(فما قال لي أف ولا «لم صنعت» ولا «ألا صنعت») «٣» .
وأسأل من كان عنده خادم، ألم يفعل أنس ما يستوجب العقاب، ولو مرة واحدة، طيلة عقد من الزمان؟ كلا والله لقد فعل، ودليله حديث الباب، وفيه أنه لعب مع أقرانه وتأخر عن قضاء حاجة رسول الله ﷺ. هذه الأولى. أما الثانية فإنه لو لم يقصر، ما كان هناك وجه لتوجه أنس بالثناء على النبي ﷺ في الحديث الذي معنا، ولكان هو- أي أنس- الأولى بالثناء، لعدم تقصيره في عمله، اسمع أول ما بدأ به أنس حديثه (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقا) .
فشتان ما بيننا وبين سنة المصطفى ﷺ والتي ندعي كلّنا التمسك بها، فأحدنا لا يستطيع أن يمر عليه يوم واحد دون توجيه كلمة لوم أو عتاب لخادمه، بل يحب من قلبه أن يقول للخادم على كل شيء فعله: «لم فعلت»؛ لرؤيته أن كل ما يقوم به الخادم خطأ، أو لشعوره أن هذا اللوم والعتاب من مستلزمات الظهور على الخادم، والأدهى والأمرّ أن يبخل كثير من المخدومين بتوجيه كلمة شكر وثناء للخادم، بحجة أن ذلك يجعله يقصر في عمله، حتى نشعره دائما بالتقصير والإهمال.
وأقول: إذا كان هذا هو مسلك النبي ﷺ مع خادمه، فكيف كان سلوكه مع زوجاته-
_________________
(١) البخاري، كتاب: الأدب، باب: حسن الخلق والسخاء ، برقم (٦٠٣٨) .
(٢) انظر السابق.
(٣) انظر السابق.
[ ١ / ٤٦٣ ]
﵅-.
٥- جميل عفو النبي ﷺ وتسامحه في كل ما يخصه، مع عدم غضبه وانتقامه لنفسه أبدا، وتركه اللوم والعتاب ولو كان الذي أمامه خادم، وفي مقابل ذلك غضبه الشديد والإنكار العظيم إذا انتهكت حرمة من حرمات الله﷾- ولو كان أمرا يسيرا في نظرنا، وهذا جانب عظيم في أخلاقه ﷺ فكيف يجمع بشر مهما أوتي من حكمة وصبر، بين عدم الغضب إذا كان الأمر خاصا بنفسه، ولو كان أمرا عظيما، وبين شدة الغضب، إذا تعلق الأمر بحرمات الله، ولو كان أمرا يسيرا، إنها النبوة ونعمت.
الفائدة الثانية:
ما يجب أن يكون عليه الخادم من كتمان سر مخدومه؛ لأن أنسا لم يحك لنا طبيعة الحاجة التي أرسله إليها النبي ﷺ بل ورد عند البخاري أنه ما كان يفشي أسرار النبي ﷺ لأقرب الناس إليه، وهي أمه فعن أنس بن مالك قال: (أسرّ إليّ النّبيّ ﷺ سرّا، فما أخبرت به أحدا بعده، ولقد سألتني أمّ سليم فما أخبرتها به) «١»
، وكتمان السر من الأمانة التي يجب أن يتمتع بها الخادم.
وفيه أيضا ما يجب أن يكون عليه الخدم من الثناء على مخدومه بما هو أهله، وأن يقر بمعروفه الجميل، وألا يقابل طيب خلق المخدوم بعصيان أوامره، قال أنس: (نعم أنا ذاهب يا رسول الله) .
ثالثا: ملاطفته ﷺ أصحابه:
عن ابن عمر ﵄ قال: (كنّا عند رسول الله ﷺ فقال: «أخبروني بشجرة تشبه، أو كالرّجل المسلم لا يتحاتّ ورقها، ولا تؤتي أكلها كلّ حين» . قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنّها النّخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلّمان، فكرهت أن أتكلّم، فلمّا لم يقولوا شيئا.
قال رسول الله ﷺ: «هي النّخلة» . فلمّا قمنا. قلت لعمر: يا أبتاه والله لقد كان وقع في نفسي أنّها النّخلة. فقال: ما منعك أن تكلّم؟ قال: لم أركم تكلّمون، فكرهت أن أتكلّم، أو أقول شيئا. قال عمر: لأن تكون قلتها أحبّ إليّ من كذا وكذا) «٢» .
الشّاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ كان يلقي على مسامع أصحابه بعض المسائل التي تتطلب إعمال الفكر والعقل، وهذا من باب الملاطفة، وكذا زيادة العلم.
_________________
(١) البخاري، كتاب: الاستئذان، باب: حفظ السر، برقم (٦٢٨٩) .
(٢) البخاري، كتاب: تفسير القرآن، باب: قوله: كشجرة طيبة ، برقم (٤٦٩٨) .
[ ١ / ٤٦٤ ]
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
حسن تعليم النبي ﷺ أصحابه حيث ألقى عليهم المعلومة المراد تعليمهم إياها، عل هيئة لغز، ليجعل المتعلم يفكر ويتأمل ويعمل عقله، لمعرفة الحل، فإذا عجز عن الإجابة، كان أشد اشتياقا لمعرفة الجواب، فيكون ذلك أدعى لحفظ اللغز وما اشتمل عليه من أقيسة وتشبيهات، وهذا يحقق فائدة اكتساب العلم على أفضل وجه، بالإضافة إلى دفع الملل عن المتعلم، الذي قد يحدث إذا كانت كل أساليب التعلم على وتيرة واحدة، مع ما يحققه هذا الأسلوب من إدخال السرور والبهجة في نفوس السامعين.
ويتضح من ذلك خطأ أسلوب التلقي البحت الذي ينتهجه بعض الشيوخ، ﵏، لأنه يصنع من طالب العلم آلة صماء، كل هدفه أن يحفظ ما يلقى عليه من المسائل، دون إعمال للعقل.
الفائدة الثانية:
عظيم بركة المسلم، وما يجب أن يكون عليه من نفع له ولغيره، في حياته وبعد مماته، والعجيب أن النبي ﷺ قد شبه النخلة بالمؤمن ولم يشبه المؤمن بالنخلة، وكأن المؤمن هو الأكمل في نفعه وبركته، والنخلة أقل منه نفعا، وقد وصف ابن حجر في الفتح النخلة بأوصاف جميلة حيث قال ما نصه: (وبركة النخلة موجودة في جميع أجزائها، مستمرة في جميع أحوالها، فمن حين تطلع إلى أن تيبس تؤكل أنواعا، ثم بعد ذلك ينتفع بجميع أجزائها، حتى النوى في علف الدواب والليف في الحبال وغير ذلك مما لا يخفى، وكذلك بركة المسلم عامة في جميع الأحوال ونفعه مستمر له ولغيره حتى بعد موته) «١» .
أعلمت أخي القارئ، بعد هذا الوصف الجميل للنخلة، مقدار المسلم في ميزان الشرع، فعليك أن تقارن نفسك بأوصاف النخلة، لتعلم أين أنت في ميزان الشرع.
الفائدة الثّالثة:
ما ينبغي أن يكون عليه المسلم الأصغر سنا مع الأكبر منه سنا، من أدب واحترام وعدم الإكثار من الكلام، إذا لم يترتب على عدم الكلام كتمان علم أو تفويت مصلحة أو هضم حق، وحتى إذا بدت مصلحة وتكلم الصغير يجب عليه أن يراعي آداب الحديث المعروفة، فهذا ابن عمر ﵄ قد سمع المسألة التي ألقاها النبي ﷺ وقد ألقاها على مسامع كل الحاضرين، ولم يخص بها الكبير دون الصغير، وقد علمها ابن عمر، وكان هناك مصلحة أن يجاوب الرسول ﷺ ليظهر فضله ويقر عين الرسول ﷺ بما عليه أبناء الصحابة من علم وفكر، إلا أنه مع كل ذلك، آثر السكوت، كراهية التكلم في حالة سكوت أبي بكر
_________________
(١) فتح الباري (١/ ١٤٥) .
[ ١ / ٤٦٥ ]
وعمر﵃- فهلا علمنا أولادنا هذا الأدب الرفيع من آداب المجالس والحديث، أم تركناهم يتجادلون ويتخاصمون بل ويحتدون في الكلام معنا، قال ابن عمر: (ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم) .
الفائدة الرّابعة:
حرص الآباء على إظهار فضل أولادهم، خاصة في مجالس العلم وبحضرة أهل الفضل، وأن يكون ذلك أحب عند الأب من الدنيا وما فيها، قال عمر لابنه ﵄: (لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا) .
الفائدة الخامسة:
التفاوت بين أهل العلم في ملكة الاستنباط والفهم، وقد مر ذلك مبسوطا في موقع آخر من الكتاب، ودليله من حديث الباب، أن ابن عمر فهم مراد الرسول ﷺ من المثل المضروب، بينما استشكل حله على بقية الصحابة الحاضرين، مع أن فيهم من هو أعلم كأبي بكر وعمر ﵃ جميعا.
٢٠- همته ﷺ:
أولا: همته العالية في حفظ التنزيل:
عن ابن عبّاس ﵄ في قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
، قال: (كان رسول الله ﷺ يعالج من التّنزيل شدّة، وكان ممّا يحرّك شفتيه، فقال ابن عبّاس: فأنا أحرّكهما لكم كما كان رسول الله ﷺ يحرّكهما، وقال سعيد: أنا أحرّكهما كما رأيت ابن عبّاس يحرّكهما، فحرّك شفتيه، فأنزل الله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
، قال: جمعه لك في صدرك، وتقرأه فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه. قال: فاستمع له، وأنصت، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ، ثمّ إنّ علينا أن تقرأه، فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل، قرأه النّبيّ ﷺ وسلّم كما قرأه) «١» .
الشّاهد في الحديث:
قول ابن عباس ﵄: (كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل وكان مما يحرك شفتيه) . والحكمة من تحريك الشفتين، خوفه ﷺ أن ينفلت منه شيء من القرآن.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
همة النبي ﷺ العالية في حفظ القرآن، وذلك أنه كان يحرك شفتيه ولسانه بالقرآن الذي ينزل به جبريل ﵇ مخافة أن ينسى منه شيئا بعد انقضاء قراءة جبريل ﵇ بالرغم أن تحريك الشفتين فيه مشقة بالغة عليه ﷺ لقول ابن عباس رضي الله
_________________
(١) البخاري، كتاب: بدء الوحي، باب: بدء الوحي، برقم (٥) .
[ ١ / ٤٦٦ ]
عنهما: (كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة وكان مما يحرك شفتيه)، وأعتقد أن هذه الشدة التي كان يعانيها ليست من مجرد تحريك الشفتين، بل مما كان يشعر به من خوف واضطراب من تفلت القرآن، بالإضافة إلى استجماع كل قوته الذهنية لتحصيل الحفظ من أول سماع للآيات، فمن الطبيعي حدوث مثل هذه المشقة ووجه بيان همته العالية هنا، أنه ﷺ حمل نفسه عملا فيه مشقة بالغة، مع أن الله﷿- لم يكلفه به.
الفائدة الثانية:
عناية الله﷾- بنبيه الكريم ﷺ، وتتبين مظاهر هذا الاعتناء في:
١- رؤية المولى﷾- لكل أحواله ﷺ وهي رؤية خاصة، أي رؤية عناية لا رؤية إحاطة، ودليله أن الله﷾- إذا رأى منه تحريك اللسان والشفتين، فمن باب أولى قد رأى ما هو أكثر من ذلك وأعظم.
٢- إنزال المولى﷿- قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، يثبت للنبي ﷺ تلك المعالجة، والعجيب أن الآية الكريمة لا تثبت المشكلة- وهي استعجال النبي ﷺ حفظ القرآن- وحلها فحسب، بل تثبت قيام النبي ﷺ بتحريك لسانه، ولولا علو شأنه ﷺ عند ربه، ما ذكرت الآية أقل الأمور- في نظرنا-، وهو تحريك اللسان.
٣- إرادة المولى﷾- رفع تلك المشقة عن نبيه ﷺ قال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
فلم يأمره﷾- أن يحفظ القرآن بعد انصراف جبريل ﵇ بل وعده أن يجمعه له في صدره ويقرأه كما قرأ جبريل ﵇ دون أدنى كلفة أو معاناة من النبي ﷺ، يقول ابن عباس ﵄: (فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذ آتاه جبريل استمع فإذا انطلق قرأه النبي ﷺ كما قرأه) .
يتفرع على ذلك: عظيم عناية المولى﷾- بالقرآن العظيم حيث تكفل بحفظه في صدر النبي ﷺ ولم يوكل هذا الحفظ لمخلوق سواء من البشر أو من الملائكة لقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
فالجمع في الصدر من الله، أو في أقل تقدير بأمر الله﷾- أما قوله: فَإِذا قَرَأْناهُ
، أي تلوناه، فالتلاوة قطعا من جبريل ﵇ وإن كان نسب القراءة إليه سبحانه، وذلك لبيان أنه سبحانه هو الآمر بها.
وبذلك ضمن الله﷿- لهذه الأمة عدم وجود أي اختلاف بين القرآن الذي في اللوح المحفوظ، وبين ما جمع في صدر النبي ﷺ فالذي نزل به من اللوح المحفوظ، هو
[ ١ / ٤٦٧ ]
جبريل ﵇ الذي لا يضيّع ما استحفظ عليه، لأمانته وقوته، والذي جمعه في صدر النبي ﷺ هو الله القادر على كل شيء، وتدبر قول ابن عباس، - ﵄-: (فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما قرأه)، فقوله: (كما قرأه)، يفيد المثلية في كل شيء، من لفظ وإعراب ووقف ووصل، ولبيان قدرة الله﷾- ننبه القارئ الكريم أن بعض سور القرآن الكريم كانت تنزل دفعة واحدة.
كما يتفرع عليه: أن من زعم أن شيئا من القرآن- مهما قلّ- تفلت من صدر النبي ﷺ بالكلية فقد كذّب بظاهر القرآن، لقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
، وقلت: (بالكلية) تحرزا مما وقع منه ﷺ من نسيان آية أثناء صلاته.
الفائدة الثّالثة:
كذب من ادعى من بعض الفرق أن النبي ﷺ كان يعلم القرآن ويحفظه، قبل أن ينزل به جبريل ﵇ ويروون في ذلك حديثا منكرا، ملخصه أن النبي ﷺ طلب من جبريل أن يستأذن ربه بكشف الستار في حال تلقيه القرآن، فلما أذن الله لجبريل بكشف الستار رأى النبي ﷺ هو الذي يلقنه القرآن، فنزل جبريل إلى الأرض، فسأله النبي ﷺ وهو يضحك: «ماذا وجدت يا جبريل؟ فقال جبريل: يا رسول الله منك وإليك»، وقد سمعت هذا الكلام السمج يقال في المساجد وعلى المنابر في خطب الجمعة، في إحدى البلاد الإسلامية، فأين عقول الناس التي تصدق مثل هذه السخافات، الواضح فيها الكذب على الله ورسوله وأعظم ملائكته.
وكل حجة المبطلين في هذا الكذب، أن النبي ﷺ كان يحرك شفتيه بالقرآن ففسروا ذلك أنه كان يحفظه عن ظهر قلب قبل تلقيه من جبريل، وغضوا الطرف عما جاء في القرآن وبقية الحديث الشريف، وتفسير حبر الأمة لهذا الحديث.
وأقول لهؤلاء: اتقوا الله فيمن تدّعون حبّه، وإياكم والكذب عليه، فإن الكذب عليه ﷺ ليس كالكذب على غيره، ويكفي قبحا لأفعالكم وأقوالكم أن الرسول ﷺ سيردكم عن حوضه، لما يعلم ما بدلتم، بل سيكون خصمكم يوم القيامة، فضلا عما هو أعظم من ذلك، وهو غضب الرب﵎- فعليكم بظاهر الكتاب الكريم وصحيح السنة الشريفة وفهم الصحابة لها، ففيها العصمة من كل شبهة، ودعوا الخرافات والخزعبلات التي تشوه هذا الدين الحنيف.
الفائدة الرّابعة:
حرص الصحابة والتابعين على نقل العلم، ونقل كل صورة توضحه، ما أمكنهم ذلك، ودليله من الحديث قول ابن عباس ﵄: (فأنا أحركهما لكم كما كان
[ ١ / ٤٦٨ ]
رسول الله ﷺ يحركهما، وقال سعيد بن جبير: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما) .
فالحاصل: أن أحد الصحابة بلغ ابن عباس كيف كان رسول الله ﷺ يحرك شفتيه، لأن هذه الحادثة كانت بمكة قطعا، وابن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ولما حكى ابن عباس ذلك للتابعين، ومنهم سعيد بن جبير، حرك شفتيه بيانا لما كان يفعله النبي ﷺ ولما حكى سعيد هذا الحديث لمن بعده، حرك لهم شفتيه كما رأى ابن عباس يحركهما، وهذا من أبلغ الأدلة على حفظ الصحابة ﵃ للسنة النبوية وأدائها على الوجه الأكمل والأتم، وكذا التابعين وتابعيهم.
ثانيا: همته ﷺ العالية في العبادة:
عن حذيفة ﵁ قال: صلّيت مع النّبيّ ﷺ ذات ليلة. فافتتح (البقرة) فقلت: يركع عند المئة، ثمّ مضى. فقلت: يصلّي بها في ركعة، فمضى. فقلت: يركع بها، ثمّ افتتح (النّساء) فقرأها، ثمّ افتتح (آل عمران) فقرأها يقرأ مترسّلا، إذا مرّ باية فيها تسبيح سبّح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوّذ تعوّذ، ثمّ ركع، فجعل يقول: «سبحان ربّي العظيم»، فكان ركوعه نحوا من قيامه، ثمّ قال: «سمع الله لمن حمده»، ثمّ قام طويلا قريبا ممّا ركع، ثمّ سجد. فقال: «سبحان ربّي الأعلى»، فكان سجوده قريبا من قيامه «١» .
الشّاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ صلى ركعة واحدة من صلاة الليل بسورة البقرة وسورة النساء وسورة آل عمران، قرأ بهم مترسلا.
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- همته ﷺ العالية في العبادة حيث صلى ركعة واحدة من صلاة الليل، بثلاث سور طوال [البقرة/ آل عمران/ النساء]، ولا يخفى على أحد طول الوقت الذي تستغرقه تلك السور الطويلة، خاصة إذا أضيف إلى تلك القراءة الطويلة جدّا الأمور التالية:
أ- كون القراءة بتمهل وترتيل، وليست حدرا.
ب- الوقوف عند كل آية وعمل ما يناسبها، فإذا كانت الآية تحث على التسبيح أو تأمر به سبح، وإذا كان فيها ذكر للجنة أو نعم الله تعرض لتلك النعم بالسؤال، أما إذا كان فيها ذكر لعذاب الله تعوذ وسأل الله العافية والسلامة.
ج- تطويل الركوع والرفع منه والسجود جدّا، حتى تتناسب تلك الأركان مع طول القيام.
_________________
(١) مسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، برقم (٧٧٢) .
[ ١ / ٤٦٩ ]
كل هذا التطويل، ولم يجلس النبي ﷺ في هذه الصلاة، لأنه لو جلس لأخبرنا راوي الحديث، حذيفة ﵁.
٢- قراءته ﷺ القرآن بخشوع وتدبر للمعاني، أما الخشوع، فدليله: (يقرأ مترسلا)، وأما تدبر المعاني (إذا مر باية فيها تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ) .
يتفرع على ذلك: قلة نفع الصلاة التي يقرأ فيها الإمام بسرعة (دون تدبر وخشوع) وكذا تكون كل حركات الصلاة من ركوع ورفع وسجود، ويكون كل همّ الإمام أن يختم القرآن في صلاة التراويح خلال شهر رمضان المبارك، ولو أنه تأنى وصلى ولو بنصف القرآن أو ربعه في الشهر، بتدبر وخشوع وطمأنينة، كما كان يفعل رسول الله ﷺ، لكان متبعا للهدي والسنة ومحصلا للخير والبركة، فليس الشأن كثرة القراءة، ولكن الشأن خشوع القلب وتدبر الآيات، وكثرة التسبيح، واستحضار عظمة المولى﷾- أثناء الصلاة والقرب منه، والحكم على تحصيل هذه الأمور، ألا ترى أنه يستوي إيماننا قبل دخول الصلاة وبعد الخروج منها؟.
ويتفرع على ذلك أيضا، خطأ بل سوء أدب، من يحب أن يستمع للقرآن كحبه للاستماع إلى الطرب، بتمايل عند سماعه من حسن صوت القارئ، وينشغل عن تدبر القرآن بعبارات المدح والاستحسان لصوت القارئ، فأين هو من سنة النبي ﷺ في تدبر القرآن، وينطبق هذا الكلام على من يكون كل همه في رمضان أن يذهب ليصلي خلف الأئمة المعروفين بحسن أصواتهم، دون الاهتمام بأي أمر آخر، كاتباع الإمام للسنة أو خشوعه في الصلاة والاطمئنان فيها.
الفائدة الثانية:
وهي متفرقات في حديث الباب:
١- جواز أن يشق الإنسان على نفسه في العبادة، ولو أضر بدنه، شريطة ألايدخل على الإنسان الملل، أو تأخذه سنة أو نوم أثناء الصلاة، لما رواه أنس بن مالك ﵁ قال:
دخل النّبيّ ﷺ فإذا حبل ممدود بين السّاريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلّقت. فقال النّبيّ ﷺ: «لا، حلّوه؛ ليصلّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد» «١» .
_________________
(١) البخاري، كتاب: الجمعة، باب: ما يكره من التشديد في العبادة، برقم (١١٥٠) واللفظ له، ومسلم كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: أمر من نعس في صلاته ، برقم (٧٨٤) .
[ ١ / ٤٧٠ ]
وعن عائشة ﵂: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا نعس أحدكم وهو يصلّي، فليرقد حتّى يذهب عنه النّوم، فإنّ أحدكم إذا صلّى وهو ناعس لا يدري لعلّه يستغفر فيسبّ نفسه» «١» .
٢- جواز قطع القراءة بالتسبيح والسؤال والاستعاذة، وإذا جاز ذلك في الصلاة، فيجوز من باب أولى خارجها.
٣- جواز تطويل القيام بعد الرفع من الركوع لقول حذيفة: (ثم قام طويلا قريبا مما ركع) .
٤- جواز أن يحدث الإنسان نفسه في الصلاة، لقول حذيفة: (فقلت يصلي بها ركعة فمضى فقلت يركع بها)، والمراد بالقول هنا حديث النفس، لأن القول في الصلاة يبطلها إجماعا، وترك حديث النفس في الصلاة أولى، لأنه أدعى للخشوع والتدبر.
٥- جواز أن يجتهد المسلم في العبادة أمام الغير، إذا كان هذا دأبه وأمن على نفسه الفتنة والرياء، وإلا فالإسرار بها أولى، فالنبي ﷺ طول جدّا في الصلاة في حضرة حذيفة ﵁.
٦- مشروعية أن يذكر الإنسان أسماء سور القرآن، بدون ذكر لفظ (سورة) لقول حذيفة ﵁: (فافتتح البقرة)، وقوله: (ثم افتتح النساء) فلا يشترط أن نقول: (سورة البقرة) .
٧- جواز عدم التقيد بترتيب سور القرآن عند القراءة، لأن النبي ﷺ قرأ بالنساء ثم آل عمران، وهما في ترتيب المصحف الذي بين أيدينا، آل عمران ثم النساء ولا يعتبر ذلك من التنكيس.
وبالمناسبة فإني أعتقد خطأ من يقول: إن ترتيب السور في القرآن ليس توقيفيّا، وإنما كان باجتهاد الصحابة، والدليل على ذلك أن المتأمل في ترتيب السور على النحو الموجود في المصحف الآن يجد فيه إعجاز كبيرا.
٨- جواز أن يطيل الإمام جدّا في الصلاة، إذا أمن عدم تضرر المأمومين، خاصة في صلاة الليل.
٩- جواز أن يحدّث المسلم الناس، بما فعل من عبادات حسنة، شريطة أن يكون بغرض تعليم الناس السنة، وأن يأمن المتحدث الرياء على نفسه، وإن لم يكن هناك مصلحة
_________________
(١) البخاري، كتاب: الوضوء، باب: الوضوء من النوم ، برقم (٢١٢) .
[ ١ / ٤٧١ ]
شرعية فعدم التحدث أولى. - لم تكن همة النبي ﷺ عالية فقط في قيام الليل، ولكن كانت كذلك في كل أنواع العبادات، ولنأخذ أمثلة سريعة لتلك الهمة العالية لنتأسى بها ونقتفي أثرها فإن خير الهدي هدي محمد ﷺ.
أ- همته العالية في حضوره صلاة الجماعة:
روى البخاري عن عمرو بن أميّة: (أنّه رأى رسول الله ﷺ يحتزّ من كتف شاة، فدعي إلى الصّلاة، فألقى السّكّين، فصلّى ولم يتوضّأ) «١» .
والشّاهد في الحديث:
أنه لم يتم أكلته، ولكن فور سماعه الداعي، ألقى السكين وذهب إلى الصلاة، وما أخره أكل الذراع التي يحبها عن صلاة الجماعة، فحبه ﷺ للصلاة كان أكبر وأعظم.
وعن عائشة قالت: (لمّا ثقل النّبيّ ﷺ واشتدّ به وجعه استأذن أزواجه في أن يمرّض في بيتي فأذنّ له، فخرج النّبيّ ﷺ بين رجلين تخطّ رجلاه في الأرض بين عبّاس ورجل آخر) «٢» .
والشّاهد في الحديث: أن النبي ﷺ ومع وجعه الشديد الذي كان يعاني منه في مرضه الذي توفي فيه، تحامل على نفسه بمشقة بالغة، لحضور صلاة الجماعة، تقول عائشة ﵂: (فخرج بين رجلين تخط رجلاه الأرض)، أي ما كان يستطيع ﷺ أن يقيم صلبه، ولو بمساعدة رجلين، وما استحى، وهو الذي عرفه أصحابه بالقوة الجسمانية، أن يراه أحد على هذه الصورة، مع أنه ﷺ قد أعذر المريض في حضور صلاة الجماعة مع حصوله على الأجر الكامل، ولكنه ﷺ ألزم نفسه العزيمة.
ب- همته العالية في صيام رمضان:
روى مسلم عن أبي الدّرداء ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حرّ شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدّة الحرّ، وما فينا صائم إلّا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة) «٣» . فبالرغم أن النبي ﷺ كان مسافرا، ويجوز
_________________
(١) البخاري، كتاب: الوضوء، باب: من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق، برقم (٢٠٨)، ومسلم، كتاب: الحيض، باب: نسخ الوضوء مما مست النار، برقم (٣٥٥) .
