[ ١٤٣ ]
(١٢١) بَابُ عِصْمَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -
قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [سُورَةُ الأَحْزَابِ: ٢١].
وَقَالَ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [سُورَةُ المَائِدَةِ: ٦٧].
وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [سُورَةُ النَّجْمِ: الآيتان ٣ - ٤].
وَقَالَ ﷻ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ [سُورَةُ الأَنْفَالِ: ١]. وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُه: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: ٨٠]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [سُورَةُ البَقَرَةِ: ٤٤].
٣٤٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَالَ: «كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الغَضَبِ وَالرِّضَا! فَأَمْسَكْتُ عَنِ الكِتَابِ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ: اكْتُبْ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ». حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ.
[ ١٤٥ ]
(١٢٢) بَابُ أُمِّيَّةِ النَّبِيِّ - ﷺ -
قَالَ اللهُ تَعَالى فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ مَادِحًا رَسُولَهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٧)﴾ [سُورَةُ العَنْكَبُوتِ: ٤٧] وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ [سُورَةُ يُونُسَ: ١٦]. وَقَالَ تَعَالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ [سُورَةُ الأَعْرَافِ: ١٥٧].
(١٢٣) باب عِلْمِ النَّبِيِّ - ﷺ -
قَالَ اللهُ ﷿ مُمْتَنًّا عَلَى نَبِيِّهِ ﵊ بِذِكْرِ بَعْضِ مَا حَبَاهُ: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: ١١٣].
٣٥٠ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - ﵁ - قَالَ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَقَامًا فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ». ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مَوْصُولًا.
٣٥١ - عَنِ أَبِي زَيْدٍ عَمْرِو بنِ أَخْطَبَ - ﵁ - قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الفَجْرَ وَصَعِدَ المِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ
[ ١٤٦ ]
فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ العَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ فَخَطَبَنَا
حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ.
٣٥٢ - عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّهَا قَالَتْ فِي حَدِيثِ صَلَاةِ الكُسُوفِ: «فَخَطَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ،
مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُهُ إلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الجنَّةَ وَالنَّارَ».
أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
٣٥٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ رَبِّي ﵎ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ - قَالَ: أَحْسَِبِهُ قَالَ: فِي المَنَامِ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فِي الكَفَّارَاتِ وَالدَّرَجَاتِ. وَالكَفَّارَاتُ: المُكْثُ فِي المَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَالمَشْيُ عَلَى الأَقْدَامِ إِلَى الجَمَاعَاتِ، وَإِسْبَاغُ الوُضُوءِ فِي المَكَارِهِ. وَالدَّرَجَاتُ: إِفْشَاءُ السَّلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ. قَالَ: صَدَقْتَ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ، وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِذَا صَلَّيْتَ فَقُلِ: اللهم إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ المُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ
[ ١٤٧ ]
المَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي وَتَتُوبَ عَلَيَّ، وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ». حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو يَعْلَى.
٣٥٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ. قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ. فَقَامَ آخَرَ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ.
فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللهِ ﷿». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
٣٥٥ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ غَضْبَانُ، فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ اليَوْمَ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ، وَنَحْنُ
نُرَى أَنَّ جِبْرِيلَ مَعَهُ. فَذَكَرَ الحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، فَلَا تُبْدِ عَلَيْنَا سَوْآتِنَا، فَاعْفُ عَفَا اللهُ عَنْكَ». حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى (¬١).
(١٢٤) بَابُ خُلُقِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَبْلَ النُّبُوَّةِ
٣٥٦ - عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ فِي حَدِيثِ بَدْءِ الوَحْيِ: «أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ» وفِي الحَدِيثِ: قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَاللّاهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، وَاللهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ
_________________
(١) قَالَ فِيهِ الحَافِظُ البُوصِيرِيُّ: رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَقَالَ الحَافِظُ الهَيْثَمِيُّ: وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ.
[ ١٤٨ ]
الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وتُكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
(١٢٥) بَابُ شُهْرَةِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالأَمَانَةِ وَالصِّدْقِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ
٣٥٧ - عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ مَوْلَاهُ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ - ﵁ - أَنَّهُ حَدَّثَهُ: «أَنَّهُ
كَانَ فِيمَنْ يَبْنِي الكَعْبَةَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: وَلِي حَجَرٌ أَنَا نَحَتُّهُ بِيَدَيَّ أَعْبُدُهُ
مِنْ دُونِ اللهِ ﵎، فَأَجيءُ بِاللَّبَنِ الخَاثِرِ الَّذِي أَنْفِسُهُ عَلَى نَفْسِي
فَأَصُبُّهُ عَلَيْهِ، فَيَجِيءُ الكَلْبُ فَيَلْحَسُهُ ثُمَّ يَشْغَرُ (^١) فَيَبُولُ. فَبَنَيْنَا حَتَّى
بَلَغْنَا مَوْضِعَ الحَجَرِ، وَمَا يَرَى الحَجَرَ أَحَدٌ، فَإِذَا هُوَ وَسْطَ حِجَارَتِنَا مِثْلُ
رَأْسِ الرَّجُلِ، يَكَادُ يَتَرَاءَى مِنْهَ وَجْهُ الرَّجُلِ. فَقَالَ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ:
نَحْنُ نَضَعُهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: نَحْنُ نَضَعُهُ، فَقَالُوا: اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ حَكَمًا،
قَالُوا: أَوَّلُ رَجُلٍ يَطْلُعُ مِنَ الفَجِّ، فَجَاءَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالُوا: أَتَاكُمُ الأَمِينُ، فَقَالُوا لَهُ، فَوَضَعَهُ فِي ثَوْبٍ، ثُمَّ دَعَا بُطُونَهُمْ، فَأَخَذُوا بِنَوَاحِيهِ مَعَهُ،
فَوَضَعَهُ هُوَ - ﷺ -». حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
٣٥٨ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: ٢١٤] صَعِدَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى الصَّفَا، فَجَعَلَ يُنَادِي: يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ - لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ
_________________
(١) يَشْغَرُ الكلب: يرفعُ إحدى رجليه ليبول.
[ ١٤٩ ]
يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ، فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ، فَقَالَ:
أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ
بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ [سُورَةُ المَسَدِ: ١ - ٢]». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
٣٥٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ أَبا سُفْيانَ بنَ حَرْبٍ أخبَرَهُ: «أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّامِ، فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ. فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ (^١)، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا (^٢). فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي، وقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. فَوَاللّاهِ لَوْلَا الحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثُرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ. ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ. قَالَ: فَهَلْ قَالَ
_________________
(١) إيلياءُ: بيت المقدس.
(٢) أَنا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا: يلتقي مع النبيِّ - ﷺ - في عبد مناف، فهو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
[ ١٥٠ ]
هَذَا القَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لا. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا. قَالَ: ولَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فيها شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ. قَالَ: فَهَلْ قاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الحَرْبُ بَيْنَنَا وبَيْنَهُ سِجَالٌ (^١)، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ. قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آباؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ وَالصِّلَةِ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَقَدِ اقْتَصَرْنَا مِنَ الحَدِيثِ عَلَى مَوْضِعِ الشَّاهِدِ.
(١٢٦) بَابُ خُلُقِ النَّبِيِّ - ﷺ - بَعْدَ النُّبُوَّةِ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [سُورَةُ القَلَمِ: ٤].
٣٦٠ - عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ سَأَلَ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ - ﵂ -: «يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ! أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ القُرْآنَ؟
قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ - كَانَ القُرْآنَ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَلَهُ بَقِيَّةٌ.
_________________
(١) سِجَالٌ: أي يكون النصر له مرة ولهم أخرى.
[ ١٥١ ]
٣٦١ - عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: دَخَلَ نَفَرٌ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - ﵁ - فَقَالُوا لَهُ: حَدِّثْنَا أَحَادِيثَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: «مَاذَا أُحَدِّثُكُمْ؟ كُنْتُ جَارَهُ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ بَعَثَ إِلَيَّ فَكَتَبْتُهُ لَهُ، فَكُنَّا إِذَا ذَكَرْنَا الدُّنْيَا ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الآخِرَةَ ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الطَّعَامَ ذَكَرَهُ مَعَنَا، فَكُلُّ هَذَا أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ في الشَّمَائِلِ.
٣٦٢ - عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّهَا قَالَتْ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا، وَلا صَخَّابًا فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ.
٣٦٣ - عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَا ضَرَبَ خَادِمًا وَلَا امْرَأَةً». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ في الشَّمَائِلِ.
٣٦٤ - عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵉ قَالَ: قَالَ الحُسَيْنُ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ سِيرَةِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي جُلَسَائِهِ فَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - دَائِمَ البِشْرِ، سَهْلَ
الخُلُقِ، لَيِّنَ الجَانِبِ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا صَخَّابٍ وَلَا فَحَّاشٍ، وَلَا عَيَّابٍ وَلَا مُشَاحٍّ، يَتَغَافَلُ عَمَّا لَا يَشْتَهِي، وَلَا يُؤْيِسُ مِنْهُ رَاجِيهِ، وَلا يُخَيِّبُ فِيهِ، قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلَاثٍ: المِرَاءِ، وَالإِكْثَارِ، وَمَا لَا يَعْنِيهِ، وَتَرَكَ النَّاسَ مِنْ ثَلاثٍ: كَانَ لَا يَذُمُّ أَحَدًا، وَلَا يَعِيبُهُ، وَلا يَطْلُبُ عَوْرتَهُ. وَلا يَتَكَلَّمُ إِلَا
[ ١٥٢ ]
فِيمَا رَجَا ثَوَابَهُ، وَإِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ، كَأَنَّمَا عَلَى رُؤُوسِهِمُ الطَّيْرُ، فَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا، لَا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ الحَدِيثَ، وَمَنْ تَكَلَّمَ عِنْدَهُ أَنْصَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ. حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ حَدِيثُ أَوَّلِهِمْ، يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ، وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ، وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ عَلَى الجَفْوَةِ فِي مَنْطِقِهِ وَمَسْأَلَتِهِ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَصْحَابُهُ لَيَسْتَجْلِبُونَهُمْ. وَيَقُولُ: إِذَا رَأَيْتُمْ طَالِبَ حَاجَةٍ يَطْلُبُهَا فَأَرْفِدُوهُ، وَلَا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلَّا مِنْ مُكَافِئٍ، وَلَا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَجُوزَ فَيَقْطَعُهُ بِنَهْيٍ أَوْ قِيَامٍ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ.
٣٦٥ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ البُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
٣٦٦ - عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنِّي لأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى. فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهَا: إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ غَضْبَى قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ. قُلْتُ: أَجَلْ وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
[ ١٥٣ ]
(١٢٧) بَابُ رَحْمَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -
قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: ١٥٩].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (١٢٨)﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: ١٢٨].
وَقَالَ ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ: ١٠٧].
٣٦٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَانُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمُكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الحُفَّاظِ (^١).
٣٦٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الآخِرَةِ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
٣٦٩ - عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خُيِّرتُ بَيْنَ الشَّفَاعَةِ وَبَيْنَ أَنْ يَدُخَلَ نِصْفُ أُمَّتِي الجَنَّةَ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ لِأَنَّهَا أَعَمُّ
_________________
(١) إذا أطلق حديث الرحمة فهذا هو المراد، ويُسمَّى الحديث المسلسل بالأولية. وقد رويناه مسلسلًا بالأولية بالسماع المتصل بإسناد عالٍ ذكرناه في مبحث الأسانيد في آخر هذا الكتاب، بيننا وبين النبي ﵊ فيه ثلاث وعشرون واسطة.
[ ١٥٤ ]
وَأَكْفَى. أتَرَوْنَهَا لِلْمُتَّقِينَ؟ لَا، وَلَكِنَّهَا لِلْمُذْنِبِينَ الخَطَّائِينَ المُتَلَوِّثِينَ». حَديثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
٣٧٠ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي، مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
٣٧١ - عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - ﵄ - قَالَ: «كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَكَانَتْ صَلاتُهُ قَصْدًا (^١) وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.
٣٧٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! ادْعُ عَلَى المُشْرِكِينَ. قَالَ: إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
٣٧٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: «اللهم إِنَّمَا أَنَا بشرٌ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ سَبَبتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً».
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
٣٧٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا فَقَدَ الرَّجُلَ مِنْ إِخْوَانِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ سَأَلَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا دَعَا لَهُ، وَإِنْ كَانَ شَاهِدًا زَارَهُ، وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا عَادَهُ». أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى.
_________________
(١) قَصْدًا: أي وَسَطًا لا تطويلَ فيها.
[ ١٥٥ ]
٣٧٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «جَاءَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ دَوْسًا قَدْ عَصَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ اللهَ عَلَيْهَا، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - القِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ النَّاسُ: هَلَكَتْ دَوْسٌ، فَقَالَ: اللهم اهْدِ دَوْسًا وأْتِ بهم». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
(١٢٨) بَابُ شَجَاعَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -
قَالَ اللهُ ﵎: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: ١٥٣].
٣٧٦ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ. وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ المَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ يَقُولُ: لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ، فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا - أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
٣٧٧ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ قَالَ: «كُنَّا إِذَا حَمِيَ البَأْسُ وَلَقِيَ القَوْمُ القَوْمَ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَمَا يَكُونُ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى العَدُوِّ مِنْهُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو الشَّيْخِ.
[ ١٥٦ ]
(١٢٩) بَابُ قُوَّةِ النَّبِيِّ - ﷺ -
٣٧٨ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵁ - قَالَ: «إِنَّا يَوْمَ الخَنْدَقِ نَحْفِرُ، فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ (^١) شَدِيدَةٌ، فَجَاؤُوا النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الخَنْدَقِ، فَقَالَ: أَنَا نَازِلٌ، ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، وَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ
لَا يَذُوقُ ذَوَاقًا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ - ﷺ - المِعْوَلَ فَضَرَبَ فَعَادَ كَثِيبًا (^٢) أَهْيَلَ أَوْ
أَهْيَمَ (^٣)». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ.
٣٧٩ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ بِالبَطْحَاءِ، فَأَتَى عَلَيْهِ يَزِيدُ ابْنُ رُكَانَةَ أَوْ رُكَانَةُ بْنُ يَزِيدَ وَمَعَهُ أَعْنُزٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ هَلْ لَكَ أَنْ تُصَارِعَنِي؟ فَقَالَ: ما تُسَبِّقُنِي؟ قَالَ: شَاةً مِنْ غَنَمِي، فَصَارَعَهُ فَصَرَعَهُ، فَأَخَذَ شَاةً. قَالَ رُكَانَةُ: هَلْ لَكَ فِى العَوْدِ؟ قَالَ: مَا تُسَبِّقُنِي؟ قَالَ: أُخْرَى، ذَكَرَ ذَلِكَ مِرَارًا. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! وَاللهِ مَا وَضَعَ أَحَدٌ جَنْبِي إِلَى الأَرْضِ، وَمَا أَنْتَ الَّذِي تَصْرَعُنِي. فَأَسْلَمَ، وَرَدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - غَنَمَهُ». وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي المُصَنَّفِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ: «مَا كُنَّا لِنَجْمَعَ عَلَيْكِ أَنْ نَصْرَعَكَ وَنُغَرِّمَكَ، خُذْ غَنَمَكَ». حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ (^٤).
_________________
(١) الكُدْيَةُ: الصخرة العظيمة.
(٢) الكَثِيبُ: المجتمِعُ من الرمل إذا علا.
(٣) أَهْيَلُ أوأَهْيَمُ: رِخْوٌ غيرُ متماسك.
(٤) قال البيهقي في السنن الكبرى: وهو مُرسَل جيد. وقد رُوي موصولا بإسناد فيه ضعف عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس - ﵄ -. والحديث حسن بطرقه.
[ ١٥٧ ]
٣٨٠ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قَالَ: «كَانَ عَلِيٌّ قَدِمَ مِنَ اليَمَنِ بِهَدْيٍ
لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَكَانَ الهَدْيُ الَّذِي قَدِمَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَعَلِيٌّ مِنَ اليَمَنِ
مَائَةَ بَدَنَةٍ. فَنَحَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْهَا ثَلَاثًا وَسِتِّينَ، وَنَحَرَ عَلِيٌّ سَبْعًا
وَثَلَاثِينَ، وَأَشْرَكَ عَلِيًّا فِي بَدْنِهِ، ثُمَّ أَخَذَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بَضْعَةً، فَجُعِلَتْ فِي
قِدْرٍ فَطُبِخَتْ، وَأَكَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَعَلِيٌّ مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا».
حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
(١٣٠) بَابُ ثَبَاتِ النَّبِيِّ - ﷺ -
٣٨١ - عَنْ عَقِيْلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ: «جَاءَتْ قُرَيْشٌ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يُؤْذِينَا فِي نَادِينَا وَفِي مَجْلِسِنَا، فَانْهَهُ عَنْ أَذَانَا، فَقَالَ لِي: يَا عُقَيْلُ ائْتِ مُحَمَّدًا، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ فَأَخْرَجْتُهُ مِنْ كِبْسٍ - قَالَ طَلْحَةُ: بَيْتٌ صَغِيرٌ - فَجَاءَ فِي الظُّهْرِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ فَجَعَلَ يَطْلُبُ الفَيْءَ يَمْشِي فِيهِ مِنْ شِدَّةِ حَرِّ الرَّمْضَاءِ. فَأَتَيْنَاهُمْ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: إِنَّ بَنِي عَمِّكَ زَعَمُوا أَنَّكَ تُؤْذِيهِمْ فِي نَادِيهِمْ وَفِي مَجْلِسِهِمْ فَانْتَهِ عَنْ ذَلِكَ، فَحَلَّقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: مَا تَرَوْنَ هَذِهِ الشَّمْسَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: مَا أَنَا بِأَقْدَرَ عَلَى أَنْ أَدَعَ ذَلِكَ مِنْكُمْ عَلَى أَنْ تُشْعِلُوا مِنْهَا شَعْلَةً. فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: مَا كَذَبَنَا ابْنُ أَخِي قَطُّ، فَارْجِعُوا». حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ.
[ ١٥٨ ]
(١٣١) بَابُ صَبْرِ النَّبِيِّ - ﷺ -
قَالَ اللهُ ﷾: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)﴾ [سُورَةُ النَّحْلِ: ١٢٧].
وَقَالَ ﷿: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ [سُورَةُ الأَحْقَافِ: ٣٥].
٣٨٢ - عَنْ طَارِقٍ المُحَارِبِيِّ - ﵁ - قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ فِي سُوقِ ذِي المَجِازِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوا، وَرَجُلٌ يَتْبَعُهُ يَرْمِيهِ بِالحِجَارَةِ، قَدْ أَدْمَى كَعْبَيْهِ وَعُرْقُوبَيْهِ، وَهُوَ
يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! لَا تُطِيعُوهُ فَإِنَّهُ كَذَّابٌ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا غُلَامُ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا الَّذِي يَتْبَعُهُ يَرْمِيهِ بِالحِجَارَةِ؟
قَالُوا: عَبْدُ العُزَّى أَبُو لَهَبٍ». أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ.
٣٨٣ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ - ﵁ - أَنَّهُ سُئِلَ: «بِأَيِّ شَيْءٍ دُووِيَ جُرْحُ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي: كَانَ عَلِيٌّ يَجِيءُ بِتُرْسِهِ
فِيهِ مَاءٌ، وَفَاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ. فَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأُحْرِقَ فَحُشِيَ
بِهِ جُرْحُهُ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ.
٣٨٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: «قَسَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - قِسْمَةً فَقَالَ رَجُلٌ:
[ ١٥٩ ]
إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدُ بِهَا وَجْهَ اللهِ. فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَغَضِبَ حَتَّى
رَأَيْتُ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ وَقَالَ: يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ
هَذَا فَصَبَرَ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
(١٣٢) بَابُ شُكْرِ النَّبِيِّ - ﷺ -
٣٨٥ - عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - ﵁ - قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَتَكَلَّفُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ في الشَّمَائِلِ.
٣٨٦ - عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا جَاءَهُ أَمْرٌ يُسَرُّ بِهِ خَرَّ سَاجِدًا شُكْرًا لِلّاهِ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
(١٣٣) بَابُ كَرَمِ النَّبِيِّ - ﷺ -
قَالَ اللهُ ﵎ فِي شَأْنِ المُنَافِقِينَ: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: ٧٤] (^١).
٣٨٧ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قَالَ: «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - شَيْئًا قَطُّ
فَقَالَ: لَا». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
٣٨٨ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَجْوَدَ النَّاسِ
_________________
(١) قال العلامة الطاهر ابن عاشور: "وعُطِفَ الرَّسُولُ عَلَى اسْمِ الجَلَالَةِ فِي فِعْلِ الإِغْنَاءِ لِأَنَّهُ السَّبَبُ الظَّاهِرُ المُبَاشِرُ".
[ ١٦٠ ]
بِالخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، فَيَأْتِيهِ جِبْرِيلُ فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
٣٨٩ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ - ﷺ - غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، أَسْلِمُوا، فَوَاللّاهِ إِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى الفَقْرَ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
(١٣٤) بَابُ إِيثَارِ النَّبِيِّ - ﷺ -
٣٩٠ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ - ﵁ - قَالَ: «جَاءَتِ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ. قَالَ أَتَدْرُونَ مَا البُرْدَةُ؟ فَقِيلَ لَهُ: نَعَمْ هِيَ الشَّمْلَةُ مَنْسُوجٌ فِي حَاشِيَتِهَا. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي نَسَجْتُ هَذِهِ بِيَدَيَّ أَكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ (^١): يَا رَسُولَ اللهِ اكْسُنِيهَا،
فَقَالَ: نَعَمْ. فَجَلَسَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي المَجْلِسِ ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا
إِلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ القَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، سَأَلْتَهَا إِيَّاهُ وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَائِلًا، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِتَكُونَ كَفَنِي يَوْمَ أَمُوتُ. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ.
_________________
(١) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَانِ بْنُ عَوْفٍ - ﵁ -.
[ ١٦١ ]
(١٣٥) بَابُ عَفْوِ النَّبِيِّ - ﷺ -
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [سُورَةُ الأَعْرَافِ: ١٩٩]. وَقَالَ ﷻ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾. [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: ١٥٩]. وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾. [سُورَةُ المَائِدَةِ: ١٣].
٣٩١ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ -: «أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ القَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ (^١)، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ. فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - تَحْتَ سَمُرَةٍ (^٢)، وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ. وَنِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدْعُونَا، وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ
صَلْتًا (^٣)، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي فَقُلْتُ: اللهُ، ثَلاثًا، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ، وَجَلَسَ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
_________________
(١) العِضَاهُ: كلُّ شجر له شوك.
(٢) السَّمُرَةُ: شجرة الطَّلْحِ من نبات الصحراء.
(٣) صَلْتًا: أي مجرَّدًا من غِمده.
[ ١٦٢ ]
٣٩٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ طَافَ بِالبَيْتِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَى الكَعْبَةَ فَأَخَذَ بِعِضَادَتَيِ البَابِ فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ وَمَا تَظُنُّونَ؟ قَالُوا نَقُولُ: ابْنُ أَخٍ وَابْنُ عَمٍّ حَلِيمٌ رَحِيمٌ؟ فقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَقُولُ كَمَا قَالَ يُوسُفُ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [سُورَةُ يُوسُفَ: ٩٢]. قَالَ: فَخَرَجُوا كَأَنَّمَا نُشِرُوا مِنَ القُبُورِ، فَدَخَلُوا فِي الإِسْلامِ». أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوِّةِ وَفِي السُّنَنِ الكُبْرَى (^١).
٣٩٣ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رُفِعَ إِلَيْهِ شَيْءٌ فِيهِ قِصَاصٌ إِلَّا أَمَرَ فِيهِ بِالعَفْوِ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
(١٣٦) بَابُ حَيَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ -
أَثْبَتَ اللهُ ﷿ حَيَاءَ نَبِيِّهِ الكَرِيمِ - ﷺ - فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَئْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِ مِنَ الْحَقِّ﴾ [سُورَةُ الأَحْزَابِ: ٥٣].
_________________
(١) قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: وفيه ضعف. أقول: وله شواهد. وأما ما يُروى من قوله - ﷺ -: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» فإنه مما ذكره ابن إسحاق في سيرته، ونقله عنه ابن هشام، وتناقله أهل السير والأخبار، وليس له إسناد يُعتمد.
[ ١٦٣ ]
٣٩٤ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
٣٩٥ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَيِيًّا، لا يُسْأَلُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ». أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ.
(١٣٧) بَابُ تَوَاضُعِ النَّبِيِّ - ﷺ -
قَالَ اللهُ ﷾ آمِرًا رَسُولَهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [سُورَةُ الحِجْرِ: ٨٨]. وَقَالَ ﷿: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: ٢١٥].
٣٩٦ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تُطْرُونِي (^١) كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ (^٢)، فإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ».
أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
٣٩٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
_________________
(١) الإِطْرَاءُ: مُجَاوَزَةُ الحَدِّ في المَدْحِ وَالكَذِبُ فيه.
(٢) لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ: وذلك أنهم مدحوه بما ليس فيه فقالوا: هو ثالث ثلاثة وإنه ابن الله وما أشبهه من الكفر، تعالى الله عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا، وما دون ذلك من مدح النبي - ﷺ - والثناء عليه غير داخل في النهي.
[ ١٦٤ ]
٣٩٨ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -: «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَالَ: اجْلِسِي فِي أَيِّ طَرِيقِ المَدِينَةِ شِئْتِ أَجْلِسْ إِلَيْكِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وأَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ في الشَّمَائِلِ وَاللَّفْظُ لهُ.
٣٩٩ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَعُودُ المَرِيضَ،
وَيَشْهَدُ الجَنَائِزَ، وَيَرْكَبُ الحِمَارَ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ العَبْدِ، وَكَانَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ
عَلَى حِمَارٍ مَخْطُومٍ (^١) بَحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ وَعَلَيْهِ إِكَافٌ (^٢) مِنْ لِيفٍ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ
وَابْنُ مَاجَهْ وَالحَاكِمُ.
٤٠٠ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُدْعَى إِلَى خُبْزِ الشَّعِيرِ وَالإِهَالَةِ السَّنِخَةِ (^٣) فَيُجِيبُ، وَلَقَدْ كَانَ لَهُ دِرْعٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، فَمَا وَجَدَ مَا يَفُكُّهَا حَتَّى مَاتَ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ.
٤٠١ - عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵉ قَالَ: سَأَلْتُ خَالِي هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ - ﵁ - وَكَانَ وَصَّافًا عَنْ حِلْيَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَأَنَا أَشْتَهِي أَنْ يَصِفَ لِي مِنْهَا
شَيْئًا، فَذَكَرَ الحَدِيثَ. قَالَ الحَسَنُ: فَكَتَمْتُهَا الحُسَيْنَ زَمَانًا، ثُمَّ حَدَّثْتُهُ
_________________
(١) مَخْطُومٌ: له زِمامٌ.
(٢) الإِكَافُ: ما يوضع على ظهر الحمار ليجلس الراكب عليه، وهو كالسَّرْجِ للفرس، ويُسَمَّى البَرْدَعَةَ أيضًا.
(٣) الإِهَالَةُ السَّنِخَةُ: ما أُذيبَ من الشحم والإِلْيَةِ وتغيَّرتْ رائحتُه.
[ ١٦٥ ]
فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ. وَوَجَدْتُهُ قَدْ سَأَلَ أَبَاهُ عَنْ مَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ وَشَكْلِهِ، فَلَمْ يَدَعْ مِنْهُ شَيْئًا. قَالَ الحُسَيْنُ: فَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ دُخُولِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فقَالَ: «كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى مَنْزِلِهِ جَزَّأَ دُخُولَهُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: جُزْءًا لِلّاهِ، وَجُزْءًا لِأَهْلِهِ، وَجُزْءًا لِنَفْسِهِ. ثُمَّ جَزَّأَ جُزْءَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَيَرُدُّ ذَلِكَ بِالخَاصَّةِ عَلَى العَامَّةِ، وَلَا يَدَّخِرُ عَنْهُمْ شَيْئًا. وَكَانَ مِنْ سِيرَتِهِ فِي جُزْءِ الأُمَّةِ إِيثَارُ أَهْلِ الفَضْلِ بِإِذْنِهِ، وَقَسْمُهُ عَلَى قَدْرِ فَضْلِهِمْ فِي الدِّينِ، فَمِنْهُمْ
ذُو الحَاجَةِ وَمِنْهُمْ ذُو الحَاجَتَيْنِ وَمِنْهُمْ ذُو الحَوَائِجِ. فَيَتَشَاغَلُ بِهِمْ وَيَشْغَلُهُمْ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ وَالأُمَّةَ مِنْ مُسَاءَلَتِهِمْ عَنْهُ وَإِخْبَارِهِمْ بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ. وَيَقُولُ: لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ، وَأَبْلِغُونِي حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغَهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَبْلَغَ سُلْطَانًا حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغَهَا ثَبَّتَ اللهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
لَا يُذْكَرُ عِنْدَهُ إِلَّا ذَلِكَ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ غَيْرَهُ. يَدْخُلُونَ رُوَّادًا وَلَا يَفْتَرِقُونَ إِلَّا عَنْ ذَوَاقٍ، وَيَخْرُجُونَ أَدِلَّةً - يَعْنِي عَلَى الخَيْرِ».
قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَخْرَجِهِ كَيْفَ يَصْنَعُ فِيهِ؟ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَخْزِنُ لِسَانَهُ إِلا فِيمَا يَعْنِيهِ، وَيُؤَلِّفُهُمْ وَلا يُنَفِّرُهُمْ، وَيُكْرِمُ كَرِيمَ كُلِّ قَوْمٍ وَيُوَلِّيهِ عَلَيْهِمْ، وَيَحَذَرُ النَّاسَ وَيَحْتَرِسُ مِنْهُمْ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِشْرَهُ وَخُلُقَهُ، وَيَتَفَقَّدُ أَصْحَابَهُ، وَيَسْأَلُ النَّاسَ عَمَّا فِي النَّاسِ، وَيُحَسِّنُ الحَسَنَ وَيُقَوِّيهِ، وَيُقَبِّحُ القَبِيحَ وَيُوَهِّيهِ، مُعْتَدِلُ الأَمْرِ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ، لا يَغْفُلُ مَخَافَةَ أَنْ يَغْفُلُوا أَوْ يَمِيلُوا،
[ ١٦٦ ]
لِكُلِّ حَالٍ عِنْدَهُ عَتَادٌ، لا يُقَصِّرُ عَنِ الحَقِّ وَلَا يُجَاوِزُهُ. الَّذِينَ يَلُونَهُ مِنَ النَّاسِ خِيَارُهُمْ، أَفْضَلُهُمْ عِنْدَهُ أَعَمُّهُمْ نَصِيحَةً، وَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَحْسَنُهُمْ مُوَاسَاةً وَمُؤَازَرَةً. قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَجْلِسِهِ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَا يَقُومُ وَلا يَجْلِسُ إِلا عَلَى ذِكْرٍ، وَإِذَا انْتَهَى إِلَى قَوْمٍ جَلَسَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِسُ، وَيَأْمُرُ بِذَلِكَ. يُعْطِي كُلَّ جُلَسَائِهِ بِنَصِيبِهِ، لَا يَحْسَِبُ جَلِيسُهُ أَنَّ أَحَدًا
أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ، مَنْ جَالَسَهُ أَوْ فَاوَضَهُ فِي حَاجَةٍ صَابَرَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ المُنْصَرِفَ عَنْهُ. وَمَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً لَمْ يَرُدَّهُ إِلَّا بِهَا أَوْ بِمَيْسُورٍ مِنَ القَوْلِ. قَدْ وَسِعَ النَّاسَ بَسْطُهُ وَخُلُقُهُ، فَصَارَ لَهُمْ أَبًا، وَصَارُوا عِنْدَهُ فِي الحَقِّ سَوَاءً. مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ عِلْمٍ وَحِلْمٍ وَحَيَاءٍ وَأَمَانَةٍ وَصَبْرٍ، لَا تُرْفَعُ فِيهِ الأَصْوَاتُ، وَلا تُؤْبَنُ (^١) فِيهِ الحُرَمُ، وَلا تُنْثَى فَلَتَاتُهُ (^٢)، مُتَعَادِلِينَ، بَلْ كَانُوا يَتَفَاضَلُونَ فِيهِ بِالتَّقْوَى، مُتَوَاضِعِينَ، يُوَقِّرُونَ فِيهِ الكَبِيرَ، وَيَرْحَمُونَ فِيهِ الصَّغِيرَ، وَيُؤْثِرُونَ ذَا
الحَاجَةِ، وَيَحْفَظُونَ الغَرِيبَ».
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ في الشَّمَائِلِ.
٤٠٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: «حَجَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى رَحْلٍ (^٣) رَثٍّ (^٤)،
_________________
(١) لا تُؤْبَنُ: أي لا تُعَاب، أي لا يُغتاب أحدٌ في مجلسه.
(٢) ولا تُنْثَى فَلَتَاتُه: أي لا تُذاعُ الهَفَوَاتُ التي تحدثُ فيه.
(٣) الرَّحْلُ: ما يُوضع على البعير والناقة من أعواد من خشبٍ لِيَرْكَبَ عليه الرجال.
(٤) رَثٌّ: بَالٍ.
[ ١٦٧ ]
وَعَلَيْهِ قَطِيفَةٌ (^١) لا تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، فَقَالَ: اللّاهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا لا رِيَاءَ فِيهِ وَلا سُمْعَةَ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ في الشَّمَائِلِ.
٤٠٣ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قَالَ: «جَاءَنِي رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَيْسَ برَاكِبِ بَغْلٍ وَلا بِرْذَوْنٍ (^٢)». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
٤٠٤ - عَنْ يُوسُفَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ - ﵄ - قَالَ: «سَمَّانِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُوسُفَ، وَأَقْعَدَنِي فِي حِجْرِهِ، وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِي». حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ في الشَّمَائِلِ والبخاريُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ.
٤٠٥ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ،
فَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي. قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي،
وَلَمْ تَعْرِفْهُ. فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَلَمْ تَجِدْ
عِنْدَهُ بَوَّابِينَ فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ. فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
٤٠٦ - عَنْ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ - ﵁ - قَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي العُمْرَةِ، فَأَذِنَ لِي وَقَالَ: لَا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ. فَقَالَ كَلِمَةً مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا الدُّنْيَا». وَفِي رِوَايَةٍ: «أَشْرِكْنَا يَا أُخَيَّ فِي دُعَائِكَ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
_________________
(١) القَطِيفَةُ: كِساءٌ له خَمْلٌ.
(٢) البِرْذَوْنُ: غيرُ العربي من الخيل.
[ ١٦٨ ]
(١٣٨) بَابُ سَلَامَةِ صَدْرِ النَّبِيِّ - ﷺ -
٤٠٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ». حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.
[ ١٦٩ ]