من حيث علم أنه﷾- هو الذي يعلم عاقبة كل أمر، في كل حال، وهو الذي يقدر على التقدير والصرف والتيسير.
وفي كل ما ذكر يظهر بجلاء كمال أدب النبي ﷺ مع ربه، من حيث خروجه من حوله وقوته، وإعلانه أن الأمر كله لله من قبل ومن بعد، فهذا إعلان منه ﷺ أنه لا يملك شيئا ولا يعرف ما يضره وما ينفعه وأن التيسير والبركة من الله وحده وهو القادر على أن يختار للعبد ما ينفعه ويجعل الرضا يتملك قلبه.
الفائدة الثانية:
وهي متفرقات:
١- ثبوت كمال قدرة الله﷿- فهو لازم ما ذكر في الحديث، من تقدير الله لكل شيء وتيسيره للأمور وإحلال البركة أو نزعها وكذا صرف العبد عما يريد ويقصد وجعل الرضى في قلبه، ومن يقدر على إيجاد الرضا، يقدر على نزعه وإحلال نقيضه مكانه.
ويخطئ من يقول: (الله يقدر على ما يشاء)، والصحيح أن يقال: (الله قادر على كل شيء)، أولا لمطابقته الذي ورد بالقرآن، وثانيا لأنه هو المطابق للواقع فهو سبحانه يقدر على ما يشاء وما لا يشاء.
٢- عظيم أمر الدعاء، كما ذكرت في مواضع كثيرة، لأن الاستخارة ما هي إلا دعاء، وبهذا الدعاء المخصوص يستجلب العبد الخير، ويدفع الشر.
٣- بيان جوامع كلمه ﷺ حيث جمع متعلق الخير والشر للإنسان في ثلاث كلمات وهي: الدين، والمعاش وعاقبة الأمر. وعاقبة الأمر تشمل كل نتائج سعي الإنسان في الدنيا والآخرة.
٤- على المسلم ألايحكم على أي أمر أنه خير أو شر من ظاهر الأمر، لأن النبي ﷺ
[ ١ / ٤٤٥ ]
كان يستخير ويعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها، كما أنه ﷺ وكل العلم ببواطن الأمور من حيث خيرها أو شرها بعلم الله للغيب. ويستثنى من ذلك، أن يكون الأمر مأمورا به العبد شرعا، فنعلم أنه خير يجب فعله، أو منهي عنه شرعا، فنعلم أنه شر يجب تركه، وفي هذين الأمرين، وهما يمثلان دائرة الأمر والنهي لا تشرع الاستخارة أبدا.
٥- يؤخذ من قوله ﷺ: «فاقدره لي»، ومن قوله: «فاصرفني عنه»، أن هناك محوا وإثباتا في الكتب التي مع الملائكة، ويكون الأمر بعد الإثبات والمحو موافقا لما هو في اللوح المحفوظ، والذي لا يحدث فيه تغيير أبدا إلى قيام الساعة، وقد بينت ذلك تفصيلا عند التعليق على حادثة الإسراء والمعراج.
٦- يعلمنا الحديث عظيم أمر الصلاة، وشدة قرب العبد من ربه أثناء الصلاة وبعدها، نقل ابن حجر في الفتح عن ابن أبي جمرة قوله: (الحكمة في تقديم الصلاة على الدعاء أن المراد بالاستخارة حصول الجمع بين خيري الدنيا والآخرة فيحتاج إلى قرع باب الملك ولا شيء لذلك أنجع ولا أنجح من الصلاة لما فيها من تعظيم الله والثناء عليه والافتقار إليه مالا وحالا) «١» .
وأقول: لو أن هناك ما هو أعظم قربة إلى الله﷾- من الصلاة لفعلها النبي ﷺ بين يدي دعاء الاستخارة، كما يمكن أن يقال: إنه بقدر ما يكون العبد قريبا من ربه في هذه الصلاة مستشعرا الذلة والمسكنة والتواضع والافتقار إلى ربه، بقدر ما يمكن أن يوفّق في الدعاء، وبقدر ما يكتب الله له الخير في عاقبة أمره، لأن الصلاة كانت بمثابة المقدمة والمفتاح لذلك الدعاء.
ج- حسن الثناء على الله﷿-:
عن ابن عبّاس ﵄ قال: كان النّبيّ ﷺ إذا قام من اللّيل يتهجّد قال:
«اللهمّ لك الحمد، أنت قيّم السّماوات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد لك ملك السّماوات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت نور السّماوات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت ملك السّماوات والأرض، ولك الحمد، أنت الحقّ، ووعدك الحقّ، ولقاؤك حقّ، وقولك حقّ، والجنّة حقّ، والنّار حقّ، والنّبيّون حقّ، ومحمّد ﷺ حقّ، والسّاعة حقّ، اللهمّ لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكّلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما
_________________
(١) فتح الباري (١١/ ١٨٦) .
[ ١ / ٤٤٦ ]
قدّمت وما أخرّت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدّم، وأنت المؤخّر، لا إله إلّا أنت- أو لا إله غيرك-» «١» .
الشّاهد في الحديث:
كل جملة، بل كل كلمة في الحديث تنضح بحسن ثناء النبي ﷺ على الله جل في علاه، كما سيأتي في الفوائد- إن شاء الله تعالى.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
مظاهر ثناء النبي ﷺ على ربه:
١- إثبات أن الحمد كله لله، والحمد هو الثناء على الله بصفات الكمال والجمال، وبأفعاله الحميدة الدائرة بين الفضل والعدل، قال الإمام القرطبي في تفسير الفاتحة:
(الحمد في كلام العرب: معناه الثناء الكامل، والألف واللام لاستغراق الجنس من المحامد، فهو سبحانه يستحق الحمد بأجمعه؛ إذ له الأسماء الحسنى والصفات العلا) «٢» .
٢- إثبات أن الله﷾- هو القائم على أمر السماوات والأرض فهو﷾- الذي يحفظهما ويدبر أمرهما ويتولى رعايتهما، بل هو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا [فاطر: ٤١] .
ويحفظ السماوات أن تقع على الأرض قال تعالى وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ، كما أن الله قائم على أمر السماوات والأرض، فهو قائم أيضا على أمر من في السماوات والأرض، من أجرام سماوية وكائنات حية وبحار ومحيطات، منها ما نعلمه وكثير منها لا نعلمه.
وأقول: إن أجناس هذه الكائنات والمخلوقات لا يمكن حصرها أنواعا فضلا عن حصرها أعدادا، وتدبر أخي القارئ قدرتنا بالنسبة لقدرة الخالق البارئ، فنحن لا نستطيع أن نحصر الكائنات الحية أنواعا أو أعدادا، مجرد حصر فقط، على كوكب واحد وهو الأرض، والله﷿- يحصرها أعدادا أو أصنافا، بل يقدر آجالها وأعمالها وأرزاقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، ويرى مكانها ولا يخفى عليه حالها، يسمع كلامها باختلاف لهجاتها، ولا يشغله سبحانه أمر كوكب عن كوكب.
_________________
(١) البخاري، كتاب: الجمعة، باب: التهجد بالليل، برقم (١١٢٠)، واللفظ له، ومسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم (٧٦٩) .
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٣٣) .
[ ١ / ٤٤٧ ]
وأضرب مثالا بسيطا ليتصور القارئ سعة خلقه- سبحانه- وكثرة مخلوقاته، ورد في الصحيحين نبأ البيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه أبدا، قال ﷺ: «فإذا أنا بإبراهيم ﷺ مسندا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه» «١» فكم هو عدد الملائكة، الذين هم جنس واحد من مخلوقات الله﷾- وكم سعة هذا البيت الذي يستوعب هذا العدد الهائل من جنس عظيم الخلقة كالملائكة، وقس على ذلك بقية الأكوان والمخلوقات.
ومن لوازم قيومته﷾- كمال قدرته، وتنزيهه عن أي نقص في ذاته وحياته﷾- مثاله أن الله الذي يقوم بأمر السماوات والأرض لا ينبغي له أن ينام بل ولا تعرض له مقدمات النوم، قال تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة: ٢٥٥]، وتدبر الآية كيف ذكرت تنزيهه﷾- عن النوم والسّنة بعد ذكر قيومته.
٣- إثبات أن الله ملك السماوات والأرض ومن فيهن، والملك هو الذي خلق، وهو الذي يربي خلقه على نعمه وآلائه، ومن لوازم ملكه للسماوات والأرض ومن فيهن، أن الأمر كله يرجع إليه، وأن يكون له التصرف المطلق فيهن وبمن فيهن، وألايحدث فيهن شيء إلا بعلمه وإذنه، وأن من لوازمه أيضا أن نتوجه إليه بجميع العبادات صغيرها وكبيرها، سرها وعلانيتها، فهو الملك ﷾.
٤- إثبات أن الله﵎- هو نور السماوات والأرض، وهو موافق لقوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [النور: ٣٥]، قال ابن حجر في الفتح: (أي منوّرها وبك يهتدي من فيها، وقيل: المعنى: أنت المنزه عن كل عيب، يقال: فلان منوّر، أي مبرأ من كل عيب، ويقال: هو اسم مدح تقول: فلان نور البلد أي مزيّنه) «٢» .
٥- إثبات أن الله﵎- هو الحق، والحق هو الذي لا يتغير ولا يتبدل، وهو الذي لا يحول ولا يزول، وجاء اللفظ هكذا مطلقا غير مقيد، ليفيد العموم، فهو﷾- حق في ذاته وأسمائه وصفاته وفي أفعاله وكلامه، وهذا أبلغ في الثناء والمدح، وإذا كان الله هو الحق فكل ما ينزل منه حق، وكل ما يعد به حق، ولذلك قال ﷺ بعد قوله «أنت الحق» قال: «ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والنار حق،
_________________
(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ﷺ، برقم (١٦٢) .
(٢) فتح الباري (٣/ ٤) .
[ ١ / ٤٤٨ ]
والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، والساعة حق» .
٦- ومن مظاهر الثناء أيضا، تقديم الخبر وتأخير المبتدأ في كل جملة، لإفادة التوكيد والحصر، ومثاله «لك ملك السماوات والأرض»، أي الملك لك وحدك لا لغيرك ولا يشاركك فيه أحد. ومن مظاهر الثناء أيضا، أن النبي ﷺ قد عقّب كل جملة بقوله «ولك الحمد» ليثبت أن كل ما ذكر لله﷾- فهو محل للثناء والحمد.
الفائدة الثانية:
بيان ما أوتيه النبيّ ﷺ من جوامع الكلم، ويظهر ذلك في تقسيمه ﷺ الثناء على الله﵎- إلى ثلاثة أقسام رئيسة هي: