لم يأت أحد من الأنبياء والمرسلين بما جاءوا به إلا عاداهم بعض أقوامهم، ورموهم عن قوس واحدة، لذلك جاءت الهجرة كحل لهذا الصد من هؤلاء الأقوام، فقد هاجر نبينا محمد ﷺ من مكة إلى المدينة لما آذته قريش، فأقام دولة الإسلام في المدينة.
وهاجر أصحابه بسبب الأذى قبل ذلك إلى الحبشة، فلما سمعوا بهجرة النبي وأصحابه إلى المدينة رجعوا من الحبشة إلى المدينة.
[ ١٦ / ١ ]
الهجرة والبعثة مقرونتان
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة قامت عليها السماوات والأرض ولأجلها كان الحساب والعرض، هي عماد الإسلام، ومفتاح دار السلام.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، نبي سلم الحجر عليه، ونبع الماء من بين أصبعيه، فصلى الله وسلم وبارك وأنعم عليه، وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فهذا لقاء نتابع فيه المدائح النبوية؛ تلك القصائد التي قيلت في خير البرية ﷺ، واليوم سنقف مع قصيدة للدكتور عبد الرحمن العشماوي الشاعر الإسلامي السعودي المعاصر، في قصيدة جعل عنوانها: حداء الهجرة.
وهي قصيدة تعنى بالنبي ﷺ جملة، وبحادثة الهجرة على وجه الخصوص من سيرته صلوات الله وسلامه عليه.
وكما جرت العادة فسنقرأ شيئًا من الأبيات، ثم نعلق عليها تعليقًا يغلب على الظن أننا نحاول أن نجلو فيه شيئًا من سيرة نبينا ﷺ.
قال الدكتور عبد الرحمن العشماوي في ذكرى هجرة نبينا ﷺ: تسري فيرتاح الظلام من السرى ويفر من أجفان أنجمه الكرى ويفيض وجه هلاله بسعادة فيصير حين يراك بدرًا نيرًا ويراك مصدر ما صفى من نوره أعظم بنور كنت فيه المصدرا تسري فيلتهم الطريق خطاك في شوق ويضحك تحت نعليك الثرى يلقي إليك الرمل ألف تحية ولو استطاع لصار حقلًا أخضرا والغار يصبح واحة من فرحة لما يرى في ليل وجهك مسفرا ما ضمك الغار المحب وإنما ضم الندى والغيث حتى أزهرا ظن النبوة منبعًا يجري على أرض الكرامة والأمانة كوثرا تسري فيورق كل غصن ذابل ويصير من بعد الجفاف الأنضرا ويدر ضرع الشاة وهي هزيلة لبنًا ألذ لشاربيه وأوفرا أسرجت خيل الحق في غسق الدجى وخرجت والتاريخ يبصر ما يرى فمررت من بين الرجال كأنهم خشب وسلمت الأمانة حيدرا احثوا التراب على الرءوس ولا تخف فعيون من وصدوا طريقك لا ترى تسري فيهتف من قباء هاتف شغفًا ويلقاك العقيق مكبرا هذه ثنيات الوداع تألقت لما رأت ليل المدينة مقمرا ماذا أقول إذا كتبت مدائحي إني أراك من المدائح أكبرا فأقول ما يرضي عقيدتك التي أجريت منها في المشاعر أنهرا فلأنت عبد الله أنت رسوله يرضيك أن تدعى بذاك وتذكرا صلوات الله وسلامه عليه، وحقًا كما قال الدكتور العشماوي؛ فنبينا ﷺ لا يرضيه شيء أعظم من أن يقال: إنه عبد الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه.
وأما التعليق على الأبيات أيها المباركون! فإن الشاعر ذكر أن القصيدة تعنى بقضية الهجرة، وأحرر القول هنا حول الهجرة فيما يلي: يجب أن نعلم أن الهجرة بدأت مع البعثة، فالبعثة والهجرة في أيام ولدتا واحدة، فإن النبي ﷺ كما نعلم من سيرته أنه لما نزل خائفًا وجلًا من الجبل قال: (دثروني دثروني)، ودثرته خديجة، وناداه ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١]، وزملته خديجة وأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل:١] وأخذته خديجة إلى ابن عم لها يقال له: ورقة بن نوفل، وورقة هذا أخبر النبي ﷺ بأن قومه سيخرجوه، فقال ﷺ في أيام البعثة الأولى مستفهمًا: (أومخرجي هم؟ قال: نعم)، وهذا يدل على أن الهجرة والبعثة وجدتا في أيام واحدة، فهذا إرهاص عن طريق ورقة بن نوفل يسوقه الله إلى نبيه ﷺ كي يوطئه بأن يقبل الهجرة.
وكانت قبل الهجرة إلى المدينة الهجرة -كما هو معلوم- إلى الحبشة لبعض الصحابة، ولم يهاجر النبي ﷺ إلى أي ديار قبل المدينة، لكن ما الفرق ما بين الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة؟ قبل أن نبين الفرق نقول: إن النبي ﷺ ما هاجر إلى المدينة إلا والإسلام قد دخل أكثر بيوتها، فالهجرة إلى الحبشة هجرة إلى دار أمن، وأما الهجرة إلى المدينة فهي هجرة إلى دار أمن وإيمان بخلاف الهجرة إلى الحبشة، والآن بعض المسلمين في بعض البلدان مضطرون للهجرة لأي سبب سياسي أو اقتصادي أو شخصي وهذا ظاهر عيانًا واقع مشهود نعيشه، فالحمد الله هنا على نعمة الأمن والإيمان.
فالمقصود: أن هجرتهم إلى السكنى في الغرب، منهم من يذهب إلى استراليا، كمثال، فالهجرة إلى استراليا ليست هجرة إلى دار إيمان، لكنها هجرة إلى دار أمن، فكذلك المهاجرون الأوائل الذين هاجروا إلى الحبشة هاجروا إليها باعتبار أنها إلى دار أمن.
إذًا: فهذا يسوغ شرعًا للمؤمن إذا خاف على دينه أن يهاجر إلى دار أمن، وأما الهجرة إلى المدينة فكانت هجرة إلى دار إيمان، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر:٩]، فالدار المدينة، والإيمان ذلك الذي كان يملأ القلوب، وأكثر أهل المدينة من الأنصار من أهل الإيمان بالله ورسوله ﷺ، فهذا تفريق ما بين الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة، وبينا أن الهجرة ولدت مع أيام البعثة، فقد قال لـ ورقة بن نوفل: (أومخرجي هم؟).
[ ١٦ / ٢ ]
صحبة الصديق لرسول الله في الهجرة
وقد منَّ الله جل وعلا على الصديق بأن يكون صاحب نبينا ﷺ في هجرته، وقد ذكر المؤرخون أن عمر رضي الله تعالى عنه هاجر جهارًا، وفعل ذلك بعض الصحابة غير عمر، فلماذا هاجر عمر جهارًا وهاجر النبي ﷺ خفية؟ هناك جملة أسباب عديدة لكن من أهمها: أن النبي ﷺ موضع قدوة، فهو يقول: (الضعيف أمير الركب)، فالأحكام الشرعية تأتي على حال الإنسان الأضعف، ولا تأتي على حال الإنسان الأقوى، فنبينا ﷺ قدوة بخلاف عمر، وعمر قدوة في أفعاله التي وافق فيها النبي ﷺ، وأما ما اجتهد فيه فيبقى مثله مثل سائر الأصحاب رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، لا تكلف ما لا تطيق؛ لأن الله جل وعلا رفع عنا العسر ووضعه عنها ببعثة نبينا ﷺ، فهذا من أعظم الأسباب في أن النبي ﷺ أخفى هجرته بخلاف بعض الصحابة كـ عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه فيما ذكره المؤرخون عنه.
[ ١٦ / ٣ ]
تبيين أن الضمير في قوله تعالى: (فأنزل الله سكينته) يعود إلى الصديق
والنبي ﵊ مكث مع أبي بكر في الغار، وهذا أمر مستفيض، لكنني سأقف عند نقطة يغفل عنها البعض، وإن كان قولنا فيها قد يخالف قول جماهير أهل العلم من المفسرين، الله جل وعلا يقول: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة:٤٠]، فجمهور أهل العلم من المفسرين على أن قول الله جل وعلا: «فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ» أي: على النبي ﷺ، «وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا» أي: بما وقع للنبي ﷺ من نصرة في الغار، وأقول والعلم عند الله: إن هذا خلاف الصواب أو خلاف ظاهر الآية فيما يبدو لنا، وتفسير معنى الآية كالآتي: لقد نزلت هذه الآية تتحدث عما كان من حال بعض المنافقين من عدم نصرتهم لنبينا ﷺ، فالله جل وعلا أراد أن يبين لمن يقرأ كلامه أن النبي ﷺ في غنى عن نصرة العباد له؛ لأن الله ينصره، ثم ذكر الله جل وعلا -فيما نحسب- موضعين نصر فيهما نبيه، فقال: «إِلَّا تَنصُرُوهُ» أي: إن لم تنصروه، «فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ» في موضعين، الأول: «إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ»، فالموقف الأول عندما أخرجه الذين كفروا، أي: ألجئوه إلى الخروج من مكة إلى المدينة، «ثَانِيَ اثْنَيْنِ» أي: النبي ﷺ والصديق: «إِذْ هُمَا» النبي والصديق، «فِي الْغَارِ» المعروف.
هذا كله لا خلاف فيه، «إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ» أي: النبي ﷺ يقول لصاحبه أبي بكر، وهذا إلى الآن متفق عليه، «لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا» وهذا خطاب من النبي ﷺ لما قال له أبو بكر: (إن أحدهم لو نظر أسفل قدميه لرآنا، قال: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما)، فهذا الحدث بينه الله قولًا فقال الله جل وعلا: «إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا»، وهذه منزلة شريفة لـ أبي بكر، إذ أن الله قال على لسان نبيه في القرآن: «إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا» أي: معك، في حين أن الله قال على لسان كليمه موسى لما أتبعه فرعون وجنوده بغيًا وعدوًا، قال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، ولم يشرك في تلك المعية، في حين أن الله جل وعلا أشرك الصديق في هذه المعية مع نبيه ﷺ، وإن كنا نعلم أن نصرة الله لنبيه تختلف عن نصرته لـ أبي بكر، لكن في جملة الخطاب جاء الخطاب واحدًا، «لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ»، أي: على أبي بكر؛ لأن النبي ﷺ دخل الغار مطمئنًا، تغشاه السكينة، وأما أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه فحزنه وشفقته وخوفه على رسوله ﷺ جعله خائفًا؛ لأنه يعلم أن في هلاك رسول الله ﷺ ذهابًا للدين، وهلاكًا للأمة، فدخل خائفًا وجلًا، وأخذ يقول: يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر أسفل قدميه لرآنا، فقال النبي ﵊ لهذا الصديق: «لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا»، وبهذا اللفظ النبوي نزلت السكينة على أبي بكر: «فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ»، فأصبح النبي ﷺ من بادئ الأمر والسكينة عليه، وأما الصديق فبعد هذا الطمأنينة التي جاءت على لسان النبي ﷺ غشيته السكينة، وأما قول الله: «وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا» عقلًا -يا أخي- ونقلًا لا يمكن أن يستقيم الخطاب إذا كان الحديث عن الهجرة، لكن «وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا» الواو هذه واو استئناف، والله يتكلم الآن عن موقف ثان غير موقف الهجرة، يتكلم على أنه نصر نبيه يوم بدر، فيوم بدر حاربت الملائكة، والصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم كانوا حاضرين بدرًا، يعني: النفر الذين شهدوا بدرًا كانوا حاضرين، ومع ذلك لم يروا الملائكة، ولم يروا أولئك الجند الذين أيد الله بهم نبيه، فهذا معنى قول الله: «وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ» أي: يوم بدر «لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى»، هذا كله في بدر.
إذًا: القرآن يتحدث عن موقفين نصر الله فيهما نبيه: الموقف الأول يوم الغار، والموقف الثاني: يوم بدر، «وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا»، لكن لو جعلنا كما قال -جمهور أهل التفسير- لو جعلنا الخطاب: «وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا» خاص بيوم الهجرة فلا يستقيم المعنى؛ لأن الصحابة ﵃ وهم المخاطبون الأولون بالقرآن لم يكونوا حاضرين يوم الغار، فبدهي جدًا أنهم لم يروا النبي ولم يروا الجنود؛ لأنهم لم يكونوا حاضرين، والإنسان لا يطلب منه ولا يكلف أن يقع شاهد إثبات يعمر فيه، لا يمكن أن يقع هذا، ولا يمكن أن يستقيم نقلًا ولا عقلًا، لكنهم يوم بدر كانوا حاضرين مع نبيهم ﷺ، فشهدوا المعركة لكنهم لم يشهدوا أولئك الملائكة وهم ينصرون نبينا ﷺ.
فيستقيم المعنى: «وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا» وكنتم حاضرين، لكن في يوم الغار لم يكن أحد من الصحابة مع النبي ﷺ إلا أبو بكر، وكان موجودًا مع النبي في الغار، فلا يستقيم أن يكون الخطاب عن يوم الغار: «وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا».
ومن ذهب إلى أن المقصود نسج العنكبوت وبيض الحمامة، فهذا يرده العقل، ولو سلمنا بصحة الرواية التي تقول: إن العنكبوت نسجت بيتًا، وسلمنا بصحة الرواية التي تقول: إن الحمامة باضت، فهذه من جنود الله ونحن متفقون، لكنها ترى بالعين، فالله يقول: «وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا»، فإذا كان القرشيون رأوا الحمامة ورأوا العنكبوت لم يستقم معنى الآية: «وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا»، لكن يستقيم إذا جعلنا الموقف موقفين: يوم بدر وموقف قبله يوم الغار، فالله يريد أن يقول للناس: إنني نصرت نبيي بموقفين حالكين: موقف الغار لم يكن معه إلا أصحابه، وموقف يوم بدر يوم كانوا أذلة، وهذا يعضده قول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:١٢٣].
بعض الطوائف ممن ينتسب إلى الإسلام «لا تَحْزَنْ» فيها قدح لـ أبي بكر، أين القدح؟ قالوا: إن النبي ﷺ قال للصديق، وفعل الصديق هذا واحد من اثنين -حسب نظرتهم- إما أن يكون طاعة وإما أن يكون معصية، فلو كان حزنه طاعة، فالنبي لا يمكن أن ينهاه عن طاعة ويقول له لا تحزن وهي طاعة، قالوا: لم يبق إلا أن يكون معصية، فيقولون: إن الصديق عصى الله ورسوله يوم الغار، وهذا باطل؛ لأن هذا الموقف ليس موقف طاعة ولا موقف معصية، بدليل أن الله قال لنبيه: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس:٧٦] فإذا كان قول الله جل وعلا: «لا تَحْزَنْ» قدح للصديق فيلزم من قولكم أن قول الله: «فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ» قدح في النبي ﷺ، وهذا القول فيه كفر.
إذًا فـ الصديق لم يكن عليه تثريب، بل إنني أقول: إن قول الله جل وعلا: «فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ» أن المقصود إنزاله على الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهي من أعظم مناقبه وخصاله، فما آتاه الله إياه ﵁ وعن أبويه وعن أبنائه وبناته، فلا يعرف في الصحابة أحد أسلم أبواه وزوجته وأبناؤه وبناته جميعًا إلا الصديق، فهذه خصيصة ومنقبة أكرم الله بها صاحب رسول الله ﷺ.
أرجو أن يكون قد تحرر الخطاب حول الهجرة.
[ ١٦ / ٤ ]
من بركات رسول الله
نعود إلى قول الدكتور العشماوي في قصيدته: ويدر ضرع الشاة وهي هزيلة لبنًا ألذ لشاربيه وأوفرا هذا وقع للنبي ﷺ في طريقه من شاة أم معبد، وقصة الشاة مشهورة، وأنا لا أحب أن أتكلم في شيء مشهور، لكن سأقف وقفة خفية في الموضوع: نعلم أن النبي ﷺ أتى ومعه أصحابه أبو بكر وعامر بن فهيرة كخادم وعبد الله بن أريقط كدليل، فأصبحوا أربعة، فدخلوا على أم معبد في القصة المشهورة وما كان عندها حليب في الخيمة إلا شاة أخبرت أنها عازب وحيال وأنها أجهدها ضعفها أن تذهب مع الغنم، فمسح ﷺ على ضرع الشاه وسمى الله ودرت، فهذا كله نقرؤه ما في السيرة، والموقف الخفي: أن النبي أشرف هو الخلق وعامر بن فهيرة إنما جاء خادمًا، والعظيم من الناس تنطلق عظمته من نفسه ولا يحتاج إلى أن تسلط عليه الأضواء، فإذا غابت عنه الأضواء ذهبت عظمته، هذا يقال في عظماء الدنيا، وأما من ملك العظمة الأولى أعطاه الله جل وعلا عظمة من عنده هبة ربانية مثل رسول الله ﷺ، فهذا لا يحتاج أن يلفت أنظار الناس إليه؛ لأنه مكتف ذاتيًا بما جعله الله في قلبه من العظمة، وتحرير هذا أن النبي ﷺ هو سيد هذا الركب، بل هو سيد الناس، بل هو سيد ولد آدم، ومع ذلك هو الذي حلب، وسقى المرأة، وسقى أبا بكر، وسقى عامرًا، وسقى عبد الله بن أريقط، ثم شرب، ولو كان غيره ممن يبحث عن العظمة فإنه يحاول سيقول: يا عامر! تعال اسقنا؛ حتى يبين أنه هو الآمر والناهي، لكنه ﷺ لم يفعل هذا؛ لأنه عظيم في نفسه ولو لم يدرك بعض من حوله عظمته، فسقى لهم وشرب آخر القوم ﷺ؛ حتى يبين لكل أحد من أين تنطلق عظمة الإنسان، فالذي يبني عظمته على مدح الناس سيشعر بالإهانة والذل إذا تخلى الناس عنه، لكن العظيم عظيم أينما وضعته، مثل نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله، ومع ذلك بيع بثمن بخس، فيوسف في بيت أبيه هو يوسف عندما بيع، وهو يوسف عندما كان في قصر امرأة العزيز، وهو يوسف عندما كان في السجن، وهو يوسف على كرسي الوزارة، فلم يتغير حاله؛ لأن عظمته تنبعث من نفسه، وهذا حال أنبياء الله العظماء، وفي مقدمتهم سيد الخلق وأشرفهم ﷺ.
إن المرء إذا كان عظيم الصلة بالله فإنه يعلم أن الله وحده هو المعطي، والله وحده هو المانع، ويعزل نفسه عن مدح الناس أو ذمهم، ويكون همه وغايته رضوان الله، فهذا يشعر بطمأنينة وسكينة مهما تبدل الناس عليه وتغيروا حوله فإنه يبقى واثقًا في خطوته، فيمشي نحو طريقه إلى ربه بخطى ثاتبة يتذكر قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]، وقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨]، فيخشى أنه بذنوبه يذله الله، فإذا أحسن الصلة مع ربه أعزه الله جل وعلا بطاعته، فقد قيل: يأبى الله إلا أن يذل من عصاه، فمن أراد السؤدد والفوز في الدارين والسعادة في الحياتين فليحسن الصلة بربه جل وعلا، فنبينا ﷺ كان أعظم خلق الله صلة بربه ﵎، فهذه الصلة العظيمة والاستغفار في فلق الأسحار، والقيام لله ﵎، والقيام بواجبه والعبودية على أكمل وجه، هي التي جعلته ﷺ بما آفاءه الله عليه عزيزًا لا يبلغ عزته أحد من العباد بما وهبه ربه، وبما منحه خالقه.
وهذا فيه درس لكل أحد أن يجعل أمره ويفوضه إلى الله كما قال العبد الصالح: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].
جعلني الله وإياكم ممن توكل عليه فكفاه، وسأله فأعطاه، واستغنى به فأغناه.
هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله من تحرير التعليق حول قصيدة الدكتور عبد الرحمن العشماوي في حداء الهجرة النبوية.
نسأل من الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
[ ١٦ / ٥ ]