أ- ثناؤه على يوسف ﵇ حيث إنه لما سئل عن أكرم الناس، ذكر يوسف ﵇ من حيث كونه نبيّا ابن نبي ابن نبي ابن نبي، فهو يوسف بن إسحاق بن يعقوب ابن إبراهيم، عليهم جميعا الصلاة والسلام.
ويتفرع عليه: أن نبي الله يوسف ﵇ هو أفضل الناس على الإطلاق نسبا، من حيث اجتمع له شرف الأب والجد وجد الجد، ولو اجتمع لأحد غيره مثل هذا الشرف لذكره النبي ﷺ خاصة أنه ذكر لفظ (أكرم) بصيغة أفعل التفضيل. وفي الحديث أيضا إثبات نبوة يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم- عليهم جميعا الصلاة والسلام..
ب- ثناؤه ﷺ على النبي الكريم، إبراهيم ﵊ حيث أثبت له الخلة، بقوله «ابن خليل الله»، وقد ثبتت هذه الخلة له في كتاب الله العزيز بقوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) [النساء: ١٢٥] .
ويؤخذ منه عظيم قدر إبراهيم، ﵊ حيث إنه اتصف بصفة، وهي الخلة، لم يشاركه فيها أحد إلا نبينا محمد ﷺ، وقد ذكرت من قبل أن إبراهيم، ﵊ هو النبي الوحيد الذي تتنازع فيه كل أمة لإثبات انتسابها إليه، ولقد رد الله عليهم
_________________
(١) البخاري، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا، برقم (٣٣٥٣) .
[ ١ / ٤٧٤ ]
بقوله: ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) [آل عمران: ٦٧] وبذلك تكون الأمة الوحيدة الآن المنتسبة بحق إلى إبراهيم ﵇ هي أمة الإسلام، قال تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) [آل عمران: ٦٨] .
٢- طهارة ونقاء قلبه ﷺ وأنه ليس فيه أدنى أدنى حقد ولا حسد ولا غل، لإخوانه من الأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام، ودليله أنه كان ﷺ يكثر من ذكرهم، ويعدد محاسنهم وماثرهم ليحبب الناس فيهم، بل ويمدحهم بما يظن السامع أنهم جميعا أفضل منه مكانة وأشد قربا إلى الله، فهو ﷺ يقول عن يوسف: إنه أكرم الناس كما في حديث الباب، من حيث شرف النسب، وسيأتي- إن شاء الله- فائدة مستقلة لبعض نماذج الثناء على الأنبياء، فلم يكن ﷺ ينظر إلى الأنبياء على أنهم منافسون له عند ربه أو عند الناس، بل المتتبع لسيرته العطرة ﷺ يتأكد أنه كان يريد أن يجعل الناس يتعبدون إلى الله﷾- بحب الأنبياء وتعظيم شأنهم، وكان ينظر إلى الأنبياء جميعا بما فيهم هو ﷺ بالعقد الواحد والبناء الجميل الذي لا يكمل جماله إلا باكتمال جميع لبناته، واللبنة لا يمكن أن تقوم بمفردها، بل هي في أشد الحاجة إلى غيرها ليشد عقدها ويقوي دعامتها. وهذا من أعظم دلائل نبوته ﷺ وأكبر دليل على أن الله﷾- قد نزع من قلبه حظ الشيطان، وأن قلبه قد غسل قبل وبعد البعثة، ليكون قلبا طاهرا زكيا، مبرآ من كل ما يعيب المرء من الأدناس والأنجاس بل فيما هو أقل من ذلك بكثير، فإذا كنا نثني على من طهّر قلبه من الحسد والغل، فماذا نقول عمن حرص كل الحرص أن يحبب الناس في غيره ويظهرهم أنهم أفضل منه، والصحيح أنه ﷺ الأفضل منهم منزلة، وهذا الإيضاح وتلك الفائدة هما المقصود الأول من إيراد هذا الباب.
٣- ارتباط علمه ﷺ بايات الذكر الحكيم حيث إنه لما سئل عن أكرم الناس ذكر ﷺ أن أكرم الناس هو أتقاهم، مصداقا لقوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: من الآية ١٣]، كما أنه ﷺ لما ذكر أكرم الناس من حيث المعدن اشترط تحصيل الفقه، وهو العلم في الدين، حتى يكون العبد من أكرم الناس منزلة، قال ﷺ «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» «١»، يصدقه قوله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [المجادلة: من الآية ١١] .
_________________
(١) مسلم، كتاب الفضائل، باب: من فضائل يوسف ﵇، برقم (٢٣٧٨) .
[ ١ / ٤٧٥ ]
وقال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: ١٨]، فقد قرن الله شهادته وشهادة ملائكته، بشهادة أولي العلم، يدل ذلك على أنهم أعدل الناس وأكرمهم عند الله.
وقد ذكر ابن حجر في الفتح أن المقصود بخيار الناس في الجاهلية هو من اتصف بالخصال المحمودة من ملائمة الطبع، وأن الشرف في الإسلام يكون بالخصال المحمودة شرعا.
ويتفرع على ذلك: علمنا بعظيم قدر التفقه في الدين حيث اشترط النبي ﷺ وجوده فيمن اتصف بالخصال المحمودة ليكون من أكمل الناس، وإذا كان صاحب الفقه في الدين محمودا، فإن صاحب الجهل في الدين مذموم، خاصة إذا كان عنده قدرة من ناحية العقل والوقت، على تحصيل العلم الشرعي ثم تقاعس أو انشغل عنه بما هو أدنى منه.
٣- فصاحته ورجاحة عقله ﷺ في تقسيم الناس: حيث إن الصحابة لما سألوه عن أكرم الناس، وكان سؤالا واسعا، يحتمل عدة معان، قسّم هو الناس، وبنى تقسيمه ﷺ على ثلاثة أمور، بدأ فيها بالأعظم، ثم الأهم، ثم المهم، فلما كانت تقوى الله والخوف منه هي أعظم الأمور- لأنها الباعث لكل خير، والرادع عن كل شر- بدأ ﷺ بها دون غيرها، وقد تحققت ثلاث حكم بالبدء بالتقوى وهي:
أ- إثبات أن الأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام، هم أكرم الناس على الإطلاق ولا ينازعهم في ذلك أحد، لأنهم أتقى الناس لله﷿- ولو بدأ بيوسف مثلا لضاعت تلك الحكمة.
ب- إثبات أن ما يكتسبه الإنسان مقدم على ما لا دخل له فيه، والذي هو منحة خالصة من الله﷾- لذلك قدم ﷺ التقوى على شرف النسب، وهذا منتهى العدل الرباني.
ج- إثبات ما أثبته القرآن، أن أعظم مظاهر التفاضل بين الناس إنما يكون بتقوى الله، وقد مر قريبا.
ثم ثنى النبي ﷺ بالنسب الشريف الطاهر، والذي هو منحة خالصة من الله﵎- وهي للنبي يوسف ﵇، ثم اختتم بعموم الناس الذين لهم فضل في الجاهلية باتباع العادات المحمودة وفضل في الإسلام باتباع المأمور شرعا مع الفقه في الدين.
[ ١ / ٤٧٦ ]
قال ابن حجر: (الجواب الأول من جهة الشرف بالأعمال الصالحة، والثاني من جهة الشرف بالنسب الصالح) «١» .
كما أن من جوامع كلمه ﷺ أن شبّه أصول الناس بالمعادن، قال ابن حجر، في الفتح، (شبههم بالمعادن لكونهم أوعية الشرف كما أن المعادن أوعية للجواهر) «٢» .
الفائدة الثانية:
أصّل النبيّ ﷺ قاعدة عظيمة في التفاخر بالنسب، وهو أن يكون النسب المتفاخر به نسبا صالحا، فالصلاح هو المعتبر الوحيد للنسب السليل الذي يتشرف الإنسان بذكره، وغيره ليس محلّا للذكر ولا التفاخر حيث إنه ﷺ لما ذكر أن يوسف هو أكرم الناس ذكر الحيثية وهي أنه نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي، فعلم أن مبعث إكرام الله﷾- ليوسف ﵇ هو اختصاصه بالنسب الصالح ولو كان هناك أساس آخر للتفاضل بين أنساب الناس لعلّمه لنا النبي ﷺ.
ويتفرع عليه: خطأ من يتفاخر بالنسب غير الصالح، ولو كان نسبا ينظر إليه الناس أنه شريف، لمال أصحابه أو مناصبهم أو قوة نفوذهم أو قربهم للحكام، فكل ذلك غير معتبر شرعا.
الفائدة الثّالثة:
وأختم بها الباب، وهي ذكر بعض الأحاديث التي تذكر جميل ثناء النبي ﷺ على إخوانه من الأنبياء ووفائه لهم، مع ذكر شيء يسير من الفوائد عقب كل حديث حتى لا يطول المقال.
١- وفاؤه لأخيه سليمان، فعن أبي الدّرداء قال: قام رسول الله ﷺ فسمعناه يقول:
«أعوذ بالله منك، ثمّ قال: ألعنك بلعنة الله، ثلاثا» وبسط يده كأنّه يتناول شيئا، فلمّا فرغ من الصّلاة قلنا: يا رسول الله قد سمعناك تقول في الصّلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك! قال: «إنّ عدوّ الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت:
أعوذ بالله منك ثلاث مرّات، ثمّ قلت: ألعنك بلعنة الله التّامّة، فلم يستأخر، ثلاث مرّات، ثمّ أردت أخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة» «٣» .
وفي الحديث:
أ- أن النبي ﷺ كان يود أن يوثق الشيطان الذي تفلت عليه (أي تعرض له في صلاته) في إحدى سواري المسجد ليلعب به الولدان، بعد أن مكنه الله- تعالى- منه
_________________
(١) فتح الباري (٦/ ٤١٤) .
(٢) فتح الباري (٦/ ٤١٤) .
(٣) مسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة، برقم (٥٤٢) .
[ ١ / ٤٧٧ ]
حيث قال: «والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة»، ولكنه ﷺ لم يفعل، تحقيقا لرغبة أخيه سليمان ﵇ بأن يكون له ملك لا ينافسه فيه أحد من العالمين بعده، قال تعالى، ذاكرا دعوة سليمان ﵇ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) [ص: ٣٥] . مع أن النبي ﷺ لو ربط الشيطان، لأضيف هذا إلى شمائله، معجزة عظيمة وهي تسخير الجن، ولكنه ﷺ آثر أخيه سليمان على نفسه.
ب- أن الله﷿- قد أجاب دعوة النبي سليمان، ﵊، في منحه ملكا لا يكون مثله لغيره، ودليل أن الدعوة قد استجيبت، أن النبي ﷺ لم يرض أن يكون له مثل ما كان لسليمان من تسخير الجن، وما كان ذلك إلا لعلمه ﷺ أن سليمان ما زال يتفرد بمثل هذا الملك، وإلا ما امتنع النبي ﷺ أن يشاركه فيه.
ج- شجاعته وثباته ﷺ حيث لم يتحرك من مكانه، لما جاءه إبليس بشهاب من نار ليجعله في وجهه، وما زاد عن قوله: «أعوذ بالله منك»، وقوله: «ألعنك بلعنة الله التامة»، قالها ثلاث مرات، كما أن فيه حسن ثقته بالله﷿- وأنه كافيه، ولن يمكّن الشيطان من إيذائه أو التسلط عليه، ولولا ثقته بالله، ما استعاذ ﷺ به.
٢- حسن ثنائه ﷺ على أخيه إبراهيم ﵊، فقد روى مسلم في صحيحه، عن أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا خير البريّة، فقال رسول الله ﷺ: «ذاك إبراهيم ﵇» «١» .
وهذا من عظيم تواضعه ﷺ مع ما فيه من حسن الوفاء والثناء، قال النووي: (قال العلماء: قال ﷺ هذا تواضعا واحتراما لإبراهيم ﵇ لخلته وأبوّته، وإلا فنبينا ﷺ أفضل؛ لقوله: «أنا سيد ولد آدم»، ولم يقصد به الافتخار، ولا التطاول على من تقدمه بل قاله بيانا لما أمر ببيانه وتبليغه ولهذا قال ﷺ: «ولا فخر» . لينفي ما قد يتطرق إلى بعض الأفهام السخيفة، وقيل: يحتمل أنه ﷺ قال: إبراهيم خير البرية قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، وقيل: إنه أراد خير البرية في عصره، ولكنه ﷺ أطلق العبارة الموهمة للعموم لأنه أبلغ في التواضع) «٢» .
_________________
(١) مسلم، كتاب: الفضائل، باب: من فضائل إبراهيم الخليل ﷺ، برقم (٢٣٦٩) .
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٥/ ١٢١) .
[ ١ / ٤٧٨ ]
٣- كما أثنى ﷺ على أخيه داود ﵇ أبلغ الثناء حيث أثبت أن صلاة وقيام داود كانت هي الأحب إلى الله﷾- روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنّ رسول الله ﷺ قال له: «أحبّ الصّلاة إلى الله صلاة داود ﵇ وأحبّ الصّيام إلى الله صيام داود، وكان ينام نصف اللّيل ويقوم ثلثه وينام سدسه، ويصوم يوما ويفطر يوما» «١» .
وموطن الثناء أن النبي ﷺ قد بين أن أحدا لا يستطيع أن يتقرب إلى الله بصلاة أو صيام أفضل صورة مما كان يتقرب به نبي الله داود ﵇ أما موطن تواضعه ﷺ في الحديث، فهو أنه حكم على نفسه أنه إذا أراد أن يتقرب إلى الله﷾- بأفضل الصيام والقيام، فعليه أن يقتدي بأخيه داود ﵇ أفضل الناس قياما وصياما، فلو فرض أن رجلا صام الدهر كله فلم يفطر يوما، إلا لعذر شرعي، ما عبد الله بالأفضل من صيام داود ﵇.
فائدة: أعتقد أن النبي ﷺ ما صام صيام داود ﵇ وهو صيام يوم وإفطار يوم، مع أنه أتقى الخلق إلى الله﷿- حتى لا يشق على أمته ويحرجهم وحتى لا يجعلها سنة فيهم، كصيام الاثنين والخميس، ولكنه ﷺ علّمنا كيف نحوز أجر صيام الدهر كله، روى مسلم في صحيحه، عن أبي أيّوب الأنصاري ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من صام رمضان ثمّ أتبعه ستّا من شوّال كان كصيام الدّهر» «٢» .
الفائدة الرّابعة:
يجب أن نتعلم أن نثني على كل من هو أهل للثناء والذكر الحسن، ولو كان ينافسنا في شيء (دين أو دنيا) وأن نوطن أنفسنا على هذا الخلق النبوي الرفيع، وأن نعاند قلوبنا وعقولنا إذا وجدنا فيهما غضاضة من ذلك، فإن لم نستطع فلنعلم أن في قلوبنا شيئا، وعندئذ فلا أقل من ألانذمهم ونغمزهم ونلمزهم، وهذا أضعف الإيمان.
وأختم فأقول: هذا طرف من ثناء النبي ﷺ على إخوانه الأنبياء- عليهم جميعا الصلاة والسلام-، وغيره كثير.
ثانيا: وفاؤه ﷺ لأزواجه
عن عائشة ﵂ قالت: ما غرت على أحد من نساء النّبيّ ﷺ ما غرت على خديجة،
_________________
(١) البخاري، كتاب: الجمعة، باب: من نام عند السحر، برقم (١١٣١) .
(٢) مسلم، كتاب: الصيام، باب: استحباب صيام ستة أيام من شوال إتباعا، برقم (١١٦٤) .
[ ١ / ٤٧٩ ]
وما رأيتها، ولكن كان النّبيّ ﷺ يكثر ذكرها، وربّما ذبح الشّاة ثمّ يقطّعها أعضاء ثمّ يبعثها في صدائق خديجة، فربّما قلت له: كأنّه لم يكن في الدّنيا امرأة إلّا خديجة. فيقول: «إنّها كانت وكانت، وكان لي منها ولد» «١» .
وفي رواية قالت: (استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله ﷺ فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك فقال: «اللهمّ هالة»، قالت: فغرت، فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشّدقين «٢» هلكت في الدّهر قد أبدلك الله خيرا منها) «٣» .
الشّاهد في الحديث:
قول عائشة ﵂ (ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة) .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- عظيم وفائه ﷺ لخديجة ﵂ ومن مظاهر هذا الوفاء:
أ- كثرة ذكرها، لقول عائشة ﵂: (ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة وما رأيتها ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها) .
ويتضح من قول عائشة ﵂ أن من أكثر أسباب غيرتها من خديجة ﵂ هي كثرة ذكر النبي ﷺ لها، وهي أرادت أن تبين ذلك بقولها: (وما رأيتها) .
فأقول: كل تلك الغيرة وما رأتها فما بالنا لو رأتها كيف يكون حالها؟
وأتعجب أن تكون كل تلك الغيرة من زوجة قد ماتت! وكان من المفترض أن تغار عائشة ﵂ من امرأة حية تساميها عند النبي ﷺ مثل زينب بنت جحش مثلا، وهذا يدل قطعا على قدر حب النبي ﷺ لخديجة ﵂.
ونستدل من شدة غيرة عائشة ﵂ أن النبي ﷺ ما تكلم أبدا عن خديجة ﵂ في
_________________
(١) البخاري، كتاب: المناقب، باب: تزوج النبي ﷺ خديجة، برقم (٣٨١٨) .
(٢) أي: عجوز كبيرة جدّا حتى سقطت أسنانها ولم يبق لشدقها بياض شيء من الأسنان إنما بقي فيه حمرة لثتها.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب: المناقب، باب تزويج النبي ﷺ خديجة برقم (٣٨٢١) .
[ ١ / ٤٨٠ ]
كل حياته بكلمة سوء واحدة، بل من المؤكد أنه ما كان يذكرها إلا بأفضل ما فيها، ولولا ذلك ما كانت كل تلك الغيرة من عائشة ﵂ ودليله من الحديث، قول النبي ﷺ «إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد» .