[ ٢ / ٣٣٥ ]
يوم الهجرة المباركة
عن عائشة﵂- زوج النّبيّ ﷺ قالت: لم أعقل أبويّ قطّ إلّا وهما يدينان الدّين ولم يمرّ علينا يوم إلّا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النّهار بكرة وعشيّة فلمّا ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتّى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدّغنة وهو سيّد القارة فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربّي، قال ابن الدّغنة: فإنّ مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج إنّك تكسب المعدوم وتصل الرّحم وتحمل الكلّ وتقري الضّيف وتعين على نوائب الحقّ فأنا لك جار ارجع واعبد ربّك ببلدك فرجع وارتحل معه ابن الدّغنة فطاف ابن الدّغنة عشيّة في أشراف قريش فقال لهم: إنّ أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرّحم ويحمل الكلّ ويقري الضّيف ويعين على نوائب الحقّ فلم تكذّب قريش بجوار ابن الدّغنة وقالوا لابن الدّغنة: مر أبا بكر فليعبد ربّه في داره فليصلّ فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به فإنّا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدّغنة لأبي بكر فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربّه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره ثمّ بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلّي فيه ويقرأ القرآن فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلا بكّاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدّغنة فقدم عليهم فقالوا: إنّا كنّا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربّه في داره فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن بالصّلاة والقراءة فيه وإنّا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه فإن أحبّ أن يقتصر على أن يعبد ربّه في داره فعل وإن أبى إلّا أن يعلن بذلك فسله أن يردّ إليك ذمّتك فإنّا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرّين لأبي بكر الاستعلان قالت عائشة: فأتى ابن الدّغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الّذي عاقدت لك عليه فإمّا أن تقتصر على ذلك وإمّا أن ترجع إليّ ذمّتي فإنّي لا أحبّ أن تسمع العرب أنّي أخفرت في رجل عقدت له فقال أبو بكر: فإنّي أردّ إليك جوارك وأرضى بجوار الله ﷿ والنّبيّ ﷺ يومئذ بمكّة فقال النّبيّ ﷺ للمسلمين: «إنّي أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين» وهما الحرّتان فهاجر من هاجر قبل المدينة ورجع عامّة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة وتجهّز أبو بكر قبل المدينة فقال له رسول الله ﷺ: «على رسلك فإنّي أرجو أن يؤذن لي» فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت قال: «نعم» فحبس أبو بكر
[ ٢ / ٣٣٧ ]
نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السّمر وهو الخبط أربعة أشهر قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظّهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنّعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمّي والله ما جاء به في هذه السّاعة إلّا أمر قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له فدخل فقال النّبيّ ﷺ لأبي بكر: «أخرج من عندك» . فقال أبو بكر: إنّما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله قال: فإنّي قد أذن لي في الخروج. فقال أبو بكر: الصّحابة بأبي أنت يا رسول الله قال رسول الله ﷺ: «نعم» . قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتيّ هاتين. قال رسول الله ﷺ: «بالثّمن» . قالت عائشة: فجهّزناهما أحثّ الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فبذلك سمّيت ذات النّطاقين قالت: ثمّ لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شابّ ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكّة كبائت فلا يسمع أمرا يكتادان به إلّا وعاه حتّى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظّلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيفهما حتّى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك في كلّ ليلة من تلك اللّيالي الثّلاث واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلا من بني الدّيل وهو من بني عبد بن عديّ هاديا خرّيتا والخرّيت الماهر بالهداية قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السّهميّ وهو على دين كفّار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدّليل فأخذ بهم طريق السّواحل قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الرّحمن بن مالك المدلجيّ وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم أنّ أباه أخبره أنّه سمع سراقة بن جعشم يقول: جاءنا رسل كفّار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية كلّ واحد منهما من قتله أو أسره فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتّى قام علينا ونحن جلوس فقال: يا سراقة إنّي قد رأيت آنفا أسودة بالسّاحل أراها محمّدا وأصحابه قال سراقة: فعرفت أنّهم هم فقلت له إنّهم ليسوا بهم ولكنّك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا ثمّ لبثت في المجلس ساعة ثمّ قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها عليّ وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فحططت بزجّه الأرض وخفضت عاليه حتّى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرّب بي حتّى دنوت منهم
[ ٢ / ٣٣٨ ]
فعثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرّهم أم لا فخرج الّذي أكره فركبت فرسي وعصيت الأزلام تقرّب بي حتّى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتّى بلغتا الرّكبتين فخررت عنها ثمّ زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلمّا استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان ساطع في السّماء مثل الدّخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الّذي أكره فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتّى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ فقلت له: إنّ قومك قد جعلوا فيك الدّية وأخبرتهم أخبار ما يريد النّاس بهم وعرضت عليهم الزّاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني إلّا أن قال: أخف عنّا فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم ثمّ مضى رسول الله ﷺ قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزّبير أنّ رسول الله ﷺ لقي الزّبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشّأم فكسا الزّبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثياب بياض وسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله ﷺ من مكّة فكانوا يغدون كلّ غداة إلى الحرّة فينتظرونه حتّى يردّهم حرّ الظّهيرة فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم فلمّا أوا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيّضين يزول بهم السّراب فلم يملك اليهوديّ أن قال بأعلى صوته: يا معاشر العرب هذا جدّكم الّذي تنتظرون فثار المسلمون إلى السّلاح فتلقّوا رسول الله ﷺ بظهر الحرّة فعدل بهم ذات اليمين حتّى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأوّل فقام أبو بكر للنّاس وجلس رسول الله ﷺ صامتا فطفق من جاء من الأنصار ممّن لم ير رسول الله ﷺ يحيّي أبا بكر حتّى أصابت الشّمس رسول الله ﷺ فأقبل أبو بكر حتّى ظلّل عليه بردائه فعرف النّاس رسول الله ﷺ عند ذلك فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وأسّس المسجد الّذي أسّس على التّقوى وصلّى فيه رسول الله ﷺ ثمّ ركب راحلته فسار يمشي معه النّاس حتّى بركت عند مسجد الرّسول ﷺ بالمدينة وهو يصلّي فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربدا للتّمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة فقال رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته: «هذا إن شاء الله المنزل» ثمّ دعا رسول الله ﷺ الغلامين فساومهما بالمربد ليتّخذه مسجدا فقالا: لا بل نهبه لك يا رسول الله فأبى رسول الله أن يقبله منهما هبة حتّى ابتاعه منهما ثمّ بناه مسجدا وطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللّبن في بنيانه ويقول وهو ينقل اللّبن:
[ ٢ / ٣٣٩ ]
هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبرّ ربّنا وأطهر
ويقول:
اللهمّ إنّ الأجر أجر الآخره فارحم الأنصار والمهاجره
فتمثّل بشعر رجل من المسلمين لم يسمّ لي قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أنّ رسول الله ﷺ تمثّل ببيت شعر تامّ غير هذا البيت «١» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى: أدبه الجم ﷺ
مع الخالق﵎- ومع المخلوقين:
١- أدبه ﷺ مع الخالق:
فمع كل ما كان يلاقيه ﷺ من أذى الكفار، البدني والنفسي، والتضييق عليه في الدعوة والتعبد، إلا أنه لم يخرج حتى أذن الله له في الخروج من مكة مهاجرا، وهذا تكليف شرعي لجميع الأنبياء ألا يخرجوا حتى يؤذن لهم، وما خرج منهم أحد- فيما نعلم- بدون إذن إلا يونس ﵇، قال ﷺ لأبي بكر ﵁: «على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي» وقال ﷺ في الثانية: «فإني قد أذن لي في الخروج» .
ويتفرع عليه: أن الخروج للهجرة يختلف فيه الأنبياء عن الناس اختلافا بينا، حيث إن عامة الناس، بما فيهم خير الأمة الصديق ﵁، يخرجون وقتما شاؤا، أما الأنبياء فلا.
٢- أدبه ﷺ مع المخلوقين:
فكان ﷺ يستأذن قبل دخول البيوت، ولو كان صاحب البيت أقرب الناس إليه، ورد في الحديث: «فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له» .
الفائدة الثانية: حكمته ﷺ:
وهي ظاهرة جدّا في حادثة الهجرة، وتتمثل في:
١- أخذه ﷺ مبدأ الحيطة والحذر في الإعلان عن موعد الهجرة، وفي تحركاته ﷺ أثناء الهجرة:
فأما الأولى: ففي الحديث: «فقال النبي ﷺ لأبي بكر: أخرج من عندك» حتى لا يسمع
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب: المناقب، باب: هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، برقم (٣٩٠٦) .
[ ٢ / ٣٤٠ ]
أحد بخروجه ﷺ.
أما الثانية: فقد مكث في جبل ثور ثلاث ليال على سبيل الاستخفاء لعلمه ﷺ أن المشركين سيرسلون في أثره من يأتي بخبره، ورد بالحديث: «ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور فمكثا فيه ثلاث ليال» .
٢- إرساله ﷺ العيون واختيار أحسنها وإخفاء أمره على العدو، فقد اختار ﷺ عبد الله بن أبي بكر لهذه المهمة، حيث توفرت فيه الصفات المطلوبة، فهو شاب حديث السن يتحمل الأعباء الجسدية، وهو حاذق سريع الفهم يتحمل الأعباء الفكرية، ورد في الحديث: «وهو غلام شاب ثقف لقن»، أما التعمية على العدو فكان عبد الله يرجع إلى مكة آخر الليل حتى يظن أهلها أنه بات معهم «فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك» .
٣- استخدام الدليل لمعرفة الطريق واختيار أحسنه وأعلمه ولو كان كافرا، فقد استأجر ﷺ رجلا ماهرا بالطريق، بينه وبين مشركي مكة عهد وأمان، ورد في الحديث: «قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش» ومن كان على دينهم لن يكون موضع شكهم.
٤- تضليل العدو، فقد طلب ﷺ من سراقة ﵁ أن يخفي أمره عن كفار مكة وما طلب منه غير ذلك، فرجع لا يلقى أحدا إلا قال: «قد كفيتكم ما هاهنا فلا يلقى أحدا إلى رده» وورد أيضا «ولم يسألاني إلا أن قال: أخف عنا» .
٥- تأمين الطعام والشراب للسفر الطويل، فقد كلف ﷺ عامر بن فهيرة مولى أبي بكر أن يرعى عليهما، وورد في الحديث أيضا: «قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز وصنعنا لهم سفرة في جراب» والسفرة هي الزاد الذي يصنع للمسافر.
الفائدة الثالثة: حبه ﷺ للإنفاق في سبيل الله:
ومظاهر ذلك:
١. اشتراطه ﷺ أن يدفع لأبي بكر ﵁ ثمن الراحلة التي سيهاجر بها إلى المدينة، ورد بالحديث: «قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين قال رسول الله ﷺ: بالثمن» «١» .
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب: البيوع، باب: إذا اشترى متاعا أو دابة فوضعه عند البائع، برقم (٢١٣٨) من حديث عائشة ﵂.
[ ٢ / ٣٤١ ]
قال الإمام ابن حجر﵀- نقلا عن بعض شيوخ المغرب قولهم: «أحب أن لا تكون هجرته إلا من مال نفسه» «١» .
٢- لم يأخذ ﷺ شيئا من مال سراقة ﵁، مع أنه هو الذي عرض عليه ذلك، قال سراقة ﵁: «وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني» كناية عن أنهما لم يأخذا منه شيئا. وروى مسلم في صحيحه قول سراقة: «فإن غنمك ستمر على إبلي وغلماني بمكان كذا وكذا فخذ منها حاجتك قال: لا حاجة لي في إبلك» «٢» .
٣- رفضه ﷺ أن يأخذ أرض الغلامين لبناء المسجد إلا بثمنه، ورد في الحديث: «ثم دعا رسول الله الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدا» .
الفائدة الرابعة: شجاعته ﷺ:
لقد كان ﷺ لا يلتفت في قراءته وهو يعلم أن أهل مكة يطلبونه ليوقعوا به، قال سراقة ﵁ في الحديث: «سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات» وأعتقد أن كثرة التفات أبي بكر ﵁ كانت خوفا على حياة الحبيب ﷺ.
الفائدة الخامسة: حسن تعبده ﷺ لربه:
حيث كان يصلي لربه﵎- وهو مطلوب من أعدائه، والصلاة في هذا الموقف لهي أدل دليل على افتقار العبد لله، وحسن تضرعه إليه، وطلبه العون والمدد منه ﷾.
الفائدة السادسة: تواضعه ﷺ:
يظهر ذلك في موضعين من الحديث:
الأول: لم يعرف النبيّ ﷺ من أهل المدينة من لم يره من قبل، فظن الناس أن أبا بكر هو النبي، ولو كان ﷺ قد ميز نفسه بشيء في اللباس أو المشية أو الدابة لعرفه الناس، ففي الحديث: «جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحسبه أبا بكر» .
الثاني: نقله ﷺ اللبن مع أصحابه لبناء المسجد، ويؤخذ منه أيضا، حبه ﷺ الاستزادة
_________________
(١) انظر فتح الباري (٧/ ٢٣٥) .
(٢) أخرجه مسلم، كتاب: الزهد، باب: في حديث الهجرة، ويقال له حديث الرحل، برقم (٢٠٠٩) .
[ ٢ / ٣٤٢ ]
من أعمال الخير، وعدم الزهد فيها، والحرص على استرضاء الرب﵎-، وحكمته ﷺ في سياسة الناس حيث يشاركهم العمل ليكون أهون عليهم وأطيب على نفوسهم، ففي الحديث: «وطفق رسول الله ﷺ ينقل اللبن في بنيانه، ويقول وهو ينقل اللبن:
هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر
» .
الفائدة السابعة: عناية الله﷾- بمسجد نبيه ﷺ:
لقد اعتنى الله- سبحانه- بمسجد نبيه ﷺ، وليس ذلك من جهة مضاعفة أجر الصلاة فيه، أو احتوائه على روضة من رياض الجنة، أو الترغيب في شد الرحال إليه، ولكن بلغت العناية الربانية به من حيث المكان الذي بني عليه المسجد فهو مكان اختاره الله﷾-، حيث أمر الناقة أن تبرك فيه، «فقال رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته: «هذا إن شاء الله- المنزل» .
الفائدة الثامنة: حسن ثقته ﷺ بربه﷾- وأنه ناصره ومؤيده:
ورد في الحديث: «فقلت- أي أبو بكر-: يا رسول الله: أوتينا- أي أدركنا سراقة-؛ فقال: لا تحزن إن الله معنا» .
الفائدة التاسعة: سرعة استجابة الله﵎- لدعائه ﷺ:
حيث دعا على سراقة في الأولى فقال: «اللهم اصرعه» - أي سراقة- فصرعه الفرس، ثم دعا لسراقة في الثانية فنجاه الله في الحال ورد في الحديث: «قد علمت أنكما قد دعوتما عليّ فادعوا لي فالله لكما أن أرد عنكما الطلب فدعا الله فنجا» .
ويؤخذ منه أيضا الإيجاز في الدعاء، فالنبي ﷺ مع الخطر الذي أحدق به وأوشك أن يقع به، ما زاد في دعائه عن قوله: «اللهم اصرعه»، وأعتقد أن هذا الإيجاز يدل على حسن الثقة بالله، وأنه﷾- يسمع ويرى، ولو كان الإسهاب والإطناب والتطويل في الدعاء أكثر عبودية لله وأرجى للإجابة لكان أولى الناس به هو النبي ﷺ، ألم تر كيف دعا النبي ﷺ على مضر لما آذوه وعادوه؟ فقال في كلمات مختصرات: «اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها سنين كسنين يوسف» .
[ ٢ / ٣٤٣ ]
الفائدة العاشرة: قدرة الله﵎- العجيبة:
حيث ساخت يدا فرس سراقة جدّا- أي غاصت في الأرض- حتى بلغتا الركبتين، وهذا من دلائل قدرة الله﵎-، ومن دلائل صدق نبوته ﷺ، والدليل على ذلك أن سراقة أسلم في الحال وعلم أنها آية قال في الحديث: «ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها»، ولم تكن هذه هي الآية الوحيدة التي حمى الله﵎- بها نبيه ﷺ وشرح بها قلب سراقة للإيمان، بل هناك آية أخرى؛ وهي: أن الأزلام- وهي أقداح كانوا يقترعون بها في الجاهلية لإنفاذ أمر ما- كالقرعة الآن- كانت تخرج كل مرة بعدم إيذاء النبي ﷺ، مع تكرار سراقة للاستقسام، قال سراقة: «فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره» .
الفائدة الحادية عشرة: إرادة الله﷾- أن يؤنس ويطمئن قلب نبيه ﷺ:
فأراه دار هجرته، وهو في مكة لم ينتقل منها بعد، ورد في الحديث: «قد رأيت دار هجرتكم رأيت سبخة- وهي الأرض المالحة التي لا تكاد تنبت- ذات نخل بين لابتين» ولا مانع شرعا ولا عقلا أن تكون رؤية بالعين. وهذا الذي نعتقده.
الفائدة الثانية عشرة: بره ﷺ برحمه:
حيث اختار ﷺ أقرب أهل المدينة منه رحما فنزل عندهم، ورد عند مسلم: «فتنازعوا أيهم ينزل عليه رسول الله ﷺ فقال: أنزل على بني النجار أخوال عبد المطلب أكرمهم» .
قال الإمام النووي﵀-: «وفيه فضيلة صلة الرحم سواء قربت القرابة والرحم أم بعدت، وأن الرجل الجليل إذا قدم بلدا له فيها أقارب ينزل عندهم يكرمهم بذلك» «١» .
الفائدة الثالثة عشرة: حب أبي بكر الصديق ﵁، وإجلاله وتوقيره النبي ﷺ، وإيثاره له على نفسه في كل شيء:
وأعتقد أنه ﵁ قد بلغ المنتهى في كل ما ذكر، وسأذكر شواهد ذلك من حديث الهجرة بشيء من التفصيل. ثم أعقبه بحب الأنصار للنبي ﷺ؛ لأن هذا الحب
_________________
(١) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (١٨/ ١٥١) .
[ ٢ / ٣٤٤ ]
والإجلال من أعظم دلائل نبوته ﷺ.
١- افتداؤه ﵁ النبيّ ﷺ بأحب ما عنده؛ بأبيه وأمه:
ورد في الحديث: «فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر»؛ أي: أفديه بأبي وأمي. وهذا يدل على أن حب النبي ﷺ كان مقدما عنده على حب والديه، فود لو ضحى بهما في سبيل إرضائه وسلامته ﷺ ولا غرابة في ذلك فإن فضل النبي ﷺ على عموم الأمة أعظم وأظهر من فضل الوالدين.
٢- حبس نفسه ﵁ في مكة، رغم عدم قدرته على الاستعلان بدينه، وتحزب أهل مكة عليه:
حتى إنهم أجبروا سيد القارة أن يرد عليه ذمته، فعل ذلك طمعا في صحبة النبي ﷺ إلى دار الهجرة، وطاعة للنبي ﷺ في أمره له بعدم الخروج، ففي الحديث: «فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه» .
٣- خوفه على رسول الله ﷺ:
أ. خوفه على النبي ﷺ من العدو، ورد بالحديث على لسان سراقة: «حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات» .
ب. خوفه عليه ﷺ من أشعة الشمس وحرها، وهو أدنى ما يمكن أن يصيب الرجل في السفر الطويل، ولكن هذا أيضا يأباه أبو بكر ﵁ على الحبيب ﷺ ففي الحديث:
«حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه» .
ج. خوفه ﵁ على النبي ﷺ من هوام الأرض، وحرصه على حمايته منها، ولو أدى ذلك إلى عدم نومه، ففي الحديث على لسانه ﵁: «ثم قلت: نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك فنام وخرجت أنفض ما حوله»، ولو أنه ﵁ نام بعد أن اطمأن على نوم النبي ﷺ لكانت فضيلة ظاهرة له، ولكنه لم ينم وآثر السهر، في سفر طويل ينتظره، مخافة أن يصيب النبيّ ﷺ أدنى أذى وهو نائم، وإذا كان أبو بكر ﵁ قد أبى أن ينام أثناء نومة النبي ﷺ، وإذا كان وظف نفسه لخدمة الحبيب وهو يقظان، ولا أظن أبدا أن الصديق ينام والنبي ﷺ يقظان، فمتى كان ينام ﵁.
٤- عنايته ﵁ بكل ما يخص النبي ﷺ:
أ- عنايته بفراشه ﷺ، من حيث التسوية والظل والراحة أثناء النوم، قال رضي الله
[ ٢ / ٣٤٥ ]
عنه: «فأتيت الصخرة فسويت بيدي مكانا ينام فيه النبي ﷺ في ظلها ثم بسطت عليه فروة» .
ب. عنايته ﵁ بوضوء النبي ﷺ وشرابه قال ﵁: «ومعي أداة أرتوي فيها للنبي ﷺ ليشرب منها ويتوضأ» .
ج. عنايته ﵁ بغذاء النبي ﷺ، من حيث نظافته ومناسبته للشرب، أما نظافته: فقد قال ﵁ للراعي في إحدى روايات البخاري: «ثم أمرته أن ينفض ضرعه من الغبار ثم أمرته أن ينفض كفيه» «١»، وأما مناسبته للشراب: فقد حرص ﵁ أن يكون طعامه سائغا لذيذا، وليس مجرد طعام يتغذى به، لذلك عمل على تبريده قبل تقديمه للنبي ﷺ، وهذا غاية الاجتهاد منه ﵁ في إرضاء النبي ﷺ ورد في رواية للبخاري: «وقد جعلت لرسول الله ﷺ إداوة على فمها خرقة فصببت على اللبن حتى برد أسفله» .
٥- فرحه ورضاه، بل وسعادته القلبية، بما يسعد النبي ﷺ:
ورد عند البخاري: «فقلت: اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت» كيف كان هذا الحب، لا يشعر أبو بكر ﵁ بالرضا. وهو شعور قلبي لا يشعر به الإنسان إلا إذا حدث ما يفرحه ويسعده ويذهب عنه ما يسوؤه ويحزنه. إلا إذا تيقن أن النبي ﷺ قد شرب حتى ارتوى. وذهب عنه ما يسوؤه من ظمأ وعطش.
٦- شفقته ﵁ بالنبي ﷺ:
ومن مظاهر ذلك في الحديث كراهيته أن يوقظ النبي ﷺ وهو نائم، فلا حرج بالنسبة إليه بعد أن أعد الغذاء أن يقف به، ينتظر أن يستيقظ النبي ﷺ من نفسه، وهذا أهون عليه أن يقطع على النبي ﷺ نومته، وهو في حاجة إليها، أو أنه لم يأخذ كفايته منها. ففي رواية مسلم: «وكرهت أن أوقظه من نومه فوافقته استيقظ» .
هذا طرف من حب وإجلال وتوقير النبي ﷺ في قلب وعقل صديق هذه الأمة، وتدبر أخي القارئ أن هذا السلوك القويم، والنهج الجميل، لم يحدث من رجل من عموم المسلمين المغمورين، بل كان هذا السلوك من رجل حسيب نسيب شريف، غني في قومه، صاحب
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب: اللقطة، باب: من عرف اللقطة ولم يدفعها إلى السلطان، برقم (٢٤٣٩) من حديث أبي بكر ﵁.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
أموال وتجارة، وصاحب عقل وحكمة، يشهد له بذلك القريب والبعيد، بل شهد له عدوه من غير جلدته، وهو سيد القارة، فهل بعد هذا الحب من حب، وأقول: أين نحن من حب وتوقير وإجلال الصحب الكرام للنبي ﷺ، صحيح أننا لن نصل إلى معشار ما وصلوا إليه، لكن علينا أن نجتهد ونعمل ونسدد ونقارب، فالله برحمته ومنته يقبل القليل ويباركه، ويعفو عن الكثير من التقصير، وأسأل أخي المسلم: لماذا فعل الصديق مع نبي الأمة كل هذا؟ والإجابة معروفة، لقد رأى من النبي ﷺ كل خير، وعدم معه كل شر، مع قوة يقين الصديق ﵁ وطمعه في رضى ربه.
الفائدة الرابعة عشرة: حب الصحابة﵃- للنبي ﷺ:
ويتبين لنا في المواقف التالية:
١- خروجهم كل يوم إلى الحرة لاستقبال النبي ﷺ، وما يردهم إلى بيوتهم إلا حر الظهيرة، وهذا يدل على شوقهم الشديد لرؤيته ﷺ، فما استطاعوا أن يصبروا في بيوتهم حتى يأتيهم خبر مقدمه الميمون ﷺ، ورد في الحديث: «وسمع المسلمون بالمدينة بخروج رسول الله ﷺ من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة» «١» حدث هذا منهم ﵃ وهم لم يروا النبي ﷺ فكيف كان حالهم بعد أن رأوه.
٢- فرحهم جدّا بمقدم النبي ﷺ، فمن فرحتهم صعدوا أسطح البيوت ومشوا في الطرقات يتغنون باسمه ﷺ ابتهاجا وسرورا، فعند مسلم: «فصعد الرجال والنساء فوق البيوت وتفرق الغلمان والخدم في الطرق ينادون يا محمد يا رسول الله يا محمد يا رسول الله»، وفي إحدى روايات البخاري: «فقيل في المدينة: جاء نبي الله فأشرفوا ينتظرون ويقولون: جاء نبي الله جاء نبي الله» «٢» .
٣- احتفاؤهم بالنبي ﷺ وملازمتهم له، ورد في الحديث: «ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول ﷺ بالمدينة» وفي رواية أخرى عند البخاري: «فركب نبي الله ﷺ وأبو بكر وحفوا دونهما بالسلاح» .
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب: المناقب، باب: هجرة النبي ﷺ وأصحابه، برقم (٣٩٠٦) من حديث عائشة ﵂.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب: المناقب، باب: هجرة النبي ﷺ وأصحابه، برقم (٣٩١١) من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ٢ / ٣٤٧ ]
٤- إعلان الأنصار. ﵃. من بداية مقدم النبي ﷺ أنهم سيطيعونه ويحمونه، ليس هو فحسب، بل هو وصاحبه الصديق ﵁، ورد في إحدى روايات البخاري: «ثم بعث إلى الأنصار فجاؤا إلى النبي ﷺ وأبي بكر فسلموا عليهما وقالوا: اركبا آمنين مطاعين» .
٥- حب كل منهم أن يتشرف بنزول النبي ﷺ عنده، ورد عند مسلم على لسان الصديق ﵁: «فتنازعوا أيهم ينزل عليه رسول الله ﷺ» .
الفائدة الخامسة عشرة: بعض مناقب الصديق ﵁:
١- حكمته ﵁، وتظهر جلية في مداراته وتعمية أمر النبي ﷺ على المشركين، ورد في لفظ البخاري: «أقبل نبي الله ﷺ على المدينة. أي في طريقه إلى المدينة.
وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف ونبيّ الله ﷺ شاب لا يعرف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر، من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديناي السبيل، قال: فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق وإنما يعني سبيل الخير» .
ويظهر من قول أبي بكر ﵁ تجنبه الكذب، واستخدامه المعاريض، وحبّه الثناء على النبي ﷺ والاعتراف بفضله وجميله.
٢- صلته الوثيقة بالنبي ﷺ وتشرّفه بحضور النبي ﷺ إلى بيته كل يوم، ورد بالحديث على لسان عائشة﵂-: «ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية» .
٣- حسن عبادته لربه﵎- ويتضح ذلك من:
أ. بناؤه مسجدا بفناء داره، يصلي فيه ويقرأ القرآن ويسمع قراءته المشركين.
ب. بكاؤه ﵁ عند قراءة القرآن، ورد في الحديث: «وكان أبو بكر رجلا بكّاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن»؛ أي: أن البكاء كان يغلبه.
قال الإمام ابن حجر. ﵀.: «أي لا يطيق إمساكهما عن البكاء من رقة قلبه» «١»، وإعلانه ﵁ بالقرآن يدل على شجاعته وبذل نفسه في سبيل الله﵎-.
_________________
(١) انظر فتح البارى (٧/ ٢٣٤) .
[ ٢ / ٣٤٨ ]
٤- بذل نفسه وماله في سبيل الله ﷿، حيث أراد الخروج إلى الحبشة وما رده إلا سيد القارة، وبين ﵁ أنه ما أراد الخروج إلا لعبادة ربه ﷿، كما استأذن ﵁ الرسول ﷺ للخروج مرة أخرى ومنعه النبي ﷺ ومن بذل المال تجهيزه ﵁ راحلتين، والعناية بهما أربعة أشهر استعدادا للهجرة.
٥- حسن توكله على الله ﷿ وثقته به، حيث قال لما رد جوار سيد القارة: «فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله ﷿» .
٦- أخلاقه الحميدة ﵁، والتي شهد بها المشركون، حيث قال له سيد القارة: «فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق»، وهي نفس الأخلاق التي أثنت بها خديجة﵂- على النبي ﷺ في حديث بدء الوحي.
هذا هو صديق الأمة أبو بكر ﵁ وما ذكر في حقه قليل من كثير، وإن كانت أعظم مناقبه وأعلاها رتبة وأشرفها درجة وأرفعها مكانة، هي حب النبي ﷺ له ويظهر ذلك جليّا في اختياره ﵁ ليكون الصاحب والرفيق للنبي ﷺ في الهجرة المباركة.
وقد ذكرت مناقبه ﵁ بشيء من التفصيل لترى الأمة كيف ربّى النبي ﷺ أصحابه، فمناقب الصديق شمائل للنبي ﷺ.
الفائدة السادسة عشرة: مناقب بعض الصحابة﵃- جميعا:
١- فضل أم المؤمنين عائشة وأسماء﵄- منذ نعومة أظفارهما: حيث قامت عائشة﵂- بتجهيز متاع السفر وصناعة الطعام ووضعه في الجراب، وقامت أسماء. ﵂. بربط فم الجراب بعد شق نطاقها قطعتين، ويكفيهما شرفا وفخرا أن زاد ومتاع النبي ﷺ في رحلته إلى الله. ﷾. قد خرج من تحت أيديهما ومن بيتهما.
٢- حب الصحابة. ﵃. لفعل الخير والإنفاق في سبيل الله، ليس من الرجال والنساء، بل من الغلمان والأيتام الذين هم في أشد الحاجة إلى المال، ورد في الحديث: «ثم دعا رسول الله ﷺ الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدا» .
[ ٢ / ٣٤٩ ]
الفائدة السابعة عشرة: دروس وعبر مستفادة من الهجرة المباركة:
وقد ذكرت تلك الفوائد على حسب ورودها بالحديث ليسهل الرجوع إليها:
١- يجب أن يكون أمر الدين عند المسلم أعظم من سلامة بدنه وماله، وأهم من ملازمة الأهل والأحباب والأرض التي ولد فيها، فإذا خاف المسلم على دينه وعجز أن يقيم شعائره، أو خاف على نفسه الفتنة، فعليه أن يرحل ويبحث عن أرض أخرى، يأمن فيها على نفسه ودينه، ورد في الحديث: «فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة» «١»، ولما سئل عن سبب هجرته قال: «أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي» .
٢- يجب أن يحرص الناس على وجود أهل الخير والعلم والفضل بين أظهرهم، ويعلموا أن وجودهم بينهم فيه أسباب الخير والبركة، بل والنجاة من الفتن، فهذا سيد القارة، وهو على غير ملة الإسلام، يرفض خروج أبي بكر الصديق ﵁ من مكة، لا لشيء إلا لأنه من أهل الصلاح والتقوى، قال سيد القارة في الحديث: «فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق» .
ويتفرع عليه: أن يفرح أهل البلدة برحيل أهل الفسق والفجور من بين أظهرهم.
٣- ما كان عليه بعض كفار العرب من الإنصاف وشهادة الحق وعدم الخيانة، فهذا سيد القارة قد أثنى على أبي بكر ﵁ أحسن الثناء وأجمله، وهؤلاء أهل مكة أبوا أن ينقضوا العهد مع سيد القارة بأمان أبي بكر ورد في الحديث قولهم لسيد القارة: «فسله أن يرد إليك ذمتك فإنا قد كرهنا أن نخفرك»؛ أي: نغدر بك.
ويتفرع عليه: أن المسلمين أولى بالوفاء والالتزام بالعهود من غيرهم، قال. تعالى.:
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١) [النحل: ٩١] .
٤. علم الكفار بما للقرآن من أثر عجيب على قلوب وعقول سامعيه، مما جعلهم يخافون على أهليهم وذويهم من سماع القرآن، ومن سمع منهم بقلب وعقل مقبل أعجب به غاية
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
الإعجاب، ورد في الحديث «١»: «مر أبا بكر فليعبد ربه في داره وليقرأ ما شاء ولا يستعلن به فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا» أما حال من سمع القرآن من أهل مكة فقد ورد في الحديث: «ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه»، ومعنى «ينقذف» وما ورد في بعض الروايات «فيتقصف» فمعناه: يزدحمون عليه حتى يسقط بعضهم على بعض فيكاد ينكسر؛ كما ذكر الحافظ. ﵀ «٢» .
٥. من شيم الرجل المؤمن الصالح أن يكون رقيق القلب، ومن علامة رقة القلب، البكاء من سماع القرآن أو تلاوته. ولا يتسنى للعبد ذلك إلا بجمع التدبر والخشوع والإخلاص.
٦- وجوب الأخذ بالأسباب الموصلة شرعا أو قدرا إلى مراد الإنسان، وأن هذا لا يقدح في التوكل على الله، بل هو من علامات التوكل الصحيح، ومن لم يأخذ بالأسباب مدعيا التوكل على الله. ﵎. فقد قدح في نبي هذه الأمة وصاحبه الصديق، ألم تر كيف أعد أبو بكر ﵁ الراحلتين والزاد والطعام والشراب للهجرة المباركة، ألم تر إلى النبي ﷺ كيف أخذ بكل أسباب السلامة في الهجرة، فاستأجر الدليل وأمن العيون وعمّى على المشركين، ولما عجز أن يرد من يطلبه دعا ربه أن يصرعه. وكان الله. ﵎.
قادرا على أن يكفيه مثل هذا العناء في الهجرة، فيرسل له الروح القدس بالبراق، ولكن أراد الله. ﷾. أن يعلم الأمة دروسا وعبرا.
٧. من السنة أن ينفق الإنسان من ماله الخاص، خاصة في العبادات التي فيها إنفاق مال، كالحج والعمرة والجهاد والهجرة، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وألا يكون عالة على غيره، علمناه من إصرار النبي ﷺ أن يدفع لأبي بكر ﵁ ثمن الراحلة.
٨. ومن السنة أيضا وجوب إكرام أهل العلم والفضل وإيثارهم على النفس، وأن هذا شائع بين الناس؛ لأن الأنصار. ﵃. ما عرفوا رسول الله ﷺ حتى ظلل عليه أبو بكر بردائه يحميه من أشعة الشمس.
٩. عظيم أمر المسجد في الإسلام، حيث كان أول عمل قام به النبي ﷺ في المدينة.
١٠. مشروعية الإنشاد أثناء العمل، وفائدته أنه يقوي الهمم ويشحذ العزائم، ويسن
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) انظر فتح البارى (٧/ ٢٣٤) .
[ ٢ / ٣٥١ ]
أن يكون فيه ذكر الله. تعالى. والترغيب في ثواب الآخرة، ويحرم فيه الفحش من القول وما ينافي خوارم المروءة.
١١. اهتمام الشرع الحنيف بالنظافة، سواء النظافة الشخصية أو نظافة المهمات والمعدات، وأن هذا الخلق من الإسلام، وقد مر بنا كيف اهتم أبو بكر ﵁ بنظافة الراعي الشخصية ونظافة ضرع الحلوب.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
يوم الفتح العظيم
هو يوم مشهود من حياة النبي ﷺ إذ نصره الله فيه نصرا مؤزرا عزيزا، كانت بدايته صلح الحديبية، والذي سماه الله فتحا مبينا، كان يوما مشهودا في حياة النبي ﷺ إذ رجع إلى مكة التي خرج منها قبل ثمان سنوات، متخفيا غير مستعلن، واليوم يدخلها مستعلنا مستعليا بفضل الله وقوته، ومعه عشرة آلاف مقاتل، يوم مشهود في حياة النبي ﷺ، حيث دخل البيت الحرام يكسر فيه الأصنام، ويعلن فيه علوّ الحق وأهله، واضمحلال الشرك وحزبه، هو يوم مشهود في حياة النبي ﷺ إذ رأى ثمرة جهاده وكفاحه. في سبيل الله. أكثر من عشرين عاما، رأى الناس يدخلون في دين الله أفواجا وفرادى. فأقر الله له عينه وأتم عليه نعمته ﷺ.
مجمل الأحداث في هذا الفتح المبارك:
خرج النبي ﷺ من المدينة، في عشرة آلاف مقاتل، وكان ذلك في شهر رمضان المبارك من العام الثامن للهجرة الميمونة، وكان ﷺ صائما عدة أيام، حتى إذ بلغ مكانا يسمى الكديد، أقرب إلى مكة منه إلى المدينة، بلغه أن أصحابه قد أعياهم الصيام، فأفطر ﷺ وذم من لم يقبل الرخصة واستمر صائما، ولما بلغ قريشا خروج النبي ﷺ قاصدا مكة، خرج له أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر، فلما اقتربوا من جيش المسلمين رأوا نارا عظيمة، أشبه ما تكون بالنيران التي يوقدها الحجاج يوم عرفة، ورآهم حرس النبي ﷺ فأتوا بهم إلى النبي ﷺ، فأسلم أبو سفيان، وأمر النبي ﷺ بحبسه حتى يرى جحافل الجيش فيثبت إيمانه، فمر الجيش من أمامه كتيبة كتيبة، فإذا سعد بن عبادة يمر من أمامه ومعه الراية على رأس كتيبة عظيمة، فقال لأبي سفيان: اليوم يوم الملحمة تستحل فيه الكعبة، فاشتكى أبو سفيان هذه المقولة للنبي ﷺ، فرد عليه بمقولته الخالدة: كذب سعد ولكن هذا يوم يعظّم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة، وقد قسم النبي ﷺ الجيش أقساما، فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادي، واستدعى ﷺ الأنصار فأمرهم أن يقتلوا أوباش مكة، الذين يحملون عليه السلاح، ودخل النبي ﷺ مكة من أعلاها لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، وأمر بعدة أوامر، منها إهدار دماء بعض مشركي مكة ممن أمعنوا في إيذائه ﷺ،
[ ٢ / ٣٥٣ ]
ومنهم ابن خطل وكان وقتها متعلقا بأستار الكعبة، كما أمر ﷺ عثمان بن طلحة ﵁ أن يأتي بمفتاح الكعبة، فدخلها وصلّى فيها، ومكث فيها نهارا طويلا، كما نادى ﷺ في الناس بمقولته المشهورة: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن»، وما إن سمعت الأنصار هذه المقولة حتى خافت أن يكون النبي ﷺ حنّ لعشيرته وأنه قد يتركهم يعودون إلى المدينة وحدهم، فطمنهم بل وبشرهم بما أسعدهم، كما أجار ﷺ من أجارت أم هانئ، وحطم ﷺ في ذلك اليوم ثلاثمائة وستين صنما كانت حول الكعبة تعبد من دون الله ﷿، وهو يردد قوله تعالى: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ، ثم خطب في اليوم الثاني من الفتح خطبة أعلم فيها الناس أن مكة قد عادت حراما، وأن الله.
﷾. لم يحلّها لأحد من قبله ولا من بعده.
عن أبي هريرة قال: وفدت وفود إلى معاوية، وذلك في رمضان فكان يصنع بعضنا لبعض الطّعام، فكان أبو هريرة ممّا يكثر أن يدعونا إلى رحله فقلت: ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلي؟ فأمرت بطعام يصنع، ثمّ لقيت أبا هريرة من العشيّ، فقلت: الدّعوة عندي اللّيلة، فقال: سبقتني؟ قلت: نعم، فدعوتهم، فقال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار، ثمّ ذكر فتح مكّة فقال: أقبل رسول الله ﷺ حتّى قدم مكّة فبعث الزّبير على إحدى المجنّبتين، وبعث خالدا على المجنّبة الآخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسّر، فأخذوا بطن الوادي، ورسول الله ﷺ في كتيبة، قال: فنظر فرآني فقال: «أبو هريرة؟» . قلت: لبّيك يا رسول الله، فقال: لا يأتيني إلّا أنصاريّ- زاد غير شيبان- فقال: اهتف لي بالأنصار، قال: فأطافوا به ووبّشت قريش أوباشا لها وأتباعا، فقالوا: نقدّم هؤلاء فإن كان لهم شيء كنّا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الّذي سئلنا، فقال رسول الله ﷺ: «ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم» ثمّ قال بيديه، إحداهما على الآخرى، ثمّ قال: «حتّى توافوني بالصّفا»، قال: فانطلقنا فما شاء أحد منّا أن يقتل أحدا إلّا قلته وما أحد منهم يوجّه إلينا شيئا، قال: فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، ثمّ قال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»، فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أمّا الرّجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتّى ينقضي الوحي، فلمّا انقضى الوحي قال رسول الله ﷺ: «يا معشر الأنصار» قالوا: لبّيك يا رسول الله، قال: «قلتم: أمّا الرّجل فأدركته رغبة في قريته؟» قالوا: قد كان ذاك، قال:
[ ٢ / ٣٥٤ ]
«كلّا، إنّي عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم، والممات مماتكم» .
فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الّذي قلنا إلّا الضّنّ بالله وبرسوله. فقال رسول الله ﷺ: «إنّ الله ورسوله يصدّقانكم ويعذرانكم» . قال: فأقبل النّاس إلى دار أبي سفيان وأغلق النّاس أبوابهم. قال: وأقبل رسول الله ﷺ حتّى أقبل إلى الحجر فاستلمه ثمّ طاف بالبيت، قال: فأتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه، قال: وفي يد رسول الله ﷺ قوس- وهو آخذ بسية القوس- فلمّا أتى على الصّنم جعل يطعنه في عينه ويقول: «جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ»، فلمّا فرغ من طوافه أتى الصّفا فعلا عليه حتّى نظر إلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو «١» .
بعض فوائد الفتح المبارك:
الفائدة الأولى: في النبي ﷺ:
١- بيان واحدة منّ أعظم ما من الله به على نبيه ﷺ من فضائل، وهي أنه. ﵎. أحل له مكة ساعة من النهار، ورد عند الشيخين: عن أبي هريرة يقول: إنّ خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكّة بقتيل منهم قتلوه، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فركب راحلته فخطب فقال: «إنّ الله ﷿ حبس عن مكّة الفيل وسلّط عليها رسوله والمؤمنين ألا وإنّها لم تحلّ لأحد قبلي ولن تحلّ لأحد بعدي ألا وإنّها أحلّت لي ساعة من النّهار ألا وإنّها ساعتي هذه» «٢» . وقد مر شرح الحديث مبسوطا في فصل: «أحلت له مكة» .
٢- حسن تنظيمه ﷺ للعسكر وإدارته للمعركة، إذ كان من عادته ﷺ أن يقسم الجيش إلى أقسام، ورد في الحديث: «فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادي» قيل: البياذقة هم الرّجّالة وسموا بذلك لخفتهم وسرعة حركتهم. ومن حسن تنظيمه ﷺ للمعركة تحديد المسئوليات، إذ وكل مهمة قتل أوباش قريش إلى الأنصار، ورد في الحديث: فقال: «يا أبا هريرة ادع لي الأنصار»، فدعوتهم فجاؤا يهرولون فقال: «يا معشر الأنصار هل ترون أوباش قريش»؟
قالوا: نعم، قال: «انظروا، إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا» «٣» .
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب: الجهاد، باب: فتح مكه، برقم (١٧٨٠) .
(٢) رواه البخاري، كتاب: الديات، باب: من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، برقم (٦٨٨٠) .
(٣) رواه مسلم، كتاب: الجهاد، باب: فتح مكه، برقم (١٧٨٠) .
[ ٢ / ٣٥٥ ]
٣. وفاؤه ﷺ للأنصار الذين بايعوه على نصرته والدفاع عنه، فقد ظنوا أن الرسول ﷺ حنّ لأهله وعشيرته، وقد يفضل المكث في مكة على الرجوع معهم إلى المدينة فأعلمه الوحي بذلك فأخبرهم النبي ﷺ بما دار بينهم ولم يحضره، وبيّن لهم أنه بمقتضى اسمه، محمد، وبمقتضى صفته وهو عبد الله ورسوله، لا يمكن أن يتخلى عنهم بعد أن قدموا له معروفا جميلا وأسدوا إليه صنيعا عظيما، وأبلغهم أنهم أولى الناس به في حياته ومماته، ورد في الحديث قوله ﷺ: قال: «قلتم: أمّا الرّجل فأدركته رغبة في قريته»؟ قالوا: قد كان ذاك، قال: «كلّا، إنّي عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم، والممات مماتكم» . فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الّذي قلنا إلّا الضّنّ بالله وبرسوله، فقال رسول الله ﷺ: «إنّ الله ورسوله يصدّقانكم ويعذرانكم» «١» .
وفي هذه الواقعة بعض اللّفتات الجميلة؛ وهي:
أ- الاشتياق إلى الأهل وإلى العشيرة التي نشأ الإنسان فيها ليس فيه محظور شرعي؛ لأن النبي ﷺ ما أنكر على الأنصار مقولتهم إلا من حيث إنه لا ينبغي في حقه ﷺ أن يتخلى عنهم بعد أن نصروه وآووه.
ب- تأييد الله ﷿ لنبيه ﷺ بالوحي في كل أموره، فهذا جبريل نزل بالوحي يعلمه بمقولة الأنصار، ولنا أن نتخيل ما كان عليه الصحابة من مطلق الإيمان بصدق النبي ﷺ إذ يخبرهم في الحال بما قالوه سرّا ولم يطلع هو عليه. لا شك أنه إيمان لا يساوره أدنى شك.
ج- كان للنبي ﷺ الحظ الأوفر من اسمه إذ سماه الله محمدا، ويؤخذ من الحديث أنه ما ينبغي له ﷺ أن يقول أي مقولة أو يفعل أي فعلة تناقض اسمه، وعلى كل مسلم الآن أن يراعي اسمه وما تضمنه من صفات ومحامد يجب أن يحرص عليها، ويكون من عدم المروءة أن يأتي بنقيضها.
قال الإمام النووى﵀- شرحا لمقولة النبي ﷺ: «لو فعلت هذا الذي خفتم منه وفارقتكم ورجعت إلى استيطان مكة لكنت ناقضا لعهدكم في ملازمتكم، ولكان هذا غير مطابق لما اشتقّ منه اسمي وهو الحمد، فإني كنت أوصف حينئذ بغير الحمد» «٢» .
_________________
(١) انظر الحديث السابق.
(٢) شرح النووى على صحيح مسلم (١٢/ ١٣١) .
[ ٢ / ٣٥٦ ]
وانظر أخي القارئ كيف حمل ﷺ الجميل للأنصار وأقرّ به في يوم عظيم، فقال ﷺ:
«هاجرت إلى الله وإليكم» .
د- إعلامه ﷺ الأنصار بشيء من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله ﷿، ولا يقدر على الوفاء بها إلا هو جل في علاه، ألا وهي أنه ﷺ سيموت في المدينة ويدفن فيها، وقد يكون هذا مما أوحاه الله له في هذه الواقعة، وقد تكون أيضا مكافأة منه ﷿ للأنصار على ما قدموه لدين الله حتى تم الفتح والنصر، ورد في الحديث: «فالمحيا محياكم والممات مماتكم» . كما أن فيه أمر غيبي آخر، وهو أنه ﷺ سيبقى في المدينة بقية حياته المباركة، ولن يكون له مقام آخر في أي بلد من البلدان.
قال الإمام النووي﵀- في شرح كلام النبي ﷺ: «إني هاجرت إلى الله وإلى دياركم لاستيطانها فلا أتركها ولا أرجع عن هجرتي الواقعة لله. تعالى.، بل أنا ملازم لكم، فلا أحيا إلا عندكم ولا أموت إلا عندكم، وهذا أيضا من المعجزات» «١» .
هـ- تأدب الأنصار. ﵃. في حديثهم مع النبي ﷺ، إذ قدموا له العذر على مقولتهم، حيث قالوا: «والله ما قلنا إلا ضنّا بالله ورسوله» والضن هو البخل بالشيء والحرص عليه، ولا يخفى ما في هذه المقولة من شدة حبهم لله ورسوله ﷺ.
قال الإمام النووي. ﵀. شرحا لمقولة الأنصار: «والله ما قلنا كلامنا السابق إلا حرصا عليك وعلى مصاحبتك ودوامك عندنا لنستفيد منك ونتبرك بك وتهدينا الصراط المستقيم» «٢» .
و. جميل خلقه ﷺ، ومنه قبوله للعذر، إذ رضي من الأنصار عذرهم وأحسن الظن بهم فصدقهم، وكأنه ﷺ قد شعر بالمصيبة التي ظنوا أنها واقعة بهم إذ لم يرجع النبي ﷺ معهم إلى المدينة، ورد بالحديث على لسانه ﷺ: «فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم» .
٤. رحمته ﷺ العامة بالناس، وحرصه على هدايتهم يتبين ذلك من:
. تكذيبه لمقولة سعد بن عبادة عندما قال: «يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة»؛ أي:
المقتلة العظيمة، وردّ عليه النبي ﷺ بقوله: «كذب سعد ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة»، وهذا يدل على أنه ﷺ لم يكن متعطشا للدماء، بل كان
_________________
(١) انظر شرح النووى على صحيح مسلم (١٢/ ١٢٩) .
(٢) انظر شرح النووى على صحيح مسلم (٣/ ١٧٨) .
[ ٢ / ٣٥٧ ]
حريصا على حقنها ما أمكنه.
. تأمينه ﷺ لطوائف كثيرة من الناس، حيث قال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن»، وهذا يدل على أن النبي ﷺ ما كان ينتقم لنفسه، أو يحمل الضغينة والحقد لأحد، وإلا لأثخن في قريش القتل جزاء على ما فعلوه به وبمن آمن به قبل الهجرة وشروطهم المجحفة في صلح الحديبية.
٥. شفقته ﷺ بأمته، وإرادته التوسعة عليها والتخفيف عنها، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ويظهر ذلك جليّا في:
أ. إفطاره ﷺ بعد أن بلغ الكديد بالرغم من اقتراب وقت المغرب، لعلمه أن الناس قد شق عليهم الصيام، وأنهم ما كانوا ليفطروا حتى ينظروا ماذا يفعل النبي ﷺ، ورد عند مسلم: «فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينظرون فيما فعلت فدعا بقدح من ماء بعد العصر» كما تدل الواقعة على حسن تصرفه ﷺ إذ بدأ بنفسه فأفطر.
ب. صلاته ﷺ كل الصلوات المفروضة يوم الفتح بوضوء واحد، على غير عادته ﷺ، روى مسلم في صحيحه عن سليمان بن بريدة عن أبيه أنّ النّبيّ ﷺ صلّى الصّلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيّه فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه قال: «عمدا صنعته يا عمر» .
قال الإمام النووي﵀-: فيه تصريح بأن النبي ﷺ كان يواظب على الوضوء لكل صلاة عملا بالأفضل، وصلى الصلوات في هذا اليوم بوضوء واحد بيانا للجواز كما قال ﷺ: «عمدا صنعته يا عمر»، وهذا من كمال شفقته بالأمة ﷺ.
تنبيه:
الحديث لا يدل على أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، ولكن يدل على أنه ﷺ ما كان يصلي الفروض كلها في يوم واحد بوضوء واحد، فمفهوم الحديث لا يمنع أنه ﷺ كان يصلي أكثر من صلاة بوضوء واحد، وهذا تعقيب على ما ذكره واستنبطه الإمام النووي.
﵀.
٦. حسن تعبده ﷺ لله ﷿، وتواضعه لله. ﷾.، حيث باشر بنفسه ما كان يمكن أن يأمر غيره بمعالجته وفعله، ابتغاء مرضات الله وطلبا لثوابه واجتهادا في مرضاته، فهو الذي قام بتكسير ما حول البيت من أصنام كانت تعبد من دون الله في أطهر
[ ٢ / ٣٥٨ ]
أماكن الأرض وأقدسها، روى الشيخان في صحيحهما: عن عبد الله ﵁ قال:
دخل النّبيّ ﷺ مكّة يوم الفتح وحول البيت ستّون وثلاث مائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: «جاء الحقّ وزهق الباطل جاء الحقّ وما يبدئ الباطل وما يعيد» .
قال الإمام ابن حجر﵀-: وفعل النبي ﷺ ذلك لإذلال الأصنام وعابديها ولإظهار أنها لا تنفع ولا تضر ولا تدفع عن نفسها شيئا «١» .
٧. حسن إكرامه ﷺ لأهل الفضل والخير لا فرق عنده في ذلك بين الرجال والنساء؛ روى الشيخان: عن أمّ هانئ بنت أبي طالب تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره فسلّمت عليه، فقال: «من هذه» فقلت: أنا أمّ هانئ بنت أبي طالب، فقال: «مرحبا بأمّ هانئ» فلمّا فرغ من غسله قام فصلّى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد، فقلت: يا رسول الله، زعم ابن أمّي عليّ أنّه قاتل رجلا قد أجرته، فلان بن هبيرة!! فقال رسول الله ﷺ: «قد أجرنا من أجرت يا أمّ هانئ»، قالت أمّ هانئ: وذلك ضحى.
الفائدة الثانية: في مناقب أصحاب النبي ﷺ:
١. شدة حب الأنصار. ﵃. للنبي ﷺ، ومن علامات ذلك الحب، غير ما ذكرته آنفا، أنهم بكوا لما قال لهم النبي ﷺ: «المحيا محياكم والممات مماتكم» .
قال الإمام النووي. ﵀.: «وكان بكاؤهم فرحا بما قال لهم وحياء مما خافوا أن يكون بلغه عنهم مما يستحي منه» .
٢. جميل استجابة الأنصار. ﵃. لدعاء النبي ﷺ، حيث إن النبي ﷺ لما أمر أبا هريرة أن يدعو الأنصار ليعهد إليهم بقتل أوباش قريش، جاؤا إليه يهرولون، ورد في الحديث من قول النبي ﷺ: «يا أبا هريرة ادع لي الأنصار» فدعوتهم فجاؤا يهرولون. كما أنهم من تمام طاعتهم للنبي ﷺ أنهم ما رأوا أحدا من أوباش مكة إلا أناموه.
قال الإمام النووي: (ما ظهر لهم أحد إلا قتلوه فوقع على الأرض أو يكون بمعنى أسكتوه بالقتل كالنائم) «٢» .
٣. حرص الصحابة. ﵃. على تتبع أحوال النبي ﷺ، والعجيب أن يكون
_________________
(١) انظر فتح البارى (٨/ ١٧) .
(٢) انظر شرح النووى على صحيح مسلم (١٢/ ١٣٢) .
[ ٢ / ٣٥٩ ]
مثل هذا الحرص على التتبع في يوم عظيم كيوم الفتح، قد ينشغل فيه الناس بأمور كثيرة غيرها، ولكن الصحابة. ﵃. ما كان عندهم أمر أعظم من تتبع السنة، ومن مظاهر ذلك:
أ. سؤال عبد الله بن عمر ﵁ بلالا هل صلّى النبي ﷺ داخل الكعبة وأين صلى؟ وكان يحتاج إلى أن يعرف كم صلى، ولكن نسي أن يسأل، روى الشيخان في صحيحهما: «عن ابن عمر. ﵄. قال: أقبل النّبيّ الصلاة عام الفتح وهو مردف أسامة على القصواء ومعه بلال وعثمان بن طلحة حتّى أناخ عند البيت ثمّ قال لعثمان: «ائتنا بالمفتاح فجاءه بالمفتاح» ففتح له الباب، فدخل النّبيّ ﷺ وأسامة وبلال وعثمان، ثمّ أغلقوا عليهم الباب فمكث نهارا طويلا ثمّ خرج وابتدر النّاس الدّخول فسبقتهم فوجدت بلالا قائما من وراء الباب، فقلت له: أين صلّى رسول الله ﷺ فقال:
صلّى بين ذينك العمودين المقدّمين، وكان البيت على ستّة أعمدة سطرين، صلّى بين العمودين من السّطر المقدّم، وجعل باب البيت خلف ظهره واستقبل بوجه الّذي يستقبلك حين تلج البيت بينه وبين الجدار قال: ونسيت أن أسأله كم صلّى؟ وعند المكان الّذي صلّى فيه مرمرة حمراء» «١» .
ب. معرفة عبد الله بن عمر. ﵄. أن النبي ﷺ صلى كل الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، يلزم من ذلك أنه ﵁ قد علم أحوال النبي ﷺ كل الأيام السالفة وحاله ذلك اليوم، وهذا يحتاج إلى مراقبة النبي ﷺ طوال يوم الفتح ليعلم هل توضأ أم لا.
ولا شك أن هذا التتبع والحرص على العلم واقتفاء أثر النبي ﷺ حتى في مكان صلاته لهي منقبة عظيمة لعبد الله بن عمر. ﵄..
٤. فضل الصحابة الذين حضروا الفتح، حيث إن الله. ﵎. ميزهم عمن سواهم، قال. تعالى.: وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) [الحديد: ١٠] .
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب: حجة الوداع، برقم (٤٤٠٠)، ومسلم، كتاب: الحج، باب: استحباب دخول الكعبة للخاج وغيره (١٣٢٩) .
[ ٢ / ٣٦٠ ]
ودليله أيضا ما رواه الشيخان عن ابن عبّاس. ﵄. قال: قال رسول الله ﷺ: لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونيّة وإذا استنفرتم فانفروا» «١» .
قال الإمام النووي. ﵀.: «وفي تأويل هذا الحديث قولان:
أحدهما: لا هجرة بعد الفتح من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام وإنما تكون الهجرة من دار الحرب، وهذا يتضمن معجزة لرسول الله ﷺ بأنها تبقى دار الإسلام لا يتصور منها الهجرة.
والثاني: معناه: لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضلها قبل الفتح» «٢» .
وقال﵀- في موضع آخر: «الهجرة الفاضلة المهمة المطلوبة التي يمتاز بها أهلها امتيازا ظاهرا انقطعت بفتح مكة لأن الإسلام قوي وعزّ بعد فتح مكة عزا ظاهرا بخلاف ما قبله» «٣» .
الفائدة الثالثة: وهي فوائد متفرقة:
١. جواز أن يفطر الصائم أثناء سفره بعد أن قضى جزآ من نهاره صائما، شريطة أن يكون قد دخل في الصيام وهو مسافر، ولكن هل له أن ينوي الصيام وهو مقيم فإذا سافر من نهاره أفطر؟ قال صاحب الفتح: «أما لو نوى الصيام من الليل وهو مقيم ثم سافر في أثناء النهار فهل له أن يفطر في ذلك النهار؟ منعه الجمهور، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بالجواز» «٤» .
٢. هل يجوز دخول مكة بغير إحرام استنادا لما رواه البخاري عن أنس بن مالك أنّ النّبيّ ﷺ «دخل مكّة عام الفتح وعلى رأسه مغفر فلمّا نزعه جاءه رجل فقال: ابن خطل متعلّق بأستار الكعبة فقال: اقتلوه» «٥» .
قال الإمام النووي﵀-: «مذهب الشافعي وأصحابه وآخرين أنه يجوز دخولها حلالا للمحارب بلا خلاف، وكذا لمن يخاف من ظالم لو ظهر للطواف وغيره، وأما من لا
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب: الجهاد، باب: فضل الجهاد، برقم (٢٧٨٣)، ومسلم، كتاب: الإمارة، باب: تحريم مكة وصيدها ، برقم (١٣٥٣) .
(٢) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (٩/ ١٢٣) .
(٣) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (١٣/ ٨) .
(٤) انظر فتح البارى (٤/ ١٨١) .
(٥) رواه البخاري، كتاب: الجهاد، باب: قتل الأسير وقتل الصبر، برقم (٣٠٤٤) .
[ ٢ / ٣٦١ ]
عذر له أصلا فللشافعي. ﵀. فيه قولان مشهوران: أصحهما: أنه يجوز له دخولها بغير إحرام ولكن يستحب له الإحرام، والثاني: لا يجوز» «١» .
٣. مشروعية المسح على الخف؛ لأن النبي ﷺ فعله في عام الفتح، وهو متأخر عن نزول آيات الوضوء في سورة المائدة، فعلمنا أن المسح كان آخر أمر النبي ﷺ، ولا عبرة بالمخالف.
٤. تحريم زواج المتعة، لما رواه مسلم «٢»: عن الرّبيع بن سبرة عن أبيه أنّ رسول الله ﷺ نهى يوم الفتح عن متعة النّساء.
٥. ليس مدار الأمر على كثرة العبادة والتعمق فيها، ولكن مدار الأمر على اتباع سنة النبي ﷺ، وقد علّمنا النبي ﷺ أن الأخذ بالرخصة في وقتها هو السنة، والأخذ بالعزيمة وقت الحاجة إلى الرخصة ليس من الدين في شيء، ودليله ما رواه مسلم: عن جابر بن عبد الله. ﵄. أنّ رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكّة في رمضان فصام حتّى بلغ كراع الغميم، فصام النّاس، ثمّ دعا بقدح من ماء فرفعه حتّى نظر النّاس إليه، ثمّ شرب، فقيل له بعد ذلك: إنّ بعض النّاس قد صام فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة» .
_________________
(١) انظر شرح النووى على صحيح مسلم (١٢/ ١٢٩) .
(٢) رواه مسلم، كتاب: النكاح، باب: نكاح المتعة، برقم (١٤٠٦) .
[ ٢ / ٣٦٢ ]
يوم الوفاة النبوية
هو يوم مشهود في حياة النبي ﷺ، بل في حياة البشرية، تباينت فيه الأتراح والأفراح تباينا عظيما، لم يعرف لها مثيل من قبل، حزن فيه أهل الأرض- من المسلمين- حزنا شديدا كاد يذهب عقولهم ويقطع نياط قلوبهم، وفرح فيه أهل السماء فرحا شديدا، حزن فيه أهل الأرض لحرمانهم من رؤية وجه أحب وأعز الخلق إليهم، الذي طالما افتدوه بالمال والأهل والنفس، وآثروه على كل غال ونفيس، فهاهم قد حرموا الذي علمهم وهداهم ونصحهم ودلهم على كل خير ونهاهم عن كل شر، حزن أهل الأرض لانقطاع الأمن والأمان الذي كانوا يشعرون به والحبيب ﷺ بين أظهرهم، إذا قالوا خطأ صوّبهم، وإذا رأى منهم اعوجاجا قوّمهم، وإذا وقعوا في المخالفات ذهبوا إليه فاستغفروا الله واستغفر لهم ﷺ، فغفر الله لهم وتاب عليهم، حزن أهل الأرض لأن بموته ﷺ انقطع وحي السماء، فلا وحي بعده أبدا، ولن ينزل جبريل بالكتاب والحكمة، فأي مصيبة أعظم من ذلك.
وعلى النقيض، فرح أهل السماء فرحا شديدا؛ لأن الروح الزكية العطرة الكريمة صعدت في ذلك اليوم إلى بارئها وخالقها، روح الحبيب ﷺ، اليوم سيشم أهل السماء رائحة النفس المباركة، التي ما عصت الله مرة واحدة، وما غفلت عن ذكره طرفة عين ولا أقل من ذلك، نفس بذلت كامل وسعها لله جل في علاه، فإذا كان عرش الرحمن قد اهتز لموت سعد بن معاذ استبشارا وسرورا بقدوم روحه، فكيف سيكون الحال بقدوم روح من علّم سعدا ورباه، هو يوم عظيم ليس في حياة أهل الأرض والسماء فحسب، بل في حياة المصطفى ﷺ، يوم عظيم له لأن الخليل سيلقى فيه خليله، فيسعد برؤياه ويأنس بلقياه ويفرح بعطاياه، يوم مشهود في حياته ﷺ حيث تتوالى عليه المنح بغير محن. فإذا كانت المنح في الدنيا قد أهديت إليه ببعض الألم والحزن وشدة المرض، فاليوم ستكون العطايا خالصة صافية لا يشوبها شائبة، يوم مشهود للنبي ﷺ حيث لا كرب عليه بعده أبدا جزاء على جميل صنيعه وعظيم معروفه المبذول لوجه ربه الكريم الحنان المنان، قال تعالى: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) [الضحى: ٤] .
وقد وردت أحاديث كثيرة في الصحيحين عن الوفاة النبوية، سأقتصر هنا على ذكر حديث واحد، وأورد ما استطعت من ألفاظ الروايات الآخرى في سياق ذكر الفوائد.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
عن أنس بن مالك أنّ أبا بكر كان يصلّي لهم في وجع رسول الله ﷺ الّذي توفّي فيه، حتّى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصّلاة كشف رسول الله ﷺ ستر الحجرة فنظر إلينا وهو قائم كأنّ وجهه ورقة مصحف، ثمّ تبسّم رسول الله ﷺ ضاحكا قال: فبهتانا ونحن في الصّلاة من فرح بخروج رسول الله ﷺ، ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصّفّ، وظنّ أنّ رسول الله ﷺ خارج للصّلاة فأشار إليهم رسول الله ﷺ بيده: أن أتمّوا صلاتكم، قال: ثمّ دخل رسول الله ﷺ فأرخى السّتر قال: فتوفّي رسول الله ﷺ من يومه «١» .
بعض فوائد الوفاة النبوية
أولا: في الشمائل النبوية:
الفائدة الأولى:
إرادة الله ﷿ الخير بالنبي ﷺ، حيث ضاعف عليه شدة الألم، سواء في المرض أو في سكرات الموت، ليضاعف له الأجر يوم القيامة، ورد في الحديث الذي رواه ابن عباس.
﵄.: «لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه» «٢»، وعن عائشة. ﵄.: «ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله ﷺ» «٣» .
أما الدليل على أن ذلك الوجع ما كان إلا لتثقيل الموازين ورفع الدرجات، فقد روى الشيخان «٤» عن عبد الله قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك فمسسته بيدي فقلت: يا رسول الله، إنّك لتوعك وعكا شديدا!! فقال رسول الله ﷺ: «أجل إنّي أوعك كما يوعك رجلان منكم» . قال: فقلت ذلك أنّ لك أجرين. فقال رسول الله ﷺ: أجل.
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب: الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر ، برقم (٤١٩) .
(٢) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في البيعة، برقم (٤٣٦)، ومسلم، كتاب: المساجد، باب: النهى عن بناء المساجد على القبور، برقم (٥٣١) .
(٣) أخرجه البخاري، كتاب: المرضى، باب: شدة المرض، برقم (٥٦٤٦)، ومسلم، كتاب: البر، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض، برقم (٢٥٧٠) .
(٤) أخرجه البخاري، كتاب: المرضى، باب: وضع اليد على المريض، برقم (٥٦٦٠)، ومسلم، كتاب: البر، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه برقم (٢٥٧١) .
[ ٢ / ٣٦٤ ]
ثمّ قال رسول الله ﷺ: ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلّا حطّ الله به سيّئاته كما تحطّ الشّجرة ورقها» .
ومن أوجه إرادة الله ﷿ الخير لنبيه ﷺ أن أعطاه منزلة الشهداء، وهي منزلة وإن كانت عظيمة إلا أنها. قطعا. أقل من منزلة الأنبياء، لكن الله ﷿ أراد أن يجمع له كل المنازل والدرجات، روى البخاري: «قالت عائشة. ﵂.: كان النّبيّ ﷺ يقول في مرضه الّذي مات فيه: يا عائشة ما أزال أجد ألم الطّعام الّذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السّمّ» «١» .
وفي ذلك إشارة إلى خبر اليهودية التي وضعت السم للنبي ﷺ، وقد ورد ذكرها في الحديث الذي أخرجه البخاري: عن أنس أنّ امرأة يهوديّة أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله ﷺ فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك. قال: ما كان الله ليسلّطك على ذاك. قال: أو قال: عليّ. قال قالوا: ألا نقتلها؟
قال: لا. قال: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ «٢» .
الفائدة الثانية:
حفظ الله ﷿ لنبيه وجهه الجميل حتى آخر يوم في حياته، رغم شدة المرض الذي ألمّ به ﷺ، ورد في الحديث: «فكشف النبي ﷺ ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف» .
قال الإمام النووي. ﵀.: «عبارة عن الجمال البارع وحسن البشرة وصفاء الوجه واستنارته» «٣» .
وأقول: إن عدم تغير وجه النبي ﷺ قبل موته، هو أيضا من أفضاله. ﵎. على الصحابة. ﵃.؛ لأنه من المؤكد أنه كان سيحزنهم ويسوءهم أن وجه النبي ﷺ الجميل قد تغير، كما أراد الله ﷿ أن يكون آخر عهد الصحابة بنبيهم ﷺ هذا الوجه الجميل لتبقى هذه الصورة محفوظة في أذهانهم ماثلة أمام أعينهم، ولم تزل هذه الصورة
_________________
(١) رواه البخاري معلقا، كتاب: المغازى، باب: مرض النبي ﷺ ووفاته برقم (٤١٦٥) .
(٢) أخرجه البخاري، كتاب: الهبة، باب: قبوله الهدية من المشركين، برقم (٢٦١٧)، ومسلم واللفظ له، كتاب: السلام، باب: السم برقم (٢١٩٠) .
(٣) انظر شرح النووى على صحيح مسلم (٤/ ١٤٢) .
[ ٢ / ٣٦٥ ]
الجميلة لوجهه ﷺ حتى بعد وفاته، ورد عند البخاري من حديث عائشة. ﵂.:
«فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله ﷺ فقبّله قال: بأبي أنت وأمي، طبت حيّا وميتا» «١» .
الفائدة الثالثة:
تواصل حبّ النبي ﷺ لأصحابه مع شدة مرضه ﷺ، حيث تبسم ضاحكا لما رآهم مجتمعين على إمامة أبي بكر ﵁، ورد في الحديث: «كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة ثم تبسم يضحك» «٢» .
قال الإمام النووي: - ﵀-: «سبب تبسمه ﷺ فرحه بما رأى من اجتماعهم على الصلاة واتباعهم لإمامهم وإقامتهم شريعتهم واتفاق كلمتهم واجتماع قلوبهم، ولهذا استنار وجهه ﷺ على عادته إذا رأى أو سمع ما يسرّه» «٣» .
ومن دلائل حبه ﷺ لأصحابه، حرصه على الخروج إليهم للصلاة بهم، وكثرة نصحهم ووعظهم حتى آخر يوم في حياته ﷺ، كما سيأتي مفصلا.
الفائدة الرابعة:
اجتهاده ﷺ في ضمان هداية الأمة، حتى بعد موته، حيث طلب ﷺ كتابا ليكتب لهم ما إن تمسكوا به فلن يضلوا بعده، ورد في الحديث: «لما اشتد بالنبي ﷺ وجعه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده «٤» .
الفائدة الخامسة:
كمال الأدب الذي ينبغي التحلي به في حضرته ﷺ، حيث قال لهم لما اختلفوا في إحضار الكتاب: «قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع» .
الفائدة السادسة:
عظيم صبره ﷺ على شدة الألم الذي لاقاه عند الموت، فما زاد ﷺ عن قوله: لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات» وهذا من باب الصبر على أقدار الله المؤلمة، ليجمع النبيّ ﷺ
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب: المناقب، باب: قول النبي ﷺ لو كنت متخذا خليلا، برقم (٣٦٧٠) .
(٢) أخرجه البخاري، كتاب: المغازى، باب: مرض النبي ﷺ ووفاته، برقم (٤٤٤٨) .
(٣) انظر شرح النووى على صحيح مسلم (٤/ ١٤٢) .
(٤) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: كتاب العلم، برقم (١١٤) .
[ ٢ / ٣٦٦ ]
جميع أنواع الصبر، فلا يحرم من قوله- تعالى-: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [الزمر: ١٠] .
الفائدة السابعة:
حبه ﷺ للقاء ربه وحسن ظنه به ﷿، ورد في حديث عائشة. ﵂.:
«وجعل يقول: في الرفيق الأعلى» أما حسن ظنه بربه ﷿، فقد ورد في الحديث قوله ﷺ لفاطمة. ﵂.: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» «١» . وروى الشيخان عن عائشة قالت: كنت أسمع أنّه لا يموت نبيّ حتّى يخيّر بين الدّنيا والآخرة، فسمعت النّبيّ ﷺ يقول في مرضه الّذي مات فيه وأخذته بحّة يقول: «مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
الآية؛ فظننت أنّه خيّر» «٢» .
ويتفرع عليه: أن النبي ﷺ لن يصيبه أدنى فزع أو مكروه، بعد وفاته، سواء في قبره ﷺ أو عند النفخ في الصور، أو عند الحساب وتطاير الصحف. لقوله: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم»
الفائدة الثامنة:
تعظيم الرسول ﷺ في نفوس أهل بيته. ﵃. حيث قالت فاطمة.
﵂.: «يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب» «٣» .
فكأنها. ﵂. تريد أن تقول له: كيف استطعتم أن تعاملوا النبي ﷺ كما تعاملون غيره من البشر بإهالة التراب عليه؟! أو: كيف طاوعتكم أنفسكم أن تسلكوا مع النبي ﷺ مسلكا يخالف ظاهره الأدب؟!
وقد تكون استعظمت قيام الصحابة بإحثاء التراب؛ لأنه كالإعلان منهم أن هذا هو آخر العهد. في الدنيا. بالحبيب والخليل ﷺ.
قال الإمام ابن حجر﵀-: «أشارت. ﵍. بذلك إلى عتابهم على إقدامهم على ذلك؛ لأنه يدل على خلاف ما عرفته عنهم من رقة قلوبهم عليه لشدة محبتهم، وسكت أنس عن جوابها رعاية لها ولسان حاله يقول: لم تطب أنفسنا بذلك إلا أنا قهرناها على فعله امتثالا لأمره» «٤» .
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب: المغازي، باب: مرض النبي ﷺ، برقم (٤٤٦٢) .
(٢) أخرجه البخاري، كتاب: المغازي، باب: مرض النبي ﷺ ووفاته، برقم (٤٤٣٥) .
(٣) سبق تخريجه.
(٤) انظر فتح الباري (٨/ ١٤٩) .
[ ٢ / ٣٦٧ ]
الفائدة التاسعة:
عظيم حب النبي ﷺ لعائشة. ﵂.، حيث استأذن نساءه أن يمرّض في بيتها.
ورد في الحديث: لما ثقل النبي ﷺ واشتد به وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي» «١» بل وصل حبه ﷺ لعائشة. ﵂. أنه كان يريد أن تجري الأيام سريعة ليأتي يوم عائشة، ويشغله السؤال عن يومها في شدة مرضه، ورد في الحديث عن عائشة:
(إن كان رسول الله ﷺ ليتعذر في مرضه «أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا؟» استبطاء ليوم عائشة) «٢»، وفي رواية أخرى: «أين أنا غدا؟ يريد يوم عائشة» «٣» .
أقول: إذا كان هذا هو آخر عهد النبي ﷺ بأهل بيته ونسائه، فإننا نقطع أنه ﷺ قد مات وهو يحب أم المؤمنين عائشة. ﵂. أكثر مما سواها من النساء، كما نقطع أنه ﷺ قد مات وهو في أشد الرضى عنها، فنحن نحب عائشة. ﵂. ونفضلها على سائر أمهات المؤمنين تأسيا بالنبي ﷺ.
الفائدة العاشرة:
حسن معاشرته ﷺ لأمهات المؤمنين. ﵅ جميعا. فقد حرص ﷺ على تطييب خاطرهن ليس في أيام الانبساط والصحة، بل أيضا في أيام الشدة والمرض، فلم يغافل ﷺ مع شدة مرضه. أن يستأذنهن في أن يمرّض عند عائشة. ﵂.، ولم يقل إن الله ﷿ قد رفع عني القسمة بين النساء.
ورد في الصحيحين: عن عائشة. ﵂. زوج النّبيّ ﷺ قالت: لمّا ثقل رسول الله ﷺ واشتدّ وجعه استأذن أزواجه في أن يمرّض في بيتي فأذنّ له فخرج بين رجلين تخطّ رجلاه في الأرض بين عبّاس وآخر، فأخبرت ابن عبّاس قال: هل تدري من الرّجل الآخر الّذي لم تسمّ عائشة؟ قلت: لا، قال: هو عليّ» «٤» .
الفائدة الحادية عشرة:
همته العالية ﷺ في العبادة، والتي منها حرصه على صلاة الجماعة، مع شدة ألمه
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: الغسل والوضوء، برقم (١٩٨) .
(٢) رواه البخاري، كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في قبر النبي ﷺ برقم (١٣٨٩) .
(٣) رواه البخاري، كتاب: المغازى، باب: مرض النبي ﷺ ووفاته برقم (٤٤٥٠) .
(٤) رواه البخاري، كتاب: الطب، باب: اللدود برقم (٥٧١٤) .
[ ٢ / ٣٦٨ ]
وتوجعه ﷺ، ورد في الحديث عند البخاري قول عائشة. ﵂.: (ثقل النبي ﷺ؛ فقال: «أصلّى الناس؟» قلت: لا، هم ينتظرونك. قال: «ضعوا لي ماء في المخضب» .
قالت: ففعلنا فاغتسل فذهب لينوء. أي ينهض بتكلف. فأغمي عليه، ثم أفاق فقال ﷺ:
«أصلّى الناس؟» وتكرر ذلك ثلاث مرات، وذلك من شدة حرصه ﷺ على صلاة الجماعة.
بل إنه ﷺ في أول مرض الموت خرج إلى الصلاة يترنح من شدة وجعه بين رجلين حتى أجلس إلى جوار أبي بكر وهو يصلي بالناس. ورد في البخاري: «ثمّ إنّ النّبيّ ﷺ وجد من نفسه خفّة فخرج بين رجلين، أحدهما العبّاس لصلاة الظّهر، وأبو بكر يصلّي بالنّاس، فلمّا رآه أبو بكر ذهب ليتأخّر فأومأ إليه النّبيّ ﷺ بأن لا يتأخّر قال: أجلساني إلى جنبه. فأجلساه إلى جنب أبي بكر» «١» .
ويؤخذ من الحديث أيضا حب الصحابة. ﵃. للنبي ﷺ وحرصهم البالغ على رؤيته والصلاة خلفه؛ لأن ظاهر الحديث يدل على أنهم انتظروه طويلا ﷺ.
الفائدة الثانية عشرة:
حب الصحابة. ﵃. للنبي ﷺ وبكاؤهم على فراقه وتجدد حزنهم على تذكّر أيامه، روى البخاري في صحيحه: «عن سعيد بن جبير سمع ابن عبّاس. ﵄.
يقول: يوم الخميس، وما يوم الخميس؟ ثمّ بكى حتّى بلّ دمعه الحصى قلت: يا ابن عبّاس ما يوم الخميس؟ قال: اشتدّ برسول الله ﷺ وجعه فقال: ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده أبدا» «٢» .
قال الإمام ابن حجر. ﵀.: «وبكاء ابن عباس يحتمل لكونه تذكر وفاة رسول الله ﷺ فتجدد له الحزن عليه، ويحتمل أن يكون انضاف إلى ذلك ما فات في معتقده من الخير الذي كان يحصل لو كتب ذلك الكتاب» «٣» .
وانظر إلى قول عائشة. ﵂.: «فلا أكره شدة الموت لأحد أبدا بعد النبي ﷺ» «٤» .
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب: الأذان، باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به، برقم (٦٨٧) .
(٢) رواه البخاري، كتاب: الجزية، باب: إخراج اليهود من جزيرة العرب، برقم (٣١٦٨)، ومسلم، كتاب: الوصية، باب: الوصية لمن ليس له شيء يوصى فيه، برقم (١٦٣٧) .
(٣) انظر فتح البارى (٨/ ١٣٢) .
(٤) رواه البخاري، كتاب: المغازي، باب: مرض النبي ﷺ ووفاته، برقم (٤٤٤٦) .
[ ٢ / ٣٦٩ ]
ومما يدل على حبهم الشديد. ﵃. للنبي ﷺ عدم تصديق الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ لخبر الوفاة، وهو القوي الشديد، فقد ورد في حديث أخرجه البخاري عن عائشة. ﵂.: «فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ، وقال: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك وليبعثنه الله» فلم يصدق ﵁ أنه لن يرى الحبيب بعد اليوم فصبر نفسه بأمل ولو ضعيف، وهو أن الله ﷿ قد رفعه كما رفع عيسى، وسيبعث مرة أخرى» .
الفائدة الثالثة عشرة:
إذا كان المسلمون قد حزنوا حزنا شديدا على وفاة معلمهم الخير ﷺ فإن واحدة فقط قد انقلب حزنها فرحا وسرورا، ليس لوفاة النبي ﷺ، بل لأن انقطاعها عنه لن يدوم طويلا، وبقاءها في الدنيا بدون رؤيته ﷺ سيكون قليلا، بل قد ضمنت أعظم من ذلك وأجمل، ضمنت مرافقته في الفردوس الأعلى، وهي فاطمة. ﵂.، روى الشيخان عن عائشة أنّ رسول الله ﷺ دعا فاطمة ابنته فسارّها فبكت ثمّ سارّها فضحكت فقالت عائشة:
فقلت لفاطمة: ما هذا الّذي سارّك به رسول الله ﷺ فبكيت ثمّ سارّك فضحكت قالت:
سارّني فأخبرني بموته فبكيت ثمّ سارّني فأخبرني أنّي أوّل من يتبعه من أهله فضحكت» «١» .
وهذا من عجائب حبهم للنبي ﷺ أن يفرح العبد ويضحك لما يعلم قرب أجله وفراقه للدنيا، وماذا في الدنيا يحرص عليه المسلم بعد فراق النبي ﷺ؟ وما أعذب الموت وأجمله إن كان بعده لقاء الحبيب ﷺ.
قال الإمام ابن حجر. ﵀.: «هذه معجزة ظاهرة له ﷺ، بل معجزتان، فأخبر ببقائها بعده، وبأنها أول أهله لحوقا به، ووقع كذلك، وضحكت سرورا بسرعة لحاقها، وفيه إيثارهم الآخرة وسرورهم بالانتقال إليها والخلاص من الدنيا» «٢» .
الفائدة الرابعة عشرة:
وهي متفرقات مهمة تحيط بوفاة النبي ﷺ وآخر كلامه ووصاياه:
١- في أي الأيام مات الحبيب ﷺ؟:
مات النبي ﷺ في يوم اثنين؛ لما رواه البخاري عن الزّهريّ قال: أخبرني أنس بن مالك
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل فاطمة بنت النبي ﷺ، برقم (٢٤٥٠) .
(٢) انظر فتح الباري (٨/ ١٣٥) .
[ ٢ / ٣٧٠ ]
الأنصاريّ وكان تبع النّبيّ ﷺ وخدمه وصحبه أنّ أبا بكر كان يصلّي لهم في وجع النّبيّ ﷺ الّذي توفّي فيه حتّى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصّلاة فكشف النّبيّ ﷺ ستر الحجرة ينظر إلينا» «١» وتوفى رسول الله من يومه» .
٢- آخر ما قاله اللسان الطيب الطاهر في هذه الحياة الدنيا:
قوله ﷺ: «اللهم الرفيق الأعلى»؛ لما رواه البخاري عن عائشة. ﵂.:
«فكانت آخر كلمة تكلم بها: اللهم الرفيق الأعلى» «٢» .
٣- آخر من تعطر فمه بمخالطة ريق النبي ﷺ:
هي عائشة. ﵂.؛ روى البخاري في صحيحه عن عائشة. ﵂.
قالت: توفّي النّبيّ ﷺ في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري وكانت إحدانا تعوّذه بدعاء إذا مرض فذهبت أعوّذه فرفع رأسه إلى السّماء وقال: «في الرّفيق الأعلى، في الرّفيق الأعلى» . ومرّ عبد الرّحمن بن أبي بكر وفي يده جريدة رطبة فنظر إليه النّبيّ ﷺ فظننت أنّ له بها حاجة فأخذتها فمضغت رأسها ونفضتها فدفعتها إليه فاستنّ بها كأحسن ما كان مستنّا، ثمّ ناولنيها فسقطت يده- أو سقطت من يده- فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدّنيا وأوّل يوم من الآخرة» «٣» .
ولو لم يكن لها﵂- إلا هذه المنقبة لكفتها، كيف وقد اجتمع لها الأمور التالية.
٤- أين كان الجسد الشريف عندما فاضت روحه المباركة
ﷺ إلى خالقها ﷿؟:
كان الجسد الشريف ملامسا لجسد عائشة. ﵂.، بل كان في صورة تدل على شدة الحب والحنان، فقد كان ﷺ على صدرها، روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة﵂-: فمات في اليوم الّذي كان يدور عليّ فيه في بيتي فقبضه الله وإنّ رأسه لبين نحري وسحري وخالط ريقه ريقي» «٤» والسحر: هي الرئة.
٥- في نوبة من من النساء انتقل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى؟:
في نوبة عائشة. ﵂.، ومع أنه كان يقيم عندها كل الأيام في مرضه الذي توفي فيه ﷺ، إلا أنه باحتساب نوبات الزوجات، لو أنه ﷺ استمر في القسمة بينهن، فقد
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب: الأذان، باب: أهل العلم والفضل أحق بالإمامة، برقم (٦٨٠) .
(٢) أخرجه البخاري، كتاب: الدعوات، باب: دعاء النبي ﷺ اللهم الرفيق الأعلى، برقم (٦٣٤٨) .
(٣) رواه البخاري، كتاب: المغازى، باب: مرض النبي ﷺ ووفاته، برقم (٤٤٥١) .
(٤) رواه البخاري، كتاب: المغازى، باب: مرض النبي ﷺ ووفاته، برقم (٤٤٥٠) .
[ ٢ / ٣٧١ ]
كانت الوفاة يوم نوبتها، روى البخاري في صحيحه عن عائشة. ﵂.: «فلما كان يومي قبضه الله» .
قال الإمام النووى﵀-: «أي يومها الأصيل بحساب الدور والقسم وإلا فقد صار جميع الأيام في بيتها» «١» .
٦- في أي البيوت توفي النبي ﷺ ودفن؟:
في بيت أم المؤمنين عائشة. ﵂.، ورد عن البخاري من حديثها: «فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري ودفن في بيتي» «٢» .
ويتفرع عليه: أن مكان بيت عائشة. ﵂. محفوظ إلى يوم القيامة، ولا يختلف عليه، بحفظ الله ﷿ جسد نبيه ﷺ، وهذا من مناقبها العظمى. ﵂..
٧- آخر ما تمتع به النبي ﷺ من أمور الدنيا:
هو السواك، ورد في صحيح البخاري من حديث عائشة. ﵂.: «دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن به فنظر إليه رسول الله ﷺ فقلت له: أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن، فأعطانيه فقضمته، ثم مضغته، فأعطيته رسول الله ﷺ فاستن به وهو مستند إلى صدري» «٣» .
٨- ما هي آخر صلاة جماعة في المسجد صلاها النبي ﷺ، وبأي السور قرأ؟:
هي صلاة المغرب وقرأ فيها ﷺ بالمرسلات عرفا، لما ثبت في الصحيحين عن أم الفضل بنت الحارث قالت: «سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفا ثم ما صلى ﷺ لنا بعدها حتى قبضه الله» «٤» .
٩- آخر ما وصى به أو حذر منه ﷺ:
أ. وصيته ﷺ بالأنصار خيرا، ورد في البخاري عن أنس بن مالك يقول: مرّ أبو بكر والعبّاس. ﵄. بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقال: ما يبكيكم؟!
_________________
(١) انظر شرح النووى على صحيح مسلم (١٥/ ٢٠٨) .
(٢) رواه البخاري، كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، برقم (١٣٨٩)، ومسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل عائشة رضي الله تعالى عنها برقم (٢٤٤٣) .
(٣) رواه البخاري، كتاب: الجمعة، باب: من تسوك بسواك غيره، برقم (٨٩٠) .
(٤) رواه البخاري، كتاب: المغازى، باب: مرض النبي ﷺ ووفاته، برقم (٤٤٢٩)، ومسلم، كتاب: الصلاة، باب: القراءة في الصبح، برقم (٤٦٢) .
[ ٢ / ٣٧٢ ]
قالوا: ذكرنا مجلس النّبيّ ﷺ منّا، فدخل على النّبيّ ﷺ فأخبره بذلك قال: فخرج النّبيّ ﷺ وقد عصب على رأسه حاشية برد قال: فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أوصيكم بالأنصار؛ فإنّهم كرشي وعيبتي وقد قضوا الّذي عليهم وبقي الّذي لهم؛ فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» «١» .
ويؤخذ منه أن هذه آخر مرة يصعد فيه النبي ﷺ على المنبر، أما حزن الأنصار على فراق النبي ﷺ فهو واضح في الحديث.
قال الإمام ابن حجر﵀-: «ذكروا مجلس النبي ﷺ الذي كانوا يجلسونه معه، وكان ذلك في مرضه ﷺ فخشوا أن يموت من مرضه فيفقدوا مجلسه فبكوا حزنا على فوات ذلك» «٢» .
ب. تحذيره ﷺ أمته من اتخاذ قبره مسجدا، روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس﵄- عن عائشة وعبد الله بن عبّاس قالا: لمّا نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتمّ بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنّصارى؛ اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذّر ما صنعوا «٣» .
وهذا التحذير في ذلك الوقت يدل على شدة نصح النبي ﷺ لأمته وخوفه عليهم أن يفتنوا به كما فتنت اليهود والنصارى بأنبيائهم.
قال الإمام ابن حجر﵀-: «أو أنه ﷺ علم أنه مرتحل من ذلك المرض فخاف أن يعظّم قبره كما فعل من مضى؛ فلعن اليهود والنصارى إشارة إلى ذم من يفعل فعلهم» «٤» .
ج. ثناؤه البالغ على أبي بكر الصديق ﵁:
روى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «إنّ أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متّخذا خليلا من أمّتي لاتّخذت أبا بكر، ولكن أخوّة الإسلام ومودّته، لا يبقينّ في المسجد باب إلّا سدّ إلّا باب أبي بكر» «٥» .
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب: المناقب، باب: قول النبي ﷺ اقبلوا من محسنهم ، برقم (٣٧٩٩) .
(٢) انظر فتح البارى (٧/ ١٢١) .
(٣) رواه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في البيعة، برقم (٤٣٦) .
(٤) انظر فتح البارى (١/ ٥٣٢) .
(٥) رواه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: الخوخة والممر في المسجد، برقم (٤٦٦) .
[ ٢ / ٣٧٣ ]
قال الإمام النووي﵀-: «معناه: أكثرهم جودا لنا بنفسه وماله، وليس هو من المن الذي هو الاعتداء بالصنيعة؛ لأنه أذى مبطل للثواب؛ ولأن المنة لله وللرسول في قبول ذلك» «١» .
وقال القرطبي: «هو من الامتنان والمراد أن أبا بكر له من الحقوق ما لو كان لغيره نظيرها لمنّ بها» .
وقال ابن حجر ﵀-: «وفي وقوله: ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، منقبة عظيمة لأبي بكر لم يشاركه فيها أحد» «٢» .
ثانيا: في فضائل ومناقب أصحاب النبي ﷺ:
الفائدة الخامسة عشرة:
حبهم الشديد. ﵃. للنبي ﷺ، ويدل على ذلك فرحتهم العارمة التي كادت تلهيهم عن الصلاة، عندما كشف النبي ﷺ ستر حجرته وجعل ينظر إليهم، وذلك يوم وفاته ﷺ.
ورد عند البخاري من حديث أنس بن مالك ﵁: «فكشف النبي ﷺ ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف ثم تبسم يضحك فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي ﷺ» «٣»، وعند مسلم: «فبهتانا ونحن في الصلاة من فرح بخروج رسول الله ﷺ» «٤» .
والظاهر من الحديث أن هذا الفرح الذي بلغ الغاية والمنتهى كان بسبب ظن الصحابة أن النبي ﷺ قد تماثل للشفاء وأنه خارج يصلي بهم.
الفائدة السادسة عشرة:
إجلالهم. ﵃. للنبي ﷺ وجمال وجهه في أعينهم، حتى إنهم ما كانوا يرون شيئا أجمل منه ﷺ، حتى مع شدة مرضه، ورد في الحديث: «كأن وجهه ورقة مصحف» .
_________________
(١) انظر شرح النووى على صحيح مسلم (١٥/ ١٥٠) .
(٢) انظر فتح البارى (٨/ ١٤٢) .
(٣) رواه البخاري، كتاب: الأذان، باب: أهل العلم والفضل أحق بالإمامة، برقم (٦٨٠) .
(٤) رواه مسلم، كتاب: الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض، برقم (٤١٩) .
[ ٢ / ٣٧٤ ]
وأقول: لو كانوا يعلمون شيئا أجمل وأبهى عندهم من ورقة المصحف لشبهوا به وجه النبي ﷺ، بل الأعجب من ذلك ما ورد في الصحيحين من رواية أنس بن مالك﵁-: «فلما وضح وجه النبي ﷺ ما نظرنا منظرا كان أعجب إلينا من وجه النبي ﷺ حيث وضح لنا» .
الفائدة السابعة عشرة:
مكانة أبي بكر الصديق﵁- عند النبي ﷺ وعند الصحابة﵃-:
١- رضا النبي ﷺ بإمامته ﵁ المسلمين، بل هو الذي أمر أن يصلي بهم أبو بكر ﵁، رغم مراجعة عائشة. ﵂. النبيّ ﷺ وترشيحها الفاروق ﵁- للصلاة بالناس، ورد في الصحيحين من حديث عائشة﵂-: «لما مرض رسول الله ﷺ مرضه الذي مات فيه فحضرت الصلاة فأذن فقال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس فقيل له: إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام في مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس فأعاد فأعادوا له فأعاد الثالثة» .
كما ارتضاه النبي ﷺ خليفة له بعد موته ﷺ، ورد عند مسلم عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ في مرضه: ادعي لي أبا بكر أباك، وأخاك حتّى أكتب كتابا، فإنّي أخاف أن يتمنّى متمنّ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلّا أبا بكر» «١» .
قال الإمام البيهقي﵀-: وقد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله أنه ﷺ أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر﵁- ثم ترك ذلك اعتمادا على ما علمه من تقدير الله. تعالى. ذلك، كما همّ بالكتاب في أول مرضه حين قال: «وا رأساه» ثم ترك الكتاب وقال: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر»، ثم نبّه أمته على استخلاف أبي بكر بتقديمه إياه في الصلاة «٢» .
٢. شجاعته ورباطة جأشه ﵁، في موقف كان هو أولى الناس فيه بذهاب العقل وذهول القلب، ولكن من منة الله على هذه الأمة أن ثبت الصديق وقواه، وهو موقفه عند وفاة النبي ﷺ، إذ قام في الناس، يهدئهم ويذكرهم بكلام الله ﷿، بعد أن
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق ﵁، برقم (٢٣٨٧) .
(٢) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (١١/ ٩٠) .
[ ٢ / ٣٧٥ ]
أقسم عمر ﵁ أن النبي ﷺ ما مات.
ورد عند البخاري من حديث عائشة. ﵂.: «ثم خرج. أي أبو بكر. فقال:
أيها الحالف على رسلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، وحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: من كان يعبد محمدا ﷺ فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) وقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) [آل عمران: ١٤٤]، وقالت عائشة. ﵂. في آخر الحديث: «لقد بصر أبو بكر الناس الهدى وعرفهم الحق الذي عليهم وخرجوا به يتلون وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ «١» .
٣. تواضعه ﵁ وزهده في الإمارة، واعتراف الصحابة بفضله، ورد في حديث عائشة الذي أوردته في الفقرة السابقة قوله﵁-: «بايعوا عمر أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال عمر: بل بايعناك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس» .
الفائدة الثامنة عشر:
فضل عائشة. ﵂.، وقد مر فضلها في مواضع كثيرة، ولكني أضيف هنا فضلا عظيما لها، وهو أنها كانت. ﵂. تشعر أن وفاة النبي ﷺ في بيتها وفي يومها وعلى صدرها لهو من نعم الله عليها، وما يكون ذلك إلا لتعظيمها وتوقيرها وحبها للنبي ﷺ. ورد في الحديث الذي رواه البخاري قولها. ﵂.: «إن من نعم الله عليّ أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته» «٢» .
ويستفاد من ذلك أن الله ﷿ قد اختص أم المؤمنين عائشة. ﵂. بنعم عظيمة لم يشاركها فيها أحد من رجال هذه الأمة أو نسائها.
الفائدة التاسعة عشرة:
في فضل فاطمة﵂-: «روى الشيخان» عن عائشة. ﵂.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب: المناقب، باب: قول النبي ﷺ لو كنت متخذا خليلا، برقم (٣٦٧٠) .
(٢) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأنّ مشيتها مشي النّبيّ ﷺ فقال النّبيّ ﷺ: مرحبا بابنتي ثمّ أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثمّ أسرّ إليها حديثا فبكت فقلت لها: لم تبكين؟ ثمّ أسرّ إليها حديثا فضحكت فقلت: ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن فسألتها عمّا قال: فقالت:
ما كنت لأفشي سرّ رسول الله ﷺ حتّى قبض النّبيّ ﷺ فسألتها فقالت: أسرّ إليّ إنّ جبريل كان يعارضني القرآن كلّ سنة مرّة وإنّه عارضني العام مرّتين ولا أراه إلّا حضر أجلي وإنّك أوّل أهل بيتي لحاقا بي فبكيت فقال: أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء أهل الجنّة أو نساء المؤمنين؟ فضحكت لذلك» «١» .
ففيه من الفضائل لفاطمة﵂-:
١- مشابهة هيئتها. ﵂. لهيئة النبي ﷺ، ورد في الحديث: «كأن مشيتها مشي النبي ﷺ» .
٢. تحية النبي ﷺ لها وهو يدل على فرحه بقدومها عليه ومناداته ﷺ لها بصفتها لا باسمها وتقريبها منه ﷺ، كل ذلك يدل على شديد حبه لها﵂-، ورد في الحديث: «مرحبا بابنتي ثمّ أجلسها عن يمينه أو عن شماله» .
٣. إسرار النبي ﷺ لها بقرب أجله واختصاصها بذلك السر دون سائر الصحابة.
٤. كونها. ﵂. أول أهل البيت لحوقا بالنبي ﷺ، بالإضافة إلى كونها سيدة نساء أهل الجنة.
٥. أمانتها في كتمان سر النبي ﷺ حتى قبض.
الفائدة العشرون:
فضل الأنصار. ﵃. ووصية النبي ﷺ بهم خيرا وامتنانه ﷺ لهم أنهم وقفوا معه وقاموا بما عليهم، ورد في آخر خطبة له ﷺ على المنبر قوله: «أوصيكم بالأنصار؛ فإنهم كرشي وعيبتي وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم؛ فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» «٢» .
قال الإمام ابن حجر. ﵀.: «يشير إلى ما وقع لهم ليلة العقبة من المبايعة، فإنهم
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، برقم (٣٦٢٤)، ومسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل فاطمة بنت النبي ﷺ برقم (٢٤٥٠) ..
(٢) رواه البخاري، كتاب: المناقب، باب: قول النبي ﷺ اقبلوا من محسنهم برقم (٣٧٩٩) .
[ ٢ / ٣٧٧ ]
بايعوا على أن يؤووا النبي ﷺ وينصروه على أن لهم الجنة، فوفّوا بذلك» «١» .
ويتفرع عليه:
وجوب حب الأنصار وبغض من يبغضهم؛ روى الشيخان في صحيحهما عن البراء ﵁ قال: سمعت النّبيّ ﷺ أو قال: قال النّبيّ ﷺ:
«الأنصار لا يحبّهم إلّا مؤمن، ولا يبغضهم إلّا منافق؛ فمن أحبّهم أحبّه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» «٢» .
الفائدة الواحدة والعشرون:
فضل عمر بن الخطاب﵁ وفقهه- وشفقته بالنبي ﷺ، يظهر ذلك من معارضته إحضار كتاب للنبي ﷺ ليكتب للأمة أمورا إن تمسكوا بها لا يضلوا بعدها أبدا، ورد في الحديث: «لما اشتد بالنبي ﷺ وجعه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، قال عمر: إن النبي ﷺ غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا» .
قال الإمام النووي. ﵀.: «اتفق العلماء على أن قول عمر: «حسبنا كتاب الله» من قوة فقهه ودقيق نظره؛ لأنه خشي أن يكتب أمورا ربما عجزوا عنها فاستحقوا العقوبة؛ لكونها منصوصة، وأراد ألاينسد باب الاجتهاد على العلماء، وفي تركه ﷺ الإنكار على عمر إشارة إلى تصويب رأيه، ويحتمل أن يكون قصد التخفيف عن رسول الله ﷺ؛ لما رأى ما هو فيه من شدة الكرب وقامت عنده قرينة بأن الذي أراد كتابته ليس مما يتركه النبي ﷺ لأجل اختلافهم» «٣» .
الفائدة الثانية والعشرون:
ما كان عليه أمهات المؤمنين من الأدب الجم مع النبي ﷺ، والحرص على مرضاته، ودليله أنهن أذنّ لهن في أن يمرّض في بيت عائشة. ﵂.، مع كونهن أحرص الناس على ملازمته ﷺ خاصة في أيامه الأخيرة، ورد في الحديث الذي رواه البخاري عن عائشة. ﵂.: «لما ثقل النبي ﷺ واشتد وجعه استأذن أزواجه في أن يمرض في بيتي فأذنّ له» «٤» .
_________________
(١) انظر فتح البارى (٧/ ١٢٢) .
(٢) رواه البخاري، كتاب: المناقب، باب: حب الأنصار، برقم (٣٧٨٣)، ومسلم، كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن حب الأنصار برقم (٧٥) .
(٣) انظر شرح النووى على صحيح مسلم (١١/ ٩٠) .
(٤) رواه البخاري، كتاب: الأذان، باب: حد المريض أن يشهد الجماعة، برقم (٦٦٥)، ومسلم، كتاب:
[ ٢ / ٣٧٨ ]
ثالثا: فوائد عامة من الوفاة النبوية:
الفائدة الثالثة والعشرون:
من مقتضيات حكمة الله ﷿ ربط الأسباب بالمسببات، فربط. ﵎.
الأجر بالبلاء، حتى مع الأنبياء أحب الخلق إليه، وكان من الممكن أن يجازي الله. ﵎. الأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام بالأجر العظيم دون أن يضاعف عليهم شدة المرض وشدة سكرات الموت، فعلى المسلم أن يصبر ويسترجع في كل ما يلاقيه في دنياه من مصائب وكرب وفتن وأمراض، فلعل الله ﷿ يريد أن يرفع درجته في الآخرة.
الفائدة الرابعة والعشرون:
ما يجب أن يكون عليه المسلم من حسن ظن بالله. خاصة عند سكرات الموت. وأن يغلب جانب الرجاء على الخوف لقول النبي ﷺ: «لا كرب على أبيك بعد اليوم» «١»، وعلى المسلم أن يتذكر في ذلك الوقت، ما ورد في البخاري، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله: أنا عند حسن ظن عبدي بي» «٢» .
الفائدة الخامسة والعشرون:
ليس من النياحة قول المسلم: «واكرب فلان»؛ لعدم نهي النبي ﷺ فاطمة. ﵂. عن هذا القول.
تنبيه:
قال الإمام ابن حجر. ﵀.: «وأما قولها. أي فاطمة. ﵂.: «وا أبتاه وقولها: يا من جنة الفردوس مأواه إلخ»، فيؤخذ منه أن تلك الألفاظ إذا كان الميت متصفا بها لا يمنع ذكره لها بعد موته، بخلاف ما إذا كانت فيه ظاهرا وهو في الباطن بخلافه أو لا يتحقق اتصافه بها فيدخل في المنع» «٣» .
أقول: ما ذهب إليه الحافظ. ﵀. خلافا للصواب؛ لما رواه البخاري: «عن أمّ
_________________
(١) الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض، برقم (٤١٨) .
(٢) أخرجه البخاري، كتاب: المغازى، باب: مرض النبي ﷺ ووفاته، برقم (٤٤٦٢) .
(٣) رواه البخاري، كتاب: التوحيد، بابم قول الله تعالى وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ برقم (٧٤٠٥) .
(٤) انظر فتح البارى (٨/ ١٤٩) .
[ ٢ / ٣٧٩ ]
العلاء وهي امرأة من نسائهم بايعت رسول الله ﷺ قالت: طار لنا عثمان بن مظعون في السّكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين فاشتكى فمرّضناه حتّى توفّي ثمّ جعلناه في أثوابه فدخل علينا رسول الله ﷺ فقلت: رحمة الله عليك أبا السّائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله قال: وما يدريك؟ قلت: لا أدري والله. قال: أمّا هو فقد جاءه اليقين إنّي لأرجو له الخير من الله والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم قالت أمّ العلاء: فو الله لا أزكّي أحدا بعده» «١» .
ثم إن قوله﵀-: «بخلاف ما إذا كانت فيه ظاهرا وهو في الباطن بخلافه» ليس بصواب أيضا، لأن الباطن لا يعلمه قطعا إلا عالم السر والعلن، وأما قول فاطمة.
﵂. عن النبي ﷺ فهو صحيح وصواب؛ لأنها زكت النبي ﷺ الذي هو أول من يستفتح أبواب الجنة فتفتح له.
الفائدة السادسة والعشرون:
اختلاف المسلمين باجتهاد وتدبر وحسن نظر أمر وارد، ولا يقدح في طائفة منهم، فهاهم أكابر الصحابة ﵃، قد اختلفوا على أمر من أوامر النبي ﷺ وفي حضرته، ولم ينكر عليهم النبيّ ﷺ اختلافهم، وإنما أنكر أن يكون هذا التنازع في حضرته ﷺ، كما أن هذا الخلاف لم يوقع بينهم العداوة أو البغضاء، بل استمر التبجيل والتوقير بين المختلفين حتى بعد وفاة النبي ﷺ، ودليله ما رواه البخاري: «عن ابن عبّاس. ﵄. قال: لبثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللّتين تظاهرتا على النّبيّ ﷺ فجعلت أهابه فنزل يوما منزلا فدخل الأراك فلمّا خرج سألته فقال: عائشة وحفصة» «٢» .
الفائدة السابعة والعشرون:
عظيم أمر صلاة الجماعة في الإسلام، فقد مر كيف كان النبي ﷺ حريصا عليها في مرض الوفاة، ورد عند مسلم: «وجد رسول الله ﷺ خفة فقام يهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض قالت: فلما دخل المسجد سمع أبو بكر حسّه ذهب يتأخر فأومأ إليه رسول الله ﷺ: أن مكانك» «٣» .
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب: التعبير، باب: العين الجارية في المنام، برقم (٧٠١٨) .
(٢) رواه البخاري، كتاب: اللباس، باب: ما كان النبي ﷺ يتجوز من اللباس، برقم (٥٨٤٣) .
(٣) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٣٨٠ ]