِثْلَهُ فِي رَدِّهِ عَلَى الجهميّة) طائفة من أصحاب جهم بن صفوان من المبتدعة بل من الكفرة المخترعة وأصله من سمرقند ومن مذهبه القول بأن الجنة والنار يفنيان وأن الإيمان هو المعرفة فقط
[ ٢ / ٤٥٢ ]
دون الإقرار وسائر الطاعات وأنه لا فعل لأحد غير الله وأن العباد فيما ينسب إليهم من الأفعال كالشجرة تحركها الرياح باختلاف الأحوال فالإنسان عنده لا يقدر على كسب شيء من أعماله وإنما هو مجبر في أفعاله لا قدرة له ولا ارادة ولا اختيار في الحسنات والسيئات وإنما يخلق الله تعالى فيه الأفعال على حسب ما يخلق في الجمادات أدرك صغار التابعين قال الذهبي ما علمته روي شيئا لكنه زرع شرا عظيما انتهى وأخذ ذلك عن السمنية وهم دهرية ولما شككوه في أمره ترك الصلاة أربعين يوما وقال لا اعبد من لا أعرف (والقائلين) أي وعلى القائلين (بالمخلوق) أي بالقرآن المخلوق وهو قول المعتزلة أو بالعمل المخلوق للإنسان أي هو يخلقه وهو قول المعتزلة والقدرية أو بالمخلوق القديم على أن المخلوق بمعنى الخلق ومعناه أنه قديم وهو قول الفلاسفة والدهرية والأقوال الثلاثة كلها باطلة أما قدم العالم فهو بين اعدام الموجد وبين الشركة وكلاهما كفر بالإجماع وأما خلق الأفعال فهو كقول المجوس في أن خالق الضوء غير خالق الظلمة لكنه يغاير قولهم بأنهم من الثنوية وهؤلاء من أرباب التوحيد في الألوهية وأما خلق القرآن فإنهم لما أنكروا الكلام النفسي قالوا ذلك ففي التحقيق لا خلاف هنالك وإنما ابتدعوا من حيث إنكار الكلام النفسي وإلا فالقرآن من حيث إنه مكتوب بأيدينا ومقروء بألسنتنا ومحفوظ بصدورنا فلا شك أنه مخلوق بحسب اللفظ والمبنى إلا أنه يجب أيضا صيانته عن أن يقال إنه مخلوق بهذا المعنى وأما ما ذكره العلامة التفتازاني في شرح العقائد من حديث القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قاله إنه مخلوق فهو كافر بالله العظيم قال الصغاني هو موضوع وقال السخاوي وهذا الحديث من جميع طرقه باطل هذا ولا يبعد أن يجمع بين صنيع أحمد وإنكاره على المحاسبي بأن المحاسبي ذكر أدلة المبتدعة ثم ردهم بأدلة أهل السنة بخلاف أحمد حيث لم يلتفت إلى شبهاتهم بل رد عليهم بالأدلة العقلية والنقلية بطلان عقيداتهم (وهذه الوجوه) المتقدمة (السّائغة) بالسين المهملة والغين المعجمة أي الجائزة وهي مرفوعة (الحكاية) بالجر والرفع أي الرواية (عنها) من مقالات الكفرة والفجرة ومن نحا نحوها (فأمّا ذكرها على غير هذا) النمط (من حكاية سبّه والإزراء) وروي الإزدراء (بمنصبه على وجه الحكايات) في المحاورات أو الاسفار (والأسمار) جمع سمر بفتحتين ويسكن وهو حديث الليل وأصله في ظل القمر ويجوز كسر همزة على أنه مصدر اسمر إذا تحدث بالليل مطلقا فهو تخصيص بعد تعميم (والطّرف) بضم المهملة وفتح الراء وفي آخره الفاء جمع طرفة وهو ما يستظرف ويستجاد من المقال والمال (وأحاديث النّاس) أي كلماتهم المتحدث بها للاستئناس (ومقالاتهم) بحسب اختلاف حالاتهم (في الغثّ) بفتح المعجمة وتشديد المثلثة أي الهزيل (والسّمين) وهما كنايتان عن الضعيف والقوي أو الباطل والصحيح ومنه قول ابن عباس لابنه على الحق بابن عمك يعني عبد الملك بن مروان فغثه خير من سمين غيره (ومضاحك المجّان) بضم الميم وتشديد الجيم جمع ماجن وهو من لا يبالي بكلامه في اللهو والسخرية
[ ٢ / ٤٥٣ ]
(ونوادر السّخفاء) جمع سخيف وهو رقيق العقل وروي السفهاء جمع سفيه وهو الجاهل أو خفيف العقل (والخوض) أي الشروع بالمبالغة من غير الملاحظة (في قيل وقال) بفتح لامهما على أنهما فعلان محكيان وبجرهما منونين على أنهما اسمان معربان لأنهما مصدران وفي النهاية في حديث نهى عن قبل وقال أي نهى عن فضول ما يتحدث به المتجالسون من قولهم قيل كذا وقال كذا وبناؤهما على كونهما فعلين ماضيين متضمنين للضمير والإعراب على اجرائهما مجرى الاسماء خاليين من الضمير قال فيكون النهي عن القول بما لا يصح ولا يعلم حقيقته فأما من حكى ما يصح روايته ويعرف حقيقته وأسنده إلى ثقة صادق فلا وجه للنهي عنه ولاذم منه وقيل أراد به حكاية أقوال الناس والبحث على ما لا يجدي عليه ضرا ولا نفعا ولا يعنيه أمره انتهى ولذا عطف عليه المصنف عطف تفسير بقوله (وما لا يعني) أي ما لا ينفعهم في دينهم ودنياهم فقد ورد من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه وفي أصل الدلجي بالغين المعجمة فيكون بضم أوله أي ما لا يغني الخائض فيه شيئا ولا يجديه نفعا (فَكُلُّ هَذَا مَمْنُوعٌ وَبَعْضُهُ أَشَدُّ فِي الْمَنْعِ والعقوبة) للدفع (مِنْ بَعْضٍ فَمَا كَانَ مِنْ قَائِلِهِ الْحَاكِي له على غير قصد) به شيئا (أو معرفة) أي أو على غير معرفة (بمقدار ما حكاه) من الشدة والأشدية وفي نسخة بقدره (أو لم تكن) تلك المقالة أو الحكاية (عادته) فبعد عثرته وزلته (أو لم يكن الكلام) والمحكي (من البشاعة) بتقديم الموحدة أي الفضاحة وفي اصل التلمساني بسبق الشين بعدها النون وفسر بالقباحة (حيث هو) أي إلى الغاية في أنه بشيع أو شنيع أي كريه وفظيع (ولم يظهر على حاكيه) وفي نسخة على حكايته (استحسانه) أي جعله حسنا عند (واستصوابه) أي عده صوابا لديه والمعنى أنه لم يظهر منه اعتقاد كونه حسنا ولا صوابا بل ظنه مباحا (زجر عن ذلك) بصيغة المجهول وكذا قوله (ونهي عن العودة) وفي نسخة عن العود أي الرجوع (إليه) أي إلى مقاله هنالك (وإن قوّم) بضم القاف وكسر الواو المشددة أي إن قوبل ناقله على سبيل الحكاية من غير منفعة مترتبة على الرواية روي وأن قيم (ببعض الأدب فهو مستوجب له) أي مستحق (وإن كان لفظه) أي لفظ الحاكي والمحكي (من البشاعة) أو الشناعة (حيث هو) أي بلغ غايته (كان الأدب أشدّ) ممن لم يكن محكيه حيث هو، (وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ مَالِكًا عَمَّنْ يَقُولُ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَقَالَ) مَالِكٌ (كَافِرٌ فَاقْتُلُوهُ) أي السائل أو القائل على طريق الحكاية (فقال) أي السائل (إنّما حكيته عن غيري) أي لا أنا الذي أقوله (فقال مالك إنّما سمعناه منك) قال الدلجي وأمر مالك بقتل السائل بمجرد اتهامه أنه القائل بمخلوقيته بدون إثبات اعتقاد مخلوقيته عجب مع أنه ممن يقول لا نكفر أحدا من أهل القبلة قال المصنف (وهذا من مالك ﵀ على طريق الزّجر) أي الردع للكف عن السؤال عنه قال الدلجي وهذا أيضا عجيب بل أعجب لأن القتل زجرا عن السؤال لم يقل به أحد (والتّغليظ) للزجر (بدليل أنّه) أي مالكا (لم ينفّذ قتله) أي لم يبالغ في الأمر بقتله وهو بتشديد الفاء المسكورة وبالذال المعجمة أي لم يمض الأمر في قتله أو لم يمض فيه حكم
[ ٢ / ٤٥٤ ]
القتل ذكره التلمساني قال الدلجي وهذا العذر عنه بعيد يرده تكفير مالك له وأمره إنما كان بعد تكفيره إياه أقول ليس في كلام مالك تكفيره وإنما أراد بهذا القول تعزيره أي اضربوه ضربا شديدا ولو قتل تحت ضربه تأكيدا لزجره عن مثل هذا السؤال لظهور أمره ولعله فهم من السائل أنه متردد في حكمه ولذا لما سئل مالك عن الاستواء قال الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ولا شك أن المبتدع يزجر فتدبر والقائل به لعله كان غائبا أو ميتا فلذا لم يتعرض الإمام لتعزيره في ذلك المقام وأما القول بأنا لا نكفر أحدا من أهل القبلة فليس على اطلاقه بل فيه تفصيل مقرر كما بينه في شرح الفقه الأكبر (فإن) وفي نسخة وَإِنِ (اتُّهِمَ هَذَا الْحَاكِي فِيمَا حَكَاهُ أَنَّهُ) أي بأنه (اختلقه) أي اخترعه من عنده وافتراه من نفسه (ونسبه إلى غيره أو كانت تلك) المسألة (عادة له) يسألها دائما ويظهرها دائبا (أو ظهر استحسانه) وفي نسخة أظهر استحسانه (لذلك) السؤال أو المقال (أو كان مولعا) بفتح اللام أي مكثرا (بمثله والاستخفاف له) أي الاستهجان بذكره وعدم المبالاة بنقله وأغرب الدلجي حيث فسر الاستخفاف بسرعة التوجه (أو التّحفّظ لمثله) أي طلب حفظ أمثاله مما يتحير العامة في إشكاله (وطلبه) أي وطلب مثله ليضمه إلى نقله (ورواية أشعار هجوه ﵊ وسبّه) في نثر الكلام (فحكم هذا حكم السّابّ نفسه) أي بعينه (يُؤَاخَذُ بِقَوْلِهِ وَلَا تَنْفَعُهُ نِسْبَتُهُ إِلَى غَيْرِهِ) وإن حكاه عن غيره فإن الإمارات المتقدمة قرائن حالية أو مقالية على كفره فإن الإناء يترشح بما فيه وقد قال تعالى وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وقال إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ أي المتفرسين وقد ورد اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ﷿ رواه البخاري في تاريخه والترمذي في جامعه عن أبي سعيد الخدري (فيبادر بقتله ويعجّل) بتشديد الجيم أي ويسارع به (إلى الهاوية أمّه) بالجر بدلا أي مأواه ومصيره كما أن الأم مأوى الولد ومفزعه إيماء إلى قوله تعالى فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ (وَقَدْ قَالَ أَبُو عَبِيدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ) بتشديد اللام (فيمن حفظ شطر بيت) أي نصفه أو بعضه فاندفع به قول التلمساني كان أحسن منه لو قال كلمة أو شطر كلمة (ممّا هجي به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو كفر) أي إذا قصد حفظه أو أراد نشره (وقد ذكر بعض من ألّف) بلام مشددة من التأليف بمعنى التصنيف قال التلمساني وفي بعض النسخ بلامين ولا أدري ما وجهه وكذلك في أصل المؤلف قلت ووجهه أنه اتصل الألف باللام فانتقل من التأليف إلى التصحيف والتحريف قال الأنطاكي ولعل بعض من ألف هذا هو ابن حزم والله تعالى اعلم هذا وقيل الإنسان في فسحة من عقله وفي سلامة من أفواه الناس في فعله ما لم يضع كتابا أو لم يقل شعرا من قوله وقيل من وضع كتابا فقد استشرف للمدح والذم لأبناء آدم فإن أحسن فقد استهدف للحسد والغيبة وإن اساء فقد تعرض للشتم والمذمة وهو معنى قولهم من صنف قد استهدف وقيل من صنف فقد جعل عقله على طبق يعرض على الناس نقله ومنه قول الشاعر:
[ ٢ / ٤٥٥ ]
لا تعرضن على الرواة قصيدة ما لم تبالغ بعد في تهذيبها
فإذا عرضت الشعر غير مهذب عدوه مثل وساوس تهذى بها
هذا وأبى الله إلا أن يصح كتابه كما أشاره إليه بقوله وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا وأما هذا الكتاب فلكونه من عند الله ما وجدوا فيه اختلافا يسيرا وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن كل أحد يقبل قوله ويرد إلا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فإنه معصوم على الوجه الأتم (إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَحْرِيمِ رِوَايَةِ مَا هُجِيَ به النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) من نظمة ونثره (وكتابه) أي وكتابته كما في نسخة (وقراءته) أي ولو من غير روايته (وتركه متى وجد دون محو) ونحوه ولو من كتاب غيره وحصول ضرره فإنه ينفعه من جهة دينه (ورحم الله أسلافنا المتّقين المتحرّزين) أي المحترسين (لدينهم) المحتاطين في أمر يقينهم وتصحف المتحرزين بالمتجردين في أصل الدلجي (فقد أسقطوا) ولذلك تركوا (من أحاديث المغازي والسّير) كثيرا من الخبر والأثر (ما كان هذا سبيله) من هجوه في شعر أو غيره (وتركوا روايته) ولو جوز حكايته (إلّا أشياء ذكروها يسيرة) أي قليلة (وغير مستبشعة) بفتح الشين أي غير مكروهة وفي نسخة وغير مستشنعة أي غير مستقبحة (على نحو الوجوه الأول) بضم الهمزة وتخفيف الواو جمع الأولى أي الوجوه السابقة من الوجوب والندب والتحريم والكراهة (ليروا) أي الناس ويعتبروا ويجوز أن يكون بضم الياء والراء أي ليظهروا (نقمة الله) أي عقوبته (من قائلها وأخذه المفتري عليه) أي بطشته (بذنبه) ولو من ناقلها وفي أصل الدلجي وأخذه بالضمير أي ليروا أخذه ﷾ (وهذا أبو عبيد القاسم بن سلّام) بتشديد اللام (قد تحرّى) أي اجتهد واحتاط (فيما اضطرّ) أي الجىء واحتيج (إلى الاستشهاد به) من الدلائل في اثبات بعض المسائل توضيحا لوسائل في معرفة كل طالب وسائل (من أهاجي أشعار العرب) على شعار أرباب الأدب (في كتبه) متعلق بتحري (فكنّى عن اسم المهجوّ بوزن اسمه) ولم يصرح به تفاديا عن ذكر ذمه (استبراء لدينه) أي استباء لأمر يقينه (وتحفّظا من المشاركة في ذمّ أحد) من المسلمين (بروايته أو نشره) بحكايته (فكيف بما يتطرّق) أي يتوصل به الحاكي له (إلى عرض سيّد البشر) أي بني آدم بل سيد العالم (صلى الله تعالى عليه وسلم) قال التلمساني اعلم أن هذا التحري إنما يظهر في الهاجي المسلم لمثله وأما إن كانا كافرين أو المهجور كافرا فذكر مساويه أعظم نكاية فيستحب رواية وحكاية ولو كان الهاجي كافرا أو مسلما والمهجو مسلما فالأولى أن لا يذكره أو يغيره كما فعل ابن هشام في سيرته مما يدل على حسن سريرته ومن هذا قول أبي الأسود الدؤلي:
جزى ربه عني عدي بن حاتم جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
أبدله بعض الأئمة بقوله جزاء الرجال الصالحين وقد فعل وذلك لأن عدي بن حاتم الطائي من أكابر الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
فصل [أن يذكر ما يجوز على النبي أو يختلف في جوازه عليه]
(الوجع السّابع أن يذكر ما يجوز) أي إطلاقه (على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أو يختلف) بصيغة المجهول (في جوازه عليه وما يطرأ) أي يحدث ويعرض عليه (من الأمور البشريّة) والأحوال الطبيعة (به) أي فيه (ويمكن إضافتها إليه أو يذكر) أي أحد (ما امتحن به) أي ابتلى ﵊ (وصبر في ذات الله على شدّته) أي قوة بلائه (مِنْ مُقَاسَاةِ أَعْدَائِهِ وَأَذَاهُمْ لَهُ وَمَعْرِفَةِ ابْتِدَاءِ حاله وسيرته) أي في أفعاله وأقواله (وما لقيه من بؤس زمنه) بضم موحدة فهمز ساكن ويبدل أي شدة في وقته (ومرّ عليه من معاناة عيشته) أي مقاساة في أمر معيشته (كلّ ذلك على طريق الرّواية) وسبيل الحكاية (ومذاكرة العلم) لتحصيل الدراية (ومعرفة ما صحّت منه العصمة للأنبياء) أي عموما (وما يجوز عليهم) من بين سائر البشر خصوصا (فهذا) أي فما ذكر هنا (فنّ) أي نوع (خارج عن هذه الفنون السّتّة) المذكورة في الفصول السابقة (إذ ليس فيه) أي في هذا الفن (غمض) بفتح معجمة وسكون ميم فمهملة أي عيب (ولا نقض ولا إزراء) أي استحقار (ولا استخفاف) أي استهزاء (لا في ظاهر اللّفظ) من جهة مبناه (ولا في مقصد اللفظ) من جهة معناه (لَكِنْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِيهِ مَعَ أهل العلم) اليقين (وفهماء طلبة الدّين) بضم الفاء وفتح الهاء جمع فهيم أو فهم وهو الفطن الذكي (ممّن يفهم مقاصده ويحقّقون فوائده) أفرد وجمع باعتبار لفظ من ومعناه (ويجنّب) بتشديد النون المفتوحة أي يصان عن (ذلك) الكلام (من عساه لا يفقه) وروي لا يتفقه وروي لا يفهمه (أو يخشى به) وروي فيه أي يخاف عليه (فتنته) أي وقوعه في محنته (فقد كره بعض السّلف تعليم النّساء سورة يُوسُفَ لِمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْقَصَصِ) كيد النساء بسبب الابتلاء (لضعف معرفتهنّ ونقص عقولهنّ وإدراكهنّ) في اصل فطرتهن (فقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم مخبرا عن نفسه) ما وقع له في سابق الأيام (باستيجاره) قال الدلجي لقريش وأقول لعله لبعض أهله أن صح الاستيجار في فعله كما وقع ﵊ (لرعاية الغنم في ابتداء حاله وقال) كما رواه الشيخان عن جابر والبخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَى الْغَنَمَ وَأَخْبَرْنَا اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ عَنْ مُوسَى ﵊) وقد ورد عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أن موسى قضى أقصى الأجلين وهو العشر هذا وقال الحلبي اعلم أن في الحديث الصحيح كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة وفي سنن ابن ماجه هذا الحديث وفي آخره قال سويد بن سعيد وهو راوي الحديث كل شاة بقيراط انتهى والقيراط جزء من أجزاء الدينار وهو نصف عشره في أكثر البلاد وأهل الشام يجعلونه جزءا من أربعة وعشرين جزءا والياء فيه بدل من الراء فإن أصله قراط هذا لفظ النهاية وفي الصحاح القيراط نصف دانق وهو سدس درهم وقد رأيت في حاشية على سنن ابن ماجه أصلنا وهو أصل صحيح معتمد قال محمد بن ناصر أخطأ سويد في تفسيره القيراط بالذهب
[ ٢ / ٤٥٧ ]
والفضة إذ لم يرع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأحد بأجرة قط وإنما كان يرعى غنم أهله والصحيح ما فسره به إبراهيم بن إسحاق الحربي الإمام في الحديث واللغة وغيرهما أن قراريط اسم مكان في نواحي مكة وكان ذلك منه وسنه نحو العشرين فيما استقرئ من كلام ابن إسحاق والواقدي وغيرهما انتهى وهذا يرد ما قاله القاضي وكذا ما بوب عليه البخاري في صحيحه في كتاب الإجارة باب رعي الغنم على قراريط انتهى وفي القاموس القيراط يختلف وزنه بحسب البلاد فبمكة ربع سدس دينار وبالعراق نصف عشره (فهذا) أي رعى الغنم ولو بأجرة (لا غضاضة فيه) أي لا منقصة (جملة واحدة) أي من حيث هو لأنه من جملة كسب المال على وجه الحلال (بخلاف من قصد به الغضاضة) أي النقص (والتّحقير بل كانت) أي الرعاية بالأجرة وغيرها (عادة جميع العرب) أي طوائفهم وقبائلهم ومثل هذا يختلف باختلاف العرف في الزمان والمكان بل كان عادة غير العرب أيضا كما يستفاد من قصة موسى وشعيب ﵉ فإنهما من بني إسرائيل وهم الاعجام فإن قيل فهل لرعي الأنبياء للغنم من فائدة فيقال، (نعم في ذلك) أي رعي الغنم (للأنبياء حكمة بالغة) لا يدركها إلا الأصفياء (وتدريج) وفي نسخة وتدريج الله تعالى (لهم إلى كرامته وتدريب) أي تعويد (بِرِعَايَتِهَا لِسِيَاسَةِ أُمَمِهِمْ مِنْ خَلِيقَتِهِ بِمَا سَبَقَ لهم من الكرامة) بالنبوة والرسالة والإمامة والإمارة (في الأزل ومتقدّم العلم) بكسر الدال أي سابقه الذي ظهر في القلم الأول (وكذلك قد ذكر الله يتمه) لموت أبيه جنينا قد أتت عليه ستة أشهر فكفله جده عبد المطلب ثم عمه أبو طالب إذ كان شقيق أبيه فأحسن التربية فيه قال تعالى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا أي جاهلا بتفصيل الإيمان وَوَجَدَكَ عائِلًا فقيرا فَأَغْنى وهذا معنى قول المصنف (وعيلته) أي وذكر الله فقره وحاجته (على طريق المنّة عليه) بإيوائه واغنائه (والتّعريف بكرامته له) أي بهدايته وهداية غيره بنور رسالته (فذكر الذّاكر) أي المخبر (لها) أي لحالته من يتمه وعيلته (على وجه تعريف حاله) المتضمن لكرامته (والخبر عن مبتدئه) أي ابتداء أمره وظهور قدره (والتّعجّب من منح الله) بكسر الميم وفتح النون جمع منحة أي نعمه (قبله) بقاف مكسورة فموحدة مفتوحة أي في جهته (وعظيم منّته) وفي نسخة بنونين وفي نسخة منن الله (عنده ليس فيه) على ما ذكر به (غضاضة) أي ما يؤدي إلى منقصته (بَلْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَصِحَّةِ دَعْوَتِهِ) لجميع أمته (إذ أظهره الله تعالى بعد هذا) أي أطلعه وغلبه وعلاه (على صناديد العرب) أي أكابرهم (ومن ناوأه) مفاعلة من النوء وهو النهوض فأصله الهمز وابدل أي عاداه (من أشرافهم شيئا فشيئا) أي سنة فسنة ساعة فساعة وفي أصل التلمساني فيما فشا من الفشو وهو الكثرة والظهور والنمو وما موصولة واقعة على الخبر وفي بمعنى على أي على ما فشا وشاع وذاع من الخبر أي أن أمره في ذلك ليس بخفي بل هو ظاهر جلي أو فى على أصلها أي في فاشي الخبر وظاهر الأثر (ونمى) بتشديد الميم أي زكى (أمره) وعلا قدره وفي نسخة بتخفيف الميم (حتّى قهرهم) أي غلبهم فنهاهم وأمرهم كما روي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال يوم فتح مكة
[ ٢ / ٤٥٨ ]
من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل داره وأغلق بابه فهو آمن وقال للأسراء منهم ما كنتم تقولون في أني فاعل بكم فقالوا أخ كريم وابن أخ كريم فقال اذهبوا فأنتم الطلقاء (وتمكّن من ملك مقاليدهم) جمع مقلاد بمعنى المفتاح أي مما ملكوه من البلاد واستولوا عليه بالانقياد أو بمعنى الخزانة أي مما خزنوه وجعلوه ذخيرة للنوائب وأعدوه عدة للمصائب فقد ملكه النبي ﵊ وحواه (واستباحة ممالك كثير من الأمم) أي محال ملكهم ومواضع ملكهم وفي أصل التلمساني مماليك بالياء فهو جمع مملوك (غيرهم) أي غير صناديد العرب ونحوهم (بإظهار الله تعالى له) أي باعلاء كلمته في الدين (وتأييده) أي تقويته (بنصره) أي بإعانته من عنده (وبالمؤمنين) أي وبجعلهم أسبابا لنصره (وألّف بين قلوبهم) حتى صاروا اخوانا مسلمين وهذا كله مقتبس من قوله ﷾ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ومن قوله عز وعلا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا (وإمداده بالملائكة المسوّمين) بكسر الواو وفتحها كما قرىء بهما في السبعة قوله تعالى بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ أي معلمين بسيما خاصة أي علامة مختصة وهي إما بالملائكة وهي عمائم صفر وقيل كانت عمائم الملائكة يومئذ بيضاء وعمامة جبريل صفراء وروي أنه ﵊ قال لأصحابه الكرام يوم بدر تسوموا فإن الملائكة قد تسومت بالصوف الأبيض في فلانسهم ومغافرهم وأما بخيولهم فأنهم كانوا على خيل بلق مجزوزة الآذان والأعراف معلمة النواصي والأذناب بالصوف والعهن والمعنى اعلموا خيلهم واعلموا أنفسهم (ولو كان) أي محمد (ابن ملك) بكسر اللام (أو ذا أشياع) أي صاحب اتباع (متقدّمين) عليه في الزمان (لحسب كثير من الجهّال أنّ ذلك) أي ما ذكر (مُوجِبُ ظُهُورِهِ وَمُقْتَضَى عُلُوِّهِ وَلِهَذَا قَالَ هِرَقْلُ) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف ويجوز إسكان ثانيه وكسر ثالثه وهو منصرف والمراد به عظيم الروم (حين سأل أبا سفيان) أي ابن حرب وهو بإيليا (عنه) أي عن أحوال النبي ﵊ كما رواه البخاري (هل في آبائه من ملك) بكسر الميم على أنها جارة إلا أنها زائدة لا بيانية ولا تبعيضية كما ذكره التلمساني أي من سلطان وروي من ملك بالفتح فيهما فمن موصولة لا شرطية كما وهم التلمساني (فقال) أي أبو سفيان (لاثم قال) أي هرقل (ولو كان في آبائه ملك) أي أحد من الملوك (لقلنا) في حقه هذا (رجل يطلب ملك أبيه وإذا) الظاهر أنها ظرفية والأولى أن تكون تعليلية أي ولأن (اليتم) وفي نسخة وأن اليتم وهو بضم أوله وأصله الانفراد ومنه الدر اليتيم لما لا نظير له في مقام التقويم ثم استعمل في فقد الأب قبل بلوغ ولده (مِنْ صِفَتِهِ وَإِحْدَى عَلَامَاتِهِ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ) كالتوراة والانجيل (وأخبار الأمم السّالفة) باللام والفاء أي السابقة الماضية (وكذا) أي نعت اليتم (وقع ذكره في كتاب أرمياء) بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر
[ ٢ / ٤٥٩ ]
الميم فتحتية فألف مقصورة وروي ممدودة قال التلمساني وهو ابن حلقيا وقال الدلجي كأنه من انبياء بني إسرائيل وفي القاموس أرميا بالكسر نبي (وبهذا) أي نعت اليتم (وصفه ابن ذي يزن) بفتح الياء والزاء غير منصرف واسمه سيف وهو مالك اليمن (لعبد المطلّب) على ما تقدم من أنه يموت أبوه وأمه ويكلفه جده وعمه (وبحيرا) بفتح الموحدة وكسر الحاء المهملة وسكون التحتية فراء بعدها الف مقصورة أو ممدودة وهو الراهب الذي أبصره بأرض الشام وقد عد من الصحابة عند بعض الاعلام والمقصد أنه أيضا كذا ذكره (لأبي طالب) في ذلك المقام فروي نزل من صومعته وأخذ بيده ﵊ وذلك حين خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام فقال لعمه ما هذا الغلام منك فقال ابني فقال بحيرا ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا قال فإنه ابن أخي قال فما فعل أبوه قال مات وأمه حبلى به قال صدقت وتقدمت هذه القصة في فصل دلائل النبوة (وَكَذَلِكَ إِذَا وُصِفَ بِأَنَّهُ أُمِّيٌّ كَمَا وَصَفَهُ الله به) بقوله فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وقوله الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ (فهي) أي صفة الأمية (مدحة له) بكسر الميم أي منقبة له وإن كانت منقصة لغيره (وفضيلة ثابتة فيه) أي في حقه بخصوصه (وقاعدة معجزته) أي أساس كرامته في خرق عادته الدالة على تحقق رسالته (إذ معجزته العظمى) بضم العين أي العظيمة في الغاية (من الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ إِنَّمَا هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِطَرِيقِ الْمَعَارِفِ) أي العلوم الجزئية (والعلوم) الكلية من الأخبار السابقة والآثار اللاحقة والأصول الدينية والفروع الشرعية والأحكام والحدود في السياسات العرفية مع قطع النظر عن جمال بلاغته وكمال فصاحته (مع ما منح) أي أعطي (صلى الله تعالى عليه وسلم) من الفضائل وحسن الشمائل هنالك (وفضّل) بصيغة المفعول مشددا أو مخففا أي وميز (به) عن غيره (من ذلك) أي من أجل كمالات ذاته وكمالات صفاته (كما قدّمناه في القسم الأوّل) وفي نسخة في القسم الأول أي من الباب الرابع (ووجود مثل ذلك) الكتاب الجامع للأبواب كما قال في مدحه بعض أولي الباب:
جميع العلم في القرآن لكن تقاصر عنه أفهام الرجال
والمعنى أن ظهوره (مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَقْرَأْ وَلَمْ يَكْتُبْ وَلَمْ يدارس) الممارس (ولا لقّن) في المدارس (مقتضى العجب) في عالم الفكر (ومنتهى العبر ومعجزة البشر وليس) أي فيه كما في نسخة (ذلك) الوصف بالأمي (نقيصة إذ المطلوب) بالذات (من الكتابة والقراءة المعرفة وإنّما هي) أي القراءة ونحوها (آلة لها) أي للمعرفة (وَوَاسِطَةٌ مُوَصِّلَةٌ إِلَيْهَا غَيْرُ مُرَادَةٍ فِي نَفْسِهَا فإذا حصلت الثّمرة والمطلوب) كان الأنسب أن يقال المطلب ليكون مسجعا مع قوله (استغني عن الواسطة) كالشجرة (وَالسَّبَبِ، وَالْأُمِّيَّةُ فِي غَيْرِهِ نَقِيصَةٌ لِأَنَّهَا سَبَبُ الجهالة وعنوان الغباوة) أي ومقدمة الضلالة والعنوان بضم أوله ويكسر ما يكتب على ظاهر الكتب ليعلم مجمل ما في باطنها وبهذا يعرف أن كشف العوارف وظهور المعارف في بعض الأميين من هذه الأمة
[ ٢ / ٤٦٠ ]
يكون من جملة الكرامة كما أشار إليه قوله ﷾ وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا فإن العلم اللدني في العرف اللغوي ما يحصل للأمي من غير كسب ظاهر في الآدمي (فسبحان من باين أمره) أي غاير أمر النبي (مِنْ أَمْرِ غَيْرِهِ وَجَعَلَ شَرَفَهُ فِيمَا فِيهِ محطّة سواه) أي محل خفض قدر غيره (وَجَعَلَ حَيَاتَهُ فِيمَا فِيهِ هَلَاكُ مَنْ عَدَاهُ) أي من سواه من أرباب الأرواح وأصحاب الأشباح (وهذا شقّ قلبه) أي صدره مرة بعد مرة في حقه (وإخراج حشوته) بضم الحاء المهملة وتكسر وسكون الشين المعجمة وأصله ما في جوف الشيء مما هو محشو به كالإمعاء والكرش وسائر الأشياء والمراد بها هنا علقة سوداء كما رواه البخاري كانت حظا للشيطان وتعلقا له بها في مقام وسوسة الإنسان فإن شقه وإخراجها (كان تمام حياته) ونظام صفاته (وغاية قوّة نفسه) ونهاية قوة أنسه (وثبات روعه) بضم الراء أي قلبه حال خوفه وروعه ولله در من قال:
اقتلوني يا ثقاتي إن في موتي حياتي
ولبعض أرباب الحال موتوا قبل أن تموتوا (وهو) على ما في نسخة أي شقه وإخراجها (فيمن سواه منتهى هلاكه) أي غاية أسباب هلاكه (وحتم موته) بالحاء المهملة أي وجوب وقوعه (وفنائه) والمعنى أنه نهاية علة موته وأفنائه (وهلمّ جرّا) أي وهكذا الأمر مستمرا (إِلَى سَائِرِ مَا رُوِيَ مِنْ أَخْبَارِهِ وَسِيَرِهِ) المؤذنة بآثاره وأسراره (ومآثره) أي مفاخرة ومكارمه التي تؤثر عنه (وتقلّله) أي طلب قلته ووري تبلغه أي طلب بلاغه وزاده إلى معاده (من الدّنيا) زاهدا فيها لا اضطرارا عنها (ومن الملبس) الناعم (والمطعم) اللذيذ (والمركب) المزين (وتواضعه) مع الخلق مع كمال ترفعه عند الحق عملا بقوله من تواضع لله رفعه الله رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (ومهنته) بفتح الميم وتكسر على ما ذكره التلمساني وأبو زيد فلا يلتفت إلى نفي الأصمعي والزمخشري فإن من حفظ حجة على من لم يحفظ أي خدمته (نفسه في أموره) المحتاج إليها (وخدمة بيته) تهوينا على أهله وخدمه (زهدا) في الملك والملك والجاه المعد للهلك وقد سئل الزهري عن الزهد فقال هو أن لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره (ورغبة عن الدّنيا) أي اعراضا عنها لسرعة فنائها وقلة بقائها وكثرة عنائها وخسة شركائها وقد ورد لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة لما سقي كافرا منها شربة ماء رواه الترمذي عن سهل بن سعد (وتسوية بين حقيرها وخطيرها) أي عظيمها من قليلها وكثيرها (لسرعة فناء أمورها) وبقاء شرورها (وتقلّب أحوالها) وتغير أرباب أموالها ونعم المقول:
فلا تدوم على حال تكون بها كما تلون في أثوابها الغول
(كلّ هذا) الذي ذكرناه (من فضائله) أي بعض شمائله (ومآثره) أي مكارمه التي تؤثر وتروى من مفاخره (وشرفه) أي طرفه وتحفه (كما ذكرناه) فيما سبق من محله ومجمل الكلام
[ ٢ / ٤٦١ ]
ما ورد عنه ﵊ بعثت لأتمم مكارم الأخلاق (فمن أورد شيئا منها مورده) أي ذكره في محله اللائق به (وقصد به مقصده) من تعظيم قدره وتبجيل أمره (كان حسنا) أي مستحسنا عند الله وخلقه (ومن أورد ذلك على غير وجهه) بتساهل في حقه (وقد علم منه) أي من إيراده ذلك (سوء قصده) من تنقص به (لحق بالفصول) الستة (التي قدّمناها) فيقتل أو يعزل أو يحبس كما قدرناها (وكذلك ما ورد من أخباره) من أفعاله وأقواله وأثاره (وأخبار سائر الأنبياء ﵈ في أحاديث) وفي نسخة في الأحاديث (ممّا في ظاهره إشكال) كحديث لم يكذب إبراهيم إلا إلى ثلاث كذبات (يقتضي أمورا لا تليق بهم بحال) من أحوالهم (وتحتاج إلى تأويل) يصرفها إلى تحسين مقالهم (وتردّد احتمال) من نقصان في جمال كمالهم (فلا يجب) أي فلا ينبغي (أن يتحدّث منها) بل يجب أن يسكت عنها ولا يؤتى بشيء منها (إلّا بالصّحيح) الثابت فيها (ولا يروى منها إلّا المعلوم) في الرواية (الثّابت) في الدراية (وَرَحِمَ اللَّهُ مَالِكًا فَلَقَدْ كَرِهَ التَّحَدُّثَ بِمِثْلِ ذلك من الأحاديث الموهمة للتّشبيه) المحتاجة إلى التأويل المقتضي للتنزيه (والمشكلة المعنى) المبنية على استعارة في المبنى كحديث البخاري وغيره ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول هل من داع فاستجيب له هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فاغفر له فإن نزوله ﷾ كناية عن تنزيلات رحمته وموجبات إجابة دعوته وأسباب مغفرته أو يقال إنه ﷾ له نزول يليق بشأنه مع اعتقاد التنزيه له عن انتقال وتغير ووجود مكان وزمان في ذاته وكذا الحكم في الآيات المتشابهات وسائر الأحاديث المشكلات فللسلف والخلف مذهبان فالمتقدمون على التسليم والتوكيل ومنهم أبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل والمتأخرون على التأويل والكل قائلون بالتنزيه ومانعون عن التشبيه وبالغ الإمام مالك حتى منع السؤال عن ذلك كما صرح به في قوله المجيب عن سؤاله الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة (وقال) أي مالك (ما يدعو النّاس) أي أي شيء يلجئ العامة ويسوقهم (إلى التّحدّث بمثل هذا) كحديث خلق الله آدم على صورته وكحديث إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصقن قبل وجهه فإن الله بينه وبين القبلة (فقيل له إنّ ابن عجلان) بفتح أوله (يحدّث بها فقال لم يكن) ابن عجلان (من الفقهاء) مع أنه كان شيخ مالك ومن أعلام التابعين بالمدينة وروي عن أبيه وأنس بن مالك وغيرهما وعنه شعبة ويحيى بن سعيد القطان ونحوهما وثقه أحمد وابن معين وقال غيرهما سيىء الحفظ روي أنه حملت به أمه ثلاثة أعوام فشق بطنها لما ماتت فأخرج وقد نبتت أسنانه وفي الميزان للذهبي قال عبد الرحمن بن القاسم قيل لمالك إن ناسا من أهل العلم يحدثون قال من هم فقيل له ابن عجلان فقال لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء ولم يكن عالما قال الذهبي قلت قال مالك هذا لما بلغه أن ابن عجلان حدث بحديث خلق الله آدم على صورته ولابن عجلان فيه متابعون وخرج في الصحيح انتهى فمعناه لم يكن يفقه ما ينشأ عن هذا من الفساد للعباد والخوض في
[ ٢ / ٤٦٢ ]
الباطل لأهل الفساد أو لم يكن من الفقهاء الذين يقدرون على تأويل الأخبار بل ممن يبقى على ظاهر ما ورد من الآثار والحاصل أنه كره التحديث مالك بأمثال ذلك في مجالس العامة لا التحديث المطلق المترتب عليه كتم العلم بالخاصة كما بسطنا هذه القضية في الخطبة قال القاضي المؤلف (وليت النّاس وافقوه) أي مالكا (عَلَى تَرْكِ الْحَدِيثِ بِهَا وَسَاعَدُوهُ عَلَى طَيِّهَا) أي عاونوه على طيء ذكرها في مجلس العامة (فأكثرها ليس تحته عمل) يحتاج إليه جمهور الخلق وحمله الدلجي على كراهة مطلق التحديث بها رواية وكتابة فقال هذه دعوى بلا بينة ومن ثمة لم يوافقه أحد كراهة التحديث بها إذ لم يقله ﵊ لأصحابه عبثا ولا أخبر به عن ربه ليترك سدى مع أنه يلزم من كراهة التحديث بها كراهة تعليم الناس متشابه القرآن والتلاوة مع أمره ﵊ بقوله (بلغوا ولو آية) وإنما ورد في الكتاب والسنة بعض المتشابهات ابتلاء للراسخين في العلم على قدم الثبات قلت اختار مالك سد باب الذريعة للمهالك العامة في ذلك كما وقع لسيدنا عمر رضي الله تعالى عنه مع أبي هريرة حيث أمره صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يروي عنه ﵊ أن من يشهد ان لا إله إلا الله حرمه الله على النار ومنعه عمر لئلا يتكل الناس ويتركوا عمل الأبرار بسماع هذه الأخبار ووافقه سيد الأخيار وقال دعهم يعلموا هذا ولم يرد عن أحد من الأئمة جواز رواية مثل هذه الأحاديث في مجالس الجهلاء والسفهاء فلم يخالف مالك في هذه المسألة أحدا من العلماء بل ثبت عنهم منع العامي عن علم الكلام ودقائق الصوفية الكرام خوفا عليهم من تزلزل عقائدهم وعدم الانتقاع بفوائدهم (وقد حكي) بصيغة المجهول أي روي مثل ذلك (عن جماعة من السّلف بل عنه) أي عن السلف (على الجملة) أي من حيث مجموعهم لا جميعهم (أنّهم كانوا يكرهون الكلام) أي مع العوام (فيما ليس تحته عمل) من الاحكام مما يؤخذ منه حكم شرعي ينتفع به الأنام (والنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أوردها) أي أحاديثه (على قوم عرب) في كمال أدب (يفهمون كلام العرب على وجهه) بدون صرفه عن ظاهر عبارته إلا لموجب يدعو إليه من حمله على إشارته (وتصرّفاتهم في حقيقته) باستعمال اللفظ فيما وضع له بحسب أصله (ومجازه) باستعماله في غير ما وضع له بقرينة عقلية أو حالية (واستعارته) باستعارة حرف كما في قوله تعالى وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ أي عليها أو فعل كما في ولما سكت عن موسى الغضب أي سكن وذهب (وبليغه) أي وبلاغته مما يطابق مقتضى الحال من فصاحته (وإيجازه) الجامع لقلة مبانيه وكثرة معانيه (فلم تكن في حقّهم مشكلة) أي لم توجد في الأحاديث بالنسبة إليهم كلمة مشكلة وجملة معضلة أو لم تكن هذه الأشياء المتقدمة في حقهم مشكلة موهمة لمعرفتهم بأساليب كلامهم وقوة إدراكهم وسرعة أفهامهم وفق مرامهم وهذا كله ببركة مجالسة نبي الأمة وكاشف الغمة (ثمّ جاء من غلبت عليه العجمة) بضم أوله أي اللكنة العجمية (وداخلته الأمّيّة) أي النسبة الجهولية والحالة الطفولية (فلا يكاد يفهم من مقاصد العرب) في مراصد الأدب (إلّا نصّها) أي ظاهرها لا تلويحها
[ ٢ / ٤٦٣ ]
(وصريحها) وفي نسخة تصريحها (ولا يتحقّق بإشاراتها) وفي نسخة إشاراتها (إلى غرض الإيجاز) أي الاقتصار والاختصار ميلا إلى الإطناب في عباراتها (ووحيها) أي خفي كلامها (وتبليغها) وفي نسخة صحيحة وبليغها وهو الأبلغ أي الأقوال المتضمنة لبلاغتها (وتلويحها) أي إشارتها إلى تحسين عبارتها بحسب فصاحتها (فتفرّقوا) أي من غلبت عليه العجمة حقيقة أو طبيعة (في تأويلها) أي الأحاديث الموهمة للشبهات المشكلة (أو حملها على ظاهرها) من غير تنزيه في باطنها (شذر مذر) بفتح أولهما وكسره فمعجمتين اسمان جعلا اسما واحدا للتأكيد فبنيا على الفتح كخمسة عشر ومحلهما نصب على الحال تفرقوا في كل وجه بحيث لا يرجى اجتماعهم بوجه ولا يقال في الإقبال وهذا في الأمثال مثل قولهم تفرقوا أيدي سبا وتمزقوا كل ممزق (فمنهم من آمن به) حق إيمانه من التنزيه (ومنهم من كفر) بحمله على التشبيه وهذا كله في الأحاديث الصحيحة والروايات الصريحة كحديث إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب رجل واحد يصرفه كيف يشاء رواه أحمد ومسلم عن عمرو (فَأَمَّا مَا لَا يَصِحُّ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ) التي اشتهرت على ألسنة العوام أو ذكرت في كتب بعض العلماء الأعلام (فواجب أن لا يذكر منها شيء) لا سيما الوارد منها (فِي حَقِّ اللَّهِ وَلَا فِي حَقِّ أَنْبِيَائِهِ ولا يتحدّث بها) أي بألفاظها ومعانيها (وَلَا يُتَكَلَّفُ الْكَلَامُ عَلَى مَعَانِيهَا، وَالصَّوَابُ طَرْحُهَا) أي حذفها وعدم ذكرها (وترك الشّغل) وروي الاشتغال (بِهَا إِلَّا أَنْ تُذْكَرَ عَلَى وَجْهِ التَّعْرِيفِ بأنّها ضعيفة المقاد) بفتح الميم والقاف أي ضعيفة الرجال (واهية الإسناد) في المقال (وقد أنكر الأشياخ) جمع الشيوخ من العلماء (على أبي بكر بن فورك) بضم الفاء وفتح الراء غير منصرف للعجمة والعلمية وقد يصرف لعدم ثبوت العجمة (تكلّفه في مشكله) كأنه اسم كتابه (الكلام) بالنصب على أنه مفعول تكلفه وفي أصل الدلجي في مشكل الكلام (على أحاديث ضعيفة) إسنادا أو متنا (موضوعة لا أصل لها) لا موقوفة ولا مرفوعة وكان الأولى أن يقال ضعيفة أو موضوعة للفرق بينهما عند أرباب الأصول فإن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقا (أو منقولة عن أهل الكتاب) من اليهود والنصارى وغيرهم (الّذين يلبّسون الحقّ بالباطل) كما أخبر الله به عنهم (كان) وفي نسخة وكان أي ابن فورك (يكفيه) أي ابن فورك (طرحها) أي نبذها وراء ظهره بعدم التفات إلى ذكرها (ويعنيه عن الكلام عليها) من جهة معانيها (التّنبيه على ضعفها) ووضعها ليجتنب عن التعلق بها إِذِ الْمَقْصُودُ بِالْكَلَامِ عَلَى مُشْكِلِ مَا فِيهَا إزالة اللّبس) أي الخط الكائن (بها واجتثاثها) مبتدأ أي اقتطاعها (من أصلها وطرحها) وتركها في فصلها (أكشف) أي أبين (للّبس وأشفى للنّفس) وفيه بحث إذ الحكم على الحديث بأنه ضعيف أو موضوع ليس بمقطوع لاختلاف المحدثين في رجال الاسناد بحيث لم يبق الاعتماد إذ قل حديث صحيح لم يقل بضعفه وعلته وقل حديث ضعيف بل موضوع لم يقل بصحته أو ثبوته فكأنه رحمه الله تعالى أتى بالتأويل في معناه على تقدير صحة مبناه ليزول الإشكال على جميع الاحتمال من الأحوال والله تعالى أعلم بمقاصد الرجال.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
فصل (وَمِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ فِيمَا يَجُوزُ عَلَى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وما لا يجوز)
أي إطلاقه عليه (والذّاكر من حالاته) أي صفاته ومقالاته (ما قدّمناه في الفصل قبل هذا) الفصل (على طريق المذاكرة والتعليم أن يلتزم) أي المتكلم (في كلامه عند ذكره صلى الله تعالى عليه وسلم وذكر تلك الأحوال الواجب) بالنصب على المفعولية من الضمير المستكن في يلتزم وتقدير الكلام ومما يجب على المتكلم في كذا وكذا يلتزم في كلامه الواجب ومن قوله (من توقيره وتعظيمه) للبيان وفي بعض النسخ الواجبة بالتاء إيقاعا لها صفة الأحوال وخطؤه ظاهر إلا أن يتكلف ويأول بالثابتة في الفصول الستة (ويراقب) أي وأن يراعي (حال لسانه) بعظيم شأنه (ولا يهمله) أي يتركه ولا يرسله من غير بيانه (ويظهر عليه) أي على المتكلم (علامات الأدب عند ذكره) خوفا من الرب ونظيره قاله القراء إن الواجب على القارئ إذا قرأ آية فيها فعل الكفر كقوله تعالى لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ أن يخفض صوته عند المقول وأن يخضع في مقام الخوف والنول ويتذكر قوله تعالى لعيسى ﵊ في المجمع العام أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ فإن مقتضى العقل الباهر والدين الظاهر هو أنه ﷾ لولا أنه ذكره في كتابه وقرره في خطابه لكان واجبا أن لا يتحدث أحد عنهم بهذا الكلام تعظيما للملك العلام وتأمل قول ابن دينار لولا أن الله انزل في الفاتحة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وأوجب علينا قراءته لما تلفظت بهذه الجملة لعدم اتصافي بهذه الخصلة (فإذا ذكر) المتكلم (ما قاساه) أي كابده ﵊ (من الشّدائد) من جهة الخلق (ظهر عليه الإشفاق) أي الشفقة والرحمة (والارتماض) بالضاد المعجمة أي شدة الاحتراق وأصله القلق والشدة وهو من الرمض شدة الحر أو شدة الغيظ ومعناه أنه يتوقد له ويتغيظ به ويود لو كان في ذلك الوقت لا وقع بعامل ذلك ما قدر من آثار المقت وهذا معنى قوله (والغيظ على عدوّه) والغيظ بالظاء المعجمة الغضب أو شدته أو أوله وسورته وأغرب التلمساني بقوله والغيظ بالظاء والضاد وهي لغة (ومودّة الفداء) وهو بكسر الفاء ممدودا ومقصورا وبفتحها مقصورا أي ويجب أن يفدي بروحه وأبيه وأمه (للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) فيما أصابه (لو قدر عليه) أي على الفداء (والنّصرة لو أمكنته) لديه ونظيره في قراءة القرآن إذ قرأ آية الرحمة ينبسط ويطلبها وإذا قرأ آية العقوبة ينقبض ويستعيذ منها (وإذا أخذ في أبواب العصمة) وفي نسخة العظمة والظاهر أنه تصحيف وتحريف والمعنى إذا أشرع المتكلم في أبواب حفظ الله إياه في أحواله (وَتَكَلَّمَ عَلَى مَجَارِي أَعْمَالِهِ وَأَقْوَالِهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم تحرّى) بالحاء المهملة والراء المشددة أي اجتهد في تأديته ويطلب ويقصد (أحسن اللّفظ وأدب العبارة) بهمزة ممدودة أي أولاها (ما أمكنه) أي قدر ما قدر عليه (واجتنب بشيع ذلك) أي كريهه
[ ٢ / ٤٦٥ ]
(وهجر) أي ترك (من العبارة ما يقبح) ظاهره (كلفظة الجهل والكذب والمعصية) والمعنى لا ينسب شيئا منها وأمثالها إليه وإلى غيره من الأنبياء ﵈ ولا يستند إلى ما ورد في حقهم من قوله تعالى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى أي جاهلا بتفاصيل الإيمان كما ينبئ عنه قوله تعالى مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ومن قوله ﵊ ولم يكذب إبراهيم الا ثلاث كذبات ومفهومه أنه كذب ومن قوله تعالى وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى فإن لله ورسوله أن يعبرا بما شاآ في حق من شاآ (فإذا تكلّم) أي المتكلم (فِي الْأَقْوَالِ قَالَ هَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخُلْفُ في القول والإخبار) بكسر الهمزة لا يقول أيجوز عليه الكذب في قول أو خبر (بخلاف ما وقع سهوا) في لسانه (أو غلطا) في بيانه (ونحوه من العبارة) كالنسيان في شأنه فإنه لا لوم عليه ولا اعتراض لديه لحديث رفع عن أمتي الخطأ والنسيان (ويتجنّب لفظة الكذب) أي إطلاقها عليه (جملة واحدة) أي بالكلية (وإذا تكلّم على العلم) أي علمه ﵊ (قَالَ هَلْ يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْلَمَ إِلَّا ما علّم) كما يشير إليه قَوْلِهِ تَعَالَى وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
(وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ عِلْمٌ من بعض الأشياء حتّى يوحى إليه) لقوله تعالى وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا أي بذاته وقوله تعالى قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وقوله قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وفي الحديث مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية وفي حديث جبريل ما المسؤول عنها بأعلم من السائل وقد قال تعالى إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها أي عن نفسي لو كان أمكن فضلا عن غيري والحاصل أن الأنبياء لم يعلموا المغيبات من الأشياء إلا بما اعلمهم الله تعالى أحيانا وقد صرح علماؤنا الحنيفة بتكفير من اعتقد أن النبي يعلم الغيب لمعارضة قوله تعالى قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ كذا في المسايرة للإمام ابن الهمام (ولا يقول بجهل) النبي (لقبح اللّفظ وبشاعته) بل يقول لا يدري مثلا وقت مجيء الساعة قال حسن العبارة معتبر عند ارباب الإشارة كما حكي أنه كان معبر ان لبعض الأمراء وجعل وظيفة أحدهما ألفا والآخر نصفه ندماؤه وجلساؤه عن وجه الفرق بينهما لاتحادهما في مراتب العلم والصلاح والأدب فسألوه عن ذلك وعن تمييزهما بما هنالك فقال رأيت في النوم أن أسناني سقطت فصاحب الألف عبر بأنك تعيش بعد أقوامك كلهم وعبر الآخر بأنهم يموتون قدامك جميعهم فانظروا فالفرق بين العبارتين مع أن مؤداهما واحد في الإشارتين (وإذا تكلّم) المتكلم (في الأفعال) الصادرة عنه ﵊ (قَالَ هَلْ يَجُوزُ مِنْهُ الْمُخَالِفَةُ فِي بَعْضِ الأوامر والنّواهي) ولا يعبر عنها بالكبائر والمعاصي (ومواقعة الصّغائر) بل الأولى أن يعبر عنها بالزلات والمكروهات بل وخلاف الأولى (فهو) أي ما ذكر من العبارات (أولى وآدب) بمد الهمزة أي أكثر تأدبا (مِنْ قَوْلِهِ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَعْصِيَ أَوْ يُذْنِبَ أَوْ يَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا مِنْ أَنْوَاعِ المعاصي) المشتملة على الصغائر والكبائر (فهذا) الذي قدمناه (من حقّ توقيره) وفي نسخة زيادة وبره أي طاعته أو إكرامه (﵊ وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ تعزير) أي تبجيل
[ ٢ / ٤٦٦ ]
(وإعظام وقد رأيت) ويروى ورأيت (بعض العلماء لم يتحفّظ من هذا) الذي ذكرناه ويروى في هذا (فقبّح منه) ما صدر عنه (ولم استصوب عبارته فيه) ولذا اكتفيت بذكر إشارته (ووجدت) وروي رأيت (بعض الجائرين) بالجيم من الجور أي المائلين عن الاقتصاد وفي رواية بالحاء المهملة من الحيرة وهو التردد أي من المتحرين في سبيل الرشاد غير متمكنين على طريق السداد (قوّله) بتشديد الواو أي نسبه إلى الخطأ في قوله الخاص به (لِأَجْلِ تَرْكِ تَحَفُّظِهِ فِي الْعِبَارَةِ مَا لَمْ يقله) والمعنى زعم لأجل ترك تحفظه أنه قال ما لم يقله (وشنّع) ذلك البعض (عليه) أي على من لم يتحفظ (بما يأباه) كلامه (ويكفّر قائله وإذا كان مثل هذا) الاستعمال بالتحفظ في الأقوال (بَيْنَ النَّاسِ مُسْتَعْمَلًا فِي آدَابِهِمْ وَحُسْنِ مُعَاشَرَتِهِمْ وخطابهم فاستعماله في حقّه ﵊ أوجب) أي الزم (والتزامه آكد) بمد الهمزة أي أوثق وأتم قال الدلجي قوله أوجب أي وجوب فرض لا وجوب تأكيد وهما عند امامنا الشافعي مترادفان سواء ثبت بدليل قطعي أو ظني وفرق أبو حنيفة بأن ما ثبت بقطعي ففرض وما ثبت بظنه فواجب لأن التفاوت بين الكتاب وخبر الآحاد يوجب التفاوت بين مدلوليهما لكنهم خالفوا قاعدتهم من إطلاقهم الفرض على ما ثبت بظني كقولهم الوتر فرض والزكاة واجبة انتهى ولا يخفى أن الفرق بينهما إنما هو بحسب الاعتقاد دون العمل فإن كلاهما فرض بهذا الاعتبار لكن ثواب الفرض أكثر وعقاب ترك الواجب أقل ومما يفيد الفرق أن منكر الفرض كافر بخلاف منكر الواجب وهذا هو بحسب أصل الاصطلاح الشرعي وقد يستعار أحد اللفظين مقام الآخر في الاستعمال اللغوي ومن لم يميز بين الدليل القطعي والظني فلا كلام معه لا من جهة النقل ولا من جهة العقل على أن الشافعية أضطروا إلى الفرق بينهما في أحكام الحج حجة عليهم ثم هذا المبحث لم يكن في محله ولكنه لما أبدي هذا المقال أوجب لنا حل عقال هذا الإشكال على أن قوله وجوب فرض لا وجوب تأكيد لا طائل تحته (فجودة العبارة تقبّح الشّيء) الواحد (أو تحسّنه) كما قدمناه في حكاية المعبرين (وتحريرها وتهذيبها يعظّم الأمر أو يهوّنه ولهذا قال صلى الله تعالى عليه وسلم إنّ من البيان لسحرا) رواه مالك وأحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عمر ثم البيان فصاحة اللسان والسحر صرف الشيء عن وجهه والحديث يحتمل المدح والذم أما على الأول فمعناه أنه يستميل النفوس ويأخذ بها لحسنه عندها من بلاغته وفصاحته وحسن تأليفه في عبارته وإشارته وتزيين مبانيه وتحسين معانيه بحيث يرتضي به الساخط ويستذل به الصعب كما يفعل السحر من الأمر العجب ولذلك قالوا فيه السحر الحلال ويؤيده أن في نفس الحديث زيادة رواية وأن من الشعر لحكمة وأما على الثاني فمعناه في المتشدق الذي يمدح من لا يمدح في الفعل ويطنب فيما لا يحل من القول ويحسن القبيح من ذلك ويقبح الحسن هنالك وأن فعل ذلك حرام كالسحر ويكتسب صاحبه من الاثم في قوله ما يكتسبه الساحر بعلمه وقد أورد مالك رحمه الله تعالى الحديث في الموطأ في باب ما يكره من الكلام ولعله اختار القول الثاني في هذا
[ ٢ / ٤٦٧ ]
المقام والله تعالى اعلم بالمرام (فأمّا ما أورده) المتكلم (على جهة النّفي عنه والتّنزيه) له ﵊ منه (فلا حرج في تسريح العبارة) أي إرسالها وإطلاقها (وتصريحها فيه) أي في حقه ﵊ (كقوله لا يجوز عليه الكذب جملة) أي مجملا ومطلقا أو جميع أنواعه (ولا إتيان الكبائر بوجه) أي لا عمدا ولا سهوا (ولا الجور) أي الميل والظلم (في الحكم) بين الناس (على حال) من الغضب والرضى (وَلَكِنْ مَعَ هَذَا يَجِبُ ظُهُورُ تَوْقِيرِهِ وَتَعْظِيمِهِ وتعزيره) أي تبجيله (عند ذكره مجرّدا) عن إثبات وصف أو نفيه (فكيف عند ذكر مثل هذا) الكلام المشتمل على نعته على جهة النفي أو ثبوته (وقد كان السّلف) من أئمة الدين كزين العابدين وجعفر الصادق ومحمد بن المنكدر (تظهر عليهم حالات شديدة) من تغير لون وبكاء ورعدة (عِنْدَ مُجَرَّدِ ذِكْرِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْقِسْمِ الثّاني وكان بعضهم يلتزم مثل ذلك) من ظهور التوقير (عِنْدَ تِلَاوَةِ آيٍ مِنَ الْقُرْآنِ حَكَى اللَّهُ تعالى فيها مقال عداه) بكسر أوله أي اعدائه من اليهود والنصارى (وَمَنْ كَفَرَ بِآيَاتِهِ وَافْتَرَى عَلَيْهِ الْكَذِبَ فَكَانَ يخفض بها صوته) في تلاوته (إعظاما لربّه وإجلالا له) أي لقدره وأمره (وإشفاقا) على نفسه حذرا (من التّشبّه بمن كفر به سبحانه لا إله إلا هو العلي العظيم) فعن إبراهيم النخعي أنه كان إذا قرأ قوله تعالى وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ يخفض بها صوته أي بمقولهم وأمثال ذلك من كفرياتهم.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
الْبَابُ الثَّانِي [فِي حُكْمِ سَابِّهِ وَشَانِئِهِ وَمُتَنَقِّصِهِ ومؤذيه]
(في حكم سابّه) أي شاتمه (وشانئه) أي مبغضه إذ أظهر عليه أثره (ومتنقّصه) أي الطالب نقصه (ومؤذيه) أي بقوله أو فعله (وعقوبته) أي وفي عقوبة من ذكر (وذكر استتابته) من طلب توبته أو قبول رجعته وفي نسخة والصلاة عليه (ووراثته) في تركته بعد موته (قَدْ قَدَّمْنَا مَا هُوَ سَبٌّ وَأَذًى فِي حقّه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرْنَا إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى قَتْلِ فاعل ذلك وقائله) أي إن لم يرجع إلى الإسلام (وتخيير الإمام) وفي نسخة أو ولا وجه له وفي نسخة ويخير الإمام أي وذكرنا كونه مخيرا (فِي قَتْلِهِ أَوْ صَلْبِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ) أي تفصيل صور أمثلته (وقرّرنا الحجج عليه) بإظهار أدلته (وبعد) أي بعد ذلك (فاعلم أنّ مشهور مذهب مالك وأصحابه وأقوال السّلف) أي بعضهم (وجمهور العلماء) أي المالكية لما سيأتي أن الجمهور على خلاف قول مالك المشهور (قتله حدّا لا كفر إن أظهر التّوبة منه) أي من عند نفسه أو من قوله أو فعله (ولهذا) أي ولكونه يقتل حدا لا كفرا (لا تقبل عندهم توبته) أي منه كما في نسخة (ولا تنفعه) أي في دفع قتله (استقالته ولا فيأته) بفتح الفاء وتكسر فتحتية ساكنة فهمزة أي رجوعه عنه (كما قدّمناه قبل) أي قبل ذلك (وحكمه) أي في حتم القتل (حكم الزّنديق) الذي توبته عندهم لا تقبل وهو الذي لا يتدين (ومسرّ الكفر) ومظهر الإيمان (في هذا القول) المشهور من مذهب مالك وقال غيره تقبل توبته ولا يقتل (وسواء كانت توبته على هذا) القول المشهور (بعد القدرة عليه) أي على أخذه (والشّهادة على قوله) المؤدي إلى قتله (أو جاء تائبا من قبل نفسه) أي من عنده بدون استتابته (لأنه) أي قتله (حدّ وجب) عندهم (لا تسقطه التوبة كسائر الحدود) من الزنا وقتل النفس ونحوهما اتفاقا وفيه أنه قياس مع الفارق فإن هذه الحدود عامة ثابتة بالكتاب والسنة وأما من كفر بسبب سب ثم تاب فلا يعرف له حد في هذا الباب إذ كثير ممن ارتد عن الإسلام يهجاه ﵊ ثم تاب وقبل منه توبته ورفعت عنه ردته هذا وقد صح عنه ﵊ إن الإسلام يجب ما قبله وهو يشمل الإسلام السابق واللاحق وفي الحدود تفصيل في مذهبنا هو المحمود (قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ ﵀ إذا أقرّ بالسّبّ) أي له أو لغيره من الأنبياء ﵈ (وتاب منه وأظهر التّوبة) أي أثرها قبلت منه و(قتل بالسّبّ لأنه هو) أي القتل (حَدُّهُ وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ مثله) أي يقتل لأنه حده وفي نسخة في مثله أي في نظيره (وَأَمَّا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فَتَوْبَتُهُ تَنْفَعُهُ) إجماعا، (وقال ابن سحنون) بفتح أوله وبضم ويصرفه ويمنع (من شتم النبيّ صلى الله
[ ٢ / ٤٦٩ ]
تعالى عليه وسلم) وكذا غيره من الأنبياء ﵈ (من الموحّدين) أي المسلمين (ثمّ تاب عن ذلك لم تزل) من الإزالة أي لم ترفع (توبته عنه القتل) وهو معنى قول القابسي وابن أبي زيد (وكذلك قد اختلف) أي اختلف المالكية (في الزّنديق إذا جاء تائبا) من قبل نفسه من غير استتابة والجاء إليها (فَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ فِي ذلك) أي في مجيئه تائبا (قولين، قال) أي ابن القصار (من شيوخنا من قال أقتله) أي احكم بقتله (بإقراره) بأنه كان زنديقا أو شاتما ثم جاء تائبا (لِأَنَّهُ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى سَتْرِ نَفْسِهِ فَلَمَّا اعترف خفنا) أي ظننا ومنه قوله تعالى إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما (أنّه خشي الظهور) أي الاطلاع (عليه) بأن يجدوا الزندقة لديه (فبادر لذلك) بالتوبة وهذا له وجه في الجملة إذا كان لبعض الناس إطلاع على حاله (وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ أَقْبَلُ تَوْبَتَهُ لِأَنِّي أَسْتَدِلُّ على صحّتها) أي صحة توبته (بمجيئه) تائبا من قبل نفسه (فَكَأَنَّنَا وَقَفْنَا عَلَى بَاطِنِهِ بِخِلَافِ مَنْ أَسَرَّتْهُ البيّنة) أي أخذته وقيدته (قال القاضي أبو الفضل وهذا) القول الأخير (قول أصبغ) أي ابن الفرج فقيه مصر من شيوخ البخاري (ومسألة سابّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أقوى) أي أشد من مسألة الزنديق فإنها من حق الله تعالى وهو مبنى على المسامحة فقيه الخلاف في الجملة بخلاف الساب فأنه (لا يتصوّر فيها الخلاف) في مذهب مالك (على الأصل المتقدّم) على ذلك (لأنّه) أي سبه (حقّ متعلّق للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ولأمّته بسببه لا تسقطه التّوبة كسائر حقوق الآدميّين) وفيه أن حق الله هنا أيضا متعلق للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وجميع أمته (والزّنديق) وهو الثنوي أو القائل ببقاء الدهر أو المسر للكفر وهذا المعروف عند الفقهاء (إِذَا تَابَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَعِنْدَ مَالِكٍ واللّيث) أي ابن سعد (وإسحاق) أي ابن راهويه (وأحمد) أي ابن حنبل (لا تقبل توبته) أي ظاهرا فلا تسقط عنه القتل (وعند الشّافعيّ تقبل) توبته ولا يقتل (واختلف فيه عن أبي حنيفة) وهو الإمام الهمام (وأبي يوسف) أحد اتباعه من الاعلام والمعتمد ما في قاضيخان وأما الزنادقة فأخذ الجزية منهم بناء على قبول التوبة من الزنادقة فإنهم قالوا إن جاء الزنديق قبل أن يؤخذ فأقر انه زنديق فتاب من ذلك قبلت توبته وإن أخذ ثم تاب لا تقبل توبته ويقتل لأنهم باطنية يظهرون شيئا ويعتقدون في الباطن خلاف ذلك فيقتلون ولا تؤخذ منهم الجزية ولا تقبل توبتهم انتهى وأبو حنيفة ترجمته كثيرة ومناقبه شهيرة وأما أبو يوسف فهو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خنيس بي سعد بن احبتة بحاء مهملة مفتوحة فموحدة ساكنة ومثناة فوقيه مفتوحة وهي أمه وهو سعد بن بحير بفتح الموحدة وكسر الحاء المهملة وقيل سعد بن بجير بضم الموحدة وفتح الجيم وذكر القولين الأمير في إكماله وقال الذهبي سعد بن بجير البجلي حليف الأنصار روي أنه قاتل يوم الخندق وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مسح رأسه وقال أسعد الله جدك ومن ولده القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة وقد روي عن عطاء بن السائب وهشام بن عروة وغيرهما وكان أبو يوسف من أهل الكوفة فقيها عالما روى عنه محمد بن الحسن الشيباني وبشر بن الوليد الكندي وعلي بن الجعد وأحمد بن
[ ٢ / ٤٧٠ ]
حنبل وابن معين وغيرهم وقد روي الشافعي عن محمد عن أبي يوسف وكان قد سكن ببغداد وتولى القضاء بها لثلاثة من الخلفاء المهدي وابنه الهادي ثم هارون الرشيد وكان الرشيد يكرمه ويجله قال ابن خلكان هو أو من دعي بقاضي القضاة ويقال إنه أول من غير لباس العلماء إلى هذه الهيئة التي هم عليها الآن وكان ملبوس الناس قبل ذلك شيئا واحدا لا يتميز أحد عن أحد بلباس قال ولم يختلف يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني في ثقته في النقل وكان كثير الحديث انتهى ولد سنة ثلاث عشرة ومائة وتوفي يوم الخميس أول وقت الظهر لخمس خلون من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين ومائة ببغداد وابنه يوسف الذي يكنى به ولي القضاء في حياة أبيه ومات سنة اثنتين وتسعين ومائة وبلغ من العمر تسعا وستين سنة وأما قول التلمساني قالوا أبو يوسف أبو حنيفة أي سيد مسده ويغني عنه فليس في محله لأن أبا يوسف حسنة من حسنات أبي حنيفة وفضله وإنما هو تشبيه بليغ كما يقال زيد أسد أي كأسد فالمعنى أن أبا يوسف كأبي حنيفة ومن المعلوم أن المشبه به أقوى من المشبه ولا يلزم من التشبيه المساواة من جميع الشبه ثم المعتمد في المذهب أنه تقبل توبته ولا يقتل وأما قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا كاليهود كفروا بعيسى والإنجيل بعد الإيمان بموسى والتوراة ثم أزدادوا كفرا بمحمد ﵊ والقرآن الميجد أو كفرا بمحمد قبل مبعثه ثم ازدادوا كفرا بالإصرار والعناد والطعن فيه أو لقوم أرتدوا ولحقوا بمكة ثم ازدادوا كفرا بقولهم نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ لا يتوبون أو لا يتوبون إلا إذا أشرفوا على الهلاك فكني عن عدم توبتهم بعدم قبولها وذلك لما سبق في قوله تعالى كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ إلى أن قال إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وعن ابن عباس أن قوما اسلموا ثم ارتدوا ثم اسلموا ارتدوا فأرسلوا إلى قومهم يسألون فنزلت رواه البزار وقال ابن كثير إسناده جيد (وحكى ابن المنذر) وهو الإمام الحافظ المشهور (عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يستتاب) أي الزنديق، (قال محمّد بن سحنون ولم يزل) بفتح أوله وضم ثانيه أي لم يرتفع (الْقَتْلُ عَنِ الْمُسْلِمِ بِالتَّوْبَةِ مِنْ سَبِّهِ صَلَّى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ مِنْ دِينٍ) هو حق (إلى غيره) وهو دين باطل وهذا غريب من قائله إذ لا شبهة أنه انتقل بسبه ﵊ من دين الإسلام وما عداه باطل بإجماع الإعلام (وَإِنَّمَا فَعَلَ شَيْئًا حَدُّهُ عِنْدَنَا الْقَتْلُ لَا عَفْوَ فِيهِ لِأَحَدٍ كَالزِّنْدِيقِ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ من ظاهر إلى ظاهر) أي بل إلى باطن وفساد هذا التعليل أيضا ظاهر؛ (وقال القاضي أبو محمّد) أي عبد الوهاب (بن نصر) أي البغدادي المالكي (محتجّا لسقوط اعتبار توبته) أي توبة من سبه ﵊ (وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى على مشهور القول باستتابته) أي استتابة من سبه تعالى (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ وَالْبَشَرُ جِنْسٌ تَلْحَقُهُ الْمَعَرَّةُ) بتشديد الراء أي الكراهة والمشقة (إلّا من أكرمه الله بنبوّته) هذا استثناء غريب لا يظهر وجه اتصاله ولا انفصاله اللهم إلا أن يراد بالمعرة
[ ٢ / ٤٧١ ]
المنقصة ويلائمه قوله (والباري تعالى منزّه عن جميع المعايب قطعا) مما لا خلاف فيه إجماعا (وليس) أي الله ﷾ (من جنس تلحق المعرّة بجنسه) في هذه العبارة مزلة لنزاهة ساحة عزته عن أن يكون من جنس تلحقه معرة أو لا تلحقه فلا يصح إطلاق النوعية والجنسية عليه كما لا يصح سؤال الماهية والكيفية بالنسبة إليه وفيه أن مقتضى قياس العقل أن من سب الله ﷾ يكون أشد كفرا ممن سب النبي ﵊ لوضوح قبحه عند جميع الإنام (وليس سبّه صلى الله تعالى عليه وسلم كالارتداد) أي المجرد (المقبول فيه التّوبة) ولو كانت ردته بسب الله سبحانه وعز شأنه وفيه بحث سيأتي بيانه (لأنّ الارتداد معنى ينفرد به المرتدّ) وهو كفره فقط (لَا حَقَّ فِيهِ لِغَيْرِهِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ فَقُبِلَتْ توبته) وفيه أن من سب الله تعالى يتعلق به حق خلقه من النبي وغيره ومن غضب بسب نفسه ولم يغضب بسب ربه فهو ليس بآدمي ومما يدلك على ذلك أنه كان ﵊ لا يسامح عن المرتد فكيف من يسب الله ﷾ وكان يساهل من يسبه ﵊ ويطعن فيه من المنافقين وغيرهم فيتعين أن سب الله تعالى أقبح من سب غيره والحاصل أن سبه ﷾ وسب أنبيائه كفر يستتاب وتقبل توبته عند الجمهور وأما سب سائر الآدميين فليس بكفر فيعزر بشروطه المعتبرة (ومن سبّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم تعلّق به) وفي نسخة فيه (حق لآدميّ) وهو نفسه ﵊ أو أمته الكرام ولا شك أنه يتعلق به حقه تعالى أيضا بلا كلام وفي نسخة تعلق فيه حق للآدميين قال التلمساني فعلى الأولى معناه أن ما وجب من حق النبي ﵊ فقد تعلق بالناس كافة فوجب عليهم القيام به وعلى الثاني بأن الأمر وجب له ونحن نأخذ به وليس حقه كحق غيره (فكان كالمرتدّ) بل هو مرتد ما لم يتب وإذا تاب لا معنى له أنه كالمرتد (يقتل) أي مسلما (حين ارتداده أو يقذف) أي محصنة (فإنّ توبته) وإن قبلت من حيث ارتداده (لا تسقط عنه حقّ القتل) وفي نسخة حد القتل (والقذف) وحاصله أنه تقبل توبته عن ارتداده بالنسبة إلى تعلق حق الله به ولا تقبل توبته بالنسبة إلى تعلق حق غيره به (وَأَيْضًا فَإِنَّ تَوْبَةَ الْمُرْتَدِّ إِذَا قُبِلَتْ لَا تسقط ذنوبه) التي اقترفها زمن ردته (من زنى وسرقة وغيرها) كقتل وشرب خمر (ولم يقتل سابّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لكفره) أي بعد توبته وأما قول الدلجي لأنه لم يسبق له إسلام فلا وجه لعلته (لكن) يقتل (لمعنى يرجع إلى تعظيم حرمته) في مقام نبوته (وزوال المعرّة به) أي بقتله (وذلك) المعنى (لَا تُسْقِطُهُ التَّوْبَةُ؛ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ) أي المصنف (يريد) القائل (وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ سَبَّهُ لَمْ يَكُنْ بِكَلِمَةٍ تقتضي الكفر) أي في نفس الأمر (ولكن بمعنى الإزراء والاستخفاف) وهذا غريب فإن الطعن في نبوته والقدح في نعته مناقض للإقرار برسالته وقبول دعوته وقد سبق أن سبه كفر بالإجماع وإنما قبول توبته في الدنيا محل النزاع (أو لأنّه) أي الشأن (بتوبته وإظهار إنابته) أي رجوعه (ارتفع عنه اسم الكفر ظاهرا) وهو ظاهر (والله أعلم بسريرته) وهذا حكم كل كافر أو مرتد يدخل في دين الإسلام فإنا نحكم عليه بظاهر ونكل
[ ٢ / ٤٧٢ ]
سريرته إلى عالم السرائر كما يشير إليه قوله ﵊ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وحسابهم على الله (وبقي حكم السّبّ عليه) عند المالكية فيقتل حدا لا كفرا وأما عند غيرهم فحكم السب هو الكفر وارتفع بتوبته ورجوعه إلى شريعته، (وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْقَابِسِيُّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ، لِأَنَّ السَّبَّ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الّتي لا تسقط عن المرتدّ) فلا يستتاب لردته كذا قال والأولى على مقتضى مذهبهم أيضا القول باستتابته لتنفعه توبته عند ربه وإن كان يقتل حدا أن تاب عندهم (وكلام شيوخنا هؤلاء) المالكية المذكورين (مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِقَتْلِهِ حَدًّا لَا كُفْرًا وهو يحتاج إلى تفصيل) فإن من سبه بما لا يقتضي كفرا قتل حدا وكذا أن سبه بما يقتضيه وتاب وإلا قتل كفرا كذا ذكره الدلجي وهو خطأ فاحش لأن سبه بما لا يقتضي كفرا لا يتصور أصلا فإن مطلق سبه كفر قطعا. (وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مالك ومن وافقه) أي مالكا أو الوليد (على ذلك ممّن ذكرناه) فيما مر (وقال به من أهل العلم) أي كثيرون (فقد صرّحوا بأنّه) أي سبه ﵊ (رِدَّةٌ قَالُوا وَيُسْتَتَابُ مِنْهَا فَإِنْ تَابَ نُكِّلَ) بصيغة المجهول أي عوقب عبرة لغيره إذ النكال العقوبة التي تنكل الناس أي تمنعهم عن فعل ما جعلت له جزاء وهذا عندهم أيضا (وإن أبى) أي امتنع عن التوبة (قتل) إجماعا (فحكم له) أي مالك للساب (بحكم المرتدّ مطلقا) بوجوب استتابته وقبولها مطلقا (في هذا الوجه) الذي رواه الوليد عن مالك ووافقه عليه غيره ووقع في أصل الدلجي الزنديق بدل المرتد والظاهر أنه خطأ (والوجه الأوّل أشهر) من رواية الوليد (وأظهر لما قدّمناه) من أنه يقتل حدا لا كفرا إن تاب وأخطأ الدلجي في قوله هنا وإن تاب لأن مفهومه أنه إذا لم يتب يقتل حدا لا كفرا وهو خلاف الإجماع (ونحن نبسط الكلام فيه) أي في سبه ﵊ (فنقول من لم يره ردّة) أي ارتدادا عن الإسلام وهو بعيد عن مقام النظام (فهو يوجب القتل فيه) أي به (حدّا) أي لا كفرا (وإنّما نقول ذلك) أي كونه ليس بردة (مع فصلين) أي في محلين (إِمَّا مَعَ إِنْكَارِهِ مَا شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ) بصيغة المجهول (أو إظهاره الإقلاع) أي التحول والارتحال (والتّوبة) أي وإظهارها (عَنْهُ فَنَقْتُلُهُ حَدًّا لِثَبَاتِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَيْهِ) إما بالبينة أو بالتوبة (في حقّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وتحقيره) أي سابه (مَا عَظَّمَ اللَّهُ مِنْ حَقِّهِ وَأَجْرَيْنَا حُكْمَهُ في ميراثه وغير ذلك) مما له من الحقوق (حكم الزّنديق إذا ظهر عليه وأنكر) زندقته (أو تاب) عنها (فإن قيل وكيف) وفي نسخة صحيحة فكيف (تثبتون عليه الكفر) بإقراره (ويشهد عليه) بالبناء للمفعول (بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَلَا تَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِحُكْمِهِ مِنَ الاستتابة وتوابعها) أي من القبول ورفع القتل عنه كما عليه جمهور السلف والخلف وعامة الأئمة (قلنا نحن) المالكية (وإن أثبتنا له حكم الكافر في القتل فلا نقطع) بالجزم (عليه بذلك) الكفر (لِإِقْرَارِهِ بِالتَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَإِنْكَارِهِ مَا شُهِدَ بِهِ عليه أو زعمه) بضم الزاء وفتحها أي أو لدعواه (أنّ ذلك كان منه وهلا) بفتح الهاء وسكونها أي غلطا وسهوا ويروى وهما وهو بسكون الهاء وتحرك
[ ٢ / ٤٧٣ ]
(ومعصية) خطأ (وأنه مقلع) معرض (عن ذلك) الصادر منه هنالك (نادم عليه) أي على ما ينسب إليه (ولا يمتنع إثبات بعض أحكام الكفر) كالقتل (على بعض الأشخاص) من المسلمين (وإن لم تثبت له خصائصه) أي جميع خصائصه الموجبة للحكم عليه به (كقتل تارك الصّلاة) كسلا أو تهاونا حدا لا كفرا عند من قال به وهو خلاف ظواهر الأدلة وقواعد الأئمة بخلاف من تركها جحدا أو استحلالا فإنه كفر إجماعا (وأمّا من علم أنه سبّه معتقدا لاستحلاله فلا شكّ في كفره بذلك) أي باعتقاد استحلاله مع الإجماع على حرمته (وكذلك إن كان سبّه في نفسه) مع قطع النظر عن استخفافه واستحلاله (كفرا كتكذيبه أو تكفيره، ونحوه) كالشك في نبوته أو رسالته (فهذا ممّا لا إشكال فيه) بالحكم عليه بالكفر (ويقتل) حدا (وإن تاب منه لأنّا) معشر المالكية (لا نقبل توبته) لرفع القتل عنه (ونقتله بعد التّوبة حدّا) لا كفرا (لقوله) الذي ظهر منه (ومتقدّم كفره) أي الذي صدر عنه (وأمره بعد) أي بعد توبته وقتله (إِلَى اللَّهِ الْمُطَّلِعِ عَلَى صِحَّةِ إِقْلَاعِهِ الْعَالِمِ بسرّه) أي بباطن حاله (وكذلك) يقتل بل هو أولى هنالك (مَنْ لَمْ يُظْهِرِ التَّوْبَةَ وَاعْتَرَفَ بِمَا شُهِدَ به عليه وصمّم عليه) بأن عزم وجزم على ما لديه (فهذا كافر) بلا خلاف (بِقَوْلِهِ وَبِاسْتِحْلَالِهِ هَتْكَ حُرْمَةِ اللَّهِ وَحُرْمَةِ نَبِيِّهِ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْتَلُ كَافِرًا بِلَا خِلَافٍ فَعَلَى هذه التّفصيلات خذ كلام العلماء) وفي أصل الدلجي أخذ ولكنه لا يلائمه قوله (واترك مختلف عباراتهم) لأن المناسب أن يكون كلاهما بصيغة الأمر وضبط التلمساني بحاء مهملة مضمومة ودال مهملة مشددة أمر من حد الشيء ميزه أو من حده صرفه ورتبه وفي نسخة عباراتهم بصيغة الجمع والمعنى اترك عباراتهم المختلفة التي مآلها واحد (في الاحتجاج) بقتله (عليها) أي على التفصيلات (وأجر) أي أمض (اختلافهم في الموارثة) وروي الوارثة (وغيرها) من اجراء أحكام الإسلام على من تاب وإن حكم بقتله من الصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين (عَلَى تَرْتِيبِهَا تَتَّضِحُ لَكَ مَقَاصِدُهُمْ إِنْ شَاءَ الله تعالى) .
فصل (إذا قلنا بالاستتابة حيث تصحّ)
منه على رواية الوفيد بن مسلم عن مالك (فالاختلاف فيها) أي في الاستتابة (محمول عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي تَوْبَةِ الْمُرْتَدِّ إِذْ لَا فرق بينهما) عند مالك على الرواية السابقة (وقد اختلف السّلف في وجوبها) أي الاستتابة (وصورتها) أي كيفيتها (وَمُدَّتِهَا فَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ المرتدّ يستتاب) وجوبا أو ندبا (وحكى ابن القصّار أنه) أي قول الجمهور (إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى تَصْوِيبِ قَوْلِ عُمَرَ في الاستتابة) سواء يكون إيجابا أو استحبابا (ولم ينكره) أي قول عمر (واحد منهم) فيكون إجماعا سكوتيا بالنسبة إلى بعضهم (وهو قول عثمان وعليّ وابن مسعود) أي مختارهم المنصوص عنهم (وبه) أي ويقول من تقدم من الصحابة (قال عطاء بن أبي رباح) بفتح الراء وهو من إجلاء التابعين من أهل مكة (والنّخعيّ) بفتح النون والخاء المعجمة ويسكن تابعي كوفي (والثّوريّ ومالك وأصحابه
[ ٢ / ٤٧٤ ]
والأوزاعيّ) منسوب إلى قبيلة من همدان (والشافعيّ وأحمد وإسحاق) أي ابن راهويه (وأصحاب الرأي) أي الثاقب الذي هو أسنى المناقب قال النووي المراد بأصحاب الرأي الفقهاء الحنفية وهذا عرف أهل خراسان (وذهب طاوس) يكتب بواو واحدة كداود وهو ابن كيسان اليمني وزيد في نسخة ومحمد بن الحسن وهو من أصحاب أبي حنيفة (وعبيد بن عمير) بالتصغير فيهما وهو أبو قتادة الليثي يروي عن أبي وعمر وعائشة وعنه ابنه وابن أبي مليكة وعمرو بن دينار وآخرون قال الذهبي ذكر ثابت البناني أنه قص على عهد عمر وهذا بعيد انتهى وثقه أبو زرعة وجماعة توفي سنة أربع وسبعين وأخرج له الأئمة الستة (والحسن) أي البصري (فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَتَابُ) أي وجوبا إلا أنه لو تاب تقبل توبته ولا يقتل (وقاله) أي وقال به (عبد العزيز بن أبي سلمة) أي الماجشون بكسر الجيم كان إماما معظما ولدته أمه على ما قيل لأربع سنين توفي سنة أربع وستين ومائة اخرج له الأئمة الستة روى عن الزهري وابن المنكدر ولم يدرك نافعا وليس بالمكثر اجازه المهدي بعشرة آلاف دينار قال أبو الوليد كان يصلح للوزارة (وذكره عن معاذ) أي ابن جبل الأنصاري (وأنكره) أي نقله (سُحْنُونٌ عَنْ مُعَاذٍ وَحَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي يوسف وهو) أي القول بعدم وجوب الاستتابة (قول أهل الظاهر) وهم داود بن محمد الظاهر واتباعه (قالوا) أي القائلون بعدم وجوب الاستتابة أو علماء المالكية أو العلماء أجمعون (وَتَنْفَعُهُ تَوْبَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنْ لَا نَدْرَأُ القتل) أي لا ندفعه (عنه) نحن معاشر المالكية (لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم) فيما رواه أحمد والبخاري والأربعة عن ابن عباس (من بدّل دينه) أي غيره (فاقتلوه) أي إن لم يتب ولا يصح حمله على إطلاقه لمخالفة الإجماع على أن المرتد إذا تاب قبلت توبته ولم يقتل وأما تخصيص حكم الساب فمذهب حادث من مالك وأصحابه (وحكي عن عطاء أنه إن كان) أي المرتد (ممّن ولد في الإسلام) أي ولد مسلما (لم يستتب) أي لا وجوبا ولا استحبابا وليس في كلامه ما يدل على عدم قبول توبته (ويستتاب الإسلامي) أي المنسوب إلى الإسلام بالدخول عليه ولعل الفرق مبني على زجر الأول وعدم عذره فتأمل (وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ وَالْمُرْتَدَّةَ فِي ذلك) أي في القتل لا في وجوب الاستتابة كما توهم الدلجي (سواء) لعموم الحديث السابق (وروي) كما في مصنف ابن أبي شيبة (عن عليّ ﵁) موقوفا عليه لكنه في حكم المرفوع (لا تقتل المرتدّة وتسترقّ) كما لو أسرت الكافرة (وقاله عطاء) أي وافقه (وَقَتَادَةُ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا تُقْتَلُ النّساء في الرّدّة) وأغرب الدلجي بقوله ولعله أراد زمن ردة العرب بعد وفاة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (وبه قال أبو حنيفة) ويؤيده ما ورد من النهي عن قتل النساء ففي الصحيحين عن ابن عمر نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان وأن خصه بعضهم بحال الغزاء واعلم أن المرتدة لا تقتل عندنا ولكنها تحبس ابدا إلى أن تتوب ويجوز استرقاق المرتدة بعد ما لحقت بدار الحرب ولعل قول علي محمول على ذلك (قَالَ مَالِكٌ وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالذَّكُرُ وَالْأُنْثَى فِي ذلك) أي في
[ ٢ / ٤٧٥ ]
قتل كل منهم بالردة (سواء) أخذا بظاهر الحديث الذي تقدم والله تعالى اعلم (وأمّا مدّتها) أي مدة الاستتابة وجوبا أو استحبابا (فمذهب الجمهور) من العلماء (وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ يُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يحبس فيها) فإن تاب وإلا قتل (وقد اختلف فيه) أي في مذهب الجمهور المروي (عن عمر) أنه يستتاب ثلاثة أيام (وهو) أي ما روي عن عمر (أحد قولي الشافعيّ) قال الدلجي والصحيح من مذهبه أنه يستتاب في الحال فإن تاب وإلا قتل (وقول أحمد وإسحاق واستحسنه) أي ذلك (مالك وقال لا يأتي الاستظهار) أي التثبت والانتظار (إلّا بخير) يرجى (وليس عليه) أي على التأني في الأمور (جماعة الناس) لاستعجالهم فيها (قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ يريد به) يعني مالكا بقوله وليس عليه جماعة الناس (في الاستيناء) أي في الاستمهال (ثلاثا وقال مالك أيضا الّذي آخذ) أي أقول (بِهِ فِي الْمُرْتَدِّ قَوْلُ عُمَرَ يُحْبَسُ ثَلَاثَةَ أيّام ويعرض عليه) أي الإسلام (كلّ يوم فإن تاب) قبلت توبته (وَإِلَّا قُتِلَ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ في تأخيره) أي المرتد (ثَلَاثًا رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ هَلْ ذَلِكَ وَاجِبٌ أو مستحبّ) فظاهر مذهبه كما في شرح المختصر لبهرام الوجوب وروى عنه الاستحباب والله تعالى اعلم بالصواب (واستحسن الاستتابة) أي نفسها (والاستيناء) أي الاستمهال (ثلاثا أصحاب الرّأي) حيث ثبت عن الصحابة ولم يثبت الوجوب في الرواية ولا القتل بعد التوبة (وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ اسْتَتَابَ امرأة) أي مرة أو مرات (فلم تتب فقتلها) ولعله قتلها لكونها رئيسة لقومها أو كانت داعية إلى طريقها من كفر بدعوى النبوة أو غيرها قيل كانت المرأة من فزارة على ما رواه البيهقي وفي رواية أنها أم فرقة وفي فتاوى قاضيخان وإذا دخل أهل الإسلام دار الحرب مغيرين لا ينبغي لهم أن يقتلوا النساء إلا إذا قاتلت المرأة أو كانت ملكة أو كانت ذات رأي في الحرب وإذا قاتلت فأخذها المسلمون لا بأس بقتلها وإن أمكن سبيها، (وقال الشّافعيّ مرّة) أي يستتاب في الحال (وإن لم يتب مكانه قتل واستحسنه المزنيّ) المصري منسوب إلى مزينة قبيلة كان ورعا زاهدا مجاب الدعوة متقللا من الدنيا وكان معظما بين أصحاب الشافعي قال الشافعي في حقه لو ناظر الشيطان لغلبه وصنف المبسوط والمختصر والمنثور والمسائل المعتبرة والترغيب في العلم وكتاب الرقائق والأقارب توفي سنة أربع ومائتين ودفن بالقرافة بالقرب من قبر الشافعي (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي ولو في يوم واحد (فإن أبى قتل) وأغرب الدلجي فيقوله ولو في ساعة (وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ يُسْتَتَابُ شَهْرَيْنِ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ يُسْتَتَابُ أَبَدًا وَبِهِ أَخَذَ الثّوريّ ما رجيت توبته) وهو قيد لقول النخعي وجملة وبه أخذ الثوري معترضة وأغرب الدلجي في قوله وبه أخذ وزاد ما رجيت توبته ووجه غرابته أنه لم يتصور من الإمام النخعي أن يقول يستتاب أبدا سواء رجيت توبته أو لم ترج، (وحكى ابن القصّار) أي المالكي (عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُسْتَتَابُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ ثَلَاثِ جُمَعٍ كُلَّ يوم) على الأول مرة (أو جمعة) أي كل جمعة (مرّة) قال الدلجي يحتمل أن يكون تخبيرا من أبي حنيفة أو شكا من ابن القصار أو من المصنف
[ ٢ / ٤٧٦ ]
قلت والمعتمد في مذهبنا ما ذكره قاضيخان في فتاواه من أن المرتد يعرض عليه الإسلام في الحال فإن اسلم وإلا قتل إلا أن يطلب التأجيل فيؤجل ثلاثة أيام لينظر في أمره ولا يؤجل أكثر من ذلك ويعرض عليه الإسلام في كل يوم من أيام التأجيل فإن اسلم سقط عنه القتل وإن أبي يقتل وجحود الردة يكون عودا إلى الإسلام ثم ردة الرجل تبطل عصمة نفسه حتى لو قتله قاتل بغير أمر القاضي عمدا أو خطأ أو بغير أمر السلطان أو أتلف عضوا من أعضائه لا شيء عليه (وفي كتاب محمد) أي ابن المواز (عن ابن القاسم) أي ابن خالد المصري (يدعى المرتدّ إلى الإسلام ثلاث مرّات) أي في يوم أو أيام كما هو المشهور من مذهب مالك (فَإِنْ أَبَى ضُرِبَتْ عُنُقُهُ وَاخْتُلِفَ عَلَى هَذَا) القول باستتابته (هل يهدّد) بقتل وضرب وغيرهما (أو يشدّد عليه أيّام الاستتابة) بجوع أو عطش ونحوهما (ليتوب) أي ولو بكره (أم لا) يهدد ولا يشدد (فَقَالَ مَالِكٌ مَا عَلِمْتُ فِي الِاسْتِتَابَةِ تَجْوِيعًا ولا تعطيشا ويؤتى له) أي يعطى (من الطّعام بما لا يضرّه) رجاء رجوعه (وقال أصبغ يخوّف أيّام الاستتابة بالقتل) والتنكيل الوبيل (وَيُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ وَفِي كِتَابِ أَبِي الْحَسَنِ) ويقال أبو الحسين (الطّابثي) بطاء مهملة ثم موحدة مكسورة فمثلثة فياء نسبة إلى قرية بالبصرة (يوعظ في تلك الأيّام) أي أيام الاستتابة (ويذكّر بالجنّة) ونعيمها (ويخوّف) أي ينذر (بالنّار) وأليمها (قَالَ أَصْبَغُ وَأَيُّ الْمَوَاضِعِ حُبِسَ فِيهَا مِنَ السّجون مع النّاس) المحبوسين (أو وحده) أي مفردا عنهم (إذا استوثق منه) بصيغة المجهول (سواء) لأن المقصود حفظه كي يرجع إلى الإسلام أو يقتل عبرة للأنام (ويوقف ماله) أي يحفظ (إذا خيف أن يتلفه على المسلمين) فاندفع قول الدلجي لم أدر ما محترزه بالظرف المؤذن بأنه إذا لم يخف تلفه لم يوقف بل هو موقوف بسبب ردته مطلقا فإن لم يتب تبين زوال ملكه عنه وكان فيئا انتهى وسيأتي الكلام عليه وإنما نشأ عدم درايته من حمل الموقوف على حكمه لا على حفظه عن ضياع ملكه (ويطعم منه ويسقى وكذلك يستتاب أبدا كلّما رجع) إلى الإسلام (وارتدّ) بعده من الأيام (وقد استتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نبهان) بنون مفتوحة وسكون موحدة وهو أحد ثلاثة من الصحابة كل منهم كان اسمه نبهان لا يعلم أيهم (الّذي ارتدّ) منهم (أربع مرّات أو خمسا) شك من الراوي وقد رواه البيهقي بسند مرسل وقال استتاب رجلا ارتد أربع مرات اسمه نبهان قال الحلبي في الصحابة نبهان التمار أبو مقبل ونبهان أبو سعد ونبهان الأنصاري انتهى ولم يذكر أبو عمر نبهان في كتابه قيل ولم يذكر ابن الجوزي من اسمه نبهان في الصحابة إلا الأول وبه جزم التلمساني حيث قال ونبهان هو التمار وري أنه أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرا فقال لها إن هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه فذهب بها إلى البيت فضمها إلى نفسه وقبلها فقالت له اتق الله فتركها وندم فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره فنزل وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً الآية (قال ابن وهب) أي المصري (وعن مالك يستتاب أبدا كلّما رجع) إلى الردة (وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ) المصري الفقيه المالكي (وقال إسحاق) أي ابن
[ ٢ / ٤٧٧ ]
راهويه (يقتل في الأربعة) بدون استتابة (وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِنْ لَمْ يَتُبْ فِي الرّابعة) أي من مرات الردة (قُتِلَ دُونَ اسْتِتَابَةٍ وَإِنْ تَابَ ضُرِبَ ضَرْبًا وَجِيعًا وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ السِّجْنِ حَتَّى يَظْهَرَ عليه خشوع التّوبة) أي آثار صحتها وأنوار ندامتها قال الدلجي وهو عجيب لمخالفة قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ انتهى ولا يخفى أن ليس في الآية نص على خلاف ذلك وإنما هي مطلقة قابلة للتقييد إذا وجد دليل مخصص يظهر للمجتهد وكفى بإسحاق إماما مجتهدا وإماما نسب إلى أصحاب أبي حنيفة رحمه الله تعالى فهو غير مشهور عنهم ففي قاضيخان رجل ارتد مرارا وجدد الإسلام في كل مرة وجدد النكاح فعلى قول أبي حنيفة تحل له امرأته من غير اصابة الزوج الثاني لأن عنده الردة لا تكون طلاقا واباء الزوج عن الإسلام يكون طلاقا وعلى قول أبي يوسف ردته وإباؤه لا يكون طلاقا وعند محمد كلاهما طلاق وردة المرأة واباؤها لا يكون طلاقا وتقع الفرقة عند عامة العلماء بردتها وعند البعض لا تقع وأجمع أصحابنا أن الردة تبطل عصمة النكاح فتقع الفرقة بينهما بنفس الردة وعند الشافعي لا تقع الفرقة إلا بقضاء القاضي (قال ابن المنذر ولا نعلم أحدا) من العلماء (أوجب على المرتدّ في المرّة الأولى) من ردته (أدبا إذا رجع) بنفسه عنها إلى الإسلام (وهو) أي عدم وجوب الأدب على المرتد إذا رجع مبنى (على مذهب مالك والشّافعيّ والكوفيّ) يعني به أبا حنيفة لأنه الفرد الأكمل لا سيما من علماء الكوفة.
فصل (هذا حكم من ثبت عليه ذلك)
الكفر (بما يجب ثبوته) أي يعتبر وجوده (من إقرار) ممن صدر عنه (أو عدول) أي شهادة عدلين أو أكثر (لم يدفع فيهم) أي لم يطعن في حقهم (وأمّا) وفي نسخة فأما (من لم تتمّ الشّهادة عليه) لنقص كمية أو صفة (بما شهد عليه الواحد) ولو عدلا (أو اللّفيف) أي الطائفة الملتفة أو الجماعة المختلفة (من النّاس) المتهمين في العدالة (أو ثبت قوله) بإقراره أو بشهادة مقبولة (لكن احتمل) قوله تأويلا (ولم يكن صريحا) في كونه كفرا (وكذلك) الحكم أي مطلقا لا حكم من لم تتم الشهادة عليه كما توهم الدلجي لأنه يدفعه قوله (إن تاب على القول) المنقول عن مالك برواية الوليد بن مسلم (بقبول توبته) كما عليه الجمهور (فهذا) أي ما ذكر من الشيخين (يدرأ عنه القتل) يحتمل كونه مبنيا للفاعل أو المفعول أي يدفع عنه (ويتسلّط عليه اجتهاد الإمام) في تعزيره وتشهيره (بقدر شهرة حاله وقوّة الشّهادة عليه) أي على مقاله (وضعفها وكثرة السّماع عنه) لما صدر منه (وصورة حاله من التّهمة في الدّين والنّبز) بفتح النون وسكون الموحدة فزاء أي ومن دعائه وندائه بلقب السوء (بالسّفه) أي خفة العقل (والمجون) بضمتين أي وبعدم المبالاة في أمور الديانات وفي نسخة الفجور فإن المعاصي تزيد الكفر (فمن قوي أمره) أي وضعف قدره (أذاقه) الإمام (من شديد) وروي من شر (النّكال) بفتح النون أي العقوبة والوبال (من التّضييق في السّجن
[ ٢ / ٤٧٨ ]
والشّدّ) أي التشديد (في القيود) ويروي في القيد (إلى الغاية التي هي منتهى طاقته ممّا لا يمنعه القيام لضرورته) من قضاء حاجته (ولا يقعده) أي لا يمنعه (عن صلاته) من شروطها واركانها في طاعته (وهو) أي إذاقة شديد العقوبة (حُكْمُ كُلِّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ لَكِنْ وقف) بصيغة المجهول أي توقف (عن قتله لمعنى أوجبه وتربّص به) على بناء المفعول أي انتظر (لإشكال وعائق) أي مانع شرعي أو عرفي (اقتضاه أمره وحالات الشّدّة) أي عليه كما في نسخة (في نكاله تختلف) قوة وضعفا (بحسب اختلاف حاله وقد روى الوليد) أي ابن مسلم (عن مالك والأوزاعيّ أنّها) أي مقالته الغير الصريحة (ردّة فإذا تاب نكّل) أي تنكيلا شديدا (ولمالك في العتبيّة) اسم كتاب (وكتاب محمد) أي ابن المواز (مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ إِذَا تَابَ الْمُرْتَدُّ فَلَا عقوبة عليه) وهو الموافق لقول السلف والخلف لقوله تَعَالَى قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ (وأفتى أبو عبد الله بن عتّاب) بتشديد الفوقية (فيمن سبّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ عُدِّلَ أَحَدُهُمَا) بضم العين وتشديد الدال أي زكى أحدهما دون الآخر (بالأدب الموجع) متعلق بأفتى (والتّنكيل) الرادع (والسّجن) الهالع (الطّويل) زمانا الضيق مكانا (حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ وَقَالَ الْقَابِسِيُّ فِي مِثْلِ هذا) الذي ذكر (وَمَنْ كَانَ أَقْصَى أَمْرِهِ الْقَتْلَ فَعَاقَ عَائِقٌ) أي صرفه صارف (أشكله) أي جعله مشكلا (في القتل) أي في امضائه (لم ينبغ أن يطلق من السّجن ولكن يستطال سجنه ولو كان فيه) أي في السجن (من المدّة) بيان مقدم لقوله (ما عسى أن يقيم) أي يطول فيه (وَيُحْمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْقَيْدِ مَا يُطِيقُ وَقَالَ) أي القابسي (فِي مِثْلِهِ مِمَّنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ يُشَدُّ فِي القيود شدّا ويضيّق عليه في السّجن) أمدا (حتّى ينظر فيما يجب عليه) آخرا؛ (وقال في مسألة أخرى مثلها) لعلها ما سبق في فصل الوجه الخامس من أن القابسي سئل عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ قَبِيحٍ كَأَنَّهُ وَجْهُ نكير إلى آخره فإنه أفتى هنالك بنظير ما أفتى به هنا (ولا تهراق) بضم أوله وسكون ثانيه ويفتح أي ولا تصب (الدّماء إلّا بالأمر الواضح) لحديث لا يحل دم امرئ مسلم إلا لثلاث ردة أو قتل نفس أو زنا محصن (وفي الأدب بالسّوط) أي الضرب له (والسّجن نكال) أي زجر وردع (للسّفهاء ويعاقب عقوبة شديدة) أي مدة مديدة (فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ سِوَى شَاهِدَيْنِ فأثبت) للدفع عن نفسه (من عداوتهما) في أمر الدنيا (أو جرحتهما) بضم الجيم أي طعنهما من جهة الدين (ما أسقطهما) أي دفع شهادتهما عنه وروي ما اسقطها (ولم يسمع ذلك) الأمر (من غيرهما) بأن انحصرت الشهادة فيهما (فأمره أخفّ) ممن قبله (لسقوط الحكم) من قتل ونكال (عنه وكأنّه لم يشهد عليه) بصيغة المجهول (إلّا أن يكون ممّن يليق به ذلك) النكال حيث يظن منه صدور ذلك المقال (ويكون الشاهدان من أهل التّبريز) من البروز وهو الظهور أي بأن أمرهما في عدالتهما (فَأَسْقَطَهُمَا بِعَدَاوَةٍ فَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَنْفُذِ الْحُكْمُ) المترتب (عليه بشهادتهما) المجروحة (فلا يدفع الظّنّ صدقهما) فيما برز منهما وظهر عنهما (وللحاكم في تنكيله هنا) موضع (اجتهاد والله وليّ الإرشاد) أي الهداية وروي الرشاد وهو الصواب والسداد.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
فصل [هذا حكم المسلم]
(هذا) الذي قدمناه (حكم المسلم) الذي ارتد (فأمّا الذّمّيّ إذا صرّح بسبّه) أي للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم (أو عرّض) أي لوح (أَوِ اسْتَخَفَّ بِقَدْرِهِ أَوْ وَصَفَهُ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الّذي كفر به) أي الذمي وكان يتعين التصريح بذكره وهو في نسخة بصيغة المجهول مشددا وليس على ما ينبغي ثم الوجه اعتقاد عدم نبوته أو رسالته وغير وجهه كقوله ليس بذي تقوى (فلا خلاف عندنا) أئمة المالكية (فِي قَتْلِهِ إِنْ لَمْ يُسْلِمْ لِأَنَّا لَمْ نعطه الذّمة) أي بالجزية (أو العهد) بالمصالحة والأمان (على هذا) الذي صدر عنه من السب ونحوه (وهو) أي قتله بشرطه (قول عامّة العلماء) أي جميعهم (إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيَّ وَأَتْبَاعَهُمَا مِنْ أَهْلِ الكوفة) أي فقهائهم (فإنّهم قالوا) أي جميعهم (لا يقتل) الذمي بذلك وعللوه بقولهم (لأنّ ما هو عليه من الشّرك أعظم) مما صدر من سبه صلى الله تعالى عليه وسلم (ولكن يؤدّب ويعزّر) بقدر مقاله وقوة حاله (واستدلّ بعض شيوخنا) المالكية (على قتله) أي الذمي المذكور (بقوله تعالى: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ) أي نقضوا ما بايعوا عليه من الإيمان (مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ) المؤكد بها (وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ [التوبة: ١٢]) أي عابوه (الآية) أي فقاتلوا أئمة الكفر أنهم لا إيمان لهم بفتح الهمزة جمع يمين اثبتها لهم ثم نفاها عنهم لأنها في الحقيقة كلا إيمان وبه أخذ أبو حنيفة أن يمين الكافر كلا يمين وعن الشافعي هي يمين ومعنى لا إيمان لهم لا يوفونها وفي قراءة ابن عامر بكسر الهمزة وقوله لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ متعلق بقاتلوا قال التلمساني وفي بعض الأصول فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ الآية والتلاوة فقاتلوا أئمة الكفر ولا دليل على القتل بهذا النص لأن المقاتلة غير القتل ولو استدل بقوله قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ الآية لكان أقرب انتهى ولا يخفى أن الآيتين في المصالحة مع الحربي والكلام في الذمي وقد قال تعالى قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ فظاهر الآية أن بعد اعطاء الجزية يرتفع عنهم القتل، (ويستدلّ أيضا عليه) أي على قتل الذمي الذام (بقتل النبيّ ﵊ لابن الأشراف وأشباهه) قال الدلجي كأبي رافع من اليهود وأبي وأمية ابني خلف من قريش انتهى ولا يخفى أن ابن الأشرف واليهودي الآخر لم يكونا من أهل الذمة وأما ابنا خلف فهم من أهل الحرب (وَلِأَنَّا لَمْ نُعَاهِدْهُمْ وَلَمْ نُعْطِهِمُ الذِّمَّةَ عَلَى هَذَا وَلَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ معهم) فينبغي أن يشترك عليهم ذلك حال معاهدتهم (فَإِذَا أَتَوْا مَا لَمْ يُعْطَوْا عَلَيْهِ الْعَهْدَ وَلَا الذِّمَّةَ فَقَدْ نَقَضُوا ذِمَّتَهُمْ وَصَارُوا كُفَّارًا) أي حربيين وفي نسخة وصاروا أهل حرب وجمع بينهما الدلجي في أصله (يقتلون بكفرهم) وفي نسخة لكفرهم على أن الباء سببية واللام تعليلية (وَأَيْضًا فَإِنَّ ذِمَّتَهُمْ لَا تُسْقِطُ حُدُودَ الْإِسْلَامِ عنهم) وروي عليهم (من القطع في سرقة أموالهم) أي أموال المسلمين (والقتل لمن قتلوه منهم) أي
[ ٢ / ٤٨٠ ]
من المؤمنين (وإن كان ذلك) الذي ذكر من السرقة والقتل (حلالا عندهم) وأما تمثيل الدلجي بحد الزنا جلدا أو رجما فليس في محله فإنه لم يختلف أحد منا ومنهم في تحريمه (فكذلك سبّهم للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يقتلون به) وفيه أنه نوع كفر مندرج في جنس كفرهم لا أنه فرع من جملة الأحكام المختصة بهم أو الشاملة لهم ولغيرهم (ووردت لأصحابنا) المالكية (ظواهر تقتضي الخلاف) في قتل الذمي وعدمه (إذا ذكره) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (الذّمّيّ بالوجه الّذي كفر به) الذمي كتكذيبه النبوة أو الرسالة العامة (ستقف عليها) أي على تلك الظواهر (مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ سُحْنُونٍ بَعْدُ) أي بعد ذلك (وحكى أبو المصعب) بصيغة المعلوم (الخلاف فيها) أي في الظواهر قاله الدلجي والصواب في المسألة (عن أصحابه المدنيّين) قال الحلبي هو أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف أبو مصعب الزهري المدني الفقيه قاضي المدينة يروي عن مالك (واختلفوا) أي المالكية (إذا سبّه) أي الذمي (ثُمَّ أَسْلَمَ فَقِيلَ؛ يُسْقِطُ إِسْلَامُهُ قَتْلَهُ لِأَنَّ الإسلام يجبّ ما قبله) كما في حديث صحيح أي يقطع ويمحو ما كان قبله من كفر ومعصية وفي رواية الإسلام يهدم ما قبله قالوا معناه يهدم الإسلام ما كان قبله على الإطلاق مظلمة كانت أو غيرها كذا ذكره الانطاكي (بخلاف المسلم إذا سبّه ثمّ تاب) فإنا نقتله حدا لا كفرا (لأنّا نعلم باطنة الكافر) أي معتقده قال الحجازي وروي الكفر أقول ولا وجه له (في بعضه له وتنقّصه بقلبه لكنّا منعناه) أي الذمي (من إظهاره فلم يزدنا ما أظهره) من السب وغيره (إِلَّا مُخَالَفَةً لِلْأَمْرِ وَنَقْضًا لِلْعَهْدِ فَإِذَا رَجَعَ عَنْ دِينِهِ الْأَوَّلِ إِلَى الْإِسْلَامِ سَقَطَ مَا قبله) مما كان يلام؛ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الْأَنْفَالِ: ٣٨] وَالْمُسْلِمُ بِخِلَافِهِ إِذْ كَانَ ظَنُّنَا بِبَاطِنِهِ حُكْمَ ظاهره وخلاف ما بدا) بالألف أي ظهر (عنه الآن فلم نقبل بعد) أي بعد ذلك (رجوعه) بالتوبة وفيه أن كفره ساعة كيف يكون أشد من كفر سنين مع أنه لا عبرة بظننا إذ يحتمل أنه كان كافرا ويتستر وما صح له الإيمان المعتبر ولهذا قال بعض العارفين الإيمان إذا دخل القلب أمن السلب وقال بعضهم الذي رجع ما رجع إلا من الطريق ويشير إليه قوله تعالى فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها أي لا انقطاع (ولا استأمنا) أي لم يظهر لنا الأمن (إلى باطنه) وفي بعض النسخ ولا استنمنا أي ما اطمأننا إلى باطنه يقال استنام إليه أي سكن واستأنس فاندفع قول الأنطاكي إنه لا معنى له ولعله تصحيف وقال الدلجي أي ولا ارتفعنا إلى ذروة سنام باطنه ولا اطلعنا عليه قلت وكذلك الحال بالنسبة إلى الكافر الأصلي إذا اسلم إذ يحتمل أن يكون منافقا أو لم يوجد فيه شرط من شروط صحة الإيمان والله المستعان (إذ قد بدت سرائره) أي ظهرت ضمائره بخلاف ظننا به (ما ثبت عليه) أي على المسلم (من الأحكام باقية عليه لم يسقطها شيء) قلت فينبغي أن يكون أقرب إلى القبول من الكافر الأصلي (وَقِيلَ لَا يُسْقِطُ إِسْلَامُ الذِّمِّيِّ السَّابِّ قَتْلَهُ لأنّه حقّ للنبيّ صلى الله
[ ٢ / ٤٨١ ]
تعالى عليه وسلم وجب عليه) أي على الذمي (لانتهاكه حرمته) أي تناولها بما لا يحل له (وقصده إلحاق النّقيصة) وفي نسخة الحاقه النقيصة أي المنقصة (والمعرّة به) أي المشقة بالمذمة (فلم يكن رجوعه إلى الإسلام بالذي) أي بالوجه الذي (يسقطه) وفيه أن كل الصيد في جوف الفرا وجنس الكفر يشمل أنواعه كما ترى ولا يظهر قياسه بقوله (كما وجب عليه) أي الذمي (مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلِ إِسْلَامِهِ مِنْ قَتْلٍ وَقَذْفٍ وَإِذَا كُنَّا لَا نَقْبَلُ تَوْبَةَ المسلم) أي الساب لدفع قتله (فإن لا نقبل توبة الكافر) أي الذمي (أولى) بل الأولى كما تقبل توبة الحربي أن تقبل توبة الذمي والمسلم لأنهما أقرب إلى الدين وقد قبل النبي ﵊ توبة المرتدين واليهود بعد شتمهم للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم والله ﷾ أعلم. (قال مالك في كتاب ابن حبيب) وهو صاحب الواضحة (والمبسوط) أي وفيه (وابن القاسم) أي وفي كتابه (وابن الماجشون) بكسر الجيم فى صورة الجمع وآل لا تفارقه وقال النووي الماجشون لفظ أعجمي وهو من أصحاب مالك (وابن عبد الحكم) قال التلمساني هو إذا أطلق عند الفقهاء فهو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن عبد الله بن عثمان (وَأَصْبَغَ فِيمَنْ شَتَمَ نَبِيَّنَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ قُتِلَ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي العتبيّة) بضم أوله (وعند محمد) أي ابن المواز (وَابْنِ سُحْنُونٍ وَقَالَ سُحْنُونٌ وَأَصْبَغُ لَا يُقَالُ له أسلم) أقول وما المانع من ذلك (ولا تسلم) وهذا أغرب من الأول إذ كيف يجوز لمسلم أن يقول لكافر لا تسلم وكأن مراده أنه لا يعتبر قول أحد له اسلم أو لا تسلم والمعنى أنه لا يجب أن يعرض عليه الإسلام (ولكن إن أسلم وحده) أي باختياره (فذلك له توبة وفي كتاب محمد) أي ابن المواز (أَخْبَرَنَا أَصْحَابُ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ مَنْ سَبَّ رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ مسلم أو كافر) أي ذمي إذ يبعد إطلاقه (قتل ولم يستتب) أي لم تقبل توبته (وروي) بصيغة المجهول (لنا عن مالك) كما في كتاب ابن حبيب وغيره زيادة بعد قوله قاقتلوه (إلّا أن يسلم الكافر) ذميا أو غيره (وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنّ راهبا تناول النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فَهَلَّا قَتَلْتُمُوهُ) ليس فيه أنه اسلم وأمر بقتله (وروى عيسى) أي ابن معين (عن ابن القاسم) الفقيه المصري (فِي ذَمِّيٍّ قَالَ إِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُرْسَلْ إلينا) معشر بني إسرائيل (إنّما أرسل إليكم) أيها العرب (وإنّما نبيّنا موسى أو عيسى) عن وجه التنويع (ونحو هذا لا شيء عليهم) ويروى عليه أي من القتل أو الضرب (لأنّ الله تعالى أقرّهم على مثله) إذا قبلوا الجزية (وأمّا إن سبّه) ذمي (فقال ليس بنبيّ) أي مطلقا (أو لم يرسل) إلى أحد (أَوْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ وَإِنَّمَا هُوَ) أي القرآن (شيء تقوّله) افتراه (أو نحو هذا فيقتل) أي إن لم يسلم (قال ابن القاسم وإذا قال النّصرانيّ) وكذا اليهودي (ديننا خير من دينكم) هذا ليس عليه شيء (إنّما دِينُكُمْ دِينُ الْحَمِيرِ وَنَحْوُ هَذَا مِنَ الْقَبِيحِ) أي قبيح الكلام مما هو طعن في دين الإسلام (أَوْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رسول الله فقال كذلك يعطيكم الله) يعني الرسالة أو
[ ٢ / ٤٨٢ ]
يجعلكم مثله رسلا (ففي هذا الأدب الموجع) الرادع (والسّجن الطّويل) الوازع إذا ليس فيه تلويح إلى نفي رسالته ولا تصريح (قال) أي ابن القاسم (وأمّا إن) وفي نسخة من (شتم النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم شتما يعرف) تصريحا لا يكون تلويحا (فَإِنَّهُ يُقْتَلُ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ قَالَهُ مَالِكٌ غير مرّة) أي كثيرا (ولم يقل يستتاب) أي يعرض عليه الإسلام (قال ابن القاسم ومحمل قوله) أي قول مالك إلا أن يسلم (عندي إن أسلم طائعا) أي من غير أن يقال له اسلم وإلا تقتل، (وَقَالَ ابْنُ سُحْنُونٍ فِي سُؤَالَاتِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَالِمٍ فِي الْيَهُودِيِّ يَقُولُ لِلْمُؤَذِّنِ إِذَا تَشَهَّدَ) أي بالرسالة (كَذَبْتَ يُعَاقَبُ الْعُقُوبَةَ الْمُوجِعَةَ مَعَ السِّجْنِ الطَّوِيلِ) وفيه أنه مخالف لما سبق من أن الذمي لو نفى النبوة أو الرسالة يقتل اللهم إلا أن يقال هذا تلويح لا تصريح إذ الخطاب مع المؤذن فيحتمل أن يراد تكذيبه وإنما قيدنا الشهادة بالرسالة لأنه لو كذب التوحيد يصير حربيا فيقتل إلا أن يسلم (وفي النّوادر) لابن أبي زيد (من رواية سحنون عنه) أي عن مالك (مَنْ شَتَمَ الْأَنْبِيَاءَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِغَيْرِ الوجه الّذي به كفروا) أي به فاندفع قول الحلبي لو قال كفر لكان أولى ثم لا يخفى أن من مفرد مبنى وجمع معنى فليس أحد من الاستعمالين أولى قال الله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (ضربت عنقه) بصيغة المجهول (إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ فإن قيل لم قتلته) أي أمرت بقتل الذمي (في سبّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ومن دينه سبّه وتكذيبه) جملة حالية (قيل) أي في جوابه (لأنّا لم نعطهم العهد) أي الذمة والأمان (على ذلك) أي على إظهاره (ولا على قتلنا وأخذ أموالنا) بل على الكف عن ذلك وبذل الجزية مع المذلة هنالك (فإذا قتل) ذمي (واحدا) أي منا كما في نسخة (قتلناه) أو أخذ مالا منا أخذناه منه (وإن كان من دينه استحلاله) أي عده حلالا (فكذلك إظهاره لسبّ نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم) موجب لقتله وإن كان معتقدا لحله (قَالَ سُحْنُونٌ كَمَا لَوْ بَذَلَ لَنَا أَهْلُ الحرب) أي ولو من أهل الكتاب (الْجِزْيَةَ عَلَى إِقْرَارِهِمْ عَلَى سَبِّهِ لَمْ يَجُزْ لنا ذلك في قول قائل) من العلماء (كَذَلِكَ يَنْتَقِضُ عَهْدُ مَنْ سَبَّ مِنْهُمْ وَيَحِلُّ لنا دمه) الظاهر أنه إذا أخذ عليه العهد بعدم سبه حتى يصح قوله ينتقض (وكما لَمْ يُحْصِنِ الْإِسْلَامُ مَنْ سَبَّهُ مِنَ الْقَتْلِ كذلك لا تحصّنه الذّمّة) وهذا قياس مع الفارق ولذا لم يقل به جمهور الأمة وأغرب الدلجي بقوله بل أولى هذا (قال القاضي أبو الفضل) أي المنصف (ما ذكره ابن سحنون عن نفسه) أي أولا (وعن أبيه) ثانيا (مخالف لقول ابن القاسم فيما خفّف) وفي نسخة يخفف (عقوبتهم فيه ممّا به كفروا فتأمّله) ليظهر لك ترجيح أحد الوجهين (ويدلّ على أنه) أي ما قاله ابن سحنون عنه وعن أبيه (خلاف ما روي عن المدنيّين) من أصحاب مالك (في ذلك فحكى) قال التلمساني صوابه كما في نسخة ما حكى (أبو المصعب الزّهريّ قال أتيت) بضم الهمزة وتاء المتكلم (بِنَصْرَانِيٍّ قَالَ وَالَّذِي اصْطَفَى عِيسَى عَلَى مُحَمَّدٍ فاختلف) أي الرأي (عليّ) أي عندي (فيه) أي في أمره (فضربته) أي ضربا وجيعا (حتّى قتلته أو عاش) بعد ضربه (يوما وليلة وأمرت
[ ٢ / ٤٨٣ ]
من جر برجله) بعد موته (فطرح على مزبلة) بفتح الميم والموحدة وقد يضم الثاني ويكسر وهو المحل الذي يكون فيه الزبل أي السرجين يلقي فيه وأماما في بعض النسخ من كسر الميم وفتح الباء فغير معروف إلا في الآلة (فأكلته الكلاب) وفي قتله محل بحث إذ قوله مشتمل على إقراره باصطفائهما بالنبوة والرسالة غايته أنه فضل نبيه على نبينا وهو مقتضى دينه بل أنه ليس مما كفر به إذ أصل التفضيل قطعي لقوله تَعَالَى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وأما تفضيل خصوص بعض الانبياء فظني وعلى التنزل فليس مما علم من الدين بالضرورة لا سيما وقد ثبت أنه ﵊ قال لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَفِي رِوَايَةٍ لَا تخيروني على موسى مع أن سبب وروده أن يهوديا قال والذي اصطفى موسى على محمد فلطمه مسلم (وَسُئِلَ أَبُو الْمُصْعَبِ عَنْ نَصْرَانِيٍّ قَالَ عِيسَى خلق محمدا فقال يقتل) وهذا ظاهر لأنه كفر صريح بل يخرج عن كونه كتابيا ويصير حربيا بل ولا يقول أحد مثل هذا القول في جميع الأديان قال تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ بإجماع الأولين والآخرين وأما قوله تعالى وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فخلق مجازي متوقف على وجود تراب وماء وتصوير من مخلوق آخر وأن الله صانع كل شيء وصنعته كما في حديث (وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ نَصْرَانِيٍّ بمصر) أي القاهرة (شهد عليه) بصيغة المجهول (أنه قال مسكين) بالرفع منونا وفي نسخة بالسكون قال التلمساني وقد يفتح ميمه (محمد يخبركم أنه في الجنّة) أي الآن وفي نسخة فهو الآن في الجنة قاله استهزاء (فما لَهُ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسَهُ إِذْ كَانَتِ الْكِلَابُ تأكل ساقيه) وهذا افتراء عليه (لو قتلوه) أي الناس (اسْتَرَاحَ مِنْهُ النَّاسُ قَالَ مَالِكٌ أَرَى أَنْ تضرب عنقه) ويغري على جيفته الكلاب (قال) أي مالك (ولقد كدت) أي قاربت (أن لا أتكلّم فيها) أي في مسألة ابن القاسم عن هذا الكلب النصراني يعني بشيء كما في نسخة (ثمّ رأيت أنّه لا يسعني) أي لا يجوز لي (الصّمت) أي السكوت وفي نسخة لا يسيغني الصمت أي لا ينفعني (قال ابن كنانة) بكسر الكاف (في المبسوطة) وفي نسخة فِي الْمَبْسُوطَةِ (مَنْ شَتَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَأَرَى لِلْإِمَامِ أن يحرقه) من الإحراق أو التحريق (بالنّار) أي ابتداء (وإن شاء) أي الإمام (قتله ثمّ حرق جثّته) بضم الجيم وتشديد المثلثة أي جيفته (وَإِنْ شَاءَ أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ حَيًّا إِذَا تَهَافَتُوا في سبّه) أي تساقطوا وتكرر منهم وتبالغوا ولعل التحريق حيا من باب السياسة وإلا فقد ورد لا يعذب بالنار إلا الله مثل تهافت الفراش في النار وفي رواية لا تعذبوه بعذاب الله تعالى رواه أبو داود والترمذي والحاكم في مستدركه وصححه عن ابن عباس مرفوعا قال ابن كنانة (ولقد كتب) بصيغة المجهول (إلى مالك من مصر وذكر) أي ابن كنانة (مسألة ابن القاسم المتقدّمة) في النصراني بمصر (قال) ابن القاسم (فأمرني مالك) أن أكتب الجواب (فكتبت بأن يقتل وتضرب عنقه) تفسير لما قبله فيفيد أنه لا يصلب حيا ولا يقطع اربا اربا وغير ذلك من أنواع القتل لقوله ﵊ إذا قتلتم
[ ٢ / ٤٨٤ ]
فأحسنوا القتلة بالكسر أي النوع منه (فكتبت) أي فرغت من كتابته (ثمّ قلت) أي لمالك (يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَأَكْتُبُ ثُمَّ يُحْرَقُ بِالنَّارِ فَقَالَ إِنَّهُ لَحَقِيقٌ بِذَلِكَ وَمَا أَوَّلَاهُ به) أي ما أحقه بأن يحرق بعد ضرب عنقه (فكتبته بيدي) احتراس بديعي يدفع به ما يتوهم من المجاز كقولهم رأيت بعيني وسمعت بأذني ونحو ذلك ومنه قوله تعالى وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ (بين يديه) أي قدام مالك وقد رأه (فما أنكره ولا عابه) وفيه إيماء إلى أن التحرير في باب الفتوى أقوى من التقرير (ونفذت الصّحيفة) بالنون والفاء والذال المعجمة المفتوحات أي ذهبت وفي نسخة بضم النون وتشديد الفاء المكسورة وفي أخرى بصيغة الفاعل أي وأرسلتها الى مصر (بذلك) أي بما أمر به مالك (فقتل) النصراني (وحرق) أي بعد قتله؛ (وأفتى عبد الله بن يحيى) الليثي صاحب رواية الموطأ عن أبيه عن مالك (وابن لبابة) بضم اللام وبموحدتين وهو محمد بن يحيى بن عمر بن لبابة القرطبي (وجماعة سلف أصحابنا) بالإضافتين وفي نسخة فِي جَمَاعَةِ سَلَفِ أَصْحَابِنَا (الْأَنْدَلُسِيِّينَ بِقَتْلِ نَصْرَانِيَّةٍ استهلّت) أي رفعت صوتها يعني أظهرت (بنفي الرّبوبيّة ونبوّة عيسى) أي لله كما في نسخة أي وأعلنت بكونه اينا له وبينهما تناقض كما لا يخفى وفي نسخة يتقديم النون على الباء والظاهر أنه تصحيف (وتكذيب محمّد في النّبوّة) أي في أصلها لا في عموم الرسالة لأنه مقتضى مذهبهم وكذا القول بالأبنية ما أخبر الله عنهم بقوله لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وإنما أمر بقتلها لإنكار الربوبية فإنها به صارت حربية وخرجت عن كونها ذمية كتابية إذ ليس هذا من مقتضى دينهم بل ولا دين غيرهم لقوله تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (وبقبول إسلامها ودرء القتل عنها) وهذا مخالف لما سبق من أن الذمي إذا طعن في نبوة نبينا بقتل ولم يقبل إسلامه (به) وفي نسخة وبه أي وبهذا الإفتاء (قال غير واحد من المتأخّرين) أي من المالكية (منهم القابسيّ وابن الكاتب) وهو أبو القاسم عبد الرحمن بن علي بن محمد؛ (وقال أبو القاسم بن الجلّاب) بفتح الجيم وتشديد اللام بصري مات سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة (فِي كِتَابِهِ مَنْ سَبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ مسلم أو كافر) أي ذمي (قتل ولا يستتاب) أي لا تقبل توبته وهذا مخالف للجمهور وأغرب الدلجي حيث قال تمسكا بالآية والحديث والحال أنه لا دلالة آية ولا إشارة رواية على ذلك بل تقبل توبة المرتد والكافر بشروط هنالك. (وحكى القاضي أبو محمّد) عبد الوهاب المالكي (في الذّميّ يسبّ ثمّ يسلم روايتين) عن مالك (في درء القتل عنه) أي وعدمه (بإسلامه، وقال ابن سحنون وحدّ القذف) والمشهور أنه مختص برمي الزنا (وشبهه) وهو السب ونحوه (مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ لَا يُسْقِطُهُ عَنِ الذِّمِّيِّ إسلامه) لابتنائها على المشاحة (وإنّما يسقط عنه بإسلامه حدود الله) لأنها مبنية على المسامحة (وأمّا حَدُّ الْقَذْفِ فَحَقٌّ لِلْعِبَادِ كَانَ ذَلِكَ لِنَبِيٍّ أو غيره) من العباد المحترمين (فأوجب) أي الله ورسوله قال الدلجي وفيه بحث سيجيء (عَلَى الذِّمِّيِّ إِذَا قَذَفَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم ثمّ أسلم حدّ القذف) وفيه أنه لم يعرف من كتاب ولا سنة حد القذف
[ ٢ / ٤٨٥ ]
بالقتل على كافر اسلم (وَلَكِنِ انْظُرْ مَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ هَلْ حَدُّ القذف في حقّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الْقَتْلُ لِزِيَادَةِ حُرْمَةِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بالعصمة ونحوها (عَلَى غَيْرِهِ أَمْ هَلْ يَسْقُطُ الْقَتْلُ بِإِسْلَامِهِ ويحدّ ثمانين فتأمّله) إلى حين يتبين لك علم اليقين في مسألة الدين قال التلمساني الظاهر القتل لأنه آذاه ومن آذاه يقتل قلت إسلامه يأباه وكم من مؤذ له ﵊ اسلم وقبل منه الإسلام ولم يقتل لما صدر له قبل ذلك من الكلام.
فصل (فِي مِيرَاثِ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِّ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم وغسله والصلاة عليه)
اعلم أن المرتد عندنا لا يرث من مسلم ولا من كافر يوافقه في الملة ولا من مرتد آخر ويرث المسلم من المرتد ما اكتسبه في حالة الإسلام وعند الشافعي يوضع ذلك في بيت مال المسلمين وأما ما اكتسبه في حال الردة فعند أبي حنيفة هو بمنزلة الفيء ويوضع ذلك في بيت المال وقال صاحباه يكون ذلك ميراثا لورثته المسلمين (اختلف العلماء) أي المالكية (فِي مِيرَاثِ مَنْ قُتِلَ بِسَبِّ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم فذهب سحنون إلى أنّه) أي ميراثه (لجماعة المسلمين) كالفيء فيوضع في بيت المال (من قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهة (أنّ شتم النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كفر يشبه كفر الزّنديق) والظاهر أن بينهما التفرقة، (وَقَالَ أَصْبَغُ مِيرَاثُهُ لِوَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِنْ كان مستسرا) وفي نسخة مستسرا أي مسرا يعني مخفيا (بذلك) السب (وإن كان مظهرا له مستهلّا) أي معلنا (به) أي بشتمه (فميراثه للمسلمين) أي فيئنا (ويقتل على كلّ حال) سواء كان مسرا أو مجاهرا (ولا يستتاب) أي لا تقبل تبوته، (قال أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ: إِنْ قُتِلَ وَهُوَ مُنْكِرٌ للشّهادة عليه) بأنه شتمه (فالحكم في ميراثه على ما أظهر من إقراره يعني) أي القابسي أي ميراثه (لورثته والقتل حدّ ثبت عليه) لا يدرأ عنه بتوبته (ليس) أي القتل (من الميراث في شيء وكذلك) أي مثل ما قاله القابسي (لَوْ أَقَرَّ بِالسَّبِّ وَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ لَقُتِلَ إِذْ هو) أي القتل (حدّه وحكمه) أي هذا المقتول بسبه (في ميراثه وسائر أحكامه حكم الإسلام) من صلاة خلفه حيا وعليه ميتا وغسله وتكفينه ودفنه في قبورنا وكذا ما وقع له معاملة ومناكحة وانفاقا (ولو أقرّ بالسّبّ وتمادى) أي استمر مدة أصر (عَلَيْهِ وَأَبَى التَّوْبَةَ مِنْهُ فَقُتِلَ عَلَى ذَلِكَ كان كافرا) بالإجماع (وميراثه للمسلمين) وفيه ما قد قدمناه من النزاع (وَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُكَفَّنُ وتستر عورته ويوارى) جيفته (كما يفعل بالكفّار) من دفنهم في حفرة (وقول الشّيخ أبي الحسن) القابسي (في المجاهر المتمادي بيّن) أي ظاهر (لَا يُمْكِنُ الْخِلَافُ فِيهِ لِأَنَّهُ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ غير تائب) مما وقع فيه (ولا مقلع) عن تماديه (وهو) أي قول القابسي (مثل قول أصبغ وكذلك) أي مثل قول أصبغ (فِي كِتَابِ ابْنِ سُحْنُونٍ فِي الزِّنْدِيقِ يَتَمَادَى على قوله) من غير رجوعه وفيه أن الزنديق إذا تمادى على كفره
[ ٢ / ٤٨٦ ]
خرج عن كونه زنديقا لأنه خلاف مشربه، (وَمِثْلُهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَلِجَمَاعَةٍ مِنْ أصحاب مالك في كتاب ابن حبيب) واسمه عبد الملك (فِيمَنْ أَعْلَنَ كُفْرَهُ مِثْلُهُ؛ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وحكمه) أي حكم الساب (حكم المرتدّ) أي إذا لم يسلما (لا ترثه مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا مِنْ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي ارتدّ إليه ولا يجوز وصاياه ولا عتقه) حينئذ لخروج ماله بردته عن ملكه موقوفا؛ (وقاله أصبغ) أي ما قاله ابن القاسم (قُتِلَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ مَاتَ عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ وَإِنَّمَا يُخْتَلَفُ في ميراث الزّنديق الّذي يستهلّ بالتّوبة) أي يظهرها مع أنه يضمر عقائد باطلة (فلا تقبل منه) توبته ظاهرا وأن نفعته عند الله تعالى لو كان صادقا وهذا موافق لمذهبنا ونقل الدلجي عن الشافعي أنها تقبل وتدفع عنه لحديث هلا شققت عن قبله انتهى وفيه أن الحديث لم يرد في حق الزنديق والله ولي التوفيق (وأمّا الْمُتَمَادِي فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُورَثُ؛ وَقَالَ أبو محمد) أي ابن أبي زيد (فيمن سبّ الله تعالى) أي مثلا (ثمّ مات ولم تعدّل) بتشديد الدال المفتوحة أي لم تقم (عليه بيّنة أو لم تقبل) لعدم عدالة أو وجود غداوة وضبطه الحجازي بالفوقية بعد القاف أي أو عدلت فمات ولم يحكم بقتله (إنه يصلّى عليه) يعني احتياطا، (وَرَوَى أَصْبَغُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابن حبيب فيمن كذّب برسول الله) بتشديد الذال أي كذب برسالته (صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بعد الإيمان كما يدل عليه السياق من السباق واللحاق (أو أعلن دِينًا مِمَّا يُفَارِقُ بِهِ الْإِسْلَامَ أَنَّ مِيرَاثَهُ للمسلمين) أي فيئا، (وَقَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ إِنَّ مِيرَاثَ الْمُرْتَدِّ لِلْمُسْلِمِينَ ولا ترثه ورثته ربيعة) فقيه المدينة المشهور بربيعة الرأي روى عن السائب بن زيد وأنس وابن المسيب وجماعة وعنه مالك والليث وطائفة وثقه أحمد وغيره قال مالك رحمه الله تعالى ذهبت حلاوة الفقه مذ مات ربيعة كان له حلقة في مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وكان أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وابنه محمد يجلسان في حلقته استقدمه أبو العباس السفاح إلى الأنبار لتولية القضاء فلم يفعل توفي سنة ست وثلاثين ومائة (والشافعيّ وأبو ثور) البغدادي أحد المجتهدين روى عن ابن عيينة وغيره وعنه أبو داود وابن ماجه (وابن أبي ليلى) وهو القاضي الأنصاري أحد الأعلام روى عن الشعبي وعنه شعبة قال أحمد سيىء الحفظ وقال أبو حاتم محل الصدق (واختلف) أي القول (فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ المسيّب والحسن) أي البصري وكلاهما من أفاضل التابعين (والشعبي وعمر بن عبد العزيز والحكم) بفتحتين وهو ابن عتيبة بضم عين مهملة وبمثناة فوق مفتوحة فياء تصغير فموحدة مفتوحة فقيه الكوفة أخذ عنه شعبة وغيره كان عابدا قانتا لله قال الحلبي ويتفق مع هذا في اسمه واسم أبيه الحكم بن عتيبة بن نهاس ويفترقان في الجد كان قاضيا بالكوفة وليس من رواة الحديث قال وقد جعل البخاري هذا والإمام المتقدم ذكره واحدا فعد هذا من أوهامه (والأوزاعيّ واللّيث) أي ابن سعد (وإسحاق) أي ابن راهويه (وأبو حنيفة يرثه ورثته من المسلمين) أي على تفصيل تقدم عنه (وَقِيلَ ذَلِكَ فِيمَا كَسَبَهُ قَبْلَ ارْتِدَادِهِ وَمَا كسبه في الارتداد) أي في أيامه (فللمسلمين)
[ ٢ / ٤٨٧ ]
على ما قدمناه (قال القاضي وتفصيل أبي الحسن) القابسي (في باقي جوابه حسن بين) أي ظاهر (وَهُوَ عَلَى رَأْيِ أَصْبَغَ وَخِلَافُ قَوْلِ سُحْنُونٍ واختلافهما) أي أصبغ وسحنون (عَلَى قَوْلَيْ مَالِكٍ فِي مِيرَاثِ الزِّنْدِيقِ فَمَرَّةً ورثّه) بتشديد الراء أي جعل وارثه (ورثته من المسلمين قامت) أي سواء ثبتت (عليه بذلك) أي بكونه زنديقا (بيّنة) أي شهود عدل (فَأَنْكَرَهَا أَوِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ وَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ، وَقَالَهُ) أي به (أَصْبَغُ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أصحابه) أي أصحاب مالك (لِأَنَّهُ مُظْهِرٌ لِلْإِسْلَامِ بِإِنْكَارِهِ أَوْ تَوْبَتِهِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم) حيث كانوا يظهرون الإسلام ويضمرون الكفر وكان يرثهم ورثتهم من المسلمين كعبد الله بن أبي ابن سلول وغيره (وروي ابن نافع) الصائغ المدني قال البخاري في حفظه سيئ وقال ابن معين ثقة وكان يلازم مالكا لزوما شديدا وكان لا يقدم عليه أحدا قال ابن عدي روي عن مالك غرائب وهو مستقيم الحديث (عنه) أي عن مالك (في العتبيّة وكتاب محمد) أي ابن المواز (أنّ ميراثه لجماعة المسلمين) أي فيئا (لأنّ ماله تبع لدمه) وبه يغاير كونه كالمنافقين لأنه ما قتل أحد منهم لمجرد نفاقه لا بإقراره ولا بإثبات بينة عليه، (وقال به أيضا جماعة من أصحابه) أي أصحاب مالك، (وقاله أشهب والمغيرة) بضم الميم ويكسر للاتباع (وعبد الملك) أي ابن الماجشون أو ابن حبيب (ومحمد) أي ابن المواز؛ (وَسُحْنُونٌ وَذَهَبَ ابْنُ قَاسِمٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ إِلَى أنه) أي الزنديق لا المرتد ما قاله الدلجي (إِنِ اعْتَرَفَ بِمَا شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ وَتَابَ فقتل فلا يورث) قال الدلجي وهذا عجيب كيف لا يورث وقد تاب قلت لأن توبة الزنديق لا تقبل على الوجه الصواب (وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ حَتَّى قُتِلَ أَوْ مَاتَ ورّث) لأن الأصل بقاؤه على الإيمان؛ (قال) أي ابن القاسم (وكذلك) الحكم (كلّ من أسرّ كفرا) ولم يظهره حتى قتل أو مات (فإنّهم يتوارثون بوراثة الإسلام) كما كان المنافقون في زمنه عليه الضلاة والسلام (وَسُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْكَاتِبِ عَنِ النَّصْرَانِيِّ يسبّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُقْتَلُ هَلْ يَرِثُهُ أَهْلُ دِينِهِ أم المسلمون فأجاب أنه) أي ماله (للمسلمين) فيئا (ليس) أي ماله لهم (عَلَى جِهَةِ الْمِيرَاثِ لِأَنَّهُ لَا تَوَارُثَ بَيْنَ أهل ملّتين) كما ورد به الحديث (ولكن) ماله لهم (لأنه من فيئهم لنقضه العهد هذا) أي الذي ذكر (معنى قوله) أي ابن الكاتب (واختصاره) بالرفع أي واختصار قوله.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
الْبَابُ الثَّالِثُ (فِي حُكْمِ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تعالى وملائكته وأنبياءه وكتبه وآل النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وأزواجه وصحبه
لا خلاف أنّ سابّ الله تعالى) بنسبة الكذب أو العجز إليه ونحو ذلك (من المسلمين كافر) قلت ومن الذميين أيضا كافر حربي (حلال الدّم) بل واجب السفك (واختلف في استتابته) أي قبول توبته (فقال ابن القاسم في المبسوط) وفي نسخة المبسوطة (وفي كتاب ابن سحنون ومحمد) أي ابن المواز (وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ إِلَّا أَنْ يكون) أي هو (افترى) وفي نسخة إلا أن يكون أي سبه افتراء (على الله بارتداده) أي مصحوبا به (إلى دين) غير دين الإسلام (دان به) أي اتخذه دينا وفيه أنه لا يتصور دين يجوز سبه ﷾ فيه (وأظهره) أي دينه (فيستتاب وإن لم يظهره لم يستتب) أي وقتل لأنه لو استتيب لأظهر التوبة وأخفى الكفر كالزنديق، (وقال في المبسوطة مطرّف) أي ابن عبد الله وهو ابن أخت مالك (وعبد الملك) أي ابن حبيب أو الماجشون (مثله) ما مر من التفصيل وفي نسخة قال مطرف وعبد الملك في المبسوطة مثله وهو أولى كما لا يخفى؛ (وقال المخزوميّ ومحمد بن مسلمة وابن أبي حازم) مات يوم الجمعة وهو ساجد في مسجد النبي ﵊ سنة أربع وثمانين ومائة (لا يقتل المسلم بالسّبّ) أي مطلقا أظهر أو لم يظهر (حتّى يستتاب) أي على طريق الوجوب أو الاستحباب كما عليه الجمهور في هذا الباب (وَكَذَلِكَ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ فَإِنْ تَابُوا قُبِلَ مِنْهُمْ) توبتهم (وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا قُتِلُوا وَلَا بُدَّ مِنَ الاستتابة) فيه إيماء إلى وجوبها (وذلك كلّه كالرّدّة وهو) أي هذا التفصيل هو (الَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي ابْنُ نَصْرٍ عَنِ الْمَذْهَبِ) أي مذهب مالك (وَأَفْتَى أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ فِيمَا حكي عنه) بصيغة المجهول (في رجل لعن رجلا ولعن الله ﷿ فقال) أي اللاعن (إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَلْعَنَ الشَّيْطَانَ فَزَلَّ لِسَانِي) أي زلق (فقال) أي ابن أبي زيد (يقتل بظاهر كفره ولا يقبل عذره) لاحتمال كذبه مع ظهور كفره (وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَمَعْذُورٌ) استصحابا لإيمانه مع جزمه به وأقول الصواب إنه إن استغفر وتاب لا يقتل لقوله ﵊ رفع عن أمتي الخطأ والنسيان (واختلف فقهاء قرطبة) بضم القاف والطاء بينهما راء ساكنة فموحدة بلد بالمغرب (فِي مَسْأَلَةِ هَارُونَ بْنِ حَبِيبٍ أَخِي عَبْدِ الملك الفقيه وكان) أي هارون (ضيّق الصّدر) أي سيئ الخلق (كثير التّبرّم) أي الضجر وقلة الصبر (وكان قد شهد عليه بشهادات) متعددة في حقه (منها) ولعلها اعظمها (أنه
[ ٢ / ٤٨٩ ]
قال عند استلاله) أي قيامه (من مرض) عرض له (لَقِيتُ فِي مَرَضِي هَذَا مَا لَوْ قَتَلْتُ أبا بكر وعمر لم أستوجب هذا) أي المرض الشديد (كلّه فأفتى إبراهيم بن حسين) وفي نسخة حسن (بن خالد) مات سنة سبع ومائتين في رمضان (بقتله لأنه) وفي نسخة وأن (مضمّن قوله) بتشديد الميم الثانية المفتوحة أي مضمونه (تجوير لله تعالى) أي نسبته إلى الجور وهو ضد العدل (وتظلّم) أي وإظهار ظلم (منه) ﷾ (والتّعريض فيه) أي في وصفه تعالى (كَالتَّصْرِيحِ وَأَفْتَى أَخُوهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ وإبراهيم بن حسين) وفي نسخة حسين (ابن عاصم) مات سنة ثمان وخمسين ومائتين (ومنصور) وفي نسخة سعيد (بن سليمان) القاضي (بطرح القتل) أي بتركه ووضعه (عنه) بمعنى أنه لا يتحتم قتله (إلّا أنّ القاضي) وهو سعيد بن سليمان (رأى عليه التّثقيل) أي التضييق والتنكيل (في الحبس) كمية وكيفية (والشّدّة في الأدب) بكثرة الضرب (لاحتمال كلامه الكفر) الموجب لقتله (وصرفه) أي واحتمال صرفه (إلى التّشكّي) وهو إظهار الشكاية من الخالق إلى المخلوق وهو احتمال بعيد كما لا يخفى ولعل المراد به المبالغة في بيان شدة مرضه وله تأويل آخر كما سيأتي وهو أظهر فكان الأصوب أنه يستتاب هذا وقد حكى النووي في الروضة ما افتوا به ولم يرجح منه رأيا لكن قوله وقد حكى القاضي عياض جملة من الألفاظ المكفرة يقتضي ترجيح رأي من أفتى بقتله (فَوَجَّهَ مَنْ قَالَ فِي سَابِّ اللَّهِ بِالِاسْتِتَابَةِ) كالمخزومي وغيره هو (أنه) أي سبه تعالى (كُفْرٌ وَرِدَّةٌ مَحْضَةٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقٌّ لغير الله تعالى) أي من عباده وفيه بحث إذ عباده مماليكه وحق المولى حق للموالي فيجب أن يقوموا بحقهم كما يجب على الأمة أن يقوموا بحق رسولهم والصواب في المسألتين أن يستتاب لقوله تعالى إِلَّا مَنْ تابَ (فَأَشْبَهَ قَصْدَ الْكُفْرِ بِغَيْرِ سَبِّ اللَّهِ وَإِظْهَارَ) أي وأشبه إظهار (الِانْتِقَالِ إِلَى دِينٍ آخَرَ مِنَ الْأَدْيَانِ الْمُخَالِفَةِ للإسلام) وفيه أنه لا يعرف دين جوز فيه سب الله ﷾ حتى عبدة الأصنام يقولون ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى فهو لا شك أنه أعظم من سب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والله ﷾ اعلم (ووجه ترك استتابته) كما قاله ابن القاسم وغيره (أنه) أي الساب (لمّا) وفي نسخة إذا (ظهر منه ذلك) أي سب مولاه ﷾ (بعد إظهار الإسلام) وقبول الأحكام (قبل) أي قبل إظهاره السب (اتّهمناه) بتشديد التاء أي أوقعناه في التهمة بالكفر (وَظَنَنَّا أَنَّ لِسَانَهُ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ إِلَّا وَهُوَ مُعْتَقِدٌ لَهُ إِذْ لَا يَتَسَاهَلُ فِي هذا) السب (أحد) بأن ينطق به بدون اعتقاده (فحكم له) أي لقائله (بحكم الزّنديق ولم تقبل توبته) إذ قد يتمادى على إخفاء كفره وإظهار إيمانه وهذا كالمنافق لكن فيه أن الزنديق من تحقق كفره باطنا وإيمانا ظاهرا وهذا ليس كذلك وأيضا الزنديق في التحقيق من لا ينتحل دينا وبهذا يفارق المنافق لثبوته على عقيدة واحدة فاسدة (وإذا انتقل من دين إلى دين آخر وأظهر السّبّ بمعنى الارتداد) وفيه أنه لا يوجد دين يجوز فيه سبه سبحانه كما قدمناه (فهذا) المنتقل (قد أعلم) بصيغة المجهول أي من حاله وفي نسخة قد علم (أنه خلع ربقة الإسلام) بكسر الراء فموحدة ساكنة فقاف
[ ٢ / ٤٩٠ ]
مفتوحة أي قيده وتعلقه (من عنقه) فيستتاب فإن تاب وإلا قتل وفي الحديث من فارق الْجَمَاعَةَ قَيْدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ من عنقه (بخلاف الأوّل المتمسك) وفي نسخة المستمسك (به) أي بالإسلام فإنه بمجرد سبه تعالى لم يعلم أنه خلع ربقته من عنقه لتمسكه ظاهرا كذا ذكره الدلجي فساده ظاهر لا يخفى (وحكم هذا) المنتقل (حكم المرتد يستتاب على مشهور مذهب) وفي نسخة مذاهب (العلماء) ونسخة مذاهب أكثر أهل العلم كأبي حنيفة والشافعي وأحمد (وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ قبل) أي قبل ذلك في أوائل الباب (وذكرنا الخلاف في فضوله) بسبب الاختلاف في بعض أصوله وأغرب الدلجي في قوله أي في فصوله الآتية بعد.
فصل (وَأَمَّا مَنْ أَضَافَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِ لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ السَّبِّ)
حال من الضمير قبله (ولا الرّدّة) وفي نسخ ولا على الردة (وقصد الكفر ولكن ذلك) المضاف (على طريق التّأويل) الفاسد (والاجتهاد) الكاسد (والخطأ المفضي) وفي نسخة واجتهاد الخطأ المفضي أي الموصل (إلى الهوى) أي هوى النفس (والبدعة) من بدع الضلالة الناشئة عن الجهالة بتحقيق الكتاب والسنة (من تشبيه) بيان لما لا يليق به سبحانه كتشبيه المجسمة له ﷾ من أنه على صورة ثياب في جهة العلو مماسا للعرش أو محاذيا له (أو نعت بجارحة كالوجه والعين) واليد واليمين والقبضة والجنب والاستواء والنزول ونحوها من حملها على ظاهرها من غير تنزيه ولا تأويل (أو نفي صفة كمال) كنفي المعتزلة صفاته القديمة الذاتية حذرا من تعدد القدماء وأما ما ذهب إليه بعض الحكماء من أنه تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات فليس في كفر قائله خلاف للعلماء (فهذا) الذي أضيف إليه تعالى عليه التأويل في التنزيل (مِمَّا اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ فِي تَكْفِيرِ قَائِلِهِ ومعتقده) والحق عند الأشعري وأكثر أصحابه وأكثر الفقهاء كأبي حنيفة لا يكفر وبعدم تكفيره يشعر قول الشافعي لا أرد شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية لاستحلالهم الكذب في الشهادة بناء على غلبة الظن وقد أوضحت المبحث في شرح الفقه الأكبر (واختلف قول مالك وأصحابه في ذلك) أي هل يكفر معتقده أم لا وسيأتي قريبا (ولم يختلفوا) أي أصحاب مالك أو سائر العلماء لذلك (في قتالهم إذا تحيّزوا) أي انفردوا (فئة) أي جماعة مجتمعة بمكان معين منعزلين عن أهل الحق لإشعار ذلك بمخالفتهم ومناواتهم وإظهار معاداتهم كالخوارج في زمن علي كرم الله وجهه والروافض في زماننا خذلهم الله ﷾ (وَأَنَّهُمْ يُسْتَتَابُونَ فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا وَإِنَّمَا اختلفوا) أي أصحاب مالك (في المنفرد منهم فأكثر قول مالك) أي المنقول عنه (وأصحابه ترك القول بتكفيرهم وترك قتلهم) بالرفع (والمبالغة) بالرفع (فِي عُقُوبَتِهِمْ وَإِطَالَةُ سِجْنِهِمْ حَتَّى يَظْهَرَ إِقْلَاعُهُمْ) أي إعراضهم عنه ورجوعهم منه (وتستبين توبتهم) إلا أن الرافضة القائلين بالتقية لا يتحقق منهم
[ ٢ / ٤٩١ ]
التوبة الباطنية (كَمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁ بِصَبِيغٍ) بفتح مهملة وكسر موحدة فتحتية ساكنة فغير معجمية تميمي بصري خارجي الرأي وكان يتبع مشكل القرآن ويسأل الناس عنه وكان كما أخبر الله به في كتابه فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ فقدم على عمر رضي الله تعالى عنه وكان أعدله جرائد ليضربه بهن فلما جلس بين يدي عمر قال له من أنت قال له أنا عبد الله صبيغ فقال له عمر وأنا عبد الله عمر فضربه عمر حتى شجه بتلك العراجين فجعل الدم يسيل على وجهه فقال حسبك يا أمير المؤمنين فقد والله ذهب ما كنت أجده في رأسي وفي رواية ضربه عمر حتى صار ظهره كالبردعة ثم سجنه حتى قارب البرء ثم ضربه كذلك ثم سجنه فقال لهأن أردت قلتى فاقتلني وإلا فقد شفيتني شفاك الله فأرسله عمر ونهى أن يجالس فكان بالبصرة لا يكلمه أحد ولا يجالسه ولا يرد على خلقة إلا قاموا وتركوه وكان مع ذلك وافر الشعر لا يحلق رأسه (وهذا) أي القول بالمبالغة في عقوبتهم (قول محمد بن الموّاز في الخوارج) وهم فرق شتى متفقون على أن من أذنب صغيرة أو كبيرة فقد كفر وهم يكفرون عثمان وعلياء وطلحة والزبير وعائشة ويعظمون أبا بكر وعمر ذكره فخر الدين الرازي (وعبد الملك بن الماجشون) بالجر أي وقوله (وقول سحنون) بالرفع أي وكذا قوله (في جميع أهل الأهواء) كالرافضة وغيرهم من المبتدعة كالقدرية والمرجئة ممن خالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة وهم اثنتان وسبعون والناجية منها أهل السنة وبها ثلاث وسبعون وقد تكلم عليها بالتعيين في جميعها أبو إسحاق الشاطبي في الحوادث والبدع مما يؤدي ذكره إلى طوله والله الموفق للحق بفضله وقد قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ وفي الحديث ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة قالوا وما هي يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي، (وبه) أي بالقول بالمبالغة في عقوبتهم (فسّر قول مالك) بصيغة المجهول (في الموطّإ وما رواه عن عمر) عطف تفسير لما قبله وفي نسخة عن عمر وفي أصل الدلجي ما رواه على أنه بدل من قول مالك أي فسر بعض أصحابه ما قاله رواية عن عمر (بن عبد العزيز وجدّه) أي مروان بن الحكم (وعمّه) عبد الملك بن مروان (من قولهم في القدريّة) بفتح الدال ويسكن (يستتابون فإن تابوا وإلّا قتلوا) وهم طائفة ينكرون أن الله تعالى قدر الأشياء في القدم وعلم ﷾ في الأزل انها ستقع في أوقات معلومة وعلى صفة مخصوصة بحسب ما قدره ﷾ وعظم شأنه وسموا بذلك لإنكارهم القدر وإسنادهم افعال العباد إلى قدرتهم قال النووي وقد انقرضوا بأجمعهم ولم يبق أحد من أهل القبلة على ذلك ولله الحمد انتهى وصارت القدرية في هذا الزمان الذي يعتقدون الخير من الله والشر من غيره كالمعتزلة ومن تبعهم كما سيأتي؛ (وقال عيسى) قال الحلبي لعله ابن إبراهيم بن مثرود وقال الدلجي لعله أبو موسى الغافقي (عن ابن القاسم في أهل الأهواء) أي البدع المختلفة الآراء (من الإباضيّة) بكسر الهمزة فموحدة مخففة بعدها
[ ٢ / ٤٩٢ ]
ألف فضاد معجمة فياء نسبة طائفة من الخوارج اصحاب عبد الله بن أباض التميمي ظهر في زمان مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية وقتل آخر الأمر كانوا يزعمون أن مخالفيهم من أهل القبلة كفار غير مشركين ومناكحتهم جائزة وغنيمة سلاحهم وكراعهم عند الحرب دون غيرهم ودارهم دار الإسلام إلا معكسر سلطانهم وتقبل شهادة مخالفيهم عليهم (والقدريّة) وهم اتباع واصل بن عطاء سموا قدرية لإنكارهم القدر وأن العبد يخلق فعله الشر دون الخير ومنهم المعتزلة والزيدية والرافضة وقد قال ﵊ القدرية مجوس هذه الأمة لمشاركتهم المجوس في إثبات خالق للخير وخالق للشر (تنبيه) قالت القدرية لسنا بقدرية بل أنتم يعنون أهل الحق القدرية لاعتقادكم إثبات القدر وأجيب بأن هذا تمويه منهم فإن أهل الحق يفوضون أمورهم إلى الله ﷾ ويضيفون خلق الأفعال السيئة إلى قدرته ﷾ وهؤلاء يضيفونها إلى أنفسهم ومدعي الشيء لنفسه ومضيفه إليه أولى بأن ينسب إليه ممن يعتقده لغيره وينفيه عن نفسه هذا وقد ورد في الأحاديث أوصاف القدرية بحيث ترتفع هذه الشبهة بالكلية (وشبههم) بفتحتين وبكسر فسكون أي وأمثالهم (ممّن خالف الجماعة) الذين هم أهل السنة (من أهل البدع) أي المخترعين عقائد الضلالة التي لم يخرج بها عن الإسلام وأما قول الدلجي كالنصيرية فخطأ فاحش فإنهم طائفة يعبدون عليا فهم كفرة ومشركون إجماعا (والتّحريف لتأويل كتاب الله تعالى) بتأويل باطل ظاهرا على مقتضى آرائهم الفاسدة وأهوائهم الكاسدة (يستتابون) أي مطلقا سواء (أظهروا بذلك) أي معتقدهم (أو أسرّوه فإن تابوا قبلت) توبتهم (وإلّا قتلوا وميراثهم لورثتهم) إجماعا لأن قتلهم إنما هو لارتكابهم البدعة زجرا لهم عنها على طريق السياسة؛ (وقال مثله) أي مثل قول عيسى (أيضا ابن القاسم في كتاب محمد) أي ابن المواز (في أهل القدر وغيرهم) من المبتدعة مخالفي أهل السنة (قال) أي ابن القاسم أو محمد عنه (وَاسْتِتَابَتُهُمْ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ اتْرُكُوا مَا أَنْتُمْ عليه) من الاعتقاد الفاسد والعمل الكاسد فإن تابوا فيها وإن تمادوا قتلوا حدا وميراثهم لورثتهم وفيه أن المبتدعة لا توبة لهم إلا إذا أظهروها من عند أنفسهم (ومثله) أي مثل ما قال ابن القاسم في كتاب محمد (فِي الْمَبْسُوطِ فِي الْإِبَاضِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَسَائِرِ أَهْلِ البدع) من أنهم يستتابون (قال) أي ابن القاسم (وهم مسلمون) أي داخلون في فرق أهل الإسلام والتوارث قائم بينهم (وإنّما قتلوا لرأيهم السّوء) أي حدا للسياسة زجرا عن البدعة (وبهذا) أي وبقول ابن القاسم (عَمِلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا اسْتُتِيبَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ) لكفرهم إجماعا بإنكاره تكليمه مع وروده في القرآن وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا قال الانطاكي ونحو قول ابن القاسم هذا عن أحمد بن حنبل فإنه روي عنه أنه قال من زعم أن الله لم يكلم موسى فهو كافر أقول ولا يتصور أن يكون فيه خلاف وتحقيق بحث الكلام محله علم الكلام (وابن حبيب) مبتدأ (وغيره من أصحابنا) المالكية (يرى تكفيرهم) أي أهل البدع (وتكفير أمثالهم) أي من التابعين لأقوالهم (من الخوارج والقدريّة والمرجئة) بالهمزة والياء
[ ٢ / ٤٩٣ ]
اسم فاعل وهم فرقة يزعمون أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة وأن الله تعالى لا يعذب الفسقة من هذه الأمة سموا بذلك لاعتقادهم أنه أرجا تعذيبهم من المعاصي أي أخره عنهم يقال أرجأت الأمر وأرجيته أي أخرته ومنه قوله تعالى حكاية أَرْجِهْ وَأَخاهُ ففيه ست قراآت في السبعة هذا وفي المنتقى من كتب أصحابنا عن أبي حنيفة لا نكفر أحدا من أهل القبلة وعليه أكثر الفقهاء ومن أصحابنا من قال بكفر المخالفين وقالت قدماء المعتزلة بكفر القائل بالصفات القديمة وبخلق الأفعال وقال الأستاذ أبو إسحاق نكفر من يكفرنا ومن لا فلا ولعل من كفر لاحظ التغليظ والزجر والسياسة ومن امتنع راعى الاحتياط في حرمة أهل القبلة وهذا اسلم والله تعالى اعلم؛ (وقد روي أيضا عن سحنون مثله) أي مثل قول ابن حبيب وغيره بتكفير من ذكر (فيمن قال ليس لله كلام) أي لا نفي ولا غيره (أنه كافر) وهذا لا خلاف فيه لإنكاره ما نص الله به في كتابه (واختلفت الرّوايات عن مالك) أي في تكفير المبتدعة من أهل القبلة (فأطلق في رواية الشاميّين أبي مسهر) الغساني وفي نسخة أبو مسهر بتعزيرهم (ومروان بن محمد الطاطريّ) بفتح الطاء الثانية من المهملتين كان يبيع ثيابا بيضا يقال لها الطاطرية روى عن مالك وعنه الدارمي وغيره إمام قانت لله (الكفر عليهم) مفعول اطلق ولعله أراد التغليظ للزجر فيهم (وقد شوور) أي مالك وهو مجهول شاور (في زواج القدريّ فقال لا تزوّجه) يحتمل أن يكون على وجه الكراهة أو الحرمة وهذا مجمع عليه خوفا على المرأة لقلة عقلها أن تميل إلى مذهب زوجها ويحتمل أن يكون لنفي الصحة بناء على تكفيره وقوله في الاستشهاد (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ [البقرة: ٢٢١]) يحتمل احتمالين في الاعتضاد لاتساع باب الاجتهاد (وروي عنه) أي عن مالك (أيضا أهل الأهواء) أي البدع في الآراء (كلّهم كفّار) أي حقيقة أو كفرا دون كفر أي مجازا (وَقَالَ مَنْ وَصَفَ شَيْئًا مِنْ ذَاتِ اللَّهِ تعالى وأشار) في وصفه (إِلَى شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ يَدٍ أَوْ سَمْعٍ أو بصر) أي ونحوها من أذن أو لسان أو رحل وغيرها (قطع ذلك) العضو (منه) أي سياسة جزاء وفاقا (لأنه شبّه الله بنفسه) وهو سبحانه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (وَقَالَ فِيمَنْ قَالَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ كَافِرٌ فَاقْتُلُوهُ) روى التفتازاني هنا حديثا وتقدم أنه موضوع والمحققون على أنه لم يكفر لقوله تعالى قُرْآنًا عَرَبِيًّا ولكونه مقروءا بألسنتنا ومكتوبا بأيدينا وإنما الكلام في الكلام النفسي ولهذا قال بعضهم من قال كلام الله مخلوق فهو كافر وهو ظاهر (وقال) أي مالك (أَيْضًا فِي رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ يُجْلَدُ وَيُوجَعُ ضَرْبًا وَيُحْبَسُ حَتَّى يَتُوبَ وَفِي رِوَايَةِ بِشْرِ بن بكر التّنّيسيّ) بكسر الفوقية والنون المشددة فتحتية ساكنة وسين مهملة فياء نسبة إلى موضع قرب دمياط أكله البحر الماح وصار بحيرة ماء روى عن الأوزاعي وغيره وعنه الشافعي ونحوه (عنه) أي عن مالك (يقتل ولا تقبل توبته) وهذا غريب جدا (وقال القاضي أبو عبد الله البرنكانيّ) بموحدة مفتوحة فراء ساكنة فنون مفتوحة نسبة إلى ضرب من الاكسية (والقاضي أبو عبد الله التّستريّ) بضم أوله وبفتح ثانيه ويضم وقيل بفتح أوله وبضم ثانيه
[ ٢ / ٤٩٤ ]
(من أئمّة العراقيّين) أي من المالكية وفي نسخة بزيادة من أصحابنا (جوابه) أي جواب مالك فيمن قال القرآن مخلوق (مختلف يقتل) وفي نسخة فقال يقتل وهو مضارع مجهول وقال التلمساني مصدر دخل عليه حرف جر (المستبصر) أي الذي له خبرة بأمور شريعته وهو معجب بضلالته وجهالته (الدّاعية) أي الذي يدعو غيره إلى بدعته والتاء للمبالغة أو بتأويل الفرقة أو الطائفة بنا على أن المراد بالمستبصر جنسه (وعلى هذا الخلاف) الذي ذكره القاضيان (اختلف قوله في إعادة الصّلاة) أي التي صليت (خلفهم) فقال مرة تعاد ومرة لا تعاد ويمكن الجمع بينهما أيضا بأن يقال تعاد احتياطا ولا تعاد وجوبا والأظهر على مقتضى مذهبه أنه لا تجوز الصلاة خلف الفاسق أنه تجب الإعادة ولعل الخلاف محمول على أنه لم يعلم بحاله أولا اثم تبين بدعته ثانيا وقد نقل الشيخ أبو حامد الإسفراييني والماوردي عن نص الشافعي أن من صلى خلف من ظنه مسلما فبان مرتدا أو زنديقا وجوب الإعادة وعدمه ورجحه عامة أصحابه (وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الشَّافِعِيِّ لَا يُسْتَتَابُ القدريّ) وفي نسخة القدرية وهو مناف لما سبق عنه أنه لا نكفر أحدا من أهل القبلة (وأكثر أقوال السّلف) أي العلماء المتقدمين (تكفيرهم) لإثباتهم خالقين على ما مر (وممّن قال به) أي بتكفيرهم (اللّيث) بن سعد (وابن عيينة وابن لهيعة) بفتح اللام وكسر الهاء والعين المهملة وهو ضعيف (وروي عنهم) أي عن السلف ومن تبعهم من المذكورين (ذلك) أي تكفيرهم (فيمن قال بخلق القرآن وقاله) أي وقال بتكفير من قال بخلق القرآن (ابن المبارك) وهو عبد الله المروزي من أصحاب أبي حنيفة ممن جمع بين الحديث والفقه والزهد والورع والاجتهاد والجهاد (والأوديّ) بفتح الهمزة وسكون الواو منسوب إلى قبيلة أود وهو عثمان بن حكيم (ووكيع) أي ابن الجراح أبو سفيان الرواسي (وحفص بن غياث) بكسر معجمة فتحتية مخففة فألف فمثلثة وهو أبو عمرو النخعي قاضي الكوفة روى عن الأعمش وغيره وعنه أحمد وغيره (وأبو إسحاق الفزاريّ) بفتح الفاء والزاء وثقه غير واحد (وهشيم) بفتح الهاء وكسر السين المعجمة وضبطه التلمساني مصغرا وهو ابن بشر يكنى أبا معاوية السلمي الواسطي حافظ بغداد روى عن عمرو بن دينار وغيره وعنه أحمد وابن معين ثقة مدلس (وعليّ بن عاصم) أي الواسطي يروي عن يحيى البكاء وعطاء ابن السائب وعنه ابن حنبل وغيره ضعفوه وكان عنده مائة ألف حديث مات وله بضع وتسعون سنة (في آخرين) أي من المجتهدين والمعنى مندرجين فيهم أي متوافقين معهم (وهو) أي ما قاله هؤلاء الأئمة (من قول أكثر المحدّثين والفقهاء والمتكلّمين) أي من علماء أصول الدين (فيهم) أي فيمن ذكر من المبتدعة (وفي الخوارج والقدريّة وأهل الأهواء المضلّة) كالرافضة وهو اسم فاعل أو مفعول أي الجامعين بين الضلال والإضلال (وَأَصْحَابِ الْبِدَعِ الْمُتَأَوِّلِينَ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حنبل وكذلك قالوا) أي هؤلاء الأئمة (في الواقفة) أي ليسوا متأولين ذكره الدلجي والأظهر ما قاله التلمساني من أنهم قوم توقفوا إذ ليس عندهم جواب إما لجهلهم أو لتعارض الأدلة
[ ٢ / ٤٩٥ ]
عندهم وتوفقهم بوجب لهم ما يوجب لأصحابهم من المبتدعة والخوارج وغيرهم انتهى وفيه أن التوقف لتعارض الأدلة لا يوجب التكفير كما لا يخفى لأن الإيمان الإجمالي معتبر إجماعا (والشّاكّة) أي المترددة (في هذه الأصول) إثباته هي أم ضعيفة أو أحقه هي أم باطلة قال التلمساني هم قوم وقع لهم الشك في القرآن هل هو مخلوق أم لا (وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ مَعْنَى الْقَوْلِ الْآخَرِ بِتَرْكِ تكفيرهم) أي الفرق المذكورة وفي نسخة بتكفيرهم وهو خطأ إذ لم يقل بتكفيرهم (عليّ بن أبي طالب) كرم الله وجهه (وابن عمر) رضي الله تعالى عنهما (وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَهُوَ رَأْيُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ النّظّار) بضم النون وتشديد الظاء جمع الناظر من النظر بمعنى التأمل والفكر ومنه الناظرة كأبي حنيفة والشافعي واتباعهما (والمتكلّمين) أي علماء الكلام وسموا به لأن جل مباحثهم معرفة الكلام (واحتجّوا) أي هؤلاء الأئمة (بتوريث الصّحابة والتّابعين ورثة أهل حروراء) بحاء مهملة مفتوحة وضم الراء الأولى يمد ويقصر موضع بالعراق على ميلين من الكوفة اجتمع بها الخوارج وتعاقدوا بها على رأيهم فنسبوا إليها وهم الذين ثاروا على علي كرم الله وجهه بعد وقعة الجمل وكان زعيمهم ابن الكواء تعاقدوا واجتمعوا على قتال علي ثم مضوا إلى النهروان فقاتلهم علي كرم الله وجهه وهم ثلاثون ألفا فتفلت منهم عشرة فذهب رجلان إلى عمان ورجلان إلى سجستان ورجلان إلى اليمن ورجلان إلى الجزيرة ورجلان إلى تل مروان وظهرت مذاهب الخوارج بهذه المواضع قال التلمساني ومذهبهم أن الإمام لا يختص بآل الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم بل كل من اجتمع فيه زهد وعلم وشجاعة فهو إمام إذا بويع وخرج وإن كان من العبيد والموالي وتفاصيل اعتقاداتهم في الصحابة ومرتكبي الكبيرة مذكورة في كتب الكلام انتهى ولا يخفى أن مذهب أهل السنة أيضا أن الإمام لا يختص بآله ﵊ بل يختص بقريش لقوله ﵊ الأئمة من قريش وبه ثبت خلافة الشيخين وإنما الشيعة يقولون باختصاص الإمامة لأهل بيت النبوة (ومن عرف بالقدر) بصيغة المجهول وهو معطوف على أهل حرواء (ممّن مات منهم) أي جميعهم (وَدَفْنِهِمْ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَجَرْيِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ) من اعتاقهم وتنفيذ وصاياهم وسائر الأحكام (عَلَيْهِمْ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي وَإِنَّمَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْقَدَرِيَّةِ وَسَائِرِ أَهْلِ الْبِدَعِ يُسْتَتَابُونَ فَإِنْ تابوا وإلّا قتلوا لأنّه) أي لأن ابتداعهم نوع (من الفساد في الأرض كما قال) أي مالك أو الله تعالى (في المحارب) أي قاطع الطريق حيث قال تعالى إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أي أن قتلوا أَوْ يُصَلَّبُوا أن قتلوا ونهبوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أن نهبوا أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ بالإخراج أو الحبس إن خافوا فقط فأو في الآية للتنويع والحكم مرتب عليهم عند الجمهور وعند مالك أو للتخيير كما يشير إليه قوله (إن رأى الإمام قتله) أي حدا (وإن لم يقتل) أي أحدا وإن وصلية (قتله) أي الإمام لكونه مخيرا في قتله وهذا من باب قياس الأولى كما بينه بقوله (وفساد المحارب إنّما هو في الأموال) أي
[ ٢ / ٤٩٦ ]
في حقها وبسببها يحصل سفك الدماء (ومصالح الدّنيا) أي في جهتها من حفظ الأموال والدماء (وإن كان) أي الفساد (أيضا قد يدخل في أمور الدنيا) بالتبعية (مِنْ سَبِيلِ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ، وَفَسَادُ أَهْلِ الْبِدَعِ معظمه) أي أكثره واقع (على الدّين) وإن كان يتفرع عليه أيضا فساد في الدنيا كما بينه بقوله (وقد يدخل) أي الفساد (في أمر الدّنيا بما يلقون) بضم الياء والقاف أي يغرون (بين المسلمين من العداوة) والبغضاء وقد حرم الله الخمر والميسر لهذه العلة كما قال تعالى إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ فالعلة مركبة مفيدة لقتل أهل البدعة ولكن المرتبة المعتدلة ما صدر عن علي إمام الأئمة وتبعه جمهور علماء الأمة أنهم يقتلون حال المحاربة أو وقت خروجهم للدعوة وأما إذا أخذوا أو كانوا منفردين غير مجتمعين على الفساد فلا يقتل أحد منهم وهذا جمع حسن وهو اسلم والله ﷾ أعلم.
فصل [فِي تَحْقِيقِ الْقَوْلِ فِي إِكْفَارِ الْمُتَأَوِّلِينَ قَدْ ذكرنا مذاهب السلف وإكفار أصحاب البدع والأهواء]
(في تحقيق القول في إكفار المتأوّلين) أي في تكفيرهم (قد ذكرنا مذاهب السّلف) أي اختلاف مقالهم (في إكفار أصحاب البدع) الفاسدة (والأهواء) الكاسدة (المتأوّلين) للكتاب والسنة (ممّن قال) أي بعض المبتدعة (قولا يؤدّيه) بهمز ويبدل أي يوصله (مساقه) أي مرجعه ومآله (إلى كفر هو) أي المبتدع (إذا وقف عليه) بصيغة المجهول أي إذا اطلع على حقيقة أمره (لا يقول بما يؤدّيه قوله إليه) وذلك لأنه بحسب اجتهاده وقع عليه وذلك كما إذا قال المعتزلي إن الله عالم ولكن لا علم له فقيل له قولك هذا يؤدي إلى نفي أن يكون الله عالما إِذْ لَا يُوصَفُ بِعَالِمٍ إِلَّا مَنْ لَهُ علم يقول هو نحن لا نقول أنه ليس بعالم فإنه كفر وقولنا لا يؤدي إلى ذلك على ما هو أصلنا وكقول من قال منهم إن الله لا يريد الفحشاء مأولا له بأن إرادة القبائح ويجاب بأنه سبحانه منزه على أن يقع في ملكه إلا ما شاء (وعلى اختلافهم) أي على اختلاف مراتب المبتدعة وتفاوت المسألة المخترعة وقال الدلجي أي على اختلاف السلف (اختلف الفقهاء والمتكلّمون في ذلك) أي في تكفيرهم (فَمِنْهُمْ مَنْ صَوَّبَ التَّكْفِيرَ الَّذِي قَالَ بِهِ الجمهور من السّلف ومنهم من أباه) أي التكفير (ولم ير إخراجهم من سواد المسلمين) أي عمومهم (وهو قول أكثر الفقهاء) كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما (والمتكلّمين) أي أكثرهم من الأشعرية والماتريدية (وقالوا) أي الجمهور من الطائفتين وفي نسخة وقال أي من أباه وما بينهما معترضة (هم) أي المبتدعة (فسّاق) بعلمهم وهو بضم الفاء وتشديد السين جمع فاسق (عصاة) باعتقادهم وهو جمع عاص (ضلّال) في اجتهادهم وهو بضم فتشديد جمع ضال (ونوارثهم) بالنون وفي نسخة بالياء (من المسلمين) قال التلمساني وروي توارثهم مصدرا أقول والظاهر أنه تحريف وتصحيف (ونحكم لهم) بالوجهين وفي نسخة بصيغة المجهول الغائب (بأحكامهم) أي بأحكام سائر المؤمنين مما لهم وعليهم في أمور الدنيا والدين وفي
[ ٢ / ٤٩٧ ]
قوله نوارثهم ونحكم لهم إيماء إلى صحة القول الأخير وهو عدم التكفير (وَلِهَذَا قَالَ سُحْنُونٌ لَا إِعَادَةَ عَلَى مَنْ) وفي نسخة لمن (صلّى خلفهم قال) أي سحنون (وهو) أي هذا القول بعدم الإعادة (قول جميع أصحاب مالك) كلهم (المغيرة وابن كنانة وأشهب قال) أي مالك أو كل واحد من أصحابه (لأنّه) أي المبتدع (مسلم) أي من أصله المنسحب عليه في حاله (وذنبه) أي بابتداعه (لم يخرجه من الإسلام) وإن كان بدعته كبيرة (واضطرب آخرون) أي من أصحاب مالك (في ذلك) التكفير (ووقفوا) أي توقفوا (عن القول بالتّكفير أو ضدّه) وهو عدم التكفير (واختلاف قولي مالك) وفي نسخة قول مالك (في ذلك) أي فيما ذكر من التكفير وعدمه (وتوقّفه) أي وفي توقفه والأظهر أنه مرفوع أي وتوقف مالك (عن إعادة الصّلاة خلفهم) أي عقب المبتدعين (منه) أي من قبيل ما اضطرب فيه الآخرون (وإلى نحو من هذا) الاختلاف في ذلك والتوقف من مالك (ذهب القاضي أبو بكر) أي الباقلاني (إمام أهل التّحقيق) أي في مقام التقدقيق (والحقّ) أي وإمام أهل الحق المزيل للباطل (وقال) أي الباقلاني (إنّها) أي مسألة القول بالتكفير (من المعوصات) بضم الميم وكسر الواو المخففة أي المشكلات (إذ القوم) أي المبتدعة (لم يصرّحوا باسم الكفر وإنّما قالوا قولا يؤدّي إليه) ولا بد من الفرق بينهما في مقام التحقيق والله ولي التوفيق والحاصل أن مقتضى الإشكال وهو أن المعتزلي إنما قال مثلا إن الله عالم ولكن لا علم له فهل يقول إن نفيه للعلم له ﷾ نفي أن يكون الله عالما وذلك كفر بالإجماع أو يقول قد اعترف بأنه تعالى عالم وإنكاره العلم لا يكفره وإن كان يؤدي إلى أنه ليس بعالم والله ﷾ اعلم (واضطرب قوله) أي قول القاضي أبي بكر (في المسألة) أي هذه أيضا (عَلَى نَحْوِ اضْطِرَابِ قَوْلِ إِمَامِهِ مَالِكِ بْنِ أنس) كان الأولى حذف امامه (حتّى قال) أي الباقلاني (في بعض كلامه إنّهم) أي أهل البدع (عَلَى رَأْيِ مَنْ كَفَّرَهُمْ بِالتَّأْوِيلِ لَا تَحِلُّ) أي لأحد منا أهل السنة (مُنَاكَحَتُهُمْ وَلَا أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ وَلَا الصَّلَاةُ عَلَى ميّتهم) لموته في اعتقاد من يكفرهم على الكفر (ويختلف في موارثتهم) بصيغة المجهول (على الخلاف في ميراث المرتد) على ما مر عن ابن القاسم وغيره (وقال) الباقلاني (أيضا نورّث) بتشديد الراء المكسورة (ميّتهم) وفي نسخة منهم (ورثتهم من المسلمين ولا نورّثهم) أي المبتدعة (من المسلمين وأكثر ميله) أي الباقلاني (إِلَى تَرْكِ التَّكْفِيرِ بِالْمَآلِ وَكَذَلِكَ اضْطَرَبَ فِيهِ) أي في القول بتكفيرهم (قول شيخه) أي في الطريقة (أبي الحسن الأشعريّ وأكثر قوله) المنقول عنه (تَرْكُ التَّكْفِيرِ وَأَنَّ الْكُفْرَ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ الجهل بوجود الباري) وما يتعلق به من التوحيد والنبوة (وقال) أي الأشعري (مرّة من اعتقد أنّ الله جسم) أي له جسم كالأجسام (أو المسيح) أي أنه عيسى (أو بعض من يلقاه في الطّرق) كما تصور إبليس فوق عرش بين السماء والأرض وصور في خاطر بعض المريدين أنه الاله فوق عرشه واعتقده حتى بلغه الحديث المشهور في ذلك فتاب إلى الله وقضى صلواته المتقدمة هنالك ولا يبعد أن يكون مراده أن القول بأن اللَّهَ جِسْمٌ أَوِ الْمَسِيحُ أَوْ بَعْضُ مَنْ يلقى
[ ٢ / ٤٩٨ ]
في الطريق مستوى في حد كفره (فليس بعارف به) أي بوجوده ﷾ (وهو كافر) حيث لم يفرق بين وجود واجب الوجود وبين وجود الحادث في مقام الشهود ومن هنا أكثر من سائر أهل الكفر والعناد (ولمثل هذا) المقال المروي عن الأشعري من عدم تكفير المبتدعة من أهل القبلة (ذهب أبو المعالي) وهو إمام الحرمين رحمه الله تعالى وهو من أكابر الشافعية (في أجوبته لأبي محمّد عبد الحقّ) أي الاشبيلي ذكره الدلجي وقال الحلبي هذا ليس الإشبيلي الحافظ صاحب الأحكام بل آخر غيره ولد سنة عشر وخمسمائة ومات سنة إحدى وثمانين وخمسائة وولد إمام الحرمين سنة تسع عشرة وأربعمائة ومات بنيسابور سنة ثمان وسبعين وأربعمائة فالإمام توفي قبل مولد عبد الحق الحافظ صاحب الأحكام بما ترى قال ورأيت في نسخة ما لفظه ولمثل هذا ذهب أبو الوليد سليمان ﵀ فِي أَجْوِبَتِهِ لِأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الحق وهذا أيضا لا يصح أن يكون عبد الحق الحافظ الإشبيلي وذلك لأن أبا الوليد سليمان بن خالد الباجي توفي سنة أربع وسبعين وأربعمائة وعبد الحق ولد سنة عشر وخمسمائة وقيل سنة أربع عشرة فلا يصح ذلك والله تعالى اعلم وعبد الحق الذي جاوبه أبو المعالي لم أعرفه إلى الآن انتهى وقال التلمساني هو عبد الحق بن محمد بن هارون السهمي مات سنة ست وستين وأربعمائة (وكان) أي والحال أن أبا محمد (سأله عن المسألة) التي ميل الأشعري فيها إلى عدم التكفير أكثر (فاعتذر له بأن الغلط فيها) أي في المسألة بالقول بالتكفير وعدمه (يصعب) أي يعسر جدا (لأنّ إدخال كافر في الملّة) الإسلامية (وإخراج مسلم عنها عظيم في الدّين) والثاني أصعب من الأول فتأمل ولعله ﵊ من أجل هذا قال أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار (وقال غيرهما) أي الأشعري وأبي المعالي (من المحقّقين الّذي) مبتدأ أي القول الذي (يجب) أي يقال (هو الاحتراز من التّكفير في أهل التّأويل) وإن كان تأويلهم خطأ في فهم التنزيل (فإنّ استباحة دماء) المصلين (الموحّدين) الصائمين المزكين القارئين للكتاب التابعين للسنة في جميع الأبواب (خطر) بفتحتين أي ذو خطر ويجوز أن يكون بفتح فكسر (وَالْخَطَأُ فِي تَرْكِ أَلْفِ كَافِرٍ أَهْوَنُ مِنَ الخطأ في سفك محجمة) بكسر الميم الأولى وهي آلة الحجامة (من مسلم) وفي نسخة من دم مسلم (واحد) وقد قال علماؤنا إذا وجد تسعة وتسعون وجها تشير إلى تكفير مسلم ووجه واحد إلى ابقائه على إسلامه فينبغي للمفتي والقاضي أن يعملا بذلك الوجه وهو مستفاد من قوله ﵇ ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة رواه الترمذي وغيره والحاكم وصححه (وقد قال ﵊) كما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك وفي رواية (فإذا قالوها يعني الشّهادة) أي جنسها (عصموا) بفتح الصاد أي حفظوا (مني دماءهم وأموالهم إلّا بحقّها)
[ ٢ / ٤٩٩ ]
أي بحق الشهادة مما يتعلق بها وفي رواية إلا بحق الإسلام (وحسابهم على الله) أي نحن نحكم بالظواهر والله تعالى اعلم بالسرائر وورد ما أمرت أن أشق عن قلوب الناس وصح أنه قال لأسامة هلا شققت عن قلبه وظاهر هذه الأحاديث على أنه تقبل توبة المرتد والزنديق وجامع مجمع عليه وجوبا كالصلاة ونحوها والله ولي التوفيق (فالعصمة) للدماء والأموال (مقطوع بها مع الشّهادة) بالوحدانية والرسالة (ولا ترتفع) أي العصمة (ويستباح خلافها) أي من دم أو مال (إلّا بقاطع) من الأدلة (ولا قاطع من شرع) إلا قوله ﵊ لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث وهي الردة وقتل مسلم وزنى محصن (ولا قياس عليه) صحيح حتى يمال إليه (وألفاظ الأحاديث الواردة في هذا الباب) أي في باب مذمة المبتدعة (معرّضة) بتشديد الراء المفتوحة وروي عرضة أي قابلة (لِلتَّأْوِيلِ فَمَا جَاءَ مِنْهَا فِي التَّصْرِيحِ بِكُفْرِ القدريّة) كقوله ﵊ القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا لا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم كما رواه أبو داود والحاكم وصححه عن ابن عمر وقوله ﵊ من لم يؤمن بالقدر خيره وشره فأنا منه بري رواه أبو يعلى في مسنده (وقوله) بالرفع عطفا على ما أي وقول النبي ﵊ (لا سهم لهم في الإسلام) أي لا نصيب للقدرية مطلقا أو كاملا في سهام الإسلام (وتسميته) ﵊ (الرّافضة بالشّرك) هذه رواية غير معروفة ولعل المراد بهم غلاتهم القائلون بإلهية علي ويسمون النصيرية ولا شبهة في كفرهم إجماعا (وإطلاق اللّعنة) وفي نسخة وإطلاق اللعنة (عليهم) أي على القدرية والرافضة (وَكَذَلِكَ فِي الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ) فروى الدارقطني في العلل عن علي كرم الله وجهه لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا وروى الطبراني عن ابن عمر لعن الله من سب أصحابي وروى الطبراني أيضا عن ابن عباس مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ والناس أجمعين وروى أحمد والحاكم عن أم سلمة من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله (فقد يحتجّ بها) أي بظاهرها (من يقول بالتّكفير وقد يجيب الآخر) وهو القائل بعدم التكفير (بأنّه) أي الشأن (قد ورد مثل هذه الألفاظ في الحديث) النبوي (في غير الكفرة على طريق التّغليظ) كقوله ﵊ من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد رواه أحمد والحاكم عن أبي هريرة وفي رواية من أتى كاهنا فصدقه بما يقول أو أتى امرأة حائضا أو امرأة في دبرها فقد برئ ما انزل على محمد وفي رواية ملعون من أتى امرأة في دبرها (وكفر) أي وبأنه كفر أي كفران (دون كفر) أي صريح (وإشراك) أي خفي (دون إشراك) أي جلي كقوله ﵊ من حلف بغير الله فقد اشرك رواه أحمد والترمذي والحاكم عن ابن عمر (وقد ورد مثله) أي في أنه شرك دون شرك (في الرّياء) كقوله ﵊ الشرك الخفي أن يعمل الرجل لمكان الرجل رواه الحاكم عن أبي سعيد وقد قال تعالى فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا أي بأن يرائيه أو يطلب منه أجرا وعنه ﵊ اتقوا الشرك الأصغر قيل
[ ٢ / ٥٠٠ ]
وما الشرك الأصغر قال الرياء وفي نسخة الزنا بالزاء والنون كحديث لا يزني زان حين يزني وهو مؤمن ولا يبعد أي يكون الربا بالراء والموحدة لقوله ﵇ لعن الله الربا وآكله وموكله وكاتبه وشاهده وهم يعلمون رواه الطبراني عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (وعقوق الوالدين) كحديث من أدركه أبواه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة يرح رائحة الجنة (والزّور) أي شهادة الزور وهي المعادلة للشرك في قوله فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ وروي بدله والزوج كقوله ﵊ لعن الله المسوفات التي يدعوها زوجها إلى فراشه فتقول سوف حتى تغلبه عيناه رواه الطبراني عن ابن عمر (وغير معصية) أي وفي غير معصية أي متفق عليها كقوله ﵊ ملعون من لعب بالشطرنج رواه ابن حزم وغيره وكقوله ﵊ لعن الله المحلل والمحلل له رواه أحمد والأربعة عن علي كرم الله وجهه (وإذا كان) الحديث الوارد في الآحاد (محتملا للأمرين) في كفر وغيره (فلا يقطع) أي الحكم بالجزم (على أحدهما إلّا بدليل قاطع) وأغرب الدلجي بقوله أو غير قاطع وكأنه قاس على مسائل الفروع حيث لا فرق عند إمامهم بين القطعي والظني في أحكامها وغفل عن أنه لا بد في مسائل الأصول من الأدلة القطعية؛ (وقوله) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما رواه مسلم عن أبي ذر وروي لأنه قال (في الخوارج هم من شرّ البريّة) بالهمز والتشديد أي الخليفة (وهذه صفة الكفّار) كما في سورة البينة، (وقال ﵊) كما رواه البيهقي في حقهم (هم شرّ قبيل) فعيل يستوي فيه الواحد والجمع وفي رواية شر قتلي جمع قتيل وروي شر قبيل بالموحدة أي جمع قبيلة (تحت أديم السّماء) أي ما ظهر منها (طوبى) فعلى من الطيب وأصلها طيبي وقد يقال به قلبت ياؤه واوا لسكونها وانضمام ما قبلها وهي الحالة الطيبة أو الجنة أو شجرة عظيمة فيها (لمن قتلهم) وقد قتلهم علي كرم الله وجهه يوم النهروان (أو قتلوه) لفوزه بالسعادة المترتبة على الشهادة، (وقال) فيما رواه الشيخان عن أبي سعيد الخدري (فإذا وجدتموهم) أي مجتمعين (فاقتلوهم قتل عاد) أي كقتل عاد في الشدة أو المعنى أهلكوهم اهلاكا مستأصلا والأفهم أهلكوا بريح صرصر عاتية (وروي ثمود) وهو ابن عم عاد (وظاهر هذا) القول (الكفر) أي كفرهم بناء على صدر الحديث (لا سيّما مع التشبيه) أي لهم وفي نسخة مع تشبيههم (بعاد) قوم هود (فَيَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَرَى تَكْفِيرَهُمْ فَيَقُولُ لَهُ الآخر) ممن لا يرى تكفيرهم (إنّما ذلك) التغليظ (من قتلهم) أي جهة قتلهم لا من جهة كفرهم (لخروجهم على المسلمين وبغيهم) أي ظلمهم وتعديهم (عليهم) أي على المؤمنين (بدليله) أي دليل خروجهم وبغيهم عليهم المستفاد (من الحديث نفسه) وروي بدليل من الحديث وهو قوله ﵊ (يقتلون أهل الإسلام فقتلهم ههنا حدّ) أي قصاص للعباد أو دفع للفساد (لا كفر) على وجه العناد (وذكر عاد) وروي وقتل عاد (تشبيه للقتل) في الشدة والاستئصال (وحلّه) أي وكونه الحلال (لا) تشبيه (للمقتول) من الخوارج بالمقتول من عاد حتى يلزم الكفر مع أنه الكفر مع
[ ٢ / ٥٠١ ]
أنه لا يلزم من التشبيه تسوية المشبه والمشبه به من جميع الوجوه (وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ حُكِمَ بِقَتْلِهِ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ) كما يعرف في باب القصاص والرجم (ويعارضه) الآخر (بقول خالد) بن الوليد سيف الله (في الحديث) كما رواه الشيخان عن أبي سعيد (دعني) أي اتركني (أضرب) بالجزم أو الرفع (عنقه) أي ذي الخويصرة (يا رسول الله فقال لعلّه يصلّي) يعني وهو مؤمن وقد روى الطبراني عن أنس مرفوعا نهيت عن المصلين أي عن قتلهم هذا وفي صحيح البخاري أيضا أنه سأل قتله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ولا منع من الجمع (فإن احتجّوا) أي من يرى تكفيرهم (بقوله ﵊ يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) جمع حنجرة وهي الحلقوم (فأخبر) أي بهذا (أنّ الإيمان) المستفاد من القرآن (لا يدخل قلوبهم) والأظهر أن المعنى لا تقبل قراءتهم ولا تصعد إلى السماء تلاوتهم وأما نفي الإيمان فلا يستفاد من حالتهم (وكذلك قوله) أي في حقهم (يمرقون) بضم الراء أي يخرجون بسرعة (من الدّين مروق السّهم) أي نفوذه (من الرّميّة) فعلية بمعنى مفعولة أي مرمية ما يرمى فيمرق منه السهم من صيد أو غيره (ثمّ لا يعودون إليه) أي إلى الدين (حتّى يعود السّهم على فوقه) بضم الفاء وهو موضع الوتر من الهم وهذا تعليق بالحال كقوله تعالى لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ فما في بعض النسخ حتى لا يعود خطأ فاحش (وبقوله) وفي نسخة وقوله أي في الصحيحين عن أبي سعيد وروي وكذلك قوله (سبق) أي السهم بمروقه سريعا (الفرث) وهو ما في الكرش (والدّم) والمعنى مر سريعا في الرمية وخرج منها لم يعلق منها بشيء من فرثها ودمها لسرعته شبه به خروجهم من الدين بسرعة (يدلّ على أنه) أي الخارجي (لم يتعلّق من الإسلام بشيء) من سهام الأحكام (أجابه الآخرون) الذين لا يكفرونهم (إِنَّ مَعْنَى لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ لَا يَفْهَمُونَ) وروي لا يفقهون (مَعَانِيَهُ بِقُلُوبِهِمْ وَلَا تَنْشَرِحُ لَهُ صُدُورُهُمْ وَلَا تعمل به جوارحهم) أي لا يمتثلون أوامره ولا يجتنبون زواجره (وعارضوهم) الأولون (بقوله) ﵇ (ويتمارى) بصيغة المجهول أي يشكك أو يجادل (في الفوق) أي في السهم هل فيه أثر علق به شيء من الفرث والدم أم لا وفي نسخة الفاعل للخطاب وفي أخرى بالغيبة أي يجادل ظنه ونفسه فيما يشك فيه (وهذا يقتضي التّشكك) ويروى الشك أي التردد (في حاله) يحكم بكفره أم لا (وإن احتجّوا) أي من يرى تكفيرهم (بِقَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. أسمعت رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ) قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم (ولم يقل من هذا) أي الأمة كما في نسخة (وتحرير أبي سعيد الرّواية) أي وبتحريره (وإتقانه اللّفظ) الدال على تحقيقه في الدراية إذ قال في دون من وهذا مؤذن بأنهم كفرة ليسوا من أمة الإجابة وهذا في غاية من البعد كيف وهم يقرؤون القرآن ويصلون ويصومون ويبالغون في الزجر عن المعاصي حيث يكفرون مرتكبي الكبيرة وأما تعبيره بفي دون من فقد (أجابهم الآخرون) ممن لا يرى تكفيرهم (بِأَنَّ الْعِبَارَةَ بِفِي لَا تَقْتَضِي تَصْرِيحًا بِكَوْنِهِمْ) وروي صريحا كونهم (من غير الأمّة) أي أمة الإجابة بل هم من
[ ٢ / ٥٠٢ ]
أمة الدعوة (بِخِلَافِ لَفْظَةِ مِنَ الَّتِي هِيَ لِلتَّبْعِيضِ وَكَوْنِهِمْ مِنَ الْأُمَّةِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ أبي ذرّ) أي الغفاري (وعليّ) أي ابن أبي طالب (وأبي أمامة) سهل بن حنيف كذا قاله الدلجي وقال الحلبي تقدم أنه صدي بن عجلان الباهلي (وغيرهم في هذا الحديث) أي حديث الخوارج (يخرج من أمتي، وسيكون من أمتي) ونحوهما مما هو ظاهر في كونهم منهم، (وحروف المعاني مشتركة) في معانيها ينوب بعضها عن بعض في مبانيها فإذا كانت مشتركة (فلا تعويل) أي لا اعتماد (على إخراجهم من الأمّة بفي ولا على إدخالهم فيها بمن) أي بمجردهما لاحتمال كل منهما أنها وقعت في موضع أختها فقوله تعالى إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أي فيه ويقال هذا ذراع في أرض كذا أي منها (لَكِنَّ أَبَا سَعِيدٍ ﵁ أَجَادَ ما شاء) أي فيما أفاد (في التّنبيه الّذي نبّه عليه) أي على إخراجهم من الأمة بظاهر في دون من لأنهم ليسوا منهم (وهذا) التعبير بفي دون من من أبي سعيد (مِمَّا يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ فِقْهِ الصَّحَابَةِ وَتَحْقِيقِهِمْ للمعاني) بإيراد ألفاظها الدالة عليها بدون احتمال إلى غيرها (واستنباطها) أي اخراجها من القوة إلى الفعل (من الألفاظ) الموضوعة لها الدالة عليها (وتحريرهم لها وتوقّيهم في الرّواية) وفيه أن هذا يوهم أن الصحابي له التصرف في الفاظ النبوة من الرواية فيعبر بها كما يظهر له من الدراية وقد اختلف أرباب الأصول في نقل الحديث بالمعنى والتصرف في المبنى والمحتاطون منعوه بالكلية والمحققون جوزوه عند الضرورة بالنسيان في أصل الرواية على أن أبا سعيد وقع شاذا في هذه الرواية بالنسبة إلى بقية الصحابة الذين هم أقوى منه في باب الدراية لا سيما عليا كرم الله وجهه المبتلى بمقاتلتهم ومحاربتهم ومباغضتهم (هَذِهِ الْمَذَاهِبُ الْمَعْرُوفَةُ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَلِغَيْرِهِمْ مِنَ الفرق) المختلفة كالمعتزلة والشيعة (فيها) وفي نسخة عليها (مقالات كثيرة مضطربة) أي مختلة مختلفة (سخيفة) أي خفيفة ضعيفة (أقربها قول جهم) بن صفوان من المعتزلة (ومحمد بن شبيب) بفتح الشين المعجمة وكسر الموحدة الأولى وهو منهم أيضا على ما ذكره الدلجي قال التلمساني وهو الخارجي من المرجئة من جمع بين الأرجاء في الإيمان وبين القول في القدر (إنّ الكفر بالله) هو (الْجَهْلُ بِهِ لَا يَكْفُرُ أَحَدٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ) أي بغير الجهل به وجودا ذكره الدلجي وفيه أنه يلزم منه أن لا يوجد في الكون كافر إلا الدهرية فقد قال تعالى في حق عبدة الأصنام وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وما جاء الأنبياء إلا للتوحيد لا لمجرد إثبات وجوده تعالى ولهذا أمروا الخلق بأن يقولوا لا إله إلا الله لا بمجرد أن الله موجود ومع هذا من أتى بالوحيد ولم يقر بالأنبياء أو اقر ببعض الأنبياء ولم يقر صلى الله تعالى عليه وسلم ورسالته كأهل الكتاب فلا شك أنه كافر بالإجماع فكيف قائلة يكون من المبتدعة وإن هذا أقرب أقوالهم (قال أبو الهذيل) بالتصغير وهو العلاف البصري شيخ المعتزلة توفي سنة ست وعشرين ومائتين وقد نيف على المائة (إِنَّ كُلَّ مُتَأَوِّلٍ كَانَ تَأْوِيلُهُ تَشْبِيهًا لِلَّهِ بخلقه) كبعض المجسمة (وتجويرا) أي ظلما له (في فعله) على خلقه (أو تكذيبا لِخَبَرِهِ فَهُوَ كَافِرٌ وَكُلُّ مَنْ أَثْبَتَ شَيْئًا
[ ٢ / ٥٠٣ ]
قديما) كالأرواح وعنصر الأشياء وقدم العالم كقول الحكماء (لا يقال له الله) ولعله احترز به عن صفات الذات فإنه يطلق عليه أنه الله قال تعالى قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى، (فهو كافر) فاندفع قول الدلجي بأن هذا مؤذن بكفر من قال بقدم صفاته كالعلم والقدرة كما هو مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة (وقال) وروي وقول (بعض المتكلّمين إن كان) المتأول (ممّن عرّف الأصل) أي من الكتاب والسنة (وبنى عليه) قوله (وكان) أي تأويله (فِيمَا هُوَ مِنْ أَوْصَافِ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ) لأن الجهل بذاته وصفاته كفر ولا عذر له في تأويله (وإن لم يكن) تأويله (من هذا الباب) أي باب ما يؤدي إلى كفره (ففاسق) في فعله وقوله بتأويله ومبتدع في اعتقاده (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَمْ يَعْرِفِ الْأَصْلَ) وبنى تأويله على غير أساس منه فيما لم يعرفه من صفاته ﷾ (فهو مخطىء) في تأويله لعدم اصابته الحق يحكم عليه بالاثم والفسق (غير كافر) لقيام عذره بجهله (وذهب عبيد الله بن الحسن) أي ابن الحصين بن مالك بن الخشخاش (العنبريّ) منسوب لبني العنبر ومالك والخشخاش صحابيان وكان قاضي البصرة بعد سواد بن عبد الله روى عن عبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن عبد الله الأنصاري قال ابن سعد كان محمودا ثقة عاقلا وقال النسائي فقيه ثقة أخرج له مسلم توفي سنة ثمان وستين ومائة ومن غرائبه ما نقلوه عنه أنه يجوز التقليد في العقائد والعقليات وخالف في ذلك العلماء كافة ذكر الحلبي وتبعه الأنطاكي وسكت عنه التلمساني وفيه أن إيمان المقلد مقبول عند جمهور العلماء وقال الدلجي إنه من المعتزلة وقد ذهب (إلى تصويب أقوال المجتهدين) أجمعين (في أصول الدّين) ولو كانوا من المبتدعين (فيما كان عرضة للتّأويل) أي قابلا له مما لا يرد فيه نص صريح كتأويل المعتزلة أنه تعالى متكلم بخلقه الكلام في جسم متمسكين بشجرة موسى ﵊ (وفارق) العنبري (في ذلك) القول (فرق الأمّة) أي طوائفها من الناجية وغيرها (إِذْ أَجْمَعُوا سِوَاهُ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ فِي أُصُولِ الدِّينِ فِي وَاحِدٍ وَالْمُخْطِئُ فِيهِ آثِمٌ عاص فاسق وإنّما الخلاف في تكفيره) على ما سبق بعض تحريره وأما فروع الدين فالمخطئ فيها معذور بل مأجور واحد والمصيب له أجران كما في حديث ورد بذلك (وقد حكى القاضي أبو بكر الباقلانيّ) بن الطيب المالكي (مثل قول عبيد الله) أي العنبري (عن داود) أي ابن خلف (الأصبهانيّ) وفي نسخة الأصفهاني وهو إمام أهل الظاهر وكان زاهدا ورعا متقللا ناسكا أخذ العلم عن إسحاق بن راهويه وأبي ثور انتهت إليه رياسة العلم ببغداد قيل كان يحضر مجلسه أربعمائة صاحب طيلسان أخضر سمع من سليمان بن حرب والقعنبي ومسدد وطبقتهم وفي كتبه حديث كثير لكن الرواية عنه عزيزة وقد اختلف العلماء في نفاة القياس مثل داود وشبهه هل يعتبر قوله في الإجماع أم لا فعن طائفة من الشافعية أنه لا اعتبار لخلاف نفاة القياس في الفروع ويعتبر خلافهم في الأصول وقال إمام الحرمين والذي ذهب إليه أهل التحقيق أن منكري القياس لا يعدون من علماء الأمة وحملة الشريعة وقال الشيخ أبو عمر وابن الصلاح والذي اختاره الاستاذ أبو
[ ٢ / ٥٠٤ ]
منصور البغدادي من الشافعية أن الصحيح من المذهب أنه يعتبر خلاف داود قال الشيخ وهو الذي استقر عليه الأمر آخرا فإن الأئمة المتأخرين أوردوا مذهب داود في مصنفاتهم قال والذي أجيب به أن داود يعتبر قوله ويعتد في الإجماع إلا فيما خالف فيه القياس الجلي وما أجمع عليه القياسيون وبناه على أصوله التي قام الدليل القاطع على بطلانها فاتفاق من سواه على خلافه إجماع منعقد وقول المخالف حينئذ خارج من الإجماع وذكر الذهبي في الميزان أن داود اراد الدخول على الإمام أحمد فمنعه وقال كتب إلى محمد بن يحيى في أمره أنه زعم أن القرآن محدث فلا يقربني فقيل يا أبا عبد الله أنه يتقي من هذا وينكره فقال محمد بن يحيى أصدق منه (وقال) أي الباقلاني (وحكى قوم عنهما) أي عن داود والعنبري (أنّهما قالا ذلك) أي تصويب المجتهدين في أصول الدين (فِي كُلِّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ حاله استفراغ الوسع) أي بذل طاقته واجتهاده (في طلب الحقّ) وإن أخطأ (من أهل ملّتنا أو من غيرهم) هذا باطل قطعا لأن غير أهل ملتنا كل منهم يدعي من حاله استفراغ التوسع في طلب الحق وكماله لا سيما أهل الكتاب وقد أخبر الله أنهم وغيرهم اجمعون كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (وقال نحو هذا القول) المنسوب إليهما (الجاحظ وثمامة) بضم المثلثة وكلاهما من المعتزلة قال الحلبي أما الجاحظ فهو الكناني الليثي البصري العالم المشهور صاحب التصانيف المشهورة في كل فن قال المسعودي ولا نعلم أحدا من الرواة وأهل العلم وأكثر كتبا منه وله مقالة في أصول الدين وإليه تنسب الفرقة الجاحظية من المعتزلة وكان تلميذ أبي إسحاق إبراهيم بن يسار البلخي المتكلم المشهور ومن أحسن تصانيفه كتاب حياة الحيوان الكبير فقد جمع فيه كل غريبة وكتاب البيان والتبيين وهو كبير جدا وكتاب في اللصوصية يعلم فيه الشخص كيف يسرق وينقب ويتسلق ويدخل البيوت في مجلد وكتاب في مدح البخل بحيث الناظر فيه يجلس اليوم واليومين لا يأكل شيئا ويبقى أياما لا تطيب نفسه باخراج شيء وكان الجاحظ مع فضله مشوه الخلق قيل له الجاحظ لأن عينيه كانتا جاحظتين والجحوظ النتوء وأصابه في آخر عمره فالج فكان يطلي شقه الأيمن بالصندل والكافور من شدة الحرارة وشقه الآخر لو قرض بالمقاريض لما احس به وأصابه الحصى وعسر البول توفي سنة خمس وخمسين ومائتين بالبصرة وقد نيف على التسعين وأما ثمامة فهو ابن أشرس النميري قال الذهبي في الميزان من كبار المعتزلة ومن رؤوس الضلالة كان له اتصال بالرشيد ثم بالمأمون وكان ذا نوادر وملح قال ابن حزم كان ثمامة يقول إن العالم فضله الله بطباعه لأن المقلدين من أهل الكتاب وعباد الأصنام لا يدخلوا النار بل يصيرون ترابا وأن من مات مصر على كبيرة خلد في النار وأن أطفال المؤمنين يصيرون ترابا انتهى ولا يخفى أنه بقوله صاحب الكبيرة مخلد في النار مبتدع موافق للخوارج والمعتزلة وبقوله المقلد للكفار لا يدخل النار دخل في جملة الكفرة (في أنّ كثيرا من العامّة) أي الجهلة (والنّساء والبله) بضم الباء جمع أبله أي المغفلون عن الشر المطبوعون على الخير وكأنه أراد بهم من لم يكن لهم عقل الآخرة
[ ٢ / ٥٠٥ ]
بخلاف حديث أكثر أهل الجنة البله فإن المراد بهم من ليس لهم عقل الدنيا ولهم إقبال كلي على العقبى (وَمُقَلِّدَةِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ لَا حُجَّةَ لِلَّهِ عليهم إذا) وفي نسخة إِذْ (لَمْ تَكُنْ لَهُمْ طِبَاعٌ يُمْكِنُ مَعَهَا الاستدلال) وهذا كلام باطل لاقتدارهم في الجملة على معرفة أوائل الأدلة ولقوله تعالى قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ففيه إيماء إلى أن المدار على المشيئة الإلهية لا بالإدلة العقلية ولا النقلية (وقد نحا) أي مال (الغزاليّ) بتشديد الزاء وتخفيفها نسبة إلى غزالة قرية من قرى طوس أو إلى بنت كعب الأحبار فإنها جدته وقيل كان والده غزالا يغزل الصوف ويبيعه (قريبا) وروي إلى قريب (من هذا المنحى) أي المسلك (في كتاب التّفرقة) وهو صاحب المؤلفات الفائقة وهو الإمام حجة الإسلام ولد بطوس بلد بخراسان لا بالعراق كما قاله التلمساني سنة خمسين وأربعمائة وتفقه ببلده على أحمد بن محمد الرادكاني ثم سافر إلى جرجان إلى أبي نصر الإسماعيلي فكتب عنه العقلية ثم خرج إلى طوس ثم ارتحل إلى إمام الحرمين بنيسابور فاشتغل عليه ولزمه وصار إماما في مذهب الشافعي فلما انقضت أيام الإمام خرج من نيسابور فجال في أقطار خراسان مدة وقدم بغداد سنة أربع وثمانين فولي تدريس النظامية بها ثم حج واستناب أخاه في التدريس ورجع إلى دمشق واستوطنها عشر سنين بجامعها بالمنارة الغربية منه واجتمع بالشيخ نصر المقدسي في زوايته التي تعرف اليوم بالغزالية وأخذ في العبادة والتنصيف ويقال إنه صنف الأحياء وعدة من الكتب هنالك ثم انتقل إلى القدس ثم سار إلى مصر والإسكندرية ثم رجع إلى بغداد وعقد بها مجلس الوعظ وترجمته كثيرة ومرتبته شهيرة توفي سنة خمس وخمسمائة عن خمس وخمسين سنة بطوس لا ببغداد كما ذكره الحلبي وغيره وعن الشيخ تقي الدين بن تيمية أنه ذكر في شرح العقيدة الأصفهانية كان أبو حامد مزجي البضاعة في الحديث ولهذا يوجد في كتبه من الأحاديث الموضوعة ما لا يعتمد عليه من له علم بالآثار ويوجد فيها من مقالات المتفلسفة ما نقده عليه علماء الإسلام حتى قال صاحبه أبو بكر بن العربي مع شدة تعظيمه له شيخان أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منها فما قدر انتهى وقال أبو بكر ابن العربي لقيت أبا حامد وهو يطوف عليه مرقعة فقلت يا شيخ العلم والتدريس أولى لك من هذا إذ بك يقتدي ويحكمك إلى معالم المعارف يهتدي فقال هيهات لما طلع قمر السعادة في فلك الإرادة أشرقت شموس الأفول على مصابيح الأصول فتبين الخالق لأرباب الألباب وذوي البصائر إذ كل لما طبع عليه راجع وصائر وأنشد:
تركت هوى ليلى وأني بمعزل وصرت إلى مصحوب أول منزل
ونادتني الأكوان حتى أجبتها ألا أيها الساري رويدك فأنزل
فعرست في دار الندا بعزيمة قلوب ذوي التعريف عنها بمعزل
غزلت لهم غزلا رقيقا فلم أجد لغزلي نساجا فكسرت مغزلي
وهي أبيات لرومية (وقائل هذا كلّه) كالجاحظ وثمامة (كَافِرٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى كُفْرِ مَنْ لَمْ
[ ٢ / ٥٠٦ ]
يكفّر أحدا من النّصارى واليهود) يعني المقلدين منهم وكذا المجوس على ما يلوح كلام بعضهم.
وأن نار بالتنزيل محراب مسجد فما نار بالإنجيل هيكل بيعه
وأن عبد النار المجوس وما انطفت كما جاء في الأخبار عن ألف حجه
فما عبدوا غيري وما كان قصدهم سواي وإن لم يظهروا عقدنيه
نعم لا شك أن الكل يزعمون أنهم يعبدون الله ويطلبون رضاه كما أخبر الله عن بعضهم ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ لكنهم اضلهم الله وأبعدهم عن طريق الحق الموصل إلى الله كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ وأكثرهم في طغيانهم يعمهون صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (وكلّ) أي وبالإجماع على كفر كل (من فارق دين المسلمين) بردة قولا وفعلا (أو وقف) أي توقف (في تكفيرهم) أو في الدين (أو شكّ) أي تردد فيه (قال القاضي أبو بكر) أي الباقلاني (لأن التّوقيف) أي بالسماع من الله ورسوله (والإجماع اتّفقا عَلَى كُفْرِهِمْ فَمَنْ وَقَفَ فِي ذَلِكَ فَقَدْ كذّب النّصّ) أي نص الكتاب (والتّوقيف) به من السنة على الصواب (أَوْ شَكَّ فِيهِ وَالتَّكْذِيبُ أَوِ الشَّكُّ فِيهِ) أي في كفرهم (لا يقع) كل منهما (إلّا من كافر) .
فصل (فِي بَيَانِ مَا هُوَ مِنَ الْمَقَالَاتِ كُفْرٌ وَمَا يُتَوَقَّفُ أَوْ يُخْتَلَفُ فِيهِ وَمَا لَيْسَ بكفر)
وهذا فصل مهم يتعين معرفته على كل من له فضل ليكون اعتقاده على اساس أصل يوصله إلى كمال وصل (اعْلَمْ أَنَّ تَحْقِيقَ هَذَا الْفَصْلِ وَكَشْفَ اللَّبْسِ) أي إزالة الخلط والشبهة (فيه مورده الشّرع) أي النقل من الكتاب والسنة (ولا مجال) أي لا مدخل (للعقل) والطبع (فيه) من الأدلة الكاسدة والأقيسة الفاسدة (والفصل البيّن) أي الفرق الواضح (في هذا) الفصل (أنّ كلّ مقالة صرّحت بنفي الرّبوبيّة) كالمعطلة (أو الوحدانيّة) كالوثنية (أو عبادة أحد غير الله) كالاتحادية (أو مع الله) كالحلولية (فهي كفر) أي مقالة كفر (كمقالة الدّهريّة) بنفي الألوهية كما أشار إليه قوله تعالى وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وهو الزمان الطويل ولم يعلموا أن المتصرف في الأمر هو الله لا الدهر ولهذا قال ﵊ لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله وفي رواية فإن الله هو الدهر ردا لاعتقادهم نسبة الخير والشر إلى الدهر (وسائر فرق أصحاب الاثنين) أي القائلين بأن خالق الخير غير خالق الشر وقد قال تعالى لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وقد بينهم المصنف بقوله (من الدّيصانيّة) بكسر الدال المهملة وتفتح وهم يقولون النور حي والظلمة ميت (والمانويّة) بفتح الميم وسكون الهمزة ويبدل وفتح النون وفي أصل الحجازي المنائية بفتح الميم وتشديد النون وفي نسخة المانية منسوب إلى ماني زنديق مشهور ظهر في زمان شابور بن أردشير وادعى النبوة وقال إن للعالم أصلين قديمين نور هو مبدأ الخير وظلمة هو مبدأ الشر فصدقه
[ ٢ / ٥٠٧ ]
فلما تولى بهرام سلخه وحشا جلدة تبنا وقتل أصحابه إلا من هرب إلى الصين ودعا إلى دينه وأهل الصين إلى زماننا هذا على مذهبه كذا ذكره بعضهم فأجيب وقد كذبهم المتنبي في شعره فقال:
وكم لظلام الليل عندي من يد تخبر أن المانوية تكذب
قال وللمانية مذهبان منهم من يقول إن النور والخير والروح خلقه إله والشر والظلمة والجسد خلقه إله وهم ثنوية ومنهم من يقول الخير كله في النور والشر كله في الظلمة والفرق بينهم وبين الديصانية أنهم يقولون النور والظلمة حيان وفي أصل التلمساني المانية بفتح الميم والنون المشددة والظاهر أنه تصحيف (وأشباههم) أي ممن عبد غير الله تعالى (من الصّابئين) بالهمز ودونه من صبأ إذا خرج من دين إلى دين آخر وهم فرقة عدلوا عن اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة لا عتقادهم تأثيرها في عالم العناصر مدبرة لأمور قديمة شفعاء للعباد عند الله مقربة لهم إليه زلفى ويزعمون أنهم على دين نوح ﵇ (والنّصارى) وهم طوائف ثلاث مشهورة يقولون تدرع الناسوت باللاهوت بطريق الامتزاج كالخمر بالماء عند الملكائية وبطريق الإشراق كالشمس في كوة بلور عند النسطورية وبطريق الانقلاب لحما ودما بحيث صار الإله هو المسيح عند اليعقوبية (والمجوس) القائلين بخالقين يزدان وهو مبدأ الخير وأهرمن وهو الشيطان مبدأ الشر وهم يعبدون النار لمحبتهم في النور وفي الحديث القدرية مجوس هذه الأمة قيل لمشابهتهم في قولهم بأصلين نور وظلمة فالخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة وكذا القدرية يضيفون الخير إلى الله والشر إلى الإنسان أو الشيطان (والّذين أشركوا بعبادة الأوثان) أي الأصنام (أو الملائكة أو الشّياطين) أي الجن فإن إبليس لم يعبد قط وأما قوله تعالى لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ فمعناه لا تطيعوه فيما يأمركم بالعصيان (أو الشّمس) وكذا القمر (أو النّجوم) أي جنسها أو نجم خاص منها كالشعري (أو النّار) فيه نوع من التكرار (أَوْ أَحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وأهل الهند) وهم الهنود (والصّين) مملكة بالمشرق فيها الترك من الكفرة (والسّودان) بضم أوله جمع أسود وهم كثيرون قيل معمور الأرض مسافة مائة سنة منها ليأجوج ومأجوج ثمانون سنة ومنها للسودان ست عشرة سنة وقيل ثماني عشرة ومنها لأولاد سام ما بقي (وغيرهم ممّن لا يرجع إلى كتاب) أو يرجع إليه لكن لا على طريق صواب (وكذلك القرامطة) وهم الإسماعيلية لإثباتهم الإمامة لإسماعيل بن جعفر الصادق وأصل دعوتهم إلى بطلان الشرائع لأن طائفة من المجوس عند استيلاء الإسلام وغلبة أهله الكرام راموا تأويلها على وجوه تعود إلى قواعد اسلافهم يستدرجون بها ضعفاء المسلمين وأهل غفلتهم استدراجا يورثهم اختلافا واضطرابا في شريعتهم ورئيسهم حمدان من قرمط قرية من قرى واسط فلقبوا بالقرامطة ورتبوا في الدعوة إلى ذلك مهملات باطلة ابتدعوها وخرافات عاطلة اخترعوها منها إباحة المحرمات والترغيب في اللذات كقولهم
[ ٢ / ٥٠٨ ]
الوضوء موالاة الإمام الذي هو الحجة والتيمم الأخذ عما دونه في غيبته والصلاة الوصول والزكاة تزكية بمعرفة ما هو عليه من الدين والاحتلام إفشاء شيء من اسرارهم إلى من ليس من أهله بلا قصد والغسل تجديد العهد والجنة راحة الأبدان من التكاليف والنار مشقتها بمزاولة التكاليف وأمثال ذلك مما يقتضي تكفيرهم هنالك ولهم ألقاب سبعة (وأصحاب الحلول) من النصارى والباطنية والوجودية والنصيرية يزعمون أن الله حل في علي وأولاده (والتّناسخ) القائلين بانتقال الأرواح من أبدانها إلى أبدان أخر في الدنيا (من الباطنّية) وهم الإسماعيلية وهذا من ألقابهم السبعة ولقبوا به لقولهم بباطن القرآن دون ظاهر المفهوم منه لغة ويدعون أنه هو المراد منه وأن نسبته إليه كنسبة اللب إلى القشر فظاهره عذاب بمشقة التكاليف وباطنه مؤدي إلى تركها وتمسكوا فيه بقوله تعالى فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ وهذا مذهب النصيرية أيضا فإن قيل المبتدعة وهذه الطائفة المخترعة يتمسكون بالقرآن وكذلك أهل السنة والجماعة فالجواب أنه تعالى قال يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا فإن القرآن كالنيل ماء للمحبوبين ودماء للمحجوبين كما أشار إليه قوله تعالى وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا وبهذا يعلم أن الفرقة الناجية هم الذين على ما عليه النبي وأصحابه الكرام وأن معالم القرآن لا تنكشف حقيقة إلا ببيان النبي ﵊ ما فيه من الأحكام النازلة على طريق الإبهام كما يدل عليه قوله ﷿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ فما ضل قلم من ضل ولا زل قدم من زل إلا من ترك علم الحديث من صريح النقل وتبع أهواءه وآراء الناشئة من أثر الجهل والخيالات الفاسدة والتصورات الكاسدة الكائنة من مجردة العقل فالجمع بين النقل والعقل نور على نور ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ثم هنا دقيقة يترتب عليها حقيقة وهي أن الواجب على السالك أن يجعل العقل تابعا للنقل لا بالعكس لئلا يقع في المهالك هذا ومن التناسخية طائفة الخطابية وهم اتباع أبي الخطاب محمد بن أبي وهب كان يزعم أن عليا الاله الأكبر وجعفر بن محمد الصادق إلاله الاصغر يقولون بالتناسخ يزعمون أن الله حل في علي ثم في الحسن ثم في الحسين ثم في زين العابدين ثم الباقر ثم في الصادق حكى ذلك عنهم فخر الدين الرازي في مختصره في الملل والنحل كما زعمت في عيسى النصارى حيث قالوا كما أخبر الله تعالى بقوله لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إنما كفروا لحصرهم الألوهية في ابن مريم بناء على أصلهم الفاسد تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا قال التلمساني ومن الباطنية ينسبون إلى التصوف يتظاهرون بالإسلام وإن لم يكونوا مسلمين في الأحكام والفساد اللازم من هؤلاء على الدين الحنيفي أكبر من الفساد اللازم عليه من جميع الكفار فإنهم يصرفون ألفاظ الشرع عن ظواهرها المفهومة إلى أمور باطنة لا يسبق منها إلى الإفهام شيء كقول بعضهم في تأويل قوله تعالى اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى إشارة إلى قلبه وقال هو المراد بفرعون وهو الطاغي على كل إنسان وفي قوله تعالى أَلْقِ
[ ٢ / ٥٠٩ ]
عَصاكَ أي كل ما يعتمد عليه مما سوى الله وفي قوله ﵊ تسحروا فإن في السحور بركة أراد به الاستغفار في الإسحار انتهى والحق إنهم إن أرادوا بذلك إبطال ظواهر الكتاب والسنة فهم كفرة وإن أرادوا بذلك أن للكتاب والسنة عبارات واضحات وإشارات لائحات فهذا نور على نور وسرور على سرور ويشير إليه قول مالك من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق ومن جمع بينهما فقد تحقق وأنا بحمد الله وحسن توفيقه وبركة متابعة سيد الأنبياء جمعت تفسيرا جامعا بين عبارات الأصفياء وإشارات الأوفياء (والطّيّارة من الرّوافض) ويسمون الجناحية وهم أصحاب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين قالوا الأرواح تتناسخ وروح الله كانت في آدم ثم في شيث ثم في الأنبياء والأئمة حتى انتهت إلى علي وأولاده الثلاثة ثم إلى عبد الله بن معاوية المذكور وهو في جبل بأصبهان وسيخرج وأنكروا القيامة وأحلوا المحرمات (وكذلك من اعترف بالإلهيّة اللَّهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَلَكِنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّهُ غَيْرُ حَيٍّ أو غير قديم وأنّه محدث) أي موجود بعد عدم (أو مصوّر) بصورة كالهشامية أصحاب هشام بن الحكم وهشام بن سلام فإنهم اتفقوا على أنه ﷾ جسد وهو كسبيكة بيضاء صافية يتلألأ من جانب وله لون وطعم ورائحة وليست هذه الصفات غيره ويقوم ويقعد وله مشابهة بالأجسام ويعلم ما تحت الثرى بشعاع ينفصل منه إليه وهو سبعة أشبار بأشبار نفسه مماس للعرش بلا تفاوت بينهما وارادته حركته لا عينه ولا غيره والأئمة معصومون دون الأنبياء لأنهم يوحى إليهم ويتقربون إليه بخلافهم لا يوحى إليهم فوجب أن يكون الإمام معصوما وقال ابن سلام هو على صورة إنسان له يد ورجل وحواس خمس وأنف وأذن وعين وفم ووفرة سوداء نصفه الأعلى مجوف والأسفل مصمت ليس بلحم ولا دم انتهى وابطله كله قوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ولعل الحكمة في عدم تجويز رؤيته تعالى في الدنيا أن لا يدعي كل مبطل أني رأيته على هذه الصورة ﷾ (أو ادّعى له ولدا) أي ابنا كاليهود والنصارى أو بنات كبعض العرب (أو صاحبة) أي زوجة كالنصارى (أو والدا) أي بأن يكون له أصل أو عنصر أو منبع أو معدن أو مصدر بحسب ذاته وجميل صفاته (أو متولد من شيء) هو كالتفسير لما قبله وكذا قوله (أو كائن) أي حادث (عنه) أي عن شيء قديم أو حادث والحاصل أنه ليس بحادث ولا بمحل للحوادث كما أشار إلى ذلك كله قوله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (أَوْ أَنَّ مَعَهُ فِي الْأَزَلِ شَيْئًا قَدِيمًا) أي فضلا عن حادث إذ لا يتصور (غيره) أي غير ذاته وصفاته وأما ما ذكره بعض شراح الفصوص من قدم الأرواح مطلقا أو قدم أرواح الكمل فباطل قطعا وكفر إجماعا (أو أنّ ثمّ صانعا للعالم سواه) أي سوى الله كالدهرية وأما قول الدلجي كمشركي العرب فليس في محله لقوله تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى (أو مدبّرا غيره) كما يقول المنجمون من أن النجوم مدبرات والله ﷾ يقول إنها مسخرات (فذلك كلّه
[ ٢ / ٥١٠ ]
كُفْرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ كَقَوْلِ الْإِلَهِيِّينَ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ) القائلين بالوجود المطلق وقال التلمساني هم قوم من حكماء النهد يدعون قدم الطينة ويزعمون أن العالم قديم وينكرون حشر الأجساد (والمنجّمين) الباحثين عن النجوم وأحوالها قيل للإسكندر الرومي كنا عند منجم في بستانه فأرانا النجم نهارا واحدا واحدا ببرهانه فوقع في بئر فيه وهو لا يدري فقال من تعاطى علم ما فوقه جهل علم ما تحته وقال التلمساني من نسب التدبير إلى النجوم واعتقد أنها فعالة فهو كافر لأنه جعل مع الله شركاء ولقوله ﵊ في الحديث القدسي أصبح من عبادي مؤمن وكافر الحديث فقائله تجرى عليه أحكام المرتد وإن كان يقول عادة الله بأن يخلق عندها فقيل كافر وقيل فاسق الأول سدا للذريعة وقال بعضهم الإفلاكية يقولون بإلهية الكواكب وما يقوله المنجم من كسوف وغيره هو بالحساب ولكن فيه فتنة ضعفاء العقول فيؤدب على ذلك وأما من يحكم بالكواكب في مولد أو وفاة أو غلاء أو رخص أو دولة أو زوالها فهو من أصل الكفر وروي أن النجوم إنما خلقها الله زينة للسماء الدنيا ورجوما للشياطين وهداية في البر والبحر (والطّبائعيّين) القائلين بتأثير الطبيعة في الإيجاد والتدبير في أمر البدن على ما عليه الأطباء التابعين للحكماء المعتقدين الهية الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وقيل هم الذين يقولون إن النار بطبعها محرقة وأن الماء بطبعه مغرق وأن الطعام والشراب بنفسهما مشبع ومزيل للعطش وقد أبطلها الله ﷾ بقوله يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ وبتنجية موسى وقومة وإغراق فرعون وجنده وبعلة جوع البقر ومرض الاستسقاء ونحن نقول يقع ذلك الإحراق والإغراق ونحوهما عند وجود أسبابها بخلق الله ﷿ فيها لا بمجرد وجودها لاحتمال انقلابها (وَكَذَلِكَ مَنِ ادَّعَى مُجَالَسَةَ اللَّهِ وَالْعُرُوجَ إِلَيْهِ ومكالمته) وكذا من ادعى رؤيته ﷾ في الدنيا بعينه كما بينته في شرح الفقه الأكبر (أو حلوله في أحد الأشخاص) كعلي ونحوه مما سبق بيانه أو في جميع الأشخاص والأشياء (كقول بعض المتصوّفة) أي المتشبهة بالصوفية من الحلولية والوجودية والاتحادية كابن سبعين والعفيف التلمساني التبريزي زعموا أن السالك إذا أمعن في سلوكه وخاض في لجة وصوله واستغرق في بحر حضوره فربما حل فيه ﷾ كالنار في الفحم فيرتفع الأمر والنهي ويظهر من العجائب والغرائب ما لا يتصور من البشر وعن متصوفة أهل مصر أنه كان يقول لاصحابه طوفوا ببيت الرب يعني قلبه فيدورون حوله (والباطنيّة والنّصارى والقرامطة) وقد سبق الكلام عليهم (وكذلك نقطع) أي القول (على كفر من قال بقدم العالم) أي جميعه أو بعضه (أو بقائه) أي بذاته سواء يبقى أو يفنى كما يشير إليه قوله تعالى كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ أي قابل للهلاك والفناء إلا الله ﷾ فإنه بذاته دائم البقاء (أو شكّ في ذلك) أي في كونه قديما (على مذهب بعض الفلاسفة والدّهريّة) القائلين باستناد الحوادث إلى الدهر (أو قال بتناسخ الأرواح وانتقالها) من الأشباح (أبد الآباد) جمع بينهما للتأكيد أي دائما في الدنيا (في الأشخاص) من بدن إلى بدن آخر (وتعذيبها أو تنعّمها فيها)
[ ٢ / ٥١١ ]
أي في الأشخاص (بحسب زكائها) بالهمزة أي طيب عنصرها (وخبثها) بضم أوله أي خبث أصلها (وَكَذَلِكَ مَنِ اعْتَرَفَ بِالْإِلَهِيَّةِ وَالْوَحْدَانِيَّةِ وَلَكِنَّهُ جَحَدَ النّبوّة من أصلها عموما) كأن يقول ما نبأ الله أحدا من خلقه (أو) جحد (نبوّة نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم خصوصا) وكذا إذا أقر بنبوته ونفى رسالته عموما (أو أحد) أي جحد نبوة أحد (من الأنبياء الّذين نصّ الله عليهم) بأنه نبي (بعد علمه بذلك) أي بأنه نبي (فهو كافر بلا ريب) أي من غير شك وشبهة (كالبراهمة) وهم قوم بأرض الهند لا يجيزون على الله بعثة الرسل (ومعظم اليهود) ينكرون نبوة عيسى مطلقا وعموم رسالة نبينا عليهما الصلاة والسلام (والأروسيّة) بضمتين أو بفتح أوله وفي آخره ياء نسبة ويقال أرسية (من النّصارى) قيل هو فرقة من رهط هرقل وقيل هم اتباع عبد الله بن ادريس كان في الزمن الأول قتلوا نبيا بعث إليهم (وَالْغُرَابِيَّةِ مِنَ الرَّوَافِضِ الزَّاعِمِينَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ) أي هو (المبعوث إليه جبريل) وسموا بذلك لقولهم على أشبه بمحمد من الغراب بالغراب فغلط جبريل حين بعث إلى علي لشبه النبي به وهذا كذب وبهتان لأن عليا ما كان شبيها بالنبي ﵊ كما يعلم من شمائلهما الكرام وقد سبق في أول الكتاب بيان شمائله ﵊ وأما شمائل علي كرم الله وجهه فإنه كان آدم شديد الأدمة عظيم العينين أقرب إلى القصر من الطول ذا بطن كثير الشعر عريض اللحية أضلع أبيض الرأس والحية كذا في اسماء رجال المشكاة لمصنفه بل أقول ولم يوجد أحد يشبهه من جميع الوجود نعم كان الحسن يشبهه بالنصف الأعلى والحسين بالنصف الأسفل لكن لا شباهة تورث الشبهة إنما هي شباهة في الجملة وقد قال الصديق الأكبر حين حمل أحدهما أنت شبيه بالنبي دون أبيك ولا يخفى وجوه كفرهم من إنكار النبوة لمحمد وإثباتها لعلي وتخطئة جبريل وتجهيل الرب الجليل ونقل أنهم يلعنون صاحب الريش ويعنون جبريل ﵊ (وكالمعطّلة) أي للموجود ينفي صانعه كالدهرية أو النافية لحقيقة الأشياء القائلة بأن الأشياء كلها خيالات وتمويهات كالمنامات وهم السوفسطائية (والقرامطة) وهم الملاحدة الذين قتلوا أهل مكة حتى دفنوا ببئر زمزم موتاهم وصعد واحد منهم فوق باب الكعبة وقال الم تقولوا إن الله قال وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا فأي أمن لكم مع هذا القتل فيكم فأجابه بأن معناه ومن دخله أمنوه ولا تتعرضوا له وحاصله أنه ليس بخير حتى يلزم الخلف في قوله وإنما هو حكم ولا يلزم من تخلف الحكم نقصان في الحاكم وهم الذين أخذوا الحجر الأسود معهم قيل ومات تحته سبعون جملا وقد أعطاهم أمراء المسلمين مالا كثيرا لتخليص الحجر الأسود فمارضوا حتى وقع فيهم الوباء والغلاء وأنواع البلاء فارسلوه قيل جاء به جمل واحد بعون الله ﷾ وفيه إيماء إلى استثقاله الخروج من مكة واستخفافه اشتياقا إلى الكعبة (والإسماعيليّة) وهم هم وإنما اختلف ألقابهم كذا قاله الدلجي وقال التلمساني الإسماعيلية من الباطنية وهم قوم اثبتوا إمامة إسماعيل بن جعفر الصادق وقيل لأن رئيسهم ينسب لمحمد بن إسماعيل بن جعفر وهو الصادق وقيل فرقة من الامامية من الرافضة
[ ٢ / ٥١٢ ]
ينسبون إلى إسماعيل بن جعفر الصادق حيث يزعمون أن الإمام بعد جعفر الصادق إسماعيل ابن جعفر ولكن لما مات إسماعيل في حال حياة أخيه عادت الامامة إلى أخيه قال تقي الدين أبو العباس بن تيمية أن الإسماعيلية في القرامطة الباطنية اتباع الحاكم الذي كان بمصر وكان دينهم دين أصحاب رسائل إخوان الصفا من أئمة منافقي الأمم الذين ليسوا مسلمين ولا يهودا ولا نصارى انتهى والله ﷾ اعلم (والعنبريّة من الرّافضة) وهم المنسوبون إلى عبيد الله بن الحسن العنبر قاضي البصرة الذي جوز التقليد في العقائد والعقليات وقد تقدم في الفصل قبله كذا ذكره التلمساني وقد سبق أن إيماء المقلد صحيح عند عامة العلماء وفي نسخة صحيحة والعبيدية وهم من بني عبيد ابن بنت القداح اليهودي اسملت أمة فتزوجها شريف فزعم عبيد انه ابنه ودعا الناس إلى أن يبايعوه بالخلافة فطلب فلحق بالمغرب وبويع له بها وتولى من بنيه بمصر أربعة عشر خليفة ثم أخذها منهم نور الدين الشهيد (وإن كان بعض هؤلاء) الطوائف المذكورين (قد أشركوا) بصيغة الفاعل أو المفعول ويروى اشتركوا (في كفر آخر مع من قبلهم) ككفر بعض الرافضة بتكفيرهم الصحابة وقذف عائشة مع مشاركتهم من قال بالهين في كفره باعتقادهم الهية علي أولاده أو حلوله سبحانه فيهم (وكذلك من دان بالوحدانيّة وصحّة النّبوّة) أي نبوة الأنبياء جميعهم (ونبوّة نبيّنا ﵊) أي ورسالته عامة (وَلَكِنْ جَوَّزَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ الْكَذِبَ فِيمَا أَتَوْا به ادّعى في ذلك) الكذب (الْمَصْلَحَةَ بِزَعْمِهِ أَوْ لَمْ يَدَّعِهَا فَهُوَ كَافِرٌ بإجماع) بلا نزاع (كالمتفلسفين) من الحكماء (وبعض الباطنيّة) كالوجودية (والرّوافض) أي وبعضهم (وغلاة المتصوّفة) أي من الجهلة (وأصحاب الإباحة) وهم الملاحدة وفي نسخة الإباحية وهم فرقة من غلاة المتصوفة وجهلتهم ويقال لهم المباحية يدعون محبة الله وليس لهم من المحبة حبة يخالفون الشريعة ويزعمون أن العبد إذا بلغ في الحب غاية المحبة يسقط عنه التكليف ويكون عبادته بعد ذلك التفكر وهؤلاء شر الطوائف وكأنهم استندوا في معتقدهم إلى قوله تعالى وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ وقد اجمع المفسرون على أن المراد باليقين الموت هنا لأن عين اليقين متوقف على ذلك الحين فالمعنى اعبد ربك بالعلم اليقين حتى يأتيك عين اليقين وقد يقال إن العبادة حال اليقين أولى وأعلى كما يشير إليه قوله ﵇ الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه وقد قيل له ﵊ حين تورمت قدماه في القيام بعد المنام اتتكلف هذا وقد غفر الله لك ذنبك فقال أفلا أكون عبدا شكورا (فَإِنَّ هَؤُلَاءِ زَعَمُوا أَنَّ ظَوَاهِرَ الشَّرْعِ وَأَكْثَرَ ما جاءت به الرّسل من الأخبار) بكسر أوله أي الأنباء (عمّا كان ويكون من أمور الآخرة) كعذاب القبر (والحشر) أي الجمع وكذا النشر؛ (والقيامة) أي مواقفها من الميزان والحوض والصراط؛ (وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ عَلَى مُقْتَضَى لفظها) الظاهر (ومفهوم خطابها) الباهر (وإنّما خاطبوا بها) أي الرسل (بها) أي بالأشياء المذكورة (الخلق) أي الأمة (عَلَى جِهَةِ الْمَصْلَحَةِ لَهُمْ إِذْ لَمْ يُمْكِنْهُمُ التّصريح) لتحقيق مرامهم (لقصور أفهامهم فمضمّن مقالاتهم) بضم الميم الأولى وفتح الثانية
[ ٢ / ٥١٣ ]
المشددة أي مضمونها (إبطال الشّرائع) بهذه الذرائع (وتعطيل الأوامر والنّواهي) بهذه الهذيانات الداعية إلى الملاهي (وتكذيب الرّسل) تلويحا (والارتياب) أي الإيقاع في الشك (فيما أتوا به) أي الأنبياء تصريحا (وَكَذَلِكَ مَنْ أَضَافَ إِلَى نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم تعمّد الكذب فيما بلّغه) بتشديد اللام أي أوصله عن ربه (وأخبر به) أحدا من أمته (أو شكّ في صدقه) تهمة منه في حقه (أو سبّه) أي شتمه أو تنقصه (أو قال إنّه لم يبلّغ) جميع ما أنزل عليه وقد قال تعالى يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وقال فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وأراد نفيه عنه (أو استخفّ) أي احتقر واستهزأ (بِهِ أَوْ بِأَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ أَزْرَى) أي عاب (عليهم) أي جميعهم أو بعضهم (أَوْ آذَاهُمْ أَوْ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ حَارَبَهُ فهو كافر بإجماع) من علماء المسلمين (وكذلك نكفّر من ذهب مذهب بعض القدماء) من الحكماء (أَنَّ فِي كُلِّ جِنْسٍ مِنَ الْحَيَوَانِ نَذِيرًا) أي رسولا منذرا (ونبيّا) غير مأمور بالتبليغ (من القردة؛ والخنازير والدّوابّ والدود وغير ذلك) كالحيوانات المائية والطيور الهوائية؛ (وَيَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ) [فاطر: ٢٤] أي مضى ويجعل الأمة أعم لقوله تعالى وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ (إذ ذلك) الذي زعمه غير ثابت بالنقل الصريح ويدل على بطلانه العقل الصحيح لأنه (يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يُوصَفَ أَنْبِيَاءُ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ بصفاتهم المذمومة وفيه) أي وفي كل جنس من صور بشيعة وسير شنيعة (من الإزراء) أي العيب والمنقصة (على أهل هذا المنصب) بكسر الصاد أي منصب النبوة (المنيف) بضم الميم أي الرفيع الشريف (ما فيه) مما لا يليق بعلو شأنهم وسطوع برهانهم (مع إجماع المسلمين على خلافه و) على (تكذيب قائليه) ولعل سند الإجماع قوله تعالى وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا أي لا نساء ولا جنا وإنما الخلاف في أنه هل كان في الجن رسول من جنسهم أم لا فالجمهور على أن الرسل من الانس خاصة وتعلق قوم بظاهر قوله تعالى امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
وأجيب بأن الآية من قبيل قوله تعالى يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ وهما يخرجان من الملح دون العذب وقيل المراد رسل من الجن أرسلهم الرسل من البشر لينذروهم ويدعوهم إلى الإيمان فيصدق عليهم أنه أتى الجن رسل لكن لا من الله بل من الأنبياء ويؤيده قوله تعالى وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ
الآيتين (وَكَذَلِكَ نُكَفِّرُ مَنِ اعْتَرَفَ مِنَ الْأُصُولِ الصَّحِيحَةِ بما تقدّم) من الألوهية والوحدانية والنبوة مطلقا (ونبوّة نبيّنا ﵊) أي ورسالته إلى عامة الأنام (ولكن قال كان أسود) وينبغي أن يفيد هذا بما إذا أراد احتقاره به وأما إذا قال عن جهل بشمائله فتكفيره ليس في محله لأن العلم بكونه ﵊ أبيض ليس قطيعا ولا أنه مما علم من الدين بالضرورة والسواد لا ينافي النبوة فقد قال جمع بنبوة لقمان ﵇ (أو مات قبل أن يلتحي) فإنه كذب في نفس الأمر لكن إنما يكفر إذا كان استخفافا أو استهزاء
[ ٢ / ٥١٤ ]
أو تكذيبا لنبوته (أو ليس الذي كان بمكة والحجاز) الشامل لها وللمدينة يحتمل أن يكون جهلا وأن يكون تكذيبا (أو ليس بقرشي) وفيه أن العلم بكونه قريشا ليس ضروريا فغايته أن يكون كاذبا به جاهلا بوصفه ولا يلزم منه كونه مكذبا به وأغرب الدلجي حيث قال لأنه كذبه ﵊ في قوله أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش فإن الحفاظ أجمعوا على أنه حديث موضوع والحاصل أنه يكفر بهذا كله إذا أراد نفي نبوته ﵊ كما يشير إليه قوله (لأنّ وصفه بغير صفاته المعلومة) عند كل واحد (نفي له) أي لوجوده (وتكذيب به) أي بشهوده وسيأتي أن الجهل ببعض صفات الباري ﷾ لا يخرجه عن الإيمان كما عليه أكثر علماء الأعيان فكيف الجهل ببعض صفاته ﵊ لا سيما ولم يتعلق به حكم من شرائع الإسلام (وَكَذَلِكَ مَنِ ادَّعَى نُبُوَّةَ أَحَدٍ مَعَ نَبِيِّنَا ﵊) كأصحاب مسيلمة والأسود العبسي (أو بعده كالعيسويّة) أصحاب عيسى ابن إسحاق بن يعقوب الأصبهاني كان موجودا في خلافة المنصور وهو (من اليهود) إلا أنه خالفهم في أشياء منها أنه حرم الذبائح (القائلين بتخصيص رسالته) أي نبينا (إلى العرب) خاصة (وكالخرّميّة) بضم الخاء المعجمة وتشديد الراء المفتوحة لأنهم تبعوا بابك الخرمي فنسبوا إليه قال الجوهري هم أصحاب التناسخ والإباحة وفي نسخة بجيم مفتوحة فراء ساكنة قال التلمساني ويجوز كسر الحاء المهملة وسكون الراء لقولهم ما حرم حلال لأنهم أباحوا المحرمات (القائلين بتواتر الرّسل) أي لا ينقطعون ما دامت الدنيا (وَكَأَكْثَرِ الرَّافِضَةِ الْقَائِلِينَ بِمُشَارَكَةِ عَلِيٍّ فِي الرِّسَالَةِ للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي حال وجوده (وبعده) أي وبعد فقد شهوده (فكذلك كلّ إمام) أي من الأئمة الاثني عشر (عند هؤلاء) الرافضة (يقوم مقامه في النّبوّة والحجّة) يعني إن أرادوا بها الحقيقة وإلا فالمنزلة المجازية لا توجب الكفر ولا البدعة (وكالبزيغيّة) بموحدة مفتوحة وزاء مكسورة فتحتية ساكنة فمعجمة أو مهملة (والبيانيّة) بفتح موحدة فتحتية بعدها ألف فنون وقيل الصواب بموحدة مضمومة ونونين بينهما ألف (منهم) أي من الرافضة لا من البزيغية كما توهم الدلجي (القائلين بنبوّة بزيغ) رجل غير معروف (وبيان) أي ابن إسماعيل الهندي من غلاة الروافض وقد تقدم أن اعتقادهم أن الله تعالى حل في علي وأولاده كذا ذكره الحلبي وقال التلمساني بنان بن سمعان التميمي (وَأَشْبَاهِ هَؤُلَاءِ أَوْ مَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ لِنَفْسِهِ) كالمختار بن أبي عبيد الثقفي (أو جوّز اكتسابها) أي تحصيل النبوة بالمجاهدة والرياضة (والبلوغ بصفاء القلب إلى مرتبتها) أي منزلة النبوة بأخذ الفيض من جهة القلب عن الرب ﷿ (كالفلاسفة) أي الحكماء ومنهم أبو علي بن سينا صاحب الشفاء الذي يورث مرض الشقاء (وغلاة المتصوّفة) أي الجهلاء (وكذلك من ادّعى منهم) وكذا من غيرهم (أنه يوحى إليه) أي وحيا جليا لا إلهاما يسمى وحيا خفيا كما يحصل لبعض أرباب المكاشفة وأصحاب الفراسة كما يشير إليه قوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ أي المتفرسين وقوله ﵊ اتقوا فراسة المؤمن وقوله في أمتي محدثون أي
[ ٢ / ٥١٥ ]
ملهمون (وإن لم يدّع النّبوّة) كعبد الله بن أبي سرح من قريش كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلما نزل وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ عجب من تفصيل خلق الإنسان فقال فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فقال ﵊ أكتبها كذلك نزلت فشك وقال لئن كان محمد صادقا لقد أوحى إلي كما أوحى إليه أو كاذبا لقد قلت كما قال والتحق مكة مرتدا فأهدر النبي ﵊ دمه فأخذ له عثمان عام الفتح أمانا فأسلم وحسن إسلامه وكان أخاه لأمه وولاه زمن خلافته مصر (أو أنه) أي أو يدعي أنه حال اليقظة (يصعد إلى السّماء ويدخل الْجَنَّةِ وَيَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَيُعَانِقُ الْحُورَ الْعِينَ) أي البيض الواسعة الأعين وفيه أن هذا كله يقتضي الكذب لا الكفر كما لا يخفى (فهؤلاء) الطوائف (كلّهم كفّار) أي فإنهم (مكذّبون للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لأنّه أخبر) عن نفسه (أنه خاتم النّبييّن لا نبيّ بعده) أي ينبأ فلا يرد عيسى لأنه نبي قبله وينزل بعده ويحكم بشريعته ويصلي إلى قبلته ويكون من جملة أمته (وَأَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ) وهذا أقوى دليلا ما قبله فتأمل (وأنه أرسل كافّة) أي رسالة جامعة (للنّاس) لقوله تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ أي أصالة وللجن تبعا (وأجمعت الأمّة على حمل هذا الكلام) الذي صدر عنه ﵊ (على ظاهره) لعدم صارف عنه (وأنّ مفهومه المراد به) هو المقصود منه (دون تأويل) في ظاهره (ولا تخصيص) في عمومه (فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِ هَؤُلَاءِ الطَّوَائِفِ. كُلِّهَا) أي لتكذيبهم الله ورسوله (قطعا) أي بلا شبهة (إجماعا) بلا مخالفة (وسمعا) أي وسماعا من الكتاب والسنة ما يدل على كفرهم بلا مرية (وَكَذَلِكَ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَكْفِيرِ كُلِّ مَنْ دافع نصّ الكتاب) القديم وحمله على خلاف ما ورد به من المعنى القويم كحمل بعض المتصوفة قوله تعالى في قوم نوح مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا على ما حاصله أغرقوا في بحر المحبة فأدخلوا نارها ووجد الله دون غيره أنصارهم وكذلك قوله في قوله تعالى وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ أن الكلام تم في أوتي وأن رسل الله مبتدأ وخبره الله واعلم خبر مبتدأ محذوف وأمثال ذلك مما صدر عنهم هنالك (أو خصّ حديثا) أي أو دافع صريح حديث (مجمعا على نقله مقطوعا به) أي بصحته (مجمع على حمله على ظاهره) من غير تأويله وفي نسخة أو خص حديثا مجمعا على نقله من جهة مبناه وحمله على ظاهره من جهة معناه (كتكفير الخوارج بإبطال الرّجم) بالجيم للمحصن الثيب ولم يشرط الشافعي الإسلام في الرجم لظاهر حديث الموطأ وغيره أن اليهود أتوا رسول الله تعالى عليه وسلم برجل وامرأة من اليهود قد زنيا فرجمهما وشرطه أبو حنيفة ومالك لحديث من أشرك بالله فليس بمحصن ثم اعلم أن العلماء اجمعوا على وجوب جلد الزاني البكر مائة وهو الثابت بالآية ورجم المحصن الثيب المأخوذ من الآية المنسوخة تلاوة لا حكما وهو قوله تعالى (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم) وقد عمل بها صلى الله تعالى عليه وسلم في
[ ٢ / ٥١٦ ]
حال حياته وكذا الصحابة بعد وفاته ولم يخالف في هذا أحد من أهل القبلة إلى ما حكوه عن الخوارج وبعض المعتزلة كالنظام وأصحابه فإنهم لم يقولوا بالرجم ومن مذهبهم أن الإجماع ليس يحجة ويرده قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وقوله ﵊ إن الله لا يجمع أمتي على الضلالة وبالإجماع على أن الإجماع حجة بل أقوى الحجة وأنه كان سندهم من الكتاب والسنة (ولهذا) أي ولقولنا بتكفير الخوارج بما ذكر كذا ذكره الدلجي وكان الأولى للمصنف رحمه الله تعالى أن يقول وكذا (نكفّر من دان) أي تدين (بغير ملّة المسلمين من الملل) أي الخارجة عن ملتهم (أو وافق فيهم) أي ولو في بعض الأحكام أي مع بقائه على ملة الإسلام وفي أصل الدلجي أو وقف فيهم أي توقف في تكفير من ذكر (أوشكّ) أي تردد (أو صحّح مذهبهم) بدليل عقلي أو نقلي (وإن أظهر مع ذلك) التوقف أو الشك أو التصحيح (الإسلام) أي الإيمان وانقياد ما فيه من الأحكام (واعتقده) أي الإسلام (واعتقد إبطال كلّ مذهب سواه) أي في باطنه وفيه أن توقفه أو شكه ينافيه (فَهُوَ كَافِرٌ بِإِظْهَارِهِ مَا أَظْهَرَ مِنْ خِلَافِ ذلك) ففي الفتاوى الصغرى من شبه نفسه باليهود أو النصارى على طريق المزح والهزل كفر (وكذلك نقطع بتكفير كلّ قائل) وروي كل من (قَالَ قَوْلًا يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى تَضْلِيلِ الْأُمَّةِ) المرحومة (وتكفير جميع الصّحابة) وهذا للإجماع ولقوله تعالى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ كذلك تكفير بعض الصحابة عند أهل السنة والجماعة بخلاف الخوارج والروافض (كقول الكميليّة من الرافضة) قيل والصواب كما قال الإمام الرازي من غلاة الروافض الكاملية اتباع أبي كامل وقيل ولعل الكميل تصغير الكامل «١» إيماء إلى تحقير شأنه واتباعه القائلين (بتكفير جميع الصحابة بعد النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم إذ لم تقدّم) أي الصحابة (عليا) للخلافة بل قدمت أبا بكر كما قدمه ﵊ للإمامة (وكفرت عليا إذا لم يتقدم ويطلب) أي ولم يطلب (حقّه) من الخلافة (في التّقديم) الموجب لزيادة التكريم (فهؤلاء) الكميلية (قَدْ كَفَرُوا مِنْ وُجُوهٍ لِأَنَّهُمْ أَبْطَلُوا الشَّرِيعَةَ) أي أمرها (بأسرها) أي جميعها (إذ قد انقطع نقلها ونقل القرآن معها) أي عندهم (إِذْ نَاقِلُوهُ كَفَرَةٌ عَلَى زَعْمِهِمْ وَإِلَى هَذَا) الوجه (والله أعلم) جملة معترضة للاحتياط (أَشَارَ مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ بِقَتْلِ مَنْ كفّر الصّحابة) أي جميعهم أو بعضهم فليس كما قال الدلجي بناء على كفر من قال لمسلم يا كافر وفيه أن هذا شتم ليس بكفر إلا أن اعتقد كفره حقيقة وهذا معنى قوله ﵊ من قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما أي أن كان كما قالوا والأرجح عليه ما قال وقوله الآخر لا يقتل لأنه كبيرة لم يخرج عن أصل الإيمان وأقول والأظهر إن هذين القولين له فيمن كفر بعض الصحابة وأما من كفر جميعهم فلا ينبغي أن
_________________
(١) أقول فيه نظر لأن الكميل تصغير الكمال فلعل تصغير الكامل كويل كما لا يخفى على التأمل لمصححه ط.
[ ٢ / ٥١٧ ]
يشك في كفره لمخالفة نص القرآن من قوله ﷾ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ قوله لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وبيانه أن هذه الآيات نص قطعي فلا يبطله قول مموه لا أصل له من جهة النقل ولا من طريق العقل على أن أمر الخلافة ليس من أركان الإيمان ثم هو لا يتعلق إلا ببعض من أهل الحال والعقد فلا وجه أصلا لتكفير الكل قطعا (ثمّ كفروا) أي الكميلية (من وجه) وفي نسخة من وجه أخر (بسبّهم النبيّ) أي لطعنهم فيه (صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ وَزَعْمِهِمْ أَنَّهُ عهد إلى عليّ) بالخلافة بعده (وهو) أي النبي ﵊ (يعلم أنه) أي عليا (يكفر بعده) أي بعد النبي ﵊ (على قولهم) أي بزعمهم والجملة حالية (لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وآله) الشامل لأصحابه وأحبابه (وَكَذَلِكَ نُكَفِّرُ بِكُلِّ فِعْلٍ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مُصَرِّحًا بِالْإِسْلَامِ مَعَ فِعْلِهِ ذَلِكَ الْفِعْلَ) الذي لا يصدر إلا عن كافر (كالسّجود للصّنم وللشّمس والقمر والصّليب) الذي للنصارى (والنّار) بخلاف السجود للسلطان ونحوه بدون قصد العبادة بل بإرادة التعظيم في التحية فإنه حرام لا كفر وقيل كفر (والسّعي إلى الكنائس) جمع الكنيسة معبد اليهود (والبيع) بكسر ففتح جمع بيعة معبد النصارى (مع أهلها) احترازا من سعيه إليهما منفردا عنهم لقصد التفرج دون العبادة (والتّزيّي بزيّهم) أي بكسوتهم وهيئتهم بخلاف من سعى إليهما معهم لكن بخلاف صورتهم وإنما كفروا بزيهم لأن الظاهر عنوان الباطن ولا يتجانن إلا مجنون (من شدّ الزّنانير) جمع زنار بكسر أوله ما يشد به النصارى أوساطهم (وفحص الرّؤوس) بفتح الفاء وسكون الحاء وبالصاد المهملتين قال الجوهري وفي الحديث فحصوا عن رؤوسهم كأنهم حلقوا وسطها وتركوها مثل أفاحيص القطا انتهى وفي المجمل لابن فارس نحوه وقال الهروي في غريبه في حديث أبي بكر أنه قال لعامله أنك ستجد أقواما يعني بالشام قد فحصوا رؤوسهم فاضربوا بالسيف ما فحصوا عنه أي حلقوا مواضع منها كافحوص القطاوهم الشمامسة انتهى وفي حديث أنه ﵊ قال لأمراء جيش مؤتة ستجدون آخرين للشيطان في رؤوسهم مفاحص فافلقوها بالسيوف والمعنى أن الشيطان استوطن في رؤوسهم كما تستوطن القطا مفاحصها ومنه الحديث من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة (فقد أجمع المسلمون أنّ هذا) الذي ذكر من الأفعال (لَا يُوجَدُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ وَأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ عَلَامَةٌ عَلَى الْكُفْرِ وَإِنْ صَرَّحَ فَاعِلُهَا) وروى صاحبها (بالإسلام) ولعل فحص الرأس كان شعارا للكفرة قبل ذلك وأما الآن فقد كثر في المسلمين فلا يعد كفرا (وَكَذَلِكَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَكْفِيرِ كُلِّ مَنِ استحلّ القتل لمسلم) أي ظلما (أو شرب الخمر) أي طوعا (أو الزّنا) بالزاء والنون وفي معناه الربا والرياء أو أشياء أخر (ممّا حرّم الله بعد علمه بتحريمه) وفيه إيماء إلى أن جهله عذر ولعل هذا بالنسبة إلى حديث عهد بالإسلام أو البلوغ فإن إنكار ما علم من الدين بالضرورة كفر إجماعا (كأصحاب الإباحة من القرامطة) يحتمل أن تكون من بيانية أو
[ ٢ / ٥١٨ ]
تبعيضية (وبعض غلاة المتصوّفة) الزاعمين أنهم وصلوا إلى الله فرفع عنهم التكليف قال الدلجي وقد أدركت بعضا منهم يقول اسقط الله عني التكليف فاستباح فطر رمضان والخلوة بالأجنبيات من النساء ونحو ذلك من الفحشاء (وكذلك نقطع بتكفير كلّ من كذّب) أي بأصل من أصول الذين (وأنكر قاعدة من قواعد الشّرع) المبين مما بنى عليه كما بينه ﵊ بني الإسلام على خمس شهادة أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسول الله وإقام الصلاة وايتاء الزكاة وصوم رمضان والحج (وَمَا عُرِفَ يَقِينًا بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ مِنْ فِعْلِ الرّسول ووقع الإجماع المتّصل) الذي لم يتخلله عدم إجماع (عليه) مما علم من الدين بالضرورة عند الخاص والعام (كمن أنكر وجوب الصّلوات الخمس) أي جميعها أو أحديها (وعدد ركعاتها) المختصة بها (وسجداتها) المكررة فيها (ويقول) أي مدعيا (إِنَّمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْنَا فِي كِتَابِهِ الصَّلَاةَ على الجملة) أي إجمالا من غير بيان نحو كونها خمسا وتعيين عدد ركعاتها وسجداتها (وكونها) أي ويقول كونها (خمسا وعلى هذه الصّفات) أي من الأركان المقررة (والشّروط) المعتبرة من طهارة وستر عورة ودخول وقت واستقبال قبلة ونية (لا أعلمه) يقينا (إذ لم يرد فيه) في كل منها (في القرآن نصّ جليّ) على وجوبها وإن اشتملت على بعضها إجمالا كآية أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ وآية أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ وقوله تعالى إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا أي فرضا موقتا وقوله وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ وقوله فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ونحو ذلك من الآيات المجملة التي وقع بيانها بالأحاديث الموصولة (والخبر) أي ويقول الحديث الوارد (به عن الرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خبر واحد) لا يفيد القطع إذ لم يكن متواترا عنه قلنا نعم لكن يجب اعلم به إجماعا لقوله تعالى ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا أو لأنه ﵊ مبين لمجمل الكتاب بفصل الخطاب كَمَا قَالَ تَعَالَى لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وأيضا قد أخبر به أصحابه وعمل به وتبعه اتباعه وهلم جرا إلينا في بيان الشروط والأركان الثابتة لدينا ووقع الإجماع عليه فيكفر جاحده (وكذلك أجمع) بصيغة المجهول وفي نسخة أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ (عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ قَالَ مِنَ الخوارج إن الصّلاة طرفي النّهار) أي بكرة وعشية فقط كما كان في صدر الإسلام ويسمون الأطرافية (وَعَلَى تَكْفِيرِ الْبَاطِنِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّ الْفَرَائِضَ أسماء رجال أمروا بولايتهم) من الأئمة (والخبائث والمحارم أسماء رجال أمروا بالبراءة منهم وقول بعض المتصوّفة) أي وفي قولهم (إنّ العبادة) المورثة للمشاهدة (وطول المجاهدة) المفضي إلى المراقبة (إذا صفت نفوسهم) عن الكدورات (أفضت بهم) أي أوصلتهم (إلى إسقاطها) أي المكلفات (وإباحة كلّ شيء) من المحرمات (ورفع عهد الشّرائع عنهم) بضم العين وفتح الهاء جمع عهدة وهي في نسخة بدل جمعها (وكذلك إن أنكر منكر مكّة) أي وجودها (أو البيت أو المسجد الحرام) لأن إنكارها إنكار المنصوص عليها في الكتاب والسنة وإجماع الأمة (أَوْ صِفَةَ الْحَجِّ أَوْ قَالَ
[ ٢ / ٥١٩ ]
الحجّ واجب في القرآن) لقوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ (واستقبال القبلة كذلك) واجب في القرآن لقوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ (ولكن كونه) أي كل من الحج والاستقبال (على هذه الهيئة المتعارفة) عند الناس (وأنّ تلك البقعة) أي المأمور بالحج إليها (هي مكّة والبيت والمسجد الحرام) الوارد بها إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس (لا أدري هل هي) أي مكة والبيت والمسجد الحرام (تلك) الأمكنة المتعارفة (أَوْ غَيْرُهَا وَلَعَلَّ النَّاقِلِينَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم فسّرها بهذه التّفاسير غلطوا) بكسر اللام أي أخطأوا (ووهموا) بكسر الهاء أن توهموا أنها هي تلك الأمكنة (فهذا) المنكر لما ذكر (ومثله) في غير (لا مرية) بكسر الميم وتضم أي لا شك ولا شبهة (فِي تَكْفِيرِهِ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ علم ذلك) الذي ذكر من اسماء الأمكنة ومع ذلك ينكرها أو يتردد فيها عنادا (وممّن خالط المسلمين) أي ليس من أهل البادية لقوله تعالى الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ (وامتدّت صحبته لهم) واشتدت مخالطته بهم لأن الغالب أنهم ذكروها له (إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ فَيُقَالُ له سبيلك) الذي يوردك معرفتها (أَنْ تُسْأَلَ عَنْ هَذَا الَّذِي لَمْ تَعْلَمْهُ بعد) أي بعد إسلامك إلى الآن (كافّة المسلمين) بالنصب على أنه معمول تسأل (فلا تجد فيهم) أي فيما بينهم (خلافا) أصلا (كافّة عن كافّة) أي حال كونهم جماعة رواية عن جماعة من كل طائفة في كل قرن وأمة (إلى معاصر الرّسول صلى الله تعالى عليه وسلم أنّ هذه الأمور) المذكورة هي هي (كما قيل لك وأنّ تلك البقعة) المشهورة (هي مكّة) المعمورة (والبيت الّذي) هو (فيها هو) وفي نسخة هي (الكعبة) المسماة بها لعلوها حسا ومعنى كما قيل:
إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول
والمعنى أن بيت العز والشرف هُوَ الْكَعْبَةُ (وَالْقِبْلَةُ الَّتِي صَلَّى لَهَا الرَّسُولُ صلى الله تعالى عليه وسلم والمسلمون) من أهل مكة وغيرهم (وحجّوا إليها) من كل فج عميق (وطافوا بها) وهي البيت العتيق (وأنّ تلك الأفعال) المعلقة بالحج من الإحرام والطواف والسعي والوقوف والحلق والرمي (هي صفات عبادة الحجّ والمراد به) في قوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ وقوله ﵊ حجوا بيت ربكم (هي) أي الصفات المذكورة والأفعال المسطورة هي (التي فعلها النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم والمسلمون) معه في زمانه روي أنهم مائة وعشرون ألفا وكذا فيما بعده قرنا فقرنا وهلم جرا إلينا (وإنّ صفات الصّلوات) الخمس (المذكورة) في الأحاديث الصحيحة المشهورة من التحريمة والقيام والقراءة والركوع والسجود والقعدة (هي التي فعل النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وشرح) أي فسر وبين (مراد الله بذلك) الإجمال (وأبان حدودها) أي وأظهر أوقاتها وشرائطها وأركانها (فيقع لك العلم) آخرا (كما وقع لهم) أولا فإن العلم بالتعلم وقد قال تعالى فَسْئَلُوا أَهْلَ
[ ٢ / ٥٢٠ ]
الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وقال ﵊ طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة وقد ورد إنما شفاء العي السؤال (ولا ترتاب بذلك) أي لا يقع لك فيها شك وتردد (بعد) بالبناء على الضم أي بعد ما علمته بسؤالك منهم وهذا حال من يعذر يجهله (والمرتاب في ذلك) أي الشاك فيما ذكر (والمنكر بعد البحث) ظرف لهما أي بعد الفحص عنها وحضور المعرفة بها (وصحبة المسلمين) أي وبعد مخالطتهم الدالين عليه والهادين إليه (كافر باتّفاق) للأئمة والأمة (ولا يُعْذَرُ بِقَوْلِهِ لَا أَدْرِي وَلَا يُصَدَّقُ فِيهِ) أي في قوله المنسوب إلى جهلة (بل ظاهره التّستّر عن التكذيب) على وجه التصريح اكتفاء بالتلويح فإن كل إناء يترشح بما فيه (إذ لا يمكن أنه لا يدري) بعد البحث والسؤال من المؤمنين أو مخالطة المسلمين وهو عاقل ليس من المجانين (وأيضا) يلزم منه فساد آخر (فإنّه إذا جوّز) هذا المنكر (على جميع الأمّة الوهم) أي السهو (والغلط) أي الخطأ ولو بالغوا في الكثرة حد التواتر الذي يحيل العقل تواطئهم على الكذب (فيما نقلوه من ذلك) الذي تقدم (وأجمعوا أنه قول الرّسول) ﵊ (وَفِعْلُهُ وَتَفْسِيرُ مُرَادِ اللَّهِ بِهِ أَدْخَلَ الِاسْتِرَابَةَ) أي الشك والشبهة (في جميع الشّريعة) قولا وفعلا ولا يخفى فساد هذه الذريعة (إذ هم النّاقلون لها) أي للشريعة المستفادة من السنة (وللقرآن) إلينا بالطرق المواترة (وانحلّت عرى الدّين) أي انفتحت عقده وعهده (كرّة) أي دفعة واحدة ولم يبق منها عروة ويروى كلمة (ومن قال هذا) القول وأمثاله (كافر) في حاله ومآله بسوء مقاله (وكذلك من أنكر القرآن) أي جميعه (أو حرفا منه) أي مما تواتر فيه (أو غيّر شيئا منه) بأن نقص منه شيئا (أو زاد فيه) شيئا من تلقاء نفسه من غير قراءة متواترة أو رواية شاذة (كفعل الباطنيّة) ويروى كقول الباطنية (والإسماعيليّة) أي من التغيير أو الزيادة وهذا غير معروف عنهم اللهم إن كان المراد بالتغيير تغيير المعنى دون المبنى كما قال تعالى في ذم أهل الكتاب يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ أي يأولونها على ما يشتهونها ويميلون إليها عما أراد الله ﷾ بها (أو زعم أنه) أي القرآن (ليس بحجّة للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) خاصة (أو ليس فيه حجّة) لأحد (ولا) أي هو في نفسه (معجزة) أي لا مبنى ولا معنى (كقول هشام الفوطيّ) بضم الفاء أو الياء وسكون الواو أو فتحها والطاء مهملة (ومعمر) بسكون عين مهملة بين ميمين مفتوحتين (الصّيمريّ) بفتح الصاد المهملة أو المعجمة وسكون التحتية وفتح الميم فراء بعدها ياء نسبة إلى بلدة أو قبيلة قال الدلجي أنهما من المعتزلة أفي الصورة ومن الكفرة في السيرة (إنّه) أي القرآن (لا يدلّ على الله) أي على طريق رضاه (ولا حجّة فيه لرسوله) أي على صحة مقوله (وَلَا يَدُلُّ عَلَى ثَوَابٍ وَلَا عِقَابٍ وَلَا حكم) من حلال وحرام وآداب وهذا كله مكابرة وعناد وفتح باب فساد والحاد (ولا محالة) بفتح الميم وتضم أي لا شك وفي نسخة ولا مخالفة (في كفرهما بذلك القول) وفي نسخة بهذا (وكذلك نكفّرهما) وفي نسخة نكفرهما (بِإِنْكَارِهِمَا أَنْ يَكُونَ فِي سَائِرِ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي باقيها بأسرها (حجّة له) قاطعة وبينة ساطعة (أو في خلق السّموات والأرض
[ ٢ / ٥٢١ ]
دليل على الله) أي وجوده ﷾ مع أنه قال تعالى لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (لِمُخَالَفَتِهِمُ الْإِجْمَاعَ وَالنَّقْلَ الْمُتَوَاتِرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم باحتجاجه بهذا) الذي ذكر (كلّه وتصريح القرآن به) بقوله وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِمَّا نَصَّ فِيهِ القرآن) به كوجود الملائكة ومجيء القيامة (بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ الَّذِي فِي أيدي النّاس) أي من الحفاظ الماهرين (ومصاحف المسلمين ولم يكن جاهلا به) أي بأنه منه (ولا قريب عهد) وفي نسخة ولا حديث عهد أي جديد زمان (بالإسلام واحتجّ) الواو فيه وكذا الواوان فيما قبله للحال أي تعلق (لإنكاره إمّا بأنه لم يصح النّقل) للقرآن (عنده ولا بلغه العلم به) من غيره (أو لتجويز الوهم على ناقلة تكفّره بالطّريقين المتقدّمين) وهما الإجماع والنقل المتواتر (لأنّه مكذّب للقرآن) الثابت تواترا قطعا (ومكذّب للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) المحقق إجماعا (لكنّه تستّر بدعواه) الجهل فيما ادعاه (وكذلك من أنكر الجنّة أو النّار) أي وجودهما بالكلية فإن أهل السنة على أنهما موجودتان والمعتزلة على أنهما ستوجدان (أو البعث) في القبور (أو الحساب) الموجب للثواب والعقاب بخلاف إنكار الميزان والصراط فإنه من عقائد المعتزلة (أو القيامة فهو كافر بإجماع) وفي نسخة بالإجماع (للنصّ عليه) في الكتاب (وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى صِحَّةِ نَقْلِهِ مُتَوَاتِرًا وَكَذَلِكَ) أي أقول كما روي (من اعترف بذلك) في الجملة (وَلَكِنَّهُ قَالَ إِنَّ الْمُرَادَ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْحَشْرِ) أي الجمع في الموقف (والنّشر) أي النشور وهو الخروج من القبور أو التفرق إلى الجنة والنار (والثّواب) على الحسنات (والعقاب) على السيئات (معنى غير ظاهره) وفي نسخة معنى على غير ظاهره (وأنّها لذّات) وعقوبات (روحانيّة) بفتح الراء ويجوز ضمها لا جسمانية (ومعان باطنة كقول النّصارى) لعل هذا قول بعضهم (والفلاسفة) من الحكماء الجاهلية (والباطنيّة وبعض المتصوّفة) كالوجودية القائلة بالعينية (وزعم أنّ معنى القيامة الموت) ولم يدر أن الموت مقدمة القيامة ولذا ورد من مات فقد قامت قيامته (أو فناء محض) أي عدم ليس بعده وجود وبقاء أو زعم أن المراد بالقيامة الفناء عن السوي والثبات على البقاء كما يتوهم جهلة المتصرفة متمسكين بظاهر ما روي موتوا قبل أن تموتوا مع أنه ليس بحديث (وانتقاض هيئة) وروي بنية (الأفلاك) أي انهدامها وتغيرها وانتقالها من أوضاعها بالكلية (وتحليل العالم) أي فساده وخروجه عن نظام هيئة الأولية (كقول بعض الفلاسفة) بذلك ممن ينكر البعث هنالك وإلا فالتغيير والتبديل ثابتان في التنزيل كقوله تعالى يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (وَكَذَلِكَ نَقْطَعُ بِتَكْفِيرِ غُلَاةِ الرَّافِضَةِ فِي قَوْلِهِمْ إنّ الأئمة) المعصومين (أفضل من الأنبياء) والمرسلين هذا كفر صريح يستفاد من قوله تعالى اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ وفي هذا المحل مباحث ذكرتها في شرح الفقه الأكبر (وأمّا) وفي نسخة فَأَمَّا (مَنْ أَنْكَرَ مَا عُرِفَ بِالتَّوَاتُرِ مِنَ الأخبار والسّير) أي الآثار المتعلقة بالغزوات والشمائل في الصفات
[ ٢ / ٥٢٢ ]
كقتل عمار بصفين مما ورد أنه تقتله الفئة الباغية (والبلاد) النائية كالعراق وخراسان (التي لا يرجع) أي انكارها (إلى إبطال شريعة ولا يفضي إِلَى إِنْكَارِ قَاعِدَةٍ مِنَ الدِّينِ كَإِنْكَارِ غَزْوَةِ تبوك) المذكورة في سورة التوبة وهي أرض بين الشام والمدينة (أو مؤتة) بضم الميم وسكون همزة وتبدل مكان بأدنى البلقاء من أرض الشام (أو وجود أبي بكر) وفيه أن بعض العلماء قال من أنكر صحبته للنبي ﵊ كفر لمخالفة النص وهو قوله تعالى ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا حيث أجمع المفسرون على أنه أبو بكر ولا يبعد أن يفرق بين من أنكر وجوده وبين من أنكر صحبته بناء على أن دلالة الآية على صحبته إجمالية ورواية كونها له خاصة غير قطعية فلا يكفر من أنكر وجوده (وعمر) مع شهرته (أو قتل عثمان أو خلافة عَلِيٍّ مِمَّا عُلِمَ بِالنَّقْلِ ضَرُورَةً وَلَيْسَ فِي إِنْكَارِهِ جَحْدُ شَرِيعَةٍ فَلَا سَبِيلَ إِلَى تَكْفِيرِهِ بجحد ذلك وإنكار وقوع العلم له) بما هنالك (إِذْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنَ الْمُبَاهَتَةِ) مفاعلة من البهتان أي الكذب والمعاندة يقال باهته إذا قال عليه ما لم يقل (كإنكار هشام) أي الفوطي (وعباد) بفتح مهملة فتشديد موحدة وهو الصيمري (وقعة الجمل) وهي كانت في أول خلافة علي ونقل مغلطاي في سيرته أن ابن حزم أنكرها وفيما قاله نظر إذ قد تواتر نقلها وهي أن جماعة من الصحابة خرجوا مع عائشة في هودج على جمل آخذا بخطامه كعب بن المسر بن مخرمة إلى البصرة للصلح بين علي ومعاوية وتسكين فتنة فنشبت بينهم الحرب فلتة من غير قصد وكانت سنة ست وثلاثين وأما وقعة صفين كسجين وهو موضع قرب الرقة بشاطئ الفرات كانت الواقعة العظيمة بين علي ومعاوية غرة صفر سنة سبع وثلاثين فمن ثمة احترز الناس السفر في صفر ذكره في القاموس (ومحاربة عليّ من خالفه) كمعاوية والخوارج فيما تقدم والله تعالى اعلم (وأمّا إن ضعّف) بتشديد العين أي نسب إلى الضعف (ذلك) النقل المجمع عليه (مِنْ أَجْلِ تُهْمَةِ النَّاقِلِينَ وَوَهَّمَ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعَ) بتشديد الهاء أي نسبهم إلى الوهم أجمعين (فنكفّره بذلك) الإتهام (لسريانه) أي افضائه وروي لسرايته (إلى إبطال الشّريعة) فكأنه جعل هذا التوهيم لالحاده نوعا من الذريعة (فأمّا من) وفي نسخة أن (أنكر الإجماع المجرّد) أي المنقول عن بعض الأئمة (الَّذِي لَيْسَ طَرِيقُهُ النَّقْلَ الْمُتَوَاتِرَ عَنِ الشَّارِعِ) المفيد كونه قطعيا بل طريقه الآحاد المقتضي كونه ظنيا (فأكثر المتكلمين ومن الفقهاء والنّظّار) بضم النون وتشديد الظاء المعجمة جمع ناظر بمعنى المناظر اسم فاعل من المناظرة (فِي هَذَا الْبَابِ قَالُوا بِتَكْفِيرِ كُلِّ مَنْ خالف الإجماع الصّحيح الجامع لشروط الإجماع) كما هو مبين في أصول الفقه (المتّفق عليه عموما) لأنه حجة إجماعا وإن كان طريقه أحادا (وحجّتهم) في تكفيره بمخالفة الإجماع (قوله تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ أي يخالفه (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى [النِّسَاءِ: ١١٥]) أي طريق الحق (الآية) أي ويتبع غير سبيل المؤمنين الذين هم عليه من الدين لإيذانه بأنه حجة لا تجوز مخالفته كما لا تجوز مخالفة الكتاب والسنة بدلالة جمعه بين المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين في الشرط وجعل جزاءه الوعيد الشديد المفاد
[ ٢ / ٥٢٣ ]
بقوله تعالى نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى أي نجعله واليا لما تولاه وندعه وما اختاره من متابعة هواه مما لا يرضاه الله وهذا في الدنيا وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ أي ندخله ونحرقه وَساءَتْ مَصِيرًا أي مرجعا ومسيرا في العقبى (وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم من خالف الجماعة) أي جماعة المسلمين وفي نسخة كما في رواية من فارق الجماعة أي بترك السنة واتباع البدعة (قيد شبر) بقاف مكسورة فتحتية ساكنة ونصبه على المصدر أي قدر شبر يعني ولو مقدارا يسيرا وأمرا حقيرا (فقد خلع) أي نزع (ربقة الإسلام) بكسر الراء وسكون الموحدة أي عقدته وعهدته (من عنقه) أي رقبته وذمته وقد روى الترمذي عن ابن عمر أن الله تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة ويد الله على الجماعة من شذ شذ في النار (وحكوا) أي الفقهاء ومن معهم (الْإِجْمَاعَ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ وَذَهَبَ آخرون إلى الوقف) أي التوقف (عَنِ الْقَطْعِ بِتَكْفِيرِ مَنْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ الَّذِي يختصّ بنقله العلماء) أي مطلقا سواء كان نظريا أم لا وفي نسخة الذي يختص نقله بالعلماء (وذهب آخرون إلى التّوقّف) وفي نسخة التَّوَقُّفِ (فِي تَكْفِيرِ مَنْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ الْكَائِنَ عن نظر) أي تأمل وفكر كالقياس لأن الاجتهاد المأخوذ في تعريفه لا بد له من مستند إما من كتاب أو سنة فمنكره منكر لأحدهما (كتكفير النّظام) بفتح النون وتشديد الظاء المعجمة كان أحد فرسان المتكلمين من المعتزلة وكان في دولة المعتصم (بإنكاره الإجماع) وإنما كفروه به (لأنّه بقوله هذا) وهو إنكاره الإجماع (مخالف إجماع السّلف على احتجاجهم به) أي بالإجماع بل جعلوه أقوى الحجة (خارق للإجماع) وفي نسخة خارق للإجماع، (قال القاضي أبو بكر) أي الباقلاني (القول) المعول (عندي) أي في رأيي (أنّ الكفر بالله هو الجهل بوجوده) وشهود كرمه وجوده (والإيمان بالله هو العلم بوجوده) وما يتعلق به من توحيد ذاته وتفريد صفاته وإثبات كلام المشتمل علر سائر المؤمن به من ملائكته ورسوله وإلا فمجرد العلم بوجوده حاصل لعامة خلقه كما قال الله تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وإنما أنكر وجوده ﷾ طائفة من الدهرية والمعطلة (وأنّه) أي الشأن (لا يكفّر أحد بقول ولا رأي) أي اعتقاد مما يكفر به (إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْجَهْلُ بِاللَّهِ فَإِنْ عصى الله) ورسوله (بقول أو فعل نصّ الله ورسوله) صلى الله تعالى عليه وسلم (أَوْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ إِلَّا من كافر أو يقوم دليل آخر) نقلا أو عقلا (على ذلك) أي على أنه لا يوجد الأمن كافر لكونه من شعارهم (فقد كفر) لكن (ليس) الحكم بكفره (لأجل قوله أو فعله) الذي لا يوجد إلا من كافر (بل لما قارنه) أي قوله أو فعله (مِنَ الْكُفْرِ فَالْكُفْرُ بِاللَّهِ لَا يَكُونُ إِلَّا بأحد ثلاثة أمور أحدها الجهل بالله) أي بوجوده وهو الأصل في باب التكفير (وَالثَّانِي أَنْ يَأْتِيَ فِعْلًا أَوْ يَقُولَ قَوْلًا يخبر الله ورسوله أو يجمع المسلمون على أنّ ذلك) الفعل أو القول (لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ والمشي إلى الكنائس) أي من زيهم (بالتزام الزّنّار) مشددا به وسطه غير مكره فيه وروي الزنانير وهو بفتح الزاي جمع الزنار بضمها (مع أصحابها في أعيادهم) أو غيرها (أو
[ ٢ / ٥٢٤ ]
يَكُونَ ذَلِكَ الْقَوْلُ أَوِ الْفِعْلُ لَا يُمْكِنُ) أي لا يتصور (معه العلم بالله) كإنكار فرض مجمع عليه والفاء مصحف في قاذورة (فهذان الضّربان) أي النوعان من اتيان الفعل أو القول الموصوفين وقول الدلجي فهذان أي الجهل والاتيان مردود بقوله (وَإِنْ لَمْ يَكُونَا جَهْلًا بِاللَّهِ فَهُمَا عِلْمٌ) بفتحتين أي علامة وفي أصل التلمساني علم بكسر أوله وسكون ثانيه أي دليل (أنّ فاعلهما كافر) في الأصل (منسلخ من الإيمان) أي خارج عنه (فَأَمَّا مَنْ نَفَى صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تعالى الذّاتيّة) من الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام (أو جحدها) أي أنكرها بعد ما اعترف بها (مستبصرا) أي متيقنا غير شاك (في ذلك) أي في جحدها (كَقَوْلِهِ لَيْسَ بِعَالِمٍ وَلَا قَادِرٍ وَلَا مُرِيدٍ ولا متكلّم) كان الأولى أن يأتي بأو بدل ولا (وَشِبْهِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ الْوَاجِبَةِ لَهُ تعالى) كقوله ليس سميعا أو بصيرا أو حيا (فقد نصّ أئمّتنا) المالكية (عَلَى الْإِجْمَاعِ عَلَى كُفْرِ مَنْ نَفَى عَنْهُ تعالى الوصف بها وأعراه عنها) أي أخلاه منها بلا وصفه بها وهذا قول الباقلاني ولا أعرف خلافا في ذلك لأنه ﷾ وصف ذاته بهذه الصفات في كلامه القديم الذي يستفاد منه الدين القويم فمن أنكر شيئا من ذلك فقد أنكر القرآن العظيم قال المصنف (وعلى هذا) القول ينفي الوصف (حُمِلَ قَوْلُ سُحْنُونٍ مَنْ قَالَ لَيْسَ لِلَّهِ كلام) أي نفسي (فهو كافر) لأنه نسبه إلى وصم البكم (وهو) أي سحنون (لا يكفّر المتأوّلين) أي من المعتزلة النافين قدمها وزيادتها على ذاته القائلين بأنه تعالى خلق الكلام في الشجرة وكلم موسى ويخلق القرآن وحدوثه وأنه مركب من حروف وأصوات تفاديا من تعدد القدماء (كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَأَمَّا مَنْ جَهِلَ صِفَةً مِنْ هذه الصّفات) أي ونفاها غير مستبصر فيها (فاختلف العلماء ههنا) أي في مقام تكفيره (فكفّره بعضهم وحكي ذلك) أي تكفيره (عن أبي جعفر الطّبريّ) الشافعي (وَغَيْرِهِ وَقَالَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ مَرَّةً) أي هو أحد قوليه (وذهبت طائفة إلى أنّ هذا) الجهل للمؤمن (لا يخرجه عن اسم الإيمان) أي أصله وإن كان يخرجه عن كمال الإيقان (وإليه) أي إلى هذا المذهب (رجع الأشعريّ) فهو المعتمد في المعتقد (قال لأنّه لم يعتقد ذلك) النفي مع الجهل (اعتقادا يقطع بصوابه ويراه دينا) متينا (وشرعا) مبينا بل إنما يظنه ظنا وقع خطأ (وإنّما يكفر مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ مَقَالَهُ حَقٌّ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ) المتأخرون (بحديث السّوداء) أي الجارية (وأنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم إنّما طلب منها التّوحيد) أي توحيد الذات (لا غير) أي لا غير ذلك من تحقيق الصفات وهو أن أم ابن سويد الشريد الثقفي أوصته أن يعتق عنها رقبة مؤمنة فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقال يا رسول الله إن أمي أوصت أن أعتق عنها رقبة مؤمنة وعندي جارية سوداء نوبية وذكر نحوه معاوية بن الحكم السلمي فذكر الحديث إلى أن قال اين الله قالت في السماء قال من أنا قالت أنت رسول الله قال أعتقها فأنها مؤمنة أخرجه أبو داود في الإيمان بفتح الهمزة والنسائي في الوصايا وحديث معاوية بن الحكم السلمي أخرجه مسلم في الصلاة والطب وأخرجه أبو داود في الصلاة
[ ٢ / ٥٢٥ ]
والنسائي في أماكن من مسنده انتهى كلام الحلبي وذكر التلمساني أن حديث السوداء هو أن رجلا ظاهر فلزمه الظهار فأتى بأمة سوداء فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا تجزئك حتى تعرف أنها مؤمنة قال سلها يا رسول الله فسألها فقال لها أين الله فأشارت إلى السماء فقال أعتقها فإنها مؤمنة وهو حديث رواه أبو داود والنسائي ومالك انتهى وكأن إشارتها إلى السماء إيماء بأن الله هو الذي خلقها أو أنه ليس بآلهة الأرض أو هو الموصوف بأنه إله في السماء أي معبود فيها فاكتفى بهذا التوحيد الإجمالي على كونها مؤمنة لكن يشكل بسؤاله ﵊ حيث قال أين الله ولعله كوشف له ﵊ بأنها لا تعرف الإله إلا بهذا الوصف ولعل القائلين بجهة العلو لله ﷾ تمسكوا بظاهر هذا الحديث وأمثاله والمحققون أنه تعالى منزه عن المكان والزمان وأما قوله تعالى وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ فمعناه أنه هو المستحق لأن يعبد فيهما لا غير كقوله تعالى وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ (وبحديث القائل لئن قدر الله عليّ) بتخفيف الدال وجاء في صحيح البخاري أن قائله كان نباشا من كلام عقبة بن عمر الصحابي والحديث رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن قول القائل لبنيه عند موته أحرقوني ثم انظروا يوما راحا أي ذا ريح شديدة فاذروني فيه فوالله لئن قدر الله علي والرواية بتخفيف الدال من القدرة لا كما قال التلمساني قدر بشدد من التقدير ويخفف بمعنى ضيق فإنه لو كان المروي كذلك لما كان إشكال هنالك (وفي رواية عنه) أي عن القائل وفي نسخة فيه أي في الحديث وهو كذا في تفسير ابن أبي حاتم (لعلّي أضلّ الله) بفتح الهمزة والضاد وتكسر ورفع اللام المشددة أي أفوته ويخفى عليه مكاني وقيل لعلي أغيب من عذاب الله تعالى من ضللت الشيء وضللته إذا جعلته في مكان ولم تدر أين هو وضل الناسي إذا غاب عنه حفظ الشيء ومنه قوله تعالى أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أي خفينا وغبنا والمعنى أضل عنه أي أخفي وأغيب منه على أن من باب نزع الخافض وإيصال الفعل فيكون جاهلا بكمال علمه ﷾ (ثمّ قال) أي النبي ﵊ (فغفر الله له) أي مع كون كلامه مشعرا بنفي القدرة في الصورة المقدرة والمعنى فغفر الله له لعذره بجهله على أن قدر جاء بمعنى ضيق كما في قوله تعالى فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ومعنى الرواية الثانية أغيب عن عذاب الله تعالى لكن لا يخفى بعد هذه التأويلات عن قوله أحرقوني وسائر المقالات والله تعالى اعلم بالحالات وتمام الحديث على ما في الصحيح قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أسرف رجل على نفسه فلما حضره الموت أوصى بنيه إذا مات فحرقوه ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فلما مات فعلوا ما أمرهم فأمر الله البحر فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه ثم قال لم فعلت هذا قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر له (قالوا) أي هؤلاء العلماء (ولو بوحث
[ ٢ / ٥٢٦ ]
أكثر النّاس عن الصّفات) أي فتشوا عن معرفتها (وكوشفوا عنها) أي طلب منهم الكشف عن بيانها (لما وجد من يعلمها إلّا الأقلّ) من القليل، (وقد أجاب الآخر) أي من العلماء الأولين (عن هذا الحديث بوجوه) خمسة (منها أنّ قدر) مخففا (بمعنى قدّر) مشددا أي حكم وقضى (ولا) وفي نسخة فلا (يَكُونُ شَكُّهُ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى إِحْيَائِهِ بَلْ فِي نَفْسِ الْبَعْثِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ إِلَّا بشرع) دون عقل وطبع (ولعلّه لم يكن وَرَدَ عِنْدَهُمْ بِهِ شَرْعٌ يُقْطَعُ عَلَيْهِ فَيَكُونَ الشّكّ فيه حينئذ كفرا) وفيه أنه لو كان شاكا في بعثه لما أوصى بما يدل على كمال خوفه (فأمّا ما لم يرد به شرع) كالبعث (فهو من مجوّزات العقول) بتشديد الواو المفتوحة فلا كفر بالشك فيه لعدم العلم وبه وهذا لا يخفى بعده لإطباق الأنبياء والرسل على وجوب الإيمان باليوم الآخر ووعد الثواب ووعيد العقاب حتى قال الله تعالى لآدم ومن معه فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ نعم قد يقال إنه آمن إيمانا إجماليا وتقليدا عرفيا وما بلغه تفاصيل المؤمن به فوقع له الشك في وقوعه أو الوهم بدفع العذاب عنه على تقدير تصوره (أَوْ يَكُونُ قَدَرَ بِمَعْنَى ضَيَّقَ وَيَكُونُ مَا فعله بنفسه) من وصية بنيه بإحراقه (إزراء عليها) أي اهانة وتنقصا بها (وغضبا) عليها (لعصيانها) أو ظن أنه يتخلص بعذاب الدنيا من عقاب العقبى (وقيل إنّما قال ما قاله) وهو قوله لئن قدر الله على (وَهُوَ غَيْرُ عَاقِلٍ لِكَلَامِهِ وَلَا ضَابِطٍ لِلَفْظِهِ) أي لمؤدي مرامه (أي ممّا استولى عليه من الجزع) أي غلب عليه من شدة الفزع (والخشية الّتي أذهلت) وفي نسخة أذهبت (لبّه) أي اغفلت قبله وشغلت عقله (فلم يؤاخذ به) فيعد من خطئه في خطابه كقول من قال لربه في غاية من الفرح أنت عبدي وأنا ربك (وقيل كان هذا) القائل (في زمن الفترة) أي انقطاع الرسالة كما بين عيسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام فقيل ستمائة سنة وقيل خمسمائة وستون وقيل أربعون (وحيث ينفع مجرّد التّوحيد) كما في زمن الجاهلية وهو ما بين إسماعيل ونبينا عليهما الصلاة والسلام ولا يبعد أن يكون ممن نشأ بعيدا عن الخلق ولم تبلغه دعوة رسول الحق وعرف الله بعقله أو بالنظر في آيات الله من خلقه (وقيل بل هذا) القول (من مجاز كلام العرب) من أهل التدقيق (الّذي صورته الشّكّ ومعناه التّحقيق) ويقال له مزج الشك باليقين وعد منه قوله ولكن ليطمئن قلبي وأشار إلى ذلك العارف بن الفارض بقوله:
عليك بها صرفا وإن شئت مزجها فعدلك عن ظلم الحبيب هو الظلم
(وهو يسمّى) بصيغة المجهول مشددا ومخففا أي يدعي (تجاهل العارف وله أمثلة في كلامهم) أي العرب كقول بعضهم:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ليلاي منكن أم ليلى من البشر
(وكقولهم) أو جهك هذا أم بدر مع علمهم بأن الوجه غير البدر للمبالغة في تحسين
[ ٢ / ٥٢٧ ]
القدر والمعروف أن هذا للدلالة على شدة الشبه بين المتناسبين فإن خلا سؤاله عما يعلمه من الشبه لم يكن تجاهلا كما في وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى بل هو استفهام تقرير أي حمل المخاطب على إقرار وتحرير نعم قد يحمل عليه قوله النسوة ما هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ أي كالملك في الصورة والعصمة على وجه المبالغة (كقوله تعالى) أي المنزل على وفاقهم اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [طه: ٤٤]) والمحققون على أن معناه لكي يتذكر أو كونا على رجاء أن يتذكر (وقوله) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ: ٢٤]) والمحققون على أن هذا من ارخاء العنان مع الخصم في ميدان البيان ليتأمل ويتفكر حتى يظهر له البرهان في عالم العيان وإلا فكان صلى الله تعالى عليه وسلم يتيقن أنه على هداية والمخاطبون على ضلالة ونظيره قول حسان بن ثابت الأنصاري لأبي سفيان بن حرب قبل إسلامه:
أتهجوه ولست له بكفؤ فشركما لخيركما فداء
فإنه لا شبهة أنه يريد بخيرهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هذا وفي تمثيله بما أورده من الكتاب مع تسميته له بتجاهل العارف نوع تهاون في الآداب مع رب الأرباب ولو قال كما في المفتاح للسكاكي ويسمى مساق المعلوم مساق غيره لنكتة لكان أقرب إلى صوب الصواب (فأمّا من أثبت الوصف ونفى الصّفة) كالمعتزلة (فَقَالَ أَقُولُ عَالِمٌ وَلَكِنْ لَا عِلْمَ لَهُ وَمُتَكَلِّمٌ وَلَكِنْ لَا كَلَامَ لَهُ وَهَكَذَا فِي سائر الصّفات) كقادر ولا قدرة له ومريد ولا ارادة له وحي ولا حياة له وسميع ولا سمع له وبصير ولا بصر له (على مذهب المعتزلة) تحرزا عن تعدد القدماء فإنه كفر وهو مردود بأن الكفر إنما هو تعدد ذوات قدماء لا ذات واحدة مع صفات متعددة على أن مذهب أهل السنة والجماعة أن الصفات لا عين الذات ولا غيرها (فمن قال بالمال) أي بأخذهم بالمرجع (لما يؤدّيه إليه قوله) أي قوله نافيها عالم ولا علم له (ويسوقه إليه مذهبه) من أنه يلزم من نفي العلم نفي الوصف بعالم على وجه برهاني كما سيأتي بيانه (كفّر) بتشديد الفاء أي كفره كما في نسخة وأما ما ضبط في بعض النسخ بفتح الكاف وتخفيف الفاء وكذا بصيغة المصدر فتصحيف وأما ما في بعض النسخ ممن بدل فمن فتحريف والصواب فمن جواب إما لا قوله فقال كما يتوهم والله أعلم (لِأَنَّهُ إِذَا نَفَى الْعِلْمَ انْتَفَى وَصْفُ عَالِمٍ) عن موصوفه ضرورة انتفاء الوصف بالمشتق بانتفاء المشتق منه (إِذْ لَا يُوصَفُ بِعَالِمٍ إِلَّا مَنْ لَهُ علم) إذ لا يعقل مثلا من العالم إلا من له العلم وله معلوم يتعلق به علمه ولا تنّافي بين كون العلم قديما وكون المعلوم حادثا كما قرر في محله اللائق به (فكأنّهم) أي المعتزلة (صرّحوا عنده) أي عند القائل بالمآل (بما أدّى إليه قولهم) من لزوم نفي الوصف بالمشتق لنفي المشتق منه (وهكذا) الحكم (عند هذا) القائل بالمآل (سائر فرق
[ ٢ / ٥٢٨ ]
أَهْلِ التَّأْوِيلِ مِنَ الْمُشَبِّهَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَمَنْ لم ير أخذهم بمآل قولهم) أي بما يؤول إليه آخر مقولهم (ولا ألزمهم موجب مذهبهم) بفتح الجيم أي مقتضى ما فهم من فحوى كلامهم (لم ير إكفارهم) أي تكفيرهم (قال) أي من لم ير ما سبق (لأنّهم إذا وقّفوا) بصيغة المجهول مشددا أو مخففا أي اطلعوا (على هذا) الذي ذكرنا من أن مآل قولهم عالم ولكن لا علم له نفي علمه تعالى (قالوا لا نقول) على أصلنا (ليس بعالم) سلبا معطلا له تعالى عن العلم بل هو كما قال أبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة عالم بعلم هو ذاته حي بحياة هي ذاته مريد بإرادة هي ذاته لا عالم بعلم ومتكلم بكلام وحي بحياة زائدات على ذاته وهكذا في بقية صفاته (ونحن ننتفي من القول بالمأل الّذي ألزمتموه لنا ونعتقد نحن) معشر المعتزلة (وأنتم) أهل السنة (أنه) أي مآل إليه القول (كفر بل نقول إنّ قولنا) مثلا عالم ولكن لا علم له (لا يؤول إليه) أي انتفاء علمه ﷾ أصلا (على ما أصّلناه) بتشديد الصاد أي جعلناه أصلا وقاعدة فالخلاف لفظي في المآل والله تعالى أعلم بحقيقة الحال (فعلى هذين المأخذين) أي ممن رأى أخذهم بالمآل ومن لم ير أخذهم (اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي إِكْفَارِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ وَإِذَا فهمته) أي التأويل على نسق ما مر من الأقاويل (اتّضح لك الموجب) أي الباعث (والسبب لاختلاف الناس في ذلك) التكفير لاختلافهم في مقام التقرير (والصّواب ترك إكفارهم) كما عليه الجمهور من الأئمة (والإعراض عن الحتم) أي حكم الجزم (عليهم بالخسران) المبين (وإجراء حكم الإسلام عليهم) كسائر المسلمين من حرمة إيذاء وعصمة دم ومال إلا بحق الإسلام (في قصاصهم) لهم ومنهم وحدهم شربا وسرقة وجلدا ورجما وتعزيرا لهم ومنهم (ووراثاتهم ومناكحاتهم ودياتهم) في جراحاتهم منهم ولهم (والصّلوات عليهم) إذا ماتوا وخلفهم إذا أموا (ودفنهم في مقابر المسلمين وسائر معاملاتهم) في الدنيا والدين (لكنّهم يغلّظ عليهم) تعزيرا لهم (بوجيع الأدب) ضربا وحبسا (وشديد الزّجر) من الطرد (والهجر حتّى يرجعوا عن بدعتهم) وينزجر غيرهم بعبرتهم (وهذه) الحالات (كانت سيرة الصّدر الأوّل) من صلحاء الأمة (فيهم) أي في حق أهل البدعة (فقد كان نشأ) بالنون أي ظهر وانتشأ وابتدأ وفشا (عَلَى زَمَانِ الصَّحَابَةِ وَبَعْدَهُمْ فِي التَّابِعِينَ مَنْ قال بهذه الأقوال من القدر) وهو رأي المعتزلة كعبد الله الجهني ومن قال كما في صحيح مسلم به وواصل به عطاء وعمرو بن عبيد (ورأى الخوارج) عن خروجهم على علي وتكفيرهم له وافترائهم عليه لقولهم انزل الله فيه وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ وفي ابن ملجم وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ حتى قال فيه كلبهم عمر بن حطان إذ قتل عليا:
يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوما فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانا
وعارضه بعض أهل السنة بقوله:
[ ٢ / ٥٢٩ ]
يا ضربة من شقي لم يزل أبدا بها عليه إله الحق غضبانا
إني لأعلم أن الله جاعله أوفى البرية عند الله خسرانا
(والاعتزال) لعل المراد به طائفة خاصة من المعتزلة (فما أزاحوا) بالزاء والحاء المهملة أي فما أزال الصدر الأول ما هجرهم (لهم قبرا) متبعدا مفردا متميزا عن مقابر المسلمين وفي نسخة قبورا (ولا قطعوا لأحد منهم ميراثا) أي من مورثه مبتدعا أو غيره (لكنّهم هجروهم) في الكلام والسلام والمقام والطعام (وأدّبوهم بالضّرب والنّفي) أي الاخراج من بلادهم أو الحبس لدفع فسادهم (والقتل) لأرباب عتوهم وعنادهم (على قدر أحوالهم) واختلاف أقوالهم (لأنّهم) باعتقادهم ما يخالف الحق مما لا يكفرون به (فسّاق) لخروجهم عن طاعة الله (ضلّال) عن الحق لعدم قبولهم (عصاة) أي أهل فساد وبغاة (أصحاب كبائر عند المحقّقين) من المجتهدين (وأهل السّنّة) من علماء الدين (ممّن لم يقل بكفرهم) أي بكفر أرباب الآراء الكاسدة واصحاب التأويلات الفاسدة (منهم) أي من العلماء المتقدمين (خلافا لمن رأى غير ذلك) من عدم هجرهم أو لمن رأى اكفارهم وتحتم قتلهم (وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ) الباقلاني (وأمّا مسائل الوعد والوعيد) في قول المعتزلة إنه يجب عليه ﷾ إثابة المطيع وتعذيب العاصي مع أنه ﷾ يقول فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وقولهم يجوز خلف الوعيد لأنه محض كرم مع أنه تعالى قال إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ وقد جعلت في هذه المسألة رسالة مستقلة مسماة بالقول السديد في خلف الوعيد ردا على بعض أهل السنة حيث وافق المعتزلة (والرّؤية) أي رؤية الله ﷾ وفي الدار الآخرة أنكرها المعتزلة (والمخلوق) أي الخلق كالمعقول بمعنى العقل أي خلق القرآن ومعناه أن القرآن مخلوق كما قالوه وقال الدلجي أي وأنكر مخلوقيته له تعالى كالمفوضة إذ قالوا إن الله خلق محمدا وفوض إليه خلق الدنيا فهو الخالق لها بما فيها ومثلهم من أنكر مخلوقية الشر له تعالى وأثبتها للشيطان وأو غيره انتهى ولا يخفى أن هذا المعنى لا يلائم لأنه كفر وزندقة والكلام في اعتقادات أهل البدعة (وخلق الأفعال) كالجبائي وأشياعه حيث اثبتوها للعباد (وبقاء الأعراض) بأنواعها وهو جمع عرض بفتحتين وهو في اصطلاح المتكلمين ما لا بقاء له كالألوان والأشكال والحركة والسكون والحق ما عليه الأشعري واتباعه أنه لا يبقى أكثر من زمن واحد لأنها كلها على التقضي والتجدد كالحركات والأزمنة والأصوات وبقاؤها عبارة عن تجدد أمثالها كلما انقضى واحد تجدد مثله بمجرد ارادته تعالى بوقته الذي خلقه فيه وقد قال ابن عربي بنفي بقاء الذوات أيضا وأن بقاءها في نظر الناظر إنما هو بتجدد أمثاله سريعا في ادبارها واقبالها حتى تختفي حقيقة حالها ومآلها (والتّولّد) الذي قالته المعتزلة وهو أن حركة النظر مثلا في الدليل تولد العلم بالنتيجة عقبها كحركة اليد تولد حركة المفتاح للفتح وقيل إن الآثار التي توجد عقيب أفعال العباد بمجرد العادة كالألم عقيب الضرب والانكسار عقيب الكسر تسميها المعتزلة المتولدة بفتح اللام على صيغة المجهول ويزعمون أنها حاصلة
[ ٢ / ٥٣٠ ]
بإيجاد العبد لا صنع لله تعالى فيها وقال أهل الحق إنها حاصلة بإيجاد الله تعالى وأحداثه لا بفعل العبد واكتسابه والمسألة معروفة في أصول الكلام (وشبهها من الدّقائق) التي يتوهمون أنها من الحقائق كالقول بقيام العرض بالعرض وأمثال ذلك مما أخذوها من كلام الفلاسفة والحكماء (فالمنع في إكفار المتأوّلين فيها أوضح) أي أظهر وأصح من القول بإكفارهم (إِذْ لَيْسَ فِي الْجَهْلِ بِشَيْءٍ مِنْهَا جَهْلٌ بالله تعالى) أي بذاته وصفاته وفيه بحث إذ الوعد والوعيد والرؤية والكلام والخلق من جملة العلوم المتعلقة بصفاته ولعله أراد أنه ليس جهلا بوجوده على ما سبق في كلامه أو ليس جهلا عظيما مما لا يسامح ولا يساهل فيه ويشير إليه قوله (وَلَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِكْفَارِ مَنْ جَهِلَ شيئا منها) انتهى ما نقله عن القاضي أبي بكر ثم قال المصنف (وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ مِنَ الْكَلَامِ وصورة الخلاف في هذا) المرام (ما أغنى عن إعادته) في هذا المقام (بحول الله تعالى) ذي الجلال والإكرام.
فصل [هَذَا حُكْمُ الْمُسْلِمِ السَّابِّ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا الذمي الخ]
(هذا) الذي ذكر سابقا (حكم المسلم السّاب) أي المنتقص (لله تعالى وأمّا الذّمّيّ) وهو الكتابي الذي يعطى الجزية (فَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي ذمّيّ تناول) أي تكلم بما لا يجوز اقدامه عليه (من حرمة الله تعالى) أي مما لا يحل الوقوع فيه (غير ما هو عليه من دينه) أي من الكفر كقولهم عزيز ابن الله والمسيح ابن الله ونحوه (وحاجّ) أي جادل (فِيهِ فَخَرَجَ ابْنُ عُمَرَ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ فَطَلَبَهُ فهرب) وهذا واضح لأنه يتناوله ذلك خرج عن كونه ذميا هنالك (وَقَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ وَالْمَبْسُوطَةِ) بالتاء (وابن القاسم في المبسوط وكتاب محمد) أي ابن المواز (وَابْنِ سُحْنُونٍ مَنْ شَتَمَ اللَّهَ مِنَ الْيَهُودِ) سموا بذلك لقولهم هدنا إليك فيهود بمعنى يتوب وقيل لأنهم نسبوا إلى يهوذا بن يعقوب وهو بذال معجمة وعرب بالمهملة (والنّصارى) سموا بذلك لقولهم نحن أنصار الله وقيل لناصرية اسم قرية (بغير الوجه الّذي كفروا) وفي نسخة كفر أي من إثبات الولد والصاحبة والتثليث (قتل ولم يستتب) أي لم تطلب منه التوبة بالإسلام (قال ابن القاسم إلّا أن يسلم) أي بنفسه فلا يقتل على ما سبق في كلامه (قال في المبسوطة طوعا) أي إلا أن يسلم اختيارا لا جبرا (قال أصبغ) إنما يقتل إذا لم يسلم مع أنه ذمي (لِأَنَّ الْوَجْهَ الَّذِي بِهِ كَفَرُوا هُوَ دِينُهُمْ وعليه عوهدوا) أي أعطوا العهد والذمة (من دعوى الصاحبة والشّريك) للنصارى (والولد) لليهود والنصارى وفي أصل الدلجي وغيرها كشرب الخمر وبيعها وضرب الناقوس انتهى ولا يخفى أنها ليست مما كفروا بها (وأمّا غير هذا) الذي عوهدوا عليه (من الفرية) على الله (والشّتم) أي الانتقاص في حقه ﷾ (فلم يعاهدوا عليه فهو) أي صدوره عنهم (نقض للعهد) الذي عاهدوا (قال ابن القاسم في كتاب محمد) أي ابن المواز وقال الدلجي لعله ابن سحنون وقال التلمساني وهو ابن المواز فقال نسبة للموز واختلف هل لقي ابن القاسم وابن وهب أو لا والصحيح أنه
[ ٢ / ٥٣١ ]
روى عنهما بواسطة (ومن شتم من غير أهل الأذيان) الذي أعطى لهم الامان (اللَّهَ تَعَالَى بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ فِي كتابه قتل إلّا أن يسلم) أي طوعا عند المالكية ومطلقا عند الجمهور وبه قال بعضهم كما تقدم (وَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ فِي الْمَبْسُوطَةِ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم الأولى واللام (وابن أبي حازم) وهم من أصحاب مالك ورواة مذهبه (لا يقتل) أي من شتم الله (حَتَّى يُسْتَتَابَ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا فَإِنْ تاب وإلّا قتل) وهذا أوفق لقاعدتهم من أن حق الله تعالى مما يسامح بخلاف حق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؛ (وقال مطرف) أي ابن عبد الله الفقيه (وعبد الملك) وهو ابن الماجشون (مثل قول مالك) أي في كتاب ابن حبيب وغيره مما هنالك من أنه يقتل ولا يستتاب (وقال أبو محمد بن أبي زيد) أي القيرواني (مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي به كفر قتل إلّا أن يسلم) كما قال ابن القاسم (وقد ذكرنا قول ابن الجلّاب) بفتح الجيم وتشديد اللام وفي آخره موحدة وهو البغدادي الضرير (قبل) أي قبل ذلك (وذكرنا قول عبيد الله) أي ابن يحيى (وابن لبابة) بضم أوله (وشيوخ الأندلسيّين) بفتح الهمزة وضم الدال وتفتح وبضمهما (فِي النَّصْرَانِيَّةِ وَفُتْيَاهُمْ بِقَتْلِهَا لِسَبِّهَا بِالْوَجْهِ الَّذِي كفرت به لله ولرسوله) متعلق بسبها ولعل المراد به اعلانها (وإجماعهم على ذلك) أي على قتلها بفتياهم (وهو) أي إجماعهم المذكور (نحو القول الآخر فيمن سبّ النبيّ ﵊) أي اعلانا به (منهم) أي من الكفار (بالوجه الّذي كفر به) فإنه يقتل إلا أن يسلم طوعا (ولا فرق في ذلك) أي في قتله بالوجه الذي كفر به (بَيْنَ سَبِّ اللَّهِ وَسَبِّ نَبِيِّهِ لِأَنَّا عَاهَدْنَاهُمْ على أن لا يظهروا لنا شيئا من كفرهم وأن لا يُسْمِعُونَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَمَتَى فَعَلُوا شَيْئًا منه فهو نقض لعهدهم) وموجب لقتلهم فيظهر أن منشأ الخلاف بين الأقوال هو العهد به وعدمه في الأحوال (واختلف العلماء في الذّمّيّ إذا تزندق) بإظهار دينه مبطنا عقيدة باطلة في كفر اتفاقا (فَقَالَ مَالِكٌ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ لَا يُقْتَلُ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ كُفْرٍ إِلَى كفر وقال عبد الملك بن الماجشون) صاحب مالك (يقتل لأنّه) أي ما أضمره مما هو كفر اتفاقا (دين لا يقرّ عليه أحد) وينبغي أن يكون هذا هو المعتمد (ولا يؤخذ عليه جزية) كمن انتقل من دين باطل إلى مثله وفي شرح الدلجي قال الشافعي ولا يقر عليه فإن لم يسلم بلغ المأمن وصار حربيا انتهى وهو فرع غريب والصواب أنه حيث تزندق يقتل ولم تقبل توبته كملسلم تزندق بل هو أولى كما لا يخفى (قال ابن حبيب وما أعلم من قاله غيره) من العلماء أن الذمي إذا تزندق يقتل مع أن وجهه ظاهر جدا لأنه يتزندقه خرج عنه كونه ذميا وصار حربيا بل أدون منه لأنه يقبل إسلام الحربي إجماعا ولم يقبل توبة الزنديق عند كثير من العلماء.
فصل [هَذَا حُكْمُ مَنْ صَرَّحَ بِسَبِّهِ وَإِضَافَةِ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ فَأَمَّا مُفْتَرِي الْكَذِبِ الخ]
(هذا) الذي قدمنا (حُكْمُ مَنْ صَرَّحَ بِسَبِّهِ وَإِضَافَةِ مَا لَا يليق بجلاله وإلهيّته) عظم شأنه.
(فَأَمَّا مُفْتَرِي الْكَذِبِ عَلَيْهِ ﵎ بِادِّعَاءِ الإلهيّة) لنفسه أو لغيره (أو الرّسالة) وكذا النبوة
[ ٢ / ٥٣٢ ]
(أَوِ النَّافِي أَنْ يَكُونَ اللَّهُ خَالِقَهُ) أَوْ خالق غيره (أو ربّه) أي مربيه في عالم ظهوره ومدبر جميع أموره (أو قال ليس لي) أو لغيري (رَبٌّ أَوِ الْمُتَكَلِّمُ بِمَا لَا يُعْقَلُ مِنْ ذلك) الذي ذكرناه كله (في سكره) أي حال ذهاب عقله (أو غمرة جنونه) أي شدته (فَلَا خِلَافَ فِي كُفْرِ قَائِلِ ذَلِكَ وَمُدَّعِيهِ مع سلامة عقله) وهذا يناقض قوله غمرة جنونه إلا أن يحمل على غاية حماقته وسوء خلقه وسيجيء مزيد تحقيق لذلك في كلامه (كما قدّمناه لكنّه تقبل توبته على المشهور) من مذهب مالك الموافق للجمهور (وتنفعه إنابته) أي رجوعه وتوبته (وتنجّيه من القتل فيأته) بفتح الفاء وتكسر أي عودته وزواله عن عادته وسوء حالته (لكنّه لا يسلم من عظيم النّكال) بفتح النون أي العقوبة الشديدة في الدنيا (ولا يرفّه) بفتح الفاء المشددة أي لا يخفف غمه ولا ينفس كربه (من) وفي نسخة عنه (شديد العقاب) في مذهب مالك (لِيَكُونَ ذَلِكَ زَجْرًا لِمِثْلِهِ عَنْ قَوْلِهِ وَلَهُ عن العودة لكفره) مع علمه (أو جهله إِلَّا مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ وَعُرِفَ اسْتِهَانَتُهُ) أي عدم مبالاته (بما أتى به) في حالاته (فهو دليل على سوء طويّته) أي ضميره وفساد نيته (وكذب توبته وصار كالزّنديق الّذي لا نؤمن باطنه) لانقلابه (ولا يقبل رجوعه) لعدم ثباته (وحكم السّكران) في هذا الباب (حكم الصاحي) زجرا عليه قياسا على صحة طلاقه (وأمّا المجنون) وهو والمسلوب العقل وفي الحديث أنه مر على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رجل فقالوا هذا مجنون فقال ﵊ لا تقولوا مجنون إنما المجنون المقيم على المعصية ولكن قولوا رجل مصاب قال التلمساني وقيل صوابه لو قال المصاب الذي مس من جنون (والمعتوه) أي المصاب بعقله المخبط في قوله وفعله الناقص في شعوره (فَمَا عُلِمَ أَنَّهُ قَالَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي حال غمرته) أي إغمائه (وذهاب ميزه) أي تمييزه (بالكلية فلا نظر فيه) أي بحكم (وَمَا فَعَلَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي حَالِ مَيْزِهِ وإن لم يكن معه عقله) كملا (وسقط تكليفه) بنقصان عقله (أدّب على ذلك لينزجر عنه) أي عن عوده هنالك (كَمَا يُؤَدَّبُ عَلَى قَبَائِحِ الْأَفْعَالِ وَيُوَالَى أَدَبُهُ) أي يتابع مرارا (على ذلك حتّى ينكفّ عنه) أي ينزجر منه (كما تؤدّب البهيمة على سوء الخلق) من جموح وعض ونحوهما (حتّى تراض) بصيغة المجهول أي حتى يستقيم طبعها (وَقَدْ أَحْرَقَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ من ادّعى له الإلهيّة) وهو عبد الله بن سبأ وأتباعه إذ قال له أنت الإله حقا فنفاه إلى المدائن وزعم أن ابن ملجم لم يقتله وإنما قتل شيطانا تصور بصورته وهو في السحاب سوطه البرق وصوته الرعد وإذا سمعوه قالوا السلام عليك يا أمير المؤمنين قالوا وسينزل ويملأ الأرض عدلا انتهى ما ذكره الدلجي ولا يخفى المناقضة بين نقله وكلام المصنف وقال التلمساني من ادعى له الألوهية فرقة من غلاة الروافض وهم من اتباع عبد الله بن سبأ وكان يزعم أن عليا هو الله وقد أحرق علي رضي الله تعالى عنه منهم جماعة زاد الأنطاكي وقال علي رضي الله تعالى عنه
أني إذا رأيت أمرا منكرا اججت نارا ودعوت القنبرا
[ ٢ / ٥٣٣ ]
(وقد قتل عبد الملك بن مروان) أي ابن الحكم بن أبي العاص بن أبي أمية كان معاوية جعله على ديوان المدينة وهو ابن ست عشرة سنة وولاه أبوه مروان هجر ثم جعله خليفة بعده وكانت خلافته بعد أبيه سنة خمس وستين توفي عبد الملك بدمشق سنة ست وثمانين (الحارث) أي ابن سعيد (المتنبّي) الكذاب (وصلبه وفعل ذلك) أي مثل ذلك (غير واحد من الخلفاء) أي من بني أمية والعباسيين (والملوك) المتغلبين من الأمراء والسلاطين (بأشباههم) من الشياطين (وأجمع علماء وقتهم على تصويب فعلهم والمخالف في ذلك) الفعل (من كفرهم) أي من جهته (كافر) لجحده كفرهم (وأجمع فقهاء بغداد أيّام المقتدر بالله) جعفر بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن طلحة الموفق بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد (من المالكيّة) بيان لمن أجمع من فقهاء بغداد (وَقَاضِي قُضَاتِهَا أَبُو عُمَرَ الْمَالِكِيُّ عَلَى قَتْلِ الحلّاج) وهو حسين بن منصور الحلاج المشهور من أهل البيضاء بلدة بفارس ونشأ بواسط والعراق صحب ابا القاسم الجنيد وغيره (وصلبه لدعواه الإلهيّة والقول بالحلول) كغيره من المتصوفة المتصفة بسمة الإسلام من الوجودية وغيرهم قالوا إن السالك إذا وصل فربما حل الله فيه كالماء في العود الأخضر بحيث لا تمايز ولا تغاير ولا اثنينية وصح أن يقول هو أنا وأنا هو مع امتناعه حقيقة لصيرورة أحد شيئين بعينه الآخر والآخر بعينه هو لحكم العقل ضرورة بدون احتياج إلى حجة ولا يمتنع مجازا بأن يكون بطريق واحدة إما اتصالية كجمع مائين في إناء واحد أو اجتماعية كامتزاج ماء وتراب حتى صار طينا وإما بطريق كون وفساد كصيرورة ماء بالغليان هواء واحدا أو استحالة أي تغير كصيرورة جسم بعد كونه سوادا بياضا أو عكسه وهذا كله في حق الله تعالى محال لتنزهه عن الحلول والاتصال والانفصال وما للتراب ورب الأرباب وإنما هو انعكاس نور من أنواره وسر من أسراره يلمح في قلب السالك المتصف بالتخلية والتحلية وكمال التصفية فقد يتوهم أنه حل فيه كما يتوهم الطفل أنه يرى الشمس في الماء (وَقَوْلِهِ أَنَا الْحَقُّ مَعَ تَمَسُّكِهِ فِي الظَّاهِرِ) من حاله (بالشّريعة) في سائر أقواله وأفعاله حتى قيل إنه كعادته كل ليلة يصلي الف ركعة في الحبس (ولم يقبلوا توبته) بمقتضى مذهب المالكية مع أن قوله أنا الحق ليس بظاهر في دعوى الألوهية لأن الحق يأتي بمعنى الثابت وضد الباطل هذا وقد اعتذر الغزالي في مشكاة الأنوار عن الألفاظ الي كانت تصدر منه قيل ضرب الحلاج بأمر المقتدر ألف سوط وقطعت أطرافه وجز رأسه وأحرقت جثته وكان ذلك نهارا لثلاثاء لسبع بقين من ذي القعدة سنة تسع وثلاثمائة قيل إنه لما صلب جرى دمه في الأرض وينتقش الله الله قال القطب الرباني الشيخ عبد القادر الجيلاني عثر الحلاج فلم يجد من يأخذ بيده ولو أدركته لأخذت بيده ويقال إنه قال يوما للجنيد أنا الحق فقال له الجنيد أنت بالحق أي خشية تفسد فكوشف فيه لما يؤول حاله من الصلب قال بعضهم والدليل على صحة باطنه أنه كان يقطع يداه ورجلاه وهو يقول حسبي الواحد بإفراد الواحد وقد زار قبره بعض أهل الكشف فرأى نورا ساطعا من قبره إلى السماء
[ ٢ / ٥٣٤ ]
فقال يا رب ما الفرق بين قوله وبين قوله فرعون أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى فألهم أن فرعون رأى نفسه وغاب عنا وهذا رآنا وغاب عن نفسه واستدل بعضهم على كفره بما حكى عنه أنه كان يقول من هذب نفسه بالطاعة وصبر عن اللذة والشهوة وصفا حتى لا يبقى فيه شائبة من البشرية حل فيه روح الإله كما حل في عيسى ﵊ قيل ولا يريد بذلك ما يعتقده النصارى في عيسى والله تعالى اعلم وإنما أراد أن تكون أفعاله كلها فعل الله تعالى كما يشير إليه الحديث القدسي والكلام الأنسي لا يزال العبد يتقرب إلى النوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ويده الحديث هذا وإن صحت توبته فلا شك أنه عاش سعيدا ومات شهيدا وأما ما ذكره التلمساني من أنه وجد له كتاب كتبه إلى اتباعه عنوانه ممن هو رب الأرباب إلى عبده فلان واتباعه كانوا يكتبون إليه يا ذات الذات ومنتهى غاية اللذات نشهد أنك تتصور فيما شئت من الصور وأنك الآن منصور في صورة الحسين بن منصور ونحن نستجير بك ونرجو رحمتك يا علام الغيوب فلو صح هذا النقل لم يبق مجملا وقد أفرد ابن الجوزي ترجمته بالتأليف في كراسين أو أكثر (وكذلك حكموا) أي فقهاء بغداد من المالكية (في ابن أبي العزافير) بمهملة فزاء وبعد الألف قاف فراء وفي نسخة بزيادة تحتية ساكنة بين القاف والراء وفي أصل التلمساني بغين معجمة وراء فألف فقاف فياء فدال مهملة قال وروي العزاقيد بعين مهملة وزاء وآخره دال مهملة (وَكَانَ عَلَى نَحْوِ مَذْهَبِ الْحَلَّاجِ بَعْدَ هَذَا) أي متأخرا عنه وفعل به مثل ما فعل بالحلاج واسمه أبو جعفر محمد بن علي يقال له السمعاني نسبة إلى قرية بنواحي واسط وكان ظهوره سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة أحدث مذهبا في الرفض ببغداد ثم قال بالتناسخ وحلول الإلهية فيه وأضل جماعة فقبض عليه الوزير ابن مقلة (أيّام الرّاضي بالله) أبي العباس أحمد بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر (وقاضي قضاة بغداد يومئذ) وروي إذ ذاك (أبو الحسين بن أبي عمر المالكيّ) وهو محمد بن يوسف المذكور قبل فأحضر الملعون في مجلس الخلافة بحضرة القضاة والعلماء وحكم بإباحة دمه واحراقه (وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي الْمَبْسُوطِ مَنْ تَنَبَّأَ قُتِلَ؛ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مَنْ جَحَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُهُ أَوْ رَبُّهُ أَوْ قَالَ لَيْسَ لِي رَبٌّ فَهُوَ مُرْتَدٌّ) أي لا زنديق فيستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ (وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ ومحمد) أي قال (فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ تَنَبَّأَ يُسْتَتَابُ أَسَرَّ ذَلِكَ أو أعلنه وهو كالمرتدّ وقاله) أي مثل مقاله (سحنون وغيره وقاله) أي مثل ذلك (أشهب في يهوديّ تنبّأ) ولم يدع الرسالة (وادّعى أنه رسول إلينا) أو إلى غيرنا (إن كان معلما بذلك استتيب فإن تاب وإلّا قتل) ومفهومه أنه إن كان مسرا لا يستتاب ويقتل لكونه زنديقا، (وقال أبو محمد بن أبي زيد فمن لعن بارئه) أي خالقه خلقا بريئا من التفاوت (وادّعى أنّ لسانه زلّ) أي زلق وأخطأ (وَإِنَّمَا أَرَادَ لَعْنَ الشَّيْطَانِ يُقْتَلُ بِكُفْرِهِ وَلَا يقبل عذره) وهذا خلاف ما سبق من القول ولهذا قال (وهذا) الذي ذكرناه مبني (على القول الآخر) بفتح الخاء أو كسرها (مِنْ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَقَالَ أَبُو الحسن القابسيّ في سكران) يصرف ويمنع (قَالَ: أَنَا اللَّهُ أَنَا اللَّهُ إِنْ تَابَ
[ ٢ / ٥٣٥ ]
أدّب) ولم يقتل (فَإِنْ عَادَ إِلَى مِثْلِ قَوْلِهِ طُولِبَ مُطَالَبَةَ الزّنديق لأنّ هذا كفر المتلاعبين) المستترين للكفر في لباس منكر فيقتل ولا تقبل توبته والله ولي التوفيق.
فصل (وأمّا من تكلّم من سقط القول)
بفتح السين والقاف أي رديئه (وسخف اللّفظ) بضم أوله أي دنيئه (ممّن لم يضبط كلامه) لجهله (وأهمل لسانه) لخفة عقله (بما يقتضي الاستخفاف) أي التهاون (بعظمة ربّه) أي ذاته (وجلالة مولاه) من جهة صفاته (أو تمثّل في بعض الأشياء) أي جعله مثلا أو شبها (ببعض ما عظّم الله من ملكوته) كقول قائل:
لبيت فلان كعبة الجود فائضا يطوف به العافون يبغون نائله
(أو نزع) بفتح الزاء أي أخذ (من الكلام لمخلوق) وخاطبه (بِمَا لَا يَلِيقُ إِلَّا فِي حَقِّ خَالِقِهِ) كقول قائل لعظيم من الأنام يا ذا الجلال والإكرام وكما لو ناداه رجل باسمه فأجابه بقوله لبيك اللهم لبيك (غير قاصد للكفر والاستخفاف) أي الاستهانة بربه (ولا عامد للإلحاد) من فساد الاعتقاد المقتضي للحلول أو الاتحاد (فإن تكرّر هذا منه وعرف به) بأنه يصدر عنه (دَلَّ عَلَى تَلَاعُبِهِ بِدِينِهِ وَاسْتِخْفَافِهِ بِحُرْمَةِ رَبِّهِ) وقلة يقينه (وجهله بعظيم عزّته) أي غلبة ربه وبهائه (وكبريائه وهذا) الذي دل على تلاعبه (كفر لا مرية فيه) لتماديه واصراره على مقاله (وكذلك إن كان ما أورده يوجب) وفي نسخة يقتضي (الاستخفاف والتّنقّص) وروي التنقيص (لربّه وقد أفتى ابن حبيب) قال الحلبي الظاهر إنه عبد الملك بن حبيب القرطبي وقد تقدم (وأصبغ) بفتح الهمزة والموحدة وفي آخره معجمة (ابن خليل) يروي عن يحيى بن يحيى الليثي ذكره الذهبي في الميزان فقال متهم بالكذب مات سنة ثلاث وسبعين ومائتين قال وحدثني شيخ المالكية أبو عمرو السعدي أنه بلغه أن أصبغ هذا قال لأن يكون في كتبي رأس خنزير أحب إلي من أن يكون فيها مصنف أبي بكر بن أبي شيبة أو كما قال وروى أصبغ بن خليل هذا عن المغازي ابن قيس عن سلمة بن وردان عن ابن شهاب عن الربيع بن خيثم عن ابن مسعود قال صليت خلف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر ثنتي عشره سنة وخلف عثمان ثنتي عشرة سنة وخلف علي بالكوفة خمس سنين فلم يرفع أحد منهم يديه إلا في تكبيرة الافتتاح وحدها قال القاضي عياض في المدارك فوقع في خطأ عظيم بين من وجوه منها أن سلمة بن وردان لم يرو عن الزهري ومنها أن الزهري لم يرو عن الربيع ابن خيثم ومنها قوله عن ابن مسعود صليت خلف علي بالكوفة خمس سنين وقد مات ابن مسعود في خلافة عثمان بالإجماع (مِنْ فُقَهَاءِ قُرْطُبَةَ بِقَتْلِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ أَخِي عجب) وفي نسخة بابن من أخته عجب وعجب لا ينصرف للعلمية والتأنيث المعنوي لأنه اسم عمه المعروف المذكور واسمه يحيى بن زكريا وقد تجبر وعتا (وَكَانَ خَرَجَ يَوْمًا فَأَخَذَهُ الْمَطَرُ فَقَالَ بَدَأَ) بالألف أي ظهر وفي نسخة بالهمز أي ابتدأ (الخرّاز) بخاء معجمة وراء مشددة وفي آخره
[ ٢ / ٥٣٦ ]
زاء (يرشّ) بضم الراء وتشديد المعجمة (جلوده) وفي نسخة بحرف جر وما بعده بصيغة المصدر المضاف إلى جلوده، (وكان بعض الفقهاء بها) أي بقرطبة (أبو زيد) كان الظاهر أبا زيد ليكون خبر كان وكان بعض الفقهاء في قوة من الفقهاء وهو محمد بن زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن خارجة ولا يبعد أن يكون أبو زيد بدل بعض من بعض الفقهاء وخبر كان قوله (صاحب الثّمانية) بمثلثة مضمومة وياء مشددة ولعلها بلدة أو قرية وكان أميرا عليها أبو زيد خبر مبتدأ محذوف أي هو يعني ذلك البعض أبو زيد (وعبد الأعلى بن وهب) مات سنة إحدى وستين ومائتين (وأبان بن عيسى) فعال أو أفعل فيصرف أو يمنع والأكثر منعه (قد توقّفوا عن سفك دمه) فلم يقدموا على شيء من قتل وعدمه (وأشاروا إلى أنه) أي مقوله (عبث من القول) أي لعب ومزح في تشبيهه (يكفي فيه الأدب وأفتى بمثله) أي بمثل ما أشاروا به (الْقَاضِي حِينَئِذٍ مُوسَى بْنُ زِيَادٍ فَقَالَ ابْنُ حبيب: دمه في عنقي) أي في قتله متعلق بذمتي وفي عدتي أطالب به يوم القيامة، (أيشتم ربّ) وفي نسخة ربا (عبدناه ثمّ لا ننتصر له) أي لا ننتقم لأجل رضاه (إنّا إذا) بالتنوين أي إن لم ننصره (لعبيد سوء ما نحن له بعابدين) حق عبادته في أمر الدين؛ (وبكى) بكاء الحزين قال الدلجي وإن تعجب فعجب من ابن حبيب إذ أفتى حين شهد على أخيه حين قال كما مر لَقِيتُ فِي مَرَضِي هَذَا مَا لَوْ قَتَلْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ أَسْتَوْجِبْ هَذَا كُلَّهُ بعدم قتله مع ما يتضمنه قوله من نسبة الجور والظلم إليه تعالى فكأنه قال غاية أمري لو قتلتهما قتلت بهما ولم استوجب ما عاقبني الله به في مرضي هذا (ورفع المجلس) المنعقد لهذا القول (إلى الأمير بها) أي بقرطبة (عبد الرّحمن بن الحكم الأمويّ) بفتح الهمزة وتضم نسبة إلى بني أمية (وكانت عجب عمّة هذا المطلوب) للقتل أو التعزير (من حظاياه) بالظاء المعجمة أي من أقرب حلائله منه وأسعدهن به (وأعلم) بصيغة المجهول (بِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فَخَرَجَ الْإِذْنُ مِنْ عِنْدِهِ بِالْأَخْذِ لقول ابن حبيب وصاحبه) أصبغ بن خليل (وأمر بقتله فقتل وصلب بحضرة) وفي نسخة بمحضر (الفقيهين) أي ابني حبيب وخليل (وعزل القاضي) موسى بن زياد (لتهمته بالمداهنة) أي المصانعة والملاينة (في هذه القصّة) وفي نسخة القضية (ووبّخ) بتشديد الموحدة فخاء معجمة أي هدد (بقيّة الفقهاء وسبّهم) لتوقفهم عن سفك دمه مع وضوح كفره. (وأمّا من صدرت عنه) وفي نسخة منه (الهنة) بتخفيف النون أي المقالة الفبيحة (الواحدة والفلتة الشّاردة) بفتح الفاء أي الزلة الصادرة النادرة (ما لم يكن تنقّصا وإزراء) أي احتقارا (فَيُعَاقَبُ عَلَيْهَا وَيُؤَدَّبُ بِقَدْرِ مُقْتَضَاهَا وَشُنْعَةِ مَعْنَاهَا) بضم أوله أي شناعة مبناها وبشاعة معناها (وصورة حال قائلها وشرح سببها) الباعث عليها وفي نسخة سبيلها أي طريقها (ومقارنها) الذي جر الكلام إليها؛ (وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ ﵀ عَنْ رَجُلٍ نَادَى رَجُلًا بِاسْمِهِ فَأَجَابَهُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لبّيك قال فإن كان جاهلا) بتفصيل معتقده (أو قاله على وجه سفه) أي خطأ لا عن اعتقاد (فلا شيء عليه) أي من القتل ونحوه وفيه بحث فإن ظاهره الكفر ولعله حمل الكلام على أنه قابل أن يكون لبيك الأول جوابا له
[ ٢ / ٥٣٧ ]
ثم قوله اللهم لبيك قاله التفاتا كما يقول كثير من الجهلة والعامة عند استلام الحجر اللهم صلّ على نبي قبلك وسببه أنه سمع اللهم صل على نبي من قبلك وكذا صلى الله على نبي من قبله وكلاهما صحيح فلفق هذا القائل بين الكلامين من غير فرق لجهله بين المقامين والحاصل أنه لا بد من أن يردع ويزجر هنالك ليكف عن ذلك (قال القاضي أبو الفضل) أي المصنف (وشرح قوله) أي لا شيء عليه (أنّه لا قتل عليه) لا أنه لا يؤدب ولا يضرب بقدر ما يليق إليه (والجاهل يزجر) عن عود (ويعلّم) ما يجهله (والسّفيه) أي القليل العقل (يؤدّب ولو قالها) أي المجيب كلمة لبيك اللهم لبيك (على اعتقاد إنزاله) أي المجاب (منزلة ربّه) الذي هو رب الأرباب ورب العالمين من جميع الأبواب (لكفر، هذا) الحكم بكفره (مقتضى قوله) بحسب ظاهره وقيل هذا مقتضى قول ابن القاسم وقد بلغني عن بعض الوجودية أنه سمع نباح كلب فقال لبيك اللهم لبيك فهذا كفر صريح ليس له تأويل صحيح فإن المستحب أن يقال لإنسان نادى أحدا في جوابه لبيك كما ورد في السنة بخلاف ما إذا سمع الإنسان صوت كلب فإنه يستحب له أن يتعوذ بالله فإنه إنما ينج إذا رأى شيطانا كما ثبت في الحديث (وقد أسرف) أي تجاوز عن الحد (كثير من سخفاء الشّعراء) أي جهلائهم (ومتّهميهم في هذا الباب) أي باب الديانة لكثرة ما وقع منهم من التهاون في الأمور والخفة (واستخفّوا) أي استهانوا (عظيم هذه الحرمة) أي حرمة الله ﷾ (فأتوا) أي سخفاء الشعراء (من ذلك) النوع من الكلام (بما ننزّه كتابنا ولساننا وأقلامنا) وكذا اسماعنا وأفهامنا (عن ذكره) لشناعة مبناه وبشاعة معناه (ولولا أنّا قصدنا) أي أردنا (نصّ مسائل) أي صريحها وفي نسخة قص مسائل أي حكايتها وروايتها (حكيناها) لبيان ما تتعلق به من روايتها (لما ذكرنا شيئا منها) اعراضا عنها (مِمَّا يَثْقُلُ ذِكْرُهُ عَلَيْنَا مِمَّا حَكَيْنَاهُ فِي هذه الفصول) المتقدمة، (وأمّا ما ورد في هذا) الباب (من أهل الجهالة) بمنطق الصواب (وأغاليط اللّسان) في ميدان البيان (كقول بعض الأعراب) مما لا يجوز نسبته إلى رب الأرباب (ربّ العباد) بالنصب على حذف حرف النداء (ما لنا ومالكا) أي لك والألف للإشباع وما فيهما للاستفهام إنكار وهو محل الجهالة في الكلام لأنه من كلام الأكفاء لا سيما وفيه قبح أشنع من الأول هو أن ما استفهام إنكار وهو مقام الأقوياء على الضعفاء (قد كنت تسقينا) بفتح أوله وضمه (فما بدا لكا) أي فما ظهر لك الآن حتى ما تسقينا كدأبك معنا وهذا أيضا موضع الجهالة ومحل الضلالة لأن البداء عيب في الحال وهو على الله من المحال لأنه في أصله أن يفعل الإنسان فعلا ثم يظهر له ما هو أفضل منه وهذا يتصور من البشر لا من خالق القوي والقدر ولم يقل بالبداء إلا اليهود قاتلهم الله أنى يؤفكون (أنزل علينا الغيث لا أبالكا) قال ابن الأثير هو أكثر ما يستعمل في المدح أي لا كافي لك غير نفسك وقد يذكر ذلك في معرض الذم وقد يذكر في معرض التعجب ودفعا للعين انتهى وحاصله أنه ليس بكفر صريح في المبنى قال وسمع سليمان بن عبد الملك رجلا من الأعراب في سنة مجدبة يقول رب العباد فذكره إلى آخره فحمله سليمان على أحسن محمل
[ ٢ / ٥٣٨ ]
وقال أشهد أن لا أباله ولا صاحبة ولا ولد انتهى وفيه إيماء إلى أنه من باب الاكتفاء قال التلمساني ووقع في كثير من كلام خيار المسلمين من الصحابة والتابعين ما هو على أصل لغة الحجاز في استعمال المجاز ومنه قول أبي عامر الأشعري وروى لعبد الله بن رواحة
فاغفر فداء لك ما اقتفينا ووجه ذلك أن الفداء إنما يكون فيمن تلحقه المقدرة والله ﷾ منزه عنه فيحاشى منه واختلف فقيل على مجاز كلام العرب ومبناه ولا يلتفت إلى حقيقة معناه وقيل أراد بالتفدية التعظيم لأن الإنسان لا يفدي إلا من يعظم فيكون فيه معنى التجريد أو معناه أبذل نفسي ومن يعز علي في رضاك وقيل روي
فاغفر لنا فداك ما اقتفينا وهو بين ويحتمل أن قوله فاغفر البيت ليس من الكلام الأول وإنما هو للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ومعناه أنه سأل النبي ﵇ أن يغفر له ما قصر في حقه والقيام به والتفدية عليه صحيحة ومنه:
فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم فداء
(في أشباه لهذا) الشعر (من كلام الجهّال) نثرا ونظما (ومن) أي ومن كلام من (لم يقوّمه) أي يعدله (ثقاف تأديب الشّريعة) بكسر المثلثة وبالقاف أي ما يسوي ويقوم به الرماح ثم استعير للزواجر التي ورد بها الشرع (والعلم في هذا الباب) المتعلق بتعظيم رب الأرباب (فقلّما يصدر) مثل ذلك (إلّا من جاهل يجب تعليمه) على الناس كما يجب عليه تعلمه (وَزَجْرُهُ وَالْإِغْلَاظُ لَهُ عَنِ الْعَوْدَةِ إِلَى مِثْلِهِ) وهذا التأديب على نسق الترتيب كما يشير إليه قوله ﷾ ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَابِيُّ وَهَذَا تَهَوُّرٌ مِنَ القول) أي مبالغة في المجاوزة عن الاستقامة (والله منزّه عن هذه الأمور) لأنه ﷾ كما ورد يحب معالي الأمور ويبغض سفسافها (وقد روينا) بصيغة الفاعل أو المفعول مخففا وقيل مشددا (عن عون بن عبد الله) بن عتبة الهذلي الكوفي الزاهد (أَنَّهُ قَالَ لِيُعَظِّمْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ أَنْ يَذْكُرَ اسمه في كلّ شيء) من طيب وخبيث بل يخصه بالطيب فإن الله طيب يحب الطيب قد قال تعالى الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ (حتّى لا يقول أخزى الله الكلب وفعل) أي الله (به كذا وكذا) من المكروهات (وكان بعض من أدركنا من مشايخنا) المالكية (قلّما يذكر اسم الله تعالى) ما صدرية لا نافية كافة كما اختاره التلمساني (إلّا فيما يتّصل بطاعته وكان) أي لك البعض (يقول للإنسان) إذا دعا له (جزيت خيرا) بصيغة المجهول (وَقَلَّمَا يَقُولُ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا إِعْظَامًا لِاسْمِهِ تعالى أن يمتهن) أي يستعمل بكثرة (في غير قربة) ولا يخفى أن الدعوة للأخ المسلم قربة وقد ورد من صنع إليه معروف فقال لفاعله جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء رواه الترمذي والنسائي وابن
[ ٢ / ٥٣٩ ]
ماجه وابن حبان في صحيحه عن اسامة ونظير هذا ما ذكره التلمساني عن ابن عرفة في تفسيره أن بعضهم كان يكره أن يقال للسائل يفتح الله تنزيها لاسم الله تعالى أن يذكره لمن يكره سماعه وإنما يقول ما حضر لك في الوقت شي أو نحوه أقول السائل لم يكره سماع اسم ربه نعم إنما يكره حرمانه وهو يحصل بأي مقال يقال في جوابه فالدعاء أولى له فإنه ربما يفرح به بدعائه أكثر من عطائه ثم قيل لابن عرفة قال المفسرون في قوله تعالى وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا إن القول الميسور أن يقول لهم رزقنا الله وإياكم من فضله فقال ابن عرفة الكراهة لا تنافي الإباحة انتهى وفساده ظاهر لا يخفى لأن الأمر في الآية للاستخفاف والكراهة غير ثابتة في هذا الباب؛ (وحدثنا الثقة) أي بعض من أثق به في الرواية (أنّ الإمام أبا بكر الشّاشيّ) قال الحلبي الظاهر أنه محمد بن علي بن إسماعيل القفال الكبير الشافعي والشاش مدينة بما رواء النهر قال العبادي فيه أفصح الأصحاب قلما وأثبتهم في دقائق العلوم قدما واسرعهم بيانا وأثبتهم جنانا وأعلاهم إسنادا وأرفعهم عمادا توفي سنة خمس وستين وثلاثمائة (كان يعيب على أهل الكلام) أي علماء أصول الدين (كثرة خوضهم فيه) أي في ذاته (تَعَالَى وَفِي ذِكْرِ صِفَاتِهِ إِجْلَالًا لِاسْمِهِ تَعَالَى ويقول هؤلاء) أي أهل الكلام (يتمندلون بالله) أي يتداولونه ويتناولونه كالمنديل بكثرة تدول ألسنتهم له في الأقاويل (جلّ) أي جلاله (وعز) كماله وهذا مخالف للكتاب والسنة جيث قال الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وقال وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِراتِ وفي الحديث أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقولوا مجنون رواه أحمد في مسنده وأبو يعلى الموصلي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه والبيهقي في شعبه عن أبي سعيد وفي رواية لأحمد أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقول المنافقون أنكم مراؤون وقد ورد من أحب شيئا أكثر ذكره رواه الديلمي عن عائشة رضي لله تعالى عنها والأحاديث في هذا أكثر من أن تذكر وقد صح عن رئيس أهل التحقيق أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ليتني كنت أخرس إلا عن ذكر الله ولله در القائل:
أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره هو المسك ما كررته يتضوع
هذا وعن بعض التابعين أنه كانت له بضاعة يتجر فيها فقيل له في ذلك فقال لولاها لتمندل بي بنو العباس أي لابتذلوني بالتردد إليهم لطلب ما لديهم وأغرب منه قوله (وينزّل) أي الشاشي (الكلام) وفي نسخة بصيغة المجهول (في هذا الباب) أي باب كثرة الكلام في اسمه ﷾ (تنزيله في باب سابّ) وفي نسخة سب (النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على الوجوه الّتي فصّلناها) من قتله وصلبه وحبسه وضربه وفي أنه لا ملائمة بين من تمندل بالله ومن سب نبيه نعم يلزم على زعم هذا القائل إن المحدثين لكثرة خوضهم في ذكر سيد المرسلين ينزلون في باب سب النبي وحاشاهم من ذلك لعلو مرتبتهم هنالك بل هذا
[ ٢ / ٥٤٠ ]
القائل هو الأحق بأن يلحق بمن سب الحق عند المحقق (والله الموفّق) نعم ذم السلف الكرام أهل الكلام من حيث إنهم يتعلقون بذات الله تعالى وصفاته العلية بالأدلة العقلية والقواعد الفلسفية وقد قال الله تعالى وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا وورد عنه ﵊ لا تتفكروا في ذات الله وتفكروا في مصنوعاته وقد بسطت الكلام على هذا المرام في شرح الفقه الأكبر فتأمل وتدبر.
فصل (وَحُكْمُ مَنْ سَبَّ سَائِرَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وملائكته)
أي جميعهم (وَاسْتَخَفَّ بِهِمْ أَوْ كَذَّبَهُمْ فِيمَا أَتَوْا بِهِ) من وحيهم وفعلهم (أو أنكرهم) أي وجودهم (وجحدهم) أي نزولهم كقول مالك بن الصيف ما انزل الله على بشر من شيء حين قال له النبي ﵊ أليس في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين قال نعم قال فأنت الحبر السمين فمن صدر منه شيء من ذلك فحكمه (حكم نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم على مساق ما قدّمناه) أي نهجه وسبيله في وجوب قتله كفرا إن لم يتب وحدا إن تاب كما هو مذهب مالك في هذا الباب (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ بشرا وملكا (وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ [النِّسَاءِ: ١٥٠]) إيمانا وكفرا (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ) كاليهود كفروا بعيسى ومحمد وكالنصارى كفروا بمحمد (الآية) أي ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا متوسطا بين الإيمان والكفر أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (وقال تعالى) بالخطاب العام (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا) أي من القرآن (وَما أُنْزِلَ) أي من الصحف (إِلى إِبْراهِيمَ الآية) وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط أي أولادهم وأحفادهم من الأنبياء وما أوتي موسى وعيسى من التورية والإنجيل وما أوتي النبيون من ربهم كالزبور لداود (إِلَى قَوْلِهِ: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [البقرة: ١٣٦]) في الإيمان لا في التفصيل (وقال) أي الله تعالى آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون (كُلٌّ) أي كلهم أو كل واحد منهم (آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) إيمانا إجماليا قائلين (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٥]) بل نؤمن بكلهم ونعتقد أن بعضهم أفضل من بعض وأن نجهل تفضيل بعضهم (قاله) وفي نسخة قَالَ (مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ وَمُحَمَّدٍ) هو ابن المواز كما جزم به الحلبي وقال الدلجي لعله ابن سحنون (وقاله ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ) وفي نسخة وابن عبد الملك (وأصبغ) أي ابن الفرج (وسحنون فيمن شتم الأنبياء) أي عموما (أو أحدا منهم) أي خصوصا (أو تنقّصه قتل ولم يستتب) أي إذا كان مسلما (وَمَنْ سَبَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ قُتِلَ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ وَرَوَى سُحْنُونٌ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ من سبّ الْأَنْبِيَاءَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي كفروا به) وفيه أنه ليس سب الأنبياء في وجه من الوجوه التي كفروا بها فلا يحتاج إلى هذا القيد الزائد على ما
[ ٢ / ٥٤١ ]
قبله (ضرب عنقه إلّا أن يسلم) وفي المبسوطة قيده بقوله طوعا (وقد تقدّم الخلاف في هذا الأصل) أي فيمن سب الله تعالى بغير هذا الوجه فقال ابن القاسم في كتاب محمد إلا أن يسلم كما هنا وقال المخزومي في المبسوط وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ وَابْنُ أَبِي حَازِمٍ لَا يقتل حتى يستتاب مسلما أو كافرا فإن تاب وإلا قتل وهذا هو الصواب ولكن لا يخفى أن الذمي بسب الله أو أحد من أنبيائه يخرج عن كونه ذميا ويصير حربيا فإن أسلم سلم وإلا قتل فليس قوله تاب على ظاهره من التوبة عن سبه مع بقائه على ذمته (وقال القاضي بقرطبة) بضم القاف والطاء (سعيد بن سليمان) وفي نسخة ابن عبد الرحمن (في بعض أجوبته) لبعض اسئلته (من سبّ الله وملائكته أو انبياءه قتل) أي مطلقا إلا أن يسلم، (قال سحنون من شتم ملكا من الملائكة) معينا أو مبهما (فعليه القتل) واجب، (وفي النّوادر) لابن أبي زيد (عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ قَالَ إِنَّ جِبْرِيلَ أَخْطَأَ بالوحي) بتأديته إلى محمد (وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ استتيب فإن تاب وإلّا قتل) لكفره بافترائه على أمين الوحي وتجهيله الله ﷾ وإنكاره نبوة محمد وإثبات نبوة علي (ونحوه عن سحنون) منقول (وهذا) القول بتخطئة جبريل (قَوْلُ الْغُرَابِيَّةِ مِنَ الرَّوَافِضِ سُمُّوا بِذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ كان النبيّ أشبه بعليّ من الغراب بالغراب) والذباب بالذباب وقد أبطلنا قولهم فيما سبق من باب الكتاب (وقال أبو حنيفة وأصحابه على أصلهم) المعتمد عندهم وجمهور أهل العلم (مَنْ كَذَّبَ بِأَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ تَنَقَّصَ أحدا منهم أو برئ منه) أي تبرأ من أحد منهم (فهو مرتدّ) يقتل إن لم يتب (وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ فِي الَّذِي قَالَ لآخر كأنّه) أي وجهه (وجه مالك) أي خازن النار وفي نسخة وجه ملك (الغضبان لو عرف) من قرائن قاله أو حاله (أنه قصد ذمّ الملك قتل) بخلاف ما إذا أراد تشبيهه به من حيث الهيبة والخشية (قال القاضي أبو الفضل) أي المصنف (وهذا كلّه فيمن تكلّم فيهم) أي في الأنبياء والملائكة (بما قلناه على جملة الملائكة والنّبيين) أي عموما أو إجمالا بأن شتم نبينا أو ملكا غير معين (أَوْ عَلَى مُعَيَّنٍ مِمَّنْ حَقَّقْنَا كَوْنَهُ مِنَ الملائكة والنّبيّين ممّن نصّ الله تعالى عليه) أي على كونه نبيا أو ملكا (فِي كِتَابِهِ أَوْ حَقَّقْنَا عِلْمَهُ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ والمشتهر) بفتح الهاء وكسرها أي المشهور عند أئمة الحديث (المتفّق عليه) أي على صحته (بالإجماع) الظاهر أو بالإجماع (القاطع) أي مما لا خلاف فيه أنه منهم (كجبريل وميكائيل) قال الله تعالى مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ وفيهما قراآت معروفة (ومالك) في قوله تعالى وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ (وخزنة الجنّة وجهنم) في قوله تعالى وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ (والزّبانية) في قوله تعالى فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ من الزبن وهو الدفع (وحملة العرش) في قوله تعالى الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وهم ثمانية فقيل صفوف وقيل ألوف وقيد صنوف وقيل ثمانية أنفس وقيل هم الآن أربعة وتزيد يوم القيامة أربعة وهو ظاهر قوله تعالى وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (المذكورين في
[ ٢ / ٥٤٢ ]
القرآن) كما حررنا مواضعها في البيان (من الملائكة) المسطورين (ومن سمّي فيه من الأنبياء) أي كآدم وإدريس ونوح وهود وصالح ولوط وبإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون وشعيب وداود وسليمان وأيوب وزكريا ويحيى وعيسى ويونس وإلياس واليسع وذي الكفل ومحمد عليهم الصلاة والسلام وكذا شيث بن آدم كما هو مشهور (وكعزرائيل) المعبر عنه في القرآن بملك الموت في قوله تعالى قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ وهو بفتح أوله ممدودا ويقال عزريل بكسر العين وكسر الراء (وإسرافيل) وهو صاحب الصور المكنى عنه بقوله تعالى وَنُفِخَ فِي الصُّورِ (ورضوان) بكسر الراء وضمها أي خازن الجنة (والحفظة) المعير عنهم بقوله ﷾ كِرامًا كاتِبِينَ (ومنكر) بفتح الكاف وأما كسره فمنكر (ونكير) الفتانان في القبر (من الملائكة المتّفق) على وجودهم عند العلماء بناء (على قبول الخبر بها) لأجل كثرة طرقه التى كادت أن تكون متواترة وفي نسخة بهما وفي أخرى بهم (فأمّا من) وفي نسخة ما (لم تثبت الأخبار بتعيينه) أنه نبي أو مالك (وَلَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى كَوْنِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أو الأنبياء كهاروت وماروت) المعدودين (في الملائكة) على خلاف فيهما هل هما ملكان بالفتح أو ملكان بالكسر بناء على القراءتين والأظهر إنهما من الملائكة (والخضر) اختلف في كونه وليا أو نبيا والأظهر الثاني (ولقمان) قيل كان نبيا وقيل حكيما وهو الأظهر وكان عبدا حبشيا وقيل نوبيا وقيل كان ابن أخت داود وقيل ابن خالته (وذي القرنين) فقيل رجل صالح وهو قول علي وقيل نبي وروي عن عمر وقيل ملك بكسر اللام وسمي بذلك لأنه بلغ قرني الدنيا وهما المشرق والمغرب وقيل كان له قرنان صغيران تواريهما عمامته وقيل لأنه دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات ثم حيى ثم دعاهم فضربوه على قرنه الآخر فمات وقيل لأنه كريم الطرفين من أبيه وأمه وقيل كان يقاتل بيده وركابه وقيل علم علما باطنا وظاهرا وقيل دخل الظلمة والنور وقيل لأنه عاش مضي قرنين روي أنه ﵇ سئل عنه أنبي كان أم لا فقال لا أدري رواه الحاكم في مستدركه وكذا قال ﵊ وفي عزير على ما رواه أبو جاود والحاكم وكذا دانيال مختلف في نبوته (ومريم) ابنة عمران لقوله تعالى إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ونحو ذلك وكذا أم موسى ويشير إلى نبوتها قوله وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى والمحققون على أن المعنى الهمنا لقوله تعالى وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ وفيه بحث على مذهب من فرق بين النبوة والرسالة (وآسية) ابنة مزاحم امرأة فرعون وابنة عمه وقيل هي عمة موسى ﵊ لكن لا أعرف أحدا قال بنبوتها ولا دليلا على ثبوته نسبتها (وخالد بن سنان) بسين مكسورة وهو العبسي بموحدة منسوب لبني عبس قوم من العرب وكان بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان خالد بن سنان نبي بني عبس مبشرا برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال ووردت ابنة له عجوز
[ ٢ / ٥٤٣ ]
قد عمرت على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فتلقاها بخير واكرمها وأسلمت فقال لها مرحبا بابنة نبي ضيعه أهله وسمعته صلى الله تعالى عليه وسلم يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فقالت كان أبي بقولها (المذكور أنه نبيّ أهل الرّسّ) بتشديد السين المهملة أي البئر غير المطوية قيل كذبوه ورسوه أي دسوه فيها حتى مات وقيل نبيهم حنظلة بن صفوان وكانوا مبتلين بالعنقاء أعظم طير كأنها سيمت عنقاء لطول عنقها وكانت تسكن جبلا لهم وتخطف صبيانهم إذا أعوذها الصيد فدعا عليها حنظلة فأخذتها صاعقة فقتلوه فأهلكوا والمشهور عند الجمهور أن أصحاب الرس المذكور في القرآن قوم كانوا يعبدون الأصنام فبعث الله إليهم شعيبا فكذبوه فبينما هم حول الرس فانهارت فخسف بهم وبديارهم وأما قوم تبع فقال قتادة هو تبع الحميري كان سار بالجيوش حتى حير الحيرة وبنى سمرقند وكان من ملوك اليمن سمي تبعا لكثرة اتباعه وكان هذا يعبد النار فأسلم ودعا قومه إلى الإسلام فكذبوه وله قصة طويلة ذكرها البغوي في المعالم وهو أول من كسا البيت وقد آمن بمحمد ﵊ قبل أن يبعث بسبعمائة عام وقد ثبت حديث في مسند أحمد عن سهل بن سعد مرفوعا لا تسبوا تبعا فإنه قد كان اسلم وحديث آخر برواية ابن أبي شيبة عن أبي هريرة مرفوعا ما أدري تبع كان نبيا أو غير نبي وفيما ورد من الأحاديث الواردة عنه صلى الله تعالى عليه وسلم في حق بعضهم ما أدري أهو نبي أو غير نبي دليل جليل على صحة الإيمان الإجمالي وإيماء إلى تحقيق ما أورد من أن لا أدري نصف العلم ومتمسك للمجتهدين في توفقهم في بعض مسائل الدين (وزرادشت) بزاء مفتوحة وتضم فراء فألف ودال مهملة مضمومة وقيل معجمة مفتوحة فشين معجمة ساكنة ففوقية ممنوع وهو صاحب كتاب المجوس (الّذي تدّعي المجوس والمؤرّخون نبوّته) وينسبون إليه أصولهم الفاسدة وقواعدهم الكاسدة وقيل إنه كان نبيا وأن اتباعه غيروا شريعته كاليهود والنصارى غيروا شرائعهم وأبدعوا بدائعهم (فليس الحكم في سابّهم والكافر بهم) لكون الخلاف في نبوتهم (كالحكم فيمن قدّمناه) ممن اتفق على نبوتهم أو رسالتهم (إذ لم تثبت لهم تلك الحرمة) قطعا بل ظنا (ولكن يزجر من تنقّصهم) وآذاهم بلسانه (ويؤدّب بقدر حال المقول فيه) وفي نسخة فيهم أي ضعفا وقوة من الأدلة (لا سيّما من عرفت صدّيقيّته) أي ولايته (وفضله) أي صالحه (منهم وإن لم تثبت نبوّته) بدليل قاطع (وأمّا إنكار نبوّتهم) لكون الخلاف في نبوتهم (أو كون الآخر) كهاروت وماروت (من الملائكة) أم لا فاسمع جوابه مفصلا (فَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ العلم) أي علم الشريعة من الكتاب والسنة إذ لا عبرة بغيرهم في هذه المسألة (فلا حرج عليه) أي في إنكاره ونفيه عن علم ودليل أو نقل (لاختلاف العلماء في ذلك) لكن لا يخفى أن الأحوط في حقه أن لا ينفيه ولا يثبته لئلا يدخل في الأنبياء من ليس بنبي ولا يخرج نبي منهم فإنه خطر عظيم بنبغي أن ينقل الخلاف ويرجح ما ظهر عنده أو عند غيره (وإن كان) المتكلم في ذلك (مِنْ عَوَامِّ النَّاسِ زُجِرَ عَنِ الْخَوْضِ فِي مثل هذا)
[ ٢ / ٥٤٤ ]
الكلام (فَإِنْ عَادَ أُدِّبَ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ الْكَلَامُ في مثل هذا) الكلام لئلا ينجر إلى ما يرد عليه من الملام (وقد كره السّلف) الكرام (الكلام في مثل هذا) المقام (مِمَّا لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ فَكَيْفَ للعامّة) وفيه بحث لأن العلماء هم الذين يبينون مراتب الأنبياء وعلمهم كله عمل بل خير عمل كما يدل عليه قوله ﵊ فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم فالعلم إما فرض عين أو كفاية فهو أفضل من عبادة نافلة ولكون نفع هذا قاصرا أو نفع الأول متعديا وأما العامة فينبغي لهم السكوت عما لا يدرون.
فصل (واعلم أن من استخفّ بالقرآن)
أي بمبناه أو معناه أو بأهله الوارد في حقهم أن أهل القرآن أهل الله وخاصته (أو المصحف) بضم الميم وكسرها والأول أشهر وفي القاموس بتثليث الميم من أصحف بالضم إذا جعلت فيه الصحف انتهى ولعل الكسر على أنه آلة والفتح على أنه اسم مكان والضم على أنه مفعول وقد كفر الوليد بسبب إهانة المصحف فإنه روي أنه فتحه يوما وتفأل فوقع بصره على قوله تعالى وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ فأمر بالمصحف فنصب غرضا ورماه بالنبل حتى تمزق وأنشد:
أتوعد كل جبار عنيد فها أنا ذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يا رب مزقني الوليد
والوليد هذا هو الذي ورد فيه أنه فرعون هذه الأمة ونزلت آيات كثيرة في حقه من المذمة (أو بشيء منه) كورق أو لوح أو درهم مسطور فيه (أو سبّهما أو جحده) أي أنكر القرآن كله (أو حرفا منه) في القراآت السبع (أو آية) ولو كانت حرفا (أو كذّب به) أي بالقرآن جميعه (أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ أَوْ كَذَّبَ بِشَيْءٍ مِمَّا صرّح به) أي بذلك الشيء (فيه) أي في القرآن (من حكم) كأمر ونهي (أو خبر) عن سابق أو لاحق (أَوْ أَثْبَتَ مَا نَفَاهُ أَوْ نَفَى مَا أثبته على علم منه بذلك) أي دون نسيان أو خطأ (أَوْ شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ كافر عند أهل العلم) قاطبة (بإجماع) لا خلاف فيه (قال الله تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ) أي بديع أو منيع (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ) أي الناسخ الذي يبطله أو يدفعه (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) أي من قدامه (وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ) منزل (مِنْ حَكِيمٍ) أي ذي حكمة في أحكامه وأقواله (حَمِيدٍ [فصلت: ٤١- ٤٢]) محمود في ذاته وصفاته وأفعاله (حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ أَحْمَدَ ﵀ حدّثنا أبو عليّ) الغساني (حدّثنا ابن عبد البرّ) حافظ الغرب (حدّثنا ابن عبد المؤمن) القرطبي (حدّثنا ابن داسة) راوي سنن أبي داود عنه (حدّثنا أبو داود) السجستاني صاحب السنن ومحدث العصر (حدّثنا أحمد بن حنبل) إمام أهل السنة (حدّثنا يزيد بن هارون) هو أبو خالد السلمي الواسطي أحد الاعلام (حدّثنا محمد بن عمرو) أي ابن علقمة بن وقاص الليثي يروي عن أبيه وعن أبي سلمة وطائفة وعنه شعبة ومالك ومحمد بن عبد الله الأنصاري وجماعة (عن
[ ٢ / ٥٤٥ ]
أبي سلمة) أحد الفقهاء السبعة عند أكثر علماء الحجاز (عن أبي هريرة) قال الحلبي وفي كلام بعض متأخري الحنفية المصريين أنه عبد الرحمن بن صخر على الأصح من نحو ثلاثة وأربعين قولا (عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال المراء) بكسر الميم مصدر بمعنى المماراة (في القرآن كفر) ورواه الحاكم أيضا وفي رواية لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر (تؤوّل) بصيغة المجهول أي فسر المراء (بمعنى الشّكّ) ومنه قوله تعالى فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ (وبمعنى الجدال) ومنه قوله تعالى فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِرًا وقد قال تعالى ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وقال ابن الأثير تبعا للهروي المماراة المجادلة على مذهب الشك والربية ويقال للمناظرة مماراة لأن كل واحد يستخرج ما عند صاحبه ويمتريه كما يمتري الحالب اللبن من الضرع قال أبو عبيد ليس وجه الحديث عندنا على الاختلاف في التأويل ولكنه على الاختلاف في اللفظ وهو أن يقرأ الرجل على حرف فيقول الآخر ليس هو كذا ولكنه على خلافه وكلاهما منزل مقروء بهما فإذا جحد كل واحد قراءة صاحبه لم يأمن أن يكون ذلك يخرجه إلى الكفر لأنه نفى حرفا أنزله الله على نبيه ثم النكير في مراء إيذان بأن شيئا منه كفر فضلا عما زاد عليه وقيل إنما جاء هذا في الجدال والمراء في الآيات التي فيها ذكر القدر ونحوه من المعاني على مذهب أهل الكلام وأصحاب الأهواء والآراء دون ما تضمنته من الأحكام وأبواب الحلال والحرام فإن ذلك قد جرى بين الصحابة الكرام فمن بعدهم من العلماء الأعلام وذلك فيما يكون الغرض منه والباعث عليه ظهور الحق ليتبع دون الغلبة والتعجيز؛ (وعن ابن عبّاس) كما رواه ابن ماجه (عن النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ جَحَدَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ حَلَّ ضَرْبُ عُنُقِهِ وكذلك إن جحد التّوراة والإنجيل) أي إجمالا لا آية منهما لاحتمال كونها محرفة أو لا تكون فيهما أصلا وذلك لقوله تعالى وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وأنزل الفرقان وكان حقه أن يقول والزبور لقوله تعالى وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا وفسر به القرآن أيضا وكذا صحف إبراهيم مذكورة بالخصوص (وكتب الله المنزّلة) أي بعمومها الواجب الإيمان مجملا بتمامها (أو كفر بها) أي كلها أو بعضها (أو لعنها) أي شتمها (أو سبّها) أي عابها (أو استخفّ بها) أي أهانها (فهو كافر) وأما لو جحد آية من التوراة أو الإنجيل ففيه خطر لاحتمال كونها منهما فيكفر أو لا تكون منهما لما وقع من التحريف فيهما فلا يكفر ولذا قال ﵊ لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقد قال تعالى وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أي منقادون للحق تابعون للصدق (وقد أجمع المسلمون أنّ القرآن المتلوّ) على ألسنة أهل الإيمان (في جميع أقطار الأرض) أي أطرافها وأكنافها (المكتوب في المصحف) أي جنسه من المصاحف (بأيدي المسلمين) احتراز عما قد يوجد في أيدي غيرهم من الملحدين فربما يزيدون أو ينقصون في أمر الدين
[ ٢ / ٥٤٦ ]
(ممّا جمعه الدّفتان) بتشديد الفاء وهما ما يضمه من جانبيه (مِنْ أَوَّلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الْفَاتِحَةِ: ٢]) برفع الحمد على الحكاية ويجر بالكسر على الاعراب (إِلَى آخِرِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [النَّاسِ: ١] أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَوَحْيُهُ الْمُنَزَّلُ عَلَى نَبِيِّهِ محمد صلى الله تعالى عليه وسلم) وفيه إيماء إلى أن تنكيس القرآن ليس سنة بل بدعة ولعله لم يذكر البسملة لأنها ليست من القرآن في مذهب مالك لكنه لا شك أنها مما بين الدفتين للإجماع على أن الصحابة كتبوا البسملة في أوائل كل السور إلا براءة ولهذا ذهب المحققون من ائمتنا الحنفية أنها آية من القرآن أنزلت للفصل ولا بدع أن يراد بالحمد لله رب العالمين سورة الفاتحة فتشمل البسملة الفاتحة ولكن يأباه أن الكلام في التكفير فالقدر المتعلق هو الذي بينه في مقام التقدير والأحاديث في باب البسملة متعارضة مع كونها آحادا فلا تفيد القطع وإنما توجب الظن ولهذا اختلف العلماء في مسألة البسملة والله ﷾ اعلم (وأنّ جميع ما فيه حقّ) أي ثابت وصدق (وَأَنَّ مَنْ نَقَصَ مِنْهُ حَرْفًا قَاصِدًا لِذَلِكَ) النقص (أو بدّله بحرف آخر مكانه) ولو لم يغير شأنه (أَوْ زَادَ فِيهِ حَرْفًا مِمَّا لَمْ يَشْتَمِلْ عليه المصحف الّذي وقع عليه الإجماع) أي كتابة وقراءة (وأجمع) بصيغة المجهول وفي نسخة بصيغة الفاعل أي وجزم وعزم (على أنّه ليس من القرآن عامدا) أي لا سهوا ولا نسيانا (لكلّ هذا) الذي ذكر من النقصان والزيادة (أنه كافر) إلا القراآت الشاذة التي ثبتت في الجملة بحسب الرواية بشرط أن لا يلحقها بالمصاحف في الكتابة (ولهذا) الذي ذكرنا من أن جميع ما في القرآن حق (رَأَى مَالِكٌ قَتْلَ مَنْ سَبَّ عَائِشَةَ ﵂ بالفرية) أي الإفك (لأنّه خالف القرآن) أي بعضه النازل في براءة ساحة عائشة أن تكون فاحشة (ومن خالف القرآن) أي اعتقادا لا عملا (قتل أي لأنّه كذّب بما فيه) من آيات دالة على براءتها وإنما اكتفى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بحد القذف على قاذفيها لما صدر عنهم قبل براءة ساحتها فحينئذ لا وجه لتخصيص مالك فإن إجماع العلماء على ذلك، (وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تعالى لم يكلّم موسى تكليما يقتل) لتكذيبه قوله تعالى فيه وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا وهذا مجمع عليه وإنما الكلام في معنى الكلام من النفسي وغيره بين أهل السنة والمعتزلة (وقاله) أي قال به ونص عليه أيضا (عبد الرّحمن بن مهديّ) من أصحاب الشافعي قال التلمساني مهدي مفعول وكره مالك التسمية بمهدي قال وما علمه بأنه مهدي وأباح التسمية بالهادي وقال لأن الهادي هو الذي يهدي الطريق انتهى ولا يخفى أن المهدي أيضا هو الذي يهدي إلى الطريق وما علمه بأنه هاد وليس بمهدي ومن أين له حمل المهدي على الهداية الشرعية وحمل الهادي على الدلالة اللغوية أو العرفية على أن الاسماء كلها تسمى على جهة التفاؤل والتبرك وإلا لما كان يصح لأحد أن يسمى محمودا ومحمدا وأحمدا ولا عليا ولا فاطمة ولا عائشة وأمثال ذلك (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ فِيمَنْ قَالَ الْمُعَوِّذَتَانِ) بكسر الواو وتفتح وهما سورة الفلق والناس (لَيْسَتَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ يُضْرَبُ عُنُقُهُ إِلَّا أن يتوب) لنفيه لهما منه مع ثبوتهما في
[ ٢ / ٥٤٧ ]
المصاحف العثمانية التي وقع عليها إجماع الأمة قال النووي في شرح المهذب أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة وسائر السور المكتوبة في المصحف قرآن وأن من جحد شيئا منها كفر وما نقل عن ابن مسعود في الفاتحة والمعوذتين باطل ليس بصحيح عنه قال ابن حزم في أول كتابه المحلي هذا كذب على ابن مسعود وإنما صح عنه قراءة عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود وفيها الفاتحة والمعوذتان انتهى وأما ما روي عن عبد الله بن أحمد في زوائد المسند أن ابن مسعود كان يحك المعوذتين من مصاحفة ويقول إنهما ليستا من كتاب الله فالجواب على وجه الصواب ما قال ابن الباقلاني أنه لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن إنما أنكر إثباتهما في المصحف لأنه كانت السنة عنده أن لا يثبت إلا ما أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بإثباته ولم يبلغه أمره به وهذا تأويل منه وليس جحدا لكونهما قرآنا وأجيب أيضا بأنه كان يقول ذلك فلما رأى المصاحف التي كتبت في زمن عثمان وفي إثباتهما رجع عن ذلك ويؤيد هذا ما سبق عن ابن حزم وأما ما أجاب بعضهم عنه بأن عاصم بن بهدلة المذكور في المسند وإن قرنه البخاري بعيدة فهو في الحديث دون الثبت ثقة في القراءة فغير مستقيم لأنه راوي القراءة عن ابن مسعود وهذه الرواية من متعلقات القراءة هذا وفي جواهر الفقه من أنكر المعوذتين من القرآن غير مأول كفر انتهى وقال بعض المتأخرين كفر ولو أول والأول هو المعول (وكذلك) أي كفر (من كذّب بحرف منه) أي من القرآن فيقتل إلا أن يتوب (قال) أي ابن سحنون (وكذلك إن شهد شاهد) أي واحد (عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ موسى تكليما وشهد آخر عليه) أي على من قال ذلك (أنه قال إن الله لم يتّخذ إبراهيم خليلا) فإن مؤداهما واحد وهو تكذيب بعض القرآن وهذا التعليل أولى من قوله (لأنّهما اجتمعا على أنّه كذّب النّبيّ) وفي نسخة تكذيب للنبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) أي فيما نقله عن الله ﷾ (وقال أبو عثمان الحدّاد) قال الانطاكي وقد يقع في بعض النسخ أبو عثمان بن الحداد بزيادة ابن والصواب والله تعالى اعلم سقوطه (جميع من ينتحل التّوحيد) أي ينتسب إليه ويدعي اعتقاده (متّفقون) على (أنّ الجحد لحرف من التّنزيل) أي القرآن الكريم والفرقان القديم (كفر وكان أبو العالية) أحد أئمة القراآت (إذا قرأ عنده رجل) أي بقراءة لم يعرفها (لَمْ يَقُلْ لَهُ لَيْسَ كَمَا قَرَأْتَ وَيَقُولُ أمّا أنا فأقرأ كذا) وهذا من كمال احتياطه في تورعه (فبلغ ذلك) القول من أبي العالية (إبراهيم) النخعي أو التيمي (فقال أراه) بضم الهمزة أي أظنه (سمع أنّه) أي الشأن (من كفر) أي جحد (بحرف منه فقد كفر به كلّه) لأن الكفر ببعضه يؤذن بالكفر بكله بخلاف الإيمان ببعضه فإنه لا يقوم مقام الإيمان بكله (وقال عبد الله بن مسعود) كما في مصنف عبد الرزاق (من كفر بآية من القرآن فقد كفر به كلّه) وهذا كمن كفر برسول فقد كفر بالرسل كلهم (وقال أصبغ بن الفرج) المصري (مَنْ كَذَّبَ بِبَعْضِ الْقُرْآنِ فَقَدْ كَذَّبَ بِهِ كُلِّهِ وَمَنْ كَذَّبَ بِهِ فَقَدْ كَفَرَ بِهِ ومن كفر به فقد كفر بالله) أي بكلامه (وَقَدْ سُئِلَ الْقَابِسِيُّ عَمَّنْ
[ ٢ / ٥٤٨ ]
خاصم يهوديّا فحلف) اليهودي (لَهُ بِالتَّوْرَاةِ فَقَالَ الْآخَرُ لَعَنَ اللَّهُ التَّوْرَاةَ فَقَالَ الْآخَرُ لَعَنَ اللَّهُ التَّوْرَاةَ فَشَهِدَ عَلَيْهِ بذلك شاهد) أي واحد (ثمّ شهد آخر أنه) أي الآخر (سأله) أي من خاصم (عن القضيّة) في الكيفية (فقال) اللاعن الملعون (إنّما لعنت توراة اليهود) التي يتدارسونها بينهم (فقال أبو الحسن) القابسي (الشّاهد الواحد لا يوجب القتل) أي ولو حمل على إطلاقه ولم يقبل قصده (والثّاني علّق الأمر بصفة) أي خاصة ناشئة عن الإضافة (تحتمل التأويل) لهذا القيل (إِذْ لَعَلَّهُ لَا يَرَى الْيَهُودَ مُتَمَسِّكِينَ بِشَيْءٍ من عند الله لتبديلهم وتحريفهم) وفيه أن الظاهر من هذه الإضافة اختصاصهم بها وأما كونهم لا يتمسكون بها فلا دخل له فيما نحن فيه من أنه أهان كتاب الله وقد سمى الله سبحانه كتابهم مع علمه بتحريفهم وتغييرهم كتاب الله في قوله وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ فلو فرض أن بعضهم هذه الأمة المحفوظة الحافظة للكتاب والسنة حرفوا بعض القرآن وغيره فقال أحد الشاهدين لعن القرآن وقال آخر لعن قرآن المسلمين فلا نشك أنه كافر على أن الأحكام مبنية على الأكثر فتأمل وتدبر مع أن اليهود كلهم ما غيروا التوراة ولا بدلوها وإنما كان بعض علمائهم نقلوا عنها ما لم يثبت فيهما أو تصرفوا في معانيها دون مبانيها (وَلَوِ اتَّفَقَ الشَّاهِدَانِ عَلَى لَعْنِ التَّوْرَاةِ مُجَرَّدًا) أي عن التعليق (لضاق التّأويل) الأولى لما احتمل التأويل والله ولي التوفيق (وَقَدِ اتَّفَقَ فُقَهَاءُ بَغْدَادَ عَلَى اسْتِتَابَةِ ابْنِ شنبوذ) بمعجمة مفتوحة ونون ساكنة كما صرح به الحلبي والتلمساني وقيل بفتحها فموحدة مضمومة وذال معجمة وهو غير منصرف للعجمة والعلمية كما جزم به الحلبي وأغرب التلمساني في قوله يجري ولا يجرى وهو اسم أعجمي وضبطه الدلجي بنون مشددة وفي القاموس محمد بن أحمد بن شنبوذ بفتح الشين المعجمة والنون مجاب الدعوة وعلي بن شنبوذ وكلاهما من القراء انتهى والمراد به هنا ما ذكره الحلبي وتبعه التلمساني من أنه أبو الحسن محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت بن شنبوذ (المقرىء أحد أئمة المقرئين المتصدّرين بها) أي ببغداد (مع ابن مجاهد) متعلق باتفق وهو إمام جليل في علم القراءة (بقراءته) أي ابن شنبوذ بنفسه (وإقرائه) أي لغيره (بشواذ من الحروف) أي من القراآت التي لم يثبت تواترها ومع هذا (ممّا ليس في المصحف) وهو أحد أركان القراءة والثاني موافقة العربية والثالث وهو الأصل المعتمد المدار عليه وهو نقل المتواتر قال التلمساني كان إماما دينا لا ينكر موضعه من العلم وكان فيه سلامة الصدر وممن يرى جواز القراءة بالاختيار مما يجوز في العربية وإن لم ينقل ذلك عن السلف وكان يقرؤبها في المحراب ويقربها بعض الأصحاب (وعقدوا) أي الفقهاء مع ابن مجاهد مجلسا بالحكم (عليه بالرّجوع عنه) أي عن فعله من القراءة والإقراء بالشواذ (والتّوبة منه) فيما بقي من عمره وهذا لا ينافي جواز رواية الشاذة فإن الفرق بين القراءة والرواية واضح عند أرباب الدراية (سجلّا) أي وسجلوا عليه (أشهد فيه بذلك على نفسه) بالرجوع عنه وبالتوبة منه (فِي مَجْلِسِ الْوَزِيرِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ)
[ ٢ / ٥٤٩ ]
بضم الميم (سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة) قال ابن خلكان كان ابن شنبوذ من مشاهير القراء وأعيانهم قيل كان كثير اللحن قليل العلم تفرد بقراآت من الشواذ فأنكرت عليه وبلغ أمره الوزير محمد بن مقلة الكاتب فاعتقله بداره واستحضره هو والقاضي أبا الحسين عمر بن محمد وأبا بكر أحمد بن موسى بن مجاهد المقري وجماعة من أهل القراآت فأغلظ القول عليهم فأمر الوزير بضربه فضرب سبع درر فدعا على الوزير أن يقطع الله يده ويشتب شمله وكان الأمر كذلك ثم كتب محضر بما كان يقرؤه واستتيب أن لا يقرأ بمصحف أمير المؤمنين عثمان وكتب خطه في آخره وأطلق فخشي عليه من العامة فأخرج إلى المدائن ثم عاد إلى بغداد سرا ولم يزل بها إلى أن توفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة (وكان فيمن أفتى عليه) مع فقهاء بغداد (بذلك) أي بالرجوع (أبو بكر الأبهريّ) المالكي وهو بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفتح الهاء وقيل بفتحتين وسكون الهاء نسبة إلى بلد عظيم بين قزوين وزنجان وبليدة بنواحي أصفهان وجبل بالحجاز (وغيره) من العلماء المالكية أو غيرهم (وأفتى أبو محمّد بن أبي زيد) القيرواني (بالأدب فيمن قال لصبيّ) يتعلم القرآن (لعن الله معلّمك وما علّمك وقال) أي اللاعن (أردت سوء الأدب) أي في الأداء (ولم أرد القرآن) وفي التسامح عنه نظر إذ قوله وما علمك بعيد عن هذا التأويل بل ظاهر في طعن التنزيل فينبغي أن يستتاب إلا أن ثبت لحن فقيه الكتاب والله تعالى اعلم بالصواب (قال أبو محمّد) أي ابن أبي زيد (وأمّا من لعن المصحف) أي صريحا (فإنّه يقتل) أي إجماعا.
فصل [من سب آل بيته وأزواجه وأصحابه ﵊ وتنقصهم حرام ملعون فاعله]
(وسبّ آل بيته) وفي نسخ آل النبي وفي نسخة أهل بيته أي أقاربه (وأزواجه وأصحابه صلى الله تعالى عليه وسلم وتنقّصهم حرام ملعون فاعله) أي مذموم وملام قائله.
(حَدَّثَنَا الْقَاضِي الشَّهِيدُ أَبُو عَلِيٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى) وهو الحافظ ابن سكرة (حدّثنا أبو الحسين الصّيرفيّ وأو الفضل العدل) وهو ابن خيرون (حدّثنا أبو يعلى) المعروف بابن زوج الحرة (حدّثنا أبو عليّ السّنجيّ) بكسر السين المروزي (حدّثنا ابن محبوب) هو أبو العباس المحبوبي راوي الجامع عن الترمذي وشارح القدوري على ما ذكره الأنطاكي (حدّثنا التّرمذيّ) هو الحافظ أبو عيسى صاحب الجامع (حدّثنا محمّد بن يحيى) الظاهر أنه الذهلي أبو عبد الله النيسابوري (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم حدّثنا عبيدة) وفي نسخة بالتصغير (ابن أبي رائطة) بالهمزة قبل الطاء المهملة قال الحلبي هو بفتح العين وكسر الموحدة نص عليه غير واحد من الحافظ منهم ابن ماكولا في إكماله والذهبي وضبط في بعض النسخ بضم وهو خطأ انتهى وقال التلمساني في اصل المؤلف عبيدة بالتصغير وصوابه عبيدة بالفتح وبه ذكره الدارقطني وهو كوفي نزل البصرة يروي عن عاصم بن أبي النجود وغيره (عن عبد الرّحمن بن زياد) قال المزي في الأطراف يقال أنه أخو عبد الله بْنِ زِيَادٍ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) بضم الميم
[ ٢ / ٥٥٠ ]
وفتح الغين المعجمة وتشديد الفاء المفتوحة (قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الله الله) بنصبهما وكرر للتأكيد أي اتقوه أو راعوه أو راقبوه أو احفظوا عهده أو احذروا عقابه (في أصحابي) أي من جهتهم (الله الله في اصحابي) وهذا تأكيد بعد تأكيد وضع الظاهر موضع الضمير للمبالغة في التحذير وكان الخطاب لمن بعدهم من القرون أو لبعضهم من المنافقين أو للعامة والمراد باصحابه الخاصة ما يشير إليه ياء الإضافة (لا تتّخذوهم غرضا) أي هدفا للعن أو الطعن (بعدي) أي في غيبتي أو بعد موتي (فمن أحبّهم فبحبّي) أي فبسبب محبته إياي (أحبّهم) وبسبب محبتي إياهم ويؤيد الأول قوله (ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم) ولا يخفى أن المرتد تبطل صحبته بردته ولو صحت توبته (ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله) أي خالفه فكأنه آذاه (ومن آذى الله يوشك أن يأخذه) أي يعاقبه في الدنيا أو العقبى (وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا تسبّوا أصحابي) المشتملين على أقاربي وأزواجي وأحبابي (فَمَنْ سَبَّهُمْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أجمعين لا يقبل الله منه صرفا) أي توبة أو نافلة (ولا عدلا) أي فدية أو فريضة وقد روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعا مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ والناس أجمعين وروى أحمد والحاكم عن أم سلمة من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله تعالى (وقال صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَإِنَّهُ يَجِيءُ قوم) وروي أقوام (فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَسُبُّونَ أَصْحَابِي فَلَا تُصَلُّوا عليهم) أن ماتوا للعبرة وهذا محمول على ما إذا قام بها البعض (ولا تصلّوا معهم) أن صلوا إماما فإنهم أهل بدعة (ولا تناكحوهم) أي ديانة (ولا تجالسوهم) أي من غير ضرورة (وإن مرضوا فلا تعودوهم) مبالغة في الإهانة والظاهر أن النهي في هذا الحديث للتنزيه (وعنه صلى الله تعالى عليه وسلم من سبّ أصحابي فاضربوه) روى الطبراني عن علي كرم الله تعالى وجهه من سب الأنبياء قتل ومن سب أصحابي جلد أي ضرب وهذا فرق حسن بين الأنبياء والصحابة وفي معناهم العلماء والأولياء وهو قول الجمهور وأما قتل من سب الصحابة كما قال به بعضهم فإنما يحمل على السياسة في الشريعة وسد باب الذريعة على ما بينته في رسالة مستقلة ولما كان فيها بعض الإطالة اختصرتها وسميتها السلالة (وقد أعلم النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ سَبَّهُمْ وَأَذَاهُمْ يُؤْذِيهِ وَأَذَى النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم حرام) بل كفر (فقال لا تؤذوني في أصحابي) أي لأجل اذاهم (ومن آذاهم فقد آذاني) أي فكأنه آذاني (وقال لا تؤذوني في عائشة) أي خصوصا فإنها أحب الزوجات وقال الأنطاكي قوله لا تؤذوني في عائشة الخطاب لأم سلمة وتمام الحديث فإن الوحي لم يأتيني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة (وقال في فاطمة) لأنها أحب البنات (بضعة منّي) بفتح الموحدة وتكسر أي قطعة منفصلة مني (يؤذيني ما آذاها) وروى البخاري عن المسور فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني (وقد اختلف العلماء في هذا) أي ساب الصحابة (فمشهور مذهب مالك) ﵀ الموافق للجمهور (في ذلك الاجتهاد) في إيقاع النكال لدفع الفساد (والأدب
[ ٢ / ٥٥١ ]
الموجع) لإصلاح العباد، (قال مالك رحمه الله تعالى من شتم النّبيّ) أي جنس الأنبياء (قتل ومن شتم أصحابه أدّب) أي جلد وضرب وقد تقدم الحديث بذلك (وقال) أي مالك (أَيْضًا مَنْ شَتَمَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ أَوْ عُثْمَانَ أَوْ مُعَاوِيَةَ أَوْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ) وسقط أو عليا من أصل الدلجي فقال ولم يذكر المصنف عليا لأن محبيه كثيرون انتهى ولا يخفى أن الكثرة إنما هي بالنسبة إلى معاوية وعمرو بن العاص لا بالإضافة إلى من قبله فقد اختلفت المبتدعة في حب علي كالروافض وبغضه كالخوارج (فإن قال) شاتمهم (كانوا) أي الصحابة كلهم (على ضلال وكفر) عطف تفسير (قتل) لتكذيبه القرآن فيما اثنى الله عليهم لقوله تعالى ﵃ وحديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وحديث لو أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مد أحدهم ولا نصيفه أي نصفه (وإن شتمهم) أي كلهم أو بعضهم (بغير هذا) الذي ذكر (من مشاتمة النّاس نكّل) بصيغة المجهول مشددا ومخففا أي ردع وزجر وعوقب (نَكَالًا شَدِيدًا، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ غَلَا) أي تجاوز عن الحد وتعدى (من الشّيعة) أو الخوارج (إلى بغض عثمان والبراءة منه) أي وإلى التبري من محبته (أدّب أدبا شديدا ومن زاد) أي إلى ذلك ما في نسخة أي ضم إليه (بُغْضِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَالْعُقُوبَةُ عَلَيْهِ أَشَدُّ) أي كمية وكيفية (ويكرّر ضربه) بقدر زيادة بغض صحبه ﵊ وحزبه (ويطال سجنه) أي مدة حبسه (حتّى يموت ولا يبلغ به) أي فيه (الْقَتْلُ إِلَّا فِي سَبِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) وإلا في إنكار صحبة أبي بكر وكذا في صحة خلافته المجمع عليهما ولا عبرة بمخالفة الشيعة فيهما وكذا إذا قيل له قل رضي الله تعالى عنهم فأبى فإنه كالإنكار لما في القرآن (وَقَالَ سُحْنُونٌ مَنْ كَفَّرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا أَوْ عُثْمَانَ أَوْ غَيْرَهُمَا) كمعاوية وعمرو بن العاص (يوجع) بصيغة المجهول مخففا أو مشددا (ضربا) بالنصب على التمييز وإنما خص عليا وعثمان بالذكر لأن الخوارج قالوا بتكفيرهما بناء على قواعدهم الفاسدة وأصولهم الكاسدة ولم يختلفوا في تعظيم الشيخين للإجماع على خلافتهما وعدم ما يقتضي هتك حرمتهما فمن كفرهما كفر خلافا للروافض ولا عبرة بقولهم المناقض بل التحقيق أن أصل مذهب الشيعة ليس تكفيرهما بل ينسبونهما إلى المخالفة في أمر الخلافة بناء على أنهم يفضلون عليا عليهما وإنما اللعن والتكفير صدر من غلاتهم ولعل هذا معنى ما روي من أن سب الشيخين كفر المفهوم منه أن سب غيرهما ليس كذلك لتفاوت رتبتهما هنالك وأما معاوية واتباعه فيجوز نسبتهم إلى الخطأ والبغي والخروج والفساد وأما لعنهم فلا يجوز أصلا بخلاف يزيد وابن زياد وأمثالهما فإن بعض العلماء جوزوا لعنهما بل الإمام أحمد بن حنبل قال بكفر يزيد لكن جمهور أهل السنة لا يجوزون لعنه حيث لم يثبت كفره عندهم وعلى التنزل فلعله مات تائبا ولهذا قالوا لا يجوز لعن كافر بعينه إلا إذا ثبت كفره وقوله عليه بدليل قطعي من كتاب أو سنة كفرعون وأبي لهب وأبي جهل وأمثالهم والله تعالى أعلم وبما قررنا اندفع اعتراض
[ ٢ / ٥٥٢ ]
الدلجي بأن هذا مخالف لما مر عن مالك أنه إذا قال كانوا أي الصحابة على ضلال وكفر قتل فإن المراد بهم إما جميعهم أو كابرهم (وَحَكَى أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ سحنون فيمن قَالَ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ إنّهم) أي كلهم (كانوا على ضلال وكفر قتل ومن شتم غيرهم) أي غير الخلفاء الأربعة (من الصّحابة) كمعاوية وغيره (بمثل هذا) القول (نُكِّلَ النَّكَالَ الشَّدِيدَ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مَنْ سَبَّ أَبَا بَكْرٍ جُلِدَ وَمَنْ سَبَّ عَائِشَةَ) أي قذفها (قتل، قيل له) أي لمالك (لم) أي لأي شيء يقتل بسبها وقد قلت في أبيها يجلد من سبه وهو بالإجماع أفضل منها (قال) أي مالك (من رماها) أي قذفها (فقد خالف القرآن) النازل ببراءة ساحتها فعلم بهذا أنه لو شتمها أحد بغير القذف لم يجب قتله وهذا إذا سب أبا بكر مع اقراره بصحبته فإنه لو أنكرها لكفر لإنكاره القرآن على ما سبق به البيان وأما إذا قذف إحدى سائر الأزواج الطيبات فلا يكفر لعدم ورود براءتهن في الآيات (وقال ابن شعبان عنه) أي مالك (لأنّ الله يقول يَعِظُكُمُ اللَّهُ) أي تحذيرا من (أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [النور: ١٧] فمن عاد لمثله فقد كفر) وفيه إيماء إلى أن من قذفها قبل الوعظ لم يكفر وإنما حد حد القاذف.
(وحكى أبو الحسن الصّقلّيّ) بفتح أوله ويكسر وبسكون القاف قال الحلبي نسبة إلى صقلية جزيرة بالمغرب وقال الدلجي بفتح المهملة والقاف وقال التلمساني بكسر الصاد والقاف واللام مشددة وبفتح الصاد والقاف واللام مشددة (أنّ القاضي أبا بكر بن الطّيّب) أي الباقلاني المالكي إمام المتكلمين (قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا ذَكَرَ فِي القرآن ما نسبه إليه المشركون) من الشريك والولد والصاحبة والبنات (سبّح نفسه لنفسه) وفي نسخة بنفسه (كقوله تعالى وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٦] فِي آي كثيرة) كقوله تعالى وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وقوله وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ (وَذَكَرَ تَعَالَى مَا نَسَبَهُ الْمُنَافِقُونَ إِلَى عَائِشَةَ) فيه تغليب إذ الذي تولى كبره هو ابن أبي ابن سلول رئيس المنافقين وقد تبعه بعض المؤمنين كحسان ومسطح وحمنة وغيرهم (فَقَالَ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا) المأفوك عليها (سُبْحانَكَ [النُّورِ: ١٦] سَبَّحَ نَفْسَهُ فِي تَبْرِئَتِهَا مِنَ السّوء) المنسوب إليها (كَمَا سَبَّحَ نَفْسَهُ فِي تَبْرِئَتِهِ مِنَ السُّوءِ) وما ذاك إلا لجلالة مقامها العلي في رفيع صحبة النبي (وهذا) القول من الباقلاني (يشهد لقول مالك) ولا أعرف أحدا يخالفه في ذلك (في قتل من سبّ عائشة) أي قذفها (ومعنى هذا) القول بقتل من قذفها (والله تعالى أعلم) جملة معترضة (أنّ الله لمّا عظّم سبّها) أي بالافتراء عليها المسمى بالإفك (كما عظّم سبّه تعالى) بالافتراء عليه حيث قال أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (وكان سبّها سبّا لنبيّه) فيه بحث لا يخفى على النبي لأن سبها ليس سبا لنبيه في حقيقة الكلام ولا يلزم من قذفها قذفه ﵊ ولهذا لم يقتل من قذفها قبل نزول براءتها بل جعل قذفها حينئذ كقذف سائر أهل الإسلام في عموم الأحكام فالكفر الموجب للقتل إنما هو لمخالفة القرآن ولهذا
[ ٢ / ٥٥٣ ]
اختصت عائشة الصديقة بهذا الإجلال في الطريقة وبهذا علم معنى بقية كلامه من قوله (وأذاه) أي وقرن أذى نبيه (بأذاه تعالى) أي في قوله إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ (وَكَانَ حُكْمُ مُؤْذِيهِ تَعَالَى الْقَتْلَ كَانَ مُؤْذِي نبيّه كذلك كما قدّمناه) ولا يخفى أن ذلك لو أجري على حقيقته لكان سب كل أحد من أهل بيته كفرا موجبا للقتل هنالك والأمر على خلاف ذلك لانه لم يقصد بذلك اذاه صلى الله تعالى عليه وسلم وفرق بين أن يقع شيء أصالة وقصدا وبين أن يقع تبعية وضمنا في مقام التحقيق والله ولي التوفيق؛ (وشتم رجل عائشة) أي بغير القذف (بالكوفة فقدّم) أي فأحضر الشاتم (إِلَى مُوسَى بْنِ عِيسَى الْعَبَّاسِيِّ فَقَالَ مَنْ حضر هذا) المجلس أو هذا الرجل حين شتم قال التلمساني ويروى من خصم (فقال ابن أبي ليلى أنا) وهو أحد المجتهدين وقد تولى القضاء ولعل هذا هو الموجب للاكتفاء (فجلد) أي الشاتم (ثمانين وحلق رأسه) أي تعزيرا (وأسلمه) أي تركه وفي نسخة وسلمه (للحجّامين) يعذبونه بإخراج دمه لزيادة سياسة في أمره (وروي) كما في تاريخ الخطيب وابن عساكر (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ نَذَرَ قَطْعَ لسان عبيد الله) بالتصغير (ابن عمر إذ شتم المقداد) بكسر الميم (ابن الأسود) تبنيا فإن أباه غيره (فكلّم) بصيغة المجهول أي فشفع عمر (فِي ذَلِكَ فَقَالَ دَعُونِي أَقْطَعْ لِسَانَهُ حَتَّى لا يشتم أحد بعد) أي بعد ذلك (أصحاب النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) وحيث منعوه ولم يقروه حتى يفعل لا يكون إجماعا فلا يجوز قطع لسان من سب صحابيا وإنما أراد عمر تخويفه أو السياسة (وَرَوَى أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخطاب أتي بأعرابيّ يهجو الأنصار فقال) أي عمر (لولا أنّ له) أي للأعرابي (صحبة) أي سابقة له ﵊ (لكفيتكموه) من شره بما يليق بأمره ورواه أيضا محمد بن قدامة المروزي في كتاب الخوارج عن أبي سعيد الخدري بسند رجاله ثقات ذكر الدلجي (وقال مَالِكٌ مَنِ انْتَقَصَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ذكر بعض معايبهم وغفل عن جملة مناقبهم ولم يعرف أنهم السابقون في الإيمان ولم يعمهم بالاستغفار والرضوان (فليس له في هذا الفيء) الذي يعم المسلمين (حقّ) أي حصة ونصيب لأنه (قَدْ قَسَمَ اللَّهُ الْفَيْءَ فِي ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ فقال لِلْفُقَراءِ) بدلا من لذي القربى وما بعده وأن البدل منه في حكم الطرح أو الشامل لهم ولغيرهم (الْمُهاجِرِينَ) إلى المدينة (الآية) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ أي في إيمانهم ومعرفتهم أو في تصحيح نية هجرتهم (ثم قال: وَالَّذِينَ) عطفا على الفقراء (تَبَوَّؤُا الدَّارَ) أي سكنوا المدينة واتخذوها دار الوطن والقرار (وَالْإِيمانَ) أي واختاروا واخلصوا (مِنْ قَبْلِهِمْ [الحشر: ٨] أي قبل لهجرة أهل الإسلام إليهم (الآية) أي يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ولو كان بهم خصاصة أي ضرورة ومجاعة (وهؤلاء هم الأنصار ثمّ قال وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ) أي
[ ٢ / ٥٥٤ ]
من التابعين واتباعهم إلى يوم الدين (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ [الحشر: ١٠]) من المهاجرين والأنصار خصوصا (الآية) أي وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا أي حقدا وحسدا لِلَّذِينَ آمَنُوا عموما رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ بالمؤمنين في الدنيا والاخرى (فَمَنْ تَنَقَّصَهُمْ فَلَا حَقَّ لَهُ فِي فَيْءِ المسلمين) بل يخرج عن دائرة المؤمنين لحصرهم في الأصناف المذكورين؛ (وَفِي كِتَابِ ابْنِ شَعْبَانَ مَنْ قَالَ فِي واحد) وفي نسخة أحد (منهم) أي من الصحابة (إنّه ابن زانية وأمّه مسلمة) جملة حالية (حدّ عند بعض أصحابنا) المالكية (حدّين حدّا له وحدّا لأمّه) لعله أراد بالأول التعزير مبالغة في التحذير (ولا أجعله كقاذف الجماعة في كلمة) نحو يا أولاد الزواني ويا أبناء الزانيات لغيرهم حيث تتداخل الحدود جملة وذلك الفرق (لفضل هذا) الصحابي (على غيره ولقوله صلى الله تعالى عليه وسلم ومن سبّ أصحابي فاجلدوه) أي فاضربوه كما في رواية تقدمت (قال) أي ابن شعبان (وَمَنْ قَذَفَ أُمَّ أَحَدِهِمْ وَهِيَ كَافِرَةٌ حُدَّ حدّ الفرية) أي الكذب (لأنّه) أي قذف أم أحدهم ولو كانت كافرة (سبّ له) أي لولدها الكريم فيستحق به التأديب الأليم (فَإِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ هَذَا الصَّحَابِيِّ) أي أولاده وأحفاده (حيّا) وأبوه ميتا (قام) مقامه (بما يجب له) من استيفاء الحد (وإلّا فمن قام من المسلمين) حسبة في أمر أمه (كان على الإمام) أو نائبه (قبول قيامه قال) أي ابن شعبان (وليس هذا) الحكم المذكور (كحقوق غير الصّحابة لحرمة هؤلاء) الصحابة (بنبيّهم صلى الله تعالى عليه وسلم) أحياء وأمواتا (ولو سمعه الإمام) أي السلطان أو نائبه (وأشهد عليه كان) أي الإمام (وليّ القيام به) أي بالحد (قال) أي ابن شعبان (وَمَنْ سَبَّ غَيْرَ عَائِشَةَ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بقذف احديهن (ففيها) أي ففي المسألة أو ففي حقها (قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يُقْتَلُ لِأَنَّهُ سَبَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم لسبه حليلته) وفي نسخة بسبب سب حليلته وهي زوجته من الحلول وهو النزول لأنها تحل معه حيث حل أو هو يحل بها حيث حلت وقيل من الحلال وضد الحرام فيشمل السرية (والآخر أنّها) أي حليلته (كسائر الصّحابة) رجالهم ونسائهم (يجلد حدّ الفرية) وفي نسخة حد المفتري (قال) أي ابن شعبان (وبالأوّل) وهو القول بالقتل (أقول) وهذا بعيد عن الأصول فتأمل فإنه يلزم منه عدم الفرق بين عائشة المبرأة بالكتاب وبين غيرها والله تعالى أعلم بالصواب (وروى أبو مصعب عن مالك فيمن سبّ من انتسب إلى بيت النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) من جهة القرابة والنسب المعروف وفي بعض النسخ عن مالك من انتسب إلى بيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أي إلى أولاده وظهر أنه ليس منهم (يضرب ضربا وجيعا ويشعر) من الشهرة وهو الظهور ومعناه يطاف به في الأسواق (ويحبس طويلا) من الزمان (حتّى تظهر توبته) أي آثارها عند الأعيان (لأنّه استخفاف بحقّ الرّسول صلى الله تعالى عليه وسلم وأفني أبو المطرّف الشّعبيّ فقيه مالقة) بفتح اللام والقاف وقال التلمساني فاعلة بلدة بالعدوة أعادها الله تعالى إلى الإسلام (في رجل أنكر تحليف امرأة) وجه عليها
[ ٢ / ٥٥٥ ]
يمين وأريد تحليفها (باللّيل) لكونها مخدرة فامتنع الرجل عن تحليفها بِاللَّيْلِ (وَقَالَ لَوْ كَانَتْ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيق) أي فرضا وتقديرا (ما حلّفت) وفي نسخة بصيغة المجهول (إلّا بالنّهار وصوّب قوله بعض المتّسميين بالفقه) أي المتصفين به نظرا إلى أنه أراد المبالغة في النفي لا الإهانة كما ورد عنه صلى الله تعالى عليه وسلم فيمن شفع لسارقه حيث قال له لو كانت فاطمة لقطعت يدها وذلك لأنه ﷾ عمم الحكم بين الخاص والعام في قوله تعالى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ولا تجوز الشفاعة في الحدود (فقال أبو المطرّف ذكر هذا) الكلام (لابنة أبي بكر في مثل هذا) المقام (يجب عليه) به (الضّرب الشّديد والسّجن الطّويل) أي الحبس المديد (والفقيه الّذي صوّر قوله هو أخصّ باسم الفسق من اسم الفقه فيتقدّم إليه في ذلك ويزجر) وفي نسخة ولا يؤخر (ولا تقبل فتواه ولا شهادته) وهذا من المجازفة في الكلام فإن غايته أنه أخطأ في فتواه والمجتهد قد يخطئ ولا يفسق ولا ترد شهادته بالإجماع (وهي) أي فتواه (جرحة) بضم الجيم أي طعنه (ثابتة فيه ويبغض في الله) أي لأجل رضاه وهذا كله نشأ من حظ نفس أبي المطرف ومتابعته هواه ومن عدم الإطلاع على الحديث الذي قدمناه (وقال أبو عمران) أي القابسي (فِي رَجُلٍ قَالَ لَوْ شَهِدَ عَلَيَّ أَبُو بكر الصّدّيق) حذف سببه وجوابه لظهورهما عنده (أنّه) أي الشأن (إن كان) أي القائل (أراد أنّ شهادته في مثل هذا الحكم) وفي نسخة في مثل ما أي حكم أو الحكم (لَا يَجُوزُ فِيهِ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ فَلَا شَيْءَ عليه) وهو ظاهر كلامه ومرامه من المبالغة (وإن كان أراد غير هذا) المعنى الذي ذكر مما يقتضي إهانته فرضا (فيضرب ضربا) أي شديدا (يبلغ به) بصيغة المجهول أي يوصل بضربه (حدّ الموت) أو يبلغ هو بالضرب الموت وفي أصل الدلجي وذكروها أي مقالة أبي عمران رواية عن مالك أو غيره من أصحابه وهذا يرد على أبي المطرف في شدة جوابه (قال القاضي أبو الفضل) وهو المؤلف (هنا انتهى القول بنا فيما حرّرناه) أي قدمناه وقررناه (وانتجز) بالنون واليم والزاء أي تم وانقضى (الغرض الّذي انتحيناه) بالحاء المهملة أي قصدناه وملنا نحوه واعتمدناه (واستوفي) بصيغة المجهول أي استكمل (الشّرط الّذي شرطناه) فيما أوردناه من الأقسام الأربعة التي أردناها (ممّا أرجو أنّ يكون) وفي نسخة أن بتشديد النون أي الشأن (في كلّ قسم منه للمريد) أي لمن يريده (مقنع) يقنع به ويرضاه ويكتفي به عما سواه (وفي كلّ باب منهج) أي طريق واسع (إلى بغيته) بكسر أوله ويضم أي طلبته وحاجته (ومنزع) أي حجة لمن يحتج به في قضيته (وقد سفرت) بفتح الفاء للمتكلم أي كشفت وأوضحت (فيه عن نكت) جمع نكتة وهي حكمة دقيقة (تستغرب وتستبدع) أي تعد غريبا وبديعا عجيبا لقلة استعمالها ودقة أحوالها (وكرعت) أي وشربت شربا خاصا حيث تناولت من الحوض شربا بما حصل له من التوفيف (في مشارب من التّحقيق) أي التحرير بالتدقيق (لم يورد لها قبل) أي لم يذكر لها قبل ذلك (في أكثر التّصانيف مشرع) أي مورد به ينتفع (وأودعته) أي ضمنته (غير ما فصل) ما صلة
[ ٢ / ٥٥٦ ]
للمبالغة في الكثرة والمعنى أودعته في فصول كثيرة وأغرب الأنطاكي في قوله أي غير فصل واحد وهذا الفصل هو الذي حكى القاضي المؤلف فيه ما وقع من الزنا دقة وأهل الأهواء الضالة الفصل الألفاظ البشيعة الشنيعة (وددت) بكسر الدال الأول أي أحببت وتمنيت (لَوْ وَجَدْتُ مَنْ بَسَطَ قَبْلِي الْكَلَامَ فِيهِ أو مقتدى) وفي نسخة أو مفيدا (يفيدنيه) أي يفيدني ذلك (عن كتابه أو فيه) أي عن فمه وهو تجنيس تام مع ما قبله أو تلفيق وهو المركب والمتشابه (لأكتفى بما أرويه) من الرواية أي أخبره (عمّا أروّيه) من التروية وهو تجنيس محرف وأغرب الانطاكي في قوله هو من رويت الحبل إذا غلظت قواه وهو كناية عن بسط الكلام فيه (وإلى الله تعالى) لا إلى غيره (جزيل الضّراعة) أي كثير الخضوع والخشوع والاستكانة (في المنّة) أي في طلبها أو قبولها (بقبول ما منه) أي بقبول شيء وقع من عنده لطفا (لوجهه) فضلا (والعفو) بالرفع (عمّا تخلّله) أي تداخل في خلاله مما يخل بكماله (من تزيّن) أي تكلف (وتصنّع لغيره) أي لغير وجهه سبحانه من رياء أو سمعة أو حظ نفس وشهوة (وأن يهب لنا ذلك) أي على تقدير تقصير هنالك (بجميل كرمه وعفوه لما أودعناه) أي لأجل ما أوردناه فيه وبيناه (من شرف مصطفاه وأمين وحيه وما) أي ولأجل ما (وأسهرنا به) أي بسببه (جفوننا) أي عيوننا (لتتبّع فضائله) ونشر شمائله (وأعملنا) أي اتعبنا وعالجنا (فيه خواطرنا) أي عقولنا وسرائرنا (من إبراز خصائصه) أي إظهارها (ووسائله) التي يتوسل بها إلى أغراضنا (و) أن (يحمي أعراضنا) أي أرواحنا وأشباحنا الموجدة (عن ناره الموقدة) التي تطلع على الأفئدة (لحمايتنا كريم عرضه ﵇) من الكلام المترتب عليه الملام (ويجعلنا) أي الله ﷾ (ممّن لا يذاد) بضم أوله من الذود وهو الطرد أي ممن لا يدفع ولا يمنع (إذا ذيد) مجهول ذاد أي طرد (المبدّل) لدينه بعد موت نبيه (عن حوضه ويجعله) أي وأن يجعل هذا المؤلف وما يتبعه من المصنف (لنا) معشر المسلمين الحاضرين (ولمن تهمّم) أي اعتنى واهتم (باكتتابه واكتسابه) ولو بشرائه (سببا) أي وسيلة (يصلنا بأسبابه) التي لا انفصام لها في بابه (وذخيرة) أي نتيجة مدخرة محفوظة عنده ﷾ (نجدها) حاضرة (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خير محضرا) ينفعها في يوم الجمع محضرا (نحوز) أي نظفر ونفوذ (بها رضاه وجزيل ثوابه) الذي هو لقاه (ويخصّنا بخصّيصى) بكسر الحاء وتشديد الصاد المكسورة وفي آخره ألف مقصورة قال التلمساني ويمد وهو خطأ مصدر بمعنى الخصوصية وقيل اسم مبالغة في التخصيص أي بمن هو من خواص (زمرة نبيّنا وجماعته ويحشرنا في) وفي نسخة مع (الرّعيل) أي الجمع (الأوّل) من أهل السعادة في الأزل وهم علماء أهل السنة والجماعة وقيل هم الزمرة الأولى التي تدخل الجنة بغير حساب فيكون قوله (وأهل الباب الأيمن) الذي هو الأحسن والأزين (من أهل شفاعته) من قبيل عطف التفسير فقد ورد في حديث الشفاعة أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ من الباب الأيمن من أبواب الجنة جعلنا الله منهم من كمال الفضل والمنة، (ونحمده تعالى) أي
[ ٢ / ٥٥٧ ]
نثني عليه بما يوافي نعمه ويكافي كرمه (على ما هدى) أي دلنا (إليه من جمعه وألهم) من عزمه (وفتح البصيرة) الباطني (لدرك) بسكون الراء وفتحها أي لادراك (حقائق ما أودعناه وفهّم) دقائق ما بيناه وعيناه مما يتعلق بمصطفاه، (ونستعيذه) أي نعوذ به ونلوذ (جلّ اسمه) كمسماه (من دعاء لا يسمع) أي لا يقبل (وعلم لا ينفع) أي غير نافع صاحبه (وعمل لا يرفع) أي لا يصعد بل يرد على وجه كاسبه وورد زيادة ونفس لا تشبع ومن هؤلاء الأربع إجمالا بعد تفصيل إكمالا (فهو الجواد) بفتح الجيم وتخفيف الواو وقد ورد في الحديث غير أني جواد ماجد أي صاحب الجواد والعظمة في مقام الشهود (الّذي لا يخيّب) بفتح الياء وتضم وكسر الخاء المعجمة وفي نسخة بضم الياء الأولى وتشديد الثانية أي لا يضيع ولا يخسر (من أمّله) بتشديد الميم أي قصده ورجاه (ولا ينتصر) على عدوه (من خذله) أي ترك نصرته ومنع حرمته (ولا يردّ دعوة القاصدين) لقوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ والحديث أن الله ليستحي أن يرد يد عبده صفرا إذا رفعها إليه (ولا يصلح عمل المفسدين) لأمر الدين (وهو حسبنا) أي كافينا في كل قليل وجليل (ونعم الوكيل) أي الموكول إليه والمعتمد عليه وهي كلمة قالها إبراهيم الخليل لما ألقي في النار ومحمد الجليل وصحبه الجميل لما قيل إن الناس قد جمعوا لكم وروي أنه من خشي عدوه فليقل حسبي الله ونعم الوكيل وقيل لما ألقى يوسف ﵇ في الجب قال حسبي الله ونعم الوكيل فعذب ماؤها بعد ما كان مالحا فهو ﷾ حسبنا ونعم الوكيل ربنا ونعم الشفيع نبينا ونسأل الله دوام العافية وتوفيق تمام الطاعة وحسن الخاتمة والحمد لله أولا وآخرا وباطنا وظاهرا على جميع ما أنعم من النعم ما علمت منها وما لم أعلم والصلاة والسلام على خاتم النبيين وسيد الأولين والآخرين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ربنا توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين وأدخلنا الجنة آمنين برحمتك يا أرحم الراحمين آمين فرغ مرلفه رحم هو وسلفه أواسط رمضان المبارك عام أحد عشر بعد الألف من الهجرة النبوية إلى المدينة السكينة وذلك بمكة المكرمة الأمينة وأنا الفقير إلى ربه الباري علي ابن سلطان محمد القاري الحنفي عاملهما الله بلطفه الخفي وكرمه الوفي ومن أحسن ما نظم في تحسين هذا الكتاب ما قاله بعض أولي الألباب من الأصحاب.
نظم
شفى داء النفوس لنا الشفاء أضاء النور منه والثناء
ونال محبه كل الأماني وزال به عن القلب الصداء
تلألأ نوره أبدا علينا ظلام الليل عاد لنا ضياء
جواهر نظمه درر وأبهى من الياقوت حقا لأمراء
حوى حكما وموعظة وحكما فصاحة من له شهدت ظباء
فصاحة خير رسل الله فيه ومدح الله فيه والثناء
[ ٢ / ٥٥٨ ]
فصاحة منطق وبليغ لفظ وحكمة حاكم وله العطاء
وأخبار به تتلى علينا كلام جامع فيه الهداء
فمذ حل الشفاء بنا شفينا وزال البؤس عنا والشقاء
أثاب الله جامعه عياضا جنان الخلد فيه له الجزاء
وزاد محبه شرفا وفضلا وبلغه المهيمن ما يشاء
وصلى الله على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين.
يقول العبد الفقير إلى آلاء ربه القوي الحاج أحمد طاهر القنوي مصحح الكتب الدينية بالمطبعة العثمانية
الحمد لله الذي نور الخافقين ببعثة سيد المرسلين وأنزل عليه الكتاب هدى ورحمة للمتقين وأيده من عنده بالوحي والروح الأمين والصلاة والسلام على من أقام قوائم الشريعة الغراء فقوى وشيد قواعدها وأسس بنيانها على التقوى وعلى آله وأصحابه الذين حفظوا سنته وسلكوا سبيله ومن بعدهم من إجلاء أمته الذين اتخذوه وسيلة (أما بعد) فلما من الله بلطفه على من شاء من عباده بتحرير مناقب خير خلقه ويسر عليه الطرق لإبراز شريف شمائله وجليل خلقه بادر إلى أداء مواجب حقه تواقيرا له وتعظيما وشمر عن ساق الجد توفية بوجائب ما هو بصدده تشريفا لقدره العلي وتكريما ومن أجل من وفقه الله لخدمة هذه الوظيفة النجيبة فأقامها بلا إعراض الإمام الكبير الأجل المعروف بالقاضي عياض سقاه الله من زلال الحياض وأسكنه في غرف الرياض حيث شرح صدره وشفي لتأليف كتاب كافل لهذه المهمة فسماه شفا وقد اعتنى كثير من العلماء الجهابذة بشرحه مختصرا أو مفصلا مطولا ومجملا فمن شروحه شرح الفاضل علي القاري ﵀ وهو مع صغر حجمه كثير نفعه يسير ضبطه إلا أن النسخ المتداولة مملوءة بالغلظ المردود فلذلك صرفنا نحن فلله الحمد في تصحيحه ما هو المجهود والتزمنا تصحيحه من نسخ عديدة ليتم المقصود فجاء بحمد الله تعالى مطبوعا مهذبا سالما عن الخطأ المستبين بحيث يعجب الناظر المطالع في كل وقت وحين وهذا أيضا من جملة ما وفقنا الله بلطفه لتصحيح أمثاله من الكتاب كما وفقنا قبل لتصحيح شرح الفاضل أحمد شهاب فنسأله جل اسمه أن يوفقنا لتصحيح أمثاله من الكتب الدينية ويجعل سعينا هذا مقبولا لدى الحضرة النبوية وقد تصادف ختام طبعه بالمطبعة العثمانية الكائنة في دار الخلافة العثمانية في اليوم السابع والعشرين من الربيع الآخر سنة تسع عشرة وثلاثمائة وألف.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
فهرس محتويات الجزء الثاني من شرح الشفا
[ ٢ / ٥٦١ ]
فهرس المحتويات الْقِسْمُ الثَّانِي فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْأَنَامِ مِنْ حقوقه ﵊ ٣
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي فَرْضِ الْإِيمَانِ بِهِ وَوُجُوبِ طاعته واتّباع سنّته ٥
فصل وَأَمَّا وُجُوبُ طَاعَتِهِ فَإِذَا وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ وتصديقه فيما جاء به ١٢
فصل وَأَمَّا وُجُوبُ اتِّبَاعِهِ وَامْتِثَالُ سُنَّتِهِ وَالِاقْتِدَاءُ بِهَدْيِهِ ١٦
فصل وأما وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنِ اتِّبَاعِ سُنَّتِهِ ٢٤
فصل وَمُخَالَفَةُ أَمْرِهِ وَتَبْدِيلُ سُنَّتِهِ ضَلَالٌ وَبِدْعَةٌ مُتَوَعَّدٌ من الله تعالى عليه بالخذلان والعذاب ٣١
الباب الثاني في لزوم محبته ﵊ ٣٥
فصل في ثواب محبته صلى الله تعالى عليه وسلم ٣٨
فصل فِيمَا رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِمْ للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ٤٠
فصل في علامات محبته صلى الله تعالى عليه وسلم ٤٥
فصل في معنى المحبة للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وحقيقتها ٥٤
فصل في وجوب مناصحته صلى الله تعالى عليه وسلم ٥٨
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي تَعْظِيمِ أَمْرِهِ وَوُجُوبِ تَوْقِيرِهِ وبره ٦٣
فصل في عادة الصحابة في تعظيمه ﵊ وتوقيره وإجلاله ٦٨
فصل واعلم أن حرمة النبي بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم ٧١
فصل فِي سِيرَةِ السَّلَفِ فِي تَعْظِيمِ رِوَايَةِ حَدِيثِ رسول الله وسنته ﵊ ٧٥
فصل ومن توقيره صلى الله تعالى عليه وسلم وبره بر آله ٨١
فصل ومن توقيره وبره توقير أصحابه ﵊ ٨٩
فصل ومن إعظامه وإكباره إعظام جميع أسبابه ٩٨
[ ٢ / ٥٦٣ ]
الباب الرابع في حكم الصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وسلم والتسليم ١٠٥
فصل اعلم أن الصلاة على النبي فرض في الجملة ١٠٧
فصل في المواطن التي تستحب فيها الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويرغب فيها ١١٢
فصل في كيفية الصلاة عليه والتسليم ١٢١
فصل فِي فَضِيلَةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ والدعاء له ﵊ ١٣٥
فصل فِي ذَمِّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم وإثمه ١٤٠
فصل في تخصيصه ﵊ بتبليغ صلاة من صلى عليه صلاة أو سلم من الأنام ١٤٢
فصل فِي الِاخْتِلَافِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ وسائر الأنبياء ﵈ ١٤٥
فصل في حكم زيارة قبره ﵊ وَفَضِيلَةِ مَنْ زَارَهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَكَيْفَ يُسَلِّمُ ويدعو إلى آخره ١٤٩
فصل فِيمَا يَلْزَمُ مَنْ دَخَلَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَدَبِ سِوَى مَا قَدَّمْنَاهُ ١٥٨
الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِيمَا يَجِبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم وما يستحيل في حقه وما يمتنع ١٧١
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالْكَلَامُ في عصمة نبينا وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ١٧٥
فصل فِي حُكْمِ عَقْدِ قَلْبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم ١٧٥
فصل وَأَمَّا عِصْمَتُهُمْ مِنْ هَذَا الْفَنِّ قَبْلَ النُّبُوَّةِ فللناس فيه خلاف ٢٠٠
فصل قال القاضي أبو الفضل قد بان مما قدمناه عقود الأنبياء في التوحيد والإيمان ٢١٠
فصل وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى عِصْمَةِ النَّبِيِّ من الشيطان إلى آخره ٢١٤
فصل وأما قوله صلى الله تعالى عليه وسلم فقامت الدلائل إلى آخره ٢٢٣
فصل وقد توجهت ههنا لبعض الطاعنين سؤالات ٢٢٥
فصل هذا القول فيما طريقه البلاغ ٢٤٣
[ ٢ / ٥٦٤ ]
فصل فإن قلت فما معنى قوله ﵊ في حديث السهو الذي حدثنا أبو إسحق بن جعفر ٢٤٧
فصل وأما ما يتعلق بالجوارح من الأعمال ٢٥٧
فصل وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي عِصْمَتِهِمْ مِنَ الْمَعَاصِي قَبْلَ النبوة ٢٦٤
فصل هَذَا حُكْمُ مَا تَكُونُ الْمُخَالَفَةُ فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ عَنْ قَصْدٍ وَهُوَ مَا يُسَمَّى مَعْصِيَةً ويدخل تحت التكليف ٢٦٧
فصل في الكلام على الأحاديث المذكورة فيها السهو إلى آخره ٢٧١
فصل فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَجَازَ عَلَيْهِمُ الصَّغَائِرَ الخ ٢٧٩
فصل فَإِنْ قُلْتَ فَإِذَا نَفَيْتَ عَنْهُمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عليهم الذنوب والمعاصي ٣٠٦
فصل قد استبان لك أيها الناظر بما قررناه ما هو الحق من عصمته ﵇ ٣١٣
فصل فِي الْقَوْلِ فِي عِصْمَةِ الْمَلَائِكَةِ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ إلى آخره ٣١٦
الْبَابُ الثَّانِي فِيمَا يَخُصُّهُمْ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ ٣٢٦
فصل فَإِنْ قُلْتَ فَقَدْ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ ﵊ سحر ٣٣٢
فصل هذا حاله ﵊ في جسمه ٣٣٦
فصل وَأَمَّا مَا يَعْتَقِدُهُ فِي أُمُورِ أَحْكَامِ الْبَشَرِ إلى آخره ٣٤٠
فصل وَأَمَّا أَقْوَالُهُ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنْ أَخْبَارِهِ عَنْ أَحْوَالِهِ ٣٤٣
فصل فإن قلت قد تقررت عصمته ﵊ إلى آخره ٣٥١
فصل فإن قيل فما وجه حديثه الذي حدثناه الفقيه أبو محمد الخشني إلى آخره ٣٥٧
فصل وأما أفعاله الدنيوية صلى الله تعالى عليه وسلم ٣٦٥
فصل فَإِنْ قِيلَ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي إِجْرَاءِ الْأَمْرَاضِ وشدتها عليه ﵊ ٣٧٣
الْقِسْمُ الرَّابِعُ فِي تَصَرُّفِ وُجُوهِ الْأَحْكَامِ فِيمَنْ تنقصه أو سبه ﵊ ٣٨٥
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ مَا هُوَ فِي حقه ﵊ سب أو نقص ٣٩١
فصل فِي الْحُجَّةِ فِي إِيجَابِ قَتْلِ مَنْ سَبَّهُ أو عابه ﵊ ٤٠٠
فصل فإن قلت فلم لم يقتل النبي ﵊ اليهودي الذي قال له ٤١٢
فصل قَالَ الْقَاضِي تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي قَتْلِ الْقَاصِدِ لسبه إلى آخره ٤٢٥
[ ٢ / ٥٦٥ ]
فصل الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى تَكْذِيبِهِ فِيمَا قاله إلى آخره ٤٢٩
فصل الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ يَأْتِيَ مِنَ الْكَلَامِ بِمُجْمَلٍ ٤٣٢
فصل الْوَجْهُ الْخَامِسُ أَنْ لَا يَقْصِدَ نَقْصًا وَلَا يذكر عيبا ولا سبا لكنه ينزع إلى آخره ٤٣٧
فصل الْوَجْهُ السَّادِسُ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ ذَلِكَ حَاكِيًا عن غيره وآثرا عن سواه ٤٥٠
فصل الْوَجْهُ السَّابِعُ أَنْ يَذْكُرَ مَا يَجُوزُ عَلَى النبي أو يختلف في جوازه عليه ٤٥٧
فصل وَمِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ فِيمَا يَجُوزُ عَلَى النبي ﵊ وما لا يجوز ٤٦٥
الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ سَابِّهِ وَشَانِئِهِ وَمُتَنَقِّصِهِ ومؤذيه ٤٦٩
فصل إذا قلنا بالاستتابة حيث تصح منه ٤٧٤
فصل هذا حكم من ثبت عليه ذلك ٤٧٨
فصل هذا حكم المسلم ٤٨٠
فصل في ميراث من قتل بسب النبي ﵊ وغسله والصلاة عليه ٤٨٦
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تعالى وملائكته إلى آخره ٤٨٩
فصل وَأَمَّا مَنْ أَضَافَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِ لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ السَّبِّ ٤٩١
فصل فِي تَحْقِيقِ الْقَوْلِ فِي إِكْفَارِ الْمُتَأَوِّلِينَ قَدْ ذكرنا مذاهب السلف وإكفار أصحاب البدع والأهواء ٤٩٧
فصل فِي بَيَانِ مَا هُوَ مِنَ الْمَقَالَاتِ كُفْرٌ وَمَا يُتَوَقَّفُ أَوْ يُخْتَلَفُ فِيهِ وَمَا لَيْسَ بكفر ٥٠٧
فصل هَذَا حُكْمُ الْمُسْلِمِ السَّابِّ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا الذمي الخ ٥٣١
فصل هَذَا حُكْمُ مَنْ صَرَّحَ بِسَبِّهِ وَإِضَافَةِ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ فَأَمَّا مُفْتَرِي الْكَذِبِ الخ ٥٣٢
فصل وأما من تكلم من سقط القول الخ ٥٣٦
فصل وَحُكْمُ مَنْ سَبَّ سَائِرَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وملائكته واستخف بهم إلى آخره ٥٤١
فصل وَاعْلَمْ أَنَّ مَنِ اسْتَخَفَّ بِالْقُرْآنِ أَوِ الْمُصْحَفِ إلى آخره ٥٤٥
فصل من سب آل بيته وأزواجه وأصحابه ﵊ وتنقصهم حرام ملعون فاعله ٥٥٠
[ ٢ / ٥٦٦ ]