[ ٢ / ٣ ]
أولا: تعظيم أمر سنته ﷺ
١- السنة والقران بمنزلة واحدة:
قال- تعالى-: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) [النجم: ٣، ٤] .
وسيأتي الكلام عن هاتين الآيتين الكريمتين. والشاهد فيهما أن القران والسنة بمنزلة واحدة وذلك في باب (تزكية لسانه ﷺ) .
٢- السنة محفوظة إلى يوم القيامة:
عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرّهم من خذلهم، أو خالفهم حتّى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على النّاس» «١» .
يؤخذ من الحديث، أن الله ﷿ قد تكفل بحفظ السنة كما تكفل بحفظ الذكر الحكيم، ولا يضيرنا أن هناك بعض الأحاديث المختلقة المنسوبة إلى الرسول ﷺ ما دام أن هناك رجالا قد قيدهم الله لتنقية هذه الأحاديث، ومعرفة الصحيح منها والضعيف والموضوع، والشاهد من الحديث: أن الله قد تكفل بحفظ السنة من جهتين:
الجهة الأولى:
أن هذه الطائفة التي ستبقى على الحق حتى يأتي أمر الله، هي في أشد الحاجة إلى السنة الصحيحة، فبدون السنة لا تستطيع أي فئة أن تثبت على الحق، وكيف يتأتى لها ذلك، والسنة هي التي خصصت عموم القران، وفصّلت مجمله، وقيّدت مطلقه، وشرحت حدوده، وأوضحت الناسخ منه والمنسوخ، فلن تستطيع هذه الفئة القائمة على الحق، أن تظهر وتستمر إلا بوجود السنة الصحيحة، فمن لوازم الحكم ببقاء هذه الفئة حفظ السنة النبوية؛ لأنهم كما أسلفنا يحتاجون إليها أشد الاحتياج.
الجهة الثانية:
أن ضياع السنة- ونعوذ بالله من وقوع ذلك- لو حدث فهو دليل على أن الأمة ليس فيها طائفة قائمة بأمر الله، تحفظ السنة في قلوبها وتطبقها في أعمالها، ويصدق هذا الحديث الذي ورد عن تميم الدّاريّ ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «الدّين النّصيحة» . قلنا:
لمن؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامّتهم» «٢» .
ومعنى النصيحة لرسوله، هي الدفاع عنه وحفظ سنته واتباع هديه، وهل يوجد مهمة
_________________
(١) مسلم، كتاب: الإمارة، باب: قوله ﷺ: لا تزال طائفة من أمتى ، برقم (١٠٣٧) .
(٢) مسلم، كتاب: الإيمان، باب: بيان أن الدين النصيحة، برقم (٥٥) .
[ ٢ / ٥ ]
أعظم لهذه الفئة، من النصيحة لله ورسله.
وملخص الجهة الثانية: أن السنة محفوظة؛ لأن من أعظم ما تقوم به هذه الفئة التي زكاها رسول الله ﷺ هو النصيحة لله ورسوله. فكيف يزكيها الرسول ﷺ وقد ضيعت السنة، ولم تحافظ عليها ولم تدافع عنها؟!
لذلك اشتهر عن الإمام أحمد إمام أهل السنة قوله: (إن لم يكونوا- يقصد هذه الطائفة أهل الحديث فلا أدري من هم) «١» . وتأمل الفرق بين الجهتين فقد يتماثلان عند بعض الناس.
٣- السنة تبيان للقران:
أبان الشافعي﵀- تعالى- عن هذا الأمر أوضح بيان فقال: (باب البيان الثالث قال الله﵎- إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا [النساء: ١٠٣]، وقال:
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [البقرة: ٤٣]، وقال: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة: ١٩٦]، ثم بين على لسان رسوله ﷺ عدد ما فرض من الصلوات ومواقيتها وسننها، وعدد الزكاة ومواقيتها، وكيف عمل الحج والعمرة.
قال الشافعي: (كل ما سن رسول الله مما ليس فيه كتاب، وفيما كتبنا في كتابنا من ذكر ما منّ الله به على العباد من تعلم الكتاب والحكمة: دليل على أن الحكمة سنة رسول الله ﷺ مع ما ذكرنا مما افترض الله على خلقه من طاعة رسوله وبيّن من موضعه الذي وضعه الله به من دينه.
والدليل على أن البيان في الفرائض المنصوصة في كتاب الله من أحد هذه الوجوه:
١- منها ما أتى الكتاب على غاية البيان فيه فلم يحتج مع التنزيل فيه إلى غيره.
٢- ومنها ما أتى على غاية من البيان في فرضه وافترض طاعة رسوله، فبين رسول الله ﷺ عن الله؛ كيف فرضه؟ وعلى من فرضه؟ ومتى يزول بعضه ويثبت ويجب؟
٣- ومنها ما بينه عن سنة نبيه بلا نص كتاب، وكل شيء منها بيان في كتاب الله، فكل من قبل عن الله فرائضه في كتابه، قبل عن رسول الله ﷺ سنتة بفرض الله طاعة رسوله على خلقه، وأن ينتهوا إلى حكمه، ومن قبل عن رسول الله ﷺ فعن الله قبل، لما افترض الله من طاعته؛ فيجمع القبول لما في كتاب الله ولسنة رسول الله ﷺ القبول لكل
_________________
(١) انظر «معرفة علوم الحديث» (١/ ٢) .
[ ٢ / ٦ ]
واحد منهما عن الله، وإن تفرقت فروع الأسباب التي قبل بها عنهما، كما أحل وحرم، وفرض وحد بأسباب متفرقة كما شاء جل ثناؤه، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣) [الأنبياء: ٢٣]) «١» .
قال- تعالى-: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٤٤] .
من مظاهر تعظيم سنة المصطفى ﷺ أن الله﷾- قد جعلها تبيانا لكلامه العزيز، وهو القران العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وقال الإمام القرطبي: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ في هذا الكتاب من الأحكام والوعد والوعيد بقولك وفعلك فالرسول مبين عن الله ﷿ مراده فما أجمله في كتابه من أحكام الصلاة والزكاة وغير ذلك مما لم يفصله، وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ أي يتعظون) «٢» .
وقال الحافظ ابن كثير﵀- تعالى- فى معنى قوله- تعالى-: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ: (أي: من ربهم لعلمك بمعنى ما أنزل الله وحرصك عليه واتباعك له ولعلمنا بأنك أفضل الخلائق وسيد ولد ادم فتفصّل لهم ما أجمل وتبين لهم ما أشكل) «٣»، وقال الشيخ السعدي: (وهذا شامل لتبيين ألفاظه وتبيين معانيه وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فيه فيستخرجون من كنوزه وعلومه بحسب استعدادهم وإقبالهم) «٤» .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
عظيم شأن القران العظيم حيث إنه تنزيل من رب العالمين، وأضيف ضمير (نا الفاعلين) التي تفيد التعظيم إلى الفعل (أنزل) لتعظيم أمر إنزال القران والمنزل من عنده.
الفائدة الثانية:
حاجة القران العظيم إلى ما يوضح مبهمه، ويبين مجمله، ويفسر معانيه لقوله- تعالى-: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، ويتفرع على هذه الآية مسائل عظيمة منها:
١- عظيم أمر سنة النبي ﷺ القولية والفعلية؛ لأنها بمثابة الشارحة المبينة لمراد الله﷾- وينبني على ذلك وجوب تعظيم السنة والعمل بها وحفظها.
٢- تكفل الله﷾- بحفظ سنة النبي ﷺ لأن حفظ السنة من حفظ
_________________
(١) انظر «الرسالة» للشافعي (١/ ٣٣) .
(٢) انظر «الجامع لأحكام القران» (١٠/ ١٠٩) .
(٣) انظر «تفسير القران العظيم» (٢/ ٥٧٢) .
(٤) انظر «تيسير الكريم الرحمن» ص (٤٤١) .
[ ٢ / ٧ ]
القران، وضياع السنة يعني ضياع معاني القران وحكمه وأحكامه التي هي مراد الله من إنزاله، ولما قال الله ﷿: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [الحجر: ٩]، لم يقيد معنى الحفظ بحفظ الحروف فقط، فعلمنا أن الحفظ يشمل الحروف والمعاني والحكم التي لا تتبين إلا من السنة النبوية، فما الذي يستفيده الناس من القران الكريم إذا بقيت حروفه وضاعت معانيه؟ فستبقى السنة النبوية الشريفة محفوظة ما دام القران العظيم بين أظهر الناس.
٣- ليس في القران شيء مبهم يستشكل فهمه على الراسخين في العلم، لأن السنة بينت القران، والقول أن في القران ما لا يمكن فهمه يعارض صريح الآية التي معنا.
٤- إثبات أن النبي ﷺ لم يقبض حتى بيّن لأصحابه ﵃ كل معاني القران العظيم.
٥- النبي ﷺ هو أعلم الخلق بمراد الله﷾- وبذلك يكون أعلم الخلق بالله ﷿.
٦- عظم المهمة التي كلّف بها النبي ﷺ والتي منها بيان مراد الله﷾- من كلامه العزيز.
الفائدة الثالثة:
ضلال من يسمون أنفسهم بالقرانيين، وهم الذين يدعون أنه يسعهم اتباع القران ولا حاجة لهم إلى السنة النبوية، وهم في الحقيقة لا يريدون العمل بالقران ولا بالسنة، لما أوضحته من الحاجة الماسة للسنة لفهم القران والعمل به.
الفائدة الرابعة:
حثت الآية الكريمة أهل العلم والفكر على أن يتدبروا ايات الله ﷿ ليستخرجوا منها المعارف والعلوم، واللآلئ والكنوز، ولكن شريطة أن يكون التأمل على ضوء ما بينته السنة النبوية الشريفة من معاني القران الكريم، حيث إن الآية حثت على التفكر بعد أن أوضحت أن السنة هي المفسرة والشارحة للقران، وكأنه توجيه إلهي بالتقيد بالسنة عند تدبر القران، وما ضل أصحاب التفاسير المغلوطة إلا بعدم تقيدهم بهذا الشرط.
ويتفرع عليه أن استنباط الناس للمعارف والعلوم من القران الكريم يتفاوت بقدر علمهم بالسنة النبوية، وبقدر ما أوتوا من أفهام وعقول.
الفائدة الخامسة:
علوم القران العظيم ومعارفه وفتوحاته لن تنضب إلى أن يرفع القران من الأرض، ودليله من الآية الكريمة أن تلك العلوم لو نضبت لتعطل أمر إلهي تعبد الله به عباده في القران، وهو التفكر والتأمل في اياته.
[ ٢ / ٨ ]
٤- نفي الهوى عن كل ما جاء بالسنة:
قال- تعالى-: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) [النجم: ١. ٤] .
تلك الآيات الكريمات من أبلغ الثناء على النبي ﷺ وعلى كل ما جاء به من السنة النبوية الشريفة المطهرة، قال الإمام القرطبي﵀- تعالى-: (أي ما ضل محمد ﷺ عن الحق وما حاد عنه، والغيّ ضد الرشد أي ما صار غاويا وقيل: أي ما تكلم بالباطل) «١» . وقال شيخ الإسلام ابن القيم﵀- تعالى-: (رأس الأدب مع الرسول ﷺ: كمال التسليم له، والانقياد لأمره وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن يحمّله معارضة بخيال باطل يسميه معقولا، أو يحمّله شبهة أو شكّا، أو يقدم عليه اراء الرجال وزبالات أذهانهم، فيوحّده بالتحكيم والتسليم، والانقياد والإذعان، كما وحّد المرسل﷾- بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل) «٢» .
وقال الحافظ ابن كثير: (ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) هذا هو المقسم عليه، وهو الشهادة للرسول ﷺ بأنه راشد تابع للحق ليس بضال وهو الجاهل الذي يسلك طريقا بغير علم، والغاوي هو العالم بالحق العادل عنه قصدا إلى غيره، فنزه الله رسوله وشرعه عن مشابهة أهل الضلال كالنصارى وطرائق اليهود وهي علم الشيء وكتمانه والعمل بخلافه، بل هو صلاة الله وسلامه عليه وما بعثه به من الشرع العظيم في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد ولهذا قال- تعالى- وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) أي ما يقول قولا عن هوى وغرض إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤)، أي إنما يقول ما أمر به يبلغه إلى الناس كاملا موفورا من غير زيادة ولا نقصان) «٣» . وقال الشيخ السعدي﵀-: (والمقسم عليه هو تنزيه الرسول ﷺ عن الضلال في علمه والغيّ في قصده ويلزم من ذلك أن يكون مهتديا في علمه حسن القصد ناصحا للأمة بعكس ما عليه أهل الضلال من فساد العلم وفساد القصد) «٤» . انتهى.
_________________
(١) انظر «الجامع لأحكام القران» (١٧/ ٨٤) .
(٢) انظر «مدارج السالكين» (٢/ ١١٢) .
(٣) انظر «تفسير القران العظيم» (٤/ ٢٤٨) .
(٤) انظر «تيسير الكريم الرحمن» (٨١٨) .
[ ٢ / ٩ ]
ومن فوائد الآيات يتضح هذا الأمر أكثر:
الفائدة الأولى:
عظيم عناية الله﷾- بنبيه ﷺ ووجه ذلك:
١- إثبات أن السنة التي جاء بها النبي ﷺ (والتي تتمثل في أفعاله وأقواله وإقراره) هي وحي من الله﷾- لقوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤)، قال الشيخ السعدي: (دل هذا على أن السنة وحي من الله لرسوله ﷺ) «١» .
ويتفرع عليه أن القران الكريم جاء بأبلغ تزكية لسنته ﷺ. فكفى لها ولصاحبها ﷺ شرفا أنها وحي من الله ﵎.
٢- إثبات العصمة للنبي ﷺ من الكذب والضلال والبهتان، ودليله أن كل ما أخبر به ﷺ هو وحي من الله ﵎، بالإضافة إلى نفي الهوى عن كل ما نطق به.
وتلك العصمة- كما ذكرت في أكثر من موضع- نثبتها للنبي ﷺ حتى قبل البعثة، ودليله من الآية نفي الضلال والغواية عنه ﷺ ولم تقيد الآية النفي بزمن ما بعد البعثة، فعلمنا أن العصمة كانت قبل البعثة كما هي بعدها، وهو ما ذهب إليه القرطبي حيث قال في تفسير الآيات: (ثم يجوز أن يكون هذا إخبارا عما بعد الوحي ويجوز أن يكون إخبارا عن أحواله على التعميم أي كان أبدا موحدا لله وهو الصحيح على ما بيناه في «الشورى») «٢» .
٣- إثبات أن كل ما يصدر عنه في كل أحواله ﷺ موافق للحق والحكمة، فيستوي في ذلك جدّه ومزحه، رضاه وغضبه، وكذا ضحكه، كما يستوي ما يراه في نومه وفي يقظته، بل يجب أن نعتقد- على سبيل الفرض- أنه ﷺ لو تكلم أثناء نومه، لوجب حفظ هذا الكلام والعمل به لأنه وحي من الله﷾- كيف لا؟! وهو الذي تنام عيناه ولا ينام قلبه.
٤- تعظيم أمر الرسالة وشخص محمد ﷺ وذلك أن الآية لما ذكرت نفي الضلال قرنته بلفظ: بِصاحِبِكُمْ، وليس بلفظ نبيكم أو رسولكم أو حتى ذكر اسمه ﷺ وكأنه لا يليق ولا ينبغي ذكر النبي ﷺ مقرونا بالضلالة والغواية حتى في سياق النفي.
وقد ذكر الشيخ السعدي علة أخرى لورود الآية بلفظ: بِصاحِبِكُمْ، فقال: (وقال
_________________
(١) انظر «تيسير الكريم الرحمن» (٨١٨) .
(٢) انظر «الجامع لأحكام القران» (١٧/ ٨٤) .
[ ٢ / ١٠ ]
بِصاحِبِكُمْ لينبههم على ما يعرفونه منه من الصدق والهداية وأنه لا يخفى عليهم أمره) «١» .
وحيث لا معارضة بين القولين فيجب الأخذ بهما جميعا وهذا مما يزيد جمال القران.
٥- إثبات أن كل ما يخالف سنته ﷺ فهو باطل؛ لأن الآية لما أثبتت نفي الهوى عما ينطق به النبي ﷺ أثبتت أن كل ما جاء به هو الحق، فيكون كل ما يخالفه باطل، والله يقول: فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [يونس: ٣٢] .
الفائدة الثانية:
جميل بلاغة القران الكريم؛ حيث قابل النور الحسي بالنور المعنوي، فكانت المناسبة جميلة بين المقسم والمقسم عليه، قال الشيخ السعدي﵀.: (وأقسم بالنجوم على صحة ما جاء به الرسول ﷺ من الوحي الإلهي لأن في ذلك مناسبة عجيبة فإن الله- تعالى- جعل النجوم زينة للسماء فكذلك الوحي واثاره زينة للأرض فلولا العلم الموروث عن الأنبياء لكان الناس في ظلمة أشد من الليل البهيم) «٢» .
الفائدة الثالثة:
في الآيات إشارة إلى عظيم أمر اللسان وما ينطق به، حيث خصّ بالذكر بعد الإجمال، فقوله- تعالى-: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢)، يثبت سلامة كل ما يتعلق بالنبي ﷺ وبراءته من الضلالة والغواية، فيشمل ذلك سلامة القلب، والعقل، والأفعال، والسكنات وكذلك يشمل ما ينطق به، ولكن خصّ ما ينطق به بعد ذلك بالذكر للتنويه بعظيم شأنه، فكان من باب عطف الخاص على العام.
الفائدة الرابعة:
توجيه المسلم إلى أنه يجب عليه الابتعاد عن الهوى وتنقية القلب منه حتى يكون مهيئا لقبول الحق والإذعان له ثم العمل به، فإن الهوى والحق لا يجتمعان أبدا في قلب العبد، فبقدر ما يكون في النفس من هوى بقدر ما يكون ابتعاد العبد عن الحق المأمور باتباعه.
ودليل ذلك أن الآية قد نفت أولا النطق عن الهوى ثم أثبتت أن كل ما يقوله النبي ﷺ هو وحي من الله ﵎، فكما يقولون: (التخلية قبل التحلية) .
٥- تسمية السنة حكمة:
من دلائل عظيم أمر سنة النبي ﷺ أن سماها الله ﷿ حكمة.
قال- تعالى-: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ
_________________
(١) انظر «تيسير الكريم الرحمن» (٨١٨) .
(٢) انظر «تيسير الكريم الرحمن» ص (٨١٨) .
[ ٢ / ١١ ]
عَلَيْكَ عَظِيمًا
[النساء: ١١٣]، والحكمة من أجمل وأتم الصفات التي يمكن أن تسمى بها الأشياء لكثرة وكمال معانيها، فالحكمة لها معان كثيرة، ومنها:
هي القول المأثور وهي الحصافة، وهي جودة الرأي، وهي كمال القوة النظرية.
وقد فسر العلماء المراد من الحكمة التي تعطف على الكتاب في ايات القران الكريم بمعان كثيرة ولكنها متشابهة تدور كلها حول السنة وما علّمه النبي ﷺ لأصحابه ﵃، فقد قال ابن كثير﵀- تعالى-: وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ هو القران، وَالْحِكْمَةِ وهي السنة) .
وقال في تفسير قوله- تعالى-: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ال عمران: ١٦٤]: (والحكمة يعني: السنة. قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك وغيرهم وقيل: الفهم في الدين، ولا منافاة) «١» .
وقال الشيخ السعدي في تفسيره: (قوله- تعالى-: وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤) [الأحزاب: ٣٤]، المراد بايات الله القران، والحكمة أسراره أو سنة رسوله ﷺ) «٢»، وقال في تفسير الحكمة التي ورد ذكرها في سورة الجمعة: (أي علم القران وعلم السنة المشتمل على علوم الأولين والآخرين) «٣» .
والذي يبين بجلاء عظيم أمر السنة ومكانتها في هذا الدين أن إبراهيم ﵇ دعا ربه أن يبعث في هذه الأمة رسولا يعلمها الكتاب والحكمة، قال الله- تعالى- على لسان إبراهيم: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) [البقرة: ١٢٩] .
وقال القرطبي- رحمه الله تعالى- في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: (الكتاب القران، والحكمة المعرفة بالدين والفقه في التأويل، والفهم الذي هو سجية ونور من الله- تعالى-، قاله مالك ورواه ابن وهب وقاله ابن زيد، وقال قتادة: الحكمة السنة وبيان الشرائع، وقيل: الحكم والقضاء خاصة، والمعنى متقارب ونسب التعليم إلى النبي ﷺ من حيث هو يعطي الأمور التي ينظر فيها ويعلم طريق النظر بما يلقيه الله إليه من وحيه) «٤» .
_________________
(١) انظر «تفسير القران العظيم» (١/ ١٨٥) .
(٢) انظر «تيسير الكريم الرحمن» ص (٦٦٤) .
(٣) انظر «تيسير الكريم الرحمن» ص (٨٦٢) .
(٤) انظر «الجامع لأحكام القران» (٢/ ١٣١) .
[ ٢ / ١٢ ]
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
تعظيم أمر السنة من حيث كونها منزلة من الله ﵎، ومن حيث كونها حكمة.
ويتفرع عليه سفه من رد السنة أو جزا منها ولو يسيرا، واستغنى عنها بغيرها، حيث إنه قد ترك الحكمة وذهب إلى ما هو مناقض لها.
كما يتفرع عليه سوء عاقبة من رأى عدم موافقة أي أمر من أمور السنة الصحيحة لكمال الإحكام وتمام الإتقان، واعتقد أنه يمكن أن يستدرك شيئا عليها؛ لأنه كذّب بصريح القران الذي حكم أن السنة هي الحكمة، كما أنه طعن في الله ﷿ الذي أنزل تلك السنة على نبيه ﷺ.
الفائدة الثانية:
تزكية علم النبي ﷺ بأبلغ تزكية يمكن أن يزكى بها علم أحد من الأولين والآخرين، ومصدر تلك التزكية أن الله ﷿ عالم الغيب والشهادة- هو الذي علمه، فنعم من علمه ونعم ما تعلمه ﷺ. ويتفرع عليه، سعة علمه ﷺ ومطابقته للواقع تماما، وكذلك وجوب تلقي كل سنة النبي ﷺ الصحيحة بتصديق تام مطلق.
وقد قال الشيخ السعدي﵀- تعالى- كلاما نفيسا في قوله- تعالى-:
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
[النساء: ١١٣]، قال: (وهذا يشمل جميع ما علّمه الله- تعالى- فإنه ﷺ كما وصفه الله قبل النبوة بقوله: ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ، ثم لم يزل يوحي الله إليه ويعلمه ويكمله حتى ارتقى مقاما من العلم يتعذر وصوله على الأولين والآخرين، فكان ﷺ أعلم الخلق على الإطلاق، وأجمعهم لصفات الكمال وأكملهم فيها، ففضله على الرسول محمد ﷺ أعظم من فضله على كل مخلوق، وفي نسخة: أعظم من فضله على كل الخلق وأجناس الفضل الذي فضله الله به لا يمكن استقصاؤها ولا يتيسر إحصاؤها) «١» .
الفائدة الثالثة:
في الآية أبلغ تزكية لمن تعلم القران العظيم والسنة الشريفة ونهل منهما وتمسك بهما حيث إنه قد ورث علم النبي ﷺ الذي هو من علم الله ﷿.
كما يؤخذ من الآية أن من كان القران والسنة علمه ومنهجه فيجب عليه أن يشكر الله
_________________
(١) انظر «تيسير الكريم الرحمن» (٢٠٢) .
[ ٢ / ١٣ ]
- ﷾- على نعمته العظيمة التي امتن الله بها عليه، ودليله أن الآية ختمت بإثبات فضل الله العظيم على نبيه ﷺ بعد ذكر إنزال القران والحكمة وتعليمه من لدن الله ﷾- قال تعالى: وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا
[النساء: ١١٣] .
٦- السنة شرط في قبول العمل:
اتفق العلماء على وجوب توفر شرطين في العمل حتى يكون مقبولا عند الله- تعالى-، الأول:
الإخلاص لله تعالى. والثاني: موافقته هدي النبي ﷺ وسنته. فعن عائشة﵂- قالت:
قال رسول الله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ» «١» .
أقول:
لو أننا تمسكنا بهذا الحديث، وعملنا به، لحفظنا للإسلام جماله، وللشرع بهاءه، وللسنة حلاوتها، ولو أننا تحاكمنا إليه إذا اختلفنا، لما وصل الحال بنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من التحزب والتفرق والتطاحن والتشرذم، كيف لا، والنبي ﷺ قد ترك لنا قاعدة عظيمة في بيان متى تصح العبادة ومتى تفسد، ومتى يقبلها الله ﷿، ومتى يردها في وجه صاحبها، قال الحافظ ابن حجر﵀-: (وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده، فإن معناه: من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه، وقال أيضا﵀- الرد هنا بمعنى المردود، ومعناه: فهو باطل غير معتد به، وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات) «٢» .
وكما قال﵀-: (فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة، سواء كان محمودا أو مذموما)، كما نقل الحافظ ابن حجر ﵀- عن الإمام الشافعي قوله: (المحدثات ضربان ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة) «٣»، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أمثلة على ما أحدث من خير فذكر منها:
(تدوين الحديث وتفسير القران وتدوين المسائل الفقهية وتدوين ما يتعلق بأعمال القلوب) . انتهى.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) انظر «فتح الباري» (٥/ ٣٠٢) .
(٣) انظر «فتح الباري» ص (١٣/ ٢٥٣) .
[ ٢ / ١٤ ]
وتلحظ أخي القارئ أنه ليس شيء مما ذكر﵀- يتعلق بالعبادات أو الأذكار أو بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وقد قال الإمام النووي﵀- (وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به) «١» . ويقصد﵀ بقوله: إشاعة الاستدلال به: أن يكون دليلا على بطلان وردّ كل أمر يخالف سنة النبي ﷺ وأقول أخي القارئ: إذا كان كل عمل نعمله ليس موافقا للكتاب أو السنة هو عمل مردود مذموم شرعا، فلماذا نجهد أنفسنا ونضيع أوقاتنا في عبادات (بل طقوس) تباعدنا عن الله وتبغّض فينا رسول الله ﷺ لماذا نقيم ما يسمونه بالحضرة المحدية، وهي ليست من الدين في شيء، وقد انتهت العصور الثلاثة المفضلة ولم تظهر تلك البدعة، التي يدّعون فيها أن النبي ﷺ يحضرها، وهذا تنقّص بالغ في حقه ﷺ لمن تدبر وعلم رفيع قدره ﷺ، لماذا نخترع أورادا نتقرب بها إلى الله﷾- وفيها من الألفاظ والعبارات والمديح ما لم يعلّمناه النبي ﷺ ونحدد أوقاتا ومواسم لتلك الأوراد لم يرد الشرع بتحديدها وكيفياتها؟ لماذا نعبد الله ﷿ بأسماء نخترعها نحن من عند أنفسنا، مثل (هو، هو) ونعتقد أن هذا هو أعظم أسمائه﷾-، ونلتزم بذكر هذا الاسم بعدد معين وفي أوقات معينة؟، أقول- على سبيل الفرض- لو أنه ثبت لنا بالدليل الصحيح أن هذا الضمير هو اسم من أسماء الله الحسنى، ولم يأت دليل صحيح أن النبي ﷺ قد علم أصحابه الكرام ذكر الله ﷿ بهذا الاسم وعلى هذه الطريقة المبتدعة، ما جاز لنا شرعا اتخاذ هذه الأوراد بهذه الكيفية، كيف والحال أنه لم يثبت أصلا أنه اسم من أسماء الله الحسنى.
وتدبر أخي القارئ كيف رتب الإمام البخاري «٢» - ﵀- حكما عظيما على حديث الباب فقد قال﵀- باب: إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطا خلاف الرسول ﷺ من غير علم فحكمه مردود لقول النبي ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ» «٣»، وقد نقل صاحب الفتح عن ابن بطال- في شرح هذا الحديث- قوله:
(مراده- أي مراد البخاري- أن الحاكم بغير السنة جهلا أو غلطا يجب عليه الرجوع إلى حكم السنة وترك ما خالفها امتثالا لأمر الله- تعالى- بإيجاب طاعة رسوله ﷺ وهذا هو نفس الاعتصام بالسنة) «٤» .
_________________
(١) انظر «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٢/ ١٦) .
(٢) انظر «فتح الباري» ص (١٣/ ٣١٧) .
(٣) سبق تخريجه.
(٤) انظر «فتح الباري» (١٣/ ٣١٧) .
[ ٢ / ١٥ ]
وما أجمل ما أراد أن يبينه البخاري ﵀- إمام أهل السنة- في الترجمة، فقد وضع للأمة قاعدة عظيمة مفادها: أن الحاكم إذا اجتهد- أي بذل غاية جهده في المسألة، وجاء حكمه بخلاف سنة النبي ﷺ وكانت تلك المخالفة نتيجة عدم العلم بحكم النبي ﷺ فحكمه مردود غير معتبر شرعا، فما بالنا لو جاء حكم القاضي أو الحاكم مخالفا سنة النبي ﷺ دون أن يبذل جهده في إصابة السنة، أو حكم بخلافها متعمدا، فهل ينفذ حكمه؟ قطعا لا. وإذا كان حكم القاضي أو الحاكم أو من ينيبه مردودا إذا خالف سنة النبي ﷺ فمن باب أولى حكم من دونهم في المرتبة.
بعض فوائد الحديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد»:
الفائدة الأولى:
عدم مشروعية الزيادة في الدين، وأن زيادة مردودة على صاحبها، بل يأثم على هذه الزيادة، سواء هو الذي أحدثها أو باشرها، لما ثبت عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته واشتدّ غضبه، حتّى كأنّه منذر جيش يقول: «صبّحكم ومسّاكم»، ويقول: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين» ويقرن بين إصبعيه السّبّابة والوسطى، ويقول: «أمّا بعد فإنّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى، هدى محمّد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة» «١» .
قال الحافظ ابن حجر﵀-: (والمحدثات: جمع محدثة والمراد بها ما أحدث، وليس له أصل في الشرع، ويسمى في عرف الشرع (بدعة) وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة) «٢» . وقال﵀-: وثبت عن ابن مسعود قوله: «قد أصبحتم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم؛ فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول» «٣» .
الفائدة الثانية:
كما لهذا الدين وغناه عن كل ما سواه، وأن من ابتدع فيه فقد شكك في هذا الكمال، والدليل ذم الزيادة والإحداث فيه، ولولا الكمال بل والجمال ما كان لذم الإحداث وجه، فإن كل أمر ناقص يحتاج إلى الزيادة.
ويتفرع عليه: صلاح هذا الدين ومناسبته لكل فرد من أفراد الأمة على اختلاف
_________________
(١) مسلم، كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة، برقم (٨٧٦) .
(٢) انظر «فتح الباري» (١٣/ ٢٥٣) .
(٣) انظر «فتح الباري» (١٣/ ٢٥٣) .
[ ٢ / ١٦ ]
مذاهبهم ومشاربهم ولغاتهم، لأنه لو لم يكن صالحا لكل أحد لوجب الاستحداث فيه لجبر عدم الصلاح، فمنع الشارع الحكيم للاستحداث دلّنا على صلاحه ومناسبته، ويتبين من ذلك ضلال من يستحدث في العبادات- خاصة الذكر والأوراد- بدعا بحجة مناسبتها للعوام من المسلمين، وأن تلك الأذكار ترقق قلوبهم وهي على قدر عقولهم، وهذا منكر من القول، بل طعن في كما لهذا الدين، فهل نسي الشارع الحكيم أو غفل- حاشا لله- أن يشرع للعوام ما يناسب عقولهم ويفي بحاجاتهم، أم أن هناك قصورا في الشرع الحنيف في هذا الأمر، فجاء من يتمه ويكمله؟!! سبحانك هذا بهتان عظيم.
الفائدة الثالثة:
في الحديث بيان ما أوتيه النبي ﷺ من جوامع الكلم، حيث إن أعمال العباد لا تخرج عن قسمين: قسم دل عليه الكتاب والسنة، وقسم ليس له أصل من كتاب أو سنة، فحكم ﷺ على القسم الثاني من الأعمال بالرد وعدم المشروعية بجملة في غاية القصر «فهو رد»، وحكم ﷺ على القسم الأول من الأعمال بالقبول بمقتضى مفهوم المخالفة.
الفائدة الرابعة:
الخير كل الخير في اتباع السنة، بل هو مدار الأمر كله، وهو الأحب إلى الله ﷿، فمن أتى باتباع مع قصد العبادة، فهو أحب إليه﷾- ممن أتى بكثرة في العبادة مع ابتداع فيها، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ قد غضب ممن أخذ بالعزيمة في بعض الأمور التي أخذ فيها النبي ﷺ بالرخصة، روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: صنع النّبيّ ﷺ شيئا فرخّص فيه، فتنزّه عنه قوم، فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ فخطب فحمد الله ثمّ قال: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟! فوالله إنّي لأعلمهم بالله وأشدّهم له خشية» «١» .
قال الحافظ ابن حجر﵀-: (والمراد هنا أن الخير في الاتباع سواء كان ذلك في العزيمة أو الرخصة، وأن استعمال الرخصة بقصد الاتباع في المحل الذي وردت أولى من استعمال العزيمة بل ربما كان استعمال العزيمة حينئذ مرجوحا كما في إتمام الصلاة في السفر، وربما كان مذموما إذا كان رغبة عن السنة كترك المسح على الخفين، وأومأ ابن بطال إلى أن الذي تنزهوا عنه القبلة للصائم، وقال غيره: لعله الفطر في السفر، ونقل ابن التين عن الداودي أن التنزه عما ترخص منه النبي ﷺ من أعظم الذنوب لأنه يرى نفسه أتقى لله من رسوله ﷺ وهذا إلحاد) «٢» .
_________________
(١) البخاري، كتاب: الأدب، باب: من لم يواجه الناس بالعتاب، برقم (٦١٠١) .
(٢) انظر «فتح الباري» (١٣/ ٢٧٩) .
[ ٢ / ١٧ ]
وأضاف الحافظ ابن حجر﵀- كلاما جميلا تعليقا أيضا على هذا الحديث فقال: (أعلمهم النبيّ ﷺ أنه وإن كان غفر الله له لكنه مع ذلك أخشى الناس لله وأتقاهم، فما فعله ﷺ من عزيمة ورخصة فهو في غاية التقوى والخشية، لم يحمله التفضل بالمغفرة على ترك الجد في العمل قياما بالشكر، ومهما ترخص فيه فإنما هو للإعانة على العزيمة ليعملها بنشاط، وأشار بقوله- أعلمهم- إلى القوة العلمية وبقوله- أشدهم له خشية- إلى القوة العملية، أي أنا أعلمهم بالفضل وأولاهم بالعمل به) «١» .
وأعتقد أن من الحكم في أخذ النبي ﷺ بالرخص في بعض الأمور؛ هو التوسعة على الأمة، وإرادة رفع الحرج عنها، ولذلك كان الذم كل الذم لمن لم يرض بالتوسعة فرد الرخص. قال الإمام النووي﵀-: (وإنما يكون القرب إليه﷾-، والخشية له على حسب ما أمر به النبي ﷺ لا بمخيلات النفوس وتكلف أعمال لم يأمر بها النبي ﷺ) «٢» . لذلك قلت انفا: إن مدار الأمر كله في الاتباع وليس في التعمق في العبادة. والحرص على نشر السنة وتبليغها للناس أمر عظيم من أبواب محبة النبي ﷺ وتعظيمه؛ لأن في ذلك سعيا لإعلاء سنته، ونشرا لهديه بين الناس، ومن مقتضيات ذلك الحرص على إماتة البدع والضلالات المخالفة لأمره وهديه، ولا شك في أن الابتداع في دينه من خوارم المحبة الصادقة، ولهذا قال النبي ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ» .
ويجدر بنا في هذا المقام أن نذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية «٣» - قدس الله روحه حيث يقول: (ومن المعلوم أنه لا تجد أحدا ممن يرد نصوص الكتاب والسنة بقوله إلا وهو يبغض ما خالف قوله، ويود أن تلك الآية لم تكن نزلت، وأن ذلك الحديث لم يرد، ولو أمكنه كشط الحديث من قلبه، وقيل عن بعض رؤوس الجهمية- إما بشر المريسي «٤» أو غيره: أنه قال: ليس شيء أنقص لقولنا من القران، فأقرّوا به في
_________________
(١) انظر «فتح الباري» (١٣/ ٢٧٩) .
(٢) انظر «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٥/ ١٠٧):
(٣) هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم النميري الحراني الدمشقي الحنبلي، تقي الدين ابن تيمية: الإمام، شيخ الإسلام ولد في حران، عام (٦٦١ هـ)، ومات بدمشق عام (٧٢٨ هـ) .
(٤) هو بشر بن غياث ابن أبي كريمة عبد الرحمن المريسي، العدوي بالولاء، أبو عبد الرحمن: فقيه معتزلي عرف بالفلسفة يرمى بالزندقة، وهو رأس الطائفة «المريسية» القائلة بالإرجاء وإليه نسبتها، كان قصيرا دميم المنظر، مات عام (٢١٨ هـ) .
[ ٢ / ١٨ ]
الظاهر، ثم حرّفوه بالتأويل، ويقال إنه قال: إذا احتجوا عليكم بالحديث فغالطوهم بالتكذيب، وإذا احتجوا بالآيات فغالطوهم بالتأويل. ولهذا تجد الواحد من هؤلاء لا يحب تبليغ النصوص النبوية، بل قد يختار كتمان ذلك والنهي عن إشاعته وتبليغه، خلافا لما أمر الله به ورسوله من التبليغ عنه) «١» .
٧- الوعيد الشديد لمن كذب على صاحبها ﷺ:
إن من كمال تعظيم سنته ﷺ وتمام ذلك، هو البعد كل البعد عن الكذب على صاحب السنة الغرّاء والحرص كل الحرص على نشر سنته ﷺ وتبليغها على أكمل وجه حيث قال ﷺ: «ألا ليبلّغ الشاهد منكم الغائب» «٢» . وقوله: «بلغوا عني ولو اية» «٣» .
عن المغيرة ﵁ قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «إنّ كذبا عليّ ليس ككذب على أحد، من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار» «٤» .
وقد عظّم الله﷾- أمر الكذب على النبي ﷺ غاية التعظيم وذلك بتشديد عقوبته والتفريق بين الكذب عليه والكذب على غيره من البشر، ذلك أن الكذب على النبي ﷺ إنما هو كذب على الله ﷿، فالنبي ﷺ إنما هو مبلغ عن ربه، قال تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، وسنتكلم إن شاء الله- تعالى- عن هذا الحديث الشريف من خلال ثلاثة محاور، الأول: ثبوت الحديث، الثاني:
مظاهر تعظيم الحديث للكذب على النبي ﷺ، ونختم بالثالث وهو بعض فوائد الحديث.
[محاور حول الحديث]
أولا: ثبوت الحديث:
لا خلاف بين العلماء أن هذا الحديث بلغ- ولله الحمد والمنة- حد التواتر، قال الإمام النووي﵀- تعالى-: (وأما متن الحديث فهو حديث عظيم في نهاية من الصحة، وقيل: إنه متواتر ذكر أبو بكر البزار في مسنده أنه رواه عن النبي ﷺ نحو من أربعين نفسا
_________________
(١) انظر منهاج السنة النبوية (٥/ ٢١٧، ٢١٨) .
(٢) البخاري، كتاب: العلم، باب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب، برقم (١٠٥)، ومسلم، كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، برقم (١٦٧٩)، من حديث أبي بكرة ﵁.
(٣) البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل، برقم (٣٤٦١)، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
(٤) البخاري، كتاب: الجنائز، باب: ما يكره من النياحة على الميت، برقم (١٢٩١)، ومسلم، كتاب: في المقدمة، باب: تغليظ الكذب على رسول الله ﷺ، برقم (٤) .
[ ٢ / ١٩ ]
من الصحابة ﵃ وحكى الإمام أبوبكر الصيرفي «١» في شرحه لرسالة الشافعي- رحمهما الله- أنه روي عن أكثر من ستين صحابيّا مرفوعا وذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن منده «٢» عدد من رواه فبلغ بهم سبعة وثمانين ثم قال وغيرهم، وذكر بعض الحفاظ أنه روى عن اثنين وستين صحابيّا وفيهم العشرة المشهود لهم بالجنة، قال: ولا يعرف حديث اجتمع على روايته العشرة إلا هذا ولا حديث يروى عن أكثر من ستين صحابيّا إلا هذا، وقال بعضهم: رواه مائتان من الصحابة) «٣» .
وأقول: إن تواتر هذا الحديث لهو أدل دليل على إرادة الله﷾- تعظيم أمر الكذب على النبي ﷺ باشتهار هذا الحديث وتواتره مثل هذا التواتر العجيب، من عصر الصحابة ﵃ إلى عصرنا هذا، كما يدلنا هذا التواتر على بالغ عناية الصحابة بهذا الحديث لأن فيه حفظ سنة نبيهم ﷺ.
ثانيا: مظاهر تعظيم الحديث للكذب على الرسول ﷺ:
باستقراء روايات الحديث الصحيحة والتي وردت في صحيحي البخاري ومسلم والوقوف على ألفاظها يتبين لنا ما في هذا الحديث من التخويف الشديد والوعيد الأكيد بحق من كذب على النبي ﷺ ومن ذلك:
١- الحكم باستواء عقوبة الكذب على الرسول ﷺ سواء كان الراوي يدعي السماع يقظة من النبي ﷺ أو من أصحابه أو التابعين، أو يدعي أنه سمع الحديث من النبي ﷺ مناما، وذلك لما ورد في البخاري، عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «سمّوا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي، ومن راني في المنام فقد راني، فإنّ الشيطان لا يتمثّل في صورتي، ومن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار» «٤» . فالنبي ﷺ قد ذكر عقوبة الكذب بعد أن ذكر رؤيته في المنام، قال الحافظ ابن حجر﵀- تعالى-: (ختم البخاري الباب بحديث أبي هريرة الذي فيه الإشارة إلى استواء تحريم الكذب عليه سواء كانت دعوى السماع منه في
_________________
(١) هو محمد بن بدر الصيرفي، أبوبكر، من موالي بني كنانة: قاض، فقيه. ولي القضاء بمصر ثلاث مرات. وتوفي بها وهو على القضاء، عام (٣٣٠ هـ) . انظر الأعلام للزركلي (٦/ ٥١) .
(٢) هو عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق، ابن منده العبدي الأصبهاني، أبو القاسم: حافظ، مؤرخ جليل القدر، واسع الرواية، توفي في أصبهان، عام (٤٧٠ هـ) . انظر الأعلام للزركلي (٣/ ٣٢٧) .
(٣) انظر «شرح النووي على صحيح مسلم» (١/ ٦٨) .
(٤) البخاري، كتاب: الأداب، باب: من سمى بأسماء الأنبياء، برقم (٦١٩٧) .
[ ٢ / ٢٠ ]
اليقظة أو في المنام. وهذا مما يعظّم أمر التحريم جدّا) «١» .
٢- المباينة الشديدة بين الكذب عليه ﷺ والكذب على غيره لقوله ﷺ: «إن كذبا علي ليس ككذب على أحد»، فإذا كان الكذب على الناس مذموما شرعا، وهو من كبائر الذنوب، التي تفضي إلى الفجور ثم إلى النار، لما ثبت عند مسلم، عن عبد الله ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الصّدق يهدي إلى البرّ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، وإنّ الرّجل ليصدق حتّى يكون صدّيقا، وإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النّار، وإنّ الرّجل ليكذب حتّى يكتب عند الله كذّابا» «٢» .
وهو إحدى علامات المنافق، لما ثبت عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «اية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» «٣» . فإذا كان الكذب على الناس يؤدي بصاحبه إلى النار، فكيف الكذب على الرسول ﷺ وإذا كان الكذب على الخلق من علامات المنافق فما بالكم بالكذب على سيد الخلق، ولتقريب الصورة أكثر وأكثر إلى ذهن القارئ، فإني أقول: إذا كان أبو سفيان ﵁ قد استقبح- قبل إسلامه- أن يكذب على كافر- وهو هرقل عظيم الروم- في شأن عدو لهما- وهو النبي ﷺ وخاف أن يجلب له هذا الكذب المعرة، فكيف لا يستقبح المسلم أن يكذب على صاحب أعظم منة وفضل عليه من البشر، وهو النبي ﷺ أما يخشى المعرة في الدنيا والآخرة؟!، أما يخشى العقوبة الشديدة التي وردت في الحديث، أما يستحي من الله﵎- أن يكذب في دينه وشرعه.
وللتذكرة فإني أقول: إن الكذب على النبي ﷺ يدخل قطعا في الكذب على الله ﵎، من حيث إن النبي ﷺ ما هو إلا مبلغ عن ربه ﵎، والذي يتقول عليه، فكأنما يتقول على الله، لأن لسان حاله يقول: (إن الذي أدعيه من القول وأنسبه للنبي ﷺ هو وحي من الله تعالى أوحى به إلى نبيه ﷺ) . فادعى أن كلام البشر الناقص الذي يفتقر إلى كمال الحكمة والبيان هو من كلام النبوة الموافق لعظيم الحكمة وجميل البيان، قال- تعالى-: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ
_________________
(١) انظر «فتح الباري» (١/ ٢٠٢- ٢٠٣) .
(٢) مسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: قبح الكذب وحسن الصدق وفضله، برقم (٢٦٠٧) .
(٣) البخاري، كتاب: الأدب، باب: قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ برقم (٦٠٩٥)، ومسلم، كتاب: الإيمان، باب: بيان خصال المنافق، برقم (٥٩) .
[ ٢ / ٢١ ]
سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٣] .
ولا يخفى على أحد أن الذي كذب على النبي ﷺ أراد- بسوء النية أو بحسن النية- أن يجعل الناس يتعبدون الله بغير ما أراد الله ﷿ وكفى بذلك شرّا وفسادا في الأرض، والذي ذكرته من مفاسد الكذب على النبي ﷺ هو الحكمة الشرعية في جعل الكذب على النبي ﷺ ليس كالكذب على غيره من البشر.
٣- تغليظ عقوبة الكذب على النبي ﷺ ودليله ما ورد في حديث الباب: «فليتبوأ مقعده من النار» . قال الإمام النووي﵀ (قال العلماء: معناه فلينزل: وقيل:
فليتخذ منزله من النار، وقيل: إنه دعاء بلفظ الأمر، أي بوأه الله ذلك، وكذا «فليلج النار»، وقيل: هو خبر بلفظ الأمر أي معناه: فقد استوجب ذلك فليوطّن نفسه عليه) «١» .
لطيفة:
لماذا اختار النبي ﷺ وصف العقوبة بقوله: «فليتبوأ مقعده من النار» .
أعتقد- والله أعلم- أنه لما كان أغلب الكذب مبعثه حبّ الكاذب أن يتبوأ بكذبه مقعدا بين الناس، جعل الله جزاءه مقعدا في النار، وما أعدله﷾- أن جعل الجزاء من جنس العمل.
أما عقوبة الكاذب على الرسول ﷺ في الدنيا، فقد قال الإمام النووي ما نصه: (ثم إن من كذب على رسول الله ﷺ عمدا في حديث واحد فسق وردّت روايته وبطل الاحتجاج بجميعها، ولو تاب وحسنت توبته، فقد قال جماعة من العلماء منهم: أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي شيخ البخاري وصاحب الشافعي، وأبو بكر الصير في من فقهاء أصحابنا الشافعيين وأصحاب الوجوه منهم ومتقدميهم في الأصول والفروع: لا تؤثر توبته في ذلك ولا تقبل روايته أبدا، بل يحتم جرحه دائما. وأطلق الصير في وقال: كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله بتوبة تظهر، ومن ضعّفنا نقله لم نجعله قويّا بعد ذلك) «٢» .
وقد ضعف النووي ﵀- تعالى- هذا الرأي ولكنه برر ما ذهب إليه هؤلاء الأئمة بقوله: (ويجوز أن يوجه بأن ذلك جعل تغليظا وزجرا بليغا عن الكذب عليه ﷺ لعظم مفسدته فإنه يصير شرعا مستمرّا إلى يوم القيامة بخلاف الكذب على غيره والشهادة فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة) . وقد علل الإمام النووي ما ذهب إليه من تضعيف ما قاله هؤلاء العلماء بقوله: (وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف مخالف للقواعد الشرعية
_________________
(١) انظر «شرح النووي على صحيح مسلم» (١/ ٦٨) .
(٢) انظر «شرح النووي على صحيح مسلم» (١/ ٧٠) .
[ ٢ / ٢٢ ]
والمختار القطع بصحة توبته في هذا وقبول رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة وهي الإقلاع عن المعصية والندم على فعلها والعزم على ألا يعود إليها فهذا هو الجاري على قواعد الشرع) «١» .
وأقول:
لا خلاف عند علماء المسلمين أن التوبة النصوح لمن كذب على النبي ﷺ مقبولة إن شاء الله- تعالى- وترفع عنه الإثم في الدنيا والآخرة، ولكن الخلاف في قبول روايته مرة أخرى، فقد تقبل التوبة مع بقاء رد الرواية وهذا ليس بغريب في الشرع، فإن قاذف المحصنة لا خلاف في قبول توبته، ولكن اختلف العلماء في قبول شهادته بعد التوبة، فقد أورد ابن كثير﵀- تعالى- في تفسير قوله- تعالى-: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) [النور: ٤] . الخلاف في قبول شهادة القاذف بعد التوبة، وقال ما نصه: (إنما يعود الاستثناء على الجملة الأخيرة فقط، فيرتفع الفسق بالتوبة، ويبقى مردود الشهادة. ذكره شريح «٢»، وإبراهيم النخعي «٣»، وسعيد بن جبير «٤»، ومكحول «٥» وعبد الرحمن بن زيد بن جابر «٦») «٧» .
الخلاصة:
سواء قبلت رواية من كذب على النبي ﷺ أم لم تقبل، فإن الذي يهمني هنا أن أبينه للقارئ عظيم أمر الكذب على الرسول ﷺ عند الله ﷿ وكذا عند علماء الأمة الأجلاء، ليتنبه المسلم ويتروى قبل أن ينسب أي قول أو فعل أو تقرير إلى النبي ﷺ وعليه أن يشعر عند رواية حديث الرسول ﷺ أنه يمشي على صراط أحدّ من السيف وأدق من الشعر وليس تحته إلا النار- أعاذنا الله منها- إن هو كذب.
_________________
(١) انظر المصدر السابق.
(٢) هو شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي، أبو أمية: من أشهر القضاة الفقهاء في صدر الإسلام، أصله من اليمن، ولي قضاء الكوفة، في زمن عمر وعثمان وعلى ومعاوية، مات بالكوفة، عام (٧٨ هـ) .
(٣) هو إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود، أبو عمران النخعي، من مذحج: من أكابر التابعين صلاحا وصدق رواية وحفظا للحديث. من أهل الكوفة. كان إماما مجتهدا له مذهب، مات عام (٩٦ هـ) .
(٤) هو سعيد بن جبير الأسدي، بالولاء، الكوفي، أبو عبد الله: تابعي، كان أعلمهم على الإطلاق. وهو حبشي الأصل. قتله الحجاج بواسط، عام (٩٥ هـ) . انظر الأعلام للزركلي (٣/ ٩٣) .
(٥) هو مكحول بن أبي مسلم شهراب بن شاذل، أبو عبد الله، فقيه الشام في عصره، من حفاظ الحديث. أصله من فارس، ومولده بكابل طاف كثيرا من البلدان طالبا للحديث، توفي عام (١١٢ هـ) .
(٦) هو عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي القرشي: كان من أتم الرجال خلقة. روى الحديث عن أبيه وغيره. ولا يزيد بن معاوية مكة سنة (٦٣ هـ)، وتوفي عام (٦٥ هـ) .
(٧) انظر «تفسير القران العظيم» (٣/ ٢٦٦) .
[ ٢ / ٢٣ ]
ثالثا: بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
التحذير الشديد من الكذب على رسول الله ﷺ قال الإمام النووي:
(يؤخذ من الحديث تحريم الكذب عليه ﷺ وأنه فاحشة عظيمة، وموبقة كبيرة، ولكن لا يكفر بهذا الكذب إلا أن يستحله) «١» . وقال الحافظ ابن حجر: (الفرق بين الكذب على النبي ﷺ والكذب على غيره أن الكذب عليه توعّد فاعله بجعل النار له مسكنا بخلاف الكذب على غيره) «٢» .
ويتفرع عليه سوء عاقبة من كذب على النبي ﷺ حيث دعا عليه النبي ﷺ أو أخبر أن له مقعدا في النار هو ماله ومسكنه.
الفائدة الثانية:
ليس إثم الكذب كله سواء، فإن أعظم ما يكون فيه الإثم، الكذب على الله ورسوله ﷺ ثم يأتي بعد ذلك الكذب في الشهادات والكذب لاقتطاع حق امرئ مسلم، والكذب لبيع السلع في الأسواق إلى اخره.
الفائدة الثالثة:
جميع أنواع الكذب على النبي ﷺ في الحرمة سواء، فلا فرق بين كذب في العبادات وكذب في العادات، كما لا فرق بين كذب في الأحكام وكذب في فضائل الأعمال، ودليله أن الحديث أطلق الكذب ورتب عليه هذا الجزاء المغلظ ولم يقيد الكذب بنوع دون نوع، فعمّ جميع أنواع الكذب.
قال الإمام النووي في شرح الحديث ما نصه: (لا فرق في تحريم الكذب عليه ﷺ بين ما كان في الأحكام، وما لا حكم فيه كالتر غيب والترهيب، والمواعظ وغير ذلك فكله حرام من أكبر الكبائر، وأقبح القبائح بإجماع المسلمين الذين يعتد بهم في الإجماع خلافا للطوائف المبتدعة الذي يجيزون وضع الحديث في الترغيب والترهيب) «٣» .
ويتفرع عليه قبح من يقول زورا وبهتانا عند استدلاله بأحاديث موضوعة في الترغيب والترهيب: (إنما أكذب للنبي ﷺ ولا أكذب عليه!!!) وهذه المقولة منه نهاية السفه ومنتهى الضلالة حيث حكموا على شرع الله﷾- بالنقص والحاجة إلى الإتمام، والله يقول في محكم التنزيل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ
_________________
(١) انظر «شرح النووي على صحيح مسلم» (١/ ٦٩) .
(٢) انظر «فتح الباري» (٣/ ١٦٢) .
(٣) انظر «شرح النووي على صحيح مسلم» (١/ ٧٠)
[ ٢ / ٢٤ ]
الْإِسْلامَ دِينًا [المائدة: ٣]، ويقول عز من قائل: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦] .
وقد بين الإمام النووي بطلان مقولة هؤلاء السفهاء وأورد طرفا من كلامهم، قال ﵀: (وهذا الذي انتحلوه وفعلوه واستدلوا به غاية الجهالة ونهاية الغافلة وأدل الدلائل على بعدهم من معرفة شيء عن قواعد الشرع، وقد جمعوا فيه جملا من الأغاليط اللائقة بعقولهم السخيفة وأذهانهم البعيدة الفاسدة فخالفوا قول الله ﷿: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦]، وخالفوا صريح هذه الأحاديث المتواترة والأحاديث الصريحة المشهورة في إعظام شهادة الزور وخالفوا إجماع أهل الحل والعقد وغير ذلك من الدلائل القطعيات في تحريم الكذب على احاد الناس فكيف بمن قوله شرع وكلامه وحي) «١» .
ويتفرع عليه عظيم الخطر المحدق بالدعاة إلى الله﷾- والذين يتساهلون كثيرا في رواية الأحاديث الموضوعة- والتي يكثر ذكرها خاصة في كتب التفسير والسيرة والغزوات وفضائل الأعمال- ولا حجة لهم أنهم ينقلون تلك الأحاديث من مراجع إسلامية، وذلك لعموم النهي عن الكذب على الرسول ﷺ فيستوي الكذب إذا نقل المسلم عن مراجع إسلامية أو غيرها من الكتب، خاصة إذا اشتهر أن تلك المراجع محشوة بأحاديث موضوعة لا سيما في أنواع الكتب التي ذكرتها. وإذا قال أحد الدعاة: إني لا أستطيع التفرقة بين الأحاديث الموضوعة والصحيحة.
قلت له: عليك بالكتب المحققة وهي كثيرة جدّا ولله الحمد، وعليك بكتب السنة الصحاح، فإن تعذر عليك ذلك، فالزم بيتك فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها واحذر الوقوع في الكذب على الله ورسوله.
قال الإمام النووي﵀-: (يحرم رواية الحديث الموضوع على من عرف كونه موضوعا أو غلب على ظنه وضعه فمن روى حديثا علم- أو ظن- وضعه ولم يبين حال روايته وضعه فهو داخل في هذا الوعيد مندرج في جملة الكاذبين على رسول الله ﷺ) «٢» .
الفائدة الرابعة:
كما لا تجوز رواية الأحاديث الموضوعة مهما كان موضوعها، فإنه لا يجوز أيضا رواية الأحاديث الضعيفة إلا إذا بين الراوي للمستمعين ضعف الحديث، فيمكن أن يرويه بصيغة التمريض لا بصيغة الجزم، ولكن أنبه على أن السامعين لو كانوا لا يفرقون
_________________
(١) انظر «شرح النووي على صحيح مسلم» (١/ ٧٠) .
(٢) انظر «شرح النووي على صحيح مسلم» (١/ ٧١) .
[ ٢ / ٢٥ ]
بين صيغ الجزم والتمريض، فإنه يجب على الراوي أن يوضح لهم ضعف الحديث، ولا تجزئه الرواية بصيغة التمريض لأنها لم تبين للسامع درجة الحديث فاستوى ذكرها مع عدمه.
قال الإمام النووي: (قال العلماء: ينبغي لمن أراد رواية حديث أو ذكره أن ينظر فإن كان صحيحا أو حسنا قال: قال رسول الله ﷺ كذا أو فعله أو نحو ذلك من صيغ الجزم، وإن كان ضعيفا فلا يقل: قال، أو فعل، أو أمر، أو نهى وشبه ذلك من صيغ الجزم بل يقول: روى عنه كذا، أو جاء عنه كذا، أو يروى، أو يذكر، أو يحكي، أو يقال، أو بلغنا، وما أشبهه) «١» .
وللدلالة على تعظيم العلماء لرواية الأحاديث النبوية والاحتياط لعدم الكذب على النبي ﷺ، ما قاله النووي ونصه: (قال العلماء: وينبغي للراوي وقارئ الحديث إذا اشتبه عليه لفظة فقرأها على الشك أن يقول عقبه: (أو كما قال) . وأضاف مبينا شروط الرواية بالمعنى: (ويستحب لمن روى بالمعنى أن يقول بعده: (أو كما قال) أو نحو هذا كما فعلته الصحابة فمن بعدهم) «٢» . ولكن الإمام النووي اشترط للرواية بالمعنى كامل معرفة الراوي، أي كامل معرفته باللغة العربية، ومقاصد الحديث، ودلالة ألفاظه، وإلا وقع الراوي في الكذب على الرسول ﷺ دون أن يدري.
الفائدة الخامسة:
من تقوى الله تعالى ألايروي المسلم الحديث النبوي إذا خاف أن يقع في الخطأ دون أن يشعر، مع أن الخطأ مرفوع إجماعا عن هذه الأمة، ودليله ما رواه البخاري، عن عبد الله بن الزّبير قال: قلت للزّبير: إنّي لا أسمعك تحدّث عن رسول الله ﷺ كما يحدّث فلان وفلان!! قال: أما إنّي لم أفارقه ولكن سمعته يقول: «من كذب علي فليتبوّأ مقعده من النّار» .
فمع أن الزبير بن العوام ﵁ صحابي جليل لازم النبي ﷺ كثيرا كما يذكر في الحديث ولا يخفى على أحد صلة القرابة التي تجمع بينه وبين النبي ﷺ ولا شك أن هذه الملازمة والصلة أتاحت له سماع الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة، ومع أنه يعلم فضل الرواية والتحديث: إلا أنه اثر عدم الإكثار من الرواية مخافة أن يكذب على النبي ﷺ عن طريق الخطأ، وإلا فإن مثله يستحيل في حقه الكذب تعمدا.
أخي القارئ: بعد هذا الإسهاب في ذكر أقوال العلماء عن حديث الباب، أود أن
_________________
(١) انظر «شرح النووي على صحيح مسلم» (١/ ٧١) .
(٢) انظر «شرح النووي على صحيح مسلم» (١/ ٧٢) .
[ ٢ / ٢٦ ]
أنصحك أنه يجب علينا جميعا أن نقف مع أنفسنا طويلا ونحاسبها حسابا عسيرا على تساهلنا في الرواية عن رسول الله ﷺ فهذا صحابي يكون معه الحديث الصحيح ويخاف من الرواية حتى لا يقع- ولو خطأ- في الكذب على رسول الله ﷺ وسيكون الصحيح في روايته أكثر بكثير من الخطأ، أما نحن فليس معنا شيء ونتجرأ على الكذب على الرسول ﷺ إما بحجة أن تلك المرويات في مراجع إسلامية مشهورة، أو عدم القدرة على تحقيق الأحاديث، أو لحبنا وهو حب أعمى- ترقيق قلوب الناس والحرص على عودتهم لحظيرة الإسلام، فهل يقبل راوي تلك المرويات أن يعود الناس لحظيرة الإسلام ويتبوأ هو مقعده في النار. ألا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم.
٨- شاهد على سوء عاقبة من كذب على النبي ﷺ
عن أنس ﵁ قال: (كان رجل نصرانيّا فأسلم وقرأ البقرة وال عمران، فكان يكتب للنّبيّ ﷺ فعاد نصرانيّا، فكان يقول: ما يدري محمّد إلّا ما كتبت له فأماته الله فدفنوه فأصبح، وقد لفظته الأرض. فقالوا: هذا فعل محمّد وأصحابه لمّا هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه فحفروا له فأعمقوا فأصبح، وقد لفظته الأرض. فقالوا هذا فعل محمّد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا لمّا هرب منهم فألقوه فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا فأصبح وقد لفظته الأرض. فعلموا أنّه ليس من النّاس، فألقوه) «١» .
هذا شاهد عظيم على سوء عاقبة من كذب على النبي ﷺ، شاهد يقشعر منه البدن وينفطر له القلب، ومن منا يسمع ويتدبر هذا الحديث ولا يخاف من أدنى الكذب على الرسول ﷺ وستتضمن الفوائد استعراض مظاهر سوء العاقبة التي أحاطت بالرجل.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
عظيم نصرة الله﷾- لنبيه ﷺ وإظهار غيرته عليه للعالمين، حيث انتقم شر الانتقام ممن قال في حق نبيه ﷺ: «ما يدري محمّد إلّا ما كتبت له» . ويتفرع عليه التحذير الشديد لمن كذب على الرسول ﷺ فمن منا يحب أن تكون عاقبته مثل هذه العاقبة.
الفائدة الثانية:
مظاهر سوء عاقبة من كذب على النبي ﷺ وهو مرادي من إيراد هذا الحديث:
_________________
(١) البخاري، كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، برقم (٣٦١٧) .
[ ٢ / ٢٧ ]
١- غضب الله عليه وانتقامه منه: ورد في رواية مسلم (فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم) «١» . وهو مشعر أن الله لم يمهله كثيرا بعد ما قال، ومشعر أيضا أن ما حدث له بعد موته اعتبره الناس انتقاما من الله الواحد القهار.
٢- عدم قدرة باطن الأرض على تحمله: فمع أن الأرض قد حوت في باطنها الكثير ممن تقوّل على الله ورسوله، إلا أنها لم يسعها أن تضم رفات هذا المرتد لشنيع ما قال في حق النبي ﷺ فطرحته الأرض ونبذته من أعماق باطنها ثلاث مرات، ويصف الراوي ما حدث في كل مرة بقوله: (فأصبحت الأرض وقد نبذته على وجهه)، وهل قصدت الأرض أن تنبذه على وجهه خاصة دون سائر أعضائه لأن الوجه محل تكريم الإنسان فيكون ذلك منتهى الإهانة والمذلة له؟ أم نبذته على الوجه لأن الوجه قد احتوى الجوارح التي كذب بها الرجل على النبي ﷺ وهما اللسان والشفتان؟.
٣- من أعظم النكايات التي حدثت للرجل أن أصحابه من أهله وعشيرته قد تخلو عنه في وقت هو أحوج ما يكون إليهم، فعند مسلم (فتركوه منبوذا) .
ويتفرع عليه تصديقنا بما أخبرنا به أصدق القائلين﷾-، أن يوم القيامة سيفر المرء من أخيه وأمه وأبيه، قال- تعالى-: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ [عبس: ٣٤- ٣٥] .
الفائدة الثالثة:
عجيب قدرة الله﷾-؛ إذ جعل في الأرض القدرة على أن تنبذ الرجل وتلفظه، ولا يقف كون القوم قد أعمقوا جدّا حائلا عن امتثال الأرض لأمر الله﷾-.
الفائدة الرابعة:
قد يعجل الله ﷿ العذاب لأعدائه في الدنيا على مرأى ومسمع من الناس، وقد يعذب المكذب ولا يطلع على عذابه أحد من الناس، وقد يؤخر الله العذاب إلى ما بعد الحياة الدنيا، ولكن ما نقطع به أن العذاب النفسي واقع بالمكاذبين في الدنيا لقوله- تعالى-: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) [طه:
١٢٤] . وأن العذاب المادي يبدأ لا محالة مع سكرات الموت ويستمر حتى يستقر المكذبون في نار جهنم- أعاذنا الله منها- وكل هذه الأحوال لعذاب المكاذبين في الدنيا والآخرة موافقة للعدل المطلق والحكمة البالغة.
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، برقم (٢٧٨١) .
[ ٢ / ٢٨ ]
الفائدة الخامسة:
عناد أهل الزيع والضلال، وترفعهم عن قبول الحق، والانصياع له ليس بسبب التباس الأمر عليهم أو ندرة الآيات الدالة على عظيم قدرة الله﷾ أو قلة المعجزات الباهرات التي أيد الله بها نبيه ﷺ وإنما كان عدم إيمانهم بسبب مرض قلوبهم واستكبارهم وتقديم الدنيا وشهواتها على الآخرة وملذاتها، ذلك أنهم قد علموا أن لفظ الأرض لصاحبهم ليس من فعل النبي ﷺ أو أصحابه أو غيرهم وإنما هو من فعل رب الناس ولذلك سلّموا أنه لا طاقة ولا حيلة لهم لدفنه فتركوه منبوذا من لحظتها، وورد في الحديث: (فعلموا أنه ليس من الناس) . أي أن لفظه على وجهه ليس من فعل الناس.
ثانيا: وجوب تعظيمه وتحريم إيذائه ﷺ
١- وجوب تعظيمه وإجلاله ﷺ:
إن تعظيم النبي ﷺ وإجلاله لمن أعظم درجات المحبة والتقدير من أحبابه الذين لم يروه، فكيف بهم لو رأوه ﷺ في أبهى صوره وجميل خلقه وخلقته؟!.
قال تعالى: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج: ٣٠]، ولا شك أن أعظم الحرمات ايات الله ورسله.
وقال تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) [الفتح: ٩] .
كلام العلماء في تفسير هذه الآية قريب في المعنى، فسأكتفي بذكر ما قاله بعضهم نصّا للدلالة على أقول الآخرين، قال الإمام الطبري﵀-: (ويعزروه يعني الإجلال ويوقروه يعني التعظيم، وقيل: يعزروه أي ينصروه، ويوقروه يعني ويفخّموه، وقال اخرون: أمر الله بتسويده وتفخيمه)، ثم قال﵀-: (وهذه الأقوال متقاربات المعنى وإن اختلفت ألفاظ أهلها بها) «١» .
ومعنى التعزير في هذا الموضوع: التقوية بالنصرة والمعونة، ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال، ثم قال﵀-: (وقوله: وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، يقول: وتصلوا له يعني لله بالغدوات والعشيات. والهاء في قوله: وَتُسَبِّحُوهُ من ذكر الله وحده دون رسوله) . انتهى.
وقال الحافظ ابن كثير﵀-: (وتوقروه: من التوقير وهو الاحترام والإجلال
_________________
(١) انظر «تفسير الإمام الطبري» (٢٦/ ٧٥) .
[ ٢ / ٢٩ ]
والإعظام، وتسبحوه بكرة وأصيلا: تسبحون الله أول النهار واخره) «١» .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
علو منزلة النبي ﷺ عند ربه ﵎، إذ وجه الله ﷿ أو امر ربانية للمؤمنين في خطاب واحد يرجع بعضها إليه سبحانه، وبعضها خاص بالنبي ﷺ دون تفصيل في الآية الكريمة، وإنما كان التفصيل من قبل العلماء، بعلمهم ما يجب لله وما يجب لرسوله ﷺ. قال الإمام القرطبي﵀-: (وعليه يكون بعض الكلام راجعا إلى الله سبحانه وهو: تسبحوه من غير خلاف، وبعضه راجعا إلى رسوله ﷺ وهو:
وتعزروه، وتوقروه أي تدعوه بالرسالة والنبوة لا بالاسم والكنية) «٢» .
الفائدة الثانية:
بلاغة القران الكريم وفصاحته حيث ذكر أمورا عظيمة هي من أصول الإيمان في كلمات معدودة، قال الشيخ السعدي﵀-: (ذكر الله في هذه الآية الحق المشترك بين الله وبين رسوله وهو: الإيمان بهما والمختص بالرسول وهو التعزير والتوقير والمختص بالله وهو: التسبيح له والتقديس بصلاة أو غيرها) «٣» .
الفائدة الثالثة:
بيان عظيم حق النبي ﷺ على عموم أمته، وما ينبغي له من الإجلال والتوقير، وفاء لما قام به ﷺ قال الشيخ السعدي﵀-: (أي تعظموه وتجلّوه وتقوموا بحقوقه كما كانت له المنة العظيمة في رقابكم) «٤» . ويتفرع عليه؛ بيان ما نحن فيه من التفريط في حقه ﷺ فما بلغنا معشار ما كان عليه الصحابة ﵃ من إجلال وتوقير وتفخيم شخص النبي ﷺ وقد وضحت ذلك في مواضع عديدة من هذا الكتاب. فلله الحمد والمنة.
٢. تحريم إيذائه ﷺ:
فكما فرض الله- تعالى- على عباده أن يوقروا الرسول ﷺ ويعظموه ويكبروه في أنفسهم ويفتدوه بكل شيء فكذلك حرم الله ﵎، على عباده أن يؤذوه بأي نوع من أنواع الإيذاء، فقد قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا (٥٧) [الأحزاب: ٥٧] .
_________________
(١) انظر «تفسير القران العظيم» (٤/ ١٨٦) .
(٢) انظر «الجامع لأحكام القران» (١٦/ ٢٦٧) .
(٣) انظر «تيسير الكريم الرحمن» (٧٩٢) .
(٤) انظر «تيسير الكريم الرحمن» (٧٩٢) .
[ ٢ / ٣٠ ]
وقال- تعالى-: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا [الأحزاب: ٥٣] .
شددت الآية جدّا في أمر إيذاء النبي ﷺ ومن مظاهر ذلك التشديد:
١- إيراد إيذاء الله﷾- خالق كل شيء ومليكه- وإيذائه ﷺ في اية واحدة مع الجمع بينهما بحرف العطف (الواو)، ولو لم يقترن ذلك بأي تهديد أو وعيد أو ذكر عذاب لكفى بذلك تغليظا لأمر إيذائه ﷺ فكيف إذا اقترن؟
٢- تضعيف العذاب على من اذى النبي ﷺ حيث جمع الله له بين عذابي الدنيا والآخرة، فعليه في الدنيا لعنة وفي الآخرة لعنة، فهل يفلح رجل يمشي على الأرض عليه لعنتان، إحداهما في الدنيا والثانية في الآخرة، ولعظيم جرمه لم تكن اللعنتان كافيتين، فقد بشرته الآية بعذاب مهين- أي ذي إهانة- أعده القوي العزيز خصيصا له.
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
عظيم غيرة الله﷾- على نبيه ﷺ إذ قرن إيذاءه﷾- بإيذاء النبي ﷺ وقد جعل العقوبة على الإيذائين واحدة، فكان غضب الله﷾- من إيذاء النبي ﷺ لا يقل عن غضبه﷾- من إيذاء نفسه الكريمة المقدسة.
قال الحافظ ابن كثير﵀-: (والظاهر أن الآية عامة في كل من اذاه ﷺ ومن اذاه فقد اذى الله كما أن من أطاعه فقد أطاع الله) «١» . وهذه الغيرة إنما تدل على عظيم حب الله﷾- لنبيه ﷺ.
فإن سأل سائل: وهل يغار الله ﷿؟
قلت: نعم، ودليله حديث أبي هريرة ﵁ أنّه سمع النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الله يغار، وغيرة الله، أن يأتي المؤمن ما حرّم الله» «٢» .
الفائدة الثانية:
أثبتت الآية الكريمة أن الله ﷿ يبلغه إيذاء الناس، ويؤيده حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ: «قال الله تعالى: يؤذيني ابن ادم، يسبّ الدّهر، وأنا الدّهر، بيدي الأمر، أقلّب اللّيل والنّهار» «٣» .
_________________
(١) انظر «تفسير القران العظيم» (٣/ ٥١٨) .
(٢) البخاري، كتاب: النكاح، باب: الغيرة، برقم (٥٢٢٣) .
(٣) الخاري، كتاب: تفسير القران، باب: وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ، برقم (٢٢٤٦) .
[ ٢ / ٣١ ]
أما الضرر فلا يبلغ الله﷾- أبدا، ودليله حديث أبي ذر ﵁ وفيه «يا عبادي: إنّكم لن تبلغوا ضرّي فتضرّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني» «١» .
الفائدة الثالثة:
أثبتت الآية؛ عصمة النبي ﷺ حيث توعدت كل من اذاه بالعذاب المهين، ولو أنه ﷺ فعل شيئا يتوجه إليه اللوم بسببه لقيدت الآية العذاب على من اذاه بما لم يفعل أو يقل، كما وردت الآية التي تليها، قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨) [الأحزاب: ٥٨] .
الفائدة الرابعة:
هذه الآية يجب أن تكون رادعة ومخوفة لكل من تسول له نفسه أن يؤذي النبي ﷺ سواء في نفسه، أو أصحابه، أو زوجاته، أو أهل بيته، أو أتباعه إلى يوم الدين، قال الشيخ السعدي﵀-: (لما أمر تعالى بتعظيم رسوله ﷺ والصلاة عليه؛ نهى عن أذيته وتوعد عليها، وهذا يشمل كل أذية قولية، أو فعلية من سب، وشتم، أو تنقص له أو لدينه، أو ما يعو عليه بالأذى) . وأضاف﵀- قائلا: (فأذية الرسول ﷺ ليست كأذية غيره؛ لأن العبد لا يؤمن بالله حتى يؤمن برسوله ﷺ وله من التعظيم الذي هو من لوازم الإيمان ما يقتضي ألايكون مثل غيره) «٢» .
٣- إفراد إيذائه بالوعيد:
إن كل من تسوّل له نفسه أن يؤذي رسول الله ﷺ قد توعده رب العزة﵎ بأشد أنواع العذاب؛ لأنه﷾- عاصم نبيّه وحافظه من كل سوء، فمقامه ﷺ التعظيم، وليس الإيذاء أو الانتقاص. قال- تعالى-: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [التوبة: ٦٠، ٦١] . وأوردت هذه الآية، ردّا على من قد يتوهم من الباب السابق، أن الوعيد متوجه لمن يؤذى الله ورسوله معا، فالأمر ليس كذلك. ففي الآية تخويف ووعيد لكل من يتجرأ على السنة وصاحبها ﷺ بغمز أو لمز، تصريحا كان أو تعريضا، صغيرا أو كبيرا؛ لأن الآية أطلقت، ولم تحدد نوع الإيذاء ولا حجمه، فيدخل فيه كل ما ذكر. وهذا تعظيم وحماية لجانب النبوة.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية- قدس الله روحه-: (من سب النبي ﷺ من مسلم
_________________
(١) مسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم، برقم (٢٥٧٧) .
(٢) انظر «تيسير الكريم الرحمن» (٦٧١) .
[ ٢ / ٣٢ ]
أو كافر؛ فإنه يجب قتله، وهو مذهب عامة أهل العلم، ثم ذكر﵀- تعالى- أن هذا هو مذهب مالك والليث «١» وأحمد وإسحاق بن راهواه «٢»، والشافعي) «٣»، ونقل عن القاضي عياض «٤» قوله: (أجمعت الأمة على قتل منتقص النبي ﷺ أو من سابه من المسلمين، كما نقل عن الإمام إسحاق بن راهواه قوله: أجمع المسلمون على أن من سب الله أو سب رسوله ﷺ أو دفع شيئا مما أنزل الله ﷿، أو قتل نبيا من أنبياء الله ﷿، أنه كافر بذلك وإن كان مقرا بكل ما أنزل الله، أما الإمام أحمد﵀- فقد نقل عنه قوله: كل من شتم النبي ﷺ أو تنقصه مسلما كان أو كافرا فعليه القتل وأرى أنه يقتل ولا يستتاب) .
٤- غضب غلمان الصحابة لإيذاء النبي ﷺ، وانتقامهم لذلك:
عن عبد الرّحمن بن عوف ﵁ أنّه قال: (بينا أنا واقف في الصّفّ يوم بدر نظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما تمنّيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عمّ هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم. وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنّه يسبّ رسول الله ﷺ والّذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتّى يموت الأعجل منّا. قال: فتعجّبت لذلك، فغمزني الآخر فقال مثلها. قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في النّاس. فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الّذي تسألان عنه. قال: فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتّى قتلاه ثمّ انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه. فقال: «أيّكما قتله؟» فقال كلّ واحد منهما: أنا قتلت. فقال:
«هل مسحتما سيفيكما؟» قالا: لا. فنظر في السّيفين، فقال: «كلاكما قتله»، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والرّجلان؛ معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء) «٥» .
_________________
(١) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي: بالولاء، أبو الحارث: إمام أهل مصر في عصره، حديثا وفقها. أصله من خراسان ومولده في قلقشندة، كان من الكرماء الأجواد. توفي في القاهرة، عام (١٧٥ هـ) .
(٢) هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي التميمي المروزي، أبو يعقوب ابن راهواه: عالم خراسان في عصره. أحد كبار الحفاظ أخذ عنه الإمام أحمد والبخاري ومسلم، وغيرهم، توفي بنيسابور عام (٢٣٨ هـ) .
(٣) انظر الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص ٣، ٧) لشيخ الإسلام ابن تيمية. بتصرف.
(٤) هو عياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبي السبتي، أبو الفضل: عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته، ولي قضاء سبتة، ثم قضاء غرناطة، مات مسموما على يد يهودي بمراكش، عام (٥٤٤ هـ) .
(٥) البخاري، كتاب: فرض الخمس، باب: من لم يخمس الأسلاب ، برقم (٣١٤١)، ومسلم، كتاب: الجهاد والسير، باب: استحقاق القاتل سلب القتيل، برقم (١٧٥٢) .
[ ٢ / ٣٣ ]
الشاهد في الحديث:
هو قول كل غلام: «أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ»
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في شمائل النبي ﷺ:
١- عظيم منزلته عند أصحابه، وغضبهم له أشد الغضب، وإرادة الانتقام من كل من يؤذيه، فإن سأل سائل، ألم ير الغلامان أن الشرك بالله أعظم من سب رسول الله ﷺ؟
قلت: بلى، ولكنهما ذكرا السب؛ لأن كل عسكر الكفار كانوا يكفرون بالله، فاستوى ذلك الذنب في حقهم جميعا، ولكنهما عظّما قبح أمر أبي جهل أنه أضاف إلى كفره بالله، سبّه للنبي ﷺ لذلك نصّا في مقولتيهما على السب.
٢- رحمته ﷺ بأصحابه حيث حكم للغلامين، بقتل أبي جهل، تطييبا لخاطرهما، فقال: (كلاكما قتله)؛ لأنه ﷺ رأى الدم على سيفيهما جميعا.
٣- فراسته ﷺ، حيث طلب النظر إلى سيفيهما ليعلم أيهما قتل أبا جهل.
٤- عدله ﷺ حيث قضى بالسلب لمعاذ بن عمرو، وذلك لأن معاذ بن عمرو هو الذي أثخن أبا جهل بالضربة الأولى ثم ضربه معاذ بن عفراء بعد ذلك، فقال لهما ﷺ: كلاكما قتله، تطييبا لخاطرهما، فلما جاء القضاء بالسّلب قضى به لمعاذ بن عمرو لأنه هو الذى يستحقه شرعا فلم يكن ﷺ ليفعل غير ذلك. وهذا لا يمنع من أنه ﷺ قد أرضى معاذ بن عفراء بعد ذلك بشيء من المال على سبيل المكافأة أو الهدية أو غير ذلك، أو كان له سهم في المغانم، فاكتفى به ﷺ.
الفائدة الثانية:
في الغلامين:
١- أدبهما: حيث خاطبا عبد الرحمن بن عوف ﵁ ﵁ بقولهما (يا عم) للتوقير، فقد راعيا كبر سنه وحداثة أسنانهما.
٢- شجاعتهما: حيث طلبا معرفة أبي جهل ليقتلاه، رغم صغر سنهما قال الراوي:
(حديثة أسنانهما)، وانظر أين سيكون القتل؟! في موقعة فيها الكر والفر والتحام الصفوف، وتطاير النبال والسهام، وكل ذلك لم يخفهما أو يثبط من عزيمتهما.
٣- تصميمها على قتل أبي جهل أو الموت دونه، قال كل منهما: (والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا)، فالأمر بالنسبة إليهما لم يكن مجرد محاولة لقتل أبي جهل، أو أداء الواجب، بل تصميم وعزيمة، لا يثنيها شيء، فقد أقسما بالله
[ ٢ / ٣٤ ]
أنهما لن يفارقاه في حال رؤيته حتى يموت أحدهما، ولو مسّهما من العذاب ما مسهما.
٤- حبّهما الشهادة في سبيل الله: والحرص عليها، واستعدادهما لها، من قبل دخول المعركة، لقولهما: (حتى يموت الأعجل منا) .
٥- قوتهما: ويظهر ذلك من قول عبد الرحمن بن عوف ﵁: (تمنيت أن أكون بين أضلع منهما) . والضلاعة هي القوة، فيظهر هذا جليّا في تصرفهما لما رأيا أبا جهل، لقول الراوي: (فابتدراه بسيفيهما فضرباه)، وهو يدل على غاية القوة، وكمال الشجاعة.
٦- حبهما البالغ للنبي ﷺ رغم حداثة سنهما، ويظهر ذلك في:
أ- سؤالهما عن أبي جهل ليقتلاه، ولما سئلا عن حاجتهما له قال كل منهما: (أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ)، فكأنهما لم يريا شيئا في أبي جهل يستحق عليه القتل أعظم من أنه يسب رسول الله ﷺ وهذا يدل على شدة غضبهما على من يؤذي رسول الله ﷺ ولو بالقول دون العمل، وإرادة الانتقام منه، وبذل أقصى الجهد لتحقيق ذلك، فإما موت أبي جهل، وإما موتهما، ولم يفكرا في حل ثالث، وكأنهما لا يستطيعان العيش، وأحد المشركين يسب رسول الله ﷺ وانظر إلى فصاحة كل منهما في قوله: (أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ)، فهما لم يسمعا السب، ولم يخبرانا عن اسم من أخبرهما، فكل هذا لا يهم، المهم عندهما، قتل من يسب رسول الله ﷺ وانظر إلى استخدامهما لفظ (أخبرت) دون (سمعت)، فكأن إخبارهما بالخبر كان مقصودا به الانتقام لرسول الله ﷺ؛ لأن السماع يشترك فيه كل الناس، من يهمه الأمر ومن لا يهمه، ومن يقصد إيصال الخبر إليه ومن لا يقصد، كما أن لفظ «أخبرت» يشعر بعزة نفس كل منهما، وعلو شأنهما، وهو أمر محمود في ساحة القتال.
ب- ذهابهما مباشرة بعد قتل أبي جهل، إلى رسول الله ﷺ وكأن غايتهما من حضور الغزوة قد انتهى بالقضاء على من يسب رسول الله ﷺ والدليل على أنهما ما قتلا أحدا بعده، أن دم أبي جهل ما زال على سيفيهما، فقد ورد في الحديث: «هل مسحتما سيفيكما؟» قالا:
لا. وأعتقد أنهما حرصا على بقاء دم أبي جهل حتى يشعرا رسول الله ﷺ أنهما قد انتقما له من أبي جهل، فالإخبار بالقتل غير معاينة الدم.
ج- رد كل منهما على سؤال النبي ﷺ: «أيكما قتله؟»، بإجابة واحدة: (أنا قتلته)، مع أن القاتل الحقيقي واحد، وهو الذي أثخن جرحه وأعجزه عن المبارزة، ولكن ادعى كل
[ ٢ / ٣٥ ]
منهما ذلك لاسترضاء النبي ﷺ، وحرصهما على إظهار حبهما له، وأن يتشرف كل منهما بإدخال الفرحة والسرور على قلب رسول الله ﷺ.
٧- أدبهما في حضرة النبي ﷺ حيث لم يتجادلا أمامه فيمن أعجل أبا جهل بالضرب، واكتفى كل واحد منهما بقوله: (أنا قتلته) . حتى بعد أن حكم النبي ﷺ بالسلب لمعاذ بن عمرو بن الجموح، لم يعقب على الحكم معاذ بن عفراء، مع صغر سنه، وحرصه على قتل أبي جهل أو الموت دونه، ولكن الرضى بحكم رسول الله ﷺ.
الفائدة الثالثة:
معرفة الهمّ الذي كان يشغل أولاد الصحابة، حديثي الأسنان ﵃، والوقوف على أولوياتهم في التفكير، فقد علمنا من الحديث أن همهم الأكبر وأولى أولوياتهم، قتل من ينتهك حرمات الله﷾-، وحريّ بنا هنا أن نذكّر بحكمتهما وسعة أفقهما، حيث إن الغلامين قد وقفا عن يمين ويسار عبد الرحمن بن عوف، قال ﵁: (فنظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بغلامين من الأنصار)، والحكمة من الوقوف على هذه الكيفية، أن يسمعاه جيدا، فقد راعيا أنهما من صغار السن، أجساد صغيرة وأصوات غير مسموعة، ومن حكمتهما أيضا، أنهما غمزا عبد الرحمن بن عوف ﵁ قبل التحدث معه، ليلفتا انتباهه فينظر أيمن وأشأم منه.
الفائدة الرابعة:
استخفاف الله﷾- بأبي جهل، كما كان يستخف بالنبي ﷺ ووجه ذلك:
١- أنه سبحانه جعل موت أبي جهل على يد غلام حدث صغير السن، وليس على يد رجل فارس قوي.
٢- جعل مكان دفنه هو قليب بدر، بعد أن تعفنت جثته وجثث أقرانه.
٣- وقوف النبي ﷺ على رأسه في القليب على مرأى ومسمع من أصحابه، ﵃، يوبخه ويوبخ من هلك معه ففي حديث عمر بن الخطاب ﵁ في خبر هؤلاء القتلى بعد أن ألقوا في البئر قال: فانطلق رسول الله ﷺ حتى انتهى إليهم فقال: «يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقّا؟ فإني قد وجدت ما وعدني الله حقّا!!» قال عمر: يا رسول الله، كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟! قال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئا» «١» .
_________________
(١) مسلم، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، برقم: (٢٨٧٣) .
[ ٢ / ٣٦ ]
ثالثّا: تأديب الأمة في التعامل مع النبي ﷺ
١- اداب الاستئذان منه ﷺ:
قال- تعالى-: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) [النور: ٦٢] .
أمر الله﷾- عباده المؤمنين باداب الاستئذان من الرسول ﷺ إذا كانوا معه على أمر جامع، كصلاة جمعة أو عيد أو اجتماع في مشورة أو جهاد، وأنزل في ذلك اية كاملة من كتابه العزيز فيها توجيهات للمؤمنين وتوجيهات للنبي ﷺ تبين عظم قدر اجتماع النبي ﷺ بأصحابه ﵃ وأن الذهاب عنه يجب أن يكون باداب معينة ولحاجة مهمة، وهذه التوجيهات هي:
١- وجوب استئذان الصحابة ﵃ من الرسول ﷺ قبل الذهاب من عنده في حال كونهم معه على أمر تتطلب الضرورة، أو المصلحة أن يكونوا معه جميعا.
٢- ألا يكون الاستئذان إلا لشأن هام (وهو الشغل أو المصلحة) قال- تعالى-: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ [النور: ٦٢] .
٣- للنبي ﷺ أن يأذن لمن شاء من أصحاب الأعذار، وله أن يرد من شاء بدون إذن.
يتفرع على ذلك، أن نعلم أن الله ﷿ أراد أن يربي هذه الأمة على العزيمة والطاعة المطلقة لولي الأمر، ويتمثل ذلك في عدم الإذن لكل مستأذن أن ينصرف.
٤- أمرت الآية النبي ﷺ أن يستغفر لمن استأذن من أصحاب الأعذار، والعجيب أن الآية وجهت النبي ﷺ أن يستغفر للمستأذن، ولم توجهه بأن يعتذر لمن لم يإذن له بالانصراف.
هذه هي التوجيهات الربانية للنبي ﷺ وأصحابه بخصوص الاستئذان،
[فوائد الآية]
أما فوائد الآية الكريمة فهي:
الفائدة الأولى:
تعظيم أمر استئذان الصحابة من الرسول ﷺ ويتبين ذلك في:
١- جعل الله تعالى الاستئذان من مقتضيات الإيمان بالله ورسوله، والعجيب أن يذكر ذلك قبل ذكر الاستئذان وبعده، فقبل ذكره قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ
[ ٢ / ٣٧ ]
وَرَسُولِهِ، فبدأت الآية ب إِنَّمَا التي تفيد الحصر، فكأنما حصرت الآية صفات الذين استكملوا الإيمان في أمرين هما: الإيمان بالله ورسوله، واتباع اداب الاستئذان من النبي ﷺ، وبعد ذكر الاستئذان أكدت الآية هذا المفهوم بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ لهذا الحد وصل تعظيم الاستئذان من النبي ﷺ.
ويتفرع عليه؛ تعظيم كل ما يتعلق بالنبي ﷺ فإذا كان الالتزام باداب الاستئذان منه هو من الإيمان، فمن باب أولى أن يدخل في الإيمان حبه والتزام سنته وتوقير زوجاته وأهل بيته وكثرة الصلاة والسلام عليه، فكل ذلك من مقتضيات الإيمان بالله ورسوله.
٢- عدم جواز الاستئذان إلا إذا كانت هناك ضرورة لهذا الاستئذان، قال- تعالى-:
فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ.
٣- ليس الاستئذان للضرورة أو المصلحة موجبا لصدور إذن النبي ﷺ بالذهاب، فالله﷾- أعطى للنبي ﷺ حق الإذن من عدمه، قال تعالى: فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ.
٤- الاستئذان للضرورة موجب لاستغفار النبي ﷺ للمستأذن، فمع أن المستأذن لم يستأذن إلا للضرورة، ومع أنه لم يذهب إلا بمشيئة النبي ﷺ إلا أن الآية قد أمرت النبي ﷺ بالاستغفار له، ولكن ما حكمة الاستغفار؟ قال الشيخ السعدي «١» - رحمه الله تعالى: (لما عسى أن يكون مقصرا في الاستئذان) . انتهى.
كما يمكن القول: إن الاستئذان من الرسول ﷺ في الأمر الجامع يجب الاستغفار منه؛ لأن هيئة الاستئذان والخروج لا تناسب ما أمر الله به الصحابة من وجوب تقديم النبي ﷺ على أنفسهم حتى ولو كان سبيله التضحية بمصالحهم وجميع شأنهم، قال- تعالى-: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، كما أنه على كلام الشيخ- رحمه الله تعالى- فإن الاستغفار شرع لمن كان مقصرا في استئذانه والآية لم تقيد حالا دون حال.
الفائدة الثانية:
إثبات أن للعبد مشيئة تنسب إليها كل أفعاله، ويكون الحساب يوم القيامة لأفعاله التي صدرت عن مشيئته، قال تعالى-: فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ.
كما يؤخذ من الآية: أنه لا يجب علينا أن نذكر في كل كلامنا، مشيئة الله، قبل ذكر مشيئة العبد فلا يجب أن نقول مثلا: (شاء فلان أن يسافر بعد مشيئة الله)، ودليله أن الآية
_________________
(١) انظر «تيسير الكريم الرحمن» (٥٧٦) .
[ ٢ / ٣٨ ]
قد أثبتت للنبي ﷺ مشيئة في الإذن دون أن تقيدها بمشيئة الله- تعالى- أو حتى تذكرها.
الفائدة الثالثة:
إن اجتمع في الأمر الواحد ضرران وتعذر رفعهما معا، فيجب دفع أعظمهما ولا ضير في إبقاء أخفهما، لأن النبي ﷺ كان من حقه ألا يأذن لمن يشاء، مع أن عدم الإذن لصاحب العذر فيه ضرر عليه، ولكن الإذن له فيه ضرر أعظم، فدفع الضرر الأعظم بالضرر الأخف، وهذه من القواعد الشرعية العظيمة إذ كان ﷺ ينظر في أحوال أصحابه، فمن كان الإذن له أخف ضررا أذن له، وإلا لم يأذن له.
الفائدة الرابعة:
قد تأتي الأوامر الشرعية بعكس ما يتمنى الإنسان ويهوى أو ضد ما يراه من مصالحه الدنيوية، فيجب عليه أن يسلم بكل ما أمر الله﷾- بنفس راضية مطمئنة وليعلم أنه يجب عليه أن يضحي بأمور كثيرة في طريقه إلى الله ورسوله، وأن الجمع بين كل أمور الدنيا وكل طاعة لله ورسوله أمر مستحيل، ألم تر أن الله﷾- قد أمر التاجر أن يترك تجارته عند النداء إلى الصلاة من يوم الجمعة أليس في هذه التجارة مربح له كما يعتقد؟ ألم تر أن الله قد أمرنا أن ندع الطعام والشراب من طلوع الفجر حتى غروب الشمس شهرا كاملا، وهو ما قد يؤثر سلبا على قضاء البعض لمصالحه الدنيوية، وغير ذلك كثير، وشاهده من الآية التي معنا أن المستأذن لعذر قد لا يؤذن له.
الفائدة الخامسة:
استغفار النبي ﷺ لأصحابه وهو قطعا أرجى في القبول من استغفار الصحابة لأنفسهم، ولذلك أمر الله﷾- النبي ﷺ بالاستغفار لمن أذن له بالذهاب، وهذا يدل أيضا على حب الله﷾- للصحابة ﵃ والأمر بكل ما من شأنه أن ينقيهم من اثار ارتكاب الذنوب أو تركهم للأولى من الأمور.
٢- اداب زيارته والدخول عليه في بيته ﷺ:
قال- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [الأحزاب: ٥٣] .
كما علم الله﷾- الأمة ما ينبغي عليهم اتباعه والتحلي به عند مخاطبة النبي ﷺ أو الاستئذان منه، علمهم أيضا اداب دخول بيوته ﷺ كما سنرى:
أولا: أسباب نزول الآية الكريمة:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: (لما تزوّج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش دعا القوم
[ ٢ / ٣٩ ]
فطعموا، ثمّ جلسوا يتحدّثون، وإذا هو كأنّه يتهيّأ للقيام، فلم يقوموا، فلمّا رأى ذلك قام فلمّا قام، قام من قام، وقعد ثلاثة نفر فجاء النّبيّ ﷺ ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثمّ إنهم قاموا فانطلقت فجئت فأخبرت النّبيّ ﷺ أنهم قد انطلقوا فجاء حتّى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ الآية) «١» .
ثانيا: بيان اداب دخول بيوت النبي ﷺ:
١- أكدت الآية أن الأصل في دخول بيوت النبي ﷺ هو التحريم، ثم لا يكون الدخول إلا بشروط، ودليله أن الآية بدأت بقوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ، والنهي يقتضي التحريم.
٢- نصت الآية على شروط دخول بيوت النبي ﷺ حتى يكون الدخول مشروعا غير محرم، والشروط هي:
أ- الدعوة إلى الطعام، قال- تعالى-: إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ.
ب- عدم تحين وقت نضج الطعام لقوله تعالى-: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ أي غير ناظرين إلى وقت نضجه. قال الحافظ ابن كثير: (أي غير متجينين نضجه واستواءه أي لا ترقبوا الطعام إذا نضج حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول فإن هذا مما يكرهه الله ويذمه) «٢» .
ج- وقت الدخول لتناول الطعام يكون عند الإذن.
قال القرطبي﵀- (فأكد المنع وخص وقت الدخول بأن يكون عند الإذن على جهة الأدب، قال ابن العربي «٣» وتقدير الكلام: ولكن إذا دعيتم وأذن لكم في الدخول فادخلوا) «٤» .
د- تحريم الاسترسال في الحديث بعد تناول الطعام، قال الإمام القرطبي: (وحفظ الحضرة الكريمة من المباسطة المكروهة)، كما قال: (أمر- تعالى- بعد الإطعام بأن يتفرق جميعهم وينتشروا والمراد إلزام الخروج من المنزل عند انقضاء المقصود من الأكل. والدليل على ذلك أن الدخول حرام وإنما جاز لأجل الأكل فإذا انقضى الأكل زال السبب المبيح
_________________
(١) البخاري، كتاب: تفسير القران، باب: قوله: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ، برقم (٤٧٩١) .
(٢) انظر «تفسير القران العظيم» (٣/ ٥٠٦) .
(٣) هو محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلي المالكي، أبو بكر ابن العربي: قاض، من حفاظ الحديث. ولد في إشبيلية، ورحل إلى المشرق وبرع في الأدب وبلغ رتبة الاجتهاد في علوم الدين، توفي عام (٥٤٣ هـ) .
(٤) انظر «الجامع لأحكام القران» (١٤/ ٢٢٦) .
[ ٢ / ٤٠ ]
وعاد التحريم إلى أصله) «١» . انتهى.
وكلام القرطبي يؤكد ما ذكرته من أن الأصل في دخول بيوت النبي ﷺ هو التحريم، وهذا مقتضى كلام الشيخ السعدي﵀- حيث قال في تفسيره للآية الكريمة: (لا تدخلوا بيوت النبي ﷺ إلا بشرطين: الإذن لكم بالدخول، وأن يكون دخولكم بمقدار الحاجة وذلك قبل الطعام وبعده) . ومما يؤكد أن الأصل في الدخول هو التحريم ما قاله الإمام القرطبي ونصه: (يقول الله لأصحاب رسول الله ﷺ: يا أيها الذين امنوا بالله ورسوله لا تدخلوا بيوت النبي ﷺ إلا أن تدعوا إلى طعام تتناولونه فيها) «٢» .
مما ذكر يتضح بجلاء عظيم شأن بيوت النبي ﷺ وما ضمنه الله﵎- في كتابه العزيز من حفظ تلك البيوت وإلزام المؤمنين توقيرها وعدم التعدي عليها وعلى أهلها بما يؤذيهم أو يهتك سترهم أو يشق عليهم، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار ما ورد في نفس الآية من الآداب الواجب اتباعها عند سؤال أزواج النبي ﷺ متاعا، وهو ما سأورده- إن شاء الله- في باب (تعظيم زوجاته ﷺ) .
ثالثا: بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
جود النبي ﷺ مع أضيافه وإيثارهم على نفسه وأهل بيته، فمع أن البيوت كان لا يوقد فيها نار لشهرين بثلاثة أهلة، إلا أنه ﷺ كان يتكلف الطبخ لأضيافه إن استطاع، لقوله- تعالى-: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ، ويترتب عليه استحباب إكرام الضيف بطبخ ما يقدر عليه أهل البيت.
الفائدة الثانية:
وجوب إجابة الدعوة إلى الطعام، لقوله- تعالى-: وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا يصدّق ذلك: أنّ ابن عمر ﵁ كان يقول عن النّبيّ ﷺ: «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب؛ عرسا كان أو نحوه» «٣» .
الفائدة الثالثة:
من الآداب الإسلامية الرفيعة في الزيارة عدم المشقة على أهل البيت المضيف، فلا يشرع الاسترسال في الحديث بعد الطعام، إلا إذا علم أن صاحب البيت يحب ذلك، ولكن يجب التنبيه في وقتنا الحاضر، أن صاحب البيت يمكن أن يستأنس بحديث أصحابه مع وجود بالغ المشقة على أهله، فيجب على الزائر مراعاة ذلك.
_________________
(١) انظر «الجامع لأحكام القران» (١٤/ ٢٢٦) .
(٢) انظر «تيسير الكريم الرحمن» (٦٧٠) .
(٣) مسلم، كتاب: النكاح، باب: الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة، برقم (١٤٢٩) .
[ ٢ / ٤١ ]
الفائدة الرابعة:
الأدب القراني في تعليم الأمة:
أ- قال تعالى: فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وعفّ عن الأمر بالخروج، مع أن اللفظين بمعنى واحد، ولكن قد يكون في قوله: (فاخرجوا) أذى لأذن السامع ومشاعره، ويتفرع عليه أن على المعلم أو الداعية أن يتخير من الألفاظ أبعدها عن إيذاء السامع.
ب- ذكر حكمة الأمر أو النهي؛ لأن في هذا سلوى لمن توجه إليه الخطاب، خاصة إذا كان الأمر يحول بينه وبين ما يحب، قال- تعالى-: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ.
الفائدة الخامسة:
غيرة الله﷾- على نبيه ﷺ وحرصه ﷿ على رفع أي أذى يصيبه ولو كان أذى معنويّا، ومن شدة عناية الله﷾- بنبيه وحبه لإظهار تلك العناية للعالمين، أن القران لم يكتف برفع الأذى عن النبي ﷺ، بل نص على أن ذلك الحكم ما كان إلا بسبب تأذي النبي ﷺ. قال تعالى: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ [الأحزاب: ٥٣] .
ويتفرع على ذلك: التهديد الشديد، والوعيد الأكيد لمن تسبب في إيذاء النبي ﷺ حتى بعد وفاته؛ لأن الله ﷿ لا يحب أدنى إيذاء له ﷺ وإن كان هذا الإيذاء قد وقع بسبب أمور يعتقدها الناس من العادات وليس من العبادات، فما بالكم لو وقع الإيذاء فيما هو أكبر من ذلك، وهو ما يتعلق بأمور التشريع والسنة؟!.
الفائدة السادسة:
إثبات عدم استحياء الله ﷿ من الحق، ولكن إذا كان على المسلم أن يقول الحق، فيجب عليه أن يتخير أحسن الطرق وأجمل الألفاظ لتوصيل الحق إلى السامع كما نوّهت انفا.
٣- اداب مخاطبته ﷺ:
قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) [الحجرات: ٢، ٣] .
وهذا أدب اخر، علمه الله﷾- الأمة، وأمرهم أن يتبعوه عند مخاطبة أشرف الخلق نبينا محمد ﷺ وهو عدم رفع الصوت في حضرة النبي ﷺ بحيث يعلو صوت المتكلم على صوته، وهو أدب رفيع ربّى الله﷾- الأمة عليه كما سيأتي
[ ٢ / ٤٢ ]
مفصلا- إن شاء الله- تعالى- وسنذكر أولا سبب نزول الآية، ثم ما في الآية الكريمة من فوائد، ثم نختم بكيفية تفاعل الصحابة مع الآية.
أولا: سبب نزول الآية:
ذكر العلماء عدة أسباب لنزول الآية، تدور كلها في معنى واحد وهو رفع طائفة من الصحابة صوتهم على صوت النبي ﷺ كالأعراب الذين يتصف الغالب منهم بالجفاء في الحديث والغلظة في المعاملة، وقد ورد في سبب النزول عن ابن أبي مليكة قال: (كاد الخيّران أن يهلكا، أبو بكر وعمر﵄، رفعا أصواتهما عند النّبيّ ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل اخر فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلّا خلافي. قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ الآية، قال ابن الزّبير: فما كان عمر يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتّى يستفهمه) «١» .
تدبر أخي القارئ فيمن نزلت هذه الآية الكريمة، لقد نزلت في خير هذه الأمة بعد نبيها ﷺ أبي بكر وعمر ﵄، في رجلين معلوم فضلهما وسبقهما إلى الإسلام، فما من أحد أعظم منة على الإسلام وأهله من الصديق، وما من أحد أعز الله به الإسلام أكثر من عمر، ﵄، ومع ذلك لا يستحي الحق﵎- أن يأدبهما ويرشدهما إلى السلوك القويم الذي ينبغي أن يسلكاه في حضرة النبي ﷺ فإذا قدّر الله﷾- أن يتسامح مع أحد في رفع صوته فوق صوت نبيه ﷺ لتسامح مع أبي بكر وعمر ﵄، وحسبهما قربهما من النبي ﷺ وحبه لهما، فكيف نتصور أن يتسامح الله ﷿ لمن هو دونهما في الفضل والسبق، إذا لم يتأدب مع النبي ﷺ؟! واسمع لما يقول ابن أبي مليكة: (كاد الخيران أن يهلكا) . فلم يشفع لهما مكانتهما أن يهلكا إذا لم يلزما الأدب في حضرة النبي ﷺ.
ثانيا: بعض فوائد الآية:
الفائدة الأولى:
تحريم رفع الصوت في حضرة النبي ﷺ بحيث يعلو صوت المتكلم صوته ﷺ قال القرطبي- رحمه الله تعالى-: (معنى الآية الأمر بتعظيم النبي ﷺ وتوقيره وخفض الصوت بحضرته وعند مخاطبته، أي إذا نطق ونطقتم فعليكم ألا تبلغوا بأصواتكم
_________________
(١) البخاري، كتاب: تفسير القران، باب: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، برقم (٤٨٤٥) .
[ ٢ / ٤٣ ]
وراء الحد الذي يبلغه بصوته وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه غالبا لكلامكم وجهره باهرا لجهركم حتى تكون مزيته عليكم لائحة وسابقته واضحة) «١» . وأعتقد أن رفع الصوت المذكور في الآية من كبائر الذنوب؛ لأن الله﵎- رتب عليه عقوبة عظيمة وهي إحباط العمل، كما سيأتي.
الفائدة الثانية:
في الآيات الكريمات مظاهر عديدة تدل على تعظيم شأن الرسول ﷺ ومن مظاهر ذلك:
١- لم تقتصر الآية الأولى على تحريم رفع الصوت فحسب بل ضمت له أدبا اخر وهو تحريم الجهر له بالقول، كما يجهر أفراد المسلمين بعضهم لبعض، أي أن الحديث مع النبي ﷺ ومناداته والخطاب معه يجب أن يكون متميزا عن الخطاب مع غيره من عموم المسلمين، خطاب يدل على توقيره وإجلاله وتعظيم شأنه، يوضح ذلك قوله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا، وقد وضح الإمام القرطبي طرفا من اداب الحديث مع النبي ﷺ ومخاطبته بقوله: (أي لا تخاطبوه: يا محمد ويا أحمد ولكن يا نبي الله، ويا رسول الله توقيرا له، وأضاف﵀- أي لا تجهروا له جهرا مثل جهر بعضكم لبعض. وفي هذا دليل على أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقا حتى لا يسوغ لهم أن يكلموه إلا بالهمس والمخافتة وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفة، أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه فيما بينهم وهو الخلوة من مراعاة أبهة النبوة وجلالة قدرها وانحطاط سائر الرتب وإن جلّت عن رتبتها) «٢» .
كما ذكر الشيخ السعدي﵀- تعالى- في تفسير قوله- تعالى: وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ ما نصه: (ولا يجهر له بالقول بل يغضّ الصوت ويخاطبه بأدب ولين وتعظيم وتكريم ولا يكون الرسول كأحدهم بل يميزه في خطابه كما تميز عن غيره في وجوب حقه على الأمة ووجوب الإيمان به والحب الذي لا يتم الإيمان إلا به) «٣» .
٢- أن الآية لم تسوّ بين مقام النبوة، ومقام أي فرد من أفراد الأمة مهما عظم شأنه وجل قدره، حيث نهت الآية أن نسوّي حديثنا مع النبي ﷺ بحديثنا مع جميع أفراد الأمة بدون تقيد لمنزلة أي فرد من أفراد الأمة لقوله- تعالى-: كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ، فدلت الآية أن
_________________
(١) انظر «الجامع لأحكام القران» (١٣/ ٣٠٦- ٣٠٧) .
(٢) انظر «الجامع لأحكام القران» (١٦/ ٣٠٦) .
(٣) انظر «تيسير الكريم الرحمن» (٧٩٩) .
[ ٢ / ٤٤ ]
قدر أي أحد من أفراد الأمة لا يستوي مع قدر النبي ﷺ ولا ينبغي له من التعظيم والإجلال ما ينبغي للنبي ﷺ.
ويتفرع على ذلك أننا يجب أن نميز بين حديثنا عن الرسول ﷺ وحديثنا عن أشراف وسادات الناس. فيجب أن يكون هناك فرق في التعظيم والإجلال والإكبار بين النبي ﷺ وغيره، ولو كان من عظاماء المسلمين، لأننا إن لم نفعل ذلك وقعنا في النهي؛ قال تعالى:
لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا.
نقل القرطبي كلاما نفيسا عن القاضي أبي بكر ابن العربي نصه: (حرمة النبي ﷺ ميتا كحرمته حيّا، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثال كلامه المسموع من لفظه، فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه ولا يعرض عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به) «١» .
وقد نوّه ابن كثير﵀- عن وجوب الأدب مع النبي ﷺ بعد مماته بقوله: (قال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره ﷺ كما كان يكره في حياته ﷺ لأنه محترم حيّا وفي قبره ﷺ دائما) «٢» .
٣- من أبلغ مظاهر تعظيم الآية لمقام النبي ﷺ، أن جعلت عقوبة رفع الصوت عليه هي حبوط العمل، وفي هذا أبلغ التعظيم للمحظور، وهو رفع الصوت، قال الحافظ ابن كثير﵀-: (إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك، فيغضب الله تعالى لغضبه، فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري) «٣» .
وأعتقد أن العقوبة المترتبة على رفع الصوت، لا يشترط لها غضب النبي ﷺ فإذا لم يغضب لم تكن هناك عقوبة، ولكني أعتقد أن تعظيم النبي ﷺ بعدم رفع الصوت عليه هو أمر مطلوب لذاته وهو من مقتضيات الإيمان، ويعاقب تاركه وإن لم يتأذّ رسول الله ﷺ.
والدليل على ذلك أن الآية لم تقيد حبوط العمل بغضب النبي ﷺ ولكن قيدته فقط برفع الصوت.
[فوائد الآية الثانية:]
أما فوائد الآية الثانية: وهو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ [الحجرات: ٣]:
فتتلخص في عظيم الحث على التأدب مع النبي ﷺ بغضّ الصوت عنده، مع أبلغ الثناء
_________________
(١) انظر «الجامع لأحكام القران» (١٦/ ٣٠٧) .
(٢) انظر «تفسير القران العظيم» (٤/ ٢٠٨) .
(٣) انظر «تفسير القران العظيم» (٤/ ٢٠٨) .
[ ٢ / ٤٥ ]
على من التزم هذا الأدب، يتبين ذلك من:
١- حثت الآية المسلمين على مطلق غض الصوت عند رسول الله ﷺ فهي أبلغ من الآية التي قبلها في وجوب تعظيم النبي ﷺ حيث زكّت من يغض صوته عند رسول الله ﷺ سواء تكلم معه أم مع غيره في مجلسه، كما لم تقيد خفض الصوت بحيث يكون أخفض من صوت النبي ﷺ ولكنها حثت على مطلق خفض الصوت بغض النظر عن صوت النبي ﷺ في المجلس.
وهذا ما كان يفعله عمر بن الخطاب ﵁ فقد كان يخفض صوته جدّا عند رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآيات الكريمات حتى أن النبي ﷺ كان يطلب منه إعادة ما يقول ليفهم منه، ذكر ذلك في الحديث الذي أوردته عن سبب نزول الآية: (فما كان عمر يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه) .
٢- بينت الآية الكريمة أن خفض الصوت عند رسول الله ﷺ هي من علامات تقوى القلوب، بل إن هذه القلوب قد طهرها الله من كل قبيح ورذيل بفضل التزام أصحابها غض الصوت عند رسول الله ﷺ وذكر القرطبي عن ابن عباس ﵄ في معنى امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى قوله: (طهرهم من كل قبيح وجعل في قلوبهم الخوف من الله والتقوى) «١» .
٣- ختمت الآية بذكر عظيم الثواب الذي أعده الله ﷿ لمن تأدب مع النبي ﷺ في الحديث معه بقوله تعالى: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ، فقد وعدهم الله بأمرين عظيمين، هما: المغفرة من ذنوبهم، ومن لوازمه ستر الذنوب ومحوها، والأجر العظيم، أي الجزاء الذي يتصف بالعظمة في قدره وكمّه ومن لوازمه دخول جنات الفردوس التي أعدها الله لعباده الصالحين.
وتدبر أخي القارئ عظيم بركة التأدب مع النبي ﷺ في مجال واحد من مجالات التأدب وهو خفض الصوت، قلب تعمره التقوى قد تنزه عن الشكوك والشبهات، ذنوب قد غفرت ومحيت من الصحائف فابيضت تلك الصحائف لخلوها من الذنوب والآثام، أجور عظيمة قد كتبت في تلك الصحائف فازدادت بياضا على بياضها وجمالا على جمالها، فما بالك أخي القارئ لو استوفى المسلم جميع الآداب مع النبي ﷺ ماذا سيكون جزاؤه وعاقبته في الدنيا والآخرة؟!.
_________________
(١) انظر «الجامع لأحكام القران» (١٦/ ٣٠٨) .
[ ٢ / ٤٦ ]
ثالثا: تفاعل الصحابة ﵃ مع الآية الكريمة:
عن أنس بن مالك ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ افتقد ثابت بن قيس فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالسا في بيته منكّسا رأسه، فقال: ما شأنك؟ فقال: شرّ، كان يرفع صوته فوق صوت النّبيّ ﷺ فقد حبط عمله وهو من أهل الأرض، فأتى الرّجل فأخبره أنّه قال كذا وكذا، فقال موسى بن أنس فرجع المرّة الآخرة ببشارة عظيمة فقال: «اذهب إليه فقل له: إنّك لست من أهل النّار، ولكن من أهل الجنّة» «١» .
وقد أوردت هذا الحديث كشاهد على تفاعل الصحابة ﵃ مع ايات الذكر الحكيم لأثبت أن الصحابة فهموا الغرض الحقيقي من نزول القران الكريم، فكانوا يقفون عند كل اية ليتدبروا ما فيها من أحكام تشريعية وتكليفات إلهية، فما كان في استطاعتهم فعلوه في الحال، كالنهي مثلا عن شرب الخمر، وما كان في غير مقدورهم- حسب فهمهم للآية- شكوا حالهم إلى النبي ﷺ ليجدوا عنده المخرج، ومثاله ما رواه البخاري، عن عبد الله قال: (لما نزلت: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام: ٨٢]، قال أصحاب رسول الله ﷺ: أيّنا لم يظلم؟ فأنزل الله ﷿: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]) «٢» .
ومثاله أيضا الحديث الذي معنا، ونذكر سريعا طرفا من فوائده:
[بعض فوائد الحديث]
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- تفقّد النبي ﷺ لأصحابه وسؤاله عن الغائب منهم لما ثبت في رواية مسلم: (فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو ما شأن ثابت اشتكى؟ فقال سعد: إنه كان لجاري وما علمت له بشكوى) «٣» . وهذا يدل على حب النبي ﷺ لأصحابه واعتنائه بهم.
٢- عظيم شفقة النبي ﷺ بأصحابه ورغبته في إدخال السرور عليهم والمبادرة إلى ذلك ما أمكن، ودليله أن النبي ﷺ لم يستدع ثابت بن قيس ليبشره بالبشارة العظيمة، ولكنه رد إليه سعد بن معاذ مرة أخرى ليبشره، وأظن أن النبي ﷺ فعل ذلك حبّا منه أن يخرج ثابت ابن قيس من بيته- الذي حبس نفسه فيه- فرحا مرفوع الرأس مستبشرا بالجنة، بعد أن
_________________
(١) البخاري، كتاب، المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، برقم (٣٦١٣) .
(٢) البخاري، كتاب: الإيمان، باب: ظلم دون ظلم، برقم (٣٢) .
(٣) مسلم، كتاب: الإيمان، باب: مخافة المؤمن أن يحبط عمله، برقم (١١٩)، من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ٢ / ٤٧ ]
مكث في بيته منذ أن نزلت الآية منكس الرأس.
الفائدة الثانية:
في مناقب ثابت بن قيس ﵁:
١- خوفه الشديد من غضب الله﷾- عليه وعاقبة السوء ودليله:
أ- اعتزاله الناس جميعا، حتى مجلس النبي ﷺ.
ب- جلوسه في بيته منكس الرأس، قال الراوي: (فوجده جالسا في بيته منكّسا رأسه) .
٢- تعظيمه لأوامر الله﷾- ونواهيه، حيث وصف ما وقع فيه من رفع صوته فوق صوت النبي ﷺ بكلمة واحدة بليغة (شر) .
٣- تيقنه من خبر القران الكريم وتصديقه المطلق به، لقوله: (كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ فقد حبط عمله) . فذكر (قد) لإفادة التحقيق، بالإضافة إلى ذكره (حبط) بصيغة الماضي، فلم يقل مثلا (فربما يحبط عملي) . وورد في رواية مسلم: (فأنا من أهل النار) .
٤- تحقيره لأمر الدنيا ومن يركن إليها، حيث حكم على نفسه بعد أن تيقن أن عمله قد حبط، قال: (وهو من أهل الأرض)، ويستنبط منه، تعظيمه لأمر الآخرة وأهلها.
٥- أدبه مع التنزيل وعدم اعتراضه على أوامر الله﷾- حيث إن ثابت بن قيس كان جهير الصوت خلقة وجبلّة، قال الإمام النووي﵀- تعالى:
(وكان ثابت ﵁ جهير الصوت وكان يرفع صوته وكان خطيب الأنصار) «١» . فلم يقل ثابت عندما نزلت الآية: (وما ذنبي أن صوتي جهير، وكيف يعاقبني الله على أمر قد جبلت عليه) . ولم يقل: (أنا لا أرفع صوتي من قلّة أدب ولكني تعودت على ذلك من كوني خطيبا) .
هذه الاعتراضات كلها لم يفكر فيها الصحابة بل لم تخطر على بالهم وعقولهم، فليس عندهم إلا الأدب والتسليم التام، وهو ما ينقصنا في هذه الأيام.
٦- أنه من أهل الجنة، وهي منقبة عظيمة لثابت بن قيس ﵁ ولم تكن البشرى أنه من أهل الجنة فحسب بل جاءت بما هو أعظم من ذلك وهو قوله ﷺ: «إنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة» «٢» .
_________________
(١) انظر «شرح النووي على صحيح مسلم» (٢/ ١٣٤) .
(٢) البخاري، كتاب: تفسير القران، باب: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، برقم: (٤٨٤٦)، من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ٢ / ٤٨ ]
٧- أنه ما كان يتخلف عن رسول الله ﷺ إلا لعذر، لأن النبي ﷺ لما افتقده قال لسعد بن معاذ كما في رواية مسلم: «يا أبا عمرو ما شأن ثابت اشتكى؟» .
الفائدة الثالثة:
١- رجاحة عقول الصحابة ﵃ وكراهيتهم أن يتلبسوا بهيئة الرجل الذي وقع في المعصية، ولو كان على سبيل الرواية، وذلك من شدة كراهيتهم للمعاصي، ودليله من الحديث عدول الراوي عن نقل كلام ثابت بن قيس ﵁ بصيغة المتكلم بل قال: (شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ فقد حبط عمله وهو من أهل الأرض)، وهذا الالتفات كثير في السنة النبوية الشريفة.
ويتفرع عليه سفاهة عقل وسوء أدب من يقع في المعاصي ويحكيها بصيغة المتكلم، بل ويتباهى بها، وهذا يدلنا على البون الشاسع بين الصحابة ﵃ وبيننا.
٢- تعظيم الصحابة ﵃ لأمر الجنة، حيث وصف الراوي قول النبي ﷺ: «إنك لست من أهل النار ولكن من أهل الجنة»، بالبشرى ووصف تلك البشرى بالعظيمة.
الفائدة الرابعة:
هذا الحديث يدل قطعا على أن اية الباب إنما نزلت في حق من يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي ﷺ من غير قصد سوء الأدب، ودليله أن ثابت بن قيس ﵁ حمل الآية على نفسه وهو قطعا ما كان يرفع صوته بسوء أدب مع النبي ﷺ ولذلك قال القرطبي ما نصه: (وليس الغرض برفع الصوت ولا الجهر ما يقصد به الاستخفاف والاستهانة، لأن ذلك كفر والمخاطبون مؤمنون) «١» .
الفائدة الخامسة:
كل من ارتكب المعاصي ولم يتب منها فهو في شر، حتى يرجع إلى الله ﷾- مهما بلغت منزلته؛ لأن ثابت بن قيس، وهو صحابي جليل لما سأل عن حاله قال: (شر) وبلغ ذلك النبيّ ﷺ ولم ينكره، كما يؤخذ منه أن المعاصي شر، وبذلك تكون الطاعات- التي هي ضد المعاصي- كلها خير، لما تسببه للعبد من سعادة في الدنيا والآخرة.
٤- تحريم التقديم بين يديه ﷺ:
قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) [الحجرات: ١] . الشاهد في الآية:
_________________
(١) انظر «الجامع لأحكام القران» (١٦/ ٣٠٧) .
[ ٢ / ٤٩ ]
قوله تعالى: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وقد ذكر العلماء﵏- تعالى- أقوالا عديدة في معنى التقديم بين يدي الله ورسوله، كلها متقاربة المعنى أذكر منها:
١- لا تسارعوا في الأشياء بين يديه بل كونوا تبعا له في جميع الأمور.
٢- لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة، وقيل: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه ﷺ.
٣- لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم.
٤- لا تقدموا قولا ولا فعلا بين يدي الله، وقول رسوله وفعله فيما سبيله أن تأخذوه عنه من أمر الدين والدنيا، ومن قدم قوله أو فعله على الرسول ﷺ فقد قدمه على الله- تعالى لأن الرسول ﷺ إنما يأمر عن أمر الله ﷿.
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
وجوب تعظيم أمر الرسول ﷺ حيث نهت الآية، أن نقول حتى يقول الرسول ﷺ وأن نفعل حتى يفعل، فإذا كان النهي عن القول أو الفعل حتى يفعل أو يقول ﷺ فمن باب أولى أن يعظم النهي إذا قال أو فعل ﷺ وإذا كان المسلمون لا يسعهم أن يقولوا أو يفعلوا قبل قول الرسول ﷺ وفعله فهل يسعهم أن يجانبوا قوله أو فعله بعد تحققهما.
ويتفرع على ذلك: تحريم العدول عن سنة النبي ﷺ القولية أو الفعلية لقول أي أحد ولو كان من العلماء المشاهير، وهذا هو نهج أهل السنة والجماعة، فإنهم قد اتفقوا على أن الحديث إذا صح فهو مذهبهم.
كما يتفرع عليه وجوب التأدب مع النبي ﷺ؛ لأن أمر الله بعدم التقديم على النبي ﷺ بقول أو فعل لهو من أعظم الآداب، قال الحافظ ابن كثير- رحمه الله تعالى: (هذه ايات أدب الله بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به الرسول ﷺ من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام) «١» . وقال الشيخ السعدي﵀-: (هذا متضمن للأدب مع الله- تعالى ومع رسول الله ﷺ والتعظيم له واحترامه وإكرامه) «٢» .
الفائدة الثانية:
جاءت الآية الكريمة بأبلغ الحث على عدم التقديم بين يدي رسول الله ﷺ، ومن مظاهر ذلك:
١- ابتداء الآية بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاسترعاء سمع المؤمنين
_________________
(١) انظر «تفسير القران العظيم» (٤/ ٢٠٦) .
(٢) انظر «تيسير الكريم الرحمن» (٧٩٩) .
[ ٢ / ٥٠ ]
وانتباههم، وبيان أن طاعة الأمر الذي سيتلى هو من مقتضيات الإيمان ولوازمه، وأن عدم الامتثال لهذا الأمر يقدح في كمال إيمان العبد.
٢- اقتران النهي عن التقديم بين يدي رسول الله ﷺ بالنهي عن التقديم بين يدي الله ﷿. ولا يخفى ما في ذلك من تعظيم لأمر النبي ﷺ، وفيه أبلغ الحث على طاعته والتأدب معه، كما فيه إشعار أن الذي يمتثل أمر الله ﷿ آناء الليل والنهار ولا يمتثل أمر النبي ﷺ، فقد عصى الله ﷿ وأنه في الحقيقة لم يمتثل أمره﷾-؛ لأن الآية لم تفرق بين طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ، فهما في وجوب التعظيم والامتثال سواء، لأن النبي ﷺ ما هو إلا مبلغ عن ربه﷾- يصدّق ذلك قوله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) [النساء: ٨٠] .
ويتفرع عليه وجوب عدم التفريق بين أوامر القرآن، وأوامر السنة الصحيحة، لا من حيث الحجية ولا من حيث الوجوب، ولا من حيث جواز نسخ أحدهما للآخر؛ لأن الآية إنما ذكرت تحريم التقديم بين يدي الله (القرآن) ويدي النبي ﷺ (السنة الصحيحة) في نهي واحد إلماحا بالمساواة بين القرآن والسنة من حيث الأمور التي ذكرتها، وصدق من ذكر أن المصدر الأول للتشريع هو القرآن والسنة، ولم يجعل السنة مصدرا ثانيا.
٣- أمرت الآية المؤمنين بتقوى الله ﷿ بعد الأمر بعدم التقديم بين يدي الله ورسوله، إشعارا بأن عدم التقديم هو من تقوى الله ﷿ وأن العبد كلما زادت تقواه لله كلما زاد حرصه على امتثال أوامر الله ورسوله وتأدبه مع الرسول ﷺ.
٤- اختتمت الآية الكريمة بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وفي هذا أبلغ الحث على عدم مبادأة الله ورسوله بقول أو فعل؛ لأن من لوازم علم الله وسمعه أنه سيجازي الذي امتثل أوامره خيرا وسيعاقب الذي عصاه بما يستحق من العذاب والنكال.
الفائدة الثالثة:
من مظاهر عدم تقديم الصحابة ﵃ بين يدي الرسول ﷺ ما رواه الشيخان عن أبي سعيد الخدريّ قال: (كنّا في مسير لنا فنزلنا فجاءت جارية فقالت: إنّ سيّد الحيّ سليم، وإنّ نفرنا غيب فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنّا نأبنه «١» برقية فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة وسقانا لبنا، فلمّا رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية أو كنت ترقي؟
_________________
(١) أي: ما كنا نظنه يرقي.
[ ٢ / ٥١ ]
قال: لا ما رقيت إلّا بأمّ الكتاب، قلنا: لا تحدثوا شيئا حتّى نأتي أو نسأل النّبيّ ﷺ فلمّا قدمنا المدينة ذكرناه للنّبيّ ﷺ فقال: «وما كان يدريه أنّها رقية اقسموا واضربوا لي بسهم») «١» .
وهو حديث يبين بجلاء ما كان عليه الصحابة من الأدب الجم مع النبي ﷺ وعدم التقديم بين يديه في أي أمر من الأمور، وشاهده من الحديث أن هؤلاء النفر من الصحابة قد أبوا أن يأكلوا شيئا من قطيع الغنم حتى يأتوا الرسول ﷺ ويسألوه عن مشروعية أخذ الأجر على الرقية.
ويتفرع عليه ما نحن فيه من سوء الأدب مع مقام النبوة ليس بعدم التقديم بين يدي النبي ﷺ بل في الجدال في سنته والسعي في نقضها والمجادلة في حجيتها. وغير ذلك كثير.
_________________
(١) البخاري، كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل فاتحة الكتاب، برقم (٥٠٠٧)، ومسلم، كتاب: السلام، باب: جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار، برقم (٢٢٠١) .
[ ٢ / ٥٢ ]
رابعا: ألطف الخطاب في القرآن حتى عند معاتبته ﷺ
١- اللطف عند العتاب:
لم يقتصر لطف الخطاب الموجه للنبي ﷺ في القرآن الكريم على دفع ما ظاهره تكذيبه، أو عدم الخطاب بما يوهم الهجر، ولكن تعدى خطاب القرآن إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، تعدى إلى ما هو أجمل وأتم، تعدى إلى اللطف عند العتاب، وهل في العتاب رقة في التعبير؟ نعم إذا كان العتاب بين حبيب وحبيبه، إذا كان العتاب من الله﷾ إلى صفوته من خلقه وخليله ﷺ وسنضرب لذلك مثلين من كتابه العزيز.
الشاهد الأول:
قال تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣) [التوبة: ٤٣] هذا مثال للطيف عتاب الله﷾- لنبيه ﷺ.
وسبب نزول هذه الآية أن النبي ﷺ أذن لطائفة من المنافقين في التخلف عنه في غزوة تبوك، قال القرطبي﵀-: «قال قتادة وعمرو بن ميمون: اثنتان فعلهما النبي ﷺ ولم يؤمر بهما: إذنه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه ولم يكن له أن يمضي شيئا إلا بوحي، وأخذه من الأسارى الفدية، فعاتبه الله كما تسمعون» «١» .
ووجه اللطف في هذا العتاب واضح جدّا: وهو أن الله ﷿ بدأ العتاب الكريم بالدعاء للنبي ﷺ بعفو ربه، ذكر ابن كثير عن عون قوله: «هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذه؟ نداء بالعفو قبل المعاتبة»، كما ذكر أيضا قول قتادة: «عاتبه كما تسمعون ثم أنزل التي في سورة النور فرخص له أن يأذن لهم إن شاء فقال: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ [النّور: ٦٢]» «٢» .
وقال القرطبي: (أي سامحك الله وغفر لك ما أجريت، لم أذنت لهم في التخلف، وكان عليك أن تمتحنهم ليتبين لك الصادق من الكاذب، فتعذر من يستحق العذر ممن لا يستحق) «٣» .
وقال القرطبي أيضا: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ هو افتتاح الكلام كما يقول: أصلحك الله
_________________
(١) انظر الجامع لأحكام القرآن (٨/ ١٥٥) .
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٢/ ٣٦١) .
(٣) انظر الجامع للحكام القرآن (٨/ ١٥٤) .
[ ٢ / ٥٣ ]
وأعزك ورحمك، وأخبره بالعفو قبل الذنب لئلا يطير قلبه فرقا)، وأضاف: (قال بعض العلماء: إنما بدر منه ترك الأولى فقدم له العفو على الخطاب الذي هو في صورة العتاب) «١» .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
عظيم حب الله﷾- لنبيه ﷺ إذ دعا له بعفوه، وتظهر عظمة هذا الدعاء أن جعل فاعل عفا هو لفظ الجلالة.
وقد يكون قوله: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ من باب الإخبار لا الدعاء، فيكون هذا أبلغ في الحب والشفقة إذ أخبره﷾- أنه عفا عنه بالفعل الماضي قبل أن يوجّه له العتاب حتى يتيقن ﷺ أن هذا العتاب لن يؤثر مطلقا في مكانته عند ربه ﷿.
الفائدة الثانية:
حاجة النبي ﷺ إلى عفو ربه الحنان المنان، ولذلك دعا الله له بالعفو.
ويتفرع عليه حاجة الناس كلهم جميعا إلى عفو ربهم من لدن آدم حتى أدنى رجل من المسلمين، وعلى المسلمين أن يدعوا ليل نهار بعفو ربهم عسى أن يشملهم ويعمهم، ومن سوء الأدب أن يشعر المسلم لصلاحه وتقواه أنه في غنى عن عفو ربه.
الفائدة الثالثة:
ثبوت صفة العفو لله ﷿، ويتفرع على ذلك، أن على المسلم ألا ييأس من عفو ربه مهما بلغت ذنوبه، وعليه أن يعلم أن اليأس من العفو هو كفر يخرج من ملة الإسلام؛ قال تعالى: إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ [يوسف: ٨٧] .
الفائدة الرابعة:
عدم علم النبي ﷺ لأمور الغيب- إلا ما علّمه له الله- حيث أثبتت الآية أن إذن النبي ﷺ للبعض في التخلف عن الغزو جعله لا يعلم الصادق منهم والكاذب، وهذا الغيب الذي لم يعلمه النبي ﷺ هو غيب نسبي، فمن باب أولى فإنه ﷺ لا يعلم الغيب المطلق.
الفائدة الخامسة:
ذم صفة الكذب أعظم الذم، حيث إن الله﷾- قد وصف بها الذين أظهروا طاعة الله ورسوله وأضمروا في قلوبهم المعصية، قال مجاهد:
(نزلت هذه الآية في أناس قالوا: استأذنوا رسول الله ﷺ، فإن أذن لكم فاقعدوا وإن لم يأذن لكم فاقعدوا) «٢» .
_________________
(١) انظر الجامع لأحكام القرآن (٨/ ١٥٥) .
(٢) انظر تفسير الطبري (١٠/ ١٤٢) .
[ ٢ / ٥٤ ]
الشاهد الثاني:
قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) [عبس ١- ١٠]، لا خلاف في سبب نزول هذه الآية، كما لا خلاف فيمن نزلت فيه الآية، وتتشابه أقوال المفسرين في بيان ذلك، وأكتفي بما قاله الإمام ابن كثير- رحمه الله تعالى-: (ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله ﷺ كان يوما يخاطب أحد عظاماء قريش، وقد طمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم، وكان ممن أسلم قديما فجعل يسأل رسول الله ﷺ عن شيء ويلحّ عليه، وودّ النبي ﷺ أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على الآخر فأنزل الله الآية) . انتهى «١» .
ثانيا: وجه اللطف في العتاب:
وجه اللطف في هذا أن الله﷾- وجه إلى النبي ﷺ العتاب بصيغة ضمير الغائب، قال تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢)، ولما انتهى العتاب وجه إليه الخطاب بصيغة المخاطب، قال- تعالى-: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) [عبس: ٣] إلى آخر الآيات، وهذا يدل على عظيم حب الله﷾- لنبيه الكريم ﷺ، وعظيم شفقته به أن توجّه إليه كلمة تحزنه مع بيان علو منزلته عند ربه، قال الإمام القرطبي﵀-: (أنزل الله على نبيه: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) بلفظ الإخبار عن الغائب تعظيما له، ولم يقل: عبست وتوليت ثم أقبل عليه بمواجهة الخطاب تأنيسا له فقال: وَما يُدْرِيكَ) «٢» .
بعض فوائد الآيات الكريمات:
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- عناية الله﷾- به ﷺ ويتبين ذلك من:
أ- تربيته أحسن التربية، حيث لامه﷾- في كل ما فعل مع ابن أم مكتوم ﵁، ويتضمن أمرين: الأمر الأول: في الوجه وهو العبوس، والثاني:
بالجسد كله وهو الإعراض.
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٤٧١) .
(٢) انظر الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢١٣) .
[ ٢ / ٥٥ ]
ب- لما كان توجيه العتاب قد يفهم منه وقوع النبي في التقصير في الدعوة إلى الله﷾-، بيّن﷾- أن هذا العتاب نتج بسبب أن النبي ﷺ حّمل نفسه ما لم يكلف شرعا وهو التصدي للكافر، قال- تعالى-: وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧)، فقد ترك النبي ﷺ الأمر السهل، وهو إجابة سؤال المسلم، وتعرض للصعب، وهو دعوة الكافر للإسلام.
ج- إرادة التهوين على النبي ﷺ وتسليته ورفع ما يشق عليه، فبين الله ﷿ له أنه رسول ومبلغ، وليس عليه هداية الناس، إنما هذا لله وحده، قال تعالى: وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) .
٢- ما كان عليه النبي ﷺ من اجتهاد في تعليم الأمة حيث كان يقصده كل أحد من الناس- حتى الضرير الذي يشق عليه ذلك- ليسأله عن حاجته.
٣- صحة وقوع الاجتهاد للنبي ﷺ، فيما لا وحي فيه- وأن الله ﷿ لا يقره على اجتهاد صدر منه إلى خلاف الأولى، وموضع الاجتهاد هنا أن النبي ﷺ رأى أن الاسترسال مع الكافر ومحاولة هدايته إلى الإسلام أولى من إجابة سؤال المسلم الحريص على أمر دينه، فالمسلم الذي جاء بمحض إرادته يسأل لا يخشى عليه الفتنة، فالأمر بالنسبة إليه فيه سعة.
قال الإمام القرطبي﵀-: (قال علماؤنا: ما فعله ابن أم مكتوم كان من سوء الأدب لو كان عالما بأن النبي ﷺ مشغول بغيره، وأنه يرجو إسلامهم، ولكن الله﵎- عاتبه حتى لا تنكسر قلوب أهل الصّفّة) «١» .
٤- بيان أن النبي ﷺ لم يكتم شيئا من أمر الوحي أبدا، وأنه قد أدى أمانة تحمّل القرآن وتبليغه أحسن ما يكون، ولو أن النبي ﷺ كتم شيئا من الوحي أو كان يسعه أن يكتم شيئا، لكتم آيات العتاب.
٥- بذل النبي ﷺ غاية جهده لنشر دين الله ﷿ والدعوة إلى الإسلام، واستنقاذ البشر من الكفر والضلال، ولو تعرض في سبيل ذلك لأبلغ الأذى المادي والمعنوي، المادي: كما حدث له ﷺ في الطائف، أما المعنوي: لما عرض نفسه ﷺ على القبائل، وفي الحادثة التي معنا التي تثبت أن النبي ﷺ كان يتصدى للكفار، وقيل: معنى يتصدى أي:
يتعرض لهم كما يتعرض العطشان للماء، وانظر كيف كان حاله ﷺ وهو يدعوهم
_________________
(١) انظر الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢١٣) .
[ ٢ / ٥٦ ]
للإسلام، وكيف كان حالهم هم، أشد حالات الزهد والإعراض وعدم المبالاة والاكتراث لما يسمعونه، وهي معان يدل عليها جميعا قوله تعالى-: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥)، ويدل على حالة النبي ﷺ وهو يدعوهم قوله- تعالى-: فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وصدق من قال: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) [الأنبياء: ١٠٧] .
الفائدة الثانية:
عدم استحياء الله﵎- من الحق، حيث عاتب أحب الخلق إليه ﷺ.
الفائدة الثالثة:
حبّ الله﵎- إظهار الحق للناس وتعليمه لهم، فلم يكتف بتوجيه العتاب للنبي ﷺ سرّا أو إلهاما أو مناما، ولكن أنزل قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، وأظهر في هذا القرآن الحقّ الذي لم يتضرر منه صاحبه، فالأعمى لا يتضرر إذا عبس أحد في وجهه.
الفائدة الرابعة:
غنى الله﷾- عن إيمان الناس ولو كانوا سادة في أقوامهم، أغنياء في أموالهم، وأن من أعرض عن الله أعرض الله عنه ولم يبال به، ويتبين ذلك من قوله تعالى: وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧)، وفي عتاب النبي ﷺ بسبب انشغاله بالكافر عن المسلم.
الفائدة الخامسة:
ميزان الشرع في التفاضل بين الناس هو تقوى الله وإقبالهم عليه، وحرصهم على الخير ولو كانوا أشد الناس فقرا.
الفائدة السادسة:
تزكية ابن أم مكتوم ﵁ أبلغ التزكية ووجه ذلك:
أ- ذكره بصفته في القرآن الكريم، ولا يعلم في ذلك خلاف أنه هو المقصود من الآية.
ب- عناية الله﷾- به وبأمثاله من الفقراء- إذ عاتب نبيه ﷺ فيه.
ج- بيان حرصه على ما ينفعه؛ إذ جاء النبيّ ﷺ سعيا مع أنه ضرير، في حالة كونه يخشى، قال القرطبي﵀- في تفسير كلمة يَخْشى أي يخاف الله. وأظن أن هذا تفسير ببعض ما يحتمله اللفظ، أما جمال اللفظ فهو أن نفسره بكل ما يحتمله، خاصة أن الله ﷾- لم يقيده بمعنى دون معنى، فنقول: إنه﵁- كان يخشى الله ويخشى الطريق، ويخشى فوات المصلحة بعدم وجود النبي ﷺ، ويخشى أن يجبيبه النبي ﷺ بما لا يستطيع فعله. وإثبات كل هذه المعاني أبلغ في تزكية ابن أم مكتوم ﵁، وتصوّر حاله أثناء مجيئه، وأوجه في توجيه العتاب للنبي ﷺ.
[ ٢ / ٥٧ ]
الفائدة السابعة:
توجيهات إلى أهل العلم وأصحاب الفتوى.
١- يجب أن يعتقدوا أن وقوع الخطأ منهم أمر وارد، سواء في الاجتهاد أو معاملة الناس، وعليهم أن يقبلوا التوجيه ولا يستنكفوا عنه.
٢- إرشاد المتعلم أو السائل بما يزكيه ويذكّره، ولو كان ذلك زائدا على قدر سؤال السائل.
٣- على العالم أن يتحلى عند التعامل مع الناس- مهما قلّت مستوياتهم- ببشاشة الوجه والإقبال على السائل، وأنه ليس من تقوى الله التجهم والعبوس والانشغال عن السائل، فلربما كره السائل- خاصة لو كان من عوام الناس- أهل العلم إذا لم يعطه العالم حقه من الوقت والاهتمام.
٤- العالم المحب للخير والدعوة إلى الله﷾- لا يقتصر عمله فقط على ما أوجب الله عليه فعله، ولكن عليه أن يجتهد في كل أبواب الخير، حتى لو كلفه ذلك بعض الإيذاء المادي أو المعنوي، شريطة ألا يضيع ما هو أوجب منه. ودليله أن الله ﷿ ما كلف نبيه﵊- أن يتعرض لهداية الكفار كما كان يفعل ويشق على نفسه، ومع ذلك حمل نفسه ما يجهدها حبّا للخير، وتوجه إليه العتاب الرباني لأنه انشغل بذلك عما هو أوجب منه، وهو إجابة سؤال المسلم، ولم يكن العتاب لمجرد التصدي للكافر.
الفائدة الثامنة: توجيهات إلى عموم المسلمين:
١- على المسلم أن يجد في نفسه التزكية أو التذكرة بعد السماع والأخذ من أهل العلم الربانيين، ومن حرم ذلك فقد حرم خيرا كثيرا، وعليه أن يفتش في قلبه مما عسى أن يكون منع بسببه من التزكية.
٢- وجوب أن يسلك المسلم في عتابه ولومه مسلك الأدب، خاصة لو كان الموجه إليه العتاب رفيع القدر، لأن هذا أحرى في قبول الحق وعدم رد النصح والإرشاد.
٣- عدم الاستهانة بأصحاب العاهات وعدم احتقارهم أو التهوين من شأنهم، خاصة لو كانوا على العلم حريصين على التعلّم مقبلين.
٤- لا ضرر أن يقال للذي فقد بصره: أعمى، وليس هذا من الغيبة شريطة أن يكون في هذا الوصف مصلحة شرعية وألا يتأذى المسلم من هذا الوصف وألا يكون إطلاق هذا
[ ٢ / ٥٨ ]
الوصف للاحتقار أو الامتهان فإن كان لذلك فهو محرم شرعا.
٥- الحث على طلب العلم وتحمل المشاق في سبيل ذلك، فإذا كان الأعمى مطلوب منه السعي في طلب العلم، فيجب على المبصر الاجتهاد في ذلك من باب أولى.
٦- من الأدب أن يسعى السائل للمسئول والمتعلم للعالم.
٧- لا يعيب المسلم أن يكون جاهلا بأمر من أمور دينه، ولكن العيب ألا يجتهد في تحصيله وطلبه.
كما يؤخذ من الآية أن شفاء العي السؤال، ودليله أن الله زكى ابن أم مكتوم، ولم يعتب عليه أنه جاء جاهلا بأمر من أمور دينه.
الفائدة التاسعة:
التزكية غير التذكرة وأن حاجة الكافر إلى التزكية مقدمة على حاجته للتذكرة، وأن الذي يمنع وصول الإيمان إلى الكافر هو عدم زكاء نفسه، والفرق بين تزكية المسلم وتزكية الكافر أن المسلم معه أصل التزكية بتوحيده وبالعلم تزيد هذه التزكية التى توصله إلى التذكرة، أما الكافر فليس معه شيء منها وبالتالي لن ترجى منه التذكرة حتى يتزكى بالإيمان.
٢- لم يناد باسمه كبقية الأنبياء:
لم يناد النبي في القرآن باسمه أبدا، وإنما نودي بصفة الرسالة، أو النبوة، وإذا ذكر باسمه يكون بايات خبرية كقوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الفتح: ٢٩]، وكقوله- تعالى-: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ [محمّد: ٢] .
٣- عدم مخاطبته بما يوهم الهجر:
قال تعالى: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) [الضّحى: ٣] . وسيأتي الكلام عن الآية الكريمة مبسوطا في باب كذب ادعاء الكفار أن الله قد قلاه ﷺ.
٤- دفع ما ظاهره تكذيبه:
قال- تعالى-: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) [المنافقون: ١] .
هذه الآية الكريمة تحتاج إلى تأمل وتدبر من كل مسلم يحب الله ورسوله ﷺ، والسبب في ذلك أنها توضح بجلاء مدى عناية الله﷾- بنبيه ﷺ، ومكانته العالية
[ ٢ / ٥٩ ]
الرفيعة عند ربه التي لا يعلوها أحد في الأولين والآخرين، وأن الإرادة الحكيمة لله ﷿ قد اقتضت ألا يتوجه إليه ﷺ أي خطاب- ولو كان على لسان الكفار- فيه أدنى إيذاء أو شبهة تكذيب للنبي ﷺ، فلو كان الكلام على لسان الكفار أو المنافقين دفع الله شبهة المعاندين وأبطلها، كما بينت ذلك مفصلا في باب «دفع شبهات الكفار»، وإن كان سياق الكلام حكاية من الله ﷿ عن أحوال المعاندين، دفع الله ﷿ ما يوهم تكذيب النبي ﷺ، ودليله من آية الباب: أن المنافقين لما ذهبوا إلى النبي ﷺ ليشهدوا أنه رسول الله، ولما كانت هذه الشهادة التي قالوها بألسنتهم تنافي ما في قلوبهم من التصديق، وأراد الله أن يكذبهم في شهادتهم دون أن ينسحب التكذيب على صدق الرسول ﷺ، ذكر القرآن الكريم جملة اعتراضية بين شهادة المنافقين، وتكذيب الله ﷿ لهم في شهادتهم، بقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ [المنافقون: ١]، وبذلك أثبت القرآن الكريم شهادة المنافقين وتكذيبها دون المساس بالنبي ﷺ، فتمت كلمة ربك صدقا وعدلا، وهذا من أكبر الدلالات على عظيم قدر النبي ﷺ عند ربه.
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
عناية الله﷾- بنبيه، حيث ذكرت الآية علم الله برسالة النبي ﷺ قبل أن تذكر كذب المنافقين في شهادتهم، كأن الله﷾- أراد أن يقول لنبيه ﷺ: لا يهمنك تكذيب المنافقين لك وإنكارهم رسالتك، فإن ذلك لا يضيرك، فيكفيك أن الله﷾- يعلم أنك رسوله، فكفى بالله شهيدا على ذلك. وفي هذا أبلغ تسلية للرسول ﷺ، وتطمينه أن تكذيب المنافقين له لا يقدح في رسالته.
وهذه الفائدة تختلف عما ذكرته آنفا، فتدبر.
الفائدة الثانية:
في الآية الكريمة بيان ظاهر لقبح ما عليه المنافقون ويظهر ذلك من:
١- قوله تعالى: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ بينت الآية أن المنافقين هم الذين سعوا إلى النبي ﷺ، فهو لم يذهب إليهم، ولم يستدعهم، فكان حريّ بمن جاء بنفسه للشهادة من تلقاء نفسه، أن يكون صادقا في شهادته وأن تكون هذه الشهادة مطابقة لما في قلبه، ولكن جاء الأمر منهم عكس ذلك تماما.
٢- صيغة شهادتهم بين يدي النبي ﷺ، وهي قول الله تعالى على لسانهم: قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وفيها:
[ ٢ / ٦٠ ]
أ- أتوا بلفظ الشهادة التي هي أعظم ما يتكلم به الإنسان، فلم يقولوا: «نعلم إنك لرسول الله» . فكذبهم في شهادتهم- من حيث مخالفتها لما في قلوبهم- أشدّ قبحا.
ب- أتوا بتوكيد شهادتهم بمؤكدين هما: حرف التوكيد «إن»، وباللام الموطئة للقسم في لَرَسُولُ اللَّهِ.
ج- اجتراؤهم على الله﷾-، حيث إن أمرهم مع الرسول ﷺ لا يخرج من حالين: إما أنهم يعلمون أنه رسول الله حقّا ولكنهم كذبوه، وإما أنهم ينكرون أنه رسول الله ومع ذلك شهدوا زورا وبهتانا- حسب اعتقادهم- أنه رسول الله، وفي كلتا الحالين هو اجتراء على الله- جل في علاه-، يستحق فاعله العذاب والنكال في الدنيا والآخرة.
٣- صيغة رد القرآن عليهم، حيث رد الله عليهم بقوله تعالى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ وفيها أسوأ التقبيح لصنيعهم من حيث:
أ- شهادة الله العظيم عليهم، وكفى بها شهادة، والله لا يفلح أحد شهد الله عليه بسوء اعتقاده، ولو استشهدت الآية على كذب المنافقين بأحد دون الله﷾- لكان الأمر أهون من ذلك بكثير، لأن الذي شهد على المنافقين هو أصدق الشاهدين، وهو الذي يملك نواصي المشهود عليهم وإليه مالهم وعليه حسابهم.
ب- توكيد شهادة الله﷾- بأداة التوكيد «إن» واللام الموطئة للقسم، في قوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ.
ج- وصفهم بأقبح الصفات وهي الكذب.
وهذا الكذب ينسحب على أمرين في المنافقين: الأمر الأول: شهادتهم الزور التي تخالف ما يعتقدونه، الأمر الثاني: اعتقادهم الفاسد كذب النبيّ ﷺ، ومن الجميل أن يعود لفظ لَكاذِبُونَ على الأمرين معا.
الفائدة الثالثة:
إعجاز القرآن الكريم، ويتضح إعجازه في هذه الآية الكريمة من جهتين:
الجهة الأولى:
الإعجاز اللفظي البلاغي، حيث استل النبي ﷺ مما ظاهره تكذيبه، كما قابل شهادة المنافقين بشهادة الله﷾- بنفس النظم دون أي تكلف في إثبات الجملة المعترضة، أو شعور القارئ بأي ملل من تكرار نظم الشهادتين بل القارئ لا يكاد
[ ٢ / ٦١ ]
يفهم مقصود الآية وما فيها إلا بحسن تدبر وتأمل، وهذا هو مكمن الجمال والكمال في آيات القرآن الكريم.
الجهة الثانية:
بيان ما تنطوي عليه قلوب المنافقين، مما لا يمكن أن يطلع عليه إلا صاحب هذا القلب أو الذي خلقه وهو عالم الغيب والشهادة- جل وعلا-، ومن قرأ سورة «المنافقون» حتى آخرها رأى العجب في ذلك.
ويتفرع عليه بيان عناد أهل الزيغ والضلال، حيث تتلى عليهم الآيات البينات التي تخبرهم بما في صدورهم وقلوبهم مما لا يعلمه إلا الله، ومع ذلك يصرون على الحنث العظيم وهو الكفر بالله﷾-.
الفائدة الرابعة:
تعظيم رسالة النبي ﷺ، حيث أضافها الله ﷿ إلى نفسه الكريمة المقدسة، قال تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ، كما أكدها بمؤكدين، سبق الإشارة إلى ما يماثلهما.
ويتفرع عليه أمر عظيم، وهو التهديد الشديد لمن كذب برسالة النبي ﷺ؛ لأن لسان حاله يقول: إن علم الله﷾- لا يوافق الواقع، حيث إن الواقع- وحسب اعتقاده الفاسد- أن محمدا ﷺ ليس برسول من عند الله، وهذا طعن عظيم في صفة من أوسع صفات الله﷾- وهي صفة العلم.
الفائدة الخامسة:
أفادتنا الآية في معرفة من هم المنافقون، فهم الذين يقولون بألسنتهم ما يخالف ما في قلوبهم، وإذا كان في أمر يتعلق بالعقيدة فهو نفاق اعتقادي يجعل صاحبه في الدرك الأسفل من النار، وإذا كان في أمر من السلوكيات فهو نفاق عملي، يجعل في صاحبه صفة من صفات المنافقين، وقد حذرنا النبي ﷺ من ذلك أشد التحذير في الحديث الذي رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو أنّ النّبيّ ﷺ قال: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» «١» .
وأود أن أنبه هنا إلى سلوك قد يقع فيه البعض عمدا أو جهلا أو خطأ، وهو أن يظهر من كلامه أو على محيّاه تقوى وخوف من الله﷾- أكثر مما في قلبه، وأخشى أن يكون ذلك السلوك من النفاق الذي يؤدي بصاحبه إلى التهلكة.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: علامة المناقب، برقم (٣٤) .
[ ٢ / ٦٢ ]
ويتفرع على ذلك تحذير الأمة أشد التحذير من خطر المنافقين؛ لأنهم يكيدون لنا أعظم الكيد في الخفاء، ولسان حالهم ومقالهم يقول: إنهم معنا يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم، بل قد يظهرون من الغيرة على الإسلام ما لا يظهره أهله الصالحون.
الفائدة السادسة:
يؤخذ من الآية أن العلم أوسع من الشهادة؛ لأن الله﷾- لما أراد أن يثبت رسالة نبيه ﷺ أعظم الإثبات، أثبتها بصفة العلم، ولم يقل:
«والله يشهد إنك لرسوله» . وهذا هو الصحيح أن صفة العلم أوسع من الشهادة؛ لأن الشهادة فرع عن العلم، والعلم هو الأصل.
أخي القارئ:
من كل ما تقدم نعلم علو منزلة النبي ﷺ بالنظر إلى آية واحدة فقط من القرآن الكريم، فكيف سيكون الأمر إذا تدبرنا جميع ما يتعلق بالنبي ﷺ في القرآن الكريم وهو كثير.
والذي يجب علينا تعلمه من هذه الآية ونلتزم به هو: كيف نتكلم عن النبي ﷺ، بحيث يكون حديثنا كله عنه ﷺ ينضح بغاية التوقير والإجلال والإكبار.
[ ٢ / ٦٣ ]
خامسا: مظاهر حب الله﷿- وعنايته به ﷺ
١- عموم اعتناء الله﷿- به ﷺ:
قال تعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ [الطور: ٤٨] .
هذه الآية من أعظم الآيات التي تدل على كمال اعتناء الله﷾- بنبيه ﷺ حيث أثبتت الآية أنه ﷺ بمرأى ومسمع من الله تعالى، في كل أحواله وتقلباته ﷺ، في أولاه وأخراه، في حياته ومماته، قبل البعثة وبعدها، في حله وترحاله، في عاداته وعباداته، بل نجزم أن هذه العناية والرعاية الإلهية قد شملته ﷺ قبل ميلاده بقرون طويلة، ألم تر كيف اختار الله له نسبه الشريف، من لدن إبراهيم ﵇ وحتى عبد المطلب، ودليله ما رواه مسلم، عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» «١» .
وقد حكمت بأن العناية والرعاية قد شملت كل ما ذكر؛ لأن الآية لم تأت مقيدة بزمن دون زمن، ولا بحال دون حال، قال تعالى: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا، وقد أثبتّ ذلك في باب حفظه ﷺ منذ الصغر وباب ملء القلب إيمانا وحكمة، قال القرطبي ﵀ في تفسيره للآية: (أي أنت بمرأى ومنظر منا نرى ونسمع ما تقول وتفعل، وقيل: بحيث نراك ونحفظك ونحو طك ونحرسك ونرعاك) . انتهى «٢» .
وقال ابن كثير كلاما مشابها لما ذكره القرطبي، وقال الشيخ السعدي: (أي بمرأى منا وحفظ واعتناء بأمرك) . انتهى «٣» .
ويؤخذ من الآية كمال عصمة النبي ﷺ من الناس، وتمام عصمته من الزلات والهفوات، ورفعة منزلته وعلو شأنه، في الدنيا والآخرة؛ لأن هذا مقام من رعاه الله وحفظه في كل أحواله.
٢- حفظه ﷺ في الصغر:
عن جابر بن عبد الله يحدّث أنّ رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه
_________________
(١) مسلم، كتاب: الفضائل، باب: فضل نسب النبي ﷺ ، برقم (٢٧٦) .
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٧٨) .
(٣) تيسير الكريم الرحمن (٨١٨) .
[ ٢ / ٦٤ ]
إزاره، فقال له العبّاس عمّه: يا ابن أخي لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة!! قال: فحلّه فجعله على منكبه فسقط مغشيّا عليه قال: فما رئي بعد ذلك اليوم عريانا) . [رواه مسلم] «١» .
الشاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ أغشي عليه بمجرد أن حل إزاره، وما كان ذلك إلا من الله، الحافظ له، قال الإمام النووي ﵀: (وفي هذا الحديث بيان بعض ما كرم الله- تعالى- به رسوله ﷺ، وأنه ﷺ كان مصونا محميّا في صغره عن القبائح وأخلاق الجاهلية) . انتهى «٢» .
والدليل أن هذه الواقعة قد حدثت في صغر النبي ﷺ، ما ورد في إحدى روايات مسلم: (لما بنيت الكعبة ذهب النبي ﷺ وعباس ينقلان الحجارة)، ومعلوم أن واقعة إعادة بناء الكعبة كانت- قطعا- في صغر النبي ﷺ
ونلخص مظاهر عناية الله﷾- لنبيه ﷺ في هذه الواقعة في أمرين:
الأمر الأول:
أنه أغشي عليه، بمجرد أن تعرى، والإغشاء من الله، - ﵎؛ لأن الحديث لم يبين بأي سبب كان الإغشاء إلا التعري، فعلمنا أن الإغشاء كان منة من الله، ووجه المنة أن يكون الإغشاء للستر، وفيه ضمان أنه ما تعرى إلا فترة وجيزة من الزمن؛ لأن الإغشاء قد حدث بعد التعري مباشرة، ورد في الحديث: «فجعله على منكبه فسقط مغشيّا عليه» .
الأمر الثاني:
أن النبي ﷺ ما رئي بعد ذلك عريانا، وهذا إطلاق لكل أنواع التعري، فلا يلزم من كونه ﷺ كان يجامع زوجاته أو يغتسل معهن أنه كان يرى عريانا. ونحكم بذلك؛ لإطلاق الحديث، ولأن عدم التعري حتى في حال الجماع والغسل هو من المروءة، وأولى الناس بصفات المروءة النبي ﷺ.
ويجب على كل مسلم أن يتدبر هذا الحديث جيدا، فإذا كان الله﵎- أبى إلا أن يحفظ نبيه ﷺ منذ صغره من أمر كان مشهورا في الجاهلية، فكيف كان حفظه﵎- لنبيه ﷺ في بقية شئونه، وفيها ما هو أعظم من ذلك بكثير خاصة بعد البعثة، أقول: كيف حفظ الله﷾- لسان نبيه ﷺ؟، وكيف حفظ عقله وقلبه؟
_________________
(١) مسلم، كتاب: الحيض، باب: الاعتناء بحفظ العورة، برقم (٣٤٠) .
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٣٥) .
[ ٢ / ٦٥ ]
وكيف حفظ عرضه؟ كيف حفظ دينه وكتابه؟ بلا شك كان الحفظ أتم وأكمل.
٣- حفظ عرضه ﷺ من السب واللعن:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عنّي شتم قريش ولعنهم يشتمون مذمّما ويلعنون مذمّما وأنا محمّد» «١» . سيأتي التعليق على الحديث إن شاء الله تعالى في باب: رفع ذكره ﷺ.
٤- رفع ذكره ﷺ:
قال تعالى: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: ٤] .
أقول أولا:
إن رفع ذكر النبي ﷺ لهو من أعظم وأجل النعم، ومن الشمائل الحميدة، التي تدل على حب الله﷾- لرسولنا الكريم ﷺ وهي أجل شأنا من الصلاة عليه قطعا؛ لأن رفع الذكر يشمل أمورا عديدة، يأتي منها الصلاة عليه، فالصلاة فرع من رفع الذكر، والغريب أن كثيرا ممن يهتمون بالشمائل النبوية، ويجتهدون في حصرها لا يذكرون رفع الذكر، فأسأل الله العلي القدير أن أوفّق في بيان مفهوم رفع الذكر؛ ليتبين للقارئ فضل الله العظيم على نبيه الكريم ﷺ رغم علمي- والله مسبقا- أن مثلي أحط قدرا وأصغر شأنا أن يتكلم عن رسول الله ﷺ، فأستغفر الله مسبقا.
ثانيا: كلام بعض العلماء عن معنى رفع الذكر-:
قال الإمام ابن كثير:
(قال مجاهد: لا أذكر إلا ذكرت معي أشهد ألاإله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة فليس خطيب ولا متشهّد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها أشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ثم قال ابن كثير: حكى البغوي عن ابن عباس ومجاهد أن المراد بذلك الأذان يعنى ذكره فيه وأورد من شعر حسان بن ثابت:
أعز عليه للنبوة خاتم من الله من نور يلوح ويشهد
وضمّ الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس: أشهد
وشقّ له من اسمه يجلّه فذو العرش محمود وهذا محمد
وقال آخرون:
رفع الله ذكره في الأولين والآخرين ونوّه به حين أخذ الميثاق على جميع
_________________
(١) البخاري، كتاب: المناقب، باب: ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ، برقم (٣٥٣٣) .
[ ٢ / ٦٦ ]
النبيين أن يؤمنوا به وأن يأمروا أممهم بالإيمان به، ثم شهر ذكره في أمته فلا يذكر الله إلا ذكر معه) . انتهى كلام ابن كثير «١» .
وقال القرطبي:
(وروي عن الضحاك عن ابن عباس، قال: يقول له: ما ذكرت إلا ذكرت معي في الأذان، والإقامة والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، ويوم عرفة وعند الجمار، وعلى الصفا والمروة، وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها. ولو أن رجلا عبد الله- جل ثناؤه-، وصدّق بالجنة والنار وكل شيء، ولم يشهد أن محمدا رسول الله، لم ينتفع بشيء وكان كافرا.
وقيل:
أي أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه.
وقيل:
رفعنا ذلك عند الملائكة في السماء، وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات) «٢» .
وقال الشيخ السعدي﵀
-: (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ أي: أعلينا لك قدرك وجعلنا لك الثناء الحسن العالي الذي لم يصل إليه أحد من الخلق، فلا يذكر الله إلا ذكر معه رسول ﷺ كما في دخول الإسلام وفي الأذان والإقامة والخطب وغير ذلك من الأمور التي أعلى الله بها ذكر رسوله محمد ﷺ، وله في قلوب أمته من المحبة والإجلال والتعظيم ما ليس لأحد غيره، بعد الله تعالى، فجزاه الله عن أمته أفضل ما جزي نبيّا عن أمته) .
انتهى «٣» .
بعض الفوائد المستفادة من قول الله تعالى: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ.
الفائدة الأولى:
في الصيغة التي وردت بها الآية:
١- اقترن فعل (رفع) ب (نا) التي تفيد التعظيم لله﷿- وفائدة ذلك هو تعظيم أمر الرفع ومعرفة قدر المرفوع ذكره إذا استشعرنا عظمة من تكفل بذلك. وإذا كان رفيع القدر﷾- هو الذي تكفل برفع ذكر النبي ﷺ، ويذكر ذلك في القرآن الكريم في سياق الثناء والمدح على رسوله ﷺ مع تذكيره بنعم الله عليه التي لا تعد ولا تحصى، فيصعب علينا أن نتخيل قدر هذا الرفع وعلو شأنه.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٢٥) .
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١٠٧) .
(٣) تيسير الكريم الرحمن (٩٢٩) .
[ ٢ / ٦٧ ]
٢- جاء فعل (رفع) بصيغة الماضي؛ لإفادة أن الرفع لم يقترن بميلاد النبي ﷺ بل كان قبل ذلك، كما بقي بعد انتقاله ﷺ إلى الرفيق الأعلى، وهذا هو المشاهد، كما أن عدم اقتران الرفع بزمن معين مستقبلا، يفيد أن رفع الذكر سيبقى بحوله وقوته أبد الآبدين، فلله الحمد كله.
٣- ورد لفظ (لك) في الآية؛ ليتبين للنبي ﷺ ولأمته أن هذا الرفع هو أمر مخصوص بالنبي ﷺ، كما يشعر أنه لم يشاركه في هذا الأمر أحد.
وكان يمكن أن تكون الآية بصيغة: «ورفعنا ذكرك» .
كما أن إطلاق (رفع الذكر) بدون تقييد على أحد دون أحد، أفادنا أن الله﷾- قد رفع ذكره ﷺ على الخلق كلهم جميعا.
٤- نصت الآية على رفع (الذكر) لا رفع (الاسم) لأن الذكر أعم من الاسم؛ لأنه يشمل جميع ما يخص النبي ﷺ؛ ولذلك أقول: إن قصر أوجه رفع الذكر باقتران اسمه ﷺ باسم الخالق، - ﷿- في الأذان وغيره، هو حجر لواسع، أو أراد به العلماء ضرب مثال لبعض معاني اللفظ.
الفائدة الثانية:
بعض أوجه رفع ذكره ﷺ.
١- اقتران اسمه ﷺ مع اسم الله﷾- وهو أعظم وأجل أوجه رفع الذكر، وأضيف هنا على ما ذكره بعض المفسرين، فأقول: لا يمكن أن نستوعب عظيم هذا الأمر، إلا إذا علمنا ووقر في قلوبنا عظيم شأن الله، - ﷾- الخالق لكل شيء، المتصرف في كل شيء، العالم بكل شيء، المقدر لكل أمر، النافذ حكمه في كل أحد، قال تعالى واصفا قدرته وعظمته: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: ٦٧]، وقال تعالى واصفا إحاطته بعلم كل شيء: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
[الأنعام: ٥٩]، وقال تعالى مثبتا ملكه لكل شيء: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى [طه: ٦]، وقال تعالى حاكيا قيومته لكل نفس منفوسة: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ [الرعد: من الآية ٣٣]، وغير ذلك مما يصعب إيراده في هذا المجال، ولكن أوردت طرفا يسيرا منه؛ ليستشعر القارئ الكريم من هو الله
[ ٢ / ٦٨ ]
الخالق البارئ، هذا الله الواحد الصمد المتفرد بصفات الجمال والكمال، التي لا ينازعه فيها أحد، قد قدر وقضى بل ورضي أن يرفع ذكر نبيه ﷺ بحيث لا يذكر هو العظيم الحكيم، إلا وذكر معه نبيه ﷺ.
فهل بعد هذا الحب من حب، وهل بعد هذا التكريم والتشريف من رتبة أعلى؟ لا والله، فقد بلغ ﷺ الغاية في التشريف والتعظيم.
تنبيه وتحذير:
ليس معنى أن يذكر النبي ﷺ كلما ذكر الله﷾- مثل التشهد والأذان، أن ذلك يعني التشريك في الأمر أو المساواة في التعظيم أو أن للنبي ﷺ أدنى أدنى تصرف في ملك الله﷿- حاشا لله، فما زال الله خالقا مالكا معبودا وحده، وما زال النبي ﷺ مخلوقا مملوكا عبدا، وهو يفتخر بذلك أشد الافتخار، وقد ذكرت ذلك في هذا الكتاب كثيرا، فلا يجب أن نخلط بين الأمرين، فكما أن الله﷿- هو الذي علمنا أنه رفع ذكر النبي ﷺ وصدقنا ربنا في ذلك، هو نفسه الذي علمنا أن النبي ﷺ ليس له من الأمر شيء، قال تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ [آل عمران: ١٢٨]، فلماذا نصدق الأولى، ونماري في الثانية، ألهوى في قلوبنا؟ من فعل ذلك فقد خسر الدنيا والآخرة، فعلينا أن نؤمن بالكتاب كله، ونقول:
آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [آل عمران: ٧] .
٢- ذكره ﷺ في الملأ الأعلى وفي الحضرة الإلهية، وذلك بصلاة الله والملائكة عليه، بالثناء والذكر الحسن بل العجيب أن ينسحب هذا الثناء والذكر الحسن إلى المؤمنين ببركة صلاتهم عليه، لقوله ﷺ: «من صلى علّي صلاة صلى الله عليه بها عشرا» . [رواه مسلم] «١» .
٣- ذكره ﷺ في الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل، ليس ذكر اسمه فحسب بل نعته كاملا، قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٧]، وقد بلغ أمره ﷺ من الشهرة والصيت، أن أهل الكتاب يعرفون أوصافه وشمائله وسيرته ﷺ كمعرفتهم أولادهم الذين جاؤا من
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه مسلم، كتاب: الصلاة، باب: استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه، برقم (٣٨٤) .
[ ٢ / ٦٩ ]
أصلابهم، وتربوا أمام أعينهم يوما بعد يوم، فهل يضل الوالد عن ولده، والله إنه ليعرفه من صوته أو من مشيته أو من رائحة عرقه، حتى ولو غاب عنه عقدا من الزمان، هكذا يعرف أهل الكتاب رسولنا ﷺ، لا تختلف عليهم أوصافه أبدا، وما كانت هذا المعرفة لتتم إلا بوصف دقيق له ﷺ في كتب الله المنزلة وهذا بلا شك من رفع الذكر، قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٤٦] .
٤- حفظ عرضه ﷺ من سب ولعن كفار قريش، روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عنّي شتم قريش ولعنهم! يشتمون مذمّما ويلعنون مذمّما وأنا محمّد» «١»، فمن تمام رفع ذكره ﷺ أن لا يخدش بأدنى ذم أو لعن، فمن كمال رفع الذكر أن يذكر الإنسان بكل الصفات الحميدة وأن يبرأ من كل سب ولعن، فمن الذي تكفل بإثبات الأولى ودفع الثانية عن النبي ﷺ؟ إنه الله وحده، الأولى: بالصلاة عليه في العالمين العلوي والسفلي، والثانية: أنه هو الذي صرف كفار قريش عن سبه ولعنه لما ورد في الحديث: «ألا تعجبون كيف صرف الله عني شتم قريش ولعنهم» . فأثبت الحديث ثلاثة أمور:
الأول: أن قريشا كانت حريصة على السب واللعن.
الثاني: أن الذي صرف عنه السب واللعن هو الله ﷾.
الثالث: أن أمر صرف هذا اللعن والسب مع حرص كفار قريش عليه، من الأمور العظيمة التي يتعجب منها، وما يتعجب منه يجب الوقوف عنده للتأمل والتدبر.
٥- لم يناده الله، - ﷾- باسمه أبدا في القرآن العظيم، فلم ترد آية واحدة بصيغة (يا محمد) كما ورد عن بقية الأنبياء، عليهم جميعا الصلاة والسلام، كما في قوله تعالى على سبيل المثال: يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا، وقوله تعالى: قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا، وهكذا مع كل الأنبياء، ولما ذكر اسمه ﷺ كان على سبيل الإخبار وأتبع بصفته، قال تعالى:
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، ولا شك أن توجيه الخطاب إليه في القرآن الكريم، دائما بصيغة الرسالة: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ أو بصفة النبوة يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لهو من علامات رفع الذكر.
وتدبر أخي القارئ، أن نبينا ﷺ قد توجه إليه الخطاب في القرآن الكريم (سواء بخبر أو أمر أو نهي) بكل أنواع الخطاب الممكنة، فقد توجه إليه الخطاب بصيغة النداء بدون ذكر
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٧٠ ]
اسمه، قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٤]، وتوجه إليه الخطاب بكاف المخاطبة قال تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى، كما توجه إليه الخطاب بضمير الفاعل المحذوف قال تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ، وكذا بضمير الغائب قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ، ولا يشك قارئ القرآن أن كل هذه الصيغ المقصود بها النبي ﷺ، ولم يحدث ذلك في القرآن إلا معه ﷺ وهذا فضل عظيم من الله﷾-.
٦- من أجلّ مظاهر رفع ذكره ﷺ أن الله﷿- قد أبطل كل شبهات الكافرين وأكاذيبهم حوله ﷺ، فما من شبهة أثارها الكفار أو أكذوبة مثل الجنون والسحر وادعاء كتابة القرآن من عنده أو من غيره من البشر إلا أقام القرآن الحجج الدامغة على كذبها وفريتها، حتى لا تبقى أي حجة للكافرين يظن ظان أنها تشوب رفع الذكر، وقد بينت ذلك في باب (دفع شبهات وأكاذيب الكفار حوله ﷺ) .
٧- ومن مظاهر رفع ذكره ﷺ أن الله تعالى أمر بعدم التسوية بين دعائه ودعاء غيره، قال تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: من الآية ٦٣] .
٨- من كمال رفع ذكره ﷺ بعض الأمور التي جمعتها في فقرة واحدة؛ لتشابهها وهي:
أ- جعل الله﷾- كتابه أحسن الكتب، قال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الزمر: ٢٣]، بل جعل كتابه ﷺ مهيمنا على بقية الكتب، قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: من الآية ٤٨] .
ب- أظهر الله﷾- له دينه، قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: ٣٣]، قال القرطبي: (أي: في جزيرة العرب) .
ج- أتم الله له أمر هذا الدين؛ لما رواه البخاري من حديث الخباب بن الأرت عن النبي ﷺ: «والله ليتمّنّ هذا الأمر حتّى يسير الرّاكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلّا الله أو الذّئب على غنمه، ولكنّكم تستعجلون» «١»، وقال ابن حجر: (المراد بالأمر هو الإسلام) .
_________________
(١) البخاري، كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، برقم (٣٦١٢) .
[ ٢ / ٧١ ]
د- خصه﷾- بأزكى الخلق وأتمها وأثنى عليه بها في كتابه العزيز، قال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] .
وكل ما ذكرته، وغيره من أمثاله كثير، من تمام رفع ذكره ﷺ لأنه لو فرض أن أحدا آتاه الله كتابا خيرا من كتابه ﷺ، لقيل: إنه سبق النبي ﷺ بل علا عليه في هذا المجال، ولنقص رفع ذكر النبي ﷺ في هذا المضمار، ولو وجد في خلق النبي ﷺ أدنى نقيصة، لنقص ذكره الحسن وقدر الثناء عليه بقدر ما عنده من نقص في خلقه- حاشا الله- وهكذا كل ما ذكر، فاختصاصه ﷺ بالأتم والأكمل والأشرف من كل أمر؛ لتكتمل منظومة رفع ذكره، وليتم عقد الثناء عليه على أحسن ما يكون، فسبحان الذي يتفضل ويعطي بغير حساب.
الفائدة الثالثة:
فيما يترتب على ثبوت رفع ذكره ﷺ.
١- ثبوت أنه لم يأت منه ﷺ ما يخل بهذا الرفع أبدا، مثل التقصير في تبليغ دين الله، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو صدور أدنى ما يخدش الحياء، فتجزم قطعا أن كل ما صدر عنه ﷺ عبادة وعادة، ينسجم مع رفع ذكره.
٢- يقيننا الجازم بطهارة أعراض أزواجه﵅ جميعا- حال حياته وبعد مماته ﷺ لأن أعظم ما يخدش الثناء الحسن ويقلل من الذكر الطيب لأي إنسان هو الكلام على أعراضه، بأدنى أدنى سوء، فمن فعل ذلك أو اعتقده فقد كذّب بظاهر القرآن، ونخاف عليه من خاتمة السوء. وانظر كيف أنزل الله قرآنا محكما يتلى إلى يوم القيامة يبرئ أم المؤمنين عائشة. ﵂
٣- كل من أراد الطعن في الكتاب المنزل عليه ﷺ أو في شريعته المطهرة، أو في سنته الشريفة، فلن ينال منها، ولن يبوء بالخسران إلا هو؛ لأن الذي رفع ذكره ﷺ هو الله رب الأكوان والأبدان، فهو الذي سيحفظه ويحفظ كل ما يخصه، ماضيا وحاضرا ومستقبلا. قال تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: من الآية ٤٣] .
٥- القسم بحياته ﷺ:
قال تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر: ٧٢] .
أولا: بعض كلام المفسرين في الآية الكريمة والتي تثبت أن المقصود من قوله تعالى:
لَعَمْرُكَ أي: وحياتك يا محمد.
[ ٢ / ٧٢ ]
١- ذكر القرطبي ﵀ كلام العلماء في الآية فقال: (قال القاضي أبو بكر بن العربي: قال المفسرون بأجمعهم: أقسم الله تعالى هاهنا بحياة محمد ﷺ تشريفا له، أن قومه من قريش في سكرتهم يعمهون وفي حيرتهم يترددون، قلنا: وهكذا قال القاضي عياض:
أجمع أهل التفسير في أن هذا قسم من الله بمدّة حياة محمد ﷺ، ويكون معنى القسم:
وبقائك يا محمد وقيل: وحياتك) . انتهى «١» .
٢- قال الإمام الطبري﵀-: (ما حلف الله بحياة أحد إلا بحياة محمد ﷺ، قال: وحياتك يا محمد وعمرك وبقائك في الدنيا) «٢» .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
بلغ النبي ﷺ المنتهى في تكريم الله﷾-، فقد بلغ التشريف ذروته، بأن أقسم الله بحياته، نقل الإمام القرطبي عن القاضي عياض قوله:
(وهذا نهاية التعظيم وغاية البر والتشريف)، كما نقل عن أبي الجوزاء قوله: (ما أقسم الله بحياة أحد غير محمد ﷺ لأنه أكرم البرية عنده) «٣» .
الفائدة الثانية:
في قسم الله- سبحانه- بحياة نبيه ﷺ، دون غيره من الأنبياء، دليل على فضله ﷺ وعلو منزلته وزيادة شرفه على بقية الأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام، قال الإمام القرطبي: (ما من شيء أقسم الله به إلا وذلك دلالة على فضله على ما يدخل في عداده، فكذلك نبينا ﷺ يجب أن يكون أفضل ممن هو في عداده) انتهى «٤» .
الفائدة الثالثة:
حياة النبي ﷺ كانت كلها حياة مباركة طيبة، استغرقها ﷺ كلها في طاعة الله﷿- فإن قسم الله﷿- بها دليل على رضاه ومباركته لهذه الحياة، وأنه لم يحدث فيها أي قصور أو تقصير، ولم يشبها أي خلل أو عيب، ولولا ذلك ما أقسم الله بها.
وعليه، فإن من تعرض لحياة النبي ﷺ بغمز أو لمز، أو ذكرها بأدنى تنقص، أو أراد أن ينتقد شيئا من عبادته أو عاداته ﷺ التي فعلها في حياته الشريفة، فقد ذم ما مدحه الله، وعاب ما حكم الله له بالكمال والجمال، وطعن فيما زكاه الله ورضي به وأثنى عليه غاية الثناء.
الفائدة الرابعة:
ليس معنى أن الله﷿- قد أقسم بحياة أشرف الخلق نبينا
_________________
(١) تفسير الطبري (١٠/ ٣٩) .
(٢) تفسير الطبري (١٤/ ٤٤) .
(٣) تفسير الطبري (١٠/ ٣٩) .
(٤) تفسير الطبري (١٠/ ٤٠) .
[ ٢ / ٧٣ ]
محمد ﷺ أنه يجوز لنا أن نقسم به ﷺ فالله﷿- يقسم بما يشاء على ما يشاء، فقد أقسم ﷾ بالقلم والنجم والشمس والطور، أما المخلوق فلا يقسم إلا بالله جل وعلا، وهي سنة المصطفى ﷺ، روى البخاري في صحيحه: عن عبد الله ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» «١»، وفي رواية عن ابن عمر﵄- عن النّبيّ ﷺ قال: «ألا من كان حالفا فلا يحلف إلّا بالله فكانت قريش تحلف بابائها فقال لا تحلفوا بابائكم» «٢» .
٦- تعظيم المكان بإقامته ﷺ فيه:
قال تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) [البلد: ١- ٢]، فالبلد المعنية بالآية الكريمة- بالاتفاق- هي مكة المكرمة، المشرفة المعظمة على سائر القرى والبلدان، ولكن الله﵎- لما أقسم بها، ذكر إقامة النبي ﷺ بمكة فتزداد شرفا وعزّا، فيزداد القسم توكيدا، قال صاحب تفسير الزبد «٣»: (أي استحل منك مشركو مكة أن يؤذوك في البلد الحرام يا محمد. وقيل: المعنى: أقسم بهذا البلد الذي أنت مقيم فيه تشريفا لك وتعظيما لقدرك لأنه قد صار بإقامتك فيه عظيما شريفا) .
وقال صاحب المنتخب «٤»: (أقسم قسما مؤكدا بمكة البلد الحرام وأنت مقيم بهذا البلد تزيده شرفا وقدرا) .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
شرف النبي ﷺ عند ربه﵎-، فقد عظم القسم بالبلد الحرام بذكر مقام النبي ﷺ فيه.
الفائدة الثانية:
تتفاضل القرى والبلاد بتفاضل من يسكنها ويعمرها، فإذا كانت مكة المكرمة التي لها من الحرمة والتعظيم والتشريف ما ليس لغيرها، قد ازدادت شرفا ورفعة بإقامة النبي ﷺ فيها، فمن باب أولى ما دونها من البلدان. ويتفرع عليه عظيم قدر مدينة رسول الله ﷺ في حياته ﷺ وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى؛ إذ دفن فيها ﷺ.
_________________
(١) البخاري، كتاب: الشهادات، باب: كيف يستحلف، برقم (٢٦٧٩) .
(٢) البخاري، كتاب: المناقب، باب: أيام الجاهلية، برقم (٣٨٣٦) .
(٣) تفسير الزبد.
(٤) المنتخب.
[ ٢ / ٧٤ ]
٧- الصلاة عليه ﷺ:
قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦] . إذا كانت أعظم نعمة أنزلها الله على رسوله ﷺ هي القرآن الكريم، وإذا كانت أعظم معجزة خص الله بها رسوله ﷺ هي الإسراء والمعراج، وإذا كان أعظم تشريف حبا الله به نبيه ﷺ في الآخرة، هي الشفاعة العظمى، فإن أعظم مظاهر حب الله، - ﵎- لنبيه ﷺ هي الصلاة عليه منه﵎- ومن ملائكته الكرام، وأمر المؤمنين بذلك.
ويحسن أن نبدأ بنبذة عن أقوال بعض العلماء عن تلك الصلاة عند شرحهم لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب: ٥٦] .
قال الإمام ابن كثير ﵀: (المقصود من هذه الآية أن الله﷾- أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين وأن الملائكة تصلي عليه ثم أمر الله تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعا) «١» .
وقال القرطبي ﵀: (هذه الآية شرّف الله بها رسوله ﷺ، في حياته وموته وذكر منزلته وطهر بها سوء فعل من استصحب في جهته فكرة سوء أو في أمر زوجاته ونحو ذلك، والصلاة من الله رحمته ورضوانه، ومن الملائكة الدعاء والاستغفار ومن الأمة الدعاء والتعظيم لأمره) «٢» .
وقال الشيخ السعدي في شرح الآية: (وهذا فيه تنبيه على كمال رسول الله ﷺ ورفعة درجته وعلو منزلته عند الله وعند خلقه ورفع ذكره. والصلاة من الله هي الثناء عليه بين الملائكة وفي الملأ الأعلى لمحبته تعالى له وتثني عليه الملائكة والمقربون ويدعون له ويضرعون) «٣» .
وسأعلق، بعون الله تعالى على قوله﷿-: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ على شكل فوائد، فأقول:
الفائدة الأولى:
في الآية تشريف عظيم للنبي ﷺ من الوجوه التالية:
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٠٨) .
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ٢٣٢) .
(٣) تيسير الكريم الرحمن (٦٧١) .
[ ٢ / ٧٥ ]
١- تعظيم أمر الصلاة على الرسول ﷺ وقد شمل هذا التعظيم كل الوجوه من حيث المقتدى به في فعل الأمر، وهو الله﷾- وكذا ملائكته؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ، والآمر بالصلاة على النبي هو الله جل في علاه، لقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ، ومن حيث المأمورين بالصلاة عليه، وهم صفوة خلق الله من عباده الذين اتصفوا بصفة الإيمان فلم يتوجه الأمر للناس ولا للمسلمين، بل للمؤمنين، فأحاط الله﷾- الأمر بجميع أنواع التعظيم، وذلك ليستقر في نفوس الخلق جميعا، عظيم المأمور به.
٢- جاء الأمر بالصلاة على النبي ﷺ بصيغة لم يأت بها أي أمر في القرآن والسنة على شاكلته أبدا، وفي هذا تنويه إلى أن هذا الأمر الشرعي يختلف عن جميع الأوامر الشرعية الآخرى التي تصدرت بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.
٣- أن توجيه الأمر بالصلاة عليه كان بموجب آية قرآنية تتلى إلى يوم القيامة، ثم تأتي السنة الشريفة لتبين صيغ الصلاة، والأوقات التي يتأكد فيها الصلاة على النبي ﷺ وثواب تلك الصلاة.
٤- لم يفرد الله﷾- أحدا من الأولين والآخرين في القرآن الكريم بالصلاة عليه منفردا كما أفرد نبيه ﷺ في هذه الآية، فقال عز من قائل في السلام على الأنبياء: وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ [الصافات: ١٨١]، وقال في الصلاة على المؤمنين: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: ٤٣]، ولا يخفى أن إفراد الله﷾- نبيه بالصلاة عليه، يظهر علوّ شأنه وعظيم قدره ﷺ عند ربه، وأن هذا القدر سبق به الأولين والآخرين، ولم يسبقه إليه أحد، كما لن يلحق به أحد، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ [المائدة: ٥٤] .
٥- وردت بالآية عدة أمور بلاغية تزيد الأمر تعظيما وتشريفا وهي:
أ- صدر الله﷿- الأمر بحرف التوكيد (إن) لإفادة توكيد الأمر وتثبيته في قلوب المؤمنين.
ب- عبر الله، - ﷿-، عن نفسه بلفظ الجلالة، فقال: إِنَّ اللَّهَ وهو الاسم الذي لا يشارك الله فيه أحدا أبدا، وكان يمكن أن تأتي بلفظ: (إن ربكم) أو (إنني)، ولا يخفى وقع قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ على الآذان والقلوب المؤمنة، والذي يختلف عن أي لفظ آخر.
ج- أضاف المولى﷾- الملائكة إلى نفسه الشريفة؛ تعظيما لها وتكريما؛
[ ٢ / ٧٦ ]
ليستشعر السامع مكانة هذا الخلق العظيم الذي يصلي على النبي ﷺ.
د- أتت الآية بلفظ: يُصَلُّونَ [الأحزاب: ٥٦] بصيغة الفعل المضارع، الذي يفيد الاستمرار والثبوت.
٦- جاءت صيغة الأمر الإلهي إلى المؤمنين بالصلاة والسلام على النبي ﷺ على أحسن صورة، يتبين ذلك من:
بدأ الأمر بأداة النداء (يا) لاسترعاء السمع وحضور القلب، ثم أداة التنبيه (ها) في (أيها) لتوكيد استرعاء السمع.
جاءت صفة من وجّه لهم الخطاب، بصيغة الفعل الماضي: آمَنُوا فهذا الأمر غير موجه لكل أحد، بل للمؤمنين الذين استقر في قلوبهم ونفوسهم صفة الإيمان، وتلبسوا بها غاية التلبس وأصبحت صفة ملازمة لهم، وهذا ما يفيده الفعل الماضي: آمَنُوا؛ لذا عدلت الآية عن قول (يا أيها المؤمنون) .
ختمت الآية بالفعل المطلق تَسْلِيمًا للتوكيد، وليعلم المؤمنون أن التسليم المأمورين به يجب أن يكون تسليما خاليا من كل أذى، مطهرا من كل سوء.
٧- أطلقت الآية عدة أمور ولم تقيدها تعظيما للأمر، وتلك الأمور هي:
أ- لم تقيد الآية زمان صلاة الله وملائكته على النبي ﷺ، وأعتقد خطأ من قيد تلك الصلاة المباركة بحياة وممات النبي ﷺ؛ لأنه تقييد بدون دليل، وإذا لم تقيّد الصلاة بزمان، علمنا أن صلاة الله وملائكته على نبيه ﷺ، قد استوعبت كل الزمان، وهذا غاية التشريف ومنتهاه للنبي ﷺ.
ب- لما أثبتت الآية أن الصلاة قد وقعت من الملائكة، ولم تحدد نوع الملائكة ولا مكانهم، علمنا أن الأمر قد عمّ جنس الملائكة، جبريل وميكائيل، وملك الموت، وإسرافيل، وحملة العرش، وخزنة الجنة والنار، وملك الجبال، والملائكة السيارة، والحفظة، أي جميع الملائكة، الذين لا يعلم عددهم وقدرهم إلا الذي خلقهم﷾-.
ج- لم تقيد الآية الغاية من صلاة الله والملائكة على النبي ﷺ بينما جاءت آية صلاة الله ﷿- على المؤمنين مقيدة بالسبب، فغاية صلاة الله على المؤمنين، هو إخراجهم من الظلمات إلى النور، قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
[ ٢ / ٧٧ ]
وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: ٤٣]، والحكمة من عدم تقييد آية الصلاة على النبي ﷺ بغاية أو سبب، لتستوعب الآية كل غاية وسبب ممكنين، فالإطلاق هنا أريد به التعظيم.
د- كما لم تقيد الآية الأمر الموجه للمؤمنين بزمن معين مثل: أي ساعة من الليل أو النهار، أو في شهر فضيل من أشهر السنة، أو يوم مبارك من أيام الأسبوع، أو بعد عبادة معينة، كما لم تقيد الآية الصلاة بعدد مرات في عمر المؤمن، كما تكون سائر العبادات من صلاة وصوم، فعلمنا من هذا الإطلاق إرادة المولى﷾- الصلاة على النبي ﷺ في كل زمان ومكان، وكلما زاد المؤمن صلاة كان ذلك خيرا له.
٨- شملت الآية أعظم الحث على الصلاة على النبي ﷺ حيث لم يأت الحث بذكر الجزاء الموفور كبقية العبادات، بل أتى الحث بأعظم من ذلك بكثير، أتى الحث بكون الله﷾- قد بدأ الأمر بنفسه وثنّى بملائكته، فالذين يريدون أن يفعلوا أمرا يفعله الله﷾- وتواظب عليه ملائكته، فليصلوا على النبي ﷺ لذا يقول بعض خطباء المساجد في خاتمة خطبة الجمعة: (يا أيها المؤمنون إن الله أمركم بأمر بدأ به بنفسه وثنّى بملائكته) .
٩- ضمنت الآية ألا تنقطع الصلاة على النبي ﷺ أبدا، فاليوم يصلي الله عليه وملائكته والمؤمنون، فإذا مات آخر مؤمن على وجه الأرض، فسيبقى الله وملائكته يصلون على النبي، وإذا ماتت الملائكة عن آخرهم، فسيبقى الحي الذي لا يموت يصلي على نبيه ﷺ.
وهذا من عظيم اعتناء الله بنبيه أن لم يوكل أمر الصلاة على نبيه ﷺ بالبشر، فتنقطع تلك الصلاة بكفر أهل الأرض جميعا، قبل يوم القيامة، أو بموتهم، ولذلك ستبقى الصلاة على نبيه ﷺ بالرحمة والفضل- متصلة أبد الآبدين.
١٠- كما ضمنت الآية استمرار الثناء والذكر الحسن والصلاة على النبي ﷺ في كل مكان، في الحضرة الإلهية وفي الملأ الأعلى وفي السماوات والأرض وما بينهما. ويتفرع على كل ما ذكر، وجوب زيادة شعورنا بمدى إجلال وإكبار نبينا محمد ﷺ، وأن يترجم هذا الإجلال والإكبار إلى منهج وسلوك.
الفائدة الثانية:
ثواب الصلاة عليه ﷺ.
روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «من صلّى عليّ واحدة صلّى الله عليه عشرا» «١» .
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٧٨ ]
فثواب الصلاة الواحدة على النبي ﷺ عشر صلوات من الله ﷾، فالثواب إذن عظيم، وكأن النبي ﷺ يريد أن يشعرنا بذلك فقابل في الحديث الواحدة بالعشرة.
ومن مظاهر تعظيم الثواب أيضا، أن الصلاة منك لا يقابلها صلوات من خلق- مثلك أو أعظم منك- بل يقابلها الصلاة من الله﷿- فشتان بين الأمرين. وترتيب مثل هذا الثواب العظيم يدلنا على حب الله﷾- لهذه العبادة الجليلة، ألا وهي الصلاة على النبي ﷺ، كما أن في ترتيب هذا الثواب أبلغ الحث للمؤمنين على الإكثار منها، وترطيب اللسان بذكرها.
والصلاة على النبي ﷺ من علامات حب المسلم لنبيه، قال الشيخ السعدي ﵀ عند شرحه لقول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا: (اقتداء بالله وملائكته وجزاء له على بعض حقوقه عليكم وتكميلا لإيمانكم وتعظيما له ومحبة وإكراما وزيادة في حسناتكم وتكفيرا من سيئاتكم) . انتهى «١» .
وتدبر أخي القارئ ماذا قال العلامة ﵀: (وجزاء له على بعض حقوقه) أي أن حقوقه ﷺ علينا كثيرة جدّا، وهي أعظم من أن نقابلها بأي عمل، ولكن الصلاة عليه تأتي ردّا لبعض الجميل، كما أن من معاني ما قال، أن الصلاة على النبي ﷺ، إنما هي عمل نحن في أشد وأمس الحاجة إليه؛ لأنه يزيد حسناتنا ويكفر سيئاتنا، ومن هذا يتبين سوء أدب من زهد في الصلاة والسلام على الحبيب ﷺ، وأقول: إن الصلاة على النبي ﷺ من سمة المؤمنين ومن أعظم مكملات الإيمان، ودليل ذلك أن الله﷿- ما أمر بها إلا من تلبّس بهذه الصفة العظيمة، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، وعلى من يريد أن يتأكد أن الإيمان قد باشر قلبه واستقر فيه، أن ينظر إلى حاله، هل يحب أن يكثر من الصلاة والسلام على النبي ﷺ، ويجد حلاوة في ذلك، أم يجد أن الأمر ثقيل عليه، وإذا كان هذا هو حاله، ونعوذ بالله من سوء الحال، فليبك على نفسه ويعالجها حتى يذهب ما بها.
الفائدة الثالثة:
آداب الصلاة على النبي ﷺ:
اعلم أخي المسلم، أن الصلاة على النبي ﷺ من العبادات العظيمة، التي أمرنا الله بها على الوجه الذي ذكرته، وما دامت عبادة، فيجب عند أدائها أن نستشعر كل آداب العبادة
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن (٦٧١) .
[ ٢ / ٧٩ ]
من استحضار النية وخشوع القلب؛ لقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢]، والصلاة على النبي ﷺ فيها ذكر الله؛ لأنها توجّه إليه بالدعاء.
كما يشترط في هذه العبادة العظيمة الاتباع وتبطل بالابتداع، والاتباع فيها هو التقيد بالصيغ التي وردت في كيفية الصلاة عليه، ومن أتم هذه الصيغ، ما رواه الشيخان، عن أبي حميد السّاعديّ أنّهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلّي عليك؟ قال: «قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وأزواجه وذرّيّته، كما صلّيت على آل إبراهيم وبارك على محمّد وأزواجه وذرّيّته كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد» «١» .
ومن مظاهر الابتداع في الصلاة على النبي ﷺ ما يفعله بعض العوام من التمايل والرقص ودق الطبول والمزامير ورفع الصوت بالصلاة عاليا، وعندما يخرجهم الشيطان من دائرة الوعي، يقولون: إنه الجذب، ويطلقون كلاما ما أنزل الله به من سلطان، وأنا لا أنكر أنهم فعلا يخرجون من دائرة الوعي، ولكن الذي يخرجهم هو الشيطان، ودليله أنهم يفعلون عبادة لا يتبعون فيها هديا من كتاب أو سنة، وأقول لهم: أأنتم أشد حبّا للنبي ﷺ، أم أصحابه ﵃؟ إن قلتم: نحن، فقد كذبتم، وإن قلتم: هم، فقد أقمتم الحجة على أنفسكم، لأنهم ما كانوا يذكرونه بهذه الطريقة، وما كانوا يخرجون عن الوعي.
هذا بالإضافة إلى ما يحدث في مجالس هذه الأذكار من اختلاط بين الرجال والنساء، وأكثر من ذلك مما يعف اللسان عن ذكره، وكذا إثبات بعض الصفات للنبي ﷺ التي لم يثبتها لنفسه؛ لأنها صفات لا تنبغي إلا لله﷿- ويا ليت من يقوم بهذه الأعمال، التي يظن أنه يتقرب بها إلى الله﷾-، قد حرم الأجر فحسب- وإن كانت هذه مصيبة وحدها- ولكن المصيبة الأعظم أنه لن يسلم من وزر ما فعل، وهو يتفاوت في درجته من معصية الابتداع والاختلاط إلى الشرك بالله العلي العظيم إذا نسب للنبي أنه يعلم الغيب أو يعتقد أن بيده النفع والضر، أو أنه معنا حيث نكون يسمعنا ويرانا، ويرضى أو يحزن على أفعالنا وأن الله ما خلق الخلق إلا من أجله إلى غير ذلك من البواطل الفواقر.
هيا أخي المسلم نتوب إلى الله﷿- ونقلع عن كل ما يخالف الكتاب وسنة الحبيب ﷺ ونتمسك بخير الهدي وأكمله، هدي محمد ﷺ فما وجدناه صحيحا صريحا في
_________________
(١) البخاري، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا، برقم (٣٣٦٩)، ومسلم، كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على النبي ﷺ، برقم (٤٠٧) .
[ ٢ / ٨٠ ]
سنته اتبعناه، وإلا تركناه وهجرناه بل وكرهناه، وأمرنا الناس باجتنابه.
وأود هنا أن أنبه على عجالة مما يقع من بعض الناس، من ألفاظ يتداولونها، أقل ما يقال عنها: إنها من سوء الأدب وامتهان لحرمات الله﷿-، ومنها على سبيل المثال:
١- صلي علي اللى يشفعلك، الكلمة في حد ذاتها ليس فيها شيء، ولكنها تقال في غير موضعها وبطريقة غير لائقة، وتكون غالبا لفض المنازعات، ولا يقوم أحد من الحاضرين بالصلاة على النبي ﷺ فيا ليتنا تركنا هذه المقولة تعظيما لأمر هذه العبادة.
٢- قول أحدهم: يعني كسبنا الصلاة على النبي، وهذا من سوء الأدب وعلينا أن ننأى عن مثل هذه المقولات وننهى الناس عنها، إذا أردنا فعلا التقرب إلى الله﷿-.
٣- ما يقوم به البعض في الأعراس والحفلات وعند فوز فريقه، من الغناء والرقص، مع قولهم: وصلي صلي صلي، على النبي صلي إلى آخره، بنغمة معينة، مما يستحيي المسلم أن ينطق به أو يسمعه فضلا أن يتغنى به، أهكذا يردّ الجميل لمن فضله علينا أعظم من فضل الوالدين، بل لا نرى أحدا سبقه في الفضل إلا الذي خلقنا وهدانا، ويا ليت الأمر يتعلق بالنبي ﷺ وحده، بل يتعلق بالله﷾- الذي أمرنا بهذه العبادة، وشرعها لنا ورتب عليها أعظم المثوبة، أقول لهؤلاء وغيرهم ممن لا يعظمون شعائر الله: أفلا تتوبون إلى الله وتستغفرونه والله غفور رحيم؟!.
٤- قول أحدهم لإسكات الآخر: صلينا على النبي، يعني اسكت، وكذا قول أحدهم: خذ هذا بالصلاة على النبي.
الفائدة الرابعة:
وفيها أنبه إلى بعض المواضع التي لا يشرع فيها الصلاة على النبي ﷺ لعدم ورود السنة بها، ولكن للأسف اعتادها بعض الناس:
١- بعد العطاس.
٢- عند البحث عن شيء مفقود.
٣- نهاية دعاء السفر.
٤- صلاة المؤذن على النبي بعد الأذان بمكبر الصوت. والصحيح هو الصلاة على النبي ﷺ من الجميع المؤذن وغيره، ولكن كلّ في سره.
وفي الختام أسأل الله﷿- أن يجعل صلاتي وصلاة المؤمنين على نبينا ﷺ زكاة
[ ٢ / ٨١ ]
وطهورا وضياء لنا يوم العرض عليه، وأن يحفظها لنا، فهو الذي لا تضيع عنده الودائع، وأن يرزقنا بها شفاعة المصطفى ﷺ إنه نعم المولى ونعم المجيب.
٨- جعل صلاته واستغفاره ﷺ رحمة للمؤمنين:
عظم الله﵎- شأن صلاة النبي ﷺ على المؤمنين، أي: دعاؤه لهم بمغفرة ذنوبهم وتخفيف فتنة القبر عليهم ودخولهم الجنة، وغير ذلك من أنواع الأدعية كثير، فجعلها الله﵎- صلاة مباركة طيبة تقبل قبولا حسنا، بل إن الله﵎- حث المؤمنين أن يذهبوا لرسول الله ﷺ ليستغفروا الله عنده ويسألوه أن يستغفر لهم، بل الأعظم من ذلك أن الله﵎- جعل من علامات المنافقين الاستكبار عن الذهاب لرسول الله ﷺ ليستغفر لهم، قال تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ [المنافقون: ٥]، قال صاحب التفسير الميسر:
(وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: أقبلوا تائبين معتذرين عما بدر منكم من سيئ القول وسفه الحديث يطلب لكم رسول الله من ربه أن يعفو عنكم: حرّكوا رؤسهم استهزاء واستكبارا وأبصرتهم- يا محمد- يعرضون عنك وهم مستكبرون عن الامتثال لما طلب منهم) .
ولأن شواهد ذلك كثيرة ومتنوعة فسأضرب شاهدين فقط:
الشاهد الأول:
قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [التوبة: ١٠٣]، قال الإمام الطبري ﵀: (يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ: يا محمد خذ من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم فتابوا منها صدقة تطهرهم من دنس ذنوبهم وَتُزَكِّيهِمْ بِها أي تنميهم وترفعهم بها عن خسيس منازل أهل النفاق إلى منازل أهل الإخلاص وَصَلِّ عَلَيْهِمْ يقول: وادع لهم بالمغفرة لذنوبهم وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ منها إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ يقول: إن دعاءك واستغفارك طمأنينة لهم بأن الله قد عفا عنهم وقبل توبتهم) «١»، وقال ﵀ في موضع آخر: (إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ، وقال بعضهم: رحمة لهم) «٢» .
قال الشيخ السعدي ﵀ في تفسير قوله تعالى: إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ: (أي طمأنينة لقلوبهم واستبشارا لهم) «٣» .
_________________
(١) تفسير الطبري (١١/ ١٦) .
(٢) انظر المصدر السابق.
(٣) تيسير الكريم الرحمن (٢٥٠) .
[ ٢ / ٨٢ ]
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
عمل النبي ﷺ بأمر ربه فكان يستغفر لمن كان يأتيه بالصدقات، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: «اللهمّ صلّ عليهم» . فأتاه أبو أوفى بصدقته، فقال: «اللهمّ صلّ على آل أبي أوفى» «١» .
الفائدة الثانية:
في الآية دليل على تعظيم الصحابة ﵃ لدعاء النبي ﷺ وصلاته عليهم وتيقنهم أن دعاءه مقبول عند الله﵎- فبدعائه ﷺ تمحى السيئات وتقال العثرات وترفع الدرجات وتشفى الأمراض، ووجه استنباط ذلك من الآية: أن الله ﵎- أبلغنا أن قلوب الصحابة تطمئن بدعاء النبي ﷺ.
الفائدة الثالثة:
إثبات فضيلة خاصة للصحابة ﵃ تميزوا بها دون سائر الأمة، ألا وهي استغفار النبي ﷺ لهم وصلاته عليهم، ولم يضيعوا ﵃ هذه المزية ولم يفوتوها عليهم، فكثيرا ما كانوا يطلبون من رسول الله ﷺ الدعاء لهم ولأولادهم، وقد أوردت شواهد على ذلك في باب: (استجابة دعائه ﷺ) .
وإذا سأل سائل فقال: لماذا ميز الله﷾- الصحابة بهذه المزية وحرمنا منها؟ قلت: لأن الله تعالى علم أن الصحابة سيفعلون ما لن نفعل، وسيقدمون ما لن نقدم، فقد جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وضحوا بكل غال ونفيس لإعلاء كلمة التوحيد، فكان لهم السبق في نصرة الله ورسوله، فكان من عدل الله الحكيم الخبير أن يعطيهم ما لم يعطنا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ثم إن الله﵎- لم يحرمنا- حاشا لله- لأن الحرمان معناه ألا يعطينا ما نستحق أو يمنعنا حقّا لنا- والله منزه عن ذلك. وإن فاتنا هذا الخير الكثير فإننا أدركنا أبوابا من الخير، نسأل الله﷿- أن يتقبلها منا، ألا وإن أعظمها إيماننا وتصديقنا وحبنا للنبي ﷺ ونحن لم نره. وما فعلنا ذلك إلا تصديقا بكلام ربنا﵎-.
الفائدة الرابعة:
قال الشيخ السعدي ﵀: (في الآية استحباب الدعاء من الإمام أو نائبه- لمن أدى زكاته- بالبركة، وأن ذلك ينبغي أن يكون جهرا بحيث يسمعه المتصدق فيسكن إليه، ويؤخذ من المعنى أنه ينبغي إدخال السرور على المؤمنين بالكلام اللين والدعاء
_________________
(١) مسلم، كتاب: الزكاة، باب: الدعاء لمن أتى بصدقة، برقم (١٠٧٨) .
[ ٢ / ٨٣ ]
له، ونحو ذلك، مما يكون فيه طمأنينة وسكون لقلبه) «١» .
الشاهد الثاني:
قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء: ٦٤] .
قال الإمام ابن كثير ﵀: (يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى رسول الله ﷺ فيستغفروا الله عنده ويسألوه أن يستغفر لهم فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم ولهذا قال: لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) «٢» .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
فعل الطاعة مع النبي ﷺ وفي وجود شخصه الكريم، أحب إلى الله﵎- وأكثر قبولا وأجرا مما لو لم يكن موجودا، وكذلك استغفاره ﷺ للمذنبين أرجى قبولا من استغفارهم لأنفسهم، والدليل على ذلك أن استغفار المذنبين لو كان يستوي عند رسول الله ﷺ وعند غيره ما أمرهم الله أن يذهبوا إليه ويستغفروا ربهم عنده ﷺ ولكان الأمر بحضورهم إلى رسول الله ﷺ تحصيل حاصل- حاشا لله-، ولو كان استغفارهم لأنفسهم يغني عن استغفار الرسول ﷺ لهم أو لا يتأكد به مغفرة الرب، ما كان لطلب الاستغفار من الرسول ﷺ حكمة شرعية.
الفائدة الثانية:
روى بعض المفسرين- رحمهم الله تعالى- في تفسير هذه الآية أثرا رواه أبو صادق عن علي قال: (قدم علينا أعرابي بعد ما دفنّا رسول الله ﷺ بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر رسول الله ﷺ وحثا على رأسه من ترابه. فقال: قلت يا رسول الله فسمعنا قولك، ووعيت عن الله فوعينا عنك. وكان فيما أنزل الله عليك: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ الآية. وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي. فنودي من القبر إنه قد غفر لك) «٣» .
وهذا (أثر منكر أبو صادق هو مسلم بن يزيد لم يدرك عليّا، فهو منقطع ولم يذكر المصنف من رواه عنه، والمتن منكر جدّا، ولو صح لفعله عشرات الصحابة) «٤» .
قلت: هل يعقل أن يكون الاستغفار عند قبر الرسول ﷺ مشروعا وقربة إلى الله﵎- ولم يفعله إلا أعرابي، ولا ينقل عن آلاف الصحابة، ولا التابعين بسند صحيح أنهم فعلوه، مع أنهم أحرص الناس على السنة من هذا الأعرابي المجهول الهوية،
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن (٣٥١) .
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ٥٢٠) .
(٣) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٦٥) .
(٤) من تعليق المحقق لتفسير القرطبي.
[ ٢ / ٨٤ ]
نريد دليلا واحدا صحيحا عن أعلم الناس بسنة المصطفى ﷺ بمشروعية ذلك. كما أقول: إن نفي مشروعية الذهاب إلى قبر النبي ﷺ للاستغفار لا يعد تقليلا من شأن النبي ﷺ كما يروّج السفهاء- ولكن لا نفعل ذلك لأن الله﵎- لم يأمرنا به، ولم يشرعه لنا نبينا ﷺ، وليس لنا فيه من الصحب الكرام أسوة حسنة.
٩- سماع الله لتلاوته ﷺ:
عن أبي هريرة أنّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبيّ حسن الصّوت بالقرآن يجهر به» . [متفق عليه] «١» .
الشاهد في الحديث:
أذن الله، أي استمع، والسماع هنا ليس من باب السماع العام، بل هو سماع الرضا والقبول، فالسماع ثلاثة أنواع:
سماع إحاطة، وقد ثبت في قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما [المجادلة: ١] .
وسماع يقصد به التهديد والوعيد، وقد ثبت في قوله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [آل عمران: ١٨١]، والدليل على أن المقصود بهذا السماع، هو التهديد والوعيد، قوله﷿-: سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ.
أما النوع الثالث من السماع: فهو سماع رضا وقبول، ومثاله حديث الباب، والذي قصده العلماء من هذا التقسيم، هو شرح مقصود الله﷿- من إثبات السماع والحكم المترتب عليه، فقد يسمع ويرضى عما سمع ويرتب على ذلك أجزل الثواب، وقد يسمع ويغضب عظيم الغضب مما يقال ويرتب على ذلك أشد العذاب، وقد يكون السماع من باب الإحاطة بما يفعل العباد.
وفي الحديث إثبات حسن صوت النبي ﷺ، يؤيده ما رواه مسلم، عن عديّ بن ثابت قال: سمعت البراء بن عازب قال: سمعت النّبيّ ﷺ قرأ في العشاء بالتّين والزّيتون فما سمعت أحدا أحسن صوتا منه «٢» .
_________________
(١) البخاري، كتاب: التوحيد، باب: قول النبي ﷺ الماهر بالقرآن مع الكرام البررة ، برقم (٧٥٤٤)، ومسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب تحسين الصوت بالقرآن، برقم (٧٩٢) .
(٢) مسلم، كتاب: الصلاة، باب: القراءة في العشاء، برقم (٤٦٤) .
[ ٢ / ٨٥ ]
١٠- تثقيل موازينه ﷺ يوم القيامة:
عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» . [رواه مسلم] «١» .
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه»، وحيث إن الرسول هو الذي دل على كل خير، ودعا إلى كل هدى، وحذر من كل ضلالة، فإن له من الأجر الموفور يوم القيامة، مثل أجور هذه الأمة جميعا، ولذلك فلا غرابة، أن تكون له الدرجة العالية الرفيعة في الجنة، التي لا تنبغي إلا له ﷺ.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
عظيم ما أعده الله﷿- وادخره لنبيه ﷺ في الآخرة من الأجر والثواب، ولم يقتصر مصدر هذا الأجر العظيم على هدايته ونصحه للأمة، بل من كون أنّ له من الأجر ضعف أجر أفراد الأمة على كل ما يصيبه من البلاء وكل ما يقوم به من الطاعات، ودليله ما رواه مسلم، عن عبد الله قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك فمسسته بيدي فقلت: يا رسول الله، إنّك لتوعك وعكا شديدا، فقال رسول الله ﷺ: «أجل، إنّي أوعك كما يوعك رجلان منكم» . قال: فقلت: ذلك أنّ لك أجرين؟ فقال رسول الله ﷺ: «أجل» . ثمّ قال رسول الله ﷺ: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلّا حطّ الله به سيّئاته كما تحطّ الشّجرة ورقها» «٢» .
الفائدة الثانية:
فضيلة الإرشاد لأعمال الخير، وتعليم الناس، والتواصي بالحق، ومساعدة فاعل الخير قدر الإمكان؛ لقوله: «من دعا إلى هدى»، ويتفرع على ذلك الفائدة التالية.
الفائدة الثالثة:
الحث على تلقي العلم، حيث إن المسلم لن يدل على خير ويعلّمه الناس، حتى يعلم أن هذا العمل خير، وموافق لسنة المصطفى ﷺ، حتى لا يدعو إلى بدعة أو يقع في محظور آخر، دون أن يدري، والذي يدل على وجوب العلم أولا قبل العمل، قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [محمد: ١٩]، وبوّب الإمام
_________________
(١) مسلم، كتاب: العلم، باب: من سن سنة حسنة أو سيئة ، برقم (٢٦٧٤) .
(٢) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن، برقم (٢٥٧١) .
[ ٢ / ٨٦ ]
البخاري ﵀ لهذه الآية بابا سماه (العلم قبل العمل)، ولكن يجب أن يفهم هذا الكلام فهما صحيحا، ونكون وسطا، بين من ينصح ويأمر الناس دون أي علم، ودون أن يحقق شيئا حتى أمر التوحيد، وبين من يأخذ العلم جلّ وقته، ويترك النصح لأفراد المسلمين بحجة تلقي العلم أولا. فالقصد القصد، ومتى علم المسلم شيئا من المسائل وفهمها، فعليه إبلاغها، دون إفتاء أو توسع في الأمر، حتى لا ينجر إلى مسائل أخرى لا يعلمها، فيفتي بدون علم، ويجب عليه أن يتقي الله، فلا يستحي أن يقول: (لا أعلم) لمجرد أن الناس فهموا من نصحه أنه عالم، كما أن على الناس، أن ينتبهوا ممن يأخذون دينهم، فلا يتساهلون ويسألون من تيسّر أمامهم؛ لأنه ينصح أو يبدو عليه سمة الصلاح والتقوى، أو أنه متساهل في الفتوى، بل عليهم أن يجتهدوا، في معرفة أمور الحلال والحرام، ويعلموا أنهم إذا سألوا من لا علم عنده فقد أعانوا عليه الشيطان، ومرة بعد مرة، يتجرأ هذا الناصح على الفتيا ويتحرج أن يقول: (لا أعلم) .
الفائدة الرابعة:
البدعة في الدين أعظم وزرا من المعصية؛ لأن المعصية يتوب منها العبد، وخطرها- في الغالب- مقصور على صاحبها، أما البدعة فخطرها متعدّ لكل من رآها وعمل بها إلى يوم القيامة.
الفائدة الخامسة:
سعة ما عند الله﷿- من الأجر والمثوبة لعباده المؤمنين، حيث يعطي من دعا إلى هدى أجره وأجر من عمل بدعوته إلى يوم القيامة، سبحانه هو الغني، وكذا سعة ما عنده من العقوبة.
الفائدة السادسة:
علمنا من الحديث أن أحدا لا يحمل عن أحد وزره، حتى ولو كان هو الذي أضله، ولكن الذي دعا إلى ضلالة يحمل مثل وزر من أضله، أي أنه يحمل وزرين:
وزر الضلال ووزر الإضلال، وعلى هذا المعنى يفهم قوله تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ [النحل: ٢٥] .
١١- الأمر بالصدقة بين يدي نجواه ﷺ:
قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المجادلة: ١٢] .
إنّ أمر الله المؤمنين بالصدقة قبل مناجاة النبي ﷺ- أي الإسرار إليه- لهو من أبين الأدلة على عناية الله﷾- بنبيه ﷺ، بما يضمن رفع شأنه وإظهار فضله
[ ٢ / ٨٧ ]
وبيان عظيم مكانته، وما قلته ليس من باب المبالغة في شيء، ولكن هذا فحوى ما قاله العلماء في تفسير الآية، قال الإمام ابن كثير- رحمه الله تعالى: (أمر الله عباده المؤمنين إذا أراد أحدهم أن يناجي رسول الله ﷺ أن يقدم بين ذلك صدقة تطهره وتزكيه وتؤهله؛ لأن يصلح لهذا المقام) . انتهى «١» .
وتدبر كلام ابن كثير، فإن معناه: أن مناجاة النبي ﷺ، هي مقام مخصوص، لا يستوي مع غيره من المقامات، فإنه يشترط لمن يريد الوقوف بين يديه لمناجاته، إخراج صدقة يضمن بها طهارة نفسه وتزكيتها. فانظر لهذا المستوى الذي بلغت إليه مكانة نبينا ﷺ.
وقال الشيخ السعدي ﵀: (أمر الله تعالى المؤمنين بالصدقة، أمام مناجاة رسوله محمد ﷺ تأديبا لهم وتعليما وتعظيما للرسول ﷺ، فإن هذا التعظيم خير للمؤمنين وأطهر أي: بذلك يكثر خيركم وأجركم وتحصل لكم الطهارة من الأدناس التي من جملتها ترك احترام الرسول ﷺ) . انتهى «٢» .
وعليه فإن الشيخ قد جعل مجرد تعظيم الرسول ﷺ، هو خير للمؤمنين وأطهر وبه يكثر الأجر والخير.
وقد يقول القائل: كيف أمرت الآية المؤمنين بالصدقة قبل مناجاة الرسول ﷺ؛ إظهارا لمكانته، وقد نسخت الآية، وقيل: إنه لم يعمل بها إلا علي بن أبي طالب، ﵁؟.
أقول: إن الآية قد أثبتت فضل النبي ﷺ بوجوب دفع الصدقة قبل مناجاته، وبينت أن هذا هو الخير والأطهر للمؤمنين، وكون الآية قد نسخت إلا أن الحكمة منها لم تنسخ، بل هي باقية إلى يوم القيامة، وقد استقرت ولله الحمد في نفوس الصحابة ومن تبعهم بإحسان.
١٢- رؤية الله﷿- له ﷺ:
قال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الشعراء: ٢١٧- ٢٢٠] .
الشاهد في الآية:
أثبتت الآية رؤية الله﷿- لنبيه، وهي رؤية خاصة، المقصود بها العناية والحفظ، وليست رؤية إدراك وإحاطة، حيث إنها وردت بعد الأمر بالتوكل، وكأنها تحث عليه وترغب فيه، ولو كانت رؤية عامة، ما كان لذكرها مزية بعد الأمر بالتوكل؛ لأن الرؤية العامة تشمل الناس جميعا: متوكلين وغير متوكلين.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٢٧) .
(٢) تيسير الكريم الرحمن (٨٤٧) .
[ ٢ / ٨٨ ]
ومثال الرؤية الخاصة: قوله تعالى لموسى وهارون: قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى [طه: ٤٦] .
وفي الآية فوائد منها:
الفائدة الأولى:
كمال عبادته لله﷾- من جميع الوجوه، والتي منها التواضع بها لله والخشوع، وحسن القيام والسجود، وتمام الإخلاص، حيث إن الآية وردت على سبيل التمدح من الله﷿- والله لا يمتدح شيئا فيه نقص أو خلل، بدون توجيه، خاصة إذا كان يتعلق بقدوة هذه الأمة ﷺ.
الفائدة الثانية:
وعد الله﷿- نبيه ﷺ بالنصر والظهور على أعدائه، والرحمة له ولأمته، حيث أمره﷾- بالتوكل عليه، ورغّبه في ذلك بصفتين من صفاته، وهما العزة والرحمة.
الفائدة الثالثة:
عظيم أمر التوكل فبه يكفينا الله﷿- أمر أعدائنا بالنصر عليهم، وويكفينا شرور أنفسنا بغفران السيئات.
الفائدة الرابعة:
ختمت الآيات بقوله: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، فهو﷾- الذي يسمع دعاءك ويعلم حالك، وكأنه وعد منه﵎- بتحقيق سؤله واستجابة دعائه، وقد تم ذلك كله بما تقر به عينه ﷺ.
١٣- ولاية الله﷿- له ﷺ:
قال تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم: ٤] .
قيل: إن اللتين تظاهرتا على النبي ﷺ هما عائشة وحفصة﵄- حيث ذكرا له أن به ريح مغافير من العسل الذي يشربه عند إحدى نسائه، ولما كان النبي ﷺ يكره أن يجد أحد منه ريحا كريهة، حرم على نفسه العسل، فنزلت الآية توجه العتاب واللوم لعائشة وحفصة، وتعرض عليهما التوبة إلى الله بسبب ما بدر منهما وميلهن عما ينبغي من الورع والتوقير وعدم المشقة في حق النبي ﷺ، وكل روايات أسباب النزول لا تختلف كثيرا عما ذكرت وهي روايات في الصحاح.
والشاهد في الآية
على اعتناء الله﷾- بالنبي ﷺ غاية العناية: أن الآية ذكرت أن الله﷿- هو مولى النبي ﷺ، والمولى هو المعين والناصر، وهو الذي يتولى أمر مولاه في كل شئونه.
[ ٢ / ٨٩ ]
مما يوضح هذا المعنى ويجليه ويبين أن ولاية الله هي واحدة من أعظم شمائل النبي ﷺ التي ربما نغافل عنها، أقول: مما يوضح ذلك، ما ذكره الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية، ونصه: (أي الجميع أعوان للرسول مظاهرون ومن كان هؤلاء أعوانه فهو المنصور، وغيره- مما يناوئه- مخذول. وفي هذا أكبر فضيلة وشرف لسيد المرسلين حيث جعل البارئ نفسه الكريمة وخواص خلقه أعوانا لهذا الرسول الكريم) . انتهى.
وفي الآية فوائد منها:
الفائدة الأولى:
عظيم قدر النبي ﷺ حيث ذكرت الآية أن الله﷿- وصفوة خلقه هم مولى النبي ﷺ، فلم تقتصر الولاية على الله﷿-، وإن كانت لتكفي ولو كان خصم النبي ﷺ هم أهل السماوات والأرض، ولكن الولاية انسحبت لتشمل جبريل أعظم الملائكة قدرا وتشمل صالحي المؤمنين، ولم تقف الآية عند هذا الحد، بل جاء عموم الملائكة كلهم جميعا ناصرين للنبي ﷺ، وأعتقد أن الهدف الأعظم من ذكر أحد مع الله﵎- في ولاية النبي ﷺ، هو بيان فضله على الأولين والآخرين.
الفائدة الثانية:
في الآية الكريمة تخويف شديد ووعيد أكيد لمن يصدر منه أدنى إيذاء للنبي ﷺ، سواء في حياته أو بعد مماته، فإذا كانت الآية قد نزلت في حق زوجتين كريمتين طاهرتين، هما من أحب النساء إليه ﷺ، في أمر قد يكون سهلا بسيطا جدّا لو حدث مع غير النبي ﷺ، فما بالكم لو صدر الإيذاء ممن هو دونهما في الفضل والشرف، وفيما هو أشد وأعظم، فما بالكم لو صدر الإيذاء ممن جعل نفسه خصما للنبي ﷺ أو محاجّا له أو مشاقّا لسنته، وإذا كان المولى﷾- لم يرض من نساء النبي ﷺ إلا كمال الأدب ولم يتسامح معهن في أقل القليل، فهل يرضى الله منا ما يفعل من تقصير في حق النبي ﷺ؟!.
أيها المسلمون: الأمر أعظم بكثير مما نتصور كيف نتجرأ على تجاوز الأدب مع نبي قد ضمن الله له النصرة والموالاة من نفسه الكريمة ثم من أهل السماوات والصالحين من أهل الأرض؟.
الفائدة الثالثة:
في الآية إثبات أن إيذاء النبي ﷺ هو إيذاء لله وجبريل والملائكة وصالح المؤمنين، بل إن إيذاء النبي ﷺ يسبب قطعا غضب الرب وملائكته لأنهم جميعا مولى النبي ﷺ، وعليه فمن لا يتأذى ولا يغضب إذا انتهكت حرمة النبي ﷺ فنجزم قطعا أنه لا
[ ٢ / ٩٠ ]
يدخل في زمرة صالح المؤمنين.
الفائدة الرابعة:
في الآية أبلغ الحث على حب النبي ﷺ ومناصرته واتباع سنته؛ لأن الله﷾- إذا كان يحب النبي ﷺ وينصره، فهو قطعا يحب من يتبعه وينصر من ينصره.
لطيفة:
لم يقتصر التأديب الرباني لزوجات النبي ﷺ على إنزال هذه الآية العظيمة، بل أعقبتها آية هي أشد وقعا على جميع أمهات المؤمنين﵅- وهي قوله تعالى:
عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا [التحريم: ٥]، فجاء التهديد القرآني الذي يراد به مراعاة عظيم الأدب مع النبي ﷺ بالنقاط التالية:
١- إمكانية التطليق، وفي هذا أشد الحرمان لهن، لما فيه من انقطاع شرف الانتساب لبيت النبوة، وجوار النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، ويا ليت الأمر يقتصر على ذلك بل سيحل محلهن زوجات أخريات، يفزن بهذا الشرف والجوار.
٢- إن الذي سيبد له بالزوجات بعد التطليق هو الله ﵎، الذي هو مولاه، فلن يترك الأمر للنبي ﷺ في الاختيار، وإذا كان الذي سيختار الزوجات هو الله، فنعم المختار، وما أحسن المختارات.
٣- إثبات أن الزوجات- المبدل بهن- هن خير من الزوجات الكريمات اللاتي في عصمته ﷺ، فهن على أحسن الأوصاف وأسمى الأخلاق، مع مراعاة أن الآية ذكرت التنوع في أصنافهن ففيهن الأبكار والثيبات، حتى لا يقول قائل: سيأتي الطلاق بالتشديد على الرسول ﷺ كما هو الحال عند بقية الناس- بل سيكون حاله ﷺ بعد طلاق جميع نسائه في منتهى التوسعة.
فتدبر أخي القارئ كيف جاءت الآية على أحسن ما يكون في تهييج مشاعر الحب والغيرة في قلوب أمهات المؤمنين، بما يضمن عدم عودتهن إلى ما بدر منهن ولو كان أمرا بسيطا.
وقد بينت في عدة مواضع، أن الكافرين كانوا إذا اتهموا النبي ﷺ بأي تهمة نزل القرآن بما يبرئه من هذه التهمة، وبما يرفع من قدره ويعلي شأنه، وهذا أيضا قد حدث في هذه الواقعة، والتي تحكي شأنا من شئون أمهات المؤمنين، فنزل القرآن بما يرشدهن إلى وجوب سلوك غاية الأدب، وبما يرفع أيضا شأن النبي ﷺ، حيث ثبتت له ولاية الله وجبريل
[ ٢ / ٩١ ]
والملائكة وصالح المؤمنين، مع وعده إذا طلق نساءه أن يجعل الله له ما يقر عينه، وهذه النكتة اللطيفة تحتاج إلى تأمل وتدبر.
١٤- معية الله﷿- له ﷺ:
قال تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: ٤٠] .
الشاهد في الآية:
أثبتت الآية معية الله﷿-، لنبيه وصاحبه، قال تعالى: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا وهي معية خاصة؛ لأنها ذكرت بعد النهي عن الحزن، الذي حصل بسبب خوف أبي بكر الصديق على الرسول، وارتفع هذا الخوف بعلمه أن الله معهما بنصره وتأييده، فلن يصل إليهما أذى الكفار، ويؤكد هذا المعنى ما رواه البخاري عن أنس عن أبي بكر ﵁ قال: قلت للنّبيّ ﷺ وأنا في الغار: لو أنّ أحدهم نظر تحت قدميه لأبصارنا!!. فقال: «ما ظنّك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما» «١» .
أما المعية العامة، والتي يقصد بها العلم والإحاطة، ففي قوله: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا [المجادلة: ٧] .
وفي الآية فوائد منها:
الفائدة الأولى:
ما يتعلق بالنبي ﷺ
١- نصرة الله﷿- له ﷺ، وهى نصرة تكفيه عن نصرة الناس أجمعين، فهمنا ذلك من قوله تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ، وورود النصر بصيغة الماضي دليل على تحققه وثبوته وإن لم يحدث بعد، ويؤيد نصرة الله له وحمايته من جميع الأعداء قوله تعالى: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ [النساء: ٨٤]، فلولا أن الله حاميه، وتكفل بنصرته، ما أمره بالجهاد ومدافعة الكفار ولو كان وحده؛ لأن فيه تهلكة له، قال تعالى:
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: من الآية ٦٧] .
٢- لم يخرج النبي ﷺ من مكة مهاجرا إلى المدينة طواعية لطلب السلامة والأمن، بل
_________________
(١) البخاري، كتاب: المناقب، باب: مناقب المهاجرين وفضلهم منهم أبو بكر، برقم (٣٦٥٣) .
[ ٢ / ٩٢ ]
أخرج منها مضطرا، قال تعالى: إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وقد بينت ذلك في التعليق على حديث بدء الوحي.
٣- حسن ظن النبي ﷺ بربه، وعظيم توكله عليه، وكامل ثقته بأنه سينجز له وعده.
٤- عظيم اعتناء الله﷿- بنبيه ﷺ، وذلك بنصرته بإنزال التأييد المعنوي، وهو السكينة في القلوب، والتي نسبها﷾- إلى نفسه الشريفة فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ، وكذلك التأييد المادي بالجنود غير المرئية من قبل أحد من الناس، وإذا كانت الآية لم تذكر ماهية الجنود، بل نفت أن أحدا رآها، فإثبات تعشيش الحمام على الغار، ونسج العنكبوت، فيه نظر، إلا إذا ثبت بالحديث الصحيح، أما إذا كانت أخبارا لا تصل لمنزلة الصحيح، فيجب عدم الأخذ بها، لمناقضتها صريح القرآن، ونستفيد من الآية، عظيم قدرة الله﷿-، إذ نجى رسوله ﷺ وصاحبه الصديق، وهما في شدة الضعف والحول، على أعدائهما وهم في شدة القوة والصول. فسبحان من ينصر من يشاء بما يشاء على من يشاء.
الفائدة الثانية:
ما يتعلق بمناقب الصديق ﵁
١- تخصيص النبي ﷺ له بالهجرة معه، وما صاحب ذلك من خلوته بالنبي ﷺ عدة أيام، ينفرد به في الأكل والشرب والحديث، بل ويكون في خدمته وحده، لا شك أن ذلك منقبة عظيمة للصديق، لم يشاركه أحد فيها، مما يدل على أفضلية الصديق عن بقية الصحابة ﵃.
٢- إثبات الصحبة منقبة عظيمة، أما إثباتها في القرآن الكريم، فهي منقبة ما بعدها منقبة، لأنه ينبني عليها، أن من أنكر صحبة أبي بكر فقد كذب بظاهر القرآن، لأنه لا خلاف بين الأمة أن الذي هاجر مع الرسول ﷺ، هو أبو بكر، أما الذي يذمه، فهو في خطر عظيم، لأن الله مدحه في هذه الآية أبلغ المدح، فكيف يكون المدح يتلى إلى يوم القيامة، في حق من يذم ويسب، على حد قولهم.
٣- إثبات معية الله﷿- له، منقبة أخرى تضم إلى ما سبق، وينطبق عليها ما سلف.
٤- ذكر الله﷾- له مع نبيه في ضمير واحد يشركهما معا، له فضل كبير من الله على صديق هذه الأمة، قال تعالى: إِذْ هُما فِي الْغارِ، ينضم إليه إثبات أنه
[ ٢ / ٩٣ ]
ثاني الاثنين، أي ليس معهما أحد من البشر، قال تعالى: إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين.
٥- تعظيم شأن هجرته، حيث ذكر الله خروجه مع النبي ﷺ في سياق المدح، وهذا أكبر دليل على أنها كانت في سبيل الله، وإثبات المعية والصحبة، يتوجب تضعيف الحسنات ورفع الدرجات، لأن الهجرة مع النبي ﷺ، ليست كالهجرة مع غيره، فهي مناقب بعضها فوق بعض، لا ندري أيها أعظم.
٦- يتفرع على ما سبق، وجوب حب صدّيق هذه الأمة. ومن علامات هذا الحب، كثرة الثناء عليه، وذكر مناقبه، والذب عن عرضه، والامتنان له بما قدمه لله ورسوله، روى البخاري عن ابن عبّاس قال: خرج رسول الله ﷺ في مرضه الّذي مات فيه عاصب رأسه بخرقة فقعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: «إنّه ليس من النّاس أحد أمنّ عليّ في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متّخذا من النّاس خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا، ولكن خلّة الإسلام أفضل، سدّوا عنّي كلّ خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر» «١» . أقول: حسبنا هذا الحديث لمعرفة فضل الصديق.
الفائدة الثالثة:
يستدل من الآية أن الهجرة كانت نصرا للرسول ﷺ إذ ذكرت الخروج بعد إثبات نصرة الله لرسوله، قال تعالى: فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا.
الفائدة الرابعة:
وهي لطيفة من لطائف القرآن العظيم، حيث ورد في الآية:
وَكَلِمَةُ اللَّهِ مرفوعة، على أنها مبتدأ، ولم تعطف على وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا، كما يتبادر إلى ذهن القارئ، وهذا يفيد أن الله هو الذي جعل كلمة الذين كفروا في السفال، أما كلمة الله، فهي دائما في علو قبل وبعد الهجرة.
ونستفيد أيضا، ملاءمة ما يذكر في ختام الآية، من أسماء وصفات لله تعالى، مع معنى الآيات، وما يذكر فيها من أحكام، فالآية هنا ختمت بصفتي العزة والحكمة، فبعزة الله﷾-، نصر عبده وصاحبه على جحافل الكفار، وبحكمته قدّر الهجرة لتكون نصرا مبينا لدينه ونبيه ﷺ. ونصيحة لكل مسلم أن يتدبر القرآن وهو يقرأه، ليتلمس ما فيه من البدائع والفوائد، وأن يأخذ بالأسباب التي تعينه على مطلوبه.
_________________
(١) البخاري، كتاب: الصلاة، باب: الخوخة والممر في المسجد، برقم (٤٦٧) .
[ ٢ / ٩٤ ]
١٥- الوعد بنصره ﷺ في الدنيا والآخرة:
قال تعالى: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ [الحج: ١٥] .
فالآية أثبتت أن الله﷿- ناصر نبيّه ﷺ لا محالة في الدنيا والآخرة، وأن كيد أعدائه لن يستطيع أن يرد نصر الله له، قال ابن كثير في شرح هذه الآية الكريمة: (من كان يظن أن الله ليس بناصر محمدا وكتابه ودينه فليذهب فليقتل نفسه إن كان ذلك غائظه فإن الله ناصره لا محالة) . انتهى «١» .
وقد ذكر القرطبي عن النحاس «٢» معنى آخر للآية فقال: (من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه فليطلب صلة يصل بها إلى السماء ثم ليقطع النصر إن تهيأ له) «٣» .
والحاصل أن كل التفاسير تتفق في معنى واحد للآية، وهو أن الله ناصر نبيه ﷺ في الدنيا والآخرة.
وفي الآية عدة فوائد منها:
الفائدة الأولى:
أن الله، - ﷿-، قد وعد نبيه- وهو في مكة قبل الهجرة، وهو لا يزال مستضعفا- بالنصرة في الدنيا والآخرة، وهذه البشرى من أعظم دلائل نبوته، ﷺ، ولولا أن هذا الوعد من الله، ولولا صدق النبي ﷺ، في التبليغ عن ربه، ما أحرج نفسه أمام أصحابه ﵃ بإعلان هذا الوعد، ولكان اكتفى بذكر النصر في الآخرة دون الدنيا، لأن تحقق الوعد من عدمه لن يخفى على أحد في الدنيا بعكس الآخرة، وبعد أن تحققت هذه البشرى في الدنيا كأحسن ما يكون، لم يبق للكفار حجة على الله في تكذيب نبوة النبي ﷺ.
الفائدة الثانية:
إذا كان النصر في الدنيا للنبي ﷺ يكون بالظهور على الأعداء وانتشار دينه والتمكين لأهله في الأرض، فكيف يكون نصره ﷺ في الآخرة؟، أقول: يكون بمنحه أعظم المنح والمقامات، كالشفاعة العظمى واللواء المعقود ونهر الكوثر، وإسكانه
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٢١) .
(٢) هو أحمد بن محمد المفسر توفي عام (٣٣٨ هـ) . انظر الأعلام للزركلي (٨/ ١٤) .
(٣) الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٢١) .
[ ٢ / ٩٥ ]
الدرجة العالية الرفيعة في الجنة، التي لا يكون لغيره مثلها أبدا، مع إكرام أصحابه وأتباعه بإدخالهم الجنة، والتفضل عليهم بكل أنواع النعم. ومن تمام النصر في الآخرة، إدخال أعدائه النار وتعذيبهم وألايكون لهم أدنى ذكر حسن في الآخرة، بل الذم كل الذم، والتبكيت والتشفي، بل الندم والحسرة أن لو كانوا اتبعوه ﷺ، وصدقوه، قال تعالى:
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [الفرقان: ٢٧]، فسبحان الذي جعل الظالم يذكر أن سبب حسرته وندمه هو عدم اتباع الرسول ﷺ.
الفائدة الثالثة:
أن النصر بيد الله، - ﷿-، وحده وهو يأتي من السماء، وإذا كان النصر من عنده وحده، فيجب على المسلمين ألايطلبوا العون والنصر إلا منه﷾- وألا يتوكلوا إلا عليه، وأن يتيقنوا أن أحدا لا يقدر على رد نصر الله لهم، قال تعالى: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران: ١٦٠] .
الفائدة الرابعة:
على المسلمين ألا يبأسوا من نصر الله لهم في الدنيا، فهذا واقع لا محالة، لأن الآية وعدت بنصر النبي ﷺ في الدنيا، أي كل زمن الدنيا لعدم ورود التقييد في الآية، ومن لوازم نصر الله﷾- لنبيه ﷺ أن ينصر دينه وكتابه وأتباعه، شريطة أن نعود إلى الله﷿- وأن نتمسك بالعروة الوثقى، وأن نتبع سنة المصطفى ﷺ. وقد أثبت القرآن الكريم أن الله ناصر رسله والذين آمنوا في الدارين، قال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ [غافر: ٥١] .
٥- أثبتت الآية غيظ الكفار من نصرة الله لنبيه ﷺ ولكتابه ولدينه، وأنهم حريصون كل الحرص على أن يطفئوا نور هذا الدين، ويفضّوا الناس من حول بكل أنواع المكائد الممكنة.
١٦- جعله ﷺ خاتم النبيين:
قال تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب: ٤٠] .
من كريم نعم الله على نبينا محمد ﷺ، أن ختم به النبيين، لأن الخاتم يثبت له ما لا يثبت لإخوانه من الأنبياء، ومن ذلك على سبيل المثال:
١- أن يكون كتابه هو المهيمن على بقية الكتب السماوية المنزلة، قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ
[ ٢ / ٩٦ ]
الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨] .
٢- أن تكون شريعته هي الشريعة الكاملة الصالحة لكل زمان ومكان إلى يوم القيامة، لأنه لا شريعة بعد شريعته ﷺ.
٣- ألايحدث أي نسخ- بعد مماته- لكل ما جاء به من كتاب أو سنة.
٤- مطالبة كل أمة- تحت أديم السماء- من يوم بعثته إلى يوم القيامة- بالإيمان به والتصديق التام بكل ما جاء به، بل يكون الإيمان بجميع الرسل داخلا في طيات الإيمان به؛ لأنه هو الذي دل على نبوتهم جميعا.
٥- أن يكون هو ﷺ، الحكم على أفعال كل الأمم السابقة، يزكي حسناتهم ويحذر من سيئاتهم، ولم يثبت ذلك لأمة من الأمم، ثم إن جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام مبشرون به مزكون لأمته.
ومعلوم أن الخاتم لكل شيء هو أحسن وأجمل ما في الشيء، ولذلك يزين به، ولا يكتمل جمال الشيء إلا به، قال تعالى واصفا جمال شراب أهل الجنة: خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ [المطففين: ٢٦]، وقد ذكر ابن كثير في تفسير الآية الكريمة ما نصه: (فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد ﷺ إليهم ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به وإكمال الدين الحنيف له، وقد أخبر الله﵎- في كتابه، ورسوله ﷺ في السنة المتواترة عنه ألانبي بعده ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك ضال مضل) . انتهى «١» .
وقد ذكر النبي ﷺ مثله ومثل بقية الأنبياء في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلّا موضع لبنة من زاوية، فجعل النّاس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون:
هلّا وضعت هذه اللّبنة! قال: فأنا اللّبنة وأنا خاتم النّبيّين» «٢» .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
إثبات رسالة النبي ﷺ وأنه خاتم النبيين، قال الإمام ابن كثير- رحمه الله تعالى: (فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده وإذا كان لا نبي بعده، فلا رسول بالطريق
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٩٥) .
(٢) البخاري، كتاب: المناقب، باب: خاتم النبيين ﷺ، برقم (٣٥٣٥) .
[ ٢ / ٩٧ ]
الأولى، لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي ولا ينعكس) .
انتهى «١» .
الفائدة الثانية:
علل الشيخ السعدي- رحمه الله تعالى ورود الآية على هذا النسق، بكلام لطيف، وهذا نصه: (ولما كان هذا النفي عامّا- يقصد نفي أبوة النبي لأحد من رجال الأمة- في جميع الأحوال إن حمل ظاهر اللفظ على ظاهره، أي: لا أبوة نسب ولا أبوة ادعاء، وقد كان تقرر فيما تقدم أن الرسول ﷺ أب للمؤمنين كلهم، وأزواجه أمهاتهم فاحترز أن يدخل هذا النوع في عموم النهي فقال: ولكن رسول الله وخاتم النبيين، أي:
هذه مرتبته مرتبة المطاع المتبوع المهتدى به المؤمن له الذي يجب تقديم محبته على محبة كل أحد الناصح الذي لهم- أي: للمؤمنين- من برّه كأنه أب لهم) . انتهى كلامه ﵀ «٢» .
الفائدة الثالثة:
من اعترض على نبوة النبي ﷺ أو اعترض على كونه خاتم النبيين وما يستتبع ذلك من أحكام، فقد طعن في علم الله﷿-؛ لأن الآية قد بينت أن الله بمقتضى واسع علمه، قد اختص النبي بكونه خاتم الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا.
الفائدة الرابعة:
إذا كان نفي أبوة النبي ﷺ لأي من رجال الأمة، تنسحب على أبوة النسب، فتكون هذه الآية هي من دلائل نبوته ﷺ، حيث لم يبلغ الحلم ولد من أولاده الذكور عليهم جميعا الصلاة والسلام.
١٧- النبي ﷺ خليل الله:
عن عبد الله عن النّبيّ ﷺ قال: «لو كنت متّخذا من أهل الأرض خليلا لاتخّذت ابن أبي قحافة خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله» . [رواه مسلم] «٣» .
الخلة لله﷾- هي أعظم مقامات العبد، بل هي منتهى تلك المقامات، فليس بعدها من مقام، فهي أرفع قطعا من مقام المحبة، حيث ثبتت محبة الله لعباده المؤمنين ومحبتهم له، ولكن الخلة لم تثبت إلا لاثنين لا ثالث لهما، هما محمد وإبراهيم- عليهما الصلاة والسلام.، وقد ثبتت خلة إبراهيم بقوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [النساء: ١٢٥] .
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٩٤) .
(٢) تيسير الكريم الرحمن (٦٦٧) .
(٣) مسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق ﵁، برقم (٢٣٨٣) .
[ ٢ / ٩٨ ]
وللخلة معان كثيرة ذكرها العلماء، فالخلة من العبد معناها: الافتقار والانقطاع، فخليل الله هو المنقطع إليه وقيل: سمّي الخليل خليلا لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللا إلا ملأته، وقيل: هو الذي ليس في محبته خلل.
أما خلة الله للعبد، فمعناها: نصرة العبد وجعله إماما لمن بعده، وقيل: هي كامل المحبة والاصطفاء. وأضيف فأقول: إذا كانت رؤية الله﷿- ثبتت للمؤمنين يوم القيامة، وإذا كان الكلام سيحدث أيضا بين الله وبين عباده المؤمنين ليس بينه وبينهم ترجمان، فإن الخلة ستبقى هي الخصلة التي اختص بها محمد وإبراهيم- عليهما الصلاة والسلام- لم يشاركهما فيها أحد في الدنيا والآخرة.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
كمال عصمته ﷺ وتمام هداية الله له، فمن ثبتت خلته لله، وخلة الله له، فقد ثبت له كمال العصمة وتمام الهداية، قال ﷺ: «ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر»، رواه البخاري «١»، وقال في حديث الباب: (ولكن صاحبكم خليل الله) .
الفائدة الثانية:
الذي اتخذه الله خليلا، لا ينبغي له أن يتخذ أحدا من خلق الله خليلا له، لأن الخليل لا يتسع قلبه إلا لخليل واحد، أما المحبة فيتسع القلب لأكثر من حبيب، والدليل على ذلك أن محبة النبي ﷺ قد ثبتت لأصحابه ﵃ ولأزواجه.
الفائدة الثالثة:
الأخبار التي ورد فيها أن إبراهيم ﷺ لما رمي بالمنجنيق وصار في الهواء أتاه جبريل فقال: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا؟ وأما إلى الله فإن علمه بحالي يغني عن سؤالي هي أخبار لا أصل لها ولم يثبت فيها حديث، وينبغي ألانتناقلها؛ لأنها تشعر بتنقص إبراهيم لجبريل- عليهما الصلاة والسلام- وذلك في قول إبراهيم: «أما لك فلا»، كما أنها تشعر بعدم الحاجة للتوجه إلى الله بالدعاء والتضرع، فضلا عن عدم ثبوت الرواية.
الفائدة الرابعة:
وهي فائدة عامة، أراني مضطرا لذكرها في كل مناسبة؛ وذلك لعظيم أثرها في الفرد والمجتمع، ولترسخ في نفوس جميع أهل الإسلام، بل وفي نفوس غير المسلمين، وهي الحذر كل الحذر من تنقص مقام النبي ﷺ أو الترفع عن طاعته واتباعه أو الطعن في سنته؛ لأننا إذا فعلنا ذلك- والعياذ بالله- فقد عادينا عبدا قد اتخذه الله خليلا،
_________________
(١) البخاري، كتاب: المناقب، باب: قول النبي ﷺ: «سدوا الأبواب»، برقم (٣٦٥٤) .
[ ٢ / ٩٩ ]
وبموجب هذه الخلة يغضب الله لغضبه، ويعادي عدوه، ويبغض باغضه، وينتقم ممن أراد به سوآ، وفي المقابل يثبت الخير من الله لكل من أحبه واتبع سنته ﷺ.
١٨- النبي ﷺ كليم الله:
إذا كان النبي ﷺ من عظيم فضله ورفيع قدره قد شارك إبراهيم﵊- في منزلة الخلة، فقد شارك موسى﵊- في الكلام مع ربه قال تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا، وهي منزلة عظيمة، قال القرطبي- رحمه الله تعالى: (تكليما مصدر معناه التأكيد، يدل على بطلان من يقول خلق لنفسه كلاما في شجرة فسمعه موسى، بل هو الكلام الحقيقي الذي يكون به المتكلم متكلما، وأجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازا) . انتهى «١» .
أما كلام الله﷿- مع الحبيب محمد ﷺ فقد كان ليلة الإسراء والمعراج ونعلم بثبوت كلام الله لنبينا ﷺ أن الله﷿- لم يخص نبيا من أنبيائه بفضيلة إلا كان للنبي ﷺ منها أوفر الحظ وأكمله، فقد شاركهم النبي ﷺ في كل الفضائل والشمائل- حتى المعجزات الحسية، وزاد عليهم- بفضل الله ومنته- شمائل عظيمة انفرد بها دون غيره، وقد ذكر بعضها مبسوطا في مواضع كثيرة من هذا الكتاب.
١٩- تطهير قلبه ﷺ من حظ الشيطان:
عن أنس بن مالك: أنّ رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﷺ وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشقّ عن قلبه فاستخرج القلب فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظّ الشّيطان منك، ثمّ غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثمّ لأمه، ثمّ أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمّه- يعني ظئره- فقالوا: إنّ محمّدا قد قتل فاستقبلوه وهو منتقع اللّون. قال أنس: وقد كنت أرئي أثر ذلك المخيط في صدره. [رواه مسلم] «٢» .
الشاهد في الحديث:
قول جبريل ﵇: «هذا حظ الشيطان منك»
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
كانت للنبي ﵇ طفولة يلعب فيها مع الغلمان، ويعجبه ما
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ١٨) .
(٢) مسلم، كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ﷺ، برقم (١٦٢) .
[ ٢ / ١٠٠ ]
يعجب الغلمان، إلا أن الله﷿-، عصمه منذ طفولته مما يخدش الحياء، أو يطعن في المروءة، حتى من الأشياء التي يتساهل فيها الغلمان، مثل التعرى، أو سماع المعازف والأغاني المحرمة، فهذه الأمور ما كان النبي ﵇ يشارك فيها أقرانه حتى وهو غلام لم يجر عليه القلم بعد.
الفائدة الثانية:
اعتناء المولى﷾- بنبيه ﷺ غاية الاعتناء منذ صغره، ويتبين ذلك من:
١- إرسال جبريل أعظم الملائكة للقيام بهذه المهمة المباركة، وكان يكفي أن يقوم بها أي ملك آخر خاصة أن النبي ﷺ ما زال صغيرا.
٢- عصمة الله، - ﷿-، لنبيه منذ الصغر، باستخراج حظ الشيطان من قلبه، وهذا يدل على عصمته قبل وبعد النبوة، وأن الشيطان ليس له أي دخل في أعماله وأقواله، التي صدرت منه في كل أحواله، ومن يشكك في ذلك فقد كذّب بحديث النبي ﷺ، ومن كذّب النبي فقد كذّب الله﷿-، وأقول: أن الحكمة من غسل القلب بعد استخراج العلقة منه، هو تطهير مكان العلقة بعد إزالتها حتى يتأكد من التطهير الكامل للقلب، من العلقة وأثرها.
٣- دلنا شرف الغاسل، وشرف المادة المستخدمة في الغسل، ونفيس الوعاء، على شرف المغسول، وهو قلب النبي ﷺ، ويدلنا أيضا على اعتناء الآمر بالغسل، وهو الله﷿-.
الفائدة الثالثة:
التكاليف الشرعية للملائكة، غير تكاليف عباد الله المؤمنين، كما أن هيأتهم، ليست كهيأتنا، والدليل على ذلك استخدام الملائكة طستا من ذهب لغسل قلب النبي ﷺ، ولا يقال: إن هذا قبل تحريم استخدام الذهب للمسلمين، فهذا بعيد جدّا، لأني لا أتصور أن شرائع الملائكة يدخل فيها النسخ، لعدم وجود علل النسخ في حقهم، كما أن المستخدم هنا للذهب هم الملائكة وليس النبي ﷺ، حتى نقول أن هناك نسخا.
الفائدة الرابعة:
غسل القلب كان يمكن أن يكون بغير شق الصدر، وبغير إرسال جبريل ﵇ وبغير أن يصرع النبي ﷺ، ولكن تحققت فوائد كثيرة من هذه العملية وهي:
١- إظهار عجائب قدرة الله﷿-، وما منحه الله لملائكته من عظيم خوارق العادات، فجبريل ﵇ يفتح صدر النبي ﷺ، وهو ما زال غلاما، ويستخرج
[ ٢ / ١٠١ ]
القلب ويغسله بالماء، ثم يعيده مكانه، ثم يلأم الجرح مرة أخرى، وتظهر علامة هذا الالتئام، كأنه المخيط في صدره، كل ذلك دون أن يشعر النبي ﷺ بأدنى ألم، أثناء وبعد العملية، ودون أن يستخدم جبريل أي أدوات جراحية، أو أجهزة طبية لضمان بقاء النبي ﷺ حيّا، كل ذلك كان إظهارا لعجائب قدرة الله﷾-، فتدبر أخي المسلم.
٢- إجراء هذه العملية للنبي ﷺ ووجود أثر مخيط في صدره، يراه هو ويراه غيره، كلما كشف عن صدره، فيه:
أ- تذكير النبي ﵇ بعظيم قدرة الله ﷾، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض والسماوات، فيكون ذلك أدعى له بتصديق كل ما وعده الله به، حتى وإن كانت أمورا خارقة للعادة، ستحدث على غير المألوف من نواميس الكون، والدليل على ذلك أنه استقبل حادثة الإسراء والمعراج بنفس مطمئنة مصدقة لما حدث، وذلك لسابق علمه بقدرة الله، وأنه قد عايش هذه المعجزات من قبل.
ب- تذكيره ﷺ بعناية الله به منذ صغره، فالذي اعتنى به وأرسل له جبريل يغسل صدره، لن يخذله ولن يتخلى عنه بعد البعثة من باب أولى.
ج- رؤية الصحابة ﵃ أثر المخيط في صدره، فيه تثبيت لهم، وإعلام بعلو قدر الرسول ﷺ عند ربه، وبيان قدرة المولى﷾-. وهذه من أعظم حكم المعجزات الحسية، قال أنس: (وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره) .
كل تلك الحكم، ما كانت لتحدث لو أن غسل القلب حدث بدون شق الصدر، فمن عاين ليس كمن سمع.
الفائدة الخامسة:
بركة وشرف ماء زمزم؛ لأن جبريل ﵇ قد غسل قلبه﵊.، بهذا الماء في هذه الواقعة العظيمة، ولو كان هناك ماء أشرف منه لاستخدمه جبريل ﵇. ولكن لا يؤخذ من هذه الواقعة اعتقاد أن ماء زمزم له مزية إذا استخدم في غسل الجسم، أو الوضوء، أو غسل كفن المسلم، كما يفعله بعض المسلمين من بلاد آسيا، وذلك للأسباب التالية:
أ- استخدام ماء زمزم كان لغسل الباطن، وهو قلب النبي ﷺ، وليس لاستخدام الأعضاء الظاهرية كما في الغسل والوضوء.
[ ٢ / ١٠٢ ]
ب- ما تفعله الملائكة ليس بتشريع لنا، لأن الله لم يأمرنا بالاستنان بأفعالهم.
ج- لم يشرع لنا النبي ﷺ استخدام ماء زمزم في الغسل والوضوء، ولم يحثنا على ذلك، ولم يرتب على الوضوء والغسل بماء زمزم أي ثواب أو مزية، ومازال الصحابة والتابعون وعلماء الأمة يشربون من ماء زمزم ويدعون بخيري الدنيا والآخرة مما يدل على شرف هذا الماء واستعماله لما يستعمل له.
الفائدة السادسة:
نجزم قطعا أن هذه الحادثة كانت يقظة وليست مناما، وأن النبي ﷺ وعاها ورآها عيانا، وكذلك رآها البعض، وذلك للأسباب التالية:
١- قول أنس: (أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه) .
٢- رؤية الغلمان ما حدث للنبي ﷺ، وكانوا شهود عيان لما حدث، لقول الراوي:
(وجاء الغلمان إلى أمي- يعني ظئره- فقالوا: إن محمدا قد قتل) .
٣- لو كان غسل القلب حدث مناما، ما كان هناك حاجة إلى شق الصدر حقيقة ولأمه ووجود أثر المخيط للالتئام، لأن طبيعة المنام تختلف اختلافا بينا عن طبيعة اليقظة.
الفائدة السابعة:
وجود علقة في قلب الرسول ﷺ، وإرسال جبريل لاستخراجها، وغسل القلب من أثرها، يدل دلالة قاطعة، أن كل أحد دون النبي ﷺ، من باب أولى، يوجد في قلبه هذه العلقة وعلى المسلم أن يعتقد ذلك، حتى يبقى في جهاد مع نفسه التي يوجد بها حظ للشيطان، كما عليه أن يسأل الله﷿- الثبات في الأمر، وألا يركن إلى نفسه أبدا.
الفائدة الثامنة:
القلب هو سيد الأعضاء وهو الذي يأمرها وينهاها، فبصلاحه يصلح الجسد كله، وبفساده يفسد الجسد كله، والدليل على ذلك من الحديث، أن العلقة، وهي حظ الشيطان، موجودة في القلب وحده، ولو كان هناك عضو آخر له هذا التأثير على البدن لأمر جبريل ﵇ بغسله.
٢٠- ملء القلب إيمانا وحكمة:
عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رجل من قومه: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «بينما أنا عند البيت بين النّائم واليقظان إذ سمعت قائلا يقول أحد بين الثّلاثة فأتيت بطست من ذهب فيها ماء زمزم فشرح صدري إلى كذا وكذا» . قال قتادة: قلت لأنس بن مالك: ما يعني؟ قال:
[ ٢ / ١٠٣ ]
«إلى أسفل بطني فاستخرج قلبي فغسل قلبي بماء زمزم ثمّ أعيد مكانه ثمّ حشي إيمانا وحكمة» «١» .
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ: «ثم حشي إيمانا وحكمة» .
[فوائد الحديث]
وقد أوردت هذا الحديث، وأفردت له بابا مستقلّا، رغم مشابهته تماما لحديث الباب الذي قبله، وذلك لعدة فوائد هي:
الفائدة الأولى:
إثبات أن الواقعتين مختلفتان تماما، وأن شق صدر النبي ﷺ وغسل قلبه، قد وقع مرتين، والدليل على ذلك ما ورد في الحديث الأول: (أتاه جبريل ﷺ وهو يلعب مع الغلمان)، أي أن النبي ﷺ كان لا يزال غلاما في رعاية ظئره، أما الواقعة التي معنا في حديث الباب، فكانت ليلة الإسراء والمعراج قطعا، فقد ورد في إحدى روايات الحديث عند مسلم: «فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم ثم أعيد مكانه ثم حشي إيمانا وحكمة ثم أوتيت بدابة أبيض يقال له: البراق، فوق الحمار ودون البغل يقع خطوه أقصى طرفه» «٢» .
الفائدة الثانية:
إظهار عظيم اعتناء المولى﷾- بنبيه الكريم ﷺ عند إثبات أن واقعة شق الصدر وغسل القلب حدث مرتين لا مرة واحدة.
الفائدة الثالثة:
الوقوف على الفارق الجوهري بين الواقعتين، فالواقعة الأولى التي حدثت أيام صبا النبي ﷺ حدث فيها إخراج العلقة التي هي حظ الشيطان من قلبه ﷺ.
والواقعة الثانية التي حدثت ليلة الإسراء والمعراج، حدث فيها حشو القلب إيمانا وحكمة، فما حدث في كل واقعة يناسب المرحلة التي كان يمر بها النبي ﷺ، فلما كان غلاما كان في حاجة ماسة إلى عدم تعرضه لوساوس الشيطان، أما بعد البعثة، فكان أحوج ما يكون ﷺ للإيمان والحكمة، إيمان يعينه على مواجهة المحن والمصائب، وحكمة يتحلى بها في مواجهة المواقف والأزمات، وقد رأينا ذلك جليّا من خلال سيرته الزكية ﷺ.
وفي كلتا الواقعتين، غسل القلب بماء زمزم لحاجة الإنسان المستمرة لطهارة القلب ونقائه، فلله الحمد والمنة.
لطيفة:
قال ﷺ: «ثم حشي إيمانا وحكمة»، وفيه:
١- بيان قدرة الله﷾- التي لا يقدر على وصفها واصف ولا يقدر على
_________________
(١) مسلم بنحوه، كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ﷺ، برقم (١٦٤) .
(٢) سبق تخريجه، انظر ما قبله.
[ ٢ / ١٠٤ ]
فهم كنهها عاقل، حيث جعل الله﷿- الجواهر أعراضا، والمعنويات محسوسات، حيث جاء جبريل بالإيمان والحكمة في طست من ذهب، ورد في إحدى روايات البخاري: «ثم أوتي بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشوّا إيمانا وحكمة فحشا به صدره ولغاديده يعني عروق حلقه ثم أطبقه» «١» .
وعلى العبد ألا يتعجب من هذا، فإن الله كان قادرا على أن يجعل الإيمان والحكمة أعراضا نراها ومحسوسات نلمسها، ولكن قضت حكمته، عز في علاه، أن يجعل الإيمان والحكمة جواهر، ويقلبها وقتما شاء أعراضا، فالكل في قدرته سواء، وهي في حق الإنسان معجزات لأنه لم يألفها، بل ألف عكسها وضدها.
٢- حشو القلب بالإيمان والحكمة، دليل قاطع على أنه ليس في قلب رسولنا ﷺ أي محل لما يمكن أن يطرأ عليه من تغيرات إيمانية، فلو عرضت- حاشا لله- أي شبهة أو نزوة فلن تجد لها منفذا لتستقر في هذا القلب الشريف، لعدم وجود أقل مكان لها، حيث ملئ المحل كله بالإيمان والحكمة، وقد ضربت هذا المثل مع استحالته لتقريب الصورة إلى الأذهان، وليعلم كل أحد منزلة نبينا ﷺ.
٣- استخدام لفظ (حشي) أبلغ في إيصال المعنى المراد، وهو أتم فائدة من لفظ (ملأ)، لأن لفظ (الحشو) يستخدم فيما ملئ بقوة، مع الحرص التام على عدم ترك أي ثغرة بدون إيصال المادة المحشو بها، أما لفظ (الملء) فهو أقل من ذلك معنى، فمع الملء قد يكون الهواء، أما مع الحشو فيستحيل، وهذا الفهم يزيدنا إيمانا بعلو منزلة نبينا ﷺ عند ربه.
الفائدة الرابعة:
خير ما يملأ به العبد قلبه هو الإيمان والحكمة، ولو كان هناك أعظم منهما في نفع العبد لملئ به قلب النبي ﷺ، ولو كان هناك ما يماثلهما أو يحتاج إليه العبد مثل حاجته للإيمان والحكمة لجعلت في قلب النبي ﷺ.
٢١- إسلام قرينه ﷺ:
عن عائشة زوج النّبيّ ﷺ أنّ رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلا قالت: فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع فقال: «ما لك يا عائشة أغرت» فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك!! فقال رسول الله ﷺ «أقد جاءك شيطانك» قالت: يا رسول الله أو معي شيطان قال: «نعم» قلت: ومع كلّ إنسان قال: «نعم» قلت ومعك يا رسول الله قال: «نعم ولكن ربّي أعانني
_________________
(١) البخاري، كتاب: التوحيد، باب: قوله: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا، برقم (٧٥١٧) .
[ ٢ / ١٠٥ ]
عليه حتّى أسلم» . [رواه مسلم] «١» .
الشاهد في الحديث:
قول النبي ﷺ: «ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم» .
في الحديث فوائد منها:
الفائدة الأولى:
في شمائل النبي ﷺ.
١- خرق الله﷾- العادة له بإسلام قرينه الشيطان، وما حدث ذلك إلا بإعانة الله له ﷺ.
٢- كمال عصمته ﷺ فبالإضافة إلى غسل قلبه بماء زمزم، وإخراج حظ الشيطان من قلبه، جاء إسلام قرينه، حتى تكتمل منظومة العصمة، وكان يمكن أن يموت ذلك القرين، أو لا يكون هناك قرين أصلا، ولكن المعجزة أنه يسلم ولا يموت، حتى يأمره بالخير، فهي معجزة على معجزة، وعصمة فوق عصمة، جاء عند مسلم: «إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير»، فالقلب قد طهر وغسل ونزع منه حظ الشيطان، وملئ بدلا من ذلك إيمانا وحكمة، والقرين قد أسلم، ويأمره بالخير، واللسان قد حفظ فلا ينطق عن الهوى، والبصر قد شملته الرعاية الإلهية، فلا يزيغ ولا يطغى، والذكر قد رفع، والذنب قد محي، مع عدم وجوده أصلا، فله الحمد، - ﷾- أن طهر نبينا من كل ما يسوء، ومنحه كل ما يعلو به ويرفع قدره.
٣- لطف النبي ﷺ مع زوجاته وعذره لهم على ما يجدنه في نفوسهنّ من الغيرة الشديدة عليه، وعدم نهرهن على ذلك، لعلمه بضعف المرأة، ورحمته بهذا الضعف، لأنه لما رأى أن عائشة تبحث عنه، وهي متحيرة، تظن أنه قد ذهب لغيرها في ليلتها، لم ينهرها عن هذا الظن، بل لم يزد عن كلمة واحدة، (أغرت) وهذا أيضا من كمال عقله وحكمته، وتظهر أيضا فراسته، حيث علم من حال عائشة- دون أن تتكلم- ما أصابها من الغيرة.
وعلينا جميعا أن نسلك هذا المسلك مع نسائنا، فنرحم ضعفهن، ولا نعين الشيطان عليهن، ولا نضع أنفسنا في موضع الشبهات، حتى لا نشعل في نفوسهن الغيرة، التي قد تدفعهن إلى ما لا تحمد عاقبته من الأمور، وهذا امتثال لقوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: من الآية ٢١] .
٤- وضاءة النبي ﷺ عند زوجاته وعلو منزلته عندهن، والاعتراف له بذلك، فهذه
_________________
(١) مسلم، كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس، برقم (٢٨١٥) .
[ ٢ / ١٠٦ ]
عائشة ﵂، المرأة التي لم يتزوج النبي ﷺ بكرا غيرها، التي قالت عنها أمها في حديث الإفك: إنها وضيئة، والتي كانت تصغر النبي ﷺ، بخمس وأربعين سنة، تقول للتقليل من شأنها بجوار شأن النبي ﷺ، ولتعظيم شأنه بجوار شأنها: (ومالي لا يغار مثلي على مثلك) .
ولتأخذ المرأة المسلمة العبرة والدرس من أم المؤمنين في معاملتها الزوجية، فلا تعالي ولا ترفّع على الزوج، بل الإقرار له بحقه ومكانته والتواضع معه، وعلى المرأة أن تعلم أن هذا الإقرار لن يحط من شأنها، بل يرفع من قدرها عند زوجها، وقبل ذلك فإنها تنال رضا خالقها ومولاها.
٥- مجاهدة النبي ﷺ، لشيطانه حتى أسلم، ونستدل على أن تلك المجاهدة قد حدثت، من قولهه: «أعانني عليه»، وجعل غاية إعانة الله أن الشيطان قد أسلم، قال «حتى أسلم» .
٦- إقراره ﷺ بالضعف والعبودية، في جنب الله﷿-، وإعلان حاجته الدائمة له، وذلك من قوله: «ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم»، وفيه أيضا تعليم للأمة وإرشاد لها، أنه لا يطلب العون إلا من الله﷾- وأنه لا ينبغي للعبد أن يعتمد على ما عنده من إيمان وفضل، وليعلم كل أحد أن الاستعانة بغير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، كفر يخرج من ملة الإسلام.
الفائدة الثانية:
في فضل أم المؤمنين عائشة ﵂.
١- ظهور حبها الشديد للنبي ﷺ، حتى أنها تقلق وتتحير، عند ما تفتقده ليلا، مع تواضعها الجم، في قولها: (ومالي لا يغار مثلي على مثلك) .
٢- فقهها وطلبها للعلم، وانشغالها بالأهم من الأمور عن المهم، يؤخذ ذلك من تركها لموضوع الغيرة تماما، وانشغالها بالسؤال عن الشيطان، وهل مع كل إنسان شيطان، وهل مع النبي ﷺ مثله، وكل ذلك الاستقصاء والاستفصال منها، زادنا علما وفقها في أمور الدين، فجزاها الله عنا خيرا، وهكذا يجب أن تكون المرأة المسلمة، من الاهتمام بالأمور الشرعية، وترك المهم للسؤال عن الأهم، خاصة إذا تعلق بأمور دينها.
٣- ومن فقهها أيضا، أنها لم تستح من الحق، وسألت النبي ﷺ عن الشيطان فقالت:
[ ٢ / ١٠٧ ]
(ومعك يا رسول الله) ولكن انظر كيف توسطت وتأدبت، مع مقام النبوة، حيث قالت:
(ومعك يا رسول الله) ولم تذكر في كلامها الشيطان ولم تنسبه إلى رسول الله ﷺ، مع أنه قال لها: «أوقد جاءك شيطانك» . وهذا الأدب ينبغي لنا أن نتحلى به عند الحديث عن رسول الله ﷺ. وكنت قد بوبت هذا الباب بعنوان: (إسلام شيطانه)، ثم رأيت أن هذا من سوء الأدب مع النبي ﷺ، حيث نضيف إليه الشيطان، فغيرت العنوان إلى: (إسلام قرينه)، ولما تدبرت الحديث؛ علمت أن هذا الأدب، قد سبقتني إليه أم المؤمنين ﵂ فسبحان من جعلهم يسبقوننا في كل خير، ولا نسبقهم في أي شيء.
الفائدة الثالثة:
بشرية النبي ﷺ، فهو بشر، يجري عليه كل ما يجري على البشر من سنن الله الكونية، ولا نثبت له ما يخالف البشرية، إلا بدليل من الكتاب أو السنة، حتى لا نقع في الغلو الذي نهينا عنه، والذي أهلك من كان قبلنا، فقد روى البخاري عن ابن عبّاس سمع عمر ﵁ يقول على المنبر: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «لا تطروني كما أطرت النّصارى ابن مريم، فإنّما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» «١» .
فما كان لنا أن نحكم أو نعتقد بإسلام قرين النبي ﷺ إلا بعد ثبوت الدليل على ذلك، ويجب أن يكون الدليل صحيحا صريحا، حتى لا نقع في الكذب على الله ورسوله ﷺ، وقد أثبت الله﷿-، في القرآن الكريم، بشرية النبي ﷺ في آية لا تحتمل التأويل قال تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [الكهف: من الآية ١١٠] .
وهذه الآية أصل أصيل في إثبات كل الصفات البشرية للنبي ﷺ إلا ما ورد الدليل بغيره، وقد فهمت عائشة ﵂ ذلك، وأثبتته في الحديث؛ لأنه لما وضح لها أن الشيطان مع كل إنسان، وكانت عائشة تتيقن أن النبي ﷺ إنسان، له صفات كل إنسان، سألته فقالت: (ومعك يا رسول الله) . ولولا علمها بذلك، ما سألته عن القرين أو حتى كانت تستحي أن تسأله عن ذلك، ولولا أن النبي ﷺ بشر، فيه كل صفات الإنسان، لأنكر عليها السؤال، أو وجهها إلى الحق في المسألة، ولكنه ﷺ أقرها على سؤالها، وبين لها الإجابة غاية البيان.
وأنصح كل من يقرأ كتابي هذا- مع تواضعه-، في حق خير المرسلين ﷺ، ألايأخذ منه ما يشتهي، ويترك منه ما لا يعجبه، كإثبات بشرية الرسول، لأن من فعل ذلك، فقد
_________________
(١) البخاري، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا، برقم (٣٤٤٥) .
[ ٢ / ١٠٨ ]
اتبع هواه، ولم يتبع ما جاء بالكتاب والسنة، وقد تعمدت أن أستفيض في مثل هذه الأمور، حتى يتبين للناس الحق من الباطل، ولن نكون نحن أعظم حبّا للنبي ﷺ من ربه﵎-. فما أثبته الله، - ﷿-، لرسوله الكريم، أثبتناه، وما نفاه عنه نفيناه، وما سكت عنه من الصفات، اعتقدنا أنه ﷺ، يشترك مع الناس فيها، لعموم الآية التي ذكرتها آنفا، ولأننا متبعون ولسنا مبتدعين.
الفائدة الرابعة:
وجوب غيرة كل مسلم، يؤمن بالله واليوم الآخر، على النبي ﷺ، ودليله أن عائشة ﵂ كانت تغار على النبي ﷺ، وقد تكون هذه الغيرة، لأنه زوجها ولها ضرائر، ولكن في المقابل، فإن حق النبي ﷺ، علينا جميعا أعظم من حق الزوج على زوجته، فوجب علينا أن نغار عليه ﷺ، ومظاهر تلك الغيرة، أن نغضب إذا تعرضت سنته، لأي غمز أو لمز، بتصريح أو تعريض، في قليل أو كثير، بل علينا أن نكره من يقوم بذلك ونتجنبه، ولو كان أقرب الناس إلينا، وهذا يكون أكبر دليل على حبنا له ﷺ.
الفائدة الخامسة:
على كل مسلم، أن يكون دائما في جهاد مع قرينه، يسأل الله﷿- دائما الثبات، لأن ليس هناك إنسان مهما ارتفع شأنه، وعلا وصفه، إلا ومعه القرين، لما ورد في حديث الباب: (قالت: يا رسول الله أو معي شيطان؟ قال: «نعم» قلت: ومع كل إنسان؟ قال: «نعم») . فإذا أثبت النبي ﷺ أن مع عائشة شيطان فمن باب أولى أنه مع كل إنسان، ولما سألته عائشة لم يستثن أحدا، فعلى كل مسلم أن يحذر ويحذر، فإذا كان الشيطان قد يأتي لعائشة مع مكانتها الرفيعة، فكيف لا يأتي لغيرها.
٢٢- إرضاؤه ﷺ:
أولا: إرضاؤه ﷺ في الدنيا:
قال تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة: ١٤٤] .
عن البراء بن عازب: (أنّ النّبيّ ﷺ كان أوّل ما قدم المدينة نزل على أجداده- أو قال:
أخواله- من الأنصار، وأنّه صلّى قبل بيت المقدس ستّة عشر شهرا- أو سبعة عشر شهرا.،
وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنّه صلّى أوّل صلاة صلّاها صلاة العصر وصلىّ معه
[ ٢ / ١٠٩ ]
قوم، فخرج رجل ممّن صلّى معه فمرّ على أهل مسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صلّيت مع رسول الله ﷺ قبل مكّة. فداروا كما هم قبل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلّي قبل بيت المقدس، وأهل الكتاب فلمّا ولىّ وجهه قبل البيت أنكروا ذلك) .
قال زهير: حدّثنا أبو إسحاق عن البراء في حديثه هذا أنّه مات على القبلة قبل أن تحوّل رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم؟! فأنزل الله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ «١» .
الشاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ صلى قبل بيت المقدس، ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، ولكن كان يحب أن تحول القبلة إلى المسجد الحرام، قبلة إبراهيم ﵇، وكان من علامات رجائه في تحويل القبلة، أنه كان يقلب وجهه في السماء، طلبا لذلك، قال تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: ١٤٤] .
ونلمح في الآية مدى إكرام الله﷿- لنبي هذه الأمة، في النقاط التالية:
١- إثبات رؤية الله، - ﷾-، لكل أحوال النبي ﷺ، حتى في حال تقليب وجهه في السماء متمنيا تحويل القبلة، وهي رؤية خاصة، علمنا منها عظيم الاعتناء به ﷺ، والدليل على أنها رؤية خاصة، ذكرها في القرآن الكريم، وأنه ببركتها قد تحقق مراد النبي ﷺ.
٢- خص السماء بالذكر في قوله تعالى: تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ؛ لأن السماء مختصة بتعظيم ما أضيف إليها وما يعود منها، حكاه القرطبي عن الزجاج.
٣- ما كان نسخ التوجه لبيت المقدس، والأمر بالتوجه للمسجد الحرام، إلا لإرضاء النبي ﷺ، حيث ذكرت الآية كل الأفعال مضافة إليه: تَقَلُّبَ وَجْهِكَ، فَلَنُوَلِّيَنَّكَ، قِبْلَةً تَرْضاها، فَوَلِّ وَجْهَكَ، وبعد أن ذكرت الآية سبب تغيير القبلة، والأمر الخاص الموجه للنبي ﷺ بالتوجه قبل المسجد الحرام، وجهت الآية الأمر إلى الأمة، وكأنها تابعة لنبيها، قال تعالى: وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.
يتفرع على ذلك، علمنا بعظيم قدر النبي ﷺ عند ربه﵎-، لأن القبلة وهي من أعظم شعائر الله، - ﷾-، تحوّل لإرضاء النبي ﷺ، وينص القرآن الكريم على ذلك.
_________________
(١) البخاري، كتاب: الإيمان، باب: الصلاة من الإيمان، برقم (٤١) .
[ ٢ / ١١٠ ]
ويتفرع عليه أيضا، ضرورة اعترافنا بمنة الله علينا أن جعلنا، بفضله وكرمه، أتباعا للنبي ﷺ الذي اصطفاه واجتباه وفضله على الأولين والآخرين، وعلينا أيضا، تعظيم هذا النبي الكريم في قلوبنا وتقديمه على كل ما نحب من أموال وأولاد ودنيا؛ لأنه ﷺ أهل لذلك، وبسببه تشرفنا بالصلاة قبل أطهر بقاع الأرض وأشرفها، وهو المسجد الحرام.
وخلاصة القول أن الله تعالى، قد أرضى نبيه في الدنيا، أن جعل قبلته المسجد الحرام، كما أرضاه في الآخرة، في قوله تعالى في الحديث القدسي: «إنا سنرضيك في أمتك» . وهو الحديث التالي، فماذا بعد الإرضاء في الدنيا والآخرة، وهل من شرف بعد هذا الشرف، وإذا كان الإرضاء في حديث الباب مقيدا بالتوجه نحو البيت الحرام، وفي حديث الباب التالي مقيدا بإدخال أمته الجنة، وعدم تخليد أحد منها في النار، فإن آية سورة الضحى عامة في الإرضاء، فيدخل فيها جميع ما يرضيه ويفرحه ويسعده ويقرّ عينه ﷺ قال تعالى:
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [الضحى: ٥] .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
إثبات أن في شرع الله﷾-، ما هو حسن وما هو أحسن، فالتوجه قبل بيت المقدس حسن، ولكن التوجه قبل البيت الحرام هو الأحسن؛ لأن النبي ﷺ ما كان له أن يتطلع إلا إلى ما هو أحسن، وما كان الشرع ليأمرنا بأقل مما هو حسن، وقد نص القرآن على وجود الحسن والأحسن، في قوله تعالى: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الزمر: من الآية ٥٥]، ولو لم يكن هناك الحسن في الشرع، ما كان هناك معنى للأمر باتباع الأحسن، ولأمرنا بمطلق اتباع ما جاء به الشرع. كما أن في قوله تعالى:
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [البقرة: من الآية ١٠٦]، دليل آخر على الحسن والأحسن.
الفائدة الثانية:
إثبات النسخ في شرع الله، حيث نسخ حكم التوجه قبل المسجد الأقصى، إلى التوجه قبل المسجد الحرام، قال تعالى: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: من الآية ١٤٤] .