للدعاء آداب وشروط، يجب أن يتحلى بها الداعي، حتى يكون دعاؤه أقرب للإجابة، ومن تلك الآداب والشروط ما يلي:
١- أن يستحضر أثناء الدعاء تعظيم الله ﷿ في نفسه، وأنه قريب منه، قال تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [البقرة: ١٨٦]، وأن يكون قلبه حاضرا، فلا ينبغي أن يكون الدعاء من قلب لاه، وعيون زائغة، ولسان يتمتم، دون أن يفقه ما يقول، وأنّى للرجل الذي ينشغل في الدعاء بكل صور الشعر من طباق وجناس وغيرها، من حضور وخشوع القلب، بل كيف يخشع من خلفه من المأمومين، فقد روى مسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» «٢» .
وينبغي أن يتيقن الداعي أن الله يسمع كلامه ويرى مكانه ويعلم حاله، وأن يكون الدعاء في حقه عبادة وليست عادة، وقد بدأت بهذا الأدب في الدعاء لتقصير كثير من الناس فيه.
٢- أن يطيّب الداعي مأكله ومشربه، فإن من أعظم أسباب رد الدعاء أن يأكل الداعي أو يشرب من مال حرام؛ لما رواه مسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أيّها النّاس إنّ الله طيّب لا يقبل إلّا طيّبا وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون: ٥١] وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [البقرة: ١٧٢] ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعث أغبر يمدّ يديه
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب: المرض، باب: فضل من يصرع من الريح، برقم (٥٦٥٢) .
(٢) رواه مسلم، كتاب: البر، باب: تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره، برقم (٢٥٦٤) .
[ ١ / ١٥٩ ]
إلى السّماء، يا ربّ يا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام؛ فأنّى يستجاب لذلك؟!» «١» .
٣- أن يتخير من الدعاء جوامعه، فلا يقول مثلا في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من النار ومن سعيرها ومن أغلالها ومن زقومها) يكفيه ما كان يدعو به النبي ﷺ من التعوذ من النار، لما رواه مسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يدعو ويقول: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النّار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدّجّال» «٢» .
واسمع إلى جامع الدعاء الذي دعا به الخليل إبراهيم ﵇، قال تعالى: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ [إبراهيم: ٤١]، وقد أمر الله المؤمنين بعدم التعدي في الدعاء في قوله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف: ٥٥]، ومن أوجه التعدي: الدعاء بمحرم مثل قطيعة الرحم، أو التفريق بين الزوجين، أو الدعاء بما لا يمكن حدوثه، كطلب منازل الأنبياء في الجنة.
٤- أن يتخير الداعي الأوقات والأحوال الفاضلة التي يرجى فيها القبول، كدعاء الصائم عند الإفطار، وعند السفر، وعند المرض، وعند لقاء العدو، وفي الثلث الأخير من الليل، وبين الأذان والإقامة، ونزول المطر، وكل ذلك وردت به السنة الصحيحة.
٥- ألايتعجل الإجابة، لما ورد في البخاري عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال:
«يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لي» «٣»، ومن علامات تعجّل الإجابة أن يملّ العبد فيترك الدعاء بالكلية.
٦- على الداعي أن يبدأ دعاءه بالحمد والصلاة على النبي ﷺ، وأن يكثر أثناء الدعاء من الثناء على الله بما هو أهله، فإن الله يجب الثناء عليه، لما ورد في «صحيح مسلم» عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس أحد أحبّ إليه المدح من الله ﷿؛ من أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحش.
وليس أحد أحبّ إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرّسل» «٤» .
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب، برقم (١٠١٥) .
(٢) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب: التعوذ من عذاب القبر، برقم (١٣٧٧) .
(٣) رواه البخاري، كتاب الدعوات، باب: يستجاب للعبد ما لم يعجل، برقم (٦٣٤٠) .
(٤) رواه مسلم، كتاب التوبة، باب: غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش، برقم (٢٧٦٠) .
[ ١ / ١٦٠ ]
٧- على الداعي أن يظهر في الدعاء شدة الافتقار إلى الله ﷿، وأن يظهر ما هو فيه من الحاجة، قال تعالى في معرض الثناء على دعاء زكريا: إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [مريم: ٣- ٤] ففي الآية بعض آداب الدعاء التي يجب التأدب بها مثل:
التيقن أن الذي تدعوه هو ربك، الذي خلقك ورزقك ورباك على نعمائه وآلائه، وأن تثبت له كل ما يتعلق بصفات الرب ﵎، من الخوف والرجاء والتوكل وحسن الظن والطمع فيما عنده، وأنه الغني عن السؤال وأنت الفقير إلى الجواب، وأنه سميع عليم مجيب، وبغير التيقّن من ذلك أثناء الدعاء، فلا يرجى للدعوة الإجابة، علمنا ذلك من قوله تعالى: إِذْ نادى رَبَّهُ
[مريم: ٣] فلولا أن زكريا قد استشعر أن الذي يناديه ويدعوه هو الرب ﵎، وأنه تيقن في نفسه كل ما ينبغي للرب، ما زكاه الله بأنه كان يدعو ربه؛ لأن الدعوة إذا كانت باللسان دون القلب لا يعول عليها.
الإخلاص لله في الدعاء، وألا ترى غيره إلها نافعا ضارّا لأنه لا يملك من الأمر شيئا، فزكريا ﵇ إنما نادى ربه، وأخلص في ذلك، ولو أنه كان يرجو أحدا مع الله، ما قال الله ﵎: إِذْ نادى رَبَّهُ.
إخفاء الدعاء، فإن السر يعين على تحقيق الإخلاص في الدعاء، والبعد عن المراآة والسمعة، قال تعالى: إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا.
إظهار شدة الافتقار إلى الله ﷿، وما يوجد في الداعي من علامات الضعف الخفية والجليلة، قال تعالى: قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا، ووهن العظم هو من علامات الضعف الخفية، واشتعال الرأس بالشيب من العلامات الجلية، فلم يترك سببا لإظهار افتقاره إلا بذكره، حتى ضعف زوجته، فقال: وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا [مريم: ٥] .
التوسل إليه ﷾ أثناء الدعاء بصفاته وسابق إنعامه وفضله، حيث بدأ زكريا دعاءه بذكر صفة الربوبية التي بها ينعم الرب على عباده، قال تعالى: قالَ رَبِّ، ثم توسل إليه بقوله: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [مريم: ٤] فهذا توسل بإقراره أن الله قد سمع كل دعواه السابقة، وأنه بفضله ورحمته استجاب لها كلها، وكان من فضل الاستجابة أنها رفعت عن زكريا كل أسباب الشقاء، وهذا كله كان استدرارا من زكريا لرحمات الله المتتابعة.
[ ١ / ١٦١ ]
- الأدب في الدعاء وعدم ذكر ما يفيد التضجر من قضاء الله وقدره، فزكريا ﵇، قد بلغ منه الضعف ما ذكرت، وليس عنده ذرية، وامرأته عاقر، ومع ذلك لم يذكر في الدعاء ما يفيد عدم الرضا بقضاء الله وقدره، بل أقر بين يدي ربه أن دعاءه قد رفع عنه الشقاء.
إظهار المصلحة في إجابة الدعاء، أو المفسدة الحاصلة من عدم الإجابة، قال تعالى على لسان زكريا: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي [مريم: ٥] . وقال: يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ [مريم: ٦] .
عدم استعظام أي دعاء على قدرة الله ﵎، حيث دعا زكريا بالولد، مع انقطاع كل الأسباب، وكأن قوله في الدعاء: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا [مريم: ٥] هو اعتراف بانقطاع كل الأسباب، وأن الولد سيكون هبة خالصة من الله.
دعاء المضطر أرجى في الإجابة، خاصة إذا كان في أمور الدنيا، فزكريا ما دعا بالولد إلا بعد كبر سنه وخوفه على ضياع الدين من بعده، وقد يكون هذا من أدب الأنبياء في الدعاء، أنهم ما يدعون إلا مضطرين، وبما يرفع الحرج عنهم، انظر إلى دعوة موسى ﵇ لما أرسل إلى فرعون: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي [طه: ٢٧]، فما طلب فك كل عقد لسانه بل طلب واحدة، يحصل معها أن يفقه المرسل إليهم قوله، وما دعا قبل الرسالة، إنما دعا بعد الإرسال مضطرا. قال تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ [النمل: ٦٢] .
وانظر أخي القارئ، إنه عندما استوفى الدعاء غاية الكمال، كيف تحقق به غاية المنال؟! ٨- أن يتوسل إلى الله في الدعاء بأسمائه وصفاته التي تناسب الدعاء، قال تعالى على لسان زكريا: قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ [آل عمران: ٣٨]، وتوسل سليمان فقال: قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [ص: ٣٥] ودعا إبراهيم متوسلا ربه بصفتين من صفاته فقال: وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: ١٢٨]، وكان النبي يتوسل إلى الله بأنه هو الشافي المعافي روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان النّبيّ ﷺ: يعوّذ بعضهم يمسحه بيمينه «أذهب الباس ربّ النّاس، واشف أنت الشّافي، لا شفاء إلّا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما» «١» .
٩- أختم آداب الدعاء، بأدب عظيم، وهو أن على المسلم أن يبذل وسعه في الأخذ
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب: الطب، باب: مسح الراقي الوجع بيده اليمنى، برقم (٥٧٥٠) .
[ ١ / ١٦٢ ]
بالأسباب، مع دعائه، وألا يركن للدعاء ويترك الأسباب، لمنافاته لعمل النبي ﷺ، فكان النبي يستطبّ ويرقي نفسه، وكان يقاتل المشركين في بدر، ويبتهل بالدعاء، واعلم- يا من تريد التفريط في الأخذ بالأسباب- أن لله في خلقه سننا ما نقضها لأحب الخلق إليه، ولن ينقضها لمن هو دونه من باب أولى، ومن سنن الله في هذا الكون الأخذ بالأسباب، فإذا عجز العبد عن ذلك، فعليه بالدعاء، والله يعذره، لقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦]، وقد بينت ذلك في مواضع أخرى من هذا الكتاب.