هذه القصيدة من روائع شوقي أمير الشعراء، وقد مدح فيها سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه بأسلوب شائق ولفظ رائق، ولا عجب في ذلك فشوقي ممن يسّر له قيادة الشعر، وفتْق معانيه، واستخراج درره، فلله درّه!
[ ١ ]
المنهج العام في شرح هذه المدائح
الحمد لله رب العالمين، وإن كان يقل مع حق جلاله حمد الحامدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين وإله الآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره وتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فما زلنا أيها المباركون والمباركات! نتفيأ ظلال طرق المدائح النبوية؛ تلكم القصائد التي قيلت في سيد الخلق وأشرفهم محمد بن عبد الله ﷺ.
وقبل أن نشرع في القصيدة التي اخترنا أبياتًا منها في لقاء هذا اليوم، يحسن بنا أن نستصحب أمورًا: أننا في هذه اللقاءات لا نريد أن نبين المنهج العام والصناعة الأدبية لتلك القصائد، وإنما نريد أن نتخذ من تلكم القصائد مطايا نصل بها إلى الكثير من الخفايا من سيرة نبينا ﷺ، وما يمكن أن نستقيه وننهله من نعيم سيرته العطرة وأيامه النضرة صلوات الله وسلامه عليه، فما هذه القصائد إلا مدخل للنظر في السيرة، وبيان كيف وفق أولئك الشعراء إلى صياغة مناقبه وخصاله وأفضاله صلوات الله وسلامه عليه.
[ ٢ ]
شيء من خبر شوقي
والقصيدة التي نحن بصدد الحديث عنها اليوم هي بائية شوقي والتي مبدأها: سلوا قلبي غداة سلا وثابا لعل على الجمال له عتابا وقد بويع شوقي بإمرة الشعر عام ١٩٣٢م، وكان قرنه الأول حافظ إبراهيم أول المبايعين، وقال في قصيدته التي بايع فيها شوقي أميرًا للشعراء: أمير القوافي قد أتيت مبايعًا وهذي وفود الشرق قد بايعت معي وشوقي له أبيات حاد فيها عن المنهج الحق، كقوله: رمضان ولى هاتها يا ساقي مشتاقة تسعى إلى مشتاقِ وغيرها من الأبيات التي حاد فيها عن منهج الحق إما خلقيًا وإما عقديًا، لكن الرجل غفر الله له ورحمه له ثلاث قصائد في مدح النبي ﷺ عز نظيرها، وقل مثيلها، منها ما عرفت بنهج البردة، والقصيدة التي عارض فيها شوقي بردة البوصيري رحمه الله تعالى، ومعلوم أن بردة البوصيري مطلعها: أمن تذكر جيران بذي سلم مزجت دمعًا جرى من مقلة بدم أم هبت الريح من تلقاء كاظمة وأومض البرق في الظلماء من إضمِ ونحن لا نستطيع أن نعرج على ميمية شوقي حتى نعرج أولًا على ميمية البوصيري، لكننا في هذا اللقاء سنقف مع بائية شوقي رحمه الله تعالى.
وبقيت له الهمزية والتي مطلعها: ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناء الروح والملأ الملائك حوله للدين والدنيا به بشراء وسنخصص حلقات متتابعة لهمزية شوقي ولنونيته، لكننا بعد أن نعرض لميمية البوصيري رحمة الله تعالى عليهما.
[ ٣ ]
المعنى العام لهذا المديح
أما اليوم فإننا ننيخ المطايا ونقف أمام بائية شوقي، قال شوقي في هذه القصيدة: سلوا قلبي غداة سلا وثابا لعل على الجمال له عتابا ويسأل في الحوادث ذو صواب فهل ترك الجمال له صوابا ولي بين الضلوع دم ولحم هما الواهي الذي ثكل الشبابا وكل بساط عيش سوف يطوى وإن طال الزمان به وطابا كأن القلب بعدهم غريب إذا عادته ذكرى الأهل ذابا ولا ينبيك عن خلق الليالي كمن فقد الأحبة والصحابا أخا الدنيا أرى دنياك أفعى تبدل كل آونة إهابا فمن يغتر بالدنيا فإني لبست بها فأبليت الثيابا لها ضحك القيان إلى غبي ولي ضحك اللبيب إذا تغابى جنيت بروضها وردًا وشوكًا وذقت بكأسها شهدًا وصابا ولم أر مثل حكم الله حكمًا ولم أر مثل باب الله بابا إلى أن قال في مدح سيد الخلق ﷺ: وعلمنا بناء المجد حتى أخذنا إمرة الأرض اغتصابا وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا تجلى مولد الهادي وعمت بشائره البوادي والقصابا وأسدت للبرية بنت وهب يدًا بيضاء طوقت الرقابا لقد وضعته وهاجًا منيرًا كما تلد السماوات الشهابا أبا الزهراء قد جاوزت قدري بمدحك بيد أن لي انتسابا فما عرف البلاغة ذو بيان إذا لم يتخذك له كتابا مدحت المالكين فزدت قدرًا فلما مدحتك اقتدت السحابا هذه بعض الأبيات من بائية شوقي ﵀ رحمة واسعة.
إن شوقي في هذه القصيدة حاول أن يبدأ أولًا بالحكم، ثم يبين عالمية النبي ﷺ، فقال: وعلمنا بناء المجد حتى ثم انتقل إلى يوم مولده ﷺ، ثم حرر ذلكم الإسداء القدري الذي جعله الله على يد آمنة بنت وهب يوم أن وضعت رسول ﷺ، ثم قال يخاطب نبينا ﷺ: (أبا الزهراء) معتمدًا على ما في ذاكرتنا الإسلامية التاريخية من عظيم محبة النبي ﷺ لابنته فاطمة، ثم بين جملة بلاغة المصطفى ﷺ، ثم ذكر بعد ذلك أنه قدر له -أي: شوقي - أن يمدح كثرًا من ملوك وسلاطين عصره، وأنه مدحهم على بينة وعلى علم فنال حظوة عندهم، ونال منزلة عند الناس بمدحه لهم، لكنه يقول: لما مدحتك أي: يا رسول الله ﷺ اقتدت السحابا بمعنى: أنني أصبحت أتحكم فيها، وهو يقصد أنه بلغ ذروة في المجد عالية جدًا، ببركة مدحه لرسول ﷺ، هذا هو الإلمام الشامل لقصيدة شوقي رحمة الله تعالى عليه.
[ ٤ ]
فقد النبي للأحبة
ذكر شوقي في الحكم أن الإنسان كلما فقد الكثير من الأحبة كان ذلك أكثر تجربة في نفسه في أن يحكم على الناس، ولذلك قال: ولا ينبيك عن خلق الليالي كمن فقد الأحبة والصحابا فهل أراد شوقي أن يقول: إن النبي ﷺ جرب بفقد الأحبة؟ سواء قصده شوقي أو لم يقصده فإن السيرة تدل على ذلك، فنبينا ﷺ كان له ابنان القاسم وعبد الله، وأربع بنات: رقية وأم كلثوم وزينب وفاطمة، ثم ولد له بعد هؤلاء الستة إبراهيم فأضحوا سبعة، وكلهم توفوا في حياته ﷺ إلا فاطمة كما سيأتي الحديث عنها تفصيلًا.
فالنبي ﷺ أعظم من جرب فقد الأحبة، فهو ﵊ لم تكتحل عيناه أصلًا برؤية أبيه عبد الله بن عبد المطلب، إذ على الصحيح أن عبد الله بن عبد المطلب والد النبي ﷺ توفي والنبي ﷺ حمل في بطن أمه، وأمه آمنة بنت وهب عاش معها ﷺ ست سنين فأدرك من ذلك عاطفتها، فحق له بعد ذلك أن يقف على قبرها ويقول: (إنني استأذنت ربي بأن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنت أن أزورها فأذن لي، فبكى ﷺ، فبكى الصحابة لبكائه، فلم ير باكيًا أعظم منه).
قال شوقي رحمه الله تعالى: أبا الزهراء قد جاوزت قدري لمدحك بيد أن لي انتسابا يقصد الانتساب للملة.
فما عرف البلاغة ذو بيان إذا لم يتخذك له كتابا مدحت المالكين فزدت قدرًا فلما مدحتك اقتدت السحابا
[ ٥ ]
نسب آل البيت إلى النبي
الزهراء مؤنث أزهر وهو لقب غلب على فاطمة بنت محمد ﵂ وأرضاها، وفاطمة إحدى أربع أخوات كلهن بنات رسول الله ﷺ، لكن الله يقول وقوله الحق: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨]، فأراد الله جل وعلا أن النسب المتصل بنبينا ﷺ ينقطع إلا من جهة فاطمة، فـ زينب تزوجت أبا العاص بن الربيع وأنجبت منه أمامة، ثم إن أمامة كبرت وماتت دون أن تلد، أي: لم يكن لها عقب، أما رقية وأم كلثوم فقد تزوجهما عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فتزوج رقية ولم ينجب منها، وتزج أم كلثوم وأنجب منها ابنًا يقال له عبد الله، ثم إن عبد الله هذا نشأ صغيرًا حتى بلغ قرابة ست أو سبع سنين -كما قال أهل السير- ثم إنه مات، وإبراهيم الذي ولد للنبي ﷺ من جهة مارية القبطية مات وقد بلغ من العمر ثمانية عشر شهرًا، وأما عبد الله والقاسم ابنا النبي ﷺ هذان ماتا بعد البعثة بقليل، بهذا تصير السلالة الشريفة المتصلة به ﷺ كلها مردها إلى فاطمة، وفاطمة زوجها النبي ﷺ من ابن عمها علي بن أبي طالب، فأنجبت منه الحسن والحسين ومحسن، ولما ولدت الحسن دخل ﷺ يقول: (أين ابني أين ابني؟ فأتوه به، قال: ما أسميتموه؟ قالوا: أسميناه حربًا، قال: بل هو الحسن)، ثم بعد طهر واحد حملت وولد الحسين، وكأن عليًا ﵁ لأمر ما في نفسه يحب اسم حرب، فقال ﷺ كما قال في أخيه الحسين: (أين ابني أين ابني؟ قالوا: هاهو يا رسول الله! قال: ما أسميتموه؟ قالوا: أسميناه حربًا، قال: بل هو الحسين، ثم حملت فقال ﷺ: أين ابني؟ ثم سماه محسنًا وقال معقبًا: أسميتهم بأسماء أبناء هارون: بشير وبشار ومبشر)، وهذا يدل على أن النبي ﷺ كان حريصًا على اقتفاء أثر الأنبياء من قبله؛ لأن الله قال له وقوله الحق: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، ففي هذا الأمر عمد ﷺ إلى أن يتخذ له إمامًا من النبيين، فلما أخذ ﷺ من كل نبي شيئًا من مناقبه وخصاله اجتمعت المناقب فيه، كما سيأتي تحريره في أمثلة شوقي.
فقد اجتمعت كل مناقب الخير والفضل فيه صلوات الله وسلامه عليه.
فأما محسن فقد مات صغيرًا، فبقينا في الحسن والحسين، فأي نسب اليوم إلى رسول الله ﷺلا إلى آل البيت؛ لأن كلمة آل البيت أعم، لكن إلى رسول الله ﷺ- إنما هو إما من الحسن أو من الحسين، ولهذا قدر الله في أن الحسين بن علي ﵁ شهيد كربلاء لما مات في كربلاء كان الناجي الوحيد من الرجال ابنه علي المعروف بـ زين العابدين، فكما أن الحسين يقال له: شهيد كربلاء فإنه يقال لابنه علي بن الحسين المعروف بـ زين العابدين يقال له: نجي كربلاء، فأبقى الله علي بن الحسين حيًا ولم يتسلط عليه الأعداء ولم يقتلوه؛ حتى يبقي الله جل وعلا على عقب نبيه ﷺ من ذرية الحسين الممتدة إلى فاطمة إلى ظهره صلوات الله وسلامه عليه.
فكل من ينتسب إلى رسول الله ﷺ اليوم قطعًا هو إما من ذرية الحسن أو من ذرية الحسين، ومن كان من ذرية الحسين فهو قطعًا من ذرية زين العابدين بن علي، وأكرر أن مسألة آل البيت أوسع وأعم، وسيأتي تفصيلها.
[ ٦ ]
حب آل البيت وإجلالهم
فهذا زين العابدين هو الذي قال فيه الفرزدق أبياته الشهيرة لما حج هشام بن عبد الملك في خلافة أبيه، فلما حج رأى الناس عند الطواف إذا رأوا علي بن الحسين يفسحون له كي يستلم الحجر، ويطوف بالبيت على سعته وراحته، فقال مستنكرًا: من هذا؟ يريد أن يتجاهله، والعظيم من الناس حتى لو تجاهلته لا يضره، وهو يريد أن يزهد أهل الشام يومئذ فيه، فقال الفرزدق الشاعر رغم أن الفرزدق معروف بفسقه، لكن يجتمع فيه كل أحد صفات خير وصفات شر، والمنصف ينظر إلى هذه وهذه، فقال الفرزدق مجيبًا لـ هشام بعد أن استنكر واستفهم مستنكرًا من هذا، فقال: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرمُ هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم وليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم كلتا يديه غياث عم نفعهما يستوكفان ولا يعروهما عدم سهل الخليقة لا تخشى بوادره يزينه اثنان حسن الخلق والشيم ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم عم البرية بالإحسان فانقشعت عنها الغياهب والإملاق والعدم مشتقة من رسول الله نبعته طابت مغارسه والخيم والشيم هذا ابن فاطمة إن كنت تجهله بجده أنبياء الله قد ختموا فهذه الأبيات قالها الفرزدق الشاعر الأموي المعروف في مدح زين العابدين بن علي، هذا يسوقنا إلى أن محبة آل بيت رسول ﷺ دين وملة وقربة، وقد قال الفرزدق في هذه القصيدة: من معشر حبهم دين وبغضهم كفر وقربهم منجى ومعتقد والإمام أحمد بن حنبل -إمام أهل السنة في زمانه- لقي ما لقي من العنت من المعتصم الخليفة العباسي، والمعتصم أبوه هارون الرشيد وهو عباسي، وهو ابن عم رسول ﷺ، فكان الإمام أحمد رحمة الله تعالى عليه من تعظيمه لآل بيت رسول الله ﷺ رغم ما وجده من سياط المعتصم وعنته وجلده وسجنه له كان يقول: جعلتك في حل؛ لأنني أستحيي أن ألقى نبينا ﷺ يوم القيامة وبيني وبين أحد أبناء عمومته خصومة، فهذا مثل ونموذج يحتذى في التعامل مع آل بيت رسول الله ﷺ.
نعود فنقول: إن فاطمة التي قال شوقي هنا فيها: أبا الزهراء قد جاوزت قدري كانت أشبه مشية برسول الله ﷺ، ونبينا ﷺ قدوة في الخير كله، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، وقد يتعذر على كل أحد أن يجمع كل ما في النبي ﷺ فهذا محال، لكن نأخذ منه ﷺ بعض الأشياء قدر الإمكان، فيجتمع فيك بعض الخصائص والفضائل لرسول صلوات الله وسلامه عليه، فهذه فاطمة ابنته من أشد الناس شبهًا بمشية أبيها صلوات الله وسلامه عليه، وكان ﷺ يحبها حبًا جمًا، وقد دخلت عليه في يوم وفاته فبشرها بأنها سيدة نساء أهل الجنة، وأخبرها أنه سيموت في مرضه هذا، فلما أخبرها أنه سيموت في مرضه هذا بكت، فلما أخبرها بأنها سيدة نساء أهل الجنة سرت رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
وفاطمة ﵂ وأرضاها أخبرها النبي ﷺ في مرضه أنها أول أهله لحوقًا به، وهذا سيأتي بيانه في قضية الغيب في حياة النبي ﷺ فلا نعجل في أمر لنا فيه أناة.
[ ٧ ]
تكريم الله تعالى للمرأة في الإسلام
إن إكرام النبي ﷺ لابنته فاطمة ولسائر بناته من أعظم الدلائل على أن الله جل وعلا كرم المرأة، فقد كرمها زوجة، وكرمها أختًا وكرمها ابنة وكرمها جارة، وكرمها عمة، وكرمها خالة، وبكل ذلك وردت السنة، فالنبي ﷺ يأتيه رجل ويقول له: (يا نبي الله إن لي غدرات وفجرات، فقال له: ألك والدة؟ قال: لا، قال: ألك خالة؟ قال: نعم، قال: برها)، فجعل ﷺ بر الخالة كمنزلة بر الأم، وقال في الأم من قبل: (أمك ثم أمك ثم أمك ثم أمك)، فهو في البنات يرعى حقوق بناته ﷺ، وإذا دخلت عليه ابنته فاطمة قام ومشى إليها صلوات الله وسلامه عليه.
كما أكرمها ﷺ جارة، فقد جاءته امرأة فقدم لها ﷺ طيب القول ولينه فتعجبت عائشة عنها، قال: (إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان)، فهو ﷺ يذكر أن هذه المرأة كانت جارة له ذات يوم من الدهر في زمن خديجة، ويكرمها.
وأكرم ﷺ هالة أخت خديجة ﵂ وأرضاها، إكرامًا لزوجته خديجة.
والمقصود: أن الله جل وعلا كرم المرأة عمومًا، ومن أعظم الدلائل أن سورة في القرآن عدد آيها ثمان وتسعون آية هي سورة مريم سميت باسم الصديقة مريم ﵍، وقد قال الله جل وعلا عنها: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة:٧٥]، وقال الله جل وعلا: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٤٢]، ولما أراد الله جل وعلا أن يقدم في القرآن الموحى إلى نبيه دينه الحق لم يبدأ به جل وعلا كمن يريد من الناس ألا يقبلوا دينه، كما يقع من أخطائنا نحن أحيانًا في الدعوة، ولكن لما جاء وفد النصارى إلى النبي ﷺ أذن لهم أن يدخلوا مسجده الشريف، وصلوا جهة الشرق؛ لأن النصارى تعظم الشرق، وهو ﷺ مقر لهم، فلما أراد أن يثبت لهم أن عيسى ليس ابنًا لله قال الله جل وعلا في أول الآيات التي أنزلت في هذا الشأن: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران:٣٣]؛ لأن النصارى يعظمون آل عمران، ثم أثنى الله جل وعلا على مريم وبين جل وعلا مكانها ومقامها: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٢ - ٤٣]، ثم بعد أن بين الله جل وعلا فضل مريم وفضل بيت آل عمران جملة قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران:٥٩ - ٦٠].
فبين لهم الصواب وبين لهم الحق، ودلهم على الجادة بعد أن مهد ووطأ لذلك تمهيدًا وتوطئة تناسب أن يقبلوا قوله، فلما اعترضوا أنزل الله جل وعلا آيات المباهلة: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١]، عمد ﷺ هنا إلى فاطمة وعلي والحسن والحسين وخرج وهم وراءه، فقال لوفد نجران يدعوهم إلى المباهلة، وقال لـ فاطمة وعلي والحسن والحسين: (إذا أنا دعوت فأمنوا)، فلما رأى وفد النصارى تلك الوجوه النيرة آل بيت رسول الله ﷺ وألصق الناس به نسبًا، قالوا: إن هذه الوجوه لو سألت الله أن يزيل الجبال لأزالها، فامتنعوا عن المباهلة، وهذا كله ناله هؤلاء الأربعة بقرابتهم من رسول الله ﷺ وبإيمانهم من قبل، وشهادتهم أن النبي ﷺ رسول من عند الله.
[ ٨ ]
تابع حب آل البيت وإجلالهم
والمقصود أن إجلال آل رسول الله ﷺ دين وملة وقربة، والمؤمن ومذهب أهل السنة -سلك الله بنا وبكم سبيلهم- ألا نغلو فيهم ولا ننزلهم منازل أعلى مما أعطاهم الله جل وعلا إياها؛ لأن هذا في الأصل سوء أدب مع الله، ولا نضيع حقهم، ونتذكر وصية النبي ﷺ فيهم، قال ﵊: (الله الله في آل بيتي الله الله في آل بيتي)، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول: والله لإسلام العباس أحب إلي من إسلام الخطاب لو كان قد أسلم، وكل ذلك من دلائل محبة عمر وفقهه معرفته بتوقير آل بيت رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
[ ٩ ]
فصاحة النبي ﷺ
قال شوقي: مدحت المالكين أي: أهل السلطان والملك.
فزدت قدرًا وهذا من الواقع المشهود، فالإنسان إذا كان له حظوة عند الملوك فإن هذا مما يرفع قدره، ثم استدرك وهذا من أدبه مع رسول الله ﷺ، والحق أن شوقي أوتي باعًا عظيمًا وحظوة كبيرة في لين القول، وطيب الكلام.
فلما مدحتك اقتدت السحابا وفي رواية كنت أحفظها من قبل: ازددت السحابا والمعنى واحد، أي: أنني بمدحي للناس ارتفعت، لكنني بلغت الذروة ووصلت إلى أعلى ما يمكن أن يصل إليه إنسان من جاه لما مدحتك يا سيد الخلق، صلوات الله وسلامه عليه.
فلما مدحتك اقتدت السحابا قال قبلها: فما عرف البلاغة ذو بيان إذا لم يتخذك له كتابا وشوقي يأتي أحيانًا بالمعنى الواحد ثم يغير في الطرائق في ذكره.
فهذا البيت قاله شوقي في ميميته -كما سيأتي- يخبر فيه عن فصاحة النبي ﷺ، وهو قوله: يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة حديثك الشهد عند الذائق الفهم وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه يتعجب من فصاحة النبي ﷺ، فيقول له صلوات الله وسلامه عليه: (وأي غرابة في ذلك وأنا من قريش واسترضعت في بني سعد)، فالعرب كانت تعمد كثيرًا إلى أن تسترضع أبناءها في البادية، حتى يشب المرء مع طيب الهواء ونقائه يشب فصيحًا بليغًا، والشافعي رحمة الله تعالى عليه مكث عشر سنوات في بني هذيل يطلب اللغة، ولهذا أصبح إمامًا في اللغة يحتج بقوله، والوليد بن عبد الملك كان أسيرًا عند أبيه عبد الملك بن مروان بخلاف إخوته، وبعث عبد الملك سليمان وغيره إلى البادية، ولم يبعث الوليد، فكان الوليد يلحن، أي: لا يقيم المسائل النحوية جيدًا بينه وبين أبيه، فكان عبد الملك بعد ذلك يتحسر على أنه لم يبعث الوليد أيام صباه إلى البادية، ويقول: حبنا للوليد أضر به، أي: أنه لم يرسله إلى البادية ليقيم لسانه.
نعود إلى أفصح الخلق ﷺ، فقد أوتي ﵊ جوامع الكلم، وهي كلمات معدودات تدخل فيها معان لا يمكن حصرها، وهذا من البلاغة، ولهذا ينبغي للخطيب الذي يرقى المنابر أن يحاول أن لا يكرر الكلام ولا أن يعيد نفس الفكرة، وإنما يحاول أن يأتي بجوامع الكلم، وأن يرقى بسامعيه إلى محل أعلى كما كان ﷺ يقول، وقد قال أهل الصناعة الأدبية إن هناك كلمات أثرت عن النبي ﷺ لم يسبق إليها، أي: أن العرب لم تكن تعرفها، منها قوله ﷺ يوم حنين: (الآن حمي الوطيس)، قالها ﷺ لما اشتد رحى المعركة في يوم حنين، فهذه العبارة لم تكن تعرفها العرب من قبل، وإنما أول من قالها هو رسول الله ﷺ، وذكروا كلمات أو عبارات غير هذه كما بينهما أصحاب كتاب المفصل في الأدب العربي، والذي يعنينا أن الإنسان إذا أراد أن يقوِّم لسانه فعليه بقراءة القرآن، وتأمل أحاديث المعصوم ﷺ، فسيجد فيها مرتقى عاليًا، ومنازل رفيعة في البلاغة والفصاحة، وهذا شأن أنبياء الله، ونبينا ﷺ هو أفصح من نطق لغة الضاد، إلا أن أهل السير يقولون: إن شعيبًا ﵇ إذا ذكر يوسم بأنه خطيب الأنبياء، وشعيب أحد أربعة أنبياء من العرب وهم: شعيب وهود وصالح وختموا برسول الله ﷺ.
هذا ما تمكنا إيراده وتهيأ إعداده حول بائية شوقي في مدح سيد الخلق ﷺ.
وفي اللقاء القادم سنعرج على ميمية البوصيري، ثم نردف بعد ذلك قصائد شوقي التي عارض بها نونية البوصيري.
نسأل الله لنا ولكم التوفيق.
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
[ ١٠ ]