[ ١ / ٥٩ ]
تقديم
إن الدارس لعلم النبوات في أي أمة يرى بوضوح آثار قدرة الله تعالى المؤيّدة لرسوله محمد ﷺ خير البشر ولو كان هذا الدارس متخصصا في النقد التاريخي مفندا لمزاعم النبوة فإنه يحار عقله وقلبه أمام ما أوتي النبي ﷺ من كثرة المؤيدات والمثبتات لنبوته ﷺ وإن دفعه غروره لإنكار نبوته ﷺ فبالعقل قبل النقل يستطيع أن يقيس تلك المعجزات والدلائل على ما عنده من معايير وأقيسة فإذا به يجد نفسه أمام نبي عظيم أتاه الله ﷾ من المعجزات المعنوية والحسية ما على مثله يؤمن الناس كلهم جميعا.
ثبت عن النّبيّ ﷺ أنه قال: «ما من الأنبياء نبيّ إلا أعطي من الآيات ما مثله أو من أو آمن عليه البشر، وإنّما كان الّذي أوتيت وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أنّي أكثرهم تابعا يوم القيامة» «١» رواه الشيخان.
وهنا يجدر بنا ذكر الصفات العامة التي عليها يقيس البشر صحة نبوة الأنبياء، وتلك الصفات التي دعت قساة القلوب وغلاظها إلى الإيمان والتسليم، فهذا ضماد يسمع من الرسول بعض الكلمات فيسلم، كما روى مسلم في صحيحه أن ضمادا لما وفد على الرسول ﷺ قال له ﷺ: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله فقال ضماد: أعد عليّ كلماتك هؤلاء فلقد بلغن ناعوس البحر، هات يدك أبايعك » «٢» .
فقد أظهر الله على يده ﷺ تصديقا لدعوته من المعجزات والدلائل ما لا يحصى ولا يعد، فهو ﷺ أكثر الأنبياء وأظهرهم برهانا وسنذكر لك في هذا الباب من الآيات ما تقرّ به عينك ويزداد به يقينك مما رواه الأئمة الأعلام في صحاح كتب الحديث.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: كيف نزول الوحي أول ما نزل، (٤٦٨١)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا ، برقم (١٥٢) .
(٢) رواه مسلم، كتاب الجمعة، باب: تخفيف الصلاة، برقم (٨٦٨) .
[ ١ / ٦١ ]
أولا- صفات النبوة العامة
١- خاتم النبوة:
عن السّائب بن يزيد يقول: ذهبت بي خالتي إلى النّبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله إنّ ابن أختي وجع، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثمّ توضّأ فشربت من وضوئه، ثمّ قمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتم النّبوّة بين كتفيه مثل زرّ الحجلة «١» . (رواه البخاري) .
وهذه أيضا من الصفات التي اشترك فيها الأنبياء كلهم جميعا لتبقى شاهدا على صدق نبوتهم.
بعض فوائد الحديث
الفائدة الأولى:
جعل الله ﵎ لكل نبي دليلا في نفسه على نبوته، يأنس به ويطمئن به قلبه، خاصة أول البعثة بل ومن قبلها، وهذا من بالغ عنايته ﵎ بأنبيائه.
الفائدة الثانية:
أقام الله ﵎ الحجة على كل العباد- خاصة من عاصر الأنبياء على صدق أنبيائه، بشيء مادي ملازم للأنبياء، يسهل على كل أحد أن يراه، ولا يختلف اثنان أن مثل هذا الخاتم لا يمكن أن يصنعه بشر، بل هو خلقي لا يقدر على صنعه إلا الله ﵎.
الفائدة الثالثة:
مكان خاتم النبوة من جسد النبي ﷺ هو أعلى الكتف من الجهة اليسرى قدر قبضة الكف على هيئة حبيبات بارزة عن سطح الجسد، لما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن سرجس قال: رأيت النّبيّ ﷺ وأكلت معه خبزا ولحما أو قال: ثريدا قال:
فقلت له: أستغفر لك النّبيّ ﷺ قال: نعم ولك ثمّ تلا هذه الآية وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [محمد: ١٩] قال: ثمّ درت خلفه فنظرت إلى خاتم النّبوّة بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى جمعا عليه خيلان كأمثال الثّاليل «٢» .
الفائدة الرابعة:
اشتهار أمر خاتم النبوة عند الصحابة ومعرفة اسمه ومكانه، لما ورد عند مسلم من حديث عبد الله بن سرجس: فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب: استعمال فضل وضوء الناس، برقم (١٩٠) .
(٢) رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب: إثبات خاتم النبوة وصفته، برقم (٢٣٤٦) .
[ ١ / ٦٢ ]
الفائدة الخامسة:
حرص الصحابة ﵃ على التبرك باثار النبي ﷺ ومنها فضلة وضوئه ﷺ.
تنبيه: قال الإمام ابن حجر﵀-: وأما ما ورد من أنها كانت كأثر محجم أو كالشامة السوداء أو الخضراء أو مكتوب عليها: محمد رسول الله، أو سر فأنت المنصور، أو نحو ذلك، فلم يثبت منها شيء. انتهى «١» .
٢- الرؤية الصالحة:
عن أبي سعيد الخدريّ أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: الرّؤيا الصّالحة جزء من ستّة وأربعين جزآ من النّبوّة «٢» .
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ عن الرؤيا: «جزء من ستة وأربعين جزآ من النبوة» .
فالرؤيا الصالحة إذن أمر مشترك بين الأنبياء كلهم جميعا، قال الإمام ابن حجر﵀- عن طبقات الناس في الرؤيا ما نصه: فالناس ثلاث درجات: الأنبياء ورؤياهم كلها صدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير، والصالحون والأغلب على رؤياهم الصدق وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير، ومن عداهم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث وهي ثلاثة أقسام: مستورون فالغالب استواء الحال في حقهم، وفسقة والغالب على رؤياهم الأضغاث ويقلّ فيها الصدق، وكفار ويندر في رؤياهم الصدق جدّا. انتهى.
وقد بينت في باب: (تزكية أخلاقه ﷺ) بعض الأمور التي تتعلق بالرؤيا فلا حاجة للتفصيل هنا.
وهناك دليل آخر من حديث عائشة ﵂ قالت: أوّل ما بدئ به رسول الله ﷺ الرّؤيا الصّالحة فجاءه الملك فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ
[العلق: ١- ٣] «٣» .
٣- الرعي:
عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «ما بعث الله نبيّا إلّا رعى الغنم» فقال
_________________
(١) انظر فتح الباري (٦/ ٥٦٣) .
(٢) رواه البخاري، كتاب التعبير، باب: الرؤيا الصالحة برقم (٦٩٨٩) .
(٣) رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: قوله: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، برقم (٤٩٥٥) .
[ ١ / ٦٣ ]
أصحابه: وأنت؟ فقال: «نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكّة» «١» .
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ: «ما بعث الله نبيّا إلا رعى الغنم» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
قال الإمام النووي: (والحكمة في رعاية الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم للغنم؛ ليأخذوا أنفسهم بالتواضع وتصفى قلوبهم بالخلوة ويترقوا بالنصيحة إلى سياسة أممهم بالهداية والشفقة) «٢» .
الفائدة الثانية:
بيان أن النبي ﷺ قد بلغ المنتهى في التواضع، قال الإمام ابن حجر﵀-: (وفي ذكر النبي ﷺ لذلك بعد أن علم كونه أكرم الخلق على الله ما كان عليه ﷺ من عظيم التواضع لربه والتصريح بمنته عليه وعلى إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء) «٣» .
الفائدة الثالثة:
في الحديث دليل على أن الله ﷿ يتكفل الأنبياء بالرعاية والحفظ والتربية الربانية من قبل بعثتهم، وهذا دليل على شرفهم وعلو منزلتهم وعظيم الأمانة التي حملها الله لهم.
٤- التحذير من الدجال:
عن ابن عمر قال: قام النّبيّ ﷺ في النّاس فأثنى على الله بما هو أهله ثمّ ذكر الدّجّال فقال: «إنّي أنذركموه، وما من نبيّ إلّا قد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكن سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبيّ لقومه: تعلمون أنّه أعور وأنّ الله ليس بأعور» . «٤» .
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ: «وما من نبي إلا قد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه» فهذا دليل أن التحذير من الدجال من الصفات المشتركة بين الأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الإجارة، باب: رعي الغنم على قراريط، برقم (٢٢٦٢) .
(٢) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/ ٦) .
(٣) انظر فتح الباري (٤/ ٤٤١) .
(٤) رواه البخاري، كتاب الجهاد، باب: كيف يعرض الإسلام على الصبي، برقم (٣٠٥٧) .
[ ١ / ٦٤ ]
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
من المهام العظيمة للأنبياء تحذير أقوامهم من الفتن، وهذا يدل على شفقة الأنبياء بمن بعثوا إليهم. نقل الإمام بن حجر﵀- عن ابن العربي قوله:
«إنذار الأنبياء قومهم بأمر الدجال تحذير من الفتن وطمأنينة لها حتى لا يزعزعها عن حسن الاعتقاد» «١» .
الفائدة الثانية:
تفضيل الله تعالى نبيه ﷺ على سائر الأنبياء، من حيث تخصيصه هنا ببعض العلوم التي لم يشاركه فيها نبي من قبله، يتمثل ذلك في قوله ﷺ: «ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه: إنه أعور» ولا يقال: إن الأنبياء من قبله ﷺ كانوا يعرفون هذه الخصلة في الدجال ولم يذكروها لقومهم؛ لأن هذا القول قدح في الأنبياء، حيث يقتضي أنهم أخفوا شيئا من الوحي وهذا محال في حقهم صلوات الله وسلامه عليهم جميعا.
ويتفرع عليه تفضيل الله ﷾ هذه الأمة على سائر الأمم السابقة من نفس الحيثية.
قال الإمام ابن حجر﵀- (قيل: إن السر في اختصاص النبي ﷺ بالتنبيه المذكور مع أنه أوضح الأدلة في تكذيب الدجال، أن الدجال إنما يخرج في أمته دون غيرها ممن تقدم من الأمم) «٢» وأقول: لا يناقض ما قال الحافظ﵀- ما ذكرته آنفا.
الفائدة الثالثة:
عظيم فتنة الدجال، ودليله من الحديث أن كل نبي يحذر أمته من شره المستطير، وذلك لما أعطاه الله ﷾ من أمور خارقة للعادة لا يقدر عليها إلا هو ﷾، روى مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: حدّثنا رسول الله ﷺ حديثا طويلا عن الدّجّال فكان فيما حدّثنا به قال: «يأتي الدّجّال وهو محرّم عليه أن يدخل نقاب المدينة بعض السّباخ الّتي بالمدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير النّاس- أو من خير النّاس- فيقول: أشهد أنّك الدّجّال الّذي حدّثنا عنك رسول الله ﷺ حديثه فيقول الدّجّال: أرأيت إن قتلت هذا ثمّ أحييته هل تشكّون في الأمر؟! فيقولون: لا فيقتله ثمّ يحييه فيقول حين يحييه: والله ما كنت قطّ أشدّ بصيرة منّي اليوم فيقول: الدّجّال أقتله، فلا أسلّط عليه» «٣» ومن رحمة الله تعالى بهذه الأمة أن حفظها من فتنة الدجال العظيمة بعمل قليل وهو
_________________
(١) انظر فتح الباري (١٣/ ٩٦) .
(٢) انظر فتح الباري (١٣/ ٩٦) .
(٣) رواه مسلم، كتاب الفتن، باب: في صفة الدجال، برقم (٢٩٣٨) .
[ ١ / ٦٥ ]
حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف، روى مسلم في صحيحه، عن أبي الدّرداء أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من حفظ عشر آيات من أوّل سورة الكهف عصم من الدّجّال» «١» .
كما أن النبي ﷺ قد بيّنّ لأمته كذب الدجال في ادعائه الألوهية بدليل حسي ودليل عقلي، أما الدليل الحسي الشاهد فهو حديث الباب وما رواه مسلم في صحيحه عن قتادة، حدّثنا أنس بن مالك أنّ نبيّ الله ﷺ قال: «الدّجّال مكتوب بين عينيه ك ف ر أي كافر» «٢» .
وأما الدليل العقلي، فما رواه مسلم أيضا في صحيحه من حديث ابن الصياد الطويل:
«تعلّموا أنه لن يرى أحد منكم ربّه ﷿ حتى يموت» «٣» .
عن طاوس عن ابن عبّاس أنّ رسول الله ﷺ كان يعلّمهم هذا الدّعاء كما يعلّمهم السّورة من القرآن يقول: «قولوا: اللهمّ إنّا نعوذ بك من عذاب جهنّم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدّجّال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات قال مسلم بن الحجّاج بلغني أنّ طاوسا قال لابنه: أدعوت بها في صلاتك فقال لا قال أعد صلاتك؛ لأنّ طاوسا رواه عن ثلاثة أو أربعة أو كما قال» «٤» .
٥- التخيير بين الدنيا والآخرة:
ع ن أبي سعيد الخدريّ ﵁ أنّ رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال: «إنّ عبدا خيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدّنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده» فبكى أبو بكر وقال: فديناك بابائنا وأمّهاتنا، فعجبنا له وقال النّاس: انظروا إلى هذا الشّيخ يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدّنيا وبين ما عنده وهو يقول:
فديناك بابائنا وأمّهاتنا، فكان رسول الله ﷺ هو المخيّر، وكان أبو بكر هو أعلمنا به وقال رسول الله ﷺ: «إنّ من أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متّخذا خليلا من أمّتي لاتّخذت أبا بكر، إلّا خلّة الإسلام، لا يبقينّ في المسجد خوخة إلّا خوخة أبي بكر» «٥»
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب صلاة صلاة المسافرين، باب: فضل سورة الكهف، برقم (٨٠٩) .
(٢) رواه مسلم، كتاب الفتن، باب: ذكر الدجال، برقم (٢٩٣٣) .
(٣) رواه مسلم، كتاب الفتن، باب: ذكر ابن صياد، برقم (٢٩٣١) .
(٤) رواه مسلم، كتاب المساجد، باب: ما يستعاذ منه في الصلاة، برقم (٥٩٠) .
(٥) رواه البخاري، كتاب المناقب، باب: هجرة النبي ﷺ وأصحابه، برقم (٣٩٠٤) .
[ ١ / ٦٦ ]
الشاهد في الحديث
قول النبي ﷺ: «إن عبدا خيره الله أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده»، وقد حضرت عائشة ﵂ واقعة التخيير، لما ثبت عند البخاري عن عائشة قالت: كنت أسمع أنّه لا يموت نبيّ حتّى يخيّر بين الدّنيا والآخرة، فسمعت النّبيّ ﷺ يقول في مرضه الّذي مات فيه وأخذته بحّة يقول: «مع الّذين أنعم الله عليهم» «١» الآية فظننت أنّه خيّر.
بعض فوائد الحديث
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- علو منزلة النبي ﷺ وكذا إخوانه من الأنبياء- عليهم جميعا الصلاة والسلام- ويظهر ذلك في تخييرهم قبل الوفاة، بين الدنيا والآخرة، ودليل اشتراكهم جميعا في ذلك، قول عائشة، ﵂: (كنت أسمع أنه لا يموت نبي حتى يخير بين الدنيا والآخرة) ولفظ «نبي» نكرة في سياق النفي فيقتضي العموم.
٢- تواضع النبي ﷺ حيث قال: «إن عبدا» ولم يقل: نبيّا ولا رسولا، بل أتى بلفظ «عبد» نكرة، وقد مر أكثر من مرة شرف مقام العبودية لله، ﷿، وأنها أسمى المقامات.
٣- زهد النبي ﷺ في الدنيا وتقديمه جوار الله ﷿ على البقاء في الدنيا، مع أن هذا التخيير لم يقع على الدنيا بما فيها من أفراح وأتراح، مقابل الآخرة، بل وقع التخيير بين ما يختاره النبي ﷺ لنفسه من زهرة الدنيا- أي ما يشاء من صحة وعافية ومال وبنين، ويكون كل ذلك بلا هموم ولا غموم ولا أمراض ولا أسقام؛ لأن الإنسان لا يختار لنفسه إلا كل ما يسعده ويفرحه- وبين ما عند الله ﷾ فاختار النبي ﷺ ما عند الله، وذلك من كمال زهده وتمام حكمته وشوقه إلى لقاء ربه.
يتفرع على ذلك، أن ما عند الله، جل وعلا، هو خير وأبقى وأكمل للعبد المسلم، من دنيا فاز فيها بكل مرغوب، ونجا فيها من كل مرهوب، فإن وجدت مثل هذه الدنيا، وهو من أمحل المحال، فلا يفضلها عبد مؤمن على ما عند الله، من مساكن عاليات وأنهار
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب: مرض النبي ﷺ ووفاته، برقم (٤٤٣٥) .
[ ١ / ٦٧ ]
جاريات وحور مقصورات، وزينة من الفضيات، وملابس من الحريرات، وأكواب مذهبات، ونمارق من الاستبرق مشغولات، فضلا عن رؤية وجه الله العظيم، وصحبة النبي الكريم، ومجالسة الصحب الميامين، مع ما أعده الرب الشكور من دائم السرور وعميم الحبور.
٤- عظيم وفاء النبي ﷺ لأصحابه ﵃ جميعا، خاصة أبا بكر، صدّيق هذه الأمة، وسابقها لكل خير، ودليله من الحديث: «إن من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر» «١»، وهذا منتهى الوفاء والاعتراف بفضل أهل الخير وردّ صنيعهم بما هو أجمل وأكمل. وقد ذكر صاحب الفتح أن معنى: «إن من أمنّ الناس عليّ» أي أبذل الناس لنفسه وماله؛ لأن المن هنا بمعنى العطاء والبذل، لا بمعنى المنة التي تفسد الصنيعة.
وكان من مظاهر رد النبي ﷺ لأيادي أبي بكر البيضاء على الإسلام والمسلمين ما يلي:
أ- وجّه النبي ﷺ الخطاب إليه، وهو على المنبر، بقوله: «يا أبا بكر لا تبك» كما في إحدى روايات البخاري، وهي منقبة عظيمة لأبي بكر، ﵁، حيث ناداه بكنيته، وواساه في حزنه بأمره بعدم البكاء وذكر فضله.
ب- أثبت له النبي ﷺ أنه أكثر الصحابة صحبة وملازمة له، ﷺ، وأكثرهم إنفاقا، ودليله: «إن من أمن الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر» .
ج- أثبت النبي ﷺ أهلية أبي بكر لأن يكون خليلا له، لولا وجود المانع، وهو أن النبي ﷺ، خليل الرحمن، قال: «ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر خليلا»، ولو أن في الصحابة من هو أفضل صحبة للنبي ﷺ لكان هو أولى من أبي بكر ﵁ بخلة النبي ﷺ؛ لأن المقام بيان فضل الناس ولا ينبغي في حقه ﷺ رفع المفضول على الفاضل.
د- أمر النبي ﷺ بإغلاق جميع الأبواب التي تفتح بيوت الصحابة على المسجد، إلا باب أبي بكر الصديق، قال ﷺ: «لا يبقين في المسجد خوخة إلى خوخة أبي بكر»، وفي رواية عند البخاري: «لا يبقين في المسجد باب إلا سدّ إلا باب أبي بكر» «٢»، وهي منقبة عظيمة لأبي بكر، ﵁، وقد يكون من أسباب الأمر بسد جميع الأبواب، هو إظهار فضل
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب: الخوخة والممر في المسجد، برقم (٤٦٦) .
(٢) سبق تخريجه قريبا.
[ ١ / ٦٨ ]
أبي بكر ﵁، وقد ذكر الإمام ابن حجر، ﵀، في فتح الباري أن باب علي ﵁ قد استثني أيضا، في غير هذا المقام؛ لأن باب بيته كان إلى جهة المسجد ولم يكن لبيته باب غيره. انتهى كلامه «١»، ومن ثمّ ترى أن هنا فرقا بين باب أبي بكر وباب علي ﵄.
الفائدة الثانية:
في مناقب الصديق ﵁:
١- فقهه: حيث علم مراد النبي ﷺ بالعبد الذي خيره الله بين زهرة الدنيا وما عنده، ولولا أن أبا بكر ﵁ يعلم أن الأنبياء يخيرون قبل قبضهم ما بكى، أو أنه كان يعلم مراد النبي ﷺ من الأمثلة التي كان يضربها للناس، قال الراوي: (وكان أبو بكر هو أعلمنا به)، وهو إقرار من الصحابة بفضل أبي بكر وعلمه ﵃ جميعا.
أضف إلى ذلك توقيرهم له من قولهم: (وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ) يعنون أبا بكر.
٢- حبه للنبي ﷺ ومفاداته بالآباء والأمهات ويوضح ذلك:
أ- بكاؤه لما علم بقرب أجل النبي ﷺ وأظن أن البكاء قد غلبه من شدة الحزن، وإلا لما بكى أمام الناس، فهم كانوا أحرص الناس على ملازمة الإخلاص ومجانبة الرياء.
ب- قوله: (فديناك بابائنا وأمهاتنا) وهذا يدل على فرط حبه للنبي ﷺ فكان يود لو سلم الرسول، ﷺ من كل أذّى، مقابل تعرض الآباء والأمهات لمثل هذا الأذى، وكان هذا أهون عليه.
ويتفرع عليه ما كان عليه الصديق ﵁ من إجلال وإكبار لقدر الآباء والأمهات، حيث أراد أن يفتدي الرسول ﷺ بهما، ولو كان يرى شيئا أعظم قدرا منهما لذكره في هذا المقام.
٣- مكانته: يتضح مما سبق أن أبا بكر ﵁ هو خير الأصحاب بلا منازع، ولا يجادل في ذلك إلا مكابر، خاصة إذا أضيف إلى هذا الحديث، أنه هو الذي صحب النبي ﷺ في الهجرة المباركة، وأن الرسول، ﷺ، هو الذي طلب الزواج من ابنته ﵂، وأن النبي ﷺ أمره أن يصلي بالناس عند ما حضرته الوفاة، وهو أدل دليل على أنه الأولى بالخلافة وكان يسأل من أحبّ الناس إليك، فيقول: أبو بكر. ويضاف إلى
_________________
(١) انظر فتح الباري (٧/ ١٥) .
[ ١ / ٦٩ ]
ذلك كثرة الأحاديث التي تظهر فضله، ﵁، وأحقيته بالخلافة وهى أكثر من أن نحصيها، ونذكر هنا ما (رواه البخاري)، بإسناده عن محمّد بن جبير أنّ أباه جبير بن مطعم أخبره أنّ امرأة أتت رسول الله ﷺ فكلّمته في شيء فأمرها بأمر فقالت: أرأيت يا رسول الله إن لم أجدك قال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر «١» . زاد لنا الحميديّ عن إبراهيم بن سعد كأنّها تعني الموت.
فإن قال قائل: كلام النبي، ﷺ، يدل على الواقع، ولا يدل على الأفضلية والأحقية الشرعية، لأبي بكر في الخلافة، قلت: لو كان الأمر يدل على الواقع فقط، لقال النبي ﷺ للمرأة: (إن لم تجديني فستجدي أبا بكر)، ولكنه ﷺ قال لها: «إن لم تجديني فأتي أبا بكر» ومن جهة أخرى، إن لم يكن أبو بكر، ﵁، هو الأحق بالخلافة، لوجود من هو أفضل منه، لأمرها النبي، ﷺ، أن تذهب إلى الأفضل، وكيف لا يفعل ذلك، وهو الناصح الأمين لهذه الأمة، ﷺ، فأعتقد أن في هذا الحديث إخبارا من الرسول، ﷺ، بخلافة أبي بكر ورضائه بهذه الخلافة الراشدة.
الفائدة الثالثة:
وهي متفرقات:
١- تفاوت الصحابة ﵃ في بذل المال والنفس، لقوله ﷺ: «إن من أمن الناس علي» فذكر كلمة «أمنّ» على صيغة أفعل التفضيل، مما يدل على التفاوت.
٢- ليس بالمال وحده ينصر دين الله، ولكن يكون أيضا ببذل النفس، وهذا لا يعدمه أحد على قدر استطاعته، بل قدم النبي ﷺ الصحبة على المال.
٣- أخوة الإسلام صلة وثيقة وعظيمة بين المسلمين، يجب على المسلمين اعتبارها في كل معاملاتهم وتصرفاتهم، حيث أثبتها النبي ﷺ لأبي بكر ﵁، ولو كان هناك ما هو أعظم من هذه الرابطة لأثبتها النبي ﷺ، ولولا قوتها ومكانتها وفضلها، ما أثبتها النبي ﷺ في مقام يريد فيه أن يكافئ أفضل الصحابة وأحبهم إليه ﷺ.
٦- عدم أكل الصدقة:
عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام سأل عنه أهديّة أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة قال لأصحابه: كلوا ولم يأكل وإن قيل: هديّة ضرب بيده ﷺ فأكل معهم) «٢» .
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المناقب، باب: قول النبي ﷺ: «لو كنت متخذا خليلا»، برقم (٣٦٥٩) .
(٢) رواه البخاري، كتاب الهبة، باب: قبول الهدية، برقم (٢٥٧٦) .
[ ١ / ٧٠ ]
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
تختلف الصدقة عن الهدية في الأمور التالية:
١- تخرج الزكاة لتطهير مال الغني، قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [التوبة: ١٠٣]، أما الهدية فتخرج لكسب ودّ الناس وحبهم.
٢- من يستحق الزكاة من المسلمين هم الفقراء والمصارف الآخرى التي ذكرها القرآن، أما الهدية فتخرج للفقراء والأغنياء على حد سواء.
٣- الزكاة فريضة على كل مسلم غني، قد يدفعها المسلم بغير طيب نفس ولكن بغرض أداء الواجب أو خوف السلطان، أما الهدية فهي ليست واجبة على العبد، فالأصل أنه يخرجها عن طيب نفس.
٤- قد يشعر الغني بمنة على الفقير عند إعطائه الزكاة، أما الهدية فلا.
٥- أمر النبي ﷺ أن يقاتل الناس إذ هم منعوا زكاة أموالهم، روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا ألاإله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله، ويقيموا الصّلاة، ويؤتوا الزّكاة: فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلّا بحقّ الإسلام وحسابهم على الله» «١» . وهذا غير موجود في الهدية.
لهذه الأسباب أو لبعضها حرّم الله على الأنبياء- عليهم جميعا الصلاة والسلام- الأكل من الصدقات والزكوات.
ويتفرع عليه: إرادة الله تعالى حفظ أعراض أنبيائه وصون ماء وجوههم، وأن تكون أيديهم هي العليا.
الفائدة الثانية:
ليس التضييق على العباد في أمور أو أحكام معينة معناه أن الله ﷿ لا يحبهم، فهؤلاء هم خير الخلق أجمعين، ضيق الله عليهم بتحريم أكلهم من الصدقة حبّا لهم وإعلاء لشأنهم.
الفائدة الثالثة:
بيان ورعه ﷺ حيث كان يسأل عن الطعام قبل أن يأكله، قال الإمام النووي﵀-: (فيه استعمال الورع والفحص عن أصل المأكل والمشرب) «٢» .
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ، برقم (٢٥) .
(٢) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (٧/ ١٨٤) .
[ ١ / ٧١ ]
كما يؤخذ من الحديث تواضعه ﷺ حيث كان يأكل من الهدية. فعن أبي هريرة أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا أتي بطعام سأل عنه فإن قيل: هديّة أكل منها وإن قيل: صدقة لم يأكل منها. (رواه مسلم) «١» .
٧- عدم التوريث
عن عائشة ﵂ أنّ أزواج النّبيّ ﷺ حين توفّي رسول الله ﷺ أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهنّ، فقالت عائشة: أليس قد قال رسول الله ﷺ: «لا نورث ما تركنا صدقة» «٢» .
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ: «لا نورث ما تركنا صدقة» ومقصود الجمع في قوله ﷺ: «لا نورث» أي:
نحن معاشر الأنبياء.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
عدم توريث الأنبياء من الأمور التي حفظ الله بها أعراض الأنبياء من الطعن والذم في حياتهم، وحفظ بها أهل قرابتهم بعد مماتهم من التطاحن والاختلاف.
وعدم التوريث من الأمور التي كانت بلا شك تضيقا في الظاهر على قرابة الأنبياء، ولكن الله ﷿ عوضهم عن ذلك ما هو أعظم بركة وأجرا وذكرا في الدنيا والآخرة، قال الإمام النووي﵀- (قال العلماء: الحكمة في أن الأنبياء صلوات الله عليهم لا يورثون أنه لا يؤمن أن يكون في الورثة من يتمنى موته- أي النبي ﷺ فيهلك؛ ولئلا يظن بهم الرغبة في الدنيا لوارثه فيهلك الظان، وينفر الناس عنه) «٣» .
الفائدة الثانية:
في الحديث دليل على فقه عائشة ﵂، وسعة حفظها واطلاعها على ما لم يطلع عليه غيرها من أزواج النبي ﷺ، والدليل على ذلك أنها احتجت بما سمعته من النبي ﷺ في المسألة، وهي فضيلة ظاهرة لعائشة ﵂.
الفائدة الثالثة:
ليس هناك حرج أن يطلب المسلم (مهما علا قدره في الدين والعلم
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب: قبول النبي ﷺ الهدية، برقم (١٠٧٧) .
(٢) رواه البخاري، كتاب الفرائض، باب: قول النبي ﷺ: «لا نورث ما تركنا صدقة»، برقم (٦٧٣٠) .
(٣) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ٧٤) .
[ ١ / ٧٢ ]
والوجاهة) حقه الشرعي من الميراث: (مهما صغر مقدار هذا الميراث)، ودليله أن أزواج النبي ﷺ مع فضلهن قد طلبن ميراثهن، وما أنكرت عائشة ﵂ طلبهن إلا من جهة أن النبي ﷺ لا يورث، وفي حديث فاطمة والعباس دليل على ذلك؛ فعن عروة عن عائشة: (أنّ فاطمة والعبّاس ﵉ أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله ﷺ وهما حينئذ يطلبان أرضيهما من فدك وسهمهما من خيبر فقال لهما أبو بكر سمعت رسول الله ﷺ: يقول: «لا نورث ما تركنا صدقة إنّما يأكل آل محمّد من هذا المال» .
قال أبو بكر: والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيه إلّا صنعته. قال: فهجرته فاطمة فلم تكلّمه حتّى ماتت) «١» .
٨- رؤية مقاعدهم في الجنة
أن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: «إنّه لم يقبض نبيّ قطّ حتّى يرى مقعده من الجنّة ثمّ يحيّا أو يخيّر» . فلمّا اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه فلمّا أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثمّ قال: اللهمّ في الرّفيق الأعلى «٢» .
الشاهد في الحديث:
قوله: (إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة) .
وهذا دليل على علو منزلة الأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام، حيث إنهم يرون في الدنيا- قبل موتهم- مقاعدهم من الجنة، ثم يأتي بعد ذلك التخيير، والحكمة من ذلك- والله أعلم- ترغيبهم وحثهم على اختيار جوار الله، وهذا يعد من عظيم محبة الله لهم وإرادته جوارهم منه سبحانه.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
زهد النبي ﷺ في الدنيا وتفصيله الدار الآخرة ولقاء ربه، حيث إنه ﷺ ما تردد بل اختار من أول تخيير له الدار الآخرة.
الفائدة الثانية:
أدبه ﷺ مع ربه، وحرصه على تعليم الأمة هذا الأدب، حيث
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الفرائض، باب: قول النبي ﷺ: «لا نورث ما تركنا صدقة»، برقم (٦٧٢٥) .
(٢) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب: مرض النبي ﷺ ووفاته، برقم (٤٤٣٧) .
[ ١ / ٧٣ ]
وصف ﷺ الرفيق- الذي هو جوار ربه والدار الآخرة- بوصف أتم أكمل وهو الأعلى.
ويتفرع عليه سوء أدب من يزهد في الدار الآخرة أو يفضل عليها الدنيا، ويأمل فيها ويتعلق بها أكثر من تعلقه بالدار الآخرة.
وليعلم كل مسلم أن النبي ﷺ لما حكم على الدار الآخرة بصفة (الأعلى) فقد تضمن هذا الحكم على هذه الحياة التي نسكنها (بالدنيا) ويصدق ذلك قوله تعالى: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ [النساء: ٧٧] .
وإذا كان النبي ﷺ قد اختار الرفيق الأعلى مع أن كل لحظة في حياته كانت بركة ونفعا لأمته ﷺ، أفلا نختار نحن الرفيق الأعلى وحياتنا كلنا أقل نفعا- قطعا- من حياته ﷺ.
الفائدة الثالثة:
في مناقب أم المؤمنين عائشة ﵂:
١- فقهها ﵂ حيث علمت من حال النبي ﷺ لما أشخص بصره إلى السقف ثم قال: «اللهم الرفيق الأعلى» أنه يخير، وقد ربطت ذلك بما سمعته منه ﷺ حال صحته حيث قال لها: «إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير»، وهذا يدل أيضا على قوتها ﵂ ورباطة جأشها إذ لم يذهب عقلها أو يذهل قلبها، وهي ترى النبي ﷺ في سكرات الموت، فداه أبي وأمي.
٢- علمها بحال النبي ﷺ، وزهده في الدنيا وإقباله على الآخرة حيث علمت أنه ﷺ سيختار الرفيق الأعلى، حيث قالت: (إذا لا يختارنا) .
٣- من فضائلها ﵂ وفضائلها كثيرة- ولكن هذه فضيلة لا يساميها فيها أحد أبدا- أن النبي ﷺ خير واختار ثم قبض في حجرها، ودفن في غرفتها، بل لها ما هو أعظم من ذلك وأشد بركة، أنها كانت آخر أحد من البشر اختلط ريقه بريق النبي ﷺ، ورد في الصحيح عن عائشة ﵂ أنّ رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضه الّذي مات فيه: «أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟» يريد يوم عائشة فأذن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتّى مات عندها قالت عائشة: فمات في اليوم الّذي كان يدور عليّ فيه في بيتي فقبضه الله وإنّ رأسه لبين نحري وسحري وخالط ريقه ريقي «١» . وما كان هذا إلا بتقدير الله ﷾. وسيأتي ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى في باب أيام من حياة النبي ﷺ.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب: مرض النبي ﷺ ووفاته، (٤٤٥٠) .
[ ١ / ٧٤ ]
٩- تحريم أجسادهم على الأرض:
فقد روى أبو داود في سننه بإسناده عن أوس بن أوس قال: حدّثنا هارون بن عبد الله، حدّثنا حسين بن عليّ، عن عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصّنعانيّ، عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ من أفضل أيّامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النّفخة، وفيه الصّعقة، فأكثروا عليّ من الصّلاة فيه، فإنّ صلاتكم معروضة عليّ» . قال: قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يقولون: بليت. فقال: «إنّ الله ﷿ حرّم على الأرض أجساد الأنبياء» «١» .
ثانيا: ذكره ﷺ في الكتب المنزلة وأخذ العهد على الأنبياء بنصرته
١- هو دعوة إبراهيم:
قال تعالى (على لسان إبراهيم ﷺ): رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة: ١٢٩] .
إجماع أهل التفسير، بل أهل القبلة كلهم جميعا على أن المقصود بهذه الدعوة هو نبينا محمد ﷺ، قال الإمام الطبري: القول في تأويل قوله تعالى: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ:
هذه دعوة إبراهيم وإسماعيل لنبينا محمد ﷺ، ونقل عن قتادة قوله: (ففعل الله ذلك، فبعث فيهم رسولا من أنفسهم يعرفون وجهه ونسبه، يخرجهم من الظلمات إلى النور ويهداهم إلى صراط العزيز الحميد) «٢» .
وقال صاحب «المنتخب» في معنى الآية الكريمة: (ربنا وابعث في ذريتنا رسولا منهم يقرأ عليهم آياتك ويعلمهم ما يوحى إليه به من كتاب وعلم نافع وشريعة محمودة ويطهرهم من ذميم الأخلاق إنك أنت الغالب القاهر الحكيم فيما تفعل وما تأمر به وما تنهى عنه) .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
علو مكانة النبي ﷺ ومنزلته الرفيعة العالية عند ربه ﵎، ثم
_________________
(١) رواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب: فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة، برقم (١٠٤٧)، وهو حديث صحيح: وقد أوردنا هذا الحديث في خارج الصحيحين لعدم وجود حديث بهذا اللفظ أو المعنى في أحدهما.
(٢) انظر تفسير الطبري (١/ ٥٥٧) .
[ ١ / ٧٥ ]
عند أبيه إبراهيم ﵊، يتبين ذلك من صيغة الدعاء وكيفية استجابة الله له ونجمل ذلك فيما يلي:
١- استفتح إبراهيم ﷺ دعاء بلفظ رَبَّنا استدرارا لرحمات الله ﵎ وأنه بمقتضى ربوبيته لخلقه التي تستلزم الرعاية والتربية والهداية يبعث في الأمة مثل هذا الرسول الكريم. وقد حذف الخليل من دعائه حرف النداء (يا) إشعارا بقربه من الرب جل في علاه.
٢- اختار إبراهيم ﷺ لنبينا محمد ﷺ أشرف نسب على وجه الأرض، وهي ذرية إسماعيل ﵇، قال صاحب التفسير الميسر في تفسير الآية: (ربنا وابعث في هذه الأمة رسولا من ذرية إسماعيل يتلو عليهم آياتك ويعلمهم القرآن والسنة ويطهرهم من الشرك وسوء الأخلاق) .
٣- اختار إبراهيم ﷺ لختم الدعاء- وهذا من فقهه وعلمه- اسمين كريمين يتوسل بهما إلى الله تعالى لتحقيق دعائه على أحسن ما يكون، وهو العزيز الحكيم، فبعزته ﵎ أرسل رسولنا الكريم ونصره وأيده بالآيات الباهرات، الكونية والشرعية، فأظهر دينه على كل الأديان والملل والنحل، وبمقتضى حكمته ﵎ اختار خير خلقه أجمعين ليحقق به دعوة الخليل ﷺ. قال عز من قائل: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] .
٤- من فضله ومنته ﵎ أن أجاب دعوة إبراهيم ﷺ على أحسن ما يكون، بل زاد عليها، بأن جعل النبي المبعوث شاهدا ومبشرا ونذيرا، وجعله خير الأولين والآخرين، وختم به سلسلة الأنبياء والمرسلين.
الفائدة الثانية:
كان دعاء الخليل ﷺ والذي استجابه الله ﵎ على أحسن ما يكون، خير تزكية لنبينا ﵊ من قبل بعثته بقرون طويلة، يتبين ذلك من:
١- أنه يكفيه ﷺ شرفا ورفعة أن تكون بعثته ببركة دعاء خير الأنبياء- بعد نبينا ﷺ- الخليل إبراهيم ﷺ.
٢- أنه ﷺ سيأتي بكتاب يتعبّد لله ﵎ بتلاوته، وهو الذي سيعلم الأمة قرآنه ويعلمهم تلاوته، كما سيعلمهم السنة الشريفة، جاء في دعاء الخليل يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة: ١٢٩] والحكمة هي السنة الشريفة، راجع ما قاله صاحب
[ ١ / ٧٦ ]
التفسير الميسر والذي ذكرته آنفا، وكفى النبي ﷺ تزكية أن تطلق الحكمة على سنته الشريفة.
٣- أنه ﷺ سير بي هذه الأمة على خير الأخلاق والأقوال والأفعال، بما يضمن لها طهارة القلوب والعقول، ورد في دعاء إبراهيم ﷺ وَيُزَكِّيهِمْ.
الفائدة الثالثة:
وجوب امتنان هذه الأمة للخليل إبراهيم ﵊، الذي دعا ربه واجتهد- كما رأينا- في دعائه، فكان من بركة دعائه أن بعث الله فينا وإلينا خير خلقه أجمعين ﷺ.
الفائدة الرابعة:
ليس تأخير استجابة الدعاء أو عدم معاينة العبد لاستجابة الله دعائه، شاهد أو قرينة على رد دعاء المؤمن، كلا، فالله ﵎ قد استجاب دعاء الخليل كأحسن ما يكون ولم يعاين صاحب الدعاء الإجابة، ولكن تأخّر الإجابة كان لحكمة بليغة ترفع مقام الداعي الخليل فقد استجاب الله دعاءه في خاتم النبيين.
الفائدة الخامسة:
علو مكانة إبراهيم ﵇ عند ربه، وذلك بأن وفقه لمثل هذا الدعاء وألهمه إياه وجعل هذا الدعاء مقدمة لبعثة خير الأنبياء ﵊، ثم جعله أبا أكبر للمصطفى ﷺ، بل جعل كل الأنبياء من بعده من ذريته، قال تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [العنكبوت: ٢٧]، وهذا الذي جعل العلماء يقولون: إن إبراهيم ﷺ هو خير الأنبياء جميعا بعد نبينا ﷺ.
٢- ذكره ﷺ في التوراة والإنجيل:
قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٧] .
من نعم الله ﷾ المتتالية والمتعاقبة على نبيه ﷺ أن جاء ذكره بل نعته وما يؤمر به وما ينهى عنه في التوراة والإنجيل.
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
من دلائل رفع الله ﵎ ذكر النبي ﷺ أنّ ذكره قد ورد في
[ ١ / ٧٧ ]
التوراة والإنجيل بأحسن الصفات وأتمها وكان ذلك بمثابة أعظم التزكية له قبل بعثته ﷺ، والصفات هي:
١- صفة النبوة التي هي أعظم الصفات وأجلّها.
٢- صفة الأمية وهي ليست صفة يراد بها إثبات الذم والنقص، بل هي صفة يراد بها المدح والكمال، وموطن المدح في اللفظ، أن هذا النبي الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب كان خير معلم للبشرية، أخرج الناس من الظلمات إلى النور، ولا يشك عاقل أن الأمي لا يأتي بكتاب عظيم مثل هذا القرآن إلا إذا أوحى الله له به.
٣- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الشيخ السعدي﵀-: (المعروف هو كل ما عرف حسنه وصلاحه ونفعه، والمنكر هو كل ما عرف قبحه في العقول والفطر، فيأمرهم بالصلاة والزكاة والصوم وصلة الرحم وبر الوالدين والإحسان إلى الجار والمملوك وبذل النفع لسائر الخلق والصدق والعفاف والنصيحة، وينهى عن الشرك بالله وقتل النفس بغير حق والزنا وشرب ما يسكر العقل والظلم لسائر الخلق والكذب والفجور ونحو ذلك) انتهى «١» .
وأقول: إن من أوضح دلائل نبوة أي نبي، هو حسن ما يأمر به وقبح ما ينهى عنه، وبه استدل هرقل عظيم الروم على صدق النبي ﷺ.
٤- تحليله ﷺ الطّيّب من كل شيء، فيدخل فيه المطاعم والمشارب واللباس والأقوال والأخلاق والأفعال، وتحريمه الخبيث من كل شيء سواء من المطاعم أو المشارب أو العلاقات السيئة والأخلاق الرذيلة والمعاملات الفاسدة التي توقع في القلوب الحسد والبغضاء.
٥- رحمته الكبيرة بأمته؛ إذ كان من هديه ﷺ أن ييسّر لأمته أمر الدين وألا يكلفهم ما لا يطيقون، وضرب صاحب التفسير الميسر أمثلة على ذلك فقال: «ويذهب عنهم ما كلفوه من الأمور الشاقة كقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب وإحراق الغنائم والقصاص حتما من القاتل عمدا كان القتل أم خطأ» .
أقول أخي الكريم: سبحان من ضمن لنبينا ﷺ الذكر الحسن والثناء الجميل في الكتب
_________________
(١) انظر تفسير السعدي (٣٠٥) .
[ ١ / ٧٨ ]
المنزلة من عنده وأعظمها- بعد القرآن الكريم- التوراة والإنجيل.
الفائدة الثانية:
لم يتعبد الله ﷾ هذه الأمة وحدها بالإيمان بخاتم النبيين ﷺ، بل تعبد الله ﵎ أهل التوراة والإنجيل بالإيمان به ﷺ بصفته واسمه ونعته، والدليل على ذلك أنّ ذكره ﷺ قد جاء في كتبهم وفرض عليهم أن يؤمنوا بما أنزل من عند الله على وجه التفصيل ويتفرع عليه أن من كفر بالنبي ﷺ من أهل الكتاب فقد كفر أولا بالكتاب الذي أنزل على نبيه.
الفائدة الثالثة:
جواز أن ينسب التحليل والتحريم والأمر والنهي إليه ﷺ، من جهة أنه مبلغ الشرع عن الله ﷾ سواء بالقرآن أو السنة. ورد في الآية الكريمة:
وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ [الأعراف: ١٥٧] .
الفائدة الرابعة:
فصاحة القرآن العظيم وبلاغته إذ قسّمت المهام، التي يضطلع بها النبي ﷺ إلى ثلاثة جوانب كلية بألفاظ قليلة جامعة مانعة وهي:
أ- جانب دعوى:
يتمثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ويتفرع عليه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أركان هذا الدين، حيث ذكره الله﵎- كأول مهام النبي ﷺ، ويتفرع عليه أيضا بيان شرف من يقوم بهذه المهمة من عموم المسلمين حيث هي وظيفة الأنبياء.
ب- جانب تشريعي:
يتمثل في التحليل والتحريم، ونأخذ من الآية قاعدة أصولية عظيمة تنسحب على كل أمر لم يأت فيه نص، وهي: كل أمر اجتمع أهل الاختصاص من المسلمين أنه طيب لا ضرر منه فهو حلال، وكلّ أمر اجتمعوا على أنه ضار مفسد للصحة أو للعقل والمال ولا نفع فيه فهو حرام ولا يحتاج الفتوى بحل القسم الأول أو تحريم القسم الثاني إلى دليل خاص من الشرع، بل يكفي هذا الدليل العام وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [الأعراف: ١٥٧] فالدخان مثلا نقطع أنه حرام ويأثم شاربه، لاجتماع أهل الاختصاص كلهم جميعا على ضرره البالغ الذي لا يقاربه النفع المتوهّم من شربه.
ج- جانب اجتماعي:
ويتمثل في التخفيف عن الأمة تلك التكاليف التي كانت تشق على الأمم السابقة.
ويؤخذ من هذا الجانب أن هذه الشريعة التي جاء بها النبي ﷺ ليس فيها أبدا ما يشق على الأمة أو يسبب لها العنت والحرج، وأن كل أصول وفروع هذه الشريعة قائمة
[ ١ / ٧٩ ]
على التيسير والتسهيل.
الفائدة الخامسة:
حددت الآية الكريمة أربعة شروط لفلاح العبد في الدنيا والآخرة، والشروط هي:
١- الإيمان بالنبي ﷺ
، إيمان به وبكل ما جاء به من أصول وفروع، ومن عقائد وشرائع.
٢- تعظيمه ﷺ وتبجيله:
تعظيمه في نفسه وفي كل ما جاء به من كتاب وسنة، وتبجيله، وتبجيل كل ما يتعلق به، من أزواج وأولاد وأهل بيت كرام، وكذا من اتبعه ونصره من المهاجرين والأنصار. شريطة أن يظهر هذا التعظيم في أقوالنا وسلوكنا وجميع تصرفاتنا.
٣- نصرته ﷺ
، وتشمل نصرة كتابه- القرآن الكريم- ونصرة سنته بالعمل بها والدفاع عنها وتطهيرها مما يشوبها من الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
٤- اتباعه ﷺ
، أي التقيد بكل ما ورد بالقرآن الكريم والسنة الشريفة، وعدم الابتداع في الدين.
وتلحظ في الآية الكريمة أن كل أسباب الفلاح جاءت مطلقة غير مقيدة، لتشمل جميع ما ذكر، فالإيمان به مثلا يجب أن يشمل جميع أوجه الإيمان التي يمكن أن تتعلق به ﷺ وكل ما جاء به، حتى يشمل الإيمان بشمائله ﷺ وحسن صفاته الخلقية والخلقية ومعجزاته الكونية والشرعية.
قال صاحب التفسير الميسر: (فالذين صدقوا بالنبي الأمي محمد ﷺ وأقروا بنبوته ووقروه وعظموه ونصروه واتبعوا القرآن المنزل عليه وعملوا بسنته أولئك هم الفائزون بما وعد الله به عباده المؤمنين) .
٣- تبشير عيسى ﵇ به ﷺ:
قال تعالى: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦] .
البشرى: هي ما يفرح به العبد ويسرّ له، وسميت بهذا الاسم لتغير بشرة الإنسان بسماعها. فعيسى ﵇ وهو آخر أنبياء بني إسرائيل زفّ إلى قومه ومن سمعه من غير قومه خبرا سعيدا وهو مقدم النبي المصطفى والرسول المجتبى ﷺ.
[ ١ / ٨٠ ]
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
تزكية النبي ﷺ في الإنجيل، حيث ذكر باسم طيب جميل يدل على ثناء الناس عليه لكثرة بركته ووفرة خيره، وأحمد هو الذي يحمد بما فيه من خصال الخير أكثر مما يحمد غيره) .
الفائدة الثانية:
اشتهار أمر بعثته ﷺ في الأولين والآخرين باسمه الصريح، وخصاله الخلقية وشريعته السمحة، بل والكتاب الذي سيأتي به، قال تعالى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ١٩٦] قال الإمام ابن كثير﵀-: (والمقصد أن الأنبياء ﵈ لم تزل تنعته وتحكيه في كتبها على أممها، وتأمرهم باتباعه ونصره ومؤازرته إذا بعث، وكان ما اشتهر الأمر في أهل الأرض على لسان إبراهيم الخليل والد الأنبياء بعده حيث دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولا منهم وكذا على لسان عيسى ابن مريم) «١» .
الفائدة الثالثة:
واجب على كل مسلم ومسلمة أن يفرح بالنبي ﷺ وبعثته، وبكل ما جاء به، ومن لم يفعل فقد رد بشرى الله ﵎ على لسان نبيه عيسى ﷺ.
الفائدة الرابعة:
بيان أخوة الأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام مع اختلاف الأعراق والأجناس، فهذا عيسى ﵇ وهو من أنبياء بني إسرائيل يبشر بمقدم الرسول العربي نبينا محمد ﷺ.
الفائدة الخامسة:
ليس بين عيسى ﵇ ونبينا محمد ﷺ نبي آخر، لقوله تعالى:
وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦] .
الفائدة السادسة:
تعدد أسمائه ﷺ فقد ورد في القرآن، محمد وأحمد، وورد عند البخاري عن جبير بن مطعم ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ لي أسماء: أنا محمّد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الّذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الّذي يحشر النّاس على قدمي، وأنا العاقب» «٢» .
٤- ذكره في كتب الأولين:
قال تعالى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ١٩٦] . وقال تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٣٦١) .
(٢) رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: قوله تعالى: مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦]، برقم (٤٨٩٦) .
[ ١ / ٨١ ]
يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٤٦] . والزبر اسم جنس لجميع الكتب المنزلة.
إن كان قد ثبت بالأدلة التفصيلية ذكر النبي ﷺ على لسان إبراهيم وكذلك في التوراة والإنجيل، كما ذكرت سابقا، فقد أوردت هذا الباب للدلالة على أن ذكره ﷺ قد ورد في جميع الكتب المنزلة من الله على أنبيائه عليهم جميعا الصلاة والسلام، بدليل عام وهو قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ١٩٦]، وإن كان هناك خلاف بين المفسرين على من المقصود بالآية، هل هو النبي ﷺ في كتب الأنبياء السابقين، أم القرآن الكريم، فالأمر لا يختلف أبدا، فإن ذكر القرآن يتضمن ذكر من نزل عليه هذا الكتاب العزيز.
قال الإمام ابن كثير﵀-: (وإنّ ذكر هذا القرآن والتنويه به لموجود في كتب الأولين) «١» وقال الإمام القرطبي﵀- (أي أنّ ذكر نزوله لفي كتب الأولين يعني الأنبياء، وقيل: أي أن ذكر محمد ﷺ في كتب الأولين، والزبر الكتب، والواحد منها زبور) «٢» وقال صاحب المنتخب: (وإن ذكر القرآن والإخبار عنه بأنه من عند الله نزل على محمد ﷺ لثابت في كتب الأنبياء السابقين) .
٥- أخذ العهد على الأنبياء بنصرته ﷺ:
قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١] .
قال الإمام الطبري﵀-: (هذا ميثاق أخذه الله على النبيين، أن يصدق بعضهم بعضا، وأن يبلغوا كتاب الله ورسالاته إلى قومهم، وأخذ عليهم فيما بلّغتهم رسلهم أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ويصدقوه وينصروه) «٣» وقال صاحب التفسير الميسر:
(واذكر- يا محمد- إذ أخذ الله العهد المؤكد على جميع الأنبياء: لئن آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول من عندي مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، فهل أقررتم واعترفتم بذلك وأخذتم على ذلك عهدي الموثق؟ قالوا: أقررنا بذلك، قال: فليشهد
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير (٣/ ٣٤٨) .
(٢) انظر الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ١٣٨) .
(٣) انظر تفسير الطبري (٣/ ٣٣٢) .
[ ١ / ٨٢ ]
بعضكم على بعض، واشهدوا على أممكم بذلك، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم، وفي هذا أن الله أخذ الميثاق على كل نبي أن يؤمن بمحمد ﷺ، وأخذ الميثاق على أمم الأنبياء بذلك) . انتهى.
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
إرادة الله ﷾ إظهار فضل نبينا ﷺ على سائر الأنبياء كلهم جميعا، إذ أخذ عليهم العهود والمواثيق أن ينصروه ويتبعوه، كما ذكر في تفسير الآية.
فإن قال قائل: إذا كان هذا الميثاق قد أخذه الله ﷾ على جميع الأنبياء فلماذا فضّل النبي ﷺ على سائر الأنبياء بهذا الميثاق؟ قلت: فضل الله ﵎ على نبيه ﷺ في أخذ هذا الميثاق أظهر مقارنة بإخوانه من الأنبياء، وذلك لسببين:
السبب الأول: إذا كان كل نبي أخذ الله عليه العهد بنصرة من يدرك من الأنبياء، فإن نبينا ﷺ، هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فلن يبعث معه ولا بعده نبي آخر، لذلك أقول: إنه لم يؤخذ عليه هذا الميثاق، ولو فرض- على سبيل الفرض- أنه أدرك نبيّا آخر فسيكون هو ﷺ المتبوع المنصور وليس التابع الناصر. ألم تر أنه ﷺ صلى بالأنبياء إماما ليلة الإسراء؟!.
السبب الثاني: إذا كان الله ﵎ قد أخذ الميثاق على كل نبي بنصرة من سيأتي بعده من الأنبياء، علمنا أن الأنبياء كلهم جميعا قد أخذ عليهم العهد بنصرة نبينا محمد ﷺ، حيث إنه ﷺ آخرهم بعثة، فيكون هذا من دلائل فضله ﷺ. قال الشيخ السعدي﵀-: (وعموم ذلك أنه أخذ على جميعهم الميثاق بالإيمان والنصرة لمحمد ﷺ) «١» .
الفائدة الثانية:
من مظاهر اعتناء الله ﷿ بنبيه ﷺ، أن جعل العهد الذي أخذه على الأنبياء بالإيمان به ونصرته في غاية التوكيد، يتبين ذلك من:
١- تسمية العهد (ميثاق)، وهي كلمة تدل على إحكام العهد وشدته والمبالغة في تعظيمه.
٢- ذكرهم الله ﷿ بمنته عليهم، إذ أعطاهم الكتاب والحكمة، ليرغبهم في الوفاء بهذا الميثاق فيكونوا أشد حرصا على الالتزام به. قال الشيخ السعدي﵀-:
(هذا إخبار منه تعالى أنه أخذ عهد النبيين وميثاقهم كلهم بسبب ما أعطاهم ومنّ به عليهم
_________________
(١) انظر تفسير السعدي (١/ ١٣٧) .
[ ١ / ٨٣ ]
من الكتاب والحكمة المقتضى القيام بحق الله) «١» .
٣- حث الله ﷿ أنبياءه على اتباع النبي ﷺ ونصرته بإثبات أن الذي سيأتي به موافق لما في أيديهم من كتاب ربهم. قال تعالى: ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ [آل عمران: ٨١] وقوله تعالى: مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ هي صفة كاشفة وليست صفة مقيدة يمكن أن تتخلف.
٤- ورد التوجيه الرباني بوجوب الاتباع والنصرة، بلام التوكيد، في قوله تعالى:
لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمران: ٨١] .
٥- طلب الله ﷿ إقرارهم على كل ما جاء بالميثاق، قال تعالى: قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا [آل عمران: ٨١]، قال صاحب التفسير الميسر: (فهل أقررتم واعترفتم بذلك وأخذتم على ذلك عهدي الموثق؟ قالوا: أقررنا بذلك) .
٦- لتعظيم الميثاق في قلوب الأنبياء- عليهم جميعا الصلاة والسلام- بل وفي قلوب أتباعهم، أشهد الله ﷾ بعضهم على بعض بما جاء فيه وبإقرارهم على الوفاء به، قال تعالى: فَاشْهَدُوا. قال صاحب تفسير الميسر: (قال: فليشهد بعضكم على بعض واشهدوا على أممكم بذلك) .
٧- من أعظم أوجه تعظيم هذا الميثاق، أن الله ﵎ شهد عليه، فهي شهادة الحق على من أرسلهم ﷿ بالحق، وفي هذا أبلغ التخويف من نقض هذا العهد، وكذا أبلغ الترغيب في الوفاء به.
الفائدة الثالثة:
دعوة الأنبياء كلها واحدة من لدن آدم إلى نبينا محمد ﷺ وإن اختلفت شرائعهم وسننهم، قال تعالى: ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ [آل عمران: ٨١] .
الفائدة الرابعة:
إذا كان على جميع الأمم نصرة نبينا ﷺ، فمن باب أولى تكون نصرتنا له ﷺ أولى وأوجب، والحساب على عدم نصرته أشد وأبقى.
_________________
(١) انظر تفسير السعدي (١/ ١٣٦) .
[ ١ / ٨٤ ]
ثالثا: تأييده ﷺ بالمعجزات الباهرات
١- معجزة القرآن العظيم:
إذا كانت معجزة الإسراء بالنبي ﷺ إلى المسجد الأقصى ومعراجه إلى السماوات السبع وإلى ما بعدها حتى سمع صريف الأقلام هي أعظم معجزاته الحسية، وإذا كانت الشفاعة العظمى للنبي ﷺ يوم القيامة هي المقام المحمود الذي يغبطه عليه الملائكة الكرام والأنبياء العظام، ويحمده عليه أهل السماوات السبع والأرضين، فإن أعظم ما امتن الله به على عبد من عباده على مر العصور وتتابع الدهور، هو إنزال القرآن العظيم على نبينا محمد ﷺ، فو الله إنه لتشريف يتضاءل عنه وعنده كل تشريف، ويتقاصر عنه وعنده كل تكريم، واعتقد اعتقادا جازما- والله أعلى وأعلم- أنها منزلة لا تساميها ولا تزاحمها، بل لا تدانيها أية منزلة بل أقول بملء الفم: إنها نعمة لا يقدر قدرها إلا الذي أنعم بها- جل في علاه- على خليله وصفيه من خلقه، وإذا كنا لا نتصور تلك المنة العظيمة وتلك المعجزة الخالدة فلا أقل لنا وبنا أن نلتمس بعض ما فيها من المعجزات والأسرار والدلائل؛ لعلنا نقترب من تصور تلك النعمة.
وقد قال الشيخ السعدي- رحمه الله تعالى- كلاما جميلا نفيسا في تفسير صدر سورة «النمل» حيث قال: «هي أعلى الآيات، وأقوى البيانات، وأوضح الدلالات، وأبينها على أجلّ المطالب وأفضل المقاصد، وخير الأعمال وأزكى الأخلاق آيات تدل على الأخبار الصادقة، والأوامر الحسنة، والنهي عن كل عمل وخيم، وخلق ذميم، آيات بلغت في وضوحها وبيانها للبصائر النيرة مبلغ الشمس للأبصار، آيات دلت على الإيمان، ودعت للوصول إلى الإيقان، وأخبرت عن الغيوب الماضية والمستقبلة، على طبق ما كان ويكون.
آيات دعت إلى معرفة الرب العظيم، بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وأفعاله الكاملة، آيات عرفتنا برسله وأوليائه، ووصفتهم حتى كأننا ننظر إليهم بأبصارنا، ولكن مع هذا لم ينتفع بها كثير من العالمين، ولم يهتد بها جميع المعاندين؛ صونا لها عن من لا خير فيه ولا صلاح، ولا ذكاء في قلبه، وإنما اهتدى بها، من خصهم الله بالإيمان، واستنارت بذلك قلوبهم، وصفت سرائرهم» انتهى.
وقد جمعت ما يوضح عظيم شأن هذا الكتاب الكريم من كلام رب العالمين دون تعليق، حيث إن التعليق والشرح يحتاج إلى مجلد قد يتصدى- إن شاء الله- له مستقبلا أهل الخبرة والاختصاص.
[ ١ / ٨٥ ]
فأقول وبالله التوفيق:
كتاب لا ريب ولا شك:
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢] .
وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [يونس: ٣٧] .
لا يقدر على إنزاله إلا الله:
وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [يونس: ٣٧] .
وصف من أنزله بأحسن الصفات:
تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [السجدة: ٢] .
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١] .
وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [النمل: ٦] .
وصف من نزل به بأحسن الصفات:
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: ١٠٢] .
هو أحسن الحديث:
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ [الزمر: ٢٣] .
عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته واشتدّ غضبه حتّى كأنّه منذر جيش يقول: «صبّحكم ومسّاكم» ويقول: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه السّبّابة والوسطى»، ويقول: «أمّا بعد فإنّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمّد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة» «١» . (رواه مسلم) .
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة، برقم (٨٦٧) .
[ ١ / ٨٦ ]
إنزاله في أحسن الشهور وأفضل الليالي:
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [البقرة: ١٨٥] .
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ [الدخان: ٣] .
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١] .
فيه الهدى:
وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٥٢] .
فيه البشرى:
هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ [النمل: ٢] .
فيه الرحمة:
هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ [لقمان: ٣] .
فيه الشفاء:
وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت: ٤٤] .
فيه الموعظة والتذكرة:
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ [يوسف: ١٠٤] .
كتاب مبارك:
وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [الأنبياء: ٥٠] .
بيّن الدلالات والمعاني:
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [يس: ٦٩] .
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ [البقرة: ٩٩] .
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [النور: ٣٤] .
كتاب يرقق القلوب:
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ
[ ١ / ٨٧ ]
جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ [الزمر: ٢٣] .
وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء: ١٠٩] .
محكم الآيات:
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١] .
كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت: ٣] .
وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٥٢] .
بشّرت به الكتب السابقة:
وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ١٩٦] .
فيه بيان كل شيء:
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: ٨٩] .
يفترق في سماعه أهل الحق وأهل الباطل:
وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت: ٤٤] .
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف: ٥٧] .
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة: ١٢٤] .
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا [الإسراء: ٨٢] .
إثبات أحسن الصفات لمن يؤمن به:
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ [الأنعام: ٩٢] .
إثبات أحسن الصفات لمن ينتفع به:
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص: ٢٩] .
[ ١ / ٨٨ ]
الأمر بالعمل به:
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام: ١٥٥] .
الحث على تدبره وذم من غفل عن ذلك:
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢] .
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد: ٢٤] .
أحسن الجزاء على تلاوته:
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر: ٢٩] .
نزول الملائكة والسكينة عند قراءته:
هكذا بوب الإمام البخاري لهذا الحديث:
عن أسيد بن حضير قال: (بينما هو يقرأ من اللّيل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده إذ جالت الفرس، فسكت فسكتت، فقرأ فجالت الفرس فسكت وسكتت الفرس، ثمّ قرأ فجالت الفرس، فانصرف وكان ابنه يحيى قريبا منها فأشفق أن تصيبه فلمّا اجترّه رفع رأسه إلى السّماء حتّى ما يراها فلمّا أصبح حدّث النّبيّ ﷺ فقال: «اقرأ يا ابن حضير اقرأ يا ابن حضير» قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريبا فرفعت رأسي فانصرفت إليه فرفعت رأسي إلى السّماء فإذا مثل الظّلّة فيها أمثال المصابيح فخرجت حتّى لا أراها قال: «وتدري ما ذاك؟» قال: لا. قال: «تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحت ينظر النّاس إليها لا تتوارى منهم»، قال ابن الهاد:
وحدّثني هذا الحديث عبد الله بن خبّاب عن أبي سعيد الخدريّ عن أسيد بن حضير) «١» .
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلّا نزلت عليهم السّكينة وغشيتهم الرّحمة وحفّتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده» «٢» . (رواه مسلم) .
_________________
(١) رواه البخاري معلقا، كتاب فضائل القرآن، باب: نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن، قبل حديث رقم (٥٠١٩) .
(٢) رواه مسلم، كتاب الذكر، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، برقم (٢٦٩٩) .
[ ١ / ٨٩ ]
أحسن الجزاء على حفظه:
عن عائشة عن النّبيّ ﷺ قال: «مثل الّذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السّفرة الكرام البررة ومثل الّذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران» «١» . (رواه البخاري) .
عن زيد أنّه سمع أبا سلّام يقول: حدّثني أبو أمامة الباهليّ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرؤا القرآن فإنّه يأتى يوم القيامة شفيعا لأصحابه اقرؤا الزّهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنّهما تأتيان يوم القيامة كأنّهما غمامتان أو كأنّهما غيايتان أو كأنّهما فرقان من طير صوافّ تحاجّان عن أصحابهما، اقرؤا سورة البقرة؛ فإنّ أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة» قال معاوية: بلغني أنّ البطلة السّحرة «٢» . (رواه مسلم) .
أحسن الجزاء على الإيمان والعمل به (في الدنيا والآخرة):
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ [المائدة: ٦٦] .
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ [محمد: ٢] .
فيه الإنذار والوعيد:
كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: ٢] .
يهدي إلى أحسن الطرق وأقومها:
الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم: ١] .
نزل بأحسن اللغات وأفصحها:
كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت: ٣] .
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ [الأحقاف: ١٢] .
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٥] .
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: عَبَسَ وَتَوَلَّى، برقم (٤٩٣٧) .
(٢) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب: فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، برقم (٨٠٤) .
[ ١ / ٩٠ ]
كتاب معظّم في الملأ الأعلى:
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة: ٧٨] .
رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً [البينة: ٢] .
وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: ٤] .
فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) [عبس: ١٣- ١٥] .
أعظم الوعيد لمن كتم شيئا منه:
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [البقرة: ١٧٤] .
أعظم الوعيد لمن لم يؤمن به:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [النساء: ٤٧] .
الوعيد الشديد لمن كرهه، والثناء على من فرح به:
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ [محمد: ٩] .
وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الرعد: ٣٦] .
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا [الفرقان: ٤] .
الوعيد الشديد لمن ادعى قدرته على الإتيان بمثله:
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام: ٩٣] .
فيه الحكم بين الناس:
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا [النساء: ١٠٥] .
فيه بيان كل ما اختلف فيه:
وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل: ٦٤] .
[ ١ / ٩١ ]
فيه أحسن القصص:
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ [يوسف: ٣] .
تعظيم الجهة التي جاء منها:
ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى [طه: ٢] .
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا [الإنسان: ٢٣] .
العزة لمن عمل به واتبعه:
لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنبياء: ١٠] .
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ [المؤمنون: ٧١] .
كفى به حجة على العباد:
أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت: ٥١] .
كتاب تتصدع منه الصم الشامخات:
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٢١] .
وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ [الرعد: ٣١] .
هو نور:
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [التغابن: ٨] .
تعظيمه من حيث شهادة الله على إنزاله:
لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء: ١٦٦] .
تعظيمه من حيث علم الله بنزوله:
فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [هود: ١٤] .
[ ١ / ٩٢ ]
تعظيمه من حيث وجوب الإنصات إليه:
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف: ٢٠٤] .
هو القيم على بقية الكتب والمصدق لما فيها:
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة: ٤٨] .
سلامته من العيوب والخلل والاختلاف:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا [الكهف: ١] .
قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر: ٢٨] .
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢] .
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢] .
فيه خبر من قبلنا:
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران: ٤٤] .
تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود: ٤٩] .
ثناء الجن عليه ومبادرتهم بالإيمان به:
قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ [الأحقاف: ٣٠] .
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا [الجن: ١- ٢] .
ثناء المؤمنين عليه:
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ [النحل: ٣٠] .
[ ١ / ٩٣ ]
وصفه بأحسن الصفات وأتمها:
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ [البروج: ٢١] .
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: ١] .
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢] .
وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر: ٨٧] .
هدايته إلى أحسن الأخلاق والأقوال والأفعال:
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء: ٩] .
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة: ١٢٤] .
كتاب تحدى الله به الإنس والجن فأعجزهم:
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة: ٢٣] .
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨] .
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [هود: ١٣] .
تكفل الله ﵎ بحفظ من قرأه:
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا [الإسراء: ٤٥] .
تيسير الله ﵎ قراءته للتالين له:
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٧] .
تكفل الله ﷿ بحفظه على الوجه الأتم الأكمل:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] .
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣] .
[ ١ / ٩٤ ]
جعل الله آدابا لقراءته وحمله:
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [النحل: ٩٨] .
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٩] .
إنزاله منجما خلافا لبقية الكتب:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: ٣٢] .
فيه الأمثال وتصريف الآيات:
وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا [طه: ١١٣] .
وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [الإسراء: ٨٩] .
لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [الرعد: ١٤] .
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ [الرعد: ١٧] .
اعتراف الكفار أن للقرآن الغلبة:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦] .
تهافت الكفار على سماعه:
(ثمّ بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلّي فيه ويقرأ القرآن فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه) «١» . (رواه البخاري) من حديث عائشة ﵂ الطويل عن الهجرة.
المنافق لا يعدم بركة تلاوة القرآن.
عن أبي موسى عن النّبيّ ﷺ قال: «المؤمن الّذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجّة طعمها طيّب وريحها طيّب، والمؤمن الّذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتّمرة طعمها طيّب ولا ريح لها، ومثل المنافق الّذي يقرأ القرآن كالرّيحانة ريحها طيّب وطعمها مرّ، ومثل المنافق الّذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة طعمها مرّ أو خبيث وريحها مرّ» .
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المناقب، باب هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة، برقم (٣٩٠٦) .
[ ١ / ٩٥ ]
نعم الرقية هو:
عن أبي سعيد الخدريّ ﵁: (أنّ ناسا من أصحاب النّبيّ ﷺ أتوا على حيّ من أحياء العرب فلم يقروهم فبينما هم كذلك إذ لدغ سيّد أولئك فقالوا: هل معكم من دواء أو راق؟ فقالوا: إنّكم لم تقرونا ولا نفعل حتّى تجعلوا لنا جعلا فجعلوا لهم قطيعا من الشّاء فجعل يقرأ بأمّ القرآن ويجمع بزاقه ويتفل فبرأ فأتوا بالشّاء فقالوا: لا نأخذه حتّى نسأل النّبيّ ﷺ فسألوه فضحك وقال: «وما أدراك أنّها رقية؟ خذوها واضربوا لي بسهم» «١» .
(رواه البخاري) .
٢- الإسراء والمعراج:
عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذرّ يحدّث أنّ رسول الله ﷺ قال: فرج عن سقف بيتي وأنا بمكّة فنزل جبريل ﷺ ففرج صدري ثمّ غسله بماء زمزم ثمّ جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغه في صدري ثمّ أطبقه ثمّ أخذ بيدي فعرج بي إلى السّماء الدّنيا فلمّا جئت إلى السّماء الدّنيا قال جبريل لخازن السّماء: افتح قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمّد ﷺ فقال: أرسل إليه؟ قال: نعم فلمّا فتح علونا السّماء الدّنيا فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة إذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل يساره بكى فقال: مرحبا بالنّبيّ الصّالح والابن الصّالح قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه فأهل اليمين منهم أهل الجنّة، والأسودة الّتي عن شماله أهل النّار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، حتّى عرج بي إلى السّماء الثّانية فقال لخازنها: افتح فقال له خازنها مثل ما قال الأوّل ففتح قال أنس: فذكر أنّه وجد في السّماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم صلوات الله عليهم ولم يثبت كيف منازلهم غير أنّه ذكر أنّه وجد آدم في السّماء الدّنيا وإبراهيم في السّماء السّادسة قال أنس: فلمّا مرّ جبريل بالنّبيّ ﷺ بإدريس قال: مرحبا بالنّبيّ الصّالح والأخ الصّالح فقلت: من هذا؟ قال: هذا إدريس ثمّ مررت بموسى فقال: مرحبا بالنّبيّ الصّالح والأخ الصّالح قلت: من هذا؟ قال: هذا موسى ثمّ مررت بعيسى فقال: مرحبا بالأخ الصّالح والنّبيّ الصّالح قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى ثمّ مررت بإبراهيم فقال:
مرحبا بالنّبيّ الصّالح والابن الصّالح قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم ﷺ قال ابن
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الطب، باب الرقي بفاتحة الكتاب. برقم (٥٧٣٦) .
[ ١ / ٩٦ ]
شهاب: فأخبرني ابن حزم أنّ ابن عبّاس وأبا حبّة الأنصاريّ كانا يقولان: قال النّبيّ ﷺ:
«ثمّ عرج بي حتّى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام» . قال ابن حزم وأنس بن مالك:
قال النّبيّ ﷺ: «ففرض الله ﷿ على أمّتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتّى مررت على موسى، فقال: ما فرض الله لك على أمّتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربّك فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك فراجعت فوضع شطرها فرجعت إلى موسى قلت: وضع شطرها فقال:
راجع ربّك فإنّ أمّتك لا تطيق فراجعت فوضع شطرها فرجعت إليه فقال: ارجع إلى ربّك فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك فراجعته فقال: هي خمس وهي خمسون لا يبدّل القول لديّ فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربّك فقلت: استحييت من ربّي، ثمّ انطلق بي حتّى انتهى بي إلى سدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثمّ أدخلت الجنّة فإذا فيها حبايل اللّؤلؤ وإذا ترابها المسك» «١» .
لا شك أن معجزة الإسراء والمعراج، هي من أعظم معجزات النبي ﷺ، حيث رأى فيها من آيات ربه الكبرى، وكانت فيها إمامته الأنبياء، ورفعه بعد السماوات السبع حتى سمع صريف الأقلام، واطلاعه على النار، وما يجري فيها من عذاب الكفار وأهل المعاصي، ودخوله الجنة، وما رأى فيها من الحسن والجمال، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وفيها كلم الله تكليما. وقبل البدء في التعليق على حديث الباب نذكر بعض النقاط الرئيسة المهمة في حادثة الإسراء:
١- مناسبتها:
جمهور العلماء أنها جاءت تسرّي عن النبي ﷺ، همه وحزنه بعد وفاة خديجة بنت خويلد، والتي كانت خير معين له في مسكنه، تصبره وتواسيه بمالها، وكذلك وفاة عمه أبي طالب، والذي حماه من كيد المشركين، فكان خير معين له خارج المسكن، وأيضا كانت تسلية له بعد أن رده أهل الطائف، فقد كذبوه وعابوه وأغروا صبيانهم به، فجاءت حادثة الإسراء لتزيل عنه كل تلك الأحزان والأشجان، وتؤكد له أن الأرض إذا ضاقت به وبدعوته، فإن له في السماء منزلة عالية، بين الأنبياء والملائكة، وأن الله ﷿ يسمع ويرى ما يحدث له، من تكذيب وإيذاء وأنه هو الذي يقدر على نصرته وإعلاء دينه، وبحق كانت تلك الحادثة، مظاهرة في إكرام النبي وإعلاء شأنه في السماوات السبع وما بعدها.
٢- ثبوت القصة:
وردت حادثة الإسراء- أي الرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب: كيف فرضت الصلاة في الإسراء، برقم (٣٤٩)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات، برقم (١٦٣) .
[ ١ / ٩٧ ]
الأقصى- صريحة في القرآن، فالتكذيب بها كفر بلا شك، قال تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء: ١] .
والآية الكريمة فيها فوائد منها:
أ- بدأت الآية بتنزيه الله﷿- وتمجيده
، ليستقر في قلب السامع أنه قادر على كل شيء، فإذا استقر ذلك، أخبر أنه أسرى بعبده، فيرد الخبر على قلب لا يتعجب من خرق النواميس الكونية، بقدرة الله العظيمة، كما أنه لا مجال لتكذيب النبي ﷺ؛ لأنه لم يدّع أنه هو الذي سرى، بل أسري به، والذي أسرى به هو الله، فالذي يستبعد الواقعة فإنما يكذب الله ويستعظم ذلك على قدرته.
ب- أثبتت الآية أن وقت الإسراء هو الليل، وهذا أدعى لحضور القلب
، ومصداق ذلك قوله تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل: ٦]، كما بينت الآية بداية الإسراء وهو المسجد الحرام، ونهايته وهو المسجد الأقصى، وبذلك يكون المسجد الأقصى هو بادية المعراج بلا خلاف.
ج- أثبتت الآية أن الإسراء والمعراج كان بالجسد والروح
لقوله تعالى: أَسْرى بِعَبْدِهِ [الإسراء: ١] ولفظة: «العبد» لا تطلق على الروح فقط، كما نقطع أنها لم تكن رؤية منام، لقوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء: ٦٠]، ولا أحد يقول:
إن رؤيا المنام فتنة، فكل إنسان يرى في المنام ما يتصوره العقل وما لا يتصوره، ولا أحد يتهمه بالكذب، كما أن الكفار لو فهموا من كلام النبي أن الحادثة كانت رؤيا في المنام، ما كذبوه، وما طلبوا الدليل على صدقه، حيث سألوه أن يصف لهم بيت المقدس، كما ورد في الصحيح- وبوبت له بابا- وما ارتد بسبب ذلك بعض الناس، بل كانت فضيلة ظاهرة لأبي بكر وذلك أنه صدقها بمجرد معرفته أن النبي هو الذي أخبر بها.
د- مقام العبودية، هو أعظم مقامات الأنبياء
بلا شك، علمنا ذلك من الآية حيث ذكرت النبي، بصفة العبودية، وهي في معرض الحديث عن أعظم معجزاته، وأرقى مقاماته، فقطعنا أن العبودية لأي مسلم، خاصة الأنبياء، هي أشرف المنازل؛ ولذلك ذكرها الله في الآية، لتناسب أعظم أحواله ﷺ، فكلما زاد المسلم في تحقيق عبوديته لله، زاد من الله قربا، يصدق ذلك، أن الله ﷿ قد أتى بنفس الصفة، وهي صفة العبودية
[ ١ / ٩٨ ]
في معرض الحديث عن أعظم نعمة أنعمها على النبي ﷺ، وهي نعمة إنزال القرآن وذلك في أكثر من موضع بالقرآن الكريم، مثاله قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا [الكهف: ١] .
هـ- كما بينت الآية الحكمة والسبب في الإسراء
، أما الحكمة فهي أن يرى النبي من آيات ربه، قال تعالى: لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا [الإسراء: ١]، فكل ما رآى النبي في تلك الحادثة، فهو من آيات الله، الدالة على قدرته وإعجازه.
أما السبب فقد أشار الله تعالى إليه بقوله: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء: ١] فأشعرت الآية، أن الحدث جاء بسبب ما سمعه الله ﷿ من نبيه من دعاء، وما سمعه من الكفار من تكذيب واستهزاء، جاءت الحادثة لبيان إحاطة علم السميع البصير بحال النبي ﷺ، عند موت أحب الناس إليه، وأكثرهم عليه شفقة، وأشدهم له ناصرا ومعينا، فتأمل كم في الآية من فوائد، غير ما خفي علينا، هذا بالنسبة لثبوت الإسراء في القرآن.
أما المعراج فقد قال تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) [النجم: ١٣- ١٦]، وقال تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير: ٢٣] .
فالحمد لله، الذي أقر أعيننا وأسماعنا، بإكرام نبينا في الدنيا والآخرة، وأما في السنة فقد وردت أحاديث كثيرة في الحادثة بلغت بحمد الله حد التواتر، فلا يسع أحدا إنكارها أو التشكيك فيها.
[فوائد الحديث]
أما فوائد الحديث فلا أظن أني أستطيع الإحاطة بها؛ وذلك لكثرتها ودقتها؛ ومن ثم أورد بعضها:
الفائدة الأولى:
القدرة العجيبة التي منحها الله ملائكته، فجبريل ﵇، قد فرج عن سقف بيت النبي ﷺ ونزل منه، دون معول ولا خراب ولا ترميم، كما أنه أسرى وعرج بالنبي على البراق، وأراه من آيات ربه الكبرى، ثم عاد به إلى بيته بمكة، في جزء من الليل، وقد قص الله ﵎ علينا في القرآن أمثلة من ذلك، ألم تر كيف أتى جبريل ﵇ بالعرض العظيم لبلقيس ملكة سبأ، قبل أن يرتد طرف نبي الله سليمان ﵇؟ قال تعالى: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل: ٤٠]، ألم تر كيف حمل قرية لوط فجعل عاليها سافلها، قال تعالى: فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ [هود: ٨٢]، وهذا ليس بمستغرب؛ لأننا لا ننظر إلى عظم المخلوق، ولكن ننظر إلى عظم الخالق ﷿، الذي خلق هذه
[ ١ / ٩٩ ]
المخلوقات العظيمة وأودع فيها هذه القدرات العجيبة.
الفائدة الثانية:
تلطف جبريل مع النبي ﷺ لقوله: «ثم أخذ بيدي يعرج بي إلى السماء الدنيا» وكيف لا يتلطف وهو أعلم الخلق بقدر النبي ﷺ ومقامه.
الفائدة الثالثة:
السماء الدنيا غير السماء الأولى، التي عليها خازن ولا تفتح أبوابها إلا بإذن، وفيها آدم ﵇، وأما السماء الدنيا، فهي التي زينها الله ﷿ بالمصابيح، قال تعالى: وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظًا [فصلت: ١٢] . وذلك لقوله:
«فيعرج بي إلى السماء الدنيا فلما جئت إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء: افتح» ثم قال: «فلما فتح علونا السماء الدنيا» .
الفائدة الرابعة:
عظيم أمر السماء قدرا وخلقا، ويتبين عظيم قدرها حيث جعل الله لها أبوابا مغلقة، وعلى كل باب خازن لا يفتح الباب حتى يعلم من الطارق ومن معه، وهل أرسل إليه أم لا، فالخازن مأمور ألايفتح إلا لمن أرسل إليه، والذي يخبره أنه أرسل إليه أم لا، هو جبريل ﵇ لأنه الأمين، علمنا ذلك من قوله: «قال جبريل لخازن السماء:
افتح» وقد تكرر ذلك في كل سماء، حسب ما ورد في طرق أخرى صحيحة للحديث.
أما عظم السماء خلقا، فبينتها بعض طرق الحديث، وفيها أن ما بين كل سماء وأخرى خمسمائة عام، وعلمنا من عظم السماء قدرا وخلقا عظم خالقها ﷾، فعظم الخلق- كما قلت سابقا- يدل على عظم الخالق، لا أمرنا الله ﷾ أن نتفكر في هذا الخلق العظيم، خاصة السموات والأرض، لنستدل به على قدرة المولى ﷾، وعظيم صنعه، وإحكام خلقه، قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ [آل عمران: ١٩٠] .
الفائدة الخامسة:
واجب على كل مسلم، أن يفرح بالطاعة ويحزن بالمعصية، خاصة إذا كانت في نفسه أو ذريته، يدل على ذلك قوله: «فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة إذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل يساره بكى» .
الفائدة السادسة:
العجيب في الواقعة، أن آدم وبقية الأنبياء استقبلوا النبي ﷺ، استقبال من يعرفه، فيحتمل أن الأنبياء عرفوه من أوصافه المذكورة في كتبهم، أو أن هذا المكان لا يصعد إليه إلا نبي، وليس نبي بعد إلا محمد، أو أن الله أوحى إليهم بقدومه ﷺ، ليستقبلوه استقبالا يليق به، وهذا الذي حدث، فما من نبي رآه إلا قال له: مرحبا بالنبي
[ ١ / ١٠٠ ]
الصالح والأخ الصالح، إلا آدم قال له: مرحبا بالابن الصالح لأنه أبوه الأول، وكذا إبراهيم لأنه جده الأكبر، حيث أن النبي ﷺ من بطن إسماعيل، وبقية الأنبياء من ذرية إسحاق ﵇، أما النبي ﷺ فلم يعلمهم قطعا؛ لأنه كان يسأل جبريل في كل مرة، عن اسم النبي الذي يسلم عليه، علمنا من ذلك أنه لم يوح إليه بأوصاف إخوانه من الأنبياء، كما أنه لا يعرف الغيب وإلا ما سأل جبريل عنهم.
الفائدة السابعة:
ثبوت حياة البرزخ، وهي الحياة التي بين موت الإنسان ونشوره بعد النفخ، وهي حياة غيبة، لا نعلم منها شيئا، إلا ما علمناه من الكتاب أو السنة، والذي نقطع به أن المؤمن فيها ينعّم ويرى مقعده من الجنة، والكافر فيها يعذب ويرى مقعده من النار، يصدق ذلك قوله تعالى حاكيا عن عذاب آل فرعون في حياة البرزخ: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [غافر: ٤٦]، ويؤيده ما ورد في صحيح البخاري، عن أنس ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «العبد إذا وضع في قبره وتولّي وذهب أصحابه حتّى إنّه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرّجل محمّد ﷺ؟ فيقول: أشهد أنّه عبد الله ورسوله، فيقال انظر إلى مقعدك من النّار أبدلك الله به مقعدا من الجنّة قال النّبيّ ﷺ فيراهما جميعا وأمّا الكافر أو المنافق فيقول لا أدري كنت أقول ما يقول النّاس فيقال لا دريت ولا تليت ثمّ يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلّا الثّقلين» «١» .
فرؤية المؤمن مقعده في الجنة، هو من النعيم، لما فيه من الرؤية والبشارة العظيمة، بالإضافة إلى إفساح القبر، أما عذاب الكافر، فهو واضح في الحديث، وإذا كان للناس كلهم حياة برزخية، المؤمن منهم والكافر، فإن للأنبياء أيضا حياة برزخية ولكنها أكمل وأتم، ويدلنا على ذلك حديث الباب.
الفائدة الثامنة:
أن الجنة والنار، موجودتان الآن، ولا عبرة لمن ينكر ذلك، ويرد الأحاديث الصحيحة الصريحة، لشبهة عقلية، وهي أنه لا حكمة لوجودها الآن، فيرد النقل بالعقل، وهذا أسخف ما يكون، وأدلة ذلك كثيرة، لا يمكن استقصاؤها، في هذا الكتاب، ولكن نذكر ببعضها، لعل المنكر يعود لرشده، روى البخاري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله: أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب: الميت يسمع خفق النعال، برقم (١٣٣٨) .
[ ١ / ١٠١ ]
رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فاقرؤا إن شئتم»: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧] «١» . كما روى عن ابن عبّاس قال قال النّبيّ: ﷺ «أريت النّار فإذا أكثر أهلها النّساء يكفرن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال يكفرن العشير ويكفرن الإحسان؛ لو أحسنت إلى إحداهنّ الدّهر ثمّ رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قطّ» «٢» . وروى أيضا، عن عمران بن حصين ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: «اطّلعت في الجنّة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطّلعت في النّار فرأيت أكثر أهلها النّساء» «٣» . وعنده عن عبد الله بن عبّاس ﵄ قال خسفت الشّمس على عهد رسول الله ﷺ فصلّى قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك ثمّ رأيناك تكعكعت قال: «إنيّ أريت الجنّة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدّنيا» «٤» .
فيجب علينا أن نؤمن يقينا أن الجنة والنار موجودتان، ومن ينكر وجود الحكمة من خلقهما الآن، أقول له: نؤمن بكل ما جاء في الكتاب والسنة، سواء علمنا الحكمة أم جهلناها، مع تسليمنا أن كل ما يقضي به الله ﷿ إنما يكون لحكمة بالغة، فحاشاه عن اللهو والعبث، ومع ذلك أقول: إن حكمة وجودهما ظاهرة، ولله الحمد، فمن ذلك، أن الكفار يعذبون في قبورهم بعرضهم على جهنم، صباحا ومساء، والمؤمنين ينعّمون برؤية مقاعدهم في الجنة، قال تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر: ٤٦]، كما أن الترهيب والترغيب بالشيء الموجود، أعظم أثرا من الشيء غير الموجود، وهذا يدركه كل عاقل، وانظر أثر ما قصّه النبي علينا من مشاهد الجنة والنار، على نفوس المؤمنين.
الفائدة التاسعة:
فضل التيامن، فأهل الإيمان والطاعات، على يمين آدم، أما أهل الكفر والمعاصي، فهم على شماله، وقد كان النبي ﷺ يحب التيامن في أمره كله، كما ثبت في صحيح البخاري، عن عائشة قالت: (كان النّبيّ ﷺ يعجبه التّيمّن في تنعّله وترجّله وطهوره وفي شأنه كلّه) «٥»، والله ﷿ قد سمى أهل الجنة بأصحاب اليمين، وسمى أهل النار بأصحاب الشمال.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: قوله: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ [السجدة: ١٧]، برقم (٤٧٧٩) .
(٢) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب: كفران العشير وكفر دون كفر، برقم (٢٩) .
(٣) رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة، برقم (٣٢٤١) .
(٤) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب: رفع البصر إلى الإمام في الصلاة، برقم (٧٤٨) .
(٥) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب: التيمن في الوضوء والغسل، برقم (١٦٨) .
[ ١ / ١٠٢ ]
الفائدة العاشرة:
وهي فائدة جليلة، وهي أن الأمر قد ينسب إلى الأمر به، وقد ينسب إلى الموكول بتنفيذه، قال تعالى: أَسْرى بِعَبْدِهِ [الإسراء: ١]، فنسب سبحانه، الفعل إلى نفسه؛ لأنه هو الذي أمر جبريل بالإسراء بالنبي ﷺ. وقد ينسب الفعل إلى من باشر القيام به، قال: «ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا» فنسب الفعل هنا إلى جبريل؛ لأنه هو الذي باشر العروج بالنبي، مأمورا من الله، وهذه القاعدة، تحل إشكالات قد يقع فيها القارئ. فيقول مثلا: كيف ينسب الله توفي الأنفس إلى نفسه فيقول: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [الزمر: ٤٢] وينسب ذلك في موضع آخر إلى الملائكة فيقول: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [السجدة: ١١]، فالأمر كما أسلفت، أن الله ﷿ هو الآمر بقبض الروح، وهو الذي جعل لها أجلا تقبض عنده، أما ملك الموت، فهو الذي وكلّ بقبض الروح، عند حلول الأجل المسمى.
الفائدة الحادية عشرة:
بيان علو منزلة نبينا محمد ﷺ، وارتفاعه فوق منازل سائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وبلوغه حيث بلغ ما بلغ من ملكوت السموات، وهو دليل على علو درجته وإبانة فضله، هكذا قال القاضي عياض، حيث ورد في الحديث: «حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام» .
وأقول: عجبت أشد العجب، لمن يتقولون على الله ورسوله، ويذكرون أحاديث موضوعة، ويختلقون حكايات هي أشبه بالأساطير، يريدون بذلك، أن يرفعوا من مكانة النبي ﷺ، وهم في الحقيقة يتبغضون إليه بتلك الحكايات والأقاويل، ويعدون لأنفسهم مقاعد في النار، بشرى النبي ﷺ لهم في قوله: «من كذب عليّ فليتبوّأ مقعده من النّار» .
أقول لهم: إن لم يكن للنبي فضيلة، في كتاب ولا سنة، إلا أنه ظهر لمستوى يسمع فيه صريف الأقلام، لكفاه ذلك رفعة وسؤددا، وإثباتا لفضله وشرفه ومكانته، عند ربه ﷿، فما بالكم بما يحتويه الكتاب من شمائل عظيمة في كل ما يخصه وفي كل شئونه، ما ترك الله له من شيء، حتى جعل له من ذلك آية على شرفه، من شعر رأسه إلى أصابع قدمه، ومن ولادته حتى مماته، ومن أحبائه حتى أعدائه، ومن دنياه حتى آخرته، كل ذلك ولله الحمد ثبت في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، فلماذا التقول على الله بغير علم؟ قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [النور: ٦٣] .
[ ١ / ١٠٣ ]
الفائدة الثانية عشرة:
في سماعه ﷺ صريف الأقلام مسائل نذكر منها:
١- إثبات كتابة الملائكة المستمرة إلى قيام الساعة؛ لأن صريف الأقلام هو صوت ما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى ووحيه، ففيه إثبات كتابة الملائكة، وأنها تكتب بأقلام، وأن هذه الأقلام عند كتابتها لها صوت مسموع ويتفرع على ذلك أن الكتابة كتابتان:
الأولى: هي التي في اللوح المحفوظ، وفيه ما كتبه الله وقدره قبل الخلق، لما (رواه البخاري) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «التقى آدم وموسى، فقال موسى لآدم:
آنت الّذي أشقيت النّاس وأخرجتهم من الجنّة؟ قال آدم: أنت موسى الّذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه وأنزل عليك التّوراة؟ قال: نعم قال: فوجدتها كتب عليّ قبل أن يخلقني؟ قال: نعم، فحجّ آدم موسى» «١» .
وعن اللوح المحفوظ قال تعالى: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق: ٢٩]، فالذي باللوح المحفوظ، لا يتبدل ولا يتغير أبدا، إذ فيه الأمر الثابت في كل شيء، إلى قيام الساعة، قال تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج: ٧٠] .
الثانية: الكتب التي في أيدي الملائكة الكرام وهي التي تكون فيها كتابة ما يجري الآن في ملكوت الله، وهي التي ذكرت في حديث الباب، وهي التي يكون فيها المحو والإثبات، وقد جمع الله ﷿، ما في اللوح المحفوظ، وما في أيدي الملائكة من كتب في قوله: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [الرعد: ٣٩] .
٢- كتابة الله لكل شيء في اللوح المحفوظ، ليس لأنه سبحانه تعالى قد ينسى أو يغافل، سبحانه فإنه منزه عن ذلك، قال تعالى في قصة موسى مع فرعون: قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى [طه: ٥١- ٥٢]، فأثبتت الآية أن الكتابة ليست لغافلة قد تحدث أو نسيان، ولكن الله ﷿ يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد، فلعل حكمة الكتابة إظهار عظمة الله ﷾، وقدرته التي أعجزت العقول، وحيرت الفحول، فالكتابة هي زائدة عن العلم، فالذي علم كل شيء وقدر على كتابة كل شيء، أقدر وأعظم وأحكم من الذي علم ولم يكتب، خاصة إذا كانت الكتابة لا تنقص ولا تزيد عن الذي قدّره وقضاه، وقد تكون الكتابة ليطمئن العبد، ويتأكد أن الذي
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه: ٤١]، برقم (٤٧٣٦) .
[ ١ / ١٠٤ ]
أصابه لم يكن ليخطئه، وأن الذي أخطأه لم يكن ليصيبه؛ لأن الكتابة عند الناس أبلغ وآكد بكثير من العلم وحده، ألم تسمع لقولهم إذا أصابهم شيء، ويريدون أن يخففوا وقعه على قلوبهم يقولون (هذا مكتوب)، ولا يقولون: معلوم، وقد تكون الكتابة لحكم أخرى لا يعلمها إلا الله سبحان وتعالى.
٣- نتعلم مما سبق، أن العلم يجب أن يوثّق بالكتابة، فإذا كان الله ﷿ قد كتب، وهو الذي لا يلحقه نسيان ولا غفلة، فكيف بنا، فالذي نتعلمه اليوم قد ننساه غدا، وقد سمي الإنسان إنسانا لكثرة نسيانه، والكتابة سنة العلماء قديما وحديثا.
٤- إذا تيقن العبد أن الله علم كل شيء، وكتب كل شيء، وأن الذي كتبه الله كائن لا محالة، وجب عليه الرضا والتسليم، وعدم الجزع للمصائب، وألا يندم على شيء فاته، ولا يحزن على شيء أصابه، فتخفّ بذلك همومه وتقل غمومه، وكلما يتقين العبد من أنّ كل شيء مكتوب، كلما كان لقضاء الله أرضى، وعند نزول المصائب أصبر.
٥- إذا احتج العبد بالقدر، وقال: لم يحاسبنا الله، وقد كتب كل شيء علينا؟، قلت له: تدبر ما يلي:
أ- إن الله الذي كتب كل شيء وقدر كل ما هو كائن إلى يوم القيامة، هو الذي أمر ونهى، ووعد المطيع بالثواب، وتهدد المسيء بالعقاب، فهل تتصور أن الله سيحاسبنا على ما أجبرنا على فعله، أو ما اضطرنا لتركه؟ والذي يظن ذلك، فقد أساء الأدب مع الله ﷿؛ لأنه تصور أن الله يصدر منه الظلم- حاشاه جل في علاه- وهو الذي قال في محكم التنزيل: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦]، وقال في الحديث القدسي الذي رواه مسلم، في سياق المتمدح لنفسه ﷿ على أفعاله عن أبي ذرّ عن النّبيّ ﷺ فيما روى عن الله ﵎ أنّه قال: «يا عبادي إنيّ حرّمت الظّلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما فلا تظالموا» «١» . أتصدق الله أم تكذبه؟ فالذي يحتج بالقدر فهو بلسان حاله وبلسان مقاله في بعض الأحيان، يشكك في عدل الله، بل يدعي كذبا أنه يظلم العباد، وهذا منكر عظيم يصل بالإنسان للكفر، وهو أعظم من التكاسل عن العمل، احتجاجا بالقضاء والقدر.
ب- أنت لا تعلم ما كتبه الله لك أو عليك، فمن رحمته أن حجب ذلك عن العباد.
لذلك لا ينبغي لك أن تحتج بالقدر.
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب البر، باب: تحريم الظلم، برقم (٢٥٧٧) .
[ ١ / ١٠٥ ]
وأسأل سؤلا يبين لك مدى سخف هذه المقولة، وهذا السؤال هو: لماذا إذا وفقت للطاعة لا تحتج بالقدر، بل تطلب الثواب من الله، وتحتج به فقط على المعاصي والذنوب؟
وهل إذا هممت بالطاعة وجدت من يمسك بتلابيبك عنها؟ ولماذا لم تتقاعس مرة واحدة في أمور دنياك بحجة أن الله كتب كل شيء، فتجتهد في كل أمور الدنيا، ولا تركن لما كتب الله؟ بل إنك إذا احتج عليك ولدك بقضاء الله، فترك المذاكرة أو الذهاب إلى الاختبار، عاقبته عقوبة شديدة، بل تتهمه بالجنون، أو الاستخفاف بك، بل لماذا تأمره بالاجتهاد والمصابرة على طلب العلم، وأنت الذي تحتج على الله بالقدر؟.
والمشاهد في الدنيا أن الذي يسهر ويتعب يفوز بالمطلوب، وأن الذي يتقاعس ويكسل يفوته المرغوب. فهل هي سنة الله في أمور الدنيا دون أمور الدين؟ لا والله، وهذا أكبر دليل على أن ذلك الاحتجاج السخيف من نزغات الشيطان، فهو الذي يزين للعبد كل ما يحول بينه وبين طاعة الرب ﷾.
ج- أنت باحتجاجك بالقدر، قد سلكت مسلك الكفار في احتاجهم به، وكفى بذلك قبحا وتشنيعا لمقولتك، والله قد حكى عنهم ذلك في سياق الذم والإنكار فقال ﷾ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا [الأنعام: ١٤٨]، فقد سمى الله احتجاجهم بالقدر كذبا، وأثبت أن هذه الحجة إنما هي حجة الكفار في عصر البعثة المحمدية والعصور الأولى، وجعل مغبّة ذلك وجزاءه، أنهم ذاقوا بأس الله أي عذابه الشديد، فهل ينتظر هذا المحتج بقضاء الله أن يحل عليه العذاب وينزل به الانتقام؟
ولو كانت هذه الحجة حقّا، فحاشا لله أن يذمها؛ لأنه ﷾ هو الحق، ولا يصدر عنه إلا الحق، وحاشاه أن يعاقب عليها، فهو العدل ولا يحكم إلا بالعدل، قال ﷾: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥] . فضلا عن أن هذا الاحتجاج من الكفار بالقدر يكون في الدنيا فقط، أما في الآخرة فلن يحدث؛ لأنه لم تأت آية واحدة في القرآن، تثبت أنهم سيحتجون بالقدر يوم القيامة، ولو علموا أنها حجة مفيدة يعتذرون بها إلى الله لقالوها، ولو قالوها لحكاها الله لنا ليدحضها ويبين بطلانها، فلما لم يحكها الله تعالى علمنا أنهم لن يحتجوا بها، ولما لم يحتجوا بها علمنا أنها حجة باطلة، وإذا كانت باطلة في الآخرة فبطلانها في الدنيا التي هي زمن الأعمال والإمهال من باب أولى فتدبر.
د- الذي يرى أن القضاء والقدر، حجة على الله ﷿ في ترك الأعمال، وعدم
[ ١ / ١٠٦ ]
الحساب، قد كذب بظاهر القرآن؛ لأن الله بين في كتابه العزيز، أنه بإرسال الرسل وإنزال الكتب، قد قطعت حجة العباد على الله، قال تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ١٦٥]، فقد بينت الآية، أن حجج العباد، قد انقطعت، وأن أعذارهم قد ردت، بعد إرسال الرسل، فالذي يقول أو يعتقد أن القضاء والقدر حجة له على الله ﷿، فقد ادعى أن الله لم يقطع حجج الناس، وبهذا فقد كذب ظاهر القرآن؛ لأن الآية تنفي أي حجة بعد إرسال الرسل، وإذا كانت الآية قد ختمت بإثبات صفة الحكمة لله، بقطع الحجج للناس، فالذي يحتج بالقدر، ويرى أن ذلك حجة، فقد طعن- بل كذب- بحكمة الله؛ لأنه ادعى بقاء حجة للناس لم يستطع الله أن يقطعها أو يردها.
هـ- وأقول للمحتج بالقضاء: إذا كان عقلك لا يتصور أن الله كتب كل شيء، ولم يجبر أحدا على شيء، فسلّم أمرك لله، وبادر بالعمل وترك الشبهات، وأحسن الظن بالله في كل ما قدره وقضاه، وأسألك في النهاية سؤالا واحدا، أتريد من الله أن يخلق الخلق، ويجهل ماذا سيفعلون في الغد؟ أيكون إلها ولا يعلم سلفا ماذا سيفعل العباد! ولو فرض من باب التنزل معك حدوث ذلك، لاحتججت بذلك على عدم العمل؛ لأن الذي لا يعلم لا يستحق أن يكون إلها أبدا، والعاقل هو الذي يرى في علم الله وقدرته وكتابته، بالغ حكمته وعظيم قدرته، فيدفعه ذلك دفعا لطاعته وابتغاء مرضاته.
الفائدة الثالثة عشرة:
فرض الصلاة على أمة محمد ﷺ في تلك الحادثة وفي ذلك المقام الشريف الأعلى يستحق منّا وقفة نقول فيها:
١- كان النبي ﷺ ضيفا على الملأ الأعلى في هذه الليلة المباركة، وقد مدح الله ﷿ من يكرم ضيفه، قال تعالى مادحا إبراهيم ﵇: فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات: ٢٦]، ويقولون: لكل ضيف قرى، ويختلف القرى بغنى المضيف وكرمه، وكذلك بمكانة الضيف عنده، فالمضيف هنا هو الله ﷾، أغنى من عبد، وأكرم من سئل، وأجود من أعطى، والضيف هنا هو أحب الخلق إلى الله، الخليل محمد ﷺ، فأراد الله سبحانه تعالى أن يكرم زائره، بل يكرم كل أمته من بعده، فأمره بعبادة تكون له ولأمته، عزّا في الدنيا وذخرا في الآخرة، يرفع الله بها الدرجات، ويمحو بها الزلات، ويكفر بها السيئات، ويعلي به الدرجات في الجنات العاليات، فكانت هذه الصلوات- وهي الركن الركين في هذا الدين الحنيف- خير تكليف في هذا المكان الشريف، الذي لا
[ ١ / ١٠٧ ]
يقبل الله ممن تركها صرفا ولا عدلا، نقول الركن الركين؛ لأن كل الأركان الباقية، الزكاة والصوم والحج، قد تسقط على المسلم كليّا أو جزئيّا، بسبب سفر أو مرض أو فقر، إلا الصلاة، فتفرض على المسافر والمقيم، والصحيح والعليل، والغني والفقير، تلازمه في يومه وليلته، لا تنفك عنه أبدا، في شغله وفراغه، يؤديها الإنسان قائما، فإن لم يستطع فجالسا أو متكأ أو على جنبه أو نائما، بخلاف الأركان الآخرى، فالزكاة تخرج مرة في العام، وتسقط عن الفقير، والصيام شهر واحد في السنة، ويسقط عن بعض المرضى طوال عمرهم، ويأتي الحج مرة واحدة في العمر لمن استطاع إليه سبيلا، أما الصلوات فهى، خمس مرات في اليوم والليلة، فهي بحق هدية الله لهذه الأمة.
٢- أما كونها فرضت بغير وحي ولا واسطة، بل كانت تكليفا مباشرا من الله إلى رسوله، فهذا يعطينا دلالة واضحة على عظيم قدرها، ومكانة منزلتها، فمن أراد أن يكلم الله ﷿ بغير واسطة فليصلّ، فالله يسمعه ويراه، بل يردّ عليه، كما ورد في صحيح مسلم قال الله تعالى: «قسمت الصّلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرّحمن الرّحيم، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدّين، قال: مجّدني عبدي- وقال مرّة: فوّض إليّ عبدي- فإذا قال: إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصّراط المستقيم صراط الّذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» «١» .
فإذا كان الله ﷿ قد عرج بنبيه إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، وكلمه تكليما، فهو سبحانه من كرمه لم يحرم هذه الأمة من هذا الفضل الكبير، فعوضهم بالصلاة، فالذي لا يصلي، إنما رد على الله هديته وأبى فضله، ورفض لقاءه، ومن فعل ذلك، فقد أساء الأدب مع خالقه وسيده وولي نعمته من كل جهة، من ذا الذي يدعوه الله فلا يقبل دعوته، ويفتح له الباب فلا يدخل، ويأذن له بمناجاته بغير واسطة فيعرض، أفبعد هذا الذنب من ذنب؟ بل لا أعلم جفاء بعد هذا الجفاء، فضلا عما ورد في الأحاديث الصحيحة من كفر تارك الصلاة، فقد روى مسلم عن أبي سفيان قال: سمعت جابرا يقول: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «إنّ بين الرّجل وبين الشّرك والكفر ترك الصّلاة» «٢»، فمن حرم نفسه
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، برقم (٣٩٥) .
(٢) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب: إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، برقم (٨٢) .
[ ١ / ١٠٨ ]
الصلاة، فقد حرم نفسه فضل حادثة المعراج، وخرج منها صفر اليدين، فكانت للناس فضلا وإكرما، وكانت عليه حسرة ووبالا، الناس فيها وبها قد سعدوا، وهو بسبب تركها- مع من يماثله- قد خسروا، ولو كان في الإسلام ركن أعظم من الصلاة، أو يساميها لفرض في هذه الليلة المباركة، ولكن لم يزاحمها شيء من عظائم التكاليف.
٣- فرض خمسين صلاة ابتداء، ثم تخفيفها إلى خمس صلوات في اليوم والليلة، مع ثبوت أجر الخمسين نأخذ منه:
أولا: بيان مكانة النبي عند ربه.
ثانيا: علم النبي بهذه المكانة العظيمة.
فالأولى: نعرفها من كون الله سبحانه تعالى قبل سؤال النبي التخفيف حتى جعلها خمس صلوات.
والثانية: من كون النبي تجرأ وراجع ربه عدة مرات، وهو في هذا المكان المقدس، ويراجعه في ماذا؟ في أمر عظيم كالصلاة، لم يفعل ذلك، إلا وهو يعلم أن الله حفيّ به، ولن يخزيه ولن يسوءه، ألم يقل الله له: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [الضحى: ٥]، ولا أظن أن هذه المراجعة تحدث بين وزير وملك من ملوك الدنيا، حتى ولو كان الوزير مفضلا، والملك متفضلا، فنحمد الله ﷿ أولا وآخرا، على ما أنعم به على نبينا في الدنيا والآخرة.
ثالثا: إرادة الله ﷿ رفع الحرج عن هذه الأمة، والتخفيف عنها، مع شفقه النبي عليها، نأخذه من مراجعة النبي ﷺ ربّه عدة مرات واستجابة الله له في مراجعته.
رابعا: عظيم امتنان الله ﷾ على نبيه وعلى أمته، حيث خفف الصلاة عنها، من خمسين إلى خمس صلوات، مع ثبوت أجر الخمسين، وهذا الفضل شمل الضعيف صاحب الهمة المحدودة، الذي لا يستطيع الخمسين، كما شمل هذا الفضل صاحب الهمة العالية، الذي قد يتمنى أن تبقى الخمسين لينال أجرها، فعمّ خير الله ووسع فضله الجميع، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
خامسا: حكم موسى ﵇ على هذه الأمة أنها لا تستطيع الخمسين، رغم أن الفريضة لم يعمل بها بعد، والأمة لم يعالجها من قبل، قياسا على معالجته لأمة بني إسرائيل.
ونحن نمتن لموسى ﵇ هذا الصنيع، ونشكره على هذا المعروف، فهكذا أهل الخير، خاصة الأنبياء من أولي العزم، ينفع الله بهم العباد حتى بعد وفاتهم، فهم رحماء بعباد الله، حتى بعد انقطاع تكليفهم ولو لم تكن الأمة أمتهم، فمن اعتاد على بذل الخير
[ ١ / ١٠٩ ]
وإسداء النصح، وأصبح هذا الخلق له سمة وهذا الطبع له صفة، لا يعرف للمعروف، زمانا ولا مكانا، ولا أمة دون أمة، انظر إلى مؤمن القرية الذي تمنى بعد وفاته أن لو علم قومه ماذا أعد الله له من النعيم المقيم، حتى يؤمنوا بالله وحده، قال تعالى: قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس: ٢٦- ٢٧]، فإن كنا نحن من الذين يعرفون للناس فضلهم، ولا يجحدون معروفهم، فقد وجب علينا أن نشكر موسى ﵇، عرفانا منا بهذا الجميل، كما علّمنا نبينا ﷺ.
الفائدة الرابعة عشرة:
الذي نعرفه من الجنة والنار أسماء فقط، ولكن طبيعة الأشياء تختلف عما نعرفه ونعلمه في الدنيا، وما هي إلا تشابه أسماء، وذلك من قول النبي ﷺ:
«حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى وغشيها ألوان لا أدري ما هي» فالنبي قد رأى وعلم أن السدرة قد تجملت وتزينت بألوان، ولكنها ألوان لا يعلمها ولا يعرف أسماءها، ولكن يعلم فقط أنها ألوان.
الفائدة الخامسة عشرة:
يوضح الحديث طرفا يسيرا مما أعده الله لعباده المؤمنين في جنته دار كرامته فالنبي ﷺ يقول: «فإذا فيها حبايل اللؤلؤ وإذا ترابها المسك»، فإذا كان التراب الذي هو في الدنيا أرخص ما يكون، لا يبالي الناس به يكون في الجنة مسكا، فإذا كان الذي يمشي عليه المؤمنون في الجنة مسكا، فما بالكم بالأسرّة والفرش، والمأكل والمشرب، واللباس والحور العين. إنه- والله- لنعيم مقيم لا يزول ولا يحول، فهل من العقل، أن نبيع جنة عرضها السماوات والأرض، النعيم فيها دائم، والسرور فيها قائم، والأمن فيها شامل، والغل فيها زائل، بدنيا النعيم فيها يزول، والسرور فيها يحول، والغل فيها يطول، وما من صحة إلا بعدها مرض، وما من فرح إلا بعده ترح.
الفائدة السادسة عشرة:
هل الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج مشروع أما لا؟ أقول:
١- لم يثبت أن النبي احتفل بهذه الليلة، وهو أولى من يحتفل ويحتفي بها؛ لأنه المقصود بها، وليكون الاحتفال سنة، فيأخذ بذلك الأجر على تعليم الأمة، بل تكون مناسبة- كما يدعي البعض- أن يشكر الرسول ربّه على هذه النعمة العظيمة، ويتذكرها ويذكر أصحابه بها، وحيث أن النبي ﷺ لم يحتفل، ولم يأمر الأمة بالاحتفال، علمنا قطعا أن ذلك غير مشروع، ولو كان في ذلك خير لدلنا النبي عليه، وكيف لا يدلنا على هذا الخير، وهو الذي علمنا كيف نصلي وكيف نصوم، وكيف يأتي الرجل أهله، وعلمنا أيضا كيف نأكل ونشرب، حتى شمل التعليم دخول الغائط والخروج منه، كيف يعلمنا كل ذلك، ويغافل أو
[ ١ / ١١٠ ]
ينسى أن يعلمنا شيئا يتعلق بالإسراء والمعراج، وإن كان غفل أو نسي، فكيف بالذي لا يغافل ولا ينسى، لماذا لم ينبه نبيه على ذلك بل كيف لم يأمره بالاحتفال، ويبين له ما فيه من خير، أيترك الله شيئا ينفع نبيه وأمته من بعده فلا يبينه؟.
إن من اعتقد ذلك فقد أساء الأدب مع الله، وإذا كان الله سكت عنه، أفلا يسعنا نحن السكوت، وهل نرد قول الله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا [المائدة: ٣]، فالذي يرى أن الاحتفال بالإسراء والمعراج من الدين، ويؤجر العبد عليه وأن فيه خيرا لنا في الدنيا والآخرة، وأن هذا عمل يحبه الله ويرضاه، فكيف يوفق بين قوله هذا مع الآية التي أكدت إكمال الدين وإتمام النعمة، أيكذب بها؟ وكيف يرد ما (رواه البخاري) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ «١»»، أيكون هذا العمل ردّا على صاحبه ويؤجر عليه، أيحكم الرسول بالرد، ويحكم الله بالقبول؟ هذا من أمحل المحال، وقد تم التنبيه على خطر البدعة، وكيف كان الصحابة يحافظون على السنة ولا يتجاوزونها بقول أو فعل، في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، تحذيرا منها.
وأقول: إن أدل دليل على عدم مشروعية الاحتفال بها، هو عدم علمنا بتاريخها على وجه التحديد، ولو كان الرسول شرع للصحابة الاحتفال بها، لتناقلوا تاريخها، وعلموه لمن بعدهم، فهم الذين لم يفرطوا في حفظ أي أمر من أمور السنة، وإذا لم يحافظوا هذا التاريخ، علمنا من ذلك أنهم لم يتوقفوا عنده، وما كان لهم فيه عبادة، انظر كيف حافظوا خبر الإسراء وتناقلوه، حتى بلغ حد التواتر؛ لأن لهم فيه دروسا وعبرا، فلنتبع أثرهم ونكتفي بعملهم، أليس لنا فيهم قدوة وفي رسولنا أسوة؟!
فإذا قال قائل: الأمة الآن مشغولة بأمور عظيمة، أولى أن نبحثها ونتفق عليها، بدلا من الاختلاف على أمور يسيرة مثل مشروعية الاحتفال أو عدم الاحتفال بليلة الإسراء.
أقول باختصار: إن التمسك بسنة الهادي البشير، والعمل بها، ونبذ البدع، لهو أقرب طريق إلى توحيد الأمة، واستنصار المولى، فالله تعالى قد وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف في الأرض، قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب: الصلح، باب: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، برقم (٢٦٩٧)، مسلم، كتاب: الأقضية، باب: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، برقم (١٧١٨)، وأبو داود برقم (٤٦٠٦)، وابن ماجه، برقم (١٤) .
[ ١ / ١١١ ]
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى [النور: ٥٥] والبدعة أبعد ما تكون من العمل الصالح، الذي هو أحد شرطي الاستخلاف.
واعلم أخي المسلم، أن كل بدعة تعملها، تباعدك من الله خطوة، حتى تصير في شق، والله ورسوله في شق آخر، نعوذ بالله من ذلك. كما يجب أن تعلم أخي المسلم، أن أعظم احتفال بهذه الليلة المباركة، أن تحافظ على الصلوات المكتوبة، وتقيم فروضها ومسنوناتها، وتستشعر فيها أنك تعبد الله كأنك تراه، فتقرّ بها عينّك، وتهدأ بها نفسك، وتعلم أنها هدية الله إلى خلقه. فهذا بحق أعظم احتفال بهذه الليلة، احتفال يحبه الله ويرضاه.
أما الكلام عن شق صدره ﷺ، في هذه الليلة المباركة، وملأه حكمة وإيمانا، فقد أفردت له بابا مستقلا، حتى أساعد القارئ، أن يتأمل هذه الواقعة العظيمة، ليستشعر فيها اعتناء الله ﷾ بخاتم النبيين، وحتى لا تضيع الواقعة في زحمة الكلام، عن الرحلة المباركة.
٣- وصف بيت المقدس:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربة ما كربت مثله قط، قال:
فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلّا أنبأتهم به» «١» .
الشاهد في الحديث:
قول الرسول ﷺ: «ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به» .
هذه القصة، وهي سؤال قريش النبيّ ﷺ عن أوصاف بيت المقدس، غداة إخباره بحادثة الإسراء، كان من المفترض أن أثبتها في سياق الحديث عن الإسراء والمعراج، ولكني وددت أن أفرد لها حديثا خاصّا لعظيم شأن هذه القصة، ورغبتي أن يستشعر كل مسلم منة الله على عبده ورسوله، وحتى لا يضيع الكلام عنها في خضم الكلام عن معجزة الإسراء والمعراج التي أذهلت العقول وأخذت بالألباب.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- عظيم اعتناء الله ﷾ بنبيه ﷺ وتأييده بالمعجزات الباهرات،
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب: ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال، برقم (١٨٢) .
[ ١ / ١١٢ ]
الخارقات للعقول والعادات، والتي هي للأعداء مفحمات ملزمات، وللأصحاب مقويات مثبّتات، ويتضح ذلك من:
١- سماع الله ﷿ لتحدي الكفار لنبيه ﷺ، وهو سماع تأييد ونصرة، ودليل ذلك أن ثبّته بمعجزة عظيمة على الفور، ترفع عنه ما وجده من كرب عظيم، ففي الحديث، قال رسول الله ﷺ: «فكربت كربة ما كربت مثله قط» .
٢- رفع الله ﷾ بيت المقدس لنبيه ﷺ فرآه رؤية عين واضحة جلية لقوله:
«فرفعه الله لي أنظر إليه» وللعلماء في المسألة أقوال منها: أن الله كشف الحجاب بين نبيه وبين بيت المقدس، أو أنه حمل البيت كله ووضعه أمام النبي ﷺ حتى رآه ثم أعيد إلى مكانه، أو أنه مثل قريبا منه، ذكرها ابن حجر في الفتح، وكل تلك الأقوال لا نستغربها ولا نستبعدها في قدرة الله، ﵎، وما قصة إحضار عرش بلقيس- من اليمن إلى الشام مع عظمته في أقل من طرفة عين- منا ببعيد. ولكن اللافت للنظر والمثير للدهشة، قوله ﷺ: «فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به» . فلا نتصور أنهم سألوا فقط عن أوصاف المسجد من الخارج كحدوده وأبوابه ونوافذه، ولكن من المؤكد أنهم سألوا عن أوصافه الداخلية، ليزيد تعجيزيهم للنبي ﷺ ولذلك أقول: إن النبي ﷺ كان ينظر إلى المسجد من مكانه الذي يقف عند الحجر بمكة، فيرى ما بداخل المسجد كما يرى خارجه سواء بسواء، من جميع الزوايا ومن كل المساقط، حتى يستطيع أن ينبئهم عن كل ما سألوه، فما خفي عليه أي جزء من المسجد. من يقدر على ذلك غير الله تعالى؟!.
٣- ومن مظاهر اعتناء الله ﷾ بنبيه ﷺ الطريقة التي رفع الله بها عنه الكرب الذي ألّم به، فكان من الممكن أن يلهمه الله، ﷾، إجابات شافية لكل ما سألوا عنه، أو يرسل له جبريل ﵇، ليلقنه إياها، أو يجعل نبيه ﷺ يثبتها ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى، ولكن كل هذا لم يحدث مع إمكانيته؛ لأن الله، ﷾، أحب أن يكون التأييد بمعجزة ظاهرة عظيمة تثبّت قلب نبيه ﷺ.
الفائدة الثانية:
خوف النبي ﷺ الشديد على هذه الأمة، ورد في الحديث: «فكربت كربة ما كربت مثله قط»، فهذا الكرب كان من خوفه ألايرد على أسئلة المعاندين، فتفتن الأمة، ويكذّب الله ورسوله، ولكن الله، ﷿، قد حول هذه الخوف إلى معجزة ظاهرة، وأعجز من أرادوا تعجيزه، وبدلا من أن يظهروا كذبه- حاشا لله- ظهر لهم كمال صدقه، وازداد الذين آمنوا إيمانا، بل وازداد هو يقينا من نصر الله ﷾ له.
[ ١ / ١١٣ ]
الفائدة الثالثة:
إثبات أن كفر المشركين يعود جلّه إلى العناد والاستكبار عن الحق، وليس إلى عدم رؤيتهم الآيات الدالة على صدق النبي ﷺ في التبليغ عن ربه.
فالحاصل أنهم كانوا يوقنون أن النبي ﷺ لم ير بيت المقدس من قبل، وإلا لما سألوه عن أوصافه، وإنما سألوه ليعجزوه ويظهروا عدم صدقه في خبر إسرائه، وكان من المفترض مع كل جواب للنبي ﷺ أن يزدادوا تصديقا به وتشككا فيما هم عليه من مسلك، ولكن هذا لم يحدث، لما انطويت عليه قلوبهم من الحسد والعناد.
والغريب أيضا في الأمر، أنه ما قال لهم: إنه مكث أياما في بيت المقدس، أو حتى يوما واحدا بل أخبرهم ﷺ أنه دخل المسجد وصلى بالأنبياء في جزء من الليل، فهل الذي يدخل مكانا مثل بيت المقدس في مثل هذا القدر من الزمان بهدف الصلاة، هل يقدر أن يجيب عن كل سؤال يوجّه له؟ خاصة إذا كان السائل يريد تعجيزه، بالطبع لا يستطيع.
فأقول: كان على الكفار لما سمعوا الإجابات الشافية عن كل أسئلتهم ألا يصدقوا فقط بصدق قصة الإسراء، بل كان عليهم أن يعتقدوا أن النبي ﷺ إنما أوحي إليه بأجوبة أسئلتهم، ولكن أين العقول؟.
الفائدة الرابعة:
ثبوت بشرية النبي ﷺ وأنه لا يعلم الغيب، في قليل أو كثير، وأن الله ﷿ هو الذي يؤيده بالمعجزات، وأنه ﷺ يعتريه ما يعتري البشر من عدم التثبت من أشياء رآها سريعا، ودليل كل ذلك، أن النبي ﷺ لما سئل عن أشياء لم يثبتها في حافظته كرب كربا شديدا، فكيف نثبت له علم أشياء لم يرها أصلا، أو لم يسمع بها من قبل؟. فكل ما يتكلم به النبي ﷺ من ماض أو مستقبل، أو حتى حاضر لم يره، فهو قطعا وحي من الله ﷿، ولا داعي أن يقول النبي ﷺ في كل مرة: إن الله تعالى أوحى لي بكذا وكذا، ولكن هذا معلوم لنا من الدين بالضرورة، علمناه من صريح آيات الكتاب الكريم، مثل قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [الأنعام: ٥٩]، وعلمناه أيضا من وقائع كثيرة حدثت في السنة الشريفة، مثل واقعة الحديث الذي معنا، وغير ذلك مما ذكرته متفرقا في هذا الكتاب.
٤- انشقاق القمر:
قال تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: ١] .
عن ابن مسعود قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين فرقة فوق الجبل،
[ ١ / ١١٤ ]
وفرقة دونه، فقال رسول الله ﷺ «اشهدوا» «١» .
وفي الحديث المتفق عليه، عن أنس بن مالك ﵁: (أنّ أهل مكّة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم القمر شقّتين حتّى رأوا حراء بينهما) «٢» .
قصة انشقاق القمر بلا شك من أعظم المعجزات الحسية التي أيد الله ﵎ بها نبيه ﷺ، حيث شق الله له القمر فلقتين حتى ظهر بينهما جبل حراء، وهي من أعظم المعجزات للأسباب التالية:
١- حدثت المعجزة بناء على طلب من الكفار، لما ثبت عند الشيخين من رواية أنس ﵁: «أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين»، ولما ورد في حديث الباب أن رسول الله ﷺ قال: «اشهدوا» . والآية التي تكون على طلب المتحدي أبلغ في إظهار قوة المتحدّى وألزم للخصم.
٢- حدثت المعجزة في آية من أعظم الآيات الكونية وهي القمر، الذي يتعلق به قلوب الناس وأبصارهم كل ليلة، خاصة في مثل هذا الزمن- فكون المعجزة في القمر نفسه أفاد الأمور التالية:
أ- كانت معجزة عامة لا يسع أحدا أن ينكرها فقد شاهدها المسلم والكافر، والكبير والصغير، والحاضر والبادي، فهي بذلك تختلف عن بقية معجزات النبي ﷺ التي غالبا ما تقتصر رؤيتها على أصحابه ﵃، كتكثير الطعام.
ب- يجمع أصحاب العقول السليمة والفطر السوية أنها معجزة لا يقدر عليها إلا الذي خلق الشمس والقمر، وهو الله ﵎، كما يجمعون على أنها معجزة لا تأتي عن طريق السحر والشعوذة والإيحاء، وهل قدر السحرة من قبل ومن بعد على مثلها؟!.
فهل يعقل أن الحكيم العليم يؤيد من يكذب عليه- حاشا لله أقولها فقط تنزلا مع الخصم- بمعجزة تكون في واحد من أعظم مخلوقاته وهو القمر، فيجعل عباده في شك وريب من أمرهم، إن أخف الناس عقولا يقرون أن حكمة الله ﷾ تأبى ذلك.
قال الشيخ السعدي﵀-: (فمن أعظم الآيات الدالة على صحة ما جاء به محمد بن عبد الله ﷺ، أنه لما طلب منه المكذبون أن يريهم من خوارق العادات ما يدل على صحة ما
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، برقم (٤٨٦٤) .
(٢) رواه البخاري، كتاب المناقب، باب: انشقاق القمر، برقم (٣٨٦٨) .
[ ١ / ١١٥ ]
جاء به وصدقه، أشار ﷺ إلى القمر بإذن الله تعالى فانشق فلقتين، فلق على جبل أبي قبيس، وفلق على جبل قيقعان، والمشركون وغيرهم يشاهدون هذه الآية الكبرى الكائنة في العالم العلوي، التي لا يقدر الخلق على التمويه بها أو التخييل، فشاهدوا أمرا ما رأوا مثله، بل ولم يسمعوا أنه جرى لأحد من المرسلين قبله نظيره، فانبهروا لذلك، ولكن لم يدخل الإيمان في قلوبهم، ففزعوا إلى بهتهم وطغيانهم، وقالوا: سحرنا محمد، ولكن علامة ذلك أنكم تسألون من قدم إليكم من السفر، فإنه من قدر على سحركم، لا يقدر أن يسحر من ليس مشاهدا مثلكم، فسألوا كل من قدم، فأخبرهم بوقوع ذلك) «١» .
٣- هذه المعجزة هي المعجزة الحسية الوحيدة- فيما نعلم- القائمة بأمر الله إلى الآن، ذلك أن علماء الفلك في عصرنا هذا قد ضبطوا أثر الانشقاق في جسم القمر؛ لأن القمر بعد الانشقاق لم يلتئم تماما، فقد ترك الانشقاق أثرا فيه كالشرخ، والذي أفادنا بذلك هو أحد علماء الفلك الأمريكيين الذي أعلن إسلامه بعد رؤيته لهذا الأثر في جسم القمر وقد أسس هذا العالم جميعة للدعوة إلى الإسلام، وأقول: إن الله ﷿ أراد أن تبقى هذه المعجزة ظاهرة للعيان أبد الدهر، ولو شاء الله لالتأم القمر تماما بعد الانشقاق.
٤- أثبت القرآن الكريم تلك المعجزة الحسية للنبي ﷺ دون بقية المعجزات.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
تتجلى في هذه المعجزة العظيمة قدرة الله ﷾، وليس هذا بعجيب، فالله ﷾ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وكل شيء في قدرته سواء، فليس في قدرته أصعب ولا أسهل، فكل ما يريده يكون بكلمة كن، قال تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، ثم إن القمر خلق من خلقه يفعل فيه وبه ما يشاء وقتما شاء.
الفائدة الثانية:
حب الله ﷾ لنبيه ﷺ، وإرادته ﷾ إعلاء شأنه ودينه على كل من عاداه وتحداه، ولذلك أيده بمعجزة عظيمة مثل انشقاق القمر، ما سمعنا أنها كانت لأحد من الأنبياء من قبله عليهم جميعا الصلاة والسلام.
الفائدة الثالثة:
نجزم قطعا أن آية انشقاق القمر قد حدثت فعلا في مكة زمن
_________________
(١) انظر تفسير السعدي (١/ ٨٢٤) .
[ ١ / ١١٦ ]
النبي ﷺ، ولا حجة لمن قال: إنها من علامات يوم القيامة واستدلوا لقولهم بقول الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: ١] أي أن الانشقاق سيكون بعد قيام الساعة كتكوير الشمس وانشقاق السماء، والأحاديث الصحيحة حجة عليهم، أما توجيه الآية القرآنية، فقد نقل القرطبي﵀- عن القراء أن الفعلين إذا كانا متقاربي المعنى فلك أن تقدم وتؤخر واستشهد بقوله تعالى: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى [النجم: ٨]، كما أن قوله تعالى:
وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر: ٢] دليل واضح على أن الآية قد حدثت بالفعل؛ لأن الآيات المصاحبة ليوم القيامة لا يكون فيها تصديق ولا تكذيب، وليس المقصود بها إلزام المعاندين الحجة.
الفائدة الرابعة:
وهي فائدة متكررة مع كل معجزة حسية للنبي ﷺ وهي أن الكفار لا يعوزهم المعجزات حتى يسلموا، فقد رأوا من المعجزات الباهرات ما يلزمهم الحجة، وكانت بعضها بناء على طلبهم ومع ذلك أعرضوا واتهموا النبي ﷺ بالسحر، قال تعالى:
وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر: ٢] .
٥- حنين جذع الشجرة:
عن جابر بن عبد الله ﵄: أنّ النّبيّ ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار- أو رجل-: يا رسول الله ألا نجعل لك منبرا؟ قال:
«إن شئتم» . فجعلوا له منبرا فلمّا كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر فصاحت النّخلة صياح الصّبيّ ثمّ نزل النّبيّ ﷺ فضمّه إليه تئنّ أنين الصّبيّ الّذي يسكّن قال: «كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذّكر عندها» «١» .
أقول بدون مبالغة أو مغالاة: إن هذه المعجزة البينة للنبي ﷺ هي أعظم من أن يتكلم عنها أحد مهما بلغ شأنه وشأوه، ومن تدبرها عرف جلالة قدر النبي ﷺ ليس عند ربه ﵎ وعند ملائكته الكرام وليس عند الأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام الذين احتفوا به ﷺ ليلة الإسراء والمعراج غاية الحفاوة وسلموا له بالإمامة والسيادة، أو عند أصحابه وأزواجه ﵃ جميعا، ولكن يبين الحديث الشريف جلالة قدره عند الشجر الذي نظن أنه لا يسمع ولا يرى ولا يحس، والذي نضرب به المثل بالقسوة والغلظة والجفاء لأنه لا قلب له ولا شعور، ولكن هل كل الجمادات هكذا؟ لا والله! شتان بين حجر
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المناقب، باب: علامات النبوة، برقم (٣٥٨٤) .
[ ١ / ١١٧ ]
نمر نحن عليه فلا يشعر بنا ولا نشعر به، وحجر يمر عليه النبي ﷺ فيسلم عليه معلنا الإيمان به ﷺ نبيّا ورسولا، شتان بين نخلة نرويها ونسقيها لننتفع من ثمرها الطيب ليس بيننا وبينها علاقة حب ومودة، وبين نخلة كان النبي ﷺ يتكئ عليها في خطبة الجمعة فكانت تسمع منه الذكر الحكيم وتعيه وتخشع له فأحبت النبيّ ﷺ وأحبت الذكر الذي كانت تسمعه أعظم الحب، ثم لما تركها ﷺ وخطب على المنبر اشتاقت إليه أشد الاشتياق وشعرت بفداحة المصيبة التي ألمت بها بفراق النبي ﷺ، فلن يمسها- بعد صناعة المنبر- جسد النبي ﷺ بعد أن كانت تحظى بهذا الشرف وتنال من بركته ما لم يحظ به من جنسها أحد مثلها، فما كان منها إلا أن بكت بكاء الصبي، الذي أصابته مصيبة، وأقول: فارق كبير- والله- بين حبنا وحب النخلة، وأسأل هل قست قلوبنا فعجزت أن تحب النبي ﷺ وتشتاق إليه؟! كما أحبته الشجرة واشتاقت إليه؟! هل وصل بنا الأمر أن يكون غاية أملنا أن يصل حبنا كحب الشجرة وقليل منا من يبلغه، والله لا نملك أن نقول في مصيبتنا هذه إلا: إنا لله وإنا إليه راجعون.
أيها المسلمون هل يقبل عقلا أو شرعا أن يكون حبنا للنبي ﷺ أقل من حب الشجرة، وكان الأجدر والأولى هو العكس؛ لأننا الذين تنعمنا بخيره من كل وجه، حيث خرجنا به من الظلمات إلى النور؛ لأننا الذين استنقذنا الله به من النار ويدخلنا به الجنة إن شاء الله؛ لأننا الذين نطمع في شفاعته يوم الدين، ولأننا المقصودون أولا وآخرا ببعثته الميمونة ﷺ.
أيها المسلمون: بعد هذا البيان هل لنا أن نتصور حب الله ﷾ له ﷺ، وهو ﷾ الذي اصطفاه على العالمين ورضي به خاتما لأنبيائه ومرسليه، وأمينا على أعظم كتبه وأكمل شرائعه، وكذا حب أصحابه وأزواجه له ﷺ.
وأختم بكلام جميل يؤكد ما ذكرته آنفا ويبين ما في نفسي من المعاني التى لم أستطع أن أعبر عنها، قال الإمام الشافعي﵀- فيما رواه عنه ابن أبي حاتم في «مناقب الشافعي» عن عمرو بن سواء عن الشافعي قال: ما أعطى الله نبيّا ما أعطى محمدا، فقلت:
أعطى عيسى إحياء الموتى، قال: أعطى محمدا حنين الجذع حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك «١» .
فإن قال قائل: كيف يكون حنين جذع نخلة أعظم إعجازا من إحياء عيسى ﵇
_________________
(١) انظر فتح الباري (٦/ ٦٠٣) .
[ ١ / ١١٨ ]
الموتى، قلت: الأمر ظاهر من وجوه:
١- إحياء الموتى- في الدنيا- على يد نبي معجزة فعلا وهو أمر قد حدث وتكرر في الدنيا على مرأى ومسمع من الناس من قبل عيسى ﵇، قال تعالى: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة: ٥٦] وقال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ [البقرة: ٢٤٣] أما بكاء جذع شجرة ثم تسكينها حتى سكونها هو أمر غير معهود ولم يحدث من قبل فيما نعلم.
٢- إحياء الموتى سنة من سنن الله في خلقه، فإن حدث في الدنيا فلا غرابة في ذلك، فالإحياء هو الإحياء سواء في الدنيا أو الآخرة، وهذا الذي بعث بعد موته على يد عيسى ﵇ كان في الأصل إنسانا يمشي ويتكلم ويعقل، وكل ما حدث أن الله ﷾ رد له روحا خرجت منه، أما حنين الجذع فهو أمر مختلف، فلم يكن مجرد إحياء لموتى، حيث إنه استلزم أن يخلق في الجذع روحا جديدة- لم تكن موجودة أصلا- روحا أشبه ما تكون بروح الإنسان الذي له عقل يعي الذكر وأذن تسمعه وقلب يفرح برؤية وملامسة الحبيب ويحزن لفراقه، وما كان الجذع ليحزن ويئن إلا إذا توفر فيه ذلك على هيئة لا يعرفها إلا الله ﵎، وهذا قطعا يختلف تماما عن مجرد إحياء الموتى.
٣- إحياء عيسى ﵇ للموتى كان لإثبات نبوته، وأما حنين جذع النخلة وما بعث الله فيها من روح وغيره إنما كان لإثبات حبّ الشجر وحنينه للنبي ﷺ.
٦- يسمع ما لا يسمعه أحد:
عن زيد بن ثابت قال: بينما النّبيّ ﷺ في حائط لبني النّجّار على بغلة له ونحن معه إذ حادت به فكادت تلقيه وإذا أقبر ستّة أو خمسة أو أربعة فقال: «من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟» فقال رجل: أنا. قال: «فمتى مات هؤلاء؟»، قال: ماتوا في الإشراك، فقال: «إنّ هذه الأمّة تبتلى في قبورها فلولا ألاتدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الّذي أسمع» «١» .
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الجنة، باب: عرض مقعد الميت من الجنة، برقم (٢٨٦٧) .
[ ١ / ١١٩ ]
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ: «فلولا ألاتدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع» فالصحابة ﵃ كانوا يمشون معه ﷺ وقد مروا على تلك القبور التي تعذب، ومع ذلك لم يسمعوا ما سمعه النبي ﷺ.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في النبي ﷺ:
١- عناية المولى ﷾ به، إذ أسمعه ما لم يسمعه أحدا من الإنس والجن، وأظن أن الحكمة من ذلك أن يكون ﷺ أشد الناس خوفا من الله وأتقاهم له وأعلمهم به، وقد تحقق ذلك على أحسن ما يكون، فلله الحمد والمنة.
٢- رحمته ﷺ بالأمة وشفقته بها، وذلك أنه لم يسأل الله ﷿ أن يسمع الأمة صوت عذاب القبر خوفا ألايدفن بعضهم بعضا.
٣- حكمته ﷺ، إذ وازن بين المصلحة المترتبة على سماع الأمة صوت عذاب القبر والتي تتمثل في شدة خوفها من الله وتجنبها المعاصي، حسب طاقتها، والمفسدة المترتبة على السماع والمتمثلة في ترك الدفن، وهي بلا شك مفسدة عظيمة بل مفاسد بعضها أعظم من بعض، ويمكن الاحتجاج بهذا الحديث كأصل في القاعدة الشرعية الجليلة والتي تقول: إن درء المفاسد أولى من جلب المنافع.
٤- عدم علمه ﷺ الغيب- إلا ما أطلعه الله ﷾ عليه- وتعليمه الأمة هذا الأمر، حيث قال ﷺ لأصحابه: «من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟» فقد سأل عن أصحاب هذه القبور وزمن موتهم.
٥- قوته ﷺ في الحق ورباطة جأشه، حيث كان يدفن أصحابه ويباشر ذلك بنفسه مع علمه بما في القبر من بلاء وفتن ومحن بل قد سمع ذلك، أما غيره من الناس- بما فيهم الصحابة- فيخشى عليهم إذا سمعوا ما يحدث في القبر ألا يتدافنوا. لذلك ما كان هناك من ضرر من سماع النبي ﷺ لعذاب القبر.
٦- تواضعه ﷺ حيث كان يركب البغلة ولا يترفع عن ذلك.
الفائدة الثانية:
إثبات سماع الحيوانات وغيرها عذاب القبر، ودليله أن بغلة النبي ﷺ
[ ١ / ١٢٠ ]
انحرفت به عن الطريق وكادت أن تلقي النبي ﷺ، وما ذلك إلا لسماعها صوت عذاب القبر، كما أن فيه دليلا على أن تلك الحيوانات تتأثر بما تسمع بل تتجنب مثل هذه الأصوات، ولا أقول: إن الحيوانات فقط تسمع، بل ورد في الحديث الصحيح الذي (رواه البخاري) وغيره: «ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصبح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين» «١» أي أن كل شيء يسمع ذلك إلا الإنس والجن، وبذلك يثبت السماع للجمادات والجبال والحيوانات في البر والبحر وكذا النباتات.
الفائدة الثالثة:
في عذاب القبر:
١- هو من الأمور الغيبية، حيث لم يسمعه ولم يره أحد من عموم هذه الأمة، ولكن أخبر به الصادق المصدوق ﷺ.
٢- وجوب الإيمان به؛ لقوله ﷺ: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها» والإيمان بعذاب القبر يدخل في عموم الإيمان بالغيب الذي زكى الله ﵎ صاحبه بقوله: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة: ٣] .
٣- عذاب القبر أمر مادي حيث ثبت في الحديث أن له صوتا، وأخطأ من قال: إنه أمر معنوي.
٤- هو عذاب مستمر مع الكافر، فلا ينقطع عنه بعد السؤال كما لا ينقطع عنه بتحلل رفاته فيما نرى- لأن أصحاب هذه القبور التي سمع النبي ﷺ عذابهم قد مر على وفاتهم سنوات.
٥- حياة البرزخ لا تقاس على الحياة الدنيا بأي وجه من الوجوه، لذلك فلا مدخل للعقل في تصور كيفيتها، فلا يعلم ما فيها إلا بالنقل، وعلى العقل والقلب التسليم المطلق، فهذا صوت العذاب في هذه الحياة الغيبية يسمعه كل أحد إلا الثقلين، ويعذب فيها صاحب القبر عذابا أليما مع أنك إذا فتشت في قبره فلن تجد إلا بقايا رفات أو لن تجد شيئا أبدا إلا الأثر.
٦- عظيم عذاب القبر، يدلك على ذلك أن الناس إذا سمعوا صوته فقط هان عليهم أن يتركوا ذويهم وأصحابهم بدون دفن، على أن يدفنوهم، مسّهم ذلك العذاب أو لم يمسهم، بالرغم من المفاسد العظيمة المترتبة على عدم الدفن. ومما يدلل أيضا على عظيم عذاب القبر أن النبي ﷺ كان يتعوذ منه كثيرا خاصة بعد التشهد وقبل السلام من الصلاة ويعلم أصحابه ذلك، فعن مالك بن أنس فيما قرئ عليه عن أبي الزّبير عن طاوس عن ابن عبّاس أنّ
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب: ما جاء في عذاب القبر، برقم (١٣٧٤) .
[ ١ / ١٢١ ]
رسول الله ﷺ كان يعلّمهم هذا الدّعاء كما يعلّمهم السّورة من القرآن يقول: قولوا:
«اللهمّ إنّا نعوذ بك من عذاب جهنّم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدّجّال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» قال مسلم بن الحجّاج: بلغني أنّ طاوسا قال لابنه: أدعوت بها في صلاتك؟ فقال: لا. قال: أعد صلاتك. لأنّ طاوسا رواه عن ثلاثة أو أربعة «١» .
وكأن طاوسا ﵀ كان يرى أن ذلك الدعاء واجب تبطل الصلاة بتركه.
الفائدة الرابعة:
الناس الذين وصلتهم دعوة نبي، قبل بعثة النبي ﷺ، وماتوا على الشرك يعذبون في قبورهم، وهم من أهل النار؛ لأن هؤلاء الذين سمع النبي ﷺ عذابهم قد ماتوا في زمن الشرك.
٧- يرى ما لا يراه أحد:
عن ابن عبّاس قال وذلك في حديث الكسوف: قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا ثمّ رأيناك كففت؟ فقال: «إنّي رأيت الجنّة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدّنيا. ورأيت النّار فلم أر كاليوم منظرا قطّ ورأيت أكثر أهلها النّساء»، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: «بكفرهنّ» قيل: أيكفرن بالله؟ قال: «بكفر العشير وبكفر الإحسان؛ لو أحسنت إلى إحداهنّ الدّهر ثمّ رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قطّ» «٢» .
وعن جابر قال: انكسفت الشّمس في عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ فقال النّاس: إنّما انكسفت لموت إبراهيم، فقام النّبيّ ﷺ فصلّى بالنّاس ستّ ركعات بأربع سجدات بدأ فكبّر ثمّ قرأ فأطال القراءة ثمّ ركع نحوا ممّا قام ثمّ رفع رأسه من الرّكوع فقرأ قراءة دون القراءة الأولى، ثمّ ركع نحوا ممّا قام ثمّ رفع رأسه من الرّكوع فقرأ قراءة دون القراءة الثّانية، ثمّ ركع نحوا ممّا قام ثمّ رفع رأسه من الرّكوع ثمّ انحدر بالسّجود فسجد سجدتين ثمّ قام فركع أيضا ثلاث ركعات ليس فيها ركعة إلّا الّتي قبلها أطول من الّتي بعدها وركوعه نحوا من سجوده ثمّ تأخّر وتأخّرت الصّفوف خلفه حتّى انتهينا وقال أبو بكر «٣»: حتّى انتهى إلى النّساء ثمّ تقدّم وتقدّم النّاس معه حتّى قام في مقامه فانصرف
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب المساجد، باب: ما يستعاذ منه في الصلاة، برقم (٥٩٠) .
(٢) رواه مسلم، كتاب الكسوف، باب: ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف، برقم (٩٠٧) .
(٣) هو الحافظ أبو بكر ابن أبي شيبة صاحب المصنف.
[ ١ / ١٢٢ ]
حين انصرف وقد آضت الشّمس فقال: «يا أيّها النّاس إنّما الشّمس والقمر آيتان من آيات الله وإنّهما لا ينكسفان لموت أحد من النّاس» - وقال أبو بكر: «لموت بشر- فإذا رأيتم شيئا من ذلك فصلّوا حتّى تنجلي، ما من شيء توعدونه إلّا قد رأيته في صلاتي هذه لقد جيء بالنّار وذلكم حين رأيتموني تأخّرت مخافة أن يصيا بني من لفحها، وحتّى رأيت فيها صاحب المحجن يجرّ قصبه في النّار كان يسرق الحاجّ بمحجنه فإن فطن له قال: إنّما تعلّق بمحجني، وإن غفل عنه ذهب به، وحتّى رأيت فيها صاحبة الهرّة الّتي ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتّى ماتت جوعا، ثمّ جيء بالجنّة وذلكم حين رأيتموني تقدّمت حتّى قمت في مقامي، ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه ثمّ بدا لي ألاأفعل، فما من شيء توعدونه إلّا قد رأيته في صلاتي هذه» «١» .
الشاهد في الحديثين: أن النبي ﷺ قد رأى هو يصلي، الجنة شاخصة أمامه، ورأى النار، وأطلع على أهلها وهم يعذبون، والصحابة خلفه ينظرون إليه، فلا يرون جنة ولا نارا، بل يرون النبي ﷺ، وهو يتناول شيئا، كما يرونه وهو يتكعكع. وهذا دليل على ما بوّبت به، أنه يرى ما لا يراه أحد، وقد أثبتّ هذين الحديثين للاستزدادة من الفوائد، وإن كان أحدهما يكفي في الاستشهاد.
بعض فوائد الحديثين:
الفائدة الأولى:
اجتهاد النبي ﷺ في العبادة، علمناه من تطويله جدّا، في جميع أركان صلاة الكسوف، بما في ذلك الركوع والسجود.
الفائدة الثانية:
جواز أن يطيل الإمام الصلاة جدّا، وأن النهي عن الإطالة ليس في كل الأحوال، إنما هو في حال خشية وجود من يتأذى من ذلك التطويل، كالضعيف والمريض وذي الحاجة، فقد كان النبي ﷺ يدخل الصلاة يريد التطويل، فيعرض له عارض فيتجوز فيها، روى البخاري عن أبي قتادة عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّي لأقوم في الصّلاة أريد أن أطوّل فيها فأسمع بكاء الصّبيّ فأتجوّز في صلاتي كراهية أن أشقّ على أمّه» «٢» .
الفائدة الثالثة:
الحركة الخفيفة في الصلاة لا تبطلها؛ لأن النبي ﷺ تناول عنقودا، وتكعكع، واستمر في صلاته، كما أن مسارقة النظر لا تبطلها أيضا، لقول الصحابة:
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الكسوف، باب: ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف، برقم (٩٠٤) .
(٢) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب: من أخف الصلاة عند بكاء الصبي، برقم (٧٠٧) .
[ ١ / ١٢٣ ]
(رأيناك تناولت شيئا) ولكن يجب أن يدافع المسلم نفسه في الصلاة، فيلزم بصره موضع سجوده؛ لأن ذلك أدعى للخشوع في الصلاة.
الفائدة الرابعة:
في شمائل النبي ﷺ:
١- رؤيته الجنة والنار في الحياة الدنيا، وكانت رؤية واضحة لا التباس فيها، بدليل أنه ميّز في هذه الفترة الوجيزة، أن أكثر أهل النار النساء، كما رأى امرأة تخدشها هرة، وقال ﷺ كما ورد في مسلم: «وحتى رأيت صاحب المحجن، يجر قصبه في النار» ونجزم أنها ما كانت رؤية بالقلب، بل كانت رؤية بالعين، لقوله: «لقد جيء بالنار حيث رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيا بني من لفحها»، ورؤية القلب ما يتضرر الإنسان منها، كما أنه لا يمد يده ليتناول ما يراه بقلبه. والحاصل أنها كانت رؤية يقظة واضحة بينة.
٢- ظهور خوفه ﷺ من الله تعالى، حيث قال: لما دنت منه النار: وأنا معهم، وفي رواية عند مسلم: «لقد جيء بالنار حيث رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيا بني من لفحها» ولولا خوفه من الله ﷾، وأنه لا يأمن مكر الله، ما تكعكع من مكانه، وما أعلن للناس خوفه من عذاب الله ﷿ ويتفرع على ذلك جهل من يقول: إني أعبد الله ليس طمعا في جنته ولا خوفا من عذابه: (فهذا النبي ﷺ يخاف فقط أن يصيبه لفح جهنم) وقد بينا سفه هذا القول فيما تقدم.
ومن علامات خوفه ﷺ أنه هرع إلى الله ﷾ بالصلاة والدعاء، لما رأى الكسوف والخسوف، ويصلي فيطيل الصلاة حتى تنجلي الشمس.
٣- أدبه مع الله؛ لأن عنقود الجنة كان في متناول يده، وكان يود أن يأخذه ليراه الصحابة، فيزدادوا بالله ورسوله إيمانا ويقينا، ولكن لم يفعل، ورد في رواية مسلم: «وقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه ثم بدا لي ألاأفعل» وأظن أن عدم فعله قد يكون بسبب عدم الإذن له بقطف العنقود، وفي رواية عند البخاري: «قد دنت مني الجنة حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها» «١» . وإن صح هذا الاستنباط فيكون فعله هذا هو منتهى الأدب مع الله سبحانه، وقد يكون عدم التناول لحكم أخرى.
٤- إطلاعه على كل ما وعدت به هذه الأمة إلى قيام الساعة، لما ورد عند مسلم «فما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه» «٢» أي أن الرؤية لم تقتصر على الجنة والنار، ولا
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب: ما يقول بعد التكبير، برقم (٧٤٥) .
(٢) رواه مسلم، كتاب الكسوف، باب: ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف، برقم (٩٠٤) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
[ ١ / ١٢٤ ]
يخفى على أحد ما تنطوي عليه هذه المعجزة من تكريم للنبي ﷺ وإظهار لفضله وسبقه على الأولين والآخرين.
٥- ظهور حرصه ﷺ على نصح الأمة، وتعبيدها لله ﷿ وبيان ما وقعت فيه من خطأ حال وقوعه، وذلك أن الناس ظنوا أن كسوف الشمس حدث بسبب موت ابنه إبراهيم ﵇ فقام فيهم فقال: «يا أيها الناس إنما الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس» .
الفائدة الخامسة:
بيان عظيم قدرة الله ﷾، ويتمثل ذلك في رؤية النبي ﷺ الجنة والنار في مكانه، ورؤية كل ما توعد به الأمة إلى يوم القيامة، يرى ذلك ويعقله، ولا يراه أحد غيره، ممن يقف وراءه حتى دنت منه النار بلهيبها وحرها، كما أن قدرته، ﷾، تتمثل أيضا في قصر الوقت الذي استغرقته تلك المعجزة العظيمة، خاصة أنه رأى كل ما وعدت به الأمة، يتفرع على ذلك، أن قدرة الله ﷿، لا يعقلها عقل، ولا يحدها وصف، ولا يعجزها شيء، فعلى المسلم ألايقيس تلك الأخبار على قدرة الإنسان المحدودة، بل يسلم بكل ما ورد بالكتاب والسنة دون إدخال العقل، اللهم إلا في التفكر في عظيم قدرة الله ﷾.
الفائدة السادسة:
بيان أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، ولله الحكمة البالغة في ذلك، بل فيهما من يعذب وينعم، لما ورد في هذا الحديث من تعذيب صاحبة الهرة، أما التنعيم في الجنة، فقد روى البخاري: عن أبي هريرة ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال حدّثني بأرجى عمل عملته في الإسلام؛ فإنّي سمعت دفّ نعليك بين يديّ في الجنّة؟» قال: ما عملت عملا أرجى عندي أنّي لم أتطهّر طهورا في ساعة ليل أو نهار إلّا صلّيت بذلك الطّهور ما كتب لي أن أصلّي «١» .
أما كيف دخلت هذه المرأة النار قبل يوم القيامة، فهذا غيب، ليس عندنا علم به من كتاب أو سنة، فلا نخوض فيه.
الفائدة السابعة:
بطلان قول من يقول: إن الكسوف والخسوف ظواهر طبيعية، لا علاقة لها بأعمال العباد، وأنه لا ينبغي لنا أن نخاف من حدوثها أو كثرة تكرارها، فقد ورد في رواية عند البخاري: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله تعالى يخوف بها عباده»، وفي رواية عنده أيضا: «فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب: فضل الطهور بالليل والنهار ، برقم (١١٤٩) .
[ ١ / ١٢٥ ]
الصلاة»، وعنده: «فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي» . ومعرفة موعدها لا يخرجها عن كونها آية يخوّف الله بها عباده.
الفائدة الثامنة:
عظيم ما أعده الله ﷿ لعباده المؤمنين في الجنة، وأن ما فيها يختلف تماما عما نعرفه في الدنيا، لقوله ﷺ عند البخاري: «فتناولت منه عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا» فلو أن الناس كلهم جميعا من عهد الصحابة إلى قيام الساعة، أكلوا من هذا العنقود، كفاهم من الجوع ولم ينفد، أي أن نعيم الجنة وما فيها لا ينتهي، قال تعالى: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [النحل: ٩٦]، وهذا أيضا من دلائل عظيم قدرة الله ﷾.
الفائدة التاسعة:
عظيم ما أعده الله ﷾، للكافر من عذاب أليم موجع، لقوله ﵊: «ورأيت النار فلم أر كاليوم منظرا قط» في رواية البخاري.
ونلحظ في النار أيضا عظيم قدرة الله ﷾ من جهة أن أهلها يذوقون هذا العذاب فلا يموتون، بل إن أجسادهم تتضخم، لما روى البخاري عن أبي هريرة عن النّبيّ ﷺ قال: «ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيّام للرّاكب المسرع» «١» .
الفائدة العاشرة:
عدم الاستهانة بأي ذنب مهما صغر في عين العبد؛ لأن المرأة دخلت النار في قطة حبستها، كما لا نقلل من أي عمل صالح فقد دخل رجل الجنة في سقاية كلب ظمان، فعند البخاري، عن أبي هريرة عن النّبيّ ﷺ: «أنّ رجلا رأى كلبا يأكل الثّرى من العطش فأخذ الرّجل خفّه فجعل يغرف له به حتّى أرواه فشكر الله له فأدخله الجنّة» «٢» .
يتفرع على ذلك أن يكون المسلم دائما على حذر من أدنى الذنوب، فلعله يطيع ويكثر من الخيرات، ويقع في ذنب صغير يأخذه الله به، أو يختم له به فيكون من المعذبين في النار، كما أن عليه ألا يترك عملا صالحا إلا ويفعله ويحرص عليه قدر استطاعته، فلعله يختم له به فيكون من أصحاب الجنة، أو يقع هذا العمل الصالح موقع رضى من الله ﷿ فيغفر له به ذنوبا عظيمة، ويتبين من ذلك أن من يقترف السيئات دون مبالاة ودون توبة في خطر عظيم.
الفائدة الحادية عشرة:
وفيها أن المرأة دخلت النار لأنها حبست الهرة ولم تطعمها، أي أنها لو أطعمتها مع حبسها لم يتوجه إليها اللوم.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب: صفة الجنة والنار، برقم (٦٥٥٣) .
(٢) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب: الماء الذي يغسل به شعر الإنسان ، برقم (١٧٤) .
[ ١ / ١٢٦ ]
الفائدة الثانية عشرة:
في قوله: «لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط»، وانظر إلى مقابلة إحسان الدهر، بقولها: «ما رأيت منك خيرا قط» .
وإذا كان هذا الوعيد للزوجة التي تجحد فضل زوجها، وهو بشر مثلها، ولم يكن هذا المعروف من محض فضله، كما أنها ولا شك أسدت إليه في مقابل هذا المعروف معروفا، ولو قليلا، فما بالكم بالذي يجحد فضل الله ﷿ عليه، وفضله هو أصل كل فضل، يصل إلى العبد قديما وحديثا، فضله الذي لا ينقطع، بل هو مع الإنسان من يوم أن كان نطفة في رحم أمه، إلى أن تفيض روحه إلى بارئها، بل إن فضله عليه من قبل ذلك وبعده، وهو فضل لا يقابله فضل من العبد. أظن أن من يجحد فضل الله عليه أن عذابه سيكون أشد وأشد، مقارنة بعذاب من جحدت فضل زوجها فحذار أن يجحد المسلم فضل ربه، وألا يقرّ به آناء الليل وآناء النهار، وألا يقابله بالشكر والعمل الصالح، حتى وإن تعرض لبعض المحن والابتلاآت، والمجال لا يتسع أن نذكر طرفا من أفضال الله المتتابعة وآلائه المتوالية ورحماته المتعاقبة استدلالا على ما ذكر، ولكن يكفي أن نتذكر قوله تعالى: وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: ٣٤] .
الفائدة الثالثة عشرة:
قوله: «ورأيت أكثر أهلها النساء» ولم يقل: (ورأيت النساء أهلها)، وهذا هو المشاهد لأن بعض النساء مهما رأين من أزواجهن لا يجحدون فضلهم ومعروفهم.
الفائدة الرابعة عشرة:
وهي في كيفية شد انتباه السامعين: حيث قال ﷺ لما سئل عن سبب أن أكثر أهل النار من النساء «يكفرن» وسكت ولم يبين أي أنواع الكفر يقصد، حتى يسترعي انتباه الجميع، ويجعلهم يخافون من كلمة (يكفرن) حتى ظنوا أنهن يكفرن بالله، فيأتي بعد ذلك البيان من الرسول ﷺ بالمقصود من قوله «يكفرن» على قلوب وعقول قد سألت عن المقصود، وقد شدّ انتباهها.
الفائدة الخامسة عشرة:
ما كان عليه الصحابة من فقه وأدب، أما الفقه، فقد علموا أن هناك سببا ظاهرا لكون أكثر أهل النار من النساء، فقالوا: (بم يا رسول الله)، وأما أدبهم فيتضح من صيغة السؤال عن علة الحكم، فلم يكن سؤال المتشكك أو المعترض أو الطاعن في حكمة الله، بل كان سؤال من يريد التعلم فقالوا: «بم يا رسول الله»، فالذي يقر أنه رسول الله، ويناديه بصفته في السؤال، يوحي بإيمانه بالحكم وتسليمه له، وعدم اعتراضه، وأنه يريد معرفة العلة، حتى لا يقع فيها.
[ ١ / ١٢٧ ]
يتفرع على ذلك وجوب أن يتأدب المسلم عند السؤال عن علة أي حكم من أحكام الدين، ويظهر من كلامه أن يسلم بحكمة الله البالغة في كل أمر ونهي، وأنه يسأل سؤال المتعلم لا المتشكك، وأن الأمر عنده لا يختلف كثيرا إذا علم أو جهل حكمة الحكم؛ لأن عنده مطلق الإيمان بالله ورسوله.
ومن أمثلة رؤية النبي ﷺ ما لا يراه أحد، ما رواه الشيخان بإسناديهما عن أسامة ﵁ قال: أشرف النّبيّ ﷺ على أطم من آطام المدينة فقال: «هل ترون ما أرى؟ إنّي لأرى؟ مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر» «١» .
قال الإمام ابن حجر﵀- (أشرف) أي نظر من مكان مرتفع، قوله: (مواقع) أي مواضع السقوط (خلال) أي نواحيها.
قد شبه سقوط الفتن وكثرتها بسقوط القطر في الكثرة والعموم.
وهذا من علامات النبوة لإخباره بما سيكون، وقد ظهر مصداق ذلك من قتل عثمان ﵁ وهلم جرا ولا سيما يوم الحرة، والرؤية المذكورة يحتمل أن تكون بمعنى العلم أو رؤية العين، بأن تكون الفتن مثّلت له حتى رآها، كما مثلت له الجنة والنار في القبلة حتى رآهما وهو يصلي «٢» .
وقال﵀- في موضع آخر: (والرؤية بمعنى النظر أي كشف لي فأبصرت ذلك عيانا) «٣» .
وأقول: هذا هو الصحيح- إن شاء الله- لسؤال النبي ﷺ أصحابه: «هل ترون ما أرى؟» والأقرب أن يكون هذا الاستفهام من النبي ﷺ لشيء يراه ويبصره بالعين لا لشيء يعلمه، كما أنه لا حاجة لتأويل الرؤية بالعلم حيث إن النقل أثبتها والعقل لا ينفيها، والقول بظاهر النص هو الأسلم.
٨- رؤيته ﷺ غيره من وراء ظهره:
روي البخاري بإسناده عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «هل ترون قبلتي ها هنا؟
فو الله ما يخفى عليّ خشوعكم ولا ركوعكم إنّي لأراكم من وراء ظهري» «٤» .
_________________
(١) رواه البخاري (٣٥٩٧)، ومسلم (٢٨٨٥) .
(٢) انظر فتح الباري (٤/ ٩٥) .
(٣) انظر فتح الباري (١٣/ ١٣) .
(٤) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب: عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة، برقم (٤١٨) .
[ ١ / ١٢٨ ]
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ: «إني لأراكم من وراء ظهري» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
كثرة المعجزات التي أيد الله ﷾ بها نبيه ﷺ، وهذه واحدة من أجل تلك المعجزات، وهي أنه ﷺ يرى من وراء ظهره. وإليك بعض حكم هذه الرؤية:
١- إظهار الله للناس فضله وتأييده لنبيه ﷺ، وإظهار مكانته على الأولين والآخرين، وذلك بخرق العادات الكثيرة له، ومنها أنه يرى من وراء ظهره كما يرى من أمامه، وأقول: إن الرؤية من الأمام والخلف تستوي في حقه ﷺ؛ لأن الحديث بدأ بقوله:
«هل ترون قبلتي هنا» وهو سؤال يستنكر فيه النبي ﷺ على من يظن أنه يرى الذي أمامه فقط، واختتم حديثه بقوله: «إني لأراكم من وراء ظهري»، وهذا الإظهار لفضل الله، ليزداد الذين آمنوا إيمانا، إيمانا بقدرة الله على خرق العادات والنواميس، وأن هذه العادات والنواميس إنما هي ملزمة للناس فقط، ولا يمكن عقلا أن تكون ملزمة للذي خلقها، كما يزداد الذين آمنوا إيمانا بنبوة المصطفى ﷺ وهذه الحكمة هي حكمة مشتركة في جميع المعجزات.
٢- تطمين الله ﷾ لنبيه ﷺ أن الله ناصره ومؤيده بمعجزة ملازمة له، يراها ويشعر بها صباحا ومساء.
٣- إطلاع النبي ﷺ على ما يحدث خلفه، كإطلاعه على خشوع أصحابه، ﵃، في الصلاة، وكذا جميع حركاتهم وسكناتهم، فقد يحتاج الأمر إلى تصويبها وتعديلها، وتنبه أخي القارئ إلى أن رؤيته ﷺ توسع دائرة تكليفه من حيث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو لا يكلف بالذي يراه أمامه فحسب، بل بما يراه من خلفه أيضا.
كما أن رؤيته ﷺ من وراء ظهره، تضمن له ألا يغتال غيلة، كما يزيده شجاعة وإقداما، على عدوه في الحروب، وهو ما كان يحدث بالفعل.
الفائدة الثانية:
في كيفية تلك الرؤية، فقد ذكر ابن حجر، ﵀، في الفتح عدة أقوال عن غيره من العلماء، وقد أبطلها جميعا بدون محاجة أصحابها، ولذلك أحب أن أسردها هنا وأذكر حجتي في إبطالها فأقول وبالله التوفيق:
١- الرأي الأول: انطباع الصورة في حائط الجدار الذي أمامه ﷺ، وهذا مردود عليه، بأنه لن يرى طالما ليس أمامه جدار، والحديث لم يقيد الرؤية بالجدار أو غيره، بل لم
[ ١ / ١٢٩ ]
يقيد الرؤية بالصلاة أصلا.
٢- الرأي الثاني: أنها رؤية لمن عن يمينه وشماله، ممن تدركه عينه من التفات يسير في النادر، وهذا القول يتعارض مع ظاهر الحديث؛ لأن الرؤية الناشئة عن التفاتة يسيرة عن اليمين أو الشمال، ليس فيها بالتأكيد رؤية من يقف في الخلف تماما، وليس فيها أيضا إلا رؤية أجزاء من الصف الأول، أما رؤية ما يلي الصف الأول، فهي مفقودة قطعا، وهذا تقييد بلا دليل ولا مسوغ؛ وذلك لعموم الرؤية التي وردت في الحديث، كما هو مناقض لرواية مسلم وفيها: «فو الله ما يخفى عليّ ركوعكم ولا سجودكم» فالذي يرى من خلفه بالتفاتة يسيرة لن يرى قطعا الساجدين خلفه في أثناء سجوده هو.
٣- الرأي الثالث: يقول: إن المراد بالرؤية هنا العلم، إما بوحي أو إلهام. وهذا أيضا فيه منافاة لظاهر الحديث؛ لأن النبي ﷺ بين أن عدم خفاء الركوع والسجود إنما هو ناتج عن الرؤية، وقد قيد هذه الرؤية أنها من وراء ظهره، والإلهام والوحي إنما ينزل على القلب وليس من وراء الظهر، والغريب أن النبي ﷺ قد أكد أن الرؤية إنما هي من وراء ظهره بمؤكدين، هما «إنّ» في قوله «إني»، واللام الموطئة للقسم في قوله: «لأراكم»، كأنه ﷺ يرد على من يتأول الرؤية.
كما أن الرؤية لا تنزل منزلة الوحي، حتى تطلق إحداهما على الآخرى، فالوحي- بلا شك- أعظم من مجرد الرؤية، سواء في الإعلام بمنزلة النبي ﷺ، أو من جهة تعظيم الصحابة ﵃ لها، فالحاصل أنها لو كانت وحيا لكان ذكرها أولى ووقعها أعظم.
وبعد تفنيد هذه الأقوال، نجزم قطعا، أن النبي ﷺ كان يرى من وراء ظهره كما يرى من أمامه، سواء بسواء.
الفائدة الثالثة:
في عضو الرؤية، أي هل كان النبي ﷺ يرى بعين محسوسة من وراء ظهره.
أقول: إن البحث في هذا الأمر من التكلف؛ لأنه من الغيب، الذي ليس فيه نص من كتاب ولا سنة، ولو كنا متعبدين أن نعرف عضو الإبصار، لبينته لنا السنة، غاية البيان كما بينت لنا الرؤية، ولكني هنا أرد على من قال: كانت له عين خلف ظهره يرى بها من ورائه دائما، وعلى من قال: كانت له عينان بين كتفيه. وقد ذكر هذين القولين ابن حجر، ولم
[ ١ / ١٣٠ ]
يعلق عليهما، وأنا أستبعد أن يكون هذا الكلام صحيحا، للأسباب التالية:
١- ورد في الصحيحين من حديث عائشة، ﵂، قول الرسول ﷺ «إن عيني تنامان ولا ينام قلبي» «١»، ولو كان للنبي ﷺ، أكثر من عينين، لقال (إن أعيني تنام) وكيف لا يذكر ذلك، والكلام في سياق إظهار فضل الله عليه ﷺ، كما أن الكلام سيكون مخالفا للواقع.
٢- لو كانت له ﷺ عينان وراء ظهره، لو صفهما الصحابة ﵃ ولنقل لنا وصفهما، فإنهم لم يتركوا شيئا يتعلق به ﷺ إلا وصفوه، فكيف يصل إلينا وصف عرقه وشعره، ولا يصل إلينا وصف ما هو أعظم من ذلك، عينان هما له معجزتان ظاهرتان، ألم يصفوا لنا خاتم النبوة، وكان وراء ظهره، ﷺ؟!
ولو كانت له عينان محسوستان، ما احتاج النبي ﷺ لإخبار الصحابة ﵃ بهما بل وتوكيد الخبر- كما بينت- بمؤكدين لتتيقن قلوبهم.
٣- لو كان عضو الإبصار هما عينان في ظهره أو بين كتفيه ﷺ لتعذر عليه رؤية أصحابه أثناء سجوده وركوعه؛ لأن الظهر يكون في هذه الحالة متوجها إلى السماء، ولا يقابل من خلفه، بل ما استطاع ﷺ أن يرى جميع من يصلي خلفه.
ولذلك نقطع أن النبي ﷺ كان يرى من وراء ظهره كما يرى من أمامه، رؤية عين حق، ونفوض تلك الكيفية لعلم الله، ﷾، فقد يكون الأمر أعظم من مجرد عينين من حيث قوة الإدراك وتمام الإحاطة، فمن حيث قوة الإدراك فهي ترى كل من يصلي بالخلف ولو كثروا، ومن حيث تمام الإحاطة، فهي عين لا يشترط فيها مقابلة المرأي.
ولا يسعنا إلا أن نقول: سبحان الذي أبدع كل شيء خلقه وأحكم كل شيء شرعه.
الفائدة الرابعة:
إجلال وإكبار الصحابة، ﵃، للنبي ﷺ وذلك لزيادة خشوعهم وسكونهم في الصلاة، لعلمهم أن خشوعهم لا يخفى على النبي ﷺ ولولا ذلك ما كان هناك داع أن يعلمهم النبيّ ﷺ بأن خشوعهم وركوعهم لا يخفى عليه، بل يقسم لهم بالله على ذلك.
ولا يقال: إن في هذا منافاة للإخلاص ومراقبة الله ﷾، فأحدنا قد يصلي بجوار أحد الأئمة الذين يجلهم فيشعر في نفسه بزيادة الخشوع والرهبة في الصلاة مما لو كان
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب: قيام النبي ﷺ بالليل، برقم (١١٤٧) .
[ ١ / ١٣١ ]
يصلي بجوار صاحبه، وتحدث هذه الخشية والرهبة ولو كان هذا الإمام أعمى لا يبصر، وهذا- والله- مشاهد، عاينته بنفسي.
الفائدة الخامسة:
مع أن الخشوع محله القلب، إلا أن أثره يظهر على الجوارح؛ لأن النبي ﷺ لما قال: «لا يخفى عليّ خشوعكم»، ما كان قطعا يقصد اطّلاعه على خشوع القلب بل على أثره الذي يظهر على الجوارح.
يتفرع عليه، أن على المصلي أن يحافظ على سكون جوارحه؛ لأن ذلك يساعده على خشوع قلبه. وأما من يدعي خشوع قلبه، وجوارحه لا تسكن أثناء صلاته، فادعاؤه ادعاء كاذب وهو يدل أيضا على عدم تعظيمه للرب، ﵎.
الفائدة السادسة:
لا يؤثر على خشوع النبي ﷺ رؤيته ومراقبته للصحابة في ركوعهم وسجودهم أثناء صلاته، وأعتقد أن هذه مزية خاصة للنبي ﷺ لا يشاركه فيها أحد.
٩- تسليم الحجر عليه ﷺ:
عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّي لأعرف حجرا بمكّة كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث إنّي لأعرفه الآن» «١» .
هذا بلا شك معجزة ظاهرة للنبي ﷺ أن يسلّم عليه الحجر، خاصة أن هذا السلام كان قبل البعثة، وحكمة ذلك- والله أعلم- هي تهيئة النبي ﷺ للنبوة وأن تكون تلك الأمور بمثابة إرهاصات النبوة، وأن يوطن النبي ﷺ نفسه على أن الله ﷿ قد خلقه لأمر عظيم وأنه ليس كبقية البشر، وقد بينت ذلك عند الحديث عن الرؤية الصالحة.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
عناية الله ﷾ بنبيه ﷺ ليس بعد البعثة فحسب، ولكن قبل البعثة أيضا، وتدبر أخي القارئ أن سلام الحجر على النبي ﷺ لم يكن مرة واحدة، ولكن يبدو أنه تكرر كثيرا لقوله ﷺ: «كان يسلم علي» .
الفائدة الثانية:
إرادة الله ﷾ إظهار قدرته لنبيه ﷺ خاصة، ولجميع خلقه عامة، إذ جعل حجرا يسلم على نبيه ﷺ، فقد جعل الله لهذا الحجر تمييزا خاصّا يتعرف به على شخص النبي ﷺ، وجعل له صوتا مسموعا لإلقاء السلام يفهمه البشر، وأعتقد أن
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب: فضل نسب النبي ﷺ وتسليم الحجر عليه، برقم (٢٢٧٧) .
[ ١ / ١٣٢ ]
الاختيار الإلهي لحجر يسلم على النبي ﷺ كان لهذه الحكمة البالغة، وهي أن يعلم النبيّ ﷺ- قبل البعثة- بقدرة الله ﷾ التي لا يمكن أن يتصورها البشر، ويوقن النبي ﷺ أن الله على كل شيء قدير.
قال الإمام النووي﵀- في شرح الحديث ما نصه: (وفي هذا إثبات التمييز في بعض الجمادات وهو موافق لقوله تعالى في الحجارة: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: ٧٤] . وقوله تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء: ٤٤] وفي تفسير هذه الآية خلاف مشهور، والصحيح أنه يسبح حقيقة ويجعل الله تعالى فيه تمييزا بحسبه، ومنه الحجر الذي فرّ بثوب موسى ﷺ، وكلام الذراع المسمومة، ومشي إحدى الشجرتين إلى الآخرى حين دعاهما النبي ﷺ وأشباه ذلك) . انتهى كلامه﵀- «١» .
وإن تعجب أخي القارئ من حجر يسلم على النبي ﷺ فالعجب أن جذع شجرة يئن كالطفل الرضيع من فراق النبي ﷺ كما بينت في باب- حنين جذع الشجرة.
١٠- رؤيته جبريل على هيئته:
عن مسروق قال: كنت متّكئا عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة ثلاث من تكلّم بواحدة منهنّ فقد أعظم على الله الفرية قلت ما هنّ قالت: من زعم أنّ محمّدا ﷺ رأى ربّه فقد أعظم على الله الفرية قال: وكنت متّكئا فجلست فقلت: يا أمّ المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ألم يقل الله ﷿: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير: ٢٣] وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [النجم: ١٣] فقالت: أنا أوّل هذه الأمّة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: «إنّما هو جبريل لم أره على صورته الّتي خلق عليها غير هاتين المرّتين رأيته منهبطا من السّماء سادّا عظم خلقه ما بين السّماء إلى الأرض» . فقالت: أو لم تسمع أنّ الله يقول: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٠٣] أو لم تسمع أنّ الله يقول: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى: ٥١] «٢» .
_________________
(١) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (١٥/ ٣٧) .
(٢) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب: معنى قول الله ﷿: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، برقم (١٧٧) .
[ ١ / ١٣٣ ]
الشاهد في الحديث:
هو قول النبي ﷺ: «إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
هناك اختلاف كبير بين سلف هذه الأمة في ثبوت رؤية النبي ﷺ لربه ليلة الإسراء، فعائشة ﵂ تنفي ثبوت الرؤية، بينما يثبتها حبر الأمة، ابن عباس، ﵄، على اختلاف عند العلماء بقصده بالرؤية، هل هي رؤية عين، أم رؤية قلب، ولست ممن يستطيع الخوض في هذا الأمر ولكن أقول ردّا على من شكك في حجة عائشة ﵂ في نفي الرؤية:
١- سؤال عائشة ﵂ النبيّ عن هاتين الآيتين: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير: ٢٣]، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [النجم: ١٣] إنما كان القصد منه التثبت من رؤية النبي لمولاه؛ لأن ظاهر الآيتين يوحي بذلك، كما فهمها مسروق راوي الحديث، وكان رد النبي، أن المرئي، هو جبريل ﵇، ولو كان النبي رأى ربه، لأخبر عائشة بعد أن أعلمها بالمقصود من الآيتين؛ لأنه من المؤكد أن النبي ﷺ كان يعلم مقصود عائشة من السؤال، وهناك اتفاق على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز في حقه ﷺ، ولماذا يخفي النبي ﷺ مثل ذلك الأمر العظيم على أقرب الناس إليه، بل أحبهم إلى قلبه، وحديث الباب كان بعد وفاة النبي، فهل يعقل ألا يحدثها بذلك طوال حياته، وهي أول من سأل النبي ﷺ عن الرؤية.
٢- حجة عائشة، ﵂، في عدم الرؤية، لم تأخذه من قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: ١٠٣] وإنما كان من إجابة النبي ﷺ عن سؤالها، وأظن أنها أتت بهذه الآية للاستئناس فقط، أو أنها حملت الإدراك هنا على معنى الرؤية لاعتقادها الجازم باستحالة الرؤية في الدنيا، لتأكدها أنها لم تقع لخير البشر، وهذا ما جعلها تشتد على من يقول بها، أما استدلالها، ﵂، بقوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ [الشورى: ٥١] فهو استدلال في محله، ويقوي ما نعتقده.
٣- يقوي ما ذهبت إليه عائشة ﵂ ما رواه مسلم عن أبي ذرّ قال سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربّك؟ قال: «نور أنّى أراه» «١» .
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب: في قوله ﵇: نور أني أراه ، برقم (١٧٨) .
[ ١ / ١٣٤ ]
ولا نستبعد رؤية النبي ربه في الدنيا، والله ﷾، قادر على أن يخلق فيه ما يجعله قادرا على تحمّل هذه الرؤية، ولكن نحتاج إلى دليل صحيح صريح، يثبت الرؤية ويقوى على معارضة حديث الباب الصحيح الصريح.
الفائدة الثانية:
رؤية الله ﷿ في الآخرة، ثابتة في الكتاب والسنة، ولا ينكرها إلا مبتدع، أما في الكتاب، ففي قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٠٣] فنفي الأعلى يدل على إثبات الأدنى، فالآية بنفيها إدراك الله ﷿، فقد أثبتت الرؤية؛ لأنها دون الإدراك، ولو أن الرؤية محالة في الآخرة، لنفاها الله ﷿، ودخل الإدراك في النفي من باب أولى لأنه أعظم من الرؤية.
ومن أدلة القرآن أيضا قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢- ٢٣]، وقوله تعالى موبخا الكافرين: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥]، ولو حجب المؤمنون أيضا عن رؤية ربهم، لاشتراك المؤمنون والكافرون في هذا التوبيخ.
ومن أدلة السنة، ما رواه البخاري عن جرير بن عبد الله قال: كنّا عند النّبيّ ﷺ فنظر إلى القمر ليلة- يعني البدر- فقال: «إنّكم سترون ربّكم كما ترون هذا القمر لا تضامّون في رؤيته؛ فإن استطعتم ألاتغلبوا على صلاة قبل طلوع الشّمس وقبل غروبها فافعلوا ثمّ قرأ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [ق: ٣٩]» «١» .
الفائدة الثالثة:
تعظيم عائشة ﵂ لحرمات الله؛ لأنها لما سمعت ما تعتقد أنه ينافي تنزيه الرب ﵎، قالت في رواية في الصحيح: (لقد قفّ شعري)، وقالت في الرواية التي معنا (لقد أعظم على الله الفرية)، أي أنها اتهمته بأعظم القبائح وما ذلك إلا لتعظيمها ربّها.
الفائدة الرابعة:
حرص عائشة ﵂، على تعلم العلم والسؤال عما يستشكل عليها، وأنها تسبق الأمة في السؤال، لقولها: (أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ)، كما أن من فقهها أيضا استدلالها على عدم الرؤية بقول الله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى: ٥١]، فرأت أن الآية عامة في كل أحد، فلا يمكن إثبات الرؤية في الدنيا
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاة العصر، برقم (٥٥٤) .
[ ١ / ١٣٥ ]
إلا بدليل من كتاب أو سنة، فلما انعدم الدليل عندها انعدمت الرؤية.
الفائدة الخامسة:
عظم خلق الملائكة، خاصة جبريل ﵇، وذلك من قوله:
«سادّا عظم خلقه ما بين السماء والأرض»، ويتفرع على ذلك أن نعلم عظيم قدرة الله على الخلق والإيجاد، وإذا كنا لا نستطيع أن نتصور قدرته في خلق جبريل على هذا القدر من العظم، فكيف لنا أن نتصور ذاته أو حتى نتفكر فيها. فسبحان الله عما يقول الظالمون علوّا كبيرا.
الفائدة السادسة:
رؤية النبي لجبريل على هيئته التي خلقه الله بها، من صور إكرام الله ﷾ لنبي هذه الأمة؛ لأن الآيات ذكرت هذه الرؤية في معرض الحديث عما تفضل الله به على نبيه، ومن ثمّ فقد أتيت بها ضمن شمائله ﷺ.
١١- أعطي مفاتح خزائن الأرض:
عن عقبة بن عامر أنّ النّبيّ ﷺ خرج يوما فصلّى على أهل أحد صلاته على الميّت ثمّ انصرف إلى المنبر فقال: «إنّي فرط لكم وأنا شهيد عليكم، وإنّي والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإنّي أعطيت مفاتيح خزائن الأرض- أو مفاتيح الأرض- وإنّي والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها» «١» .
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ: «وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض» .
قال الإمام النووي﵀- وفي هذا الحديث معجزات لرسول الله ﷺ فإن معناه الإخبار بأن أمته تملك خزائن الأرض وقد وقع ذلك، وأنها لا ترتد جملة، وقد عصمها الله من ذلك وأنها تتنافس في الدنيا، وقد وقع كل ذلك. انتهى «٢» .
وأقول: في الحديث بشرى عظيمة لأمة الإسلام، وهي أنها ستفتح كل أقطار المعمورة، بلا استثناء، وأعتقد أن ذلك بتمامه لم يقع بعد، فهناك بعض الأقطار لم يفتحها المسلمون.
كما أن في الحديث دلالة على منزلة النبي ﷺ عند ربه من وجوه وهي:
١- إعطاؤه مفاتيح خزائن الأرض في حياته ﷺ، مع أن هذه الفتوحات وهذا التمكين
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب: الصلاة على الشهيد، برقم (١٣٤٤) .
(٢) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (١٥/ ٥٩) .
[ ١ / ١٣٦ ]
لم يحدث إلا بعد وفاته ﷺ، إعلاما له ولأمته ﷺ أن هذا التكريم والفتح العظيم هو إكرام له في الحقيقة.
٢- رؤيته ﷺ الحوض، وهو على منبره، قال الإمام ابن حجر﵀- في قوله ﷺ: «وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن»: هو على ظاهره وكأنه كشف له عنه في تلك الحالة «١» .
٣- حفظ الله ﷾ لنبيه ﷺ أمته من الشرك بعده، وهي بشرى عظيمة له ﷺ في حياته بأنه دينه سيبقى إلى يوم القيامة.
وغير ذلك من قبول الله لشهادته ﷺ في كل أمته من رآه ومن لم يره. مع إذن الله له أن يسبق أمته إلى الحوض ليكون كالمستقبل لهم والمرحّب بهم، إكراما لعموم هذه الأمة.
١٢- إمامة الأنبياء:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربة ما كربت مثله قطّ، قال:
فرفعه الله لي أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلّا أنبأتهم به: وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلّي فإذا رجل ضرب جعد كأنّه من رجال شنوءة وإذا عيسى ابن مريم ﵇ قائم يصلّي أقرب النّاس به شبها عروة بن مسعود الثّقفيّ، وإذا إبراهيم ﵇ قائم يصلّي أشبه النّاس به صاحبكم- يعني نفسه- فحانت الصّلاة فأممتهم، فلمّا فرغت من الصّلاة قال قائل: يا محمّد هذا مالك صاحب النّار فسلّم عليه فالتفتّ إليه فبدأني بالسّلام» «٢» .
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ: «فحانت الصلاة فأممتهم» .
وهذه الواقعة قد حدثت في ليلة الإسراء والمعراج حيث إنها وردت في سياق حديث النبي ﷺ عن سؤال المشركين له عن أوصاف بيت المقدس، كما ورد في حديث الباب، ولا يهمني هنا أن أسرد كلام العلماء عن توقيت هذه الواقعة في تلك الليلة المباركة، أي: هل حدثت الصلاة بالأنبياء جماعة بعد عروج النبي ﷺ إلى السماء أم قبل العروج، ولكن الذي
_________________
(١) انظر فتح الباري (٣/ ٢١١) .
(٢) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب: ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال، برقم (١٧٢) .
[ ١ / ١٣٧ ]
يهمني هو أن يعلم كل مسلم أن نبيه ﷺ قد صلى بالأنبياء إماما، وفيهم من فيهم من أولي العزم من الرسل، حيث ورد في الحديث أن فيهم إبراهيم وموسى وعيسى، صلوات الله وسلامه عليهم جميعا، ومعلوم أنّ من السنة أن يؤم القوم أعلمهم، فهو دليل قطعي على أن النبي ﷺ هو أفضل الرسل جميعا، وقد بينت ذلك في مواضع مختلفة من هذا الكتاب فلله الحمد والمنة على ما تفضل به على نبينا ﷺ.
وإذا كانت كل أمة من الأمم السابقة قد ادعت كذبا وزورا انتسابها إلى الخليل إبراهيم ﷺ، لشرفه وإمامته، فحقيق بأمة الإسلام أن تفتخر وتتباهى وترفع عقيرتها بين سائر الأمم أنها تنتسب صدقا إلى أمة خاتم النبيين ﷺ الذي صلى الخليل وراءه مأموما، شريطة أن يكون هذا الانتساب بالقول والعمل لا بالقول وحده.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
حياة البرزخ وأحوالها تختلف تماما عن الحياة الدنيا وأحوالها، فلا تقاس حياة البرزخ على حياة الدنيا، ولذلك لا مجال لإيراد إشكالات قد تدور في أذهان بعض المسلمين مثل: كيف رأى النبيّ ﷺ موسى يصلي في قبره ثم رآه في السماء الخامسة ثم صلى به إماما ببيت المقدس.
وغير ذلك من الأسئلة الكثيرة.
الفائدة الثانية:
للأنبياء﵈- حياة خاصة بعد انتقالهم من الحياة الدنيا، وأن أعمالهم الصالحة تتواصل ولا تنقطع بانقطاعهم عن الحياة الدنيا وهذا من فضل الله عليهم وتميزهم عن سائر الخلق.
ويتفرع على ذلك أن الأنبياء لا يدخلون في عموم قوله ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة» «١»، وأن أعمالهم الصالحة لا تقتصر على أعمالهم في حياتهم الدنيا.
الفائدة الثالثة:
في الحديث فضيلة ظاهرة لإبراهيم ﷺ، وهى أن أشبه الناس به نبينا محمد ﷺ، وبالمناسبة أقول: إن للخليل ﷺ فضيلة أخرى عظيمة، وهى أن الله ﷿، ما أمر نبيه محمدا ﷺ باتباع ملة نبي بعينه إلا إبراهيم الخليل حيث قال تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: ١٢٣] .
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الوصية، باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، برقم (١٦٣١) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا.
[ ١ / ١٣٨ ]
فإن قيل: ولماذا لا يكون العكس هو الصحيح؟ بمعنى: أن الشبه في الخلقة والأمر بالاتباع في الملة هما فضيلتان لنبينا محمد ﷺ، قلت: لا، لأن نبينا ﷺ أفضل من الخليل ﷺ إجماعا، فتكون الفضيلة للمفضول إذا كان الفاضل يشبهه أو أمر باتباعه.
الفائدة الثالثة:
إرادة الله ﷾ الشرعية والكونية في إظهار فضل النبي ﷺ على سائر الأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام، حيث أمر النبي ﷺ أن يصلي بهم إماما، وفي ذلك غاية التشريف والتكريم له ﷺ، كما تتضمن هذه الإرادة الإلهية إعلام الأنبياء أن محمدا ﷺ هو إمامهم وأتقاهم وأعلمهم بالله ﵎.
ويتفرع على ذلك أن الأنبياء لو قدر لهم أن يجتمعوا في عصر واحد ما وسعهم إلا أن يتبعوا النبي محمدا ﷺ، حيث رضى الله ﷿ وقدر أن يكون ﷺ هو إمامهم في أعظم وأجل العبادات وهى الصلاة، ويؤيد ذلك قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١] .
وأكتفي بنقل ما ذكره الشيخ السعدي﵀- في تفسير الآية، حيث قال ما نصه: (فكل الأنبياء لو أدركوا محمدا ﷺ لوجب عليهم الإيمان به واتباعه ونصرته وكان هو إمامهم ومقدمهم ومتبوعهم فهذه الآية الكريمة من أعظم الدلائل على علو مرتبته وجلالة قدره وأنه أفضل الأنبياء وسيدهم ﷺ) . انتهى.
وأقول: لا استبعد أن يكون رضى الأنبياء بالصلاة مأمومين خلف النبي ﷺ وتسليمهم بأحقيته ﷺ في الإمامة يدخل ضمن الميثاق الذي أخذه الله ﵎ عليهم.
وأود أن أبين ما عناه الشيخ السعدي﵀- بقوله: (فهذه الآية الكريمة من أعظم الدلائل على علو مرتبته..) فالشاهد في الآية أن كل نبي من لدن آدم إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام قد أخذ الله عليهم العهد بنصرة واتباع نبينا ﷺ، إلا هو ﷺ فلم يؤخذ عليه مثل هذا العهد، فلم يؤمر باتباع أو نصرة أي نبي حيث إنه ﷺ خاتمهم.
الفائدة الرابعة:
قال القاضي عياض﵀- في صلاة إبراهيم ﵇:
(وقد تكون الصلاة هنا بمعنى الذكر والدعاء وهي من أعمال الآخرة) «١» . انتهى، ولكني أرجح- والله تعالى أعلم- أنها صلاة حقيقية وذلك لقوله ﷺ: «وإذا إبراهيم قائم يصلي»
_________________
(١) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ٢٣٨) .
[ ١ / ١٣٩ ]
فالقيام هو ألصق صفة بالصلاة المعروفة لقوله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ [البقرة: ٢٣٨] عكس الدعاء والذكر لا يشتهر عنهما تلك الصفة، ثم إن لفظ الحديث يجب ألا يصرف عن معناه الشرعي إلى المعنى اللغوي إلا بدليل أو مسوغ، وحيث فقد الدليل أو المسوغ في الحديث وجب الأخذ بالمدلول الشرعي للفظ.
الفائدة الخامسة:
بيان أن شريعة النبي ﷺ ناسخة لكل شرائع الأنبياء من قبله، حيث إنه ﷺ صلى بهم قطعا بالصلاة التي علمه الله إياها وفرضها عليه، فدل ذلك أن شريعة الإسلام قد هيمنت على كل الشرائع السابقة، وقد تكون من حكمة صلاة النبي ﷺ بالأنبياء بيان هذا النسخ وإعلامه للخلق، وقد تكون من ضمن حكم هذه الصلاة تعليم النبي ﷺ الأنبياء الصلاة التي فرضها الله عليه، ليتقربوا بها إلى الله، والدليل أن هذه الصلاة هي الصلاة المفروضة علينا- في أول البعثة- قوله ﷺ: «فحانت الصلاة» أي أنها صلاة لها وقت محدد، ولا نعلم في الشرع صلاة لها وقت محدد إلا الصلاة المفروضة.
الفائدة السادسة:
بيان أن مالك﵇- هو خازن النار، والدليل على ذلك قوله تعالى: وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ [الزخرف: ٧٧]، وفيه فضيلة السلام وأن المفضول هو الذي يبدأ الفاضل بالسلام وأن للملائكة أسماء يسمون بها، أطلعنا الله على بعضها، ولكن لا نجزم أن لكل واحد منهم اسما لعدم ورود دليل على ذلك.
١٣- قتال الملائكة معه ﷺ:
قال تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [الأنفال: ١٢] .
عن سعد قال: رأيت عن يمين رسول الله ﷺ وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بياض ما رأيتهما قبل ولا بعد يعني جبريل وميكائيل ﵉ «١» . رواه مسلم، وفي رواية «يقاتلان عنه أشد القتال» .
وعند البخاري: عن سعد بن أبي وقّاص ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه عليهما ثياب بيض كأشدّ القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد «٢» .
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب: في قتال جبريل وميكائيل عن النبي ﷺ يوم أحد، برقم (٢٣٠٦) .
(٢) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما [آل عمران: ١٢٢]، برقم (٤٠٥٤) .
[ ١ / ١٤٠ ]
قال الإمام النووي﵀.: (فيه بيان كرامة النبي ﷺ على الله تعالى وإكرامه إياه بإنزال الملائكة تقاتل معه وبيان أن الملائكة تقاتل، وأن قتالهم لم يختص بيوم بدر. وهذا هو الصواب خلافا لمن زعم اختصاصه، وفيه فضيلة الثياب البيض وأن رؤية الملائكة لا تختص بالأنبياء بل يراهم الصحابة والأولياء وفيه منقبة لسعد بن أبي وقاص الذي رأى الملائكة) .
انتهى «١» .
وإن كان لي أن أضيف شيئا إلى كلام الإمام النووي﵀- فأود أن ألقي الضوء على مظاهر تشريف الله ﷾ لنبيه والتي تظهر جليلة في:
١- قتال جبريل وميكائيل﵉- عن يمين وشمال النبي ﷺ، أبلغ دليل على مدى اعتناء المولى ﷾ بنبيه ﷺ، كما أنه دليل على أن الملكين﵉- نزلا خصيصا لحمايته والدفاع عنه، وإلا لقاتلا في أي من صفوف الجيش، ودليله قول الراوي (ومعه رجلان يقاتلان عنه) .
٢- كان يمكن أن يعمي الله ﷿ أعين الكفار عن النبي ﷺ في المعركة، فلا يحتاج لمن يقاتل دونه، ولكن الله ﷿ أراد أن يؤيد النبي ﷺ بمعجزة حسية يثبّت بها فؤاده ويعلم بها رعاية الملأ الأعلى له، ويراها الصحابة عيانا فيعرفوا قدر نبيهم ﷺ عند ربهم ويزدادوا بها إيمانا مع إيمانهم ويتحقق نفس الشيء بالنسبة لنا. فالحمد على ما أنعم به وتفضل.
٣- لم تكن غزوة أحد هي الغزوة الوحيدة التي قاتلت فيها الملائكة مع النبي ﷺ، ولكنها قاتلت من قبل في غزوة بدر الكبرى، ونزل بذلك قرآن يتلى، قال تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [الأنفال: ١٢] .
وأود أن أبين بعض اللفتات الجميلة في تلك الآية الكريمة ليتبين للقارئ مدى اعتناء المولى ﷾ بالنبي ﷺ وأمته.
اللفتة الأولى:
بدأ الله ﷾ الآية بإثبات معية الله الخاصة للملائكة المأمورين بالقتال في الغزوة، قال تعالى: أَنِّي مَعَكُمْ [الأنفال: ١٢] وإعلام الله الملائكة بهذه المعية الخاصة قبل أمرهم بالقتال، إما لحثهم على القتال أبلغ الحث أو طمئنتهم أن الله ناصرهم، وأن هذه
_________________
(١) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (١٥/ ٦٦) .
[ ١ / ١٤١ ]
الغزوة هي لله وبأمر الله وهي تجري على أعين الله، وأن الله يريد أن ينصر فيها محمدا ﷺ وصحبه، وقد يكون نزول الملائكة لأسباب وحكم أخرى يعلمها هو ﷾.
اللفتة الثانية:
بينت الآية أن قتال الملائكة في الغزوة كان بأمر من الله ﷿، لقوله تعالى: فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال: ١٢] بل الغريب في الآية أن يوضح المولى ﷾ للملائكة المواضع التي تضرب من هامات المشركين، فلا يترك للملائكة الاجتهاد في ذلك، وهذا من أظهر مواطن اعتناء المولى ﷾ بتلك الغزوة. وحدوث البركة قطعا في ضرب الملائكة لتلك المواضع من هامات المشركين لأنها بأمر الله.
اللفتة الثالثة:
بيّن الله ﷾ في الآية الكريمة عمل الملائكة، وهو تثبيت المؤمنين والقتال معهم، وعمله ﷾، هو إلقاء الرعب في صفوف المشركين، ولنا أن نتخيل خصمين في غزوة واحدة، الخصم الأول قد ثبّت الله أركانه وقوّى عزائمه بأن جعل الملائكة تقاتل معه أشد القتال وذلك بضرب رقاب ومفاصل عدوه، والخصم الثاني قد ثبط الله عزائمه وزلزل أركانه بأن ألقى في قلبه الرعب، فلأي الفريقين تكون الغلبة والنصر؟!.
١٤- إعلامه ﷺ بكثير من أمور الغيب:
عن سهل بن سعد السّاعديّ: أنّ رسول الله ﷺ التقى هو والمشركون فاقتتلوا، فلمّا مال رسول الله ﷺ إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم وفي أصحاب رسول الله ﷺ رجل لا يدع لهم شاذّة إلّا اتّبعها يضربها بسيفه فقالوا: ما أجزأ منّا اليوم أحد كما أجزأ فلان فقال رسول الله ﷺ: «أما إنّه من أهل النّار» فقال رجل من القوم: أنا صاحبه أبدا قال فخرج معه كلّما وقف وقف معه وإذا أسرع أسرع معه قال: فجرح الرّجل جرحا شديدا، فاستعجل الموت؛ فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثمّ تحامل على سيفه فقتل نفسه، فخرج الرّجل إلى رسول الله ﷺ فقال أشهد أنّك رسول الله قال: «وما ذاك؟» قال:
الرّجل الّذي ذكرت آنفا أنّه من أهل النّار، فأعظم النّاس ذلك فقلت: أنا لكم به فخرجت في طلبه حتّى جرح جرحا شديدا فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثمّ تحامل عليه فقتل نفسه فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: «إنّ الرّجل ليعمل عمل أهل الجنّة فيما يبدو للنّاس وهو من أهل النّار وإنّ الرّجل ليعمل عمل أهل النّار فيما يبدو للنّاس وهو من أهل الجنّة» «١» . (رواه مسلم) .
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب: غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، برقم (١١٢) .
[ ١ / ١٤٢ ]
الشاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ حكم على رجل، أعجب أصحابه بقتاله وشجاعته أنه من أهل النار، وقد تحققت علامات ذلك عيانا للصحابة، وهذا من أعظم دلائل نبوته، أن ينبّأ بخاتمة أحد، ظن الناس أنه من أهل الجنة لعمله الصالح فيما يبدو لهم، وقد فهم الصحابة أن هذا الحكم على الرجل، بفعل سيفعله قبل موته يوجب له النار، لذلك اتبعه أحد الصحابة ليعلم أسباب سوء خاتمة الرجل، ولو لم يكن النبي ﷺ، يوحى إليه من ربه، ما تجرأ وحكم على الرجل في حياته بأنه من أهل النار.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
قد يوفق الإنسان إلى أعمال تتشابه صورتها مع الأعمال التي يحبها الله ﷾ ويرضاها، سواء في غزو أو نصح أو قراءة للقرآن أو بذل مال للمحتاجين والمساكين أو إعانة ضعيف، ولكن مع أن هذه الأعمال تشابه صورتها الأعمال الطيبة، وينظر الناس إليها نظر المعجبين بها، والمثنين على صاحبها، الغابطين له، إلا أن الله ﷿، لا يحبها ولا يتقبلها، بل يردها في وجه صاحبها، لتخلف أحد شروط العمل الصالح المقبول، بل يعاقبه عليها.
ونتعلم من ذلك عدم الحكم بأن الله ﷿ يحب فلانا لأعماله الكثيرة الخيرة، أو أن نثني عليه ونبالغ في الثناء جازمين، بل قد نتجرأ ونحكم أنه من أهل الجنة، كما نتعلم ضرورة أن نفتش في أعمالنا ونياتنا دوما، لنصلح من الاتباع والإخلاص، ونعلم أن الشيطان حريص على أن يفسد علينا أعمالنا، خاصة أهل العلم والتقوى والصلاح.
الفائدة الثانية:
على المسلم أن يعمل، ويجتهد في عمله، ويسأل الله، ﷿، دوما الثبات في الأمر وحسن الخاتمة، وألا يعجب بعمله ولا يركن له، ويعتقد أن عمله سيدخله الجنة، وينجيه من النار؛ لأنه ورد في رواية عند البخاري: «وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها» «١» ويصدق ذلك ما (رواه البخاري) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لن ينجّي أحدا منكم عمله» قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلّا أن يتغمّدني الله برحمة؛ سدّدوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدّلجة، والقصد القصد
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب القدر، باب: في القدر، برقم (٦٥٩٤) .
[ ١ / ١٤٣ ]
تبلغوا» «١»، وما زال النبي ﷺ وإخوانه من الأنبياء، يدعون الله لأنفسهم بدخول الجنة والنجاة من النار، وهم الذين يعلمون مكانتهم عند الله، ولكنه التزام الأدب، وإعلان كامل الافتقار لله ﷿.
الفائدة الثالثة:
إعلام النبي ﷺ ببعض أمور الغيب، كان سببا في زيادة إيمان الصحابة ﵃، حيث قال الصحابي لما عاين وتحقق مما قال النبي ﷺ في حق الرجل الذي قتل نفسه، (أشهد أنك رسول الله)، وعلم النبي ﷺ أن الصحابي إنما قال تلك المقولة بسبب زيادة إيمانه بما رأى من معجزاته.
الفائدة الرابعة:
يتفرع على ما سبق، أن على المؤمن أن ينظر ويتأمل ويتدبر، في المعجزات التي وردت في السنة الصحيحة باختلاف أنواعها؛ لأنها من أسباب تقوية إيمان العبد، وقد يكون هذا الجانب من أسباب قوة يقين الصحابة أكثر من غيرهم؛ لأن من رأى ليس كمن سمع.
الفائدة الخامسة:
على المؤمن أن يعمل على تقوية إيمانه، ويجعله عملا بعد علم، وأن يقره في قلبه بعد أن استقر في عقله، ويعود نفسه وجسمه على تحمل الصعاب، ويبتعد عن الترف الزائد، ولو لفترات من حياته، وعليه ألا يهتم بالظاهر دون الباطن، تعويدا لنفسه لما قد يلاقيه من محن وابتلاآت من الله ﷿، ويحرص أن تأتي هذه المحن على قلب ثابت راسخ عامر بالإيمان؛ لأن هذا الرجل الذي ذكر في حديث الباب، قد استعجل الموت وقتل نفسه لمجرد أنه ابتلي، فكان من أهل النار، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ [الحج: ١١]، فذم الله ﵎ هذا الصنف من الناس، الذي يرتد على عقبيه مع نزول الفتنة، وبينت الآية عاقبته في الدنيا والآخرة، وما ذلك إلا أنه ضعفت عبادته فضعف إيمانه، ومن ضعف إيمانه، كان حاله كمن يقف على شفير، مع أول هزة يهوي في الهاوية، وهذا درس لنا جميعا أن العبادة لها عامل عظيم في تربية النفس، فكلما كانت خالصة لوجه الله ﵎، لا يريد بها ثناء الناس، ولا وجاهة الدنيا، مع موافقة تلك العبادة لسنة المصطفى ﵊، أدّت تلك العبادة إلى تقوية الإيمان في القلوب.
الفائدة السادسة:
هل من علامات يعرفها العبد من نفسه يستدل بها على ثباته إذا تعرض للفتنة؟
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب: القصد والمداومة على العمل، برقم (٦٤٦٣) .
[ ١ / ١٤٤ ]
أقول: يجرب العبد نفسه فيما يقدر عليه الآن، فإذا رأى نفسه لا يستطيع أن يصدق القول إن كان على نفسه، ولا يمسك لسانه عن الخوض في أعراض الناس، ويجد شهوته في أكل لحوم إخوانه بالغيبة والنميمة، ولا يفي بالوعد، ولا يعطف على الصغير ولا يوقر الكبير، وإذا رأى من نفسه عدم الصبر على الأمور البسيطة، التي لا تتطلب أدنى مجاهدة، وإذا شح بحقوق الآخرين التي في ذمته، ومن قبل ومن بعد، إذا تكاسل عن أداء العبادات، فلا يؤمل أن يصبر عند الشدائد، أو يثبت عند المصائب؛ لأن الإنسان إذا سقط في السهل كان سقوطه في الصعب آكد.
الفائدة السابعة:
لا يجوز للأطباء أن يستعجلوا وفاة أحد المرضى، مهما بلغ وجعه، ولو كان ميؤسا من شفائه؛ لأن الرجل الذي معنا ما أقدم على الانتحار، إلا لأنه جرح جرحا شديدا، فكان انتحاره من علامات سوء الخاتمة.
وشواهد إخبار النبي بأمور الغيب- التي أطلعه الله عليها- أكثر من أن تحصى، وقد ورد في ثنايا هذا الكتاب أحاديث كثيرة تشهد بذلك، وسأورد هنا مثالين اخترتهما لبيان أن إخبار النبي بأمور الغيب كان من أعظم صدق دلائل نبوته، فالحديث الأول والذى أخبر فيه النبي بانتشار الإسلام وظهوره وتمكنه في الأرض كان قبل الهجرة، والمسلمون في غاية الضعف، بل يعذبون وينكل بهم غاية التنكيل، أما الحديث الثاني فقد أخبر فيه النبي بكل ما هو كائن إلى يوم القيامة، في خطبة استغرقت نهارا كاملا، من صلاة الفجر حتى صلاة المغرب، ولا شك أن الصحابة ﵃ بعد وفاة النبي قد عاينوا وعايشوا الكثير من وقائع تلك الأخبار، خاصة ما يتعلق بالفتن، ولولا صدق النبي فيما يخبر به عن ربه، وتأييد المولى ﷾ له، لحدث اختلاف كثير بين ما قال وما حدث.
الحديث الأول:
عن خبّاب بن الأرتّ قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسّد بردة له في ظلّ الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرّجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصدّه ذلك عن دينه والله ليتمّنّ هذا الأمر حتّى يسير الرّاكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلّا الله والذّئب على غنمه ولكنّكم تستعجلون» «١» .
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الإكراه، باب: من اختار الضرب والقتل ، برقم (٦٩٤٣) .
[ ١ / ١٤٥ ]
الحديث الثاني:
عن عمرو بن أخطب قال: (صلّى بنا رسول الله ﷺ الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتّى حضرت الظّهر فنزل فصلّى، ثمّ صعد المنبر فخطبنا حتّى حضرت العصر، ثمّ نزل فصلّى، ثمّ صعد المنبر فخطبنا حتّى غربت الشّمس فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا) «١» . رواه مسلم.
وعند البخاري عن طارق بن شهاب قال: سمعت عمر ﵁ يقول: قام فينا النّبيّ ﷺ مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتّى دخل أهل الجنّة منازلهم وأهل النّار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه «٢» .
وعنده أيضا، عن حذيفة ﵁ قال: لقد خطبنا النّبيّ ﷺ خطبة ما ترك فيها شيئا إلى قيام السّاعة إلّا ذكره، علمه من علمه، وجهله من جهله، إن كنت لأرى الشّيء قد نسيت فأعرف ما يعرف الرّجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه «٣» .
أ- استجابة دعائه ﷺ للمؤمنين:
المثال الأول:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يدخل على أمّ حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أمّ حرام تحت عبادة بن الصّامت، فدخل عليها رسول الله ﷺ فأطعمته وجعلت تفلي رأسه فنام رسول الله ﷺ ثمّ استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمّتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة- أو مثل الملوك على الأسرّة» - شكّ إسحاق- قالت فقلت: يا رسول الله؟ ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها رسول الله ﷺ ثمّ وضع رأسه ثمّ استيقظ وهو يضحك، فقلت وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمّتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله » كما قال في الأوّل قالت: فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: «أنت من الأوّلين» فركبت البحر في زمان معاوية بن أبي سفيان فصرعت عن دابّتها حين خرجت من البحر فهلكت.
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب: الفتن، باب: إخبار النبي ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة، برقم (٢٨٩٢) .
(٢) رواه البخاري، كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الروم: ٢٧]، برقم (٣١٩٢) .
(٣) رواه البخاري، كتاب: القدر، باب: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا [الأحزاب: ٣٨]، برقم (٦٦٠٤) .
[ ١ / ١٤٦ ]
الشاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ دعا للصحابية أم حرام بنت ملحان، أن تركب البحر غازية في سبيل الله فدعا لها، واستجاب الله دعاءه فغزت هذه الصحابية في زمن الخليفة الراشد- على أحد القولين- عثمان بن عفان، وصرعت عن دابتها في قبرص، وكان معها زوجها الصحابي الجليل عبادة بن الصامت، وقيل: غزت في زمن معاوية ﵁، ولا يهمنا في هذا البحث في أي زمن غزت، ولكن الذي يهمنا أن الله استجاب دعاء نبيه، ونالت المرأة شرف الغزو في سبيل الله، ثم الشهادة في سبيل الله ﷿.