(٢) البخاري، كتاب: الوضوء، باب: الغسل والوضوء في المخضب والقدح ، برقم (١٩٨) . ومسلم، كتاب: الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر ، برقم (٤١٨) .
(٣) مسلم، كتاب: الصيام، باب: التخيير في الصوم والفطر في السفر برقم (١١٢٢) .
[ ١ / ٤٧٢ ]
للمسافر إذا كان سفره في رمضان أن يفطر ويقضي، وكان الجو شديد الحرارة، لم يحتمل الصحابة حره مع إفطارهم، يقول الراوي: (حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر)، إلا أنه ﷺ كان صائما، ولم يكن صائما معه إلا عبد الله بن رواحة ﵁ ومما يؤكد أن صوم هذا اليوم كان فيه مشقة بالغة، أن الصحابة ما استطاعوا أن يصوموه مع حبهم الشديد لموافقة النبي ﷺ في كل أفعاله وكراهيتهم الشديدة لمخالفته، خاصة في أمر كالصيام.
ج- همته العالية في إحياء العشر الأخيرة من رمضان:
عن عائشة ﵂ قالت: (كان النّبيّ ﷺ إذا دخل العشر شدّ مئزره وأحيا ليله، وأيقظ أهله) «١» .
كان ﷺ يخص العشر الأخيرة بالاعتكاف الذي فيه اعتزال النساء، وإحياء الليل كله، ويحث ﷺ أهله على صلاة الليل، والحاصل أن النبي ﷺ كان يجتهد في العبادة العشر الأخيرة من رمضان، ما لا يجتهد في غيرها، وذلك التماسا لليلة القدر.
د- همته العالية في استدراك ما فاته من العبادات:
عن عائشة ﵂: (أنّ رسول الله ﷺ كان إذا فاتته الصّلاة من اللّيل من وجع أو غيره صلّى من النّهار ثنتي عشرة ركعة) «٢» .
فمع أن صلاة الليل قد فاتت النبي ﷺ لعذر شرعي، كوجع أو غيره، إلا أنه لم يعذر نفسه ﷺ فكان يصلي في نهار اليوم التالي اثنتي عشرة ركعة كاملة، وهو ما اعتاده ﷺ من صلاة الليل، وما كان يفعل ذلك إلا ليدرك ما فاته من الخير، ويبذل كل ما في وسعه لاسترضاء الرب ﵎.
وأحب أن ألفت نظر القارئ أن ما ذكرته في هذا الباب ما هو إلا أمثلة على همته العالية ﷺ وإلا فإن همته ﷺ كانت عالية في كل أمر من الأمور التي يحبها الله﷿-، كالزكاة والصيام والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلة الرحم وعيادة المريض وغيره.
_________________
(١) البخاري، كتاب: صلاة التراويح، باب: العمل في العشر الأواخر من رمضان برقم (٢٠٢٤) واللفظ له، ومسلم، كتاب: الاعتكاف، باب: الاجتهاد في العشر الأواخر ، برقم (١١٧٤) .
(٢) مسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها باب: جامع صلاة الليل ، برقم (٧٤٦) .
[ ١ / ٤٧٣ ]
٢١- وفاؤه ﷺ:
أولا: وفاؤه ﷺ لأنبياء الله:
عن أبي هريرة ﵁: أنه قيل لرسول الله ﷺ: يا رسول الله من أكرم النّاس؟ قال:
«أتقاهم» . فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: «فيوسف نبيّ الله، ابن نبيّ الله، ابن نبيّ الله، ابن خليل الله» . قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «فعن معادن العرب تسألون؟
خيارهم في الجاهليّة خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» «١» .
الشّاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ لما سئل عن أكرم الناس فقال: «يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية: