هذه القصيدة قالها المجدد للشعر في العصر الحديث محمود سامي البارودي، وقد كان له باع كبير في الشعر وفي فن المعارضات.
وقد مدح فيها نبينا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فأجاد وأفاد، وأنعم وأكرم بالممدوح
[ ٩ / ١ ]
من خبر البارودي
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المشاهدون والمشاهدات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هذا لقاء متجدد من لقاءاتنا الموسومة بالمدائح النبوية، فنحن في البرنامج العالمي للتعريف بنبي الرحمة ﷺ، هذا البرنامج الذي له أنشطته المتعددة في التعريف بسنة محمد ﷺ، والذب عنها، ونشر فضائله وذكر مناقبه، إنما يجعله من هذه اللقاءات الموسومة بالمدائح النبوية أحدى الطرائق للقيام بواجب أو بعض الواجب نحو سنة نبينا ﷺ.
وسنقف في هذا اليوم مع معارضة البارودي، والبارودي هو محمود سامي البارودي، وهو حامل لواء تجديد الشعر في العصر الحديث، ورغم أن البارودي كان رجلًا عسكريًا إلا أن الله جل وعلا منحه قدرة أدبيه فذة، وكان على يديه تجديد وبعث الشعر من جديد في العصر الحديث، وله في فن المعارضات باع طويل، ونظافة المحافظين كما يقول أهل الصناعة الأدبية، ثم حمل لواءها فيما بعد: شوقي وحافظ وسارا على نهج البارودي.
والذي يعنينا هنا هو تلك النونية التي قالها البارودي وهو في منفاه في سيران يمدح فيها سيد الخلق وأشرفهم ﷺ، وقد قلت مرارًا في هذا اللقاءات لمن يفقد سبب من يشرح الأبيات ويبين معاني الكلمات، ولكنني اتخذ من بعض أبيات القصيدة طريقًا للتعريف بالأيام النضرة والسيرة العطرة لنبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ورزقني الله وإياكم جواره في جنات النعيم.
قال البارودي رحمه الله تعالى: يا رائد البرق يمم دارة العلمِ واحْدُ الغمام إلى حيّ بذي سَلَمَ وإن مررت على الروحاء فأمر لها أخلاف سارية هتانة الديم أدعو إلى الدار بالسقيا وبي ظمأ أحق بالريّ لكني أخو كرم منازل لهواها بين جانحتي وديعة سِرها لم يتصل بفمي عهد تولى وأبقى في الفؤاد له شوقًا يفل شباه الرأي والهمم إذا تذكرته لاحت مخايله للعين حتى كأني منه في حلم فما على الدهر لو رقت شمائله فعاد بالوصل أو ألقى يد السلم صدرتها بنسيب شف باطنه عن عفة لم يشنها قول متهم لم أتخذه جزافًا بل سلكت به في القول مسلك أقوام ذوي قدم تابعت كعبًا وحسانًا ولي بهما في القول أسوة بر غير متهم والشعر معرض ألباب يروج به ما نمقته يد الآداب والحكم فلا يلمني على التشبيب ذو عنت فبلبل الروض مطبوع على النغم وليس لي روضة ألهو بزهرتها في معرض القول إلا روضة الحرم فهي التي تيمت قلبي وهمت بها وجدًا وإن كنت عف النفس لم أهم محمد خاتم الرسل الذي خضعت له البرية من عرب ومن عجم قد أبلغ الوحي عنه قبل بعثته مسامع الرسل قولا غير منكتم فصل رب على المختار ما طلعت شمس النهار ولاحت أنجم الظلم والآل والصحب والأنصار من تبعوا هداه واعترفوا بالعهد والذمم وامنن على عبدك العاني بمغفرة تمحو خطاياه في بدء ومختتم هذه هي من ميمية البارودي رحمة الله تعالى عليه اقتطفنا لك أيها المبارك بعض أبيات منها ونحن الآن بصدد الحديث عنه.
[ ٩ / ٢ ]
تحديد فج الروحاء، وما جاء فيه في السنة النبوية
ذكر البارودي موضعين في قصيدته: الروحاء والروضة، فأما الروحاء ففج يقال له: فج الروحاء، وهو في الطريق ما بين المدينة ومكة، وهو إلى المدينة أقرب، ولا زال عامرًا إلى اليوم، وهذا الفج مر به النبي ﷺ في ذهابه إلى معركة بدر؛ لأنه دون بدر تقريبًا بسبعين كيلو متر، كما أنه يبعد عن المدينة سبعين كيلو، أي: أنه في المنتصف تقريبًا بين بدر وبين المدينة، فهذا الفج وهو فج الروحاء ذكره النبي ﷺ، وقد دلت أحاديث عنه ﵊ أن فج الروحاء سيبقى عامرًا، فقد ذكر النبي ﷺ أخاه عيسى ابن مريم ﵇ومعلوم أن عيسى بن مريم سينزل في آخر الزمان- سيمر بفج الروحاء حاجًا أو معتمرًا أو مهلًا بهما، فهذا فيه إشارة إلى أمور لعل من أهمها أن عيسى قد يتخذ من المدينة موطنًا؛ لأنه كونه يمر في فج الروحاء محرمًا هذا يدل على أنه سيأتي من قِبَل المدينة وهذا الفج كما قلت مر به النبي ﷺ.
[ ٩ / ٣ ]
تحديد مكان الروضة وذكر فضلها
ثم قال البارودي: وليس لي روضة ألهو بزهرتها ثم قال: إلا روضة الحرم، الروضة: اسم مكان، وقد أطلقها النبي ﷺ في الحديث الصحيح عندما قال: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)، وفي حديث آخر قال: (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)، فلا يمكن حمل كلمة روضة هنا على أنها مجالس الذكر فقط؛ لأن هذا ينطبق على كل مكان، قال ﷺ: (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا)، ويمكن حمل ذلك -وهو الذي عليه أكثر العلماء- على أن هذه القطعة من المسجد النبوي إنما هي تكون يوم القيامة في الجنة، أو أنها مأخوذة الآن من الجنة.
وهنا قبل أن نشرع في تحديدها نذكر لطيفة قالها بعض أهل التفسير: الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الكهف:١٠٧ - ١٠٨] أي: الجنة ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف:١٠٨]، فأهل الجنة -رزقنا الله وإياكم دخولها- لا يبغون حولًا عن الجنة؛ لأنه لا يوجد بديل أفضل من الجنة، ويرزقهم الله القناعة التامة لذلك الموطن، وأهل المدنية اليوم وكل من يأتيها، وهذا أمر شائع ذائع بين الناس فيمن صفت نيته وخلصت سريرته أنهم لا يرغبون في النقلى عن المدينة ويشق عليه أن يغادرها، قال بعض أهل العلم: إن سبب ذلك الشيء المتواتر بين الناس أن في المدينة قطعة من الجنة وهي الروضة، فهناك بعض القاسم المشترك ما بين حال أهل الجنة وحال من يسكن المدينة لعموم قوله ﷺ: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة.
والمنبر كان بينه وبين جدار الحرم مسافة مقدارها ممر شاة، ثم يوجد مكان كان النبي ﷺ يصلي فيه وهو المحراب النبوي، لكن المحراب النبوي لم يكن مبنيًا كما هو اليوم، وإنما هو موضع وقوفه ﷺ وهو يؤم الناس بالصلاة، فالمسجد النبوي اليوم فيه ثلاثة محاريب: المحراب الذي في جهة القبلة، وهو الذي يصلي فيه الأئمة المعاصرون اليوم، وهذا المحراب هو موضع إمامة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أي: أنه من التوسعة الجنوبية القبلية التي أحدثها عثمان ﵁ ونعم ما فعل في مسجد رسول الله ﷺ، فـ عثمان كانت توسعته للمسجد من جهة القبلة، واتخذ المحراب في وسط المسجد، فأقره الصحابة على فعله هذا وصلوا وراءه، وكون الصحابة ﵃ وأرضاهم يصلون وراء عثمان هذا إقرار وإجماع منهم على حسن صنيع عثمان، ثم في الروضة نفسها اليوم محراب مبني وهو موضع محراب رسول الله ﷺ، وفي جهة الغرب من الروضة خارج حدود الروضة الآن يوجد محراب، وهذا المحراب لا يتعلق به أمر تعبدي وإنما هو باق لأمور تاريخية، وهذا المحراب بناه أحد سلاطين آل عثمان في زمانه، ومكتوب على المحراب تاريخ بناءه.
فهذا المحراب بناه أحد سلاطين آل عثمان أيام كان الحجاز تحت ولاية دولة آل عثمان، وأما الحراب النبوي فبدهي أن نقول: إن النبي ﷺ كان يصلي بالناس إمامًا فيه، فهذه هي المحاريب الثلاثة، وأما الروضة فإن النبي ﷺ يقول: (ما بين بيتي ومنبري)، وكلمة بيت: عامة لكن رواية (قبري) خاصة، فنحتاج إلى التوفيق بين الروايتين وهذا أمر لا بد أن نعمد إليه؛ لأننا إذا جعلنا رواية (بيتي) هي الحاكمة فالأمر يختلف، وإن جعلنا رواية (قبري) خاصة معلمة لقوله ﷺ: (ما بين بيتي ومنبري) فالأمر يختلف في تحديد الروضة، وتحديد الروضة إنما يفهم جليًا إذا استطعنا أن نحرر العام والخاص بين قوله ﷺ: (ما بين بيتي ومنبري) وقوله: (ما بين قبري ومنبري)، وهذا ما سيتضح إن شاء الله تعالى لنا بعد قليل في بيان تحديد الروضة، وإن كان الذي عليه العمل الآن عمل قول الجمهور، وهو الذي تعارف عليه الناس منذ قديم الزمان.
لا خلاف أن المنبر حد، فإن جعلنا رواية (قبري) مخصصة لعموم قوله ﷺ: (ما بين بيتي ومنبري) عرفنا بعد ذلك أن بيت عائشة هو المقصود؛ لأن النبي ﷺ كان قبره في بيت عائشة رضي الله تعالى عنه وأرضاها إذا جعلنا رواية قبري مخصصة لحديث بيتي فعرفنا أن الحدود من المنبر إلى القبر، وهذا قول مالك ﵀ وعليه عمل الناس اليوم، فالحدود الموجودة الآن في المسجد النبوي الشريف الذي تحدد الروضة وتميز فرشها عن بقية المسجد هو المعمول به على هذه الرواية على أن المقصود: رواية (قبري) مخصصة لرواية (بيتي)، فيصبح المقصود بيت عائشة رضي الله تعالى عنه وأرضاها؛ لأن بيت عائشة هو الذي احتوى الجسد الشريف الطاهر.
وإذا أطلقنا رواية (بيتي) فلا يخصص بيت عائشة دون غيرها من أمهات المؤمنين، فنجد أن لـ صفية ﵂ وأرضاها بيتًا في الجهة الغربية من المسجد عند خوخة أبي بكر اليوم بجوار باب الرحمة، وهذا في الجهة الغربية من المسجد، لأن حجرة عائشة في الشرق من المسجد، وعلى هذا تصبح المسافة أكبر بكثير مما هي عليه اليوم، فتصبح حجرة حفصة في الشمال الغربي وحجرة عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها في الجنوب الغربي، والمنبر هذا المثلث يكون الروضة، وهو لا يمكن أن يكون مثلثًا بطريقة ظاهرة لكنه أشبه بالمعين في ما يقول أهل الرياضيات، والذي يعنينا الآن أن الروضة الشريفة صلى فيها النبي ﷺ وفيها اسطوانات، ومكانها باقٍ إلى اليوم، فخلفاء المسلمين وملوكهم وسلاطينهم عبر الدهور إلى هذه الدولة المباركة -أيدها الله بنصره- يحافظون على الأسطوانة نفسها، فقد يتغير البناء لكن الموقع هو هو.
ومكتون على كل اسطوانة: ما تعارف الناس عبر التاريخ عليه كاسطوانة التوبة التي تاب عندها الصحابي أبو لبابة رضي الله تعالى عنه، واسطوانة الوفود التي كان النبي ﷺ يقابل عندها الوفود إلى غير ذلك من الاسطوانات.
والذي يعنينا هنا: أنه كان في أيام النبي ﷺ وأبي بكر وعمر يمكن الجمع بين فضيلتين: فضيلة الصلاة بالصف الأول، وفضيلة الصلاة في الروضة، وأما بعد ولاية عثمان ﵁ وأرضاه وتوسعة المسجد إلى الجنوب فإنه لا يمكن للمرء أن يصلي بالصف الأول، وفي ذات الوقت يصلي في الروضة لبعد المسافة؛ لأن الصف الأول الآن ليس في الروضة، فعندما نصلي فرضًا نتقدم للصلاة في الصف الأول، ونحرص على فضيلة الصف الأول، وإما إذا جئنا نصلي نفلًا إذا دخلنا المسجد في أي ساعة من ليل أو نهار، فإننا نصلي في الروضة ما اسطعنا؛ لأن قول النبي ﷺ: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) هذا فيه بيان لفضل الروضة عن غيرها من المسجد، وإن كان النبي ﷺ لم يحدد ذلك الفضل ولم يذكر الجزاء المعين عليه.
وكان للمدينة إمام يصلي التراويح وهو شيخنا الشيخ عبد العزيز بن صالح رحمه الله تعالى، وقد ظل إمامًا للمسجد النبوي خمسة وأربعين عامًا رحمة الله تعالى عليه، وهذا الرجل المبارك لم يكن يأخذ أجرًا على إمامته فكان يقول: أنا إلى الأجر أحوج مني إلى الأجرة، والذي يناسب ذكره في الحديث عن الشيخ ابن صالح في هذه القضية أن الشيخ عبد العزيز بن صالح رحمة الله تعالى عليه كان يصلي في صلاة التهجد في رمضان في محراب النبي ﷺ إمامًا، فيمكن حينها لمن عاصر الشيخ أن يصلي بالصف الأول وبالروضة، فيجمع ما بين الفضيلتين: الصلاة في الصف الأول، والصلاة في الروضة.
وقد من الله جل وعلا على كثير ممن عاصر الشيخ من تحقيق هذا الأمر، هذا الآن لا يعمل به لازدحام الناس فيما يبدو فيصلي الإمام التراويح والتهجد والفروض الخمس كلها في محراب عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وبقي أن نقول: إن هذه الروضة المباركة شهدت تعليم النبي ﷺ، فالأصل في مقام التعليم للعظات والوصايا المحمدية أنها كانت تنطلق من روضته ﷺ في مسجده، والروضة على وجه الأخص هي مجمع أصحاب محمد ﷺ.
[ ٩ / ٤ ]
تعظيم السنة النبوية والعمل بها
وهذا يسوقنا لحديث إلى مسألة بالغة الأهمية وهي تعظيم سنة ﷺ، يقول ﵊: (إلا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، فالقرآن والسنة قرينان لا يتفرقان أبدًا كلاهما يعضد الآخر، والصحابة ﵃ رقبوا هذا الأمر فكانوا يعظمون أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقديراته كما يعظمون القرآن، ولا يفرقون بينهما، وهذا هو فعل المؤمن الحق، فالله جلا وعلا يقول: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، فالإيمان بالرسل تعظيم أقواله وأخذها كأخذ الوحي تمامًا صحيحًا أن السنة كلها مندرجة في آية واحدة ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [الحشر:٧].
وسنذكر نماذج لتعظيم أصحاب محمد ﷺ لسنة نبيهم النبي ﷺ، فقد دخل النبي على علي رضي تعالى عنه وأرضاه وعلى فاطمة -وهي قصة شهيرة في قيام الليل-، ثم إن النبي ﷺ بعد ذلك جاءته فاطمة تطلبه خادمًا فقال لها ولـ علي: (ألا أدلكما على خير من ذلك؟ إذا أويتما إلى فراشكما فسبحا الله ثلاثًا وثلاثين، واحمدا الله ثلاثًا وثلاثين، وكبراه أربعًا وثلاثين، فهو خير لكم من خادم)، فـ علي ﵁ أخذ بهذه الوصية النبوية والعظة المحمدية فكان لا يبيت الليل حتى يقولها، فقال له ذات مره بعض المعارضين له: ما نسيتها قط؟ قال: والله ما نسيتها، قال: ولا في ليلة صفين، وليلة صفين ليلة المعركة الشهيرة التي كانت بين معاوية وعلي ﵄، فقال علي ﵁: (والله ما تركتها ولا في ليلة صفين).
فهذا يبين لك الحفاوة التي تحلى بها الأصحاب ﵃ وأرضاهم سنة نبينهم ﷺ، بل إنه ورد أن النبي ﷺ قال ذات يوم في باب كان في شرقي المسجد قال: لو تركنا هذا الباب للنساء، فسمعه عبد الله بن عمر ﵁ وهو يومئذ شاب في السادسة عشر تقريبًا من عمره أو في الثامنة عشر، فـ ابن عمر عُمر حتى تجاوز الثمانين، وكان يسكن المدينة، أي: أنه عاش بعد هذه الوصية النبوية أكثر من ستين عامًا ومع ذلك لم يدخل ابن عمر من هذا الباب عملًا؛ لقول النبي ﷺ (لو تركنا هذا الباب للنساء)، ولو هنا تفيد الحث وليس أمرًا قاطعًا صارمًا، فإنه لم يقترن بوعيد ولم يقترن بلعن، وإنما هو أمنية نبوية، فأخذها ابن عمر على أعلى من محاملها مما يبين لك تعظيم أصحاب محمد ﷺ، لأقوال وأفعال نبيهم صلوات الله وسلامه عليه.
فنحن في زمن يجب فيه أن نحي سنة تعظيم أقوال نبينا ﷺ، وأن نأخذها مع القرآن، وأن نعلم أن النبي ﷺ قال: (تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدي: كتاب الله وسنتي)، فالأخذ بالسنة مما يرفع الله جل وعلا بها قدر العبد، ويجعله في موطن شريف وموئل كريم، فمن أراد التوفيق في الدارين والسعادة في الحياتين فليعظم سنة نبيه ﷺ، وترى حولك أحيانًا في واقعك كثيرًا من الناس الذين ترى عليهم أثر البركة والتوفيق والثبات، فإن قدر لك أن تعيش معهم أيامًا وتخالطهم وجدت أنهم يعظمون سنة نبيهم ﷺ ويعملون بها.
وقد أدركنا أقوامًا ولا حاجة للتسمية في مدينة رسول الله ﷺ من مشايخنا وغيرهم يعظمون سنة النبي تعظيمًا جليلًا، ويأخذون بها ويتأسون بها، حتى إنني أذكر أنني ذات مرة قدر لي أن أسافر مع أحد أولئك الذين نحسبهم على كثير من الخير فقرأت عليه قصيدة فكان كلما قرأت عليه بيت يقول فيه: إيه، وهذا مأخوذ من سنة النبي ﷺ، فلما طلب من بعض الصحابة أن يسمعه شيئًا من أمية بن أبي الصلت، فكان كلما قال ذلك الصحابي بيتًا من الشعر كان النبي ﷺ يقول: إيه، أي: زدني، فهذا الرجل المبارك تلحظ منه إذا تبعت باقي حياته أن فيها توفيقًا وفيها السداد؛ لأنه يأخذ بالسنة.
ويجب ألا يكون دراستنا للسنة إنما هو لحفظ المتون، أو لنطاول بها أقراننا، أو نبحث بها عن صدارة في مجالس الناس، لكن ينبغي أن تكون السنة النبوية هي الواقع المشهود والمنشود المطلوب، فنسعى في تحقيقها ونتأسى بفعله ﷺ فنقدم ما قدمه الله، ونقدم ما قدمه رسوله ﷺ، ونفقه الكثير من المعاني الجميلة التي كانت في حياة نبينا ﷺ، فإن فهم السيرة العطرة والأيام النضرة يساعد كثيرًا في أن المرء يتحلى بحلية النبي ﷺ، ويسير على طريقه وعلى هديه، فيوفق إلى كثير من الأعمال الصالحة.
[ ٩ / ٥ ]
تعظيم وإجلال أصحاب رسول الله ﷺ
ثم ذكر البارودي رحمة الله تعالى عليه بعد ذلك في آخر ميمية الصلاة على الأصحاب والأنصار، والنبي ﷺ كما نعظم سنته ﵊ فإننا نعظم أولئك الرجال الذين حملوا إلينا سنته ﷺ، فأصحاب محمد ﷺ كانوا شامه في جبين الأيام، وتاجًا على مفرق الأعوام، فحبهم دين وملة وقربة، فيجب أن ينظر إليهم المرء نظرة إجلال وإكبار وإعظام، وأن يعلم أنهم أدوا ما عليهم وبقي الذي لهم.
جعلنا الله وإياكم ممن ملئ قلبه محبة وإجلالًا وتعظيمًا لله، ثم ملئ قلبه محبة لرسول الله ﷺ وأصحابه؛ ذلك الرعيل الأمثل والجيل الأول، من زكاهم الله في كتابه وعلى لسان رسوله.
هذا ما تيسر إراده وتهيأ إعداده حول ميمية البارودي التي عارض فيها ميمية البوصيري قلناه.
نسأل الله جلا وعلا التوفيق والقبول منه، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد الله رب العالمين.
[ ٩ / ٦ ]