من نقض العهد مع الله﵎- أو نكص على عقبيه أو فرط في جنب الله فلن يضر الله شيئا، فهو سبحانه الغني الحميد، فوبال المعصية وشؤمها يرجع على صاحبها وحده، قال- تعالى-: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ [الفتح: ١٠] ..
[ ١ / ٢٤٨ ]
ثانيا: تفضيل أمته ﷺ على سائر الأمم في الدنيا والآخرة
١- أمة مصطفاة:
قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ [فاطر: ٣٢- ٣٣] .
الشاهد في الآية الكريمة:
هو قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا، فكل من آمن بالله ورسوله وحقق بقية أركان الإيمان، ولم يأت بشيء ينقض تلك الأركان، فهو من الأمة المصطفاة، أي التي اختارها الله تعالى وفضلها على جميع الأمم السابقة.
[فضائل الأمة الإسلامية]
بينت الآية بعض فضائل هذه الأمة العظيمة ومنها:
١- إيراث الكتاب: قال القرطبي ما نصه: (الكتاب- هاهنا- يريد به معاني الكتاب وعلمه وأحكامه وعقائده، وكأن الله لما أعطى أمة محمد ﷺ القرآن، وهو قد تضمن معاني الكتب المنزلة، فكأنه ورّث أمة محمد الكتاب الذي كان في الأمم قبلنا (. انتهى كلامه «١» .
فكأن الله﷿- قد جمع لهذه الأمة في القرآن كل الكتب المنزلة السابقة، وجعل ذلك بمثابة الميراث الذي منحها إياها، وكفى بذلك شرفا وفضلا.
٢- أضاف الله﷿-، كل طوائف هذه الأمة إلى ذاته الشريفة فقال: الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا، كما وصفهم بأشرف الأوصاف وهي العبودية، واسمع بماذا وصف الله منحته للأمة، أي توريث الكتاب والاصطفاء، قال تعالى: ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ، ولك أن تتخيل أن الله الكبير الغنيّ، إذا وصف الفضل بأنه كبير، كيف يكون كبير هذا الفضل؟ فسيكون كبيرا في قدره صفة ووصفا، وفي حجمه عددا وكمّا.
٣- دخول جميع طوائف الأمة الجنة، بل جنات وصف ساكنيها بأحسن الأوصاف، ووصف ما فيها بأحسن الصفات قال تعالى: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين: ٢٤] .
وفي الآيتين فوائد منها:
الفائدة الأولى:
كل ما أعطاه الله﷾- لعباده المؤمنين، هو محض فضل
_________________
(١) انظر «الجامع لأحكام القرآن»، (١٤/ ٣٤٧) .
[ ١ / ٢٤٩ ]
منه، قال تعالى: ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ، كما أن قيام المسلم بأداء العبادة، والمسابقة في ميادين الخير، إنما هو بإذن الله، قال تعالى: وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر:
٣٢]، يتفرع على ذلك أن على العبد المسلم ألا يرى لنفسه فضلا في عبادة الله، وأن يرجع الفضل كله لله، ويسأله دوما التوفيق لعمل الطاعات، وإذا وفّق كان عليه شكر المنعم المتفضل، الذي أذن له بالطاعة ووفقه لها.
الفائدة الثانية:
وجوب امتنان هذه الأمة لخالقها ومصطفيها﷿-، إذا امتن عليها بواسع فضله، في الدنيا بالاصطفاء والكتاب، وفي الآخرة بالجنات العاليات. ويجب أن يكون هذا الامتنان بالعلم والعمل.
الفائدة الثالثة:
لا ينبغي لأحد أبدا من المؤمنين، أن يعتقد بأن ما عند غير المسلمين أفضل مما عنده، وكذلك من أعطاه الله الكتاب علما ودراية وعملا وحفظا، أن يعتقد أن غيره من المسلمين ممن هو أقل منه في العلم والعمل بالقرآن أنه أفضل منه وإن كان ذا حظ في المال والجاه والنسب، لأن هذا وذاك تكذيب لصريح الآية، قال تعالى: ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ، فجاء الإخبار بالجملة الاسمية التي تفيد الاستمرار والثبوت، مما يوجب الاعتقاد أن غير ذلك ليس بالفضل الكبير.
والحاصل أن كل فضل في الدنيا، يحتقر مقارنة بفضل الكتاب والاصطفاء، أما في الآخرة فلا فضل إلا في الجنة.
الفائدة الرابعة:
تعظيم القرآن الكريم؛ لأن الله﷾- قد جمع لهذه الأمة فيه كل الكتب المنزلة من قبل، فيجب على المسلمين الاهتمام به غاية الاهتمام، وألاتكون نعمة تداول القرآن بيسر وسهولة في طبعات مزينة مزخرفة، وأنه متوفر في كل بيت ومسجد ومكتب، سببا في عدم الشعور بهذه المنة العظيمة من الله، ومن غره ذلك، فليعلم أنه أتى على الناس زمن، كانوا يشترون القرآن بمئات الجنيهات من العملات الصعبة، ويوزعونه بينهم خفية، ويقسمونه على عدة أجزاء لصعوبة الحصول على نسخة كاملة، ومن ضبط عنده شيء منه يحكم عليه بالسجن أو القتل.
الفائدة الخامسة:
الحكم بتخليد أهل الكبائر من المسلمين في النار- أو أنه في منزلة بين منزلتين أو أنه كافر- تكذيب بظاهر القرآن، حيث إن الآية قسمت المصطفين من عباد الله إلى ثلاثة أقسام: الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات، فإذا لم يكن أصحاب الكبائر من الظالمين لأنفسهم، فليس في الدنيا ظالم لنفسه، كما أن الآية حكمت للفئات الثلاثة أنهم
[ ١ / ٢٥٠ ]
يدخلون الجنة، قال تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، ولو لم يكن الظالم لنفسه سيدخل الجنة برحمة الله، فلماذا ذكر في الآية التي يعدد الله﷾-، فيها أفضاله على هذه الأمة؟ وكيف تختم الآية الأولى والتي ذكر فيها الظالم لنفسه بقوله: ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ؟ وإذا كان الظالم لنفسه سيخلد في جهنم، فلماذا لم يذكر في الآية التالية، قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر: ٣٦] .
