وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
أبو طالب عم الرسول ﷺ
لو لم تكن فيه آيات مبيّنة لكان منظره ينبيك بالخبر
الصحابي الجليل الشاعر/ عبد الله بن رواحة ﵁
[ ١ / ٣٢٧ ]
في بداية الأمر عندما أردت أن أتحدث عن صفات الرسول ﷺ وأخلاقه وجميل شمائله نابتني حيرة بأيها أبدأ وبأيها أثنّي وأنتهي، لأنك إذا نظرت إلى صفة حسبتها هي أفضل الصفات، فإذا انتقلت إلى أخرى وجدتها أجل وأفضل، فحار أمري؛ هل أبدأ برحمته، فرحمته بلغت المنتهى من صفات البشر، أو بوفائه؛ فوفاؤه أجل وأعظم أو بكذا أو كذا، فاستخرت الله في هذا الأمر فوجدتني أبدا بنسبه الشريف، ثم بدأت بالصفات على الترتيب الهجائي وقد بدأت أولا بصفاته ﷺ ثم جوانب من شخصيته.
أولا: صفاته ﷺ:
١- جمال وجهه ﷺ:
قال كعب ﵁: (لم أتخلّف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلّا في غزوة تبوك غير أنّي كنت تخلّفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلّف عنها، إنّما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش حتّى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحبّ أنّ لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في النّاس منها؛ كان من خبري أنّي لم أكن قطّ أقوى ولا أيسر حين تخلّفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قطّ حتّى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلّا ورّى بغيرها، حتّى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله ﷺ في حرّ شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، وعدوّا كثيرا فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الّذي يريد والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ- يريد الدّيوان- قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيّب إلّا ظنّ أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثّمار والظّلال، وتجهّز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهّز معهم فأرجع، ولم أقض شيئا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتّى اشتدّ بالنّاس الجدّ فأصبح رسول الله ﷺ والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا. فقلت: أتجهّز بعده بيوم أو يومين، ثمّ ألحقهم. فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهّز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثمّ غدوت ثمّ
[ ١ / ٣٢٩ ]
رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتّى أسرعوا وتفارط الغزو وهمّمت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت فلم يقدّر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في النّاس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم أحزنني أنّي لا أرى إلّا رجلا مغموصا عليه النّفاق، أو رجلا ممّن عذر الله من الضّعفاء ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتّى بلغ تبوك. فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب؟» فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه ونظره في عطفه. فقال معاذ بن جبل ﵁: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلّا خيرا. فسكت رسول الله ﷺ. قال كعب بن مالك: فلمّا بلغني أنّه توجّه قافلا حضرني همّي وطفقت أتذكّر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا واستعنت على ذلك بكلّ ذي رأي من أهلي فلمّا قيل: إنّ رسول الله ﷺ قد أظلّ قادما زاح عنّي الباطل، وعرفت أنّي لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله ﷺ قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثمّ جلس للنّاس، فلمّا فعل ذلك جاءه المخلّفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله فجئته، فلمّا سلّمت عليه تبسّم تبسّم المغضب، ثمّ قال: «تعال»، فجئت أمشي حتّى جلست بين يديه. فقال لي: «ما خلّفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» فقلت: بلى إنّي والله لو جلست عند غيرك من أهل الدّنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكنّي والله لقد علمت لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنّي ليوشكنّ الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه إنّي لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قطّ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلّفت عنك. فقال رسول الله ﷺ: «أما هذا فقد صدق، فقم حتّى يقضي الله فيك» . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتّبعوني. فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت ألاتكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر إليه المتخلّفون قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك، فو الله ما زالوا يؤنّبوني حتّى أردت أن أرجع فأكذّب نفسي، ثمّ قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم رجلان قالا مثل ما قلت. فقيل لهما مثل ما قيل لك. فقلت من هما؟ قالوا: مرارة بن الرّبيع العمريّ، وهلال بن أميّة الواقفيّ. فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيّها الثّلاثة من بين من تخلّف عنه، فاجتنبنا النّاس، وتغيّروا لنا حتّى تنكّرت في نفسي الأرض، فما هي
[ ١ / ٣٣٠ ]
الّتي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأمّا صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأمّا أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصّلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلّمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلّم عليه وهو في مجلسه بعد الصّلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه بردّ السّلام عليّ أم لا؟ ثمّ أصلّي قريبا منه، فأسارقه النّظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليّ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عنّي، حتّى إذا طال عليّ ذلك من جفوة النّاس مشيت حتّى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمّي وأحبّ النّاس إليّ فسلّمت عليه، فو الله ما ردّ عليّ السّلام. فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحبّ الله ورسوله؟ فسكت. فعدت له فنشدته. فسكت فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي وتولّيت حتّى تسوّرت الجدار. قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطيّ من أنباط أهل الشّأم ممّن قدم بالطّعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلّ على كعب بن مالك؟ فطفق النّاس يشيرون له حتّى إذا جاءني دفع إليّ كتابا من ملك غسّان، فإذا فيه أمّا بعد: فإنّه قد بلغني أنّ صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت لمّا قرأتها: وهذا أيضا من البلاء فتيمّمت بها التّنّور فسجرته بها حتّى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله ﷺ يأتيني، فقال: إنّ رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلّقها، أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها. وأرسل إلى صاحبيّ مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتّى يقضي الله في هذا الأمر. قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أميّة رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إنّ هلال بن أميّة شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه؟
قال: لا. ولكن لا يقربك قالت: إنّه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.
فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أميّة أن تخدمه. فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ وما يدريني ما يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شابّ، فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتّى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا، فلمّا صلّيت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال الّتي ذكر الله، قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر. قال: فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن
[ ١ / ٣٣١ ]
رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلّى صلاة الفجر، فذهب النّاس يبشّروننا، وذهب قبل صاحبيّ مبشّرون، وركض إلّي رجل فرسا وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل وكان الصّوت أسرع من الفرس فلمّا جاءني الّذي سمعت صوته يبشّرني نزعت له ثوبيّ، فكسوته إيّاهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ: واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فيتلقّاني النّاس فوجا فوجا يهنّوني بالتّوبة، يقولون: لتهنك توبة الله عليك.
قال كعب: حتّى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله النّاس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتئ ى صافحني وهنّاني، والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة. قال كعب: فلمّا سلّمت على رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه من السّور: «أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك» . قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: «لا، بل من عند الله» . وكان رسول الله ﷺ إذا سرّ استنار وجهه حتّى كأنّه قطعة قمر، وكنّا نعرف ذلك منه فلمّا جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إنّ من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله. قال رسول الله ﷺ: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» . قلت فإنيّ أمسك سهمي الّذي بخيبر.
فقلت: يا رسول الله، إنّ الله إنّما نجّاني بالصّدق، وإنّ من توبتي ألاأحدّث إلّا صدقا ما بقيت، فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن ممّا أبلاني، ما تعمّدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا كذبا، وإنيّ لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت، وأنزل الله على رسوله ﷺ لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ إلى قوله: وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ، فوالله: ما أنعم الله عليّ من نعمة قطّ بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الّذين كذبوا، فإنّ الله قال للّذين كذبوا حين أنزل الوحي شرّ ما قال لأحد، فقال ﵎: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ قال كعب: وكنّا تخلّفنا أيّها الثّلاثة عن أمر أولئك الّذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتئ ى قضى الله فيه، فبذلك قال الله:
وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، وليس الّذي ذكر الله ممّا خلّفنا عن الغزو، إنّما هو تخليفه إيّانا، وإرجاؤه أمرنا عمّن حلف له واعتذر إلهى فقبل منه) «١» .
_________________
(١) البخاري، كتاب: المغازي، باب: حديث كعب بن مالك، برقم (٤٤١٨)، مسلم، كتاب: التوبة، باب: حديث توبة كعب ، برقم (٢٧٦٩) .
[ ١ / ٣٣٢ ]
الشّاهد في الحديث: قول كعب بن مالك ﵁: (وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر)، وكان الصحابة ما يرون وجها أجمل من وجه النبي ﷺ فعن أبي إسحاق قال: (سئل البراء، أكان وجه النبي ﷺ مثل السيف؟ قال: لا. بل مثل القمر) «١» .
قال الحافظ ابن حجر ما نصه: (كأن السائل أراد أنه مثل السيف في الطول، فرد عليه البراء فقال: (بل مثل القمر)، أي في التدوير، ويحتمل أن يكون أراد: مثل السيف في اللمعان والصقال؟ فقال: بل فوق ذلك، وعدل إلى القمر لجمعه الصفتين من التدوير واللمعان) «٢» .
ومن حديث جابر بن سمرة: (أن رجلا قال له: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف؟ قال: لا بل كان مثل الشمس والقمر وكان مستديرا) «٣»، وإنما قال: (مستديرا) للتنبيه على أنه جمع الصفتين؛ لأن قوله: (مثل السيف) يحتمل أن يريد به الطول أو اللمعان، فرده المسئول ردّا بليغا، ولما جرى التعارف في أن التشبيه (بالشمس) إنما يراد به غالبا الإشراق، والتشبيه (بالقمر) إنما يريد به الملاحة دون غيرها، أتى بقوله: (وكان مستديرا) إشارة إلى أنه أراد التشبيه بالصفتين معا: الحسن والاستدارة) «٤» .
وقد روى البراء رضي عنه الله: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا ليس بالطويل الذاهب ولا بالقصير) «٥»، ومعنى بالطويل الذاهب أي: (المفرط الطول)، أي كان معتدل القامة ﷺ.
وانظر أخي القارئ كيف وصف الصحابة وجهه يوم وفاته ﷺ فقد ورد في الصحيحين من حديث أنس رضي عنه الله: (فكشف النبي ﷺ ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف) «٦»، قال النووي في شرح مسلم: (عبارة عن الجمال البارع، وحسن البشرة، وصفاء
_________________
(١) البخاري، كتاب: المناقب، باب: صفة النبي ﷺ، برقم (٣٥٥٢) .
(٢) انظر فتح الباري (٦/ ٥٧٣) .
(٣) مسلم، كتاب: الفضائل، باب: شيبه ﷺ، برقم (٢٣٤٤) .
(٤) انظر فتح الباري (٦/ ٥٧٣) .
(٥) البخاري، كتاب: المناقب، باب: صفة النبي ﷺ، برقم (٣٥٤٩)، مسلم، كتاب: الفضائل، باب: في صفة النبي ﷺ، برقم (٢٣٣٧) .
(٦) البخاري، كتاب: الأذان، باب: أهل العلم والفضل أحق بالإمامة، برقم (٦٨٠)، مسلم، كتاب: الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر ، برقم (٤١٩) .
[ ١ / ٣٣٣ ]
الوجه، واستنارته) «١»، وإذا كان هذا الصفاء والجمال وحسن البشرة كان يوم وفاته ﷺ فكيف كان أيام شبابه وفحولته ﷺ؟! وأعتقد أن الصحابة قد وصفوا وجهه ﷺ بالشمس أو القمر لأنهم لا يعرفون شيئا أجمل منهما، وأظن أن وجهه كان أجمل من ذلك بكثير، ولكنهم- جزاهم الله عنا خيرا- أرادوا فقط أن يمثلوا لنا الوجه الشريف بأجمل ما يعرفون.
فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
مناقب كعب بن مالك وهي:
١- حضوره جميع الغزوات التي غزاها النبي، ما عدا غزوة بدر، وغزوة تبوك، ولم يعتب عليه في بدر؛ لأن النبي لم يعزم على الصحابة في الخروج، لأنه ما كان يريد الغزو، وإنما كان يريد عير قريش، وبذلك تكون الغزوة الوحيدة التي تخلف عنها ويلام عليها هي غزوة تبوك، قال كعب: (لم أتخلف عن رسول الله في غزوة غزاها إلا غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر) .
٢- شهوده ليلة العقبة حيث أخذ عليهم العهد والميثاق على الإسلام والجهاد في سبيل الله، وهذه الليلة كانت أعظم عند كعب، من شهوده بدرا، لقوله: (وما أحب أن لي بها مشهد بدر) .
٣- عظيم صدقه، حتى إن كان هذا الصدق ينتقص من قدره ويفضح أمره، ويظهره أكثر تقاعسا عن شهود الغزو، وذلك علمناه من:
أ- إخباره أنه ما كان في يوم أقدر استطاعة، ولا أيسر حالا عنه في غزة تبوك، حتى إنه لأول مرة في حياته يملك راحلتين، يمكن أن يستخدمها في الغزو، قال كعب: (لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة)، فلم يكذب ويذكر مبررات لتخلفه، بل لم يكتم ما كان عليه من سعة ويسر، وهذا من عظيم صدقه.
ب- ذكره ما كان من أمره في تأخير وتسويف التجهز للغزو، ولم يذكر أيضا عذرا له في ذلك، قال كعب: (فقلت أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم)، ونتعلم من ذلك المبادرة لأعمال الخير والطاعات، وأن تأجيلها يوما أو يومين سيؤدي في النهاية إلى عدم القيام بها، وأن هذا التأجيل من تزيين الشيطان، الذي يحرص على صد الناس عن سبيل الله.
_________________
(١) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٤٢) .
[ ١ / ٣٣٤ ]
ويعلمنا فضيلة الأخذ بالعزيمة في العبادات، قال تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣]، فالله﷿- أمرنا في الطاعات بالمسارعة، وأمرنا في أمور الدنيا بالمشي، قال تعالى: فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الملك: ١٥]، وليعلم المسلم أن الذي يكسل عن الطاعة في أول وقتها، سيكون أشد كسلا في آخر وقتها؛ لأن الشيطان استطاع أن يصده عن الوقت الفضيل، فإذا قام بالعبادة في الوقت الأخير فلن يتقنها، كالذي ينقر العصر نقرا قبل خروج وقتها بقليل، لا يتدبر من صلاته شيئا، وليعلم المسلم أن ما يسوف له الطاعة اليوم، هو معه يسوفها أكثر غدا، وليعلم أيضا، أن أداء الواجبات مع جماعة المسلمين تكون أيسر وأسهل على العبد، قال كعب: (فرجعت لم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو) .
ج- اعترافه بين يدي رسول الله، أن تخلفه لم يكن لعذر بل صدقه القول، أنه ما كان قط أقوى ولا أيسر منه حين تخلف عنه في غزوة تبوك.
٤- إذا كان هذا هو صدق كعب بن مالك، فمن المناسب أن نذكر ما جناه كعب من هذا الصدق، وذلك ليكون دافعا لنا لتحري الصدق في حياتنا كلها.
أ- تجنب سخط الرسول ﷺ إن ادعى له عذرا كذب فيه، ثم أعلم الله رسوله أنه كاذب في عذره لقول كعب: (ليوشكن الله أن يسخطك علي) .
ب- نجاه الله بصدقه من الهلاك مع الذين هلكوا، وأنزل الله فيهم: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [التوبة: ٩٥]، وقال كعب: فو الله ما أنعم الله عليّ من نعمة قط، بعد إذ هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله، ألاأكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شرّ ما قال لأحد.
ج- أنزل الله﷿- فيه وفي صاحبيه، قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، أثنى عليهم فيهم خير الثناء حيث وصف حزنهم لتخلفهم عن رسول الله، فقال تعالى: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ [التوبة: ١١٨]، وهذا الحزن من كمال الإيمان، كما وصفت الآية لجوءهم إلى الله وخروجهم من حولهم وقوتهم إلى حول الله وقوته، ويقينهم أنه لن ينجيهم مما هم فيه إلا الله، وانقطاع أملهم ورجائهم ممن دونه، قال تعالى: وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ [التوبة: ١١٨]، وهذا أبلغ الثناء
[ ١ / ٣٣٥ ]
والمدح، ثم كان الفرج في الآية، وعظيم التشريف أن الله الغني الحميد قد بدأهم بالتوبة عليهم ليتوبوا، قال تعالى: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: ١١٨]، وما تاب عليهم إلا بصدقهم ثم بحسن ظنهم بالله﷿- مع حسن التوبة.
د- تحريه الصدق بقية حياته، حتى إنه لا يرى أحدا من أصحاب الرسول، مع جلالة قدرهم، وعلو منزلتهم، كان مثله في صدق الحديث، يقول كعب: (فو الله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث أحسن مما أبلاني) .
هـ- ذكره الحسن في المسلمين، خاصة أهل العلم والفضل بحسن توبته وصدقه- مثل ما ذكرت له الآن- وذكره الحسن إن شاء الله تعالى في الآخرة بصدقه، يؤيد ذلك ما رواه عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الصّدق برّ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، وإنّ العبد ليتحرّى الصّدق حتّى يكتب عند الله صدّيقا، وإنّ الكذب فجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النّار، وإنّ العبد ليتحرّى الكذب حتّى يكتب كذّابا» «١»، وغير ذلك كثير، من إخراج ماله صدقة لله﷾- وثباته في بلاء كتاب ملك غسان، وكل ذلك زيادة له في حسناته، ورفع في درجاته، وما كان له ذلك إلا بسلوكه سبيل الصادقين، فمن منا يحتذي حذوه ويقتضي أثره؟!، وما زال الله غنيا حميدا شكورا، لكل عباده أصحاب رسول الله، وأفراد أمته إلى يوم القيامة، وعلى المسلم أن يتدبر أيهما أعظم لكعب، صدقه مع ما حدث له من بلاء، أم نجاته المؤقت بالكذب على رسول الله؟
٥- نأخذ من الحديث فقه الصحابي كعب بن مالك، وذلك أنه علم أنه لن ينجيه بين يدي رسول الله إلا الصدق، وأن الكذب لا ينفع ولا يغني من الحق شيئا، قال كعب:
(وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب فأجمعت صدقه) . وهذا السلوك يجب أن يتحلى به كل مسلم، ويجب أن يعلم كل أحد أن الصدق أنجى، وأن الله يعلم حال كل كاذب، ويقدر﷾- أن يفضحه بين الخلائق في الدنيا قبل الآخرة.
٦- كما نأخذ منه أيضا قوة يقينه بعلم الله بأحوال العباد، وإحاطة سمعه لما يقولون، لقول كعب: (لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي)، فلن يحدث أن يسخط الله رسوله على كعب، إلا إذا كان يعلم حاله، ويسمع كلامه، واطلع على سريرته فعلم كذبه في أقواله.
_________________
(١) مسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: قبح الكذب وحسن الصدق وفضله، برقم (٢٦٠٧) .
[ ١ / ٣٣٦ ]
وهذه الحالة من اليقين تتفاوت درجات الناس فيها، بتفاوت علمهم بعظيم شأن الله ﷾- وإحاطة علمه بكل شيء، ويقوي ذلك عند المسلم كثرة قراءة القرآن بتدبر وتفكر، خاصة الآيات التي يذكر فيها أسماء الله وصفاته وقدرته على كل شيء، وإحاطته بكل شيء، مثل قوله تعالى: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ [المجادلة: ٧] .
وقوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [الأنعام: ٥٩]، كما يقوي ذلك: النظر في السيرة النبوية العطرة، ومعرفة أحوال النبي مع ربه، وأحوال الصحابة، مثل الحديث الذي معنا، ويجب على كل مسلم أن يراجع نفسه في مسألة اليقين ليعلم أين هو منها، فينظر مثلا في صدقه، وفي إخلاص نيته لله، وفي مراقبته لله﷿- إذا كان خاليا، فكلما تمكن اليقين من قلبه، كلما كان صادقا مع الله ومع نفسه ومع الناس، صدق في القول، وفي الوعد، ولا يخون العهد، يراعي الله﷿- في أهله وولده وعمله، وكلما ضعف اليقين زاد التفريط.
٧- نأخذ من الحديث أيضا يقينه باتصال النبي الدائم بالله﷿- وأن الوحي عنه لا ينقطع في كل الأمور كبيرها وصغيرها، وأن هذا الأمر قد رباهم على الصدق والخوف من الله﷿- وذلك من قول كعب: (ليوشكن الله أن يسخطك علي)، ولن يكون السخط إلا بوحي وإعلام من الله لرسوله، ولشدة يقينة بذلك ما كذب على الرسول، بل صدقه القول، ونأخذ ذلك أيضا من قول كعب: (إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر) .
٨- إجلال كعب للنبي ﷺ وتعظيم قدره، وأنهم كانوا يرون كل أهل الأرض من ملوك ووزراء وكبراء دونه، لقول كعب: (لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج منه بعذر) .
٩- نأخذ من الحديث يقينه بأن النبي ﷺ لا يعلم شيئا من الغيب، وأن كل الذي نبأ به من أمور الغيب إنما هو بوحي من الله﷿- أي أنه لم يعلمه ابتداء من عند نفسه، ولا أن الله﷿- أطلعه على كل الغيب دفعة واحدة، فيستوي بذلك علمه مع علم الله﷿- وهذا أشنع وأعظم ما يمكن أن يقال أو يعتقد، وما زال القرآن يربي المسلمين على
[ ١ / ٣٣٧ ]
ذلك، وكذلك السنة، وهو كذلك اعتقاد الصحابة كلهم جميعا، اسمع لقول كعب: (ولئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني)، أي أني لو كذبت عليك سترضى عني لأنك لا تعلم كذبي، لعدم علمك بالغيب، فإذا كان النبي ﷺ لا يعلم غيبا قد وقع أمره، فكيف يعلم غيبا لم يقع بعد، أو وقع قبل عصره، والغريب أن الصحابة مع تأدبهم الشديد مع مقام النبوة، لم يستح كعب أن يقول هذه المقولة، والتي تصرح أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، فهذا ليس تنقيصا من حقه ﷺ بل رفعا لقدره، لأنه هو الذي علمهم ورباهم، ما يكون لله وحده، لا يشاركه فيه أحد، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، وعجبت لمن يقول: ومن علومك علم اللوح والقلم!!!، فجعل من علوم النبي ﷺ علم اللوح المحفوظ، وكل ما كتبه القلم، أي أن هذا من علمه وليس كل علمه، والله إن هذا القائل ما أبقى لله شيئا يختص به من علم الغيب، والأعجب والأدهى أنهم يتقربون لله بذلك!!!، أقول لهم:
والله ما تزدادون بهذا الكلام إلا بعدا عن الله، وقربا من الشيطان، وأظن أن من اعتقد هذا الكلام قد خرج من حظيرة الإسلام، لأنه كذّب بالكتاب والسنة، وقد كررت هذا الكلام ومثله في مواضع كثيرة من هذا الكتاب حتى يتبين للناس الحق من الباطل، ويميزوا بين مقام الألوهية، ومقام النبوة، وما ينبغي إثباته للنبي ﷺ وما لا ينبغي إثباته، وهو ما تفرد به الله وحده، ألا تصدق الله﷿- في قوله: فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ [يونس: ٤٠]، واللام هنا للاختصاص، أي: لله وحده الغيب، لا يشاركه في ذلك أحد، أم تكذّب قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [الأنعام: ٥٩] .
الفائدة الثانية:
حرص النبي ﷺ على تربيته الأمة على العقيدة الصحيحة، والتي منها أن الأمر كله لله، يحكم بما يشاء وكيف شاء، ومتى شاء، لا معقب لحكمه، ولا راد لأمره، وذلك من قوله: «فقم حتى يقضي الله فيك»، والذي يقضي ويحكم هو الله وحده، فظل قلب كعب متعلقا بالله﷿- يسأله ويرجوه أن يقضي فيه بخير، وإذا تيقن العبد أن الله هو الذي يقضي، فكيف يؤمل في غيره، أو يرجو سواه؟ وهذا ما تعلمناه أيضا من القرآن في قوله تعالى: بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا [الرعد: ٣١]، وتقديم الخبر (لله) وتأخير المبتدأ (الأمر) يدل على التوكيد والاختصاص، وهذه التربية العظيمة من الرسول لأفراد هذه الأمة، لهي من أعظم ما يمتدح به النبي ﷺ ويثنى به عليه، أنه عبّد الأمة لله﷿-.
الفائدة الثّالثة:
فيه تقدير الصحابة لمن شهد بدرا، وأنهم كانوا يرونهم قدوة لهم وأسوة، لقول كعب: (قد ذكروا لي رجلين قد شهدا بدرا، فمضيت حين ذكروهما لي)، وفيه
[ ١ / ٣٣٨ ]
أن الإنسان يتصبر في مصيبته إذا علم أن غيره يشاركه فيها؛ لأن كعبا أراد أن يعود للنبي ﷺ ويكذب نفسه، إلا أنه مضى لما علم أن مرارة بن الربيع وهلال بن أمية قد قال لهما الرسول ﷺ مثل ما قال له.
ويجب التنبيه إلى أن هذا التصبر الذي يجده الإنسان عندما يرى غيره يشاركه المصيبة في الدنيا، لن يكون في جهنم- أعاذنا الله منها- لقوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٩] . فلن يتسلى الكافر في جهنم إذا رأى غيره يعذب معه، ولن يخفف من عذابه رؤيته امتلاء النار بغيره، أو رؤيته من فوقه في العذاب.
وسبحان من لم ينس أن يذكر تلك الحالة النفسية التي سيكون عليها أهل النار والعياذ بالله، ويجب أن نحمده أنه بيّن كل شيء، حتى نكون على بينة من أمرنا.
الفائدة الرّابعة:
في الحديث ما كان من طاعة الصحابة لنبيهم ﷺ وعدم مخالفته أمره، ويتبين ذلك من:
١- اجتناب الناس للثلاثة الذين خلفوا، طاعة لأمر رسول الله، لقول كعب:
(فاجتنبنا الناس)، وقوله: (وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد) . حتى ابن عمه أحب الناس إليه، أبي قتادة، لم يرد ﵇، وناشده مرة ومرتين، ألست تعلم أني أحب الله ورسوله؟! فقال له في المرة الأخيرة: الله ورسوله أعلم، ولم يزد بكلمة. وهل إذا رد قتادة على كعب سمع النبي ﷺ ذلك؟! ولكنها التربية التي رباهم عليها النبي ﷺ على اليقين بأن الله يراهم ومطلع عليهم، فكانت طاعتهم لله ورسوله في السر والعلن، وفي المنشط والمكره.
٢- لما أمر الرسول ﷺ الثلاثة الذين خلفوا أن يعتزلوا نساءهم. ولا يقربوهن، استفسر كعب أولا عن مقصود الرسول ﷺ بالاعتزال، هل يعني الطلاق؟ مخافة أن يكون قصده الطلاق، فلا يبادر به ويتأخر عن الطاعة، فلما علم أنه الاعتزال فقط، أمر امرأته أن تلحق بأهلها.
٣- في الحديث عظيم أسف وحزن الصحابة على ما يقع منهم من معصية الله ورسوله، يظهر ذلك من قول كعب: (أما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان)، وانظر ماذا قالت امرأة هلال بن أمية للرسول ﷺ: (والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا)، أي حزن هذا الذي يجعل صاحبه يبكي خمسين ليلة! لا يرقأ له دمع، ونحن في المعاصي ليلنا ونهارنا، لا أقول: لا نبكي ولا نأسف، بل أقول: لا يتغير لنا
[ ١ / ٣٣٩ ]
وجه، ولا يحزن لنا قلب، ولا نلقي بالا بما نفعل، بل نشعر أننا أعبد خلق الله وأتقاهم له! أين الحزن والبكاء؟! أين الإنابة والتوبة؟! أين الخشية والرهبة؟! أأمنا مكر الله إلى هذا الحد؟! أفلا نتوب إلى الله ونستغفره، ونحدث بعد الذنب توبة. نرجو رحمة الله ونخشى عقابه، ونستذكر دائما قوله تعالى: أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ [المطففين: ٤] .
الفائدة الخامسة:
وهي فائدة جليلة، تتلخص في أهمية الرأي العام في المجتمع المسلم، وتأثيره على أهل المعاصي، وأن هذا أبلغ بكثير من إيداعهم السجن، الذي يخرج المجرمين وأصحاب السوابق، ويعلّم كل رذيلة، انظر ماذا فعل الرسول بكعب وصاحبيه، حبس الناس كلهم عنهم فكانوا بحق في سجن كبير، لا يكلمهم أحد ولا يلقي السلام عليهم أحد، لم يقاطعوهم فقط بل تغيروا لهم، يقول كعب: (فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا)، وانظر أثر ذلك في نفس كعب قال: (حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف)، ولما أعرض عنه أحب الناس إليه، ماذا فعل؟ يقول: (ففاضت عيناي)، أرأيت أثر الرأي العام في المجتمع النبوي، وأؤكد أنه ما استشرى الظلم ولا كثرت الفواحش، ولا عم الفساد، إلا بسبب أن وجوه المسلمين لا تتغير لأهل المعاصي، ولو تغيرت لتغير حالنا إلى أحسن حال، وهذا مطلوب منا شرعا، وفي الحديث أيضا مشروعية عدم إلقاء السلام على أهل المعاصي، على تفصيل عند العلماء.
الفائدة السّادسة:
في الحديث ما عليه الكفار من الحرص على إضلال المسلمين، وتحين كل فرصة لذلك، حتى لو اصطادوا في الماء العكر، ويجب علينا ألاننخدع بقولهم المعسول، فنكون قد كذبنا الله وصدقناهم، فالله يقول: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران: ١١] . فماذا يدفع ملكا من ملوك الأرض أن يكتب إلى أحد من المسلمين في ظروف كهذه؟ يذكره بما يلاقيه من جفاء النبي ﷺ، وهوانه على الناس، ورغبة الملك في اللحاق به فقال له: (فالحق بنا نواسك)، وما أشبه الليلة بالبارحة، يذهبون لفقراء المسلمين، يغرونهم بالمال في المجاعات ليرتدوا عن إسلامهم، ويمنحون أوائل الطلاب والنوابغ منهم في العلم، المنح الدراسية المجانية، فيذهب أولاد المسلمين إليهم في عقر دارهم، في سن مبكرة، يتشربون منهم عاداتهم ويأخذون عنهم تقاليدهم، ويرجعون إلى أهليهم بأسوأ حال- إلا من رحم الله- والعجيب أن بعض تلك المنح تفرض على الفتاة المسلمة أن تنزل ضيفة على أسرة غير مسلمة، بحجة أن تتعلم اللغة الأجنبية، وكثير منهم لا يعودون إلى بلادهم بعد انتهاء دراستهم، فهي بحق محن وليست منحا،
[ ١ / ٣٤٠ ]
ويكون نبوغهم نقمة بعد أن كان نعمة.
الفائدة السّابعة:
في الحديث ما كان عليه الصحابة ﵃، من حب لله ورسوله، يتبين ذلك من خروج كعب إلى مسجد رسول الله ﷺ، ويسلم عليه، ويتمنى في نفسه أن يحرك الرسول شفتيه تحريكا فقط برد السلام، بل ينظر إليه في خفية حبا لرؤية الرسول ﷺ يقول كعب: (فأسارقه النظر)، ويفعل ذلك كعب وهو في الصلاة، كل ذلك لحبه النبي ﷺ وهو الذي أمر الناس أن يعتزلوه، فلا يردوا عليه حتى السلام، هل تغير قلب كعب من الرسول ﷺ؟ لا والله، بل يذهب إلى ابن عمه فيسأله: (هل تعلمني أحب الله ورسوله؟)، لم يسأله عن إيمانه أو طاعته لله ورسوله، بل سأله عن ما هو أعظم وأخص من الإيمان والطاعة، ألا وهو الحب، يريد من ابن عمه كلمة يطمئن بها على ما هو عليه من الحب لله ورسوله، هذا هو الفارق بيننا وبين الصحابة.
الفائدة الثّامنة:
الثبات على العزيمة والرشد، في أشد الظروف وأحلكها، فهذا ملك غسان يرسل- بنفسه- كتابا إلى كعب، يذكره بما هو فيه ويغريه بما يمكن أن يكون فيه، في وقت قد ضاقت عليه الأرض بما رحبت، فماذا فعل كعب؟، هل شاور نفسه؟ هل فكر في أمره؟ انظروا ماذا فعل في كتاب ملك غسان، لقد حرقه لتوه، لماذا؟ حتى لا تسول له نفسه أن يقرأه مرة أخرى، فيدخل عليه الشيطان ويزين له ما فيه، ونتعلم من ذلك أننا يجب أن نتخلص من كل شيء قد يجرنا إلى معصية الله ورسوله، بإتلافه أو إحراقه، فهذا من العزيمة الصادقة، وحسن التوبة إلى الله، بل من شروط صحة التوبة، وأتعجب من الذين يحتفظون بأشياء كالصور والمذكرات، التي فيها ما لا يرضي الله ورسوله، بحجة أنها من الذكرى أو الذكريات، أقول لهم: هذا من تلبيس إبليس، أفلا يكون لكم في كعب أسوة وعبرة؟!.
الفائدة التّاسعة:
في الحديث بيان ما يصيب المؤمن من فرح وسرور من توبة الله عليه، يتبين ذلك مما يلي:
١- سجود كعب بن مالك شكرا لله لما سمع صوت الصارخ من أعلى الجبل يبشره، وفي ذلك مشروعية سجود الشكر عند نزول النعم، وكذا عند رفع النقم.
٢- سمى كعب التوبة فرجا قال: (وعرفت أن قد جاء الفرج) .
٣- إهداء كعب بن مالك ثوبيه، الذي لا يملك غيرهما، للذي بشره، واستعار ثوبين غيرهما يخرج بهما.
[ ١ / ٣٤١ ]
٤- تصدق كعب بن مالك بكل ماله- إلا سهمه بخيبر- تعبيرا عن فرحه بتوبة الله عليه، وشكره على ذلك وكان يريد ابتداء أن يتصدق بكل ماله، لولا مراجعة الرسول له.
هذا الذي يجب أن يفعله العبد، إذا تاب الله عليه، الصدقة والهدية والسجود شكرا لله، وما فعل كعب كل ذلك، إلا لعلمه بشؤم المعصية، وتضرره بها في الدنيا والآخرة، فكان فرحه بالتوبة، يوازي غمه بالمعصية، وقرب النبي ذلك المعنى لكعب ليشعر بعظيم فضل الله عليه، بقوله: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك»، يسأل سائل: علم كعب توبة الله عليه بنزول الوحي على رسول الله ﷺ، أما نحن فقد انقطع الوحي فكيف نعرف ذلك؟.
أقول باختصار:
علامات قبول توبة الله عليك تعرفها من نفسك، وما صرت إليه بعد التوبة، فإذا تركت أصحاب السوء الذين يأمرونك بمعصية الله، وتركت المكان الذي عصيت الله فيه، وكرهت أن تتكلم عن هذه المعصية أو يذكرك بها أحد، وإذا أقبلت على طاعة الله، وشعرت في قلبك بفرح ترك المعاصي، والإقبال على الله، رجوت قبول الله توبتك، وعليك أن تفرح بها بأن تتصدق وتسجد لله شكرا كما فعل كعب ﵁.
الفائدة العاشرة:
على جماعة المسلمين أن يفرحوا بتوبة أخيهم المسلم، ورجوعه إلى حظيرة الطاعة، كما رأينا ذلك جليّا في موقف الصحابة من كعب ﵃ أجمعين ويتبين ذلك من:
١- مسارعة الصحابة لإعلام كعب بتوبة الله عليه، حتى إن المبشر وقف على أعلى الجبل ينادي بأعلى صوته: (يا كعب بن مالك أبشر)، ومن شدة فرحته، ما استطاع الانتظار إلى أن يقترب من كعب، فناداه قبل أن يلقاه.
٢- ذهاب الصحابة أفواجا، يهنئون كعبا وصاحبيه ﵃، حتى إن طلحة بن عبيد الله لما رأى كعبا يدخل المسجد هرول إليه، ولم ينتظر مقدم كعب إليه، ويستفاد منه: جواز القيام إكراما لأصحاب الفضل والخير، خاصة في مناسبات الخير، والممنوع شرعا: أن نقف لمن يحب ذلك، ويطلبه من الناس، أو أن يعتاد الناس أن يقفوا لأحد الكبراء كلما دخل وخرج في المجلس الواحد.
٣- سرور الرسول البالغ بتوبة الله على عبده، حتى استنار وجهه كأنه قطعة قمر.
٤- هذا الفرح الواضح من جماعة الصحابة بتوبة الله على كعب وصاحبيه، إنما يدلنا
[ ١ / ٣٤٢ ]
على أن تغير وجوههم لهم قبل التوبة، إنما كان لله﷿- ولم يكن لشيء في قلوبهم، كحسدهم على بقائهم في المدينة، أو لأنهم لم يعانوا مما عانى منه بقية الصحابة، من مكابدة الحر، ومشقة السفر، ويجب علينا جميعا أن نتنبه لذلك، وأن نتأكد من أنفسنا لماذا نبغض فلانا؟ هل هذا البغض لمعصيته؟، أم أنها كانت فرصة لإخراج ما في القلب من الغل والحسد؟.
وإذا سأل سائل: كيف أتأكد أني أبغض فلانا لله، وليس لحقد في قلبي؟
أقول له: إذا بذلت ما في وسعك لنصحه، وحزنت لحاله، ودعوت الله له في ظهر الغيب أن يهديه ويتوب عليه، ولم تفضحه بين الناس، بأن تقول- مثلا- لكل من تراه:
هدى الله فلانا فإنه على خطر، تريد فقط أن تشنع به، إذا فعلت ما ذكر، فيرجى لك أن يكون غضبك لله.
الفائدة الحادية عشرة:
تعظيم الصحابة لما ينزل من عند الله، ثم ما يكون من عند النبي، علمنا ذلك من قول كعب- لما بشره النبي ﷺ بالتوبة-: (أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: «لا، بل من عند الله»، فسؤال كعب عن مصدر التوبة- وهو في تلك الحالة- يدل على أنها تختلف عنده، كونها من عند الله أم من عند رسول الله، ولذلك أجابه رسول الله، ليجعل فرحه أكبر وأكبر، قال: «بل من عند الله» ولو كان الأمر لا يختلف في الشرع، لقال النبي ﷺ موجها ومعلما له: (من عند الله مثل من عند رسول الله)، أو قال له: (الأمر سواء)، وهذا الذي جعل عائشة ﵂ تستعظم أن تنزل براءتها بقرآن من عند الله، ولكن يجب التنبيه إلى أن الصحابة مع تعظيمهم لما ينزل من عند الله، ما كانوا يفرقون بين أمر الله وأمر الرسول، في الأمر والنهي، وكل أمور الشرع لأن طاعتهم لرسول الله إنما هي بأمر الله﷿- ووحيه، قال تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النور: ٥٤]، وقال﷾-: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ [الحشر: ٧] .
الفائدة الثّانية عشرة:
من الحكمة أن يتعلم المسلم، ويأخذ العبر والدروس من كل محنة تصيبه، أو نازلة تحيط به، حتى لا يخرج من المحن والابتلاآت صفر اليدين، لم يتعلم شيئا، فهذا كعب لما رأى أن الصدق قد نجاه وصاحبيه، وأن الكذب قد أهلك من عداهم، بل نزل فيهم قرآن يفضحهم، أقول: لما رأى ذلك عزم ألايكذب طيلة حياته، وجعل صدقه داخلا في توبته، قال كعب: (إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي ألاأحدث إلا
[ ١ / ٣٤٣ ]
صدقا ما بقيت) . وأظن أنه جعل الصدق جزآ من توبته، وذلك بين يدي رسول الله ﷺ حتى لا يتجرأ على الكذب أبدا، فكأنما عاهد الله ورسوله على ذلك.
الفائدة الثّالثة عشرة:
في الحديث ما يجب أن يكون عليه المسلم، من الدعاء لله والتضرع إليه بأن يثبته على الحق، وينجيه من المعاصي والآثام، وألا يركن إلى سبقه للإسلام، أو الصحبة التي هي أعظم الأعمال الصالحة، انظر إلى كعب ﵁ مع ما ثبت عليه من الصدق، منذ أن عاهد الله﷿- عليه، وعلم من نفسه الثبات عليه، وأبلغنا بذلك صريحا في الحديث، إلا أنه لما تكلم عن الصدق فيما يستقبل من الأمور، يقول بصيغة دعاء المفتقر إلى الله: (وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت)، وهكذا يجب أن يكون سلوك كل مؤمن، في كل أموره الدينية والحياتية.
الفائدة الرّابعة عشرة:
على الشيوخ وأهل العلم، أن يبينوا مراد الله ورسوله من القرآن والسنة أبلغ بيان يزيل اللبس والاشتباه الذي قد يقع للناس، خاصة العوام، وألا يظن الشيوخ أن العوام سيفهمون الآيات مثل فهمهم، والدليل من الحديث، أن البعض قد يعتقد أن معنى أَخْلَفُوا في الآية. أي: تخلفوا عن رسول الله في الغزو، ولما كان هذا المعنى خطأ وقد يتبادر إلى ذهن قارئ القرآن، فقد بيّن كعب أن المقصود بالتخليف إرجاؤهم حتى يقضي الله فيهم أمرا، وقد علمنا الله﷿- دفع الاشتباه والالتباس، ومن أمثلة ذلك في القرآن: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور: ٢١]، فقد يظن ظان أن إلحاق الذرية بالأب، قد يكون بأخذ بعض الأعمال الصالحة من الأب لرفع درجات الذرية لتلحق بأبيها، فأزالت الآية هذا الاشتباه، أنه لن ينقص من الأب أي عمل صالح، وإنما سيكون الإلحاق تفضلا من الله﷿- وسيلحق الأدنى بالأعلى.
ومن السنة ما رواه أبو هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» «١» .
الفائدة الخامسة عشرة:
في الحديث حكمة النبي ﷺ في الغزو وغيره، يبين ذلك قول كعب: (ولم يكن رسول الله يريد غزوة إلا ورّى بغيرها)، وقوله: (فجلّى للمسلمين أمرهم
_________________
(١) مسلم، كتاب: العلم، باب: من سن سنة حسنة ، برقم (٢٦٧٤) .
[ ١ / ٣٤٤ ]
ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الذي يريد)، وتظهر حكمته في أنه في كل غزوة يوري بغيرها ولا يعلم أحدا وجهته، فلا يعطي للعدو فرصة أن يتأهب ويستعد لملاقاته، ومن ثمّ يفوّت، على العدو هذه الميزة.
وتظهر حكمته ﷺ أيضا، في غزوة تبوك حيث أعلم الصحابة وجهته، ليأخذوا استعدادهم من كل وجه، لأن الغزو بعيد، والعدو كثير العدد والعدة. فكان من عظيم حكمته أن يعلمهم، ومن هنا تخلف الكثير من غير أولي الأعذار، ونتعلم من هذا الدرس النبوي، أنه ليس هناك قواعد ثابتة، يمكن أن نطبقها في جميع الأحوال، ومع جميع الناس، ولكن الحكمة أن نضع الأمور في نصابها، ونوازن بين مضار كل أمر وفوائده ونرجح بين الكفتين، فأيهما غلب حكمنا به، فالرسول ﷺ وازن في كل غزوة بين مصالح التوراة بغزوة أخرى، ومضار التصريح، فترجح له مصالح التوراة على مضارها، أما في غزوة تبوك فترجح له ﷺ مصالح التصريح على مضاره، وهكذا في كل الأمور.
ونجد في الحديث مثالا آخر، وهو أن المعتاد من النبي خاصة مع أصحابه تقديم الرحمة لقوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:
١٥٩]، والأمثلة على ذلك كثيرة في السنة، وقد ذكرت شيئا منها في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، ولكن في الحديث الذي بين أيدينا، نرى أن النبي ﷺ استخدم أسلوب الشدة مع كعب وصاحبيه، فقد نهى الناس عن كلامهم، ورد السلام عليهم، وزاد الأمر أن أمرهم أن يعتزلوا نساءهم، ويستمر الأمر على هذا خمسين ليلة، يتعرضون للبلاء والامتحان، بل الفتنة في الدين، كخطاب ملك غسان لكعب، بالإضافة إلى اعتزال أهله، وهو في حال الشباب والقوة، وكل ذلك يدلنا على أنه ليس من الحكمة استعمال اللين وتقديم جانب الرحمة بصفة مستمرة، ولا تقديم جانب الشدة دائما، لكن الحكمة أن يكون لكل مقام مقال، ووزن الأمور بميزان دقيق، ووزن المصالح والمفاسد، وذلك بلا هوى، أو محاباة، أو مصالح شخصية.
الفائدة السّادسة عشرة:
نختم التعليق على هذا الحديث بفائدة عظيمة، وهي أننا يجب أن نربي أنفسنا على الإيمان بالله﷿- وحسن الثقة به، والتوكل عليه، وتعظيم كل أوامر الدين والعمل بها، وذلك حتى نستطيع أن نخرج من المحن والابتلاآت، دون أن يتزعزع إيماننا أو يضعف يقيننا، وهذا ما حدث مع كعب، فقد تعرض للعديد من أنواع المحن، وخرج منها كلها أفضل حالا وثباتا ويقينا مما دخل، وذلك لأن عنده رصيدا من
[ ١ / ٣٤٥ ]
الإيمان أهّله لذلك، أرأيت إلى المرأة المسلمة تظهر حب الله ورسوله، تصوم النفل وتصلي الليل، حتى إذا مات لها حبيب، قالت ما لا يحبه الله ورسوله، وشقت الجيوب، ولطمت الخدود، وخسرت الكثير من دينها، وكذلك الرجل، يكون حاله أحسن حال، فإذا تعرض لضيق اليد من بعد سعة، يمد يده للرشوة أو للسرقة، ويبرر ذلك لنفسه، يسقط من أول اختبار وهكذا، فعلى المسلم أن يربي نفسه، ويسأل الله﷿- الثبات في الأمر، فهو لا يعلم ما سيواجه من امتحان واختبار، وهو واقع لا محالة لقوله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت: ٢] .
٢- جمال فمه ﷺ:
عن عمر بن الخطاب ﵁ في الحديث الطويل الذي قيل فيه: إن النبي ﷺ طلق زوجاته، وفيه: (قلت: يا رسول الله إنّي دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى يقولون: طلّق رسول الله ﷺ نساءه، أفأنزل فأخبرهم أنّك لم تطلّقهنّ؟ قال: «نعم إن شئت» . فلم أزل أحدّثه حتّى تحسّر الغضب عن وجهه، وحتّى كشر فضحك، وكان من أحسن النّاس ثغرا) «١» .
الشّاهد في الحديث:
قول عمر بن الخطاب ﵁: (وحتى كشر فضحك وكان من أحسن الناس ثغرا)، ومعنى: (وحتى كشر فضحك)، أي: أبدى أسنانه.
فكان النبي ﷺ أحسن الناس ثغرا (أي فما)، ومن لوازم جمال الفم، جمال الشفتين والأسنان، فبهما يكتمل جمال الفم، كما أن أي عيب بهما يؤثر على جمال الفم، وعلمنا أيضا أن جمال فمه ﷺ كان ملاحظا حتى في حال ضحكه، بل أظن أنه كان يتلألأ جمالا أكثر في حال ضحكه، لأن عمر بن الخطاب ﵁ ذكر جمال الثغر بمناسبة ذكر ضحكه ﷺ فقال:
(فضحك وكان من أحسن الناس ثغرا) .
فإن قال قائل:
لماذا ذكرت في كتابك جمال وجه النبي ﷺ وجمال فمه، وطيب عرقه وبرودة كفيه، وجعلت جماله من الشمائل النبوية، فماذا سنستفيد منها؟
قلت:
معرفة جميع ما يخص النبيّ ﷺ هو من الدين، ومن العلم النافع، ولولا ذلك ما ذكرها الصحابة ولما تناقلوها وحفظوها بكل هذا التفصيل، ولما ذكرها أصحاب الصحاح
_________________
(١) مسلم، كتاب: الطلاق، باب: في الإيلاء واعتزال النساء برقم (١٤٧٩) .
[ ١ / ٣٤٦ ]
في كتبهم وبوّبوا لها فصولا وأبوابا، وتناولها العلماء بالشرح والبيان.
أما الفائدة التي تعود على المسلم من معرفتها
، فأقول: إننا نتقرب إلى الله﷿- بحب النبي ﷺ ومما يساعد على حبه، معرفة كل شمائله الخلقية والخلقية، لأن الإنسان لا يحب أحدا إلا إذا كان يعرفه تمام المعرفة، ثم إن معرفة الجمال الذي كان عليه النبي ﷺ يساعد على حبه من جهتين:
الجهة الأولى:
أن الإنسان بطبعه يحب من اتصف بالحسن والجمال.
الجهة الثانية:
محبته أكثر إذا علمنا أن الله﷿- هو الذي حباه بهذا الجمال، وهو دليل على حب الله﷾- لنبيه ﷺ.
فإن قال قائل: كم من الذين يبغضهم الله﷾- قد حباهم بجمال عجيب، فهل هذا دليل على أنه يحبهم؟ قلت: جمال النبي ﷺ لا يكون إلا عن حب من الله ﷿- له، والأدلة على ذلك متوافرة:
١- كان جماله ﷺ مقرونا بالإجلال والإكبار، لقول عمرو بن العاص ﵁:
(وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له ولو سئلت أن أصفه ما أطقت) «١» .
٢- استمرار هذا الجمال معه إلى يوم وفاته ﷺ والمعروف أن الناس، خاصة أهل الكفر والشقاق، يذهب عنهم جمالهم بكبر سنهم وطول أعمارهم، خاصة عند الوفاة، وقد مر قريبا ما ورد في الصحيحين من حديث أنس قال ﵁ واصفا وجه النبي ﷺ يوم وفاته:
(كأن وجهه ورقة مصحف) .
٣- اقترن جماله ﷺ بأمور أخرى زادته جمالا على جماله، وحسنا على حسنه ولم يشترك مع النبي ﷺ في هذه الصفات أحد من الناس أبدا، فعلمنا أن هذه الصفات لا تكون إلا من الله﷿- بل هي من علامات نبوته التي أيده الله﷾- بها وأقصد بهذه الصفات جمال عرقه، ورائحة جسده الزكية، وليونة كفيه ﷺ حتى إنهما كانتا ألين من الحرير والديباج.
وأقول: إن اتصاف النبي ﷺ بهذه الصفات الجسمانية هي من أعظم دلائل نبوته؛ لأن الله﷾- بمقتضى عدله وحكمته، لم يكن ليمنحها لأحد يدعي- حاشا لله- أنه نبي، فتكون هذه الصفات فتنة للناس، وحجة لهم على الله، فيقولون في
_________________
(١) مسلم، كتاب: الإيمان، باب: كون الإسلام يهدم ما قبله ، برقم (١٢١) .
[ ١ / ٣٤٧ ]
حجتهم: إننا ما اتبعناه وصدقناه وآمنا به إلا بعد رؤيتنا ما خصه الله من الصفات التي لم ينازعه فيها أحد أبدا. وأضيف أن اختصاص الله﷾- نبيه ﷺ بهذه الخصال الجميلة، لا تدل فحسب على حب الله لنبيه ﷺ ولكن تدل أيضا على حب الله﷿- لهذه الأمة؛ لأن المعجزات الحسية والمعنوية، التي كانت في شخص النبي أو تحققت على يده ﷺ تقوي إيمان العبد وتزيد حبه لرسول الله ﷺ.
٣- جمال صوته وحسنه ﷺ:
عن البراء بن عازب ﵁ قال: (سمعت النّبيّ ﷺ قرأ في العشاء بالتّين والزّيتون، فما سمعت أحدا أحسن صوتا منه) «١» .
كما جمل الله كل شيء في النبي ﷺ- كما ذكرت ذلك في عدة مواضع من الكتاب- فقد جمّل له صوته، فما كان أحد من الصحابة أحسن صوتا منه، كما قال البراء بن عازب في حديث الباب، ولا تكتمل أبدا منظومة الجمال إلا بحسن الصوت، فإنك لو رأيت رجلا جميلا في كل شيء، إلا أن صوته مزعج أو نشاز، فإنك ستذهل عن جماله لقبح صوته، وتتمنى لو سكت عن الكلام.
وأعتقد أن حسن صوت النبي ﷺ كان منّة من الله عليه وعلى أمته، لأنه ﷺ كان كثيرا ما يقرأ عليهم القرآن في المجالس تعليما وتلقينا، ويتلوه عليهم في الصلوات ويطول في القراءة جدا، فبقدر ما يكون معلم الناس القرآن جميل الصوت بقدر ما يأخذ بألباب الناس وعقولهم.
كما يؤخذ من الحديث أيضا حرص الصحابة ﵃ على مراقبة كل ما يخص النبي ﷺ وإبلاغه للأمة من بعدهم حتى صوته ﷺ فجزاهم الله عنا خيرا.
٤- ضحكه ﷺ
عن أنس ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة، ثمّ رفع رأسه متبسّما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: «أنزلت عليّ آنفا سورة، فقرأ:
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر: ١- ٣]،
_________________
(١) البخاري، كتاب: الأذان، باب: القراءة في العشاء، برقم (٧٦٩)، مسلم، كتاب: الصلاة، باب: القراءة في العشاء، برقم (٤٦٤) .
[ ١ / ٣٤٨ ]
ثمّ قال: أتدرون ما الكوثر؟» فقلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنّه نهر وعدنيه ربّي﷿- عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمّتي يوم القيامة آنيته عدد النّجوم، فيختلج العبد منهم. فأقول: ربّ إنّه من أمّتي. فيقول: ما تدري ما أحدثت بعدك» .
الشّاهد في الحديث:
قول أنس ﵁: (ثم رفع رأسه متبسما فقلنا ما أضحكك يا رسول الله) .
وقد بوبت للضحك بابا لأبين أمرين:
الأول: أن الضحك لا يتنافى مع تقوى الإنسان وخوفه من ربه﷾- بل هو من نعم الله على عباده، قال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى [النجم: ٤٣] .
الثاني: أن جلّ ضحك النبي ﷺ كان تبسّما، وكان نادرا ما يضحك حتى تبدو نواجذه، وهي سمة الأنبياء، ألم تر ماذا فعل سليمان ﵇، لما سمع قول النملة؟!، ما زاد على التبسم، قال تعالى: فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ [النمل: ١٩] .
قال الشيخ السعدي ﵀ كلاما جميلا ونفيسا أنقله بالنص: (تبسم سليمان ﵇ إعجابا منه بفصاحتها ونصحها وحسن تعبيرها وهذا حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الأدب الكامل والتعجب في موضعه وألايبلغ بهم الضحك إلا إلى التبسم كما كان رسول الله ﷺ جل ضحكه التبسم، فإن القهقهة تدل على خفة العقل وسوء الأدب، وعدم التبسم والعجب مما يتعجّب منه يدل على شراسة الخلق والجبروت، والرسل منزهون عن ذلك) «١» .
وسيأتي الكلام مبسوطا- إن شاء الله- عن بقية الحديث في باب [الكوثر] .
٥- قوته البدنية ﷺ:
عن جابر ﵁ قال: (إنّا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية «٢» شديدة، فجاؤا النّبيّ ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق. فقال: «أنا نازل»، ثمّ قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيّام لا نذوق ذواقا، فأخذ النّبيّ ﷺ المعول، فضرب فعاد كثيبا أهيل أو
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن (٦٠٣) .
(٢) كدية: قطعة غليظة صلبة من الأرض لا يعمل فيها الفأس، الكثيب: تل من الرمل، الأثافي: الأحجار التي يكون عليها القدر، تضاغطوا: تزاحموا.
[ ١ / ٣٤٩ ]
أهيم. فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت. فقلت لامرأتي: رأيت بالنّبيّ ﷺ شيئا ما كان في ذلك صبر فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير، وعناق فذبحت العناق وطحنت الشّعير حتّى جعلنا اللّحم في البرمة، ثمّ جئت النّبيّ ﷺ والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافيّ قد كادت أن تنضج. فقلت: طعيّم لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان.
قال: «كم هو؟» فذكرت له. قال: «كثير طيّب» . قال: «قل لها: لا تنزع البرمة، ولا الخبز من التّنّور حتّى آتي» . فقال: «قوموا»، فقام المهاجرون والأنصار، فلمّا دخل على امرأته قال: ويحك جاء النّبيّ ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم! قالت: هل سألك؟ قلت:
نعم. فقال: «ادخلوا ولا تضاغطوا»، فجعل يكسر الخبز، ويجعل عليه اللّحم، ويخمّر البرمة والتّنّور إذا أخذ منه، ويقرّب إلى أصحابه ثمّ ينزع، فلم يزل يكسر الخبز، ويغرف حتّى شبعوا، وبقي بقيّة. قال: «كلي هذا، وأهدي فإنّ النّاس أصابتهم مجاعة» «١» .
الشّاهد في الحديث:
أن الصحابة ﵃ عند قيامهم بحفر الخندق حول المدينة في غزوة الأحزاب، عجزوا عن كسر وتفتيت قطعة صلبة من الأرض حيث إن الفأس لا يؤثر فيها لشدتها، فجاؤا إلى النبي ﷺ كأنهم يستنجدون به من المأزق الذي وقعوا فيه، فنزل النبي ﷺ وأخذ الفأس وضرب الصخرة، فتحولت إلى تل من الرمال، مع العلم بأن النبي لبث ثلاثة أيام لا يذوق طعاما، مما يجعله في أشد حالات الضعف، ومما يدل على قوته ﷺ وكمال رجولته، ما روى أنس بن مالك قال: (كان النّبيّ ﷺ يدور «٢» على نسائه في السّاعة الواحدة من اللّيل والنّهار وهنّ إحدى عشرة. قال: قلت لأنس: أو كان يطيقه؟! قال: كنّا نتحدّث أنّه أعطي قوّة ثلاثين) «٣» .
وفي الحديث فوائد منها:
الفائدة الأولى:
أخلاق النبي ﷺ العالية، ويظهر ذلك في كونه لم يؤثر نفسه بطعام ولا بشراب مخصوص، دون بقية العسكر- مع أنه القائد- بل ربط الحجر على بطنه، ثلاثة أيام من الجوع، وما امتنع عن العمل وهو القائد لجوعه الشديد، بل اشترك معهم في العمل،
_________________
(١) البخاري، كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق وهي الأحزاب برقم (٤١٠١) .
(٢) يدور على نسائه: يجامعهن.
(٣) البخاري، كتاب: الغسل، باب: إذا جامع ثم عاد ، برقم (٢٦٨) .
[ ١ / ٣٥٠ ]
وأي عمل، العمل الذي عجزوا عنه جميعا، وكان يشجعهم ويدعو لهم وهم ينقلون التراب عند حفر الخندق، كما ورد عن أنس ﵁ قال: كانت الأنصار يوم الخندق تقول: نحن الّذين بايعوا محمّدا على الجهاد ما حيينا أبدا، فأجابهم النّبيّ ﷺ فقال: «اللهمّ لا عيش إلّا عيش الآخرة فأكرم الأنصار والمهاجره» «١» .
وهذه هي الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها كل قائد.
والذي يؤكد ذلك من الحديث أن جابرا لما صنع طعاما، ودعا النبي ومعه رجل أو رجلان، صاح الرسول بنفسه على أهل الخندق، ودعاهم إلى مشاركته في الطعام، وما هو الطعام الذي يكفي هذا الجيش؟ إنها عناق وشعير، ترى ماذا يغني هذا، ولكنها بركته ﷺ وأمثلة إيثاره وبركته كثيرة في السنة، ذكرت طرفا منها في باب تكثير الطعام والشراب.
الفائدة الثانية:
أدب الصحابة مع النبي، وامتثالهم لأمر الله﷿- في قوله:
وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ [النور: ٦٢]، فإن جابرا أراد أن يذهب ليصنع للرسول طعاما، لا لحاجة لنفسه، ومع ذلك استأذن قبل الذهاب.
الفائدة الثّالثة:
حرص الصحابة على متابعة أحوال النبي، والاهتمام به، إذ لاحظ جابر أن النبي ﷺ يحتاج إلى طعام وهذا يدلك على بشرية النبي، وأنه يشعر بالجوع كبقية البشر، ولكنه يتحلى بالصبر والجلد والمثابرة، ويتحمل ما لا يتحمله غيره.
الفائدة الرّابعة:
حرص الصحابة على حسن ضيافة النبي وإدخال السرور عليه، إذ بادرت زوجة جابر على ذبح العناق، والسياق يشعر أنه ما كان عندها غيره إذ قالت:
(عندي شعير وعناق)، وهذا العمل ليس بالأمر السهل، إذ إن الله﷿- قد أثنى على إبراهيم ﵇، وعلى حسن ضيافته لأضيافه في موضعين من القرآن الكريم، قال تعالى في أحد الموضعين: فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات: ٢٦]، وهذا هو الذي فعلته زوجة جابر، فانظروا إلى تربية القرآن الكريم وكيف أنهم عملوا بما علموا.
والغريب أن جابرا كان يريد أن يؤثر النبي بالعناق فلا يشاركه فيها أحد حيث قال له:
(فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان)، حتى امرأته كانت تتمنى أن يأكل النبي حتى
_________________
(١) البخاري، كتاب: المناقب، باب: دعاء النبي ﷺ، أصلح الأنصار والمهاجرة، برقم (٣٧٩٥) . ومسلم كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة الأحزاب وهي الخندق برقم (١٨٠٤) .
[ ١ / ٣٥١ ]
يشبع، ولا يشاركه أحد، ولما علمت أن أهل الخندق قد دعوا كلهم جميعا غضبت من زوجها، وظنت أنه لم يخبر النبي بقلة الطعام.
الفائدة الخامسة:
بركة بصق النبي في الطعام وبركة دعائه، مع أن البصق يتعففه الناس، ولكن الصحابة لم يكونوا يتعففون من شيء يخص النبي؛ لعلمهم ببركته حتى النخامة.
٦- نسيانه ﷺ:
عن عائشة ﵂ قالت: سمع النّبيّ ﷺ رجلا يقرأ في المسجد. فقال: «﵀، لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتهنّ من سورة كذا وكذا»، وزاد عبّاد بن عبد الله عن عائشة:
(تهجّد النّبيّ ﷺ في بيتي، فسمع صوت عبّاد يصلّي في المسجد. فقال: «يا عائشة أصوت عبّاد هذا؟» قلت: نعم. قال: «اللهمّ ارحم عبّادا» «١» .
الشّاهد في الحديث: قوله ﷺ: «﵀ لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتهن من سورة كذا وكذا» . وقد أردت بهذا الباب إثبات (نسيانه ﷺ)؛ لبيان أنه ﷺ كان يعتريه ما يعتري البشر، من صفات النقص البشري، وهو النسيان، وأن هذا ليس عيبا فيه ﷺ لأنه لا يؤثر على تبليغه شرع الله﷾- وأنه ﷺ يشارك البشر في كل صفات البشرية، إلا ما ورد الدليل على اختصاصه بعكس تلك الصفة، مثل: رؤيته من خلف ظهره، وعدم نوم قلبه، وغير ذلك مما ورد في مواضع كثيرة متفرقة في هذا الكتاب وغيره، وليس هذا هو الموضع الوحيد الذي ثبت فيه نسيانه ﷺ بل هناك مواضع أخرى، فقد ورد أنه ﷺ خرج إلى الصلاة، يؤم الناس ثم تذكر أنه جنب، فدخل فاغتسل وانتظره الصحابة على هيئتهم- أي وقوفا- قد اعتدلت صفوفهم حتى خرج إليهم ﷺ بعد ما اغتسل، فعن أبي هريرة ﵁:
(أنّ رسول الله ﷺ خرج، وقد أقيمت الصّلاة، وعدّلت الصّفوف حتّى إذا قام في مصلّاه انتظرنا أن يكبّر انصرف قال: على مكانكم، فمكثنا على هيئتنا حتّى خرج إلينا ينطف رأسه ماء، وقد اغتسل) «٢» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
جواز نسيان النبي ﷺ بعض آيات القرآن الكريم، ولكن لا تمحى
_________________
(١) البخاري، كتاب: الشهادات، باب: شهادة الأعمى وأمره ونكاحه ، برقم (٢٦٥٥) .
(٢) البخاري، كتاب: الأذان، باب: هل يخرج من المسجد لعلة، برقم (٦٣٩) ومسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: متى يقوم الناس للصلاة، برقم (٦٠٥) .
[ ١ / ٣٥٢ ]
بالكلية من قلبه، ودليله أن الله﷾- قد تكفل بحفظ القرآن في قلبه ﷺ لقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
. ولكن هو النسيان الذي يعتري الحافظ، فإذا ذكّره أحد بالآية ذكرها على الفور، أو قد ينساها في قراءته اليوم، ويتذكرها في قراءته من الغد دون أن يذكره أحد.
قال الإمام النووي في شرح مسلم: (فيه دليل على جواز النسيان عليه ﷺ فيما قد بلّغه إلى الأمة)، وقال القاضي عياض: (جمهور المحققين على جواز النسيان عليه ﷺ ابتداء فيما ليس طريقه البلاغ، واختلفوا فيما طريقه البلاغ والتعليم ولكن من جوز قال: لا يقرّ عليه بل لا بد أن يتذكره أو يذكّره) «١»، أي أنه لا بد أن يتذكره بنفسه أو يذكره الله به.
الفائدة الثانية:
جواز أن يقول المسلم إذا نسي آية من كتاب الله: «أنسيتها»، لما ورد في إحدى روايات الحديث عند مسلم «كنت أنسيتها» وإنما يكره قول: (نسيتها)، لأن اللفظ الأخير يشعر بالتقصير والإهمال في مراجعة القرآن الكريم، وآيات القرآن شاهدة على الفارق بين اللفظين، فلما وقع النسيان من قبل فتى موسى من غير تقصير ولا إهمال، قال تعالى على لسان الفتى: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [الكهف: ٦]، ولما وقع النسيان من الكافر عن تقصير وإهمال، قال تعالى: قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى [طه: ١٢] .
الفائدة الثّالثة:
الزيادة التي وردت في الحديث من رواية عباد بن عبد الله بن الزبير، وهو تابعي، تدل على أن الصحابي عباد بن بشر، هو الذي ذكرّ النبي ﷺ بالآيات التي أسقطهن.
الفائدة الرّابعة:
ما يعتقده البعض أن الدعاء بالرحمة لا يكون إلا للميت هو اعتقاد خاطئ، لدعاء النبي ﷺ لعباد بن بشر بقوله «اللهم ارحم عبادا» ويجب علينا أن نستخدم هذا الدعاء للأحياء كما نستخدمه للأموات سواء بسواء، إحياء للسنة، ولإبطال هذا المفهوم الخاطئ.
الفائدة الخامسة:
ما كان عليه النبي ﷺ من حب نفع أصحابه ورد الجميل لمن أسدى له معروفا ولو لم يكن يقصد المسدي هذا المعروف، فالنبي ﷺ قد دعا لعبّاد بالرحمة، مع أن عبادا لم يقصد أن يذكر النبيّ ﷺ ببعض الآيات، إنما كان يتهجد في المسجد بتلك الآيات.
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (٦/ ٧٦) .
[ ١ / ٣٥٣ ]
وفيه أيضا حرص النبي ﷺ على تعليم الأمة، وعدم الاستحياء من الحق، وذلك بإقراره أنه أسقط بعض آيات القرآن الكريم، مع أن أحدا من البشر لم يطلع على هذا الأمر.
ثانيا: جوانب من شخصيته ﷺ:
١- شرف نسبه ﷺ:
بوّب البخاري- رحمه الله تعالى في صحيحه بقوله: (باب مبعث النبي ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان)، غير أنه لم يذكر حديثا في هذا الأمر.
عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» «١» .
الشّاهد في الحديث:
قوله ﷺ: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل» .. إلى آخر الحديث، والاصطفاء هو الاختيار والتفضيل.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
أن الله﷾- يصطفي ويختار ويفضل من يشاء من العباد، فيرفع منزلتهم ويعلي ذكرهم، كما فضل ما يشاء من أيام الأسبوع، وما يشاء من ساعات الليل، وأيضا ما يشاء من شهور السنة على بقية الشهور، وهكذا.
الفائدة الثانية:
أن كنانة وقريشا وبني هاشم هم خير ولد إسماعيل والمصطفون منهم.
قال الإمام النووي: (استدل به أصحابنا [الشافعية] على أن غير قريش من العرب ليس بكفء لهم، ولا غير بني هاشم كفء لهم إلا بني المطلب، فإنهم هم وبنو هاشم شيء واحد، كما صرح به في الحديث الصحيح) «٢» .
ويتفرع على ذلك؛ أن نسب النبي ﷺ من الأنساب المصطفاة على العالمين، لأن كنانة من ولد إسماعيل، وإسماعيل من ولد إبراهيم، عليهما الصلاة والسلام، والله يقول في
_________________
(١) مسلم، كتاب: الفضائل، باب: فضل نسب النبي ﷺ، برقم (٢٢٧٦) .
(٢) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (١٥/ ٣٦) .
[ ١ / ٣٥٤ ]
القرآن: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ [آل عمران: ٣٣] .
الفائدة الثّالثة:
عظيم عناية المولى﷾- بنبيه ﷺ حيث جعل نسبه خيارا من خيار من خيار من خيار، وكان هذا من دلائل نبوته ﷺ لأن هرقل سأل أبا سفيان ﵁ عن نسب النبي ﷺ ليتأكد من صدق نبوته، فلما أخبر بأنه ذو نسب، قال هرقل: (وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها) «١» .
٢- إيثاره وجوده ﷺ:
لقد عرف التاريخ الكرم والكرماء وذاع صيت أهل الكرم حتى جاب الآفاق أمثال حاتم الطائي وغيره الكثير من كرماء العرب، لكن كل هذا يعتبر شبه سراب يتلاشى أمام كرم وجود حبيبنا رسول الله ﷺ فما عرف الزمان كرما أفضل من كرمه حتى وصفه بعضهم بأنه يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
الحديث الأول:
عن ابن عبّاس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ أجود النّاس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كلّ ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الرّيح المرسلة) «٢» .
الشّاهد في الحديث:
قول ابن عباس﵄-: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس) .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في شمائل النبي ﷺ:
١- أنه كان أجود الناس على الإطلاق، لأن ابن عباس﵄- قال:
(أجود الناس)، فعلمنا أن أحدا لم يكن أجود منه.
٢- عظيم جوده وبركته، وأنه يعم الناس جميعا، من يتعرض له، ومن لا يتعرض له، لأن ابن عباس﵄- وصف الخير الذي يأتي منه، بأكثر من الخير الذي تأتي به الريح المرسلة، والصحابة في زمانهم ومكانهم، ما كانوا يعرفون شيئا أشد خيرا من
_________________
(١) البخاري، كتاب: بدء الوحي، باب: بدء الوحي برقم (٧)، مسلم، كتاب: الجهاد والسير، باب: كتاب النبي ﷺ إلى هرقل، برقم (١٧٧٣) .
(٢) البخاري، كتاب: بدء الوحي برقم (٦)، مسلم، كتاب: الفضائل، باب: كان النبي ﷺ أجود الناس، برقم (٢٣٠٨) .
[ ١ / ٣٥٥ ]
الريح، التي تأتي بالماء، رزق السماء، فيحيي به الله الأرض، وبدون الريح التي تأتي بالماء يموت كل شيء، وعلمنا من قول ابن عباس﵄-: (فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة) أن جوده أشد خيرا من الريح من كل الوجوه.
٣- تنوع عطاء وجود الرسول ﷺ لقول ابن عباس﵄-: (أجود بالخير) ولم يحدد أنواع هذا الخير، فعلمنا أنه كان ﷺ هو الأجود في كل أنواع الخير، فلم يقتصر جوده، على باب واحد من أبواب الخير، ولذلك فضّل جوده عن الريح المرسلة، ولا غرابة في ذلك، فإذا كانت الريح تحيي الأرض الميتة، وتخرج النبات، فإن جوده ﷺ يحيي القلوب والعقول، وهذا أعظم نفعا من إحياء الأرض.
يتفرع على ذلك: أن الخير الذي يمكن أن يبذله المسلم، لا ينحصر في إنفاق المال، وأن الفقير لن يعجز أن يجود بالخير، لأن للخير أبوابا كثيرة، كبذل الجاه في الشفاعة المحمودة والدعاء لعموم المسلمين وخاصتهم، وإعانة الضعيف، وتعليم الناس، وغير ذلك من أوجه الخير الكثيرة.
٤- شكر الرسول ﷺ لربه، في إنزال القرآن عليه، وإرسال الروح الأمين ﵇ لمدارسته القرآن، وذلك لأن ابن عباس﵄- وضح أن سبب هذا الجود العظيم من النبي ﷺ أن جبريل كان يأتيه كل ليلة فيدارسه القرآن، وأظن أن هذا الجود كان من باب شكر المنعم.
ويتفرع على ذلك: ألا نلوم أهل الخير، إذا رأيناهم يجودون أكثر في رمضان، ولا نعتب عليهم أنهم لا يجودون بمثله سائر السنة، شريطة ألايمتنع أصل جودهم طول السنة، اتباعا لسنة النبي ﷺ الذي كان يجود طول العام.
٥- الخير الذي كان في الأرض طوال مدة بعثة النبي ﷺ انقطع بوفاة النبي ﷺ وسبب هذا الخير هو اجتماع النبي ﷺ بجبريل ﵇ كل ليلة من ليالي رمضان لمدارسة القرآن الكريم.
ويتفرع على ذلك أيضا: أن أعظم ما ينبغي الاشتغال به في شهر رمضان المبارك، هو قراءة القرآن العظيم، وما يخدمه من علوم.
الحديث الثاني:
عن سهل بن سعد ﵁ قال: (جاءت امرأة إلى النّبيّ ﷺ ببردة، فقال سهل للقوم: أتدرون ما البردة؟ فقال القوم: هي الشّملة. فقال سهل: هي شملة منسوجة فيها حاشيتها. فقالت: يا رسول الله أكسوك هذه؟ فأخذها النّبيّ ﷺ محتاجا إليها فلبسها،
[ ١ / ٣٥٦ ]
فرآها عليه رجل من الصّحابة، فقال: يا رسول الله ما أحسن هذه فاكسنيها. فقال:
«نعم» . فلمّا قام النّبيّ ﷺ لامه أصحابه قالوا: ما أحسنت حين رأيت النّبيّ ﷺ أخذها محتاجا إليها ثمّ سألته إيّاها وقد عرفت أنّه لا يسأل شيئا فيمنعه. فقال: رجوت بركتها حين لبسها النّبيّ ﷺ لعليّ أكفّن فيها) «١» .
الشّاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ مع حاجته إلى البردة، كساها لأحد أصحابه بمجرد أن سأله إياها.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- تقشفه ﷺ مع ما فتح الله عليه من بلاد، ومع ما كان يأتيه من غنائم وأموال كثيرة، حتى إنه يحتاج إلى بردة، تهديها له امرأة، تكون له إزارا، يقول الراوي واصفا حال النبي ﷺ: (فأخذها النبي ﷺ محتاجا إليها)، ومما يوضح شدة احتياجه إليها، قول الراوي:
(فخرج إلينا وإنها إزاره)، أي أنه لبسها في نفس المجلس.
٢- تواضعه ﷺ ويتجلى ذلك في قبوله الهدية من امرأة، وإظهاره الاحتياج إليها، وارتدائها في نفس المجلس.
٣- إيثاره أصحابه على نفسه، وأن تلك كانت عادته، لقول الراوي: (ثم سألته وعلمت أنه لا يرد)، أي أن عدم رد السائل كان مسلكه دائما ﷺ، وتدبر أن النبي ﷺ قد خلعها للسائل بعد أن لبسها.
٤- رحمته وشفقته ﷺ بالسائل فيعطيه ولو كان ﷺ في حاجة لما يعطيه.
٥- زهده ﷺ في الدنيا وعدم خشيته الفقر، ورجاء ما عند الله، وحسن الظن به﷾- ومن ذلك ما رواه أبو سعيد الخدريّ ﵁: (أنّ ناسا من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم، ثمّ سألوه، فأعطاهم، ثمّ سألوه، فأعطاهم حتّى نفد ما عنده، فقال: «ما يكون عندي من خير فلن أدّخره عنكم» «٢» .
كما يتفرع عليه، أن من السّنة، أن يعطي المسلم ويبذل ما عنده، ولو كان فقيرا، لقوله
_________________
(١) البخاري، كتاب: الأدب، باب: حسن الخلق والسخاء ، برقم (٦٠٣٦) .
(٢) البخاري، كتاب: الرقاق، باب: الصبر عن محارم الله ، برقم (٦٤٧٠)، مسلم، كتاب: الزكاة، باب: فضل التعفف والصبر، برقم (١٠٥٣) .
[ ١ / ٣٥٧ ]
تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٩]، وعجبت أن النبي ﷺ كان يعطي وهو فقير، والرجل الآن لا يعطي وهو غني، حتى إن الرجل الآن، يبخل أن يرد السائل بالكلمة الطيبة، والله﵎- يقول:
وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى: ١٠]، وتأمل قول الراوي: (وقد عرفت أنه لا يسأل شيئا فيمنعه) [وشيئا]، هنا نكرة جاءت في سياق النفي، فتقتضي العموم، ومعناه لا يسأل عن صغير ولا كبير، يحتاج إليه أو لا يحتاج إليه إلا ويعطيه.
الفائدة الثانية:
حب الصحابة للرسول ﷺ:
١- قامت المرأة بنسج البردة بيديها، ورد في رواية عند البخاري أنها قالت: (نسجتها بيدي)، ولو كانت هذه صنعتها أو شيئا من عادتها، لما قالت نسجتها بيدي.
٢- حضور المرأة بنفسها للرسول ﷺ لتقدم له البردة، ولم ترسلها مع أحد، وهذا فيه الأدب والحب، فقد ورد أيضا عند البخاري: (فجئت لأكسوكها) .
٣- توجيه الصحابة اللوم لمن سأل البردة، وما وجهوا اللوم إلا لأنهم وجدوا في أنفسهم حرجا أن يحرم الرسول ﷺ من شيء هو في حاجة إليه، وهذا دليل على حبهم له.
الفائدة الثّالثة:
تعظيم الصحابة لكل ما لامس جسد الرسول ﷺ حيث إن السائل رغم حسن البردة وجمالها، ما طلبها ليلبسها، بل طلبها ليكفن بها، ولولا علم الصحابة بجواز ذلك، وأنها يمكن أن تنفعه في قبره لأنكروا عليه، ولو أنهم كانوا يجهلون المسألة أصلا، لسألوا عنها النبي ﷺ، قال السائل: (رجوت بركتها حين لبسها النبي ﷺ لعلي أكفن فيها)، وعند البخاري: (قال سهل: فكانت كفنه) .
وتأمل أخي القارئ، قصر المدة التي لبس النبي ﷺ فيها هذه البردة، حتى يرجو السائل بركتها، لكنه علم أن هذه البركة تحدث بأدنى ملامسة من النبي ﷺ للبردة، أعلمت أخي القارئ مكانة النبي ﷺ عند ربه﵎-، أن يجعل في كل ما يلامسه أعظم البركة، وأيضا مكانته ﷺ عند أصحابه، ويقينهم بذلك.
ويتفرع على ذلك: تقديم الصحابة﵃- أمر الآخرة على أمر الدنيا حيث إن السائل ادخر البردة للقبر والكفن، وفضل ذلك على ارتدائها في الدنيا، مع ملاحظة أن ارتداءها في الدنيا، فيه بركة أيضا، ولكن حاجته إليها في القبر أشد وأظهر.
[ ١ / ٣٥٨ ]
الفائدة الرّابعة:
جواز التعريض، وأن فيه مندوحة عن الكذب، لقول السائل:
(فاكسنيها)، ثم قال لما عتب عليه الصحابة، في رواية عند البخاري: (والله ما سألته لألبسها إنما سألته لتكون كفني)، فجعل السائل الكفن للميت، بمثابة الكساء للحي، ولكن السامع يفهم من قوله: (فاكسنيها) أنه يريد لباسها في الدنيا، ولكن على المسلم أن يحذر التوسع في التعريض؛ لأنه يجر إلى صريح الكذب كما أن السامعين لا يصدقون حديث من يتوسع في التعريض ويتهمونه بالكذب والمسلم يجب أن ينزّه عرضه عن هذا الاتهام الشنيع.
الفائدة الخامسة:
جواز التصرف في الهدية بإهداء أو بيع أو هبة، أو غير ذلك من التصرفات الجائزة شرعا، وذلك أن الرجل بمجرد قبوله للهدية، فقد امتلكها، ولا يشترط في تصرفه فيها، الرجوع إلى المهدي، وعلى المهدي ألا يجد في نفسه حرجا من تصرف المهدى إليه، ويتفرع عليه خطأ من يقول: الهدية لا تهدى، ودلائل ذلك من السنة كثيرة، وقد ورد أن النبي ﷺ إذا جاءته الهدية قسمها بينه وبين أهل الصّفّة.
٣- بذل غاية جهده ﷺ لشكر الله﷿-
عن عائشة ﵂: (أن نبيّ الله ﷺ كان يقوم من اللّيل حتّى تنفطّر قدماه. فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال:
«أفلا أحبّ أن أكون عبدا شكورا!»، فلمّا كثر لحمه صلّى جالسا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثمّ ركع) «١» .
الشّاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ كان يصلي الليل حتى تتشقق قدماه وتتورم من طول القيام، ولما سئل عن سبب هذا الاجتهاد، أعلم السائل أنه يفعل ذلك شكرا لله على ما تفضل به عليه ﷺ.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
جواز الاجتهاد في العبادة، ولو أضرت بالبدن لقول عائشة: (كان يقوم من الليل حتى تنفطر قدماه) .
الفائدة الثانية:
ما كان عليه الصحابة من التفكر في آيات القرآن الكريم والسؤال عن
_________________
(١) البخاري، كتاب: تفسير القرآن، باب: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ، برقم (٤٨٣٧) .
[ ١ / ٣٥٩ ]
معانيها وكيفية التوفيق بين معاني الآيات وما يخالف ظاهرها، لأن عائشة لما ظنت أن النبي ﷺ يجتهد طلبا لمغفرة ذنبه، وأن هذا يتعارض مع قوله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: ٢]، سألت النبي عن أسباب هذا الاجتهاد.
الفائدة الثّالثة:
حث جميع أفراد الأمة على الاجتهاد في العبادة تأسيا بنبي الأمة ﷺ.
الفائدة الرّابعة:
شكر الله على آلائه وأفضاله يكون باللسان والجوارح، كالصلاة وبقية العبادات والطاعات، قال تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا [سبأ: ١٣] .
الفائدة الخامسة:
فضل مقام العبودية لله حيث ذكر النبي ﷺ هذه الصفة المحمودة، في سياق القيام بشكر الله على نعمة لم يشاركه فيها أحد من الأولين والآخرين، وهي نعمة مغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال ﷺ: «أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا»، ولم يقل نبيّا أو رسولا شكورا.
الفائدة السّادسة:
اعتراف النبي ﷺ بأن ما منّ الله به عليه من نعم عظيمة وآلاء جسيمة، إنما هي محض فضل من الله﷾- وليس عن استحقاق منه، لأن شكر الآخر يكون مقابل أفضاله التي لا يقابلها استحقاق أو حتى معروف، وهذا منتهى الأدب مع مقام الرب﵎-.
الفائدة السّابعة:
اعتراف النبي ﷺ بأن كل ما قدمه لدين الله﷾- من جهاد ودعوة وصبر وهداية للأمة، لا يوازي نعم الله عليه، فقام الليل وأجهد نفسه وبدنه بالصلاة، حتى أضرها، شكرا لله واعترافا بحقه وفضله، وهذا أيضا نوع آخر من أنواع الأدب النبوي، ويتفرع على ذلك الفائدة التالية.
الفائدة الثّامنة:
على جميع الأمة، خاصة العلماء وأهل الصلاح والخير، ألا يظنوا أن ما قدموه لدين الله من أعمال، ولو كانت عظيمة، قد أدوا بها شكر المنعم ﵎، بل عليهم كلما منّ الله عليهم من نعم في الدين، من توفيق في مجال هداية الناس، وإرشادهم إلى أعمال الخير والبر، أن يستحدثوا عملا يشكرون الله به، وأنه كلما وفقهم الله، كلما شعروا بالتقصير في حق المنعم المتفضل، وليعلم العبد أنه إذا رأى لنفسه فضلا، فقد ضل الطريق ونسي المنعم وعمل لنفسه، وكيف يرى لنفسه فضلا على أعمال قليلة، ولم ير النبي ﷺ لنفسه فضلا على أعمال عظيمة.
الفائدة التّاسعة:
على العبد أن يستثمر أوقات نشاطه وقوته وفراغه، في أنواع
[ ١ / ٣٦٠ ]
الطاعات المختلفة، قبل أن يحال بينه وبينها بمرض أو شغل أو موت، فالنبي ﷺ اجتهد غاية الاجتهاد في صلاة الليل، ثم لم يستطع بعد ذلك أن يصلي واقفا، فصلى جالسا، فالمسلم إذا حدث له ما حدث للنبي ﷺ لن يندم لأنه استغل وقته وقوته في طاعة الله على الوجه الأكمل، وضمن الأجر الكامل في حالة مرضه، كما لو كان في حال قوته، والذي يقصر في حال شبابه، سيكون تقصيره أكبر في حال كبره.
تنبيه:
لا يجوز للمصلي في صلاة الفريضة، أن ينتقل من الهيئة الأصلية للفرض، إلى الهيئة التي هي أخف منها، إلا إذا عجز عن أداء الهيئة الأصلية للركن، وذلك في كل ركن من أركان الصلاة، فعلى سبيل المثال: إذا تعذر على المصلي أن يقف أثناء قراءة الفاتحة، مع استطاعته أن يركع ولو بمشقة محتملة، فعليه أن يجلس بدل القيام، ولكن إذا أراد أن يركع فعليه أن يقوم، ثم يركع، ولا يجزئه أن يميل جسده بالركوع وهو جالس، وهكذا إذا كان يستطيع القيام ولا يستطيع الركوع، فيلزمه القيام، فإذا أراد أن يركع فليجلس للركوع.
وقد يكون هذا التنبيه خارج الموضوع، ولكني أردت ذكره لوقوع كثير من المصلين فيه، وهو يبطل الصلاة، وذكّرني به ما ورد في حديث الباب أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع.
٤- تواضعه ﷺ
كان ﷺ جمّ التواضع، لين الجانب رقيق القلب، لا يعرف من بين أصحابه حيث لم يميز نفسه بزي معين، ولا بحرس خاص، ولا بقصر مشيد يسكنه هو وأهله، كان يأكل مع الخادم، ويمسح على رأس اليتيم ويقف طويلا في الطريق ليسمع شكوى امرأة مظلومة، وأعظم علامات تواضعه أنه لم يغضب لنفسه ولو مرة واحدة، وأقدم لك أخي القارئ مثالين لتواضعه ﷺ:
المثال الأول:
قال أنس بن مالك ﵁: (إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت) «١» .
الشّاهد في الحديث:
على تواضعه ﷺ ظاهر: فكأن النبي ﷺ كان يترك نفسه للأمة تأخذه وتذهب به حيث أرادت ليقضي لها ﷺ حاجتها، دون أدنى معارضة منه ﷺ أو
_________________
(١) البخاري، كتاب: الأدب، باب: الكبر، برقم (٦٠٧٢) .
[ ١ / ٣٦١ ]
تضجّر وهو الرسول المصطفى والنبي المجتبى، وهو الذي يتلقى وحي السماء في أي ساعة من ليل أو نهار.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في التعليق على هذا الحديث كلاما يشرح الصدر ويثلج النفس، بين به غاية البيان ما بلغه النبي ﷺ من التواضع وخفض الجناح لكل أفراد هذه الأمة، قال ﵀ ما نصه: (والمقصود من الأخذ باليد لازمه وهو الرفق والانقياد. وقد اشتمل على أنواع من المبالغة في التواضع لذكره المرأة دون الرجل والأمة دون الحرة وحيث عمم بلفظ الإماء أيّ أمة كانت، وبقوله: حيث شاءت، أي من الأمكنة، والتعبير بالأخذ باليد إشارة إلى غاية التصرف حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة والتمست منه مساعدتها في تلك الحاجة، وهذا دال على مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكبر ﷺ) «١» .
المثال الثاني:
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرّجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع. فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمّد أتانا رسولك فزعم لنا أنّك تزعم أنّ الله أرسلك. قال:
«صدق»، قال: فمن خلق السّماء؟ قال: «الله» . قال: فمن خلق الأرض؟ قال: «الله» .
قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: «الله» . قال: فبالّذي خلق السّماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟ قال: «نعم» . قال: وزعم رسولك أنّ علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا. قال: «صدق» . قال: فبالّذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم» . قال: وزعم رسولك أنّ علينا زكاة في أموالنا. قال: «صدق» . قال:
فبالّذي أرسلك. آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم» . قال: وزعم رسولك أنّ علينا صوم شهر رمضان في سنتنا. قال: «صدق» . قال: فبالّذي أرسلك. آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم.
قال: وزعم رسولك أنّ علينا حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا: قال: «صدق» . قال: ثمّ ولىّ. قال: والّذي بعثك بالحقّ لا أزيد عليهنّ، ولا أنقص منهنّ. فقال النّبيّ ﷺ: «لئن صدق ليدخلنّ الجنّة» «٢» .
الشّاهد في الحديث:
أبلغ شاهد في الحديث على تواضع النبي ﷺ: هو أن ضماما ﵁ لما دخل عليه وهو متكئ بين أصحابه لم يعرفه حتى اضطر للسؤال عنه، بقوله: (أيكم محمد؟) فلو أن النبي ﷺ قد خص نفسه بمكان معين في المجلس، أو بزيّ
_________________
(١) انظر فتح الباري (١٠/ ٤٩٠) .
(٢) مسلم، كتاب: الإيمان، باب: السؤال عن أركان الإسلام، برقم (١٢) .
[ ١ / ٣٦٢ ]
نفيس يختلف عن لباس القوم، أو وقف على رأسه ﷺ حرس، أو اتخذ كرسيا يجلس عليه كالملوك أو الأمراء، ما اضطر الصحابي ليسأل عنه ولعرفه بمجرد نظرة واحدة على أهل المسجد، وقد ذكر ابن حجر دليلا آخر على تواضعه وعدم كبره ﷺ حيث قال: (وفيه ما كان رسول الله ﷺ عليه من ترك التكبر؛ لقوله: بين ظهرانيهم- أي بينهم- وزيد لفظ الظهر ليدل على أن ظهرا منهم قدامه وظهرا وراءه فهو محفوف بهم من جانبيه) «١» . كما أن كفار مكة قد أثبتوا لنا تواضعه ﷺ من حيث أرادوا أن يذموه ويقيموا الحجة على عدم نبوته، قال تعالى: وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا [الفرقان: ٧] . وهذا إقرار منهم بتواضعه ﷺ وأنه لا يريد أن يتفضل على أصحابه، فكان يمشي في الأسواق، يبيع ويشتري، ولا يترفع عن ذلك، بالرغم أن له أصحابا يكفونه ذلك وزيادة، ومع أن مرادهم من هذا القول هو نقض نبوته، ولكنهم زكّوة من حيث لا يعلمون.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في النبي ﷺ:
١- بلاغته وحكمته في رد سؤال الأعرابي: حيث إن الأعرابي لما ناداه بقوله: (يا ابن عبد المطلب)، ولم يراع منزلة النبوة، أجابه النبي ﷺ بقوله: «قد أجبتك»، وقال ابن حجر ﵀: (وقد قيل: إنما لم يقل له: نعم؛ لأنه لم يخاطبه بما يليق بمنزلته من التعظيم مع قوله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: ٦٣] . والعذر عنه- إن قلنا: إنه قدم مسلما- أنه لم يبلغه النهي وكانت فيه بقية من جفاء الأعراب) «٢» .
وأقول: وهذا يدل على حكمته التي تقتضي أن يكون لكل مقام مقال، فكان هذا الرد لفتا لانتباه الصحابة وتعليما لهم بجفاء مسلك الأعرابي.
٢- سعة صدره ﷺ عند تعليم الأمة والحرص على تأليف قلب السائل خاصة إذا كان حديث عهد بالإسلام، يتبين ذلك من:
أ- لم يوجه النبي ﷺ الأعرابي بوجوب مراعاة مقام النبوة عند مخاطبته ﷺ فلم يعنفه بل قبل منه قوله: (أيكم محمد؟) وقوله: (يا ابن عبد المطلب) .
_________________
(١) انظر فتح الباري (١/ ١٥٠) .
(٢) انظر فتح الباري (١/ ١٥١) .
[ ١ / ٣٦٣ ]
ب- لم يجد ﷺ حرجا في نفسه من قول الأعرابي: (إني سائلك فمشدد عليك في المسألة)، بالرغم أن الطلب بهذه الصيغة يوجب الحرج والأعرابي علم ذلك لقوله: (فلا تجد عليّ في نفسك) - أي لا تغضب- بل العجيب أن يكون رد النبي ﷺ على سؤال الأعرابي بأجمل رد وهو قوله: «سل عما بدا لك»، والأعرابي فعلا قد شدد في المسألة عندما استحلفه في كل سؤال، فكان يقول في كل مرة: (أنشدك بالله) .
٣- عموم رسالته ﷺ إلى الناس كلهم جميعا لما ورد في الحديث: (أسألك بربك وربّ من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟، فقال: «اللهم نعم»، بل إنه ﷺ أرسل إلى الثقلين الإنس والجن لقوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] .
٤- عدم علم النبي ﷺ بأمور الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، ودليله قوله ﷺ في ضمام لما أقسم ألا يزيد ولا ينقص قال: «لئن صدق ليدخلنّ الجنّة»، كما ورد في رواية مسلم.
الفائدة الثانية:
في مناقب الصحابي ضمام بن ثعلبة ﵁:
١- رجاحة عقله ﵁ يتبين ذلك من:
أ- أنه قدّم الاعتذار بين يدي مسألته فقال: (إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد عليّ في نفسك)، فعلم أنه لن يصل إلى بغيته إلا بالاعتذار كما علم أن مثل هذا التشديد يسبب للنبي ﷺ حرجا في نفسه.
ب- قسمه على النبي ﷺ في كل سؤال أن يصدقه عما يسأل عنه، وما ذلك إلا لعلمه بعظيم أمر القسم بالله العظيم قال ابن حجر ﵀: (وكرر القسم في كل مسألة تأكيدا وتقريرا للأمر) «١» . وإن كان الأليق مع مقام النبوة ترك مثل ذلك.
ج- كما أن من رجاحة عقله أنه ما عرّف بنفسه واسم قبيلته إلا بعد أن أقر بالإيمان، لظنه أن التعريف بنفسه قبل هذه المرحلة لن يكون له شأن، بل قد ينسى بعد كل هذا الحوار، وانظر إلى رجل آمن لتوه كيف يعلم وظيفة الأنبياء والتي تنحصر في التبليغ عن ربهم وأنهم لا يأتون بشيء من عندهم وهذا أبلغ في قبول ما يأمر به الأنبياء، قال ضمام: (آمنت بما جئت به من ربك) .
٢- حكمته في السؤال: وذلك أنه قبل أن يسأل النبي ﷺ ذكّره بالله﷾- عن طريق أخذ الإقرار منه ﷺ بأن الله ﷾ هو الخالق للكائنات
_________________
(١) انظر فتح الباري (١/ ١٥١) .
[ ١ / ٣٦٤ ]
العظيمة، حتى إذا سأله بالذي خلق هذه الكائنات اطمأن إلى صدقه فيما يقول، فقد ورد في الحديث: (قال: فمن خلق السماء؟. قال: «الله»، قال: فمن خلق الأرض؟. قال:
«الله»، قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟. قال: «الله»، قال فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟. قال: «نعم») .
وتدبر ما ذكره النووي نقلا عن بعض أهل العلم قوله: (هذا من حسن سؤال هذا الرجل وملاحة سياقته وتربيته؛ فإنه سأل أولا عن صانع المخلوقات من هو؟ ثم أقسم عليه به أن يصدقه في كونه رسولا للصانع؟ ثم لما وقف على رسالته وعلمها أقسم عليه بحق مرسله، وهذا ترتيب يفتقر إلى عقل رصين) «١» .
فإن قال قائل: كيف يجرؤ أن يسلك مثل هذا المسلك مع النبي ﷺ؟
الجواب: على فرض أنه قد جاء مسلما إلى النبي ﷺ فيعذر بأنه قريب عهد بالإسلام وأنه لم يصله وجوب تعظيم النبي ﷺ والتأدب معه في المسألة، وعدم مناداته باسمه.
٣- بلاغته ﵁ حيث إنه لما أراد أن يعبر عن إيجاد السماوات والأرض استخدم مادة (خلق)، ولما أراد أن يعبر عن الجبال استخدم مادة (نصب)، قال ضمام ﵁: (فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال) . وكذلك انظر إلى بلاغته ﵁ في قوله:
(أنشدك بالله: آلله أمرك) .
٤- اجتهاده في طلب الحق وإبلاغه، ويتبين ذلك من:
أ- تحمله مشقة السفر لطلب علو السند، فالبرغم أنه سمع من رسول رسول ﷺ، إلا أنه رحل إلى المدينة ليسمع مشافهة من النبي ﷺ، قال ابن حجر ﵀: (واستنبط منه الحاكم ﵀ أصل طلب علو الإسناد لأنه سمع ذلك من الرسول وآمن وصدق، ولكنه أراد أن يسمع ذلك من رسول الله ﷺ مشافهة) «٢» .
ب- تحمله بين يدي رسول الله ﷺ مسؤولية إبلاغ قومه أمر الإسلام قال: (آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي) .
الفائدة الثّالثة:
وجوب قيام الإمام بإرسال الرسل إلى الأمصار للدعوة إلى الله﷿- ونشر دين الإسلام، ودليله أن النبي ﷺ قد أرسل رسله إلى بني سعد بن بكر، كما
_________________
(١) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (١/ ١٧١) .
(٢) انظر فتح الباري (١/ ١٥٢) .
[ ١ / ٣٦٥ ]
يؤخذ منه أيضا قبول خبر الواحد في العقائد والعبادات، فالرسول ﷺ ما كان يرسل الرسل اثنين اثنين.
الفائدة الرّابعة:
امتثال الصحابة لأمر الله ورسوله حيث إنهم لما نهوا عن سؤال النبي ﷺ لغير ضرورة انتهوا عن ذلك مع أن قلوبهم تتشوق للسماع من النبي ﷺ، ودليله: أنه كان يعجبهم أن يأتي الأعرابي ليسأل، قال أنس ﵁: (نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع) .
٥- حياؤه ﷺ:
عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: (كان النّبيّ ﷺ أشدّ حياء من العذراء في خدرها، وإذا كره شيئا عرف في وجهه) «١» .
الشّاهد في الحديث:
قول أبي سعيد الخدري: (كان النبي ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها) .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
شدة حياء النبي ﷺ وعلامات شدة هذا الحياء:
١- أنه زاد على حياء العذراء، وهي المرأة التي لم يسبق لها الزواج، ويبدو أن الحياء كان صفة ملازمة للعذراء، وتتأكد هذه الصفة وتزيد إذا دخل عليها أحد هذا الخدر، والخدر كما عرفه الإمام النووي: (ستر يجعل للبكر جنب البيت) «٢» . ولذلك قيد الراوي حياء المرأة بحال كونها في خدرها لتعظيم هذا الحياء، والذي زاد حياء النبي ﷺ عليه.
٢- أنه إذا سمع شيئا يكرهه ويخدش حياءه، تغير لون وجهه، فعرف أصحابه أنه يكره هذا الشيء.
ويتفرع عليه: علمنا بكمال خلق النبي ﷺ حيث أعطي كل ذلك الحياء الذي لا يأتي إلا بخير، كما ورد عن عبد الله بن عمر﵄- قال: مرّ النّبيّ ﷺ على رجل وهو يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنّك لتستحيي حتّى كأنّه يقول: قد أضرّ بك. فقال
_________________
(١) البخاري، كتاب: المناقب، باب صفة النبي ﷺ، برقم (٣٥٦٢)، مسلم، كتاب: الفضائل، باب كثرة حيائه ﷺ، برقم (٢٣٢٠) .
(٢) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (١٥/ ٧٨) .
[ ١ / ٣٦٦ ]
رسول الله ﷺ: «دعه، فإنّ الحياء من الإيمان» «١» .
الفائدة الثانية:
كان حياء النبي ﷺ كله محمودا؛ لأن حياءه ﷺ لم يمنعه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن بيان كل ما شرع الله﷾- أبلغ بيان، فكان يسأل هل على المرأة من غسل؟ فلا يمنعه شدة حيائه أن يجيب، فعن أمّ سلمة ﵂ قالت: جاءت أمّ سليم إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إنّ الله لا يستحيي من الحقّ. فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النّبيّ ﷺ: «إذا رأت الماء»، فغطّت أمّ سلمة، تعني: وجهها، وقالت: يا رسول الله أو تحتلم المرأة؟ قال: «نعم. تربت يمينك، فبم يشبهها ولدها؟!» «٢» .
الفائدة الثّالثة:
ما يجب أن تكون عليه العذراء، من حياء وعفة، وحفظ للسمع والبصر، ولو يعلم الراوي أحدا أشد حياء من العذراء لوصف به الرسول ﷺ.
ويتفرع عليه: ذمّ ما وصلت إليه مجتمعاتنا من خلع بعض العذارى لبرقع الحياء، حتى إنك لا تعلم العذراء من غيرها، استوى الكثير منهن في اللباس ومظاهر الزينة ومجالات الاهتمام وأسلوب الحديث والتجرؤ على مخاطبة الرجال، ولو لم يكونوا محارم، قلّ أن ترى عذراء يتغير لون وجهها إذا سمعت ما يخدش حياءها، بل تجدها اليوم تزاحم الرجال في كل مكان فإنا لله وإنا إليه راجعون.
الفائدة الرّابعة:
خطأ من يعتقد أن الحياء خصلة للنساء فقط، وأن الرجل يذم إذا اتصف بها، ودليله أن النبي ﷺ كان حييّا بل فاق حياؤه حياء المرأة، ليس أي امرأة، ولكن أشد أصناف المرأة حياء؛ وهي العذراء، وقد ذكر النبي ﷺ حياء موسى ﵇ في سياق مدحه لهذه الصفة، فعن أبي هريرة ﵁ قال: (كان موسى ﵇ رجلا حييّا، قال:
فكان لا يرى متجرّدا. قال: فقال بنو إسرائيل: إنّه آدر. قال: فاغتسل عند مويه، فوضع ثوبه على حجر، فانطلق الحجر يسعى، واتّبعه بعصاه يضربه، ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتّى وقف على ملإ من بني إسرائيل) «٣» .
_________________
(١) البخاري، كتاب: الأدب، باب: الحياء، برقم (٦١١٨)، مسلم: كتاب: الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان ، برقم (٣٦) .
(٢) البخاري، كتاب: العلم، باب: الحياء في العلم، برقم (١٣٠)، مسلم، كتاب: الحيض، باب: وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها، برقم (٣١٣) .
(٣) مسلم، كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى ، برقم (٣٣٩) .
[ ١ / ٣٦٧ ]
ويتفرع عليه: خطأ من يقول: (لا حياء في الدين) بين يدي سؤاله عن أمر من أمور الدين، ولكن الصحيح أن يقول: (إن الله لا يستحي من الحق)، سمعته من الشيخ/ العثيمين ﵀.
الفائدة الخامسة:
من علامات حياء الرجل أن يتغير وجهه، أو يتلون إذا سمع ما يخدش الحياء، وكذب من يدعي لنفسه الحياء ووجهه لا يتغير إذا سمع الكلام البذيء الفاضح، والأدهى والأمرّ، أن يتناقل الرجال، وهم في الحقيقة أنصاف رجال، أو قل: أشباه رجال النكات والطرائف الفاضحة بكل وقاحة، ويضحكون حتى التمايل، أهؤلاء رجال؟
٦- حسن توكله ﷺ وثقته بالله تعالى
عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة قيل نجد، فأدركنا رسول الله ﷺ في واد كثير العضاه «١»، فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة، فعلّق سيفه بغصن من أغصانها. قال: وتفرّق النّاس في الوادي يستظلّون بالشّجر. قال: فقال رسول الله ﷺ: «إنّ رجلا أتاني وأنا نائم، فأخذ السّيف، فاستيقظت وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلّا والسّيف صلتا «٢» في يده. فقال لي: من يمنعك منّي؟ قال: قلت: الله. ثمّ قال في الثّانية: من يمنعك منّي؟ قال: قلت: الله» . قال: «فشام السّيف، فها هو ذا جالس» . ثمّ لم يعرض له رسول الله ﷺ) «٣» .
الشّاهد في الحديث:
قول الراوي: «فقال لي: من يمنعك مني قال: قلت: الله، ثم.
قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: قلت: الله» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- حسن ثقته ﷺ بربه، ووجه ذلك:
أ- أنه ﷺ علق سيفه بغصن شجرة ثم نام، ولولا حسن ثقته بوعد الله، بكفايته وعصمته من الناس، لطلب حراسة عليه من الجيش أثناء نومه ﷺ، قال تعالى: وَاللَّهُ
_________________
(١) كثير العضاه: أي كثير الشجر.
(٢) صلتا: أي مسلولا.
(٣) البخاري، كتاب: المغازي، باب غزوة بني المصطلق ، برقم (٤١٣٩)، مسلم، كتاب: الفضائل، باب: توكله على الله تعالى ، برقم (٨٤٣) .
[ ١ / ٣٦٨ ]
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧] .
ب- أنه ﷺ لما استيقظ ووجد الأعرابي قد سل سيفه يهدده بالقتل، والنبي ﷺ ليس معه شيء يدافع به عن نفسه، والأعرابي يقول له: (ما يمنعك مني؟)، أي: من يحميك مني؟، أو من يحول بيني وبين قتلك، لم يزد النبي ﷺ عن قوله «الله»، وهذا يدل على عظيم تعلق قلبه ﷺ بربه، ويقينه أن أمر الأعرابي بيد الله وحده، فالله سبحانه قادر على أن يشل يد الأعرابي، بل قادر على أن يقتل الأعرابي في مكانه، أو أن يهديه إلى الحق.
وأقول: كلنا نثق بالله﷿- ونعلم أنه يرانا ويسمعنا في كل أحوالنا وفي جميع أقوالنا، ولكن من منا إذا تعرض لما تعرض له الرسول ﷺ لا يجزع ولا يخاف، ولا يقول إلا (الله) .
٢- شجاعته ﷺ حيث إنه لما استيقظ، ووجد السيف مسلطا عليه، لم تتحرك له ساكنة، ولم تظهر عليه أي من علامات الخوف كطلب النجدة، أو الرعشة، أو التوسل إلى الرجل حتى يتركه، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (وفي الحديث فرط شجاعة النبي ﷺ وقوة يقينه وصبره على الأذى وحلمه عن الجهال) «١» .
٣- حبه ﷺ للعفو والصفح عمن أراد إيذاءه، ورد في الحديث: (فها هو ذا جالس ثم لم يعرض له رسول الله ﷺ)، ومعنى (ثم لم يعرض له)، أي لم يعاقبه على ما فعل، قال ابن حجر: (فمنّ عليه لشدة رغبة النبي ﷺ في استئلاف الكفار ليدخلوا في الإسلام) .
٤- تمام عناية الله بنبيه ﷺ، فقد حماه من كل من أراد إيذاءه وقتله ﷺ، وصدق الله حيث قال: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ [الطور: ٤٨] .
الفائدة الثانية:
من فوائد الثبات وحسن الثقة بالله، تخويف الأعداء وإلقاء الرعب في قلوبهم، بل ويجعلهم على يقين أننا على الحق وهم على الباطل، فهذا الرجل في الحديث الذي معنا، وقد تمكن من سل السيف على النبي ﷺ، ما الذي جعله يغمد سيفه ويجلس دون أدنى إيذاء للنبي ﷺ، أليس رؤيته لشجاعة النبي ﷺ وقوة يقينه بالله تعالى؟ قال الحافظ ابن حجر: (وكأن الأعرابي لما شاهد ذلك الثبات العظيم وعرف أنه حيل بينه وبين النبي علم تحقق صدقه وأنه لن يصل إليه، فألقى السلاح وأمكنه من نفسه) .
يتفرع عليه، وجوب أن يرى أعداؤنا منا اليوم ثقتنا الكاملة بالله وتمسكنا بديننا، حتى
_________________
(١) انظر فتح الباري (٧/ ٤٢٨) .
[ ١ / ٣٦٩ ]
ولو كنا ضعاف العدة، فهذا النبي ﷺ قد رد الله عنه كيد عدوه، بثقته بالله وحده وبدون أي أسباب أخرى مادية.
الفائدة الثّالثة:
إيثار الصحابة ﵃ النبيّ ﷺ على أنفسهم حيث ورد في إحدى روايات البخاري: (فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي ﷺ)، وهذا يدل على عظيم حبهم للنبي ﷺ وامتثالهم للتوجيهات الربانية لهم، مثل قوله تعالى: ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ [التوبة: ١٢] .
الفائدة الرّابعة:
ومن شواهد حسن ثقته ﷺ بالله﷿- ما رواه البخاري، عن ابن عبّاس: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قالها إبراهيم﵇- حين ألقي في النّار، وقالها محمّد ﷺ حين قالوا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) .
٧- حسن تعليمه ﷺ أمّته
عن أنس بن مالك ﵁ قال: (بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابيّ فقام يبول في المسجد. فقال أصحاب رسول الله ﷺ: مه، مه. قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزرموه دعوه»، فتركوه حتّى بال، ثمّ إنّ رسول الله ﷺ دعاه، فقال له: «إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنّما هي لذكر الله﷿- والصّلاة وقراءة القرآن»، أو كما قال رسول الله ﷺ قال: فأمر رجلا من القوم، فجاء بدلو من ماء فشنّه «١» عليه) «٢» .
الشّاهد في الحديث:
قوله ﷺ لمن بال في المسجد: «إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنّما هي لذكر الله﷿- والصّلاة وقراءة القرآن» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- حسن تعليمه ﷺ: ويتبين ذلك من:
أ- أنه ﷺ لم ينهر الأعرابي، ولم يوجه له أدنى عتاب لعدم علم الأعرابي باداب
_________________
(١) فشنّه عليه: أي صبّه وسكبه عليه.
(٢) مسلم، كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل البول، برقم (٢٨٥) .
[ ١ / ٣٧٠ ]
المساجد، وإنما نصحه ﷺ بمنتهى الرفق واللين، قال ﷺ: «إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنّما هي لذكر الله﷿-» .
ب- ومن حسن تعليمه الجميل، أنه ﷺ لم يأمر الأعرابي أن ينظف مكان النجاسة في المسجد، مع أنه أولى الناس بهذا الأمر، لأن الأعرابي قد يظن أن النبي ﷺ أراد أن يعاقبه على ذلك، قال أنس: (فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه)، وهذا والله غاية الرفق واللين.
ج- لم يتعجل النبي ﷺ توجيه النصح للأعرابي وهو يقضي حاجته، بل انتظر حتى ينتهي، ليكون الأعرابي أوعى لقول النبي ﷺ، قال الراوي: (ثم إن رسول الله ﷺ دعاه) .
د- فصّل النبي ﷺ في نصحه تفصيلا بليغا حيث ذكر أولا وجوب تنزيه المساجد عن النجاسات والقاذورات، ثم ذكر الحكمة من بناء المساجد وكيفية إعمارها، وقد ذكر تنزيه المساجد أولا من النجاسات لأسباب، منها: حاجة الأعرابي الماسة لمعرفة هذا الحكم، وذكره أولا يكون أدعى لحفظه، كما أن الحكمة العظمى من بناء المساجد، وهي إقامة الصلاة، من أهم شروط صحتها: طهارة المكان، فطهارة المكان عمل يأتي قبل إقامة الصلاة، ومن حسن التعليم أيضا أن تأتي النصيحة خالية من التطويل الممل والاختصار المخل، وقد كانت كذلك، ولله الحمد.
وتخيل أخي القارئ، لو أن هذه الواقعة حدثت في وقتنا الحاضر من رجل حديث عهد بالإسلام، ماذا سيفعل به أهل المسجد؟ قد يفتكون به ويتهمونه بالكفر والزندقة، مع أنهم ليسوا بأحرص من النبي ﷺ على طهارة المسجد ونظافته.
٢- حكمته ﷺ حيث قال لأصحابه: «لا تزرموه دعوه»، أي لا تقطعوا عليه بوله؛ لأن قطع البول سيضرّ جسمانيّا بالأعرابي، وقد يزيد من رقعة المكان الذي أصابته النجاسة، خاصة إذا قطعها وهو مضطرب.
٣- موافقة أقواله ﷺ مع أفعاله، وهو الركن الأساسي في القدوة الحسنة، فقد أمر النبي ﷺ أصحابه ﵃ بالرفق في الأمر ورغّبهم في ذلك، فقد روى مسلم بإسناده عن عائشة زوج النّبيّ ﷺ أنّ رسول الله ﷺ قال: «يا عائشة، إنّ الله رفيق يحبّ الرّفق ويعطي على الرّفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه» .
وعند مسلم أيضا، أن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «من حرم الرّفق
[ ١ / ٣٧١ ]
حرم الخير، أو من يحرم الرّفق يحرم الخير» . فتطابق قوله ﷺ مع فعله، كما فعل مع الأعرابي في حديث الباب.
ومن أعظم أسباب افتقاد الأمة للقدوة في وقتنا الحاضر، ذلك الاختلاف الكبير بين ما يقوله الداعية وبين ما يفعله، ولكن على الناس ألاتضع كل أخطائها وزلاتها على هذه الشماعة؛ لأننا مأمورون أولا باتباع قدوتنا وهو النبي ﷺ والدين حجة على الجميع، ولا أحد حجة على هذا الدين، فهذه حجة من يريد التكاسل والتفريط في الدين، أما من عنده غيرة على هذا الدين وفي قلبه حب لله ورسوله وحرص على فعل الطاعات وترك المنكرات، فلا يبحث عن الأعذار ولا يبالي إن وجد القدوة في الناس أو لا.
الفائدة الثّانية:
وجوب أن يحرص المسلمون على نظافة وطهارة المساجد، كلّ قدر استطاعته، وليعلم كل مسلم أن تنظيف المساجد من أنواع القربات، فلا ينبغي أن يحرم المسلم نفسه من هذه القربة، ولا يشترط أن يكون خادما للمسجد حتى يقوم بها، بل يكفي كلما دخل أو خرج من المسجد أن يتفقد حال المسجد ويلتقط ما استطاع من قاذورات وغيرها.
الفائدة الثّالثة:
على المسلم أن يحرص على أداء الصلوات في جماعة المسجد، وأن يكثر من ذكر الله وقراءة القرآن في المسجد؛ لأن هذه الأعمال هي المقصودة من بناء المساجد، قال ﷺ: «إنما هي لذكر الله﷿- والصلاة وقراءة القرآن» .
الفائدة الرّابعة:
لم يقتصر حسن تعليم الرسول ﷺ لأصحابه على طريقة النصح والإرشاد، ولكن تعدى حسن التعليم ليشمل اختيار الوقت المناسب للموعظة، ويأتي ذلك بعدم توجيه المواعظ والإرشاد في كل وقت وفي كل مناسبة، حتى لا يشعر الإنسان بالملل والسامة، فعن ابن مسعود ﵁ قال: (كان النّبيّ ﷺ يتخوّلنا بالموعظة في الأيّام كراهة السّامة «١» علينا) «٢» .
وهذا يدل أيضا على عظيم حكمته ﷺ حيث وازن بين مصالح المواعظ وبين مفاسد الكراهة والسامة.
_________________
(١) السامة: أي الملل.
(٢) البخاري، كتاب العلم، باب: ما كان النبي ﷺ يتخولهم ، برقم (٦٨)، مسلم، كتاب: صفة المنافقين وأحكامهم، باب: الاقتصاد في الموعظة، برقم (٢٨٢١) .
[ ١ / ٣٧٢ ]
٨- حرصه ﷺ على تبليغ الدعوة:
عن أنس ﵁ قال: (كان غلام يهوديّ يخدم النّبيّ ﷺ فمرض، فأتاه النّبيّ ﷺ يعوده فقعد عند رأسه، فقال له: «أسلم»، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم فأسلم، فخرج النّبيّ ﷺ وهو يقول: «الحمد لله الّذي أنقذه من النّار» «١» .
الشّاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ يذهب بنفسه إلى غلام يهودي، يدعوه إلى الإسلام، وهذا يدل على شدة حرصه ﷺ على استنقاذ أمة الدعوة من النار، وحرصه على دخول الناس في دين الله﷿- أفرادا وجماعات.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
بيان ما كان عليه النبي ﷺ من تواضع لا يساميه فيه أحد، فهو مع عظيم منزلته وعلو شأنه وكثير شغله، لا يستنكف أن يعود غلاما يهوديّا غير مسلم، يعمل عنده خادما، أيّ تواضع هذا؟ وأي حب هذا على عمل الخير والمسابقة في مرضاة الله﷿-؟
الفائدة الثّانية:
على المسلمين ألا يستقلوا أي عمل من أعمال الخير، وإن قل في نظرهم، خاصة في مجال الدعوة إلى الله﷾- لأن النبي ﷺ حرص على زيارة هذا الغلام الخادم اليهودي، ودعاه إلى الإسلام ولم يقل في نفسه كما يقول أمثالنا: (وما عسى أن ينفع الله الإسلام بهذا الغلام إن أسلم)، أو يقول: هناك أمور كثيرة أعظم من زيارة هذا الغلام ودعوته إلى الإيمان، بل كانت زيارة مباركة طيبة، كان من عظيم بركتها، أن أنقذ الله بها نفسا من النار.
الفائدة الثّالثة:
علي الداعي إلى الله﷿- أن يستغل الظروف والأحوال الملائمة للناس لدعوتهم إلى الله، كالمرض مثلا، والذي يشعر فيه الإنسان بالضعف والحاجة إلى الله﷾- ولكن دون أن يظهر الداعي للمدعو أنه يستغل هذا الوقت بالذات لدعوته لأنه ضعيف، فقد يحرج هذا الشعور المريض، ويجعله لا يتقبل الحق، انظر
_________________
(١) البخاري، كتاب: الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه، برقم (١٣٥٦) .
[ ١ / ٣٧٣ ]
ماذا قال النبي ﷺ للغلام، قال له: «أسلم»، وانظر إلى يوسف ﵇ كيف استغل حاجة صاحبيه في السجن لتأويل رؤيتهما، فدعاهما إلى الإيمان ونفّرهما غاية التنفير من الشرك بالله، دون أن يشعرهما أنهما في حاجة إليه، وأنهما مضطران إلى سماع قوله إلى النهاية، حتى يسمعا تأويله لرؤيتهما، وهذا من فقه الدعوة إلى الله﷾-.
الفائدة الرّابعة:
جواز استخدام اليهودي مع مراعاة الضوابط الشرعية التي تحكم هذا الاستخدام، والتي من أعظمها، عدم اطلاعه على أعراض المسلمين، وعدم إفشاء الأسرار إليه، وعدم حبه، وضرورة دعوته إلى الإسلام، وإنكار ما هو عليه من الكفر، وأزيد واحدة، أن نعدل فيه ونقسط إليه، حتى لا نكون سببا في تنفيره من الإسلام، وتشويه صورة الدين عنده، وهذا يحدث كثيرا في هذا الزمان، ومما عمت به البلوى في زماننا هذا، أن يكون بعض المسلمين ممن يقتدى بهم، صورة سيئة في معاملاتهم وسلوكهم، خاصة في النواحي المادية، مما ينفر منهم العاملين لديهم، خاصة الخدم والمستخدمين.
الفائدة الخامسة:
صحة إسلام الصبي المميّز، ولولا صحة إسلامه، ما دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام وقال: «الحمد لله الذي أنقذه من النار»، وهذا القول من النبي ﷺ دليل على صحة إسلام الصبي، ولكن ليس بدليل قطعي، أن الصبي لو مات على الكفر دخل النار، ويمكن أن يحمل قول النبي ﷺ: «إن الله أنقذه من النار» إذا ما استمر على كفره. والخلاف في دخول أولاد الكافرين النار أو الجنة خلاف مشهور بين العلماء.
الفائدة السّادسة:
ما كان عليه اليهود، من تعظيم أمر النبي ﷺ واعتقادهم صحة دينه ولو خالفوه؛ لأن أبا الغلام أمر ابنه بإجابة أمر النبي ﷺ وبدا خوفه على غلامه وهو مريض من أن يخالف أمر النبي، وتدبر ماذا قال الأب لابنه: أطع أبا القاسم، ولم يقل له: (أسلم)، مما يشعر أن مراد الأب هو طاعة الرسول ﵇ وعدم مخالفته، كما أنه ذكر الرسول بكنيته، ولم يذكره باسمه، وهذا أيضا من التوقير.
الفائدة السّابعة:
قد يكون من ملاطفة المريض عند زيارته، القعود عند رأسه، لإشعاره بالقرب منه، وهذا أدعى لإسماعه والسماع منه.
الفائدة الثّامنة:
الثناء على الله﷿- بما هو أهله، خاصة عند زول النعم ورفع النقم، لقوله ﷺ «الحمد لله الذي أنقذه من النار» .
[ ١ / ٣٧٤ ]
أقول: إن حرص النبي ﷺ على تبليغ رسالة ربه وحزنه الشديد على من أعرض وأبى قد بلغ مبلغا عجيبا، أذكر منه- على عجالة- آية واحدة في كتاب الله﷿- توضح المراد.
قال تعالى: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:
٦]، وباخع نفسك أي: مهلكها غمّا وأسفا، هذا ما كان يجده النبي ﷺ من الحزن الشديد والأسف العظيم على رد الناس دعوته، فلقد أوشك هذا الحزن أن يقتله، وهذا ليس من باب المبالغة، لأنه كلام الله﵎-، فهل نتصور أحدا يوشك أن يقتله الحزن على عدم إيمان الغير ولو كان أقرب الناس إليه كأبيه أو ولده، هذا هو الفارق بيننا وبين النبي ﷺ فنلمح في هذا الحزن رقة قلب، ونصحا للناس كلهم جميعا، قريبهم وبعيدهم، من عرف منهم ومن جهل، ونلمح فيه أيضا حبّا في نشر دين الله﷿- وغيرة على محارم الله، وقياما بوظيفته على أتم وأكمل وجه، بل تكليف نفسه أكثر مما كلف به وأمر.
قال الشيخ السعدي﵀- في شرح الآية: (لما كان النبي ﷺ حريصا على هداية الخلق ساعيا في ذلك أعظم السعي فكان ﷺ يفرح ويسرّ بهداية المهتدين ويحزن ويأسف على المكاذبين الضالين شفقة منه ﷺ ورحمة بهم، فأرشده الله ألايشغل نفسه بالأسف على هؤلاء الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، كما قال في الآية الآخرى: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٣]، وقال: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ «١» [فاطر: ٨] .
٩- خوفه وتقواه ﷺ من الله﷿-
عن عائشة زوج النّبيّ ﷺ أنّها قالت: (كان النّبيّ ﷺ إذا عصفت الرّيح قال: «اللهمّ إنيّ أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما فيها وشرّ ما أرسلت به» . قالت: وإذا تخيّلت السّماء تغيّر لونه وخرج ودخل، وأقبل، وأدبر فإذا مطرت سرّي عنه، فعرفت ذلك في وجهه. قالت عائشة: فسألته. فقال: «لعلّه يا عائشة كما قال قوم عاد: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا» «٢» [الأحقاف: ٢٤])
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن (ص ٤٧٠) .
(٢) مسلم، كتاب: صلاة الاستسقاء، باب: التعوذ عند رؤية الريح..، برقم (٨٩٩) .
[ ١ / ٣٧٥ ]
الشّاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ كان إذا رأى في السماء سحابة فيها رعد وبرق، تغير وجهه من الخوف، خشية أن يكون فيها عذاب من الله من جنس ما أصاب قوم عاد، لأنهم لما رأوا السحاب في السماء ظنوه سيأتي بالمطر والرحمة، فإذا هي ريح فيها عذاب أليم، قال تعالى: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ [الأحقاف: ٢٤] .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
على المسلم أن يكون دائما على خوف من آيات الله، التي قد تأتي بالعذاب، وعليه ألا يألف تلك الآيات، فيذهب عنه الخوف إذا ما تكررت، لأن عائشة ﵂ أعلمتنا، أن النبي ﷺ كلما رأى السحاب تغير وجهه، قالت: (وإذا تخيلت السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر) .
ويتفرع على ذلك:
خطأ من يطلق على السحاب والريح، والخسوف والكسوف، والزلازل والبراكين، ظواهر طبيعية، يريد بذلك أن يذهب من قلوب الناس الخوف من الله إذا رأوا تلك الآيات، وألا يجعلهم يتوبون إلى الله ويستغفرونه كلما رأوها. فالنبي ﷺ كان يخاف إذا رأى تلك الآيات، لدرجة أن الخوف يظهر على وجهه، وعلى حركاته التي لا تهدأ، كالمضطرب الوجل، وإذا ذهبت ظهر ذلك أيضا على وجهه، قالت عائشة: (فإذا أمطرت سرى عنه) .
الفائدة الثانية:
وجوب التضرع والابتهال إلى الله﷾- إذا رأى المسلم آية قد يكون فيها عذاب، قالت عائشة: (إذا عصفت قال: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت إليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به» .
ويتفرع على ذلك:
١- عجيب قدرة الله﷾- إذ خلق آيات قد تأتي بالخير تارة، وبالشر تارة، ولا يكون ذلك إلا بأمره﷾- وبمقتضى الحكمة البالغة، فانظر إلى الريح، التي قد تأتي بالخير، قال تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ [فاطر: ٩]، وقد تأتي بالشر، قال تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا
[ ١ / ٣٧٦ ]
عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ [القمر: ١٩] .
٢- ما أوتيه النبي ﷺ من جوامع الكلم في الدعاء، وأن هذا كان مسلكه دائما ﷺ حيث جمع كل ما تأتي به الريح من أمور نافعة في قوله: «خيرها وخير ما فيها»، وجمع كل ما تأتي به الريح من مضار ودمار في قوله: «من شرها وشر ما فيها» وعليه فإن الأحب إلى الله ﷾- في الدعاء: الإجمال لا التفصيل.
١٠- رحمته وشفقته ﷺ:
بلغت رحمة النبي ﷺ مبلغا عجيبا في الكمال والسعة، حيث شملت تلك الرحمة كل الناس؛ الضعيف منهم والقوي، السيد منهم والعبد، القريب منهم والبعيد، الصاحب منهم والعدو، بل امتدت تلك الرحمة لتشمل الجن والبهائم، والأعجب من ذلك كله أنها شملت جذع الشجرة الذي كان ﷺ يخطب عليه الجمعة، حيث نزل من على المنبر يهدهده ويضمه إليه حتى سكت عنه الأنين، ولا غرابة من ذلك فالذي أوجد في قلبه كل تلك الرحمات هو الله الخالق البارئ، يصدق ذلك قوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ الآية [آل عمران: ١٥٩] .
وذرني أخي الكريم أضع بين يديك تلك الصفة العجيبة في المواقف المختلفة على نحو ما سترى:
أ- شفقته ﷺ بالأطفال:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قبّل رسول الله ﷺ الحسن بن عليّ وعنده الأقرع بن حابس التّميميّ جالسا، فقال الأقرع: إنّ لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحدا. فنظر إليه رسول الله ﷺ ثمّ قال: «من لا يرحم لا يرحم» «١» .
الشّاهد في الحديث:
قول النبي ﷺ: «من لا يرحم لا يرحم» . وجاء هذا القول في سياق الرد على من لا يقبل أولاده.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
عظيم شفقة النبي ﷺ بالأطفال، ومن مظاهر تلك الشفقة:
_________________
(١) البخاري، كتاب: الأدب، باب: رحمة الولد وتقبيله ، برقم (٥٩٩٧)، مسلم، كتاب: الفضائل، باب: رحمته ﷺ الصبيان ، برقم (٢٣١٨) .
[ ١ / ٣٧٧ ]
١- قيام النبي ﷺ بتقبيل الحسن بن علي، - ﵄..
٢- إنكار النبي ﷺ على الأقرع بن حابس التميمي ﵁ والذي لم يقبل أحدا من أولاده العشرة، بقوله: «من لا يرحم لا يرحم»، ونخلص من هذه المقولة الشهيرة بعدة أمور منها:
أ- تهديد النبي ﷺ لكل من لا يرحم الأطفال بأنه لا يرحم، ولم يقيد النبي ﷺ عدم الرحمة بزمن معين أو مجال معين، وإطلاق عدم الرحمة وعدم تقييدها يدل على إرادة زيادة التخويف.
ب- وجوب إحاطة الأولاد بكل أنواع الرحمة، فالأمر لا يقتصر على التقبيل وحده، لأن النبي ﷺ وسع نطاق الرحمة ليشمل كل أنواعها ومظاهرها، وإن كان مجال الحديث كان أصلا على التقبيل، فعلى الوالدين بذل كل عمل يكون من شأنه رحمة الأولاد.
ويتفرع على ذلك: تحريم ما يشق على الأولاد، كالضرب المبرح والحرمان من الطعام والشراب، وغير ذلك من مظاهر القسوة، ويجب أن يتبع الوالدان أسلوبا للتربية يخلو من العنف والشدة.
وتدبر أخي القارئ إذا كان النبي ﷺ قد اعتبر عدم تقبيل الأولاد من عدم الرحمة، التي تستوجب العقوبة، والتقبيل شيء يسير جدّا، مقارنة بما هو أعظم من ذلك، فماذا ستكون عقوبة من وقع في أمور أخرى كالإهمال في التربية وعدم الأمر بالصلاة والصيام، وترك الأولاد لقرناء السوء في الشوارع، وإدخال القنوات الفضائية في البيوت بدون رقابة، وغير ذلك كثير.
ج- أن النبي ﷺ كان أرحم بالولد من والده حيث أوصى الوالد بالولد.
د- بيان أن العقوبة من جنس العمل، فمن لا يرحم لا يرحم، كما جعل الله تعالى الثواب من جنس العمل الصالح، مثال ذلك ما رواه عثمان بن عفّان ﵁ قال عند قول النّاس فيه حين بنى مسجد الرّسول ﷺ: إنّكم أكثرتم، وإنّي سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «من بنى مسجدا» - قال بكير: حسبت أنّه قال.: «يبتغي به وجه الله، بنى الله له مثله في الجنّة» «١»، وهذا منتهى العدل من الشارع الحكيم.
_________________
(١) البخاري، كتاب: الصلاة، باب: من بنى مسجدا، برقم (٤٥٠)، مسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل بناء المساجد ، برقم (٥٣٣) .
[ ١ / ٣٧٨ ]
هـ- فيه موازنة من الشارع الحكيم حيث أوصى الأولاد بحسن معاملة الوالدين، ورتب العقوبة على العقوق، وفي المقابل أوصى الآباء برحمة الأولاد والشفقة عليهم والعدل في المعاملة والعطية.
ولكن انظر أخي القارئ إلى كمال وجمال الشرع الذي سنه الحكيم الخبير، لما كان عقوق الأولاد للآباء أكثر تكرارا، وأعظم صورة وأشد وقعا على الآباء، الذين هم سبب وجود الأبناء، تكرر الوعيد الشديد والتهديد العظيم في القرآن والسنة على عقوق الوالدين، ولما كان عقوق الآباء للأولاد، أقل تكرارا وأخف صورة، والآباء هم الأصل والأبناء هم الفرع، لم يأت تهديد الآباء كتهديد الأبناء لا من حيث تغليظ العقوبة ولا من حيث تعدد مرات ذكرها، لعدم الحاجة إلى ذلك.
وهذا مسلك الكتاب والسنة في جميع الأقضية وأضرب لذلك مثالا آخر، فأقول في قضية لعان الزوجين، لما كان الزوج غالبا هو الصادق ويندر منه اتهام زوجته بالزنا كذبا، قال تعالى: وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ [النور: ٧] ولما كانت المرأة في الغالب هي الكاذبة لدفع تهمة الزنا عن نفسها وكذلك دفع حد الرجم، قال تعالى: وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [النور: ٩]، فألزم الله﷾- غضبه للمرأة الكاذبة، ولعنته للرجل الكاذب، ومعلوم أن الغضب أشد من اللعن، لذلك اختص الله اليهود بالغضب.
الفائدة الثانية:
لم تقتصر مظاهر شفقة النبي ﷺ على الحث على تقبيل الأولاد، وعموم الرحمة، بل تعدى الأمر إلى ملاعبتهم وإدخال السرور عليهم وحملهم إذا تطلب الأمر ولو في الصلاة. فعن أنس بن مالك ﵁ قال: إن كان النّبيّ ﷺ ليخالطنا حتّى يقول لأخ لي صغير: «يا أبا عمير ما فعل النّغير» «١» .
وأيضا: روى أبو قتادة الأنصاري ﵁ (أنّ رسول الله ﷺ كان يصليّ وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها) «٢» .
_________________
(١) البخاري، كتاب: الأدب، باب: الانبساط إلى الناس ، برقم (٦١٢٩) مسلم، كتاب: الآداب، باب: استحباب تحنيك المولود ، برقم (٢١٥٠) .
(٢) البخاري، كتاب: الصلاة، باب: إذا حمل جارية صغيرة ، برقم (٥١٦)، مسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: جواز حمل الصبيان في الصلاة، برقم (٥٤٣) .
[ ١ / ٣٧٩ ]
الفائدة الثّالثة:
وجوب التراحم بين الناس كلهم جميعا، لقول النبي ﷺ: «من لا يرحم لا يرحم»، وإن جاءت هذه المقالة بمناسبة عدم رحمة الوالد ولده، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لذلك لم يقل النبي ﷺ «من لا يرحم ولده لا يرحم»، ولكن قال: من لا يرحم لا يرحم، بحذف المفعول، وذلك يدل على وجوب تعميم الرحمة بالمخلوقات كلها وبقدر ما يرحم المسلم غيره، بقدر ما ينال من رحمة الله، وفي المقابل بقدر ما يبخل المسلم برحمته على غيره، بقدر ما يحرم من رحمة الله﷾- فالرحمة من صفات الرب- جل في علاه- واسم من أسمائه الحسنى، فيا حظه السعيد من تمثل بهذه الصفة! ويا شقاء من خلا من تلك الصفة! وجعل بينه وبينها سدّا منيعا، وظن أن ذلك من الرجولة والفحولة، وأن الرحمة من الليونة والأنوثة.
ويتفرع عليه: ذم جفاء القلب وغلظته، لأن هذا القلب ليس بمحل لرحمة الناس، كما يتفرع عليه مدح رقة القلب ورحمته، لأن هذا القلب هو المحل القابل لرحمة الناس.
الفائدة الرّابعة:
بيان ما أوتيه النبي ﷺ من جوامع الكلم حيث استفدنا كل المعاني السابقة، وما خفي علينا كان أكثر، من جملة تكونت من اسم موصول وحرف نفي وفعل مضارع، ومع تكرار الحرف مرتين والفعل مرتين، أحدهما بني للمعلوم والآخر للمجهول، لا تشعر بسماعه الأذن بأي تكلف أو نكارة، بل تشعر بمنتهى الراحة والتجانس، ولا تزداد بتكرار هذا القول إلا حبّا له واشتياقا لتكراره، إنه كلام النبوة.
ب- شفقته ﷺ بالخدم:
عن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذرّ وعليه حلّة، وعلى غلامه مثلها فسألته عن ذلك قال: فذكر أنّه سابّ رجلا على عهد رسول الله ﷺ فعيّره بأمّه قال: فأتى الرّجل النّبيّ ﷺ فذكر ذلك له. فقال النّبيّ ﷺ: «إنّك امرؤ فيك جاهليّة؛ إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يديه، فليطعمه ممّا يأكل، وليلبسه ممّا يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم، فإن كلّفتموهم فأعينوهم عليه» «١» .
الشّاهد في الحديث:
قول النبي ﷺ: «ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم» .
_________________
(١) البخاري، كتاب: الإيمان، باب: المعاصي من أمر الجاهلية ، برقم (٣٠)، ومسلم، كتاب: الأيمان، باب: إطعام المملوك مما يأكل ، برقم (١٦٦١) .
[ ١ / ٣٨٠ ]
[بعض فوائد الحديث]
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- حرصه ﷺ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو كان الملام أرفع قدرا من الملوم فيه، فأبو ذر الغفاري ﵁ من الناحية الاجتماعية، على الأقل، أرفع قدرا من غلامه، ومع ذلك لامه النبي ﷺ لوما شديدا، بأن أثبت له صفة من صفات الجاهلية، وهذا ليس بالأمر اليسير عند صحابي جليل مثل أبي ذر ﵁.
٢- رفقه وعدله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما رفقه فيتمثل في قوله ﷺ:
«يا أبا ذر»، فناداه بأحب الأسماء إليه، وهي كنيته، وأما عدله ﷺ فيتمثل في:
أ- أنه ذكر لأبي ذر ﵁ ما فعله قبل أن يوجه إليه العتاب، فقال له: «أعيرته بأمه» .
ب- لم يصف ﷺ أبا ذر بالجاهلية المطلقة لوقوعه في أمر من أمور الجاهلية، ولكنه ﷺ أثبت له فقط أن فيه جاهلية، أي خصلة من خصال الجاهلية، وهو التعيير بالأم. كما أنه ﷺ لم يزد في نهيه عن المنكر على كلمات معدودات.
والرفق والعدل، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خصلتان حرم منهما كثير ممن يتصدّون لهذا العمل في وقتنا الحاضر.
٣- حرصه ﷺ على تعليم الأمة وإرشادها، واستغلال كل مناسبة لبيان الحق في كل مسألة حيث حوّل القضية من قضية خاصة، إلى قضية عامة، فوجه الخطاب إلى الأمة بأسرها إلى قيام الساعة، فقال ﷺ: «إخوانكم خولكم » إلى آخر الحديث.
٤- شفقته ﷺ بالخدم، وهو أظهر وأعظم ما في الحديث، قال ﷺ: «إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم؛ فإن كلفتموهم فأعينوهم»، ومن مظاهر الشفقة في هذا التوجيه النبوي الرفيع:
أ- جعل النبي ﷺ الإخوان هم الخول، (أي الخدم)، وكان من المفترض أن يقول: (خولكم إخوانكم)، أي اتخذوا الخدم كالإخوان وأنزلوهم هذه المنزلة، ولكنه ﷺ قلب الأمر، وقال: «إخوانكم خولكم»؛ ليستقر في قلب المسلم أن الخادم هو في الحقيقة أخ له، لا أنه بمنزلة الأخ، لذلك قال ﷺ: «فمن كان أخوه تحت يده»، وهذه العبارة تؤكد المعنى الذي ذكرته. فالمسلم إذا تيقن أن الذي تحت يده هو أخوه على الحقيقة فكيف سيعامله.
[ ١ / ٣٨١ ]
ب- في قوله ﷺ: «جعلهم الله تحت أيديكم»، بالغ الحثّ على حسن المعاملة والرفق معهم في الأمر كله، إذ كيف يعامل المسلم، من جعله الله تحت يده، أيجترئ أن يظلمه أو يبخسه أو يحقره، كلا والله، لأنه قطعا سيخاف من القوي المتين، فالذي وضعه في هذه المكانة لا محالة سيسأل عنه، وتدبر أخي القارئ لماذا لم يقل النبي ﷺ، جعلهم الفقر تحت أيديكم أو (جعلتهم ظروفهم)، أو (جعلهم قدرهم)، ولكن أتى ﷺ بلفظ (الجلالة) ليشعر المسلم بخطورة الأمر وعظم المسئولية، لعظم السائل عنها. كما أن قوله ﷺ: «جعلهم الله تحت أيديكم»، يشعر أن الأمر فتنة واختبار من الله للمخدوم، أيحسن أو يسيء، يصدّق ذلك قوله تعالى: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا [الفرقان: ٢٠] .
ج- الأمر بإكرام الخدم، وإطعامهم وإلباسهم من جنس ما يأكل ويلبس المخدوم، لقوله ﷺ: «فمن كان أخوه تحت يديه فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس»، وهذا الأمر لا يقصد به المساواة في المأكل والملبس، وإنما المقصود من جنس ما يأكل ومن جنس ما يلبس، وهو التبعيض الذي دلت عليه (من)، ذكره ابن حجر في الفتح، وقال: (فالمراد المواساة لا المساواة) «١» . ويدل على ذلك أن أبا هريرة ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ: «إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه، فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين، فإنّه ولي علاجه» «٢» .
د- تحريم تكليف الخدم ما يغلبهم، أي ما يشق عليهم فعله، فإن حدث ذلك، فقد وجبت إعانتهم بما يزيل عنهم المشقة، فقد ورد في إحدى روايات البخاري «ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم»، والأصل في النهي التحريم إن لم يصرفه صارف للكراهية، وقد انعدم الصارف هنا.