أقوله لأننا كنا بصدد الكلام عن الخليفة الراشد، علي بن أبي طالب ﵁ والتنبيه هو أن كثيرا من الناس يفضلون أن يقولوا بعد ذكر علي (كرم الله وجهه)، بدلا من (﵁)، وهذا غلط، لأن الترضي عنه هو دعاء له، أما (كرم الله وجهه) فهذا من باب الخبر الذي يغني معرفته وقوله مرة واحدة، ومعلوم أن الدعاء خير من الخبر وأنفع للناس، كما أن تبريرهم لهذا القول بأن عليّا لم يسجد لصنم قط، لذلك نقول: (كرم الله وجهه)، هذا ليس بتبرير فكثير من الصحابة لم يرد أنهم سجدوا لصنم، فلماذا نختص عليّا ﵁ بهذا القول، بل لماذا نحرمه من الدعاء له برضوان الله﷾- والكل في حاجة لهذا الدعاء ولو كانوا أصحاب رسول الله ﷺ.
الدرس الحادي والثلاثون: في قول الرسول:
«من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي»، أي: من يلتمس لي العذر إن عاقبت رجلا على قبح ما صنعه معي، أو من ينصرني عليه، ففيه أن الرجل إذا أراد أن يعاقب أحدا على سوء فعله معه، خاصة إذا كان من أصحابه، فعليه أن يخبر القوم بما حدث حتى يعذروه فلا يلوموه، وينصروه ولا يخذلوه، وحتى لا يفاجأ القوم، خاصة أهل قرابة الخصم، بما سيحدث، كما أن في هذا الإبلاغ فائدة أخرى، وهي أنه قد يكون في القوم من يدله على أمر يكون أصوب مما يراه.
وفي بقية كلامه ﷺ ثناء على عائشة، وعلى الصحابي صفوان بن المعطل﵃ جميعا-.
الدرس الثاني والثلاثون: في قيام سعد بن معاذ سيد الأوس
، وسعد بن عبادة سيد الخزرج، وفيما قالوه، فوائد منها:
١- ما كان عليه الصحابة من حب النبي، وفدائه ولو بأهل قرابتهم وعشيرتهم، والكل يعلم ما كان عليه العرب من المناصرة والدفاع حتى الموت عن أهل القرابة، فلم يقل سعد بن معاذ: من هو يا رسول الله، أو يقول خبّرنا عنه ونحن نستقصي أمره إن أخطأ حاسبناه، أو أي كلمة مشابهة، بل قال: (إن كان من الأوس ضربنا عنقه): أيّا كان الرجل ومكانته في القوم، ما علينا يا رسول الله إلا أن نقتله، دون أن يستقصوا هل فعل أم لا، ألم يقل الصادق المصدوق: «بلغني أذاه في أهلي» أبعد قوله قول، كيف لا يصدقونه والله قد استأمنه على وحيه؟ أفلا نستأمنه نحن على خبره في رجل آذاه، وقد حكم سعد على الرجل
[ ١ / ٤٢٩ ]
الذي آذى النبي ﷺ بأشد العقوبة، وهي القتل وكيف يحكم بأقل من ذلك في رجل آذى نبيهم وخليلهم وحبيبهم.
٢- فيه تحذير من الحمية أي العصبية، والتي ابتلي بها كثير من الناس حيث غضب سعد بن عبادة ﵁ وثار في حضرة النبي ﷺ على مقولة سعد بن معاذ، وما حمله على ذلك إلا العصبية، أعلمتم مغبة العصبية ماذا تفعل بالإنسان الصالح، الذي قالت عنه عائشة ﵂: (وكان قبل ذلك رجلا صالحا)، أي: قبل أن تأخذه العصبية، وانظر أيضا ماذا يمكن أن يئول إليه الأمر بعد أن تدخل العصبية والغضب بعض أفراد الأمة الصالحين، تقول عائشة: (فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا) .
٣- في تنازع الأوس والخزرج، فائدة أخرى، وهي أن الصحابة رضوان الله عليهم بشر، يصدر منهم ما يصدر من بقية البشر كالعصبية والغضب والسب، وهذا ما كان يعالجه النبي ﷺ فيهم، ولو كانوا لا يخطئون ما كان من بعثة النبي فيهم من فائدة، ولحرمنا الكثير من أمور السنة التي تعلمناها مما وقعوا فيه من زلات، ولكن مع هذا فهم خير قرون الأمة، لما ثبت عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال النّبيّ ﷺ: «خيركم قرني ثمّ الّذين يلونهم ثمّ الّذين يلونهم» «١» . فعباداتهم وجهادهم ومواساتهم ونصرتهم للرسول ﷺ، لا تقارن أو تقاس بما صدر منهم من أمور صوّبت في وقتها بالكتاب أو السنة، وكفى ذلك شرفا لهم، فزلاتهم ولله الحمد هي ذرة في فلاة بالنسبة لحسناتهم.
الدرس الثالث والثلاثون: قد يؤخذ من الحديث
، أن الحد الواجب على من آذى الرسول، هو القتل، لقول سعد بن معاذ: (إن كان من الأوس ضربنا عنقه)، ولم يكن هذا من باب التهويل، وذلك لرد سعد بن عبادة وقوله: (كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على ذلك)، وتأكيد أسيد بن حضير على عزمهم قتله، فقال: (والله لنقتلنّه)، كل ذلك حدث أمام الرسول، ولو كان القتل فيه مخالفة شرعية، وأنه ليس حكم الله﷿- لبينه الرسول في وقته، ولا يقال: إن الذي آذاه كان منافقا؛ لأن الصحابة لم تكن تعلم من الذي يقصده الرسول، بدليل قولهم: (إن كان من الأوس)، ولو قال لي قائل لقد سمع النبي من سعد أنه إذا رأى أحدا مع أهله قتله بالسيف، ولم يعترض ولم يبين له أن هذا الحكم غير
_________________
(١) البخاري، كتاب: الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد برقم (٢٦٥١)، مسلم، كتاب: فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، برقم (٢٥٣٥) .
[ ١ / ٤٣٠ ]
موافق للصواب، بل أثنى النبي على غيرته، قلت: هناك زيادة في الحديث لا يذكرها عامة الشيوخ، تبين أن النبي قد وجه سعدا أن القتل خطأ، ويجب عليه التروي، لأن الله يحب العذر.
وقد وردت الزيادة عند مسلم، عن المغيرة بن شعبة قال: قال سعد بن عبادة لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسّيف غير مصفح عنه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال:
«أتعجبون من غيرة سعد فو الله لأنا أغير منه، والله أغير منّي من أجل غيرة الله حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله ولا شخص أحبّ إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشّرين ومنذرين، ولا شخص أحبّ إليه المدحة من الله من أجل ذلك وعد الله الجنّة» .
الدرس الرابع والثلاثون: نستفيد من الحديث كيفية تربية الله لهذه الأمة
حيث أراد الله﷿- أن يربيها على المحن والشدائد والصعاب، ليس لأفراد الأمة فقط، بل كانت تلك هي تربية الله لمعلم هذه الأمة وقائدها وهو النبي ﷺ، نأخذ ذلك من قول عائشة ﵂: (وقد مكث شهرا لا يوحى إليه)، ترى ما فائدة انقطاع الوحي شهرا كاملا؟ في وقت يخوض الناس في عرض خير البرية وأخشاهم وأتقاهم، بل أحبهم لله، لماذا انقطع الوحي وامرأة حديثة السن شريفة عفيفة تمرض وتلازم الفراش شهرا، حتى تخاف على كبدها أن ينفلق من كثرة البكاء؟
لماذا انقطع الوحي والمنافقون يروجون لشائعة لو حاسبنا الله﷿- على ترويجها لهلكت الأمة؟ وما ذلك إلا انتقاما لمقام النبوة، لم يتوقف الأمر على المنافقين، بل روج للشائعة بعض من زلّ من الصحابة وإن كانوا نفرا قليلا، لماذا انقطع الوحي والمدينة تصبح وتمسي وكأن زلزالا قد ضربها؟ والإجابة عن كل تلك الأسئلة هي تربية الله لهذه الأمة بالفتنة وبالابتلاء ليرفع الله بها درجات من عصمه، ويكون درسا قاسيا لمن تكلم وخاض، لعله يكون درسا للأمة إلى يوم القيامة كيف تعمل الكلمة في المجتمع، كيف ترجف به، كيف تجعل الحليم حيرانا، درس للأمة أن تتثبت ولا تروج للشائعات والأكاذيب، كما علّمنا القرآن الكريم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ [الحجرات:
٦]، وكما ذكرت من قبل كان من الممكن أن تنزل براءة عائشة ﵂ قبل
[ ١ / ٤٣١ ]
الحادثة وليس عند الحادثة، ولكن كان سيفوت على الأمة كل تلك الدروس والعبر التي تعلمناها من هذا الحدث.
