لقد أعجز الله بهذا القرآن وببلاغته الإنس والجن، فتحداهم أن يأتوا بمثله، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله، فلم يستطع الجن والإنس وأخرسوا، مع أن العرب كانوا أهل فصاحة وبلاغة إلا أن ألسنتهم جمدت لا تحرك ساكنًا في ذلك.
وبلاغة القرآن بحر لا ساحل له في ألفاظه ومعانيه، وفي كناياته وتشبيهاته وأمثلته.
[ ٧ / ١ ]
تمكن شوقي من الشعر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وأحكم كل شيء صنعه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا رب غيره، ولا شريك معه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المباركون والأخوات المباركات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا لقاء متجدد معكم حول لقاءاتنا الموسومة بالمدائح النبوية، هذه اللقاءات التي نجعل فيها من القصائد التي قيلت في مدح سيد الخلق وأشرفهم ﷺ سبيلًا وطريقًا وتوطئة لنا في الحديث عن سيرته العطرة وأيامه النضرة، وفي أيام سبقت ولقاءات خلت تحدثنا عن ميمية البوصيري ﵀ التي فتح بها بابًا واسعًا للشعراء في معارضتها، فيقول كل منهم ما يفتح الله به عليه في مدح سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، ونبهنا حينها إلى أن أمير الشعراء في هذا العصر أحمد شوقي ﵀ كان من أكثر من برع في معارضة ميمية البوصيري ميمية الشعرية: ريم على القاع بين البان والعلم وهذه ميمية التي سنختار أبياتًا منها هي إحدى قصائد ثلاث نبهنا سابقًا إلى أن شوقي قالها في مدح رسول الله ﷺ، وهي: البائية ومطلعها: سلوا قلبي غداة سلا وثابا والهمزية ومطلعها: ولد الهدى فالكائنات ضياء والميمية التي هي محور حديثنا في هذه الليلة.
قال شوقي ﵀: ريم على القاع بين البان والعلم أحل سفك دمي في الأشهر الحرم رمى القضاء بعيني جؤذر أسدًا يا ساكن القاع أدرك ساكن الأجم لما رنا حدثتني النفس قائلة يا ويح جنبك بالسهم المصيب رمي جحدتها وكتمت السهم في كبدي جرح الأحبة عندي غير ذي ألم يا لائمي في هواه والهوى قدر لو شفك الوجد لم تعذل ولم تلم وظللته فكانت تستظل به غمامة جذبتها خيرة الديم أسرى بك الله ليلًا إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم لما رأوك به التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم صلى وراءك منهم كل ذي خطر ومن يفز بحبيب الله يأتمم جبت السماوات أو ما فوقهن بهم دجى على منورة درية اللجم ركوبة لك من عز ومن شرف لا في الجياد ولا في الأينق الرسم حتى بلغت سماء لا يطار لها على جناح ولا يسعى على قدم مشيئة الخالق الباري وصنعته وقدرة الله فوق الشك والتهم ذكرت باليتم في القرآن تكرمة وقيمة اللؤلؤ المكنون في اليتم الله قسم بين الخلق رزقهم وأنت خيرت في الأرزاق والقسم إن قلت في الأمر لا أو قلت فيه نعم فخيرة الله في لا منك أو نعم أخوك عيسى دعا ميتًا فقام له وأنت أحييت أجيالًا من الرمم جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم آياته كلما طال المدى جدد يزينهن جلال العتق والقدم شريعة لك فجرت العقول بها عن زاخر من صنوف العلم ملتطم يلوح حول سنا التوحيد جوهرها كالحلي للسيف أو كالوشي للعلم واترك رعمسيس إن الملك مظهره في نهضة العدل لا في نهضة الهرم هذه بضع أبيات اخترناها لكم من ميمية شوقي رحمه الله تعالى، وغني عن القول أن شوقي كان يملك مقودًا عظيمًا في البيان، ولم يكن هناك غرابة أن يبايعه أهل عصره على إمرة الشعر، وحسن منه أن سخر بلاغته وبيانه كثيرًا في بيان خصائص وصفات نبينا ﷺ، وأنت لو قلبت ديوانًا للمتنبي مثلًا الذي يعده الكثير جزافًا شاعر العربية الأول لا تجد فيه قصيدة واحدة يمدح فيها رسول الله ﷺ، وهذه وصمة عار عليه وعلى شعره، وأما شوقي ﵀ فقد استغل قدرته الشعرية وما آتاه الله جل وعلا من مقود البيان، فجعل كثيرًا من قصائده بل صاغ ثلاث درر كلهن في مدح سيد الخلق ﷺ.
[ ٧ / ٢ ]
استغناء النبي عن المدح بمدح ربه له
وسنقف هنا وقفات متعددة مع هذه الميمية عبر لقاءين متتابعين، ونبدأ بالأيسر.
يقول شوقي: وظللته فكانت تستظل به غمامة جذبتها خيرة الديم إن الشعر يا أخي صنعة، والمعاني -كما يقول الجاحظ - مطروحة في الطريق، لكن الإنسان إذا قدر على صياغة تلك المعاني الشهيرة بين الناس عبر ألفاظ ممزوجة بماء الشعر فإن من يسمعها يطرب لها لكنه يعجز أن يقولها، فهذه هي حقيقة الشعر، إلا أننا نرى أن شوقي ههنا وفق للمعنى ووفق للفظ، فأخذ الصناعة من بابها كله، فهو يقول: وظللته: يقصد النبي ﷺ، وكون أن الغمامة ظللته ﵊ هذا مشهور معروف ذكره أهل السيرة ومن دونوا تاريخ نبينا ﷺ، لكن انظر كيف تعامل شوقي مع هذا الحديث التاريخي المكتوب الذي نقرأه جميعًا، فقال: وظللته، أي: النبي ﷺ.
ثم عكس الوضع، فقال: فكانت تستظل به غمامة جذبتها خيرة الديم فهو يقول: إن النبي ﷺ أشد عطاء وأكثر سخاء من عطاء السحاب، فهذه السحابة في الأصل بدأت مظللة، لكنها ما لبثت أن أصبحت هي تستظل به صلوات الله وسلامه عليه، وهذا معنى ذا شأو بعيد يبين لك القدرة الشعرية، وهذا القول قد لا يكون مقبولًا في أطراف الناس وأحادهم، لكنه بلا مرية وبلا شك مقبول في سيد الخلق ﷺ، وقد مضى معنا مرارًا أن الله جل وعلا زكاه، ونحن نعلم أن الشعراء إذ يمدحون نبينا ﷺ، فإن النبي ﵊ يكفيه ثناء الله عليه، لكن ثمة أفعال وثمة أقوال تزيدنا نحن القائلين بها شرفًا، وإلا فهي في ذاتها لا تزيد من قدمت له شيئًا، اللهم إلا أن يكون أمرًا تعبديًا محضًا، فقد تعبدنا الله جل وعلا بالصلاة على نبينا ﷺ، ونحن نعلم أن النبي ﷺ بما آتاه الله من فضل هو غني عن صلاتنا عليه؛ لأن الله يقول وقوله الحق: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٦] ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، فما صلاتنا على النبي ﷺ إلا أجر يزيد عندنا وحسنات تتضاعف لنا، وإلا فهو ﷺ ليس في حاجة لأن يصلي أحد عليه؛ لأن الله جل وعلا قد أكرمه من قبل، لكن فيها من عظيم الذكر وجليل العطاء وكبير المنحة من ربه تبارك له، ﷺ.
[ ٧ / ٣ ]
الإيمان بما أخبر الله به وأخبر به رسوله
ثم قال شوقي رحمة الله تعالى عليه: أسرى بك الله ليلًا إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم لما رأوك به التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم صلى وراءك منهم كل ذي خطر ومن يفز بحبيب الله يأتمم جبت السماوات أو ما فوقهن دجى على منورة درية اللجم ركوبة لك من عز ومن شرف لا في الجياد ولا في الأينق الرسم هذه الأمور يعجز العقل عن تقبلها، وإنما يقبلها إذا علم أنها من عند الله، فالذي يجعلنا نؤمن برحلة الإسراء والمعراج ونردد ما قاله الصديق ﵁ وأرضاه: إن قالها فقد صدق، الذي يجعلنا نقبلها أن الله ورسوله ﵊ أخبر بذلك، لهذا استنبط شوقي هذا الأمر، وهنا تتجلى بدعة الشعراء وقدرتهم الفنية، فقال شوقي معقبًا على تلك الأحداث التي مرت معنا في لقاء مضى، قال معقبًا: مشيئة الخالق الباري وصنعته وقدرة الله فوق الشك والتهم وقدرة الله فوق الشك والتهم وإلا إذا جعلنا الأمر على ما يقتضيه العقل فلا يمكن أن يصدق أو يقبل أن أحدًا عرج به إلى السماء السابعة، وقبل ذلك سرى به إلى المسجد الأقصى وكل ذلك في برهة من الليل، لكن لما كان هذا تدبير وتقدير العزيز العليم آمنا به وصدقنا به، وعلمنا أن هذا من دلائل الله احتفاء الله برسوله ﷺ.
[ ٧ / ٤ ]
معجزة القرآن الخالدة
ثم تطرق شوقي لمسألة أخرى فقال: جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم آياته كلما طال المدى جدد يزينهن جلال العتق والقدم قبل أن أنيخ المطايا وأتحدث عن بلاغة القرآن سأتحدث عن قول شوقي: جاء النبيون بالآيات فانصرمت إن الله جل وعلا أعطى بعض الأنبياء معجزات، لكن تلك المعجزات ما إن انتهت حياتهم إلا وانتهت تلك المعجزات، فإن الله جل وعلا أخرج لصالح من صخرة ناقة عشراء، لها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم، فكانت حجة على قومه، لكن الناقة قد ماتت، فقد عقرها قومه.
والله جل وعلا أعطى موسى ﵊ تسع آيات، قال له: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ [النمل:١٢]، هذه التسع آيات ذكرها الله جل وعلا متفرقة في القرآن قال ربنا: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٣٠] هاتان اثنتان، وقال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣] وهذه خمس، فتصير مع الاثنتين سبعًا، وقبلها كانت العصا، وأنه يضع يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، فأصبحت تسعًا، لكن هذه الآيات غير موجودة اليوم، كما قال شوقي: جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم وحتى التوراة التي كتبها الله جل وعلا لنبيه موسى والإنجيل الذي أنزله الله جل وعلا على نبيه عيسى قد دخلهما كثير من التحريف؛ لأن الله قال: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة:٤٤] أي: أن الله جل وعلا أوكل إليهم حفظه فضيعوه إلا قليلًا، لكن القرآن -كما سيأتي الحديث عن بلاغته تفصيلًا- قد توكل جل وعلا بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] أي: القرآن، فالله ﵎ تكفل بحفظ القرآن، فالذي بين دفتي المصحف اليوم هو كلام الله تكلم به حقيقة على الوجه الذي يليق بجلاله وعظمته، نزل به خير الملائكة جبريل، على خير الأنبياء محمد ﷺ، في خير ليلة وهي ليلة القدر، في خير شهر وهو شهر رمضان.
فهذا كله يدل على أن شوقي قد وفق عندما قال: جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا أي: يا محمد بحكيم: هذا نعت للقرآن.
غير منصرم: أي: لا ينتهي، وإنما يرفع عند اقتراب الساعة، يرفع القرآن بين عشية وضحاها في ليلة فلا يبقى في الصدور منه شيء.
آياته كلما طال المدى جدد يزينهن جلال العتق والقدم وهذا لا يكون إلا لكلام الله، وسنبين هنا -مع ضرب بعض الأمثلة- بلاغة القرآن، فالله جل وعلا ذكر في القرآن خبر موسى والخضر، وأخبر أن موسى ذهب يطلب العلم من لدن الخضر فاشترط الخضر على موسى ألا يسأله حتى ينبئه بما وقع له، فاتفقا على هذا، فلما مضيا في الطريق أخبر الله جل وعلا كما هو معلوم أن الخضر في أول الأمر خرق السفينة، وفي ثاني الأمر قتل الغلام، وفي ثالث الأمر بنى الجدار، فأراد موسى بعد ذلك أن يستفهم فقال له الخضر: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٨]، فجاء بكلمة (تستطع) ثقيلة جدًا؛ لأن وقتها موسى ﵇ لم يكن يعلم لماذا صنع الخضر كل ذلك، فهو مازال في حيرة من أمره والأمر عنه مغيب، ثم أخذ الخضر يحل العقد واحدة واحدة، فقال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩] يحكي القصة، ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف:٨٠]، الآن بدأت الأمور تتضح لدى موسى، والمسائل التي كانت معقدة بدأت تحل، ثم قال له: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢]، الآن جميع العقد انحلت، ثم قال الخضر هنا: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٨٢] فخففها؛ لأن موسى الآن أصبحت الصورة أمامه واضحة وليست كالأول، والعرب أهل البلاغة يقولون: الزيادة في المبنى زيادة في المعنى، فلهذا فاللفظ القرآني جاء في الأول ثقيل ليناسب الوضع: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٨]، فلما نبأه وحل الأمر وانكشف الوضع قال له: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٨٢]، وهذا من دلائل القرآن.
وبعدها بآيات في نفس سورة الكهف ذكر الله جل وعلا خبر بناء السد على يأجوج من قبل ذي القرنين، وذو القرنين عبد صالح وملك صالح، وقد بنى الردم ما بين يأجوج ومأجوج في قصة معروفة ليس هذا وقت بيانها؛ لأنني أتكلم عن بلاغة القرآن ولا أتكلم عن غوص القرآن، ثم قال ربنا جل وعلا بعد ذلك يصف هذا الردم، قال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف:٩٧]، وقال بعدها: ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف:٩٧]، فهذا الردم يحول ما بين يأجوج ومأجوج والخروج إلى الناس للإفساد، فأيهما أشد صعوبة أن يرتقوا ويرقوا على الردم أو أن ينقبوه؟ لا ريب أن نقبه أشد، فلما تكلم عن الظهور والصعود عليه قال الله جل وعلا: «فَمَا اسْطَاعُوا» بالتخفيف، أي: لم يستطيعوا أن يعتلوه، ولما تكلم عن النقض -وهو أشد- أتى بلفظة تناسبها، قال ربنا: «فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا»، وتلك منزلة عالية في البلاغة لا تكون إلا في القرآن.
وقال الله جل وعلا في سورة الضحى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:٩ - ١٠]، فاليتيم في بني آدم من فقد أباه قبل البلوغ، وفي الحيوانات من فقد أمه، وفي الطير من فقد أباه وأمه؛ لأن الطير يشترك فيه الأبوان في رعاية الطائر الصغير.
فاليتيم لما كان دون البلوغ كنت أقدر على أن تنهره بقولك وأن تزجره بفعلك، فعبر جل وعلا بالقهر، فقال: «فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ» أي: لا قولًا ولا فعلًا، ولما تكلم جل وعلا عن السائل قال: «وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ»؛ لأن السائل قد يكون قوي البدن شديد العنف، فلا تقدر عليه من كل وجه، لكن قد تستطيع أن تقدر عليه بلسانك فقط، فلهذا قال الله: «وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ»، وهذا من بلاغة القرآن.
كذلك إذا تجاوزنا هذه المسائل اللفظية فإن الله جل وعلا ذكر في القرآن أفانين عدة، ولا أريد أن أصرف الحديث إلى شيء واحد، فالرب ﵎ استفتح سورًا معدودات بحمده، فقال جل وعلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، وقال في الأنعام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١]، وقال ﵎ في الكهف: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف:١]، وقال جل وعلا في سبأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ:١]، وقال في فاطر: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١]، ولا يوجد في القرآن إلا هذه السور الخمس التي استفتحها الله جل وعلا بحمده ﵎، ذكر الله في القرآن خمسة وعشرين نبيًا صرح الله بأسمائهم، وثمة رجال في القرآن مختلف في نبوتهم، لكن المتفق على نبوتهم هم خمسة وعشرون، قال الله جل وعلا: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٨٣ - ٨٦]، فهؤلاء ثمانية عشر، والسبعة الباقون ذكروا متفرقين، وقد جمعوا في بيتي شعر: في تلك حجتنا منهم ثمانية من بعد عشر ويبقى سبعة وهم إدريس هود شعيب صالح وكذا ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا صلوات الله وسلامه عليهم، فهؤلاء السبعة لم يذكروا في آية: «وَتِلْكَ حُجَّتُنَا»، فهؤلاء خمسة وعشرون نبيًا صرح الله بأسمائهم في القرآن.
ولم يذكر في القرآن من الصحابة إلا واحد وهو زيد ﵁ في الأحزاب: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب:٣٧]، ولم يذكر من النساء في القرآن إلا مريم ابنة عمران ذكرها الله جل وعلا في عدة سور في آل عمران، وفي مريم، وسميت سورة باسمها.
وأما الملائكة فقد مر معنا أنه ليس هناك مذكور منهم بأسمائهم الصريحة إلا خمسة: جبريل وميكال ذكرا في البقرة، وجبريل ذكر في التحريم، وهاروت وماروت ذكرا في البقرة: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة:١٠٢]، ومالك ﵇ ذكر في الزخرف: ﴿وَنَاد
[ ٧ / ٥ ]