ومعلوم أنه لن يخلد في النار إلا كافر، كما ورد في أحاديث الشفاعة الصحيحة، وحديث أبي ذرّ المشهور والذي رواه البخاري، عن أبي ذرّ ﵁ قال: أتيت النّبيّ ﷺ وعليه ثوب أبيض وهو نائم ثمّ أتيته وقد استيقظ فقال: «ما من عبد قال: لا إله إلّا الله ثمّ مات على ذلك إلّا دخل الجنّة» . قلت: وإن زنى وإن سرق؟! قال: «وإن زنى وإن سرق» .
قلت: وإن زنى وإن سرق؟! قال: «وإن زنى وإن سرق» . قلت: وإن زنى وإن سرق؟! قال:
«وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذرّ» «١» . ويصدق ذلك كله قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨]، وهذه الآية إنما هي للدار الآخرة، لأن في الدنيا يغفر الله الشرك والمعاصي لمن تاب وأناب، أما قوله تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣]، فإنما هي للدار الدنيا وليست للدار الآخرة.
وقد بينت في موضع آخر من الكتاب، أنه لا ينبغي لأحد من المسلمين، أن يستمرئ المعاصي والذنوب لعلمه بأن الله لن يخلده في النار، وأن ماله بعد التطهير من الذنوب إلى الجنة، وقد بينت أن هذا من سوء الأدب مع الله﷾-، كما ألاأحد يضمن لهذا العاصي المستبيح لحرمات الله﷿-، أن يموت على الإسلام، وألا يختم له بخاتمة السوء، والعياذ بالله.
٢- هي خير الأمم:
قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] .
هي خير أمة أخرجها الله﷾- للعالمين بما استودع الله فيها من صفات
_________________
(١) البخاري، كتاب: اللباس، باب: الثياب البيض، برقم (٥٨٢٧) .
[ ١ / ٢٥١ ]
الخيرية، والتي نصت عليها الآية الكريمة، وهي أنهم أنفع الناس للناس بما يقومون به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبما استقر في نفوسهم من الإيمان بالله﷿-، قال- تعالى-: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
في الآية بيان فضل النبي ﷺ على هذه الأمة، قال الإمام ابن كثير ﵀: (وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد ﷺ، فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبي قبله ولا رسول من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم بالقليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه) . انتهى «١» .
الفائدة الثانية:
بيان فضل الإيمان بالله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث إن الآية لما أخبرت أن أمة محمد ﷺ هي خير الأمم، أتت بوصفين هما بمثابة القيد لهذه الخيرية، لذا قال الإمام ابن كثير ﵀: (فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح، ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله: كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة: ٧٩]؛ ولهذا لما مدح تعالى هذه الأمة بهذه الصفات شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم، فقال تعالى:
وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ. انتهى «٢» .
ويتفرع على هذه عدة أمور؛ منها:
أ- هذه الخيرية لا تثبت لكل أمة الإسلام على مر العصور بنفس القوة، وإنما تقوى وتضعف على حسب ما تقوم به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله.
ب- لا ينبغي لأحد أن يتباهى بهذه الآية ويفرح بها إلا إذا اتصف بهاتين الصفتين، وإلا كانت الآية حجة عليه.
ج- الحث على التمسك بهاتين الصفتين لتحقيق الخيرية التي منّ الله﷿- بها على هذه الأمة.
الفائدة الثالثة:
لا ينبغي أبدا لأحد من المسلمين أن يظن أن أي أمة (غير أمة الإسلام)
_________________
(١) انظر «تفسير القرآن العظيم»، (١/ ٣٩٢) .
(٢) انظر المصدر السابق، (١/ ٣٩٧) .
[ ١ / ٢٥٢ ]
هي خير من أمتنا أو أن ما عندها هو خير مما عندنا- مما يتصل بأمور العقيدة والشريعة وما يتفرع منهما وما ينبغي عليهما-؛ لأن في ذلك تكذيبا لصريح القرآن الكريم، فلو قال قائل: إن هذه الخيرية قد نزعت منا لتقصيرنا في فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قلت له: بحمد الله لم تنزع منا لأن معنا أصل الإيمان بالله ورسوله، وهذا الأصل لا يشاركنا فيه أحد ألبتة في كل أنحاء المعمورة.
الفائدة الرابعة:
في الآية دليل واضح على أن الصحابة ﵃ كانوا أفضل من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وآمن بالله، فمنهم نتعلم وبهم نقتدي؛ لأن الآية الكريمة قيدت الخيرية بالإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وورد في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان، عن عمران بن حصين﵄- قال: قال النّبيّ ﷺ: «خيركم قرني ثمّ الّذين يلونهم ثمّ الّذين يلونهم» . قال عمران:
لا أدري أذكر النّبيّ ﷺ بعد قرنين أو ثلاثة «١» .
الفائدة الخامسة:
إرادة الله﷾- الشرعية أن تكون هذه الأمة هي خير الأمم، ولذلك يجب على هذه الأمة أن تأخذ بكل أسباب العزة والقوة والتقدم المحمود تحقيقا لإرادة الله﷿-.
الفائدة السادسة:
يجب على كل مؤمن أن يربي نفسه على أن يكون نفعه متعديا لغيره وألا يقتصر على نفسه، تعلمنا ذلك من أمر الله لنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من أعظم أبواب إيصال الخير إلى الغير.
الفائدة السابعة:
تختلف الأمم في الأفضلية والخيرية اختلافا بينا بحسب تفاضل أنبيائها وكتبها وشرائعها، ولما كان نبينا ﷺ هو خير الأنبياء، وكتابنا القرآن الكريم هو خير الكتب وشريعة الإسلام هي أفضل الشرائع وأكملها، كانت هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس.
٣- أمة وسط شاهدة على بقية الأمم:
قال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣] .
_________________
(١) البخاري، كتاب: الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، برقم (٢٦٥١)، ومسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل الصحابة ﵃ ثم الذين يلونهم..، برقم (٢٥٣٥) .
[ ١ / ٢٥٣ ]
قال الشيخ السعدي ﵀ في قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا، أي: (عدلا خيارا)، وما عدا الوسط فأطراف داخلة تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمة وسطا في كل أمور الدين، وسطا في الأنبياء بين من غلا فيهم كالنصارى، وبين من جفاهم كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك، ووسطا في الشريعة لا تشديدات اليهود وآصارهم ولا تهاون النصارى، وفي باب الطهارة والمطاعم لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم ولا يطهرهم الماء من النجاسات وقد حرّمت عليهم طيبات عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئا، ولا يحرمون شيئا، بل أباحوا ما دب ودرج) .
انتهى «١» .
وقال الإمام ابن كثير ﵀: (إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم ﵇ واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع يعترفون لكم بالفضل، والوسط هنا الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبا ودارا، أي خيرها، وكان رسول الله ﷺ وسطا في قومه أي أشرفهم نسبا، ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات وهي العصر كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب كما قال تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨] . انتهى «٢» .
وقال الإمام القرطبي ﵀: (ووسط الوادي خير موضع فيه وأكثره كلأ وماء، ولما كان الوسط مجانبا للغلو والتقصير كان محمودا، أي أن هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم) .
وفيما قاله علماؤنا ﵏ الكفاية وزيادة لبيان ما منّ الله﷿- به على هذه الأمة من فضائل لا تحصى، سواء كان ذلك في العقائد أم في الشرائع، وكذا حفظها من الزيغ والضلال، وضمان عدم اجتماعها على الباطل، كما سيأتي في الفوائد.
وخلاصة القول: أن الله﷿- ما امتن منة على أمة من الأمم إلا امتن علينا بأحسن ما يكون من جنس هذه النعمة، فعلى سبيل المثال امتن على الأمم السابقة بإرسال الرسل وإنزال الكتب وتشريع الشرائع، ولكن خصّنا دون الأمم السابقة بأفضل أنبيائه وأشرف كتبه وأحكم شرائعه، فضلا عما أولاه ﷾- لنا من نعم كثيرة وآلاء جسيمة لم يكن لأمة من قبلنا ما يناظرها أو حتى يقاربها، وقد
_________________
(١) انظر «تيسير الكريم الرحمن»، (٧٠) .
(٢) انظر «تفسير القرآن العظيم»، (١/ ١٩١) .
[ ١ / ٢٥٤ ]
بينت طرفا من هذه النعم في هذا الفصل من الكتاب، فلله الحمد كله وإليه يرجع الفضل كله.
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
في الآية دليل على أن الإجماع حجة شرعية، قال الشيخ السعدي ﵀: (وفي الآية دليل على أن إجماع هذه الأمة حجة قاطعة، وأنهم معصومون عن الخطأ، لإطلاق قوله: وَسَطًا، فلو قدر اتفاقهم على الخطأ لم يكونوا وسطا إلا في بعض الأمور، وقوله: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، يقتضي أنهم إذا شهدوا على حكم أن الله أحله أو حرمه أو أوجبه فإنها معصومة في ذلك) «١» .
الفائدة الثانية:
أن أمة الإسلام، أمة المصطفى ﷺ، تعلو على جميع الأمم، ولا تعلو عليها أي أمة، حيث إنها تشهد على جميع الأمم وتقبل شهادتها عند ربها﷾- ويدخل بهذه الشهادة طوائف كثيرة النار، وفي المقابل لا تشهد عليها أي أمة من الأمم.
ويتفرع عليه وجوب أن تعتز هذه الأمة بنفسها وأن تعتقد اعتقادا جازما أنها عالية- بفضل الله- على جميع الأمم.
الفائدة الثالثة:
وجوب توفر شرط العدالة في كل من يشهد أو يحكم بين الناس، لأن الله﷾- لما أراد تفضيل هذه الأمة بالشهادة على الأمم السابقة، جعلها أمة وسطا لتكون شهادتها مقبولة، قال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ، فاللام في لِتَكُونُوا هي لام التعليل، ويتفرع على تلك الفائدة الفائدة التالية.
الفائدة الرابعة:
حرمان أهل البدع والزيغ والضلال- من أمة الإسلام- من الشهادة على الأمم السابقة، وذلك لعدم توفر شروط الوسطية فيهم ولوقوعهم إما في الغلو أو التقصير، كما أنهم يحرمون من الشهادة على الذين ماتوا في الدنيا من أهل القبلة.
الفائدة الخامسة:
هي منقبة عظيمة لهذه الأمة حيث إن الأنبياء هم أفضل الخلق وأحبهم إلى الله﷿- وأعلى الناس شأنا وقدرا، يحتاجون إلى عموم هذه الأمة للشهادة لإثبات قيامهم بتبليغ أممهم، وكفى بذلك شرفا لهذه الأمة، روى البخاري في صحيحه: عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله ﷺ: «يدعى نوح يوم القيامة فيقول:
لبّيك وسعديك يا ربّ، فيقول: هل بلّغت؟ فيقول: نعم. فيقال لأمّته: هل بلّغكم؟ فيقولون:
ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمّد وأمّته، فتشهدون أنّه قد بلّغ وَيَكُونَ
_________________
(١) انظر «تيسير الكريم الرحمن»، (٧١) .
[ ١ / ٢٥٥ ]
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا، فذلك قوله- جلّ ذكره-: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا. والوسط العدل «١» . كما يتفرع على ذلك أيضا علم الأنبياء كلهم جميعا بأن أمة نبينا محمد ﷺ أمة عادلة مقبولة شهادتها عند الله﷿- ولولا ذلك ما طلبوا- صلوات الله عليهم جميعا- شهادتها، وهي منقبة أخرى، تختلف عن سابقتها، فتدبر.
الفائدة السادسة:
يقين هذه الأمة بكل ما جاء في القرآن العظيم من الأخبار الغيبية سواء الماضية أو المستقبلية، وقد بلغ هذا اليقين بالغيب درجة المشاهدة، ودليله أن أحدا من هذه الأمة المحمدية لم يعاصر نوحا أو غيره من الرسل﵊- ولكننا علمنا ما دار بينهم وبين أقوامهم من القرآن العظيم، فصدقنا القرآن وآمنا بما جاء به من هذه الأمور الغيبية وشهدنا بها أمام رب العزة كأننا شاهدناها وعاصرناها، ولولا هذا اليقين ما رضي الله﷿- بتلك الشهادة.
الفائدة السابعة:
قبول الله﷿- لشهادة هذه الأمة، لا يقتصر على شهادتها على بقية الأمم يوم القيامة، بل تعدى ذلك، فقد قبل الله﷿- شهادتها على من مات من المؤمنين في الدنيا، ودليله ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: مرّ بجنازة فأثني عليها خيرا، فقال نبيّ الله ﷺ: «وجبت وجبت وجبت» . ومرّ بجنازة فأثني عليها شرّا، فقال نبيّ الله ﷺ: «وجبت وجبت وجبت» . قال عمر: فدى لك أبي وأمّي، مرّ بجنازة فأثني عليها خير فقلت: «وجبت وجبت وجبت» . ومرّ بجنازة فأثني عليها شرّ فقلت: «وجبت وجبت وجبت» . فقال رسول الله ﷺ: «من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنّة، ومن أثنيتم عليه شرّا وجبت له النّار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض» «٢» .
٤- أمة لا تجتمع على ضلالة:
قال تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا [النساء: ١١٥] .
عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمّتي قائمة
_________________
(١) البخاري، كتاب: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا»، برقم (٤٤٨٧) .
(٢) مسلم، كتاب: الجنائز، باب: فيمن يثنى عليه خير أو شر من الموتى، برقم (٩٤٩) .
[ ١ / ٢٥٦ ]
بأمر الله لا يضرّهم من خذلهم أو خالفهم حتّى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على النّاس» . رواه مسلم «١» .
الشاهد في الحديث:
أن النبي قد حكم أنه لن يخلو قرن من القرون، ولا أمة من الأمم من طائفة مقيمة على الحق، أي متمسكون بكتاب الله وسنة نبيهم ﷺ، ولذلك يستحيل أن تجتمع هذه الأمة على الضلالة لأن اجتماعهم على ضلالة معناه أن تكون هذه الفئة الصالحة القائمة بأمر الله غير موجودة، أو غرّها اجتماع السواد الأعظم من الناس على منكر، فمالت إليهم، وهذا أيضا ينافي الحديث، ولذلك فاجتماع الأمة على أمر من الأمور، أو حكم من الأحكام، دليل قطعي على أن هذا الأمر هدى وليس بضلالة، حيث إن الفئة الصالحة، لا يمكن أن تقر أو ترضى بالباطل، فالأمر المجمع عليه من الأمة حق، وهذه الأمة لا تجتمع على باطل، وهي حكمة عظيمة من الله﷿-، لأنها لو اجتمعت على باطل، فقد يستقر هذا الباطل إلى يوم القيامة، ويندثر الحق الذي هو ضد هذا الباطل، وحيث إنه لا نبي سيأتي بعد، يكون في استقرار الباطل واندثار الحق مفسدة عظيمة، وتكمن المفسدة، في أن الناس يبحثون عن الحق فلا يجدونه، ولذلك تكون لهم حجة على الله﷿-، وهذا ينافي حكمة الله من إرسال الرسل وإنزال الكتب، قال تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥] .
وعدم اجتماع الأمة على ضلالة من أكبر نعم الله عليها، حيث ضمنت به الأمة عدة أمور من أهمها:
١- إضافة أصل أصيل تستند إليه الأمة بعد كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، ألا وهو (الإجماع)، وهو أصل تحتاج إليه أمة سيبقى شرعها صالحا إلى يوم القيامة، كل يوم يظهر من الأمور والمصالح ما يحتاج إلى الإفتاء والاجتهاد، فما أجمعت عليه الأمة أنه معروف فهو معروف، وما أجمعت عليه أنه منكر فهو منكر، ولا شك أن هذا من باب التوسعة عليها؛ لأنه كلما زادت مصادر التشريع كان ذلك من أوجه مظاهر رحمة الله بالعباد.
٢- ألّا ترتد الأمة على أعقابها بعد نبيها ﷺ؛ لأن ارتدادها يعني أنها قد اجتمعت على ضلالة وهذا محال.
٣- ضمنت الأمة بهذا الأصل ألا يندثر شيء من أمور دينها ولو كان من المكملات
_________________
(١) مسلم، كتاب: الإمارة، باب: قوله ﷺ: «لا تزال طائفة »، برقم (١٠٣٧) .
[ ١ / ٢٥٧ ]
المحسنات؛ لأنه لو اندثرت سنة من السنن وسكتت الأمة على هذا الاندثار سواء بعدم الدعوة لهذه السنة أم عدم العمل بها لتحقق فيها الاجتماع على باطل، والأمة معصومة من ذلك.
وقد بين الشيخ السعدي المسألة بيانا جميلا، حيث قال ما نصه: (وقد استدل بهذه الآية الكريمة، على أن إجماع هذه الأمة حجة، وأنها معصومة من الخطأ، ووجه ذلك أن الله توعد من خالف سبيل المؤمنين بالخذلان والنار، وسَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مفرد مضاف، يشمل سائر ما المؤمنون عليه من العقائد والأعمال، فإذا اتفقوا على إيجاب شيء، أو استحبابه، أو تحريمه أو كراهته، أو إباحته- فهذا سبيلهم، فمن خالفهم في شيء من ذلك بعد انعقاد إجماعهم عليه، فقد اتبع غير سبيلهم. ويدل على ذلك قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠]، ووجه الدلالة:
أن الله تعالى أخبر أن المؤمنين من هذه الأمة لا يأمرون إلا بالمعروف، فإذا اتفقوا على إيجاب شيء أو استحبابه، فهو مما أمروا به، فيتعين بنص الآية أن يكون معروفا، ولا شيء بعد المعروف غير المنكر، وكذلك إذا اتفقوا على النهي عن شيء، فهو مما نهوا عنه، فلا يكون إلا منكرا، ومثل ذلك قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣] . فأخبر تعالى أن هذه الأمة جعلها الله وسطا، أي عدلا خيارا؛ ليكونوا شهداء على الناس، أي: في كل شيء، فإذا شهدوا على حكم بأن الله أمر به أو نهى عنه أو أباحه، فإن شهادتهم معصومة، لكونهم عالمين بما شهدوا به، عادلين في شهادتهم، فلو كان الأمر بخلاف ذلك لم يكونوا عادلين في شهادتهم، ولا عالمين بها، ومثل ذلك قوله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: ٥٩]، يفهم منها أن ما لم يتنازعوا فيه، بل اتفقوا عليه، أنهم غير مأمورين برده إلى الكتاب والسنة، وذلك لا يكون إلا موافقا للكتاب والسنة، فلا يكون مخالفا، فهذه الأدلة ونحوها تفيد القطع، أن إجماع هذه الأمة حجة قاطعة) «١» .
ويجب التنبه إلى أن حديث «لا تجتمع أمتي على ضلالة» والذي يتداوله الكثير من الناس، حديث ضعيف، والحمد لله أن هدى الله أهل العلم أن في آية وحديث الباب دليلين على حجية الإجماع، وأنه حجة في التشريع بعد الكتاب والسنة، ولا عبرة للمخالف.
_________________
(١) انظر «تيسير الكريم الرحمن»، (٢٠٣) .
[ ١ / ٢٥٨ ]
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
تحريم أن يقول الإنسان: هلك الناس، سواء بقصد الإخبار أو بقصد الدعاء، فكيف يحكم أحد على الأمة بالهلاك، وفيها تلك الفئة، وهو بذلك يكون كالمكذب بخبر النبي بوجودها في كل القرون، أو كيف يدعو عليها بالهلاك؟ وفيها الفئة التي زكاها خير البرية، يصدق ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا قال الرّجل: هلك النّاس، فهو أهلكهم» . رواه مسلم «١» .
الفائدة الثانية:
في الحديث بشرى عظيمة لهذه الأمة، وهو وجود الخير والعلم والحق فيها، حتى يأتي أمر الله، وقد يضعف هذا الحق في بعض الأوقات، ولكنه موجود، يقوى في أكثر الأوقات.
الفائدة الثالثة:
في الحديث تكذيب من ادعى، أنه ترك الحق لعدم وجود النصير أو القائم على الحق، كما أنه حجة على من يتساهل في أمور دينه، لعدم وجود من يعلّمه ويرشده ويفتيه، ولا يشترط وجود هذه الفئة بأشخاصها في كل بلد أو قطر، بل يكفي أن علمها موجود بوسائل مسموعة أو مرئية أو مكتوبة. فلا حجة لأحد والحمد لله، ولكن بعض الناس قد اعتادوا على التساهل في أمور دينهم، بعكس حرصهم على أمور دنياهم.
الفائدة الرابعة:
المقصود من قوله: «حتى يأتي أمر الله»، هي الريح التي تأتي قرب يوم القيامة، فتأخذ روح كل مؤمن ومؤمنة، كما ذكر الإمام النووي في شرحه صحيح مسلم «٢» .
الفائدة الخامسة:
في الحديث حث لأهل العلم والخير على الصبر وتحمل أذى الناس، وعليهم أن يعلموا أنهم سيجدون مشقة في دعوتهم لقوله: «لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم»، فأثبت الحديث أنه سيوجد في الأمة من يخالف أهل الحق فلا يوافقهم، ويخذلهم فلا ينصرهم، وقد يزداد الأمر إلى إقامة كل حجة لدحض الحق الذي مع هذه الفئة، وإشاعة كل شبهة لفضّ الناس من حولهم، وقد يزداد الأمر إلى نصرة أعدائهم عليهم.
الفائدة السادسة:
كما أن في الحديث تسلية لهذه الفئة، ففيه بشرى عظيمة لهم، أنه سيأتي أمر الله وهم ظاهرون على الحق.
_________________
(١) مسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: النهي عن قول: هلك الناس، برقم (٢٦٢٣) .
(٢) انظر «شرح النووي على صحيح مسلم»، (١٣/ ٦٦) .
[ ١ / ٢٥٩ ]
الفائدة السابعة:
اختلف العلماء في هذه الفئة، فقيل: هم أهل الحديث، وقيل: هم أهل الجهاد، وقيل: هم العلماء، وقيل: هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وأرى أن المقصود من هذه الفئة هم هؤلاء جميعا لأن الدين لا يقوم إلا بهم مجتمعين، وكل منهم على ثغر من ثغور الإسلام.
٥- أمة يعلّمها الروح الأمين:
عن عمر بن الخطّاب قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثّياب شديد سواد الشّعر، لا يرى عليه أثر السّفر، ولا يعرفه منّا أحد، حتّى جلس إلى النّبيّ ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفّيه على فخذيه وقال: «يا محمّد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: الإسلام أن تشهد ألاإله إلا الله وأنّ محمّدا رسول الله ﷺ، وتقيم الصّلاة، وتؤتي الزّكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلا» . قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدّقه. قال: فأخبرني عن الإيمان، قال:
«أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه» . قال: صدقت.
قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: «أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك» . قال:
فأخبرني عن السّاعة، قال: «ما المسئول عنها بأعلم من السّائل» . قال: فأخبرني عن أمارتها، قال: «أن تلد الأمة ربّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشّاء يتطاولون في البنيان» . قال:
ثمّ انطلق فلبثت مليّا، ثمّ قال لي: «يا عمر أتدري من السّائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنّه جبريل، أتاكم يعلّمكم دينكم» . رواه مسلم «١» .
الشاهد في الحديث:
أن جبريل ﵇، وهو أمين وحي السماء، وهو- بالإجماع- أفضل الملائكة وأعظمها، ولذلك اختصه الله﷿- بأعظم الوظائف وأجلّ المهام، وهي تبليغ الوحي للرسل صلوات الله وسلامه عليهم جميعا، وقد وصفه الله﷾- في القرآن بصفات عظيمة فقال في حقه: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣]، وقال: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير: ٢٠]، وقال: ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى [النجم ٦]، أقول: الشاهد أن هذا الملك العظيم، جاء يعلم هذه الأمة أمر دينها، ففي الحديث قوله ﷺ: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم»، وهذا غاية اعتناء المولى﷿- بهذه الأمة.
_________________
(١) مسلم، كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان، برقم (٨) .
[ ١ / ٢٦٠ ]
[فوائد الحديث]
وفي الحديث فوائد عظيمة قد يطول المجال في ذكرها، فهي تحتاج إلى كتاب منفصل، لاشتماله على كل أصول الدين، وسنقتصر على بعض الفوائد إجمالا وهي:
الفائدة الأولى:
الأدب الذي ينبغي أن يكون عليه المتعلم مع العالم، في قوله: (فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه)، وكذلك إعلام المتعلّم من حوله بتصديقه للعالم، لقوله: (فعجبنا له يسأله ويصدقه) .
الفائدة الثانية: ما ذكر من أصول الإيمان في هذا الحديث
كان على سبيل الإجمال؛ لأن المقام لا يتسع لأكثر من ذلك، وقد بين القرآن الكريم والسنة النبوية هذه الأصول أبلغ بيان، فمن ذلك:
١- الإيمان بالله
، هو أن نؤمن بأن الله واحد لا شريك له، ولا ند له، لم يلد، ولم يولد، له الخلق والأمر، وله الأسماء الحسنى والصفات العليا، وأن له من كل صفة أتمها وأجملها، وأن نؤمن بهذه الصفات من غير تأويل ولا تحريف ولا تعطيل، ونؤمن أن الله هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وأن كل ما يحكم به وفق الحكمة البالغة، حكمة في صورة الأمر وحكمة في غايته، وأنه لا يشاركه أحد في ملكه ولا في حكمه، ولا في أمره، كما ذكرت في عدة مواضع من هذا الكتاب.
٢- الإيمان بالملائكة
، يتوجب أن نعتقد أنهم مخلوقون من نور، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، لأنهم مجبولون على الطاعة، منهم الموكل بالوحي كجبريل ﵇، ومنهم الموكل بالنفخ في الصور كإسرافيل، ومنهم الموكل بالمطر وإحياء النبات بإذن الله، وهو ميكائيل، ومنهم الموكل بجهنم، وهو مالك، ومنهم الموكل بالجنة، ومنهم القائمون بعبادة الله، بين قيام وركوع وسجود، لا يملون ولا يفترون ولا يتقدمون بين يدي الله﷿-، قال تعالى: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم: ٦٤]، كما نعتقد أن عددهم لا يعلمه إلا الله بل لا يمكن أن يستوعب عددهم بشر، لما ثبت في صحيح البخاري في حديث الإسراء قوله: ﷺ «فرفع لي البيت المعمور فسألت جبريل فقال: هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه» .
ومن الأدب مع الله، ألانسمي أي ملك باسم، لم يصل إلينا من طريق ثابت معصوم، كما يسمي بعض الناس ملك الموت بعزرائيل.
[ ١ / ٢٦١ ]
٣- أما الإيمان بالكتب
، فيستلزم أن نؤمن أنها كلها من عند الله﷿-، إيمانا مجملا، وأن نؤمن بالقرآن إيمانا مفصلا، بكل ما جاء فيه، وأن كل أخباره صدق، وكل أوامره عدل، قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ- رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥]، وأنه أفضل الكتب، وهو المهيمن عليها، قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨]، وأنه محفوظ بحفظ الله﷿- له، لم يدخله زيادة، ولم يطرأ عليه نقصان، إلى يوم القيامة، قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] .
٤- أما الإيمان بالرسل
فنؤمن بأنهم خير العباد وأتقاهم، وأحبهم إلى الله، وأن لهم من التبجيل ما ليس لأحد غيرهم، وكل من عداهم فهو دونهم، وأنهم جميعا أدوا الأمانة، وبلغوا الرسالة على الوجه الأكمل، نؤمن بهم جميعا على وجه الإجمال، ونؤمن بالمذكورين في القرآن على وجه التفصيل، ونؤمن أن الله﷿- فاوت بين منازلهم، قال- تعالى- تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ [البقرة: ٢٥٣]، وأن أفضلهم هم أولو العزم من الرسل، وقد ذكروا في موضعين من القرآن الكريم، قال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا [الأحزاب: ٧]، وقال- عز من قائل- في الموضع الآخر: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ [الشورى: ١٣] .
ونعتقد أن رسولنا محمدا ﷺ، هو أفضلهم وإمامهم، ثم يليه في المنزلة، إبراهيم ثم موسى، واختلف العلماء في أفضلية نوح وعيسى- عليهم جميعا الصلاة والسلام-، وقد ذكر ذلك فضيلة الشيخ/ محمد العثيمين- رحمه الله تعالى.
٥- كما نؤمن باليوم الآخر
، الذي يبعث فيه المولى﷾- الخلائق جميعا، من قبورهم ليحاسبهم على ما قدموا، ونؤمن بنصب الصراط على ظهراني جهنم، وبإقامة الموازين القسط، ونشر الكتب، ونؤمن بالشفاعة العظمى، لنبينا ﷺ ونؤمن بلوائه المعقود والكوثر، ونؤمن بأن الموت يأتي، على هيئة كبش أملح، يذبح بين الجنة والنار فيقال لأهل الجنة وأهل النار: خلود فلا موت، ونؤمن أنه لن يخلد في النار أحد من أهل القبلة، ما دام لم يأت بما يناقض الشهادتين، ونؤمن أن للقرآن شفاعة، وللأنبياء شفاعة، وللصوم شفاعة، وللمؤمنين شفاعة.
٦- أما الإيمان بالقدر خيره وشره
، فنؤمن فيه بأن الله علم كل شيء أزلا، وهو علم لم يسبقه جهل، ولا يلحقه نسيان، ونؤمن بتقدير الله لكل شيء، وكتابته لكل ما سيكون،
[ ١ / ٢٦٢ ]
لما صح في صحيح البخاري من حديث عمران بن حصين وفيه عن النبي «كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذّكر كلّ شيء وخلق السّماوات والأرض» «١»، كما نؤمن أن ما أخطأ الإنسان ما كان ليصيبه، وما أصابه ما كان ليخطئه، ونؤمن أن الله بكتابته وعلمه كل شيء ما ظلم أحدا، لقوله تعالى في محكم التنزيل: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦] .
تنبيه هام:
التعرض لأي من أصول الإيمان، باستهزاء أو غمز أو لمز أو تشكيك أو طعن أو إثارة الشبهات حوله، لغرض التكذيب أو غيره، يخرج فاعلها عن دائرة الإيمان، قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ [التوبة: ٦٥، ٦٦] .
الفائدة الثالثة:
بيان بما أوتيه النبيّ من جوامع الكلم، وذلك في قوله عن تعريف الإحسان: «أن تعبد الله كأنّك تراه» . فبدلا من أن يقول: تعبد الله بإخلاص وتذلّل وخشوع ورهبة، وأن تقوم بأداء جميع أركان العبادات، على الوجه الأكمل، وأن تنتقي من الأعمال أحسنها، وأن تشعر في نفسك عند العبادة بالتقصير، فتكون متقلبا بين الخوف والرجاء، بدلا من أن يقول ذلك وغيره كثير، قال: («كأنك تراه»، فالمسلم إذا استقر في نفسه، أنه يرى الله في عبادته أتى بما ذكر، بل أتى بكل ما هو الأكمل والأحسن في كل عبادة، وهذا هو المطلوب من كل مؤمن، قال تعالى: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الزمر: ٥٥] .
الفائدة الرابعة:
كل عيب أو نقص في العبادة، يرجع إلى خلل في تحقيق العبد لرؤيته لله، وبقدر ما تحقق للعبد من ذلك، بقدر ما تأتي العبادة على أحسن وجه.
الفائدة الخامسة:
السؤال عن الساعة، هكذا مجردا، في قوله: «فأخبرني عن الساعة» .
يحتمل أن يكون عن وقتها، أو عن أماراتها، أو ما يقع فيها من أهوال عظام، ولكن النبي ﷺ فهم أن السائل يريد وقتها، وكان هذا الفهم صحيحا؛ لأن جبريل ﵇، لما سمع إجابة النبي بنفي علم وقت قيام الساعة، ما راجعه وقال له: ما عن وقتها سألتك، وهذا يدل على فراسة وذكاء النبي ﷺ، في فهم ماهية السؤال، ولكن لما أجاب بعدم العلم، أتى جبريل ﵇ بسؤال آخر، وهذا يدل على أن السائل يجب عليه أن يسأل
_________________
(١) البخاري، كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في قول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، برقم (٣١٩٢) .
[ ١ / ٢٦٣ ]
أولا عن عظائم الأمور، أي الأهم فالمهم، فلا شك أن علم وقت الساعة أعظم فائدة من العلم بأماراتها، لأننا إذا علمنا متى الساعة كنا في غنى عن معرفة أماراتها.
الفائدة السادسة:
في الحديث ما يجب أن يكون عليه العالم من عدم الإجابة بغير علم، وألا يستحي أن يقول: لا أعلم، فإنها بلا شك نصف العلم، كما يقولون.
الفائدة السابعة:
في الحديث أدب المتعلم وحسن إجابته لمعلمه، وأن يرد العلم إلى الله، خاصة إذا أدرك أن العالم يريد أن يعلمه شيئا لا يعرفه، كل ذلك من إجابة عمر ﵁ للرسول ﷺ، لما قال له: «أتدري من السائل؟»، قال: الله ورسوله أعلم. ولم يقل: هو رجل لا نعرفه جميعا، أو أن الغموض يكتنف شخصيته، فهو لا يبدو عليه أثر السفر، ومع ذلك فهو ليس من أهل المدينة. وهذا أدب جم.
الفائدة الثامنة:
لا يجوز للمسئول، بعد وفاة النبي ﷺ، أن يقول إذا سئل عن المسألة:
(الله ورسوله أعلم)؛ لأن النبي بعد وفاته، قد انقطع عن أمور الدنيا، وما يستجد بها، بل قد يكون من الكذب أن يقال: الله ورسوله أعلم، وما زلنا نسمع أهل العلم بعد الفتاوى يقولون: (الله أعلم) .
الفائدة التاسعة:
من أفضل أساليب التعليم، إلقاء العلم على هيئة سؤال وإجابة، ليكون أوعى للسامع من اختلاط المعلومات لو ألقيت عليه سردا، وكذلك يكون أكثر تشوقا لها، وأن يعمل عقله قبل سماع الإجابة، وأن يوازن بين ما في خاطره والإجابة الصحيحة، والشاهد لذلك أن جبريل لما جاء يعلم الأمة دينها، استخدم أسلوب السؤال والجواب، ولو كانت هناك طريقة أفضل لاتبعها جبريل ﵇.
الفائدة العاشرة:
لفظة الإسلام، تدل على أعمال الجوارح، كالصلاة والزكاة والصوم والحج، أما الإيمان فيختص بأعمال القلوب، وأنهما لو اجتمعا في نص واحد اختلفا في المعنى، يصدق ذلك قوله تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤] .
أما إذا ورد أحد اللفظين في النص، فيشمل عمل القلب وعمل الجوارح معا، لذلك قالوا عن لفظي الإيمان والإسلام: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
الفائدة الحادية عشرة:
قد يتمثل الملك بصورة إنسان، وهي هيئة شريفة، ولا يتمثل بصورة وضيعة، لأنه لم يأت دليل صحيح على ذلك، ويكون هذا من باب تشريف الله لهم،
[ ١ / ٢٦٤ ]
أما الشيطان فيأتي على صورة شريفة، كما ثبت في الحديث الذي رواه أبو هريرة، وفيه أن الشيطان كان يأتيه كل ليلة على صورة رجل فقير، يريد أن يأخذ من مال الصدقة، كما أنه قد يأتي على صورة وضيعة كالكلب، كما ثبت في صحيح مسلم: عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قام أحدكم يصلّي فإنّه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرّحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرّحل، فإنّه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود» . قلت: يا أبا ذرّ ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟! قال: يا ابن أخي سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فقال: «الكلب الأسود شيطان» «١» .
٦- أمة تصلي عليها الملائكة وتستغفر لها:
قال تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ [غافر: ٧] .
الشاهد في الآية الكريمة:
قوله تعالى: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ. صلاة حملة العرش ومن حوله على المؤمنين نعمة عظيمة امتن الله بها على عموم هذه الأمة. أمة محمد ﷺ، قال الإمام ابن كثير: (قيض الله تعالى ملائكته المقربين أن يدعوا للمؤمنين بظهر الغيب، كما ثبت في صحيح مسلم: «إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال:
الملك آمين ولك بمثله») «٢» .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
عظيم اعتناء الله﷾- بهذه الأمة ويظهر ذلك من الأمور التالية:
١- ورود الآية بصيغة الجملة الاسمية التي تفيد الثبوت.
٢- أن الملائكة الذين قيدهم الله﷿- بالاستغفار للمؤمنين هم من أفضل الملائكة، فهم حملة العرش ومن حوله.
٣- عدم تقييد استغفار الملائكة للمؤمنين بزمن معين أو هيئة معينة أو إتيان نوافل الأعمال، ولكن هي صلاة دائمة مستمرة، تدرك المؤمن أثناء حياته وبعد مماته، شريطة
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب: الصلاة، باب: قدر ما يستر المصلي، برقم (٥١٠) .
(٢) أخرجه مسلم كتاب الذكر والدعاء والتوبة والإستغفار باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب برقم (٢٧٣٢) .
[ ١ / ٢٦٥ ]
اتباعه سبيل الله﷿- وملازمته للتوبة. وأذكّر نفسي والقارئ الكريم أن هذا الاعتناء من الله﷿- لهذه الأمة ما كان إلا لانتسابها إلى النبي ﷺ.
الفائدة الثانية:
عظيم قدر عرش الرحمن إذ جعل له حملة من الملائكة يحملونه وآخرين يحفونه.
الفائدة الثالثة:
إثبات أن للملائكة وظائف خلقوا من أجلها، فملائكة تحمل العرش، وملائكة سيارة، وملائكة حفظة، بالإضافة إلى من هو موكل بالنفخ وآخر بالقطر وآخر بقبض الأرواح، وأعظمهم مطلقا الموكل بالوحي وهو جبريل ﷺ. ويتفرع عليه عظيم قدرة الله﷾- وبديع تصريفه لأمور ملكوته الواسع، كما يتفرع عليه، أن من حسن تصرف الوالي، أو من ينوب عنه، أن يقسم المهام والوظائف بين رعيته حتى يسهل مراقبتهم والتأكد من إتقانهم لعملهم فضلا عن إنجازها، ألم تسمع لقوله تعالى ممتنا على رسوله سليمان ﵇: وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ [ص: ٣٧، ٣٨] .
الفائدة الرابعة:
فضل التسبيح للرب﵎- والإيمان به، ودليله أن الله لما ذكر حملة العرش في سياق مدحهم وإظهار علو شأنهم ذكر لهم صفتين هما: التسبيح والإيمان به، ولو كان عندهم من الصفات ما هو أعظم من ذلك لنصّت عليه الآية من باب أولى.
كما يؤخذ من الآية أن الإيمان بالله والتسبيح بحمده صفتان متلازمتان لا ينفكان عن العبد. ويتفرع عليه حث الأمة على الإيمان الصادق بالله﷿- وكثرة التسبيح له ﷾.
الفائدة الخامسة:
وجوب حب الملائكة الكرام البررة والامتنان لهم، ذكر ابن كثير عن مطرف بن عبد الله: (وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة ووجدنا أغشّ عباد الله لعباد الله الشيطان) «١» .
الفائدة السادسة:
استحباب التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وذكر محاسنه العظيمة وآلائه الجسمية بين يدي الدعاء، لقول الملائكة قبل دعائها: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا وأن يكون التوسل مناسبا للدعاء.
_________________
(١) انظر «تفسير القرآن العظيم»، (٤/ ٧٣) .
[ ١ / ٢٦٦ ]
الفائدة السابعة:
إثبات أن صفتي الرحمة والعلم هما أوسع الصفات وأعظمها لقول الملائكة: وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا، ولم يرد هذا الوصف لغيرهما من الصفات.
الفائدة الثامنة:
جمعت الآية الكريمة بين الترغيب والترهيب، فالترغيب بمقتضى صفة الرحمة، والترهيب بمقتضى صفة العلم، فحقيق بالعبد إذا علم أن الله مطلع على كل أفعاله وأقواله وحركاته وسكناته أن يخشى الله ويتقيه، وحقيق به أيضا إذا علم أن رحمة الله وسعت كل شيء ألايقنط من رحمة الله تعالى مهما بلغت ذنوبه وآثامه.
قال الإمام ابن كثير: (أي رحمتك تسع ذنوبهم وخطاياهم وعلمك محيط بجميع أعمالهم وأقوالهم) «١» .
وأضيف فأقول: إن علم الله الواسع لا يحيط بأعمال العباد وأفعالهم فحسب، بل هو محيط بكل ما يطلق عليه لفظ شيء في هذا الكون.
الفائدة التاسعة:
من صفات المؤمن الملازمة له والتي لا تنفك عنه صفة التوبة والاتباع، ودليله أن الآية ذكرت أولا أن الملائكة تستغفر للذين آمنوا، ثم لما ذكرت صفات المؤمنين المستغفر لهم قالت: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ، وأقول: أخشى ألا ينال أصحاب البدع في الدين بركة هذا الدعاء بشؤم ابتداعهم وانحرافهم عن سبيل الله ورسوله ﷺ.
الفائدة العاشرة:
مشروعية أن يدعو المؤمن لأخيه بظهر الغيب، وأن الله﷾- يقبل ذلك لدعاء الملائكة للمؤمنين.
الفائدة الحادية عشرة:
من أساليب البلاغة التي يتميز بها القرآن الكريم والتي تزيده حسنا على حسن، الإجمال ثم التفصيل، فأجملت الآية صيغة الدعاء وصفة من يشملهم الدعاء، ثم فصّلت الأمرين، فنصت على ما يقال في الدعاء وصفة المدعو لهم. قال تعالى:
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ.
الفائدة الثانية عشرة:
وجوب أن يعلم كل مؤمن أن الفوز بالجنة والوقاية من عذاب الجحيم، إنما هو محض فضل من الله﵎-، فلو كان العبد يستحق ذلك بعمله، ما دعت الملائكة للتائبين والمتبعين بالنجاة من عذاب الجحيم، ولاستحقت لهم الجنة بعملهم دون الحاجة إلى فضل الله ورحمته. ويتفرع عليه أن العبد يجب عليه أن يلازم الدعاء بالفوز بالجنة والنجاة من النار، بناء على علمه أنه لا يستحق ذلك إلا بفضل الله،
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٧٣) .
[ ١ / ٢٦٧ ]
وأن عمله وحده مهما عظم لن يدخله الجنة.
كما يتفرع عليه أن عذاب الجحيم من الأمور العظيمة التي يجب أن نستعيذ منها، حيث إن الملائكة لما استغفرت للمؤمنين بكلمات معدودة ضمت للدعاء الوقاية من عذاب الجحيم.
الفائدة الثالثة عشرة:
دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة، حيث اقتصر دعاء الملائكة على الاستغفار دون طلب الثواب، وعلى الوقاية من العذاب دون طلب الجنة. وقد يكون من حكمة الملائكة الدعاء بالوقاية من الجحيم، لأن العبد إذا ضمن عدم دخول النار فسيدخل الجنة، لأنه ليس بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، ولو أن الملائكة دعت بدخول المؤمنين الجنة فلا يغني ذلك عن دخول البعض منهم النار أولا ثم الجنة، كما نتعلم من دعاء الملائكة للمؤمنين أن الله ﷿ يجب الإجمال في الدعاء لا التفصيل، وهذا مثال آخر لصلاة الملائكة على المسلمين.
عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «الملائكة تصلّي على أحدكم ما دام في مصلّاة الّذي صلّى فيه، ما لم يحدث، تقول: اللهم اغفر له، اللهمّ ارحمه» . رواه البخاري «١» .
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ «الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه» .