لقد بلغ النبي ﷺ الذروة في الكرم والجود والعفو، فكان ﷺ كريمًا جوادًا أجود من الريح المرسلة، وكان أكرم ما يكون في رمضان.
وكان عفوًا يصفح ويغفر عمن أساء إليه، ومن درس سيرته رأى ذلك يقينًا.
[ ١٥ / ١ ]
بلوغ النبي الذروة في السماحة والكرم والجود
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرض والسماوات، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا لقاء متجدد من لقاءاتنا الموسومة بالمدائح النبوية، وكنا أيها المباركون قد تكلمنا في اللقاء الماضي عن همزية شوقي (ولد الهدى).
وحررنا بعض أبياتها وعلقنا عليها، فمنها ما كان يتعلق بعالم الجن، ومنها ما كان يتعلق بمعجزة القرآن، وذكرنا حينها أننا سنتعرض لمجمل ما قاله شوقي من وصف نبينا ﷺ الخلقية.
نكرر هنا بعض الأبيات التي قالها شوقي؛ لأن هذه سنة متبعة في هذه اللقاءات، ثم نعرج إن شاء الله تعالى على الأبيات التي نريد التعليق عليها.
ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناءُ الروح والملأ الملائك حوله للدين والدنيا به بشراء يا خير من جاء الوجود تحية من مرسلين إلى الهدى بك جاءوا بيت النبيين الذي لا يلتقي إلا الحنائف فيه والحنفاء خلقت لبيتك وهو مخلوق لها إن العظائم كفؤها العظماء يا أيها المسرى به شرفًا إلى ما لا تنال الشمس والجوزاء يتساءلون وأنت أطهر هيكل بالروح أم بالهيكل الإسراء بهما سموت مطهرين كلاهما روح وريحانية وبهاء تغشى الغيوب من العوالم كلما طويت سماء قلدتك سماء زانتك في الخلق العظيم شمائل يغرى بهن ويولع الكرماء فإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هم الرحماء وإذا ملكت النفس قمت ببرها ولو أن ما ملكت يداك الشاء وإذا أخذت العهد أو أعطيته فجميع عهدك ذمة ووفاء وإذا قضيت فلا ارتياب كأنما جاء الخصوم من السماء قضاء وإذا بنيت فخير زوج عشرة وإذا ابتنيت فدونك الآباء أنت الذي نظم البرية دينه ماذا يقول وينظم الشعراء والمصلحون أصابع جمعت يدًا هي أنت بل أنت اليد البيضاء صلى عليك الله ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء واستقبل الرضوان في غرفاتهم بجنات عدن آلك السمحاء وقبل أن أعلق على القصيدة أمهد بالتالي: كلنا نسمع عن كرم حاتم وشجاعة عمرو بن معد يكرب، ونسمع عن ذكاء إياس، وتعلم فنعلم من حيث الإجمال أن العرب كان فيها مشاهير في كل خلق، لكن لا يوجد فيها أحد بلغ الذروة في كل شيء، فمثلًا يقولون: إن أبا تمام -الشاعر العباسي المعروف، وكان ذكيًا جدًا- وقف بين يدي أحد الأمراء يمدحه، فقال في القصيدة وهو يمدح صاحبه: إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياسِ فأحد حساد أبي تمام قال: إن الأمير -أي الممدوح- أعظم من أجلاف العرب الذين ذكرتهم، فقال أبو تمام يعتذر لنفسه: لا تنكروا ضربي له من دونه مثلًا شرودًا في الندى والباسِ فالله قد ضرب الأقل لنوره مثلًا من المشكاة والنبراسِ أي: أنني وإن شبهته بهؤلاء إلا أن ذلك من باب الطريقة القرآنية في أن الله شبه نوره بنور المشكاة، ونور الله أعظم من نور المشكاة، وهذا تصرف ذكي من أبي تمام، لكن أنى لذلك الممدوح أن يصل إلى كرم حاتم أو ذكاء إياس.
والذي جعلنا نمهد لهذا: أن النبي ﷺ في الذروة في السخاء، والذروة في الكرم، والذروة في الشجاعة، والذروة في الجمال، والذروة في العفو، والذروة في العدل، فكل مكارم الأخلاق تنتهي إليه صلوات الله وسلامه عليه، وهنا نسجل لـ شوقي قدرته على هذه النظرة في مدح نبينا ﷺ، فالذين سبقوا شوقي ممن مدحه ﷺ لم يصلوا إلى أن يجمعوا كل الخصال وينبهوا عليها ويشيروا إليها في مدح نبينا ﷺ، إلا أن شوقي تنبه لذلك.
[ ١٥ / ٢ ]
حسن تعامله ﷺ مع الآخرين ومراعاة مشاعرهم
وأما التعريج على القصيدة وربطه بالسيرة: فإن نبينا ﷺ سبق أن تحدثنا عن عفوه وعن عدله، ونتحدث الآن عن مواقف يظهر فيها كيف كان ﷺ يتعامل مع من حوله مراعاة لمشاعر الناس، وأيضًا نقل فقه المسألة التكيف مع واقعه الذي يعشيه ﵊، وهذه بلغ فيها ﷺ كما في غيرها منازل عظمى، وأذكر مثلًا الآن هذه المقارنة: ففي الهجرة تبع سراقة بن مالك النبي ﷺ، وكان الذي أخرج سراقة هو المال، وذلك لما علم أن قريشًا جعلت مائة ناقة لمن يأتي بالنبي ﷺ ويرده، فتبع النبي ﷺ وهو يوم ذاك مشرك، فغاصت قوائم فرسه في الأرض، فدعا له النبي ﷺ فقامت فرسه مرة مرتين، فآمن سراقة أن هذا الرجل صادق، ولم يؤمن به كنبي، لكن آمن أن هذا الرجل صادق فيما يقول، فقال له ﷺ: (يا سراقة! كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟).
فهذا موقف سنعلق عليه بعد التالي.
وعمر ﵁ في المدينة بعد الهجرة لما اعتزل النبي ﷺ نساءه دخل عليه عمر وليس في البيت شيء يرد الطرف، والنبي ﷺ نائم على حصير قد أثر في جنبه، فقال عمر ﵁: (يا رسول الله! أنت فيما أنت فيه وكسرى وقيصر فيما هم فيه؟! قال ﷺ: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك أقوام عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، لهم الدنيا ولنا الآخرة).
فانظر الآن بديع فهمه ﷺ للنفسيات، فـ سراقة أخرجه المال، وحتى لو قلنا وقتها: إنه مؤمن فهو حديث عهد بإيمان، فالنبي ﵊ يشبع الحاجة النفسية التي عند سراقة، فقال له: (كيف بك إذا لبست سواري كسرى)، فعلى الأقل إذا دعا سراقة إلى قومه وقالوا له وعنفوه: كيف تركته وقد كانت فرصة لك أن تحمل النياق وأن تنال الجائزة؟ فإنه يتذكر أن الرسول وعده بسواري كسرى، فلا يبقى فيه ندم على أنه ترك النبي ﷺ.
وأما عمر فشخصية أخروية لا تعرف الدنيا ولا تنظر إليها، وثاني رجل في الإسلام بعد أبي بكر ليس رجلًا دنيويًا ترده بالدنيا، فالنبي ﷺ لما قال له عمر بن الخطاب ﵁ كسرى وقيصر قال: لهم الدنيا ولنا الآخرة، مع أن سواري كسرى اللذين بشر النبي ﷺ بهما سراقة لم يصلا إلى سراقة إلا عن طريق عمر؛ لأن مدن كسرى فتحت في عهد عمر، ومع ذلك لم يذكر النبي ﷺ طرفة عين لـ عمر مسألة سواري كسرى؛ لأن عمر شخصية أخروية، فانظر وأنت مطمئن إلى عظيم ما منّ الله به على نبيه ﷺ في التعامل مع الناس، وكيف كان ﵊ يعطي كل نفس ما تحتاجه، ويتعامل معها من منظور فقهي وعلمي ﷺ بواقع حاله وأصحابه.
وفي خبره ﷺ عن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب قال ﵊ في مجمع من أصحابه، لما سأله عكاشة بن محصن ﵁ وأرضاه، وقد كان في علم الله وقدره أن عكاشة منهم، فقال: (يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم، فقام رجل آخر -وحق له أن يقوم- فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم)، فلم يقل ﷺ: لست منهم، ولم يقل: أنت منهم؛ وقد علم بطريق الوحي أنه ليس منهم، لكنه اختار لفظًا يناسب الحال فقال: (سبقك بها عكاشة).
تقرأ بالتشديد والتخفيف، فهذا من مراعاة المشاعر منه ﷺ.
