لقد كان موت رسول الله ﷺ كارثة على الأمة وأي كارثة! فقد أظلمت المدينة، واسودت الحياة في وجوه الصحابة، ونزل عليهم الكآبة والحزن، فصبر الصحابة على ذلك، وكان الصديق هو رأسهم في ذلك، فصبر وصبرهم، فكل نفس ذائقة الموت، فكل مصيبة تهون بجانب مصابنا برسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
[ ٣ / ١ ]
مرثية حسان في النبي وما امتازت به
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وسع الخلائق خيره، ولم يسع الناس غيره، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المباركون والأخوات المباركات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فهذا لقاء متجدد مع برنامجنا ولقاءاتنا الموسومة بالمدائح النبوية التي نعرج فيها على ما قيل من أبيات فيمن ختم الله به النبوة، وأتم الله به الرسالات نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ولقاء اليوم يأخذ طابعًا خاصًا وهو أننا في أول لقاءاتنا بدأنا بقصيدة حسان: عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء وأما اليوم فسنختم هذين اللقاءين بقصيدة لـ حسان، لكن المناسبة تختلف فالدالية التي نحن بصدد الحديث عنها اليوم تتحدث عن وفاة رسول الله ﷺ، وقد كان من النقاد يقولون دومًا في الصناعة الأدبية: إن شعر الرثاء هو أصدق أغراض الشعر؛ لأن الغالب فيه أن القائل لا يرجو ثناء ولا مدحًا من الناس ولا عطايا، فكيف إذا كان الرثاء صادر من قلب صحابي جليل صحب النبي ﷺ وعرفه، وكان له مع النبي ﷺ أيام وليال في خير المدائن مدينته صلوات الله وسلامه عليه، ثم رأى بعينيه وفاة نبينا ﷺ وشارك في الصلاة عليه، ثم تصدر الناس في رثائه ﵊، ذلكم هو حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه وأرضاه شاعر رسول الله ﷺ، وسنقف ونختار أبياتًا من دالية حسان في رثاء سيد الخلق ورسول الحق ﷺ، ثم كما جرت العادة سنعرج ونعلق على الأبيات في لقاءين متتابعين بإذن الله نذكر منهما من معين السيرة، وننهل من تلك الأيام التي ختم الله بها أيام وليال عمر أطهر الخلق وأشرفهم صلوات الله وسلامه عليه.
قال حسان ﵁ وأرضاه: بطيبة رسم للرسول ومعهد منير وقد تعفو الرسوم وتهمد ولا تمتحي الآيات من دار حُرمة بها منبر الهادي الذي كان يصعد وواضح آيات وباقي معالم وربع له فيه مصلى ومسجد بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد معارف لم تطمس على العهد آيها أتاها البلى فالآي منها تجدد عرفت بها رسم الرسول وصحبه وقبرًا به واراه في الترب ملحد ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت عيون ومثلاها من الجفن تسعد تذكر آلاء الرسول وما أرى لها محصيًا نفسي فنفسي تبلد مفجعة قد شفها فقد أحمد فظلت لآلاء الرسول تعدد وما بلغت من كل أمر عشيرة ولكن نفسي بعد ما فيه تحمد أطالت وقوفًا تذرف العين جهدها على طلل القبر الذي فيه أحمد فبوركت يا قبر الرسول وبوركت ديار ثوى فيها الرشيد المسدد وهل عدلت يومًا رزية هالك رزية يوم مات فيه محمد وأمست بلاد الحرم وحشًا بقاعها لغيبة ما كانت من الوحي تعهد فبكّي رسول الله يا عين عبرة ولا أعرفنك الدهر دمعك يجمد وما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يفقد وليس هوائي نازعًا عن هؤائه لعلي به في جنة الخلد أخلد مع المصطفى أرجو بذاك جواره وفي نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد
[ ٣ / ٢ ]
استئثار الله تعالى بالبقاء والكمال
هذه بعض الأبيات قالها حسان رضي الله تعالى عنه في رثاء رسول الله ﷺ، والحديث عن وفاة رسول الله ﷺ حديث عن مصاب عظيم وخطب جلل، لكننا سنحاول قدر الإمكان أن نقدم لك أيها المبارك وأيها الأخت المباركة ما يمكن أن ننهله من زاخر المعاني في هذا المقطع من السيرة من وفاة رسول الله ﷺ فنقول وبالله التوفيق: أولاها: أن الله جل وعلا استأثر بالكمال لنفسه وكتب النقص على عباده، فقال وهو أصدق القائلين: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦]، وقال جل ذكره وتباركت أسماؤه: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، وقال جل ذكره: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤]، فنبينا ﷺ هو أشرف الخلق وأجلهم لكنه مع ذلك كتب الله عليه الموت كما كتب الله الموت على كل أحد، فالله جل وعلا هو الحي حياة لم يسبقها عدم ولا يلحقها زوال، كما أن علمه جل وعلا علم لم يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان، ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢]، وقال جل وعلا هو الحي لا إله إلا هو: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:٦٥]، وقال تباركت أسماؤه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان:٥٨]، فالله جل وعلا هو الحي، والحي حين لا حي، فالموت أذل الله جل وعلا به خلقه، وكتبه ﵎ على عباده، قال الله جل وعلا مستفتحًا سورة الملك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:١ - ٢]، قال بعض أجلاء المفسرين: قدم الله جل وعلا ذكر الموت على ذكر الحياة حتى يذل عباده ويخبر جل وعلا أنه المالك القهار الواحد الذي لا رب غيره ولا إله سواه، فهذا مما يشترك فيه الخلق أجمعون ومنهم نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
[ ٣ / ٣ ]
تخيير النبي عند الموت
الأمر الثاني: أن النبي ﷺ خير ما بين الخلد في الدنيا ثم الجنة وما بين لقاء الله ثم الجنة، ولما كانت أنفس الأنبياء لا تتعلق بشيء كتعلقها بالله كان ﷺ عظيم الشوق إلى لقاء ربه جل وعلا، جاء في الآثار أنه زار المقبرة كالمودع فاستغفر لأهل البقيع، وكان معه غلامه أبو مويهبة فقال يا أبو مويهبة: (إن الله خيرني بين الخلد في الدنيا ثم الجنة وبين وقبل أن يكمل قاطعه أبو مويهبة قائلًا: يا رسول الله بأبي أنت وأمي اختر الخلد في الدنيا ثم الجنة، قال: لا يا أبا مويهبة! إنني اخترت لقاء الله ثم الجنة).
[ ٣ / ٤ ]
إرهاصات قبل وفاته ﷺ
وهذه كان من إرهاصات مرضه ﷺ كما سيأتي.
وفي العام التاسع أُذّن في الناس أن النبي ﷺ سيحج، فأم المدينة خلق كثير كلهم يريد أن يأتم بحجة نبينا ﷺ، فخرج ﷺ في العام العاشر من الهجرة حاجًا بالناس محرمًا من ذي الحليفة، فلما وقف ﷺ في عرفة في ذلك الثرى الطاهر أنزل الله جل وعلا عليه قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، والأنبياء والرسل إنما كلفوا بمهام جليلة ورسائل عظيمة، فإذا تمت كان ذلك إيذانًا بأن أعمارهم لم يبق منها إلا القليل، فلما أنزلت عليه هذه الآية عرف ﷺ بدنو أجله وقرب رحيله، فأخذ يودع الناس فكان كلما خطب وقال شيئًا وعظ الناس فيه وذكرهم قطع خطبته قائلًا: (اللهم هل بلغت اللهم فاشهد، ويقول: لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا).
فعرفت تلك الحجة بحجة الوداع؛ لأن النبي ﷺ ودع الناس فيها، ثم عاد راجعًا ﷺ إلى المدينة كان ذلك في أخريات شهر ذي الحجة، ثم كان شهر محرم وشهر صفر، وفي أوائل شهر ربيع دخل ﷺ على عائشة فوجدها قد عصبت رأسها بعصابة وهي تقول: وارأساه، فقال ﷺ: (بل أنا وارأساه)، فبدأ يشتد عليه المرض ويعرف ﷺ بدنو رحيله وقرب أجله، فأخذ يتقلل من الدنيا ولم تكن الدنيا يومًا في قلبه، فأعتق غلمانه، وتصدق بدنانير تسعة كانت عنده صلوات الله وسلامه عليه، وقد بدأ منه الوفاء لأصحابه ﷺ، وقد كان وفيًا معهم حياته كلها لكنه لما شعر بدنو الرحيل أراد أن يبلغ الذروة في الوفاء، فبدأ بالموتى فخرج ﷺ إلى شهداء أحد فاستغفر لهم ودعا لهم، وكأنه ﷺ بخروجه إليهم ودعائه لهم واستغفاره لهم صلوات الله وسلامه عليه يرد لهم شيئًا من الجميل والصنيع الذي قدموه يوم أن قدموا فداء لله ورسوله وماتوا شهداء؛ يرجون الجنة ويبتغوا ما عند الفضل الواسع، فودعهم ﷺ واستغفر لهم، وقفل راجعًا، وسن لأمته بعد ذلك أن تأتي إلى شهداء أحد كما فعل صلوات وسلامه عليه ويدعو الإنسان لهم.
[ ٣ / ٥ ]
وفاؤه ﷺ لأصحابه قبل موته
والنبي ﷺ في غدوه ورواحه وخروجه وولوجه بركة على الناس، فإنه ﷺ كان يدعو لأهل القبور ويقول: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها على أهلها بصلاتي عليهم) صلوات الله وسلامه عليه، وصدق الله القائل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، وكما صنع ﷺ بشهداء أحد صنع بأهل بقيع الغرقد، فقد أتاهم وقال: (اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد)، وهؤلاء هم أصحابه الذين ماتوا ودفنوا في البقيع، وغالب من دفن في البقيع لم يكن ممن مات في المعارك؛ لأن أهل المعارك القتلى منهم والشهداء منهم يدفنون في مواطنهم، فقد دفن أهل بدر في بدر والقتلى في أحد في أحد، وأما المقبورون من الصحابة في البقيع فغالبهم ممن مات بصورة عادية ولم يكن قتيلًا أو شهيدًا في معركة.
والمقصود أنه ﷺ دعا لهؤلاء ودعا لهؤلاء، فهو حتى قبل أن يرحل من الدنيا أراد أن يكون وفيًا مع أصحابه صلوات الله وسلامه عليه.
ثم أيها المباركون نتفيأ وإياكم ظلال قصيدة حسان: بطيبة رسم للرسول ومعهد منير وقد تعفو الرسوم وتهمد بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد ذكرنا أن النبي ﷺ تجلى خصلة الوفاء فيه أكثر ما تجلت يوم قرب رحيله، خاصة عندما رأينا أنه ﷺ أتى شهداء أحد، وأتى أهل بقيع الغرقد فاستغفر لهم كالمودع صلوات الله وسلامه عليه، ونجد أنفسنا لزامًا -حتى يستقيم العرض- أن نذكر تلك الأيام والليالي الأخيرة من حياته ﷺ سردًا، ثم إن شاء الله تعالى في اللقاء القادم نعرج على قصيدة حسان ونربط كيف ننهل من نعيم السيرة العطرة والأيام النضرة، وما يمكن أن نستقيه من تلك الليالي والأيام التي كانت آخر ما عاشه ﷺ من حياته المباركة.
[ ٣ / ٦ ]
موت النبي ﷺ
فنقول: لما اشتد به المرض صلوات الله وسلامه عليه أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، فكأن عائشة ﵂ كرهت أن يتشاءم الناس بأبيها، فاعتذرت لرسول الله ﷺ قائلة: إن أبا بكر رجل أسيف، فقال ﷺ: (إنكن صواحب يوسف، أو تظهرن ما لا تخفين)، ثم بعد ذلك صلى أبو بكر بالناس والنبي ﷺ في حجرته حتى دنت ساعة الرحيل، وكان ذلك ضحى يوم الإثنين يوم الإثنين من شهر ربيع الأول في صلاة الفجر، وهي آخر صلاة صلاها الصحابة رضي الله تعالى عنهم ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، فكان أبو بكر يصلي بالناس فإذا بهم يفاجئون أن الستارة التي ما بين الحجرة التي فيها نبينا ﷺ وبين المسجد تكشف، ونبينا ﷺ يطل على أصحابه يتهلل وجهه كأنه ورقة مصحف، ففرح الصحابة واستبشروا، فقرت عينه ﷺ أن رآهم مجتمعين على الصلاة، ثم عاد إلى فراشه وبدأ المرض يتفاقم، فدخل عليه ﷺ أسامة بن زيد حبه وابن حبه، فطلب أسامة من رسول الله أن يدعو له، فرفع يديه يدعو، وخرج أسامة، فدخلت فاطمة ابنته فقربها منه وأخبرها أن جبريل كان يراجعه القرآن كل عام مرة، وأنه راجعه القرآن في هذا العام مرتين، وقال: (ولا أراه إلا قرب أجلي)، ثم أخبرها أنه سيموت في مرضه هذا، وأنها أول أهله لحوقًا به، فبكت، ثم أخبرها وسارها أنها سيدة أهل الجنة فرضيت وضحكت وخرجت من عنده، ثم دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر أخو عائشة وفي يد عبد الرحمن سواك، فأخذ ﷺ يحدق النظر إلى السواك، ففهمت عائشة مراده، فأخذت السواك من أخيها بعد أن أشارت إليه هل تريده فأشار برأسه أن نعم، وقضمت السواك وطيبته فاستاك به ﷺ، ثم ضمته عائشة إلى سحرها ونحرها، وثقل ﷺ عليها فسمعته وهو يردد: (مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، ثم قال: بل الرفيق الأعلى قالها ثلاثًا)، ثم مالت يده وفاضت روحه إلى أعلى عليين في المحل الأسنى والملكوت الأعلى صلوات الله وسلامه عليه.
[ ٣ / ٧ ]
تغسيله ﷺ
وتولى غسله أهل بيته، فباشر علي ﵁ الغسل بنفسه، وكان قثم والفضل وأبوهما العباس يقلبون الجسد الشريف الطاهر، وأسامة وشقران مولى رسول الله ﷺ يسكبان الماء، ولم تكشف لرسول الله ﷺ عورة، ثم كفن صلوات الله وسلامه عليه، ثم صلي عليه في نفس حجرة عائشة صلي عليه أرسالًا، أي: صلى الناس فرادًا ليس لهم إمام، فصلى عليه أولًا عمه العباس، ثم صلى عليه بنو هاشم، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، ثم سائر الناس، ثم حفر له ﷺ لحد في الجهة الجنوبية الغربية من حجرة عائشة، فنزل قبره علي وأسامة وقثم والفضل وشقران ﵃ جميعًا، وأودع جسد ﷺ اللحد وضم على اللحد تسع لبنات، ثم بعد أن بنيت التسع اللبنات خرج من في القبر ثم حثي التراب على القبر، هذه وفاته ﷺ وغسله ودفنه، قال حسان: وهل عدلت يومًا رزية هالك رزية يوم مات فيه محمد وما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يفقد صلى الإله ومن يحف بعرشه والطيبون على المبارك أحمد
[ ٣ / ٨ ]
عظم وفاة النبي ﷺ على الصحابة
هذا على وجه الإجمال أيها المبارك خبر وفاة نبينا ﷺ فارتجت المدينة، ويوم دخلها أنار منها كل شيء، ويوم مات أظلم منها كل شيء، وبعد ذلك ارتجت المدينة، ثم عقد الناس الخلافة لـ أبي بكر رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، تقول فاطمة وهي تسائل أنسًا ﵁ كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله ﷺ؟! وهي بهذا لا تعترض على قدر الله لكنها تخبر عن عظيم الفاجعة وهول المصيبة، وقد قال ﷺ: (تعزوا بمصيبتي عن كل مصيبة)، فأهل الإسلام لم يصابوا بمصيبة أعظم من فقد رسول الله ﷺ، وموت رسول الله ﷺ إذا ذكرناه بصورة خاصة يذكر فيه فضل فاطمة ﵂؛ لأن بنات النبي ﷺ وأبناءه الذين ماتوا قبله صلوات الله وسلامه عليه كلهم في ميزانه صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنهم ماتوا قبله، وأما فاطمة رضي الله تعالى عنها فرسول الله ﷺوهو أبوها- في ميزانها ﵂ وأرضاها، وأنت تعلم أن الإنسان إذا فقد عزيزًا وكلما كان ذلك العزيز عظيمًا أو يعظم فقده كان ذلك في ميزان أهله الذين مات عنهم، فكيف بـ فاطمة ﵂ وأرضاها أن النبي ﷺ وهو سيد الخلق ورسول الحق وأشرف من خلق الله وأعظمهم قدرًا وأرفعهم ذكرًا في ميزانها ﵂ وأرضاها، وهذا مما رجح به العلماء فضل فاطمة على كثير من النساء، ويزيد الأمر جلاء ووضوحًا قوله ﷺ عنها: (إنما فاطمة بضعة مني).
إن هذه الأخبار الثابتة عن وفاة نبي الهدى ورسول الرحمة ﷺ تزخر أيها اللبيب بمعان عظيمة بدءًا من توديعه للناس، وانتهاء بدفنه بعد الصلاة عليه صلوات الله وسلامه عليه، وحسان رضي الله تعالى عنه انفرد عن الشعراء بأنه رثى النبي ﷺ كما رثاه بعض الصحابة، وأما من جاء بعد ذلك من الشعراء فإنهم كانوا في سياق المدح للنبي ﷺ؛ لأن الرثاء غالبًا يكون بعد الوفاة مباشرة، وهذا لا يتحقق في الشعراء الذين وجدوا بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه، ولكنه يتحقق كثيرًا في حسان ﵁ وأرضاه، وكانت دالية حسان معبرة كل التعبير عن عظيم الخطب وجليل الأمر يوم أن فقد الناس رسول الهدى ونبي الرحمة صلوات الله وسلامه عليه، وقد حظيت مدينته صلوات الله وسلامه عليه بأن كان جسده الشريف مأواه فيها في ثراها، وذلك في الجهة الجنوبية الغربية من حجرة عائشة، وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها قد رأت -كما روى سعيد بن منصور في سننه- قبل مرض النبي ﷺ أن ثلاثة أقمار تسقط في حجرها، فذهبت إلى أبيها أبي بكر -وكان لـ أبي بكر باع في تأويل الرؤيا- فقصت الرؤيا عليه، فخنقته العبرة تأدبًا؛ لأنه فقه المعنى، فلما مات النبي ﷺ وغسل ودفن في حجرة عائشة قال الصديق ﵁ لابنته: هذا أول أقمارك يا عائشة! ثم دفن في نفس الحجرة أبو بكر ﵁ وأرضاه بعد سنتين وبضعة أشهر، ثم دفن عمر رضي الله تعالى عنه بعد أن ولي الناس عشر سنين، فكان الصديق والفاروق هما القمران اللذان ثلث بهم من دفن في الحجرة الطاهرة الشريفة، تصدق بذلك رؤيا عائشة يوم أن رأت أن ثلاثة أقمار تسقط في حجرها.
هذا خبر وفاة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه على وجه الإجمال، والإنسان إذا علم أن الله ﵎ كتب الموت على كل حي هانت عليه كل مصيبة يراها، ويتعزى بوفاة رسول الله ﷺ، على أنك يجب أن تعلم أن الله جل وعلا ما رضي بالبقاء والخلد إلا لأشقى خلقه عليه وهو إبليس، ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر:٣٦ - ٣٨].
وأما أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم فإنهم يبلغون عن الله رسالاته، ويمسحون له في برياته، حتى إذا أدوا الأمانة وبلغوا الرسالة خيروا بين الخلد في الدنيا أو الموت، وكلهم يختار لقاء الله ثم الجنة، وقد قال ﷺ: (إن الأنبياء يخيرون عند الموت)، وعائشة ﵂ لما أخبرها النبي ﷺ بهذا الحديث: (إن الأنبياء يخيرون عند الموت)، لم يتضح لها صورته، فلما سمعت النبي ﷺ يقول في خبر وفاته: (مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، ويقول: بل الرفيق الأعلى بل الرفيق الأعلى، قالت ﵂ وأرضاها: فعلمت أنه يخير)، وقد خير ﷺ عند موته فاختار ما أعده الله جل وعلا له عنده، فروحه ﵊ في أعلى عليين وجسده في حجرة عائشة، على أن الأرض قد حرم الله عليها أن تأكل أجساد الأنبياء، قال ﵊ لما قال للصحابة من قبل: (إن صلاتهم عليه تبلغه حيث ما كانوا، قالوا: يا رسول الله! وكيف تبلغك وقد أرمت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء).
ويجب أن تفطن أيها اللبيب! إلى أن هذا التحريم إنما هو تحريم منع لا تحريم شرع، ونظيره في القرآن قول الله جل وعلا: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص:١٢] أي: حرمنا على موسى تحريم منع لا تحريم شرع؛ لأن موسى يومها لم يكن في زمن التكليف، لكنه لا يجد نفسه -بقدر الله وأمره ومشيئته- يقبل أثداء النساء.
ومنه قول النبي ﷺ في إخباره عن السجود أن النار حرم الله عليها أن تأكل أعضاء السجود من بني آدم، فهذا كله مندرج في تحريم المنع، وعدم أكل الأرض لأجساد الأنبياء وتخييرهم عند الموت هو إحدى الخصائص التي خص الله جل وعلا بها أنبياءه ورسله صلوات الله وسلامه عليه، وهذه الخصائص لا تخرجهم عليهم الصلاة والسلام من كونهم بشر لا يملكون لأنفسهم ولا غيرهم ضرًا ولا نفعًا، كما حكى الله ذلك عن رسله كلهم عليهم الصلاة والسلام.
ومن هذا يتجلى للمؤمن أن يعلم عظيم القدرة وجليل الحكمة لربنا ﵎ يوم أن كتب الموت جل وعلا على عباده، ورسولنا صلى الله عليها وسلم عاش ٦٣ عامًا، ٤٠ منها قبل البعثة و٢٣ عامًا نبيًا ورسولًا، وقد نبئ بإقرأ وأرسل بالمدثر، ومكث في مكة ١٣ عامًا، وفي المدينة ١٠ أعوام، وهو ﵊ عمره كما قال في أعمار أمته قال: (أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين)، فهو ﵊ عاش ٦٣ سنة، ولذلك تلحظ إذا تدبرت السنة أنه في حجة الوداع ﷺ كان قد ساق الهدي معه مائة واشترك هو وعلي ﵁ في الهدي؛ لأن عليًا ﵁ أحرم من جهة اليمن، فقال له النبي ﷺ لما لقيه في مكة: (بماذا أحرمت؟ قال: يا رسول الله! أُحرم بما أهل به رسول الله ﷺ) ولأن النبي صلى الله ﵊ كان قارنًا فقد أشركه النبي ﷺ في هديه، فلما جاء يوم النحر نحر ﷺ من البدن ٦٣ بيده وأوكل إلى علي نحر الباقي، فعدد ما نحره ﷺ من النياق كان ٦٣ على قدر عمره الشريف صلوات الله وسلامه عليه، وكأن هذا نوع من الإرهاصات لدنو أجله وقرب رحيله، وأنه ﷺ لن يزيد عمره على ٦٣ سنة.
أحياني الله وإياكم على سنته، ورزقنا الله وإياكم حبه واتباع ملته، وسقانا الله وإياكم من يده، وجعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.
هذا هو الخبر النبوي من السيرة العطرة والأيام النضرة، وسنفصل فيما يمكن أن نستقي منه إن شاء الله تعالى في اللقاء القادم على ضوء قول حسان: وما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يفقد هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
[ ٣ / ٩ ]