الدرس الخامس والثلاثون: استحباب الشهادة قبل الكلام
، لقول عائشة ﵂: (فتشهد)، أي نطق بالشهادتين.
الدرس السادس والثلاثون: بدأ النبي كلامه بعد التشهد بقوله:
«يا عائشة»، فاستخدم حرف النداء ليسترعي انتباه عائشة، ثم ذكر اسمها ليعلمها أنه لم يهجرها ولم يهجر اسمها، ولو أنه عنفها من أول الحديث فقد تفقد صوابها، ولا تستطيع الرد الصحيح المؤدب، فاللطف في القول أولى ولو كان في مثل هذا الحدث الجلل، حتى يتبين الحق.
الدرس السابع والثلاثون: عدم إلقاء التهم بغير بينة
وتقديم حسن الظن، لقول النبي ﷺ: «يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا»، ولم يقل لها: أنت فعلت كذا وكذا، وهذا من عظيم التربية والخلق الحميد، ثم قال: «فإن كنت بريئة»، فقدم حسن الظن خاصة أنه ليس ثمة دليل، ثم واساها إن كانت بريئة، وأمّلها في رحمة الله بصيغة الجزم لا التعليق، وهذا من حسن ظنه بالله وثقته به فقال: «فسيبرئك الله»، ومن عظيم أدبه ﷺ أنه لم يصرح بما يقول الناس، بل قال في كلام عفيف: «وإن كنت ألممت بذنب»، ثم نصحها ووجّهها بما يتوجب عليها إن فعلت شيئا، فقال لها: «فاستغفري الله وتوبي إليه»، ثم أملها في رحمة الله الواسعة فقال لها: «فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه»، واختار ﷺ الستر على الفضيحة، فلم يقدم لها سؤالا محددا حتى لا يحرجها ويفضحها إن هي اقترفت- ونعوذ بالله من ذلك- فلم يقل لها: (أفعلت) .
أرأيتم عظيم أدبه وفضل إحسانه وحسن معاشرته، مع ما لاقاه ﷺ طيلة شهر، وانظر ما أعطاه الله من جوامع الكلم، فتكلم بعبارات قصيرة تحمل معاني كثيرة.
الدرس الثامن والثلاثون: كلام الناس- خاصة إذا كان في الأمور العظيمة
- له تأثير كبير على القلوب، كالسحر في بعض الأحيان. انظر كيف سأل النبي ﷺ عائشة وهي الطاهرة المطهرة عن برائتها، وذلك لتأثر قلبه بما يقول الناس، بالرغم من أن الذي روج للشائعة هو رأس المنافقين في المدينة.
الدرس التاسع والثلاثون: جواز أن يؤكد الإنسان كلامه
، وأن يحكم أن الله يعلم
[ ١ / ٤٣٢ ]
ذلك، أو يشهد على ذلك وهو من أساليب التوكيد، كالقسم بالله، تعلمنا ذلك من قول عائشة ﵂: (ولئن قلت لكم: إني بريئة، والله يعلم أني بريئة)، ولكن حذار أن يستخدم المسلم مثل هذا الأسلوب من التوكيد وهو كاذب، أو غير متأكد من حديثه، لأنه إن كان كاذبا، وقال: الله يعلم صدق حديثي، فكأنه حكم أن علم الله لا يطابق الواقع، وقد استخدم القرآن الكريم هذا المؤكد حيث قال الله تعالى: قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ [يس: ١٦]، وقد أكدت الأنبياء صدق رسالتهم، بأن أكدوا علم ربهم بإرسالهم، وهذا من المؤكدات المعنوية، وقد حفلت هذه الآية الكريمة بكثير من المؤكدات اللفظية أيضا فتأمل.
الدرس الأربعون: تعظيم الصحابة للقرآن الكريم
، وأن له منزلة عظيمة في نفوسهم، فهم يشعرون أنه كلام الله﷿- الذي له شأن عظيم، علمنا ذلك من قول عائشة ﵂: (ولأنا أصغر في نفسي من أن يتكلّم بالقرآن في أمري)، فهي ترى أن شأن القرآن أعظم بكثير من أن ينزل ببراءتها، وكل ما كانت ترجوه أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا تبرئها، ثم ما لبث أن نزل الوحي قبل أن يخرج أحد من البيت. ويتفرع على ما سبق مسائل منها: