إن قال قائل: ذهبت إلى المدينة فلم ألحظ هذه البركة في الطعام والشراب فما السبب؟ قلت: اعلم أن البركة في الطعام والشراب بل وفي الأجواء قد حدثت قطعا استجابة من الله﵎- لدعاء النبي ﷺ، لكن ليس من لازم ذلك أن تحصل البركة لكل أحد وفي كل وقت، فقد يمنع تلك البركة ارتكاب المسلم لبعض المعاصي أو عدم يقينه بالله﷾- أو إعراضه عن سنة النبي ﷺ، أو يكون المانع لحدوث البركة عدم حل الطعام: إما لحرمته في نفسه أو حرمة المال الذي اشتري به. ولذلك فإن على كل من لم يلمس تلك البركة أن يتهم نفسه ويراجع حاله وماله.
الفائدة الثانية:
ليس في الحديث ما يدل على عموم أفضلية المدينة على بيت الله الحرام؛ لأنه لا يلزم من حصول الأفضلية للمفضول في شيء من الأشياء ثبوت الأفضلية له على الإطلاق، كما أفاد الإمام ابن حجر ﵀ ولكن ما نقطع به أن بركة الصاع والمد في المدينة ضعف بركة الصاع والمد في مكة، وهذا شرف عظيم للمدينة، تمتاز به على جميع بقاع الأرض، وفي هذا أبلغ الحث على سكناها.
الفائدة الثالثة:
ثبوت بركة مد وصاع مكة؛ لقوله ﷺ: «اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة»، ولكن تأتي مكة في المرتبة الثانية من حيث البركة، وأقول: هذا التضعيف في بركة المدينة عن مكة، هو في أمر مخصوص من أمور الدنيا، وهو الصاع والمد، فلا يلزم أن يكون التضعيف يشمل أمور الآخرة أيضا، فعلى سبيل المثال فإن الصلاة في المسجد الحرام يتضاعف أجرها عن الصلاة في المسجد النبوي الشريف، على صاحبه الصلاة والسلام.
الفائدة الرابعة:
حث المسلم على أن يدعو ببركة صاعه ومده (أي طعامه وشرابه) وإن لم يكن من ساكني البقعتين الشريفتين؛ لثبوت إمكانية حلول البركة فيهما، كما حدث في صاع ومد مكة والمدينة، وبقدر إخلاص العبد في الدعاء واستقامته على الصراط، بقدر حدوث تلك البركة، وكما تحدث البركة في مأكل الإنسان ومشربه فقد تنزع تلك البركة جزئيّا أو كليّا؛ فليحذر المسلم من ذلك، وما يحدث الآن في أغلب الأقطار الإسلامية من غلاء الطعام والشراب لهو أكبر شاهد على نزع البركة
_________________
(١) نقله ابن حجر في الفتح (٤/ ٩٨) من قول الإمام النووي ﵀.
[ ١ / ٢٩٥ ]
٤- حفظها من الدجال والطاعون:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطّاعون ولا الدّجّال» . [رواه البخاري] «١» .
وعن أبي بكرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «لا يدخل المدينة رعب المسيح الدّجّال لها يومئذ سبعة أبواب على كلّ باب ملكان» . [رواه البخاري] «٢» .
النقب:
هو الطريق الذي يسلكه الناس وقال ابن وهب: المراد به مدخل المدينة، وقيل: أبوابها، وأصل النقب: الطريق بين الجبلين. ذكره ابن حجر في الفتح «٣» .
وهذا أيضا من الفضائل العظيمة للمدينة على صاحبها الصلاة والسلام، ويشترك معها في عدم دخول الدجال مكة المكرمة لما رواه البخاري من حديث أنس: «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة» «٤» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
عظيم منزلة النبي ﷺ عند ربه﷾-؛ إذ حفظ له مدينته وساكنيها من شرين عظيمين:
يتمثل الأول في وباء شرّه مستطير، وهو الطاعون، قال الإمام ابن حجر ﵀:
(قال ﷺ: «ولكن عافيتك أوسع لي» . فكان منع دخول الطاعون المدينة من خصائص المدينة ولوازم دعاء النبي ﷺ لها بالصحة. وقال آخر: هذا من المعجزات المحمدية؛ لأن الأطباء من أولهم إلى آخرهم عجزوا أن يدفعوا الطاعون عن بلد بل عن قرية، وقد امتنع الطاعون عن المدينة هذه الدهور الطويلة. قلت: وهو كلام صحيح) . انتهى كلامه ﵀ «٥» .
أما الشر الثاني الذي حمى الله منه مدينة خليله ﷺ، فهو شرّ الدجال، وهو بلا شك شرّ غائب منتظر، روى البخاري في صحيحه: قال ابن عمر﵄-: قام رسول الله ﷺ في النّاس فأثنى على الله بما هو أهله ثمّ ذكر الدّجّال فقال: «إنّي
_________________
(١) البخاري، كتاب: الحج، باب: لا يدخل الدجال المدينة، برقم (١٨٨٠) .
(٢) البخاري، كتاب: الحج، باب: لا يدخل الدجال المدينة، برقم (١٨٧٩) .
(٣) فتح الباري (٤/ ٩٦) .
(٤) البخاري، كتاب: الحج، باب: لا يدخل الدجال المدينة، برقم (١٨٨١) .
(٥) فتح الباري (١٠/ ١٩١) .
[ ١ / ٢٩٦ ]
لأنذركموه، وما من نبيّ إلّا أنذره قومه، لقد أنذر نوح قومه، ولكنّي أقول لكم فيه قولا لم يقله نبيّ لقومه: تعلمون أنّه أعور، وأنّ الله ليس بأعور» «١» .
الفائدة الثانية:
عظيم قدرة الله سبحانه، ويتبين ذلك من:
١- حفظه﷾- المدينة من دخول الطاعون، وهو وباء عظيم، لا يرى بالعين ولا يحس بالحواس، بملائكة يحرسونها، وكأن الملائكة- وهو الواقع- ستراه وترده عن دخول البلدة الطيبة، وتدبر أخي القارئ ما أودع الله في ملائكته من قدرة عجيبة في مقاومة الطاعون ورده، مع عجز العلم الحديث عن أن يقضي على هذا الوباء الخطير، فضلا عن أن يضع له مصلا يقي البلاد والعباد شره.
٢- مع ما أوتيه الدجال من قدرات عظيمة تفتن كل أحد- إلا المؤمن- إلا أنه يعجز عن دخول مكة والمدينة مع حرصه على ذلك؛ لما رواه البخاري من حديث أنس وفيه:
«فيجد الملائكة يحرسونها فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله» «٢» .
وكان من الممكن واليسير على الله﷿- أن يمنع الطاعون والدجال عن دخول المدينة دون حراسة الملائكة لها، ولكن أراد الله﷿- أن يظهر للعباد فضل المدينة؛ فكرّمها بتقييد الملائكة على أبوابها وأنقابها.
الفائدة الثالثة:
ما الحكمة من عدم دخول الطاعون المدينة ودعاء النبي ﷺ بذلك؟.
قال ابن حجر﵀- كلاما جميلا نصه: (الحكمة في ذلك أنه ﷺ لما دخل المدينة كان في قلة من أصحابه عددا ومددا وكانت المدينة وبئة كما سبق من حديث عائشة، ثم خيّر النبي ﷺ في أمرين يحصل بكل منها الأجر الجزيل، فاختار الحمّى حينئذ لقلة الموت بها غالبا بخلاف الطاعون، ثم لما احتاج إلى جهاد الكفار وأذن له في القتال كانت قضية استمرار الحمى أن تضعف أجساد الذين يحتاجون إلى التقوية لأجل الجهاد فدعا بنقل الحمى من المدينة إلى الجحفة فعادت المدينة أصحّ بلاد الله) «٣» . وأضاف ﵀: (ثم استمر ذلك بالمدينة تمييزا لها عن غيرها لتحقق إجابة دعوته وظهور هذه المعجزة العظيمة بتصديق خبره هذه المدة المتطاولة) «٤» .
الفائدة الرابعة:
وجوب الإيمان بظهور الدجال وما معه من آيات عظيمة وقدرات
_________________
(١) البخاري، كتاب: الفتن، باب: ذكر الدجال، برقم (٧١٢٧) .
(٢) البخاري، كتاب: الفتن، باب: لا يدخل الدجال المدينة، برقم (٧١٣٤) .
(٣) فتح الباري (١٠/ ١٩١) .
(٤) انظر السابق.
[ ١ / ٢٩٧ ]
خارقة، والتي منها أنه سيجوب البلاد كلها إلا المدينة ومكة؛ لرواية مسلم التي ذكرتها آنفا.
الفائدة الخامسة:
لم يقتصر الأمر على حفظ المدينة من وباء الطاعون، بل تعدى الأمر إلى تنقية أجوائها ببركة دعاء النبي ﷺ والذي ورد في حديث عائشة ﵂، الذي رواه البخاري وفيه: فلمّا رأى رسول الله ﷺ ما لقوا قال: «اللهمّ حبّب إلينا المدينة كحبّنا مكّة أو أشدّ، اللهمّ صحّحها وبارك لنا في صاعها ومدّها، وانقل حمّاها إلى الجحفة» «١» .
٥- فيها روضة من رياض الجنة:
عن أبي هريرة ﵁، عن النّبيّ ﷺ قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة، ومنبري على حوضي» . [رواه البخاري] «٢» .
هذه هي أعظم خصوصيات المسجد النبوي الشريف- والذي تضم المدينة أرجاءه- وهو أن فيه روضة من رياض الجنة، فمن أراد أن يجلس في الجنة ويعاينها ويشم رائحتها الزكية، قبل أن يراها عيانا يوم القيامة- إن شاء الله تعالى- فلا يسعه إلا أن يشد الرحال إلى هذه البلدة المباركة، ويلتزم المكان الذي بين منبره وبيته ﷺ.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
الحث على ملازمة الروضة الشريفة وكثرة الصلاة والذكر فيها ووجوب حبها وتعظيمها لشرفها على بقية البقاع، وهذا لا يتأتى- لمن هو خارج المدينة- إلا بشد الرحال إليها.
الفائدة الثانية:
منة الله العظيمة على نبيه ﷺ؛ إذ جعل ما بين المكانين الذي كان ﷺ كثيرا ما يتردد بينهما روضة من رياض الجنة، وهذا يدلل أيضا على شرف وبركة البقعتين الطاهرتين البيوت والمنبر، وأعتقد أن ذلك كان ببركة كثرة ملازمة النبي ﷺ لها وبتلاوته فيهما آيات الله والحكمة، كما أن فيها امتنان الله العظيم على أمة الإسلام، إذ جعل لها بقعة مباركة في مسجد مبارك في بلد مبارك يتصبرون بها عن رؤية ودخول الجنة، بل ويتشوقون بكثرة ملازمتها إلى الجنة ونعيمها ولذاتها التي لا تحول ولا تزول.
الفائدة الثالثة:
ما المقصود بقوله ﷺ: «روضة من رياض الجنة» . ذكر ابن حجر-
_________________
(١) البخاري، كتاب: المرضى، باب: من دعا بدفع الوباء والحمى، برقم (٥٦٧٧) .
(٢) البخاري، كتاب: الجمعة، باب: فضل ما بين القبر والمنبر، برقم (١١٩٦) .
[ ١ / ٢٩٨ ]
﵀- أقوال العلماء فقال: (أي: كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة وحصول السعادة، بما يحصل من ملازمة حلق الذكر لا سيما في عهده ﷺ فيكون تشبيها بغير أداة «١»، أو المعنى: أن العبادة فيها تؤدي إلى الجنة فيكون مجازا، أو على ظاهره وأن المراد أنه روضة حقيقية بأن ينتقل هذا الموضع بعينه في الآخرة إلى الجنة، هذا محصل ما أوله العلماء في هذا الحديث وهي على ترتيبها هذا في القوة) . انتهى كلامه ﵀ «٢» .
وأعتقد- والعلم عند الله- أن القول الأخير هو المتعين لسببين: