لقد كانت الهجرة النبوية حدثًا تاريخيًا عظيمًا، فقد غيرت مجرى التاريخ، ومكنت للمسلمين أن يقيموا دولة الإسلام، ويفروا من اضطهاد المشركين في مكة، وهكذا تكون الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام ومن بلد الاستضعاف إلى بلد القوة.
[ ٥ / ١ ]
علة ذكر ابن دقيق للحجاز في شعره
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خالق الكون بما فيه، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله، آخر الأنبياء في الدنيا عصرًا، وأرفعهم وأجلهم يوم القيامة شأنًا وذكرا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون والأخوات المؤمنات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا لقاءنا متجدد مع لقاءاتنا الموسومة بالمدائح النبوية، هذه اللقاءات التي من خلالها نعرج على بعض القصائد التي قيلت في مدح نبينا ﷺ، فنستعرض منها أبياتًا ثم نجعل من هذا البيت طريقًا لنا إلى الحديث عن سيرة نبينا ﷺ، ونحن لا نتكلم في برنامج إنشادي، ولا نحاول أن نقدم أنفسنا كقراء شعر من الطراز الأول، لكن المقصود من ذلك إلقاء الضوء على بعض الأبيات، من خلال هذه الأبيات نصل إلى معاني زاخرة من سيرة نبينا ﷺ، فربنا جل شأنه يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]، ولا سبيل إلى الاقتداء به ﷺ إلا بعد التأمل والنظر والتدبر في سيرته العطرة وأيامه النضرة، ويجب أن يكون ذلك مصحوبًا بمحبة عظيمة، وإجلال كبير شرعي له، صلوات الله وسلامه عليه.
مر معنا الكثير من القصائد منها ما وقفنا معه مرة، ومنها ما وقفنا معه أكثر من مرة، واليوم نقف مع قصيدة لـ ابن دقيق العيد، الفقيه الشافعي المعروف، والقصيدة رائية، قالها في مدح رسول الله ﷺ، وقد اخترنا منها بعض الأبيات، ثم نعلق على القصيدة كما جرت به العادة.
قال ابن دقيق العيد ﵀: يا سائرًا نحو الحجاز مشمرًا اجهد فديتك في المسير وفي السرى وتدرع الصبر الجميل ولا تكن في مطلب المجد الأثير مقصرا اقصد إلى حيث المكارم والندى يلقاك وجههما مضيئًا مقمرا وإذا سهرت الليل في طلب العلا فحذار ثم حذار من خدع الكرى إن كَلّت النجب الركائب تارة فأعد لها ذكر الحبيب مكررا وابعث لها سر المدام فإنها بالذكر لا تنفك حتى تسكرا فالقصد حيث النور يشرق ساطعًا والطرف حيث ترى الثرى متعطرا قف بالمنازل والمناهل من لدن وادي قباء إلى حمى أم القرى وإذا رأيت مهابط الوحي التي نشرت على الآفاق نورًا نورا فاعلم بأنك ما رأيت شبيهها مذ كنت في ماضي الزمان ولا يرى شرفا لأمكنة تنزل بينها جبريل عن رب السماء مخبّرا فتأثرت عنه بأحسن بهجة أفدي الجمال مؤثّرًا ومؤثرا فتردد المختار بين بعيدها وقريبها متبديًا متحذرا ومهابة ملأ القلوب بهاؤها واستنزلت كبر الملوك مصغرا نزلت على قدم الزمان لتبع ودنت على بعد المزار لقيصرا هذه بعض أبيات قالها ابن دقيق العيد رحمة الله تعالى عليه في مدح النبي ﷺ، وقد قرأناها بعد أن اقتطفناها من ديوانه.
فنعلق عليها ونقول: تلحظ أول الأمر أن ابن دقيق العيد تكلم على الحجاز، ثم ذكر قضية أن تلك الأمكنة دنا منها المختار، وتردد في أروقتها صلوات الله وسلامه عليه، ونص على قباء أي الشاعر.
وسنذكر في هذا اللقاء قضية الحجاز وقضية قباء في السيرة العطرة والأيام النضرة لرسولنا ﷺ، إن شبه الجزيرة العربية كان أغلب أقسامها الجغرافية نجد وتهامة والحجاز، هذه هي الأقطاب الثلاثة لها، والنبي ﷺ ولد في مكة، وهاجر إلى المدينة وبها توفي، فهو ﷺ لم يغادر الحجاز كموطن، وإنما غادره عارضًا كخروجه ﷺ إلى تبوك ثم عاد.
والذي يعنينا هنا أن الحجاز ورد كلفظة تغنى بها الشعراء وحتى الفقهاء، فمثلًا النبي ﷺ ورده عنه أنه نهى عن الشرب قائمًا، وثبت عنه أنه شرب قائمًا صلوات الله وسلامه عليه، كما في الحديث الصحيح (أنه شرب من زمزم وهو قائم) وهذه مسألة اختلف العلماء فيها، وعلاقتها بالموضوع أن الفقهاء عندما أرادوا أن ينظموا هذا الأمر الفقهي شعرًا ذكروا أن السنة أن يشرب الإنسان قاعدًا، وأن شربه ﷺ وهو قائم لينقل الأمر من التحريم إلى الجواز، ونظموا في ذلك شعرًا يقول قائلهم: إذا جئت تشرب فاقعد تفز بسنة صفوة أهل الحجاز وقد صححوا شربه قائمًا وإنما ذاك بيان الجواز فالفقهاء هنا لما نظروا إلى السنة النبوية وأن النبي ﷺ نهى عن الشرب قائمًا، وثبت عنه أنه شرب قائمًا، قالوا: إن النهي هنا ليس لكراهة التحريم، وإنما لكراهة التنزيه، واحتجوا بأن شربه قائمًا صلوات الله وسلامه عليه ينقل الأمر من التحريم إلى الكراهة أو إلى بيان الجواز.
وموضوع الشاهد أنهم قالوا: إذا جئت تشرب فاقعد تفز بسنة صفوة أهل الحجاز.
صلوات الله وسلامه عليه، وأنا أسوق هنا الأمر أو الشعر أو البيتين ليس لأمر شعري أو لأمر فقهي، بل لأمر يتعلق بحديثنا عن الحجاز، فهنا نتذكر السيرة في قضية الهجرة، فالحكم على الشيء فرع من تصوره، وإنما يكون ظلمنا للغير، أو ظلمنا على الأشياء ناتج من عدم حكمنا عليها حكمًا صحيحًا، وذلك إذا كان الإنسان لا يتصور الموقف كاملًا.
[ ٥ / ٢ ]
علة مجيء إبليس في صورة شيخ نجدي
ومن ذلك أن النبي ﷺ تآمر المشركون عليه في دار الندوة، فجاء إبليس وحضر الاجتماع في صورة شيخ نجدي،
و
السؤال
لماذا حضر إبليس في صورة شيخ نجدي؟
الجواب
حضر إبليس في صورة شيخ نجدي لأن قلنا: إن الأقاليم كانت في شبه جزيرة العرب ثلاثة: الحجاز ونجد وتهامة، فالقرشيون قالوا قبل الاجتماع: لا يدخلن عليكم رجل من أهل تهامة، فإن هواهم مع محمد، فكان القرشيون يتخوفون من أي أحد في تهامة، ولو جاء وقال: أنا من تهامة ما قبلوه، ولا أخذوا عنه رأيًا؛ لأنه كان يغلب على ظنهم أن أهل تهامة ينازعون في النبي ﷺ ويعارضون قريشًا فيه، أي: أن هواهم مع هواه صلوات الله وسلامه عليه.
فعزمت قريش على ألا تدخل رجلًا من تهامة في دار الندوة، فهذا هو الذي دفع إبليس أن يأتي في صورة رجل من أهل نجد، لعلهم يقبلونه؛ لأن أهل نجد آنذاك لم يكن لهم علاقة بالنبي ﷺ، فهم لا يعرف عنهم شيء لا قبول ولا رد ولا حياد، فجاء إبليس بهذه الصورة حتى يتمكن من الدخول، لا لعارض في قضية أن أهل نجد أو أهل تهامة أو أهل الحجاز أحدهم له فضل على الآخر، هذا كله ملغي غير موجود في السيرة، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، فكان في الحجاز من نصر النبي ﷺ، وكان في الحجاز من عاداه، وكذلك في كل بلد، وإلى اليوم يوجد في أصقاع الأرض من هو مؤمن برسول الله ﷺ، محب له، ويوجد في جزيرة العرب من لا يبلغ الإيمان في قلبه ما بلغ في قلب أخيه ذلك الذي بعدت دياره، ونأت مواطنه والعبرة عند الله جل وعلا بالتقوى، هذا حديثنا عن قضية الحجاز في الشعر العربي الذي مدح به النبي ﷺ.
[ ٥ / ٣ ]
التعريف بقباء
وأما قباء التي ذكرها ابن دقيق العيد هاهنا اختلف في سبب التسمية، والأظهر أنه كان بئرًا بهذا الاسم، وقباء يقع في الجهة الجنوبية الغربية قليلًا في مدينة رسول الله ﷺ، وهذه الديار كانت لبني عمرو بن عوف، وتبعد الآن عن المسجد النبوي تقريبًا سبعة كيلو مترات.
والنبي ﷺ أول ما نزل في المدينة نزل إليها؛ لأن المهاجرين الأولين الذين سبقوا النبي ﷺ بقدومهم إلى المدينة كانوا ينزلون إلى قباء، وأول من نزل فيها أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، فهذا أول المهاجرين، وهو أول ما وصل إلى المدينة وصل إليها، وظاهر الطريق أنذاك أنه كان شبه لزام على من يأتي إلى المدينة أن يبدأ بقباء؛ لأننا نعلم أن دليل النبي ﷺ وهو عبد الله بن أريقط في آخر الأمر اخترق بهم وادي ريم، ووادي ريم اليوم خمسين كيلو على طريق الهجرة إلى المدينة، ثم اخترق بهم بطن وادي ريم، ثم أتى نازلًا على قباء.
والطريق الآن كذلك فطريق الهجرة المعمول به حاليًا يؤدي إلى مسجد قباء، فـ أبو سلمة بن عبد الأسد كان أول من نزل قباء، وأهل السير والتاريخ والعلم عند الله بصحة السند يقولون: إن أبا سلمة هو أول من يأخذ كتابه بيمينه، كما أن أخاه الأسود بن عبد الأسد أول من يأخذ كتابه بشماله، وهذا الأسود بن عبد الأسد هو الذي أقسم في أول المعركة قبل أن يقتتل الفريقان، أقسم أن يأتي إلى البئر الذي عند النبي ﷺ وأصحابه ويشرب دونه أو يهلك، فهلك قتله حمزة وبعض الصحابة قبل أن يصل إلى البئر، لكنه كان قد أقسم، وهذا يدلك على فرط شجاعته، وعلى فرط عناده وكفره وعدم إيمانه بالله ورسوله، فالمشهور أن هذا الرجل هو أول من يأخذ كتابه بشماله، وأخوه -وسبحان من قال: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠]- هو أول من يأخذ كتابه بيمينه، وهو أول من وصل قباء من المهاجرين على المشهور، وقد يكون قبله واحد أو اثنان، لكن المشهور أن أول من وصل هو أبو سلمة بن عبد الأسد، وقد كان زوجًا لـ أم سلمة ﵂ وأرضاها، ثم مات عنها شهيدًا، ثم تزوجها نبينا ﷺ.
موضع الشاهد: أن النبي ﵊ اختط ما كان عليه المهاجرون الأولون، فعندما بدءوا في قباء بدأ ﷺ بقباء، ونزل ﵊ في ديار بني عمرو بن عوف.
[ ٥ / ٤ ]
المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى
وهناك أسس مسجده ﷺ، مسجد قباء، - أي في ديار بني عمرو بن عوف- وليس المسجد النبوي، فمسجد قباء أسس قبل المسجد النبوي، وعلى هذا فإن الأظهر أنه المقصود بقول الله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨]، هذا المسجد، النبي ﷺ أخذ لبنة فوضعها في قبلته، فجاء أبو بكر وأخذ لبنه، فجاء عمر وأخذ لبنة، ثم تتابع فعل الصحابة، وأخذوا يبنونه، وبناه النبي ﷺ مع أصحابه في ديار بني عمرو بن عوف، وهو أول مسجد أسس في الإسلام، ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨].
ونخرج عن الدرس قليلًا فهنا فائدة في القرآن، يقول الله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ﴾ [التوبة:١٠٨]، كلمة فيه هنا جاءت متتابعة من غير فاصل: فيه فيه، فهي في الأول خاتمة للجملة الأولى، وفي الثانية بداية لها، وهذا لم يتكرر في القرآن إلا مرتين، في هذه الآية، وفي قول الله جل وعلا: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، فلفظ الجلالة هنا جاء مكررًا ليس بينهما فاصل لا من حرف ولا من غيره.
ذكرنا أن مسجد قباء بناه النبي ﷺ أول قدومه المدينة في بني عمرو بن عوف.
[ ٥ / ٥ ]
فضل مسجد قباء
قال ﷺ: (من توضأ في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه ركعتين كان له كأجر عمرة)، فالصلاة فيه تعدل أجر عمرة بنص الخبر الصحيح عن نبينا ﷺ.
وقد كان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيًا أو راكبًا، وقول الراوي: (كان النبي ﷺ يأتي قباء كل سبت) يحتمل معنيين: إما أن يكون النبي ﷺ يأتي قباء كل يوم سبت من كل أسبوع، وإما أن يكون الراوي قد قصد بكلمة السبت كلمة الأسبوع، أي: أن النبي ﷺ له يوم في الأسبوع يأتي فيه إلى قباء، والقول أنه يأتيه في يوم السبت تحديدًا أظهر في المعنى، وأقرب إلى ظاهر اللفظ، لكن يبقى البحث عن العلة، لماذا كان النبي ﷺ يتوخى يوم السبت في أن يأتي فيه إلى مسجد قباء؟ أحسن ما قيل في التعليل في هذه القضية أن تعرف أصل المسألة، ما أصل المسألة.
إن النبي ﵊ لم يكن في زمنه مسجد يقام فيه الجمعة إلا مسجده، فالجمعة في المدينة لم تكن تقام إلا في المسجد النبوي، أي: أن هناك جمعة واحدة فقط، وهذا يلزم منه أن أهل قباء يأتون إلى مسجد الرسول ﷺ ويصلون معه الجمعة، ومن هنا قال العلماء: إن تفقد النبي ﷺ لأهل قباء، وإتيانه المسجد كل سبت، المقصود منه: زيارة المسجد، وفي نفس الوقت أنه ﷺ يتفقد من لم يصل الجمعة معه من أصحابه، وهذا هو الأظهر والأليق وهو حمل العلة عليه ﷺ، وهو يتفق تمامًا مع ما عرف عن نبينا ﷺ من وفاء، وما كان يتحلى به صلوات الله وسلامه عليه، من الشفقة والحدب على أصحابه والسؤال عنهم، ﵃ وأرضاهم.
وهنا يأتينا
السؤال
قلنا: إن الجمعة لم تكن تقام إلا في مسجده ﷺ، فهل كانت هناك جمعة أخرى على وجه الأرض؟
و
الجواب
كانت هناك جمعة أخرى بعد الهجرة بسنتين تقريبًا، وقد أقيمت في جوافا، وجوافا بالفتح أو جوافا بالضم هي الآن في إقليم الأحساء من المملكة العربية السعودية، أي: في الشرق من أقاليم المملكة العربية السعودية، وهي بجوار مدينة الهفوف، فالجمعة في جوافا هي ثاني جمعة أقيمت في الإسلام، ويوجد هناك مسجد شبه مهجور، وهو مهدوم، وقد مررت عليه في إحدى أسفاري، لكن لا تقام فيه صلاة الآن، ونحن نهيب بالمسئولين في وزارة الشئون الإسلامية أن يحاولوا إعادة بناء المسجد، وأن يحيى؛ لكونه ثاني مسجد في الإسلام أقيمت فيه صلاة الجمعة.
ومكث النبي ﷺ في قباء أيامًا، فالنبي ﵊ ولد يوم الإثنين، ونبئ يوم الإثنين، وهاجر من مكة يوم الإثنين، ومكث في الطريق خمسة عشر يومًا، ودخل المدينة يوم الإثنين، دخلها ﷺ في قباء، ومكث في قباء على الصحيح الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، خمسة أيام، والجمعة قبل الزوال خرج ﷺ من قباء فأدركته الجمعة غير بعيد عن مسجد قباء، وليوم هناك مسجد موجود مقام مشيد وسعه الملك فهد ﵀، وتقام فيه الصلوات الخمس، وقد عرف بمسجد الجمعة، هذا المسجد صلى فيه ﷺ أول جمعة في المدينة.
ومن هذا يتحرر علاقة النبي ﷺ بالمساجد التي في المدينة، وبلا ريب أن أكثر علاقة له ﷺ كانت بمسجده، وقد تكلمنا عن الروضة الشريفة، وذكرنا حدودها في حلقة مضت.
[ ٥ / ٦ ]
التعريف بمسجد القبلتين
أما ما تسمعه يا أخي عن مسجد القبلتين، فالمدينة كانت عامرة تغص بالأنصار: الأوس والخزرج، وكانت ديار بني سلمة إلى الشمال الغربي من مسجده ﷺ، وكان لهم مسجد يصلون فيه، واستأذنوا النبي ﵊ أن يدنوا من المسجد النبوي، فقال ﷺ: (يا بني سلمة دياركم) أي: الزموا دياركم، (تكتب آثاركم)، وكان النبي ﷺ في أول نزوله المدينة يصلي جهة الشام ستة عشر شهرًا، حتى نزل قول الله جل وعلا: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤]، فتغيرت القبلة من الشمال إلى الجنوب، فذهب رسول من النبي ﷺ يخبر بني سلمة بتغير القبلة، فجاءهم وهم يصلون الظهر أو العصر، والأظهر أنها كانت صلاة العصر، فجاءهم وهم يصلون إلى جهة الشمال؛ لأن بيت المقدس في الشام شمال المدينة، فأخبرهم وهم يصلون أن القبلة قد انتقلت إلى مكة، فلما قال لهم: إن القبلة توجهت إلى الكعبة عرفوا أنهم سيتجهون جنوبًا، فتغيروا، فتقدم إمامهم وتأخر مأمومهم، وأصبحوا يصلون جهة الجنوب.
إذًا في صلاة واحدة جمع الأخيار من الأنصار من بني سلمة الصلاة إلى قبلتين، فأول الصلاة كان إلى جهة الشام، وآخر الصلاة كان إلى جهة الكعبة؛ لهذا سمي هذا المسجد بمسجد القبلتين، وإلا فقباء والمسجد النبوي ومسجد بني عبد الأشهل، كل هذه المساجد التي كانت موجودة قبل التحويل اتجهت قبلتها إلى القبلتين، فالمسجد النبوي كانت قبلته شمالًا وحولت جنوبًا، ومسجد قباء كانت قبلته شمالًا وحولت جنوبًا، وكذلك غيرهما من المساجد، لكن سمي مسجد بني سلمة مسجد القبلتين؛ لأن أهله في فريضة واحدة صلوا إلى القبلتين شمالًا إلى الشام، وجنوبًا إلى الكعبة حيث استقر الأمر، ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤].
[ ٥ / ٧ ]
مكانة الصلح بين الناس
هذا كله أيها الأخ المبارك! يعطينا صورة عن حياة النبي ﷺ التي تتعلق بالعبادات.
وبنو عمرو بن عوف حصل بينهم في إحدى أيام حياة النبي ﷺ شيء من النزاع، فخرج ﷺ ليصلح بينهم فتأخر على أصحابه -أي: في مسجده- فجاء بلال ﵁ مؤذن رسول الله ﷺ إلى أبي بكر وقال: هل أقيم وتصلي؟، وانظر إلى أدب الصحابة، قال أبو بكر: نعم، فأقام بلال الصلاة، وتقدم أبو بكر يصلي كما في البخاري، فلما قام أبو بكر ﵁ وأرضاه يصلي، وهم في الركعة الأولى قدم النبي ﷺ، وكأنه ﵊ رغب أن يصلي في الصف الأول، فحثى حتى وصل إلى الصف الأول، فأحدث الناس صوتًا؛ يشعرون أبا بكر أن النبي ﵊ قد قدم، فلما شعر أبو بكر بأن ثمة حدثًا يكون وراءه التفت، فرأى النبي ﷺ، فأشار إليه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أن ابق مكانك، لكن أبا بكر رجع ﵁ وأرضاه، ورفع يديه يدعو، فالآن هو في صلاة فرفع يديه يدعو، ثم وقف في الصف وقدم النبي ﷺ وأكمل بهم الصلاة، فلما سلم صلوات الله وسلامه عليه وانصرف إلى الناس بوجهه قال لـ أبي بكر: (ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟) أي: أنا أشرت إليك بيدي أن ابق مكانك، فقال ﵁ وأرضاه: (ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يتقدم النبي ﷺ)، ولم يقل: ما كان لـ أبي بكر، وإنما قال: ما كان لـ ابن أبي قحافة، يختار اسمًا أوضع، وكأنه تلميذ في مدرسة محمد ﷺ، وأما رفعه يديه يدعو فإنه يحمد الله ويشكره أن النبي ﷺ طلب منه أن يصلي به.
ومن هذا الموقف الجزئي أخذ بعض الفقهاء جواز الدعاء في الصلاة؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر على أبي بكر أنه رفع يديه يدعو في الصلاة، وهو دليل ظاهر لمن قال بدعاء ختم القرآن في رمضان، وفيه آثار كثيرة تدل عليه، لكن من أكثر الدلائل والقرائن فقهية على جواز الدعاء بختم القرآن هو قضية صنيع أبي بكر هنا، فقد رفع يديه يدعو ويحمد الله على ما آتاه الله، وأن النبي ﷺ أراد أن يقدمه، ولم ينكر عليه النبي ﷺ رفعه ليديه بالدعاء، والنبي ﵊ لا يقر على باطل.
وهذا الأمر برمته يبين لك أن الإصلاح بين الناس شأنه عظيم؛ ولهذا ذهب النبي ﷺ إلى قباء إلى بني عمرو بن عوف، وأخرت الصلاة، كل ذلك من أجل تحقيق الصلح، والله يقول: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨]، وإمام المسلمين وأهل الجاه والثراء والكلمة المسموعة في الأمة أولى الناس بالقيام بهذه الأمور على الوجه الأكمل والنحو الأتم، وكل ذلك مستقى من سيرة عطرة وأيام نضرة لسيد الخلق الداعي إلى الحق صلوات الله وسلامه عليه.
جعلني الله وإياكم ممن يحيا على سنته، ويموت على سنته.
هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده من التعليق على رائية ابن دقيق العيد في مدح رسولنا صلوات الله وسلامه عليه.
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
[ ٥ / ٨ ]