فهنا يأتي الرجل العاقل فيترجم هذه المواقف النبوية إلى أفعال، فعندما نتكلم مع الناس نراعي نفسياتهم، ونختار أعذب الألفاظ.
فذات مرة رأى الرجل أظنه أبا جعفر المنصور أن جميع أسنانه قد سقطت، فقام وجلًا خائفًا، وقال: ادعوا لي معبرًا، فأتوه بمعبر، وهذا المعبر جيد في التعبير لكنه لا يحسن الوصف، ولا يحسن كيف يقدم الجواب، فقال: ستفقد جميع أهلك، أي: سيموت أبناؤك وبناتك والأسرة كاملة، فاغتاظ أبو جعفر وقال: ابحثوا عن معبر آخر، فجاءوا بمعبر آخر فقال: ماذا رأيت يا أمير المؤمنين! قال: رأيت أن جميع أسناني قد سقطت، قال: هذه بشرى لك يا أمير المؤمنين! فأنت آخر أهلك موتًا، أنت طويل العمر فالمعنى واحد، فمعنى أنه طويل العمر أن أهله سيموتون قبله، فما أراد الأول أن يقوله قاله الثاني، لكن قاله بصياغة تختلف عن الأول، فتعجب أبو جعفر من فصاحته وحسن أدبه وجمال لفظه.
فمن قدر له أن يقرأ سيرة نبينا ﷺ، ويتبصر كيف كان ﵊ ينتقي الألفاظ ويقولها لغيره سواء من أهل الكفر أو من أهل الإيمان، علم عظيم خصاله ﷺ، وعلو دأبه في كل شأن عظيم صلوات الله وسلامه عليه.
ومقصودنا قبل أن ننتقل إلى بيت آخر من أبيات همزية شوقي أن نبين أنه يجب أن ننهل ونستقي من معين سيرة نبينا ﷺ، وما هذه المدائح التي قيلت فيه بالنسبة لنا إلا طريق نعرج من خلال التعليق عليها إلى أن نصل إلى ما كان عليه الرحمة المهداة والنعمة المسداة صلوات الله وسلامه عليه من عظيم الخصال، وجليل المناقب.
[ ١٥ / ٣ ]
تعليمه ﷺ لأمته
قال شوقي في همزيته: يا أيها الأمي حسبك رتبة في العلم أن دانت بك العلماء نعلم جميعًا أن النبي ﷺ قال له الملك أول ما رآه: (اقرأ، قال: ما أنا بقارئ) أي: لا أجيد القراءة، فهذا الأمي ﵊ الذي لا يجيد القراءة علم الله جل وعلا به الأمة كلها، وهذا معنى قول شوقي: يا أيها الأمي حسبك رتبة في العلم أن دانت بك العلماء فهو ﷺ أفضل معلم للبشرية، وفي دعوة أبيه إبراهيم: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:١٢٩].
وإذا أردنا أن نتكلم عن العلم في حياة النبي ﷺ فهذا باب مستفيض، لكني أذكر أحداثًا وأعلق عليها، ولعل في هذا طريقًا جيدًا للوصول إلى الغاية.
قال عمر ﵁ كما في حديث جبريل المشهور في صحيح مسلم: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب، ولا يعرفه منا أحد).
فلماذا قال عمر: (شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب ولا يعرفه منا أحد)؟ إن المجتمع النبوي في المدينة مجتمع صغير، فلا يوجد رجل في الحلقة لا يعرفه كل الناس؛ لأنه لو كان غريبًا لا يعرفه الناس الجميع لا يعرفونه فمعناه أنه من الأعراب، فإذا كان من الأعراب الذين قدموا فسيظهر عليه أثر السفر، لكن الذي استوقف عمر هنا أن هذا الرجل رجل شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب، ومع ذلك ليس قادمًا من الأعراب، وليس من أهل المدينة، فهذان الوصفان في العادة لا يجتمعان.
قال: (فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه)، وقد قال العلماء: إن هذه من طرائق طلب العلم، فأخذ جبريل يسأل وهو يعلم الإجابة، قال: أخبرني عن الإيمان، أخبرني عن الإسلام، ويسأله عن أشراط الساعة، فهذه الأسئلة تسمى عند العلماء سؤالات جبريل.
ما معنى سؤالات جبريل؟ أحيانًا يكون هناك عالم في المجلس وأنت تعرف الإجابة، لكنك تسأل حتى يستفيد الحاضرون، فجبريل ﵇ يعرف ما هي أركان الإيمان، ويعلم ما هي أركان الإسلام، ويعلم ما هي أشراط الساعة، ولما قال: (أخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أي: علمي وعلمك سواء، لكنه أراد جبريل بهذه الطريقة أن يعلم الصحابة، والموقف في جملته لنا طلبة العلم طريق في قضية كيف كان النبي ﷺ يعلم أصحابه.
[ ١٥ / ٤ ]
اهتمام العلماء بأخذ ميراث النبوة
وقد أخذ العلم عن نبينا ﵊ خلق كثير، وسنعرج هنا على بعض علماء الأمة الكبار الذين قد يصدق فيهم كثيرًا قول النبي ﷺ: (العلماء ورثة الأنبياء)، وأنا أريد بإيضاحي لهذه المسألة أن يعني العالم بمسألة مهمة وهي قضية كيف يربى الطلاب؟ فإن تربية الطلاب مسألة جليلة الأهمية، فكل من طار قبل أن يريش فإنه يقع، يذكرون عن أبي حنيفة النعمان رحمة الله تعالى عليه أنه كان ذات يوم في مجلسه، وكان من تلاميذه أبو يوسف الذي أصبح بعد ذلك قاضي القضاة، وقد نشأ أبو يوسف يتيمًا، فأمه كانت تطلب منه أن يعمل عند رجل آخر، يعني: يعمل في مهنة أو صنعة ويأتيها بمال بدانق أو دانقين، فكانت المرأة إذا رأت ابنها في حلقة أبي حنيفة تعاقبه، فكان أبو يوسف يوم أن كان يتيمًا صغيرًا يحتار يتردد ما بين العمل والمهنة التي تطلبها أمة وبين الجلوس بين يدي أبي حنيفة، وهذا العالم الرباني أبو حنيفة كان ممن آتاه الله نورًا يستشرف به المستقبل، فذات يوم جاءت أم أبي يوسف وضربت ابنها، فمنعها أبو حنيفة، وقالت له المرأة محتجة: إن ابني يكسب من صنعته كل يوم دانق أو دانقين، فقال لها أبو حنيفة: والله إن ابنك سيأكل الفالوذج بزيت الفستق.
والفلوذج نوع من الحلوى لم يكن يومئذ يوجد إلا في بيوت الأثرياء، وزيت الفستق أو دهن الفستق لا يوجد إلا في بيت الخليفة، فاغتاظت المرأة منه وقالت: والله إنك رجل مجنون، ضعيت ابني اليتيم وحرمته من كسبه، فمرت الأيام ولزم أبو يوسف حلقة أبي حنيفة حتى مات أبو حنيفة، وأصبح أبو يوسف بعد ذلك يتصدر مكانه، ودانت له العلماء، وهو أحد من غرفوا علم نبينا ﷺ، فلما دانت له العلماء وأصبح ذائع الصيت كان قريبًا من هارون الرشيد، فكان يدخل على هارون الرشيد في قصره، وذات يوم قدر لـ أبي يوسف أن يتعشى عند هارون الرشيد، فقدم له هارون قطعة من الحلوى، وقال: يا أبا يوسف! كل فهذا فالوذج بدهن الفستق، فتبسم أبو يوسف، فتعجب هارون من تبسمه، وقال: ما الذي يدفعك إلى هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، وحكى له القصة.
فتحققت فراسة أبي حنيفة في أبي يوسف أنه أصبح وارثًا للعلم، قائمًا به بين الناس، حتى أصبح الخلفاء يجلونه ويقدرونه ويقدمون له الطعام، فقال هارون معلقًا: لقد كان أبو حنيفة يرى بعيني عقله ما لا يراه الناس بعيني رءوسهم.
فهذا مثل نضربه على واحد ممن ورثوا علم نبينا ﷺ في قضية أنه يصبّر طلابه على العلم، ويقال لهم ما يمنيهم ويجعلهم يصونوا العلم، فبه تعلو منازل الدرجات، وإن كنا نجزم أنه لم يكن مقصود أبي حنيفة أن يكون أبا يوسف دنيويًا، ولم يكن أبو يوسف كذلك، لكنها في قضية مفهوم كلمة الطلب.
وكذلك مما يعين على أن يصل الإنسان إلى منزلة عليا في العلم أن يخدم الإنسان من هو أعلم منه، وقد قدر لـ يحيى بن يحيى أن يصحب الليث بن سعد، وكان الليث بن سعد يومًا على بغلته في المدينة فجاء يحيى بن يحيى والليث لا يعرفه وهو يومئذ غلام، فأخذ يسوق البغلة لليث، فرق له الليث وأعجب بصنيعه هذا، وقال: يا غلام خدمك العلم، دعوة من عالم في مدينة رسول الله ﷺ، فلما قالها مضت الدنيا بقدر الله بـ يحيى بن يحيى ﵀ حتى عاد إلى الأندلس وأصبح إمامًا ومفتيًا بها، ويدخل على الخليفة والأمير متى شاء، فتحققت فيه دعوة الليث بن سعد رحمة الله تعالى عليهما، فصحبة العلماء تعطي نوعًا من البركة على الإنسان ينالها ويشعر من إقبال التوفيق ما يناله.
[ ١٥ / ٥ ]
الحكمة من عدم كون النبي يقرأ ويكتب
نعود للفظ شوقي: (يا أيها الأمي) وكون النبي ﷺ لا يقرأ ولا يكتب هذه منقبة في حقه، ومذمة في غيره، فلا يأتي أحد يمتنع عن القراءة والكتابة بحجة أن النبي ﷺ لم يكن يقرأ، لكن هذه بالنسبة له ﷺ منقبة؛ حتى يقطع الله جل وعلا على أهل الإشراك ذمهم لنبيه ﷺ؛ ولهذا قال الله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٨ - ٤٩] فعلماؤها الأمة كلهم في ميزان حسناته صلوات الله وسلامه عليه.
[ ١٥ / ٦ ]
النبي هو المصدر الأول والمنهل الأعذب للعلم
(ومن نهلك العذب يا خير الورى اغترفوا)، فكل أخذوا عنه صلوات الله وسلامه عليه من الصديق والفاروق وعثمان وعلي وغيرهم من الأصحاب إلى يومنا هذا، فالناس تنهل، فالعلماء ينهلون من معين علمه، وجميل سنته صلوات الله وسلامه عليه، على أن السنة تحتاج إلى رجل يحسن التدبر، وأن يعلم أن الدين لا يجمع بين متناقضين ولا يفرق بين متماثلين، فالنظرة إلى السنة والتأمل والتدبر إذا قام بها الإنسان قل إنكاره، فمن كثر علمه قل إنكاره؛ لأنه يعرف للمسألة أكثر من وجه، وسآتي بمثال حي من حياة الناس الآن، فلو قدر أنك زرت أخًا لك في بيته، ثم إن الذي استقبلك في المطار أخذك بسيارته وأوصلك إلى بيت أخيك، فأنت من خلال تتبعك لهذا الذي معك عرفت الطريق إلى بيت أخيك في هذه البلدة التي أنت غريب عنها، لكنك لا تعرف طريقًا غيرها، فلو قدر أنك أتيت مرة أخرى إلى نفس البلدة وأخذك شخص آخر غير الأول وهو يعرف طريقًا أقرب من طريق الذي كان قد أوصلك سابقًا، فعندما تراه يحيد عن الطريق الأول تجد نفسك جبلة تنكر عليه؛ لأنك لا تعلم طريقًا غيره، وأما هو فكان واثقًا من نفسه وعلى بينة من أمره، فهو يعرف طريقًا أو أكثر تدل على بيت أخيه، فكثر إنكارك لأن علمك قليل، لكن لو كنت تعلم طرائق متعددة توصل إلى بيت أخيك ما كان لك ولا عليك أن تنكر على من أوصلك، ولهذا من يعرف السنة حقًا ويستطيع الجمع بين الأحاديث وأوتي علمًا وحفظًا تجده ذا سكينة ووقار لا يبادر إلى أي شيء ينكره اللهم إلا المنكرات المعروفة التي لا خلاف بين المسلمين فيها، لكن في أصله العام يبقى الرجل ذا تؤده؛ لأنه أبصر بالسنة وأعلم بالهدى، ويملك نظرة واسعة في الجمع بين الأحاديث، وتلك منزلة ينال بها الإنسان رفيع الدرجات، وأعالي ما وصل إليه العلماء، وكلنا في جملة الأمر نسير بهدى الله نغترف من عذب وسيرة نبينا ﷺ.
هذا ما تهيأ إيراده معلقين به على قول شوقي: يا أيها الأمي حسبك رتبة في العلم أن دانت بك العلماء وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
[ ١٥ / ٧ ]